Lafzullah

Tafsir Al-Razi — ص 38:20 – ص 38:64

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. ص 38:20
  2. ص 38:21
  3. ص 38:22
  4. ص 38:23
  5. ص 38:24
  6. ص 38:25
  7. ص 38:26
  8. ص 38:27
  9. ص 38:28
  10. ص 38:29
  11. ص 38:30
  12. ص 38:31
  13. ص 38:32
  14. ص 38:33
  15. ص 38:34
  16. ص 38:35
  17. ص 38:36
  18. ص 38:37
  19. ص 38:38
  20. ص 38:39
  21. ص 38:40
  22. ص 38:41
  23. ص 38:42
  24. ص 38:43
  25. ص 38:44
  26. ص 38:45
  27. ص 38:46
  28. ص 38:47
  29. ص 38:48
  30. ص 38:49
  31. ص 38:50
  32. ص 38:51
  33. ص 38:52
  34. ص 38:53
  35. ص 38:54
  36. ص 38:55
  37. ص 38:56
  38. ص 38:57
  39. ص 38:58
  40. ص 38:59
  41. ص 38:60
  42. ص 38:61
  43. ص 38:62
  44. ص 38:63
  45. ص 38:64

ص 38:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ . اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ أنَّ القَوْمَ إنَّما تَعَجَّبُوا لِشُبُهاتٍ ثَلاثٍ: أوَّلُها: تَتَعَلَّقُ بِالإلَهِيّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ والثّانِيَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوّاتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ . والثّالِثَةُ: تَتَعَلَّقُ بِالمَعادَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في نِهايَةِ الإنْكارِ لِلْقَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَكانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِفَسادِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى فَسادِ نُبُوَّتِهِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ لِأنَّهُ قُطِعَ مِنهُ، مِن قِطِّهِ إذا قَطَعَهُ ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطُّ، ولَمّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعْدَ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الجَنَّةِ، أوْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا حَتّى نَنْظُرَ فِيها. واعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا بالَغُوا في السَّفاهَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: أيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ؟ قُلْنا بَيانُ هَذا التَّعَلُّقِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنْ كُنْتَ قَدْ شاهَدْتَ مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ جَراءَتَهم عَلى اللَّهِ وإنْكارَهُمُ الحَشْرَ والنَّشْرَ، فاذْكُرْ قِصَّةَ داوُدَ حَتّى تَعْرِفَ شِدَّةَ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومِن يَوْمِ الحَشْرِ، فَإنَّ بِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُ الضِّدَّيْنِ شَرَفًا يَزْدادُ الضِّدُّ الآخَرُ نُقْصانًا. والثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِقَوْلِكَ ودِينِكَ، فَإنَّهم إذا خالَفُوكَ فالأكابِرُ مِنَ الأنْبِياءِ وافَقُوكَ. والثّالِثُ: أنَّ لِلنّاسِ في قِصَّةِ داوُدَ قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن قالَ إنَّها تَدُلُّ صفحة ١٦١ عَلى ذَنْبِهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. (فَمَن قالَ بِالأوَّلِ) كانَ وجْهُ المُناسَبَةِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إنَّ حُزْنَكَ لَيْسَ إلّا، لِأنَّ الكُفّارَ يُكَذِّبُونَكَ، وأمّا حُزْنُ داوُدَ فَكانَ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ في ذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا شَكَّ أنَّ حُزْنَهُ أشَدُّ، فَتَأمَّلْ في قِصَّةِ داوُدَ وما كانَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ العَظِيمِ حَتّى يَخِفَّ عَلَيْكَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحُزْنِ (ومَن قالَ بِالثّانِي) قالَ: الخَصْمانِ اللَّذانِ دَخَلا عَلى داوُدَ كانا مِنَ البَشَرِ، وإنَّما دَخَلا عَلَيْهِ لِقَصْدِ قَتْلِهِ فَخافَ مِنهُما داوُدُ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإيذائِهِما ولا دَعا عَلَيْهِما بِسُوءٍ، بَلِ اسْتَغْفَرَ لَهُما عَلى ما سَيَجِيءُ تَقْرِيرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في حُسْنِ الخُلُقِ. والخامِسُ: أنَّ قُرَيْشًا إنَّما كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَخَفُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ في أكْثَرِ الأمْرِ إنَّهُ يَتِيمٌ فَقِيرٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَصَّ عَلى مُحَمَّدٍ كَمالَ مَمْلَكَةِ داوُدَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ ما سَلِمَ مِنَ الأحْزانِ والغُمُومِ، لِيَعْلَمَ أنَّ الخَلاصَ عَنِ الحُزْنِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا. والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى داوُدَ فَقَطْ بَلْ ذَكَرَ عَقِيبَ قِصَّةِ داوُدَ قِصَصَ سائِرِ الأنْبِياءِ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ واعْتَبِرْ بِحالِ سائِرِ الأنْبِياءِ لِيُعَلِّمَهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ مَشْغُولًا بِهَمٍّ خاصٍّ وحُزْنٍ خاصٍّ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أنَّ الدُّنْيا لا تَنْفَكُّ عَنِ الهُمُومِ والأحْزانِ، وأنَّ اسْتِحْقاقَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ عِنْدَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ والمَتاعِبِ في الدُّنْيا، وهَذِهِ وُجُوهٌ ذَكَرْناها في هَذا المَقامِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أقْوى وأحْسَنُ مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ تِسْعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ حالَ ثَلاثَةٍ مِنهم عَلى التَّفْصِيلِ وحالَ سِتَّةٍ آخَرِينَ عَلى الإجْمالِ. فالقِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ داوُدَ، واعْلَمْ أنَّ مَجامِعَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ الكَلامِ. فالأوَّلُ: تَفْصِيلُ ما آتى اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تُوجِبُ سَعادَةَ الآخِرَةِ والدُّنْيا. والثّانِي: شَرْحُ تِلْكَ الواقِعَةِ الَّتِي وقَعَتْ لَهُ مِن أمْرِ الخَصْمَيْنِ. والثّالِثُ: اسْتِخْلافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بَعْدَ وُقُوعِ تِلْكَ الواقِعَةِ. أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو شَرْحُ الصِّفاتِ الَّتِي آتاها اللَّهُ داوُدَ مِنَ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِكَمالِ السَّعادَةِ فَهي عَشْرٌ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى جَلالَةِ قَدْرِهِ بِأنْ يَقْتَدِيَ في الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِداوُدَ وذَلِكَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ وإكْرامٌ لِداوُدَ حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ أفْضَلَ الخَلْقِ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ. والثّانِي: أنَّهُ قالَ في حَقِّهِ: ﴿عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ وعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ الدّالَّةِ عَلى نِهايَةِ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غايَةُ التَّشْرِيفِ، ألا تَرى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسْراءِ: ١] فَهَهُنا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّشْرِيفِ لِداوُدَ فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ أيْضًا، فَإنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ بِعُبُودِيَّتِهِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم قَدْ حَقَّقُوا مَعْنى العُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ في الطّاعَةِ. والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ عَلى أداءِ الطّاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ بِالقُوَّةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القُوَّةُ مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ، والقُوَّةُ الَّتِي تُوجِبُ المَدْحَ العَظِيمَ لَيْسَتْ إلّا القُوَّةَ عَلى فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ وتَرْكِ ما نُهِيَ عَنْهُ و﴿الأيْدِ﴾ المَذْكُورُ هَهُنا كالقُوَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٥] أيْ: بِاجْتِهادٍ في أداءِ الأمانَةِ وتَشَدُّدٍ في القِيامِ بِالدَّعْوَةِ، وتَرْكِ إظْهارِ الوَهْنِ والضَّعْفِ، و”الأيْدِ“ والقُوَّةُ سَواءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٧] وقالَ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٧] وعَنْ صفحة ١٦٢ قَتادَةَ أُعْطِيَ قُوَّةً في العِبادَةِ وفِقْهًا في الدِّينِ، وكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ويَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ أنَّ داوُدَ كانَ رَجّاعًا في أُمُورِهِ كُلِّها إلى طاعَتِي، والأوّابُ فَعّالٌ مِن آبَ إذا رَجَعَ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشِيَةِ: ٢٥] وفَعّالٌ بِناءُ المُبالَغَةِ كَما يُقالُ قَتّالٌ وضَرّابٌ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن قاتِلٍ وضارِبٍ. الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سَبَأٍ: ١٠] وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ في جِسْمِ الجَبَلِ حَياةً وعَقْلًا وقُدْرَةً ومَنطِقًا، وحِينَئِذٍ صارَ الجَبَلُ مُسَبِّحًا لِلَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] فَإنَّ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في الجَبَلِ عَقْلًا وفَهْمًا، ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، فَكَذا هَهُنا. الثّانِي: في التَّأْوِيلِ ما رَواهُ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوتِيَ مِن شِدَّةِ الصَّوْتِ وحُسْنِهِ ما كانَ لَهُ في الجِبالِ دَوِيٌّ حَسَنٌ، وما يُصْغِي الطَّيْرُ إلَيْهِ لِحُسْنِهِ فَيَكُونُ دَوِيُّ الجِبالِ وتَصْوِيتُ الطَّيْرِ مَعَهُ وإصْغاؤُهُ إلَيْهِ تَسْبِيحًا، وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِ داوُدَ حَتّى إنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الزَّبُورَ دَنَتْ مِنهُ الوُحُوشُ حَتّى يَأْخُذَ بِأعْناقِها. الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَخَّرَ الجِبالَ حَتّى إنَّها كانَتْ تَسِيرُ إلى حَيْثُ يُرِيدُهُ داوُدُ، وجُعِلَ ذَلِكَ السَّيْرُ تَسْبِيحًا لِأنَّهُ كانَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في مَعْنى مُسَبِّحاتٍ، فَإنْ قالُوا هَلْ مِن فَرْقٍ بَيْنَ يُسَبِّحْنَ ومُسَبِّحاتٍ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، فَإنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ، وصِيغَةُ الِاسْمِ عَلى الدَّوامِ عَلى ما بَيَّنَهُ عَبْدُ القاهِرِ النَّحْوِيُّ في كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ التَّسْبِيحِ مِنَ الجِبالِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وحالًا بَعْدَ حالٍ، وكانَ السّامِعُ حاضِرُ تِلْكَ الجِبالِ يَسْمَعُها تُسَبِّحُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ شَرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ أكْثَرُ، تَقُولُ العَرَبُ: شَرَقَتِ الشَّمْسُ والماءُ يُشْرِقُ. البَحْثُ الرّابِعُ: احْتَجُّوا عَلى شَرْعِيَّةِ صَلاةِ الضُّحى بِهَذِهِ الآيَةِ، «عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: ”دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: يا أُمَّ هانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ“» وعَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”هَلْ تَجِدُونَ ذِكْرَ صَلاةِ الضُّحى في القُرْآنِ ؟ قالُوا: لا، فَقَرَأ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وقالَ كانَ يُصَلِّيها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي شَيْءٌ مِن صَلاةِ الضُّحى حَتّى وجَدْتُها في قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ . * * * الصِّفَةُ السّادِسَةُ: مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: صفحة ١٦٣ البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿والطَّيْرَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجِبالِ، والتَّقْدِيرُ وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ داوُدُ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ فَسَبَّحَتْ مَعَهُ، واجْتِماعُها إلَيْهِ هو حَشْرُها، فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حاشِرُها هو اللَّهُ، (فَإنْ قِيلَ) كَيْفَ يَصْدُرُ تَسْبِيحُ اللَّهِ عَنِ الطَّيْرِ مَعَ أنَّهُ لا عَقْلَ لَها ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَخْلُقُ لَها عَقْلًا حَتّى تَعْرِفَ اللَّهَ فَتُسَبِّحَهُ حِينَئِذٍ، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ مُعْجِزَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ“ الكَشّافِ ”قَوْلُهُ: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مُقابَلَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في الحَشْرِ مِثْلُ ما كانَ في التَّسْبِيحِ مِن إرادَةِ الدَّلالَةِ عَلى الحُدُوثِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَلا جَرَمَ جِيءَ بِهِ اسْمًا لا فِعْلًا، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لَوْ قِيلَ: وسَخَّرْنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً يُسَبِّحْنَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الحَشْرَ وُجِدَ مِن حاشِرِها جُمْلَةً واحِدَةً دَلَّ عَلى القَدْرِ المَذْكُورِ واللَّهُ أعْلَمُ. البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ“ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ " بِالرَّفْعِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ مِن صِفاتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ ومَعْناهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ أوّابٌ أيْ رَجّاعٌ، أيْ كُلَّما رَجَعَ داوُدُ إلى التَّسْبِيحِ جاوَبَتْهُ، فَهَذِهِ الأشْياءُ أيْضًا كانَتْ تَرْجِعُ إلى تَسْبِيحاتِها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها أنَّ فِيما سَبَقَ عَلِمْنا أنَّ الجِبالَ والطَّيْرَ سَبَّحَتْ مَعَ تَسْبِيحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهَذا اللَّفْظِ فَهِمْنا دَوامَ تِلْكَ المُوافَقَةِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ أوّابٌ أيْ مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ، وقالَ تَعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القَصَصِ: ٣٥] وقِيلَ شَدَدْنا عَلى المُبالَغَةِ، وأمّا الأسْبابُ المُوجِبَةُ لِحُصُولِ هَذا الشَّدِّ فَكَثِيرَةٌ، وهي إمّا الأسْبابُ الدُّنْيَوِيَّةُ أوِ الدِّينِيَّةُ، أمّا الأوَّلُ فَذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ رَجُلٍ، فَإذا أصْبَحَ قِيلَ ارْجِعُوا فَقَدْ رَضِيَ عَنْكم نَبِيُّ اللَّهِ، وزادَ آخَرُونَ فَذَكَرُوا أرْبَعِينَ ألْفًا. قالُوا وكانَ أشَدَّ مُلُوكِ الأرْضِ سُلْطانًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا ادَّعى عِنْدَ داوُدَ عَلى رَجُلٍ أخَذَ مِنهُ بَقَرَةً فَأنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقالَ داوُدُ لِلْمُدَّعِي: أقِمِ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يُقِمْها، فَرَأى داوُدُ في مَنامِهِ. أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أنْ يَقْتُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَثَبَتَ داوُدُ وقالَ هو مَنامٌ، فَأتاهُ الوَحْيُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تَقْتُلَهُ فَأحْضَرَهُ وأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ صَدَقَ اللَّهُ، إنِّي كُنْتُ قَتَلْتُ أبا هَذا الرَّجُلِ غِيلَةً. فَقَتَلَهُ داوُدُ. فَهَذِهِ الواقِعَةُ شَدَّدَتْ مُلْكَهُ، وأمّا الأسْبابُ الدِّينِيَّةُ المُوجِبَةُ لِهَذا الشَّدِّ فَهي الصَّبْرُ والتَّأمُّلُ التّامُّ والِاحْتِياطُ الكامِلُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] واعْلَمْ أنَّ الفَضائِلَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ، والفَضائِلُ النَّفْسانِيَّةُ مَحْصُورَةٌ في قِسْمَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فَهو أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِالتَّصَوُّراتِ الحَقِيقِيَّةِ والتَّصْدِيقاتِ النَّفْسانِيَّةِ بِمُقْتَضى الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأمّا العَمَلُ فَهو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ آتَيًا بِالعَمَلِ الأصْلَحِ الأصْوَبِ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَهَذا هو الحِكْمَةُ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا بِالحِكْمَةِ لِأنَّ اشْتِقاقَ الحِكْمَةِ الصَّحِيحَةِ لا تَقْبَلُ النَّسْخَ والنَّقْضَ فَكانَتْ في غايَةِ الإحْكامِ، وأمّا الأعْمالُ المُطابِقَةُ لِمَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّها واجِبَةُ الرِّعايَةِ ولا تَقْبَلُ صفحة ١٦٤ النَّقْضَ والنَّسْخَ، فَلِهَذا السَّبَبِ سَمَّيْنا تِلْكَ المَعارِفَ وهَذِهِ الأعْمالَ بِالحِكْمَةِ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ واعْلَمْ أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها: ما تَكُونُ خالِيَةً عَنِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهي الجَماداتُ والنَّباتاتُ. وثانِيها: الَّتِي يَحْصُلُ لَها إدْراكٌ وشُعُورٌ ولَكِنَّها لا تَقْدِرُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِها الأحْوالَ الَّتِي عَرَفُوها في الأكْثَرِ، وهَذا القِسْمُ هو جُمْلَةُ الحَيَواناتِ سِوى الإنْسانِ. وثالِثُها: الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ إدْراكٌ وشُعُورٌ ويَحْصُلُ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ لَهُ، وذَلِكَ هو الإنْسانُ وقُدْرَتُهُ عَلى تَعْرِيفِ غَيْرِهِ الأحْوالَ المَعْلُومَةَ عِنْدَهُ بِالنُّطْقِ والخِطابِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُونَ في مَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّعْبِيرِ عَمّا في الضَّمِيرِ، فَمِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيرادُ الكَلامِ المُرَتَّبِ المُنْتَظِمِ، بَلْ يَكُونُ مُخْتَلِطَ الكَلامِ مُضْطَرِبَ القَوْلِ، ومِنهم مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ومِنهم مَن يَكُونُ قادِرًا عَلى ضَبْطِ المَعْنى والتَّعْبِيرِ عَنْهُ إلى أقْصى الغاياتِ، وكُلُّ مَن كانَتْ هَذِهِ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أكْمَلَ كانَتِ الآثارُ الصّادِرَةُ عَنِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ في حَقِّهِ أكْمَلَ، وكُلُّ مَن كانَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ في حَقِّهِ أقَلَّ كانَتْ تِلْكَ الآثارُ أضْعَفَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَمالَ حالِ جَوْهَرِ النَّفْسِ النُّطْقِيَّةِ الَّتِي لِداوُدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ أرْدَفَهُ بِبَيانِ كَمالِ حالِهِ في النُّطْقِ واللَّفْظِ والعِبارَةِ، فَقالَ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الجَلالَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّ داوُدَ أوَّلُ مَن قالَ في كَلامِهِ أمّا بَعْدُ، وأقُولُ: حَقًّا إنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فَقَدْ حُرِمُوا الوُقُوفَ عَلى مَعانِي كَلامِ اللَّهِ تَعالى حِرْمانًا عَظِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ، وقَوْلُ مَن قالَ المُرادُ مَعْرِفَةُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَفْصِلُ بَيْنَ الخُصُومِ وهو طَلَبُ البَيِّنَةِ واليَمِينِ فَبَعِيدٌ أيْضًا، لِأنَّ فَصْلَ الخِطابِ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى التَّعْبِيرِ عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ ويَحْضُرُ في الخَيالِ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وبِحَيْثُ يَنْفَصِلُ كُلُّ مَقامٍ عَنْ مَقامٍ، وهَذا مَعْنى عامٌّ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأقْسامِ واللَّهُ أعْلَمُ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في الصِّفاتِ العَشْرِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ص 38:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهم قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ﴾ صفحة ١٦٥ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هم وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ وأثْنى عَلَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ العَشَرَةِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ قِصَّةٍ لِيُبَيِّنَ بِها أنَّ الأحْوالَ الواقِعَةَ في هَذِهِ القِصَّةِ لا يُبَيِّنُ شَيْءٌ مِنها كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ العَظِيمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] وفائِدَةُ هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّنْبِيهُ عَلى جَلالَةِ القِصَّةِ المُسْتَفْهَمِ عَنْها، لِيَكُونَ داعِيًا إلى الإصْغاءِ لَها والِاعْتِبارِ بِها، وأقُولُ لِلنّاسِ في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: أحَدُها: ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الكَبِيرَةِ عَنْهُ. وثانِيها: دَلالَتُها عَلى الصَّغِيرَةِ. وثالِثُها: بِحَيْثُ لا تَدُلُّ عَلى الكَبِيرَةِ ولا عَلى الصَّغِيرَةِ. فَأمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَحاصِلُ كَلامِهِمْ فِيها: أنَّ داوُدَ عَشِقَ امْرَأةَ أُورِيا، فاحْتالَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ حَتّى قَتَلَ زَوْجَها ثُمَّ تَزَوَّجَ بِها فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ المُتَخاصِمَيْنِ في واقِعَةٍ شَبِيهَةٍ بِواقِعَتِهِ، وعَرَضا تِلْكَ الواقِعَةَ عَلَيْهِ. فَحَكَمَ داوُدُ بِحُكْمٍ لَزِمَ مِنهُ اعْتِرافُهُ بِكَوْنِهِ مُذْنِبًا، ثُمَّ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فاشْتَغَلَ بِالتَّوْبَةِ. والَّذِي أدِينُ بِهِ وأذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ لَوْ نُسِبَتْ إلى أفْسَقِ النّاسِ وأشَدِّهِمْ فُجُورًا لاسْتَنْكَفَ مِنها، والرَّجُلُ الحُوشِيُّ الخَبِيثُ الَّذِي يُقَرِّرُ تِلْكَ القِصَّةَ لَوْ نُسِبَ إلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ لَبالَغَ في تَنْزِيهِ نَفْسِهِ ورُبَّما لَعَنَ مَن يَنْسُبُهُ إلَيْها، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ نِسْبَةُ المَعْصُومِ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ حاصِلَ القِصَّةِ يَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: إلى السَّعْيِ في قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإلى الطَّمَعِ في زَوْجَتِهِ، أمّا الأوَّلُ: فَأمْرٌ مُنْكَرٌ قالَ ﷺ: «مَن سَعى في دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأمّا الثّانِي: فَمُنْكَرٌ عَظِيمٌ، قالَ ﷺ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ» وإنَّ أُورِيا لَمْ يَسْلَمْ مِن داوُدَ لا في رُوحِهِ ولا في مَنكُوحِهِ. والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ بِالصِّفاتِ العَشْرِ المَذْكُورَةِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ، وكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ تُنافِي كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْصُوفًا بِهَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ والعَمَلِ القَبِيحِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في البَيانِ. فَنَقُولُ: أمّا الصِّفاتُ الأُولى: فَهي أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ في المُصابَرَةِ مَعَ المُكابَدَةِ، ولَوْ قُلْنا: إنَّ داوُدَ لَمْ يَصْبِرْ عَلى مُخالَفَةِ النَّفْسِ بَلْ سَعى في إراقَةِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لِغَرَضِ شَهْوَتِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ أنْ يَأْمُرَ مُحَمَّدًا أفْضَلَ الرُّسُلِ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ في الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: فَهي أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الوَصْفِ بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ المَوْصُوفِ كامِلًا في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ، تامًّا في القِيامِ بِأداءِ الطّاعاتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ، ولَوْ قُلْنا إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَغَلَ بِتِلْكَ الأعْمالِ الباطِلَةِ، فَحِينَئِذٍ ما كانَ داوُدُ كامِلًا في عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعالى، بَلْ كانَ كامِلًا في طاعَةِ الهَوى والشَّهْوَةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: هو قَوْلُهُ: ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ القُوَّةُ في الدِّينِ، لِأنَّ القُوَّةَ في غَيْرِ الدِّينِ كانَتْ مَوْجُودَةً في مُلُوكِ الكُفّارِ، ولا مَعْنى لِلْقُوَّةِ في الدِّينِ إلّا القُوَّةَ الكامِلَةَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، صفحة ١٦٦ والِاجْتِنابِ عَنِ المَحْظُوراتِ، وأيُّ قُوَّةٍ لِمَن لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عَنِ القَتْلِ والرَّغْبَةِ في زَوْجَةِ المُسْلِمِ ؟ الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ أوّابًا كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِمَن يَكُونُ قَلْبُهُ مَشْغُوفًا بِالقَتْلِ والفُجُورِ ؟ الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ﴾ أفَتَرى أنَّهُ سُخِّرَتْ لَهُ الجِبالُ لِيَتَّخِذَهُ وسِيلَةً إلى القَتْلِ والفُجُورِ ؟ الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، وقِيلَ إنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ صَيْدُ شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ وكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ الطَّيْرُ آمِنًا مِنهُ ولا يَنْجُو مِنهُ الرَّجُلُ المُسْلِمُ عَلى رُوحِهِ ومَنكُوحِهِ ؟ الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ ومُحالٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى شَدَدَ مُلْكَهُ بِأسْبابِ الدُّنْيا، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى شَدَدَ مُلْكَهُ بِما يُقَوِّي الدِّينَ وأسْبابِ سَعادَةِ الآخِرَةِ، والمُرادُ تَشْدِيدُ مُلْكِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا ومَن لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنِ القَتْلِ والفُجُورِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ ؟ الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ والحِكْمَةُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي عِلْمًا وعَمَلًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: إنّا ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ مَعَ إصْرارِهِ عَلى ما يَسْتَنْكِفُ عَنْهُ الخَبِيثُ الشَّيْطانُ مِن مُزاحَمَةِ أخْلَصِ أصْحابِهِ في الرُّوحِ والمَنكُوحِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ قَبْلَ شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ دالَّةٌ عَلى بَراءَةِ ساحَتِهِ عَنْ تِلْكَ الأكاذِيبِ. * * * وأمّا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ ذِكْرِ القِصَّةِ فَهي عَشْرٌ: الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وذِكْرُ هَذا الكَلامِ إنَّما يُناسِبُ لَوْ دَلَّتِ القِصَّةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى قَوْلِهِ في طاعَةِ اللَّهِ، أمّا لَوْ كانَتِ القِصَّةُ المُتَقَدِّمَةُ دالَّةً عَلى سَعْيِهِ في القَتْلِ والفُجُورِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ لائِقًا بِهِ. الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى كَذِبِ تِلْكَ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَلِكَ الكَبِيرَ إذا حَكى عَنْ بَعْضِ عَبِيدِهِ أنَّهُ قَصَدَ دِماءَ النّاسِ وأمْوالَهم وأزْواجَهم فَبَعْدَ فَراغِهِ مِن شَرْحِ القِصَّةِ عَلى مَلَأٍ مِنَ النّاسِ يَقْبُحُ مِنهُ أنْ يَقُولَ عَقِيبَهُ أيُّها العَبْدُ إنِّي فَوَّضْتُ إلَيْكَ خِلافَتِي ونِيابَتِي، وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ تِلْكَ القَبائِحِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ يُناسِبُ الزَّجْرَ والحَجْرَ، فَأمّا جَعْلُهُ نائِبًا وخَلِيفَةً لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ البَتَّةَ مِمّا لا يَلِيقُ. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تِلْكَ الواقِعَةَ القَبِيحَةَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ أشْعَرَ هَذا بِأنَّ المُوجِبَ لِتَفْوِيضِ هَذِهِ الخِلافَةِ هو إتْيانُهُ بِتِلْكَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا فاسِدٌ، أمّا لَوْ ذَكَرَ تِلْكَ القِصَّةَ عَلى وُجُوهٍ تَدُلُّ عَلى بَراءَةِ ساحَتِهِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، وعَلى شِدَّةِ مُصابَرَتِهِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يُناسِبُ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي نَخْتارُهُ أوْلى. والثّالِثَةُ: وهو أنَّهُ لَمّا كانَتْ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ دالَّةً عَلى مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْظِيمِهِ، ومُؤَخِّرَتُها أيْضًا دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ، فَلَوْ كانَتِ الواسِطَةُ دالَّةً عَلى القَبائِحِ والمَعائِبِ لَجَرى مَجْرى أنْ يُقالَ فُلانٌ عَظِيمُ صفحة ١٦٧ الدَّرَجَةِ عالِي المَرْتَبَةِ في طاعَةِ اللَّهِ، يَقْتُلُ ويَزْنِي ويَسْرِقُ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ خَلِيفَةً في أرْضِهِ وصَوْبَ أحْكامِهِ، وكَما أنَّ هَذا الكَلامَ مِمّا لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ فَكَذا هَهُنا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذِكْرَ العِشْقِ والسَّعْيِ في القَتْلِ مِن أعْظَمِ أبْوابِ العُيُوبِ. والرّابِعَةُ: وهو أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَنّى أنْ يَحْصُلَ لَهُ في الدِّينِ كَما حَصَلَ لِلْأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المَنازِلِ العالِيَةِ مِثْلُ ما حَصَلَ لِلْخَلِيلِ مِنَ الإلْقاءِ في النّارِ وحَصَلَ لِلذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ وحَصَلَ لِيَعْقُوبَ مِنَ الشَّدائِدِ المُوجِبَةِ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهم إنَّما وجَدُوا تِلْكَ الدَّرَجاتِ لِأنَّهم لَمّا ابْتُلُوا صَبَرُوا، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ الِابْتِلاءَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّكَ سَتُبْتَلى في يَوْمِ كَذا، فَبالَغَ في الِاحْتِرازِ ثُمَّ وقَعَتِ الواقِعَةُ، فَنَقُولُ: أوَّلُ حِكايَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْتَلِيهِ بِالبَلاءِ الَّذِي يَزِيدُ في مَنقَبَتِهِ ويُكْمِلُ مَراتِبَ إخْلاصِهِ، فالسَّعْيُ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الحَقِّ والإفْراطُ في العِشْقِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ، ويَثْبُتُ أنَّ الحِكايَةَ الَّتِي ذَكَرُوها يُناقِضُ أوَّلُها آخِرَها.

ص 38:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهم قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ﴾ صفحة ١٦٥ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هم وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ وأثْنى عَلَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ العَشَرَةِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ قِصَّةٍ لِيُبَيِّنَ بِها أنَّ الأحْوالَ الواقِعَةَ في هَذِهِ القِصَّةِ لا يُبَيِّنُ شَيْءٌ مِنها كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ العَظِيمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] وفائِدَةُ هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّنْبِيهُ عَلى جَلالَةِ القِصَّةِ المُسْتَفْهَمِ عَنْها، لِيَكُونَ داعِيًا إلى الإصْغاءِ لَها والِاعْتِبارِ بِها، وأقُولُ لِلنّاسِ في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: أحَدُها: ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الكَبِيرَةِ عَنْهُ. وثانِيها: دَلالَتُها عَلى الصَّغِيرَةِ. وثالِثُها: بِحَيْثُ لا تَدُلُّ عَلى الكَبِيرَةِ ولا عَلى الصَّغِيرَةِ. فَأمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَحاصِلُ كَلامِهِمْ فِيها: أنَّ داوُدَ عَشِقَ امْرَأةَ أُورِيا، فاحْتالَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ حَتّى قَتَلَ زَوْجَها ثُمَّ تَزَوَّجَ بِها فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ المُتَخاصِمَيْنِ في واقِعَةٍ شَبِيهَةٍ بِواقِعَتِهِ، وعَرَضا تِلْكَ الواقِعَةَ عَلَيْهِ. فَحَكَمَ داوُدُ بِحُكْمٍ لَزِمَ مِنهُ اعْتِرافُهُ بِكَوْنِهِ مُذْنِبًا، ثُمَّ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فاشْتَغَلَ بِالتَّوْبَةِ. والَّذِي أدِينُ بِهِ وأذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ لَوْ نُسِبَتْ إلى أفْسَقِ النّاسِ وأشَدِّهِمْ فُجُورًا لاسْتَنْكَفَ مِنها، والرَّجُلُ الحُوشِيُّ الخَبِيثُ الَّذِي يُقَرِّرُ تِلْكَ القِصَّةَ لَوْ نُسِبَ إلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ لَبالَغَ في تَنْزِيهِ نَفْسِهِ ورُبَّما لَعَنَ مَن يَنْسُبُهُ إلَيْها، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ نِسْبَةُ المَعْصُومِ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ حاصِلَ القِصَّةِ يَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: إلى السَّعْيِ في قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإلى الطَّمَعِ في زَوْجَتِهِ، أمّا الأوَّلُ: فَأمْرٌ مُنْكَرٌ قالَ ﷺ: «مَن سَعى في دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأمّا الثّانِي: فَمُنْكَرٌ عَظِيمٌ، قالَ ﷺ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ» وإنَّ أُورِيا لَمْ يَسْلَمْ مِن داوُدَ لا في رُوحِهِ ولا في مَنكُوحِهِ. والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ بِالصِّفاتِ العَشْرِ المَذْكُورَةِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ، وكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ تُنافِي كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْصُوفًا بِهَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ والعَمَلِ القَبِيحِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في البَيانِ. فَنَقُولُ: أمّا الصِّفاتُ الأُولى: فَهي أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ في المُصابَرَةِ مَعَ المُكابَدَةِ، ولَوْ قُلْنا: إنَّ داوُدَ لَمْ يَصْبِرْ عَلى مُخالَفَةِ النَّفْسِ بَلْ سَعى في إراقَةِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لِغَرَضِ شَهْوَتِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ أنْ يَأْمُرَ مُحَمَّدًا أفْضَلَ الرُّسُلِ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ في الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: فَهي أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الوَصْفِ بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ المَوْصُوفِ كامِلًا في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ، تامًّا في القِيامِ بِأداءِ الطّاعاتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ، ولَوْ قُلْنا إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَغَلَ بِتِلْكَ الأعْمالِ الباطِلَةِ، فَحِينَئِذٍ ما كانَ داوُدُ كامِلًا في عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعالى، بَلْ كانَ كامِلًا في طاعَةِ الهَوى والشَّهْوَةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: هو قَوْلُهُ: ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ القُوَّةُ في الدِّينِ، لِأنَّ القُوَّةَ في غَيْرِ الدِّينِ كانَتْ مَوْجُودَةً في مُلُوكِ الكُفّارِ، ولا مَعْنى لِلْقُوَّةِ في الدِّينِ إلّا القُوَّةَ الكامِلَةَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، صفحة ١٦٦ والِاجْتِنابِ عَنِ المَحْظُوراتِ، وأيُّ قُوَّةٍ لِمَن لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عَنِ القَتْلِ والرَّغْبَةِ في زَوْجَةِ المُسْلِمِ ؟ الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ أوّابًا كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِمَن يَكُونُ قَلْبُهُ مَشْغُوفًا بِالقَتْلِ والفُجُورِ ؟ الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ﴾ أفَتَرى أنَّهُ سُخِّرَتْ لَهُ الجِبالُ لِيَتَّخِذَهُ وسِيلَةً إلى القَتْلِ والفُجُورِ ؟ الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، وقِيلَ إنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ صَيْدُ شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ وكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ الطَّيْرُ آمِنًا مِنهُ ولا يَنْجُو مِنهُ الرَّجُلُ المُسْلِمُ عَلى رُوحِهِ ومَنكُوحِهِ ؟ الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ ومُحالٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى شَدَدَ مُلْكَهُ بِأسْبابِ الدُّنْيا، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى شَدَدَ مُلْكَهُ بِما يُقَوِّي الدِّينَ وأسْبابِ سَعادَةِ الآخِرَةِ، والمُرادُ تَشْدِيدُ مُلْكِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا ومَن لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنِ القَتْلِ والفُجُورِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ ؟ الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ والحِكْمَةُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي عِلْمًا وعَمَلًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: إنّا ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ مَعَ إصْرارِهِ عَلى ما يَسْتَنْكِفُ عَنْهُ الخَبِيثُ الشَّيْطانُ مِن مُزاحَمَةِ أخْلَصِ أصْحابِهِ في الرُّوحِ والمَنكُوحِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ قَبْلَ شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ دالَّةٌ عَلى بَراءَةِ ساحَتِهِ عَنْ تِلْكَ الأكاذِيبِ. * * * وأمّا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ ذِكْرِ القِصَّةِ فَهي عَشْرٌ: الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وذِكْرُ هَذا الكَلامِ إنَّما يُناسِبُ لَوْ دَلَّتِ القِصَّةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى قَوْلِهِ في طاعَةِ اللَّهِ، أمّا لَوْ كانَتِ القِصَّةُ المُتَقَدِّمَةُ دالَّةً عَلى سَعْيِهِ في القَتْلِ والفُجُورِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ لائِقًا بِهِ. الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى كَذِبِ تِلْكَ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَلِكَ الكَبِيرَ إذا حَكى عَنْ بَعْضِ عَبِيدِهِ أنَّهُ قَصَدَ دِماءَ النّاسِ وأمْوالَهم وأزْواجَهم فَبَعْدَ فَراغِهِ مِن شَرْحِ القِصَّةِ عَلى مَلَأٍ مِنَ النّاسِ يَقْبُحُ مِنهُ أنْ يَقُولَ عَقِيبَهُ أيُّها العَبْدُ إنِّي فَوَّضْتُ إلَيْكَ خِلافَتِي ونِيابَتِي، وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ تِلْكَ القَبائِحِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ يُناسِبُ الزَّجْرَ والحَجْرَ، فَأمّا جَعْلُهُ نائِبًا وخَلِيفَةً لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ البَتَّةَ مِمّا لا يَلِيقُ. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تِلْكَ الواقِعَةَ القَبِيحَةَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ أشْعَرَ هَذا بِأنَّ المُوجِبَ لِتَفْوِيضِ هَذِهِ الخِلافَةِ هو إتْيانُهُ بِتِلْكَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا فاسِدٌ، أمّا لَوْ ذَكَرَ تِلْكَ القِصَّةَ عَلى وُجُوهٍ تَدُلُّ عَلى بَراءَةِ ساحَتِهِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، وعَلى شِدَّةِ مُصابَرَتِهِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يُناسِبُ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي نَخْتارُهُ أوْلى. والثّالِثَةُ: وهو أنَّهُ لَمّا كانَتْ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ دالَّةً عَلى مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْظِيمِهِ، ومُؤَخِّرَتُها أيْضًا دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ، فَلَوْ كانَتِ الواسِطَةُ دالَّةً عَلى القَبائِحِ والمَعائِبِ لَجَرى مَجْرى أنْ يُقالَ فُلانٌ عَظِيمُ صفحة ١٦٧ الدَّرَجَةِ عالِي المَرْتَبَةِ في طاعَةِ اللَّهِ، يَقْتُلُ ويَزْنِي ويَسْرِقُ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ خَلِيفَةً في أرْضِهِ وصَوْبَ أحْكامِهِ، وكَما أنَّ هَذا الكَلامَ مِمّا لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ فَكَذا هَهُنا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذِكْرَ العِشْقِ والسَّعْيِ في القَتْلِ مِن أعْظَمِ أبْوابِ العُيُوبِ. والرّابِعَةُ: وهو أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَنّى أنْ يَحْصُلَ لَهُ في الدِّينِ كَما حَصَلَ لِلْأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المَنازِلِ العالِيَةِ مِثْلُ ما حَصَلَ لِلْخَلِيلِ مِنَ الإلْقاءِ في النّارِ وحَصَلَ لِلذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ وحَصَلَ لِيَعْقُوبَ مِنَ الشَّدائِدِ المُوجِبَةِ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهم إنَّما وجَدُوا تِلْكَ الدَّرَجاتِ لِأنَّهم لَمّا ابْتُلُوا صَبَرُوا، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ الِابْتِلاءَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّكَ سَتُبْتَلى في يَوْمِ كَذا، فَبالَغَ في الِاحْتِرازِ ثُمَّ وقَعَتِ الواقِعَةُ، فَنَقُولُ: أوَّلُ حِكايَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْتَلِيهِ بِالبَلاءِ الَّذِي يَزِيدُ في مَنقَبَتِهِ ويُكْمِلُ مَراتِبَ إخْلاصِهِ، فالسَّعْيُ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الحَقِّ والإفْراطُ في العِشْقِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ، ويَثْبُتُ أنَّ الحِكايَةَ الَّتِي ذَكَرُوها يُناقِضُ أوَّلُها آخِرَها.

ص 38:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهم قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ﴾ صفحة ١٦٥ ﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هم وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَدَحَهُ وأثْنى عَلَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ العَشَرَةِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ قِصَّةٍ لِيُبَيِّنَ بِها أنَّ الأحْوالَ الواقِعَةَ في هَذِهِ القِصَّةِ لا يُبَيِّنُ شَيْءٌ مِنها كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّناءِ والمَدْحِ العَظِيمِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] وفائِدَةُ هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّنْبِيهُ عَلى جَلالَةِ القِصَّةِ المُسْتَفْهَمِ عَنْها، لِيَكُونَ داعِيًا إلى الإصْغاءِ لَها والِاعْتِبارِ بِها، وأقُولُ لِلنّاسِ في هَذِهِ القِصَّةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: أحَدُها: ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ الكَبِيرَةِ عَنْهُ. وثانِيها: دَلالَتُها عَلى الصَّغِيرَةِ. وثالِثُها: بِحَيْثُ لا تَدُلُّ عَلى الكَبِيرَةِ ولا عَلى الصَّغِيرَةِ. فَأمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَحاصِلُ كَلامِهِمْ فِيها: أنَّ داوُدَ عَشِقَ امْرَأةَ أُورِيا، فاحْتالَ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ حَتّى قَتَلَ زَوْجَها ثُمَّ تَزَوَّجَ بِها فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ المُتَخاصِمَيْنِ في واقِعَةٍ شَبِيهَةٍ بِواقِعَتِهِ، وعَرَضا تِلْكَ الواقِعَةَ عَلَيْهِ. فَحَكَمَ داوُدُ بِحُكْمٍ لَزِمَ مِنهُ اعْتِرافُهُ بِكَوْنِهِ مُذْنِبًا، ثُمَّ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فاشْتَغَلَ بِالتَّوْبَةِ. والَّذِي أدِينُ بِهِ وأذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ لَوْ نُسِبَتْ إلى أفْسَقِ النّاسِ وأشَدِّهِمْ فُجُورًا لاسْتَنْكَفَ مِنها، والرَّجُلُ الحُوشِيُّ الخَبِيثُ الَّذِي يُقَرِّرُ تِلْكَ القِصَّةَ لَوْ نُسِبَ إلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ لَبالَغَ في تَنْزِيهِ نَفْسِهِ ورُبَّما لَعَنَ مَن يَنْسُبُهُ إلَيْها، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ نِسْبَةُ المَعْصُومِ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ حاصِلَ القِصَّةِ يَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: إلى السَّعْيِ في قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإلى الطَّمَعِ في زَوْجَتِهِ، أمّا الأوَّلُ: فَأمْرٌ مُنْكَرٌ قالَ ﷺ: «مَن سَعى في دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأمّا الثّانِي: فَمُنْكَرٌ عَظِيمٌ، قالَ ﷺ: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ» وإنَّ أُورِيا لَمْ يَسْلَمْ مِن داوُدَ لا في رُوحِهِ ولا في مَنكُوحِهِ. والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ بِالصِّفاتِ العَشْرِ المَذْكُورَةِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ، وكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ تُنافِي كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْصُوفًا بِهَذا الفِعْلِ المُنْكَرِ والعَمَلِ القَبِيحِ، ولا بَأْسَ بِإعادَةِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِأجْلِ المُبالَغَةِ في البَيانِ. فَنَقُولُ: أمّا الصِّفاتُ الأُولى: فَهي أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ في المُصابَرَةِ مَعَ المُكابَدَةِ، ولَوْ قُلْنا: إنَّ داوُدَ لَمْ يَصْبِرْ عَلى مُخالَفَةِ النَّفْسِ بَلْ سَعى في إراقَةِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لِغَرَضِ شَهْوَتِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ أنْ يَأْمُرَ مُحَمَّدًا أفْضَلَ الرُّسُلِ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ في الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: فَهي أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الوَصْفِ بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ المَوْصُوفِ كامِلًا في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ، تامًّا في القِيامِ بِأداءِ الطّاعاتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ، ولَوْ قُلْنا إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَغَلَ بِتِلْكَ الأعْمالِ الباطِلَةِ، فَحِينَئِذٍ ما كانَ داوُدُ كامِلًا في عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعالى، بَلْ كانَ كامِلًا في طاعَةِ الهَوى والشَّهْوَةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: هو قَوْلُهُ: ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ القُوَّةُ في الدِّينِ، لِأنَّ القُوَّةَ في غَيْرِ الدِّينِ كانَتْ مَوْجُودَةً في مُلُوكِ الكُفّارِ، ولا مَعْنى لِلْقُوَّةِ في الدِّينِ إلّا القُوَّةَ الكامِلَةَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، صفحة ١٦٦ والِاجْتِنابِ عَنِ المَحْظُوراتِ، وأيُّ قُوَّةٍ لِمَن لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ عَنِ القَتْلِ والرَّغْبَةِ في زَوْجَةِ المُسْلِمِ ؟ الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ أوّابًا كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِمَن يَكُونُ قَلْبُهُ مَشْغُوفًا بِالقَتْلِ والفُجُورِ ؟ الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ﴾ أفَتَرى أنَّهُ سُخِّرَتْ لَهُ الجِبالُ لِيَتَّخِذَهُ وسِيلَةً إلى القَتْلِ والفُجُورِ ؟ الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾، وقِيلَ إنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ صَيْدُ شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ وكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ الطَّيْرُ آمِنًا مِنهُ ولا يَنْجُو مِنهُ الرَّجُلُ المُسْلِمُ عَلى رُوحِهِ ومَنكُوحِهِ ؟ الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ ومُحالٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى شَدَدَ مُلْكَهُ بِأسْبابِ الدُّنْيا، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى شَدَدَ مُلْكَهُ بِما يُقَوِّي الدِّينَ وأسْبابِ سَعادَةِ الآخِرَةِ، والمُرادُ تَشْدِيدُ مُلْكِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا ومَن لا يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنِ القَتْلِ والفُجُورِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ ؟ الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ والحِكْمَةُ اسْمٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي عِلْمًا وعَمَلًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: إنّا ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ مَعَ إصْرارِهِ عَلى ما يَسْتَنْكِفُ عَنْهُ الخَبِيثُ الشَّيْطانُ مِن مُزاحَمَةِ أخْلَصِ أصْحابِهِ في الرُّوحِ والمَنكُوحِ، فَهَذِهِ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ قَبْلَ شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ دالَّةٌ عَلى بَراءَةِ ساحَتِهِ عَنْ تِلْكَ الأكاذِيبِ. * * * وأمّا الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ بَعْدَ ذِكْرِ القِصَّةِ فَهي عَشْرٌ: الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وذِكْرُ هَذا الكَلامِ إنَّما يُناسِبُ لَوْ دَلَّتِ القِصَّةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى قَوْلِهِ في طاعَةِ اللَّهِ، أمّا لَوْ كانَتِ القِصَّةُ المُتَقَدِّمَةُ دالَّةً عَلى سَعْيِهِ في القَتْلِ والفُجُورِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ لائِقًا بِهِ. الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى كَذِبِ تِلْكَ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المَلِكَ الكَبِيرَ إذا حَكى عَنْ بَعْضِ عَبِيدِهِ أنَّهُ قَصَدَ دِماءَ النّاسِ وأمْوالَهم وأزْواجَهم فَبَعْدَ فَراغِهِ مِن شَرْحِ القِصَّةِ عَلى مَلَأٍ مِنَ النّاسِ يَقْبُحُ مِنهُ أنْ يَقُولَ عَقِيبَهُ أيُّها العَبْدُ إنِّي فَوَّضْتُ إلَيْكَ خِلافَتِي ونِيابَتِي، وذَلِكَ لِأنَّ ذِكْرَ تِلْكَ القَبائِحِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ يُناسِبُ الزَّجْرَ والحَجْرَ، فَأمّا جَعْلُهُ نائِبًا وخَلِيفَةً لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ البَتَّةَ مِمّا لا يَلِيقُ. وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ عَقِيبَ الوَصْفِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، فَلَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تِلْكَ الواقِعَةَ القَبِيحَةَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ أشْعَرَ هَذا بِأنَّ المُوجِبَ لِتَفْوِيضِ هَذِهِ الخِلافَةِ هو إتْيانُهُ بِتِلْكَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا فاسِدٌ، أمّا لَوْ ذَكَرَ تِلْكَ القِصَّةَ عَلى وُجُوهٍ تَدُلُّ عَلى بَراءَةِ ساحَتِهِ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، وعَلى شِدَّةِ مُصابَرَتِهِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يُناسِبُ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي نَخْتارُهُ أوْلى. والثّالِثَةُ: وهو أنَّهُ لَمّا كانَتْ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ دالَّةً عَلى مَدْحِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْظِيمِهِ، ومُؤَخِّرَتُها أيْضًا دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ، فَلَوْ كانَتِ الواسِطَةُ دالَّةً عَلى القَبائِحِ والمَعائِبِ لَجَرى مَجْرى أنْ يُقالَ فُلانٌ عَظِيمُ صفحة ١٦٧ الدَّرَجَةِ عالِي المَرْتَبَةِ في طاعَةِ اللَّهِ، يَقْتُلُ ويَزْنِي ويَسْرِقُ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ خَلِيفَةً في أرْضِهِ وصَوْبَ أحْكامِهِ، وكَما أنَّ هَذا الكَلامَ مِمّا لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ فَكَذا هَهُنا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذِكْرَ العِشْقِ والسَّعْيِ في القَتْلِ مِن أعْظَمِ أبْوابِ العُيُوبِ. والرّابِعَةُ: وهو أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَنّى أنْ يَحْصُلَ لَهُ في الدِّينِ كَما حَصَلَ لِلْأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المَنازِلِ العالِيَةِ مِثْلُ ما حَصَلَ لِلْخَلِيلِ مِنَ الإلْقاءِ في النّارِ وحَصَلَ لِلذَّبِيحِ مِنَ الذَّبْحِ وحَصَلَ لِيَعْقُوبَ مِنَ الشَّدائِدِ المُوجِبَةِ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهم إنَّما وجَدُوا تِلْكَ الدَّرَجاتِ لِأنَّهم لَمّا ابْتُلُوا صَبَرُوا، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ الِابْتِلاءَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّكَ سَتُبْتَلى في يَوْمِ كَذا، فَبالَغَ في الِاحْتِرازِ ثُمَّ وقَعَتِ الواقِعَةُ، فَنَقُولُ: أوَّلُ حِكايَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْتَلِيهِ بِالبَلاءِ الَّذِي يَزِيدُ في مَنقَبَتِهِ ويُكْمِلُ مَراتِبَ إخْلاصِهِ، فالسَّعْيُ في قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الحَقِّ والإفْراطُ في العِشْقِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الحالَةِ، ويَثْبُتُ أنَّ الحِكايَةَ الَّتِي ذَكَرُوها يُناقِضُ أوَّلُها آخِرَها.

ص 38:24

الخامِسَةُ: أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتَثْنى الَّذِينَ آمَنُوا عَنِ البَغْيِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ كانَ مَوْصُوفًا بِالبَغْيِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ حَكَمَ بِعَدَمِ الإيمانِ عَلى نَفْسِهِ وذَلِكَ باطِلٌ. السّادِسَةُ: حَضَرْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ وحَضَرَ فِيهِ بَعْضُ أكابِرِ المُلُوكِ وكانَ يُرِيدُ أنْ يَتَعَصَّبَ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ القَوْلِ الفاسِدِ والقِصَّةِ الخَبِيثَةِ لِسَبَبٍ اقْتَضى ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: لا شَكَّ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، ولَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ومَن مَدَحَهُ اللَّهُ تَعالى بِمِثْلِ هَذا المَدْحِ العَظِيمِ لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نُبالِغَ الطَّعْنَ فِيهِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّهُ ما كانَ نَبِيًّا فَلا شَكَّ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ولَقَدْ قالَ ﷺ: «لا تَذْكُرُوا مَوْتاكم إلّا بِخَيْرٍ» ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ أنّا لا نَلْتَفِتُ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ، إلّا أنّا نَقُولُ إنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها حَقِيقِيَّةً صَحِيحَةً فَإنَّ رِوايَتَها وذِكْرَها لا يُوجِبُ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، لِأنَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ إنْ لَمْ تُوجِبِ العِقابَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا تُوجِبَ الثَّوابَ، وأمّا بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ الباطِلَةُ فاسِدَةً، فَإنَّ ذاكِرَها يَسْتَحِقُّ أعْظَمَ العِقابِ، والواقِعَةُ الَّتِي هَذا شَأْنُها وصِفَتُها، فَإنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يُوجِبُ السُّكُوتَ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ، وأنَّ شَرْحَ تِلْكَ القِصَّةِ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ المَلِكُ هَذا الكَلامَ سَكَتَ ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا. السّابِعَةُ: أنَّ ذِكْرَ هَذِهِ القِصَّةِ، وذِكْرَ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إشاعَةَ الفاحِشَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النُّورِ: ١٩] . الثّامِنَةُ: لَوْ سَعى داوُدُ في قَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ لَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: «مَن سَعى في دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» وأيْضًا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ ظالِمًا، فَكانَ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] . التّاسِعَةُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”مَن حَدَّثَكم بِحَدِيثِ داوُدَ عَلى ما يَرْوِيهِ القَصّاصُ جَلَدْتُهُ مِائَةً وسِتِّينَ“ وهو حَدُّ الفِرْيَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ومِمّا يُقَوِّي هَذا أنَّهم لَمّا قالُوا إنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ زَنى وشَهِدَ ثَلاثَةٌ مِن عُدُولِ الصَّحابَةِ بِذَلِكَ، وأمّا الرّابِعُ فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأنِّي رَأيْتُ ذَلِكَ العَمَلَ. يَعْنِي فَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كَذَّبَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةَ وجَلَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ثَمانِينَ جَلْدَةً لِأجْلِ أنَّهم قَذَفُوا، وإذا كانَ الحالُ في واحِدٍ مِن آحادِ الصَّحابَةِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ الحالُ مَعَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. العاشِرُ: رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ لا يَنْبَغِي أنْ يُزادَ عَلَيْها وإنْ كانَتِ الواقِعَةُ عَلى ما ذُكِرَتْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْها لِأجْلِ أنْ يَسْتُرَ تِلْكَ الواقِعَةَ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَسْعى في هَتْكِ ذَلِكَ السِّتْرِ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ فَقالَ صفحة ١٦٨ عُمَرُ: ”سَماعِي هَذا الكَلامَ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ“ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها أنَّ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرُوها فاسِدَةٌ باطِلَةٌ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ كَثِيرًا مِن أكابِرِ المُحَدِّثِينَ والمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا هَذِهِ القِصَّةَ، فَكَيْفَ الحالُ فِيها ؟ فالجَوابُ الحَقِيقِيُّ أنَّهُ لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ وبَيْنَ خَبَرٍ واحِدٍ مِن أخْبارِ الآحادِ كانَ الرُّجُوعُ إلى الدَّلائِلِ القاطِعَةِ أوْلى، وأيْضًا فالأصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وأيْضًا فَلَمّا تَعارَضَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ كانَ جانِبُ التَّحْرِيمِ أوْلى، وأيْضًا طَرِيقَةُ الِاحْتِياطِ تُوجِبُ تَرْجِيحَ قَوْلِنا، وأيْضًا فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ لا يَقُولُ اللَّهُ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ لِمَ لَمْ تَسْعَوْا في تَشْهِيرِ هَذِهِ الواقِعَةِ ؟ وأمّا بِتَقْدِيرِ كَوْنِها باطِلَةً فَإنَّ عَلَيْنا في ذِكْرِها أعْظَمَ العِقابِ، وأيْضًا فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ وهَهُنا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ ولا الظَّنُّ في صِحَّةِ هَذِهِ الحِكايَةِ، بَلِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ الَّتِي ذَكَرْناها قائِمَةٌ فَوَجَبَ أنْ لا تَجُوزَ الشَّهادَةُ بِها، وأيْضًا كُلُّ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلى هَذا القَوْلِ بَلِ الأكْثَرُونَ المُحِقُّونَ والمُحَقِّقُونَ مِنهم يَرُدُّونَهُ ويَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ والفَسادِ، وأيْضًا إذا تَعارَضَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ والمُحَدِّثِينَ فِيهِ تَساقَطَتْ وبَقِيَ الرُّجُوعُ إلى الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ القِصَّةِ. أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ حُصُولَ الصَّغِيرَةِ ولا يُوجِبُ حُصُولَ الكَبِيرَةِ، فَنَقُولُ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ المَرْأةَ خَطَبَها أُورِيا فَأجابُوهُ ثُمَّ خَطَبَها داوُدُ فَآثَرَهُ أهْلُها، فَكانَ ذَنْبُهُ أنْ خَطَبَ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ المُؤْمِنِ مَعَ كَثْرَةِ نِسائِهِ. الثّانِي: قالُوا إنَّهُ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها فَمالَ قَلْبُهُ إلَيْها ولَيْسَ لَهُ في هَذا ذَنْبٌ البَتَّةَ، أمّا وقْعُ بَصَرِهِ عَلَيْها مِن غَيْرِ قَصْدٍ فَذَلِكَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، وأمّا حُصُولُ المَيْلِ عَقِيبَ النَّظَرِ فَلَيْسَ أيْضًا ذَنْبًا لِأنَّ هَذا المَيْلَ لَيْسَ في وُسْعِهِ، فَلا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ بَلْ لَمّا اتَّفَقَ أنْ قُتِلَ زَوْجُها لَمْ يَتَأذَّ تَأذِّيًا عَظِيمًا بِسَبَبِ قَتْلِهِ لِأجْلِ أنَّهُ طَمِعَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِتِلْكَ المَرْأةِ فَحَصَلَتِ الزَّلَّةُ بِسَبَبِ هَذا المَعْنى وهو أنَّهُ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ قَتْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ أهْلُ زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ حَتّى يَتَزَوَّجَها، وكانَتْ عادَتُهم في هَذا المَعْنى مَأْلُوفَةً مَعْرُوفَةً أوْ أنَّ الأنْصارَ كانُوا يُساوُونَ المُهاجِرِينَ بِهَذا المَعْنى فاتَّفَقَ أنَّ عَيْنَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَتْ عَلى تِلْكَ المَرْأةِ فَأحَبَّها فَسَألَهُ النُّزُولَ عَنْها فاسْتَحْيا أنَّ يَرُدَّهُ فَفَعَلَ وهي أُمُّ سُلَيْمانَ فَقِيلَ لَهُ هَذا وإنْ كانَ جائِزًا في ظاهِرِ الشَّرِيعَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِكَ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ القِصَّةَ عَلى واحِدٍ مِنها لَمْ يَلْزَمْ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا تَرْكُ الأفْضَلِ والأوْلى. * * * وأمّا الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى وجْهٍ لا يَلْزَمُ إلْحاقُ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ يُوجِبُ إلْحاقَ أعْظَمِ أنْواعِ المَدْحِ والثَّناءِ بِهِ وهو أنْ نَقُولَ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأعْداءِ طَمِعُوا في أنْ يَقْتُلُوا نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ لَهُ يَوْمٌ يَخْلُو فِيهِ بِنَفْسِهِ ويَشْتَغِلُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، فانْتَهَزُوا الفُرْصَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ وتَسَوَّرُوا المِحْرابَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وجَدُوا عِنْدَهُ أقْوامًا يَمْنَعُونَهُ مِنهم فَخافُوا فَوَضَعُوا كَذِبًا، فَقالُوا خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ إلى آخِرِ القِصَّةِ، ولَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ بِهِ في إلْحاقِ الذَّنْبِ صفحة ١٦٩ بِداوُدَ إلّا ألْفاظٌ أرْبَعَةٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنابَ﴾ . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثُمَّ نَقُولُ: وهَذِهِ الألْفاظُ لا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنها عَلى ما ذَكَرُوهُ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِطَلَبِ قَتْلِهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وعَلِمَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ دَعاهُ الغَضَبُ إلى أنْ يَشْتَغِلَ بِالِانْتِقامِ مِنهم، إلّا أنَّهُ مالَ إلى الصَّفْحِ والتَّجاوُزِ عَنْهم طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ، قالَ: وكانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ هي الفِتْنَةُ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ مِمّا هم بِهِ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم وتابَ عَنْ ذَلِكَ الهَمِّ وأنابَ، فَغَفَرَ لَهُ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الهَمِّ والعَزْمِ. والثّانِي: أنَّهُ وإنْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، إلّا أنَّهُ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ، وقالَ: لَمّا لَمْ تَقُمْ دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَبِئْسَما عَلِمْتَ بِهِمْ حَيْثُ ظَنَنْتَ بِهِمْ هَذا الظَّنَّ الرَّدِيءَ، فَكانَ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ مِنهُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ. الثّالِثُ: أنَّ دُخُولَهم عَلَيْهِ كانَ فِتْنَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لِذَلِكَ الدّاخِلِ العازِمِ عَلى قَتْلِهِ، كَما قالَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] فَداوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لَهم وأنابَ، أيْ رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ مَغْفِرَةِ ذَلِكَ الدّاخِلِ القاصِدِ لِلْقَتْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: غَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ الذَّنْبَ لِأجْلِ احْتِرامِ داوُدَ ولِتَعْظِيمِهِ، كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢] أنَّ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَكَ ولِأجْلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِ أُمَّتِكَ. الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ تابَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زَلَّةٍ صَدَرَتْ مِنهُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ تِلْكَ الزَّلَّةَ وقَعَتْ بِسَبَبِ المَرْأةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الزَّلَّةَ إنَّما حَصَلَتْ، لِأنَّهُ قَضى لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ الخَصْمِ الثّانِي، فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ ظالِمًا بِمُجَرَّدِ دَعْوى الخَصْمِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، لِكَوْنِ هَذا الحُكْمِ مُخالِفًا لِلصَّوابِ، فَعِنْدَ هَذا اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، إلّا أنَّ هَذا مِن بابِ تَرْكِ الأفْضَلِ والأوْلى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَياناتِ أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآياتِ عَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ إسْنادُ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ ذَلِكَ يُوجِبُ إسْنادَ أعْظَمِ الطّاعاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ: وحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في حالِ المُسْلِمِ البُعْدُ عَنِ المَناهِي، لا سِيَّما وهو رَجُلٌ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. والثّانِي: أنَّهُ أحْوَطُ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَإنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أظْهَرُوا السَّفاهَةَ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ واسْتَهْزَءُوا بِهِ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ: اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى سَفاهَتِهِمْ وتَحَمَّلْ وتَحَلَّمْ ولا تُظْهِرِ الغَضَبَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ، فَهَذا الذِّكْرُ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ صَبَرَ عَلى إيذائِهِمْ وتَحَمَّلَ سَفاهَتَهم وحَلِمَ ولَمْ يُظْهِرِ الطَّيْشَ والغَضَبَ، وهَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْناهُ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى ما ذَكَرُوهُ صارَ الكَلامُ مُتَناقِضًا فاسِدًا. والرّابِعُ: أنَّ تِلْكَ الرِّوايَةَ إنَّما تَتَمَشّى إذا قُلْنا: الخَصْمانِ كانا مَلَكَيْنِ، ولَمّا كانا مِنَ المَلائِكَةِ وما كانَ صفحة ١٧٠ بَيْنَهُما مُخاصَمَةٌ وما بَغى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، كانَ قَوْلُهُما خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ كَذِبًا، فَهَذِهِ الرِّوايَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: إسْنادُ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ. والثّانِي: أنْ يُتَوَسَّلَ بِإسْنادِ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ إلى إسْنادِ أفْحَشِ القَبائِحِ إلى رَجُلٍ كَبِيرٍ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، فَأمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْنا اسْتَغْنَيْنا عَنْ إسْنادِ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ، وعَنْ إسْنادِ القَبِيحِ إلى الأنْبِياءِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، فَهَذا ما عِنْدَنا في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ. ونَرْجِعُ الآنَ إلى تَفْسِيرِ الآياتِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الخَصْمُ مَصْدَرُ خَصَمْتُهُ أخْصِمُهُ خَصْمًا، ثُمَّ يُسَمّى بِهِ الِاثْنانِ والجَمْعُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، يُقالُ هُما خَصْمٌ وهم خَصْمٌ، كَما يُقالُ هُما عَدْلٌ وهم عَدْلٌ، والمَعْنى ذَوا خَصْمٍ وذَوُو خَصْمٍ، وأُرِيدَ بِالخَصْمِ هَهُنا الشَّخْصانِ اللَّذانِ دَخَلا عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ يُقالُ تَسَوَّرَتُ السُّورَ تَسَوُّرًا إذا عَلَوْتَهُ، ومَعْنى: ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أيْ أتَوْهُ مِن سُورِهِ وهو أعْلاهُ، يُقالُ تَسَوَّرَ فُلانٌ الدّارَ إذا أتاها مِن قِبَلِ سُورِها. وأمّا المِحْرابُ فالمُرادُ مِنهُ البَيْتُ الَّذِي كانَ داوُدُ يَدْخُلُ فِيهِ ويَشْتَغِلُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ البَيْتُ المِحْرابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى المِحْرابِ، كَما يُسَمّى الشَّيْءُ بِأشْرَفِ أجْزائِهِ، وهَهُنا مَسْألَةٌ مِن عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ، وهَؤُلاءِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِيغَةَ الجَمْعِ في هَذِهِ الآياتِ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ دَخَلُوا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ فَهَذِهِ الألْفاظُ الأرْبَعَةُ كُلُّها صِيَغُ الجَمْعِ، وهم كانُوا اثْنَيْنِ بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا خَصْمانِ، قالُوا: فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ. والجَوابُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ جَمْعًا كَثِيرِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الخَصْمَ إذا جُعِلَ اسْمًا فَإنَّهُ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهم رُبَّما تَسَوَّرُوا المِحْرابَ وما دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم بَعْدَ التَّسَوُّرِ دَخَلُوا عَلَيْهِ، قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ يُجاءُ بِـ ”إذْ“ مَرَّتَيْنِ ويَكُونُ مَعْناهُما كالواحِدِ، كَقَوْلِكَ ضَرَبْتُكَ إذْ دَخَلْتَ عَلَيَّ إذِ اجْتَرَأْتَ، مَعَ أنَّهُ يَكُونُ وقْتُ الدُّخُولِ ووَقْتُ الِاجْتِراءِ واحِدًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ والسَّبَبُ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَآهُما قَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ لا مِنَ الطَّرِيقِ المُعْتادِ، عَلِمَ أنَّهم إنَّما دَخَلُوا عَلَيْهِ لِلشَّرِّ، فَلا جَرَمَ فَزَعَ مِنهم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: خَصْمانِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ نَحْنُ خَصْمانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُما كانا مَلَكَيْنِ نَزَلا مِنَ السَّماءِ وأرادَ تَنْبِيهَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قُبْحِ العَمَلِ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُما كانا إنْسانَيْنِ دَخَلا عَلَيْهِ لِلشَّرِّ والقَتْلِ، فَظَنّا أنَّهُما يَجِدانِهِ خالِيًا، فَلَمّا رَأيا عِنْدَهُ جَماعَةً مِنَ الخَدَمِ اخْتَلَقا ذَلِكَ الكَذِبِ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وأمّا المُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِما مَلَكَيْنِ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّهُما لَوْ كانا مَلَكَيْنِ لَكانا كاذِبَيْنِ في قَوْلِهِما ﴿خَصْمانِ﴾ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ المَلائِكَةِ خُصُومَةٌ، ولَكانا كاذِبَيْنِ في قَوْلِهِما: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ ولَكانا كاذِبَيْنِ في قَوْلِهِما: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ فَثَبَتَ أنَّهُما لَوْ كانا مَلَكَيْنِ كاذِبَيْنِ، والكَذِبُ عَلى المَلَكِ غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] ولِقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] أجابَ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ عَنْ هَذا الكَلامِ بِأنْ قالُوا: إنَّ المَلَكَيْنِ إنَّما ذَكَرا هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ لا عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ فَلَمْ يَلْزَمِ الكَذِبُ، وأُجِيبُ صفحة ١٧١ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّ ما ذَكَرْتُمْ يَقْتَضِي العُدُولَ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلى خِلافِ الأصْلِ. أمّا إذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى أنَّ الخَصْمَيْنِ كانا رَجُلَيْنِ دَخَلا عَلَيْهِ لِغَرَضِ الشَّرِّ ثُمَّ وضَعا هَذا الحَدِيثَ الباطِلَ، فَحِينَئِذٍ لَزِمَ إسْنادُ الكَذِبِ إلى شَخْصَيْنِ فاسِقَيْنِ فَكانَ هَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا القائِلُونَ بِكَوْنِهِما مَلَكَيْنِ فَقَدِ احْتَجّا بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: اتِّفاقُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ أرْفَعُ مَنزِلَةً مِن أنْ يَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ آحادُ الرَّعِيَّةِ في حالِ تَعَبُّدِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِما مَلَكَيْنِ لِأنَّ مَن هو مِن رَعِيَّتِهِ لا يَكادُ يَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ رِفْعَةِ مَنزِلَتِهِ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُما: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِما مَلَكَيْنِ لِأنَّ أحَدًا مِن رَعِيَّتِهِ لا يَتَجاسَرُ أنْ يَقُولَ لَهُ لا تَظْلِمْ ولا تَتَجاوَزْ عَنِ الحَقِّ، واعْلَمْ أنَّ ضَعْفَ هَذِهِ الدَّلائِلِ ظاهِرٌ، ولا حاجَةَ إلى الجَوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ تَعَدّى وخَرَجَ عَنِ الحَدِّ، يُقالُ بَغى الجُرْحُ إذا أفْرَطَ وجَعُهُ وانْتَهى إلى الغايَةِ، ويُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ إذا زَنَتْ، لِأنَّ الزِّنا كَبِيرَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النُّورِ: ٣٣] ثُمَّ قالَ: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ مَعْنى الحُكْمِ إحْكامُ الأمْرِ في إمْضاءِ تَكْلِيفِ اللَّهِ عَلَيْهِما في الواقِعَةِ، ومِنهُ حِكْمَةُ الدّابَّةِ لِأنَّها تُمْنَعُ مِنَ الجِماحِ، ومِنهُ بِناءٌ مُحْكَمٌ إذا كانَ قَوِيًّا، وقَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالحُكْمِ الحَقِّ وهو الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ يُقالُ شَطَّ الرَّجُلُ إذا بَعُدَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: شَطَّتِ الدّارُ إذا بَعُدَتْ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ [الكَهْفِ: ١٤] أيْ قَوْلًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ لا تَبْعُدُ في هَذا الحُكْمِ عَنِ الحَقِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ وسَواءُ الصِّراطِ هو وسَطُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصّافّاتِ: ٥٥] ووَسَطُ الشَّيْءِ أفْضَلُهُ وأعْدَلُهُ، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] وأقُولُ إنَّهم عَبَّرُوا عَنِ المَقْصُودِ الواحِدِ بِثَلاثِ عِباراتٍ: أوَّلُها: قَوْلُهم فاحْكم بِالحَقِّ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ وهي نَهْيٌ عَنِ الباطِلِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ يَعْنِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَعْيُكَ في إيجادِ هَذا الحَقِّ. وفي الِاحْتِرازِ عَنْ هَذا الباطِلِ أنْ تَرُدَّنا مِنَ الطَّرِيقِ الباطِلِ إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ، وهَذا مُبالَغَةٌ تامَّةٌ في تَقْرِيرِ المَطْلُوبِ، واعْلَمْ أنَّهم لَمّا أخْبَرُوا عَنْ وُقُوعِ الخُصُومَةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أرْدَفُوهُ بِبَيانِ سَبَبِ تِلْكَ الخُصُومَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن هَذا أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ﴾ والمُرادُ أُخُوَّةُ الدِّينِ أوْ أُخُوَّةُ الصَّداقَةِ والأُلْفَةِ أوْ أُخُوَّةُ الشَّرِكَةِ والخُلْطَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأخَواتِ تُوجِبُ الِامْتِناعَ مِنَ الظُّلْمِ والِاعْتِداءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”تَسْعٌ وتَسْعُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ و”نِعْجَةً“ بِكَسْرِ النُّونِ، وهَذا مِنَ اخْتِلافِ اللُّغاتِ نَحْوُ نَطْعٍ ونِطْعٍ، ولَقْوَةٍ ولِقْوَةٍ وهي الأُنْثى مِنَ العُقْبانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: النَّعْجَةُ الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ والبَقَرَةِ الوَحْشِيَّةِ والشّاةِ الجَبَلِيَّةِ، والجَمْعُ النَّعَجاتُ، والعَرَبُ جَرَتْ عادَتُهم بِجَعْلِ النَّعْجَةِ والظَّبْيَةِ كِنايَةً عَنِ المَرْأةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثى“ وهَذا يَكُونُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]، ثُمَّ قالَ: ﴿أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ قالَ صفحة ١٧٢ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أكْفِلْنِيها﴾ حَقِيقَتُهُ اجْعَلْنِي أكْفُلُها كَما أكْفُلُ ما تَحْتَ يَدِي ﴿وعَزَّنِي﴾ غَلَبَنِي، يُقالُ عَزَّهُ يَعِزُّهُ، والمَعْنى جاءَنِي بِحِجاجٍ لَمْ أقْدِرْ أنْ أُورِدَ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ بِهِ، وقُرِئَ وعازَنِي مِنَ المُعازَةِ، وهي المُغالَبَةُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا إنَّ هَذَيْنِ الخَصْمَيْنِ كانا مِنَ المَلائِكَةِ زَعَمُوا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ النِّعاجِ التَّمْثِيلُ، لِأنَّ داوُدَ كانَ تَحْتَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً ولَمْ يَكُنْ لَأُورِيا إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، فَذَكَرَتِ المَلائِكَةُ تِلْكَ الواقِعَةَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّمْثِيلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: سُؤالِ إضافَةِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُ: إنْ رُمْتَ ذَلِكَ ضَرَبْنا مِنكَ هَذا وهَذا، وأشارَ إلى الأنْفِ والجَبْهَةِ، فَقالَ: يا داوُدُ أنْتَ أحَقُّ أنْ نَضْرِبَ مِنكَ هَذا وهَذا، وأنْتَ فَعَلَتْ كَيْتَ وكَيْتَ، ثُمَّ نَظَرَ داوُدُ فَلَمْ يَرَ أحَدًا فَعَرَفَ الحالَ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ جازَ لِداوُدَ أنْ يَحْكُمَ عَلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ خَصْمِهِ ؟ قُلْنا: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: لَمّا فَرَغَ الخَصْمُ الأوَّلُ مِن كَلامِهِ نَظَرَ داوُدُ إلى الخَصْمِ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ، وقالَ لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمْتَهُ، والحاصِلُ أنَّ هَذا الحُكْمَ كانَ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ كَوْنِهِ صادِقًا في دَعْواهُ. والثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ادَّعى أحَدُ الخَصْمَيْنِ اعْتَرَفَ الثّانِي فَحَكَمَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الِاعْتِرافَ لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: أمَرْتُكَ بِالتِّجارَةِ فَكَسَبْتَ تُرِيدُ اتَّجَرْتَ فَكَسَبْتَ، وقالَ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٦٣] أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّ الخَصْمَ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ يَكُونُ قَدْ ظَلَمَكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ اللَّيْثُ: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخالِطُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: الخُلَطاءُ الشُّرَكاءُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ داوُدُ الخُلَطاءَ بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مَعَ أنَّ غَيْرَ الخُلَطاءِ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ المُخالَطَةَ تُوجِبُ كَثْرَةَ المُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُما إذا اخْتَلَطا اطَّلَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى أحْوالِ الآخَرِ، فَكُلُّ ما يَمْلِكُهُ مِنَ الأشْياءِ النَّفِيسَةِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى زِيادَةِ المُخاصَمَةِ والمُنازَعَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ الخُلَطاءَ بِزِيادَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، ثُمَّ اسْتَثْنى عَنْ هَذا الحُكْمِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ لِأنَّ مُخالَطَةَ هَؤُلاءِ لا تَكُونُ إلّا لِأجْلِ الدِّينِ وطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، فَلا جَرَمَ مُخالَطَتُهم لا تُوجِبُ المُنازَعَةَ، وأمّا الَّذِينَ تَكُونُ مُخالَطَتُهم لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنَّ تَصِيرَ مُخالَتَطُهم سَبَبًا لِمَزِيدِ البَغْيِ والعُدْوانِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَلَوْ كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَغى وتَعَدّى عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ لَزِمَ بِحُكْمِ فَتْوى داوُدَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ المُرادُ مِن واقِعَةِ النَّعْجَةِ قِصَّةُ داوُدَ قَوْلُهُ باطِلٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ بِقِلَّةِ أهْلِ الخَيْرِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأٍ: ١٣] وقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ وحَكى تَعالى عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٧] وسَبَبُ القِلَّةِ أنَّ الدَّواعِيَ إلى الدُّنْيا كَثِيرَةٌ، وهي الحَواسُّ الباطِنَةُ والظّاهِرَةُ وهي عَشَرَةٌ، والشُّهُودُ والغَضَبُ، والقُوى الطَّبِيعِيَّةُ السَّبْعَةُ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ واقِفُونَ عَلى بابِ جَهَنَّمَ البَدِنِ، وكُلُّها تَدْعُو إلى الخَلْقِ والدُّنْيا واللَّذَّةِ الحِسِّيَّةِ، وأمّا الدّاعِي إلى الحَقِّ صفحة ١٧٣ والدِّينِ فَلَيْسَ إلّا العَقْلَ، واسْتِيلاءُ القُوَّةِ الحِسِّيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ عَلى الخَلْقِ أكْثَرُ مِنَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فِيهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَتِ القِلَّةُ في جانِبِ أهْلِ الخَيْرِ والكَثْرَةُ في جانِبِ أهْلِ الشَّرِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وما في قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ لِلْإبْهامِ وفِيهِ تَعَجُّبٌ مِن قِلَّتِهِمْ، قالَ وإذا أرَدْتَ أنْ تَتَحَقَّقَ فائِدَتَها ومَوْقِعَها فاطْرَحْها مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ؛ وحَدِيثٌ ما عَلى قِصَرِهِ - وانْظُرْ هَلْ بَقِيَ لَهُ مَعْنًى قَطُّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالُوا مَعْناهُ وعَلِمَ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ أيِ امْتَحَنّاهُ، قالُوا: والسَّبَبُ الَّذِي أوْجَبَ حَمْلَ لَفْظِ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ هَهُنا أنَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَضى بَيْنَهُما نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ قِبَلَ وجْهِهِ، فَعَلِمَ داوُدُ أنَّ اللَّهَ ابْتَلاهُ بِذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّ داوُدُ عَلِمَ ذَلِكَ وإنَّما جازَ حَمْلُ لَفْظِ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ لِأنَّ العِلْمَ الِاسْتِدْلالِيَّ يُشْبِهُ الظَّنَّ مُشابَهَةً عَظِيمَةً، والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، وأقُولُ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَلْزَمُ إذا قُلْنا الخَصْمانِ كانا مَلَكَيْنِ أمّا إذا لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لا يَلْزَمُنا حَمْلُ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ، بَلْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّهُ لَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ الِابْتِلاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ والإنابَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ أيْ سَألَ الغُفْرانَ مِن رَبِّهِ، ثُمَّ هَهُنا وجْهانِ: إنْ قُلْنا بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَتْ زَلَّةٌ مِنهُ، حَمَلْنا هَذا الِاسْتِغْفارَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قاصِدِينَ قَتْلَهُ، وإنَّهُ كانَ سُلْطانًا شَدِيدَ القَهْرِ عَظِيمَ القُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ إنَّهُ مَعَ القُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ عَلى الِانْتِقامِ ومَعَ حُصُولِ الفَزَعِ في قَلْبِهِ عَفا عَنْهم ولَمْ يَقُلْ لَهم شَيْئًا قُرْبَ الأمْرِ مِن أنْ يَدْخُلَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ العُجْبِ، فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ وأنابَ إلى اللَّهِ، واعْتَرَفَ بِأنَّ إقْدامَهُ عَلى ذَلِكَ الخَيْرِ ما كانَ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتَجاوَزَ عَنْهُ بِسَبَبِ طَرَيانِ ذَلِكَ الخاطِرِ. الثّانِي: لَعَلَّهُ هَمَّ بِإيذاءِ القَوْمِ، ثُمَّ قالَ: إنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَصَدُوا الشَّرَّ فَعَفا عَنْهم ثُمَّ اسْتَغْفَرْ عَنْ ذَلِكَ الهَمِّ. الثّالِثُ: لَعَلَّ القَوْمَ تابُوا إلى اللَّهِ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم لِأجْلِ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم فاسْتَغْفَرَ وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهم بِسَبَبِ شَفاعَتِهِ ودُعائِهِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ ظاهِرَةٌ، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِما ذَكَرْناهُ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ ولا ظَنِّيٌّ عَلى التِزامِ المُنْكَراتِ الَّتِي يَذْكُرُونَها، فَما الَّذِي يَحْمِلُنا عَلى التِزامِها والقَوْلِ بِها، والَّذِي يُؤَكِّدُ أنَّ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْرَبُ وأقْوى أنْ يُقالَ خَتَمَ اللَّهُ هَذِهِ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومِثْلُ هَذِهِ الخاتِمَةِ إنَّما تَحْسُنُ مِن حَقِّ مَن صَدَرَ مِنهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وتَحَمَّلَ أنْواعًا مِنَ الشَّدائِدِ في المُوافَقَةِ والِانْقِيادِ، أمّا إذا كانَ المَذْكُورُ السّابِقُ هو الإقْدامَ عَلى الجُرْمِ والذَّنْبِ فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الخاتِمَةِ لا تَلِيقُ بِهِ، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ؛ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُتِيَ بِمِنبَرٍ رَفِيعٍ ويُوضَعُ في الجَنَّةِ، ويُقالُ يا داوُدُ مَجِّدْنِي بِذَلِكَ الصَّوْتِ الحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ في الدُّنْيا واللَّهُ أعْلَمُ، بَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ: الأوَّلُ: قُرِئَ فَتَناهُ وفَتَنّاهُ عَلى أنَّ الألِفَ ضَمِيرُ المَلَكَيْنِ. الثّانِي: المَشْهُورُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ قِصَّةِ النَّعْجَةِ والنِّعاجِ، وقِيلَ أيْضًا إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ سَمِعَ كَلامَ الثّانِي وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ؛ ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرُّكُوعِ، وأمّا السُّجُودُ فَقَدْ ثَبَتَ بِالأخْبارِ وكَذَلِكَ البُكاءُ الشَّدِيدُ في مُدَّةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثَبَتَ بِالأخْبارِ. الرّابِعُ: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ فِيهِ سَجْدَةُ التِّلاوَةِ، قالَ: لِأنَّهُ تَوْبَةُ نَبِيٍّ فَلا تُوجِبُ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ. الخامِسُ: اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ عَلى أنَّ الرُّكُوعَ يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ. صفحة ١٧٤

ص 38:25

الخامِسَةُ: أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتَثْنى الَّذِينَ آمَنُوا عَنِ البَغْيِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ كانَ مَوْصُوفًا بِالبَغْيِ لَزِمَ أنْ يُقالَ إنَّهُ حَكَمَ بِعَدَمِ الإيمانِ عَلى نَفْسِهِ وذَلِكَ باطِلٌ. السّادِسَةُ: حَضَرْتُ في بَعْضِ المَجالِسِ وحَضَرَ فِيهِ بَعْضُ أكابِرِ المُلُوكِ وكانَ يُرِيدُ أنْ يَتَعَصَّبَ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ القَوْلِ الفاسِدِ والقِصَّةِ الخَبِيثَةِ لِسَبَبٍ اقْتَضى ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: لا شَكَّ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، ولَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ومَن مَدَحَهُ اللَّهُ تَعالى بِمِثْلِ هَذا المَدْحِ العَظِيمِ لَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نُبالِغَ الطَّعْنَ فِيهِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّهُ ما كانَ نَبِيًّا فَلا شَكَّ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، ولَقَدْ قالَ ﷺ: «لا تَذْكُرُوا مَوْتاكم إلّا بِخَيْرٍ» ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ أنّا لا نَلْتَفِتُ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ، إلّا أنّا نَقُولُ إنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ القِصَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها حَقِيقِيَّةً صَحِيحَةً فَإنَّ رِوايَتَها وذِكْرَها لا يُوجِبُ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ، لِأنَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ إنْ لَمْ تُوجِبِ العِقابَ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا تُوجِبَ الثَّوابَ، وأمّا بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ الباطِلَةُ فاسِدَةً، فَإنَّ ذاكِرَها يَسْتَحِقُّ أعْظَمَ العِقابِ، والواقِعَةُ الَّتِي هَذا شَأْنُها وصِفَتُها، فَإنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يُوجِبُ السُّكُوتَ عَنْها، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ، وأنَّ شَرْحَ تِلْكَ القِصَّةِ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ المَلِكُ هَذا الكَلامَ سَكَتَ ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا. السّابِعَةُ: أنَّ ذِكْرَ هَذِهِ القِصَّةِ، وذِكْرَ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي إشاعَةَ الفاحِشَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النُّورِ: ١٩] . الثّامِنَةُ: لَوْ سَعى داوُدُ في قَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ لَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: «مَن سَعى في دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» وأيْضًا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ ظالِمًا، فَكانَ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هُودٍ: ١٨] . التّاسِعَةُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”مَن حَدَّثَكم بِحَدِيثِ داوُدَ عَلى ما يَرْوِيهِ القَصّاصُ جَلَدْتُهُ مِائَةً وسِتِّينَ“ وهو حَدُّ الفِرْيَةِ عَلى الأنْبِياءِ، ومِمّا يُقَوِّي هَذا أنَّهم لَمّا قالُوا إنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ زَنى وشَهِدَ ثَلاثَةٌ مِن عُدُولِ الصَّحابَةِ بِذَلِكَ، وأمّا الرّابِعُ فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأنِّي رَأيْتُ ذَلِكَ العَمَلَ. يَعْنِي فَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كَذَّبَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةَ وجَلَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ثَمانِينَ جَلْدَةً لِأجْلِ أنَّهم قَذَفُوا، وإذا كانَ الحالُ في واحِدٍ مِن آحادِ الصَّحابَةِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ الحالُ مَعَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. العاشِرُ: رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ لا يَنْبَغِي أنْ يُزادَ عَلَيْها وإنْ كانَتِ الواقِعَةُ عَلى ما ذُكِرَتْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْها لِأجْلِ أنْ يَسْتُرَ تِلْكَ الواقِعَةَ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَسْعى في هَتْكِ ذَلِكَ السِّتْرِ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ فَقالَ صفحة ١٦٨ عُمَرُ: ”سَماعِي هَذا الكَلامَ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ“ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها أنَّ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرُوها فاسِدَةٌ باطِلَةٌ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ كَثِيرًا مِن أكابِرِ المُحَدِّثِينَ والمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا هَذِهِ القِصَّةَ، فَكَيْفَ الحالُ فِيها ؟ فالجَوابُ الحَقِيقِيُّ أنَّهُ لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ وبَيْنَ خَبَرٍ واحِدٍ مِن أخْبارِ الآحادِ كانَ الرُّجُوعُ إلى الدَّلائِلِ القاطِعَةِ أوْلى، وأيْضًا فالأصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، وأيْضًا فَلَمّا تَعارَضَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ كانَ جانِبُ التَّحْرِيمِ أوْلى، وأيْضًا طَرِيقَةُ الِاحْتِياطِ تُوجِبُ تَرْجِيحَ قَوْلِنا، وأيْضًا فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ لا يَقُولُ اللَّهُ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ لِمَ لَمْ تَسْعَوْا في تَشْهِيرِ هَذِهِ الواقِعَةِ ؟ وأمّا بِتَقْدِيرِ كَوْنِها باطِلَةً فَإنَّ عَلَيْنا في ذِكْرِها أعْظَمَ العِقابِ، وأيْضًا فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ وهَهُنا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ ولا الظَّنُّ في صِحَّةِ هَذِهِ الحِكايَةِ، بَلِ الدَّلائِلُ القاهِرَةُ الَّتِي ذَكَرْناها قائِمَةٌ فَوَجَبَ أنْ لا تَجُوزَ الشَّهادَةُ بِها، وأيْضًا كُلُّ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلى هَذا القَوْلِ بَلِ الأكْثَرُونَ المُحِقُّونَ والمُحَقِّقُونَ مِنهم يَرُدُّونَهُ ويَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ والفَسادِ، وأيْضًا إذا تَعارَضَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ والمُحَدِّثِينَ فِيهِ تَساقَطَتْ وبَقِيَ الرُّجُوعُ إلى الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ القِصَّةِ. أمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ حُصُولَ الصَّغِيرَةِ ولا يُوجِبُ حُصُولَ الكَبِيرَةِ، فَنَقُولُ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ المَرْأةَ خَطَبَها أُورِيا فَأجابُوهُ ثُمَّ خَطَبَها داوُدُ فَآثَرَهُ أهْلُها، فَكانَ ذَنْبُهُ أنْ خَطَبَ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ المُؤْمِنِ مَعَ كَثْرَةِ نِسائِهِ. الثّانِي: قالُوا إنَّهُ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها فَمالَ قَلْبُهُ إلَيْها ولَيْسَ لَهُ في هَذا ذَنْبٌ البَتَّةَ، أمّا وقْعُ بَصَرِهِ عَلَيْها مِن غَيْرِ قَصْدٍ فَذَلِكَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، وأمّا حُصُولُ المَيْلِ عَقِيبَ النَّظَرِ فَلَيْسَ أيْضًا ذَنْبًا لِأنَّ هَذا المَيْلَ لَيْسَ في وُسْعِهِ، فَلا يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ بَلْ لَمّا اتَّفَقَ أنْ قُتِلَ زَوْجُها لَمْ يَتَأذَّ تَأذِّيًا عَظِيمًا بِسَبَبِ قَتْلِهِ لِأجْلِ أنَّهُ طَمِعَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِتِلْكَ المَرْأةِ فَحَصَلَتِ الزَّلَّةُ بِسَبَبِ هَذا المَعْنى وهو أنَّهُ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ قَتْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ أهْلُ زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ حَتّى يَتَزَوَّجَها، وكانَتْ عادَتُهم في هَذا المَعْنى مَأْلُوفَةً مَعْرُوفَةً أوْ أنَّ الأنْصارَ كانُوا يُساوُونَ المُهاجِرِينَ بِهَذا المَعْنى فاتَّفَقَ أنَّ عَيْنَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَتْ عَلى تِلْكَ المَرْأةِ فَأحَبَّها فَسَألَهُ النُّزُولَ عَنْها فاسْتَحْيا أنَّ يَرُدَّهُ فَفَعَلَ وهي أُمُّ سُلَيْمانَ فَقِيلَ لَهُ هَذا وإنْ كانَ جائِزًا في ظاهِرِ الشَّرِيعَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِكَ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ القِصَّةَ عَلى واحِدٍ مِنها لَمْ يَلْزَمْ في حَقِّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا تَرْكُ الأفْضَلِ والأوْلى. * * * وأمّا الِاحْتِمالُ الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى وجْهٍ لا يَلْزَمُ إلْحاقُ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ يُوجِبُ إلْحاقَ أعْظَمِ أنْواعِ المَدْحِ والثَّناءِ بِهِ وهو أنْ نَقُولَ رُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأعْداءِ طَمِعُوا في أنْ يَقْتُلُوا نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ لَهُ يَوْمٌ يَخْلُو فِيهِ بِنَفْسِهِ ويَشْتَغِلُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، فانْتَهَزُوا الفُرْصَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ وتَسَوَّرُوا المِحْرابَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وجَدُوا عِنْدَهُ أقْوامًا يَمْنَعُونَهُ مِنهم فَخافُوا فَوَضَعُوا كَذِبًا، فَقالُوا خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ إلى آخِرِ القِصَّةِ، ولَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ بِهِ في إلْحاقِ الذَّنْبِ صفحة ١٦٩ بِداوُدَ إلّا ألْفاظٌ أرْبَعَةٌ: أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنابَ﴾ . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثُمَّ نَقُولُ: وهَذِهِ الألْفاظُ لا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنها عَلى ما ذَكَرُوهُ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِطَلَبِ قَتْلِهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وعَلِمَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ دَعاهُ الغَضَبُ إلى أنْ يَشْتَغِلَ بِالِانْتِقامِ مِنهم، إلّا أنَّهُ مالَ إلى الصَّفْحِ والتَّجاوُزِ عَنْهم طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ، قالَ: وكانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ هي الفِتْنَةُ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ مِمّا هم بِهِ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم وتابَ عَنْ ذَلِكَ الهَمِّ وأنابَ، فَغَفَرَ لَهُ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الهَمِّ والعَزْمِ. والثّانِي: أنَّهُ وإنْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، إلّا أنَّهُ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ، وقالَ: لَمّا لَمْ تَقُمْ دَلالَةٌ ولا أمارَةٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَبِئْسَما عَلِمْتَ بِهِمْ حَيْثُ ظَنَنْتَ بِهِمْ هَذا الظَّنَّ الرَّدِيءَ، فَكانَ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ مِنهُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ. الثّالِثُ: أنَّ دُخُولَهم عَلَيْهِ كانَ فِتْنَةً لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لِذَلِكَ الدّاخِلِ العازِمِ عَلى قَتْلِهِ، كَما قالَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [محمد: ١٩] فَداوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَغْفَرَ لَهم وأنابَ، أيْ رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ مَغْفِرَةِ ذَلِكَ الدّاخِلِ القاصِدِ لِلْقَتْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ أيْ: غَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ الذَّنْبَ لِأجْلِ احْتِرامِ داوُدَ ولِتَعْظِيمِهِ، كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢] أنَّ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَكَ ولِأجْلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِ أُمَّتِكَ. الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ تابَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زَلَّةٍ صَدَرَتْ مِنهُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ تِلْكَ الزَّلَّةَ وقَعَتْ بِسَبَبِ المَرْأةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الزَّلَّةَ إنَّما حَصَلَتْ، لِأنَّهُ قَضى لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ الخَصْمِ الثّانِي، فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ ظالِمًا بِمُجَرَّدِ دَعْوى الخَصْمِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، لِكَوْنِ هَذا الحُكْمِ مُخالِفًا لِلصَّوابِ، فَعِنْدَ هَذا اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، إلّا أنَّ هَذا مِن بابِ تَرْكِ الأفْضَلِ والأوْلى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَياناتِ أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآياتِ عَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ إسْنادُ شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ ذَلِكَ يُوجِبُ إسْنادَ أعْظَمِ الطّاعاتِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ: وحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى لِوُجُوهٍ. الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في حالِ المُسْلِمِ البُعْدُ عَنِ المَناهِي، لا سِيَّما وهو رَجُلٌ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. والثّانِي: أنَّهُ أحْوَطُ. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ فَإنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أظْهَرُوا السَّفاهَةَ حَيْثُ قالُوا: ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ واسْتَهْزَءُوا بِهِ حَيْثُ قالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ: اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى سَفاهَتِهِمْ وتَحَمَّلْ وتَحَلَّمْ ولا تُظْهِرِ الغَضَبَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ، فَهَذا الذِّكْرُ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ صَبَرَ عَلى إيذائِهِمْ وتَحَمَّلَ سَفاهَتَهم وحَلِمَ ولَمْ يُظْهِرِ الطَّيْشَ والغَضَبَ، وهَذا المَعْنى إنَّما يَحْصُلُ إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْناهُ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى ما ذَكَرُوهُ صارَ الكَلامُ مُتَناقِضًا فاسِدًا. والرّابِعُ: أنَّ تِلْكَ الرِّوايَةَ إنَّما تَتَمَشّى إذا قُلْنا: الخَصْمانِ كانا مَلَكَيْنِ، ولَمّا كانا مِنَ المَلائِكَةِ وما كانَ صفحة ١٧٠ بَيْنَهُما مُخاصَمَةٌ وما بَغى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، كانَ قَوْلُهُما خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ كَذِبًا، فَهَذِهِ الرِّوايَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: إسْنادُ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ. والثّانِي: أنْ يُتَوَسَّلَ بِإسْنادِ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ إلى إسْنادِ أفْحَشِ القَبائِحِ إلى رَجُلٍ كَبِيرٍ مِن أكابِرِ الأنْبِياءِ، فَأمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما ذَكَرْنا اسْتَغْنَيْنا عَنْ إسْنادِ الكَذِبِ إلى المَلائِكَةِ، وعَنْ إسْنادِ القَبِيحِ إلى الأنْبِياءِ، فَكانَ قَوْلُنا أوْلى، فَهَذا ما عِنْدَنا في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ. ونَرْجِعُ الآنَ إلى تَفْسِيرِ الآياتِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: الخَصْمُ مَصْدَرُ خَصَمْتُهُ أخْصِمُهُ خَصْمًا، ثُمَّ يُسَمّى بِهِ الِاثْنانِ والجَمْعُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، يُقالُ هُما خَصْمٌ وهم خَصْمٌ، كَما يُقالُ هُما عَدْلٌ وهم عَدْلٌ، والمَعْنى ذَوا خَصْمٍ وذَوُو خَصْمٍ، وأُرِيدَ بِالخَصْمِ هَهُنا الشَّخْصانِ اللَّذانِ دَخَلا عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ يُقالُ تَسَوَّرَتُ السُّورَ تَسَوُّرًا إذا عَلَوْتَهُ، ومَعْنى: ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أيْ أتَوْهُ مِن سُورِهِ وهو أعْلاهُ، يُقالُ تَسَوَّرَ فُلانٌ الدّارَ إذا أتاها مِن قِبَلِ سُورِها. وأمّا المِحْرابُ فالمُرادُ مِنهُ البَيْتُ الَّذِي كانَ داوُدُ يَدْخُلُ فِيهِ ويَشْتَغِلُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ البَيْتُ المِحْرابَ لِاشْتِمالِهِ عَلى المِحْرابِ، كَما يُسَمّى الشَّيْءُ بِأشْرَفِ أجْزائِهِ، وهَهُنا مَسْألَةٌ مِن عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وهي أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ، وهَؤُلاءِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِيغَةَ الجَمْعِ في هَذِهِ الآياتِ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ: أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ . وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ دَخَلُوا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ . ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ فَهَذِهِ الألْفاظُ الأرْبَعَةُ كُلُّها صِيَغُ الجَمْعِ، وهم كانُوا اثْنَيْنِ بِدَلِيلِ أنَّهم قالُوا خَصْمانِ، قالُوا: فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ. والجَوابُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ جَمْعًا كَثِيرِينَ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الخَصْمَ إذا جُعِلَ اسْمًا فَإنَّهُ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهم رُبَّما تَسَوَّرُوا المِحْرابَ وما دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا قالَ: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم بَعْدَ التَّسَوُّرِ دَخَلُوا عَلَيْهِ، قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ يُجاءُ بِـ ”إذْ“ مَرَّتَيْنِ ويَكُونُ مَعْناهُما كالواحِدِ، كَقَوْلِكَ ضَرَبْتُكَ إذْ دَخَلْتَ عَلَيَّ إذِ اجْتَرَأْتَ، مَعَ أنَّهُ يَكُونُ وقْتُ الدُّخُولِ ووَقْتُ الِاجْتِراءِ واحِدًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ والسَّبَبُ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَآهُما قَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ لا مِنَ الطَّرِيقِ المُعْتادِ، عَلِمَ أنَّهم إنَّما دَخَلُوا عَلَيْهِ لِلشَّرِّ، فَلا جَرَمَ فَزَعَ مِنهم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: خَصْمانِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ نَحْنُ خَصْمانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُما كانا مَلَكَيْنِ نَزَلا مِنَ السَّماءِ وأرادَ تَنْبِيهَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قُبْحِ العَمَلِ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُما كانا إنْسانَيْنِ دَخَلا عَلَيْهِ لِلشَّرِّ والقَتْلِ، فَظَنّا أنَّهُما يَجِدانِهِ خالِيًا، فَلَمّا رَأيا عِنْدَهُ جَماعَةً مِنَ الخَدَمِ اخْتَلَقا ذَلِكَ الكَذِبِ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وأمّا المُنْكِرُونَ لِكَوْنِهِما مَلَكَيْنِ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّهُما لَوْ كانا مَلَكَيْنِ لَكانا كاذِبَيْنِ في قَوْلِهِما ﴿خَصْمانِ﴾ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ المَلائِكَةِ خُصُومَةٌ، ولَكانا كاذِبَيْنِ في قَوْلِهِما: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ ولَكانا كاذِبَيْنِ في قَوْلِهِما: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ فَثَبَتَ أنَّهُما لَوْ كانا مَلَكَيْنِ كاذِبَيْنِ، والكَذِبُ عَلى المَلَكِ غَيْرُ جائِزٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] ولِقَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] أجابَ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ عَنْ هَذا الكَلامِ بِأنْ قالُوا: إنَّ المَلَكَيْنِ إنَّما ذَكَرا هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ لا عَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ فَلَمْ يَلْزَمِ الكَذِبُ، وأُجِيبُ صفحة ١٧١ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّ ما ذَكَرْتُمْ يَقْتَضِي العُدُولَ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلى خِلافِ الأصْلِ. أمّا إذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى أنَّ الخَصْمَيْنِ كانا رَجُلَيْنِ دَخَلا عَلَيْهِ لِغَرَضِ الشَّرِّ ثُمَّ وضَعا هَذا الحَدِيثَ الباطِلَ، فَحِينَئِذٍ لَزِمَ إسْنادُ الكَذِبِ إلى شَخْصَيْنِ فاسِقَيْنِ فَكانَ هَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وأمّا القائِلُونَ بِكَوْنِهِما مَلَكَيْنِ فَقَدِ احْتَجّا بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: اتِّفاقُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. والثّانِي: أنَّهُ أرْفَعُ مَنزِلَةً مِن أنْ يَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ آحادُ الرَّعِيَّةِ في حالِ تَعَبُّدِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِما مَلَكَيْنِ لِأنَّ مَن هو مِن رَعِيَّتِهِ لا يَكادُ يَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ مَعَ رِفْعَةِ مَنزِلَتِهِ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُما: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِما مَلَكَيْنِ لِأنَّ أحَدًا مِن رَعِيَّتِهِ لا يَتَجاسَرُ أنْ يَقُولَ لَهُ لا تَظْلِمْ ولا تَتَجاوَزْ عَنِ الحَقِّ، واعْلَمْ أنَّ ضَعْفَ هَذِهِ الدَّلائِلِ ظاهِرٌ، ولا حاجَةَ إلى الجَوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ تَعَدّى وخَرَجَ عَنِ الحَدِّ، يُقالُ بَغى الجُرْحُ إذا أفْرَطَ وجَعُهُ وانْتَهى إلى الغايَةِ، ويُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ إذا زَنَتْ، لِأنَّ الزِّنا كَبِيرَةٌ مُنْكَرَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النُّورِ: ٣٣] ثُمَّ قالَ: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾ مَعْنى الحُكْمِ إحْكامُ الأمْرِ في إمْضاءِ تَكْلِيفِ اللَّهِ عَلَيْهِما في الواقِعَةِ، ومِنهُ حِكْمَةُ الدّابَّةِ لِأنَّها تُمْنَعُ مِنَ الجِماحِ، ومِنهُ بِناءٌ مُحْكَمٌ إذا كانَ قَوِيًّا، وقَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالحُكْمِ الحَقِّ وهو الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ يُقالُ شَطَّ الرَّجُلُ إذا بَعُدَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: شَطَّتِ الدّارُ إذا بَعُدَتْ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ [الكَهْفِ: ١٤] أيْ قَوْلًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ لا تَبْعُدُ في هَذا الحُكْمِ عَنِ الحَقِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ وسَواءُ الصِّراطِ هو وسَطُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصّافّاتِ: ٥٥] ووَسَطُ الشَّيْءِ أفْضَلُهُ وأعْدَلُهُ، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] وأقُولُ إنَّهم عَبَّرُوا عَنِ المَقْصُودِ الواحِدِ بِثَلاثِ عِباراتٍ: أوَّلُها: قَوْلُهم فاحْكم بِالحَقِّ. وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ وهي نَهْيٌ عَنِ الباطِلِ. وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ يَعْنِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَعْيُكَ في إيجادِ هَذا الحَقِّ. وفي الِاحْتِرازِ عَنْ هَذا الباطِلِ أنْ تَرُدَّنا مِنَ الطَّرِيقِ الباطِلِ إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ، وهَذا مُبالَغَةٌ تامَّةٌ في تَقْرِيرِ المَطْلُوبِ، واعْلَمْ أنَّهم لَمّا أخْبَرُوا عَنْ وُقُوعِ الخُصُومَةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أرْدَفُوهُ بِبَيانِ سَبَبِ تِلْكَ الخُصُومَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿أخِي﴾ بَدَلٌ مِن هَذا أوْ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ﴾ والمُرادُ أُخُوَّةُ الدِّينِ أوْ أُخُوَّةُ الصَّداقَةِ والأُلْفَةِ أوْ أُخُوَّةُ الشَّرِكَةِ والخُلْطَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأخَواتِ تُوجِبُ الِامْتِناعَ مِنَ الظُّلْمِ والِاعْتِداءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”تَسْعٌ وتَسْعُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ و”نِعْجَةً“ بِكَسْرِ النُّونِ، وهَذا مِنَ اخْتِلافِ اللُّغاتِ نَحْوُ نَطْعٍ ونِطْعٍ، ولَقْوَةٍ ولِقْوَةٍ وهي الأُنْثى مِنَ العُقْبانِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: النَّعْجَةُ الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ والبَقَرَةِ الوَحْشِيَّةِ والشّاةِ الجَبَلِيَّةِ، والجَمْعُ النَّعَجاتُ، والعَرَبُ جَرَتْ عادَتُهم بِجَعْلِ النَّعْجَةِ والظَّبْيَةِ كِنايَةً عَنِ المَرْأةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثى“ وهَذا يَكُونُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]، ثُمَّ قالَ: ﴿أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ قالَ صفحة ١٧٢ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أكْفِلْنِيها﴾ حَقِيقَتُهُ اجْعَلْنِي أكْفُلُها كَما أكْفُلُ ما تَحْتَ يَدِي ﴿وعَزَّنِي﴾ غَلَبَنِي، يُقالُ عَزَّهُ يَعِزُّهُ، والمَعْنى جاءَنِي بِحِجاجٍ لَمْ أقْدِرْ أنْ أُورِدَ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ بِهِ، وقُرِئَ وعازَنِي مِنَ المُعازَةِ، وهي المُغالَبَةُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا إنَّ هَذَيْنِ الخَصْمَيْنِ كانا مِنَ المَلائِكَةِ زَعَمُوا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ النِّعاجِ التَّمْثِيلُ، لِأنَّ داوُدَ كانَ تَحْتَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً ولَمْ يَكُنْ لَأُورِيا إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ، فَذَكَرَتِ المَلائِكَةُ تِلْكَ الواقِعَةَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّمْثِيلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ أيْ: سُؤالِ إضافَةِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُ: إنْ رُمْتَ ذَلِكَ ضَرَبْنا مِنكَ هَذا وهَذا، وأشارَ إلى الأنْفِ والجَبْهَةِ، فَقالَ: يا داوُدُ أنْتَ أحَقُّ أنْ نَضْرِبَ مِنكَ هَذا وهَذا، وأنْتَ فَعَلَتْ كَيْتَ وكَيْتَ، ثُمَّ نَظَرَ داوُدُ فَلَمْ يَرَ أحَدًا فَعَرَفَ الحالَ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ جازَ لِداوُدَ أنْ يَحْكُمَ عَلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ خَصْمِهِ ؟ قُلْنا: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: لَمّا فَرَغَ الخَصْمُ الأوَّلُ مِن كَلامِهِ نَظَرَ داوُدُ إلى الخَصْمِ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ، وقالَ لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمْتَهُ، والحاصِلُ أنَّ هَذا الحُكْمَ كانَ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ كَوْنِهِ صادِقًا في دَعْواهُ. والثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ادَّعى أحَدُ الخَصْمَيْنِ اعْتَرَفَ الثّانِي فَحَكَمَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الِاعْتِرافَ لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: أمَرْتُكَ بِالتِّجارَةِ فَكَسَبْتَ تُرِيدُ اتَّجَرْتَ فَكَسَبْتَ، وقالَ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٦٣] أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّ الخَصْمَ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ يَكُونُ قَدْ ظَلَمَكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ اللَّيْثُ: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخالِطُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: الخُلَطاءُ الشُّرَكاءُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ داوُدُ الخُلَطاءَ بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مَعَ أنَّ غَيْرَ الخُلَطاءِ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ المُخالَطَةَ تُوجِبُ كَثْرَةَ المُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُما إذا اخْتَلَطا اطَّلَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى أحْوالِ الآخَرِ، فَكُلُّ ما يَمْلِكُهُ مِنَ الأشْياءِ النَّفِيسَةِ إذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ عَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى زِيادَةِ المُخاصَمَةِ والمُنازَعَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ الخُلَطاءَ بِزِيادَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، ثُمَّ اسْتَثْنى عَنْ هَذا الحُكْمِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَلِمُوا الصّالِحاتِ لِأنَّ مُخالَطَةَ هَؤُلاءِ لا تَكُونُ إلّا لِأجْلِ الدِّينِ وطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، فَلا جَرَمَ مُخالَطَتُهم لا تُوجِبُ المُنازَعَةَ، وأمّا الَّذِينَ تَكُونُ مُخالَطَتُهم لِأجْلِ حُبِّ الدُّنْيا لا بُدَّ وأنَّ تَصِيرَ مُخالَتَطُهم سَبَبًا لِمَزِيدِ البَغْيِ والعُدْوانِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَلَوْ كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَغى وتَعَدّى عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ لَزِمَ بِحُكْمِ فَتْوى داوُدَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ المُرادُ مِن واقِعَةِ النَّعْجَةِ قِصَّةُ داوُدَ قَوْلُهُ باطِلٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ بِقِلَّةِ أهْلِ الخَيْرِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأٍ: ١٣] وقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ وحَكى تَعالى عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٧] وسَبَبُ القِلَّةِ أنَّ الدَّواعِيَ إلى الدُّنْيا كَثِيرَةٌ، وهي الحَواسُّ الباطِنَةُ والظّاهِرَةُ وهي عَشَرَةٌ، والشُّهُودُ والغَضَبُ، والقُوى الطَّبِيعِيَّةُ السَّبْعَةُ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ واقِفُونَ عَلى بابِ جَهَنَّمَ البَدِنِ، وكُلُّها تَدْعُو إلى الخَلْقِ والدُّنْيا واللَّذَّةِ الحِسِّيَّةِ، وأمّا الدّاعِي إلى الحَقِّ صفحة ١٧٣ والدِّينِ فَلَيْسَ إلّا العَقْلَ، واسْتِيلاءُ القُوَّةِ الحِسِّيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ عَلى الخَلْقِ أكْثَرُ مِنَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فِيهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَتِ القِلَّةُ في جانِبِ أهْلِ الخَيْرِ والكَثْرَةُ في جانِبِ أهْلِ الشَّرِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وما في قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ لِلْإبْهامِ وفِيهِ تَعَجُّبٌ مِن قِلَّتِهِمْ، قالَ وإذا أرَدْتَ أنْ تَتَحَقَّقَ فائِدَتَها ومَوْقِعَها فاطْرَحْها مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ؛ وحَدِيثٌ ما عَلى قِصَرِهِ - وانْظُرْ هَلْ بَقِيَ لَهُ مَعْنًى قَطُّ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾ قالُوا مَعْناهُ وعَلِمَ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ أيِ امْتَحَنّاهُ، قالُوا: والسَّبَبُ الَّذِي أوْجَبَ حَمْلَ لَفْظِ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ هَهُنا أنَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَضى بَيْنَهُما نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ قِبَلَ وجْهِهِ، فَعَلِمَ داوُدُ أنَّ اللَّهَ ابْتَلاهُ بِذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّ داوُدُ عَلِمَ ذَلِكَ وإنَّما جازَ حَمْلُ لَفْظِ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ لِأنَّ العِلْمَ الِاسْتِدْلالِيَّ يُشْبِهُ الظَّنَّ مُشابَهَةً عَظِيمَةً، والمُشابَهَةُ عِلَّةٌ لِجَوازِ المَجازِ، وأقُولُ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَلْزَمُ إذا قُلْنا الخَصْمانِ كانا مَلَكَيْنِ أمّا إذا لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لا يَلْزَمُنا حَمْلُ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ، بَلْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّهُ لَمّا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ حُصُولُ الِابْتِلاءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى اشْتَغَلَ بِالِاسْتِغْفارِ والإنابَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ أيْ سَألَ الغُفْرانَ مِن رَبِّهِ، ثُمَّ هَهُنا وجْهانِ: إنْ قُلْنا بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَتْ زَلَّةٌ مِنهُ، حَمَلْنا هَذا الِاسْتِغْفارَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قاصِدِينَ قَتْلَهُ، وإنَّهُ كانَ سُلْطانًا شَدِيدَ القَهْرِ عَظِيمَ القُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ إنَّهُ مَعَ القُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ عَلى الِانْتِقامِ ومَعَ حُصُولِ الفَزَعِ في قَلْبِهِ عَفا عَنْهم ولَمْ يَقُلْ لَهم شَيْئًا قُرْبَ الأمْرِ مِن أنْ يَدْخُلَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ العُجْبِ، فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ وأنابَ إلى اللَّهِ، واعْتَرَفَ بِأنَّ إقْدامَهُ عَلى ذَلِكَ الخَيْرِ ما كانَ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وتَجاوَزَ عَنْهُ بِسَبَبِ طَرَيانِ ذَلِكَ الخاطِرِ. الثّانِي: لَعَلَّهُ هَمَّ بِإيذاءِ القَوْمِ، ثُمَّ قالَ: إنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَصَدُوا الشَّرَّ فَعَفا عَنْهم ثُمَّ اسْتَغْفَرْ عَنْ ذَلِكَ الهَمِّ. الثّالِثُ: لَعَلَّ القَوْمَ تابُوا إلى اللَّهِ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم لِأجْلِ أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم فاسْتَغْفَرَ وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهم بِسَبَبِ شَفاعَتِهِ ودُعائِهِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ ظاهِرَةٌ، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن أمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِما ذَكَرْناهُ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ ولا ظَنِّيٌّ عَلى التِزامِ المُنْكَراتِ الَّتِي يَذْكُرُونَها، فَما الَّذِي يَحْمِلُنا عَلى التِزامِها والقَوْلِ بِها، والَّذِي يُؤَكِّدُ أنَّ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْرَبُ وأقْوى أنْ يُقالَ خَتَمَ اللَّهُ هَذِهِ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومِثْلُ هَذِهِ الخاتِمَةِ إنَّما تَحْسُنُ مِن حَقِّ مَن صَدَرَ مِنهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ في الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، وتَحَمَّلَ أنْواعًا مِنَ الشَّدائِدِ في المُوافَقَةِ والِانْقِيادِ، أمّا إذا كانَ المَذْكُورُ السّابِقُ هو الإقْدامَ عَلى الجُرْمِ والذَّنْبِ فَإنَّ مِثْلَ هَذِهِ الخاتِمَةِ لا تَلِيقُ بِهِ، قالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ؛ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُتِيَ بِمِنبَرٍ رَفِيعٍ ويُوضَعُ في الجَنَّةِ، ويُقالُ يا داوُدُ مَجِّدْنِي بِذَلِكَ الصَّوْتِ الحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ في الدُّنْيا واللَّهُ أعْلَمُ، بَقِيَ هَهُنا مَباحِثُ: الأوَّلُ: قُرِئَ فَتَناهُ وفَتَنّاهُ عَلى أنَّ الألِفَ ضَمِيرُ المَلَكَيْنِ. الثّانِي: المَشْهُورُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ قِصَّةِ النَّعْجَةِ والنِّعاجِ، وقِيلَ أيْضًا إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ حَكَمَ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ قَبْلَ أنْ سَمِعَ كَلامَ الثّانِي وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ؛ ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الرُّكُوعِ، وأمّا السُّجُودُ فَقَدْ ثَبَتَ بِالأخْبارِ وكَذَلِكَ البُكاءُ الشَّدِيدُ في مُدَّةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ثَبَتَ بِالأخْبارِ. الرّابِعُ: أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ فِيهِ سَجْدَةُ التِّلاوَةِ، قالَ: لِأنَّهُ تَوْبَةُ نَبِيٍّ فَلا تُوجِبُ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ. الخامِسُ: اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في سُجُودِ التِّلاوَةِ عَلى أنَّ الرُّكُوعَ يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ. صفحة ١٧٤

ص 38:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في شَرْحِ القِصَّةِ أرْدَفَها بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى فَوَّضَ إلى داوُدَ خِلافَةَ الأرْضِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ المَشْهُورِ في تِلْكَ القِصَّةِ، لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُوصَفَ الرَّجُلُ بِكَوْنِهِ ساعِيًا في سَفْكِ دِماءِ المُسْلِمِينَ، راغِبًا في انْتِزاعِ أزْواجِهِمْ مِنهم، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ خِلافَةَ الأرْضِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ في تَفْسِيرِ كَوْنِهِ خَلِيفَةً وجْهانِ: الأوَّلُ: جَعَلْناكَ تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي سِياسَةِ النّاسِ لِأنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ مَن يَخْلُفُهُ، وذَلِكَ إنَّما يُعْقَلُ في حَقِّ مَن يَصِحُّ عَلَيْهِ الغَيْبَةُ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. الثّانِي: إنّا جَعَلْناكَ مالِكًا لِلنّاسِ ونافِذَ الحُكْمِ فِيهِمْ، فَبِهَذا التَّأْوِيلِ يُسَمّى خَلِيفَةً، ومِنهُ يُقالُ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ يَكُونُ نافِذَ الحُكْمِ في رَعِيَّتِهِ، وحَقِيقَةُ الخِلافَةِ مُمْتَنِعَةٌ في حَقِّ اللَّهِ، فَلَمّا امْتَنَعَتِ الحَقِيقَةُ جُعِلَتِ اللَّفْظَةُ مُفِيدَةً اللُّزُومَ في تِلْكَ الحَقِيقَةِ وهو نَفاذُ الحُكْمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ، لِأنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُهُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ مَدِينَةٍ تامَّةٍ حَتّى أنَّ هَذا يَحْرُثُ، وذَلِكَ يَطْحَنُ، وذَلِكَ يَخْبِزُ، وذَلِكَ يَنْسِجُ، وهَذا يَخِيطُ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ، ويَنْتَظِمُ مِن أعْمالِ الجَمِيعِ مَصالِحُ الجَمِيعِ. فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في المَوْضِعِ الواحِدِ يَحْصُلُ بَيْنَهم مُنازَعاتٌ ومُخاصَماتٌ، ولا بُدَّ مِن إنْسانٍ قادِرٍ قاهِرٍ يَقْطَعُ تِلْكَ الخُصُوماتِ وذَلِكَ هو السُّلْطانُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلى الكُلِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُ الخَلْقِ إلّا بِسُلْطانٍ قاهِرٍ سائِسٍ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ القاهِرَ السّائِسَ إنْ كانَ حُكْمُهُ عَلى وفْقِ هَواهُ ولِطَلَبِ مَصالِحِ دُنْياهُ عَظُمَ ضَرَرُهُ عَلى الخَلْقِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الرَّعِيَّةَ فِداءً لِنَفْسِهِ ويَتَوَسَّلُ بِهِمْ إلى تَحْصِيلِ مَقاصِدِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَخْرِيبِ العالَمِ ووُقُوعِ الهَرْجِ والمَرْجِ في الخَلْقِ، وذَلِكَ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى هَلاكِ ذَلِكَ المَلِكِ، أمّا إذا كانَتْ أحْكامُ ذَلِكَ المَلِكِ مُطابِقَةً لِلشَّرِيعَةِ الحَقَّةِ الإلَهِيَّةِ انْتَظَمَتْ مَصالِحُ العالَمِ، واتَّسَعَتْ أبْوابُ الخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي صفحة ١٧٥ لا بُدَّ مِن حاكِمٍ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ فَكُنْ أنْتَ ذَلِكَ الحاكِمَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والضَّلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فَيَنْتُجُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ سُوءَ العَذابِ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الهَوى يَدْعُو إلى الِاسْتِغْراقِ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، والِاسْتِغْراقُ فِيها يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي الباقِياتُ الصّالِحاتُ، لِأنَّهُما حالَتانِ مُتَضادَّتانِ فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُهُما يَنْقُصُ الآخَرُ. أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ إلْفُهُ بِهَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ ونَسِيَ بِالكُلِّيَّةِ أحْوالَهُ الرُّوحانِيّاتِ، فَإذا ماتَ فَقَدْ فارَقَ المَحْبُوبَ والمَعْشُوقَ، ودَخَلَ دِيارًا لَيْسَ لَهُ بِأهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ إلْفٌ ولَيْسَ لِعَيْنِهِ قُوَّةُ مُطالَعَةِ أنْوارِ تِلْكَ الدِّيارِ، فَكَأنَّهُ فارَقَ المَحْبُوبَ ووَصَلَ إلى المَكْرُوهِ، فَكانَ لا مَحالَةَ في أعْظَمِ العَناءِ والبَلاءِ، فَثَبَتَ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وثَبَتَ أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ العَذابَ، وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الكَمالِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُصُولِ ذَلِكَ الضَّلالِ هو نِسْيانُ يَوْمِ الحِسابِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُتَذَكِّرًا لِيَوْمِ الحِسابِ لَما أعْرَضَ عَنْ إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ، ولَما صارَ مُسْتَغْرِقًا في هَذِهِ اللَّذّاتِ الفاسِدَةِ. رُوِيَ عَنْ بَعْضِ خُلَفاءِ بَنِي مَرْوانَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هَلْ سَمِعْتَ ما بَلَغَنا أنَّ الخَلِيفَةَ لا يَجْرِي عَلَيْهِ القَلَمُ ولا يَكْتُبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً ؟ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، الخُلَفاءُ أفْضَلُ أمِ الأنْبِياءُ ؟! ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الرُّومِ: ٨] وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، قالَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وكُلُّها أباطِيلُ. فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا دَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ وعِنْدَ المُجَبِّرَةِ أنَّهُ خَلَقَ الكافِرَ لِأجْلِ أنْ يَكْفُرَ، والكُفْرُ باطِلٌ، وقَدْ خَلَقَ الباطِلَ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كُلُّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ فَهو كافِرٌ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ مَذْهَبَ المُجَبِّرَةِ عَيْنُ الكُفْرِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأعْمالُ العِبادِ حاصِلَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خالِقًا لَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ، فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإضْرارِ أوْ لِلْإنْفاعِ أوْ لا لِلْإنْفاعِ ولا لِلْإضْرارِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا صفحة ١٧٦ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ حاصِلَةٌ حِينَ كانُوا مَعْدُومِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإنْفاعِ، فَنَقُولُ وذَلِكَ الإنْفاعُ، إمّا أنْ يَكُونَ في حَياةِ الدُّنْيا أوْ في حَياةِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ ومَضارَّها كَثِيرَةٌ، وتَحَمُّلُ المَضارِّ الكَثِيرَةِ لِلْمَنفَعَةِ القَلِيلَةِ لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا القِسْمُ ثَبَتَ القَوْلُ بِوُجُودِ حَياةٍ أُخْرى بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ هو القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ لَخَّصْناها في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ بِالِاسْتِقْصاءِ، فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْرِيرِ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا، وإذا لَمْ يَكُنْ خَلْقُهُما باطِلًا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ لازِمًا، وأنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ كانَ شاكًّا في حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنّا نَرى في الدُّنْيا مَن أطاعَ اللَّهَ واحْتَرَزَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ في الفَقْرِ والزَّمانَةِ وأنْواعِ البَلاءِ، ونَرى الكَفَرَةَ والفُسّاقَ في الرّاحَةِ والغِبْطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَشْرٌ ونَشْرٌ ومَعادٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حالُ المُطِيعِ أدْوَنَ مِن حالِ العاصِي، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في الحِكْمَةِ، ثَبَتَ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ إنْكارَ حِكْمَةِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ لِأجْلِ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والهِدايَةِ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِرِعايَةِ المَصالِحِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والخَيْرَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ بِخِلافِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَقْرِيرِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ فَنَقُولُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ إنَّهُ تَعالى حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الكُفّارِ، أنَّهم بالَغُوا في إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ، بَلْ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذِكْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ قِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِمَسْألَةِ إثْباتِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِقِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ إثْباتَ حِكْمَةِ اللَّهِ وفَرَّعَ عَلَيْهِ إثْباتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ حَقٌّ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ شَرِيفٌ فاضِلٌ كَثِيرُ النَّفْعِ والخَيْرِ، ولا تَعَلُّقَ لِهَذا الفَصْلِ بِالكَلِماتِ المُتَقَدِّمَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الفُصُولُ فُصُولًا مُتَبايِنَةً لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ مِنها بِالبَعْضِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ كِتابًا شَرِيفًا فاضِلًا ؟ هَذا تَمامُ السُّؤالِ. والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ العُقَلاءَ قالُوا مَنِ ابْتُلِيَ بِخَصْمٍ جاهِلٍ مُصِرٍّ مُتَعَصِّبٍ، ورَآهُ قَدْ خاضَ في ذَلِكَ التَّعَصُّبِ والإصْرارِ، وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، لِأنَّهُ كُلَّما كانَ خَوْضُهُ في تَقْرِيرِهِ أكْثَرَ كانَتْ نَفْرَتُهُ عَنِ القَبُولِ أشَدَّ، فالطَّرِيقُ حِينَئِذٍ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، وأنْ يَخُوضَ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ، ويُطْنِبَ في ذَلِكَ الكَلامِ الأجْنَبِيِّ، بِحَيْثُ يَنْسى ذَلِكَ المُتَعَصِّبُ تِلْكَ المَسْألَةَ الأُولى، فَإذا اشْتَغَلَ خاطِرُهُ بِهَذا الكَلامِ الأجْنَبِيِّ ونَسِيَ المَسْألَةَ الأُولى، فَحِينَئِذٍ صفحة ١٧٧ يُدْرِجُ في أثْناءِ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ الأجْنَبِيِّ مُقَدِّمَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ المُتَعَصِّبَ يُسَلِّمُ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَإذا سَلَّمَها، فَحِينَئِذٍ يَتَمَسَّكُ بِها في إثْباتِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ الخَصْمُ المُتَعَصِّبُ مُنْقَطِعًا مُفْحَمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ بَلَغُوا في إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ إلى حَيْثُ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، اقْطَعِ الكَلامَ مَعَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ، واشَرَعْ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي قِصَّةُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ القِصَّةِ بِمَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ وكُلُّ مَن سَمِعَ هَذا قالَ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ أمَرَهُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأنا لا آمُرُكَ بِالحَقِّ فَقَطْ، بَلْ أنا مَعَ أنِّي رَبُّ العالَمِينَ لا أفْعَلُ إلّا بِالحَقِّ، ولا أقْضِي بِالباطِلِ، فَهَهُنا الخَصْمُ يَقُولُ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ لَمْ يَقْضِ إلّا بِالحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَمّا سَلَّمْتَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، لَزِمَكَ أنْ تُسَلِّمَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الكافِرُ راجِحًا عَلى المُسْلِمِ في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِ، وذَلِكَ ضِدُّ الحِكْمَةِ وعَيْنُ الباطِلِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ أوْرَدَ اللَّهُ تَعالى الإلْزامَ القاطِعَ عَلى مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ إيرادًا لا يُمْكِنُهُمُ الخَلاصُ عَنْهُ، فَصارَ ذَلِكَ الخَصْمُ الَّذِي بَلَغَ في إنْكارِ المَعادِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا بِهَذا الطَّرِيقِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الدَّقِيقَةَ في الإلْزامِ في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وصْفَ القُرْآنَ بِالكَمالِ والفَضْلِ، فَقالَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ مَن لَمْ يَتَدَبَّرْ ولَمْ يَتَأمَّلْ ولَمْ يُساعِدْهُ التَّوْفِيقُ الإلَهِيُّ لَمْ يَقِفْ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العَجِيبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، حَيْثُ يَراهُ في ظاهِرِ الحالِ مَقْرُونًا بِسُوءِ التَّرْتِيبِ، وهو في الحَقِيقَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى أكْمَلِ جِهاتِ التَّرْتِيبِ، فَهَذا ما حَضَرَنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ص 38:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في شَرْحِ القِصَّةِ أرْدَفَها بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى فَوَّضَ إلى داوُدَ خِلافَةَ الأرْضِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ المَشْهُورِ في تِلْكَ القِصَّةِ، لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُوصَفَ الرَّجُلُ بِكَوْنِهِ ساعِيًا في سَفْكِ دِماءِ المُسْلِمِينَ، راغِبًا في انْتِزاعِ أزْواجِهِمْ مِنهم، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ خِلافَةَ الأرْضِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ في تَفْسِيرِ كَوْنِهِ خَلِيفَةً وجْهانِ: الأوَّلُ: جَعَلْناكَ تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي سِياسَةِ النّاسِ لِأنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ مَن يَخْلُفُهُ، وذَلِكَ إنَّما يُعْقَلُ في حَقِّ مَن يَصِحُّ عَلَيْهِ الغَيْبَةُ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. الثّانِي: إنّا جَعَلْناكَ مالِكًا لِلنّاسِ ونافِذَ الحُكْمِ فِيهِمْ، فَبِهَذا التَّأْوِيلِ يُسَمّى خَلِيفَةً، ومِنهُ يُقالُ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ يَكُونُ نافِذَ الحُكْمِ في رَعِيَّتِهِ، وحَقِيقَةُ الخِلافَةِ مُمْتَنِعَةٌ في حَقِّ اللَّهِ، فَلَمّا امْتَنَعَتِ الحَقِيقَةُ جُعِلَتِ اللَّفْظَةُ مُفِيدَةً اللُّزُومَ في تِلْكَ الحَقِيقَةِ وهو نَفاذُ الحُكْمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ، لِأنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُهُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ مَدِينَةٍ تامَّةٍ حَتّى أنَّ هَذا يَحْرُثُ، وذَلِكَ يَطْحَنُ، وذَلِكَ يَخْبِزُ، وذَلِكَ يَنْسِجُ، وهَذا يَخِيطُ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ، ويَنْتَظِمُ مِن أعْمالِ الجَمِيعِ مَصالِحُ الجَمِيعِ. فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في المَوْضِعِ الواحِدِ يَحْصُلُ بَيْنَهم مُنازَعاتٌ ومُخاصَماتٌ، ولا بُدَّ مِن إنْسانٍ قادِرٍ قاهِرٍ يَقْطَعُ تِلْكَ الخُصُوماتِ وذَلِكَ هو السُّلْطانُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلى الكُلِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُ الخَلْقِ إلّا بِسُلْطانٍ قاهِرٍ سائِسٍ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ القاهِرَ السّائِسَ إنْ كانَ حُكْمُهُ عَلى وفْقِ هَواهُ ولِطَلَبِ مَصالِحِ دُنْياهُ عَظُمَ ضَرَرُهُ عَلى الخَلْقِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الرَّعِيَّةَ فِداءً لِنَفْسِهِ ويَتَوَسَّلُ بِهِمْ إلى تَحْصِيلِ مَقاصِدِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَخْرِيبِ العالَمِ ووُقُوعِ الهَرْجِ والمَرْجِ في الخَلْقِ، وذَلِكَ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى هَلاكِ ذَلِكَ المَلِكِ، أمّا إذا كانَتْ أحْكامُ ذَلِكَ المَلِكِ مُطابِقَةً لِلشَّرِيعَةِ الحَقَّةِ الإلَهِيَّةِ انْتَظَمَتْ مَصالِحُ العالَمِ، واتَّسَعَتْ أبْوابُ الخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي صفحة ١٧٥ لا بُدَّ مِن حاكِمٍ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ فَكُنْ أنْتَ ذَلِكَ الحاكِمَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والضَّلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فَيَنْتُجُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ سُوءَ العَذابِ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الهَوى يَدْعُو إلى الِاسْتِغْراقِ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، والِاسْتِغْراقُ فِيها يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي الباقِياتُ الصّالِحاتُ، لِأنَّهُما حالَتانِ مُتَضادَّتانِ فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُهُما يَنْقُصُ الآخَرُ. أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ إلْفُهُ بِهَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ ونَسِيَ بِالكُلِّيَّةِ أحْوالَهُ الرُّوحانِيّاتِ، فَإذا ماتَ فَقَدْ فارَقَ المَحْبُوبَ والمَعْشُوقَ، ودَخَلَ دِيارًا لَيْسَ لَهُ بِأهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ إلْفٌ ولَيْسَ لِعَيْنِهِ قُوَّةُ مُطالَعَةِ أنْوارِ تِلْكَ الدِّيارِ، فَكَأنَّهُ فارَقَ المَحْبُوبَ ووَصَلَ إلى المَكْرُوهِ، فَكانَ لا مَحالَةَ في أعْظَمِ العَناءِ والبَلاءِ، فَثَبَتَ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وثَبَتَ أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ العَذابَ، وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الكَمالِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُصُولِ ذَلِكَ الضَّلالِ هو نِسْيانُ يَوْمِ الحِسابِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُتَذَكِّرًا لِيَوْمِ الحِسابِ لَما أعْرَضَ عَنْ إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ، ولَما صارَ مُسْتَغْرِقًا في هَذِهِ اللَّذّاتِ الفاسِدَةِ. رُوِيَ عَنْ بَعْضِ خُلَفاءِ بَنِي مَرْوانَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هَلْ سَمِعْتَ ما بَلَغَنا أنَّ الخَلِيفَةَ لا يَجْرِي عَلَيْهِ القَلَمُ ولا يَكْتُبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً ؟ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، الخُلَفاءُ أفْضَلُ أمِ الأنْبِياءُ ؟! ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الرُّومِ: ٨] وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، قالَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وكُلُّها أباطِيلُ. فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا دَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ وعِنْدَ المُجَبِّرَةِ أنَّهُ خَلَقَ الكافِرَ لِأجْلِ أنْ يَكْفُرَ، والكُفْرُ باطِلٌ، وقَدْ خَلَقَ الباطِلَ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كُلُّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ فَهو كافِرٌ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ مَذْهَبَ المُجَبِّرَةِ عَيْنُ الكُفْرِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأعْمالُ العِبادِ حاصِلَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خالِقًا لَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ، فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإضْرارِ أوْ لِلْإنْفاعِ أوْ لا لِلْإنْفاعِ ولا لِلْإضْرارِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا صفحة ١٧٦ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ حاصِلَةٌ حِينَ كانُوا مَعْدُومِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإنْفاعِ، فَنَقُولُ وذَلِكَ الإنْفاعُ، إمّا أنْ يَكُونَ في حَياةِ الدُّنْيا أوْ في حَياةِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ ومَضارَّها كَثِيرَةٌ، وتَحَمُّلُ المَضارِّ الكَثِيرَةِ لِلْمَنفَعَةِ القَلِيلَةِ لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا القِسْمُ ثَبَتَ القَوْلُ بِوُجُودِ حَياةٍ أُخْرى بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ هو القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ لَخَّصْناها في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ بِالِاسْتِقْصاءِ، فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْرِيرِ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا، وإذا لَمْ يَكُنْ خَلْقُهُما باطِلًا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ لازِمًا، وأنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ كانَ شاكًّا في حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنّا نَرى في الدُّنْيا مَن أطاعَ اللَّهَ واحْتَرَزَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ في الفَقْرِ والزَّمانَةِ وأنْواعِ البَلاءِ، ونَرى الكَفَرَةَ والفُسّاقَ في الرّاحَةِ والغِبْطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَشْرٌ ونَشْرٌ ومَعادٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حالُ المُطِيعِ أدْوَنَ مِن حالِ العاصِي، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في الحِكْمَةِ، ثَبَتَ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ إنْكارَ حِكْمَةِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ لِأجْلِ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والهِدايَةِ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِرِعايَةِ المَصالِحِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والخَيْرَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ بِخِلافِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَقْرِيرِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ فَنَقُولُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ إنَّهُ تَعالى حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الكُفّارِ، أنَّهم بالَغُوا في إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ، بَلْ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذِكْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ قِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِمَسْألَةِ إثْباتِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِقِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ إثْباتَ حِكْمَةِ اللَّهِ وفَرَّعَ عَلَيْهِ إثْباتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ حَقٌّ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ شَرِيفٌ فاضِلٌ كَثِيرُ النَّفْعِ والخَيْرِ، ولا تَعَلُّقَ لِهَذا الفَصْلِ بِالكَلِماتِ المُتَقَدِّمَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الفُصُولُ فُصُولًا مُتَبايِنَةً لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ مِنها بِالبَعْضِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ كِتابًا شَرِيفًا فاضِلًا ؟ هَذا تَمامُ السُّؤالِ. والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ العُقَلاءَ قالُوا مَنِ ابْتُلِيَ بِخَصْمٍ جاهِلٍ مُصِرٍّ مُتَعَصِّبٍ، ورَآهُ قَدْ خاضَ في ذَلِكَ التَّعَصُّبِ والإصْرارِ، وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، لِأنَّهُ كُلَّما كانَ خَوْضُهُ في تَقْرِيرِهِ أكْثَرَ كانَتْ نَفْرَتُهُ عَنِ القَبُولِ أشَدَّ، فالطَّرِيقُ حِينَئِذٍ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، وأنْ يَخُوضَ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ، ويُطْنِبَ في ذَلِكَ الكَلامِ الأجْنَبِيِّ، بِحَيْثُ يَنْسى ذَلِكَ المُتَعَصِّبُ تِلْكَ المَسْألَةَ الأُولى، فَإذا اشْتَغَلَ خاطِرُهُ بِهَذا الكَلامِ الأجْنَبِيِّ ونَسِيَ المَسْألَةَ الأُولى، فَحِينَئِذٍ صفحة ١٧٧ يُدْرِجُ في أثْناءِ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ الأجْنَبِيِّ مُقَدِّمَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ المُتَعَصِّبَ يُسَلِّمُ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَإذا سَلَّمَها، فَحِينَئِذٍ يَتَمَسَّكُ بِها في إثْباتِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ الخَصْمُ المُتَعَصِّبُ مُنْقَطِعًا مُفْحَمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ بَلَغُوا في إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ إلى حَيْثُ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، اقْطَعِ الكَلامَ مَعَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ، واشَرَعْ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي قِصَّةُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ القِصَّةِ بِمَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ وكُلُّ مَن سَمِعَ هَذا قالَ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ أمَرَهُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأنا لا آمُرُكَ بِالحَقِّ فَقَطْ، بَلْ أنا مَعَ أنِّي رَبُّ العالَمِينَ لا أفْعَلُ إلّا بِالحَقِّ، ولا أقْضِي بِالباطِلِ، فَهَهُنا الخَصْمُ يَقُولُ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ لَمْ يَقْضِ إلّا بِالحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَمّا سَلَّمْتَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، لَزِمَكَ أنْ تُسَلِّمَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الكافِرُ راجِحًا عَلى المُسْلِمِ في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِ، وذَلِكَ ضِدُّ الحِكْمَةِ وعَيْنُ الباطِلِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ أوْرَدَ اللَّهُ تَعالى الإلْزامَ القاطِعَ عَلى مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ إيرادًا لا يُمْكِنُهُمُ الخَلاصُ عَنْهُ، فَصارَ ذَلِكَ الخَصْمُ الَّذِي بَلَغَ في إنْكارِ المَعادِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا بِهَذا الطَّرِيقِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الدَّقِيقَةَ في الإلْزامِ في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وصْفَ القُرْآنَ بِالكَمالِ والفَضْلِ، فَقالَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ مَن لَمْ يَتَدَبَّرْ ولَمْ يَتَأمَّلْ ولَمْ يُساعِدْهُ التَّوْفِيقُ الإلَهِيُّ لَمْ يَقِفْ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العَجِيبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، حَيْثُ يَراهُ في ظاهِرِ الحالِ مَقْرُونًا بِسُوءِ التَّرْتِيبِ، وهو في الحَقِيقَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى أكْمَلِ جِهاتِ التَّرْتِيبِ، فَهَذا ما حَضَرَنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ص 38:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في شَرْحِ القِصَّةِ أرْدَفَها بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى فَوَّضَ إلى داوُدَ خِلافَةَ الأرْضِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ المَشْهُورِ في تِلْكَ القِصَّةِ، لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُوصَفَ الرَّجُلُ بِكَوْنِهِ ساعِيًا في سَفْكِ دِماءِ المُسْلِمِينَ، راغِبًا في انْتِزاعِ أزْواجِهِمْ مِنهم، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ خِلافَةَ الأرْضِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ في تَفْسِيرِ كَوْنِهِ خَلِيفَةً وجْهانِ: الأوَّلُ: جَعَلْناكَ تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي سِياسَةِ النّاسِ لِأنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ مَن يَخْلُفُهُ، وذَلِكَ إنَّما يُعْقَلُ في حَقِّ مَن يَصِحُّ عَلَيْهِ الغَيْبَةُ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. الثّانِي: إنّا جَعَلْناكَ مالِكًا لِلنّاسِ ونافِذَ الحُكْمِ فِيهِمْ، فَبِهَذا التَّأْوِيلِ يُسَمّى خَلِيفَةً، ومِنهُ يُقالُ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ يَكُونُ نافِذَ الحُكْمِ في رَعِيَّتِهِ، وحَقِيقَةُ الخِلافَةِ مُمْتَنِعَةٌ في حَقِّ اللَّهِ، فَلَمّا امْتَنَعَتِ الحَقِيقَةُ جُعِلَتِ اللَّفْظَةُ مُفِيدَةً اللُّزُومَ في تِلْكَ الحَقِيقَةِ وهو نَفاذُ الحُكْمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ، لِأنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُهُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ مَدِينَةٍ تامَّةٍ حَتّى أنَّ هَذا يَحْرُثُ، وذَلِكَ يَطْحَنُ، وذَلِكَ يَخْبِزُ، وذَلِكَ يَنْسِجُ، وهَذا يَخِيطُ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ، ويَنْتَظِمُ مِن أعْمالِ الجَمِيعِ مَصالِحُ الجَمِيعِ. فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في المَوْضِعِ الواحِدِ يَحْصُلُ بَيْنَهم مُنازَعاتٌ ومُخاصَماتٌ، ولا بُدَّ مِن إنْسانٍ قادِرٍ قاهِرٍ يَقْطَعُ تِلْكَ الخُصُوماتِ وذَلِكَ هو السُّلْطانُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلى الكُلِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُ الخَلْقِ إلّا بِسُلْطانٍ قاهِرٍ سائِسٍ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ القاهِرَ السّائِسَ إنْ كانَ حُكْمُهُ عَلى وفْقِ هَواهُ ولِطَلَبِ مَصالِحِ دُنْياهُ عَظُمَ ضَرَرُهُ عَلى الخَلْقِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الرَّعِيَّةَ فِداءً لِنَفْسِهِ ويَتَوَسَّلُ بِهِمْ إلى تَحْصِيلِ مَقاصِدِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَخْرِيبِ العالَمِ ووُقُوعِ الهَرْجِ والمَرْجِ في الخَلْقِ، وذَلِكَ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى هَلاكِ ذَلِكَ المَلِكِ، أمّا إذا كانَتْ أحْكامُ ذَلِكَ المَلِكِ مُطابِقَةً لِلشَّرِيعَةِ الحَقَّةِ الإلَهِيَّةِ انْتَظَمَتْ مَصالِحُ العالَمِ، واتَّسَعَتْ أبْوابُ الخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي صفحة ١٧٥ لا بُدَّ مِن حاكِمٍ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ فَكُنْ أنْتَ ذَلِكَ الحاكِمَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والضَّلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فَيَنْتُجُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ سُوءَ العَذابِ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الهَوى يَدْعُو إلى الِاسْتِغْراقِ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، والِاسْتِغْراقُ فِيها يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي الباقِياتُ الصّالِحاتُ، لِأنَّهُما حالَتانِ مُتَضادَّتانِ فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُهُما يَنْقُصُ الآخَرُ. أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ إلْفُهُ بِهَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ ونَسِيَ بِالكُلِّيَّةِ أحْوالَهُ الرُّوحانِيّاتِ، فَإذا ماتَ فَقَدْ فارَقَ المَحْبُوبَ والمَعْشُوقَ، ودَخَلَ دِيارًا لَيْسَ لَهُ بِأهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ إلْفٌ ولَيْسَ لِعَيْنِهِ قُوَّةُ مُطالَعَةِ أنْوارِ تِلْكَ الدِّيارِ، فَكَأنَّهُ فارَقَ المَحْبُوبَ ووَصَلَ إلى المَكْرُوهِ، فَكانَ لا مَحالَةَ في أعْظَمِ العَناءِ والبَلاءِ، فَثَبَتَ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وثَبَتَ أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ العَذابَ، وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الكَمالِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُصُولِ ذَلِكَ الضَّلالِ هو نِسْيانُ يَوْمِ الحِسابِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُتَذَكِّرًا لِيَوْمِ الحِسابِ لَما أعْرَضَ عَنْ إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ، ولَما صارَ مُسْتَغْرِقًا في هَذِهِ اللَّذّاتِ الفاسِدَةِ. رُوِيَ عَنْ بَعْضِ خُلَفاءِ بَنِي مَرْوانَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هَلْ سَمِعْتَ ما بَلَغَنا أنَّ الخَلِيفَةَ لا يَجْرِي عَلَيْهِ القَلَمُ ولا يَكْتُبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً ؟ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، الخُلَفاءُ أفْضَلُ أمِ الأنْبِياءُ ؟! ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الرُّومِ: ٨] وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، قالَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وكُلُّها أباطِيلُ. فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا دَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ وعِنْدَ المُجَبِّرَةِ أنَّهُ خَلَقَ الكافِرَ لِأجْلِ أنْ يَكْفُرَ، والكُفْرُ باطِلٌ، وقَدْ خَلَقَ الباطِلَ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كُلُّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ فَهو كافِرٌ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ مَذْهَبَ المُجَبِّرَةِ عَيْنُ الكُفْرِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأعْمالُ العِبادِ حاصِلَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خالِقًا لَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ، فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإضْرارِ أوْ لِلْإنْفاعِ أوْ لا لِلْإنْفاعِ ولا لِلْإضْرارِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا صفحة ١٧٦ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ حاصِلَةٌ حِينَ كانُوا مَعْدُومِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإنْفاعِ، فَنَقُولُ وذَلِكَ الإنْفاعُ، إمّا أنْ يَكُونَ في حَياةِ الدُّنْيا أوْ في حَياةِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ ومَضارَّها كَثِيرَةٌ، وتَحَمُّلُ المَضارِّ الكَثِيرَةِ لِلْمَنفَعَةِ القَلِيلَةِ لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا القِسْمُ ثَبَتَ القَوْلُ بِوُجُودِ حَياةٍ أُخْرى بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ هو القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ لَخَّصْناها في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ بِالِاسْتِقْصاءِ، فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْرِيرِ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا، وإذا لَمْ يَكُنْ خَلْقُهُما باطِلًا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ لازِمًا، وأنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ كانَ شاكًّا في حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنّا نَرى في الدُّنْيا مَن أطاعَ اللَّهَ واحْتَرَزَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ في الفَقْرِ والزَّمانَةِ وأنْواعِ البَلاءِ، ونَرى الكَفَرَةَ والفُسّاقَ في الرّاحَةِ والغِبْطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَشْرٌ ونَشْرٌ ومَعادٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حالُ المُطِيعِ أدْوَنَ مِن حالِ العاصِي، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في الحِكْمَةِ، ثَبَتَ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ إنْكارَ حِكْمَةِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ لِأجْلِ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والهِدايَةِ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِرِعايَةِ المَصالِحِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والخَيْرَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ بِخِلافِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَقْرِيرِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ فَنَقُولُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ إنَّهُ تَعالى حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الكُفّارِ، أنَّهم بالَغُوا في إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ، بَلْ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذِكْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ قِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِمَسْألَةِ إثْباتِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِقِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ إثْباتَ حِكْمَةِ اللَّهِ وفَرَّعَ عَلَيْهِ إثْباتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ حَقٌّ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ شَرِيفٌ فاضِلٌ كَثِيرُ النَّفْعِ والخَيْرِ، ولا تَعَلُّقَ لِهَذا الفَصْلِ بِالكَلِماتِ المُتَقَدِّمَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الفُصُولُ فُصُولًا مُتَبايِنَةً لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ مِنها بِالبَعْضِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ كِتابًا شَرِيفًا فاضِلًا ؟ هَذا تَمامُ السُّؤالِ. والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ العُقَلاءَ قالُوا مَنِ ابْتُلِيَ بِخَصْمٍ جاهِلٍ مُصِرٍّ مُتَعَصِّبٍ، ورَآهُ قَدْ خاضَ في ذَلِكَ التَّعَصُّبِ والإصْرارِ، وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، لِأنَّهُ كُلَّما كانَ خَوْضُهُ في تَقْرِيرِهِ أكْثَرَ كانَتْ نَفْرَتُهُ عَنِ القَبُولِ أشَدَّ، فالطَّرِيقُ حِينَئِذٍ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، وأنْ يَخُوضَ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ، ويُطْنِبَ في ذَلِكَ الكَلامِ الأجْنَبِيِّ، بِحَيْثُ يَنْسى ذَلِكَ المُتَعَصِّبُ تِلْكَ المَسْألَةَ الأُولى، فَإذا اشْتَغَلَ خاطِرُهُ بِهَذا الكَلامِ الأجْنَبِيِّ ونَسِيَ المَسْألَةَ الأُولى، فَحِينَئِذٍ صفحة ١٧٧ يُدْرِجُ في أثْناءِ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ الأجْنَبِيِّ مُقَدِّمَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ المُتَعَصِّبَ يُسَلِّمُ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَإذا سَلَّمَها، فَحِينَئِذٍ يَتَمَسَّكُ بِها في إثْباتِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ الخَصْمُ المُتَعَصِّبُ مُنْقَطِعًا مُفْحَمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ بَلَغُوا في إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ إلى حَيْثُ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، اقْطَعِ الكَلامَ مَعَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ، واشَرَعْ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي قِصَّةُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ القِصَّةِ بِمَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ وكُلُّ مَن سَمِعَ هَذا قالَ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ أمَرَهُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأنا لا آمُرُكَ بِالحَقِّ فَقَطْ، بَلْ أنا مَعَ أنِّي رَبُّ العالَمِينَ لا أفْعَلُ إلّا بِالحَقِّ، ولا أقْضِي بِالباطِلِ، فَهَهُنا الخَصْمُ يَقُولُ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ لَمْ يَقْضِ إلّا بِالحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَمّا سَلَّمْتَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، لَزِمَكَ أنْ تُسَلِّمَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الكافِرُ راجِحًا عَلى المُسْلِمِ في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِ، وذَلِكَ ضِدُّ الحِكْمَةِ وعَيْنُ الباطِلِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ أوْرَدَ اللَّهُ تَعالى الإلْزامَ القاطِعَ عَلى مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ إيرادًا لا يُمْكِنُهُمُ الخَلاصُ عَنْهُ، فَصارَ ذَلِكَ الخَصْمُ الَّذِي بَلَغَ في إنْكارِ المَعادِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا بِهَذا الطَّرِيقِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الدَّقِيقَةَ في الإلْزامِ في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وصْفَ القُرْآنَ بِالكَمالِ والفَضْلِ، فَقالَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ مَن لَمْ يَتَدَبَّرْ ولَمْ يَتَأمَّلْ ولَمْ يُساعِدْهُ التَّوْفِيقُ الإلَهِيُّ لَمْ يَقِفْ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العَجِيبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، حَيْثُ يَراهُ في ظاهِرِ الحالِ مَقْرُونًا بِسُوءِ التَّرْتِيبِ، وهو في الحَقِيقَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى أكْمَلِ جِهاتِ التَّرْتِيبِ، فَهَذا ما حَضَرَنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ص 38:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في شَرْحِ القِصَّةِ أرْدَفَها بِبَيانِ أنَّهُ تَعالى فَوَّضَ إلى داوُدَ خِلافَةَ الأرْضِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ المَشْهُورِ في تِلْكَ القِصَّةِ، لِأنَّ مِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُوصَفَ الرَّجُلُ بِكَوْنِهِ ساعِيًا في سَفْكِ دِماءِ المُسْلِمِينَ، راغِبًا في انْتِزاعِ أزْواجِهِمْ مِنهم، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ خِلافَةَ الأرْضِ إلَيْهِ، ثُمَّ نَقُولُ في تَفْسِيرِ كَوْنِهِ خَلِيفَةً وجْهانِ: الأوَّلُ: جَعَلْناكَ تَخْلُفُ مَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي سِياسَةِ النّاسِ لِأنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ مَن يَخْلُفُهُ، وذَلِكَ إنَّما يُعْقَلُ في حَقِّ مَن يَصِحُّ عَلَيْهِ الغَيْبَةُ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. الثّانِي: إنّا جَعَلْناكَ مالِكًا لِلنّاسِ ونافِذَ الحُكْمِ فِيهِمْ، فَبِهَذا التَّأْوِيلِ يُسَمّى خَلِيفَةً، ومِنهُ يُقالُ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وحاصِلُهُ أنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ يَكُونُ نافِذَ الحُكْمِ في رَعِيَّتِهِ، وحَقِيقَةُ الخِلافَةِ مُمْتَنِعَةٌ في حَقِّ اللَّهِ، فَلَمّا امْتَنَعَتِ الحَقِيقَةُ جُعِلَتِ اللَّفْظَةُ مُفِيدَةً اللُّزُومَ في تِلْكَ الحَقِيقَةِ وهو نَفاذُ الحُكْمِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ، لِأنَّ الإنْسانَ الواحِدَ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُهُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ مَدِينَةٍ تامَّةٍ حَتّى أنَّ هَذا يَحْرُثُ، وذَلِكَ يَطْحَنُ، وذَلِكَ يَخْبِزُ، وذَلِكَ يَنْسِجُ، وهَذا يَخِيطُ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولًا بِمُهِمٍّ، ويَنْتَظِمُ مِن أعْمالِ الجَمِيعِ مَصالِحُ الجَمِيعِ. فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِمْ في المَوْضِعِ الواحِدِ يَحْصُلُ بَيْنَهم مُنازَعاتٌ ومُخاصَماتٌ، ولا بُدَّ مِن إنْسانٍ قادِرٍ قاهِرٍ يَقْطَعُ تِلْكَ الخُصُوماتِ وذَلِكَ هو السُّلْطانُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلى الكُلِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَنْتَظِمُ مَصالِحُ الخَلْقِ إلّا بِسُلْطانٍ قاهِرٍ سائِسٍ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السُّلْطانَ القاهِرَ السّائِسَ إنْ كانَ حُكْمُهُ عَلى وفْقِ هَواهُ ولِطَلَبِ مَصالِحِ دُنْياهُ عَظُمَ ضَرَرُهُ عَلى الخَلْقِ فَإنَّهُ يَجْعَلُ الرَّعِيَّةَ فِداءً لِنَفْسِهِ ويَتَوَسَّلُ بِهِمْ إلى تَحْصِيلِ مَقاصِدِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَخْرِيبِ العالَمِ ووُقُوعِ الهَرْجِ والمَرْجِ في الخَلْقِ، وذَلِكَ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى هَلاكِ ذَلِكَ المَلِكِ، أمّا إذا كانَتْ أحْكامُ ذَلِكَ المَلِكِ مُطابِقَةً لِلشَّرِيعَةِ الحَقَّةِ الإلَهِيَّةِ انْتَظَمَتْ مَصالِحُ العالَمِ، واتَّسَعَتْ أبْوابُ الخَيْراتِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ يَعْنِي صفحة ١٧٥ لا بُدَّ مِن حاكِمٍ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ فَكُنْ أنْتَ ذَلِكَ الحاكِمَ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، وتَفْسِيرُهُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، والضَّلالُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فَيَنْتُجُ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ سُوءَ العَذابِ. أمّا المَقامُ الأوَّلُ: وهو أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الهَوى يَدْعُو إلى الِاسْتِغْراقِ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، والِاسْتِغْراقُ فِيها يَمْنَعُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي الباقِياتُ الصّالِحاتُ، لِأنَّهُما حالَتانِ مُتَضادَّتانِ فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدُهُما يَنْقُصُ الآخَرُ. أمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ سُوءَ العَذابِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ إلْفُهُ بِهَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ ونَسِيَ بِالكُلِّيَّةِ أحْوالَهُ الرُّوحانِيّاتِ، فَإذا ماتَ فَقَدْ فارَقَ المَحْبُوبَ والمَعْشُوقَ، ودَخَلَ دِيارًا لَيْسَ لَهُ بِأهْلِ تِلْكَ الدِّيارِ إلْفٌ ولَيْسَ لِعَيْنِهِ قُوَّةُ مُطالَعَةِ أنْوارِ تِلْكَ الدِّيارِ، فَكَأنَّهُ فارَقَ المَحْبُوبَ ووَصَلَ إلى المَكْرُوهِ، فَكانَ لا مَحالَةَ في أعْظَمِ العَناءِ والبَلاءِ، فَثَبَتَ أنَّ مُتابَعَةَ الهَوى تُوجِبُ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وثَبَتَ أنَّ الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُوجِبُ العَذابَ، وهَذا بَيانٌ في غايَةِ الكَمالِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُصُولِ ذَلِكَ الضَّلالِ هو نِسْيانُ يَوْمِ الحِسابِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُتَذَكِّرًا لِيَوْمِ الحِسابِ لَما أعْرَضَ عَنْ إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ، ولَما صارَ مُسْتَغْرِقًا في هَذِهِ اللَّذّاتِ الفاسِدَةِ. رُوِيَ عَنْ بَعْضِ خُلَفاءِ بَنِي مَرْوانَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هَلْ سَمِعْتَ ما بَلَغَنا أنَّ الخَلِيفَةَ لا يَجْرِي عَلَيْهِ القَلَمُ ولا يَكْتُبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً ؟ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، الخُلَفاءُ أفْضَلُ أمِ الأنْبِياءُ ؟! ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ . ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الرُّومِ: ٨] وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، قالَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الكُفْرِ والفِسْقِ، وكُلُّها أباطِيلُ. فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا دَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ أعْمالَ العِبادِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ وعِنْدَ المُجَبِّرَةِ أنَّهُ خَلَقَ الكافِرَ لِأجْلِ أنْ يَكْفُرَ، والكُفْرُ باطِلٌ، وقَدْ خَلَقَ الباطِلَ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كُلُّ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ فَهو كافِرٌ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ مَذْهَبَ المُجَبِّرَةِ عَيْنُ الكُفْرِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِأعْمالِ العِبادِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأعْمالُ العِبادِ حاصِلَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خالِقًا لَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ، فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإضْرارِ أوْ لِلْإنْفاعِ أوْ لا لِلْإنْفاعِ ولا لِلْإضْرارِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ذَلِكَ لا صفحة ١٧٦ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ حاصِلَةٌ حِينَ كانُوا مَعْدُومِينَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ خَلَقَهم لِلْإنْفاعِ، فَنَقُولُ وذَلِكَ الإنْفاعُ، إمّا أنْ يَكُونَ في حَياةِ الدُّنْيا أوْ في حَياةِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ ومَضارَّها كَثِيرَةٌ، وتَحَمُّلُ المَضارِّ الكَثِيرَةِ لِلْمَنفَعَةِ القَلِيلَةِ لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا القِسْمُ ثَبَتَ القَوْلُ بِوُجُودِ حَياةٍ أُخْرى بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وذَلِكَ هو القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَدْ لَخَّصْناها في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ بِالِاسْتِقْصاءِ، فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْرِيرِ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا، وإذا لَمْ يَكُنْ خَلْقُهُما باطِلًا كانَ القَوْلُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ لازِمًا، وأنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ كانَ شاكًّا في حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ الشَّكَّ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنّا نَرى في الدُّنْيا مَن أطاعَ اللَّهَ واحْتَرَزَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ في الفَقْرِ والزَّمانَةِ وأنْواعِ البَلاءِ، ونَرى الكَفَرَةَ والفُسّاقَ في الرّاحَةِ والغِبْطَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَشْرٌ ونَشْرٌ ومَعادٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حالُ المُطِيعِ أدْوَنَ مِن حالِ العاصِي، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإذا كانَ ذَلِكَ قادِحًا في الحِكْمَةِ، ثَبَتَ أنَّ إنْكارَ الحَشْرِ والنَّشْرِ يُوجِبُ إنْكارَ حِكْمَةِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ لِأجْلِ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والهِدايَةِ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِرِعايَةِ المَصالِحِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والخَيْرَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ بِخِلافِ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَقْرِيرِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ فَنَقُولُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ إنَّهُ تَعالى حَكى في أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الكُفّارِ، أنَّهم بالَغُوا في إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الجَوابَ، بَلْ قالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِذِكْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ القَوْلَ بِالقِيامَةِ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ قِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِمَسْألَةِ إثْباتِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِقِصَّةِ داوُدَ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ إثْباتَ حِكْمَةِ اللَّهِ وفَرَّعَ عَلَيْهِ إثْباتَ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ حَقٌّ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ شَرِيفٌ فاضِلٌ كَثِيرُ النَّفْعِ والخَيْرِ، ولا تَعَلُّقَ لِهَذا الفَصْلِ بِالكَلِماتِ المُتَقَدِّمَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الفُصُولُ فُصُولًا مُتَبايِنَةً لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ مِنها بِالبَعْضِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ وصْفُ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ كِتابًا شَرِيفًا فاضِلًا ؟ هَذا تَمامُ السُّؤالِ. والجَوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ العُقَلاءَ قالُوا مَنِ ابْتُلِيَ بِخَصْمٍ جاهِلٍ مُصِرٍّ مُتَعَصِّبٍ، ورَآهُ قَدْ خاضَ في ذَلِكَ التَّعَصُّبِ والإصْرارِ، وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، لِأنَّهُ كُلَّما كانَ خَوْضُهُ في تَقْرِيرِهِ أكْثَرَ كانَتْ نَفْرَتُهُ عَنِ القَبُولِ أشَدَّ، فالطَّرِيقُ حِينَئِذٍ أنْ يَقْطَعَ الكَلامَ مَعَهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ، وأنْ يَخُوضَ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ، ويُطْنِبَ في ذَلِكَ الكَلامِ الأجْنَبِيِّ، بِحَيْثُ يَنْسى ذَلِكَ المُتَعَصِّبُ تِلْكَ المَسْألَةَ الأُولى، فَإذا اشْتَغَلَ خاطِرُهُ بِهَذا الكَلامِ الأجْنَبِيِّ ونَسِيَ المَسْألَةَ الأُولى، فَحِينَئِذٍ صفحة ١٧٧ يُدْرِجُ في أثْناءِ الكَلامِ في هَذا الفَصْلِ الأجْنَبِيِّ مُقَدِّمَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ المُتَعَصِّبَ يُسَلِّمُ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَإذا سَلَّمَها، فَحِينَئِذٍ يَتَمَسَّكُ بِها في إثْباتِ المَطْلُوبِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ الخَصْمُ المُتَعَصِّبُ مُنْقَطِعًا مُفْحَمًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ بَلَغُوا في إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ إلى حَيْثُ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، اقْطَعِ الكَلامَ مَعَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ، واشَرَعْ في كَلامٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، وهي قِصَّةُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ القِصَّةِ بِمَسْألَةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في شَرْحِ تِلْكَ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿ياداوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ وكُلُّ مَن سَمِعَ هَذا قالَ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ أمَرَهُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وأنا لا آمُرُكَ بِالحَقِّ فَقَطْ، بَلْ أنا مَعَ أنِّي رَبُّ العالَمِينَ لا أفْعَلُ إلّا بِالحَقِّ، ولا أقْضِي بِالباطِلِ، فَهَهُنا الخَصْمُ يَقُولُ نِعْمَ ما فَعَلَ حَيْثُ لَمْ يَقْضِ إلّا بِالحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يُقالُ لَمّا سَلَّمْتَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، لَزِمَكَ أنْ تُسَلِّمَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الكافِرُ راجِحًا عَلى المُسْلِمِ في إيصالِ الخَيْراتِ إلَيْهِ، وذَلِكَ ضِدُّ الحِكْمَةِ وعَيْنُ الباطِلِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ أوْرَدَ اللَّهُ تَعالى الإلْزامَ القاطِعَ عَلى مُنْكِرِي الحَشْرِ والنَّشْرِ إيرادًا لا يُمْكِنُهُمُ الخَلاصُ عَنْهُ، فَصارَ ذَلِكَ الخَصْمُ الَّذِي بَلَغَ في إنْكارِ المَعادِ إلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا بِهَذا الطَّرِيقِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الدَّقِيقَةَ في الإلْزامِ في القُرْآنِ، لا جَرَمَ وصْفَ القُرْآنَ بِالكَمالِ والفَضْلِ، فَقالَ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ فَإنَّ مَن لَمْ يَتَدَبَّرْ ولَمْ يَتَأمَّلْ ولَمْ يُساعِدْهُ التَّوْفِيقُ الإلَهِيُّ لَمْ يَقِفْ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العَجِيبَةِ المَذْكُورَةِ في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، حَيْثُ يَراهُ في ظاهِرِ الحالِ مَقْرُونًا بِسُوءِ التَّرْتِيبِ، وهو في الحَقِيقَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى أكْمَلِ جِهاتِ التَّرْتِيبِ، فَهَذا ما حَضَرَنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ص 38:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: نَقُولُ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ في ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هو سُلَيْمانُ، وقِيلَ: داوُدُ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ، ولِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو داوُدَ، لِأنَّ وصْفَهُ بِهَذا المَعْنى قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ فَلَوْ قُلْنا لَفْظُ الأوّابِ هَهُنا أيْضًا صِفَةُ داوُدَ لَزِمَ التَّكْرارُ، ولَوْ قُلْنا إنَّهُ صِفَةٌ لِسُلَيْمانَ لَزِمَ كَوْنُ الِابْنِ شَبِيهًا لِأبِيهِ في صِفاتِ الكَمالِ في الفَضِيلَةِ، فَكانَ هَذا أوْلى. صفحة ١٧٨ البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لِلتَّعْلِيلِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ لِأنَّهُ كانَ أوّابًا، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى في أكْثَرِ الأوْقاتِ وفي أكْثَرِ المُهِمّاتِ كانَ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، ورَأْسُ الطّاعاتِ ورَئِيسُها الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الخَيْراتِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى فَكانَ أوّابًا، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ أوّابًا وجَبَ أنْ يَكُونَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ هو إذْ كانَ مِن أعْمالِهِ أنَّهُ فَعَلَ كَذا. الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ. والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ كَذا وكَذا، والعَشِيُّ هو مِن حِينِ العَصْرِ إلى آخَرِ النَّهارِ عُرِضَ الخَيْلُ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ إلَيْها ويَقِفَ عَلى كَيْفِيَّةِ أحْوالِها، والصّافِناتُ الجِيادُ الخَيْلُ وُصِفَتْ بِوَصْفَيْنِ: الصِّفَةُ الأُولى: الصّافِناتُ، قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: الصّافِنُ الَّذِي يَصْفِنُ قَدَمَيْهِ، وفي الحَدِيثِ ”«كُنّا إذا صَلَّيْنا خَلْفَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قُمْنا صُفُونًا» “ أيْ قُمْنا صافِنِينَ أقْدامَنا، وأقُولُ: عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالصُّفُونُ صِفَةٌ دالَّةٌ عَلى فَضِيلَةِ الفَرَسِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلْخَيْلِ في هَذِهِ الآيَةِ الجِيادُ، قالَ المُبَرِّدُ: والجِيادُ جَمْعُ جَوادُ وهو الشَّدِيدُ الجَرْيِ، كَما أنَّ الجَوادُ مِنَ النّاسِ هو السَّرِيعُ البَذْلِ، فالمَقْصُودُ وصَفُها بِالفَضِيلَةِ والكَمالِ حالَتَيْ وُقُوفِها وحَرَكَتِها. أمّا حالُ وُقُوفِها فَوَصَفَها بِالصُّفُونِ، وأمّا حالُ حَرَكَتِها فَوَصَفَها بِالجَوْدَةِ، يَعْنِي أنَّها إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطَمْئِنَةً في مَواقِفِها عَلى أحْسَنِ الأشْكالِ، فَإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا في جَرْيِها، فَإذا طَلَبَتْ لَحِقَتْ، وإذا طُلِبَتْ لَمْ تُلْحَقْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يُضَمَّنَ أحْبَبْتُ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِعَنْ، كَأنَّهُ قِيلَ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. والثّانِي: أنَّ أحْبَبْتُ بِمَعْنى ألْزَمْتُ، والمَعْنى أنِّي ألْزَمْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أيْ عَنْ كِتابِ رَبِّي وهو التَّوْراةُ، لِأنَّ ارْتِباطَ الخَيْلِ كَما أنَّهُ في القُرْآنِ مَمْدُوحٌ فَكَذَلِكَ في التَّوْراةِ مَمْدُوحٌ. والثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُحِبُّ شَيْئًا لَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّهُ، كالمَرِيضِ الَّذِي يَشْتَهِي ما يَزِيدُ في مَرَضِهِ، والأبُ الَّذِي يُحِبُّ ولَدَهُ الرَّدِيءَ، وأمّا مَن أحَبَّ شَيْئًا، وأحَبَّ أنْ يُحِبَّهُ كانَ ذَلِكَ غايَةَ المَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ بِمَعْنى أحْبَبْتُ حُبِّي لِهَذِهِ الخَيْلِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ المَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وأمْرِهِ لا عَنِ الشَّهْوَةِ والهَوى، وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ الوُجُوهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أقُولُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الشَّمْسِ، لِأنَّهُ جَرى ذَكْرُ ما لَهُ تُعَلُّقٌ بِها وهو العَشِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّمْسِ والثّانِي بِالصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ أرْبَعَةٌ لا مَزِيدَ عَلَيْها. فالأوَّلُ: أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ مَعًا إلى الصّافِناتِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ رُدُّوا الصّافِناتِ عَلَيَّ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ صفحة ١٧٩ الضَّمِيرانِ مَعًا عائِدِينَ إلى الشَّمْسِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ رَدُّوا الشَّمْسَ، ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ لَمّا اشْتَغَلَ بِالخَيْلِ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ» فَقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ إشارَةٌ إلى طَلَبِ رَدِّ الشَّمْسِ، وهَذا الِاحْتِمالُ عِنْدِي بِعِيدٌ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الصّافِناتِ مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا، والشَّمْسُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى المُقَدَّرِ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وكانَ يُعِيدُ هَذِهِ الكَلِماتِ إلى أنْ تَوارَتْ بِالحِجابِ، فَلَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ حِينَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها حالَ جَرْيِها كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ إلى أنْ غابَتْ عَنْ عَيْنِهِ وذَلِكَ مُناسِبٌ، ولَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ يُعِيدُ عَيْنَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن وقْتِ العَصْرِ إلى وقْتِ المَغْرِبِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ. الثّالِثُ: أنّا لَوْ حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ حَتّى تَوارَتْ إلى الشَّمْسِ وحَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى أنَّهُ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ كانَ هَذا مُنافِيًا لِقَوْلِهِ: ﴿أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ فَإنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ لَوْ كانَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَما نَسِيَ الصَّلاةَ ولَما تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ مَشْغُولًا بِتِلْكَ الخَيْلِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وفاتَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فَكانَ ذَلِكَ ذَنْبًا عَظِيمًا وجُرْمًا قَوِيًّا، فالألْيَقُ بِهَذِهِ الحالَةِ التَّضَرُّعُ والبُكاءُ والمُبالَغَةُ في إظْهارِ التَّوْبَةِ، فَأمّا أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ التَّهَوُّرِ والعَظَمَةِ لِإلَهِ العالَمِ ورَبِّ العالَمِينَ، رُدُّوها عَلَيَّ، بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ العارِيَةِ عَنْ كُلِّ جِهاتِ الأدَبِ عَقِيبَ ذَلِكَ الجُرْمِ العَظِيمِ، فَهَذا لا يَصْدُرُ عَنْ أبْعَدِ النّاسِ عَنِ الخَيْرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى الرَّسُولِ المُطَهَّرِ المُكَرَّمِ ! . الخامِسُ: أنَّ القادِرَ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ رُدَّها عَلَيَّ ولا يَقُولَ رُدُّوها عَلَيَّ، فَإنْ قالُوا: إنَّما ذَكَرَ صِيغَةَ الجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْظِيمِ المُخاطَبِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها﴾ لَفْظٌ مُشْعِرٌ بِأعْظَمِ أنْواعِ الإهانَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا اللَّفْظِ رِعايَةُ التَّعْظِيمِ ؟ ! . السّادِسُ: أنَّ الشَّمْسَ لَوْ رَجَعَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ لَكانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا لِكُلِّ أهْلِ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ وإظْهارِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ ذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَهُ. السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنَ أوْلى، وأقْرَبُ المَذْكُورَيْنَ هو الصّافِناتُ الجِيادُ، وأمّا العَشِيُّ فَأبْعَدُهُما، فَكانَ عَوْدُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى الصّافِناتِ أوْلى، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ عَلى تُوارِي الشَّمْسِ، وأنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ طَلَبُ أنْ يَرُدَّ اللَّهُ الشَّمْسَ بَعْدَ غُرُوبِها كَلامٌ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ النَّظْمِ.

ص 38:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: نَقُولُ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ في ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هو سُلَيْمانُ، وقِيلَ: داوُدُ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ، ولِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو داوُدَ، لِأنَّ وصْفَهُ بِهَذا المَعْنى قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ فَلَوْ قُلْنا لَفْظُ الأوّابِ هَهُنا أيْضًا صِفَةُ داوُدَ لَزِمَ التَّكْرارُ، ولَوْ قُلْنا إنَّهُ صِفَةٌ لِسُلَيْمانَ لَزِمَ كَوْنُ الِابْنِ شَبِيهًا لِأبِيهِ في صِفاتِ الكَمالِ في الفَضِيلَةِ، فَكانَ هَذا أوْلى. صفحة ١٧٨ البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لِلتَّعْلِيلِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ لِأنَّهُ كانَ أوّابًا، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى في أكْثَرِ الأوْقاتِ وفي أكْثَرِ المُهِمّاتِ كانَ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، ورَأْسُ الطّاعاتِ ورَئِيسُها الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الخَيْراتِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى فَكانَ أوّابًا، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ أوّابًا وجَبَ أنْ يَكُونَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ هو إذْ كانَ مِن أعْمالِهِ أنَّهُ فَعَلَ كَذا. الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ. والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ كَذا وكَذا، والعَشِيُّ هو مِن حِينِ العَصْرِ إلى آخَرِ النَّهارِ عُرِضَ الخَيْلُ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ إلَيْها ويَقِفَ عَلى كَيْفِيَّةِ أحْوالِها، والصّافِناتُ الجِيادُ الخَيْلُ وُصِفَتْ بِوَصْفَيْنِ: الصِّفَةُ الأُولى: الصّافِناتُ، قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: الصّافِنُ الَّذِي يَصْفِنُ قَدَمَيْهِ، وفي الحَدِيثِ ”«كُنّا إذا صَلَّيْنا خَلْفَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قُمْنا صُفُونًا» “ أيْ قُمْنا صافِنِينَ أقْدامَنا، وأقُولُ: عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالصُّفُونُ صِفَةٌ دالَّةٌ عَلى فَضِيلَةِ الفَرَسِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلْخَيْلِ في هَذِهِ الآيَةِ الجِيادُ، قالَ المُبَرِّدُ: والجِيادُ جَمْعُ جَوادُ وهو الشَّدِيدُ الجَرْيِ، كَما أنَّ الجَوادُ مِنَ النّاسِ هو السَّرِيعُ البَذْلِ، فالمَقْصُودُ وصَفُها بِالفَضِيلَةِ والكَمالِ حالَتَيْ وُقُوفِها وحَرَكَتِها. أمّا حالُ وُقُوفِها فَوَصَفَها بِالصُّفُونِ، وأمّا حالُ حَرَكَتِها فَوَصَفَها بِالجَوْدَةِ، يَعْنِي أنَّها إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطَمْئِنَةً في مَواقِفِها عَلى أحْسَنِ الأشْكالِ، فَإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا في جَرْيِها، فَإذا طَلَبَتْ لَحِقَتْ، وإذا طُلِبَتْ لَمْ تُلْحَقْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يُضَمَّنَ أحْبَبْتُ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِعَنْ، كَأنَّهُ قِيلَ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. والثّانِي: أنَّ أحْبَبْتُ بِمَعْنى ألْزَمْتُ، والمَعْنى أنِّي ألْزَمْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أيْ عَنْ كِتابِ رَبِّي وهو التَّوْراةُ، لِأنَّ ارْتِباطَ الخَيْلِ كَما أنَّهُ في القُرْآنِ مَمْدُوحٌ فَكَذَلِكَ في التَّوْراةِ مَمْدُوحٌ. والثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُحِبُّ شَيْئًا لَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّهُ، كالمَرِيضِ الَّذِي يَشْتَهِي ما يَزِيدُ في مَرَضِهِ، والأبُ الَّذِي يُحِبُّ ولَدَهُ الرَّدِيءَ، وأمّا مَن أحَبَّ شَيْئًا، وأحَبَّ أنْ يُحِبَّهُ كانَ ذَلِكَ غايَةَ المَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ بِمَعْنى أحْبَبْتُ حُبِّي لِهَذِهِ الخَيْلِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ المَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وأمْرِهِ لا عَنِ الشَّهْوَةِ والهَوى، وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ الوُجُوهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أقُولُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الشَّمْسِ، لِأنَّهُ جَرى ذَكْرُ ما لَهُ تُعَلُّقٌ بِها وهو العَشِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّمْسِ والثّانِي بِالصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ أرْبَعَةٌ لا مَزِيدَ عَلَيْها. فالأوَّلُ: أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ مَعًا إلى الصّافِناتِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ رُدُّوا الصّافِناتِ عَلَيَّ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ صفحة ١٧٩ الضَّمِيرانِ مَعًا عائِدِينَ إلى الشَّمْسِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ رَدُّوا الشَّمْسَ، ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ لَمّا اشْتَغَلَ بِالخَيْلِ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ» فَقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ إشارَةٌ إلى طَلَبِ رَدِّ الشَّمْسِ، وهَذا الِاحْتِمالُ عِنْدِي بِعِيدٌ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الصّافِناتِ مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا، والشَّمْسُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى المُقَدَّرِ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وكانَ يُعِيدُ هَذِهِ الكَلِماتِ إلى أنْ تَوارَتْ بِالحِجابِ، فَلَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ حِينَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها حالَ جَرْيِها كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ إلى أنْ غابَتْ عَنْ عَيْنِهِ وذَلِكَ مُناسِبٌ، ولَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ يُعِيدُ عَيْنَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن وقْتِ العَصْرِ إلى وقْتِ المَغْرِبِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ. الثّالِثُ: أنّا لَوْ حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ حَتّى تَوارَتْ إلى الشَّمْسِ وحَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى أنَّهُ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ كانَ هَذا مُنافِيًا لِقَوْلِهِ: ﴿أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ فَإنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ لَوْ كانَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَما نَسِيَ الصَّلاةَ ولَما تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ مَشْغُولًا بِتِلْكَ الخَيْلِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وفاتَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فَكانَ ذَلِكَ ذَنْبًا عَظِيمًا وجُرْمًا قَوِيًّا، فالألْيَقُ بِهَذِهِ الحالَةِ التَّضَرُّعُ والبُكاءُ والمُبالَغَةُ في إظْهارِ التَّوْبَةِ، فَأمّا أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ التَّهَوُّرِ والعَظَمَةِ لِإلَهِ العالَمِ ورَبِّ العالَمِينَ، رُدُّوها عَلَيَّ، بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ العارِيَةِ عَنْ كُلِّ جِهاتِ الأدَبِ عَقِيبَ ذَلِكَ الجُرْمِ العَظِيمِ، فَهَذا لا يَصْدُرُ عَنْ أبْعَدِ النّاسِ عَنِ الخَيْرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى الرَّسُولِ المُطَهَّرِ المُكَرَّمِ ! . الخامِسُ: أنَّ القادِرَ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ رُدَّها عَلَيَّ ولا يَقُولَ رُدُّوها عَلَيَّ، فَإنْ قالُوا: إنَّما ذَكَرَ صِيغَةَ الجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْظِيمِ المُخاطَبِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها﴾ لَفْظٌ مُشْعِرٌ بِأعْظَمِ أنْواعِ الإهانَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا اللَّفْظِ رِعايَةُ التَّعْظِيمِ ؟ ! . السّادِسُ: أنَّ الشَّمْسَ لَوْ رَجَعَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ لَكانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا لِكُلِّ أهْلِ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ وإظْهارِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ ذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَهُ. السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنَ أوْلى، وأقْرَبُ المَذْكُورَيْنَ هو الصّافِناتُ الجِيادُ، وأمّا العَشِيُّ فَأبْعَدُهُما، فَكانَ عَوْدُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى الصّافِناتِ أوْلى، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ عَلى تُوارِي الشَّمْسِ، وأنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ طَلَبُ أنْ يَرُدَّ اللَّهُ الشَّمْسَ بَعْدَ غُرُوبِها كَلامٌ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ النَّظْمِ.

ص 38:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: نَقُولُ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ في ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هو سُلَيْمانُ، وقِيلَ: داوُدُ، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ، ولِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو داوُدَ، لِأنَّ وصْفَهُ بِهَذا المَعْنى قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ فَلَوْ قُلْنا لَفْظُ الأوّابِ هَهُنا أيْضًا صِفَةُ داوُدَ لَزِمَ التَّكْرارُ، ولَوْ قُلْنا إنَّهُ صِفَةٌ لِسُلَيْمانَ لَزِمَ كَوْنُ الِابْنِ شَبِيهًا لِأبِيهِ في صِفاتِ الكَمالِ في الفَضِيلَةِ، فَكانَ هَذا أوْلى. صفحة ١٧٨ البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ أوَّلًا ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ لِلتَّعْلِيلِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ لِأنَّهُ كانَ أوّابًا، فَيَلْزَمُ أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى في أكْثَرِ الأوْقاتِ وفي أكْثَرِ المُهِمّاتِ كانَ مَوْصُوفًا بِأنَّهُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، ورَأْسُ الطّاعاتِ ورَئِيسُها الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الخَيْراتِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى فَكانَ أوّابًا، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن كانَ أوّابًا وجَبَ أنْ يَكُونَ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ . أمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ هو إذْ كانَ مِن أعْمالِهِ أنَّهُ فَعَلَ كَذا. الثّانِي: أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ. والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ كَذا وكَذا، والعَشِيُّ هو مِن حِينِ العَصْرِ إلى آخَرِ النَّهارِ عُرِضَ الخَيْلُ عَلَيْهِ لِيَنْظُرَ إلَيْها ويَقِفَ عَلى كَيْفِيَّةِ أحْوالِها، والصّافِناتُ الجِيادُ الخَيْلُ وُصِفَتْ بِوَصْفَيْنِ: الصِّفَةُ الأُولى: الصّافِناتُ، قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: الصّافِنُ الَّذِي يَصْفِنُ قَدَمَيْهِ، وفي الحَدِيثِ ”«كُنّا إذا صَلَّيْنا خَلْفَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قُمْنا صُفُونًا» “ أيْ قُمْنا صافِنِينَ أقْدامَنا، وأقُولُ: عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالصُّفُونُ صِفَةٌ دالَّةٌ عَلى فَضِيلَةِ الفَرَسِ. والصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِلْخَيْلِ في هَذِهِ الآيَةِ الجِيادُ، قالَ المُبَرِّدُ: والجِيادُ جَمْعُ جَوادُ وهو الشَّدِيدُ الجَرْيِ، كَما أنَّ الجَوادُ مِنَ النّاسِ هو السَّرِيعُ البَذْلِ، فالمَقْصُودُ وصَفُها بِالفَضِيلَةِ والكَمالِ حالَتَيْ وُقُوفِها وحَرَكَتِها. أمّا حالُ وُقُوفِها فَوَصَفَها بِالصُّفُونِ، وأمّا حالُ حَرَكَتِها فَوَصَفَها بِالجَوْدَةِ، يَعْنِي أنَّها إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطَمْئِنَةً في مَواقِفِها عَلى أحْسَنِ الأشْكالِ، فَإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا في جَرْيِها، فَإذا طَلَبَتْ لَحِقَتْ، وإذا طُلِبَتْ لَمْ تُلْحَقْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يُضَمَّنَ أحْبَبْتُ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِعَنْ، كَأنَّهُ قِيلَ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. والثّانِي: أنَّ أحْبَبْتُ بِمَعْنى ألْزَمْتُ، والمَعْنى أنِّي ألْزَمْتُ حُبَّ الخَيْلِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أيْ عَنْ كِتابِ رَبِّي وهو التَّوْراةُ، لِأنَّ ارْتِباطَ الخَيْلِ كَما أنَّهُ في القُرْآنِ مَمْدُوحٌ فَكَذَلِكَ في التَّوْراةِ مَمْدُوحٌ. والثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُحِبُّ شَيْئًا لَكِنَّهُ يُحِبُّ أنْ لا يُحِبَّهُ، كالمَرِيضِ الَّذِي يَشْتَهِي ما يَزِيدُ في مَرَضِهِ، والأبُ الَّذِي يُحِبُّ ولَدَهُ الرَّدِيءَ، وأمّا مَن أحَبَّ شَيْئًا، وأحَبَّ أنْ يُحِبَّهُ كانَ ذَلِكَ غايَةَ المَحَبَّةِ، فَقَوْلُهُ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ بِمَعْنى أحْبَبْتُ حُبِّي لِهَذِهِ الخَيْلِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ بِمَعْنى أنَّ هَذِهِ المَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وأمْرِهِ لا عَنِ الشَّهْوَةِ والهَوى، وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ الوُجُوهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾ أقُولُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الشَّمْسِ، لِأنَّهُ جَرى ذَكْرُ ما لَهُ تُعَلُّقٌ بِها وهو العَشِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عائِدًا إلى الصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُتَعَلِّقًا بِالشَّمْسِ والثّانِي بِالصّافِناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ احْتِمالاتٌ أرْبَعَةٌ لا مَزِيدَ عَلَيْها. فالأوَّلُ: أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ مَعًا إلى الصّافِناتِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ رُدُّوا الصّافِناتِ عَلَيَّ. والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ صفحة ١٧٩ الضَّمِيرانِ مَعًا عائِدِينَ إلى الشَّمْسِ، كَأنَّهُ قالَ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ رَدُّوا الشَّمْسَ، ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ لَمّا اشْتَغَلَ بِالخَيْلِ فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ الشَّمْسَ» فَقَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ إشارَةٌ إلى طَلَبِ رَدِّ الشَّمْسِ، وهَذا الِاحْتِمالُ عِنْدِي بِعِيدٌ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الصّافِناتِ مَذْكُورَةٌ تَصْرِيحًا، والشَّمْسُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى المُقَدَّرِ. الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وظاهِرُ هَذا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقُولُ: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي. وكانَ يُعِيدُ هَذِهِ الكَلِماتِ إلى أنْ تَوارَتْ بِالحِجابِ، فَلَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الصّافِناتُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ حِينَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها حالَ جَرْيِها كانَ يَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ إلى أنْ غابَتْ عَنْ عَيْنِهِ وذَلِكَ مُناسِبٌ، ولَوْ قُلْنا: المُرادُ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ كانَ يُعِيدُ عَيْنَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن وقْتِ العَصْرِ إلى وقْتِ المَغْرِبِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ. الثّالِثُ: أنّا لَوْ حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ حَتّى تَوارَتْ إلى الشَّمْسِ وحَمَلْنا اللَّفْظَ عَلى أنَّهُ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ كانَ هَذا مُنافِيًا لِقَوْلِهِ: ﴿أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ فَإنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ لَوْ كانَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَما نَسِيَ الصَّلاةَ ولَما تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ مَشْغُولًا بِتِلْكَ الخَيْلِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وفاتَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فَكانَ ذَلِكَ ذَنْبًا عَظِيمًا وجُرْمًا قَوِيًّا، فالألْيَقُ بِهَذِهِ الحالَةِ التَّضَرُّعُ والبُكاءُ والمُبالَغَةُ في إظْهارِ التَّوْبَةِ، فَأمّا أنْ يَقُولَ عَلى سَبِيلِ التَّهَوُّرِ والعَظَمَةِ لِإلَهِ العالَمِ ورَبِّ العالَمِينَ، رُدُّوها عَلَيَّ، بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ العارِيَةِ عَنْ كُلِّ جِهاتِ الأدَبِ عَقِيبَ ذَلِكَ الجُرْمِ العَظِيمِ، فَهَذا لا يَصْدُرُ عَنْ أبْعَدِ النّاسِ عَنِ الخَيْرِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى الرَّسُولِ المُطَهَّرِ المُكَرَّمِ ! . الخامِسُ: أنَّ القادِرَ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ رُدَّها عَلَيَّ ولا يَقُولَ رُدُّوها عَلَيَّ، فَإنْ قالُوا: إنَّما ذَكَرَ صِيغَةَ الجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْظِيمِ المُخاطَبِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿رُدُّوها﴾ لَفْظٌ مُشْعِرٌ بِأعْظَمِ أنْواعِ الإهانَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا اللَّفْظِ رِعايَةُ التَّعْظِيمِ ؟ ! . السّادِسُ: أنَّ الشَّمْسَ لَوْ رَجَعَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ لَكانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا لِكُلِّ أهْلِ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ وإظْهارِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ ذَلِكَ عَلِمْنا فَسادَهُ. السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورَيْنَ أوْلى، وأقْرَبُ المَذْكُورَيْنَ هو الصّافِناتُ الجِيادُ، وأمّا العَشِيُّ فَأبْعَدُهُما، فَكانَ عَوْدُ ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى الصّافِناتِ أوْلى، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ عَلى تُوارِي الشَّمْسِ، وأنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ طَلَبُ أنْ يَرُدَّ اللَّهُ الشَّمْسَ بَعْدَ غُرُوبِها كَلامٌ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ النَّظْمِ.

ص 38:33

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ أيْ فَجَعَلَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها، قالَ الأكْثَرُونَ مَعْناهُ أنَّهُ مَسَحَ السَّيْفَ بِسُوقِها وأعْناقِها أيْ قَطَعَها، قالُوا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ بِسَبَبِ اشْتِغالِهِ بِالنَّظَرِ إلى تِلْكَ الخَيْلِ اسْتَرَدَّها وعَقَرَ سُوقَها وأعْناقَها تَقْرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى، وعِنْدِي أنَّ هَذا أيْضًا بَعِيدٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ مَعْنى مَسْحِ السُّوقِ والأعْناقِ قَطْعَها لَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦] قَطْعَها، وهَذا مِمّا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، بَلْ لَوْ قِيلَ مَسَحَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ فَرُبَّما فُهِمَ مِنهُ ضَرْبُ العُنُقِ، أمّا إذا لَمْ يُذْكُرْ لَفْظَ السَّيْفِ لَمْ يُفْهَمِ البَتَّةَ مِنَ المَسْحِ العَقْرُ والذَّبْحُ. الثّانِي: القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ جَمَعُوا عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْواعًا مِنَ الأفْعالِ المَذْمُومَةِ. فَأوَّلُها: تَرْكُ الصَّلاةِ. وثانِيها: أنَّهُ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِحُبِّ الدُّنْيا إلى حَيْثُ نَسِيَ الصَّلاةَ، وقالَ ﷺ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» . وثالِثُها: صفحة ١٨٠ أنَّهُ بَعْدَ الإتْيانِ بِهَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ البَتَّةَ. ورابِعُها: أنَّهُ خاطَبَ رَبَّ العالَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ لا يَذْكُرُها الرَّجُلُ الحَصِيفُ إلّا مَعَ الخادِمِ الخَسِيسِ. وخامِسُها: أنَّهُ أتْبَعَ هَذِهِ المَعاصِي بِعَقْرِ الخَيْلِ في سُوقِها وأعْناقِها، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ”«نَهى عَنْ ذَبْحِ الحَيَوانِ إلّا لِمَأْكَلِهِ» “، فَهَذِهِ أنْواعٌ مِنَ الكَبائِرِ نَسَبُوها إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ لَمْ يَدُلَّ عَلى شَيْءٍ مِنها. وسادِسُها: أنَّ هَذِهِ القِصَصَ إنَّما ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ وأنَّ الكُفّارَ لَمّا بَلَغُوا في السَّفاهَةِ إلى هَذا الحَدِّ قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى سَفاهَتِهِمْ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ وذَكَرَ قِصَّةَ داوُدَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَيْهِما قِصَّةَ سُلَيْمانَ، وكانَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: اصْبِرْ يا مُحَمَّدُ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا سُلَيْمانَ، وهَذا الكَلامُ إنَّما يَكُونُ لائِقًا لَوْ قُلْنا: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى في هَذِهِ القِصَّةِ بِالأعْمالِ الفاضِلَةِ والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وصَبَرَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وأعْرَضَ عَنِ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ، فَأمّا لَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن قِصَّةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ أقْدَمَ عَلى الكَبائِرِ العَظِيمَةِ والذُّنُوبِ الجَسِيمَةِ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ لائِقًا بِهَذا المَوْضِعِ، فَثَبَتَ أنَّ كِتابَ اللَّهِ تَعالى يُنادِي عَلى هَذِهِ الأقْوالِ الفاسِدَةِ بِالرَّدِّ والإفْسادِ والإبْطالِ، بَلِ التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِلْحَقِّ لِألْفاظِ القُرْآنِ، والصَّوابُ أنْ نَقُولَ: إنَّ رِباطَ الخَيْلِ كانَ مَندُوبًا إلَيْهِ في دِينِهِمْ كَما أنَّهُ كَذَلِكَ في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتاجَ إلى الغَزْوِ فَجَلَسَ وأمَرَ بِإحْضارِ الخَيْلِ وأمَرَ بِإجْرائِها وذَكَرَ أنِّي لا أُحِبُّها لِأجْلِ الدُّنْيا ونَصِيبِ النَّفْسِ، وإنَّما أُحِبُّها لِأمْرِ اللَّهِ وطَلَبِ تَقْوِيَةِ دِينِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِإعْدائِها وتَسْيِيرِها حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ أيْ غابَتْ عَنْ بَصَرِهِ، ثُمَّ أمَرَ الرّائِضِينَ بِأنْ يَرُدُّوا تِلْكَ الخَيْلَ إلَيْهِ فَلَمّا عادَتْ إلَيْهِ طَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ المَسْحِ أُمُورٌ. الأوَّلُ: تَشْرِيفًا لَها وإبانَةً لِعِزَّتِها لِكَوْنِها مِن أعْظَمِ الأعْوانِ في دَفْعِ العَدُوِّ. الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ أنَّهُ في ضَبْطِ السِّياسَةِ والمُلْكِ يَتَّضِعُ إلى حَيْثُ يُباشِرُ أكْثَرَ الأُمُورِ بِنَفْسِهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِأحْوالِ الخَيْلِ وأمْراضِها وعُيُوبِها، فَكانَ يَمْتَحِنُها ويَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها حَتّى يَعْلَمَ هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى المَرَضِ، فَهَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ انْطِباقًا مُطابِقًا مُوافِقًا، ولا يَلْزَمُنا نِسْبَةُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ المُنْكَراتِ والَمَحْذُوراتِ، وأقُولُ: أنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنَ النّاسِ كَيْفَ قَبِلُوا هَذِهِ الوُجُوهَ السَّخِيفَةَ مَعَ أنَّ العَقْلَ والنَّقْلَ يَرُدُّها، ولَيْسَ لَهم في إثْباتِها شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ، فَإنْ قِيلَ: فالجُمْهُورُ فَسَّرُوا الآيَةَ بِذَلِكَ الوَجْهِ، فَما قَوْلُكَ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ لَنا هَهُنا مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَدَّعِيَ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الَّتِي يُذْكُرُونَها، وقَدْ ظَهَرَ والحَمْدُ لِلَّهِ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْناهُ، وظُهُورُهُ لا يَرْتابُ العاقِلُ فِيهِ. المَقامُ الثّانِي: أنْ يُقالَ هَبْ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلا أنَّهُ كَلامٌ ذَكَرَهُ النّاسُ، فَما قَوْلُكَ فِيهِ ؟ وجَوابُنا: أنَّ الدَّلالَةَ الكَثِيرَةَ قامَتْ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الحِكاياتِ، ورِوايَةُ الآحادِ لا تَصْلُحُ مُعارِضَةً لِلدَّلائِلِ القَوِيَّةِ، فَكَيْفَ الحِكاياتُ عَنْ أقْوامٍ لا يُبالى بِهِمْ ولا يُلْتَفَتُ إلى أقْوالِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرْحُ واقِعَةٍ ثانِيَةٍ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ ولِأهْلِ الحَشْوِ والرِّوايَةِ فِيهِ قَوْلٌ، ولِأهْلِ العِلْمِ والتَّحْقِيقِ قَوْلٌ آخَرُ، أمّا قَوْلُ أهْلِ الحَشْوِ فَذَكَرُوا فِيهِ حِكاياتٍ: الرِّوايَةُ الأُولى: قالُوا إنْ سُلَيْمانَ بَلَغَهُ خَبَرُ مَدِينَةٍ في البَحْرِ فَخَرَجَ إلَيْها بِجُنُودِهِ تَحْمِلُهُ الرِّيحُ فَأخَذَها وقَتَلَ مَلِكَها، وأخَذَ بِنْتًا لَهُ اسْمُها جَرادَةُ مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، فاصْطَفاها لِنَفَسِهِ، وأسْلَمَتْ فَأحَبَّها، وكانَتْ تَبْكِي أبَدًا عَلى أبِيها، فَأمَرَ سُلَيْمانَ الشَّيْطانَ فَمَثَّلَ لَها صُورَةَ أبِيها فَكَسَتْها مِثْلَ كُسْوَتِهِ، وكانَتْ تَذْهَبُ إلى تِلْكَ الصُّورَةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا مَعَ جَوارِيها يَسْجُدْنَ لَها، فَأخْبَرَ آصَفُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ فَكَسَرَ الصُّورَةَ وعاقَبَ المَرْأةَ، ثُمَّ خَرَجَ وحْدَهُ إلى فَلاةٍ، وفَرَشَ الرَّمادَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ تائِبًا إلى اللَّهِ تَعالى، وكانَتْ لَهُ أُمُّ ولَدٍ يُقالُ لَها أمِينَةُ إذا دَخَلَ لِلطَّهارَةِ أوْ لِإصابَةِ امْرَأةٍ وضَعَ خاتَمَهُ عِنْدَها، وكانَ مُلْكُهُ في خاتَمِهِ فَوَضَعَهُ عِنْدَها يَوْمًا، فَأتاها الشَّيْطانُ صاحِبُ البَحْرِ عَلى صُورَةِ سُلَيْمانَ. وقالَ: يا أمِينَةُ خاتَمِي فَتَخَتَّمَ بِهِ وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ فَأتى عَلَيْهِ الطَّيْرُ والجِنُّ والإنْسُ، وتَغَيَّرَتْ هَيْئَةُ سُلَيْمانَ فَأتى أمِينَةَ لِطَلَبِ الخاتَمِ فَأنْكَرَتْهُ وطَرَدَتْهُ. فَعَرَفَ أنَّ الخَطِيئَةَ قَدْ أدْرَكَتْهُ فَكانَ يَدُورُ عَلى البُيُوتِ يَتَكَفَّفُ، وإذا قالَ: أنا سُلَيْمانُ حَثُوا عَلَيْهِ التُّرابَ وسَبُّوهُ، ثُمَّ أخَذَ يَخْدِمُ السَّمّاكِينَ يَنْقُلُ لَهُمُ السَّمَكَ فَيُعْطُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ فَمَكَثَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ ما عُبِدَ الوَثَنُ في بَيْتِهِ، فَأنْكَرَ آصِفُ وعُظَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ حُكْمَ الشَّيْطانِ وسَألَ آصِفُ نِساءَ سُلَيْمانَ، فَقُلْنَ ما يَدَعُ امْرَأةً مِنّا في دَمِها ولا يَغْتَسِلُ مِن جَنابَةٍ، وقِيلَ بَلْ نَفَذَ حُكْمُهُ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا فِيهِنَّ، ثُمَّ طارَ الشَّيْطانُ وقَذَفَ الخاتَمَ في البَحْرِ فابْتَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ ووَقَعَتِ السَّمَكَةُ في يَدِ سُلَيْمانَ فَبَقَرَ بَطْنَها فَإذا هو بِالخاتَمِ فَتَخَتَّمَ بِهِ ووَقَعَ ساجِدًا لِلَّهِ، ورَجَعَ إلَيْهِ مُلْكُهُ وأخَذَ ذَلِكَ الشَّيْطانَ وأدْخَلَهُ في صَخْرَةٍ وألْقاها في البَحْرِ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ لِلْحَشَوِيَّةِ: أنَّ تِلْكَ المَرْأةَ لَمّا أقْدَمَتْ عَلى عِبادَةِ تِلْكَ الصُّورَةِ افْتَتَنَ سُلَيْمانُ وكانَ يَسْقُطُ الخاتَمُ مِن يَدِهِ ولا يَتَماسَكُ فِيها، فَقالَ لَهُ آصِفُ إنَّكَ لَمَفْتُونٌ بِذَنْبِكَ فَتُبْ إلى اللَّهِ. والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ لَهم: قالُوا إنَّ سُلَيْمانَ قالَ لِبَعْضِ الشَّياطِينِ كَيْفَ تَفْتِنُونَ النّاسَ ؟ فَقالَ أرِنِي خاتَمَكَ أُخْبِرْكَ فَلَمّا أعْطاهُ إيّاهُ نَبَذَهُ في البَحْرِ فَذَهَبَ مُلْكُهُ وقَعَدَ هَذا الشَّيْطانُ عَلى كُرْسِيِّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الحِكايَةَ إلى آخِرِها. صفحة ١٨٢ إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الرِّواياتِ فَهَؤُلاءِ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهُ وقَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ هو جُلُوسُ ذَلِكَ الشَّيْطانِ عَلى كُرْسِيِّهِ. والرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ كانَ سَبَبُ فِتْنَتِهِ احْتِجابَهُ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَسُلِبَ مُلْكُهُ وأُلْقِيَ عَلى سَرِيرِهِ شَيْطانٌ عُقُوبَةً لَهُ. واعْلَمْ أنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ اسْتَبْعَدُوا هَذا الكَلامَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يَتَشَبَّهَ بِالصُّورَةِ والخِلْقَةِ بِالأنْبِياءِ، فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى اعْتِمادٌ عَلى شَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ، فَلَعَلَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ رَآهُمُ النّاسُ في صُورَةِ مُحَمَّدٍ وعِيسى ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما كانُوا أُولَئِكَ بَلْ كانُوا شَياطِينَ تَشَبَّهُوا بِهِمْ في الصُّورَةِ لِأجْلِ الإغْواءِ والإضْلالِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الدِّينَ بِالكُلِّيَّةِ. الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يُعامِلَ نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمانَ بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ لَوَجَبَ أنْ يَقْدِرَ عَلى مَثَلِها مَعَ جَمِيعِ العُلَماءِ والزُّهّادِ، وحِينَئِذٍ وجَبَ أنْ يَقْتُلَهم وأنْ يُمَزِّقَ تَصانِيفَهم وأنْ يُخَرِّبَ دِيارَهم، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ في حَقِّ آحادِ العُلَماءِ فَلِأنْ يَبْطُلَ مِثْلُهُ في حَقِّ أكابِرِ الأنْبِياءِ أوْلى. والثّالِثُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ وإحْسانِهِ أنْ يُسَلِّطَ الشَّيْطانَ عَلى أزْواجِ سُلَيْمانَ ؟ ولا شَكَّ أنَّهُ قَبِيحٌ. الرّابِعُ: لَوْ قُلْنا: إنْ سُلَيْمانَ أذِنَ لِتِلْكَ المَرْأةِ في عِبادَةِ تِلْكَ الصُّورَةِ فَهَذا كُفْرٌ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ البَتَّةَ فالذَّنْبُ عَلى تِلْكَ المَرْأةِ، فَكَيْفَ يُؤاخِذُ اللَّهُ سُلَيْمانَ بِفِعْلٍ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ؟ فَأمّا الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرَها أهْلُ التَّحْقِيقِ في هَذا البابِ فَأشْياءُ: الأوَّلُ: أنَّ فِتْنَةَ سُلَيْمانَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ فَقالَتِ الشَّياطِينُ إنْ عاشَ صارَ مُسَلَّطًا عَلَيْنا مِثْلَ أبِيهِ فَسَبِيلُنا أنْ نَقْتُلَهُ فَعَلِمَ سُلَيْمانُ ذَلِكَ فَكانَ يُرَبِّيهِ في السَّحابِ فَبَيْنَما هو مُشْتَغِلٌ بِمُهِمّاتِهِ إذْ أُلْقِيَ ذَلِكَ الوَلَدُ مَيِّتًا عَلى كُرْسِيِّهِ فَتَنَبَّهَ عَلى خَطِيئَتِهِ في أنَّهُ لَمْ يَتَوَكَّلْ فِيهِ عَلى اللَّهِ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وأنابَ. الثّانِي: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «قالَ سُلَيْمانُ لِأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةٍ كُلُّ واحِدَةٍ تَأْتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمَلْ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ فَجِيءَ بِهِ عَلى كُرْسِيِّهِ فَوُضِعَ في حِجْرِهِ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا كُلُّهم في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ . الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ بِسَبَبِ مَرَضٍ شَدِيدٍ ألْقاهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾ مِنهُ ﴿جَسَدًا﴾ وذَلِكَ لِشِدَّةِ المَرَضِ. والعَرَبُ تَقُولُ في الضَّعِيفِ إنَّهُ لَحْمٌ عَلى وضَمٍ وجِسْمٌ بِلا رُوحٍ ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ رَجَعَ إلى حالِ الصِّحَّةِ، فاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِهَذِهِ الوُجُوهِ ولا حاجَةَ البَتَّةَ إلى حَمْلِهِ عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ الرَّكِيكَةِ. الرّابِعُ: أقُولُ لا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهُ ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِتَسْلِيطِ خَوْفٍ أوْ تَوَقُّعِ بَلاءٍ مِن بَعْضِ الجِهاتِ عَلَيْهِ، وصارَ بِسَبَبِ قُوَّةِ ذَلِكَ الخَوْفِ كالجَسَدِ الضَّعِيفِ المُلْقى عَلى ذَلِكَ الكُرْسِيِّ، ثُمَّ إنَّهُ أزالَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ الخَوْفَ، وأعادَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ وطِيبِ القَلْبِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ حَمَلُوا الكَلامَ المُتَقَدِّمَ عَلى صُدُورِ الزَّلَّةِ مِنهُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لَوْلا تَقَدُّمِ الذَّنْبِ لَما طَلَبَ المَغْفِرَةَ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ الإنْسانَ لا يَنْفِكُ البَتَّةَ عَنْ تَرْكِ الأفْضَلِ والأوْلى، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ لِأنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، ولِأنَّهم أبَدًا في مَقامِ هَضْمِ النَّفْسِ، وإظْهارِ الذِّلَّةِ والخُضُوعِ، كَما قالَ ﷺ: «إنِّي لِأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ هَذا المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:35

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُهِمِّ صفحة ١٨٣ الدِّينِ عَلى مُهِمِّ الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ طَلَبَ المَمْلَكَةَ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِانْفِتاحِ أبْوابِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ تَوَسَّلَ بِهِ إلى طَلَبِ المَمْلَكَةِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا فَعَلَ أيْضًا لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١١] وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طَهَ: ١٣٢] فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ مُشْعِرٌ بِالحَسَدِ، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَوْلى عَلى مَمْلَكَتِهِ، قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي، هو أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ مُلْكًا لا تَقْدِرُ الشَّياطِينُ أنْ يَقُومُوا مَقامَهُ البَتَّةَ، فَأمّا المُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُلْكَ هو القُدْرَةُ فَكانَ المُرادُ أقْدِرْنِي عَلى أشْياءَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرِي البَتَّةَ، لِيَصِيرَ اقْتِدارِي عَلَيْها مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي ورِسالَتِي. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ فَكَوْنُ الرِّيحِ جارِيًا بِأمْرِهِ قُدْرَةٌ عَجِيبَةٌ ومُلْكٌ عَجِيبٌ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي) هو هَذا المَعْنى لِأنَّ شَرْطَ المُعْجِزَةِ أنْ لا يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلى مُعارَضَتِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُعارَضَتِهِ. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا مَرِضَ ثُمَّ عادَ إلى الصِّحَّةِ عَرَفَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا صائِرَةٌ إلى الغَيْرِ بِإرْثٍ أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَسَألَ رَبَّهُ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ الَّذِي سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ عَنِّي إلى غَيْرِي. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها أشَقُّ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْها حالَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا إلَهِي أعْطِنِي مَمْلَكَةً فائِقَةً عَلى مَمالِكِ البَشَرِ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى أحْتَرِزَ عَنْها مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها لِيَصِيرَ ثَوابِي أكْمَلَ وأفْضَلَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا عَسِرٌ صَعْبٌ، لِأنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ حاضِرَةٌ وسِعاداتِ الآخِرَةِ نَسِيئَةٌ، والنَّقْدُ يَصْعُبُ بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: أعْطِنِي يا رَبِّ مَمْلَكَةً تَكُونُ أعْظَمَ المَمالِكِ المُمْكِنَةِ لِلْبَشَرِ، حَتّى أنِّي أبْقى مَعَ تِلْكَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ في غايَةِ الِاحْتِرازِ عَنْها لِيَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أنَّ حُصُولَ الدُّنْيا لا يَمْنَعُ مِن خِدْمَةِ المَوْلى. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الدُّنْيا يَبْقى مُلْتَفِتَ القَلْبِ إلَيْها فَيَظُنُّ أنَّ فِيها سِعاداتٍ عَظِيمَةً وخَيْراتٍ نافِعَةً، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا رَبِّ العِزَّةِ أعْطِنِي أعْظَمَ المَمالِكِ حَتّى يَقِفَ النّاسُ عَلى كَمالِ حالِها، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلْعَقْلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيها فائِدَةٌ وحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنْها ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وأشْتَغِلُ بِالعُبُودِيَّةِ ساكِنَ النَّفْسِ غَيْرَ مَشْغُولِ القَلْبِ بِعَلائِقِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ رُخاءً أيْ رَخْوَةً لَيِّنَةً، وهي مِنَ الرَّخاوَةِ، والرِّيحُ إذا كانَتْ لَيِّنَةً لا تُزَعْزِعُ ولا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كانَتْ طَيِّبَةً، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨١] قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ فَإنَّ المُرادَ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ في قُوَّةِ الرِّياحِ العاصِفَةِ إلّا أنَّها لَمّا جَرَتْ بِأمْرِهِ كانَتْ لَذِيذَةً طَيِّبَةً فَكانَتْ رُخاءً. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ لَيِّنَةً مَرَّةً وعاصِفَةً أُخْرى ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ قَصَدَ وأرادَ، وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَخَرَجَ إلَيْهِما، فَقالَ أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذا مَطْلُوبُنا. وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الرِّيحَ مُسَخَّرَةً لَهُ حَتّى صفحة ١٨٤ صارَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ، ثُمَّ قالَ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الشَّياطِينُ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ وكُلُّ بَنّاءٍ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ وآخِرِينَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كانُوا يَبْنُونَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الأبْنِيَةِ ويَغُوصُونَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُونَ اللُّؤْلُؤَ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ قَرْنَهم في الحِبالِ والتَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ والأصْفادُ الأغْلالُ واحِدُها صَفَدٌ والصَّفَدُ العَطِيَّةُ أيْضًا، قالَ النّابِغَةُ: ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ فَعَلى هَذا الصَّفَدِ القَيْدُ فَكُلُّ مَن شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا فَقَدْ صَفَّدْتَهُ، وكُلُّ مَن أعْطَيْتَهُ عَطاءً جَزِيلًا فَقَدْ أصْفَدْتَهُ، وهَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشَّياطِينَ لَها قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، وبِسَبَبِ تِلْكَ القُوَّةِ قَدَرُوا عَلى بِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَشَرُ، وقَدَرُوا عَلى الغَوْصِ في البِحارِ، واحْتاجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَيْدِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ هَذِهِ الشَّياطِينَ إمّا أنْ تَكُونَ أجْسادُهم كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَراهم مَن كانَ صَحِيحَ الحاسَّةِ، إذْ لَوْ جازَ أنْ لا نَراهم مَعَ كَثافَةِ أجْسادِهِمْ، فَلْيَجُزْ أنْ تَكُونَ بِحَضْرَتِنا جِبالٌ عالِيَةٌ وأصْواتٌ هائِلَةٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، وذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ أجْسادَهم لَيْسَتْ كَثِيفَةً، بَلْ لَطِيفَةً رَقِيقَةً، فَمِثْلُ هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأيْضًا لَزِمَ أنْ تَتَفَرَّقَ أجْسادُهم وأنْ تَتَمَزَّقَ بِسَبَبِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ وأنْ يَمُوتُوا في الحالِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وصْفِهِمْ بِبِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ، وأيْضًا الجِنُّ والشَّياطِينُ إنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَلِمَ لا يَقْتُلُونَ العُلَماءَ والزُّهّادَ في زَمانِنا ؟ ولِمَ لا يُخَرِّبُونَ دِيارَ النّاسِ ؟ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُبالِغُونَ في إظْهارِ لَعْنِهِمْ وعَداوَتِهِمْ. وحَيْثُ لَمْ يُحَسَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ ضَعِيفٌ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم كَثِيفَةً مَعَ أنّا لا نَراها، وأيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أجْسامُهم لَطِيفَةٌ بِمَعْنى عَدَمِ اللَّوْنِ، ولَكِنَّها صُلْبَةٌ بِمَعْنى أنَّها لا تَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ. وأمّا الجُبّائِيُّ فَقَدْ سَلَّمَ أنَّها كانَتْ كَثِيفَةَ الأجْسامِ، وزَعَمَ أنَّ النّاسَ كانُوا يُشاهِدُونَهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أماتَ اللَّهُ أُولَئِكَ الجِنَّ والشَّياطِينَ، وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ تَكُونُ أجْسامُهم في غايَةِ الرِّقَّةِ، ولا يَكُونُ لَهم شَيْءٌ مِنَ القُوَّةِ، والمَوْجُودُ في زَمانِنا مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ لَيْسَ إلّا مِن هَذا الجِنْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أعْطِ مَن شِئْتَ وامْنَعْ مَن شِئْتَ بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. الثّانِي: أنَّ هَذا في أمْرِ الشَّياطِينِ خاصَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ المُسَخَّرُونَ عَطاؤُنا فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ فَحُلَّ عَنْهُ، واحْبِسْ مَن شِئْتَ مِنهم في العَمَلِ بِغَيْرِ حِسابٍ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى سُلَيْمانَ في الدُّنْيا، أرْدَفَهُ بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

ص 38:36

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُهِمِّ صفحة ١٨٣ الدِّينِ عَلى مُهِمِّ الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ طَلَبَ المَمْلَكَةَ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِانْفِتاحِ أبْوابِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ تَوَسَّلَ بِهِ إلى طَلَبِ المَمْلَكَةِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا فَعَلَ أيْضًا لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١١] وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طَهَ: ١٣٢] فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ مُشْعِرٌ بِالحَسَدِ، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَوْلى عَلى مَمْلَكَتِهِ، قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي، هو أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ مُلْكًا لا تَقْدِرُ الشَّياطِينُ أنْ يَقُومُوا مَقامَهُ البَتَّةَ، فَأمّا المُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُلْكَ هو القُدْرَةُ فَكانَ المُرادُ أقْدِرْنِي عَلى أشْياءَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرِي البَتَّةَ، لِيَصِيرَ اقْتِدارِي عَلَيْها مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي ورِسالَتِي. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ فَكَوْنُ الرِّيحِ جارِيًا بِأمْرِهِ قُدْرَةٌ عَجِيبَةٌ ومُلْكٌ عَجِيبٌ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي) هو هَذا المَعْنى لِأنَّ شَرْطَ المُعْجِزَةِ أنْ لا يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلى مُعارَضَتِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُعارَضَتِهِ. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا مَرِضَ ثُمَّ عادَ إلى الصِّحَّةِ عَرَفَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا صائِرَةٌ إلى الغَيْرِ بِإرْثٍ أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَسَألَ رَبَّهُ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ الَّذِي سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ عَنِّي إلى غَيْرِي. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها أشَقُّ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْها حالَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا إلَهِي أعْطِنِي مَمْلَكَةً فائِقَةً عَلى مَمالِكِ البَشَرِ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى أحْتَرِزَ عَنْها مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها لِيَصِيرَ ثَوابِي أكْمَلَ وأفْضَلَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا عَسِرٌ صَعْبٌ، لِأنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ حاضِرَةٌ وسِعاداتِ الآخِرَةِ نَسِيئَةٌ، والنَّقْدُ يَصْعُبُ بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: أعْطِنِي يا رَبِّ مَمْلَكَةً تَكُونُ أعْظَمَ المَمالِكِ المُمْكِنَةِ لِلْبَشَرِ، حَتّى أنِّي أبْقى مَعَ تِلْكَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ في غايَةِ الِاحْتِرازِ عَنْها لِيَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أنَّ حُصُولَ الدُّنْيا لا يَمْنَعُ مِن خِدْمَةِ المَوْلى. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الدُّنْيا يَبْقى مُلْتَفِتَ القَلْبِ إلَيْها فَيَظُنُّ أنَّ فِيها سِعاداتٍ عَظِيمَةً وخَيْراتٍ نافِعَةً، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا رَبِّ العِزَّةِ أعْطِنِي أعْظَمَ المَمالِكِ حَتّى يَقِفَ النّاسُ عَلى كَمالِ حالِها، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلْعَقْلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيها فائِدَةٌ وحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنْها ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وأشْتَغِلُ بِالعُبُودِيَّةِ ساكِنَ النَّفْسِ غَيْرَ مَشْغُولِ القَلْبِ بِعَلائِقِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ رُخاءً أيْ رَخْوَةً لَيِّنَةً، وهي مِنَ الرَّخاوَةِ، والرِّيحُ إذا كانَتْ لَيِّنَةً لا تُزَعْزِعُ ولا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كانَتْ طَيِّبَةً، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨١] قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ فَإنَّ المُرادَ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ في قُوَّةِ الرِّياحِ العاصِفَةِ إلّا أنَّها لَمّا جَرَتْ بِأمْرِهِ كانَتْ لَذِيذَةً طَيِّبَةً فَكانَتْ رُخاءً. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ لَيِّنَةً مَرَّةً وعاصِفَةً أُخْرى ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ قَصَدَ وأرادَ، وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَخَرَجَ إلَيْهِما، فَقالَ أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذا مَطْلُوبُنا. وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الرِّيحَ مُسَخَّرَةً لَهُ حَتّى صفحة ١٨٤ صارَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ، ثُمَّ قالَ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الشَّياطِينُ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ وكُلُّ بَنّاءٍ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ وآخِرِينَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كانُوا يَبْنُونَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الأبْنِيَةِ ويَغُوصُونَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُونَ اللُّؤْلُؤَ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ قَرْنَهم في الحِبالِ والتَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ والأصْفادُ الأغْلالُ واحِدُها صَفَدٌ والصَّفَدُ العَطِيَّةُ أيْضًا، قالَ النّابِغَةُ: ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ فَعَلى هَذا الصَّفَدِ القَيْدُ فَكُلُّ مَن شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا فَقَدْ صَفَّدْتَهُ، وكُلُّ مَن أعْطَيْتَهُ عَطاءً جَزِيلًا فَقَدْ أصْفَدْتَهُ، وهَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشَّياطِينَ لَها قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، وبِسَبَبِ تِلْكَ القُوَّةِ قَدَرُوا عَلى بِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَشَرُ، وقَدَرُوا عَلى الغَوْصِ في البِحارِ، واحْتاجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَيْدِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ هَذِهِ الشَّياطِينَ إمّا أنْ تَكُونَ أجْسادُهم كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَراهم مَن كانَ صَحِيحَ الحاسَّةِ، إذْ لَوْ جازَ أنْ لا نَراهم مَعَ كَثافَةِ أجْسادِهِمْ، فَلْيَجُزْ أنْ تَكُونَ بِحَضْرَتِنا جِبالٌ عالِيَةٌ وأصْواتٌ هائِلَةٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، وذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ أجْسادَهم لَيْسَتْ كَثِيفَةً، بَلْ لَطِيفَةً رَقِيقَةً، فَمِثْلُ هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأيْضًا لَزِمَ أنْ تَتَفَرَّقَ أجْسادُهم وأنْ تَتَمَزَّقَ بِسَبَبِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ وأنْ يَمُوتُوا في الحالِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وصْفِهِمْ بِبِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ، وأيْضًا الجِنُّ والشَّياطِينُ إنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَلِمَ لا يَقْتُلُونَ العُلَماءَ والزُّهّادَ في زَمانِنا ؟ ولِمَ لا يُخَرِّبُونَ دِيارَ النّاسِ ؟ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُبالِغُونَ في إظْهارِ لَعْنِهِمْ وعَداوَتِهِمْ. وحَيْثُ لَمْ يُحَسَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ ضَعِيفٌ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم كَثِيفَةً مَعَ أنّا لا نَراها، وأيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أجْسامُهم لَطِيفَةٌ بِمَعْنى عَدَمِ اللَّوْنِ، ولَكِنَّها صُلْبَةٌ بِمَعْنى أنَّها لا تَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ. وأمّا الجُبّائِيُّ فَقَدْ سَلَّمَ أنَّها كانَتْ كَثِيفَةَ الأجْسامِ، وزَعَمَ أنَّ النّاسَ كانُوا يُشاهِدُونَهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أماتَ اللَّهُ أُولَئِكَ الجِنَّ والشَّياطِينَ، وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ تَكُونُ أجْسامُهم في غايَةِ الرِّقَّةِ، ولا يَكُونُ لَهم شَيْءٌ مِنَ القُوَّةِ، والمَوْجُودُ في زَمانِنا مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ لَيْسَ إلّا مِن هَذا الجِنْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أعْطِ مَن شِئْتَ وامْنَعْ مَن شِئْتَ بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. الثّانِي: أنَّ هَذا في أمْرِ الشَّياطِينِ خاصَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ المُسَخَّرُونَ عَطاؤُنا فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ فَحُلَّ عَنْهُ، واحْبِسْ مَن شِئْتَ مِنهم في العَمَلِ بِغَيْرِ حِسابٍ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى سُلَيْمانَ في الدُّنْيا، أرْدَفَهُ بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

ص 38:37

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُهِمِّ صفحة ١٨٣ الدِّينِ عَلى مُهِمِّ الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ طَلَبَ المَمْلَكَةَ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِانْفِتاحِ أبْوابِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ تَوَسَّلَ بِهِ إلى طَلَبِ المَمْلَكَةِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا فَعَلَ أيْضًا لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١١] وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طَهَ: ١٣٢] فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ مُشْعِرٌ بِالحَسَدِ، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَوْلى عَلى مَمْلَكَتِهِ، قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي، هو أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ مُلْكًا لا تَقْدِرُ الشَّياطِينُ أنْ يَقُومُوا مَقامَهُ البَتَّةَ، فَأمّا المُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُلْكَ هو القُدْرَةُ فَكانَ المُرادُ أقْدِرْنِي عَلى أشْياءَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرِي البَتَّةَ، لِيَصِيرَ اقْتِدارِي عَلَيْها مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي ورِسالَتِي. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ فَكَوْنُ الرِّيحِ جارِيًا بِأمْرِهِ قُدْرَةٌ عَجِيبَةٌ ومُلْكٌ عَجِيبٌ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي) هو هَذا المَعْنى لِأنَّ شَرْطَ المُعْجِزَةِ أنْ لا يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلى مُعارَضَتِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُعارَضَتِهِ. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا مَرِضَ ثُمَّ عادَ إلى الصِّحَّةِ عَرَفَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا صائِرَةٌ إلى الغَيْرِ بِإرْثٍ أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَسَألَ رَبَّهُ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ الَّذِي سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ عَنِّي إلى غَيْرِي. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها أشَقُّ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْها حالَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا إلَهِي أعْطِنِي مَمْلَكَةً فائِقَةً عَلى مَمالِكِ البَشَرِ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى أحْتَرِزَ عَنْها مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها لِيَصِيرَ ثَوابِي أكْمَلَ وأفْضَلَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا عَسِرٌ صَعْبٌ، لِأنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ حاضِرَةٌ وسِعاداتِ الآخِرَةِ نَسِيئَةٌ، والنَّقْدُ يَصْعُبُ بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: أعْطِنِي يا رَبِّ مَمْلَكَةً تَكُونُ أعْظَمَ المَمالِكِ المُمْكِنَةِ لِلْبَشَرِ، حَتّى أنِّي أبْقى مَعَ تِلْكَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ في غايَةِ الِاحْتِرازِ عَنْها لِيَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أنَّ حُصُولَ الدُّنْيا لا يَمْنَعُ مِن خِدْمَةِ المَوْلى. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الدُّنْيا يَبْقى مُلْتَفِتَ القَلْبِ إلَيْها فَيَظُنُّ أنَّ فِيها سِعاداتٍ عَظِيمَةً وخَيْراتٍ نافِعَةً، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا رَبِّ العِزَّةِ أعْطِنِي أعْظَمَ المَمالِكِ حَتّى يَقِفَ النّاسُ عَلى كَمالِ حالِها، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلْعَقْلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيها فائِدَةٌ وحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنْها ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وأشْتَغِلُ بِالعُبُودِيَّةِ ساكِنَ النَّفْسِ غَيْرَ مَشْغُولِ القَلْبِ بِعَلائِقِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ رُخاءً أيْ رَخْوَةً لَيِّنَةً، وهي مِنَ الرَّخاوَةِ، والرِّيحُ إذا كانَتْ لَيِّنَةً لا تُزَعْزِعُ ولا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كانَتْ طَيِّبَةً، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨١] قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ فَإنَّ المُرادَ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ في قُوَّةِ الرِّياحِ العاصِفَةِ إلّا أنَّها لَمّا جَرَتْ بِأمْرِهِ كانَتْ لَذِيذَةً طَيِّبَةً فَكانَتْ رُخاءً. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ لَيِّنَةً مَرَّةً وعاصِفَةً أُخْرى ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ قَصَدَ وأرادَ، وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَخَرَجَ إلَيْهِما، فَقالَ أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذا مَطْلُوبُنا. وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الرِّيحَ مُسَخَّرَةً لَهُ حَتّى صفحة ١٨٤ صارَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ، ثُمَّ قالَ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الشَّياطِينُ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ وكُلُّ بَنّاءٍ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ وآخِرِينَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كانُوا يَبْنُونَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الأبْنِيَةِ ويَغُوصُونَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُونَ اللُّؤْلُؤَ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ قَرْنَهم في الحِبالِ والتَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ والأصْفادُ الأغْلالُ واحِدُها صَفَدٌ والصَّفَدُ العَطِيَّةُ أيْضًا، قالَ النّابِغَةُ: ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ فَعَلى هَذا الصَّفَدِ القَيْدُ فَكُلُّ مَن شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا فَقَدْ صَفَّدْتَهُ، وكُلُّ مَن أعْطَيْتَهُ عَطاءً جَزِيلًا فَقَدْ أصْفَدْتَهُ، وهَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشَّياطِينَ لَها قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، وبِسَبَبِ تِلْكَ القُوَّةِ قَدَرُوا عَلى بِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَشَرُ، وقَدَرُوا عَلى الغَوْصِ في البِحارِ، واحْتاجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَيْدِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ هَذِهِ الشَّياطِينَ إمّا أنْ تَكُونَ أجْسادُهم كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَراهم مَن كانَ صَحِيحَ الحاسَّةِ، إذْ لَوْ جازَ أنْ لا نَراهم مَعَ كَثافَةِ أجْسادِهِمْ، فَلْيَجُزْ أنْ تَكُونَ بِحَضْرَتِنا جِبالٌ عالِيَةٌ وأصْواتٌ هائِلَةٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، وذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ أجْسادَهم لَيْسَتْ كَثِيفَةً، بَلْ لَطِيفَةً رَقِيقَةً، فَمِثْلُ هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأيْضًا لَزِمَ أنْ تَتَفَرَّقَ أجْسادُهم وأنْ تَتَمَزَّقَ بِسَبَبِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ وأنْ يَمُوتُوا في الحالِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وصْفِهِمْ بِبِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ، وأيْضًا الجِنُّ والشَّياطِينُ إنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَلِمَ لا يَقْتُلُونَ العُلَماءَ والزُّهّادَ في زَمانِنا ؟ ولِمَ لا يُخَرِّبُونَ دِيارَ النّاسِ ؟ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُبالِغُونَ في إظْهارِ لَعْنِهِمْ وعَداوَتِهِمْ. وحَيْثُ لَمْ يُحَسَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ ضَعِيفٌ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم كَثِيفَةً مَعَ أنّا لا نَراها، وأيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أجْسامُهم لَطِيفَةٌ بِمَعْنى عَدَمِ اللَّوْنِ، ولَكِنَّها صُلْبَةٌ بِمَعْنى أنَّها لا تَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ. وأمّا الجُبّائِيُّ فَقَدْ سَلَّمَ أنَّها كانَتْ كَثِيفَةَ الأجْسامِ، وزَعَمَ أنَّ النّاسَ كانُوا يُشاهِدُونَهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أماتَ اللَّهُ أُولَئِكَ الجِنَّ والشَّياطِينَ، وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ تَكُونُ أجْسامُهم في غايَةِ الرِّقَّةِ، ولا يَكُونُ لَهم شَيْءٌ مِنَ القُوَّةِ، والمَوْجُودُ في زَمانِنا مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ لَيْسَ إلّا مِن هَذا الجِنْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أعْطِ مَن شِئْتَ وامْنَعْ مَن شِئْتَ بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. الثّانِي: أنَّ هَذا في أمْرِ الشَّياطِينِ خاصَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ المُسَخَّرُونَ عَطاؤُنا فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ فَحُلَّ عَنْهُ، واحْبِسْ مَن شِئْتَ مِنهم في العَمَلِ بِغَيْرِ حِسابٍ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى سُلَيْمانَ في الدُّنْيا، أرْدَفَهُ بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

ص 38:38

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُهِمِّ صفحة ١٨٣ الدِّينِ عَلى مُهِمِّ الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ طَلَبَ المَمْلَكَةَ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِانْفِتاحِ أبْوابِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ تَوَسَّلَ بِهِ إلى طَلَبِ المَمْلَكَةِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا فَعَلَ أيْضًا لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١١] وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طَهَ: ١٣٢] فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ مُشْعِرٌ بِالحَسَدِ، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَوْلى عَلى مَمْلَكَتِهِ، قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي، هو أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ مُلْكًا لا تَقْدِرُ الشَّياطِينُ أنْ يَقُومُوا مَقامَهُ البَتَّةَ، فَأمّا المُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُلْكَ هو القُدْرَةُ فَكانَ المُرادُ أقْدِرْنِي عَلى أشْياءَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرِي البَتَّةَ، لِيَصِيرَ اقْتِدارِي عَلَيْها مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي ورِسالَتِي. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ فَكَوْنُ الرِّيحِ جارِيًا بِأمْرِهِ قُدْرَةٌ عَجِيبَةٌ ومُلْكٌ عَجِيبٌ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي) هو هَذا المَعْنى لِأنَّ شَرْطَ المُعْجِزَةِ أنْ لا يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلى مُعارَضَتِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُعارَضَتِهِ. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا مَرِضَ ثُمَّ عادَ إلى الصِّحَّةِ عَرَفَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا صائِرَةٌ إلى الغَيْرِ بِإرْثٍ أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَسَألَ رَبَّهُ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ الَّذِي سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ عَنِّي إلى غَيْرِي. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها أشَقُّ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْها حالَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا إلَهِي أعْطِنِي مَمْلَكَةً فائِقَةً عَلى مَمالِكِ البَشَرِ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى أحْتَرِزَ عَنْها مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها لِيَصِيرَ ثَوابِي أكْمَلَ وأفْضَلَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا عَسِرٌ صَعْبٌ، لِأنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ حاضِرَةٌ وسِعاداتِ الآخِرَةِ نَسِيئَةٌ، والنَّقْدُ يَصْعُبُ بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: أعْطِنِي يا رَبِّ مَمْلَكَةً تَكُونُ أعْظَمَ المَمالِكِ المُمْكِنَةِ لِلْبَشَرِ، حَتّى أنِّي أبْقى مَعَ تِلْكَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ في غايَةِ الِاحْتِرازِ عَنْها لِيَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أنَّ حُصُولَ الدُّنْيا لا يَمْنَعُ مِن خِدْمَةِ المَوْلى. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الدُّنْيا يَبْقى مُلْتَفِتَ القَلْبِ إلَيْها فَيَظُنُّ أنَّ فِيها سِعاداتٍ عَظِيمَةً وخَيْراتٍ نافِعَةً، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا رَبِّ العِزَّةِ أعْطِنِي أعْظَمَ المَمالِكِ حَتّى يَقِفَ النّاسُ عَلى كَمالِ حالِها، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلْعَقْلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيها فائِدَةٌ وحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنْها ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وأشْتَغِلُ بِالعُبُودِيَّةِ ساكِنَ النَّفْسِ غَيْرَ مَشْغُولِ القَلْبِ بِعَلائِقِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ رُخاءً أيْ رَخْوَةً لَيِّنَةً، وهي مِنَ الرَّخاوَةِ، والرِّيحُ إذا كانَتْ لَيِّنَةً لا تُزَعْزِعُ ولا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كانَتْ طَيِّبَةً، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨١] قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ فَإنَّ المُرادَ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ في قُوَّةِ الرِّياحِ العاصِفَةِ إلّا أنَّها لَمّا جَرَتْ بِأمْرِهِ كانَتْ لَذِيذَةً طَيِّبَةً فَكانَتْ رُخاءً. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ لَيِّنَةً مَرَّةً وعاصِفَةً أُخْرى ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ قَصَدَ وأرادَ، وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَخَرَجَ إلَيْهِما، فَقالَ أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذا مَطْلُوبُنا. وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الرِّيحَ مُسَخَّرَةً لَهُ حَتّى صفحة ١٨٤ صارَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ، ثُمَّ قالَ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الشَّياطِينُ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ وكُلُّ بَنّاءٍ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ وآخِرِينَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كانُوا يَبْنُونَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الأبْنِيَةِ ويَغُوصُونَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُونَ اللُّؤْلُؤَ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ قَرْنَهم في الحِبالِ والتَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ والأصْفادُ الأغْلالُ واحِدُها صَفَدٌ والصَّفَدُ العَطِيَّةُ أيْضًا، قالَ النّابِغَةُ: ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ فَعَلى هَذا الصَّفَدِ القَيْدُ فَكُلُّ مَن شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا فَقَدْ صَفَّدْتَهُ، وكُلُّ مَن أعْطَيْتَهُ عَطاءً جَزِيلًا فَقَدْ أصْفَدْتَهُ، وهَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشَّياطِينَ لَها قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، وبِسَبَبِ تِلْكَ القُوَّةِ قَدَرُوا عَلى بِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَشَرُ، وقَدَرُوا عَلى الغَوْصِ في البِحارِ، واحْتاجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَيْدِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ هَذِهِ الشَّياطِينَ إمّا أنْ تَكُونَ أجْسادُهم كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَراهم مَن كانَ صَحِيحَ الحاسَّةِ، إذْ لَوْ جازَ أنْ لا نَراهم مَعَ كَثافَةِ أجْسادِهِمْ، فَلْيَجُزْ أنْ تَكُونَ بِحَضْرَتِنا جِبالٌ عالِيَةٌ وأصْواتٌ هائِلَةٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، وذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ أجْسادَهم لَيْسَتْ كَثِيفَةً، بَلْ لَطِيفَةً رَقِيقَةً، فَمِثْلُ هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأيْضًا لَزِمَ أنْ تَتَفَرَّقَ أجْسادُهم وأنْ تَتَمَزَّقَ بِسَبَبِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ وأنْ يَمُوتُوا في الحالِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وصْفِهِمْ بِبِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ، وأيْضًا الجِنُّ والشَّياطِينُ إنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَلِمَ لا يَقْتُلُونَ العُلَماءَ والزُّهّادَ في زَمانِنا ؟ ولِمَ لا يُخَرِّبُونَ دِيارَ النّاسِ ؟ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُبالِغُونَ في إظْهارِ لَعْنِهِمْ وعَداوَتِهِمْ. وحَيْثُ لَمْ يُحَسَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ ضَعِيفٌ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم كَثِيفَةً مَعَ أنّا لا نَراها، وأيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أجْسامُهم لَطِيفَةٌ بِمَعْنى عَدَمِ اللَّوْنِ، ولَكِنَّها صُلْبَةٌ بِمَعْنى أنَّها لا تَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ. وأمّا الجُبّائِيُّ فَقَدْ سَلَّمَ أنَّها كانَتْ كَثِيفَةَ الأجْسامِ، وزَعَمَ أنَّ النّاسَ كانُوا يُشاهِدُونَهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أماتَ اللَّهُ أُولَئِكَ الجِنَّ والشَّياطِينَ، وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ تَكُونُ أجْسامُهم في غايَةِ الرِّقَّةِ، ولا يَكُونُ لَهم شَيْءٌ مِنَ القُوَّةِ، والمَوْجُودُ في زَمانِنا مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ لَيْسَ إلّا مِن هَذا الجِنْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أعْطِ مَن شِئْتَ وامْنَعْ مَن شِئْتَ بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. الثّانِي: أنَّ هَذا في أمْرِ الشَّياطِينِ خاصَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ المُسَخَّرُونَ عَطاؤُنا فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ فَحُلَّ عَنْهُ، واحْبِسْ مَن شِئْتَ مِنهم في العَمَلِ بِغَيْرِ حِسابٍ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى سُلَيْمانَ في الدُّنْيا، أرْدَفَهُ بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

ص 38:39

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُهِمِّ صفحة ١٨٣ الدِّينِ عَلى مُهِمِّ الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ طَلَبَ المَمْلَكَةَ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِانْفِتاحِ أبْوابِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ تَوَسَّلَ بِهِ إلى طَلَبِ المَمْلَكَةِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا فَعَلَ أيْضًا لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١١] وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طَهَ: ١٣٢] فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ مُشْعِرٌ بِالحَسَدِ، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَوْلى عَلى مَمْلَكَتِهِ، قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي، هو أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ مُلْكًا لا تَقْدِرُ الشَّياطِينُ أنْ يَقُومُوا مَقامَهُ البَتَّةَ، فَأمّا المُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُلْكَ هو القُدْرَةُ فَكانَ المُرادُ أقْدِرْنِي عَلى أشْياءَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرِي البَتَّةَ، لِيَصِيرَ اقْتِدارِي عَلَيْها مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي ورِسالَتِي. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ فَكَوْنُ الرِّيحِ جارِيًا بِأمْرِهِ قُدْرَةٌ عَجِيبَةٌ ومُلْكٌ عَجِيبٌ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي) هو هَذا المَعْنى لِأنَّ شَرْطَ المُعْجِزَةِ أنْ لا يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلى مُعارَضَتِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُعارَضَتِهِ. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا مَرِضَ ثُمَّ عادَ إلى الصِّحَّةِ عَرَفَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا صائِرَةٌ إلى الغَيْرِ بِإرْثٍ أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَسَألَ رَبَّهُ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ الَّذِي سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ عَنِّي إلى غَيْرِي. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها أشَقُّ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْها حالَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا إلَهِي أعْطِنِي مَمْلَكَةً فائِقَةً عَلى مَمالِكِ البَشَرِ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى أحْتَرِزَ عَنْها مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها لِيَصِيرَ ثَوابِي أكْمَلَ وأفْضَلَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا عَسِرٌ صَعْبٌ، لِأنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ حاضِرَةٌ وسِعاداتِ الآخِرَةِ نَسِيئَةٌ، والنَّقْدُ يَصْعُبُ بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: أعْطِنِي يا رَبِّ مَمْلَكَةً تَكُونُ أعْظَمَ المَمالِكِ المُمْكِنَةِ لِلْبَشَرِ، حَتّى أنِّي أبْقى مَعَ تِلْكَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ في غايَةِ الِاحْتِرازِ عَنْها لِيَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أنَّ حُصُولَ الدُّنْيا لا يَمْنَعُ مِن خِدْمَةِ المَوْلى. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الدُّنْيا يَبْقى مُلْتَفِتَ القَلْبِ إلَيْها فَيَظُنُّ أنَّ فِيها سِعاداتٍ عَظِيمَةً وخَيْراتٍ نافِعَةً، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا رَبِّ العِزَّةِ أعْطِنِي أعْظَمَ المَمالِكِ حَتّى يَقِفَ النّاسُ عَلى كَمالِ حالِها، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلْعَقْلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيها فائِدَةٌ وحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنْها ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وأشْتَغِلُ بِالعُبُودِيَّةِ ساكِنَ النَّفْسِ غَيْرَ مَشْغُولِ القَلْبِ بِعَلائِقِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ رُخاءً أيْ رَخْوَةً لَيِّنَةً، وهي مِنَ الرَّخاوَةِ، والرِّيحُ إذا كانَتْ لَيِّنَةً لا تُزَعْزِعُ ولا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كانَتْ طَيِّبَةً، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨١] قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ فَإنَّ المُرادَ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ في قُوَّةِ الرِّياحِ العاصِفَةِ إلّا أنَّها لَمّا جَرَتْ بِأمْرِهِ كانَتْ لَذِيذَةً طَيِّبَةً فَكانَتْ رُخاءً. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ لَيِّنَةً مَرَّةً وعاصِفَةً أُخْرى ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ قَصَدَ وأرادَ، وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَخَرَجَ إلَيْهِما، فَقالَ أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذا مَطْلُوبُنا. وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الرِّيحَ مُسَخَّرَةً لَهُ حَتّى صفحة ١٨٤ صارَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ، ثُمَّ قالَ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الشَّياطِينُ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ وكُلُّ بَنّاءٍ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ وآخِرِينَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كانُوا يَبْنُونَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الأبْنِيَةِ ويَغُوصُونَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُونَ اللُّؤْلُؤَ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ قَرْنَهم في الحِبالِ والتَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ والأصْفادُ الأغْلالُ واحِدُها صَفَدٌ والصَّفَدُ العَطِيَّةُ أيْضًا، قالَ النّابِغَةُ: ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ فَعَلى هَذا الصَّفَدِ القَيْدُ فَكُلُّ مَن شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا فَقَدْ صَفَّدْتَهُ، وكُلُّ مَن أعْطَيْتَهُ عَطاءً جَزِيلًا فَقَدْ أصْفَدْتَهُ، وهَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشَّياطِينَ لَها قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، وبِسَبَبِ تِلْكَ القُوَّةِ قَدَرُوا عَلى بِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَشَرُ، وقَدَرُوا عَلى الغَوْصِ في البِحارِ، واحْتاجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَيْدِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ هَذِهِ الشَّياطِينَ إمّا أنْ تَكُونَ أجْسادُهم كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَراهم مَن كانَ صَحِيحَ الحاسَّةِ، إذْ لَوْ جازَ أنْ لا نَراهم مَعَ كَثافَةِ أجْسادِهِمْ، فَلْيَجُزْ أنْ تَكُونَ بِحَضْرَتِنا جِبالٌ عالِيَةٌ وأصْواتٌ هائِلَةٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، وذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ أجْسادَهم لَيْسَتْ كَثِيفَةً، بَلْ لَطِيفَةً رَقِيقَةً، فَمِثْلُ هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأيْضًا لَزِمَ أنْ تَتَفَرَّقَ أجْسادُهم وأنْ تَتَمَزَّقَ بِسَبَبِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ وأنْ يَمُوتُوا في الحالِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وصْفِهِمْ بِبِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ، وأيْضًا الجِنُّ والشَّياطِينُ إنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَلِمَ لا يَقْتُلُونَ العُلَماءَ والزُّهّادَ في زَمانِنا ؟ ولِمَ لا يُخَرِّبُونَ دِيارَ النّاسِ ؟ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُبالِغُونَ في إظْهارِ لَعْنِهِمْ وعَداوَتِهِمْ. وحَيْثُ لَمْ يُحَسَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ ضَعِيفٌ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم كَثِيفَةً مَعَ أنّا لا نَراها، وأيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أجْسامُهم لَطِيفَةٌ بِمَعْنى عَدَمِ اللَّوْنِ، ولَكِنَّها صُلْبَةٌ بِمَعْنى أنَّها لا تَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ. وأمّا الجُبّائِيُّ فَقَدْ سَلَّمَ أنَّها كانَتْ كَثِيفَةَ الأجْسامِ، وزَعَمَ أنَّ النّاسَ كانُوا يُشاهِدُونَهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أماتَ اللَّهُ أُولَئِكَ الجِنَّ والشَّياطِينَ، وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ تَكُونُ أجْسامُهم في غايَةِ الرِّقَّةِ، ولا يَكُونُ لَهم شَيْءٌ مِنَ القُوَّةِ، والمَوْجُودُ في زَمانِنا مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ لَيْسَ إلّا مِن هَذا الجِنْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أعْطِ مَن شِئْتَ وامْنَعْ مَن شِئْتَ بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. الثّانِي: أنَّ هَذا في أمْرِ الشَّياطِينِ خاصَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ المُسَخَّرُونَ عَطاؤُنا فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ فَحُلَّ عَنْهُ، واحْبِسْ مَن شِئْتَ مِنهم في العَمَلِ بِغَيْرِ حِسابٍ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى سُلَيْمانَ في الدُّنْيا، أرْدَفَهُ بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

ص 38:40

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مُهِمِّ صفحة ١٨٣ الدِّينِ عَلى مُهِمِّ الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ طَلَبَ المَمْلَكَةَ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِانْفِتاحِ أبْوابِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا، لِأنَّ سُلَيْمانَ طَلَبَ المَغْفِرَةَ أوَّلًا ثُمَّ تَوَسَّلَ بِهِ إلى طَلَبِ المَمْلَكَةِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا فَعَلَ أيْضًا لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١١] وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طَهَ: ١٣٢] فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ مُشْعِرٌ بِالحَسَدِ، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَوْلى عَلى مَمْلَكَتِهِ، قالُوا: مَعْنى قَوْلِهِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي، هو أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ مُلْكًا لا تَقْدِرُ الشَّياطِينُ أنْ يَقُومُوا مَقامَهُ البَتَّةَ، فَأمّا المُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُلْكَ هو القُدْرَةُ فَكانَ المُرادُ أقْدِرْنِي عَلى أشْياءَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرِي البَتَّةَ، لِيَصِيرَ اقْتِدارِي عَلَيْها مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِي ورِسالَتِي. والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ فَكَوْنُ الرِّيحِ جارِيًا بِأمْرِهِ قُدْرَةٌ عَجِيبَةٌ ومُلْكٌ عَجِيبٌ، ولا شَكَّ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي) هو هَذا المَعْنى لِأنَّ شَرْطَ المُعْجِزَةِ أنْ لا يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلى مُعارَضَتِها، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُعارَضَتِهِ. والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا مَرِضَ ثُمَّ عادَ إلى الصِّحَّةِ عَرَفَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا صائِرَةٌ إلى الغَيْرِ بِإرْثٍ أوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَسَألَ رَبَّهُ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ الَّذِي سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ مُلْكًا لا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَقِلَ عَنِّي إلى غَيْرِي. الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها أشَقُّ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْها حالَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ قالَ: يا إلَهِي أعْطِنِي مَمْلَكَةً فائِقَةً عَلى مَمالِكِ البَشَرِ بِالكُلِّيَّةِ، حَتّى أحْتَرِزَ عَنْها مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْها لِيَصِيرَ ثَوابِي أكْمَلَ وأفْضَلَ. الوَجْهُ الرّابِعُ: مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ الِاحْتِرازَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا عَسِرٌ صَعْبٌ، لِأنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ حاضِرَةٌ وسِعاداتِ الآخِرَةِ نَسِيئَةٌ، والنَّقْدُ يَصْعُبُ بَيْعُهُ بِالنَّسِيئَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: أعْطِنِي يا رَبِّ مَمْلَكَةً تَكُونُ أعْظَمَ المَمالِكِ المُمْكِنَةِ لِلْبَشَرِ، حَتّى أنِّي أبْقى مَعَ تِلْكَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ في غايَةِ الِاحْتِرازِ عَنْها لِيَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أنَّ حُصُولَ الدُّنْيا لا يَمْنَعُ مِن خِدْمَةِ المَوْلى. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الدُّنْيا يَبْقى مُلْتَفِتَ القَلْبِ إلَيْها فَيَظُنُّ أنَّ فِيها سِعاداتٍ عَظِيمَةً وخَيْراتٍ نافِعَةً، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا رَبِّ العِزَّةِ أعْطِنِي أعْظَمَ المَمالِكِ حَتّى يَقِفَ النّاسُ عَلى كَمالِ حالِها، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلْعَقْلِ أنَّهُ لَيْسَ فِيها فائِدَةٌ وحِينَئِذٍ يُعْرِضُ القَلْبُ عَنْها ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وأشْتَغِلُ بِالعُبُودِيَّةِ ساكِنَ النَّفْسِ غَيْرَ مَشْغُولِ القَلْبِ بِعَلائِقِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ رُخاءً أيْ رَخْوَةً لَيِّنَةً، وهي مِنَ الرَّخاوَةِ، والرِّيحُ إذا كانَتْ لَيِّنَةً لا تُزَعْزِعُ ولا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كانَتْ طَيِّبَةً، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨١] قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ فَإنَّ المُرادَ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ في قُوَّةِ الرِّياحِ العاصِفَةِ إلّا أنَّها لَمّا جَرَتْ بِأمْرِهِ كانَتْ لَذِيذَةً طَيِّبَةً فَكانَتْ رُخاءً. والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كانَتْ لَيِّنَةً مَرَّةً وعاصِفَةً أُخْرى ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ قَصَدَ وأرادَ، وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ. وعَنْ رُؤْبَةَ أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَخَرَجَ إلَيْهِما، فَقالَ أيْنَ تُصِيبانِ ؟ فَقالا: هَذا مَطْلُوبُنا. وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الرِّيحَ مُسَخَّرَةً لَهُ حَتّى صفحة ١٨٤ صارَتْ تَجْرِي بِأمْرِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ، ثُمَّ قالَ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الشَّياطِينُ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ وكُلُّ بَنّاءٍ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ وآخِرِينَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ وهو بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كانُوا يَبْنُونَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الأبْنِيَةِ ويَغُوصُونَ لَهُ فَيَسْتَخْرِجُونَ اللُّؤْلُؤَ، وقَوْلُهُ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ يُقالُ قَرْنَهم في الحِبالِ والتَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ والأصْفادُ الأغْلالُ واحِدُها صَفَدٌ والصَّفَدُ العَطِيَّةُ أيْضًا، قالَ النّابِغَةُ: ولَمْ أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ فَعَلى هَذا الصَّفَدِ القَيْدُ فَكُلُّ مَن شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا فَقَدْ صَفَّدْتَهُ، وكُلُّ مَن أعْطَيْتَهُ عَطاءً جَزِيلًا فَقَدْ أصْفَدْتَهُ، وهَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الشَّياطِينَ لَها قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ، وبِسَبَبِ تِلْكَ القُوَّةِ قَدَرُوا عَلى بِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَشَرُ، وقَدَرُوا عَلى الغَوْصِ في البِحارِ، واحْتاجَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَيْدِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ هَذِهِ الشَّياطِينَ إمّا أنْ تَكُونَ أجْسادُهم كَثِيفَةً أوْ لَطِيفَةً، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وجَبَ أنْ يَراهم مَن كانَ صَحِيحَ الحاسَّةِ، إذْ لَوْ جازَ أنْ لا نَراهم مَعَ كَثافَةِ أجْسادِهِمْ، فَلْيَجُزْ أنْ تَكُونَ بِحَضْرَتِنا جِبالٌ عالِيَةٌ وأصْواتٌ هائِلَةٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، وذَلِكَ دُخُولٌ في السَّفْسَطَةِ، وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ أجْسادَهم لَيْسَتْ كَثِيفَةً، بَلْ لَطِيفَةً رَقِيقَةً، فَمِثْلُ هَذا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالقُوَّةِ الشَّدِيدَةِ، وأيْضًا لَزِمَ أنْ تَتَفَرَّقَ أجْسادُهم وأنْ تَتَمَزَّقَ بِسَبَبِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ وأنْ يَمُوتُوا في الحالِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن وصْفِهِمْ بِبِناءِ الأبْنِيَةِ القَوِيَّةِ، وأيْضًا الجِنُّ والشَّياطِينُ إنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، فَلِمَ لا يَقْتُلُونَ العُلَماءَ والزُّهّادَ في زَمانِنا ؟ ولِمَ لا يُخَرِّبُونَ دِيارَ النّاسِ ؟ مَعَ أنَّ المُسْلِمِينَ مُبالِغُونَ في إظْهارِ لَعْنِهِمْ وعَداوَتِهِمْ. وحَيْثُ لَمْ يُحَسَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ ضَعِيفٌ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم كَثِيفَةً مَعَ أنّا لا نَراها، وأيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ أجْسامُهم لَطِيفَةٌ بِمَعْنى عَدَمِ اللَّوْنِ، ولَكِنَّها صُلْبَةٌ بِمَعْنى أنَّها لا تَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ. وأمّا الجُبّائِيُّ فَقَدْ سَلَّمَ أنَّها كانَتْ كَثِيفَةَ الأجْسامِ، وزَعَمَ أنَّ النّاسَ كانُوا يُشاهِدُونَهم في زَمَنِ سُلَيْمانَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أماتَ اللَّهُ أُولَئِكَ الجِنَّ والشَّياطِينَ، وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ تَكُونُ أجْسامُهم في غايَةِ الرِّقَّةِ، ولا يَكُونُ لَهم شَيْءٌ مِنَ القُوَّةِ، والمَوْجُودُ في زَمانِنا مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ لَيْسَ إلّا مِن هَذا الجِنْسِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أعْطِ مَن شِئْتَ وامْنَعْ مَن شِئْتَ بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. الثّانِي: أنَّ هَذا في أمْرِ الشَّياطِينِ خاصَّةً، والمَعْنى هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ المُسَخَّرُونَ عَطاؤُنا فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنَ الشَّياطِينِ فَحُلَّ عَنْهُ، واحْبِسْ مَن شِئْتَ مِنهم في العَمَلِ بِغَيْرِ حِسابٍ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى سُلَيْمانَ في الدُّنْيا، أرْدَفَهُ بِإنْعامِهِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

ص 38:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ كانا مِمَّنْ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ أصْنافَ الآلاءِ والنَّعْماءِ، وأيُّوبَ كانَ مِمَّنْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْواعِ البَلاءِ، والمَقْصُودُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ القِصَصِ الِاعْتِبارُ. كَأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ اصْبِرْ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِكَ فَإنَّهُ ما كانَ في الدُّنْيا أكْثَرُ نِعْمَةً ومالًا وجاهًا مِن داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وما كانَ أكْثَرَ بَلاءً ومِحْنَةً مِن أيُّوبَ، فَتَأمَّلْ في أحْوالِ هَؤُلاءِ لِتَعْرِفَ أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا تَنْتَظِمُ لِأحَدٍ، وأنَّ العاقِلَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى المَكارِهِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أيُّوبَ“ عَطْفُ بَيانٍ، وإذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ﴾ أيْ بِأنِّي مَسَّنِي حِكايَةً لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِسَبَبِهِ، ولَوْ لَمْ يَحْكِ لَقالَ بِأنَّهُ مَسَّهُ لِأنَّهُ غائِبٌ، وقُرِئَ: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِها مَعَ سُكُونِ الصّادِ وفَتْحِها وضَمِّها، فالنُّصْبِ والنَّصَبِ، كالرُّشْدِ والرَّشَدِ، والعُدْمِ والعَدَمِ، والسُّقْمِ والسَّقَمِ، والنُّصْبُ عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، والنَّصَبُ تَثْقِيلُ نُصْبٍ، والمَعْنى واحِدٌ، وهو التَّعَبُ والمَشَقَّةُ والعَذابُ والألَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ عِنْدَهُ نَوْعانِ مِنَ المَكْرُوهِ: الغَمُّ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ زَوالِ الخَيْراتِ وحُصُولِ المَكْرُوهاتِ، والألَمُ الشَّدِيدُ في الجِسْمِ، ولَمّا حَصَلَ هَذانِ النَّوْعانِ لا جَرَمَ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَفْظَيْنِ وهُما النُّصْبُ والعَذابُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلنّاسِ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الآلامَ والأسْقامَ الحاصِلَةَ في جِسْمِهِ إنَّما حَصَلَتْ بِفِعْلِ الشَّيْطانِ. الثّانِي: أنَّها إنَّما حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ، والعَذابُ المُضافُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الشَّيْطانِ هو عَذابُ الوَسْوَسَةِ، وإلْقاءُ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ. وأمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ ما رُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ سَألَ رَبَّهُ، فَقالَ هَلْ في عَبِيدِكَ مَن لَوْ سَلَّطْتَنِي عَلَيْهِ يَمْتَنِعُ مِنِّي ؟ فَقالَ اللَّهُ: نَعَمْ عَبْدِي أيُّوبُ، فَجَعَلَ يَأْتِيهِ بِوَساوِسِهِ وهو يَرى إبْلِيسَ عِيانًا ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ عَلَيَّ فَسَلِّطْنِي عَلى مالِهِ، وكانَ يَجِيئُهُ ويَقُولُ لَهُ: هَلَكَ مِن مالِكِ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ: اللَّهُ أعْطى واللَّهُ أخَذَ، ثُمَّ يَحْمَدُ اللَّهَ، فَقالَ: يا رَبِّ إنَّ أيُّوبَ لا يُبالِي بِمالِهِ فَسَلِّطْنِي عَلى ولَدِهِ، فَجاءَ وزَلْزَلَ الدّارَ فَهَلَكَ أوْلادُهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَجاءَهُ وأخْبَرَهُ بِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ لا يُبالِي بِمالِهِ ووَلَدِهِ فَسَلِّطْنِي عَلى جَسَدِهِ، فَأذِنَ فِيهِ، فَنَفَخَ في جَلْدِ أيُّوبَ، وحَدَثَتْ أسْقامٌ عَظِيمَةٌ وآلامٌ شَدِيدَةٌ فِيهِ، فَمَكَثَ في ذَلِكَ البَلاءِ سِنِينَ، حَتّى صارَ بِحَيْثُ اسْتَقْذَرَهُ أهْلُ بَلَدِهِ، فَخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ وما كانَ يَقْرُبُ مِنهُ أحَدٌ، فَجاءَ الشَّيْطانُ إلى امْرَأتِهِ، وقالَ لَوْ أنَّ زَوْجَكِ اسْتَعانَ بِي لَخَلَّصْتُهُ مِن هَذا البَلاءِ، فَذَكَرَتِ المَرْأةُ ذَلِكَ لِزَوْجِها، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عافاهُ اللَّهُ لَيَجْلِدَنَّها مِائَةَ جَلْدَةٍ، وعِنْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ قالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وأوْحى إلَيْهِ أنِ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فَأظْهَرَ اللَّهُ مِن تَحْتِ رِجْلِهِ عَيْنًا بارِدَةً طَيِّبَةً فاغْتَسَلَ مِنها، فَأذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ داءٍ في صفحة ١٨٦ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، ورَدَّ عَلَيْهِ أهْلَهُ ومالَهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ عَلى إيقاعِ النّاسِ في الأمْراضِ والآلامِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنّا لَوْ جَوَّزْنا حُصُولَ المَوْتِ والحَياةِ والصِّحَّةِ والمَرَضِ مِنَ الشَّيْطانِ، فَلَعَلَّ الواحِدَ مِنّا إنَّما وجَدَ الحَياةَ بِفِعْلِ الشَّيْطانِ، ولَعَلَّ كُلَّ ما حَصَلَ عِنْدَنا مِنَ الخَيْراتِ والسِّعاداتِ، فَقَدْ حَصَلَ بِفِعْلِ الشَّيْطانِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَنا سَبِيلٌ إلى أنْ نَعْرِفَ أنَّ مُعْطِيَ الحَياةِ والمَوْتِ والصِّحَّةِ والسُّقْمِ، هو اللَّهُ تَعالى. الثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ لَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَلِمَ لا يَسْعى في قَتْلِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ولِمَ لا يُخَرِّبُ دُورَهم، ولِمَ لا يَقْتُلُ أوْلادَهم. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَصَرَّحَ بِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ في حَقِّ البَشَرِ إلّا عَلى إلْقاءِ الوَساوِسِ والخَواطِرِ الفاسِدَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الشَّيْطانَ هو الَّذِي ألْقاهُ في تِلْكَ الأمْراضِ والآفاتِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَمْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ الفاعِلَ لِهَذِهِ الأحْوالِ هو اللَّهُ تَعالى لَكِنْ عَلى وفْقِ التِماسِ الشَّيْطانِ ؟ قُلْنا: فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ خالِقَ تِلْكَ الآلامِ والأسْقامِ هو اللَّهُ تَعالى، فَأيُّ فائِدَةٍ في جَعْلِ الشَّيْطانِ واسِطَةً في ذَلِكَ ؟ بَلِ الحَقُّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ أنَّهُ بِسَبَبِ إلْقاءِ الوَساوِسِ الفاسِدَةِ والخَواطِرِ الباطِنَةِ كانَ يُلْقِيهِ في أنْواعِ العَذابِ والعَناءِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّ تِلْكَ الوَساوِسَ كَيْفَ كانَتْ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: أنَّ عِلَّتَهُ كانَتْ شَدِيدَةَ الألَمِ، ثُمَّ طالَتْ مُدَّةُ تِلْكَ العِلَّةِ واسْتَقْذَرَهُ النّاسُ ونَفَرُوا عَنْ مُجاوَرَتِهِ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأمْوالِ البَتَّةَ. وامْرَأتُهُ كانَتْ تَخْدِمُ النّاسَ وتُحَصِّلُ لَهُ قَدْرَ القُوتِ، ثُمَّ بَلَغَتْ نَفْرَةُ النّاسِ عَنْهُ إلى أنْ مَنَعُوا امْرَأتَهُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ ومِنَ الِاشْتِغالِ بِخِدْمَتِهِمْ، والشَّيْطانُ كانَ يُذَكِّرُهُ النِّعَمَ الَّتِي كانَتْ والآفاتِ الَّتِي حَصَلَتْ، وكانَ يَحْتالُ في دَفْعِ تِلْكَ الوَساوِسِ، فَلَمّا قَوِيَتْ تِلْكَ الوَساوِسُ في قَلْبِهِ خافَ وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ، وقالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ لِأنَّهُ كُلَّما كانَتْ تِلْكَ الخَواطِرُ أكْثَرَ كانَ ألَمُ قَلْبِهِ مِنها أشَدَّ. الثّانِي: أنَّها لَمّا طالَتْ مُدَّةُ المَرَضِ جاءَهُ الشَّيْطانُ وكانَ يُقَنِّطُهُ مِن رَبِّهِ ويُزَيِّنُ لَهُ أنْ يَجْزَعَ فَخافَ مِن تَأكُّدِ خاطِرِ القُنُوطِ في قَلْبِهِ فَتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ . الثّالِثُ: قِيلَ: إنَّ الشَّيْطانَ لَمّا قالَ لِامْرَأتِهِ لَوْ أطاعَنِي زَوْجُكِ أزَلْتُ عَنْهُ هَذِهِ الآفاتِ فَذَكَرَتِ المَرْأةُ لَهُ ذَلِكَ، فَغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّ الشَّيْطانَ طَمِعَ في دَيْنِهِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ . الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ بَقِيَ أيُّوبُ في البَلاءِ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً حَتّى رَفَضَهُ القَرِيبُ والبَعِيدُ إلّا رَجُلَيْنِ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أتى بِهِ أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ، ولَوْلاهُ ما وقَعَ في مِثْلِ هَذا البَلاءِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: لا أدْرِي ما تَقُولانِ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أمُرُّ عَلى الرَّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ فَيَذْكُرانِ اللَّهَ تَعالى فَأرْجِعُ إلى بَيْتِي فَأنْفِرُ عَنْهُما كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ اللَّهُ تَعالى إلّا في الحَقِّ» . الخامِسُ: قِيلَ إنَّ امْرَأتَهُ كانَتْ تَخْدِمُ النّاسَ فَتَأْخُذُ مِنهم قَدْرَ القُوتِ وتَجِيءُ بِهِ إلى أيُّوبَ، فاتَّفَقَ أنَّهم ما اسْتَخْدَمُوها البَتَّةَ وطَلَبَ بَعْضُ النِّساءِ مِنها قَطْعَ إحْدى ذُؤابَتَيْها عَلى أنْ تُعْطِيَها قَدْرَ القُوتِ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ في اليَوْمِ الثّانِي فَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ لَها ذُؤابَةٌ. وكانَ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا أرادَ أنْ يَتَحَرَّكَ عَلى فِراشِهِ تَعَلَّقَ بِتِلْكَ الذُّؤابَةِ، فَلَمّا لَمْ يَجِدِ الذُّؤابَةَ وقَعَتِ الخَواطِرُ المُؤْذِيَةُ في قَلْبِهِ واشْتَدَّ غَمُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ . السّادِسُ: قالَ في بَعْضِ الأيّامِ: يا رَبُّ لَقَدْ عَلِمْتَ ما اجْتَمَعَ عَلَيَّ أمْرانِ إلّا آثَرْتُ صفحة ١٨٧ طاعَتَكَ، ولَمّا أعْطَيْتَنِي المالَ كُنْتُ لِلْأرامِلِ قَيِّمًا، ولِابْنِ السَّبِيلِ مُعِينًا، ولِلْيَتامى أبًا ! فَنُودِيَ مِن غَمامَةٍ يا أيُّوبُ مِمَّنْ كانَ ذَلِكَ التَّوْفِيقُ ؟ فَأخَذَ أيُّوبُ التُّرابَ ووَضْعَهُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ مِنكَ يا رَبِّ ثُمَّ خافَ مِنَ الخاطِرِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ وقَدْ ذَكَرُوا أقْوالًا أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ اليَهُودِ يَقُولُ: إنَّ لِمُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كِتابًا مُفْرَدًا في واقِعَةِ أيُّوبَ، وحاصِلُ ذَلِكَ الكِتابِ أنَّ أيُّوبَ كانَ رَجُلًا كَثِيرَ الطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى مُواظِبًا عَلى العِبادَةِ، مُبالِغًا في التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ وقَعَ في البَلاءِ الشَّدِيدِ والعَناءِ العَظِيمِ، فَهَلْ كانَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ ما أتى بِجُرْمٍ في الزَّمانِ السّابِقِ حَتّى يَجْعَلَ ذَلِكَ العَذابَ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ الجُرْمِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الثَّوابِ فالإلَهُ الحَكِيمُ الرَّحِيمُ قادِرٌ عَلى إيصالِ كُلِّ خَيْرٍ ومَنفَعَةٍ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ تِلْكَ الآلامِ الطَّوِيلَةِ والأسْقامِ الكَرِيهَةِ. وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في تِلْكَ الأمْراضِ والآفاتِ فائِدَةٌ، وهَذِهِ كَلِماتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي دالَّةٌ عَلى أنَّ أفْعالَ ذِي الجَلالِ مُنَزَّهَةٌ عَنِ التَّعْلِيلِ بِالمَصالِحِ والمَفاسِدِ، والحَقُّ الصَّرِيحُ أنَّهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣] .

ص 38:42

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ النُّصْبَ والعَذابَ إنَّما حَصَلَ مِنَ الشَّيْطانِ ثُمَّ ذَلِكَ العَذابُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ عِبارَةٌ عَمّا حَصَلَ في بَدَنِهِ مِنَ الأمْراضِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي عِبارَةٌ عَنِ الأحْزانِ الحاصِلَةِ في قَلْبِهِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الوَساوِسِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ إثْباتُ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، وأجابَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنّا لا نُنْكِرُ إثْباتَ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، لَكِنّا نَقُولُ: فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى التَّفْصِيلِ المَعْلُومِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا شَكى مِنَ الشَّيْطانِ، فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُزِيلَ عَنْهُ تِلْكَ البَلِيَّةَ فَأجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنْ قالَ لَهُ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ والرَّكْضُ هو الدَّفْعُ القَوِيُّ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ رَكْضُكَ الفَرَسَ، والتَّقْدِيرُ: قُلْنا لَهُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، قِيلَ إنَّهُ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ تِلْكَ الأرْضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقِيلَ: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ أيْ هَذا ماءٌ تَغْتَسِلُ بِهِ فَيَبْرَأُ باطِنُكَ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَبَعَتْ لَهُ عَيْنٌ واحِدَةٌ مِنَ الماءِ اغْتَسَلَ فِيهِ وشَرِبَ مِنهُ. والمُفَسِّرُونَ قالُوا نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ فاغْتَسَلَ مِن إحْداهُما وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى، فَذَهَبَ الدّاءُ مِن ظاهِرِهِ ومِن باطِنِهِ بِإذْنِ اللَّهِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ مِنها ثُمَّ بِاليُسْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ فَقَدْ قِيلَ هم عَيْنُ أهْلِهِ وزِيادَةُ مَثَلِهِمْ، وقِيلَ غَيْرُهم مِثْلُهم، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الظّاهِرُ فَلا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ أزَلْنا عَنْهُمُ السَّقَمَ فَعادُوا أصِحّاءَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ حَضَرُوا عِنْدَهُ بَعْدَ أنْ غابُوا عَنْهُ واجْتَمَعُوا بَعْدَ أنْ تَفَرَّقُوا. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ تَمَكَّنَ مِنهم وتَمَكَّنُوا مِنهُ فِيما يَتَّصِلُ بِالعِشْرَةِ وبِالخِدْمَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ فالأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى مَتَّعَهُ بِصِحَّتِهِ وبِمالِهِ وقَوّاهُ حَتّى كَثُرَ نَسْلُهُ وصارَ أهْلُهُ ضِعْفَ ما كانَ وأضْعافَ ذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُرادُ بِهِبَةِ الأهْلِ أنَّهُ تَعالى أحْياهم بَعْدَ أنْ هَلَكُوا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ إنَّما فَعَلْنا كُلَّ هَذِهِ الأفْعالِ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، لا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي سَلَّطْنا البَلاءَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَصَبَرَ ثُمَّ أزَلْنا عَنْهُ البَلاءَ وأوْصَلْناهُ إلى صفحة ١٨٨ الآلاءِ والنَّعْماءِ، تَنْبِيهًا لِأُولِي الألْبابِ عَلى أنَّ مَن صَبَرَ ظَفَرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ما وقَعَ ابْتِداءُ الكَلامِ بِهِ وهو قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي إنَّما فَعَلْناها لِهَذِهِ الأغْراضِ والمَقاصِدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ والكَلامُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ”ارْكُضْ“، والضِّغْثُ الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ يَمِينٍ مِنهُ، وفي الخَبَرِ أنَّهُ حَلَفَ عَلى أهْلِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَلَفَ عَلَيْها، ويَبْعُدُ ما قِيلَ إنَّها رَغَّبَتْهُ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، ويَبْعُدُ أيْضًا ما رُوِيَ أنَّها قَطَعَتِ الذَّوائِبَ عَنْ رَأْسِها لِأنَّ المُضْطَرَّ إلى الطَّعامِ يُباحُ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الأقْرَبُ أنَّها خالَفَتْهُ في بَعْضِ المُهِمّاتِ، وذَلِكَ أنَّها ذَهَبَتْ في بَعْضِ المُهِمّاتِ فَأبْطَأتْ فَحَلَفَ في مَرَضِهِ لِيَضْرِبَنَّها مِائَةً إذا بَرِئَ، ولَمّا كانَتِ حَسَنَةَ الخِدْمَةِ لَهُ لا جَرَمَ حَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، وهَذِهِ الرُّخْصَةُ باقِيَةٌ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أُتِيَ بِمُجَذَّمٍ خَبَثَ بِأمَةٍ فَقالَ: ”«خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً» “ . ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ وجَدَهُ صابِرًا وقَدْ شَكى إلَيْهِ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَكى مِنَ الشَّيْطانِ إلَيْهِ وما شَكى مِنهُ إلى أحَدٍ. الثّانِي: أنَّ الألَمَ حِينَ كانَ عَلى الجَسَدِ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَمّا عَظُمَتِ الوَساوِسُ خافَ عَلى القَلْبِ والدِّينِ فَتَضَرَّعَ. الثّالِثُ: أنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ، والشِّكايَةُ مِنَ العَدُوِّ إلى الحَبِيبِ لا تَقْدَحُ في الصَّبْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَشْرِيفَ ”نِعْمَ العَبْدُ“ إنَّما حَصَلَ لِكَوْنِهِ أوّابًا، وسَمِعْتُ بَعْضَهم قالَ: لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَةً، وفي حَقِّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُخْرى عَظُمَ الغَمُّ في قُلُوبِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَإنِ احْتَجْنا إلى اتِّفاقِ مَمْلَكَةٍ مِثْلِ مَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ حَتّى نَجِدَ هَذا التَّشْرِيفَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، وإنِ احْتَجْنا إلى تَحَمُّلِ بَلاءٍ مِثْلِ أيُّوبَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلى تَحْصِيلِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] والمُرادُ أنَّكَ إنْ لَمْ تَكُنْ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فَأنا ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] وإنْ كانَ مِنكَ الفُضُولُ، فَمِنِّي الفَضْلُ، وإنْ كانَ مِنكَ التَّقْصِيرُ، فَمِنِّي الرَّحْمَةُ والتَّيْسِيرُ.

ص 38:43

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ النُّصْبَ والعَذابَ إنَّما حَصَلَ مِنَ الشَّيْطانِ ثُمَّ ذَلِكَ العَذابُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ عِبارَةٌ عَمّا حَصَلَ في بَدَنِهِ مِنَ الأمْراضِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي عِبارَةٌ عَنِ الأحْزانِ الحاصِلَةِ في قَلْبِهِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الوَساوِسِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ إثْباتُ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، وأجابَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنّا لا نُنْكِرُ إثْباتَ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، لَكِنّا نَقُولُ: فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى التَّفْصِيلِ المَعْلُومِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا شَكى مِنَ الشَّيْطانِ، فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُزِيلَ عَنْهُ تِلْكَ البَلِيَّةَ فَأجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنْ قالَ لَهُ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ والرَّكْضُ هو الدَّفْعُ القَوِيُّ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ رَكْضُكَ الفَرَسَ، والتَّقْدِيرُ: قُلْنا لَهُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، قِيلَ إنَّهُ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ تِلْكَ الأرْضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقِيلَ: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ أيْ هَذا ماءٌ تَغْتَسِلُ بِهِ فَيَبْرَأُ باطِنُكَ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَبَعَتْ لَهُ عَيْنٌ واحِدَةٌ مِنَ الماءِ اغْتَسَلَ فِيهِ وشَرِبَ مِنهُ. والمُفَسِّرُونَ قالُوا نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ فاغْتَسَلَ مِن إحْداهُما وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى، فَذَهَبَ الدّاءُ مِن ظاهِرِهِ ومِن باطِنِهِ بِإذْنِ اللَّهِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ مِنها ثُمَّ بِاليُسْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ فَقَدْ قِيلَ هم عَيْنُ أهْلِهِ وزِيادَةُ مَثَلِهِمْ، وقِيلَ غَيْرُهم مِثْلُهم، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الظّاهِرُ فَلا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ أزَلْنا عَنْهُمُ السَّقَمَ فَعادُوا أصِحّاءَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ حَضَرُوا عِنْدَهُ بَعْدَ أنْ غابُوا عَنْهُ واجْتَمَعُوا بَعْدَ أنْ تَفَرَّقُوا. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ تَمَكَّنَ مِنهم وتَمَكَّنُوا مِنهُ فِيما يَتَّصِلُ بِالعِشْرَةِ وبِالخِدْمَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ فالأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى مَتَّعَهُ بِصِحَّتِهِ وبِمالِهِ وقَوّاهُ حَتّى كَثُرَ نَسْلُهُ وصارَ أهْلُهُ ضِعْفَ ما كانَ وأضْعافَ ذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُرادُ بِهِبَةِ الأهْلِ أنَّهُ تَعالى أحْياهم بَعْدَ أنْ هَلَكُوا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ إنَّما فَعَلْنا كُلَّ هَذِهِ الأفْعالِ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، لا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي سَلَّطْنا البَلاءَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَصَبَرَ ثُمَّ أزَلْنا عَنْهُ البَلاءَ وأوْصَلْناهُ إلى صفحة ١٨٨ الآلاءِ والنَّعْماءِ، تَنْبِيهًا لِأُولِي الألْبابِ عَلى أنَّ مَن صَبَرَ ظَفَرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ما وقَعَ ابْتِداءُ الكَلامِ بِهِ وهو قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي إنَّما فَعَلْناها لِهَذِهِ الأغْراضِ والمَقاصِدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ والكَلامُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ”ارْكُضْ“، والضِّغْثُ الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ يَمِينٍ مِنهُ، وفي الخَبَرِ أنَّهُ حَلَفَ عَلى أهْلِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَلَفَ عَلَيْها، ويَبْعُدُ ما قِيلَ إنَّها رَغَّبَتْهُ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، ويَبْعُدُ أيْضًا ما رُوِيَ أنَّها قَطَعَتِ الذَّوائِبَ عَنْ رَأْسِها لِأنَّ المُضْطَرَّ إلى الطَّعامِ يُباحُ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الأقْرَبُ أنَّها خالَفَتْهُ في بَعْضِ المُهِمّاتِ، وذَلِكَ أنَّها ذَهَبَتْ في بَعْضِ المُهِمّاتِ فَأبْطَأتْ فَحَلَفَ في مَرَضِهِ لِيَضْرِبَنَّها مِائَةً إذا بَرِئَ، ولَمّا كانَتِ حَسَنَةَ الخِدْمَةِ لَهُ لا جَرَمَ حَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، وهَذِهِ الرُّخْصَةُ باقِيَةٌ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أُتِيَ بِمُجَذَّمٍ خَبَثَ بِأمَةٍ فَقالَ: ”«خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً» “ . ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ وجَدَهُ صابِرًا وقَدْ شَكى إلَيْهِ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَكى مِنَ الشَّيْطانِ إلَيْهِ وما شَكى مِنهُ إلى أحَدٍ. الثّانِي: أنَّ الألَمَ حِينَ كانَ عَلى الجَسَدِ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَمّا عَظُمَتِ الوَساوِسُ خافَ عَلى القَلْبِ والدِّينِ فَتَضَرَّعَ. الثّالِثُ: أنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ، والشِّكايَةُ مِنَ العَدُوِّ إلى الحَبِيبِ لا تَقْدَحُ في الصَّبْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَشْرِيفَ ”نِعْمَ العَبْدُ“ إنَّما حَصَلَ لِكَوْنِهِ أوّابًا، وسَمِعْتُ بَعْضَهم قالَ: لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَةً، وفي حَقِّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُخْرى عَظُمَ الغَمُّ في قُلُوبِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَإنِ احْتَجْنا إلى اتِّفاقِ مَمْلَكَةٍ مِثْلِ مَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ حَتّى نَجِدَ هَذا التَّشْرِيفَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، وإنِ احْتَجْنا إلى تَحَمُّلِ بَلاءٍ مِثْلِ أيُّوبَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلى تَحْصِيلِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] والمُرادُ أنَّكَ إنْ لَمْ تَكُنْ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فَأنا ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] وإنْ كانَ مِنكَ الفُضُولُ، فَمِنِّي الفَضْلُ، وإنْ كانَ مِنكَ التَّقْصِيرُ، فَمِنِّي الرَّحْمَةُ والتَّيْسِيرُ.

ص 38:44

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ النُّصْبَ والعَذابَ إنَّما حَصَلَ مِنَ الشَّيْطانِ ثُمَّ ذَلِكَ العَذابُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ عِبارَةٌ عَمّا حَصَلَ في بَدَنِهِ مِنَ الأمْراضِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي عِبارَةٌ عَنِ الأحْزانِ الحاصِلَةِ في قَلْبِهِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الوَساوِسِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ إثْباتُ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، وأجابَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنّا لا نُنْكِرُ إثْباتَ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، لَكِنّا نَقُولُ: فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى التَّفْصِيلِ المَعْلُومِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا شَكى مِنَ الشَّيْطانِ، فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُزِيلَ عَنْهُ تِلْكَ البَلِيَّةَ فَأجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنْ قالَ لَهُ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ والرَّكْضُ هو الدَّفْعُ القَوِيُّ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ رَكْضُكَ الفَرَسَ، والتَّقْدِيرُ: قُلْنا لَهُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، قِيلَ إنَّهُ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ تِلْكَ الأرْضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقِيلَ: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ أيْ هَذا ماءٌ تَغْتَسِلُ بِهِ فَيَبْرَأُ باطِنُكَ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَبَعَتْ لَهُ عَيْنٌ واحِدَةٌ مِنَ الماءِ اغْتَسَلَ فِيهِ وشَرِبَ مِنهُ. والمُفَسِّرُونَ قالُوا نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ فاغْتَسَلَ مِن إحْداهُما وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى، فَذَهَبَ الدّاءُ مِن ظاهِرِهِ ومِن باطِنِهِ بِإذْنِ اللَّهِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ مِنها ثُمَّ بِاليُسْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ فَقَدْ قِيلَ هم عَيْنُ أهْلِهِ وزِيادَةُ مَثَلِهِمْ، وقِيلَ غَيْرُهم مِثْلُهم، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الظّاهِرُ فَلا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ أزَلْنا عَنْهُمُ السَّقَمَ فَعادُوا أصِحّاءَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ حَضَرُوا عِنْدَهُ بَعْدَ أنْ غابُوا عَنْهُ واجْتَمَعُوا بَعْدَ أنْ تَفَرَّقُوا. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ تَمَكَّنَ مِنهم وتَمَكَّنُوا مِنهُ فِيما يَتَّصِلُ بِالعِشْرَةِ وبِالخِدْمَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ فالأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى مَتَّعَهُ بِصِحَّتِهِ وبِمالِهِ وقَوّاهُ حَتّى كَثُرَ نَسْلُهُ وصارَ أهْلُهُ ضِعْفَ ما كانَ وأضْعافَ ذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُرادُ بِهِبَةِ الأهْلِ أنَّهُ تَعالى أحْياهم بَعْدَ أنْ هَلَكُوا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ إنَّما فَعَلْنا كُلَّ هَذِهِ الأفْعالِ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، لا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي سَلَّطْنا البَلاءَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَصَبَرَ ثُمَّ أزَلْنا عَنْهُ البَلاءَ وأوْصَلْناهُ إلى صفحة ١٨٨ الآلاءِ والنَّعْماءِ، تَنْبِيهًا لِأُولِي الألْبابِ عَلى أنَّ مَن صَبَرَ ظَفَرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ما وقَعَ ابْتِداءُ الكَلامِ بِهِ وهو قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي إنَّما فَعَلْناها لِهَذِهِ الأغْراضِ والمَقاصِدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ والكَلامُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ”ارْكُضْ“، والضِّغْثُ الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ يَمِينٍ مِنهُ، وفي الخَبَرِ أنَّهُ حَلَفَ عَلى أهْلِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَلَفَ عَلَيْها، ويَبْعُدُ ما قِيلَ إنَّها رَغَّبَتْهُ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، ويَبْعُدُ أيْضًا ما رُوِيَ أنَّها قَطَعَتِ الذَّوائِبَ عَنْ رَأْسِها لِأنَّ المُضْطَرَّ إلى الطَّعامِ يُباحُ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الأقْرَبُ أنَّها خالَفَتْهُ في بَعْضِ المُهِمّاتِ، وذَلِكَ أنَّها ذَهَبَتْ في بَعْضِ المُهِمّاتِ فَأبْطَأتْ فَحَلَفَ في مَرَضِهِ لِيَضْرِبَنَّها مِائَةً إذا بَرِئَ، ولَمّا كانَتِ حَسَنَةَ الخِدْمَةِ لَهُ لا جَرَمَ حَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، وهَذِهِ الرُّخْصَةُ باقِيَةٌ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أُتِيَ بِمُجَذَّمٍ خَبَثَ بِأمَةٍ فَقالَ: ”«خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً» “ . ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ وجَدَهُ صابِرًا وقَدْ شَكى إلَيْهِ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَكى مِنَ الشَّيْطانِ إلَيْهِ وما شَكى مِنهُ إلى أحَدٍ. الثّانِي: أنَّ الألَمَ حِينَ كانَ عَلى الجَسَدِ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَمّا عَظُمَتِ الوَساوِسُ خافَ عَلى القَلْبِ والدِّينِ فَتَضَرَّعَ. الثّالِثُ: أنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ، والشِّكايَةُ مِنَ العَدُوِّ إلى الحَبِيبِ لا تَقْدَحُ في الصَّبْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَشْرِيفَ ”نِعْمَ العَبْدُ“ إنَّما حَصَلَ لِكَوْنِهِ أوّابًا، وسَمِعْتُ بَعْضَهم قالَ: لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَةً، وفي حَقِّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُخْرى عَظُمَ الغَمُّ في قُلُوبِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَإنِ احْتَجْنا إلى اتِّفاقِ مَمْلَكَةٍ مِثْلِ مَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ حَتّى نَجِدَ هَذا التَّشْرِيفَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، وإنِ احْتَجْنا إلى تَحَمُّلِ بَلاءٍ مِثْلِ أيُّوبَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلى تَحْصِيلِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] والمُرادُ أنَّكَ إنْ لَمْ تَكُنْ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فَأنا ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] وإنْ كانَ مِنكَ الفُضُولُ، فَمِنِّي الفَضْلُ، وإنْ كانَ مِنكَ التَّقْصِيرُ، فَمِنِّي الرَّحْمَةُ والتَّيْسِيرُ.

ص 38:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٨٩ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”عَبْدَنا“ عَلى الواحِدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ”عَبْدَنا“ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْرِيفُ مَخْصُوصًا بِأعْظَمِ النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو إبْراهِيمُ، وقَرَأ الباقُونَ: ”عِبادَنا“ قالُوا: لِأنَّ غَيْرَ إبْراهِيمَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ فَجاءَ في عِيسى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] وفي أيُّوبَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وفي نُوحٍ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَمَن قَرَأ ”عَبْدَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى عَبْدِنا وهي إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، ومَن قَرَأ ”عِبادَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفَ بَيانٍ لِعِبادِنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ“ إلى أنْ قالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ صَبْرَ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، وصَبْرَ إسْحاقَ لِلذَّبْحِ، وصَبْرَ يَعْقُوبَ حِينَ فَقَدَ ولَدَهُ وذَهَبَ بَصَرُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، واعْلَمْ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ النَّفْسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، أمّا القُوَّةُ العامِلَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها طاعَةُ اللَّهِ، وأمّا القُوَّةُ العالِمَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وما سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِنَ الأعْمالِ والمَعارِفِ فَكالعَبَثِ والباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإضافَةِ فَمَن نُوَّنَ كانَ التَّقْدِيرُ (أخْلَصْناهم) أيْ جَعَلْناهم خالِصِينِ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها وهي ذِكْرى الدّارِ، ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فالمَعْنى بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ، يَعْنِي أنَّ ذِكْرى الدّارِ قَدْ تَكُونُ لِلَّهِ وقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فالمَعْنى إنّا أخْلَصْناهم بِسَبَبِ ما خَلَصَ مِن هَذا الذِّكْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذِكْرى الدّارِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اسْتَغْرَقُوا في ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ وبَلَغُوا في هَذا الذِّكْرِ إلى حَيْثُ نَسُوا الدُّنْيا. الثّانِي: المُرادُ حُصُولُ الذِّكْرِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ لَهم في الدّارِ الآخِرَةِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أبْقى لَهُمُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا وقَبِلَ دُعاءَهم في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ والأخْيارُ جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٌ عَلى التَّخْفِيفِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ أخْيارًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا يَعُمُّ حُصُولُ الخَيْرِيَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وبِدَلِيلِ دَفْعِ الإجْمالِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ وهم قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الأنْبِياءِ تَحَمَّلُوا الشَّدائِدَ في دِينِ اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ، وفي صِفاتِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

ص 38:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٨٩ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”عَبْدَنا“ عَلى الواحِدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ”عَبْدَنا“ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْرِيفُ مَخْصُوصًا بِأعْظَمِ النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو إبْراهِيمُ، وقَرَأ الباقُونَ: ”عِبادَنا“ قالُوا: لِأنَّ غَيْرَ إبْراهِيمَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ فَجاءَ في عِيسى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] وفي أيُّوبَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وفي نُوحٍ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَمَن قَرَأ ”عَبْدَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى عَبْدِنا وهي إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، ومَن قَرَأ ”عِبادَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفَ بَيانٍ لِعِبادِنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ“ إلى أنْ قالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ صَبْرَ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، وصَبْرَ إسْحاقَ لِلذَّبْحِ، وصَبْرَ يَعْقُوبَ حِينَ فَقَدَ ولَدَهُ وذَهَبَ بَصَرُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، واعْلَمْ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ النَّفْسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، أمّا القُوَّةُ العامِلَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها طاعَةُ اللَّهِ، وأمّا القُوَّةُ العالِمَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وما سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِنَ الأعْمالِ والمَعارِفِ فَكالعَبَثِ والباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإضافَةِ فَمَن نُوَّنَ كانَ التَّقْدِيرُ (أخْلَصْناهم) أيْ جَعَلْناهم خالِصِينِ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها وهي ذِكْرى الدّارِ، ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فالمَعْنى بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ، يَعْنِي أنَّ ذِكْرى الدّارِ قَدْ تَكُونُ لِلَّهِ وقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فالمَعْنى إنّا أخْلَصْناهم بِسَبَبِ ما خَلَصَ مِن هَذا الذِّكْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذِكْرى الدّارِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اسْتَغْرَقُوا في ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ وبَلَغُوا في هَذا الذِّكْرِ إلى حَيْثُ نَسُوا الدُّنْيا. الثّانِي: المُرادُ حُصُولُ الذِّكْرِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ لَهم في الدّارِ الآخِرَةِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أبْقى لَهُمُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا وقَبِلَ دُعاءَهم في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ والأخْيارُ جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٌ عَلى التَّخْفِيفِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ أخْيارًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا يَعُمُّ حُصُولُ الخَيْرِيَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وبِدَلِيلِ دَفْعِ الإجْمالِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ وهم قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الأنْبِياءِ تَحَمَّلُوا الشَّدائِدَ في دِينِ اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ، وفي صِفاتِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

ص 38:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٨٩ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”عَبْدَنا“ عَلى الواحِدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ”عَبْدَنا“ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْرِيفُ مَخْصُوصًا بِأعْظَمِ النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو إبْراهِيمُ، وقَرَأ الباقُونَ: ”عِبادَنا“ قالُوا: لِأنَّ غَيْرَ إبْراهِيمَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ فَجاءَ في عِيسى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] وفي أيُّوبَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وفي نُوحٍ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَمَن قَرَأ ”عَبْدَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى عَبْدِنا وهي إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، ومَن قَرَأ ”عِبادَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفَ بَيانٍ لِعِبادِنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ“ إلى أنْ قالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ صَبْرَ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، وصَبْرَ إسْحاقَ لِلذَّبْحِ، وصَبْرَ يَعْقُوبَ حِينَ فَقَدَ ولَدَهُ وذَهَبَ بَصَرُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، واعْلَمْ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ النَّفْسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، أمّا القُوَّةُ العامِلَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها طاعَةُ اللَّهِ، وأمّا القُوَّةُ العالِمَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وما سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِنَ الأعْمالِ والمَعارِفِ فَكالعَبَثِ والباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإضافَةِ فَمَن نُوَّنَ كانَ التَّقْدِيرُ (أخْلَصْناهم) أيْ جَعَلْناهم خالِصِينِ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها وهي ذِكْرى الدّارِ، ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فالمَعْنى بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ، يَعْنِي أنَّ ذِكْرى الدّارِ قَدْ تَكُونُ لِلَّهِ وقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فالمَعْنى إنّا أخْلَصْناهم بِسَبَبِ ما خَلَصَ مِن هَذا الذِّكْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذِكْرى الدّارِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اسْتَغْرَقُوا في ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ وبَلَغُوا في هَذا الذِّكْرِ إلى حَيْثُ نَسُوا الدُّنْيا. الثّانِي: المُرادُ حُصُولُ الذِّكْرِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ لَهم في الدّارِ الآخِرَةِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أبْقى لَهُمُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا وقَبِلَ دُعاءَهم في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ والأخْيارُ جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٌ عَلى التَّخْفِيفِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ أخْيارًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا يَعُمُّ حُصُولُ الخَيْرِيَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وبِدَلِيلِ دَفْعِ الإجْمالِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ وهم قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الأنْبِياءِ تَحَمَّلُوا الشَّدائِدَ في دِينِ اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ، وفي صِفاتِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

ص 38:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٨٩ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”عَبْدَنا“ عَلى الواحِدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ”عَبْدَنا“ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْرِيفُ مَخْصُوصًا بِأعْظَمِ النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو إبْراهِيمُ، وقَرَأ الباقُونَ: ”عِبادَنا“ قالُوا: لِأنَّ غَيْرَ إبْراهِيمَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ فَجاءَ في عِيسى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] وفي أيُّوبَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وفي نُوحٍ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَمَن قَرَأ ”عَبْدَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى عَبْدِنا وهي إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، ومَن قَرَأ ”عِبادَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفَ بَيانٍ لِعِبادِنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ“ إلى أنْ قالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ صَبْرَ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، وصَبْرَ إسْحاقَ لِلذَّبْحِ، وصَبْرَ يَعْقُوبَ حِينَ فَقَدَ ولَدَهُ وذَهَبَ بَصَرُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، واعْلَمْ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ النَّفْسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، أمّا القُوَّةُ العامِلَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها طاعَةُ اللَّهِ، وأمّا القُوَّةُ العالِمَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وما سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِنَ الأعْمالِ والمَعارِفِ فَكالعَبَثِ والباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإضافَةِ فَمَن نُوَّنَ كانَ التَّقْدِيرُ (أخْلَصْناهم) أيْ جَعَلْناهم خالِصِينِ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها وهي ذِكْرى الدّارِ، ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فالمَعْنى بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ، يَعْنِي أنَّ ذِكْرى الدّارِ قَدْ تَكُونُ لِلَّهِ وقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فالمَعْنى إنّا أخْلَصْناهم بِسَبَبِ ما خَلَصَ مِن هَذا الذِّكْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذِكْرى الدّارِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اسْتَغْرَقُوا في ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ وبَلَغُوا في هَذا الذِّكْرِ إلى حَيْثُ نَسُوا الدُّنْيا. الثّانِي: المُرادُ حُصُولُ الذِّكْرِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ لَهم في الدّارِ الآخِرَةِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أبْقى لَهُمُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا وقَبِلَ دُعاءَهم في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ والأخْيارُ جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٌ عَلى التَّخْفِيفِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ أخْيارًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا يَعُمُّ حُصُولُ الخَيْرِيَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وبِدَلِيلِ دَفْعِ الإجْمالِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ وهم قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الأنْبِياءِ تَحَمَّلُوا الشَّدائِدَ في دِينِ اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ، وفي صِفاتِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

ص 38:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٨٩ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”عَبْدَنا“ عَلى الواحِدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ”عَبْدَنا“ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْرِيفُ مَخْصُوصًا بِأعْظَمِ النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو إبْراهِيمُ، وقَرَأ الباقُونَ: ”عِبادَنا“ قالُوا: لِأنَّ غَيْرَ إبْراهِيمَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ فَجاءَ في عِيسى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] وفي أيُّوبَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وفي نُوحٍ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَمَن قَرَأ ”عَبْدَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى عَبْدِنا وهي إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، ومَن قَرَأ ”عِبادَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفَ بَيانٍ لِعِبادِنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ“ إلى أنْ قالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ صَبْرَ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، وصَبْرَ إسْحاقَ لِلذَّبْحِ، وصَبْرَ يَعْقُوبَ حِينَ فَقَدَ ولَدَهُ وذَهَبَ بَصَرُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، واعْلَمْ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ النَّفْسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، أمّا القُوَّةُ العامِلَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها طاعَةُ اللَّهِ، وأمّا القُوَّةُ العالِمَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وما سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِنَ الأعْمالِ والمَعارِفِ فَكالعَبَثِ والباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإضافَةِ فَمَن نُوَّنَ كانَ التَّقْدِيرُ (أخْلَصْناهم) أيْ جَعَلْناهم خالِصِينِ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها وهي ذِكْرى الدّارِ، ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فالمَعْنى بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ، يَعْنِي أنَّ ذِكْرى الدّارِ قَدْ تَكُونُ لِلَّهِ وقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فالمَعْنى إنّا أخْلَصْناهم بِسَبَبِ ما خَلَصَ مِن هَذا الذِّكْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذِكْرى الدّارِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اسْتَغْرَقُوا في ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ وبَلَغُوا في هَذا الذِّكْرِ إلى حَيْثُ نَسُوا الدُّنْيا. الثّانِي: المُرادُ حُصُولُ الذِّكْرِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ لَهم في الدّارِ الآخِرَةِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أبْقى لَهُمُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا وقَبِلَ دُعاءَهم في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ والأخْيارُ جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٌ عَلى التَّخْفِيفِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ أخْيارًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا يَعُمُّ حُصُولُ الخَيْرِيَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وبِدَلِيلِ دَفْعِ الإجْمالِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ وهم قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الأنْبِياءِ تَحَمَّلُوا الشَّدائِدَ في دِينِ اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ، وفي صِفاتِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

ص 38:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٨٩ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”عَبْدَنا“ عَلى الواحِدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ”عَبْدَنا“ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْرِيفُ مَخْصُوصًا بِأعْظَمِ النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو إبْراهِيمُ، وقَرَأ الباقُونَ: ”عِبادَنا“ قالُوا: لِأنَّ غَيْرَ إبْراهِيمَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ فَجاءَ في عِيسى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] وفي أيُّوبَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وفي نُوحٍ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَمَن قَرَأ ”عَبْدَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى عَبْدِنا وهي إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، ومَن قَرَأ ”عِبادَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفَ بَيانٍ لِعِبادِنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ“ إلى أنْ قالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ صَبْرَ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، وصَبْرَ إسْحاقَ لِلذَّبْحِ، وصَبْرَ يَعْقُوبَ حِينَ فَقَدَ ولَدَهُ وذَهَبَ بَصَرُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، واعْلَمْ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ النَّفْسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، أمّا القُوَّةُ العامِلَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها طاعَةُ اللَّهِ، وأمّا القُوَّةُ العالِمَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وما سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِنَ الأعْمالِ والمَعارِفِ فَكالعَبَثِ والباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإضافَةِ فَمَن نُوَّنَ كانَ التَّقْدِيرُ (أخْلَصْناهم) أيْ جَعَلْناهم خالِصِينِ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها وهي ذِكْرى الدّارِ، ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فالمَعْنى بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ، يَعْنِي أنَّ ذِكْرى الدّارِ قَدْ تَكُونُ لِلَّهِ وقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فالمَعْنى إنّا أخْلَصْناهم بِسَبَبِ ما خَلَصَ مِن هَذا الذِّكْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذِكْرى الدّارِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اسْتَغْرَقُوا في ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ وبَلَغُوا في هَذا الذِّكْرِ إلى حَيْثُ نَسُوا الدُّنْيا. الثّانِي: المُرادُ حُصُولُ الذِّكْرِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ لَهم في الدّارِ الآخِرَةِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أبْقى لَهُمُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا وقَبِلَ دُعاءَهم في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ والأخْيارُ جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٌ عَلى التَّخْفِيفِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ أخْيارًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا يَعُمُّ حُصُولُ الخَيْرِيَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وبِدَلِيلِ دَفْعِ الإجْمالِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ وهم قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الأنْبِياءِ تَحَمَّلُوا الشَّدائِدَ في دِينِ اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ، وفي صِفاتِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

ص 38:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٨٩ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”عَبْدَنا“ عَلى الواحِدِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ويَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ”عَبْدَنا“ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا التَّشْرِيفُ مَخْصُوصًا بِأعْظَمِ النّاسِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهو إبْراهِيمُ، وقَرَأ الباقُونَ: ”عِبادَنا“ قالُوا: لِأنَّ غَيْرَ إبْراهِيمَ مِنَ الأنْبِياءِ قَدْ أُجْرِيَ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ فَجاءَ في عِيسى: ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] وفي أيُّوبَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وفي نُوحٍ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَمَن قَرَأ ”عَبْدَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، ثُمَّ عَطَفَ ذُرِّيَّتَهُ عَلى عَبْدِنا وهي إسْحاقُ ويَعْقُوبُ، ومَن قَرَأ ”عِبادَنا“ جَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفَ بَيانٍ لِعِبادِنا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ”فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ“ إلى أنْ قالَ: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ صَبْرَ إبْراهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، وصَبْرَ إسْحاقَ لِلذَّبْحِ، وصَبْرَ يَعْقُوبَ حِينَ فَقَدَ ولَدَهُ وذَهَبَ بَصَرُهُ. ثُمَّ قالَ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾، واعْلَمْ أنَّ اليَدَ آلَةٌ لِأكْثَرِ الأعْمالِ والبَصَرُ آلَةٌ لِأقْوى الإدْراكاتِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِاليَدِ وعَنِ الإدْراكِ بِالبَصَرِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ النَّفْسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ عامِلَةٌ وعالِمَةٌ، أمّا القُوَّةُ العامِلَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها طاعَةُ اللَّهِ، وأمّا القُوَّةُ العالِمَةُ فَأشْرَفُ ما يَصْدُرُ عَنْها مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وما سِوى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مِنَ الأعْمالِ والمَعارِفِ فَكالعَبَثِ والباطِلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ إشارَةٌ إلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿بِخالِصَةٍ﴾ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ والإضافَةِ فَمَن نُوَّنَ كانَ التَّقْدِيرُ (أخْلَصْناهم) أيْ جَعَلْناهم خالِصِينِ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها وهي ذِكْرى الدّارِ، ومَن قَرَأ بِالإضافَةِ فالمَعْنى بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ، يَعْنِي أنَّ ذِكْرى الدّارِ قَدْ تَكُونُ لِلَّهِ وقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فالمَعْنى إنّا أخْلَصْناهم بِسَبَبِ ما خَلَصَ مِن هَذا الذِّكْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ذِكْرى الدّارِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اسْتَغْرَقُوا في ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ وبَلَغُوا في هَذا الذِّكْرِ إلى حَيْثُ نَسُوا الدُّنْيا. الثّانِي: المُرادُ حُصُولُ الذِّكْرِ الجَلِيلِ الرَّفِيعِ لَهم في الدّارِ الآخِرَةِ. الثّالِثُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أبْقى لَهُمُ الذِّكْرَ الجَمِيلَ في الدُّنْيا وقَبِلَ دُعاءَهم في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ والأخْيارُ جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٌ عَلى التَّخْفِيفِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ، واحْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ أخْيارًا عَلى الإطْلاقِ، وهَذا يَعُمُّ حُصُولُ الخَيْرِيَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ وبِدَلِيلِ دَفْعِ الإجْمالِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾ وهم قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الأنْبِياءِ تَحَمَّلُوا الشَّدائِدَ في دِينِ اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ في شَرْحِ هَذِهِ الأسْماءِ، وفي صِفاتِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

ص 38:52

اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِكْرٌ﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما شَرَحَ ذِكْرَ أحْوالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأجْلِ أنْ يَصْبِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَحَمُّلِ سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَلَمّا تَمَّمَ بَيانَ هَذا الطَّرِيقِ وأرادَ أنْ يَذَكُرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ الجُهّالِ، وأرادَ أنْ يُمَيِّزَ أحَدَ البابَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾، ثُمَّ شَرَعَ في تَقْرِيرِ البابِ الثّانِي فَقالَ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما أنَّ المُصَنِّفَ إذا تَمَّمَ كَلامًا قالَ هَذا بابٌ، ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، وإذا فَرَغَ الكاتِبُ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ قالَ: هَذا، وقَدْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا أتَمَّ ذِكْرَ أهْلِ الجَنَّةِ وأرادَ أنْ يُرْدِفَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥] . الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ المُرادَ هَذا شَرَفٌ وذِكْرٌ جَمِيلٌ لِهَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ كَفّارِ قُرَيْشٍ سَفاهَتَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ وصَفُوهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالصَّبْرِ عَلى تِلْكَ السَّفاهَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ لازِمٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ صَبَرُوا عَلى المَكارِهِ والشَّدائِدَ، فَيَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقْتَدِيَ بِهِمْ في هَذا المَعْنى. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ كَذا وكَذا، ومَن خالَفَهُ كانَ لَهُ مِنَ العِقابِ كَذا وكَذا، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا نَظْمٌ حَسَنٌ وتَرْتِيبٌ لَطِيفٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ المَآبُ المَرْجِعُ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِقِدَمِ الأرْواحِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِكُلِّ آيَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى لَفْظِ الرُّجُوعِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ، أنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّما يَصْدُقُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأرْواحُ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأجْسادِ، وكانَتْ في حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ ثُمَّ تَعَلَّقَتْ بِالأبْدانِ، فَعِنْدَ انْفِصالِها عَنِ الأبْدانِ يُسَمّى ذَلِكَ رُجُوعًا. وجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنْ دَلَّ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ، ولا يَدُلُّ عَلى قِدَمِ الأرْواحِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٩١ المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذا اللَّفْظِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنِ الوَجْهِ، فالألِفُ واللّامُ في الوَجْهِ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ”مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ“ مِنها. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿الأبْوابُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُهُ مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ، كَقَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ اليَدَ والرِّجْلَ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأٌ و”مُفَتَّحَةٌ“ خَبَرُهُ، وكَّلاهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ مِن أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ: الأوَّلُ: أحْوالُ مَساكِنِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُها جَنّاتٍ وبَساتِينَ. والثّانِي: كَوْنُها دائِمَةً آمِنَةً مِنَ الِانْقِضاءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِالجِنانِ إذا رَأوْا صاحِبَ الجَنَّةِ فَتَحُوا لَهُ أبْوابَها وحَيَّوْهُ بِالسَّلامِ، فَيَدْخُلُ كَذَلِكَ مَحْفُوفًا بِالمَلائِكَةِ عَلى أعَزِّ حالٍ وأجْمَلِ هَيْئَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٣] . الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الأبْوابَ كُلَّما أرادُوا انْفِتاحَها انْفَتَحَتْ لَهم، وكُلَّما أرادُوا انْغِلاقَها انْغَلَقَتْ لَهم. الثّالِثُ: المُرادُ مِن هَذا الفَتْحِ، وصْفُ تِلْكَ المَساكِنِ بِالسِّعَةِ، ومُسافَرَةُ العُيُونِ فِيها، ومُشاهِدَةُ الأحْوالِ اللَّذِيذَةِ الطَّيِّبَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهم مُتَّكِئِينَ في الجَنَّةِ، وذَكَرَ في سائِرِ الآياتِ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الِاتِّكاءِ، فَقالَ في آيَةٍ: ﴿عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٧٦] . البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حالٌ قُدِّمَتْ عَلى العامِلِ فِيها وهو قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ والمَعْنى يَدْعُونَ في الجَنّاتِ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ والمَعْنى بِألْوانِ الفاكِهَةِ وألْوانِ الشَّرابِ، والتَّقْدِيرُ بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ كَثِيرٍ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى أنَّ دِيارَ العَرَبِ حارَةٌ قَلِيلَةُ الفَواكِهِ والأشْرِبَةِ، فَرَغَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أمْرَ المَسْكَنِ وأمْرَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أمْرَ المَنكُوحِ، فَقالَ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَعْنى ”كَوْنُهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ“ عَنْ غَيْرِهِمْ مَقْصُوراتُ القَلْبِ عَلى مَحَبَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أتْرابٌ﴾ أيْ عَلى سِنٍّ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُ الجَوارِي أتْرابًا، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُنَّ أتْرابًا لِلْأزْواجِ، قالَ القَفّالُ: والسَّبَبُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الصِّفَةِ، أنَّهُنَّ لَمّا تَشابَهْنَ في الصِّفَةِ والسِّنِّ والحِلْيَةِ كانَ المَيْلُ إلَيْهِنَّ عَلى السَّوِيَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الغَيْرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُتَّقِينَ بِالثَّوابِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ دَوامِ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ .

ص 38:53

اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِكْرٌ﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما شَرَحَ ذِكْرَ أحْوالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأجْلِ أنْ يَصْبِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَحَمُّلِ سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَلَمّا تَمَّمَ بَيانَ هَذا الطَّرِيقِ وأرادَ أنْ يَذَكُرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ الجُهّالِ، وأرادَ أنْ يُمَيِّزَ أحَدَ البابَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾، ثُمَّ شَرَعَ في تَقْرِيرِ البابِ الثّانِي فَقالَ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما أنَّ المُصَنِّفَ إذا تَمَّمَ كَلامًا قالَ هَذا بابٌ، ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، وإذا فَرَغَ الكاتِبُ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ قالَ: هَذا، وقَدْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا أتَمَّ ذِكْرَ أهْلِ الجَنَّةِ وأرادَ أنْ يُرْدِفَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥] . الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ المُرادَ هَذا شَرَفٌ وذِكْرٌ جَمِيلٌ لِهَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ كَفّارِ قُرَيْشٍ سَفاهَتَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ وصَفُوهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالصَّبْرِ عَلى تِلْكَ السَّفاهَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ لازِمٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ صَبَرُوا عَلى المَكارِهِ والشَّدائِدَ، فَيَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقْتَدِيَ بِهِمْ في هَذا المَعْنى. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ كَذا وكَذا، ومَن خالَفَهُ كانَ لَهُ مِنَ العِقابِ كَذا وكَذا، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا نَظْمٌ حَسَنٌ وتَرْتِيبٌ لَطِيفٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ المَآبُ المَرْجِعُ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِقِدَمِ الأرْواحِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِكُلِّ آيَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى لَفْظِ الرُّجُوعِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ، أنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّما يَصْدُقُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأرْواحُ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأجْسادِ، وكانَتْ في حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ ثُمَّ تَعَلَّقَتْ بِالأبْدانِ، فَعِنْدَ انْفِصالِها عَنِ الأبْدانِ يُسَمّى ذَلِكَ رُجُوعًا. وجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنْ دَلَّ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ، ولا يَدُلُّ عَلى قِدَمِ الأرْواحِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٩١ المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذا اللَّفْظِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنِ الوَجْهِ، فالألِفُ واللّامُ في الوَجْهِ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ”مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ“ مِنها. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿الأبْوابُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُهُ مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ، كَقَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ اليَدَ والرِّجْلَ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأٌ و”مُفَتَّحَةٌ“ خَبَرُهُ، وكَّلاهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ مِن أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ: الأوَّلُ: أحْوالُ مَساكِنِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُها جَنّاتٍ وبَساتِينَ. والثّانِي: كَوْنُها دائِمَةً آمِنَةً مِنَ الِانْقِضاءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِالجِنانِ إذا رَأوْا صاحِبَ الجَنَّةِ فَتَحُوا لَهُ أبْوابَها وحَيَّوْهُ بِالسَّلامِ، فَيَدْخُلُ كَذَلِكَ مَحْفُوفًا بِالمَلائِكَةِ عَلى أعَزِّ حالٍ وأجْمَلِ هَيْئَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٣] . الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الأبْوابَ كُلَّما أرادُوا انْفِتاحَها انْفَتَحَتْ لَهم، وكُلَّما أرادُوا انْغِلاقَها انْغَلَقَتْ لَهم. الثّالِثُ: المُرادُ مِن هَذا الفَتْحِ، وصْفُ تِلْكَ المَساكِنِ بِالسِّعَةِ، ومُسافَرَةُ العُيُونِ فِيها، ومُشاهِدَةُ الأحْوالِ اللَّذِيذَةِ الطَّيِّبَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهم مُتَّكِئِينَ في الجَنَّةِ، وذَكَرَ في سائِرِ الآياتِ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الِاتِّكاءِ، فَقالَ في آيَةٍ: ﴿عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٧٦] . البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حالٌ قُدِّمَتْ عَلى العامِلِ فِيها وهو قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ والمَعْنى يَدْعُونَ في الجَنّاتِ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ والمَعْنى بِألْوانِ الفاكِهَةِ وألْوانِ الشَّرابِ، والتَّقْدِيرُ بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ كَثِيرٍ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى أنَّ دِيارَ العَرَبِ حارَةٌ قَلِيلَةُ الفَواكِهِ والأشْرِبَةِ، فَرَغَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أمْرَ المَسْكَنِ وأمْرَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أمْرَ المَنكُوحِ، فَقالَ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَعْنى ”كَوْنُهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ“ عَنْ غَيْرِهِمْ مَقْصُوراتُ القَلْبِ عَلى مَحَبَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أتْرابٌ﴾ أيْ عَلى سِنٍّ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُ الجَوارِي أتْرابًا، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُنَّ أتْرابًا لِلْأزْواجِ، قالَ القَفّالُ: والسَّبَبُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الصِّفَةِ، أنَّهُنَّ لَمّا تَشابَهْنَ في الصِّفَةِ والسِّنِّ والحِلْيَةِ كانَ المَيْلُ إلَيْهِنَّ عَلى السَّوِيَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الغَيْرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُتَّقِينَ بِالثَّوابِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ دَوامِ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ .

ص 38:54

اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِكْرٌ﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما شَرَحَ ذِكْرَ أحْوالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأجْلِ أنْ يَصْبِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَحَمُّلِ سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَلَمّا تَمَّمَ بَيانَ هَذا الطَّرِيقِ وأرادَ أنْ يَذَكُرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ الجُهّالِ، وأرادَ أنْ يُمَيِّزَ أحَدَ البابَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿هَذا ذِكْرٌ﴾، ثُمَّ شَرَعَ في تَقْرِيرِ البابِ الثّانِي فَقالَ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما أنَّ المُصَنِّفَ إذا تَمَّمَ كَلامًا قالَ هَذا بابٌ، ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، وإذا فَرَغَ الكاتِبُ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ قالَ: هَذا، وقَدْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا أتَمَّ ذِكْرَ أهْلِ الجَنَّةِ وأرادَ أنْ يُرْدِفَهُ بِذِكْرِ أهْلِ النّارِ قالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥] . الوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنَّ المُرادَ هَذا شَرَفٌ وذِكْرٌ جَمِيلٌ لِهَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ . فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ كَفّارِ قُرَيْشٍ سَفاهَتَهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ وصَفُوهُ بِأنَّهُ ساحِرٌ كَذّابٌ، وقالُوا لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ فَعِنْدَ هَذا أمَرَ مُحَمَّدًا بِالصَّبْرِ عَلى تِلْكَ السَّفاهَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ لازِمٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الأنْبِياءَ المُتَقَدِّمِينَ صَبَرُوا عَلى المَكارِهِ والشَّدائِدَ، فَيَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقْتَدِيَ بِهِمْ في هَذا المَعْنى. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ كَذا وكَذا، ومَن خالَفَهُ كانَ لَهُ مِنَ العِقابِ كَذا وكَذا، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الصَّبْرَ عَلى تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا نَظْمٌ حَسَنٌ وتَرْتِيبٌ لَطِيفٌ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ المَآبُ المَرْجِعُ. واحْتَجَّ القائِلُونَ بِقِدَمِ الأرْواحِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِكُلِّ آيَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى لَفْظِ الرُّجُوعِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ، أنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّما يَصْدُقُ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأرْواحُ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأجْسادِ، وكانَتْ في حَضْرَةِ جَلالِ اللَّهِ ثُمَّ تَعَلَّقَتْ بِالأبْدانِ، فَعِنْدَ انْفِصالِها عَنِ الأبْدانِ يُسَمّى ذَلِكَ رُجُوعًا. وجَوابُهُ: أنَّ هَذا إنْ دَلَّ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْواحَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الأبْدانِ، ولا يَدُلُّ عَلى قِدَمِ الأرْواحِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ١٩١ المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذا اللَّفْظِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنِ الوَجْهِ، فالألِفُ واللّامُ في الوَجْهِ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ”مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ“ مِنها. الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿الأبْوابُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُهُ مُفَتَّحَةً هي الأبْوابُ، كَقَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ اليَدَ والرِّجْلَ، وهو مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ مُبْتَدَأٌ و”مُفَتَّحَةٌ“ خَبَرُهُ، وكَّلاهُما خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ مِن أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ أشْياءَ: الأوَّلُ: أحْوالُ مَساكِنِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُها جَنّاتٍ وبَساتِينَ. والثّانِي: كَوْنُها دائِمَةً آمِنَةً مِنَ الِانْقِضاءِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِالجِنانِ إذا رَأوْا صاحِبَ الجَنَّةِ فَتَحُوا لَهُ أبْوابَها وحَيَّوْهُ بِالسَّلامِ، فَيَدْخُلُ كَذَلِكَ مَحْفُوفًا بِالمَلائِكَةِ عَلى أعَزِّ حالٍ وأجْمَلِ هَيْئَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٣] . الثّانِي: أنَّ تِلْكَ الأبْوابَ كُلَّما أرادُوا انْفِتاحَها انْفَتَحَتْ لَهم، وكُلَّما أرادُوا انْغِلاقَها انْغَلَقَتْ لَهم. الثّالِثُ: المُرادُ مِن هَذا الفَتْحِ، وصْفُ تِلْكَ المَساكِنِ بِالسِّعَةِ، ومُسافَرَةُ العُيُونِ فِيها، ومُشاهِدَةُ الأحْوالِ اللَّذِيذَةِ الطَّيِّبَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهم مُتَّكِئِينَ في الجَنَّةِ، وذَكَرَ في سائِرِ الآياتِ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الِاتِّكاءِ، فَقالَ في آيَةٍ: ﴿عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٧٦] . البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ حالٌ قُدِّمَتْ عَلى العامِلِ فِيها وهو قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ والمَعْنى يَدْعُونَ في الجَنّاتِ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ والمَعْنى بِألْوانِ الفاكِهَةِ وألْوانِ الشَّرابِ، والتَّقْدِيرُ بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ كَثِيرٍ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذا المَعْنى أنَّ دِيارَ العَرَبِ حارَةٌ قَلِيلَةُ الفَواكِهِ والأشْرِبَةِ، فَرَغَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أمْرَ المَسْكَنِ وأمْرَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أمْرَ المَنكُوحِ، فَقالَ: ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ، وبِالجُمْلَةِ فالمَعْنى ”كَوْنُهُنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ“ عَنْ غَيْرِهِمْ مَقْصُوراتُ القَلْبِ عَلى مَحَبَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أتْرابٌ﴾ أيْ عَلى سِنٍّ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ كَوْنُ الجَوارِي أتْرابًا، ويُحْتَمَلُ كَوْنُهُنَّ أتْرابًا لِلْأزْواجِ، قالَ القَفّالُ: والسَّبَبُ في اعْتِبارِ هَذِهِ الصِّفَةِ، أنَّهُنَّ لَمّا تَشابَهْنَ في الصِّفَةِ والسِّنِّ والحِلْيَةِ كانَ المَيْلُ إلَيْهِنَّ عَلى السَّوِيَّةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الغَيْرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ المُتَّقِينَ بِالثَّوابِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ دَوامِ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ .

ص 38:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.

ص 38:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ ثَوابَ المُتَّقِينَ، وصَفَ بَعْدَهُ عِقابَ الطّاغِينَ، لِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا عَقِيبَ الوَعْدِ، والتَّرْهِيبُ عَقِيبَ التَّرْغِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن أحْوالِ النّارِ أنْواعًا: فالأوَّلُ: مَرْجِعُهم ومَآبُهم، فَقالَ: ﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَ الطّاغِينَ مُضادٌّ لِحالِ المُتَّقِينَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالطّاغِينَ، فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلى الكُفّارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أصْحابِ الكَبائِرِ سَواءٌ كانُوا كَفّارًا أوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَآبُهم شَرًّا مِن مَآبِ غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، لِأنَّ الفاسِقَ لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنَ سِخْرِيًّا. الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ، والِاسْمُ المُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلى الكامِلِ، والكامِلُ في الطُّغْيانِ هو الكافِرُ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَصْفَ بِالطُّغْيانِ قَدْ يَحْصُلُ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَن تَجاوَزَ عَنْ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَعَدّاها فَقَدْ طَغى. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعْنى أنَّ الَّذِينَ طَغَوْا وكَذَّبُوا رُسُلِي لَهم شَرُّ مَآبٍ، أيْ شَرُّ مَرْجِعٍ ومَصِيرٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِأنَّ الطّاغِينَ لَهم شَرُّ مَآبٍ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعْرافِ: ٤١] شَبَّهَ اللَّهُ ما تَحْتَهم مِنَ النّارِ بِالمِهادِ الَّذِي يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: حَمِيمٌ وغَسّاقٌ. صفحة ١٩٣ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَساقُ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي يُغْسَقُ مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هو القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِنهم يَجْتَمِعُ فَيُسْقَوْنَهُ. الثّانِي: قِيلَ الحَمِيمُ يَحْرِقُ بِحَرِّهِ، والغَسّاقُ يَحْرِقُ بِبَرْدِهِ، وذَكَرَ الأزْهَرِيُّ: أنَّ الغاسِقَ البارِدُ، ولِهَذا قِيلَ لِلَّيْلِ غاسِقٌ لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ. الثّالِثُ: أنَّ الغَسّاقَ المُنْتِنُ، حَكى الزَّجّاجُ لَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَغْرِبِ لَأنْتَنَتْ أهْلَ المَشْرِقِ. الرّابِعُ: قالَ كَعْبٌ: الغَسّاقُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ إلَيْها سُمُّ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ مِن عَقْرَبٍ وحَيَّةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ ”غَسّاقٌ“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ حَيْثُ كانَ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الِاخْتِيارُ التَّخْفِيفُ لِأنَّهُ إذا شَدَّدَ لَمْ يَخْلُ مِن أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ صِفَةً، فَإنْ كانَ اسْمًا فالأسْماءُ لَمْ تَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا قَلِيلًا، وإنْ كانَ صِفَةً فَقَدْ أُقِيمَ مَقامَ المَوْصُوفِ والأصْلُ أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عُمَرَ ”وأُخَرُ“ بِضَمِّ الألْفِ عَلى جَمْعِ أُخْرى أيْ أصْنافٌ أُخَرُ مِنَ العَذابِ، وهو قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والباقُونَ ”آخَرُ“ عَلى الواحِدِ أيْ عَذابٌ آخَرُ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقَوْلُهُ وأُخَرُ أيْ ومَذُوقاتٍ أُخَرُ مِن شَكْلِ هَذا المَذُوقِ، أيْ مِن مِثْلِهِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، أزْواجٌ أيْ أجْناسٌ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالتَّقْدِيرُ وعَذابٌ أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وأزْواجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرُوبًا أوْ صِفَةً لِلثَّلاثَةِ وهم حَمِيمٌ وغَسّاقٌ وآخَرُ مِن شَكْلِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”مِن شِكْلِهِ“ بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ، وأمّا الغَنْجُ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ مَسْكَنَ الطّاغِينَ ومَأْكُولَهم حَكى أحْوالَهُمُ الَّذِينَ كانُوا أحِبّاءً لَهم في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا ثانِيًا. أمّا الأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ كَلامِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ، يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِدَلِيلِ أنَّ ما حُكِيَ بَعْدَ هَذا مِن أقْوالِ الأتْباعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ كَلامُ الخَزَنَةِ لِرُؤَساءِ الكَفَرَةِ في أتْباعِهِمْ، وقَوْلَهُ: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُوا النّارِ﴾ كَلامُ الرُّؤَساءِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أيْ هَذا جَمْعٌ كَثِيفٌ قَدِ اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ كَما كانُوا قَدِ اقْتَحَمُوا مَعَكم في الجَهْلِ والضَّلالِ، ومَعْنى اقْتَحَمَ مَعَكُمُ النّارَ أيْ دَخَلَ النّارَ في صُحْبَتِكم، والِاقْتِحامُ رُكُوبُ الشِّدَّةِ والدُّخُولُ فِيها، والقَحْمَةُ الشِّدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دُعاءٌ مِنهم عَلى أتْباعِهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَدْعُو لَهُ: مَرْحَبًا، أيْ أتَيْتَ رَحْبًا في البِلادِ لا ضَيْفًا، أوْ رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كَلِمَةُ لا في دُعاءِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم صالُو النّارِ تَعْلِيلٌ لِاسْتِيجابِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] ”قالُوا“ أيِ الأتْباعُ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يُرِيدُونَ أنَّ الدُّعاءَ الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا أيُّها الرُّؤَساءُ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ، وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ أوْ لِصِلِيِّهِمْ، فَإنْ قِيلَ ما صفحة ١٩٤ مَعْنى تَقْدِيمِهِمُ العَذابَ لَهم ؟ قُلْنا الَّذِي أوْجَبَ التَّقْدِيمَ هو عَمَلُ السُّوءِ. قالَ تَعالى: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠، ٥١] إلّا أنَّ الرُّؤَساءَ لَمّا كانُوا هُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ وكانَ العَذابُ جَزاءُهم عَلَيْهِ قِيلَ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا، فَجَعَلَ الرُّؤَساءَ هُمُ المُقَدَّمِينَ وجَعَلَ الجَزاءَ هو المُقَدَّمُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المُسْتَقَرُّ والمَسْكَنُ جَهَنَّمُ، ثُمَّ قالَتِ الأتْباعُ ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضَعْفٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ [الأعْرافِ: ٣٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ [الأحْزابِ: ٦٧، ٦٨] فَإنْ قِيلَ كُلُّ مِقْدارٍ يُفْرَضُ مِنَ العَذابِ فَإنْ كانَ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ لَمْ يَكُنْ مُضاعَفًا، وإنْ كانَ زائِدًا عَلَيْهِ كانَ ظالِمًا وإنَّهُ لا يَجُوزُ. قُلْنا المُرادُ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ومَن سَنَّ سَنَةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» والمَعْنى أنَّهُ يَكُونُ أحَدُ القِسْمَيْنِ عَذابَ الضَّلالِ، والثّانِي عَذابَ الإضْلالِ واللَّهُ أعْلَمُ. وهَهُنا آخِرُ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أحْبابًا لَهم في الدُّنْيا، وأمّا شَرْحُ أحْوالِهِمْ مَعَ الَّذِينَ كانُوا أعْداءً لَهم في الدُّنْيا فَهو قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ إذا نَظَرُوا إلى جَوانِبِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَؤُبَهُ بِهِمْ، وسَمَّوْهم مِنَ الأشْرارِ، إمّا بِمَعْنى الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا جَدْوى، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى خِلافِ دِينِهِمْ فَكانُوا عِنْدَهم أشْرارًا. ثُمَّ قالُوا: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِنَ الأشْرارِ اتَّخَذْناهم ) بِوَصْلِ ألْفِ (اتَّخَذْناهم) والباقُونَ بِفَتْحِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ وبِالوَصْلِ يُقْرَأُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا﴾، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَشُكُّونَ في اتِّخاذِهِمُ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا سِخْرِيًّا، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَسْتَفْهِمُوا عَنْ شَيْءٍ عَلِمُوهُ ؟ أجابَ الفَرّاءُ عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا مِنَ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّوْبِيخُ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِفْهامِ جائِزٌ عَنِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ، أمّا وجْهُ قَوْلِ مَن ألْحَقَ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ لِيُعادِلَ قَوْلَهُ: ﴿أأتَّخَذْناهُمْ﴾ بِأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ﴾ فَإنْ قِيلَ فَما الجُمْلَةُ المُعادِلَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ زاغَتْ﴾ عَلى القِراءَةِ الأُولى ؟ قُلْنا إنَّها مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى المَقْصُودُونَ هم أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها، وقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ بِالكَسْرِ هو الهُزْءُ وبِالضَّمِّ هو التَّذْلِيلُ والتَّسْخِيرُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في نَظْمِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ بِناءً عَلى القِراءَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، أمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ فالتَّقْدِيرُ ما لَنا لا نَراهم حاضِرِينَ لِأجْلِ أنَّهم لِحَقارَتِهِمْ تَرَكُوا، أوْ لِأجْلِ أنَّهم زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ. ووَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقارَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وأمّا القِراءَةُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، فالتَّقْدِيرُ لِأجْلِ أنّا قَدِ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا وما كانُوا كَذَلِكَ فَلَمْ يَدْخُلُوا النّارَ، أمْ لِأجْلِ أنَّهُ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذِهِ المُناظَرَةَ قالَ: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْهم لَحَقٌّ لا بُدَّ وأنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْهم ما هو، فَقالَ: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ وإنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الكَلِماتِ تُخاصُمًا لِأنَّ قَوْلَ صفحة ١٩٥ الرُّؤَساءِ ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقَوْلَ الأتْباعِ ﴿بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ.