Lafzullah

Tafsir Al-Razi — غافر 40:68 – فصلت 41:21

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. غافر 40:68
  2. غافر 40:69
  3. غافر 40:70
  4. غافر 40:71
  5. غافر 40:72
  6. غافر 40:73
  7. غافر 40:74
  8. غافر 40:75
  9. غافر 40:76
  10. غافر 40:77
  11. غافر 40:78
  12. غافر 40:79
  13. غافر 40:80
  14. غافر 40:81
  15. غافر 40:82
  16. غافر 40:83
  17. غافر 40:84
  18. غافر 40:85
  19. فصلت 41:1
  20. فصلت 41:2
  21. فصلت 41:3
  22. فصلت 41:4
  23. فصلت 41:5
  24. فصلت 41:6
  25. فصلت 41:7
  26. فصلت 41:8
  27. فصلت 41:9
  28. فصلت 41:10
  29. فصلت 41:11
  30. فصلت 41:12
  31. فصلت 41:13
  32. فصلت 41:14
  33. فصلت 41:15
  34. فصلت 41:16
  35. فصلت 41:17
  36. فصلت 41:18
  37. فصلت 41:19
  38. فصلت 41:20
  39. فصلت 41:21

غافر 40:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْتِقالَ الإنْسانِ مِن كَوْنِهِ تُرابًا إلى كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ إلى كَوْنِهِ عَلَقَةً ثُمَّ إلى كَوْنِهِ طِفْلًا ثُمَّ إلى بُلُوغِ الأشُدِّ ثُمَّ إلى الشَّيْخُوخَةِ واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ التَّغَيُّراتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَعْنِي كَما أنَّ الِانْتِقالَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها يَدُلُّ عَلى الإلَهِ القادِرِ، فَكَذَلِكَ الِانْتِقالُ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ وبِالعَكْسِ يَدُلُّ عَلى الإلَهِ القادِرِ، وقَوْلُهُ ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ لَمّا نَقَلَ هَذِهِ الأجْسامَ مِن بَعْضِ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى صِفَةٍ أُخْرى لَمْ يَتْعَبْ في ذَلِكَ التَّصَرُّفِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى آلَةٍ وأداةٍ، فَعَبَّرَ عَنْ نَفاذِ قُدْرَتِهِ في الكائِناتِ والمُحْدَثاتِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ ولا مُدافِعٍ بِما إذا قالَ: (كُنْ فَيَكُونُ) . الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الإحْياءِ والإماتَةِ بِقَوْلِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الِانْتِقالُ مِن كَوْنِهِ تُرابًا إلى كَوْنِهِ نُطْفَةً، ثُمَّ إلى كَوْنِهِ عَلَقَةً، انْتِقالاتٌ تَحْصُلُ عَلى التَّدَرُّجِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأمّا صَيْرُورَةُ الحَياةِ فَهي إنَّما تَحْصُلُ لِتَعْلِيقِ جَوْهَرِ الرُّوحِ النُّطْقِيَّةِ بِهِ، وذَلِكَ يَحْدُثُ دَفْعَةً واحِدَةً، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ . الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ تَكَوُّنَ الإنْسانِ إنَّما يَنْعَقِدُ مِنَ المَنِيِّ والدَّمِ في الرَّحِمِ في مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وبِحَسَبِ انْتِقالاتِهِ مِن حالاتٍ إلى حالاتٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ إنْسانٍ عَنْ إنْسانٍ آخَرَ؛ لِأنَّ التَّسَلْسُلَ مُحالٌ، ووُقُوعُ الحادِثِ في الأزَلِ مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِإنْسانٍ هو أوَّلُ النّاسِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُدُوثُ ذَلِكَ الإنْسانِ لا بِواسِطَةِ المَنِيِّ والدَّمِ، بَلْ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

غافر 40:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ صفحة ٧٧ والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

غافر 40:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ صفحة ٧٧ والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

غافر 40:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ صفحة ٧٧ والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

غافر 40:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ صفحة ٧٧ والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

غافر 40:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ صفحة ٧٧ والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

غافر 40:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ صفحة ٧٧ والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

غافر 40:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ صفحة ٧٧ والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

غافر 40:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ صفحة ٧٧ والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

غافر 40:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ في تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ، أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ رَسُولَهُ بِأنْ يَصْبِرَ عَلى إيذائِهِمْ وإيحاشِهِمْ بِتِلْكَ المُجادَلاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وعَنى بِهِ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولَ مِن نُصْرَتِهِ، ومِن إنْزالِ العَذابِ عَلى أعْدائِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يَعْنِي أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن أنْواعِ العَذابِ، مِثْلَ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ هو المَطْلُوبُ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَنْتَقِمُ مِنهم أشَدَّ الِانْتِقامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: أنْتَ كالرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، وقَدْ ذَكَرْنا حالَ بَعْضِهِمْ لَكَ، ولَمْ نَذْكُرْ حالَ الباقِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ أعْطاهُ اللَّهُ آياتٍ ومُعْجِزاتٍ إلّا وقَدْ جادَلَهُ قَوْمُهُ فِيها وكَذَّبُوهُ فِيها، وجَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَمِّ ما يُقارِبُ ما جَرى عَلَيْكَ فَصَبَرُوا، وكانُوا أبَدًا يَقْتَرِحُونَ عَلى الأنْبِياءِ إظْهارَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّعَنُّتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في إظْهارِ ما أظْهَرَهُ، وإلّا لَمْ يُظْهِرْهُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، فَكَذَلِكَ الحالُ في اقْتِراحِ قَوْمِكَ عَلَيْكَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إظْهارُها صَلاحًا، لا جَرَمَ ما أظْهَرْناها، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ وهَذا وعِيدٌ ورَدَ عَقِيبَ اقْتِراحِ الآياتِ ”وأمْرُ اللَّهِ“ القِيامَةُ ”والمُبْطِلُونَ“ هُمُ المُعانِدُونَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، ويَقْتَرِحُونَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ.

غافر 40:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ في تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ، أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ رَسُولَهُ بِأنْ يَصْبِرَ عَلى إيذائِهِمْ وإيحاشِهِمْ بِتِلْكَ المُجادَلاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وعَنى بِهِ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولَ مِن نُصْرَتِهِ، ومِن إنْزالِ العَذابِ عَلى أعْدائِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يَعْنِي أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن أنْواعِ العَذابِ، مِثْلَ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ هو المَطْلُوبُ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَنْتَقِمُ مِنهم أشَدَّ الِانْتِقامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: أنْتَ كالرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، وقَدْ ذَكَرْنا حالَ بَعْضِهِمْ لَكَ، ولَمْ نَذْكُرْ حالَ الباقِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ أعْطاهُ اللَّهُ آياتٍ ومُعْجِزاتٍ إلّا وقَدْ جادَلَهُ قَوْمُهُ فِيها وكَذَّبُوهُ فِيها، وجَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَمِّ ما يُقارِبُ ما جَرى عَلَيْكَ فَصَبَرُوا، وكانُوا أبَدًا يَقْتَرِحُونَ عَلى الأنْبِياءِ إظْهارَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّعَنُّتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في إظْهارِ ما أظْهَرَهُ، وإلّا لَمْ يُظْهِرْهُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، فَكَذَلِكَ الحالُ في اقْتِراحِ قَوْمِكَ عَلَيْكَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إظْهارُها صَلاحًا، لا جَرَمَ ما أظْهَرْناها، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ وهَذا وعِيدٌ ورَدَ عَقِيبَ اقْتِراحِ الآياتِ ”وأمْرُ اللَّهِ“ القِيامَةُ ”والمُبْطِلُونَ“ هُمُ المُعانِدُونَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، ويَقْتَرِحُونَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ.

غافر 40:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ صفحة ٧٨ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في تَقْرِيرِ الوَعِيدِ عادَ إلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإلى ذِكْرِ ما يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ إنْعامًا عَلى العِبادِ، قالَ الزَّجّاجُ: الأنْعامُ الإبِلُ خاصَّةً، وقالَ القاضِي: هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا أدْخَلَ لامَ الغَرَضِ عَلى قَوْلِهِ (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا) ولَمْ يَدْخُلْ عَلى البَواقِي فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الرُّكُوبُ في الحَجِّ والغَزْوِ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ مَندُوبًا، فَهَذانِ القِسْمانِ أغْراضٌ دِينِيَّةٌ، فَلا جَرَمَ أدْخَلَ عَلَيْهِما حَرْفَ التَّعْلِيلِ، وأمّا الأكْلُ وإصابَةُ المَنافِعِ فَمِن جِنْسِ المُباحاتِ، فَلا جَرَمَ ما أدْخَلَ عَلَيْهِ حَرْفَ التَّعْلِيلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فَأدْخَلَ التَّعْلِيلَ عَلى الرُّكُوبِ ولَمْ يُدْخِلْهُ عَلى الزِّينَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ تُحْمَلُونَ في البَرِّ والبَحْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وفي الفُلْكِ كَما قالَ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ، فالشَّيْءُ الَّذِي يُوضَعُ في الفُلْكِ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: وُضِعَ فِيهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ وُضِعَ عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الوَجْهانِ كانَتْ لَفْظُهُ أوْلى حَتّى يَتِمَّ المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ قالَ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي عَدَدْناها كُلَّها ظاهِرَةٌ باهِرَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها ما يُمْكِنُ إنْكارُهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ (فَأيَّ آياتِ اللَّهِ) جاءَ عَلى اللُّغَةِ المُسْتَفِيضَةِ، وقَوْلُكُ: فَأيَّةُ آياتِ اللَّهِ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرُ الصِّفاتِ نَحْوَ: حِمارٌ وحِمارَةٌ، غَرِيبٌ، وهي في أيِّ أغْرَبُ لِإبْهامِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ صفحة ٧٨ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في تَقْرِيرِ الوَعِيدِ عادَ إلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإلى ذِكْرِ ما يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ إنْعامًا عَلى العِبادِ، قالَ الزَّجّاجُ: الأنْعامُ الإبِلُ خاصَّةً، وقالَ القاضِي: هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا أدْخَلَ لامَ الغَرَضِ عَلى قَوْلِهِ (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا) ولَمْ يَدْخُلْ عَلى البَواقِي فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الرُّكُوبُ في الحَجِّ والغَزْوِ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ مَندُوبًا، فَهَذانِ القِسْمانِ أغْراضٌ دِينِيَّةٌ، فَلا جَرَمَ أدْخَلَ عَلَيْهِما حَرْفَ التَّعْلِيلِ، وأمّا الأكْلُ وإصابَةُ المَنافِعِ فَمِن جِنْسِ المُباحاتِ، فَلا جَرَمَ ما أدْخَلَ عَلَيْهِ حَرْفَ التَّعْلِيلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فَأدْخَلَ التَّعْلِيلَ عَلى الرُّكُوبِ ولَمْ يُدْخِلْهُ عَلى الزِّينَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ تُحْمَلُونَ في البَرِّ والبَحْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وفي الفُلْكِ كَما قالَ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ، فالشَّيْءُ الَّذِي يُوضَعُ في الفُلْكِ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: وُضِعَ فِيهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ وُضِعَ عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الوَجْهانِ كانَتْ لَفْظُهُ أوْلى حَتّى يَتِمَّ المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ قالَ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي عَدَدْناها كُلَّها ظاهِرَةٌ باهِرَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها ما يُمْكِنُ إنْكارُهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ (فَأيَّ آياتِ اللَّهِ) جاءَ عَلى اللُّغَةِ المُسْتَفِيضَةِ، وقَوْلُكُ: فَأيَّةُ آياتِ اللَّهِ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرُ الصِّفاتِ نَحْوَ: حِمارٌ وحِمارَةٌ، غَرِيبٌ، وهي في أيِّ أغْرَبُ لِإبْهامِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ صفحة ٧٨ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في تَقْرِيرِ الوَعِيدِ عادَ إلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإلى ذِكْرِ ما يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ إنْعامًا عَلى العِبادِ، قالَ الزَّجّاجُ: الأنْعامُ الإبِلُ خاصَّةً، وقالَ القاضِي: هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا أدْخَلَ لامَ الغَرَضِ عَلى قَوْلِهِ (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا) ولَمْ يَدْخُلْ عَلى البَواقِي فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الرُّكُوبُ في الحَجِّ والغَزْوِ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ مَندُوبًا، فَهَذانِ القِسْمانِ أغْراضٌ دِينِيَّةٌ، فَلا جَرَمَ أدْخَلَ عَلَيْهِما حَرْفَ التَّعْلِيلِ، وأمّا الأكْلُ وإصابَةُ المَنافِعِ فَمِن جِنْسِ المُباحاتِ، فَلا جَرَمَ ما أدْخَلَ عَلَيْهِ حَرْفَ التَّعْلِيلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فَأدْخَلَ التَّعْلِيلَ عَلى الرُّكُوبِ ولَمْ يُدْخِلْهُ عَلى الزِّينَةِ. السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ تُحْمَلُونَ في البَرِّ والبَحْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وفي الفُلْكِ كَما قالَ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ، فالشَّيْءُ الَّذِي يُوضَعُ في الفُلْكِ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: وُضِعَ فِيهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ وُضِعَ عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الوَجْهانِ كانَتْ لَفْظُهُ أوْلى حَتّى يَتِمَّ المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ قالَ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي عَدَدْناها كُلَّها ظاهِرَةٌ باهِرَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها ما يُمْكِنُ إنْكارُهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ (فَأيَّ آياتِ اللَّهِ) جاءَ عَلى اللُّغَةِ المُسْتَفِيضَةِ، وقَوْلُكُ: فَأيَّةُ آياتِ اللَّهِ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرُ الصِّفاتِ نَحْوَ: حِمارٌ وحِمارَةٌ، غَرِيبٌ، وهي في أيِّ أغْرَبُ لِإبْهامِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

غافر 40:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ صفحة ٧٩ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى راعى تَرْتِيبًا لَطِيفًا في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ فَصْلًا في دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِفَضْلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وهَذا الفَصْلُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ خَتْمُ هَذِهِ السُّورَةِ هو الفَصْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الوَعِيدِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ وحَصَلَ الكِبْرُ العَظِيمُ في صُدُورِهِمْ بِهَذا، والسَّبَبُ في ذَلِكَ كُلِّهِ طَلَبُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ عَلى الغَيْرِ في المالِ والجاهِ. فَمَن تَرَكَ الِانْقِيادَ لِلْحَقِّ لِأجْلِ طَلَبِ هَذِهِ الأشْياءِ فَقَدْ باعَ الآخِرَةَ بِالدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ ذاهِبَةٌ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لَوْ سارُوا في أطْرافِ الأرْضِ لَعَرَفُوا أنَّ عاقِبَةَ المُتَكَبِّرِينَ المُتَمَرِّدِينَ، لَيْسَتْ إلّا الهَلاكَ والبَوارَ، مَعَ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا ومالًا وجاهًا مِن هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِن تِلْكَ المُكْنَةِ العَظِيمَةِ والدَّوْلَةِ القاهِرَةِ إلّا الخَيْبَةَ والخَسارَ، والحَسْرَةَ والبَوارَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ المَساكِينِ. أمّا بَيانُ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِن هَؤُلاءِ عَدَدًا فَإنَّما يُعْرَفُ في الأخْبارِ، وأمّا أنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ؛ فَلِأنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ آثارُهم بِحُصُونٍ عَظِيمَةٍ بَعْدَهم، مِثْلُ الأهْرامِ المَوْجُودَةِ بِمِصْرَ، ومِثْلُ هَذِهِ البِلادِ العَظِيمَةِ الَّتِي بَناها المُلُوكُ المُتَقَدِّمُونَ، ومِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما في قَوْلِهِ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ نافِيَةٌ أوْ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ ومَحَلُّها النَّصْبُ، وما في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ومَحَلُّها الرَّفْعُ يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم مَكْسُوبُهم أوْ كَسْبُهم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (فَرِحُوا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الرُّسُلِ، أمّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَذَلِكَ العِلْمُ الَّذِي فَرِحُوا بِهِ أيُّ عِلْمٍ كانَ ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ الأشْياءَ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَها بِالعِلْمِ، وهي الشُّبُهاتُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْهم في القُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلِهِمْ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] وكانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَدْفَعُونَ بِهِ عُلُومَ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عُلُومَ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ إلى عُلُومِهِمْ، وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمَجِيءِ بَعْضِ الأنْبِياءِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتَ، فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مَهْدِيُّونَ فَلا حاجَةَ بِنا إلى مَن يَهْدِينا. الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عِلْمَهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتَهم بِتَدْبِيرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]، فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعُلُومِ الدِّياناتِ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةُ العِمادِ وتَطْهِيرُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها واسْتَهْزَئُوا بِها، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعُ وأجْلَبُ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ، فَفَرِحُوا بِهِ. أمّا إذا قُلْنا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأنْبِياءِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يُجْعَلَ الفَرَحُ لِلرُّسُلِ، ومَعْناهُ أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا مِن قَوْمِهِمْ جَهْلًا كامِلًا، وإعْراضًا عَنِ الحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ وإعْراضِهِمْ، فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءُ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ صفحة ٨٠ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، كَأنَّهُ قالَ: اسْتَهْزَئُوا بِالبَيِّناتِ، وبِما جاءُوا بِهِ مِن عِلْمِ الوَحْيِ فَرِحِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ البَأْسُ شِدَّةُ العَذابِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] فَإنْ قِيلَ أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهُمْ﴾ وبَيْنَ ما لَوْ قِيلَ فَلَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم ؟ قُلْنا هو مِثْلُ كانَ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] والمَعْنى فَلَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم، فَإنْ قِيلَ: اذْكُرُوا ضابِطًا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الإتْيانُ بِالإيمانِ فِيهِ، قُلْنا إنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يُعايِنُ فِيهِ نُزُولَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ والعَذابِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَصِيرُ المَرْءُ مُلْجَأً إلى الإيمانِ، فَذَلِكَ الإيمانُ لا يَنْفَعُ إنَّما يَنْفَعُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، حَتّى يَكُونَ المَرْءُ مُخْتارًا، أمّا إذا عايَنُوا عَلاماتِ الآخِرَةِ فَلا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ والمَعْنى أنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ حالَ اليَأْسِ سُنَّةُ اللَّهِ مُطَّرِدَةٌ في كُلِّ الأُمَمِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ مُسْتَعارٌ لِلزَّمانِ أيْ: وخَسِرُوا وقْتَ رُؤْيَةِ البَأْسِ، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ السَّبْتِ الثّانِي مِن ذِي الحِجَّةِ مِن سَنَةِ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ في بَلْدَةِ هَراةَ. يا مَن لا يَبْلُغُ أدْنى ما اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِن جَلالِكَ وعِزَّتِكَ أقْصى نُعُوتِ النّاعِتِينَ، يا مَن تَقاصَرَتْ عَنِ الإحاطَةِ بِمَبادِئِ أسْرارِ كِبْرِيائِهِ أفْهامُ المُتَفَكِّرِينَ، وأنْظارُ المُتَأمِّلِينَ، لا تَجْعَلْنا بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ في زُمْرَةِ الخاسِرِينَ المُبْطِلِينَ، ولا تَجْعَلْنا يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَحْرُومِينَ، فَإنَّكَ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلَواتُ اللَّهِ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

غافر 40:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ صفحة ٧٩ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى راعى تَرْتِيبًا لَطِيفًا في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ فَصْلًا في دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِفَضْلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وهَذا الفَصْلُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ خَتْمُ هَذِهِ السُّورَةِ هو الفَصْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الوَعِيدِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ وحَصَلَ الكِبْرُ العَظِيمُ في صُدُورِهِمْ بِهَذا، والسَّبَبُ في ذَلِكَ كُلِّهِ طَلَبُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ عَلى الغَيْرِ في المالِ والجاهِ. فَمَن تَرَكَ الِانْقِيادَ لِلْحَقِّ لِأجْلِ طَلَبِ هَذِهِ الأشْياءِ فَقَدْ باعَ الآخِرَةَ بِالدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ ذاهِبَةٌ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لَوْ سارُوا في أطْرافِ الأرْضِ لَعَرَفُوا أنَّ عاقِبَةَ المُتَكَبِّرِينَ المُتَمَرِّدِينَ، لَيْسَتْ إلّا الهَلاكَ والبَوارَ، مَعَ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا ومالًا وجاهًا مِن هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِن تِلْكَ المُكْنَةِ العَظِيمَةِ والدَّوْلَةِ القاهِرَةِ إلّا الخَيْبَةَ والخَسارَ، والحَسْرَةَ والبَوارَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ المَساكِينِ. أمّا بَيانُ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِن هَؤُلاءِ عَدَدًا فَإنَّما يُعْرَفُ في الأخْبارِ، وأمّا أنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ؛ فَلِأنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ آثارُهم بِحُصُونٍ عَظِيمَةٍ بَعْدَهم، مِثْلُ الأهْرامِ المَوْجُودَةِ بِمِصْرَ، ومِثْلُ هَذِهِ البِلادِ العَظِيمَةِ الَّتِي بَناها المُلُوكُ المُتَقَدِّمُونَ، ومِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما في قَوْلِهِ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ نافِيَةٌ أوْ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ ومَحَلُّها النَّصْبُ، وما في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ومَحَلُّها الرَّفْعُ يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم مَكْسُوبُهم أوْ كَسْبُهم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (فَرِحُوا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الرُّسُلِ، أمّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَذَلِكَ العِلْمُ الَّذِي فَرِحُوا بِهِ أيُّ عِلْمٍ كانَ ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ الأشْياءَ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَها بِالعِلْمِ، وهي الشُّبُهاتُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْهم في القُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلِهِمْ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] وكانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَدْفَعُونَ بِهِ عُلُومَ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عُلُومَ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ إلى عُلُومِهِمْ، وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمَجِيءِ بَعْضِ الأنْبِياءِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتَ، فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مَهْدِيُّونَ فَلا حاجَةَ بِنا إلى مَن يَهْدِينا. الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عِلْمَهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتَهم بِتَدْبِيرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]، فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعُلُومِ الدِّياناتِ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةُ العِمادِ وتَطْهِيرُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها واسْتَهْزَئُوا بِها، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعُ وأجْلَبُ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ، فَفَرِحُوا بِهِ. أمّا إذا قُلْنا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأنْبِياءِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يُجْعَلَ الفَرَحُ لِلرُّسُلِ، ومَعْناهُ أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا مِن قَوْمِهِمْ جَهْلًا كامِلًا، وإعْراضًا عَنِ الحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ وإعْراضِهِمْ، فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءُ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ صفحة ٨٠ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، كَأنَّهُ قالَ: اسْتَهْزَئُوا بِالبَيِّناتِ، وبِما جاءُوا بِهِ مِن عِلْمِ الوَحْيِ فَرِحِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ البَأْسُ شِدَّةُ العَذابِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] فَإنْ قِيلَ أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهُمْ﴾ وبَيْنَ ما لَوْ قِيلَ فَلَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم ؟ قُلْنا هو مِثْلُ كانَ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] والمَعْنى فَلَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم، فَإنْ قِيلَ: اذْكُرُوا ضابِطًا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الإتْيانُ بِالإيمانِ فِيهِ، قُلْنا إنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يُعايِنُ فِيهِ نُزُولَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ والعَذابِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَصِيرُ المَرْءُ مُلْجَأً إلى الإيمانِ، فَذَلِكَ الإيمانُ لا يَنْفَعُ إنَّما يَنْفَعُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، حَتّى يَكُونَ المَرْءُ مُخْتارًا، أمّا إذا عايَنُوا عَلاماتِ الآخِرَةِ فَلا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ والمَعْنى أنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ حالَ اليَأْسِ سُنَّةُ اللَّهِ مُطَّرِدَةٌ في كُلِّ الأُمَمِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ مُسْتَعارٌ لِلزَّمانِ أيْ: وخَسِرُوا وقْتَ رُؤْيَةِ البَأْسِ، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ السَّبْتِ الثّانِي مِن ذِي الحِجَّةِ مِن سَنَةِ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ في بَلْدَةِ هَراةَ. يا مَن لا يَبْلُغُ أدْنى ما اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِن جَلالِكَ وعِزَّتِكَ أقْصى نُعُوتِ النّاعِتِينَ، يا مَن تَقاصَرَتْ عَنِ الإحاطَةِ بِمَبادِئِ أسْرارِ كِبْرِيائِهِ أفْهامُ المُتَفَكِّرِينَ، وأنْظارُ المُتَأمِّلِينَ، لا تَجْعَلْنا بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ في زُمْرَةِ الخاسِرِينَ المُبْطِلِينَ، ولا تَجْعَلْنا يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَحْرُومِينَ، فَإنَّكَ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلَواتُ اللَّهِ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

غافر 40:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ صفحة ٧٩ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى راعى تَرْتِيبًا لَطِيفًا في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ فَصْلًا في دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِفَضْلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وهَذا الفَصْلُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ خَتْمُ هَذِهِ السُّورَةِ هو الفَصْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الوَعِيدِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ وحَصَلَ الكِبْرُ العَظِيمُ في صُدُورِهِمْ بِهَذا، والسَّبَبُ في ذَلِكَ كُلِّهِ طَلَبُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ عَلى الغَيْرِ في المالِ والجاهِ. فَمَن تَرَكَ الِانْقِيادَ لِلْحَقِّ لِأجْلِ طَلَبِ هَذِهِ الأشْياءِ فَقَدْ باعَ الآخِرَةَ بِالدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ ذاهِبَةٌ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لَوْ سارُوا في أطْرافِ الأرْضِ لَعَرَفُوا أنَّ عاقِبَةَ المُتَكَبِّرِينَ المُتَمَرِّدِينَ، لَيْسَتْ إلّا الهَلاكَ والبَوارَ، مَعَ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا ومالًا وجاهًا مِن هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِن تِلْكَ المُكْنَةِ العَظِيمَةِ والدَّوْلَةِ القاهِرَةِ إلّا الخَيْبَةَ والخَسارَ، والحَسْرَةَ والبَوارَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ المَساكِينِ. أمّا بَيانُ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِن هَؤُلاءِ عَدَدًا فَإنَّما يُعْرَفُ في الأخْبارِ، وأمّا أنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ؛ فَلِأنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ آثارُهم بِحُصُونٍ عَظِيمَةٍ بَعْدَهم، مِثْلُ الأهْرامِ المَوْجُودَةِ بِمِصْرَ، ومِثْلُ هَذِهِ البِلادِ العَظِيمَةِ الَّتِي بَناها المُلُوكُ المُتَقَدِّمُونَ، ومِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما في قَوْلِهِ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ نافِيَةٌ أوْ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ ومَحَلُّها النَّصْبُ، وما في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ومَحَلُّها الرَّفْعُ يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم مَكْسُوبُهم أوْ كَسْبُهم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (فَرِحُوا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الرُّسُلِ، أمّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَذَلِكَ العِلْمُ الَّذِي فَرِحُوا بِهِ أيُّ عِلْمٍ كانَ ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ الأشْياءَ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَها بِالعِلْمِ، وهي الشُّبُهاتُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْهم في القُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلِهِمْ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] وكانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَدْفَعُونَ بِهِ عُلُومَ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عُلُومَ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ إلى عُلُومِهِمْ، وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمَجِيءِ بَعْضِ الأنْبِياءِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتَ، فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مَهْدِيُّونَ فَلا حاجَةَ بِنا إلى مَن يَهْدِينا. الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عِلْمَهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتَهم بِتَدْبِيرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]، فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعُلُومِ الدِّياناتِ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةُ العِمادِ وتَطْهِيرُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها واسْتَهْزَئُوا بِها، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعُ وأجْلَبُ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ، فَفَرِحُوا بِهِ. أمّا إذا قُلْنا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأنْبِياءِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يُجْعَلَ الفَرَحُ لِلرُّسُلِ، ومَعْناهُ أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا مِن قَوْمِهِمْ جَهْلًا كامِلًا، وإعْراضًا عَنِ الحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ وإعْراضِهِمْ، فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءُ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ صفحة ٨٠ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، كَأنَّهُ قالَ: اسْتَهْزَئُوا بِالبَيِّناتِ، وبِما جاءُوا بِهِ مِن عِلْمِ الوَحْيِ فَرِحِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ البَأْسُ شِدَّةُ العَذابِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] فَإنْ قِيلَ أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهُمْ﴾ وبَيْنَ ما لَوْ قِيلَ فَلَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم ؟ قُلْنا هو مِثْلُ كانَ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] والمَعْنى فَلَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم، فَإنْ قِيلَ: اذْكُرُوا ضابِطًا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الإتْيانُ بِالإيمانِ فِيهِ، قُلْنا إنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يُعايِنُ فِيهِ نُزُولَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ والعَذابِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَصِيرُ المَرْءُ مُلْجَأً إلى الإيمانِ، فَذَلِكَ الإيمانُ لا يَنْفَعُ إنَّما يَنْفَعُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، حَتّى يَكُونَ المَرْءُ مُخْتارًا، أمّا إذا عايَنُوا عَلاماتِ الآخِرَةِ فَلا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ والمَعْنى أنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ حالَ اليَأْسِ سُنَّةُ اللَّهِ مُطَّرِدَةٌ في كُلِّ الأُمَمِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ مُسْتَعارٌ لِلزَّمانِ أيْ: وخَسِرُوا وقْتَ رُؤْيَةِ البَأْسِ، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ السَّبْتِ الثّانِي مِن ذِي الحِجَّةِ مِن سَنَةِ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ في بَلْدَةِ هَراةَ. يا مَن لا يَبْلُغُ أدْنى ما اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِن جَلالِكَ وعِزَّتِكَ أقْصى نُعُوتِ النّاعِتِينَ، يا مَن تَقاصَرَتْ عَنِ الإحاطَةِ بِمَبادِئِ أسْرارِ كِبْرِيائِهِ أفْهامُ المُتَفَكِّرِينَ، وأنْظارُ المُتَأمِّلِينَ، لا تَجْعَلْنا بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ في زُمْرَةِ الخاسِرِينَ المُبْطِلِينَ، ولا تَجْعَلْنا يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَحْرُومِينَ، فَإنَّكَ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلَواتُ اللَّهِ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

غافر 40:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ صفحة ٧٩ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى راعى تَرْتِيبًا لَطِيفًا في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ فَصْلًا في دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِفَضْلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وهَذا الفَصْلُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ خَتْمُ هَذِهِ السُّورَةِ هو الفَصْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الوَعِيدِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ وحَصَلَ الكِبْرُ العَظِيمُ في صُدُورِهِمْ بِهَذا، والسَّبَبُ في ذَلِكَ كُلِّهِ طَلَبُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ عَلى الغَيْرِ في المالِ والجاهِ. فَمَن تَرَكَ الِانْقِيادَ لِلْحَقِّ لِأجْلِ طَلَبِ هَذِهِ الأشْياءِ فَقَدْ باعَ الآخِرَةَ بِالدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ ذاهِبَةٌ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لَوْ سارُوا في أطْرافِ الأرْضِ لَعَرَفُوا أنَّ عاقِبَةَ المُتَكَبِّرِينَ المُتَمَرِّدِينَ، لَيْسَتْ إلّا الهَلاكَ والبَوارَ، مَعَ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا ومالًا وجاهًا مِن هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِن تِلْكَ المُكْنَةِ العَظِيمَةِ والدَّوْلَةِ القاهِرَةِ إلّا الخَيْبَةَ والخَسارَ، والحَسْرَةَ والبَوارَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ المَساكِينِ. أمّا بَيانُ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِن هَؤُلاءِ عَدَدًا فَإنَّما يُعْرَفُ في الأخْبارِ، وأمّا أنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ؛ فَلِأنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ آثارُهم بِحُصُونٍ عَظِيمَةٍ بَعْدَهم، مِثْلُ الأهْرامِ المَوْجُودَةِ بِمِصْرَ، ومِثْلُ هَذِهِ البِلادِ العَظِيمَةِ الَّتِي بَناها المُلُوكُ المُتَقَدِّمُونَ، ومِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما في قَوْلِهِ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ نافِيَةٌ أوْ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ ومَحَلُّها النَّصْبُ، وما في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ومَحَلُّها الرَّفْعُ يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم مَكْسُوبُهم أوْ كَسْبُهم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (فَرِحُوا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الرُّسُلِ، أمّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَذَلِكَ العِلْمُ الَّذِي فَرِحُوا بِهِ أيُّ عِلْمٍ كانَ ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ الأشْياءَ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَها بِالعِلْمِ، وهي الشُّبُهاتُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْهم في القُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلِهِمْ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] وكانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَدْفَعُونَ بِهِ عُلُومَ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عُلُومَ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ إلى عُلُومِهِمْ، وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمَجِيءِ بَعْضِ الأنْبِياءِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتَ، فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مَهْدِيُّونَ فَلا حاجَةَ بِنا إلى مَن يَهْدِينا. الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عِلْمَهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتَهم بِتَدْبِيرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]، فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعُلُومِ الدِّياناتِ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةُ العِمادِ وتَطْهِيرُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها واسْتَهْزَئُوا بِها، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعُ وأجْلَبُ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ، فَفَرِحُوا بِهِ. أمّا إذا قُلْنا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأنْبِياءِ فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنْ يُجْعَلَ الفَرَحُ لِلرُّسُلِ، ومَعْناهُ أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا مِن قَوْمِهِمْ جَهْلًا كامِلًا، وإعْراضًا عَنِ الحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ وإعْراضِهِمْ، فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءُ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ صفحة ٨٠ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، كَأنَّهُ قالَ: اسْتَهْزَئُوا بِالبَيِّناتِ، وبِما جاءُوا بِهِ مِن عِلْمِ الوَحْيِ فَرِحِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ البَأْسُ شِدَّةُ العَذابِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] فَإنْ قِيلَ أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهُمْ﴾ وبَيْنَ ما لَوْ قِيلَ فَلَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم ؟ قُلْنا هو مِثْلُ كانَ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] والمَعْنى فَلَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم، فَإنْ قِيلَ: اذْكُرُوا ضابِطًا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الإتْيانُ بِالإيمانِ فِيهِ، قُلْنا إنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يُعايِنُ فِيهِ نُزُولَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ والعَذابِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَصِيرُ المَرْءُ مُلْجَأً إلى الإيمانِ، فَذَلِكَ الإيمانُ لا يَنْفَعُ إنَّما يَنْفَعُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، حَتّى يَكُونَ المَرْءُ مُخْتارًا، أمّا إذا عايَنُوا عَلاماتِ الآخِرَةِ فَلا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ والمَعْنى أنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ حالَ اليَأْسِ سُنَّةُ اللَّهِ مُطَّرِدَةٌ في كُلِّ الأُمَمِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ مُسْتَعارٌ لِلزَّمانِ أيْ: وخَسِرُوا وقْتَ رُؤْيَةِ البَأْسِ، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ. تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ السَّبْتِ الثّانِي مِن ذِي الحِجَّةِ مِن سَنَةِ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ في بَلْدَةِ هَراةَ. يا مَن لا يَبْلُغُ أدْنى ما اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِن جَلالِكَ وعِزَّتِكَ أقْصى نُعُوتِ النّاعِتِينَ، يا مَن تَقاصَرَتْ عَنِ الإحاطَةِ بِمَبادِئِ أسْرارِ كِبْرِيائِهِ أفْهامُ المُتَفَكِّرِينَ، وأنْظارُ المُتَأمِّلِينَ، لا تَجْعَلْنا بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ في زُمْرَةِ الخاسِرِينَ المُبْطِلِينَ، ولا تَجْعَلْنا يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَحْرُومِينَ، فَإنَّكَ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلَواتُ اللَّهِ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

فصلت 41:1

صفحة ٨١ (سُورَةُ فُصِّلَتْ) خَمْسُونَ وأرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: وهو الأقْوى أنْ يُقالَ ”حم“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وهو في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ وتَنْزِيلٌ خَبَرُهُ، وثانِيها: قالَ الأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وكِتابٌ خَبَرُهُ، وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾“ ووَجْهُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَجازَ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً. صفحة ٨٢ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ ”حم“ بِأشْياءَ: أوَّلُها: كَوْنُهُ تَنْزِيلًا، والمُرادُ المُنْزَلُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا بِناءُ الأمِيرِ أيْ مَبْنِيُّهُ، وهَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ السُّلْطانِ أيْ مَضْرُوبُهُ، والمُرادُ مِن كَوْنِها مَنزِلًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ يَنْزِلَ بِها عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ويُبَلِّغَها إلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَ تَفْهِيمُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِواسِطَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ لِذَلِكَ تَنْزِيلًا وثانِيها: كَوْنُ التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَقْرُونَ بِالصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَكَوْنُهُ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْزِيلُ المُضافُ إلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دالًّا عَلى أعْظَمِ وُجُوهِ النِّعْمَةِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ كالمَرْضى والزَّمْنى والمُحْتاجِينَ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْضى مِنَ الأدْوِيَةِ وعَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الأصِحّاءُ مِنَ الأغْذِيَةِ، فَكانَ أعْظَمُ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ هَذا العالَمِ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: كَوْنُهُ كِتابًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، وإنَّما سُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ فُرِّقَتْ آياتُهُ وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والكَواكِبَ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القُلُوبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، ودَرَجاتِ أهْلِ النّارِ، وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ، وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، ورِياضَةِ النَّفْسِ، وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ، وتَوارِيخِ الماضِينَ. وبِالجُمْلَةِ فَمَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا﴾ والوَجْهُ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ أيْ أُرِيدُ بِهَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ قُرْآنًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ وسادِسُها: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: إنّا جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِأجْلِ أنّا أنْزَلْناهُ عَلى قَوْمٍ عَرَبٍ فَجَعَلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ لِيَفْهَمُوا مِنهُ المُرادَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ أوْ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِأجْلِهِمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ، لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ. وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ بِالعِقابِ، والحَقُّ أنَّ القُرْآنَ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما يُقالُ شِعْرٌ شاعِرٌ وكَلامٌ قائِلٌ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنْهُ لا يَسْمَعُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ العَشْرَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِها، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنْزَلًا والمُنْزَلُ والتَّنْزِيلُ مُشْعِرٌ بِالتَّصْيِيرِ مِن حالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا. الثّانِي: أنَّ التَّنْزِيلَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالكِتابِ إمّا الكِتابَ وهو المَصْدَرُ الَّذِي هو صفحة ٨٣ المَفْعُولُ المُطْلَقُ أوِ المَكْتُوبُ الَّذِي هو المَفْعُولُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ (فُصِّلَتْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُتَصَرِّفًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ والتَّمْيِيزِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ. الخامِسُ: أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قُرِنَ بَعْضُ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولَ فاعِلٍ ومَجْعُولَ جاعِلٍ السّادِسُ: وصْفُهُ عَرَبِيًّا، وإنَّما صَحَّتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ المَعانِي بِحَسَبِ وضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وما جُعِلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا ومَخْلُوقًا. الجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عائِدَةٌ إلى اللُّغاتِ وإلى الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وهي عِنْدَنا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ تَنْزِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى المَعانِي الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا حَمْلُها عَلى مَعانٍ أُخَرَ لا بِهَذا الطَّرِيقِ فَهَذا باطِلٌ قَطْعًا، وذَلِكَ مِثْلُ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها أهْلُ الباطِنِ، مِثْلَ أنَّهم تارَةً يَحْمِلُونَ الحُرُوفَ عَلى حِسابِ الجُمَّلِ وتارَةً يَحْمِلُونَ كُلَّ حَرْفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِلصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في البابِ ويُسَمُّونَها عِلْمَ المُكاشَفَةِ والَّذِي يُدَلِّلُ عَلى فَسادِ تِلْكَ الوُجُوهِ بِأسْرِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإنَّما سَمّاهُ عَرَبِيًّا لِكَوْنِهِ دالًّا عَلى هَذِهِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن سائِرِ اللُّغاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] و﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَإنَّهُما فارِسِيّانِ، وقَوْلِهِ (مِشْكاةٍ) [النور: ٣٥] فَإنَّها مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ وقَوْلِهِ: (قِسْطاسِ) [الإسراء: ٣٥] فَإنَّهُ مِن لُغَةِ الرُّومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَفْظُ الإيمانِ والكُفْرِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٨٤ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ. وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ: أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ. وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ. وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ جائِزٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ قَوْمٌ: القُرْآنُ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ فِيهِ ما يُعْلَمُ وفِيهِ ما لا يُعْلَمُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا﴾ يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِيَصِيرَ مَعْلُومًا والقَوْلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقْدَحُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهادِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ وأنَّ الضّالَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ لِلْقُرْآنِ تُوجِبُ قُوَّةَ الِاهْتِمامِ بِمَعْرِفَتِهِ وبِالوُقُوفِ عَلى مَعانِيهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ نازِلًا مِن عِنْدِ الإلَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِهِ عَلى أفْضَلِ المَنافِعِ وأجَلِّ المَطالِبِ، وكَوْنُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُفَصَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الكَشْفِ والبَيانِ، وكَوْنُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاحْتِياجَ إلى فَهْمٍ ما فِيهِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في مَعْرِفَةِ ما يُوَصِّلُهُ إلى الثَّوابِ أوْ إلى العِقابِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ المُوجِباتُ الثَّلاثَةُ في تَأْكِيدِ الرَّغْبَةِ في فَهْمِ القُرْآنِ وفي شِدَّةِ المَيْلِ إلى الإحاطَةِ بِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صفحة ٨٥ أنَّهُ لا مَهْدِيَّ إلّا مَن هَداهُ اللَّهُ، ولا ضالَّ إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولا يَسْمَعُونَهُ، بَيَّنَ أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذِهِ النَّفْرَةِ والمُباعَدَةِ، وذَكَرُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ أحَدُها: أنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وأكِنَّةٌ جَمْعُ كِنانٍ كَأغْطِيَةٍ جَمْعِ غِطاءٍ، والكِنانُ هو الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السِّهامُ. وثانِيها: قَوْلُهم ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وثِقَلٌ مِنِ اسْتِماعِ قَوْلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ والحِجابُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حَصَلَ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا بِزِيادَةِ لَفْظِ ”مِن“ كَأنَّ المَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، وما بَقِيَ جُزْءٌ مِنها فارِغًا عَنْ هَذا الحِجابِ فَكانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دالَّةً عَلى قُوَّةِ هَذا الحِجابِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ وسُلْطانُ البَدَنِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ هُما الآلَتانِ المُعَيَّنَتانِ لِتَحْصِيلِ المَعارِفِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ كانَ ذَلِكَ أقْصى ما يُمْكِنُ في هَذا البابِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ إذا تَأكَّدَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّيْءِ صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ في القَلْبِ فَإذا سَمِعَ مِنهُ كَلامًا لَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ كَما يَنْبَغِي، وإذا رَآهُ لَمْ تَصِرْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ أحْوالِ ذَلِكَ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ المُدْرِكُ والشّاعِرُ هو النَّفْسُ، وشَدَّةُ نَفْرَةِ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ تَمْنَعُها مِنَ التَّدَبُّرِ والوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ اسْتِعاراتٍ كامِلَةً في إفادَةِ المَعْنى المُرادِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يُقَرِّبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ صفحة ٨٦ والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ. واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ الطّاعاتِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، وأفْضَلُ أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ واحِدًا وإذا كانَ التَّوْحِيدُ أعْلى المَراتِبِ وأشْرَفَها كانَ ضِدُّهُ وهو الشِّرْكُ أخَسَّ المَراتِبِ وأرْذَلَها، ولَمّا كانَ أفْضَلُ أنْواعِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ هو إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كانَ الِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ أخَسَّ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الوَيْلَ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وهو ضِدُّ التَّوْحِيدِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وثانِيها: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكاةِ، وهو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: الأمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، أمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُ الأمْسِ في الأزَلِ فَهو بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ. وأمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ فَهو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ فَهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَلِهَذا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالوَيْلِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم مِن لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] صفحة ٨٧ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُرَيْشًا كانْتَ تُطْعِمُ الحاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِناءً عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مُشْرِكًا، والثّانِي: أنَّهُ لا يُؤْتِي الزَّكاةَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مِنَ المُشْرِكَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في زِيادَةِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إيتاءِ الزَّكاةِ كُفْرًا لَكانَ ذِكْرُهُ فِيما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ فَصِيحًا إذا كانَتِ المُناسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أجْزائِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مانِعِي الزَّكاةِ، والجَوابُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُما حاصِلانِ عِنْدَ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِن قَوْلِكَ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أيْ قَطَعَهُ، وقِيلَ: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّاهُ أجْرًا، فَإذًا الأجْرُ لا يُوجِبُ المِنَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

فصلت 41:2

صفحة ٨١ (سُورَةُ فُصِّلَتْ) خَمْسُونَ وأرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: وهو الأقْوى أنْ يُقالَ ”حم“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وهو في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ وتَنْزِيلٌ خَبَرُهُ، وثانِيها: قالَ الأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وكِتابٌ خَبَرُهُ، وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾“ ووَجْهُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَجازَ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً. صفحة ٨٢ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ ”حم“ بِأشْياءَ: أوَّلُها: كَوْنُهُ تَنْزِيلًا، والمُرادُ المُنْزَلُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا بِناءُ الأمِيرِ أيْ مَبْنِيُّهُ، وهَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ السُّلْطانِ أيْ مَضْرُوبُهُ، والمُرادُ مِن كَوْنِها مَنزِلًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ يَنْزِلَ بِها عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ويُبَلِّغَها إلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَ تَفْهِيمُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِواسِطَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ لِذَلِكَ تَنْزِيلًا وثانِيها: كَوْنُ التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَقْرُونَ بِالصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَكَوْنُهُ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْزِيلُ المُضافُ إلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دالًّا عَلى أعْظَمِ وُجُوهِ النِّعْمَةِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ كالمَرْضى والزَّمْنى والمُحْتاجِينَ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْضى مِنَ الأدْوِيَةِ وعَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الأصِحّاءُ مِنَ الأغْذِيَةِ، فَكانَ أعْظَمُ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ هَذا العالَمِ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: كَوْنُهُ كِتابًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، وإنَّما سُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ فُرِّقَتْ آياتُهُ وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والكَواكِبَ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القُلُوبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، ودَرَجاتِ أهْلِ النّارِ، وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ، وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، ورِياضَةِ النَّفْسِ، وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ، وتَوارِيخِ الماضِينَ. وبِالجُمْلَةِ فَمَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا﴾ والوَجْهُ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ أيْ أُرِيدُ بِهَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ قُرْآنًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ وسادِسُها: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: إنّا جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِأجْلِ أنّا أنْزَلْناهُ عَلى قَوْمٍ عَرَبٍ فَجَعَلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ لِيَفْهَمُوا مِنهُ المُرادَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ أوْ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِأجْلِهِمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ، لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ. وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ بِالعِقابِ، والحَقُّ أنَّ القُرْآنَ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما يُقالُ شِعْرٌ شاعِرٌ وكَلامٌ قائِلٌ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنْهُ لا يَسْمَعُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ العَشْرَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِها، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنْزَلًا والمُنْزَلُ والتَّنْزِيلُ مُشْعِرٌ بِالتَّصْيِيرِ مِن حالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا. الثّانِي: أنَّ التَّنْزِيلَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالكِتابِ إمّا الكِتابَ وهو المَصْدَرُ الَّذِي هو صفحة ٨٣ المَفْعُولُ المُطْلَقُ أوِ المَكْتُوبُ الَّذِي هو المَفْعُولُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ (فُصِّلَتْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُتَصَرِّفًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ والتَّمْيِيزِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ. الخامِسُ: أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قُرِنَ بَعْضُ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولَ فاعِلٍ ومَجْعُولَ جاعِلٍ السّادِسُ: وصْفُهُ عَرَبِيًّا، وإنَّما صَحَّتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ المَعانِي بِحَسَبِ وضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وما جُعِلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا ومَخْلُوقًا. الجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عائِدَةٌ إلى اللُّغاتِ وإلى الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وهي عِنْدَنا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ تَنْزِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى المَعانِي الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا حَمْلُها عَلى مَعانٍ أُخَرَ لا بِهَذا الطَّرِيقِ فَهَذا باطِلٌ قَطْعًا، وذَلِكَ مِثْلُ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها أهْلُ الباطِنِ، مِثْلَ أنَّهم تارَةً يَحْمِلُونَ الحُرُوفَ عَلى حِسابِ الجُمَّلِ وتارَةً يَحْمِلُونَ كُلَّ حَرْفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِلصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في البابِ ويُسَمُّونَها عِلْمَ المُكاشَفَةِ والَّذِي يُدَلِّلُ عَلى فَسادِ تِلْكَ الوُجُوهِ بِأسْرِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإنَّما سَمّاهُ عَرَبِيًّا لِكَوْنِهِ دالًّا عَلى هَذِهِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن سائِرِ اللُّغاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] و﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَإنَّهُما فارِسِيّانِ، وقَوْلِهِ (مِشْكاةٍ) [النور: ٣٥] فَإنَّها مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ وقَوْلِهِ: (قِسْطاسِ) [الإسراء: ٣٥] فَإنَّهُ مِن لُغَةِ الرُّومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَفْظُ الإيمانِ والكُفْرِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٨٤ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ. وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ: أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ. وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ. وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ جائِزٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ قَوْمٌ: القُرْآنُ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ فِيهِ ما يُعْلَمُ وفِيهِ ما لا يُعْلَمُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا﴾ يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِيَصِيرَ مَعْلُومًا والقَوْلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقْدَحُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهادِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ وأنَّ الضّالَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ لِلْقُرْآنِ تُوجِبُ قُوَّةَ الِاهْتِمامِ بِمَعْرِفَتِهِ وبِالوُقُوفِ عَلى مَعانِيهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ نازِلًا مِن عِنْدِ الإلَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِهِ عَلى أفْضَلِ المَنافِعِ وأجَلِّ المَطالِبِ، وكَوْنُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُفَصَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الكَشْفِ والبَيانِ، وكَوْنُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاحْتِياجَ إلى فَهْمٍ ما فِيهِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في مَعْرِفَةِ ما يُوَصِّلُهُ إلى الثَّوابِ أوْ إلى العِقابِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ المُوجِباتُ الثَّلاثَةُ في تَأْكِيدِ الرَّغْبَةِ في فَهْمِ القُرْآنِ وفي شِدَّةِ المَيْلِ إلى الإحاطَةِ بِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صفحة ٨٥ أنَّهُ لا مَهْدِيَّ إلّا مَن هَداهُ اللَّهُ، ولا ضالَّ إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولا يَسْمَعُونَهُ، بَيَّنَ أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذِهِ النَّفْرَةِ والمُباعَدَةِ، وذَكَرُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ أحَدُها: أنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وأكِنَّةٌ جَمْعُ كِنانٍ كَأغْطِيَةٍ جَمْعِ غِطاءٍ، والكِنانُ هو الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السِّهامُ. وثانِيها: قَوْلُهم ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وثِقَلٌ مِنِ اسْتِماعِ قَوْلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ والحِجابُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حَصَلَ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا بِزِيادَةِ لَفْظِ ”مِن“ كَأنَّ المَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، وما بَقِيَ جُزْءٌ مِنها فارِغًا عَنْ هَذا الحِجابِ فَكانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دالَّةً عَلى قُوَّةِ هَذا الحِجابِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ وسُلْطانُ البَدَنِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ هُما الآلَتانِ المُعَيَّنَتانِ لِتَحْصِيلِ المَعارِفِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ كانَ ذَلِكَ أقْصى ما يُمْكِنُ في هَذا البابِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ إذا تَأكَّدَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّيْءِ صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ في القَلْبِ فَإذا سَمِعَ مِنهُ كَلامًا لَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ كَما يَنْبَغِي، وإذا رَآهُ لَمْ تَصِرْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ أحْوالِ ذَلِكَ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ المُدْرِكُ والشّاعِرُ هو النَّفْسُ، وشَدَّةُ نَفْرَةِ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ تَمْنَعُها مِنَ التَّدَبُّرِ والوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ اسْتِعاراتٍ كامِلَةً في إفادَةِ المَعْنى المُرادِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يُقَرِّبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ صفحة ٨٦ والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ. واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ الطّاعاتِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، وأفْضَلُ أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ واحِدًا وإذا كانَ التَّوْحِيدُ أعْلى المَراتِبِ وأشْرَفَها كانَ ضِدُّهُ وهو الشِّرْكُ أخَسَّ المَراتِبِ وأرْذَلَها، ولَمّا كانَ أفْضَلُ أنْواعِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ هو إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كانَ الِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ أخَسَّ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الوَيْلَ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وهو ضِدُّ التَّوْحِيدِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وثانِيها: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكاةِ، وهو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: الأمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، أمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُ الأمْسِ في الأزَلِ فَهو بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ. وأمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ فَهو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ فَهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَلِهَذا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالوَيْلِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم مِن لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] صفحة ٨٧ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُرَيْشًا كانْتَ تُطْعِمُ الحاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِناءً عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مُشْرِكًا، والثّانِي: أنَّهُ لا يُؤْتِي الزَّكاةَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مِنَ المُشْرِكَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في زِيادَةِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إيتاءِ الزَّكاةِ كُفْرًا لَكانَ ذِكْرُهُ فِيما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ فَصِيحًا إذا كانَتِ المُناسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أجْزائِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مانِعِي الزَّكاةِ، والجَوابُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُما حاصِلانِ عِنْدَ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِن قَوْلِكَ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أيْ قَطَعَهُ، وقِيلَ: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّاهُ أجْرًا، فَإذًا الأجْرُ لا يُوجِبُ المِنَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

فصلت 41:3

صفحة ٨١ (سُورَةُ فُصِّلَتْ) خَمْسُونَ وأرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: وهو الأقْوى أنْ يُقالَ ”حم“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وهو في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ وتَنْزِيلٌ خَبَرُهُ، وثانِيها: قالَ الأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وكِتابٌ خَبَرُهُ، وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾“ ووَجْهُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَجازَ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً. صفحة ٨٢ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ ”حم“ بِأشْياءَ: أوَّلُها: كَوْنُهُ تَنْزِيلًا، والمُرادُ المُنْزَلُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا بِناءُ الأمِيرِ أيْ مَبْنِيُّهُ، وهَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ السُّلْطانِ أيْ مَضْرُوبُهُ، والمُرادُ مِن كَوْنِها مَنزِلًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ يَنْزِلَ بِها عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ويُبَلِّغَها إلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَ تَفْهِيمُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِواسِطَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ لِذَلِكَ تَنْزِيلًا وثانِيها: كَوْنُ التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَقْرُونَ بِالصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَكَوْنُهُ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْزِيلُ المُضافُ إلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دالًّا عَلى أعْظَمِ وُجُوهِ النِّعْمَةِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ كالمَرْضى والزَّمْنى والمُحْتاجِينَ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْضى مِنَ الأدْوِيَةِ وعَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الأصِحّاءُ مِنَ الأغْذِيَةِ، فَكانَ أعْظَمُ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ هَذا العالَمِ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: كَوْنُهُ كِتابًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، وإنَّما سُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ فُرِّقَتْ آياتُهُ وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والكَواكِبَ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القُلُوبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، ودَرَجاتِ أهْلِ النّارِ، وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ، وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، ورِياضَةِ النَّفْسِ، وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ، وتَوارِيخِ الماضِينَ. وبِالجُمْلَةِ فَمَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا﴾ والوَجْهُ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ أيْ أُرِيدُ بِهَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ قُرْآنًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ وسادِسُها: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: إنّا جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِأجْلِ أنّا أنْزَلْناهُ عَلى قَوْمٍ عَرَبٍ فَجَعَلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ لِيَفْهَمُوا مِنهُ المُرادَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ أوْ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِأجْلِهِمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ، لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ. وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ بِالعِقابِ، والحَقُّ أنَّ القُرْآنَ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما يُقالُ شِعْرٌ شاعِرٌ وكَلامٌ قائِلٌ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنْهُ لا يَسْمَعُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ العَشْرَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِها، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنْزَلًا والمُنْزَلُ والتَّنْزِيلُ مُشْعِرٌ بِالتَّصْيِيرِ مِن حالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا. الثّانِي: أنَّ التَّنْزِيلَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالكِتابِ إمّا الكِتابَ وهو المَصْدَرُ الَّذِي هو صفحة ٨٣ المَفْعُولُ المُطْلَقُ أوِ المَكْتُوبُ الَّذِي هو المَفْعُولُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ (فُصِّلَتْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُتَصَرِّفًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ والتَّمْيِيزِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ. الخامِسُ: أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قُرِنَ بَعْضُ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولَ فاعِلٍ ومَجْعُولَ جاعِلٍ السّادِسُ: وصْفُهُ عَرَبِيًّا، وإنَّما صَحَّتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ المَعانِي بِحَسَبِ وضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وما جُعِلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا ومَخْلُوقًا. الجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عائِدَةٌ إلى اللُّغاتِ وإلى الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وهي عِنْدَنا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ تَنْزِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى المَعانِي الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا حَمْلُها عَلى مَعانٍ أُخَرَ لا بِهَذا الطَّرِيقِ فَهَذا باطِلٌ قَطْعًا، وذَلِكَ مِثْلُ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها أهْلُ الباطِنِ، مِثْلَ أنَّهم تارَةً يَحْمِلُونَ الحُرُوفَ عَلى حِسابِ الجُمَّلِ وتارَةً يَحْمِلُونَ كُلَّ حَرْفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِلصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في البابِ ويُسَمُّونَها عِلْمَ المُكاشَفَةِ والَّذِي يُدَلِّلُ عَلى فَسادِ تِلْكَ الوُجُوهِ بِأسْرِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإنَّما سَمّاهُ عَرَبِيًّا لِكَوْنِهِ دالًّا عَلى هَذِهِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن سائِرِ اللُّغاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] و﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَإنَّهُما فارِسِيّانِ، وقَوْلِهِ (مِشْكاةٍ) [النور: ٣٥] فَإنَّها مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ وقَوْلِهِ: (قِسْطاسِ) [الإسراء: ٣٥] فَإنَّهُ مِن لُغَةِ الرُّومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَفْظُ الإيمانِ والكُفْرِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٨٤ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ. وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ: أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ. وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ. وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ جائِزٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ قَوْمٌ: القُرْآنُ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ فِيهِ ما يُعْلَمُ وفِيهِ ما لا يُعْلَمُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا﴾ يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِيَصِيرَ مَعْلُومًا والقَوْلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقْدَحُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهادِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ وأنَّ الضّالَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ لِلْقُرْآنِ تُوجِبُ قُوَّةَ الِاهْتِمامِ بِمَعْرِفَتِهِ وبِالوُقُوفِ عَلى مَعانِيهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ نازِلًا مِن عِنْدِ الإلَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِهِ عَلى أفْضَلِ المَنافِعِ وأجَلِّ المَطالِبِ، وكَوْنُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُفَصَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الكَشْفِ والبَيانِ، وكَوْنُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاحْتِياجَ إلى فَهْمٍ ما فِيهِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في مَعْرِفَةِ ما يُوَصِّلُهُ إلى الثَّوابِ أوْ إلى العِقابِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ المُوجِباتُ الثَّلاثَةُ في تَأْكِيدِ الرَّغْبَةِ في فَهْمِ القُرْآنِ وفي شِدَّةِ المَيْلِ إلى الإحاطَةِ بِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صفحة ٨٥ أنَّهُ لا مَهْدِيَّ إلّا مَن هَداهُ اللَّهُ، ولا ضالَّ إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولا يَسْمَعُونَهُ، بَيَّنَ أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذِهِ النَّفْرَةِ والمُباعَدَةِ، وذَكَرُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ أحَدُها: أنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وأكِنَّةٌ جَمْعُ كِنانٍ كَأغْطِيَةٍ جَمْعِ غِطاءٍ، والكِنانُ هو الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السِّهامُ. وثانِيها: قَوْلُهم ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وثِقَلٌ مِنِ اسْتِماعِ قَوْلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ والحِجابُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حَصَلَ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا بِزِيادَةِ لَفْظِ ”مِن“ كَأنَّ المَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، وما بَقِيَ جُزْءٌ مِنها فارِغًا عَنْ هَذا الحِجابِ فَكانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دالَّةً عَلى قُوَّةِ هَذا الحِجابِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ وسُلْطانُ البَدَنِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ هُما الآلَتانِ المُعَيَّنَتانِ لِتَحْصِيلِ المَعارِفِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ كانَ ذَلِكَ أقْصى ما يُمْكِنُ في هَذا البابِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ إذا تَأكَّدَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّيْءِ صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ في القَلْبِ فَإذا سَمِعَ مِنهُ كَلامًا لَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ كَما يَنْبَغِي، وإذا رَآهُ لَمْ تَصِرْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ أحْوالِ ذَلِكَ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ المُدْرِكُ والشّاعِرُ هو النَّفْسُ، وشَدَّةُ نَفْرَةِ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ تَمْنَعُها مِنَ التَّدَبُّرِ والوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ اسْتِعاراتٍ كامِلَةً في إفادَةِ المَعْنى المُرادِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يُقَرِّبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ صفحة ٨٦ والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ. واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ الطّاعاتِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، وأفْضَلُ أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ واحِدًا وإذا كانَ التَّوْحِيدُ أعْلى المَراتِبِ وأشْرَفَها كانَ ضِدُّهُ وهو الشِّرْكُ أخَسَّ المَراتِبِ وأرْذَلَها، ولَمّا كانَ أفْضَلُ أنْواعِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ هو إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كانَ الِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ أخَسَّ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الوَيْلَ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وهو ضِدُّ التَّوْحِيدِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وثانِيها: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكاةِ، وهو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: الأمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، أمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُ الأمْسِ في الأزَلِ فَهو بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ. وأمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ فَهو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ فَهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَلِهَذا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالوَيْلِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم مِن لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] صفحة ٨٧ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُرَيْشًا كانْتَ تُطْعِمُ الحاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِناءً عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مُشْرِكًا، والثّانِي: أنَّهُ لا يُؤْتِي الزَّكاةَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مِنَ المُشْرِكَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في زِيادَةِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إيتاءِ الزَّكاةِ كُفْرًا لَكانَ ذِكْرُهُ فِيما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ فَصِيحًا إذا كانَتِ المُناسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أجْزائِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مانِعِي الزَّكاةِ، والجَوابُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُما حاصِلانِ عِنْدَ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِن قَوْلِكَ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أيْ قَطَعَهُ، وقِيلَ: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّاهُ أجْرًا، فَإذًا الأجْرُ لا يُوجِبُ المِنَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

فصلت 41:4

صفحة ٨١ (سُورَةُ فُصِّلَتْ) خَمْسُونَ وأرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: وهو الأقْوى أنْ يُقالَ ”حم“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وهو في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ وتَنْزِيلٌ خَبَرُهُ، وثانِيها: قالَ الأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وكِتابٌ خَبَرُهُ، وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾“ ووَجْهُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَجازَ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً. صفحة ٨٢ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ ”حم“ بِأشْياءَ: أوَّلُها: كَوْنُهُ تَنْزِيلًا، والمُرادُ المُنْزَلُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا بِناءُ الأمِيرِ أيْ مَبْنِيُّهُ، وهَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ السُّلْطانِ أيْ مَضْرُوبُهُ، والمُرادُ مِن كَوْنِها مَنزِلًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ يَنْزِلَ بِها عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ويُبَلِّغَها إلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَ تَفْهِيمُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِواسِطَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ لِذَلِكَ تَنْزِيلًا وثانِيها: كَوْنُ التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَقْرُونَ بِالصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَكَوْنُهُ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْزِيلُ المُضافُ إلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دالًّا عَلى أعْظَمِ وُجُوهِ النِّعْمَةِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ كالمَرْضى والزَّمْنى والمُحْتاجِينَ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْضى مِنَ الأدْوِيَةِ وعَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الأصِحّاءُ مِنَ الأغْذِيَةِ، فَكانَ أعْظَمُ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ هَذا العالَمِ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: كَوْنُهُ كِتابًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، وإنَّما سُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ فُرِّقَتْ آياتُهُ وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والكَواكِبَ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القُلُوبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، ودَرَجاتِ أهْلِ النّارِ، وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ، وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، ورِياضَةِ النَّفْسِ، وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ، وتَوارِيخِ الماضِينَ. وبِالجُمْلَةِ فَمَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا﴾ والوَجْهُ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ أيْ أُرِيدُ بِهَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ قُرْآنًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ وسادِسُها: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: إنّا جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِأجْلِ أنّا أنْزَلْناهُ عَلى قَوْمٍ عَرَبٍ فَجَعَلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ لِيَفْهَمُوا مِنهُ المُرادَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ أوْ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِأجْلِهِمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ، لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ. وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ بِالعِقابِ، والحَقُّ أنَّ القُرْآنَ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما يُقالُ شِعْرٌ شاعِرٌ وكَلامٌ قائِلٌ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنْهُ لا يَسْمَعُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ العَشْرَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِها، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنْزَلًا والمُنْزَلُ والتَّنْزِيلُ مُشْعِرٌ بِالتَّصْيِيرِ مِن حالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا. الثّانِي: أنَّ التَّنْزِيلَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالكِتابِ إمّا الكِتابَ وهو المَصْدَرُ الَّذِي هو صفحة ٨٣ المَفْعُولُ المُطْلَقُ أوِ المَكْتُوبُ الَّذِي هو المَفْعُولُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ (فُصِّلَتْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُتَصَرِّفًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ والتَّمْيِيزِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ. الخامِسُ: أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قُرِنَ بَعْضُ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولَ فاعِلٍ ومَجْعُولَ جاعِلٍ السّادِسُ: وصْفُهُ عَرَبِيًّا، وإنَّما صَحَّتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ المَعانِي بِحَسَبِ وضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وما جُعِلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا ومَخْلُوقًا. الجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عائِدَةٌ إلى اللُّغاتِ وإلى الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وهي عِنْدَنا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ تَنْزِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى المَعانِي الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا حَمْلُها عَلى مَعانٍ أُخَرَ لا بِهَذا الطَّرِيقِ فَهَذا باطِلٌ قَطْعًا، وذَلِكَ مِثْلُ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها أهْلُ الباطِنِ، مِثْلَ أنَّهم تارَةً يَحْمِلُونَ الحُرُوفَ عَلى حِسابِ الجُمَّلِ وتارَةً يَحْمِلُونَ كُلَّ حَرْفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِلصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في البابِ ويُسَمُّونَها عِلْمَ المُكاشَفَةِ والَّذِي يُدَلِّلُ عَلى فَسادِ تِلْكَ الوُجُوهِ بِأسْرِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإنَّما سَمّاهُ عَرَبِيًّا لِكَوْنِهِ دالًّا عَلى هَذِهِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن سائِرِ اللُّغاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] و﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَإنَّهُما فارِسِيّانِ، وقَوْلِهِ (مِشْكاةٍ) [النور: ٣٥] فَإنَّها مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ وقَوْلِهِ: (قِسْطاسِ) [الإسراء: ٣٥] فَإنَّهُ مِن لُغَةِ الرُّومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَفْظُ الإيمانِ والكُفْرِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٨٤ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ. وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ: أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ. وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ. وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ جائِزٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ قَوْمٌ: القُرْآنُ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ فِيهِ ما يُعْلَمُ وفِيهِ ما لا يُعْلَمُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا﴾ يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِيَصِيرَ مَعْلُومًا والقَوْلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقْدَحُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهادِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ وأنَّ الضّالَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ لِلْقُرْآنِ تُوجِبُ قُوَّةَ الِاهْتِمامِ بِمَعْرِفَتِهِ وبِالوُقُوفِ عَلى مَعانِيهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ نازِلًا مِن عِنْدِ الإلَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِهِ عَلى أفْضَلِ المَنافِعِ وأجَلِّ المَطالِبِ، وكَوْنُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُفَصَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الكَشْفِ والبَيانِ، وكَوْنُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاحْتِياجَ إلى فَهْمٍ ما فِيهِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في مَعْرِفَةِ ما يُوَصِّلُهُ إلى الثَّوابِ أوْ إلى العِقابِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ المُوجِباتُ الثَّلاثَةُ في تَأْكِيدِ الرَّغْبَةِ في فَهْمِ القُرْآنِ وفي شِدَّةِ المَيْلِ إلى الإحاطَةِ بِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صفحة ٨٥ أنَّهُ لا مَهْدِيَّ إلّا مَن هَداهُ اللَّهُ، ولا ضالَّ إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولا يَسْمَعُونَهُ، بَيَّنَ أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذِهِ النَّفْرَةِ والمُباعَدَةِ، وذَكَرُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ أحَدُها: أنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وأكِنَّةٌ جَمْعُ كِنانٍ كَأغْطِيَةٍ جَمْعِ غِطاءٍ، والكِنانُ هو الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السِّهامُ. وثانِيها: قَوْلُهم ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وثِقَلٌ مِنِ اسْتِماعِ قَوْلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ والحِجابُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حَصَلَ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا بِزِيادَةِ لَفْظِ ”مِن“ كَأنَّ المَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، وما بَقِيَ جُزْءٌ مِنها فارِغًا عَنْ هَذا الحِجابِ فَكانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دالَّةً عَلى قُوَّةِ هَذا الحِجابِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ وسُلْطانُ البَدَنِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ هُما الآلَتانِ المُعَيَّنَتانِ لِتَحْصِيلِ المَعارِفِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ كانَ ذَلِكَ أقْصى ما يُمْكِنُ في هَذا البابِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ إذا تَأكَّدَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّيْءِ صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ في القَلْبِ فَإذا سَمِعَ مِنهُ كَلامًا لَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ كَما يَنْبَغِي، وإذا رَآهُ لَمْ تَصِرْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ أحْوالِ ذَلِكَ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ المُدْرِكُ والشّاعِرُ هو النَّفْسُ، وشَدَّةُ نَفْرَةِ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ تَمْنَعُها مِنَ التَّدَبُّرِ والوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ اسْتِعاراتٍ كامِلَةً في إفادَةِ المَعْنى المُرادِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يُقَرِّبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ صفحة ٨٦ والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ. واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ الطّاعاتِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، وأفْضَلُ أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ واحِدًا وإذا كانَ التَّوْحِيدُ أعْلى المَراتِبِ وأشْرَفَها كانَ ضِدُّهُ وهو الشِّرْكُ أخَسَّ المَراتِبِ وأرْذَلَها، ولَمّا كانَ أفْضَلُ أنْواعِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ هو إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كانَ الِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ أخَسَّ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الوَيْلَ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وهو ضِدُّ التَّوْحِيدِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وثانِيها: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكاةِ، وهو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: الأمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، أمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُ الأمْسِ في الأزَلِ فَهو بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ. وأمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ فَهو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ فَهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَلِهَذا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالوَيْلِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم مِن لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] صفحة ٨٧ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُرَيْشًا كانْتَ تُطْعِمُ الحاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِناءً عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مُشْرِكًا، والثّانِي: أنَّهُ لا يُؤْتِي الزَّكاةَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مِنَ المُشْرِكَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في زِيادَةِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إيتاءِ الزَّكاةِ كُفْرًا لَكانَ ذِكْرُهُ فِيما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ فَصِيحًا إذا كانَتِ المُناسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أجْزائِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مانِعِي الزَّكاةِ، والجَوابُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُما حاصِلانِ عِنْدَ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِن قَوْلِكَ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أيْ قَطَعَهُ، وقِيلَ: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّاهُ أجْرًا، فَإذًا الأجْرُ لا يُوجِبُ المِنَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

فصلت 41:5

صفحة ٨١ (سُورَةُ فُصِّلَتْ) خَمْسُونَ وأرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: وهو الأقْوى أنْ يُقالَ ”حم“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وهو في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ وتَنْزِيلٌ خَبَرُهُ، وثانِيها: قالَ الأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وكِتابٌ خَبَرُهُ، وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾“ ووَجْهُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَجازَ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً. صفحة ٨٢ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ ”حم“ بِأشْياءَ: أوَّلُها: كَوْنُهُ تَنْزِيلًا، والمُرادُ المُنْزَلُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا بِناءُ الأمِيرِ أيْ مَبْنِيُّهُ، وهَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ السُّلْطانِ أيْ مَضْرُوبُهُ، والمُرادُ مِن كَوْنِها مَنزِلًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ يَنْزِلَ بِها عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ويُبَلِّغَها إلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَ تَفْهِيمُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِواسِطَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ لِذَلِكَ تَنْزِيلًا وثانِيها: كَوْنُ التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَقْرُونَ بِالصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَكَوْنُهُ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْزِيلُ المُضافُ إلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دالًّا عَلى أعْظَمِ وُجُوهِ النِّعْمَةِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ كالمَرْضى والزَّمْنى والمُحْتاجِينَ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْضى مِنَ الأدْوِيَةِ وعَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الأصِحّاءُ مِنَ الأغْذِيَةِ، فَكانَ أعْظَمُ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ هَذا العالَمِ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: كَوْنُهُ كِتابًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، وإنَّما سُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ فُرِّقَتْ آياتُهُ وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والكَواكِبَ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القُلُوبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، ودَرَجاتِ أهْلِ النّارِ، وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ، وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، ورِياضَةِ النَّفْسِ، وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ، وتَوارِيخِ الماضِينَ. وبِالجُمْلَةِ فَمَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا﴾ والوَجْهُ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ أيْ أُرِيدُ بِهَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ قُرْآنًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ وسادِسُها: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: إنّا جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِأجْلِ أنّا أنْزَلْناهُ عَلى قَوْمٍ عَرَبٍ فَجَعَلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ لِيَفْهَمُوا مِنهُ المُرادَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ أوْ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِأجْلِهِمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ، لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ. وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ بِالعِقابِ، والحَقُّ أنَّ القُرْآنَ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما يُقالُ شِعْرٌ شاعِرٌ وكَلامٌ قائِلٌ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنْهُ لا يَسْمَعُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ العَشْرَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِها، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنْزَلًا والمُنْزَلُ والتَّنْزِيلُ مُشْعِرٌ بِالتَّصْيِيرِ مِن حالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا. الثّانِي: أنَّ التَّنْزِيلَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالكِتابِ إمّا الكِتابَ وهو المَصْدَرُ الَّذِي هو صفحة ٨٣ المَفْعُولُ المُطْلَقُ أوِ المَكْتُوبُ الَّذِي هو المَفْعُولُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ (فُصِّلَتْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُتَصَرِّفًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ والتَّمْيِيزِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ. الخامِسُ: أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قُرِنَ بَعْضُ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولَ فاعِلٍ ومَجْعُولَ جاعِلٍ السّادِسُ: وصْفُهُ عَرَبِيًّا، وإنَّما صَحَّتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ المَعانِي بِحَسَبِ وضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وما جُعِلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا ومَخْلُوقًا. الجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عائِدَةٌ إلى اللُّغاتِ وإلى الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وهي عِنْدَنا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ تَنْزِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى المَعانِي الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا حَمْلُها عَلى مَعانٍ أُخَرَ لا بِهَذا الطَّرِيقِ فَهَذا باطِلٌ قَطْعًا، وذَلِكَ مِثْلُ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها أهْلُ الباطِنِ، مِثْلَ أنَّهم تارَةً يَحْمِلُونَ الحُرُوفَ عَلى حِسابِ الجُمَّلِ وتارَةً يَحْمِلُونَ كُلَّ حَرْفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِلصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في البابِ ويُسَمُّونَها عِلْمَ المُكاشَفَةِ والَّذِي يُدَلِّلُ عَلى فَسادِ تِلْكَ الوُجُوهِ بِأسْرِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإنَّما سَمّاهُ عَرَبِيًّا لِكَوْنِهِ دالًّا عَلى هَذِهِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن سائِرِ اللُّغاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] و﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَإنَّهُما فارِسِيّانِ، وقَوْلِهِ (مِشْكاةٍ) [النور: ٣٥] فَإنَّها مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ وقَوْلِهِ: (قِسْطاسِ) [الإسراء: ٣٥] فَإنَّهُ مِن لُغَةِ الرُّومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَفْظُ الإيمانِ والكُفْرِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٨٤ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ. وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ: أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ. وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ. وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ جائِزٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ قَوْمٌ: القُرْآنُ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ فِيهِ ما يُعْلَمُ وفِيهِ ما لا يُعْلَمُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا﴾ يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِيَصِيرَ مَعْلُومًا والقَوْلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقْدَحُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهادِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ وأنَّ الضّالَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ لِلْقُرْآنِ تُوجِبُ قُوَّةَ الِاهْتِمامِ بِمَعْرِفَتِهِ وبِالوُقُوفِ عَلى مَعانِيهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ نازِلًا مِن عِنْدِ الإلَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِهِ عَلى أفْضَلِ المَنافِعِ وأجَلِّ المَطالِبِ، وكَوْنُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُفَصَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الكَشْفِ والبَيانِ، وكَوْنُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاحْتِياجَ إلى فَهْمٍ ما فِيهِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في مَعْرِفَةِ ما يُوَصِّلُهُ إلى الثَّوابِ أوْ إلى العِقابِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ المُوجِباتُ الثَّلاثَةُ في تَأْكِيدِ الرَّغْبَةِ في فَهْمِ القُرْآنِ وفي شِدَّةِ المَيْلِ إلى الإحاطَةِ بِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صفحة ٨٥ أنَّهُ لا مَهْدِيَّ إلّا مَن هَداهُ اللَّهُ، ولا ضالَّ إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولا يَسْمَعُونَهُ، بَيَّنَ أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذِهِ النَّفْرَةِ والمُباعَدَةِ، وذَكَرُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ أحَدُها: أنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وأكِنَّةٌ جَمْعُ كِنانٍ كَأغْطِيَةٍ جَمْعِ غِطاءٍ، والكِنانُ هو الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السِّهامُ. وثانِيها: قَوْلُهم ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وثِقَلٌ مِنِ اسْتِماعِ قَوْلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ والحِجابُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حَصَلَ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا بِزِيادَةِ لَفْظِ ”مِن“ كَأنَّ المَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، وما بَقِيَ جُزْءٌ مِنها فارِغًا عَنْ هَذا الحِجابِ فَكانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دالَّةً عَلى قُوَّةِ هَذا الحِجابِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ وسُلْطانُ البَدَنِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ هُما الآلَتانِ المُعَيَّنَتانِ لِتَحْصِيلِ المَعارِفِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ كانَ ذَلِكَ أقْصى ما يُمْكِنُ في هَذا البابِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ إذا تَأكَّدَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّيْءِ صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ في القَلْبِ فَإذا سَمِعَ مِنهُ كَلامًا لَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ كَما يَنْبَغِي، وإذا رَآهُ لَمْ تَصِرْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ أحْوالِ ذَلِكَ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ المُدْرِكُ والشّاعِرُ هو النَّفْسُ، وشَدَّةُ نَفْرَةِ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ تَمْنَعُها مِنَ التَّدَبُّرِ والوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ اسْتِعاراتٍ كامِلَةً في إفادَةِ المَعْنى المُرادِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يُقَرِّبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ صفحة ٨٦ والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ. واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ الطّاعاتِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، وأفْضَلُ أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ واحِدًا وإذا كانَ التَّوْحِيدُ أعْلى المَراتِبِ وأشْرَفَها كانَ ضِدُّهُ وهو الشِّرْكُ أخَسَّ المَراتِبِ وأرْذَلَها، ولَمّا كانَ أفْضَلُ أنْواعِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ هو إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كانَ الِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ أخَسَّ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الوَيْلَ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وهو ضِدُّ التَّوْحِيدِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وثانِيها: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكاةِ، وهو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: الأمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، أمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُ الأمْسِ في الأزَلِ فَهو بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ. وأمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ فَهو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ فَهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَلِهَذا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالوَيْلِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم مِن لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] صفحة ٨٧ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُرَيْشًا كانْتَ تُطْعِمُ الحاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِناءً عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مُشْرِكًا، والثّانِي: أنَّهُ لا يُؤْتِي الزَّكاةَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مِنَ المُشْرِكَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في زِيادَةِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إيتاءِ الزَّكاةِ كُفْرًا لَكانَ ذِكْرُهُ فِيما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ فَصِيحًا إذا كانَتِ المُناسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أجْزائِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مانِعِي الزَّكاةِ، والجَوابُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُما حاصِلانِ عِنْدَ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِن قَوْلِكَ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أيْ قَطَعَهُ، وقِيلَ: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّاهُ أجْرًا، فَإذًا الأجْرُ لا يُوجِبُ المِنَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

فصلت 41:6

صفحة ٨١ (سُورَةُ فُصِّلَتْ) خَمْسُونَ وأرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: وهو الأقْوى أنْ يُقالَ ”حم“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وهو في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ وتَنْزِيلٌ خَبَرُهُ، وثانِيها: قالَ الأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وكِتابٌ خَبَرُهُ، وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾“ ووَجْهُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَجازَ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً. صفحة ٨٢ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ ”حم“ بِأشْياءَ: أوَّلُها: كَوْنُهُ تَنْزِيلًا، والمُرادُ المُنْزَلُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا بِناءُ الأمِيرِ أيْ مَبْنِيُّهُ، وهَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ السُّلْطانِ أيْ مَضْرُوبُهُ، والمُرادُ مِن كَوْنِها مَنزِلًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ يَنْزِلَ بِها عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ويُبَلِّغَها إلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَ تَفْهِيمُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِواسِطَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ لِذَلِكَ تَنْزِيلًا وثانِيها: كَوْنُ التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَقْرُونَ بِالصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَكَوْنُهُ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْزِيلُ المُضافُ إلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دالًّا عَلى أعْظَمِ وُجُوهِ النِّعْمَةِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ كالمَرْضى والزَّمْنى والمُحْتاجِينَ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْضى مِنَ الأدْوِيَةِ وعَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الأصِحّاءُ مِنَ الأغْذِيَةِ، فَكانَ أعْظَمُ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ هَذا العالَمِ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: كَوْنُهُ كِتابًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، وإنَّما سُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ فُرِّقَتْ آياتُهُ وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والكَواكِبَ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القُلُوبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، ودَرَجاتِ أهْلِ النّارِ، وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ، وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، ورِياضَةِ النَّفْسِ، وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ، وتَوارِيخِ الماضِينَ. وبِالجُمْلَةِ فَمَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا﴾ والوَجْهُ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ أيْ أُرِيدُ بِهَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ قُرْآنًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ وسادِسُها: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: إنّا جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِأجْلِ أنّا أنْزَلْناهُ عَلى قَوْمٍ عَرَبٍ فَجَعَلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ لِيَفْهَمُوا مِنهُ المُرادَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ أوْ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِأجْلِهِمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ، لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ. وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ بِالعِقابِ، والحَقُّ أنَّ القُرْآنَ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما يُقالُ شِعْرٌ شاعِرٌ وكَلامٌ قائِلٌ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنْهُ لا يَسْمَعُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ العَشْرَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِها، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنْزَلًا والمُنْزَلُ والتَّنْزِيلُ مُشْعِرٌ بِالتَّصْيِيرِ مِن حالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا. الثّانِي: أنَّ التَّنْزِيلَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالكِتابِ إمّا الكِتابَ وهو المَصْدَرُ الَّذِي هو صفحة ٨٣ المَفْعُولُ المُطْلَقُ أوِ المَكْتُوبُ الَّذِي هو المَفْعُولُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ (فُصِّلَتْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُتَصَرِّفًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ والتَّمْيِيزِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ. الخامِسُ: أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قُرِنَ بَعْضُ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولَ فاعِلٍ ومَجْعُولَ جاعِلٍ السّادِسُ: وصْفُهُ عَرَبِيًّا، وإنَّما صَحَّتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ المَعانِي بِحَسَبِ وضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وما جُعِلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا ومَخْلُوقًا. الجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عائِدَةٌ إلى اللُّغاتِ وإلى الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وهي عِنْدَنا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ تَنْزِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى المَعانِي الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا حَمْلُها عَلى مَعانٍ أُخَرَ لا بِهَذا الطَّرِيقِ فَهَذا باطِلٌ قَطْعًا، وذَلِكَ مِثْلُ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها أهْلُ الباطِنِ، مِثْلَ أنَّهم تارَةً يَحْمِلُونَ الحُرُوفَ عَلى حِسابِ الجُمَّلِ وتارَةً يَحْمِلُونَ كُلَّ حَرْفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِلصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في البابِ ويُسَمُّونَها عِلْمَ المُكاشَفَةِ والَّذِي يُدَلِّلُ عَلى فَسادِ تِلْكَ الوُجُوهِ بِأسْرِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإنَّما سَمّاهُ عَرَبِيًّا لِكَوْنِهِ دالًّا عَلى هَذِهِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن سائِرِ اللُّغاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] و﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَإنَّهُما فارِسِيّانِ، وقَوْلِهِ (مِشْكاةٍ) [النور: ٣٥] فَإنَّها مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ وقَوْلِهِ: (قِسْطاسِ) [الإسراء: ٣٥] فَإنَّهُ مِن لُغَةِ الرُّومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَفْظُ الإيمانِ والكُفْرِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٨٤ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ. وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ: أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ. وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ. وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ جائِزٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ قَوْمٌ: القُرْآنُ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ فِيهِ ما يُعْلَمُ وفِيهِ ما لا يُعْلَمُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا﴾ يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِيَصِيرَ مَعْلُومًا والقَوْلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقْدَحُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهادِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ وأنَّ الضّالَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ لِلْقُرْآنِ تُوجِبُ قُوَّةَ الِاهْتِمامِ بِمَعْرِفَتِهِ وبِالوُقُوفِ عَلى مَعانِيهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ نازِلًا مِن عِنْدِ الإلَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِهِ عَلى أفْضَلِ المَنافِعِ وأجَلِّ المَطالِبِ، وكَوْنُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُفَصَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الكَشْفِ والبَيانِ، وكَوْنُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاحْتِياجَ إلى فَهْمٍ ما فِيهِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في مَعْرِفَةِ ما يُوَصِّلُهُ إلى الثَّوابِ أوْ إلى العِقابِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ المُوجِباتُ الثَّلاثَةُ في تَأْكِيدِ الرَّغْبَةِ في فَهْمِ القُرْآنِ وفي شِدَّةِ المَيْلِ إلى الإحاطَةِ بِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صفحة ٨٥ أنَّهُ لا مَهْدِيَّ إلّا مَن هَداهُ اللَّهُ، ولا ضالَّ إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولا يَسْمَعُونَهُ، بَيَّنَ أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذِهِ النَّفْرَةِ والمُباعَدَةِ، وذَكَرُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ أحَدُها: أنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وأكِنَّةٌ جَمْعُ كِنانٍ كَأغْطِيَةٍ جَمْعِ غِطاءٍ، والكِنانُ هو الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السِّهامُ. وثانِيها: قَوْلُهم ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وثِقَلٌ مِنِ اسْتِماعِ قَوْلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ والحِجابُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حَصَلَ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا بِزِيادَةِ لَفْظِ ”مِن“ كَأنَّ المَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، وما بَقِيَ جُزْءٌ مِنها فارِغًا عَنْ هَذا الحِجابِ فَكانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دالَّةً عَلى قُوَّةِ هَذا الحِجابِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ وسُلْطانُ البَدَنِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ هُما الآلَتانِ المُعَيَّنَتانِ لِتَحْصِيلِ المَعارِفِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ كانَ ذَلِكَ أقْصى ما يُمْكِنُ في هَذا البابِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ إذا تَأكَّدَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّيْءِ صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ في القَلْبِ فَإذا سَمِعَ مِنهُ كَلامًا لَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ كَما يَنْبَغِي، وإذا رَآهُ لَمْ تَصِرْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ أحْوالِ ذَلِكَ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ المُدْرِكُ والشّاعِرُ هو النَّفْسُ، وشَدَّةُ نَفْرَةِ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ تَمْنَعُها مِنَ التَّدَبُّرِ والوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ اسْتِعاراتٍ كامِلَةً في إفادَةِ المَعْنى المُرادِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يُقَرِّبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ صفحة ٨٦ والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ. واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ الطّاعاتِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، وأفْضَلُ أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ واحِدًا وإذا كانَ التَّوْحِيدُ أعْلى المَراتِبِ وأشْرَفَها كانَ ضِدُّهُ وهو الشِّرْكُ أخَسَّ المَراتِبِ وأرْذَلَها، ولَمّا كانَ أفْضَلُ أنْواعِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ هو إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كانَ الِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ أخَسَّ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الوَيْلَ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وهو ضِدُّ التَّوْحِيدِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وثانِيها: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكاةِ، وهو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: الأمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، أمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُ الأمْسِ في الأزَلِ فَهو بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ. وأمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ فَهو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ فَهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَلِهَذا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالوَيْلِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم مِن لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] صفحة ٨٧ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُرَيْشًا كانْتَ تُطْعِمُ الحاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِناءً عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مُشْرِكًا، والثّانِي: أنَّهُ لا يُؤْتِي الزَّكاةَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مِنَ المُشْرِكَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في زِيادَةِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إيتاءِ الزَّكاةِ كُفْرًا لَكانَ ذِكْرُهُ فِيما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ فَصِيحًا إذا كانَتِ المُناسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أجْزائِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مانِعِي الزَّكاةِ، والجَوابُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُما حاصِلانِ عِنْدَ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِن قَوْلِكَ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أيْ قَطَعَهُ، وقِيلَ: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّاهُ أجْرًا، فَإذًا الأجْرُ لا يُوجِبُ المِنَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

فصلت 41:7

صفحة ٨١ (سُورَةُ فُصِّلَتْ) خَمْسُونَ وأرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: وهو الأقْوى أنْ يُقالَ ”حم“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وهو في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ وتَنْزِيلٌ خَبَرُهُ، وثانِيها: قالَ الأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وكِتابٌ خَبَرُهُ، وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾“ ووَجْهُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَجازَ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً. صفحة ٨٢ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ ”حم“ بِأشْياءَ: أوَّلُها: كَوْنُهُ تَنْزِيلًا، والمُرادُ المُنْزَلُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا بِناءُ الأمِيرِ أيْ مَبْنِيُّهُ، وهَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ السُّلْطانِ أيْ مَضْرُوبُهُ، والمُرادُ مِن كَوْنِها مَنزِلًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ يَنْزِلَ بِها عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ويُبَلِّغَها إلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَ تَفْهِيمُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِواسِطَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ لِذَلِكَ تَنْزِيلًا وثانِيها: كَوْنُ التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَقْرُونَ بِالصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَكَوْنُهُ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْزِيلُ المُضافُ إلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دالًّا عَلى أعْظَمِ وُجُوهِ النِّعْمَةِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ كالمَرْضى والزَّمْنى والمُحْتاجِينَ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْضى مِنَ الأدْوِيَةِ وعَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الأصِحّاءُ مِنَ الأغْذِيَةِ، فَكانَ أعْظَمُ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ هَذا العالَمِ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: كَوْنُهُ كِتابًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، وإنَّما سُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ فُرِّقَتْ آياتُهُ وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والكَواكِبَ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القُلُوبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، ودَرَجاتِ أهْلِ النّارِ، وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ، وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، ورِياضَةِ النَّفْسِ، وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ، وتَوارِيخِ الماضِينَ. وبِالجُمْلَةِ فَمَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا﴾ والوَجْهُ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ أيْ أُرِيدُ بِهَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ قُرْآنًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ وسادِسُها: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: إنّا جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِأجْلِ أنّا أنْزَلْناهُ عَلى قَوْمٍ عَرَبٍ فَجَعَلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ لِيَفْهَمُوا مِنهُ المُرادَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ أوْ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِأجْلِهِمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ، لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ. وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ بِالعِقابِ، والحَقُّ أنَّ القُرْآنَ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما يُقالُ شِعْرٌ شاعِرٌ وكَلامٌ قائِلٌ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنْهُ لا يَسْمَعُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ العَشْرَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِها، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنْزَلًا والمُنْزَلُ والتَّنْزِيلُ مُشْعِرٌ بِالتَّصْيِيرِ مِن حالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا. الثّانِي: أنَّ التَّنْزِيلَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالكِتابِ إمّا الكِتابَ وهو المَصْدَرُ الَّذِي هو صفحة ٨٣ المَفْعُولُ المُطْلَقُ أوِ المَكْتُوبُ الَّذِي هو المَفْعُولُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ (فُصِّلَتْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُتَصَرِّفًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ والتَّمْيِيزِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ. الخامِسُ: أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قُرِنَ بَعْضُ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولَ فاعِلٍ ومَجْعُولَ جاعِلٍ السّادِسُ: وصْفُهُ عَرَبِيًّا، وإنَّما صَحَّتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ المَعانِي بِحَسَبِ وضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وما جُعِلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا ومَخْلُوقًا. الجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عائِدَةٌ إلى اللُّغاتِ وإلى الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وهي عِنْدَنا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ تَنْزِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى المَعانِي الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا حَمْلُها عَلى مَعانٍ أُخَرَ لا بِهَذا الطَّرِيقِ فَهَذا باطِلٌ قَطْعًا، وذَلِكَ مِثْلُ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها أهْلُ الباطِنِ، مِثْلَ أنَّهم تارَةً يَحْمِلُونَ الحُرُوفَ عَلى حِسابِ الجُمَّلِ وتارَةً يَحْمِلُونَ كُلَّ حَرْفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِلصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في البابِ ويُسَمُّونَها عِلْمَ المُكاشَفَةِ والَّذِي يُدَلِّلُ عَلى فَسادِ تِلْكَ الوُجُوهِ بِأسْرِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإنَّما سَمّاهُ عَرَبِيًّا لِكَوْنِهِ دالًّا عَلى هَذِهِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن سائِرِ اللُّغاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] و﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَإنَّهُما فارِسِيّانِ، وقَوْلِهِ (مِشْكاةٍ) [النور: ٣٥] فَإنَّها مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ وقَوْلِهِ: (قِسْطاسِ) [الإسراء: ٣٥] فَإنَّهُ مِن لُغَةِ الرُّومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَفْظُ الإيمانِ والكُفْرِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٨٤ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ. وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ: أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ. وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ. وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ جائِزٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ قَوْمٌ: القُرْآنُ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ فِيهِ ما يُعْلَمُ وفِيهِ ما لا يُعْلَمُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا﴾ يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِيَصِيرَ مَعْلُومًا والقَوْلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقْدَحُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهادِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ وأنَّ الضّالَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ لِلْقُرْآنِ تُوجِبُ قُوَّةَ الِاهْتِمامِ بِمَعْرِفَتِهِ وبِالوُقُوفِ عَلى مَعانِيهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ نازِلًا مِن عِنْدِ الإلَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِهِ عَلى أفْضَلِ المَنافِعِ وأجَلِّ المَطالِبِ، وكَوْنُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُفَصَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الكَشْفِ والبَيانِ، وكَوْنُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاحْتِياجَ إلى فَهْمٍ ما فِيهِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في مَعْرِفَةِ ما يُوَصِّلُهُ إلى الثَّوابِ أوْ إلى العِقابِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ المُوجِباتُ الثَّلاثَةُ في تَأْكِيدِ الرَّغْبَةِ في فَهْمِ القُرْآنِ وفي شِدَّةِ المَيْلِ إلى الإحاطَةِ بِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صفحة ٨٥ أنَّهُ لا مَهْدِيَّ إلّا مَن هَداهُ اللَّهُ، ولا ضالَّ إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولا يَسْمَعُونَهُ، بَيَّنَ أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذِهِ النَّفْرَةِ والمُباعَدَةِ، وذَكَرُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ أحَدُها: أنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وأكِنَّةٌ جَمْعُ كِنانٍ كَأغْطِيَةٍ جَمْعِ غِطاءٍ، والكِنانُ هو الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السِّهامُ. وثانِيها: قَوْلُهم ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وثِقَلٌ مِنِ اسْتِماعِ قَوْلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ والحِجابُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حَصَلَ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا بِزِيادَةِ لَفْظِ ”مِن“ كَأنَّ المَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، وما بَقِيَ جُزْءٌ مِنها فارِغًا عَنْ هَذا الحِجابِ فَكانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دالَّةً عَلى قُوَّةِ هَذا الحِجابِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ وسُلْطانُ البَدَنِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ هُما الآلَتانِ المُعَيَّنَتانِ لِتَحْصِيلِ المَعارِفِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ كانَ ذَلِكَ أقْصى ما يُمْكِنُ في هَذا البابِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ إذا تَأكَّدَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّيْءِ صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ في القَلْبِ فَإذا سَمِعَ مِنهُ كَلامًا لَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ كَما يَنْبَغِي، وإذا رَآهُ لَمْ تَصِرْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ أحْوالِ ذَلِكَ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ المُدْرِكُ والشّاعِرُ هو النَّفْسُ، وشَدَّةُ نَفْرَةِ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ تَمْنَعُها مِنَ التَّدَبُّرِ والوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ اسْتِعاراتٍ كامِلَةً في إفادَةِ المَعْنى المُرادِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يُقَرِّبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ صفحة ٨٦ والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ. واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ الطّاعاتِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، وأفْضَلُ أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ واحِدًا وإذا كانَ التَّوْحِيدُ أعْلى المَراتِبِ وأشْرَفَها كانَ ضِدُّهُ وهو الشِّرْكُ أخَسَّ المَراتِبِ وأرْذَلَها، ولَمّا كانَ أفْضَلُ أنْواعِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ هو إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كانَ الِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ أخَسَّ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الوَيْلَ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وهو ضِدُّ التَّوْحِيدِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وثانِيها: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكاةِ، وهو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: الأمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، أمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُ الأمْسِ في الأزَلِ فَهو بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ. وأمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ فَهو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ فَهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَلِهَذا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالوَيْلِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم مِن لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] صفحة ٨٧ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُرَيْشًا كانْتَ تُطْعِمُ الحاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِناءً عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مُشْرِكًا، والثّانِي: أنَّهُ لا يُؤْتِي الزَّكاةَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مِنَ المُشْرِكَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في زِيادَةِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إيتاءِ الزَّكاةِ كُفْرًا لَكانَ ذِكْرُهُ فِيما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ فَصِيحًا إذا كانَتِ المُناسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أجْزائِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مانِعِي الزَّكاةِ، والجَوابُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُما حاصِلانِ عِنْدَ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِن قَوْلِكَ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أيْ قَطَعَهُ، وقِيلَ: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّاهُ أجْرًا، فَإذًا الأجْرُ لا يُوجِبُ المِنَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

فصلت 41:8

صفحة ٨١ (سُورَةُ فُصِّلَتْ) خَمْسُونَ وأرْبَعُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ احْتِمالاتٌ: أحَدُها: وهو الأقْوى أنْ يُقالَ ”حم“ اسْمٌ لِلسُّورَةِ وهو في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ وتَنْزِيلٌ خَبَرُهُ، وثانِيها: قالَ الأخْفَشُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وكِتابٌ خَبَرُهُ، وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: تَنْزِيلٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾“ ووَجْهُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ تَخَصَّصَ بِالصِّفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَجازَ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً. صفحة ٨٢ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى السُّورَةِ المُسَمّاةِ بِـ ”حم“ بِأشْياءَ: أوَّلُها: كَوْنُهُ تَنْزِيلًا، والمُرادُ المُنْزَلُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: هَذا بِناءُ الأمِيرِ أيْ مَبْنِيُّهُ، وهَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ السُّلْطانِ أيْ مَضْرُوبُهُ، والمُرادُ مِن كَوْنِها مَنزِلًا أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ يَنْزِلَ بِها عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ويُبَلِّغَها إلَيْهِ، فَلَمّا حَصَلَ تَفْهِيمُ هَذِهِ الكَلِماتِ بِواسِطَةِ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ لِذَلِكَ تَنْزِيلًا وثانِيها: كَوْنُ التَّنْزِيلِ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الفِعْلَ المَقْرُونَ بِالصِّفَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَكَوْنُهُ تَعالى رَحْمانًا رَحِيمًا صِفَتانِ دالَّتانِ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، فالتَّنْزِيلُ المُضافُ إلى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ دالًّا عَلى أعْظَمِ وُجُوهِ النِّعْمَةِ، والأمْرُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ في هَذا العالَمِ كالمَرْضى والزَّمْنى والمُحْتاجِينَ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَرْضى مِنَ الأدْوِيَةِ وعَلى كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الأصِحّاءُ مِنَ الأغْذِيَةِ، فَكانَ أعْظَمُ النِّعَمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ هَذا العالَمِ إنْزالَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: كَوْنُهُ كِتابًا وقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَمْعِ، وإنَّما سُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهُ جَمَعَ فِيهِ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ فُرِّقَتْ آياتُهُ وجُعِلَتْ تَفاصِيلَ في مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والكَواكِبَ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ، وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القُلُوبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ، ودَرَجاتِ أهْلِ النّارِ، وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ، وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ، ورِياضَةِ النَّفْسِ، وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ، وتَوارِيخِ الماضِينَ. وبِالجُمْلَةِ فَمَن أنْصَفَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ المُخْتَلِفَةِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. وخامِسُها: قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا﴾ والوَجْهُ في تَسْمِيَتِهِ قُرْآنًا قَدْ سَبَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ أيْ أُرِيدُ بِهَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ قُرْآنًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وقِيلَ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ وسادِسُها: قَوْلُهُ ﴿عَرَبِيًّا﴾ والمَعْنى أنَّ هَذا القُرْآنَ إنَّما نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ والمَعْنى: إنّا جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِأجْلِ أنّا أنْزَلْناهُ عَلى قَوْمٍ عَرَبٍ فَجَعَلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ لِيَفْهَمُوا مِنهُ المُرادَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِأجْلِهِمْ أوْ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِأجْلِهِمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مِثْلَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، أيْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا كائِنًا لِقَوْمٍ عَرَبٍ، لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّلاتِ والصِّفاتِ. وثامِنُها وتاسِعُها: قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَعْنِي بَشِيرًا لِلْمُطِيعِينَ بِالثَّوابِ ونَذِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ بِالعِقابِ، والحَقُّ أنَّ القُرْآنَ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ، إلّا أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ الفاعِلِ عَلَيْهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ كامِلًا في هَذِهِ الصِّفَةِ، كَما يُقالُ شِعْرٌ شاعِرٌ وكَلامٌ قائِلٌ. الصِّفَةُ العاشِرَةُ: كَوْنُهم مُعْرِضِينَ عَنْهُ لا يَسْمَعُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، فَهَذِهِ هي الصِّفاتُ العَشْرَةُ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِها، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِخَلْقِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ تَنْزِيلًا ومُنْزَلًا والمُنْزَلُ والتَّنْزِيلُ مُشْعِرٌ بِالتَّصْيِيرِ مِن حالٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا. الثّانِي: أنَّ التَّنْزِيلَ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ. الثّالِثُ: المُرادُ بِالكِتابِ إمّا الكِتابَ وهو المَصْدَرُ الَّذِي هو صفحة ٨٣ المَفْعُولُ المُطْلَقُ أوِ المَكْتُوبُ الَّذِي هو المَفْعُولُ. الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ (فُصِّلَتْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ مُتَصَرِّفًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّفْصِيلِ والتَّمْيِيزِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالقَدِيمِ. الخامِسُ: أنَّهُ إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قُرِنَ بَعْضُ أجْزائِهِ بِالبَعْضِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولَ فاعِلٍ ومَجْعُولَ جاعِلٍ السّادِسُ: وصْفُهُ عَرَبِيًّا، وإنَّما صَحَّتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لِأجْلِ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذِهِ المَعانِي بِحَسَبِ وضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وما جُعِلَ بِجَعْلِ جاعِلٍ وفِعْلِ فاعِلٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُحْدَثًا ومَخْلُوقًا. الجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عائِدَةٌ إلى اللُّغاتِ وإلى الحُرُوفِ والكَلِماتِ، وهي عِنْدَنا مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوى هَذِهِ الألْفاظِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ تَنْزِيلُ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى المَعانِي الَّتِي هي مَوْضُوعَةٌ لَها بِحَسَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا حَمْلُها عَلى مَعانٍ أُخَرَ لا بِهَذا الطَّرِيقِ فَهَذا باطِلٌ قَطْعًا، وذَلِكَ مِثْلُ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها أهْلُ الباطِنِ، مِثْلَ أنَّهم تارَةً يَحْمِلُونَ الحُرُوفَ عَلى حِسابِ الجُمَّلِ وتارَةً يَحْمِلُونَ كُلَّ حَرْفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ، ولِلصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ في البابِ ويُسَمُّونَها عِلْمَ المُكاشَفَةِ والَّذِي يُدَلِّلُ عَلى فَسادِ تِلْكَ الوُجُوهِ بِأسْرِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وإنَّما سَمّاهُ عَرَبِيًّا لِكَوْنِهِ دالًّا عَلى هَذِهِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ بِوَضْعِ العَرَبِ وبِاصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الألْفاظِ لَمْ تَحْصُلْ إلّا عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ، وأنَّ ما سِواهُ فَهو باطِلٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن سائِرِ اللُّغاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] و﴿سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَإنَّهُما فارِسِيّانِ، وقَوْلِهِ (مِشْكاةٍ) [النور: ٣٥] فَإنَّها مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ وقَوْلِهِ: (قِسْطاسِ) [الإسراء: ٣٥] فَإنَّهُ مِن لُغَةِ الرُّومِ والَّذِي يَدُلُّ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ لَفْظُ الإيمانِ والكُفْرِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ لا لُغَوِيَّةٌ، والمَعْنى أنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ هَذِهِ الألْفاظَ عَنْ مُسَمَّياتِها اللُّغَوِيَّةِ الأصْلِيَّةِ إلى مُسَمَّياتٍ أُخْرى، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، ولَيْسَ لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في هَذِهِ الألْفاظِ عَنْ مُسَمَّياتِها إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَصَّصَ هَذِهِ الأسْماءَ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ مُسَمَّياتِها مَثَلًا، الإيمانُ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ التَّصْدِيقِ، والصَّلاةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ فَخَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الدُّعاءِ، كَذا القَوْلُ في البَواقِي ودَلِيلُنا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ . * * * المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما وصَفَ اللَّهُ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) في مَعْرِضِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ وهَذا المَطْلُوبُ لا يَتِمُّ إلّا إذا ثَبَتَ أنَّ لُغَةَ العَرَبِ أفْضَلُ اللُّغاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقْصُودَ إنَّما يَتِمُّ إذا ضَبَطْنا أقْسامَ فَضائِلِ اللُّغاتِ بِضابِطٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ الأقْسامَ حاصِلَةٌ فِيهِ لا في غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: لا شَكَ أنَّ الكَلامَ مُرَكَّبٌ مِنَ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ الحُرُوفِ، فالكَلِمَةُ لَها مادَّةٌ وهي الحُرُوفُ، ولَها صُورَةٌ وهي تِلْكَ الهَيْئَةُ المُعَيَّنَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ التَّرْكِيبِ. فَهَذِهِ الفَضِيلَةُ إنَّما تَحْصُلُ إمّا بِحَسَبِ مادَّتِها أوْ بِحَسَبِ صُورَتِها، أمّا الَّتِي بِحَسَبِ مادَّتِها فَهي آحادُ الحُرُوفِ، واعْلَمْ أنَّ صفحة ٨٤ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: بَعْضُها بَيِّنَةُ المَخارِجِ ظاهِرَةُ المَقاطِعِ، وبَعْضُها خَفِيَّةُ المَخارِجِ مُشْتَبِهَةُ المَقاطِعِ، وحُرُوفُ العَرَبِ بِأسْرِها ظاهِرَةُ المَخارِجِ بَيِّنَةُ المَقاطِعِ، ولا يَشْتَبِهُ شَيْءٌ مِنها بِالآخَرِ. وأمّا الحُرُوفُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ يَشْتَبِهُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِكَمالِ الفَصاحَةِ، وأيْضًا الحَرَكاتُ المُسْتَعْمَلَةُ في سائِرِ لُغَةِ العَرَبِ حَرَكاتٌ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ وهي النَّصْبُ والرَّفْعُ والجَرُّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ فَإنَّهُ يَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ امْتِيازًا ظاهِرًا جَلِيًّا، وأمّا الإشْمامُ والرَّوْمُ فَيَقِلُّ حُصُولُهُما في لُغاتِ العَرَبِ، وذَلِكَ أيْضًا مَن جِنْسِ ما يُوجِبُ الفَصاحَةَ، وأمّا الكَلِماتُ الحاصِلَةُ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ فَهي أنْواعٌ: أحَدُها: أنَّ الحُرُوفَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ ومُتَباعِدَةُ المَخْرَجِ، وأيْضًا الحُرُوفُ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها صُلْبَةٌ ومِنها رَخْوَةٌ، فَيَحْصُلُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ: الصُّلْبَةُ المُتَقارِبَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَقارِبَةُ، والصُّلْبَةُ المُتَباعِدَةُ، والرِّخْوَةُ المُتَباعِدَةُ، فَإذا تَوالى في الكَلِمَةِ حَرْفانِ صُلْبانِ مُتَقارِبانِ، صَعُبَ اللَّفْظُ بِها؛ لِأنَّ بِسَبَبِ تَقارُبِ المَخْرَجِ يَصِيرُ التَّلَفُّظُ بِها جارِيًا مَجْرى ما إذا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا ثُمَّ يَمْشِي، وبِسَبَبِ صَلابَةِ تِلْكَ الحُرُوفِ تَتَوارَدُ الأعْمالُ الشّاقَّةُ القَوِيَّةُ عَلى المَوْضِعِ الواحِدِ مِنَ المَخْرَجِ، وتَوالِي الأعْمالِ الشّاقَّةِ يُوجِبُ الضَّعْفَ والإعْياءَ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ قَلِيلٌ. وثانِيها: أنَّ جِنْسَ بَعْضِ الحُرُوفِ ألَذُّ وأطْيَبُ في السَّمْعِ، وكُلُّ كَلِمَةٍ يَحْصُلُ فِيها حَرْفٌ مِن هَذا الجِنْسِ كانَ سَماعُها أطْيَبَ. وثالِثُها: الوَزْنُ، فَنَقُولُ: الكَلِمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ ثُنائِيَّةً أوْ ثُلاثِيَّةً أوْ رُباعِيَّةً، وأعْدَلُها هو الثُّلاثِيُّ؛ لِأنَّ الصَّوْتَ إنَّما يَتَوَلَّدُ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ، والحَرَكَةُ لا بُدَّ لَها مِن مَبْدَأٍ ووَسَطٍ ومُنْتَهًى، فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ، فالكَلِمَةُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ فِيها هَذِهِ المَراتِبُ الثَّلاثَةُ حَتّى تَكُونَ تامَّةً، أمّا الثُّنائِيَّةُ فَهي ناقِصَةٌ، وأمّا الرُّباعِيَّةُ فَهي زائِدَةٌ، والغائِبُ في كَلامِ العَرَبِ الثُّلاثِيّاتُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَبْطُ فَصائِلِ اللُّغاتِ، والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لُغَةَ العَرَبِ مَوْصُوفَةٌ بِها، وأمّا سائِرُ اللُّغاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ (عَرَبِيًّا) لِأجْلِ أنْ يَعْلَمُوا المُرادَ مِنهُ، والقائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُعَلَّلَةٌ بِالمَصالِحِ والحِكَمِ، تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما جَعَلَهُ (عَرَبِيًّا) لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ جائِزٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ قَوْمٌ: القُرْآنُ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ فِيهِ ما يُعْلَمُ وفِيهِ ما لا يُعْلَمُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا﴾ يَعْنِي إنَّما جَعَلْناهُ عَرَبِيًّا لِيَصِيرَ مَعْلُومًا والقَوْلُ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ يَقْدَحُ فِيهِ. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهادِيَ مَن هَداهُ اللَّهُ وأنَّ الضّالَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الصِّفاتِ التِّسْعَةَ المَذْكُورَةَ لِلْقُرْآنِ تُوجِبُ قُوَّةَ الِاهْتِمامِ بِمَعْرِفَتِهِ وبِالوُقُوفِ عَلى مَعانِيهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ كَوْنَهُ نازِلًا مِن عِنْدِ الإلَهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِهِ عَلى أفْضَلِ المَنافِعِ وأجَلِّ المَطالِبِ، وكَوْنُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مُفَصَّلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في غايَةِ الكَشْفِ والبَيانِ، وكَوْنُهُ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاحْتِياجَ إلى فَهْمٍ ما فِيهِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ؛ لِأنَّ سَعْيَ الإنْسانِ في مَعْرِفَةِ ما يُوَصِّلُهُ إلى الثَّوابِ أوْ إلى العِقابِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ، وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ المُوجِباتُ الثَّلاثَةُ في تَأْكِيدِ الرَّغْبَةِ في فَهْمِ القُرْآنِ وفي شِدَّةِ المَيْلِ إلى الإحاطَةِ بِهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صفحة ٨٥ أنَّهُ لا مَهْدِيَّ إلّا مَن هَداهُ اللَّهُ، ولا ضالَّ إلّا مَن أضَلَّهُ اللَّهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ ولا يَسْمَعُونَهُ، بَيَّنَ أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذِهِ النَّفْرَةِ والمُباعَدَةِ، وذَكَرُوا ثَلاثَةَ أشْياءَ أحَدُها: أنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وأكِنَّةٌ جَمْعُ كِنانٍ كَأغْطِيَةٍ جَمْعِ غِطاءٍ، والكِنانُ هو الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السِّهامُ. وثانِيها: قَوْلُهم ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ أيْ صَمَمٌ وثِقَلٌ مِنِ اسْتِماعِ قَوْلِكَ. وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ والحِجابُ هو الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، والفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وبَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حَصَلَ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، وأمّا بِزِيادَةِ لَفْظِ ”مِن“ كَأنَّ المَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ الحاصِلَةُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، وما بَقِيَ جُزْءٌ مِنها فارِغًا عَنْ هَذا الحِجابِ فَكانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ دالَّةً عَلى قُوَّةِ هَذا الحِجابِ، هَكَذا ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو في غايَةِ الحُسْنِ. واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ مَحَلُّ المَعْرِفَةِ وسُلْطانُ البَدَنِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ هُما الآلَتانِ المُعَيَّنَتانِ لِتَحْصِيلِ المَعارِفِ، فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ كانَ ذَلِكَ أقْصى ما يُمْكِنُ في هَذا البابِ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ إذا تَأكَّدَتِ النَّفْرَةُ عَنِ الشَّيْءِ صارَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ في القَلْبِ فَإذا سَمِعَ مِنهُ كَلامًا لَمْ يُفْهَمْ مَعْناهُ كَما يَنْبَغِي، وإذا رَآهُ لَمْ تَصِرْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ أحْوالِ ذَلِكَ المَرْئِيِّ، وذَلِكَ المُدْرِكُ والشّاعِرُ هو النَّفْسُ، وشَدَّةُ نَفْرَةِ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ تَمْنَعُها مِنَ التَّدَبُّرِ والوُقُوفِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ اسْتِعاراتٍ كامِلَةً في إفادَةِ المَعْنى المُرادِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى هَذا المَعْنى عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وذَكَرَ أيْضًا ما يُقَرِّبُ مِنهُ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَقالَ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] . ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِعَيْنِها في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَهُنا إنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، إنَّما الَّذِي ذَمَّهم عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: إنّا إذا كُنّا كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَكْلِيفُنا، وتَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ عَلَيْنا، وهَذا الثّانِي باطِلٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ. واعْلَمْ أنَّهم لَمّا وصَفُوا أنْفُسَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ والمُرادُ فاعْمَلْ عَلى دِينِكَ إنَّنا عامِلُونَ عَلى دِينِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فاعْمَلْ في إبْطالِ أمْرِنا إنَّنا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ، والحاصِلُ عِنْدَنا أنَّ القَوْمَ ما كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ بَلْ إنَّما أتَوْا بِالكُفْرِ والكَلامِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . ولَمّا حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الشُّبْهَةَ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ وبَيانُ هَذا الجَوابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي لا أقْدِرُ أنْ أحْمِلَكم عَلى الإيمانِ جَبْرًا وقَهْرًا فَإنِّي بَشَرٌ مِثْلُكم ولا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم إلّا بِمُجَرَّدِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلَيَّ، وما أوْحى إلَيْكم فَأنا أُبَلِّغُ هَذا الوَحْيَ إلَيْكم، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَرَّفَكُمُ اللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْفِيقِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ خَذَلَكم بِالحِرْمانِ رَدَدْتُمُوهُ، وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِنَبُّوتِي ورِسالَتِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ خُلاصَةَ ذَلِكَ الوَحْيِ تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: العِلْمُ والعَمَلُ، أمّا العِلْمُ فالرَّأْسُ صفحة ٨٦ والرَّئِيسُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ؛ ذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وإذا كانَ الحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ ذَلِكَ، وجَبَ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاسْتَقِيمُوا مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ) مَعْناهُ فاسْتَقِيمُوا لَهُ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ يُقامُ بَعْضُها مُقامَ البَعْضِ. واعْلَمْ أنَّ التَّكْلِيفَ لَهُ رُكْنانِ: أحَدُهُما: الِاعْتِقادُ، والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ اعْتِقادُ التَّوْحِيدِ، فَلَمّا أمَرَ بِذَلِكَ انْتَقَلَ إلى وظِيفَةِ العَمَلِ والرَّأْسُ والرَّئِيسُ فِيهِ الِاسْتِغْفارُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: (واسْتَغْفِرُوهُ) فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إزالَةُ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي، فَلِمَ عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ هَهُنا وقَدَّمَ ما يَنْبَغِي عَلى إزالَةِ ما يَنْبَغِي ؟ قُلْنا: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِغْفارِ الِاسْتِغْفارَ عَنِ الكُفْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ بَعْدَهُ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن وُقُوعِ التَّقْصِيرِ في العَمَلِ الَّذِي أتى بِهِ كَما قالَ ﷺ: «”وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً“» ولَمّا رَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في الخَيْرِ والطّاعَةِ أمَرَ بِالتَّحْذِيرِ عَمّا لا يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ العُقُولَ والشَّرائِعَ ناطِقَةٌ بِأنَّ خُلاصَةَ السَّعاداتِ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُوداتِ، إمّا الخالِقُ وإمّا الخَلْقُ، فَأمّا الخالِقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهُ أنْ يُقِرَّ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الجَلالِ والعَظَمَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى كَوْنِهِ في نِهايَةِ العَظَمَةِ في اعْتِقادِنا وهَذا هو المُرادُ مِنَ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمّا الخَلْقُ فَكَمالُ السَّعادَةِ في المُعامَلَةِ مَعَهم أنْ يَسْعى في دَفْعِ الشَّرِّ عَنْهم وفي إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنْ أعْظَمَ الطّاعاتِ التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، وأفْضَلُ أبْوابِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ واحِدًا وإذا كانَ التَّوْحِيدُ أعْلى المَراتِبِ وأشْرَفَها كانَ ضِدُّهُ وهو الشِّرْكُ أخَسَّ المَراتِبِ وأرْذَلَها، ولَمّا كانَ أفْضَلُ أنْواعِ المُعامَلَةِ مَعَ الخَلْقِ هو إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كانَ الِامْتِناعُ مِنَ الزَّكاةِ أخَسَّ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الوَيْلَ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُشْرِكًا وهو ضِدُّ التَّوْحِيدِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وثانِيها: كَوْنُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الزَّكاةِ، وهو ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وثالِثُها: كَوْنُهُ مُنْكِرًا لِلْقِيامَةِ مُسْتَغْرِقًا في طَلَبِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وتَمامُ الكَلامِ في أنَّهُ لا زِيادَةَ عَلى هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ أنَّ الإنْسانَ لَهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ: الأمْسُ واليَوْمُ والغَدُ، أمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ كانَتْ أحْوالُ الأمْسِ في الأزَلِ فَهو بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى الأزَلِيِّ الخالِقِ لِهَذا العالَمِ. وأمّا مَعْرِفَةُ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي وُقُوعُ الأحْوالِ في اليَوْمِ الحاضِرِ فَهو بِالإحْسانِ إلى أهْلِ العالَمِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الأحْوالِ في اليَوْمِ المُسْتَقْبَلِ فَهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، وإذا كانَ الإنْسانُ عَلى ضِدِّ الحَقِّ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ كانَ في نِهايَةِ الجَهْلِ والضَّلالِ، فَلِهَذا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالوَيْلِ، فَقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ لا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم مِن لَوَثِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧] صفحة ٨٧ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُرَيْشًا كانْتَ تُطْعِمُ الحاجَّ، فَحَرَّمُوا ذَلِكَ عَلى مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في إثْباتِ أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِناءً عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مُشْرِكًا، والثّانِي: أنَّهُ لا يُؤْتِي الزَّكاةَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِعَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مِنَ المُشْرِكَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في زِيادَةِ الوَعِيدِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الِامْتِناعَ مِن إيتاءِ الزَّكاةِ يُوجِبُ الكُفْرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ ذَكَرَ قَبْلَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وذَكَرَ أيْضًا بَعْدَها ما يُوجِبُ الكُفْرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إيتاءِ الزَّكاةِ كُفْرًا لَكانَ ذِكْرُهُ فِيما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ المُوجِبَتَيْنِ لِلْكُفْرِ قَبِيحًا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ فَصِيحًا إذا كانَتِ المُناسَبَةُ مَرْعِيَّةً بَيْنَ أجْزائِهِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَمَ بِكُفْرِ مانِعِي الزَّكاةِ، والجَوابُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُما حاصِلانِ عِنْدَ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُصُولُ الكُفْرِ بِسَبَبِ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، مِن قَوْلِكَ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: قَدْ مَنَّهُ السَّفَرُ، أيْ قَطَعَهُ، وقِيلَ: لا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا سَمّاهُ أجْرًا، فَإذًا الأجْرُ لا يُوجِبُ المِنَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنِ الطّاعَةِ كُتِبَ لَهُمُ الأجْرُ كَأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

فصلت 41:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في الآيَةِ الأُولى أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكُمْ﴾ صفحة ٨٨ ﴿إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ هَذِهِ الأصْنامِ في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فَمَن هَذا صِفَتُهُ كَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيِنَّكم لَتَكْفُرُونَ“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وأمّا نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبُو عَمْرٍو فَعَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، إلّا أنَّهُما يَمُدّانِ، والباقُونَ هَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (أئِنَّكم) اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ عَنْهم شَيْئَيْنِ مُنْكَرَيْنِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ وثانِيهِما: إثْباتُ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ لَهُ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الكُفْرُ المَذْكُورُ أوَّلًا مُغايِرًا لِإثْباتِ الأنْدادِ لَهُ، ضَرُورَةَ أنَّ عَطْفَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ يُوجِبُ التَّغايُرَ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِن كُفْرِهِمْ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهم إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى حَشْرِ المَوْتى، فَلَمّا نازَعُوا في ثُبُوتِ هَذِهِ القُدْرَةِ فَقَدْ كَفَرُوا بِاللَّهِ. الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُنازِعُونَ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وفي بَعْثَةِ الأنْبِياءِ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْحٌ في الصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في الإلَهِيَّةِ، وهو كُفْرٌ بِاللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُضِيفُونَ إلَيْهِ الأوْلادَ، وذَلِكَ أيْضًا قَدْحٌ في الإلَهِيَّةِ، وهو يُوجِبُ الكُفْرَ بِاللَّهِ، فالحاصِلُ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ لِأجْلِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ، وأثْبَتُوا الأنْدادَ أيْضًا لِلَّهِ لِأجْلِ قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ تِلْكَ الأصْنامِ، واحْتَجَّ تَعالى عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِالتَّأْثِيرِ، فَقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِاللَّهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ أنْدادًا لِلَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وتَمَّمَ بَقِيَّةَ مَصالِحِها في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وخَلَقَ السَّماواتِ بِأسْرِها في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ؟ . فَمَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ، كَيْفَ يُعْقَلُ الكُفْرُ بِهِ، وإنْكارُ قُدْرَتِهِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ ؟ وكَيْفَ يُعْقَلُ إنْكارُ قُدْرَتِهِ عَلى التَّكْلِيفِ وعَلى بَعْثَةِ الأنْبِياءِ ؟ وكَيْفَ يُعْقَلُ جَعْلُ هَذِهِ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ أنْدادًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: مَنِ اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ عَلى إثْباتِ شَيْءٍ، فَذَلِكَ الشَّيْءُ المُسْتَدَلُّ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا عِنْدَ الخَصْمِ حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، وكَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أمْرٌ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ المَحْضِ، وإنَّما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ ووَحْيِ الأنْبِياءِ. والكُفّارُ كانُوا مُنازِعِينَ في الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ، فَلا يُعْقَلُ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ عَلَيْهِمْ، وإذا امْتَنَعَ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ عَلَيْهِمُ امْتَنَعَ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى فَسادِ مَذاهِبِهِمْ، قُلْنا: إثْباتُ كَوْنِ السَّماواتِ والأرْضِ مَخْلُوقَةً بِطَرِيقِ العَمَلِ مُمْكِنٌ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ أمْكَنَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ العَظِيمِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ لِلْكافِرِينَ: فَكَيْفَ يُعْقَلُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الإلَهِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ وبَيْنَ الصَّنَمِ الَّذِي هو جَمادٌ لا يَضُرُّ، ولا يَنْفَعُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ ؟ . بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى في الِاسْتِدْلالِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أثَرٌ، فَنَقُولُ: هَذا أيْضًا لَهُ أثَرٌ في هَذا البابِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ التَّوْراةِ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذا المَعْنى، فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، فَكُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أهْلِ الكِتابِ أنَّهم أصْحابُ العُلُومِ والحَقائِقِ، والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا قَدْ سَمِعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ هَذِهِ المَعانِيَ واعْتَقَدُوا في كَوْنِها حَقَّةً، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِالقُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الصَّغِيرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعَقْلِ جَعْلُ الخَشَبِ المَنجُورِ والحَجَرِ المَنحُوتِ شَرِيكًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ ؟ فَظَهَرَ بِما قَرَّرْنا أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ قَوِيٌّ حَسَنٌ. * * * صفحة ٨٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ ذَلِكَ المَوْجُودُ الَّذِي عَلِمْتَ مِن صِفَتِهِ وقُدْرَتِهِ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومُبْدِعُهم، فَكَيْفَ أثْبَتُّمْ لَهُ أنْدادًا مِنَ الخَشَبِ والحَجَرِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أخْبَرَ أنَّهُ أتى بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصُّنْعِ العَجِيبِ والفِعْلِ البَدِيعِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ والمُرادُ مِنها الجِبالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ كَوْنِها ﴿رَواسِيَ﴾ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِها﴾ ولِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [الرعد: ٣] قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى لَوْ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن تَحْتِها لَأوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الأساطِينَ التَّحْتانِيَّةَ هي الَّتِي أمْسَكَتْ هَذِهِ الأرْضَ الثَّقِيلَةَ عَنِ النُّزُولِ، ولَكِنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُ هَذِهِ الجِبالَ الثِّقالَ فَوْقَ الأرْضِ، لِيَرى الإنْسانُ بِعَيْنِهِ أنَّ الأرْضَ والجِبالَ أثْقالٌ عَلى أثْقالٍ، وكُلُّها مُفْتَقِرَةٌ إلى مُمْسِكٍ وحافِظٍ، وما ذاكَ الحافِظُ المُدَبِّرُ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى. والنَّوْعُ الثّانِي: مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ والبَرَكَةُ كَثْرَةُ الخَيْرِ، والخَيْراتُ الحاصِلَةُ مِنَ الأرْضِ أكْثَرُ مِمّا يُحِيطُ بِهِ الشَّرْحُ والبَيانُ، وقَدْ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ شَقَّ الأنْهارِ وخَلْقَ الجِبالِ وخَلْقَ الأشْجارِ والثِّمارِ وخَلْقَ أصْنافِ الحَيَواناتِ وكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الخَيْراتِ. والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى وقَدَّرَ فِيها أقْواتَ أهْلِها ومَعايِشَهم وما يُصْلِحُهم، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَدَّرَ أقْواتَ الأبْدانِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأبْدانَ، والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها مِنَ المَطَرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالأقْواتُ لِلْأرْضِ لا لِلسُّكّانِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ أرْضٍ حَظَّها مِنَ المَطَرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن إضافَةِ الأقْواتِ إلى الأرْضِ كَوْنُها مُتَوَلِّدَةً مِن تِلْكَ الأرْضِ، وحادِثَةً فِيها؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فالشَّيْءُ قَدْ يُضافُ إلى فاعِلِهِ تارَةً، وإلى مَحَلِّهِ أُخْرى، فَقَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ قَدَّرَ الأقْواتَ الَّتِي يَخْتَصُّ حُدُوثُها بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ كُلَّ بَلْدَةٍ مَعْدِنًا لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأشْياءِ المَطْلُوبَةِ، حَتّى إنَّ أهْلَ هَذِهِ البَلْدَةِ يَحْتاجُونَ إلى الأشْياءِ المُتَوَلِّدَةِ في تِلْكَ البَلْدَةِ وبِالعَكْسِ، فَصارَ هَذا المَعْنى سَبَبًا لِرَغْبَةِ النّاسِ في التِّجاراتِ مِنِ اكْتِسابِ الأمْوالِ. ورَأيْتُ مَن كانَ يَقُولُ صَنْعَةُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ أكْثَرُ الحِرَفِ والصَّنائِعِ بَرَكَةً؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ الأرْزاقَ والأقْواتَ في الأرْضِ قالَ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وإذا كانَتِ الأقْواتُ مَوْضُوعَةً في الأرْضِ كانَ طَلَبُها مِنَ الأرْضِ مُتَعَيِّنًا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ التَّدْبِيرِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّهُ أصْلَحَ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ أُخَرَ، وذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، فَيَكُونُ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ في سائِرِ الآياتِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ فَلَزِمَ التَّناقُضُ. واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجابُوا عَنْهُ بِأنْ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ مَعَ اليَوْمَيْنِ الأوَّلِينَ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشَرَةِ أيّامٍ، وسِرْتُ إلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُرِيدُ كِلا المَسافَتَيْنِ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أعْطَيْتُكَ ألْفًا في شَهْرٍ وأُلُوفًا في شَهْرَيْنِ فَيَدْخُلُ الألْفُ في الأُلُوفِ والشَّهْرُ في الشَّهْرَيْنِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، فَلَوْ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ الباقِيَةَ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كانَ أبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ وأبْعَدَ عَنِ الغَلَطِ، فَلِمَ تَرَكَ هَذا التَّصْرِيحَ، وذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ المُجْمَلَ ؟ صفحة ٩٠ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ عَلى ما إذا قالَ: خَلَقْتُ هَذِهِ الثَّلاثَةَ في يَوْمَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ في يَوْمَيْنِ مَعَ أنَّ اليَوْمَيْنِ ما كانا مُسْتَغْرَقَيْنِ بِذَلِكَ العَمَلِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الأرْضِ وخَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأيّامَ الأرْبَعَةَ صارَتْ مُسْتَغْرَقَةً في تِلْكَ الأعْمالِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ القِراءاتُ في قَوْلِهِ (سَواءً) ؟ والجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ (سَواءً) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، الجَرِّ عَلى الوَصْفِ، والنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: اسْتَوَتْ سَواءً، والرَّفْعِ عَلى: هي سَواءٌ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ مِن كَوْنِ تِلْكَ الأيّامِ الأرْبَعَةِ سَواءً ؟ فَنَقُولُ: إنَّ الأيّامَ قَدْ تَكُونُ مُتَساوِيَةَ المَقادِيرِ كالأيّامِ المَوْجُودَةِ في أماكِنِ خَطِّ الِاسْتِواءِ، وقَدْ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً كالأيّامِ المَوْجُودَةِ في سائِرِ الأماكِنِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأيّامَ الأرْبَعَةَ كانَتْ مُتَساوِيَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ. السُّؤالُ الخامِسُ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) ؟ الجَوابُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الزَّجّاجَ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالتَّقْدِيرُ ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ لِأجْلِ السّائِلِينَ، أيِ الطّالِبِينَ لِلْأقْواتِ المُحْتاجِينَ إلَيْها. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ والبَيانُ لِأجْلِ مَن سَألَ كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ الأرْضِ وما فِيها أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مِن قَوْلِهِمُ اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ اسْتَقامَ إلَيْهِ وامْتَدَّ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦] والمَعْنى ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماءِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، مِن غَيْرِ صَرْفٍ يَصْرِفُهُ ذَلِكَ. البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ صاحِبُ ”الأثَرِ“ أنَّهُ كانَ عَرْشُ اللَّهِ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَأحْدَثَ اللَّهُ في ذَلِكَ الماءِ سُخُونَةً فارْتَفَعَ زَبَدٌ ودُخانٌ، أمّا الزَّبَدُ فَيَبْقى عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ اليُبُوسَةَ، وأحْدَثَ مِنهُ الأرْضَ، وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ السَّماواتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في القُرْآنِ، فَإنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وإلّا فَلا، وهَذِهِ القِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ الكِتابِ الَّذِي يَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ التَّوْراةُ، وفِيهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ مِن أجْزاءٍ مُظْلِمَةٍ، وهَذا هو المَعْقُولُ؛ لِأنّا قَدْ دَلَّلْنا في المَعْقُولاتِ عَلى أنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ جَلَسَ إنْسانٌ في ضَوْءِ السِّراجِ وإنْسانٌ آخَرُ في الظُّلْمَةِ، فَإنَّ الَّذِي جَلَسَ في الضَّوْءِ لا يَرى مَكانَ الجالِسِ في الظُّلْمَةِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُظْلِمًا. وأمّا الَّذِي جَلَسَ في الظُّلْمَةِ فَإنَّهُ يَرى ذَلِكَ الَّذِي كانَ جالِسًا في الضَّوْءِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُضِيئًا، ولَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ صِفَةً قائِمَةً بِالهَواءِ لَما اخْتَلَفَتِ الأحْوالُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاظِرِينَ، فَثَبَتَ أنَّ الظُّلْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ، ثُمَّ لَمّا رَكَّبَها وجَعَلَها سَماواتٍ وكَواكِبَ وشَمْسًا وقَمَرًا، وأحْدَثَ صِفَةَ الضَّوْءِ فِيها فَحِينَئِذٍ صارَتْ مُسْتَنِيرَةً، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ حِينَ قَصَدَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها السَّماواتِ والشَّمْسَ صفحة ٩١ والقَمَرَ كانَتْ مُظْلِمَةً، فَصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالدُّخانِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّخانِ إلّا أجْزاءً مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُتَواصِلَةٍ عَدِيمَةَ النُّورِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. * * * البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ السَّماءِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ السَّماءِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّناقُضَ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، والجَوابُ المَشْهُورُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ أوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَها السَّماءَ، ثُمَّ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ دَحا الأرْضَ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَزُولُ التَّناقُضُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ مُشْكِلٌ عِنْدِي مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ في اليَوْمِ الثّالِثِ ﴿جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وهَذِهِ الأحْوالُ لا يُمْكِنُ إدْخالُها في الوُجُودِ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً؛ لِأنَّ خَلْقَ الجِبالِ فِيها لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً مُنْبَسِطَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ مُفَسَّرٌ بِخَلْقِ الأشْجارِ والنَّباتِ والحَيَوانِ فِيها، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ صَيْرُورَتِها مُنْبَسِطَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وبَعْدَ أنْ جَعَلَها مَدْحُوَّةً. وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ المَذْكُورُ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الهَنْدَسِيَّةُ عَلى أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ، فَهي في أوَّلِ حُدُوثِها إنْ قُلْنا: إنَّها كانَتْ كُرَةً والآنَ بَقِيَتْ كُرَةً أيْضًا فَهي مُنْذُ خُلِقَتْ كانَتْ مَدْحُوَّةً، وإنْ قُلْنا: إنَّها غَيْرُ كُرَةٍ ثُمَّ جُعِلَتْ كُرَةً فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ مَدْحُوَّةً قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أُزِيلَ عَنْها هَذِهِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ في غايَةِ العِظَمِ، والجِسْمُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ مِن أوَّلِ دُخُولِهِ في الوُجُودِ يَكُونُ مَدْحُوًّا، فَيَكُونُ القَوْلُ بِأنَّها ما كانَتْ مَدْحُوَّةً، ثُمَّ صارَتْ مَدْحُوَّةً قَوْلًا باطِلًا، والَّذِي جاءَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ في مَوْضِعِ الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَهو كَلامٌ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ أنَّها عَلى عِظَمِها خُلِقَتْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَهَذا قَوْلٌ بِتَداخُلِ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ وهو مُحالٌ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ خَلَقَ أوَّلًا أجْزاءً صَغِيرَةً في ذَلِكَ المَوْضِعِ ثُمَّ خَلَقَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، وأُضِيفَتْ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أوَّلًا، فَهَذا يَكُونُ اعْتِرافًا بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ وقَعَ مُتَأخِّرًا عَنْ تَخْلِيقِ السَّماءِ. الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَصَلَ تَخْلِيقُ ذاتِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ وتَخْلِيقُ سائِرِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وتَخْلِيقُ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةَ أيّامٍ، فَإذا حَصَلَ دَحْوُ الأرْضِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ هَذا الدَّحْوُ في زَمانٍ آخَرَ بَعْدَ الأيّامِ السِّتَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ تَخْلِيقُ السَّماواتِ والأرْضِ في أكْثَرَ مِن سِتَّةِ أيّامٍ، وذَلِكَ باطِلٌ. الخامِسُ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ إيجادِ السَّماءِ والأرْضِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ إيجادُ السَّماءِ عَلى إيجادِ الأرْضِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ يَقْتَضِي إيجادَ المَوْجُودِ وأنَّهُ مُحالٌ باطِلٌ. فَهَذا تَمامُ البَحْثِ عَنْ هَذا الجَوابِ المَشْهُورِ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ قَبْلَ الأرْضِ، وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، وقالَ لَها قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأرْضَ فَأضْمَرَ فِيهِ كانَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] مَعْناهُ إنْ يَكُنْ سَرَقَ، وقالَ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤] والمَعْنى فَكانَ قَدْ جاءَها. هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ، وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (ثُمَّ) تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ، وكَلِمَةَ كانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ، والجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ صفحة ٩٢ التَّناقُضَ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إنَّما حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ: (ائْتِيا) عَلى الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ، بَقِيَ عَلى لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ ؟ الجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ، والتَّقْدِيرُ: ائْتِي شِئْتُما ذَلِكَ أوْ أبَيْتُما، كَما يَقُولُ الجَبّارُ لِمَن تَحْتَ يَدِهِ: لَتَفْعَلَنَّ هَذا شِئْتَ أوْ لَمْ تَشَأْ، ولَتَفْعَلَنَّهُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ بِمَعْنى طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ (قالَتا أتَيْنا) عَلى الطَّوْعِ لا عَلى الكَرْهِ، وقِيلَ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّماءَ والأرْضَ ثُمَّ ذَكَرَ الطَّوْعَ والكَرْهَ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ الطَّوْعُ إلى السَّماءِ والكَرْهُ إلى الأرْضِ بِتَخْصِيصِ السَّماءِ بِالطَّوْعِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماءَ في دَوامِ حَرَكَتِها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ لا يَخْتَلِفُ، تُشْبِهُ حَيَوانًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى بِخِلافِ الأرْضِ، فَإنَّها مُخْتَلِفَةُ الأحْوالِ، تارَةً تَكُونُ في السُّكُونِ وأُخْرى في الحَرَكاتِ المُضْطَرِبَةِ. وثانِيها: أنَّ المَوْجُودَ في السَّماءِ لَيْسَ لَها إلّا الطّاعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وأمّا أهْلُ الأرْضِ فَلَيْسَ الأمْرُ في حَقِّهِمْ كَذَلِكَ. وثالِثُها: السَّماءُ مَوْصُوفَةٌ بِكَمالِ الحالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، قالُوا: إنَّها أفْضَلُ الألْوانِ وهي المُسْتَنِيرَةُ، وأشْكالُها أفْضَلُ الأشْكالِ وهي المُسْتَدِيرَةُ، ومَكانُها أفْضَلُ الأمْكِنَةِ وهو الجَوُّ العالِي، وأجْرامُها أفْضَلُ الأجْرامِ وهي الكَواكِبُ المُتَلَأْلِئَةُ بِخِلافِ الأرْضِ فَإنَّها مَكانُ الظُّلْمَةِ والكَثافَةِ واخْتِلافِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ الذَّواتِ والصِّفاتِ. فَلا جَرَمَ وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ تَكَوُّنِ السَّماءِ بِالطَّوْعِ، وعَنْ تَكَوُّنِ الأرْضِ بِالكُرْهِ، وإذا كانَ مَدارُ خَلْقِ الأرْضِ عَلى الكُرْهِ كانَ أهْلُها مَوْصُوفِينَ أبَدًا بِما يُوجِبُ الكُرْهَ والكَرْبَ والقَهْرَ والقَسْرَ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (ائْتِيا) ومِن قَوْلِهِ: (أتَيْنا) ؟ الجَوابُ: المُرادُ ائْتِيا إلى الوُجُودِ والحُصُولِ وهو كَقَوْلِهِ (كُنْ فَيَكُونُ) وقِيلَ: المَعْنى ائْتِيا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ والوَصْفِ، أيْ بِأرْضٍ مَدْحُوَّةٍ قَرارًا ومِهادًا، وأيْ بِسَماءٍ مَقْبِيَّةٍ سَقْفًا لَهم، ومَعْنى الإتْيانِ الحُصُولُ والوُقُوعُ عَلى وفْقِ المُرادِ، كَما تَقُولُ: أتى عَمَلُهُ مَرْضِيًّا وجاءَ مَقْبُولًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المَعْنى لِتَأْتِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكم صاحِبَتَها الإتْيانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والتَّدْبِيرُ مِن كَوْنِ الأرْضِ قَرارًا لِلسَّماءِ وكَوْنِ السَّماءِ سَقْفًا لِلْأرْضِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلّا قِيلَ: طائِعِينَ عَلى اللَّفْظِ أوْ طائِعاتٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُما سَماواتٌ وأرَضُونَ ؟ الجَوابُ: لَمّا جُعِلْنَ مُخاطَباتٍ ومُجِيباتٍ ووُصِّينَ بِالطَّوْعِ والكَرْهِ قِيلَ طائِعِينَ في مَوْضِعِ طائِعاتٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: (ساجِدِينَ) [الحجر: ٢٩] ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى كَوْنِ السَّماواتِ أحْياءً، وقالَ: الأرْضُ في جَوْفِ السَّماواتِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ الصَّغِيرَةِ في جَوْفِ الجَبَلِ الكَبِيرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ صارَتِ اللَّفْظَةُ الدّالَّةُ العَقْلَ والحَياةُ غالِبَةً، إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ، لِإجْماعِ المُتَكَلِّمِينَ عَلى فَسادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ وقَضاءُ الشَّيْءِ إنَّما هو إتْمامُهُ والفَراغُ مِنهُ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى كَما قالَ: (طائِعِينَ) ونَحْوُهُ ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا مُفَسَّرًا بِسَبْعِ سَماواتٍ، والفَرْقُ بَيْنَ النَّصْبَيْنِ أنَّ أحَدَهُما عَلى الحالِ، والثّانِيَ عَلى التَّمْيِيزِ. صفحة ٩٣ ذَكَرَ أهْلُ الأثَرِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ وخَلَقَ ما في سائِرِ الأرْضِ في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، وخَلَقَ السَّماواتِ وما فِيها في يَوْمِ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ وفَرَغَ في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَخَلَقَ فِيها آدَمَ وهي السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَإنْ قِيلَ: اليَوْمُ عِبارَةٌ عَنِ النَّهارِ واللَّيْلِ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وقَبْلَ حُدُوثِ السَّماواتِ والشَّمْسِ والقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ اليَوْمِ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنَّهُ مَضى مِنَ المُدَّةِ ما لَوْ حَصَلَ هُناكَ فَلَكٌ وشَمْسٌ لَكانَ المِقْدارُ مُقَدَّرًا بِيَوْمٍ.

فصلت 41:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في الآيَةِ الأُولى أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكُمْ﴾ صفحة ٨٨ ﴿إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ هَذِهِ الأصْنامِ في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فَمَن هَذا صِفَتُهُ كَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيِنَّكم لَتَكْفُرُونَ“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وأمّا نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبُو عَمْرٍو فَعَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، إلّا أنَّهُما يَمُدّانِ، والباقُونَ هَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (أئِنَّكم) اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ عَنْهم شَيْئَيْنِ مُنْكَرَيْنِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ وثانِيهِما: إثْباتُ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ لَهُ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الكُفْرُ المَذْكُورُ أوَّلًا مُغايِرًا لِإثْباتِ الأنْدادِ لَهُ، ضَرُورَةَ أنَّ عَطْفَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ يُوجِبُ التَّغايُرَ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِن كُفْرِهِمْ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهم إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى حَشْرِ المَوْتى، فَلَمّا نازَعُوا في ثُبُوتِ هَذِهِ القُدْرَةِ فَقَدْ كَفَرُوا بِاللَّهِ. الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُنازِعُونَ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وفي بَعْثَةِ الأنْبِياءِ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْحٌ في الصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في الإلَهِيَّةِ، وهو كُفْرٌ بِاللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُضِيفُونَ إلَيْهِ الأوْلادَ، وذَلِكَ أيْضًا قَدْحٌ في الإلَهِيَّةِ، وهو يُوجِبُ الكُفْرَ بِاللَّهِ، فالحاصِلُ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ لِأجْلِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ، وأثْبَتُوا الأنْدادَ أيْضًا لِلَّهِ لِأجْلِ قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ تِلْكَ الأصْنامِ، واحْتَجَّ تَعالى عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِالتَّأْثِيرِ، فَقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِاللَّهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ أنْدادًا لِلَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وتَمَّمَ بَقِيَّةَ مَصالِحِها في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وخَلَقَ السَّماواتِ بِأسْرِها في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ؟ . فَمَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ، كَيْفَ يُعْقَلُ الكُفْرُ بِهِ، وإنْكارُ قُدْرَتِهِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ ؟ وكَيْفَ يُعْقَلُ إنْكارُ قُدْرَتِهِ عَلى التَّكْلِيفِ وعَلى بَعْثَةِ الأنْبِياءِ ؟ وكَيْفَ يُعْقَلُ جَعْلُ هَذِهِ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ أنْدادًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: مَنِ اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ عَلى إثْباتِ شَيْءٍ، فَذَلِكَ الشَّيْءُ المُسْتَدَلُّ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا عِنْدَ الخَصْمِ حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، وكَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أمْرٌ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ المَحْضِ، وإنَّما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ ووَحْيِ الأنْبِياءِ. والكُفّارُ كانُوا مُنازِعِينَ في الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ، فَلا يُعْقَلُ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ عَلَيْهِمْ، وإذا امْتَنَعَ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ عَلَيْهِمُ امْتَنَعَ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى فَسادِ مَذاهِبِهِمْ، قُلْنا: إثْباتُ كَوْنِ السَّماواتِ والأرْضِ مَخْلُوقَةً بِطَرِيقِ العَمَلِ مُمْكِنٌ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ أمْكَنَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ العَظِيمِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ لِلْكافِرِينَ: فَكَيْفَ يُعْقَلُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الإلَهِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ وبَيْنَ الصَّنَمِ الَّذِي هو جَمادٌ لا يَضُرُّ، ولا يَنْفَعُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ ؟ . بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى في الِاسْتِدْلالِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أثَرٌ، فَنَقُولُ: هَذا أيْضًا لَهُ أثَرٌ في هَذا البابِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ التَّوْراةِ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذا المَعْنى، فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، فَكُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أهْلِ الكِتابِ أنَّهم أصْحابُ العُلُومِ والحَقائِقِ، والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا قَدْ سَمِعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ هَذِهِ المَعانِيَ واعْتَقَدُوا في كَوْنِها حَقَّةً، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِالقُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الصَّغِيرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعَقْلِ جَعْلُ الخَشَبِ المَنجُورِ والحَجَرِ المَنحُوتِ شَرِيكًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ ؟ فَظَهَرَ بِما قَرَّرْنا أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ قَوِيٌّ حَسَنٌ. * * * صفحة ٨٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ ذَلِكَ المَوْجُودُ الَّذِي عَلِمْتَ مِن صِفَتِهِ وقُدْرَتِهِ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومُبْدِعُهم، فَكَيْفَ أثْبَتُّمْ لَهُ أنْدادًا مِنَ الخَشَبِ والحَجَرِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أخْبَرَ أنَّهُ أتى بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصُّنْعِ العَجِيبِ والفِعْلِ البَدِيعِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ والمُرادُ مِنها الجِبالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ كَوْنِها ﴿رَواسِيَ﴾ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِها﴾ ولِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [الرعد: ٣] قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى لَوْ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن تَحْتِها لَأوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الأساطِينَ التَّحْتانِيَّةَ هي الَّتِي أمْسَكَتْ هَذِهِ الأرْضَ الثَّقِيلَةَ عَنِ النُّزُولِ، ولَكِنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُ هَذِهِ الجِبالَ الثِّقالَ فَوْقَ الأرْضِ، لِيَرى الإنْسانُ بِعَيْنِهِ أنَّ الأرْضَ والجِبالَ أثْقالٌ عَلى أثْقالٍ، وكُلُّها مُفْتَقِرَةٌ إلى مُمْسِكٍ وحافِظٍ، وما ذاكَ الحافِظُ المُدَبِّرُ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى. والنَّوْعُ الثّانِي: مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ والبَرَكَةُ كَثْرَةُ الخَيْرِ، والخَيْراتُ الحاصِلَةُ مِنَ الأرْضِ أكْثَرُ مِمّا يُحِيطُ بِهِ الشَّرْحُ والبَيانُ، وقَدْ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ شَقَّ الأنْهارِ وخَلْقَ الجِبالِ وخَلْقَ الأشْجارِ والثِّمارِ وخَلْقَ أصْنافِ الحَيَواناتِ وكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الخَيْراتِ. والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى وقَدَّرَ فِيها أقْواتَ أهْلِها ومَعايِشَهم وما يُصْلِحُهم، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَدَّرَ أقْواتَ الأبْدانِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأبْدانَ، والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها مِنَ المَطَرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالأقْواتُ لِلْأرْضِ لا لِلسُّكّانِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ أرْضٍ حَظَّها مِنَ المَطَرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن إضافَةِ الأقْواتِ إلى الأرْضِ كَوْنُها مُتَوَلِّدَةً مِن تِلْكَ الأرْضِ، وحادِثَةً فِيها؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فالشَّيْءُ قَدْ يُضافُ إلى فاعِلِهِ تارَةً، وإلى مَحَلِّهِ أُخْرى، فَقَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ قَدَّرَ الأقْواتَ الَّتِي يَخْتَصُّ حُدُوثُها بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ كُلَّ بَلْدَةٍ مَعْدِنًا لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأشْياءِ المَطْلُوبَةِ، حَتّى إنَّ أهْلَ هَذِهِ البَلْدَةِ يَحْتاجُونَ إلى الأشْياءِ المُتَوَلِّدَةِ في تِلْكَ البَلْدَةِ وبِالعَكْسِ، فَصارَ هَذا المَعْنى سَبَبًا لِرَغْبَةِ النّاسِ في التِّجاراتِ مِنِ اكْتِسابِ الأمْوالِ. ورَأيْتُ مَن كانَ يَقُولُ صَنْعَةُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ أكْثَرُ الحِرَفِ والصَّنائِعِ بَرَكَةً؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ الأرْزاقَ والأقْواتَ في الأرْضِ قالَ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وإذا كانَتِ الأقْواتُ مَوْضُوعَةً في الأرْضِ كانَ طَلَبُها مِنَ الأرْضِ مُتَعَيِّنًا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ التَّدْبِيرِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّهُ أصْلَحَ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ أُخَرَ، وذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، فَيَكُونُ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ في سائِرِ الآياتِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ فَلَزِمَ التَّناقُضُ. واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجابُوا عَنْهُ بِأنْ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ مَعَ اليَوْمَيْنِ الأوَّلِينَ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشَرَةِ أيّامٍ، وسِرْتُ إلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُرِيدُ كِلا المَسافَتَيْنِ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أعْطَيْتُكَ ألْفًا في شَهْرٍ وأُلُوفًا في شَهْرَيْنِ فَيَدْخُلُ الألْفُ في الأُلُوفِ والشَّهْرُ في الشَّهْرَيْنِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، فَلَوْ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ الباقِيَةَ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كانَ أبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ وأبْعَدَ عَنِ الغَلَطِ، فَلِمَ تَرَكَ هَذا التَّصْرِيحَ، وذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ المُجْمَلَ ؟ صفحة ٩٠ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ عَلى ما إذا قالَ: خَلَقْتُ هَذِهِ الثَّلاثَةَ في يَوْمَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ في يَوْمَيْنِ مَعَ أنَّ اليَوْمَيْنِ ما كانا مُسْتَغْرَقَيْنِ بِذَلِكَ العَمَلِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الأرْضِ وخَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأيّامَ الأرْبَعَةَ صارَتْ مُسْتَغْرَقَةً في تِلْكَ الأعْمالِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ القِراءاتُ في قَوْلِهِ (سَواءً) ؟ والجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ (سَواءً) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، الجَرِّ عَلى الوَصْفِ، والنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: اسْتَوَتْ سَواءً، والرَّفْعِ عَلى: هي سَواءٌ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ مِن كَوْنِ تِلْكَ الأيّامِ الأرْبَعَةِ سَواءً ؟ فَنَقُولُ: إنَّ الأيّامَ قَدْ تَكُونُ مُتَساوِيَةَ المَقادِيرِ كالأيّامِ المَوْجُودَةِ في أماكِنِ خَطِّ الِاسْتِواءِ، وقَدْ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً كالأيّامِ المَوْجُودَةِ في سائِرِ الأماكِنِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأيّامَ الأرْبَعَةَ كانَتْ مُتَساوِيَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ. السُّؤالُ الخامِسُ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) ؟ الجَوابُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الزَّجّاجَ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالتَّقْدِيرُ ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ لِأجْلِ السّائِلِينَ، أيِ الطّالِبِينَ لِلْأقْواتِ المُحْتاجِينَ إلَيْها. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ والبَيانُ لِأجْلِ مَن سَألَ كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ الأرْضِ وما فِيها أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مِن قَوْلِهِمُ اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ اسْتَقامَ إلَيْهِ وامْتَدَّ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦] والمَعْنى ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماءِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، مِن غَيْرِ صَرْفٍ يَصْرِفُهُ ذَلِكَ. البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ صاحِبُ ”الأثَرِ“ أنَّهُ كانَ عَرْشُ اللَّهِ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَأحْدَثَ اللَّهُ في ذَلِكَ الماءِ سُخُونَةً فارْتَفَعَ زَبَدٌ ودُخانٌ، أمّا الزَّبَدُ فَيَبْقى عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ اليُبُوسَةَ، وأحْدَثَ مِنهُ الأرْضَ، وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ السَّماواتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في القُرْآنِ، فَإنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وإلّا فَلا، وهَذِهِ القِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ الكِتابِ الَّذِي يَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ التَّوْراةُ، وفِيهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ مِن أجْزاءٍ مُظْلِمَةٍ، وهَذا هو المَعْقُولُ؛ لِأنّا قَدْ دَلَّلْنا في المَعْقُولاتِ عَلى أنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ جَلَسَ إنْسانٌ في ضَوْءِ السِّراجِ وإنْسانٌ آخَرُ في الظُّلْمَةِ، فَإنَّ الَّذِي جَلَسَ في الضَّوْءِ لا يَرى مَكانَ الجالِسِ في الظُّلْمَةِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُظْلِمًا. وأمّا الَّذِي جَلَسَ في الظُّلْمَةِ فَإنَّهُ يَرى ذَلِكَ الَّذِي كانَ جالِسًا في الضَّوْءِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُضِيئًا، ولَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ صِفَةً قائِمَةً بِالهَواءِ لَما اخْتَلَفَتِ الأحْوالُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاظِرِينَ، فَثَبَتَ أنَّ الظُّلْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ، ثُمَّ لَمّا رَكَّبَها وجَعَلَها سَماواتٍ وكَواكِبَ وشَمْسًا وقَمَرًا، وأحْدَثَ صِفَةَ الضَّوْءِ فِيها فَحِينَئِذٍ صارَتْ مُسْتَنِيرَةً، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ حِينَ قَصَدَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها السَّماواتِ والشَّمْسَ صفحة ٩١ والقَمَرَ كانَتْ مُظْلِمَةً، فَصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالدُّخانِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّخانِ إلّا أجْزاءً مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُتَواصِلَةٍ عَدِيمَةَ النُّورِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. * * * البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ السَّماءِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ السَّماءِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّناقُضَ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، والجَوابُ المَشْهُورُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ أوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَها السَّماءَ، ثُمَّ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ دَحا الأرْضَ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَزُولُ التَّناقُضُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ مُشْكِلٌ عِنْدِي مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ في اليَوْمِ الثّالِثِ ﴿جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وهَذِهِ الأحْوالُ لا يُمْكِنُ إدْخالُها في الوُجُودِ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً؛ لِأنَّ خَلْقَ الجِبالِ فِيها لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً مُنْبَسِطَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ مُفَسَّرٌ بِخَلْقِ الأشْجارِ والنَّباتِ والحَيَوانِ فِيها، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ صَيْرُورَتِها مُنْبَسِطَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وبَعْدَ أنْ جَعَلَها مَدْحُوَّةً. وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ المَذْكُورُ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الهَنْدَسِيَّةُ عَلى أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ، فَهي في أوَّلِ حُدُوثِها إنْ قُلْنا: إنَّها كانَتْ كُرَةً والآنَ بَقِيَتْ كُرَةً أيْضًا فَهي مُنْذُ خُلِقَتْ كانَتْ مَدْحُوَّةً، وإنْ قُلْنا: إنَّها غَيْرُ كُرَةٍ ثُمَّ جُعِلَتْ كُرَةً فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ مَدْحُوَّةً قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أُزِيلَ عَنْها هَذِهِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ في غايَةِ العِظَمِ، والجِسْمُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ مِن أوَّلِ دُخُولِهِ في الوُجُودِ يَكُونُ مَدْحُوًّا، فَيَكُونُ القَوْلُ بِأنَّها ما كانَتْ مَدْحُوَّةً، ثُمَّ صارَتْ مَدْحُوَّةً قَوْلًا باطِلًا، والَّذِي جاءَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ في مَوْضِعِ الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَهو كَلامٌ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ أنَّها عَلى عِظَمِها خُلِقَتْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَهَذا قَوْلٌ بِتَداخُلِ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ وهو مُحالٌ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ خَلَقَ أوَّلًا أجْزاءً صَغِيرَةً في ذَلِكَ المَوْضِعِ ثُمَّ خَلَقَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، وأُضِيفَتْ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أوَّلًا، فَهَذا يَكُونُ اعْتِرافًا بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ وقَعَ مُتَأخِّرًا عَنْ تَخْلِيقِ السَّماءِ. الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَصَلَ تَخْلِيقُ ذاتِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ وتَخْلِيقُ سائِرِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وتَخْلِيقُ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةَ أيّامٍ، فَإذا حَصَلَ دَحْوُ الأرْضِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ هَذا الدَّحْوُ في زَمانٍ آخَرَ بَعْدَ الأيّامِ السِّتَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ تَخْلِيقُ السَّماواتِ والأرْضِ في أكْثَرَ مِن سِتَّةِ أيّامٍ، وذَلِكَ باطِلٌ. الخامِسُ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ إيجادِ السَّماءِ والأرْضِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ إيجادُ السَّماءِ عَلى إيجادِ الأرْضِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ يَقْتَضِي إيجادَ المَوْجُودِ وأنَّهُ مُحالٌ باطِلٌ. فَهَذا تَمامُ البَحْثِ عَنْ هَذا الجَوابِ المَشْهُورِ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ قَبْلَ الأرْضِ، وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، وقالَ لَها قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأرْضَ فَأضْمَرَ فِيهِ كانَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] مَعْناهُ إنْ يَكُنْ سَرَقَ، وقالَ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤] والمَعْنى فَكانَ قَدْ جاءَها. هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ، وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (ثُمَّ) تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ، وكَلِمَةَ كانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ، والجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ صفحة ٩٢ التَّناقُضَ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إنَّما حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ: (ائْتِيا) عَلى الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ، بَقِيَ عَلى لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ ؟ الجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ، والتَّقْدِيرُ: ائْتِي شِئْتُما ذَلِكَ أوْ أبَيْتُما، كَما يَقُولُ الجَبّارُ لِمَن تَحْتَ يَدِهِ: لَتَفْعَلَنَّ هَذا شِئْتَ أوْ لَمْ تَشَأْ، ولَتَفْعَلَنَّهُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ بِمَعْنى طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ (قالَتا أتَيْنا) عَلى الطَّوْعِ لا عَلى الكَرْهِ، وقِيلَ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّماءَ والأرْضَ ثُمَّ ذَكَرَ الطَّوْعَ والكَرْهَ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ الطَّوْعُ إلى السَّماءِ والكَرْهُ إلى الأرْضِ بِتَخْصِيصِ السَّماءِ بِالطَّوْعِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماءَ في دَوامِ حَرَكَتِها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ لا يَخْتَلِفُ، تُشْبِهُ حَيَوانًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى بِخِلافِ الأرْضِ، فَإنَّها مُخْتَلِفَةُ الأحْوالِ، تارَةً تَكُونُ في السُّكُونِ وأُخْرى في الحَرَكاتِ المُضْطَرِبَةِ. وثانِيها: أنَّ المَوْجُودَ في السَّماءِ لَيْسَ لَها إلّا الطّاعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وأمّا أهْلُ الأرْضِ فَلَيْسَ الأمْرُ في حَقِّهِمْ كَذَلِكَ. وثالِثُها: السَّماءُ مَوْصُوفَةٌ بِكَمالِ الحالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، قالُوا: إنَّها أفْضَلُ الألْوانِ وهي المُسْتَنِيرَةُ، وأشْكالُها أفْضَلُ الأشْكالِ وهي المُسْتَدِيرَةُ، ومَكانُها أفْضَلُ الأمْكِنَةِ وهو الجَوُّ العالِي، وأجْرامُها أفْضَلُ الأجْرامِ وهي الكَواكِبُ المُتَلَأْلِئَةُ بِخِلافِ الأرْضِ فَإنَّها مَكانُ الظُّلْمَةِ والكَثافَةِ واخْتِلافِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ الذَّواتِ والصِّفاتِ. فَلا جَرَمَ وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ تَكَوُّنِ السَّماءِ بِالطَّوْعِ، وعَنْ تَكَوُّنِ الأرْضِ بِالكُرْهِ، وإذا كانَ مَدارُ خَلْقِ الأرْضِ عَلى الكُرْهِ كانَ أهْلُها مَوْصُوفِينَ أبَدًا بِما يُوجِبُ الكُرْهَ والكَرْبَ والقَهْرَ والقَسْرَ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (ائْتِيا) ومِن قَوْلِهِ: (أتَيْنا) ؟ الجَوابُ: المُرادُ ائْتِيا إلى الوُجُودِ والحُصُولِ وهو كَقَوْلِهِ (كُنْ فَيَكُونُ) وقِيلَ: المَعْنى ائْتِيا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ والوَصْفِ، أيْ بِأرْضٍ مَدْحُوَّةٍ قَرارًا ومِهادًا، وأيْ بِسَماءٍ مَقْبِيَّةٍ سَقْفًا لَهم، ومَعْنى الإتْيانِ الحُصُولُ والوُقُوعُ عَلى وفْقِ المُرادِ، كَما تَقُولُ: أتى عَمَلُهُ مَرْضِيًّا وجاءَ مَقْبُولًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المَعْنى لِتَأْتِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكم صاحِبَتَها الإتْيانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والتَّدْبِيرُ مِن كَوْنِ الأرْضِ قَرارًا لِلسَّماءِ وكَوْنِ السَّماءِ سَقْفًا لِلْأرْضِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلّا قِيلَ: طائِعِينَ عَلى اللَّفْظِ أوْ طائِعاتٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُما سَماواتٌ وأرَضُونَ ؟ الجَوابُ: لَمّا جُعِلْنَ مُخاطَباتٍ ومُجِيباتٍ ووُصِّينَ بِالطَّوْعِ والكَرْهِ قِيلَ طائِعِينَ في مَوْضِعِ طائِعاتٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: (ساجِدِينَ) [الحجر: ٢٩] ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى كَوْنِ السَّماواتِ أحْياءً، وقالَ: الأرْضُ في جَوْفِ السَّماواتِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ الصَّغِيرَةِ في جَوْفِ الجَبَلِ الكَبِيرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ صارَتِ اللَّفْظَةُ الدّالَّةُ العَقْلَ والحَياةُ غالِبَةً، إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ، لِإجْماعِ المُتَكَلِّمِينَ عَلى فَسادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ وقَضاءُ الشَّيْءِ إنَّما هو إتْمامُهُ والفَراغُ مِنهُ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى كَما قالَ: (طائِعِينَ) ونَحْوُهُ ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا مُفَسَّرًا بِسَبْعِ سَماواتٍ، والفَرْقُ بَيْنَ النَّصْبَيْنِ أنَّ أحَدَهُما عَلى الحالِ، والثّانِيَ عَلى التَّمْيِيزِ. صفحة ٩٣ ذَكَرَ أهْلُ الأثَرِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ وخَلَقَ ما في سائِرِ الأرْضِ في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، وخَلَقَ السَّماواتِ وما فِيها في يَوْمِ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ وفَرَغَ في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَخَلَقَ فِيها آدَمَ وهي السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَإنْ قِيلَ: اليَوْمُ عِبارَةٌ عَنِ النَّهارِ واللَّيْلِ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وقَبْلَ حُدُوثِ السَّماواتِ والشَّمْسِ والقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ اليَوْمِ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنَّهُ مَضى مِنَ المُدَّةِ ما لَوْ حَصَلَ هُناكَ فَلَكٌ وشَمْسٌ لَكانَ المِقْدارُ مُقَدَّرًا بِيَوْمٍ.

فصلت 41:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في الآيَةِ الأُولى أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكُمْ﴾ صفحة ٨٨ ﴿إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ هَذِهِ الأصْنامِ في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فَمَن هَذا صِفَتُهُ كَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيِنَّكم لَتَكْفُرُونَ“ بِهَمْزَةٍ وياءٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ ساكِنَةٍ بِلا مَدٍّ، وأمّا نافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ وأبُو عَمْرٍو فَعَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، إلّا أنَّهُما يَمُدّانِ، والباقُونَ هَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (أئِنَّكم) اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وقَدْ ذَكَرَ عَنْهم شَيْئَيْنِ مُنْكَرَيْنِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ وثانِيهِما: إثْباتُ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ لَهُ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الكُفْرُ المَذْكُورُ أوَّلًا مُغايِرًا لِإثْباتِ الأنْدادِ لَهُ، ضَرُورَةَ أنَّ عَطْفَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ يُوجِبُ التَّغايُرَ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِن كُفْرِهِمْ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهم إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى حَشْرِ المَوْتى، فَلَمّا نازَعُوا في ثُبُوتِ هَذِهِ القُدْرَةِ فَقَدْ كَفَرُوا بِاللَّهِ. الثّانِي: أنَّهم كانُوا يُنازِعُونَ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وفي بَعْثَةِ الأنْبِياءِ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْحٌ في الصِّفاتِ المُعْتَبَرَةِ في الإلَهِيَّةِ، وهو كُفْرٌ بِاللَّهِ. الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُضِيفُونَ إلَيْهِ الأوْلادَ، وذَلِكَ أيْضًا قَدْحٌ في الإلَهِيَّةِ، وهو يُوجِبُ الكُفْرَ بِاللَّهِ، فالحاصِلُ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ لِأجْلِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الأشْياءِ، وأثْبَتُوا الأنْدادَ أيْضًا لِلَّهِ لِأجْلِ قَوْلِهِمْ بِإلَهِيَّةِ تِلْكَ الأصْنامِ، واحْتَجَّ تَعالى عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ بِالتَّأْثِيرِ، فَقالَ: كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِاللَّهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ أنْدادًا لِلَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وتَمَّمَ بَقِيَّةَ مَصالِحِها في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وخَلَقَ السَّماواتِ بِأسْرِها في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ؟ . فَمَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ، كَيْفَ يُعْقَلُ الكُفْرُ بِهِ، وإنْكارُ قُدْرَتِهِ عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ ؟ وكَيْفَ يُعْقَلُ إنْكارُ قُدْرَتِهِ عَلى التَّكْلِيفِ وعَلى بَعْثَةِ الأنْبِياءِ ؟ وكَيْفَ يُعْقَلُ جَعْلُ هَذِهِ الأصْنامِ الخَسِيسَةِ أنْدادًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: مَنِ اسْتَدَلَّ بِشَيْءٍ عَلى إثْباتِ شَيْءٍ، فَذَلِكَ الشَّيْءُ المُسْتَدَلُّ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا عِنْدَ الخَصْمِ حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، وكَوْنُهُ تَعالى خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أمْرٌ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ المَحْضِ، وإنَّما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ ووَحْيِ الأنْبِياءِ. والكُفّارُ كانُوا مُنازِعِينَ في الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ، فَلا يُعْقَلُ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ عَلَيْهِمْ، وإذا امْتَنَعَ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ عَلَيْهِمُ امْتَنَعَ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى فَسادِ مَذاهِبِهِمْ، قُلْنا: إثْباتُ كَوْنِ السَّماواتِ والأرْضِ مَخْلُوقَةً بِطَرِيقِ العَمَلِ مُمْكِنٌ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ أمْكَنَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ القاهِرِ العَظِيمِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ لِلْكافِرِينَ: فَكَيْفَ يُعْقَلُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الإلَهِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ وبَيْنَ الصَّنَمِ الَّذِي هو جَمادٌ لا يَضُرُّ، ولا يَنْفَعُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ ؟ . بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَحِينَئِذٍ لا يَبْقى في الِاسْتِدْلالِ بِكَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أثَرٌ، فَنَقُولُ: هَذا أيْضًا لَهُ أثَرٌ في هَذا البابِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ التَّوْراةِ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذا المَعْنى، فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، فَكُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أهْلِ الكِتابِ أنَّهم أصْحابُ العُلُومِ والحَقائِقِ، والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا قَدْ سَمِعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ هَذِهِ المَعانِيَ واعْتَقَدُوا في كَوْنِها حَقَّةً، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِالقُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ في هَذِهِ المُدَّةِ الصَّغِيرَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِالعَقْلِ جَعْلُ الخَشَبِ المَنجُورِ والحَجَرِ المَنحُوتِ شَرِيكًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ والإلَهِيَّةِ ؟ فَظَهَرَ بِما قَرَّرْنا أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ قَوِيٌّ حَسَنٌ. * * * صفحة ٨٩ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ ذَلِكَ المَوْجُودُ الَّذِي عَلِمْتَ مِن صِفَتِهِ وقُدْرَتِهِ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ هو رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُهم ومُبْدِعُهم، فَكَيْفَ أثْبَتُّمْ لَهُ أنْدادًا مِنَ الخَشَبِ والحَجَرِ ؟ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ خالِقًا لِلْأرْضِ في يَوْمَيْنِ أخْبَرَ أنَّهُ أتى بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصُّنْعِ العَجِيبِ والفِعْلِ البَدِيعِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ والمُرادُ مِنها الجِبالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ كَوْنِها ﴿رَواسِيَ﴾ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِها﴾ ولِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [الرعد: ٣] قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى لَوْ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن تَحْتِها لَأوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الأساطِينَ التَّحْتانِيَّةَ هي الَّتِي أمْسَكَتْ هَذِهِ الأرْضَ الثَّقِيلَةَ عَنِ النُّزُولِ، ولَكِنَّهُ تَعالى قالَ خَلَقْتُ هَذِهِ الجِبالَ الثِّقالَ فَوْقَ الأرْضِ، لِيَرى الإنْسانُ بِعَيْنِهِ أنَّ الأرْضَ والجِبالَ أثْقالٌ عَلى أثْقالٍ، وكُلُّها مُفْتَقِرَةٌ إلى مُمْسِكٍ وحافِظٍ، وما ذاكَ الحافِظُ المُدَبِّرُ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى. والنَّوْعُ الثّانِي: مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ والبَرَكَةُ كَثْرَةُ الخَيْرِ، والخَيْراتُ الحاصِلَةُ مِنَ الأرْضِ أكْثَرُ مِمّا يُحِيطُ بِهِ الشَّرْحُ والبَيانُ، وقَدْ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ شَقَّ الأنْهارِ وخَلْقَ الجِبالِ وخَلْقَ الأشْجارِ والثِّمارِ وخَلْقَ أصْنافِ الحَيَواناتِ وكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الخَيْراتِ. والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى وقَدَّرَ فِيها أقْواتَ أهْلِها ومَعايِشَهم وما يُصْلِحُهم، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَدَّرَ أقْواتَ الأبْدانِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأبْدانَ، والقَوْلُ الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها مِنَ المَطَرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالأقْواتُ لِلْأرْضِ لا لِلسُّكّانِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ أرْضٍ حَظَّها مِنَ المَطَرِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن إضافَةِ الأقْواتِ إلى الأرْضِ كَوْنُها مُتَوَلِّدَةً مِن تِلْكَ الأرْضِ، وحادِثَةً فِيها؛ لِأنَّ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فالشَّيْءُ قَدْ يُضافُ إلى فاعِلِهِ تارَةً، وإلى مَحَلِّهِ أُخْرى، فَقَوْلُهُ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ قَدَّرَ الأقْواتَ الَّتِي يَخْتَصُّ حُدُوثُها بِها، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ كُلَّ بَلْدَةٍ مَعْدِنًا لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأشْياءِ المَطْلُوبَةِ، حَتّى إنَّ أهْلَ هَذِهِ البَلْدَةِ يَحْتاجُونَ إلى الأشْياءِ المُتَوَلِّدَةِ في تِلْكَ البَلْدَةِ وبِالعَكْسِ، فَصارَ هَذا المَعْنى سَبَبًا لِرَغْبَةِ النّاسِ في التِّجاراتِ مِنِ اكْتِسابِ الأمْوالِ. ورَأيْتُ مَن كانَ يَقُولُ صَنْعَةُ الزِّراعَةِ والحِراثَةِ أكْثَرُ الحِرَفِ والصَّنائِعِ بَرَكَةً؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ الأرْزاقَ والأقْواتَ في الأرْضِ قالَ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وإذا كانَتِ الأقْواتُ مَوْضُوعَةً في الأرْضِ كانَ طَلَبُها مِنَ الأرْضِ مُتَعَيِّنًا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ التَّدْبِيرِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّهُ أصْلَحَ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ أُخَرَ، وذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، فَيَكُونُ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ في سائِرِ الآياتِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ فَلَزِمَ التَّناقُضُ. واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجابُوا عَنْهُ بِأنْ قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ مَعَ اليَوْمَيْنِ الأوَّلِينَ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى بَغْدادَ في عَشَرَةِ أيّامٍ، وسِرْتُ إلى الكُوفَةِ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُرِيدُ كِلا المَسافَتَيْنِ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أعْطَيْتُكَ ألْفًا في شَهْرٍ وأُلُوفًا في شَهْرَيْنِ فَيَدْخُلُ الألْفُ في الأُلُوفِ والشَّهْرُ في الشَّهْرَيْنِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، فَلَوْ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ الباقِيَةَ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كانَ أبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ وأبْعَدَ عَنِ الغَلَطِ، فَلِمَ تَرَكَ هَذا التَّصْرِيحَ، وذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ المُجْمَلَ ؟ صفحة ٩٠ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ عَلى ما إذا قالَ: خَلَقْتُ هَذِهِ الثَّلاثَةَ في يَوْمَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ في يَوْمَيْنِ مَعَ أنَّ اليَوْمَيْنِ ما كانا مُسْتَغْرَقَيْنِ بِذَلِكَ العَمَلِ، أمّا لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الأرْضِ وخَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأيّامَ الأرْبَعَةَ صارَتْ مُسْتَغْرَقَةً في تِلْكَ الأعْمالِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. السُّؤالُ الثّالِثُ: كَيْفَ القِراءاتُ في قَوْلِهِ (سَواءً) ؟ والجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ (سَواءً) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، الجَرِّ عَلى الوَصْفِ، والنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ: اسْتَوَتْ سَواءً، والرَّفْعِ عَلى: هي سَواءٌ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ما المُرادُ مِن كَوْنِ تِلْكَ الأيّامِ الأرْبَعَةِ سَواءً ؟ فَنَقُولُ: إنَّ الأيّامَ قَدْ تَكُونُ مُتَساوِيَةَ المَقادِيرِ كالأيّامِ المَوْجُودَةِ في أماكِنِ خَطِّ الِاسْتِواءِ، وقَدْ تَكُونُ مُخْتَلِفَةً كالأيّامِ المَوْجُودَةِ في سائِرِ الأماكِنِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الأيّامَ الأرْبَعَةَ كانَتْ مُتَساوِيَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ. السُّؤالُ الخامِسُ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) ؟ الجَوابُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الزَّجّاجَ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالتَّقْدِيرُ ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ لِأجْلِ السّائِلِينَ، أيِ الطّالِبِينَ لِلْأقْواتِ المُحْتاجِينَ إلَيْها. والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ والبَيانُ لِأجْلِ مَن سَألَ كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ تَخْلِيقِ الأرْضِ وما فِيها أتْبَعَهُ بِكَيْفِيَّةِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ مِن قَوْلِهِمُ اسْتَوى إلى مَكانِ كَذا إذا تَوَجَّهَ إلَيْهِ تَوَجُّهًا لا يَلْتَفِتُ مَعَهُ إلى عَمَلٍ آخَرَ، وهو مِنَ الِاسْتِواءِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُمُ اسْتَقامَ إلَيْهِ وامْتَدَّ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦] والمَعْنى ثُمَّ دَعاهُ داعِي الحِكْمَةِ إلى خَلْقِ السَّماءِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، مِن غَيْرِ صَرْفٍ يَصْرِفُهُ ذَلِكَ. البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ صاحِبُ ”الأثَرِ“ أنَّهُ كانَ عَرْشُ اللَّهِ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَأحْدَثَ اللَّهُ في ذَلِكَ الماءِ سُخُونَةً فارْتَفَعَ زَبَدٌ ودُخانٌ، أمّا الزَّبَدُ فَيَبْقى عَلى وجْهِ الماءِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ اليُبُوسَةَ، وأحْدَثَ مِنهُ الأرْضَ، وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعَلا فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ السَّماواتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في القُرْآنِ، فَإنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وإلّا فَلا، وهَذِهِ القِصَّةُ مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ الكِتابِ الَّذِي يَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ التَّوْراةُ، وفِيهِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ مِن أجْزاءٍ مُظْلِمَةٍ، وهَذا هو المَعْقُولُ؛ لِأنّا قَدْ دَلَّلْنا في المَعْقُولاتِ عَلى أنَّ الظُّلْمَةَ لَيْسَتْ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ جَلَسَ إنْسانٌ في ضَوْءِ السِّراجِ وإنْسانٌ آخَرُ في الظُّلْمَةِ، فَإنَّ الَّذِي جَلَسَ في الضَّوْءِ لا يَرى مَكانَ الجالِسِ في الظُّلْمَةِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُظْلِمًا. وأمّا الَّذِي جَلَسَ في الظُّلْمَةِ فَإنَّهُ يَرى ذَلِكَ الَّذِي كانَ جالِسًا في الضَّوْءِ، ويَرى ذَلِكَ الهَواءَ مُضِيئًا، ولَوْ كانَتِ الظُّلْمَةُ صِفَةً قائِمَةً بِالهَواءِ لَما اخْتَلَفَتِ الأحْوالُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاظِرِينَ، فَثَبَتَ أنَّ الظُّلْمَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ، ثُمَّ لَمّا رَكَّبَها وجَعَلَها سَماواتٍ وكَواكِبَ وشَمْسًا وقَمَرًا، وأحْدَثَ صِفَةَ الضَّوْءِ فِيها فَحِينَئِذٍ صارَتْ مُسْتَنِيرَةً، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ حِينَ قَصَدَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَخْلُقَ مِنها السَّماواتِ والشَّمْسَ صفحة ٩١ والقَمَرَ كانَتْ مُظْلِمَةً، فَصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالدُّخانِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّخانِ إلّا أجْزاءً مُتَفَرِّقَةً غَيْرَ مُتَواصِلَةٍ عَدِيمَةَ النُّورِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في تَفْسِيرِ الدُّخانِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ. * * * البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ السَّماءِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ حَصَلَ بَعْدَ تَخْلِيقِ السَّماءِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّناقُضَ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، والجَوابُ المَشْهُورُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ أوَّلًا ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَها السَّماءَ، ثُمَّ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ دَحا الأرْضَ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَزُولُ التَّناقُضُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ مُشْكِلٌ عِنْدِي مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ في اليَوْمِ الثّالِثِ ﴿جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ وهَذِهِ الأحْوالُ لا يُمْكِنُ إدْخالُها في الوُجُودِ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً؛ لِأنَّ خَلْقَ الجِبالِ فِيها لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَدْحُوَّةً مُنْبَسِطَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبارَكَ فِيها﴾ مُفَسَّرٌ بِخَلْقِ الأشْجارِ والنَّباتِ والحَيَوانِ فِيها، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ صَيْرُورَتِها مُنْبَسِطَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماءَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وبَعْدَ أنْ جَعَلَها مَدْحُوَّةً. وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ المَذْكُورُ. الثّانِي: أنَّهُ قَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الهَنْدَسِيَّةُ عَلى أنَّ الأرْضَ كُرَةٌ، فَهي في أوَّلِ حُدُوثِها إنْ قُلْنا: إنَّها كانَتْ كُرَةً والآنَ بَقِيَتْ كُرَةً أيْضًا فَهي مُنْذُ خُلِقَتْ كانَتْ مَدْحُوَّةً، وإنْ قُلْنا: إنَّها غَيْرُ كُرَةٍ ثُمَّ جُعِلَتْ كُرَةً فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ مَدْحُوَّةً قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أُزِيلَ عَنْها هَذِهِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ باطِلٌ. الثّالِثُ: أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ في غايَةِ العِظَمِ، والجِسْمُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ مِن أوَّلِ دُخُولِهِ في الوُجُودِ يَكُونُ مَدْحُوًّا، فَيَكُونُ القَوْلُ بِأنَّها ما كانَتْ مَدْحُوَّةً، ثُمَّ صارَتْ مَدْحُوَّةً قَوْلًا باطِلًا، والَّذِي جاءَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ في مَوْضِعِ الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَهو كَلامٌ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ أنَّها عَلى عِظَمِها خُلِقَتْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَهَذا قَوْلٌ بِتَداخُلِ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ وهو مُحالٌ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ خَلَقَ أوَّلًا أجْزاءً صَغِيرَةً في ذَلِكَ المَوْضِعِ ثُمَّ خَلَقَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، وأُضِيفَتْ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أوَّلًا، فَهَذا يَكُونُ اعْتِرافًا بِأنَّ تَخْلِيقَ الأرْضِ وقَعَ مُتَأخِّرًا عَنْ تَخْلِيقِ السَّماءِ. الرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَصَلَ تَخْلِيقُ ذاتِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ وتَخْلِيقُ سائِرِ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وتَخْلِيقُ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةَ أيّامٍ، فَإذا حَصَلَ دَحْوُ الأرْضِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ هَذا الدَّحْوُ في زَمانٍ آخَرَ بَعْدَ الأيّامِ السِّتَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ تَخْلِيقُ السَّماواتِ والأرْضِ في أكْثَرَ مِن سِتَّةِ أيّامٍ، وذَلِكَ باطِلٌ. الخامِسُ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ إيجادِ السَّماءِ والأرْضِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ إيجادُ السَّماءِ عَلى إيجادِ الأرْضِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ يَقْتَضِي إيجادَ المَوْجُودِ وأنَّهُ مُحالٌ باطِلٌ. فَهَذا تَمامُ البَحْثِ عَنْ هَذا الجَوابِ المَشْهُورِ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ قَبْلَ الأرْضِ، وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ، وقالَ لَها قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأرْضَ فَأضْمَرَ فِيهِ كانَ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] مَعْناهُ إنْ يَكُنْ سَرَقَ، وقالَ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤] والمَعْنى فَكانَ قَدْ جاءَها. هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ، وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (ثُمَّ) تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ، وكَلِمَةَ كانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ، والجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ صفحة ٩٢ التَّناقُضَ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إنَّما حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ: (ائْتِيا) عَلى الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ، بَقِيَ عَلى لَفْظِ الآيَةِ سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ ؟ الجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ إظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ، والتَّقْدِيرُ: ائْتِي شِئْتُما ذَلِكَ أوْ أبَيْتُما، كَما يَقُولُ الجَبّارُ لِمَن تَحْتَ يَدِهِ: لَتَفْعَلَنَّ هَذا شِئْتَ أوْ لَمْ تَشَأْ، ولَتَفْعَلَنَّهُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ بِمَعْنى طائِعِينَ أوْ مُكْرَهِينَ (قالَتا أتَيْنا) عَلى الطَّوْعِ لا عَلى الكَرْهِ، وقِيلَ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ السَّماءَ والأرْضَ ثُمَّ ذَكَرَ الطَّوْعَ والكَرْهَ، فَوَجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ الطَّوْعُ إلى السَّماءِ والكَرْهُ إلى الأرْضِ بِتَخْصِيصِ السَّماءِ بِالطَّوْعِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ السَّماءَ في دَوامِ حَرَكَتِها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ لا يَخْتَلِفُ، تُشْبِهُ حَيَوانًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى بِخِلافِ الأرْضِ، فَإنَّها مُخْتَلِفَةُ الأحْوالِ، تارَةً تَكُونُ في السُّكُونِ وأُخْرى في الحَرَكاتِ المُضْطَرِبَةِ. وثانِيها: أنَّ المَوْجُودَ في السَّماءِ لَيْسَ لَها إلّا الطّاعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وأمّا أهْلُ الأرْضِ فَلَيْسَ الأمْرُ في حَقِّهِمْ كَذَلِكَ. وثالِثُها: السَّماءُ مَوْصُوفَةٌ بِكَمالِ الحالِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، قالُوا: إنَّها أفْضَلُ الألْوانِ وهي المُسْتَنِيرَةُ، وأشْكالُها أفْضَلُ الأشْكالِ وهي المُسْتَدِيرَةُ، ومَكانُها أفْضَلُ الأمْكِنَةِ وهو الجَوُّ العالِي، وأجْرامُها أفْضَلُ الأجْرامِ وهي الكَواكِبُ المُتَلَأْلِئَةُ بِخِلافِ الأرْضِ فَإنَّها مَكانُ الظُّلْمَةِ والكَثافَةِ واخْتِلافِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ الذَّواتِ والصِّفاتِ. فَلا جَرَمَ وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ تَكَوُّنِ السَّماءِ بِالطَّوْعِ، وعَنْ تَكَوُّنِ الأرْضِ بِالكُرْهِ، وإذا كانَ مَدارُ خَلْقِ الأرْضِ عَلى الكُرْهِ كانَ أهْلُها مَوْصُوفِينَ أبَدًا بِما يُوجِبُ الكُرْهَ والكَرْبَ والقَهْرَ والقَسْرَ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (ائْتِيا) ومِن قَوْلِهِ: (أتَيْنا) ؟ الجَوابُ: المُرادُ ائْتِيا إلى الوُجُودِ والحُصُولِ وهو كَقَوْلِهِ (كُنْ فَيَكُونُ) وقِيلَ: المَعْنى ائْتِيا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ والوَصْفِ، أيْ بِأرْضٍ مَدْحُوَّةٍ قَرارًا ومِهادًا، وأيْ بِسَماءٍ مَقْبِيَّةٍ سَقْفًا لَهم، ومَعْنى الإتْيانِ الحُصُولُ والوُقُوعُ عَلى وفْقِ المُرادِ، كَما تَقُولُ: أتى عَمَلُهُ مَرْضِيًّا وجاءَ مَقْبُولًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المَعْنى لِتَأْتِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنكم صاحِبَتَها الإتْيانَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والتَّدْبِيرُ مِن كَوْنِ الأرْضِ قَرارًا لِلسَّماءِ وكَوْنِ السَّماءِ سَقْفًا لِلْأرْضِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلّا قِيلَ: طائِعِينَ عَلى اللَّفْظِ أوْ طائِعاتٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُما سَماواتٌ وأرَضُونَ ؟ الجَوابُ: لَمّا جُعِلْنَ مُخاطَباتٍ ومُجِيباتٍ ووُصِّينَ بِالطَّوْعِ والكَرْهِ قِيلَ طائِعِينَ في مَوْضِعِ طائِعاتٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: (ساجِدِينَ) [الحجر: ٢٩] ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى كَوْنِ السَّماواتِ أحْياءً، وقالَ: الأرْضُ في جَوْفِ السَّماواتِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ الصَّغِيرَةِ في جَوْفِ الجَبَلِ الكَبِيرِ، فَلِهَذا السَّبَبِ صارَتِ اللَّفْظَةُ الدّالَّةُ العَقْلَ والحَياةُ غالِبَةً، إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ، لِإجْماعِ المُتَكَلِّمِينَ عَلى فَسادِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ وقَضاءُ الشَّيْءِ إنَّما هو إتْمامُهُ والفَراغُ مِنهُ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى السَّماءِ عَلى المَعْنى كَما قالَ: (طائِعِينَ) ونَحْوُهُ ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا مُفَسَّرًا بِسَبْعِ سَماواتٍ، والفَرْقُ بَيْنَ النَّصْبَيْنِ أنَّ أحَدَهُما عَلى الحالِ، والثّانِيَ عَلى التَّمْيِيزِ. صفحة ٩٣ ذَكَرَ أهْلُ الأثَرِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ وخَلَقَ ما في سائِرِ الأرْضِ في يَوْمِ الثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، وخَلَقَ السَّماواتِ وما فِيها في يَوْمِ الخَمِيسِ والجُمُعَةِ وفَرَغَ في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَخَلَقَ فِيها آدَمَ وهي السّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَإنْ قِيلَ: اليَوْمُ عِبارَةٌ عَنِ النَّهارِ واللَّيْلِ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِسَبَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وقَبْلَ حُدُوثِ السَّماواتِ والشَّمْسِ والقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ اليَوْمِ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنَّهُ مَضى مِنَ المُدَّةِ ما لَوْ حَصَلَ هُناكَ فَلَكٌ وشَمْسٌ لَكانَ المِقْدارُ مُقَدَّرًا بِيَوْمٍ.

فصلت 41:12

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ قالَ مُقاتِلٌ أمَرَ في كُلِّ سَماءٍ بِما أرادَ، وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها، وقالَ السُّدِّيُّ: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلَقَها مِنَ المَلائِكَةِ وما فِيها مِنَ البِحارِ وجِبالِ البَرَدِ، قالَ: ولِلَّهِ في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ يَحُجُّ إلَيْهِ ويَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُقابِلَ الكَعْبَةِ، ولَوْ وقَعَتْ مِنهُ حَصاةٌ ما وقَعَتْ إلّا عَلى الكَعْبَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، ولِلَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ كُلِّ سَماءٍ تَكْلِيفٌ خاصٌّ. فَمِنَ المَلائِكَةِ مَن هو في القِيامِ في أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ومِنهم رُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ ومِنهم سُجُودٌ لا يَرْفَعُونَ، وإذا كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مُخْتَصًّا بِأهْلِ ذَلِكَ السَّماءِ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ السَّماءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ أيْ وكانَ قَدْ خَصَّ كُلَّ سَماءٍ بِالأمْرِ المُضافِ إلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤] والمَعْنى فَكانَ قَدْ جاءَها. هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ وكانَ قَدْ أوْحى، وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لِأنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ وكَلِمَةَ كانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ فالجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ التَّناقُضَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ: ضَرَبْتُ اليَوْمَ زَيْدًا ثُمَّ ضَرَبْتُ عَمْرًا بِالأمْسِ، فَكَما أنَّ هَذا باطِلٌ فَكَذا ما ذَكَرْتُمُوهُ، وإنَّما يَجُوزُ تَأْوِيلُ كَلامِ اللَّهِ بِما لا يُؤَدِّي إلى وُقُوعِ التَّناقُضِ والرَّكاكَةِ فِيهِ. والمُخْتارُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: كَيْفَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: الخَلْقُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، والتَّقْدِيرُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى هو حُكْمُهُ بِأنَّهُ سَيُوجِدُهُ وقَضاؤُهُ بِذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ قَضى بِحُدُوثِهِ في يَوْمَيْنِ، وقَضاءُ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُحْدِثُ كَذا في مُدَّةِ كَذا، لا يَقْتَضِي حُدُوثَ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الحالِ، فَقَضاءُ اللَّهِ تَعالى بِحُدُوثِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى إحْداثِ السَّماءِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَقَدُّمُ إحْداثِ الأرْضِ عَلى إحْداثِ السَّماءِ، وحِينَئِذٍ يَزُولُ السُّؤالُ، فَهَذا ما وصَلْتُ إلَيْهِ في هَذِهِ المَوْضِعِ المُشْكِلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ السَّماءَ والأرْضَ بِالإتْيانِ فَأطاعا وامْتَثَلا وعِنْدَ هَذا حَصَلَ في الآيَةِ قَوْلانِ: القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ تَجْرِيَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُما بِالإتْيانِ فَأطاعاهُ، قالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أمَرَ الجِبالَ أنْ تَنْطِقَ مَعَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] صفحة ٩٤ واللَّهُ تَعالى تَجَلّى لِلْجَبَلِ قالَ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] واللَّهُ تَعالى أنْطَقَ الأيْدِيَ والأرْجُلَ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وإذْ كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ في ذاتِ السَّماءِ والأرْضِ حَياةً وعَقْلًا وفَهْمًا، ثُمَّ يُوَجِّهُ الأمْرَ والتَّكْلِيفَ عَلَيْهِما، ويَتَأكَّدُ هَذا الِاحْتِمالُ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ إلّا إذا مَنَعَ مِنهُ مانِعٌ، وهَهُنا لا مانِعَ، فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُما، فَقالَ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ وهَذا الجَمْعُ جَمْعُ ما يَعْقِلُ ويَعْلَمُ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها عارِفَةً بِاللَّهِ، مَخْصُوصَةً بِتَوْجِيهِ تَكالِيفِ اللَّهِ عَلَيْها، والإشْكالُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الإتْيانُ إلى الوُجُودِ والحُدُوثُ والحُصُولُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَحالَ تَوَجَّهَ هَذا الأمْرُ كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مَعْدُومَةً، إذْ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً لَصارَ حاصِلُ هَذا الأمْرِ أنْ يُقالَ: يا مَوْجُودُ كُنْ مَوْجُودًا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ فَثَبَتَ أنَّها حالَ تَوَجَّهَ هَذا الأمْرُ عَلَيْها كانَتْ مَعْدُومَةً، وإذا كانَتْ مَعْدُومَةً لَمْ تَكُنْ فاهِمَةً ولا عارِفَةً لِلْخِطابِ، فَلَمْ يَجُزْ تَوْجِيهُ الأمْرِ عَلَيْها. فَإنْ قالَ قائِلٌ: رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلسَّماواتِ: أطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وقالَ لِلْأرْضِ: شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْدَعَ فِيهِما هَذِهِ الأشْياءَ ثُمَّ أمَرَهُما بِإبْرازِها وإظْهارِها، فَنَقُولُ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ حُدُوثَهُما في ذاتِهِما، بَلْ يَصِيرُ المُرادُ مِن هَذا الأمْرِ أنْ يُظْهِرا ما كانَ مُودَعًا فِيهِما، إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُدُوثَ السَّماواتِ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ فَهَذا جُمْلَةُ ما يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في هَذا البَحْثِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ تَوْجِيهَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ أرادَ تَكْوِينَهُما فَلَمْ يَمْتَنِعا عَلَيْهِ ووُجِدَتا كَما أرادَهُما، وكانَتا في ذَلِكَ المَأْمُورِ المُطِيعِ إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ الأمِيرِ المُطاعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ: قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ لِمَ تَشُقُّنِي ؟ قالَ الوَتِدُ: اسْألْ مَن يَدُقُّنِي، فَإنَّ الحَجَرَ الَّذِي ورائِي ما خَلّانِي ورائِي. واعْلَمْ أنَّ هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وإنَّما جازَ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إذا قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إنَّما حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ عَلى الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرْنا. واعْلَمْ أنَّ إثْباتَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ فِيهِما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ المَأْمُورِ فِيهِما، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أسْكَنَ هَذِهِ السَّماواتِ المَلائِكَةَ، أوْ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأشْياءَ ونَهاهم عَنْ أشْياءَ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما خَلَقَ المَلائِكَةَ مَعَ السَّماواتِ، أوْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم قَبْلَ السَّماواتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أسْكَنَهم فِيها، وأيْضًا لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ الشَّرائِعِ الَّتِي أمَرَ المَلائِكَةَ بِها، وهَذِهِ الأسْرارُ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ البَشَرِ، بَلْ هي أعْلى مِن مَصاعِدِ أفْهامِهِمْ ومَرامِي أوْهامِهِمْ * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وهي النَّيِّراتُ الَّتِي خَلَقَها في السَّماواتِ، وخَصَّ كُلَّ واحِدٍ بِضَوْءٍ مُعَيَّنٍ، وسِرٍّ مُعَيَّنٍ، وطَبِيعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: (وحِفْظًا) يَعْنِي وحَفِظْناها حِفْظًا، يَعْنِي مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، فَأعَدَّ لِكُلِّ شَيْطانٍ نَجْمًا يَرْمِيهِ بِهِ ولا يُخْطِئُهُ، صفحة ٩٥ فَمِنها ما يَحْرِقُ، ومِنها ما يَقْتُلُ ومِنها ما يَجْعَلُهُ مُخَبَّلًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَقالَ: ”خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ والشَّجَرَ في يَوْمَيْنِ، وخَلَقَ في يَوْمِ الخَمِيسِ السَّماءَ، وخَلَقَ في يَوْمِ الجُمْعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ، ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ»﴾ [ق: ٣٨] . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ، قالَ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ والعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والعَلِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وما أحْسَنَ هَذِهِ الخاتِمَةَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأعْمالَ لا تُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ وعِلْمٍ مُحِيطٍ.

فصلت 41:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ إنَّما ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وحاصِلُهُ أنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأجْسامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ ؟ ولَمّا تَمَّمَ تِلْكَ الحُجَّةَ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ وبَيانُ ذَلِكَ لِأنَّ وظِيفَةَ الحُجَّةِ قَدْ تَمَّتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الجَهْلِ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ عِلاجٌ في حَقِّهِمْ إلّا إنْزالَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ بِمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاهِرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها صفحة ٩٦ وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ والإنْذارُ هو: التَّخْوِيفُ، قالَ المُبَرِّدُ: والصّاعِقَةُ الثّائِرَةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، وقُرِئَ (صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ عادٍ وثَمُودَ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ واجْتَهَدُوا بِهِمْ وأتَوْا بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ والإعْراضَ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ ولَأعْمَلَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ حِيلَتِي فِيهِ. السُّؤالُ الثّانِي: المَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ جاءَتْهم مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءُوا مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، كَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بِأنَّهم جاءُوهم ؟ قُلْنا: جاءَهم هُودٌ وصالِحٌ داعِيَيْنِ إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَكَأنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ قَدْ جاءُوهم. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ يَعْنِي أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ أمَرُوهم بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنْ في قَوْلِهِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ بِمَعْنى أيْ أوْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَعْبُدُوا أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ قَوْلُنا لَكم لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ أُولَئِكَ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ يَعْنِي أنَّهم كَذَّبُوا أُولَئِكَ الرُّسُلَ، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ إرْسالَ الرِّسالَةِ إلى البَشَرِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ إلى الخَلْقِ أفْضى إلى المَقْصُودِ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ. ولَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ مَعْناهُ: فَإذا أنْتُمْ بَشَرٌ ولَسْتُمْ بِمَلائِكَةٍ، فَأنْتُمْ لَسْتُمْ بِرُسُلٍ، وإذا لَمْ تَكُونُوا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَلْزَمْنا قَبُولُ قَوْلِكم، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ . واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبُهاتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ لَيْسَ بِإقْرارٍ مِنهم بِكَوْنِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ رُسُلًا، وإنَّما ذَكَرُوهُ حِكايَةً لِكَلامِ الرُّسُلِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] . «رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن قُرَيْشٍ: التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ، فَلَوِ التَمَسْتُمْ لَنا رَجُلًا عالِمًا بِالشِّعْرِ والسِّحْرِ والكِهانَةِ فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ عَنْ أمْرِهِ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والسِّحْرَ والكِهانَةَ وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفى عَلَيَّ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ ؟ لِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُنا ؟ فَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الرِّياسَةَ عَقَدْنا لَكَ اللِّواءَ فَكُنْتَ رَئِيسَنا، وإنْ تَكُنْ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُهُنَّ، أيَّ بَناتِ مَن شِئْتَ مِن قُرَيْشٍ، وإنْ كانَ المالُ مُرادَكَ جَمَعْنا لَكَ ما تَسْتَغْنِي بِهِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ وناشَدَهُ بِالرَّحِمِ، ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَخْرُجْ إلى قُرَيْشٍ، فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالُوا، لا نَرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبَأ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ وقالُوا: يا عُتْبَةُ ما حَبَسَكَ عَنّا إلّا أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ ؟ فَغَضِبَ وأقْسَمَ لا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أبَدًا، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ ما هو بِشِعْرٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ، ولَمّا بَلَغَ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ أمْسَكْتُ بِفِيهِ وناشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ، ولَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ صفحة ٩٧ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ» . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كُفْرَ قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ عَلى الإجْمالِ بَيَّنَ خاصِّيَّةَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهَذا الِاسْتِكْبارُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: إظْهارُ النَّخْوَةِ والكِبْرِ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ. والثّانِي: الِاسْتِعْلاءُ عَلى الغَيْرِ واسْتِخْدامُهم، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا مَخْصُوصِينَ بِكِبَرِ الأجْسامِ وشِدَّةِ القُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَغْتَرُّوا بِشِدَّةِ قُوَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا أقْوى مِن غَيْرِهِمْ، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، فَإنْ كانَتِ الزِّيادَةُ في القُوَّةِ تُوجِبُ كَوْنَ النّاقِصِ في طاعَةِ الكامِلِ، فَهَذِهِ المُعامَلَةُ تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهم مُنْقادِينَ لِلَّهِ تَعالى، خاضِعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ لِلَّهِ، فَقالُوا: القُوَّةُ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ القُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: صِيغَةُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إنَّما تَجْرِي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِأحَدِهِما مَعَ الآخَرِ نِسْبَةٌ، لَكِنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُتَناهِيَةٌ وقُدْرَةَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، والمُتَناهِي لا نِسْبَةَ لَهُ إلى غَيْرِ المُتَناهِي، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ؟ قُلْنا هَذا ورَدَ عَلى قانُونِ قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّها حَقٌّ ولَكِنَّهم جَحَدُوا كَما يَجْحَدُ المُوِدَعُ الوَدِيعَةَ. واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ لِتَقْرِيرِ السَّبَبِ الدّاعِي لَهم إلى الِاسْتِكْبارِ. واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ مَجامِعَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ (الإحْسانُ إلى الخَلْقِ والتَّعْظِيمُ لِلْخالِقِ)، فَقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُضادٌّ لِلْإحْسانِ إلى الخَلْقِ وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مُضادٌّ لِلتَّعْظِيمِ لِلْخالِقِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم قَدْ بَلَغُوا في الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ المُوجِبَةِ لِلْهَلاكِ والإبْطالِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَلِهَذا المَعْنى سَلَّطَ اللَّهُ العَذابَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وفي الصَّرْصَرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العاصِفَةُ الَّتِي تُصَرْصِرُ أيْ تُصَوِّتُ في هُبُوبِها، وفي عِلَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهٌ قِيلَ إنَّ الرِّياحَ عِنْدَ اشْتِدادِ هُبُوبِها يُسْمَعُ مِنها صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ الصَّرْصَرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الرِّياحُ بِهَذا الِاسْمِ، وقِيلَ: هو مِن صَرِيرِ البابِ، وقِيلَ: مِنَ الصَّرَّةِ والصَّيْحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها البارِدَةُ الَّتِي تُحْرِقُ بِبَرْدِها كَما تُحْرِقُ النّارُ بِحَرِّها، وأصْلُها مِنَ الصَّرِّ وهو البَرْدُ قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”الرِّياحُ ثَمانٍ أرْبَعٌ مِنها عَذابٌ: العاصِفُ والصَّرْصَرُ والعَقِيمُ والسَّمُومُ، وأرْبَعٌ مِنها رَحْمَةٌ: النّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ“» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرْسَلَ عَلى عِبادِهِ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ أهْلَكَ الكُلَّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ.

فصلت 41:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ إنَّما ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وحاصِلُهُ أنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأجْسامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ ؟ ولَمّا تَمَّمَ تِلْكَ الحُجَّةَ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ وبَيانُ ذَلِكَ لِأنَّ وظِيفَةَ الحُجَّةِ قَدْ تَمَّتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الجَهْلِ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ عِلاجٌ في حَقِّهِمْ إلّا إنْزالَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ بِمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاهِرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها صفحة ٩٦ وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ والإنْذارُ هو: التَّخْوِيفُ، قالَ المُبَرِّدُ: والصّاعِقَةُ الثّائِرَةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، وقُرِئَ (صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ عادٍ وثَمُودَ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ واجْتَهَدُوا بِهِمْ وأتَوْا بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ والإعْراضَ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ ولَأعْمَلَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ حِيلَتِي فِيهِ. السُّؤالُ الثّانِي: المَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ جاءَتْهم مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءُوا مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، كَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بِأنَّهم جاءُوهم ؟ قُلْنا: جاءَهم هُودٌ وصالِحٌ داعِيَيْنِ إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَكَأنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ قَدْ جاءُوهم. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ يَعْنِي أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ أمَرُوهم بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنْ في قَوْلِهِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ بِمَعْنى أيْ أوْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَعْبُدُوا أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ قَوْلُنا لَكم لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ أُولَئِكَ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ يَعْنِي أنَّهم كَذَّبُوا أُولَئِكَ الرُّسُلَ، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ إرْسالَ الرِّسالَةِ إلى البَشَرِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ إلى الخَلْقِ أفْضى إلى المَقْصُودِ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ. ولَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ مَعْناهُ: فَإذا أنْتُمْ بَشَرٌ ولَسْتُمْ بِمَلائِكَةٍ، فَأنْتُمْ لَسْتُمْ بِرُسُلٍ، وإذا لَمْ تَكُونُوا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَلْزَمْنا قَبُولُ قَوْلِكم، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ . واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبُهاتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ لَيْسَ بِإقْرارٍ مِنهم بِكَوْنِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ رُسُلًا، وإنَّما ذَكَرُوهُ حِكايَةً لِكَلامِ الرُّسُلِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] . «رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن قُرَيْشٍ: التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ، فَلَوِ التَمَسْتُمْ لَنا رَجُلًا عالِمًا بِالشِّعْرِ والسِّحْرِ والكِهانَةِ فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ عَنْ أمْرِهِ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والسِّحْرَ والكِهانَةَ وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفى عَلَيَّ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ ؟ لِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُنا ؟ فَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الرِّياسَةَ عَقَدْنا لَكَ اللِّواءَ فَكُنْتَ رَئِيسَنا، وإنْ تَكُنْ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُهُنَّ، أيَّ بَناتِ مَن شِئْتَ مِن قُرَيْشٍ، وإنْ كانَ المالُ مُرادَكَ جَمَعْنا لَكَ ما تَسْتَغْنِي بِهِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ وناشَدَهُ بِالرَّحِمِ، ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَخْرُجْ إلى قُرَيْشٍ، فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالُوا، لا نَرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبَأ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ وقالُوا: يا عُتْبَةُ ما حَبَسَكَ عَنّا إلّا أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ ؟ فَغَضِبَ وأقْسَمَ لا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أبَدًا، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ ما هو بِشِعْرٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ، ولَمّا بَلَغَ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ أمْسَكْتُ بِفِيهِ وناشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ، ولَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ صفحة ٩٧ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ» . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كُفْرَ قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ عَلى الإجْمالِ بَيَّنَ خاصِّيَّةَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهَذا الِاسْتِكْبارُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: إظْهارُ النَّخْوَةِ والكِبْرِ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ. والثّانِي: الِاسْتِعْلاءُ عَلى الغَيْرِ واسْتِخْدامُهم، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا مَخْصُوصِينَ بِكِبَرِ الأجْسامِ وشِدَّةِ القُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَغْتَرُّوا بِشِدَّةِ قُوَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا أقْوى مِن غَيْرِهِمْ، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، فَإنْ كانَتِ الزِّيادَةُ في القُوَّةِ تُوجِبُ كَوْنَ النّاقِصِ في طاعَةِ الكامِلِ، فَهَذِهِ المُعامَلَةُ تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهم مُنْقادِينَ لِلَّهِ تَعالى، خاضِعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ لِلَّهِ، فَقالُوا: القُوَّةُ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ القُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: صِيغَةُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إنَّما تَجْرِي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِأحَدِهِما مَعَ الآخَرِ نِسْبَةٌ، لَكِنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُتَناهِيَةٌ وقُدْرَةَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، والمُتَناهِي لا نِسْبَةَ لَهُ إلى غَيْرِ المُتَناهِي، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ؟ قُلْنا هَذا ورَدَ عَلى قانُونِ قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّها حَقٌّ ولَكِنَّهم جَحَدُوا كَما يَجْحَدُ المُوِدَعُ الوَدِيعَةَ. واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ لِتَقْرِيرِ السَّبَبِ الدّاعِي لَهم إلى الِاسْتِكْبارِ. واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ مَجامِعَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ (الإحْسانُ إلى الخَلْقِ والتَّعْظِيمُ لِلْخالِقِ)، فَقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُضادٌّ لِلْإحْسانِ إلى الخَلْقِ وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مُضادٌّ لِلتَّعْظِيمِ لِلْخالِقِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم قَدْ بَلَغُوا في الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ المُوجِبَةِ لِلْهَلاكِ والإبْطالِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَلِهَذا المَعْنى سَلَّطَ اللَّهُ العَذابَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وفي الصَّرْصَرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العاصِفَةُ الَّتِي تُصَرْصِرُ أيْ تُصَوِّتُ في هُبُوبِها، وفي عِلَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهٌ قِيلَ إنَّ الرِّياحَ عِنْدَ اشْتِدادِ هُبُوبِها يُسْمَعُ مِنها صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ الصَّرْصَرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الرِّياحُ بِهَذا الِاسْمِ، وقِيلَ: هو مِن صَرِيرِ البابِ، وقِيلَ: مِنَ الصَّرَّةِ والصَّيْحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها البارِدَةُ الَّتِي تُحْرِقُ بِبَرْدِها كَما تُحْرِقُ النّارُ بِحَرِّها، وأصْلُها مِنَ الصَّرِّ وهو البَرْدُ قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”الرِّياحُ ثَمانٍ أرْبَعٌ مِنها عَذابٌ: العاصِفُ والصَّرْصَرُ والعَقِيمُ والسَّمُومُ، وأرْبَعٌ مِنها رَحْمَةٌ: النّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ“» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرْسَلَ عَلى عِبادِهِ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ أهْلَكَ الكُلَّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ.

فصلت 41:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ إنَّما ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وحاصِلُهُ أنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأجْسامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ ؟ ولَمّا تَمَّمَ تِلْكَ الحُجَّةَ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ وبَيانُ ذَلِكَ لِأنَّ وظِيفَةَ الحُجَّةِ قَدْ تَمَّتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الجَهْلِ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ عِلاجٌ في حَقِّهِمْ إلّا إنْزالَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ بِمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاهِرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها صفحة ٩٦ وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ والإنْذارُ هو: التَّخْوِيفُ، قالَ المُبَرِّدُ: والصّاعِقَةُ الثّائِرَةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، وقُرِئَ (صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ عادٍ وثَمُودَ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ واجْتَهَدُوا بِهِمْ وأتَوْا بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ والإعْراضَ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ ولَأعْمَلَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ حِيلَتِي فِيهِ. السُّؤالُ الثّانِي: المَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ جاءَتْهم مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءُوا مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، كَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بِأنَّهم جاءُوهم ؟ قُلْنا: جاءَهم هُودٌ وصالِحٌ داعِيَيْنِ إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَكَأنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ قَدْ جاءُوهم. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ يَعْنِي أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ أمَرُوهم بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنْ في قَوْلِهِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ بِمَعْنى أيْ أوْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَعْبُدُوا أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ قَوْلُنا لَكم لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ أُولَئِكَ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ يَعْنِي أنَّهم كَذَّبُوا أُولَئِكَ الرُّسُلَ، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ إرْسالَ الرِّسالَةِ إلى البَشَرِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ إلى الخَلْقِ أفْضى إلى المَقْصُودِ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ. ولَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ مَعْناهُ: فَإذا أنْتُمْ بَشَرٌ ولَسْتُمْ بِمَلائِكَةٍ، فَأنْتُمْ لَسْتُمْ بِرُسُلٍ، وإذا لَمْ تَكُونُوا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَلْزَمْنا قَبُولُ قَوْلِكم، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ . واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبُهاتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ لَيْسَ بِإقْرارٍ مِنهم بِكَوْنِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ رُسُلًا، وإنَّما ذَكَرُوهُ حِكايَةً لِكَلامِ الرُّسُلِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] . «رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن قُرَيْشٍ: التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ، فَلَوِ التَمَسْتُمْ لَنا رَجُلًا عالِمًا بِالشِّعْرِ والسِّحْرِ والكِهانَةِ فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ عَنْ أمْرِهِ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والسِّحْرَ والكِهانَةَ وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفى عَلَيَّ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ ؟ لِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُنا ؟ فَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الرِّياسَةَ عَقَدْنا لَكَ اللِّواءَ فَكُنْتَ رَئِيسَنا، وإنْ تَكُنْ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُهُنَّ، أيَّ بَناتِ مَن شِئْتَ مِن قُرَيْشٍ، وإنْ كانَ المالُ مُرادَكَ جَمَعْنا لَكَ ما تَسْتَغْنِي بِهِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ وناشَدَهُ بِالرَّحِمِ، ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَخْرُجْ إلى قُرَيْشٍ، فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالُوا، لا نَرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبَأ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ وقالُوا: يا عُتْبَةُ ما حَبَسَكَ عَنّا إلّا أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ ؟ فَغَضِبَ وأقْسَمَ لا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أبَدًا، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ ما هو بِشِعْرٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ، ولَمّا بَلَغَ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ أمْسَكْتُ بِفِيهِ وناشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ، ولَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ صفحة ٩٧ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ» . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كُفْرَ قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ عَلى الإجْمالِ بَيَّنَ خاصِّيَّةَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهَذا الِاسْتِكْبارُ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: إظْهارُ النَّخْوَةِ والكِبْرِ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ. والثّانِي: الِاسْتِعْلاءُ عَلى الغَيْرِ واسْتِخْدامُهم، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا مَخْصُوصِينَ بِكِبَرِ الأجْسامِ وشِدَّةِ القُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَغْتَرُّوا بِشِدَّةِ قُوَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا أقْوى مِن غَيْرِهِمْ، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، فَإنْ كانَتِ الزِّيادَةُ في القُوَّةِ تُوجِبُ كَوْنَ النّاقِصِ في طاعَةِ الكامِلِ، فَهَذِهِ المُعامَلَةُ تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهم مُنْقادِينَ لِلَّهِ تَعالى، خاضِعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ لِلَّهِ، فَقالُوا: القُوَّةُ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ القُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: صِيغَةُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إنَّما تَجْرِي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِأحَدِهِما مَعَ الآخَرِ نِسْبَةٌ، لَكِنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُتَناهِيَةٌ وقُدْرَةَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، والمُتَناهِي لا نِسْبَةَ لَهُ إلى غَيْرِ المُتَناهِي، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ؟ قُلْنا هَذا ورَدَ عَلى قانُونِ قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّها حَقٌّ ولَكِنَّهم جَحَدُوا كَما يَجْحَدُ المُوِدَعُ الوَدِيعَةَ. واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ لِتَقْرِيرِ السَّبَبِ الدّاعِي لَهم إلى الِاسْتِكْبارِ. واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ مَجامِعَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ (الإحْسانُ إلى الخَلْقِ والتَّعْظِيمُ لِلْخالِقِ)، فَقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُضادٌّ لِلْإحْسانِ إلى الخَلْقِ وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مُضادٌّ لِلتَّعْظِيمِ لِلْخالِقِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم قَدْ بَلَغُوا في الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ المُوجِبَةِ لِلْهَلاكِ والإبْطالِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَلِهَذا المَعْنى سَلَّطَ اللَّهُ العَذابَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وفي الصَّرْصَرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العاصِفَةُ الَّتِي تُصَرْصِرُ أيْ تُصَوِّتُ في هُبُوبِها، وفي عِلَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهٌ قِيلَ إنَّ الرِّياحَ عِنْدَ اشْتِدادِ هُبُوبِها يُسْمَعُ مِنها صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ الصَّرْصَرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الرِّياحُ بِهَذا الِاسْمِ، وقِيلَ: هو مِن صَرِيرِ البابِ، وقِيلَ: مِنَ الصَّرَّةِ والصَّيْحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها البارِدَةُ الَّتِي تُحْرِقُ بِبَرْدِها كَما تُحْرِقُ النّارُ بِحَرِّها، وأصْلُها مِنَ الصَّرِّ وهو البَرْدُ قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”الرِّياحُ ثَمانٍ أرْبَعٌ مِنها عَذابٌ: العاصِفُ والصَّرْصَرُ والعَقِيمُ والسَّمُومُ، وأرْبَعٌ مِنها رَحْمَةٌ: النّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ“» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرْسَلَ عَلى عِبادِهِ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ أهْلَكَ الكُلَّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ.

فصلت 41:16

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٨ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”نَحْساتٍ“ بِسُكُونِ الحاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِ الحاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُقالُ نَحِسَ نَحْسًا نَقِيضَ سَعِدَ سَعْدًا فَهو نَحِسٌ، وأمّا نَحْسٌ فَهو إمّا مُخَفَّفُ نَحِسٍ أوْ صِفَةٌ عَلى فَعْلٍ أوْ وصْفٌ بِمَصْدَرٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأيّامِ قَدْ يَكُونُ نَحْسًا وبَعْضَها قَدْ يَكُونُ سَعْدًا، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في هَذا المَعْنى، أجابَ المُتَكَلِّمُونَ بِأنْ قالُوا ﴿أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ ذَواتِ غُبارٍ وتُرابٍ ثائِرٍ لا يَكادُ يُبْصَرُ فِيهِ ويُتَصَرَّفُ، وأيْضًا قالُوا: مَعْنى كَوْنِ هَذِهِ الأيّامِ نَحِساتٍ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم فِيها، أجابَ المُسْتَدِلُّ الأوَّلُ بِأنَّ النَّحِساتِ في وضْعِ اللُّغَةِ هي المَشْئُوماتُ لِأنَّ السَّعْدَ يُقابِلُهُ السَّعْدُ، والكَدِرَ يُقابِلُهُ الصّافِي، وأجابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ إيقاعِ ذَلِكَ العَذابِ في تِلْكَ الأيّامِ النَّحِساتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ تِلْكَ الأيّامِ نَحِسَةً مُغايِرًا لِذَلِكَ العَذابِ الَّذِي وقَعَ فِيها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ عَذابَ الهَوانِ والذُّلِّ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا، فَقابَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارَ بِإيصالِ الخِزْيِ والهَوانِ والذُّلِّ إلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ أشَدُّ إهانَةً وخِزْيًا ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ أنَّهم يَقَعُونَ في الخِزْيِ الشَّدِيدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ يَدْفَعُ ذَلِكَ الخِزْيَ عَنْهم. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ عادٍ أتْبَعَهُ بِقِصَّةِ ثَمُودَ: فَقالَ: (وأمّا ثَمُودُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”ثَمُودُ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، والرَّفْعُ أفْصَحُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الِابْتِداءِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الثّاءِ، وقَوْلُهُ (فَهَدَيْناهم) أيْ دَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ اخْتارُوا الدُّخُولَ في الضَّلالَةِ عَلى الدُّخُولِ في الرُّشْدِ. واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ المُوَصِّلَةِ إلى البُغْيَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ مَعَ أنَّ الإفْضاءَ إلى البُغْيَةِ لَمْ يَحْصُلْ، فَثَبَتَ أنَّ قَيْدَ كَوْنِهِ مُفْضِيًا إلى البُغْيَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في اسْمِ الهُدى. وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ يُشْعِرُ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ جَوابًا شافِيًا فَتَرَكْناهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَنْصِبُ الدَّلائِلَ ويُزِيحُ الأعْذارَ والعِلَلَ، إلّا أنَّ الإيمانَ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ العَبْدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ نَصَبَ لَهُمُ الدَّلائِلَ، وقَوْلَهُ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ أتَوْا بِذَلِكَ العَمى، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ يَحْصُلانِ مِنَ العَبْدِ، وأقُولُ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُما إنَّما يَحْصُلانِ مِنَ اللَّهِ لا مِنَ العَبْدِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم إنَّما صَدَرَ عَنْهم ذَلِكَ العَمى؛ لِأنَّهم أحَبُّوا تَحْصِيلَهُ، فَلَمّا وقَعَ في قَلْبِهِمْ هَذِهِ المَحَبَّةُ دُونَ مَحَبَّةِ ضِدِّهِ، فَإنْ حَصَلَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ لا لِمُرَجَّحٍ فَهو باطِلٌ، وإنْ كانَ المُرَجِّحُ هو العَبْدَ عادَ الطَّلَبُ، وإنْ كانَ المُرَجِّحُ هو اللَّهَ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ أحَدًا لا يُحِبُّ العَمى والجَهْلَ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ عَمًى وجَهْلًا، بَلْ ما لَمْ يَظُنَّ في ذَلِكَ العَمى والجَهْلِ كَوْنَهُ تَبْصِرَةً وعِلْمًا لا يَرْغَبُ فِيهِ، فَإقْدامُهُ عَلى اخْتِيارِ ذَلِكَ الجَهْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِجَهْلٍ آخَرَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ صفحة ٩٩ الجَهْلُ الثّانِي بِاخْتِيارِهِ أيْضًا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنِ انْتِهاءِ تِلْكَ الجَهالاتِ إلى جَهْلٍ يَحْصُلُ فِيهِ لا بِاخْتِيارِهِ وهو المَطْلُوبُ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ كُفْرَهم قالَ: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ و﴿صاعِقَةُ العَذابِ﴾ أيْ داهِيَةُ العَذابِ و(الهُونِ) الهَوانُ، وُصِفَ بِهِ العَذابُ مُبالَغَةً أوْ أُبْدِلَ مِنهُ (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) يُرِيدُ مِن شِرْكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا وعَقْرِهِمُ النّاقَةَ، وشَرَعَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَهُنا في سَفاهَةٍ عَظِيمَةٍ، والأوْلى أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ سَعى سَعْيًا حَسَنًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالألْفاظِ، إلّا أنَّ المِسْكِينَ كانَ بَعِيدًا مِنَ المَعانِي. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي وكانُوا يَتَّقُونَ الأعْمالَ الَّتِي كانَ يَأْتِي بِها قَوْمُ عادٍ وثَمُودَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهَ مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وجاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ الآفاتِ، قُلْنا إنَّهم لَمّا عَرَفُوا كَوْنَهم مُشارِكِينَ لِعادٍ وثَمُودَ في اسْتِحْقاقِ مِثْلِ تِلْكَ الصّاعِقَةِ جَوَّزُوا حُدُوثَ ما يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ أقَلَّ دَرَجَةً مِنهم وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في التَّخْوِيفِ.

فصلت 41:17

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٨ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”نَحْساتٍ“ بِسُكُونِ الحاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِ الحاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُقالُ نَحِسَ نَحْسًا نَقِيضَ سَعِدَ سَعْدًا فَهو نَحِسٌ، وأمّا نَحْسٌ فَهو إمّا مُخَفَّفُ نَحِسٍ أوْ صِفَةٌ عَلى فَعْلٍ أوْ وصْفٌ بِمَصْدَرٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأيّامِ قَدْ يَكُونُ نَحْسًا وبَعْضَها قَدْ يَكُونُ سَعْدًا، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في هَذا المَعْنى، أجابَ المُتَكَلِّمُونَ بِأنْ قالُوا ﴿أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ ذَواتِ غُبارٍ وتُرابٍ ثائِرٍ لا يَكادُ يُبْصَرُ فِيهِ ويُتَصَرَّفُ، وأيْضًا قالُوا: مَعْنى كَوْنِ هَذِهِ الأيّامِ نَحِساتٍ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم فِيها، أجابَ المُسْتَدِلُّ الأوَّلُ بِأنَّ النَّحِساتِ في وضْعِ اللُّغَةِ هي المَشْئُوماتُ لِأنَّ السَّعْدَ يُقابِلُهُ السَّعْدُ، والكَدِرَ يُقابِلُهُ الصّافِي، وأجابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ إيقاعِ ذَلِكَ العَذابِ في تِلْكَ الأيّامِ النَّحِساتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ تِلْكَ الأيّامِ نَحِسَةً مُغايِرًا لِذَلِكَ العَذابِ الَّذِي وقَعَ فِيها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ عَذابَ الهَوانِ والذُّلِّ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا، فَقابَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارَ بِإيصالِ الخِزْيِ والهَوانِ والذُّلِّ إلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ أشَدُّ إهانَةً وخِزْيًا ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ أنَّهم يَقَعُونَ في الخِزْيِ الشَّدِيدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ يَدْفَعُ ذَلِكَ الخِزْيَ عَنْهم. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ عادٍ أتْبَعَهُ بِقِصَّةِ ثَمُودَ: فَقالَ: (وأمّا ثَمُودُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”ثَمُودُ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، والرَّفْعُ أفْصَحُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الِابْتِداءِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الثّاءِ، وقَوْلُهُ (فَهَدَيْناهم) أيْ دَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ اخْتارُوا الدُّخُولَ في الضَّلالَةِ عَلى الدُّخُولِ في الرُّشْدِ. واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ المُوَصِّلَةِ إلى البُغْيَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ مَعَ أنَّ الإفْضاءَ إلى البُغْيَةِ لَمْ يَحْصُلْ، فَثَبَتَ أنَّ قَيْدَ كَوْنِهِ مُفْضِيًا إلى البُغْيَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في اسْمِ الهُدى. وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ يُشْعِرُ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ جَوابًا شافِيًا فَتَرَكْناهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَنْصِبُ الدَّلائِلَ ويُزِيحُ الأعْذارَ والعِلَلَ، إلّا أنَّ الإيمانَ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ العَبْدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ نَصَبَ لَهُمُ الدَّلائِلَ، وقَوْلَهُ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ أتَوْا بِذَلِكَ العَمى، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ يَحْصُلانِ مِنَ العَبْدِ، وأقُولُ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُما إنَّما يَحْصُلانِ مِنَ اللَّهِ لا مِنَ العَبْدِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم إنَّما صَدَرَ عَنْهم ذَلِكَ العَمى؛ لِأنَّهم أحَبُّوا تَحْصِيلَهُ، فَلَمّا وقَعَ في قَلْبِهِمْ هَذِهِ المَحَبَّةُ دُونَ مَحَبَّةِ ضِدِّهِ، فَإنْ حَصَلَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ لا لِمُرَجَّحٍ فَهو باطِلٌ، وإنْ كانَ المُرَجِّحُ هو العَبْدَ عادَ الطَّلَبُ، وإنْ كانَ المُرَجِّحُ هو اللَّهَ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ أحَدًا لا يُحِبُّ العَمى والجَهْلَ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ عَمًى وجَهْلًا، بَلْ ما لَمْ يَظُنَّ في ذَلِكَ العَمى والجَهْلِ كَوْنَهُ تَبْصِرَةً وعِلْمًا لا يَرْغَبُ فِيهِ، فَإقْدامُهُ عَلى اخْتِيارِ ذَلِكَ الجَهْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِجَهْلٍ آخَرَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ صفحة ٩٩ الجَهْلُ الثّانِي بِاخْتِيارِهِ أيْضًا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنِ انْتِهاءِ تِلْكَ الجَهالاتِ إلى جَهْلٍ يَحْصُلُ فِيهِ لا بِاخْتِيارِهِ وهو المَطْلُوبُ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ كُفْرَهم قالَ: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ و﴿صاعِقَةُ العَذابِ﴾ أيْ داهِيَةُ العَذابِ و(الهُونِ) الهَوانُ، وُصِفَ بِهِ العَذابُ مُبالَغَةً أوْ أُبْدِلَ مِنهُ (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) يُرِيدُ مِن شِرْكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا وعَقْرِهِمُ النّاقَةَ، وشَرَعَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَهُنا في سَفاهَةٍ عَظِيمَةٍ، والأوْلى أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ سَعى سَعْيًا حَسَنًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالألْفاظِ، إلّا أنَّ المِسْكِينَ كانَ بَعِيدًا مِنَ المَعانِي. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي وكانُوا يَتَّقُونَ الأعْمالَ الَّتِي كانَ يَأْتِي بِها قَوْمُ عادٍ وثَمُودَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهَ مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وجاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ الآفاتِ، قُلْنا إنَّهم لَمّا عَرَفُوا كَوْنَهم مُشارِكِينَ لِعادٍ وثَمُودَ في اسْتِحْقاقِ مِثْلِ تِلْكَ الصّاعِقَةِ جَوَّزُوا حُدُوثَ ما يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ أقَلَّ دَرَجَةً مِنهم وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في التَّخْوِيفِ.

فصلت 41:18

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٨ المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”نَحْساتٍ“ بِسُكُونِ الحاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِ الحاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُقالُ نَحِسَ نَحْسًا نَقِيضَ سَعِدَ سَعْدًا فَهو نَحِسٌ، وأمّا نَحْسٌ فَهو إمّا مُخَفَّفُ نَحِسٍ أوْ صِفَةٌ عَلى فَعْلٍ أوْ وصْفٌ بِمَصْدَرٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأيّامِ قَدْ يَكُونُ نَحْسًا وبَعْضَها قَدْ يَكُونُ سَعْدًا، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في هَذا المَعْنى، أجابَ المُتَكَلِّمُونَ بِأنْ قالُوا ﴿أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ ذَواتِ غُبارٍ وتُرابٍ ثائِرٍ لا يَكادُ يُبْصَرُ فِيهِ ويُتَصَرَّفُ، وأيْضًا قالُوا: مَعْنى كَوْنِ هَذِهِ الأيّامِ نَحِساتٍ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم فِيها، أجابَ المُسْتَدِلُّ الأوَّلُ بِأنَّ النَّحِساتِ في وضْعِ اللُّغَةِ هي المَشْئُوماتُ لِأنَّ السَّعْدَ يُقابِلُهُ السَّعْدُ، والكَدِرَ يُقابِلُهُ الصّافِي، وأجابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ إيقاعِ ذَلِكَ العَذابِ في تِلْكَ الأيّامِ النَّحِساتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ تِلْكَ الأيّامِ نَحِسَةً مُغايِرًا لِذَلِكَ العَذابِ الَّذِي وقَعَ فِيها. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ عَذابَ الهَوانِ والذُّلِّ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا، فَقابَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارَ بِإيصالِ الخِزْيِ والهَوانِ والذُّلِّ إلَيْهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ أشَدُّ إهانَةً وخِزْيًا ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ أنَّهم يَقَعُونَ في الخِزْيِ الشَّدِيدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ يَدْفَعُ ذَلِكَ الخِزْيَ عَنْهم. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ عادٍ أتْبَعَهُ بِقِصَّةِ ثَمُودَ: فَقالَ: (وأمّا ثَمُودُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”ثَمُودُ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، والرَّفْعُ أفْصَحُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الِابْتِداءِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الثّاءِ، وقَوْلُهُ (فَهَدَيْناهم) أيْ دَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ اخْتارُوا الدُّخُولَ في الضَّلالَةِ عَلى الدُّخُولِ في الرُّشْدِ. واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ المُوَصِّلَةِ إلى البُغْيَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ مَعَ أنَّ الإفْضاءَ إلى البُغْيَةِ لَمْ يَحْصُلْ، فَثَبَتَ أنَّ قَيْدَ كَوْنِهِ مُفْضِيًا إلى البُغْيَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في اسْمِ الهُدى. وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ يُشْعِرُ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ جَوابًا شافِيًا فَتَرَكْناهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَنْصِبُ الدَّلائِلَ ويُزِيحُ الأعْذارَ والعِلَلَ، إلّا أنَّ الإيمانَ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ العَبْدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ نَصَبَ لَهُمُ الدَّلائِلَ، وقَوْلَهُ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ أتَوْا بِذَلِكَ العَمى، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ يَحْصُلانِ مِنَ العَبْدِ، وأقُولُ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُما إنَّما يَحْصُلانِ مِنَ اللَّهِ لا مِنَ العَبْدِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم إنَّما صَدَرَ عَنْهم ذَلِكَ العَمى؛ لِأنَّهم أحَبُّوا تَحْصِيلَهُ، فَلَمّا وقَعَ في قَلْبِهِمْ هَذِهِ المَحَبَّةُ دُونَ مَحَبَّةِ ضِدِّهِ، فَإنْ حَصَلَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ لا لِمُرَجَّحٍ فَهو باطِلٌ، وإنْ كانَ المُرَجِّحُ هو العَبْدَ عادَ الطَّلَبُ، وإنْ كانَ المُرَجِّحُ هو اللَّهَ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ أحَدًا لا يُحِبُّ العَمى والجَهْلَ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ عَمًى وجَهْلًا، بَلْ ما لَمْ يَظُنَّ في ذَلِكَ العَمى والجَهْلِ كَوْنَهُ تَبْصِرَةً وعِلْمًا لا يَرْغَبُ فِيهِ، فَإقْدامُهُ عَلى اخْتِيارِ ذَلِكَ الجَهْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِجَهْلٍ آخَرَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ صفحة ٩٩ الجَهْلُ الثّانِي بِاخْتِيارِهِ أيْضًا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنِ انْتِهاءِ تِلْكَ الجَهالاتِ إلى جَهْلٍ يَحْصُلُ فِيهِ لا بِاخْتِيارِهِ وهو المَطْلُوبُ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ كُفْرَهم قالَ: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ و﴿صاعِقَةُ العَذابِ﴾ أيْ داهِيَةُ العَذابِ و(الهُونِ) الهَوانُ، وُصِفَ بِهِ العَذابُ مُبالَغَةً أوْ أُبْدِلَ مِنهُ (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) يُرِيدُ مِن شِرْكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا وعَقْرِهِمُ النّاقَةَ، وشَرَعَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَهُنا في سَفاهَةٍ عَظِيمَةٍ، والأوْلى أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ سَعى سَعْيًا حَسَنًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالألْفاظِ، إلّا أنَّ المِسْكِينَ كانَ بَعِيدًا مِنَ المَعانِي. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي وكانُوا يَتَّقُونَ الأعْمالَ الَّتِي كانَ يَأْتِي بِها قَوْمُ عادٍ وثَمُودَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهَ مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وجاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ الآفاتِ، قُلْنا إنَّهم لَمّا عَرَفُوا كَوْنَهم مُشارِكِينَ لِعادٍ وثَمُودَ في اسْتِحْقاقِ مِثْلِ تِلْكَ الصّاعِقَةِ جَوَّزُوا حُدُوثَ ما يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ أقَلَّ دَرَجَةً مِنهم وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في التَّخْوِيفِ.

فصلت 41:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عُقُوبَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الدُّنْيا أرْدَفَهُ بِكَيْفِيَّةِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ، لِيَحْصُلَ مِنهُ تَمامُ الِاعْتِبارِ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وقَرَأ نافِعٌ ”نَحْشُرُ“ بِالنُّونِ ”أعْداءَ“ بِالنَّصْبِ أضافَ الحَشْرَ إلى نَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ الكُفّارَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وحُجَّتُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ونَجَّيْنا) [فصلت: ١٨] فَيَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِهِ في اللَّفْظِ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ (وحَشَرْناهم) وأمّا الباقُونَ صفحة ١٠٠ فَقَرَءُوا عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّ قِصَّةَ ثَمُودَ قَدْ تَمَّتْ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وأيْضًا الحاشِرُونَ لَهم هُمُ المَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِ: (احْشُرُوا) [الصافات: ٢٢] وهُمُ المَلائِكَةُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ وأيْضًا فَتَقْدِيرُ القِراءَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ“ فَكانَ الأوْلى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُقالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَنا إلى النّارِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أعْداءَ اللَّهِ يُحْشَرُونَ إلى النّارِ قالَ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، أيْ يُوقَفُ سَوابِقُهم حَتّى يَصِلَ إلَيْهِمْ تَوالِيهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا سَألُوا عَنْ أعْمالِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ حَتّى إذا جاءُونا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَلِمَةُ ”ما“ صِلَةٌ، وقِيلَ فِيها فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي تَأْكِيدُ أنَّ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ لا بُدَّ وأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الشَّهادَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أيْ لا بُدَّ لِوَقْتِ وُقُوعِهِ مِن أنْ يَكُونَ وقْتَ إيمانِهِمْ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ «العَبْدَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبَّ العِزَّةِ ألَسْتَ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: فَإنَّ لَكَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ إنِّي لا أقْبَلُ عَلى نَفْسِي شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى فِيهِ ويُنْطِقُ أعْضاءَهُ بِالأعْمالِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ»﴾ . واخْتَلَفَ النّاسُ في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الفَهْمَ والقُدْرَةَ والنُّطْقَ فِيها فَتَشْهَدُ كَما يَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلى ما يَعْرِفُهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في تِلْكَ الأعْضاءِ الأصْواتَ والحُرُوفَ الدّالَّةَ عَلى تِلْكَ المَعانِي كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ. والثّالِثُ: أنْ يُظْهِرَ تِلْكَ الأعْضاءُ أحْوالًا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن ذَلِكَ الإنْسانِ، وتِلْكَ الأماراتُ تُسَمّى شَهاداتٍ، كَما يُقالُ يَشْهَدُ هَذا العالَمُ بِتَغَيُّراتِ أحْوالِهِ عَلى حُدُوثِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ صَعْبَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَهو صَعْبٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَهم شَرْطٌ لِحُصُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ، فاللِّسانُ مَعَ كَوْنِهِ لِسانًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِلْمِ والعَقْلِ، فَإنْ غَيَّرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ البِنْيَةَ والصُّورَةَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ لِسانًا وجِلْدًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إضافَةِ تِلْكَ الشَّهادَةِ إلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما غَيَّرَ بِنْيَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْها كَوْنُها ناطِقَةً فاهِمَةً، وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأصْواتَ والحُرُوفَ في هَذِهِ الأعْضاءِ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّ المُتَكَلِّمَ هو الَّذِي فَعَلَ الكَلامَ، لا ما كانَ مَوْصُوفًا بِالكَلامِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، وكانَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لا الشَّجَرَةُ، فَهَهُنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأصْواتَ والحُرُوفَ في تِلْكَ الأعْضاءِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو اللَّهُ تَعالى لا تِلْكَ، ولَزِمَ أنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ لا تِلْكَ الأعْضاءُ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ شَهادَةٌ صَدَرَتْ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وأيْضًا أنَّهم قالُوا لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَقالَتِ الأعْضاءُ: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ هي تِلْكَ الأعْضاءُ، وأنَّ تِلْكَ الكَلِماتِ لَيْسَتْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَوْجِيهُ الإشْكالِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِظُهُورِ أماراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم، فَهَذا عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ والأصْلُ عَدَمُهُ، فَهَذا صفحة ١٠١ مُنْتَهى الكَلامِ في هَذا البَحْثِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِنا فَهَذا الإشْكالُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ ولا لِلْعِلْمِ ولا لِلْقُدْرَةِ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والنُّطْقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ زائِلٌ وهَذِهِ الآيَةِ يَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِها في بَيانِ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، ولا لِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ بِالحَياةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ سَبَبًا وفائِدَةً، وأقُولُ لا شَكَّ أنَّ الحَواسَّ خَمْسَةٌ السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّ آلَةَ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا مِنَ الحَواسِّ وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ: وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ والحَنَكِ مُماسَّةً لِجِرْمِ الطَّعامِ، فَكانَ هَذا داخِلًا فِيهِ فَبَقِيَ حِسُّ الشَّمِّ وهو حِسٌّ ضَعِيفٌ في الإنْسانِ، ولَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ تَكْلِيفٌ ولا أمْرٌ ولا نَهْيٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِن شَهادَةِ الجُلُودِ شَهادَةُ الفُرُوجِ قالَ: وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وأرادَ النِّكاحَ، وقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] والمُرادُ قَضاءُ الحاجَةِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الآدَمِيِّ فَخِذُهُ وكَفُّهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا شَدِيدًا في الإتْيانِ بِالزِّنا؛ لِأنَّ مُقَدِّمَةَ الزِّنا إنَّما تَحْصُلُ بِالكَفِّ، ونِهايَةُ الأمْرِ فِيها إنَّما تَحْصُلُ بِالفَخِذِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الأُولى حالَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا ثُمَّ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الثّانِيَةِ وهي حالُ القِيامَةِ والبَعْثِ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْطاقُ الجَوارِحِ والأعْضاءِ ؟ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ والمَعْنى إثْباتُ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأعْمالِ القَبِيحَةِ، إلّا أنَّ اسْتِتارَهم ما كانَ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِن أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِاسْتِتارَ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الأعْمالَ الَّتِي يُقْدِمُونَ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ والِاسْتِتارِ. «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَدَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَيَّ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما تَقُولُونَ ؟ فَقالَ الرَّجُلانِ إذا سَمِعْنا أصْواتَنا سَمِعَ وإلّا لَمْ يَسْمَعْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ»﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مَن ظَنَّ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ عَنْ عِلْمِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ، قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الظَّنُّ قِسْمانِ ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللَّهِ تَعالى وظَنٌّ فاسِدٌ، أمّا الظَّنُّ الحَسَنُ فَهو أنْ يَظُنَّ بِهِ الرَّحْمَةَ والفَضْلَ، قالَ ﷺ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ”أنا «عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ ﷺ: ”«لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» “، والظَّنُّ القَبِيحُ فاسِدٌ وهو أنْ يَظُنَّ بِاللَّهِ أنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ هَذِهِ الأحْوالِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ نَوْعانِ ظَنٌّ مُنْجٍ وظَنٌّ مُرْدٍ، فالمُنْجِي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وقَوْلُهُ: صفحة ١٠٢ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وأمّا الظَّنُّ المُرْدِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”وذَلِكم“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ ”وظَنُّكم“ و”أرْداكم“ خَبَرانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَنُّكم بَدَلًا مِن ذالِكم وأرْداكُمُ الخَبَرَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ يَعْنِي إنْ أمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغاثَةِ لِفَرَجٍ يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ وتَكُونُ النّارُ مَثْوًى لَهم أيْ مَقامًا لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيْ لَمْ يُعْطَوُا العُتْبى، ولَمْ يُجابُوا إلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] وقُرِئَ: وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ أيْ: إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ أيْ لا سَبِيلَ لَهم إلى ذَلِكَ.

فصلت 41:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عُقُوبَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الدُّنْيا أرْدَفَهُ بِكَيْفِيَّةِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ، لِيَحْصُلَ مِنهُ تَمامُ الِاعْتِبارِ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وقَرَأ نافِعٌ ”نَحْشُرُ“ بِالنُّونِ ”أعْداءَ“ بِالنَّصْبِ أضافَ الحَشْرَ إلى نَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ الكُفّارَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وحُجَّتُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ونَجَّيْنا) [فصلت: ١٨] فَيَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِهِ في اللَّفْظِ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ (وحَشَرْناهم) وأمّا الباقُونَ صفحة ١٠٠ فَقَرَءُوا عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّ قِصَّةَ ثَمُودَ قَدْ تَمَّتْ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وأيْضًا الحاشِرُونَ لَهم هُمُ المَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِ: (احْشُرُوا) [الصافات: ٢٢] وهُمُ المَلائِكَةُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ وأيْضًا فَتَقْدِيرُ القِراءَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ“ فَكانَ الأوْلى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُقالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَنا إلى النّارِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أعْداءَ اللَّهِ يُحْشَرُونَ إلى النّارِ قالَ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، أيْ يُوقَفُ سَوابِقُهم حَتّى يَصِلَ إلَيْهِمْ تَوالِيهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا سَألُوا عَنْ أعْمالِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ حَتّى إذا جاءُونا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَلِمَةُ ”ما“ صِلَةٌ، وقِيلَ فِيها فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي تَأْكِيدُ أنَّ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ لا بُدَّ وأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الشَّهادَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أيْ لا بُدَّ لِوَقْتِ وُقُوعِهِ مِن أنْ يَكُونَ وقْتَ إيمانِهِمْ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ «العَبْدَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبَّ العِزَّةِ ألَسْتَ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: فَإنَّ لَكَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ إنِّي لا أقْبَلُ عَلى نَفْسِي شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى فِيهِ ويُنْطِقُ أعْضاءَهُ بِالأعْمالِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ»﴾ . واخْتَلَفَ النّاسُ في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الفَهْمَ والقُدْرَةَ والنُّطْقَ فِيها فَتَشْهَدُ كَما يَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلى ما يَعْرِفُهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في تِلْكَ الأعْضاءِ الأصْواتَ والحُرُوفَ الدّالَّةَ عَلى تِلْكَ المَعانِي كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ. والثّالِثُ: أنْ يُظْهِرَ تِلْكَ الأعْضاءُ أحْوالًا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن ذَلِكَ الإنْسانِ، وتِلْكَ الأماراتُ تُسَمّى شَهاداتٍ، كَما يُقالُ يَشْهَدُ هَذا العالَمُ بِتَغَيُّراتِ أحْوالِهِ عَلى حُدُوثِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ صَعْبَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَهو صَعْبٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَهم شَرْطٌ لِحُصُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ، فاللِّسانُ مَعَ كَوْنِهِ لِسانًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِلْمِ والعَقْلِ، فَإنْ غَيَّرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ البِنْيَةَ والصُّورَةَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ لِسانًا وجِلْدًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إضافَةِ تِلْكَ الشَّهادَةِ إلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما غَيَّرَ بِنْيَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْها كَوْنُها ناطِقَةً فاهِمَةً، وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأصْواتَ والحُرُوفَ في هَذِهِ الأعْضاءِ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّ المُتَكَلِّمَ هو الَّذِي فَعَلَ الكَلامَ، لا ما كانَ مَوْصُوفًا بِالكَلامِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، وكانَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لا الشَّجَرَةُ، فَهَهُنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأصْواتَ والحُرُوفَ في تِلْكَ الأعْضاءِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو اللَّهُ تَعالى لا تِلْكَ، ولَزِمَ أنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ لا تِلْكَ الأعْضاءُ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ شَهادَةٌ صَدَرَتْ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وأيْضًا أنَّهم قالُوا لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَقالَتِ الأعْضاءُ: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ هي تِلْكَ الأعْضاءُ، وأنَّ تِلْكَ الكَلِماتِ لَيْسَتْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَوْجِيهُ الإشْكالِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِظُهُورِ أماراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم، فَهَذا عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ والأصْلُ عَدَمُهُ، فَهَذا صفحة ١٠١ مُنْتَهى الكَلامِ في هَذا البَحْثِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِنا فَهَذا الإشْكالُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ ولا لِلْعِلْمِ ولا لِلْقُدْرَةِ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والنُّطْقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ زائِلٌ وهَذِهِ الآيَةِ يَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِها في بَيانِ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، ولا لِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ بِالحَياةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ سَبَبًا وفائِدَةً، وأقُولُ لا شَكَّ أنَّ الحَواسَّ خَمْسَةٌ السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّ آلَةَ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا مِنَ الحَواسِّ وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ: وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ والحَنَكِ مُماسَّةً لِجِرْمِ الطَّعامِ، فَكانَ هَذا داخِلًا فِيهِ فَبَقِيَ حِسُّ الشَّمِّ وهو حِسٌّ ضَعِيفٌ في الإنْسانِ، ولَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ تَكْلِيفٌ ولا أمْرٌ ولا نَهْيٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِن شَهادَةِ الجُلُودِ شَهادَةُ الفُرُوجِ قالَ: وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وأرادَ النِّكاحَ، وقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] والمُرادُ قَضاءُ الحاجَةِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الآدَمِيِّ فَخِذُهُ وكَفُّهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا شَدِيدًا في الإتْيانِ بِالزِّنا؛ لِأنَّ مُقَدِّمَةَ الزِّنا إنَّما تَحْصُلُ بِالكَفِّ، ونِهايَةُ الأمْرِ فِيها إنَّما تَحْصُلُ بِالفَخِذِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الأُولى حالَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا ثُمَّ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الثّانِيَةِ وهي حالُ القِيامَةِ والبَعْثِ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْطاقُ الجَوارِحِ والأعْضاءِ ؟ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ والمَعْنى إثْباتُ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأعْمالِ القَبِيحَةِ، إلّا أنَّ اسْتِتارَهم ما كانَ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِن أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِاسْتِتارَ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الأعْمالَ الَّتِي يُقْدِمُونَ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ والِاسْتِتارِ. «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَدَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَيَّ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما تَقُولُونَ ؟ فَقالَ الرَّجُلانِ إذا سَمِعْنا أصْواتَنا سَمِعَ وإلّا لَمْ يَسْمَعْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ»﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مَن ظَنَّ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ عَنْ عِلْمِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ، قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الظَّنُّ قِسْمانِ ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللَّهِ تَعالى وظَنٌّ فاسِدٌ، أمّا الظَّنُّ الحَسَنُ فَهو أنْ يَظُنَّ بِهِ الرَّحْمَةَ والفَضْلَ، قالَ ﷺ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ”أنا «عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ ﷺ: ”«لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» “، والظَّنُّ القَبِيحُ فاسِدٌ وهو أنْ يَظُنَّ بِاللَّهِ أنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ هَذِهِ الأحْوالِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ نَوْعانِ ظَنٌّ مُنْجٍ وظَنٌّ مُرْدٍ، فالمُنْجِي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وقَوْلُهُ: صفحة ١٠٢ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وأمّا الظَّنُّ المُرْدِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”وذَلِكم“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ ”وظَنُّكم“ و”أرْداكم“ خَبَرانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَنُّكم بَدَلًا مِن ذالِكم وأرْداكُمُ الخَبَرَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ يَعْنِي إنْ أمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغاثَةِ لِفَرَجٍ يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ وتَكُونُ النّارُ مَثْوًى لَهم أيْ مَقامًا لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيْ لَمْ يُعْطَوُا العُتْبى، ولَمْ يُجابُوا إلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] وقُرِئَ: وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ أيْ: إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ أيْ لا سَبِيلَ لَهم إلى ذَلِكَ.

فصلت 41:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عُقُوبَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الدُّنْيا أرْدَفَهُ بِكَيْفِيَّةِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ، لِيَحْصُلَ مِنهُ تَمامُ الِاعْتِبارِ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وقَرَأ نافِعٌ ”نَحْشُرُ“ بِالنُّونِ ”أعْداءَ“ بِالنَّصْبِ أضافَ الحَشْرَ إلى نَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ الكُفّارَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وحُجَّتُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ونَجَّيْنا) [فصلت: ١٨] فَيَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِهِ في اللَّفْظِ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ (وحَشَرْناهم) وأمّا الباقُونَ صفحة ١٠٠ فَقَرَءُوا عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّ قِصَّةَ ثَمُودَ قَدْ تَمَّتْ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وأيْضًا الحاشِرُونَ لَهم هُمُ المَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِ: (احْشُرُوا) [الصافات: ٢٢] وهُمُ المَلائِكَةُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ وأيْضًا فَتَقْدِيرُ القِراءَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ“ فَكانَ الأوْلى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُقالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَنا إلى النّارِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أعْداءَ اللَّهِ يُحْشَرُونَ إلى النّارِ قالَ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، أيْ يُوقَفُ سَوابِقُهم حَتّى يَصِلَ إلَيْهِمْ تَوالِيهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا سَألُوا عَنْ أعْمالِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ حَتّى إذا جاءُونا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَلِمَةُ ”ما“ صِلَةٌ، وقِيلَ فِيها فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي تَأْكِيدُ أنَّ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ لا بُدَّ وأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الشَّهادَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أيْ لا بُدَّ لِوَقْتِ وُقُوعِهِ مِن أنْ يَكُونَ وقْتَ إيمانِهِمْ بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ «العَبْدَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبَّ العِزَّةِ ألَسْتَ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: فَإنَّ لَكَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ إنِّي لا أقْبَلُ عَلى نَفْسِي شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى فِيهِ ويُنْطِقُ أعْضاءَهُ بِالأعْمالِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ»﴾ . واخْتَلَفَ النّاسُ في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الفَهْمَ والقُدْرَةَ والنُّطْقَ فِيها فَتَشْهَدُ كَما يَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلى ما يَعْرِفُهُ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في تِلْكَ الأعْضاءِ الأصْواتَ والحُرُوفَ الدّالَّةَ عَلى تِلْكَ المَعانِي كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ. والثّالِثُ: أنْ يُظْهِرَ تِلْكَ الأعْضاءُ أحْوالًا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن ذَلِكَ الإنْسانِ، وتِلْكَ الأماراتُ تُسَمّى شَهاداتٍ، كَما يُقالُ يَشْهَدُ هَذا العالَمُ بِتَغَيُّراتِ أحْوالِهِ عَلى حُدُوثِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ صَعْبَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَهو صَعْبٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَهم شَرْطٌ لِحُصُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ، فاللِّسانُ مَعَ كَوْنِهِ لِسانًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِلْمِ والعَقْلِ، فَإنْ غَيَّرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ البِنْيَةَ والصُّورَةَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ لِسانًا وجِلْدًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إضافَةِ تِلْكَ الشَّهادَةِ إلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما غَيَّرَ بِنْيَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْها كَوْنُها ناطِقَةً فاهِمَةً، وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأصْواتَ والحُرُوفَ في هَذِهِ الأعْضاءِ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّ المُتَكَلِّمَ هو الَّذِي فَعَلَ الكَلامَ، لا ما كانَ مَوْصُوفًا بِالكَلامِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، وكانَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لا الشَّجَرَةُ، فَهَهُنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأصْواتَ والحُرُوفَ في تِلْكَ الأعْضاءِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو اللَّهُ تَعالى لا تِلْكَ، ولَزِمَ أنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ لا تِلْكَ الأعْضاءُ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ شَهادَةٌ صَدَرَتْ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وأيْضًا أنَّهم قالُوا لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَقالَتِ الأعْضاءُ: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ هي تِلْكَ الأعْضاءُ، وأنَّ تِلْكَ الكَلِماتِ لَيْسَتْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَوْجِيهُ الإشْكالِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِظُهُورِ أماراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم، فَهَذا عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ والأصْلُ عَدَمُهُ، فَهَذا صفحة ١٠١ مُنْتَهى الكَلامِ في هَذا البَحْثِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِنا فَهَذا الإشْكالُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ ولا لِلْعِلْمِ ولا لِلْقُدْرَةِ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والنُّطْقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ زائِلٌ وهَذِهِ الآيَةِ يَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِها في بَيانِ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، ولا لِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ بِالحَياةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ سَبَبًا وفائِدَةً، وأقُولُ لا شَكَّ أنَّ الحَواسَّ خَمْسَةٌ السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّ آلَةَ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا مِنَ الحَواسِّ وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ: وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ والحَنَكِ مُماسَّةً لِجِرْمِ الطَّعامِ، فَكانَ هَذا داخِلًا فِيهِ فَبَقِيَ حِسُّ الشَّمِّ وهو حِسٌّ ضَعِيفٌ في الإنْسانِ، ولَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ تَكْلِيفٌ ولا أمْرٌ ولا نَهْيٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِن شَهادَةِ الجُلُودِ شَهادَةُ الفُرُوجِ قالَ: وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وأرادَ النِّكاحَ، وقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] والمُرادُ قَضاءُ الحاجَةِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الآدَمِيِّ فَخِذُهُ وكَفُّهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا شَدِيدًا في الإتْيانِ بِالزِّنا؛ لِأنَّ مُقَدِّمَةَ الزِّنا إنَّما تَحْصُلُ بِالكَفِّ، ونِهايَةُ الأمْرِ فِيها إنَّما تَحْصُلُ بِالفَخِذِ. ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الأُولى حالَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا ثُمَّ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الثّانِيَةِ وهي حالُ القِيامَةِ والبَعْثِ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْطاقُ الجَوارِحِ والأعْضاءِ ؟ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ والمَعْنى إثْباتُ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأعْمالِ القَبِيحَةِ، إلّا أنَّ اسْتِتارَهم ما كانَ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِن أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِاسْتِتارَ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الأعْمالَ الَّتِي يُقْدِمُونَ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ والِاسْتِتارِ. «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَدَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَيَّ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما تَقُولُونَ ؟ فَقالَ الرَّجُلانِ إذا سَمِعْنا أصْواتَنا سَمِعَ وإلّا لَمْ يَسْمَعْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ»﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مَن ظَنَّ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ عَنْ عِلْمِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ، قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الظَّنُّ قِسْمانِ ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللَّهِ تَعالى وظَنٌّ فاسِدٌ، أمّا الظَّنُّ الحَسَنُ فَهو أنْ يَظُنَّ بِهِ الرَّحْمَةَ والفَضْلَ، قالَ ﷺ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ”أنا «عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ ﷺ: ”«لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» “، والظَّنُّ القَبِيحُ فاسِدٌ وهو أنْ يَظُنَّ بِاللَّهِ أنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ هَذِهِ الأحْوالِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ نَوْعانِ ظَنٌّ مُنْجٍ وظَنٌّ مُرْدٍ، فالمُنْجِي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وقَوْلُهُ: صفحة ١٠٢ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وأمّا الظَّنُّ المُرْدِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”وذَلِكم“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ ”وظَنُّكم“ و”أرْداكم“ خَبَرانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَنُّكم بَدَلًا مِن ذالِكم وأرْداكُمُ الخَبَرَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ يَعْنِي إنْ أمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغاثَةِ لِفَرَجٍ يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ وتَكُونُ النّارُ مَثْوًى لَهم أيْ مَقامًا لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيْ لَمْ يُعْطَوُا العُتْبى، ولَمْ يُجابُوا إلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] وقُرِئَ: وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ أيْ: إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ أيْ لا سَبِيلَ لَهم إلى ذَلِكَ.