Tafsir Al-Razi — فصلت 41:22 – فصلت 41:54
المحتويات
- فصلت 41:22
- فصلت 41:23
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:27
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:31
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:52
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
فصلت 41:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عُقُوبَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الدُّنْيا أرْدَفَهُ بِكَيْفِيَّةِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ، لِيَحْصُلَ مِنهُ تَمامُ الِاعْتِبارِ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وقَرَأ نافِعٌ ”نَحْشُرُ“ بِالنُّونِ ”أعْداءَ“ بِالنَّصْبِ أضافَ الحَشْرَ إلى نَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ الكُفّارَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وحُجَّتُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ونَجَّيْنا) [فصلت: ١٨] فَيَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِهِ في اللَّفْظِ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ (وحَشَرْناهم) وأمّا الباقُونَ
صفحة ١٠٠
فَقَرَءُوا عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّ قِصَّةَ ثَمُودَ قَدْ تَمَّتْ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وأيْضًا الحاشِرُونَ لَهم هُمُ المَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِ: (احْشُرُوا) [الصافات: ٢٢] وهُمُ المَلائِكَةُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ وأيْضًا فَتَقْدِيرُ القِراءَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ“ فَكانَ الأوْلى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُقالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَنا إلى النّارِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أعْداءَ اللَّهِ يُحْشَرُونَ إلى النّارِ قالَ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، أيْ يُوقَفُ سَوابِقُهم حَتّى يَصِلَ إلَيْهِمْ تَوالِيهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا سَألُوا عَنْ أعْمالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ حَتّى إذا جاءُونا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَلِمَةُ ”ما“ صِلَةٌ، وقِيلَ فِيها فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي تَأْكِيدُ أنَّ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ لا بُدَّ وأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الشَّهادَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أيْ لا بُدَّ لِوَقْتِ وُقُوعِهِ مِن أنْ يَكُونَ وقْتَ إيمانِهِمْ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ «العَبْدَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبَّ العِزَّةِ ألَسْتَ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: فَإنَّ لَكَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ إنِّي لا أقْبَلُ عَلى نَفْسِي شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى فِيهِ ويُنْطِقُ أعْضاءَهُ بِالأعْمالِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ»﴾ .
واخْتَلَفَ النّاسُ في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الفَهْمَ والقُدْرَةَ والنُّطْقَ فِيها فَتَشْهَدُ كَما يَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلى ما يَعْرِفُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في تِلْكَ الأعْضاءِ الأصْواتَ والحُرُوفَ الدّالَّةَ عَلى تِلْكَ المَعانِي كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ.
والثّالِثُ: أنْ يُظْهِرَ تِلْكَ الأعْضاءُ أحْوالًا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن ذَلِكَ الإنْسانِ، وتِلْكَ الأماراتُ تُسَمّى شَهاداتٍ، كَما يُقالُ يَشْهَدُ هَذا العالَمُ بِتَغَيُّراتِ أحْوالِهِ عَلى حُدُوثِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ صَعْبَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَهو صَعْبٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَهم شَرْطٌ لِحُصُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ، فاللِّسانُ مَعَ كَوْنِهِ لِسانًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِلْمِ والعَقْلِ، فَإنْ غَيَّرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ البِنْيَةَ والصُّورَةَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ لِسانًا وجِلْدًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إضافَةِ تِلْكَ الشَّهادَةِ إلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما غَيَّرَ بِنْيَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْها كَوْنُها ناطِقَةً فاهِمَةً، وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأصْواتَ والحُرُوفَ في هَذِهِ الأعْضاءِ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّ المُتَكَلِّمَ هو الَّذِي فَعَلَ الكَلامَ، لا ما كانَ مَوْصُوفًا بِالكَلامِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، وكانَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لا الشَّجَرَةُ، فَهَهُنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأصْواتَ والحُرُوفَ في تِلْكَ الأعْضاءِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو اللَّهُ تَعالى لا تِلْكَ، ولَزِمَ أنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ لا تِلْكَ الأعْضاءُ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ شَهادَةٌ صَدَرَتْ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وأيْضًا أنَّهم قالُوا لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَقالَتِ الأعْضاءُ: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ هي تِلْكَ الأعْضاءُ، وأنَّ تِلْكَ الكَلِماتِ لَيْسَتْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَوْجِيهُ الإشْكالِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِظُهُورِ أماراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم، فَهَذا عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ والأصْلُ عَدَمُهُ، فَهَذا
صفحة ١٠١
مُنْتَهى الكَلامِ في هَذا البَحْثِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِنا فَهَذا الإشْكالُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ ولا لِلْعِلْمِ ولا لِلْقُدْرَةِ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والنُّطْقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ زائِلٌ وهَذِهِ الآيَةِ يَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِها في بَيانِ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، ولا لِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ بِالحَياةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ سَبَبًا وفائِدَةً، وأقُولُ لا شَكَّ أنَّ الحَواسَّ خَمْسَةٌ السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّ آلَةَ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا مِنَ الحَواسِّ وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ: وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ والحَنَكِ مُماسَّةً لِجِرْمِ الطَّعامِ، فَكانَ هَذا داخِلًا فِيهِ فَبَقِيَ حِسُّ الشَّمِّ وهو حِسٌّ ضَعِيفٌ في الإنْسانِ، ولَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ تَكْلِيفٌ ولا أمْرٌ ولا نَهْيٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِن شَهادَةِ الجُلُودِ شَهادَةُ الفُرُوجِ قالَ: وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وأرادَ النِّكاحَ، وقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] والمُرادُ قَضاءُ الحاجَةِ.
وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الآدَمِيِّ فَخِذُهُ وكَفُّهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا شَدِيدًا في الإتْيانِ بِالزِّنا؛ لِأنَّ مُقَدِّمَةَ الزِّنا إنَّما تَحْصُلُ بِالكَفِّ، ونِهايَةُ الأمْرِ فِيها إنَّما تَحْصُلُ بِالفَخِذِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الأُولى حالَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا ثُمَّ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الثّانِيَةِ وهي حالُ القِيامَةِ والبَعْثِ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْطاقُ الجَوارِحِ والأعْضاءِ ؟
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ والمَعْنى إثْباتُ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأعْمالِ القَبِيحَةِ، إلّا أنَّ اسْتِتارَهم ما كانَ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِن أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِاسْتِتارَ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الأعْمالَ الَّتِي يُقْدِمُونَ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ والِاسْتِتارِ.
«عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَدَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَيَّ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما تَقُولُونَ ؟ فَقالَ الرَّجُلانِ إذا سَمِعْنا أصْواتَنا سَمِعَ وإلّا لَمْ يَسْمَعْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ»﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مَن ظَنَّ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ عَنْ عِلْمِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ، قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الظَّنُّ قِسْمانِ ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللَّهِ تَعالى وظَنٌّ فاسِدٌ، أمّا الظَّنُّ الحَسَنُ فَهو أنْ يَظُنَّ بِهِ الرَّحْمَةَ والفَضْلَ، قالَ ﷺ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ”أنا «عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ ﷺ: ”«لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» “، والظَّنُّ القَبِيحُ فاسِدٌ وهو أنْ يَظُنَّ بِاللَّهِ أنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ هَذِهِ الأحْوالِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ نَوْعانِ ظَنٌّ مُنْجٍ وظَنٌّ مُرْدٍ، فالمُنْجِي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وقَوْلُهُ:
صفحة ١٠٢
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وأمّا الظَّنُّ المُرْدِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”وذَلِكم“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ ”وظَنُّكم“ و”أرْداكم“ خَبَرانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَنُّكم بَدَلًا مِن ذالِكم وأرْداكُمُ الخَبَرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ يَعْنِي إنْ أمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغاثَةِ لِفَرَجٍ يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ وتَكُونُ النّارُ مَثْوًى لَهم أيْ مَقامًا لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيْ لَمْ يُعْطَوُا العُتْبى، ولَمْ يُجابُوا إلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] وقُرِئَ: وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ أيْ: إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ أيْ لا سَبِيلَ لَهم إلى ذَلِكَ.
فصلت 41:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عُقُوبَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الدُّنْيا أرْدَفَهُ بِكَيْفِيَّةِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ، لِيَحْصُلَ مِنهُ تَمامُ الِاعْتِبارِ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وقَرَأ نافِعٌ ”نَحْشُرُ“ بِالنُّونِ ”أعْداءَ“ بِالنَّصْبِ أضافَ الحَشْرَ إلى نَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ الكُفّارَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وحُجَّتُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ونَجَّيْنا) [فصلت: ١٨] فَيَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِهِ في اللَّفْظِ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ (وحَشَرْناهم) وأمّا الباقُونَ
صفحة ١٠٠
فَقَرَءُوا عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّ قِصَّةَ ثَمُودَ قَدْ تَمَّتْ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وأيْضًا الحاشِرُونَ لَهم هُمُ المَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِ: (احْشُرُوا) [الصافات: ٢٢] وهُمُ المَلائِكَةُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ وأيْضًا فَتَقْدِيرُ القِراءَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ“ فَكانَ الأوْلى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُقالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَنا إلى النّارِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أعْداءَ اللَّهِ يُحْشَرُونَ إلى النّارِ قالَ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، أيْ يُوقَفُ سَوابِقُهم حَتّى يَصِلَ إلَيْهِمْ تَوالِيهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا سَألُوا عَنْ أعْمالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ حَتّى إذا جاءُونا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَلِمَةُ ”ما“ صِلَةٌ، وقِيلَ فِيها فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي تَأْكِيدُ أنَّ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ لا بُدَّ وأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الشَّهادَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أيْ لا بُدَّ لِوَقْتِ وُقُوعِهِ مِن أنْ يَكُونَ وقْتَ إيمانِهِمْ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ «العَبْدَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبَّ العِزَّةِ ألَسْتَ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: فَإنَّ لَكَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ إنِّي لا أقْبَلُ عَلى نَفْسِي شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى فِيهِ ويُنْطِقُ أعْضاءَهُ بِالأعْمالِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ»﴾ .
واخْتَلَفَ النّاسُ في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الفَهْمَ والقُدْرَةَ والنُّطْقَ فِيها فَتَشْهَدُ كَما يَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلى ما يَعْرِفُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في تِلْكَ الأعْضاءِ الأصْواتَ والحُرُوفَ الدّالَّةَ عَلى تِلْكَ المَعانِي كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ.
والثّالِثُ: أنْ يُظْهِرَ تِلْكَ الأعْضاءُ أحْوالًا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن ذَلِكَ الإنْسانِ، وتِلْكَ الأماراتُ تُسَمّى شَهاداتٍ، كَما يُقالُ يَشْهَدُ هَذا العالَمُ بِتَغَيُّراتِ أحْوالِهِ عَلى حُدُوثِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ صَعْبَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَهو صَعْبٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَهم شَرْطٌ لِحُصُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ، فاللِّسانُ مَعَ كَوْنِهِ لِسانًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِلْمِ والعَقْلِ، فَإنْ غَيَّرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ البِنْيَةَ والصُّورَةَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ لِسانًا وجِلْدًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إضافَةِ تِلْكَ الشَّهادَةِ إلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما غَيَّرَ بِنْيَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْها كَوْنُها ناطِقَةً فاهِمَةً، وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأصْواتَ والحُرُوفَ في هَذِهِ الأعْضاءِ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّ المُتَكَلِّمَ هو الَّذِي فَعَلَ الكَلامَ، لا ما كانَ مَوْصُوفًا بِالكَلامِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، وكانَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لا الشَّجَرَةُ، فَهَهُنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأصْواتَ والحُرُوفَ في تِلْكَ الأعْضاءِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو اللَّهُ تَعالى لا تِلْكَ، ولَزِمَ أنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ لا تِلْكَ الأعْضاءُ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ شَهادَةٌ صَدَرَتْ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وأيْضًا أنَّهم قالُوا لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَقالَتِ الأعْضاءُ: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ هي تِلْكَ الأعْضاءُ، وأنَّ تِلْكَ الكَلِماتِ لَيْسَتْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَوْجِيهُ الإشْكالِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِظُهُورِ أماراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم، فَهَذا عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ والأصْلُ عَدَمُهُ، فَهَذا
صفحة ١٠١
مُنْتَهى الكَلامِ في هَذا البَحْثِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِنا فَهَذا الإشْكالُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ ولا لِلْعِلْمِ ولا لِلْقُدْرَةِ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والنُّطْقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ زائِلٌ وهَذِهِ الآيَةِ يَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِها في بَيانِ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، ولا لِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ بِالحَياةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ سَبَبًا وفائِدَةً، وأقُولُ لا شَكَّ أنَّ الحَواسَّ خَمْسَةٌ السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّ آلَةَ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا مِنَ الحَواسِّ وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ: وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ والحَنَكِ مُماسَّةً لِجِرْمِ الطَّعامِ، فَكانَ هَذا داخِلًا فِيهِ فَبَقِيَ حِسُّ الشَّمِّ وهو حِسٌّ ضَعِيفٌ في الإنْسانِ، ولَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ تَكْلِيفٌ ولا أمْرٌ ولا نَهْيٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِن شَهادَةِ الجُلُودِ شَهادَةُ الفُرُوجِ قالَ: وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وأرادَ النِّكاحَ، وقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] والمُرادُ قَضاءُ الحاجَةِ.
وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الآدَمِيِّ فَخِذُهُ وكَفُّهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا شَدِيدًا في الإتْيانِ بِالزِّنا؛ لِأنَّ مُقَدِّمَةَ الزِّنا إنَّما تَحْصُلُ بِالكَفِّ، ونِهايَةُ الأمْرِ فِيها إنَّما تَحْصُلُ بِالفَخِذِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الأُولى حالَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا ثُمَّ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الثّانِيَةِ وهي حالُ القِيامَةِ والبَعْثِ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْطاقُ الجَوارِحِ والأعْضاءِ ؟
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ والمَعْنى إثْباتُ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأعْمالِ القَبِيحَةِ، إلّا أنَّ اسْتِتارَهم ما كانَ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِن أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِاسْتِتارَ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الأعْمالَ الَّتِي يُقْدِمُونَ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ والِاسْتِتارِ.
«عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَدَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَيَّ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما تَقُولُونَ ؟ فَقالَ الرَّجُلانِ إذا سَمِعْنا أصْواتَنا سَمِعَ وإلّا لَمْ يَسْمَعْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ»﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مَن ظَنَّ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ عَنْ عِلْمِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ، قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الظَّنُّ قِسْمانِ ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللَّهِ تَعالى وظَنٌّ فاسِدٌ، أمّا الظَّنُّ الحَسَنُ فَهو أنْ يَظُنَّ بِهِ الرَّحْمَةَ والفَضْلَ، قالَ ﷺ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ”أنا «عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ ﷺ: ”«لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» “، والظَّنُّ القَبِيحُ فاسِدٌ وهو أنْ يَظُنَّ بِاللَّهِ أنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ هَذِهِ الأحْوالِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ نَوْعانِ ظَنٌّ مُنْجٍ وظَنٌّ مُرْدٍ، فالمُنْجِي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وقَوْلُهُ:
صفحة ١٠٢
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وأمّا الظَّنُّ المُرْدِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”وذَلِكم“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ ”وظَنُّكم“ و”أرْداكم“ خَبَرانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَنُّكم بَدَلًا مِن ذالِكم وأرْداكُمُ الخَبَرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ يَعْنِي إنْ أمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغاثَةِ لِفَرَجٍ يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ وتَكُونُ النّارُ مَثْوًى لَهم أيْ مَقامًا لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيْ لَمْ يُعْطَوُا العُتْبى، ولَمْ يُجابُوا إلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] وقُرِئَ: وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ أيْ: إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ أيْ لا سَبِيلَ لَهم إلى ذَلِكَ.
فصلت 41:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عُقُوبَةِ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الدُّنْيا أرْدَفَهُ بِكَيْفِيَّةِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ، لِيَحْصُلَ مِنهُ تَمامُ الِاعْتِبارِ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وقَرَأ نافِعٌ ”نَحْشُرُ“ بِالنُّونِ ”أعْداءَ“ بِالنَّصْبِ أضافَ الحَشْرَ إلى نَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْداءَهُ الكُفّارَ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وحُجَّتُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ونَجَّيْنا) [فصلت: ١٨] فَيَحْسُنُ أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِهِ في اللَّفْظِ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ (وحَشَرْناهم) وأمّا الباقُونَ
صفحة ١٠٠
فَقَرَءُوا عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ لِأنَّ قِصَّةَ ثَمُودَ قَدْ تَمَّتْ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ آخَرَ، وأيْضًا الحاشِرُونَ لَهم هُمُ المَأْمُورُونَ بِقَوْلِهِ: (احْشُرُوا) [الصافات: ٢٢] وهُمُ المَلائِكَةُ، وأيْضًا إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ وأيْضًا فَتَقْدِيرُ القِراءَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ”ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ“ فَكانَ الأوْلى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُقالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَنا إلى النّارِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أعْداءَ اللَّهِ يُحْشَرُونَ إلى النّارِ قالَ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، أيْ يُوقَفُ سَوابِقُهم حَتّى يَصِلَ إلَيْهِمْ تَوالِيهِمْ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا سَألُوا عَنْ أعْمالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ حَتّى إذا جاءُونا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَلِمَةُ ”ما“ صِلَةٌ، وقِيلَ فِيها فائِدَةٌ زائِدَةٌ وهي تَأْكِيدُ أنَّ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ لا بُدَّ وأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الشَّهادَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] أيْ لا بُدَّ لِوَقْتِ وُقُوعِهِ مِن أنْ يَكُونَ وقْتَ إيمانِهِمْ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ «العَبْدَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: يا رَبَّ العِزَّةِ ألَسْتَ قَدْ وعَدْتَنِي أنْ لا تَظْلِمَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: فَإنَّ لَكَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ إنِّي لا أقْبَلُ عَلى نَفْسِي شاهِدًا إلّا مِن نَفْسِي، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى فِيهِ ويُنْطِقُ أعْضاءَهُ بِالأعْمالِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ»﴾ .
واخْتَلَفَ النّاسُ في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الفَهْمَ والقُدْرَةَ والنُّطْقَ فِيها فَتَشْهَدُ كَما يَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلى ما يَعْرِفُهُ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ في تِلْكَ الأعْضاءِ الأصْواتَ والحُرُوفَ الدّالَّةَ عَلى تِلْكَ المَعانِي كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ.
والثّالِثُ: أنْ يُظْهِرَ تِلْكَ الأعْضاءُ أحْوالًا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن ذَلِكَ الإنْسانِ، وتِلْكَ الأماراتُ تُسَمّى شَهاداتٍ، كَما يُقالُ يَشْهَدُ هَذا العالَمُ بِتَغَيُّراتِ أحْوالِهِ عَلى حُدُوثِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ صَعْبَةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.
أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَهو صَعْبٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَهم شَرْطٌ لِحُصُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ، فاللِّسانُ مَعَ كَوْنِهِ لِسانًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِلْمِ والعَقْلِ، فَإنْ غَيَّرَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ البِنْيَةَ والصُّورَةَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ لِسانًا وجِلْدًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إضافَةِ تِلْكَ الشَّهادَةِ إلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى ما غَيَّرَ بِنْيَةَ هَذِهِ الأعْضاءِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْها كَوْنُها ناطِقَةً فاهِمَةً، وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأصْواتَ والحُرُوفَ في هَذِهِ الأعْضاءِ، وهَذا أيْضًا باطِلٌ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّ المُتَكَلِّمَ هو الَّذِي فَعَلَ الكَلامَ، لا ما كانَ مَوْصُوفًا بِالكَلامِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، وكانَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لا الشَّجَرَةُ، فَهَهُنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأصْواتَ والحُرُوفَ في تِلْكَ الأعْضاءِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ هو اللَّهُ تَعالى لا تِلْكَ، ولَزِمَ أنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ لا تِلْكَ الأعْضاءُ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ شَهادَةٌ صَدَرَتْ مِن تِلْكَ الأعْضاءِ لا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ وأيْضًا أنَّهم قالُوا لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَقالَتِ الأعْضاءُ: ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وكُلُّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ هي تِلْكَ الأعْضاءُ، وأنَّ تِلْكَ الكَلِماتِ لَيْسَتْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَوْجِيهُ الإشْكالِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ: وهو تَفْسِيرُ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِظُهُورِ أماراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى هَذِهِ الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى صُدُورِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهم، فَهَذا عُدُولٌ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ والأصْلُ عَدَمُهُ، فَهَذا
صفحة ١٠١
مُنْتَهى الكَلامِ في هَذا البَحْثِ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِنا فَهَذا الإشْكالُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ عِنْدَنا البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ ولا لِلْعِلْمِ ولا لِلْقُدْرَةِ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والنُّطْقِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذِهِ الأعْضاءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالإشْكالُ زائِلٌ وهَذِهِ الآيَةِ يَحْسُنُ التَّمَسُّكُ بِها في بَيانِ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، ولا لِشَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ بِالحَياةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الأعْضاءِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ سَبَبًا وفائِدَةً، وأقُولُ لا شَكَّ أنَّ الحَواسَّ خَمْسَةٌ السَّمْعُ والبَصَرُ والشَّمُّ والذَّوْقُ واللَّمْسُ، ولا شَكَّ أنَّ آلَةَ اللَّمْسِ هي الجِلْدُ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا مِنَ الحَواسِّ وهي السَّمْعُ والبَصَرُ واللَّمْسُ، وأهْمَلَ ذِكْرَ نَوْعَيْنِ: وهُما الذَّوْقُ والشَّمُّ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ داخِلٌ في اللَّمْسِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ إدْراكَ الذَّوْقِ إنَّما يَتَأتّى بِأنْ تَصِيرَ جِلْدَةُ اللِّسانِ والحَنَكِ مُماسَّةً لِجِرْمِ الطَّعامِ، فَكانَ هَذا داخِلًا فِيهِ فَبَقِيَ حِسُّ الشَّمِّ وهو حِسٌّ ضَعِيفٌ في الإنْسانِ، ولَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ تَكْلِيفٌ ولا أمْرٌ ولا نَهْيٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُرادُ مِن شَهادَةِ الجُلُودِ شَهادَةُ الفُرُوجِ قالَ: وهَذا مِن بابِ الكِناياتِ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وأرادَ النِّكاحَ، وقالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] والمُرادُ قَضاءُ الحاجَةِ.
وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ مِنَ الآدَمِيِّ فَخِذُهُ وكَفُّهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدًا شَدِيدًا في الإتْيانِ بِالزِّنا؛ لِأنَّ مُقَدِّمَةَ الزِّنا إنَّما تَحْصُلُ بِالكَفِّ، ونِهايَةُ الأمْرِ فِيها إنَّما تَحْصُلُ بِالفَخِذِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ لِتِلْكَ الأعْضاءِ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الأُولى حالَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا ثُمَّ عَلى خَلْقِكم وإنْطاقِكم في المَرَّةِ الثّانِيَةِ وهي حالُ القِيامَةِ والبَعْثِ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إنْطاقُ الجَوارِحِ والأعْضاءِ ؟
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ والمَعْنى إثْباتُ أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى الأعْمالِ القَبِيحَةِ، إلّا أنَّ اسْتِتارَهم ما كانَ لِأجْلِ خَوْفِهِمْ مِن أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِاسْتِتارَ لِأجْلِ أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ الأعْمالَ الَّتِي يُقْدِمُونَ عَلَيْها عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ والِاسْتِتارِ.
«عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَدَخَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ عَلَيَّ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما تَقُولُونَ ؟ فَقالَ الرَّجُلانِ إذا سَمِعْنا أصْواتَنا سَمِعَ وإلّا لَمْ يَسْمَعْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ»﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ مَن ظَنَّ بِاللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ عَنْ عِلْمِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ، قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: الظَّنُّ قِسْمانِ ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللَّهِ تَعالى وظَنٌّ فاسِدٌ، أمّا الظَّنُّ الحَسَنُ فَهو أنْ يَظُنَّ بِهِ الرَّحْمَةَ والفَضْلَ، قالَ ﷺ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ”أنا «عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ ﷺ: ”«لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» “، والظَّنُّ القَبِيحُ فاسِدٌ وهو أنْ يَظُنَّ بِاللَّهِ أنَّهُ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ بَعْضُ هَذِهِ الأحْوالِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَّنُّ نَوْعانِ ظَنٌّ مُنْجٍ وظَنٌّ مُرْدٍ، فالمُنْجِي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] وقَوْلُهُ:
صفحة ١٠٢
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وأمّا الظَّنُّ المُرْدِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”وذَلِكم“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ ”وظَنُّكم“ و”أرْداكم“ خَبَرانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَنُّكم بَدَلًا مِن ذالِكم وأرْداكُمُ الخَبَرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ يَعْنِي إنْ أمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغاثَةِ لِفَرَجٍ يَنْتَظِرُونَهُ لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ وتَكُونُ النّارُ مَثْوًى لَهم أيْ مَقامًا لَهم ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيْ لَمْ يُعْطَوُا العُتْبى، ولَمْ يُجابُوا إلَيْها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] وقُرِئَ: وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ أيْ: إنْ يَسْألُوا أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ أيْ لا سَبِيلَ لَهم إلى ذَلِكَ.
فصلت 41:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وقَعُوا في ذَلِكَ الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: يُقالُ قايَضْتُ الرَّجُلَ مُقايَضَةً أيْ عاوَضْتُهُ بِمَتاعٍ، وهُما قَيِّضانِ كَما يُقالُ بَيِّعانِ، وقَيَّضَ اللَّهُ فُلانًا أيْ جاءَهُ بِهِ وأتى بِهِ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ، وكانَ عالِمًا بِأنَّهُ مَتى قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ فَإنْ يُزَيِّنُوا الباطِلَ لَهم، وكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ لا مَحالَةَ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَيَّضَ لَهم قُرَناءَ فَقَدْ أرادَ مِنهم ذَلِكَ الكُفْرَ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: لَوْ أرادَ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ إذِ الفاعِلُ لِما أرادَهُ مِنهُ غَيْرُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ، وبِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ١٠٣
﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنهم إلّا العِبادَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِنهُمُ المَعاصِيَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ لِيُزَيِّنُوا لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ فَهو تَعالى قَيَّضَ القُرَناءَ لَهم بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ كُلَّ أحَدٍ إلى آخَرَ مِن جِنْسِهِ، فَقَيَّضَ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ والغَنِيَّ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرَ لِلْغَنِيِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ المَعاصِيَ لِلْبَعْضِ.
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا ما ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ قَطْعًا أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَكُونُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ، فَهَهُنا اللَّهُ تَعالى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم، وعَلِمَ أنَّهُ مَتى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم فَإنَّهم يَقَعُونَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والضَّلالِ، وما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ولَوْ أرادَ اللَّهُ مِنهُمُ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ لِلَّهِ، قُلْنا لَوْ كانَ مَن فَعَلَ ما أرادَهُ غَيْرُهُ مُطِيعًا لَهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُطِيعًا لِعِبادِهِ إذا فَعَلَ ما أرادُوهُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، وأيْضًا فَهَذا إلْزامٌ لَفْظِيٌّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ إنْ أرَدْتَ بِالطّاعَةِ أنَّهُ فَعَلَ ما أرادَ فَهَذا إلْزامٌ لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وإنْ أرَدْتَ غَيْرَهُ فَلا بُدَّ مِن بَيانِهِ حَتّى يَنْظُرَ فِيهِ أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ أمْ لا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: زَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ، وأنَّهُ لا فاعِلَ ولا صانِعَ إلّا الطَّبائِعُ والأفْلاكُ.
الثّانِي: زَيَّنُوا لَهم أعْمالَهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها ويُشاهِدُونَها وما خَلْفَهم وما يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَهُ، وعَبَّرَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْهُ، فَقالَ زَيَّنُوا لَهم ما مَضى مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وما بَقِيَ مِن أعْمالِهِمُ الخَسِيسَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ في أُمَمٍ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، والتَّقْدِيرُ: حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ في جُمْلَةِ (أُمَمٍ) مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا أيْضًا بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ هَؤُلاءِ ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا لانْقَلَبَ هَذا القَوْلُ الحَقُّ باطِلًا وهَذا العِلْمُ جَهْلًا، وهَذا الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ صُدُورَ الإيمانِ عَنْهم، وعَدَمَ صُدُورِ الكُفْرِ عَنْهم مُحالٌ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الأجْوِبَةِ، واتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (والغَوْا فِيهِ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها يُقالُ: لَغى يَلْغى ويَلْغُو، واللَّغْوُ: السّاقِطُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا طائِلَ تَحْتَهُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ كامِلٌ في المَعْنى، وفي اللَّفْظِ وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَهُ وقَفَ عَلى جَزالَةِ ألْفاظِهِ، وأحاطَ عَقْلُهُ بِمَعانِيهِ، وقَضى عَقْلُهُ بِأنَّهُ كَلامٌ حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ، فَدَبَّرُوا تَدْبِيرًا في مَنعِ النّاسِ عَنِ اسْتِماعِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ إذا قُرِئَ وتَشاغَلُوا عِنْدَ قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأصْواتِ بِالخُرافاتِ والأشْعارِ الفاسِدَةِ والكَلِماتِ الباطِلَةِ، حَتّى تُخَلِّطُوا عَلى القارِئِ وتُشَوِّشُوا عَلَيْهِ وتَغْلِبُوا عَلى قِراءَتِهِ، كانَتْ قُرَيْشٌ يُوصِي بِذَلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، والمُرادُ افْعَلُوا عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ ما يَكُونُ لَغْوًا وباطِلًا،
صفحة ١٠٤
لِتُخْرِجُوا قِراءَةَ القُرْآنِ عَنْ أنْ تَصِيرَ مَفْهُومَةً لِلنّاسِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، وهَذا جَهْلٌ مِنهم؛ لِأنَّهم في الحالِ أقَرُّوا بِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِاللَّغْوِ والباطِلِ مِنَ العَمَلِ، واللَّهُ تَعالى يَنْصُرُ مُحَمَّدًا بِفَضْلِهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ هَدَّدَهم بِالعَذابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِأنَّ لَفْظَ الذَّوْقِ إنَّما يُذْكَرُ في القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِأجْلِ التَّجْرِبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الذَّوْقَ عَذابٌ شَدِيدٌ، فَإذا كانَ القَلِيلُ مِنهُ عَذابًا شَدِيدًا فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الكَثِيرِ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ جَزاءُ سُوءِ أعْمالِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يُجازِيهِمْ عَلى مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم أحْبَطُوها بِالكُفْرِ فَضاعَتْ تِلْكَ الأعْمالُ الحَسَنَةُ عَنْهم، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم إلّا الأعْمالُ القَبِيحَةُ الباطِلَةُ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَتَحَصَّلُوا إلّا عَلى جَزاءِ السَّيِّئاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَأ الَّذِي جُعِلَ جَزاءَ أعْداءِ اللَّهِ هو النّارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ لَهم في جُمْلَةِ النّارِ دارُ السَّيِّئاتِ مُعَيَّنَةً وهي دارُ العَذابِ المُخَلَّدِ لَهم ﴿جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهُمْ﴾ أيْ جَزاءً بِما كانُوا يَلْغُونَ في القِراءَةِ، وإنَّما سَمّاهُ جُحُودًا لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ بالِغٌ إلى حَدِّ الإعْجازِ خافُوا مِن أنَّهُ لَوْ سَمِعَهُ النّاسُ لَآمَنُوا بِهِ فاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الطَّرِيقَةَ الفاسِدَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلِمُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا إلّا أنَّهم جَحَدُوا لِلْحَسَدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الكُفْرِ المُوجِبِ لِلْعِقابِ الشَّدِيدِ مُجالَسَةُ قُرَناءِ السُّوءِ بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ الوُقُوعِ في العَذابِ الشَّدِيدِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ أنَّ الشَّيْطانَ عَلى ضَرْبَيْنِ جِنِّيٍّ وإنْسِيٍّ، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٥] وقِيلَ هُما إبْلِيسُ وقابِيلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ سُنَّةُ إبْلِيسَ، والقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ سُنَّةُ قابِيلَ.
وقُرِئَ ”أرْنا“ بِسُكُونِ الرّاءِ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ كَما قالُوا في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وقِيلَ مَعْناهُ أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا وحَكَوْا عَنِ الخَلِيلِ أنَّكَ إذا قُلْتُ: أرِنِي ثَوْبَكَ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى بَصِّرْنِيهِ وإذا قُلْتَهُ بِالسُّكُونِ فَهو اسْتِعْطاءٌ مَعْناهُ أعْطِنِي ثَوْبَكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَكُونانِ أسْفَلَ مِنّا في النّارِ ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لِيَكُونا في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وكانَ بَعْضُ تَلامِذَتِي مِمَّنْ يَمِيلُ إلى الحِكْمَةِ يَقُولُ: المُرادُ بِاللَّذَيْنِ يُضِلّانِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وإلَيْهِما الإشارَةُ في قِصَّةِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ يَعْنِي يا رَبَّنا أعِنّا حَتّى نَجْعَلَ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ تَحْتَ أقْدامِ جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ.
والمُرادُ بِكَوْنِهِما تَحْتَ أقْدامِهِ كَوْنُهُما مُسَخَّرَيْنِ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ مُطِيعَيْنِ لَها، وأنْ لا يَكُونا مَسْئُولَيْنِ عَلَيْها قاهِرَيْنِ لَها.
فصلت 41:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وقَعُوا في ذَلِكَ الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: يُقالُ قايَضْتُ الرَّجُلَ مُقايَضَةً أيْ عاوَضْتُهُ بِمَتاعٍ، وهُما قَيِّضانِ كَما يُقالُ بَيِّعانِ، وقَيَّضَ اللَّهُ فُلانًا أيْ جاءَهُ بِهِ وأتى بِهِ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ، وكانَ عالِمًا بِأنَّهُ مَتى قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ فَإنْ يُزَيِّنُوا الباطِلَ لَهم، وكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ لا مَحالَةَ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَيَّضَ لَهم قُرَناءَ فَقَدْ أرادَ مِنهم ذَلِكَ الكُفْرَ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: لَوْ أرادَ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ إذِ الفاعِلُ لِما أرادَهُ مِنهُ غَيْرُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ، وبِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ١٠٣
﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنهم إلّا العِبادَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِنهُمُ المَعاصِيَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ لِيُزَيِّنُوا لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ فَهو تَعالى قَيَّضَ القُرَناءَ لَهم بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ كُلَّ أحَدٍ إلى آخَرَ مِن جِنْسِهِ، فَقَيَّضَ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ والغَنِيَّ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرَ لِلْغَنِيِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ المَعاصِيَ لِلْبَعْضِ.
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا ما ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ قَطْعًا أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَكُونُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ، فَهَهُنا اللَّهُ تَعالى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم، وعَلِمَ أنَّهُ مَتى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم فَإنَّهم يَقَعُونَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والضَّلالِ، وما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ولَوْ أرادَ اللَّهُ مِنهُمُ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ لِلَّهِ، قُلْنا لَوْ كانَ مَن فَعَلَ ما أرادَهُ غَيْرُهُ مُطِيعًا لَهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُطِيعًا لِعِبادِهِ إذا فَعَلَ ما أرادُوهُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، وأيْضًا فَهَذا إلْزامٌ لَفْظِيٌّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ إنْ أرَدْتَ بِالطّاعَةِ أنَّهُ فَعَلَ ما أرادَ فَهَذا إلْزامٌ لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وإنْ أرَدْتَ غَيْرَهُ فَلا بُدَّ مِن بَيانِهِ حَتّى يَنْظُرَ فِيهِ أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ أمْ لا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: زَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ، وأنَّهُ لا فاعِلَ ولا صانِعَ إلّا الطَّبائِعُ والأفْلاكُ.
الثّانِي: زَيَّنُوا لَهم أعْمالَهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها ويُشاهِدُونَها وما خَلْفَهم وما يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَهُ، وعَبَّرَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْهُ، فَقالَ زَيَّنُوا لَهم ما مَضى مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وما بَقِيَ مِن أعْمالِهِمُ الخَسِيسَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ في أُمَمٍ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، والتَّقْدِيرُ: حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ في جُمْلَةِ (أُمَمٍ) مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا أيْضًا بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ هَؤُلاءِ ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا لانْقَلَبَ هَذا القَوْلُ الحَقُّ باطِلًا وهَذا العِلْمُ جَهْلًا، وهَذا الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ صُدُورَ الإيمانِ عَنْهم، وعَدَمَ صُدُورِ الكُفْرِ عَنْهم مُحالٌ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الأجْوِبَةِ، واتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (والغَوْا فِيهِ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها يُقالُ: لَغى يَلْغى ويَلْغُو، واللَّغْوُ: السّاقِطُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا طائِلَ تَحْتَهُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ كامِلٌ في المَعْنى، وفي اللَّفْظِ وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَهُ وقَفَ عَلى جَزالَةِ ألْفاظِهِ، وأحاطَ عَقْلُهُ بِمَعانِيهِ، وقَضى عَقْلُهُ بِأنَّهُ كَلامٌ حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ، فَدَبَّرُوا تَدْبِيرًا في مَنعِ النّاسِ عَنِ اسْتِماعِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ إذا قُرِئَ وتَشاغَلُوا عِنْدَ قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأصْواتِ بِالخُرافاتِ والأشْعارِ الفاسِدَةِ والكَلِماتِ الباطِلَةِ، حَتّى تُخَلِّطُوا عَلى القارِئِ وتُشَوِّشُوا عَلَيْهِ وتَغْلِبُوا عَلى قِراءَتِهِ، كانَتْ قُرَيْشٌ يُوصِي بِذَلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، والمُرادُ افْعَلُوا عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ ما يَكُونُ لَغْوًا وباطِلًا،
صفحة ١٠٤
لِتُخْرِجُوا قِراءَةَ القُرْآنِ عَنْ أنْ تَصِيرَ مَفْهُومَةً لِلنّاسِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، وهَذا جَهْلٌ مِنهم؛ لِأنَّهم في الحالِ أقَرُّوا بِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِاللَّغْوِ والباطِلِ مِنَ العَمَلِ، واللَّهُ تَعالى يَنْصُرُ مُحَمَّدًا بِفَضْلِهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ هَدَّدَهم بِالعَذابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِأنَّ لَفْظَ الذَّوْقِ إنَّما يُذْكَرُ في القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِأجْلِ التَّجْرِبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الذَّوْقَ عَذابٌ شَدِيدٌ، فَإذا كانَ القَلِيلُ مِنهُ عَذابًا شَدِيدًا فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الكَثِيرِ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ جَزاءُ سُوءِ أعْمالِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يُجازِيهِمْ عَلى مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم أحْبَطُوها بِالكُفْرِ فَضاعَتْ تِلْكَ الأعْمالُ الحَسَنَةُ عَنْهم، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم إلّا الأعْمالُ القَبِيحَةُ الباطِلَةُ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَتَحَصَّلُوا إلّا عَلى جَزاءِ السَّيِّئاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَأ الَّذِي جُعِلَ جَزاءَ أعْداءِ اللَّهِ هو النّارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ لَهم في جُمْلَةِ النّارِ دارُ السَّيِّئاتِ مُعَيَّنَةً وهي دارُ العَذابِ المُخَلَّدِ لَهم ﴿جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهُمْ﴾ أيْ جَزاءً بِما كانُوا يَلْغُونَ في القِراءَةِ، وإنَّما سَمّاهُ جُحُودًا لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ بالِغٌ إلى حَدِّ الإعْجازِ خافُوا مِن أنَّهُ لَوْ سَمِعَهُ النّاسُ لَآمَنُوا بِهِ فاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الطَّرِيقَةَ الفاسِدَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلِمُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا إلّا أنَّهم جَحَدُوا لِلْحَسَدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الكُفْرِ المُوجِبِ لِلْعِقابِ الشَّدِيدِ مُجالَسَةُ قُرَناءِ السُّوءِ بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ الوُقُوعِ في العَذابِ الشَّدِيدِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ أنَّ الشَّيْطانَ عَلى ضَرْبَيْنِ جِنِّيٍّ وإنْسِيٍّ، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٥] وقِيلَ هُما إبْلِيسُ وقابِيلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ سُنَّةُ إبْلِيسَ، والقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ سُنَّةُ قابِيلَ.
وقُرِئَ ”أرْنا“ بِسُكُونِ الرّاءِ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ كَما قالُوا في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وقِيلَ مَعْناهُ أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا وحَكَوْا عَنِ الخَلِيلِ أنَّكَ إذا قُلْتُ: أرِنِي ثَوْبَكَ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى بَصِّرْنِيهِ وإذا قُلْتَهُ بِالسُّكُونِ فَهو اسْتِعْطاءٌ مَعْناهُ أعْطِنِي ثَوْبَكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَكُونانِ أسْفَلَ مِنّا في النّارِ ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لِيَكُونا في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وكانَ بَعْضُ تَلامِذَتِي مِمَّنْ يَمِيلُ إلى الحِكْمَةِ يَقُولُ: المُرادُ بِاللَّذَيْنِ يُضِلّانِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وإلَيْهِما الإشارَةُ في قِصَّةِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ يَعْنِي يا رَبَّنا أعِنّا حَتّى نَجْعَلَ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ تَحْتَ أقْدامِ جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ.
والمُرادُ بِكَوْنِهِما تَحْتَ أقْدامِهِ كَوْنُهُما مُسَخَّرَيْنِ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ مُطِيعَيْنِ لَها، وأنْ لا يَكُونا مَسْئُولَيْنِ عَلَيْها قاهِرَيْنِ لَها.
فصلت 41:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وقَعُوا في ذَلِكَ الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: يُقالُ قايَضْتُ الرَّجُلَ مُقايَضَةً أيْ عاوَضْتُهُ بِمَتاعٍ، وهُما قَيِّضانِ كَما يُقالُ بَيِّعانِ، وقَيَّضَ اللَّهُ فُلانًا أيْ جاءَهُ بِهِ وأتى بِهِ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ، وكانَ عالِمًا بِأنَّهُ مَتى قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ فَإنْ يُزَيِّنُوا الباطِلَ لَهم، وكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ لا مَحالَةَ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَيَّضَ لَهم قُرَناءَ فَقَدْ أرادَ مِنهم ذَلِكَ الكُفْرَ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: لَوْ أرادَ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ إذِ الفاعِلُ لِما أرادَهُ مِنهُ غَيْرُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ، وبِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ١٠٣
﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنهم إلّا العِبادَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِنهُمُ المَعاصِيَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ لِيُزَيِّنُوا لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ فَهو تَعالى قَيَّضَ القُرَناءَ لَهم بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ كُلَّ أحَدٍ إلى آخَرَ مِن جِنْسِهِ، فَقَيَّضَ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ والغَنِيَّ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرَ لِلْغَنِيِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ المَعاصِيَ لِلْبَعْضِ.
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا ما ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ قَطْعًا أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَكُونُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ، فَهَهُنا اللَّهُ تَعالى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم، وعَلِمَ أنَّهُ مَتى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم فَإنَّهم يَقَعُونَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والضَّلالِ، وما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ولَوْ أرادَ اللَّهُ مِنهُمُ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ لِلَّهِ، قُلْنا لَوْ كانَ مَن فَعَلَ ما أرادَهُ غَيْرُهُ مُطِيعًا لَهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُطِيعًا لِعِبادِهِ إذا فَعَلَ ما أرادُوهُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، وأيْضًا فَهَذا إلْزامٌ لَفْظِيٌّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ إنْ أرَدْتَ بِالطّاعَةِ أنَّهُ فَعَلَ ما أرادَ فَهَذا إلْزامٌ لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وإنْ أرَدْتَ غَيْرَهُ فَلا بُدَّ مِن بَيانِهِ حَتّى يَنْظُرَ فِيهِ أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ أمْ لا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: زَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ، وأنَّهُ لا فاعِلَ ولا صانِعَ إلّا الطَّبائِعُ والأفْلاكُ.
الثّانِي: زَيَّنُوا لَهم أعْمالَهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها ويُشاهِدُونَها وما خَلْفَهم وما يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَهُ، وعَبَّرَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْهُ، فَقالَ زَيَّنُوا لَهم ما مَضى مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وما بَقِيَ مِن أعْمالِهِمُ الخَسِيسَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ في أُمَمٍ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، والتَّقْدِيرُ: حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ في جُمْلَةِ (أُمَمٍ) مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا أيْضًا بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ هَؤُلاءِ ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا لانْقَلَبَ هَذا القَوْلُ الحَقُّ باطِلًا وهَذا العِلْمُ جَهْلًا، وهَذا الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ صُدُورَ الإيمانِ عَنْهم، وعَدَمَ صُدُورِ الكُفْرِ عَنْهم مُحالٌ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الأجْوِبَةِ، واتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (والغَوْا فِيهِ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها يُقالُ: لَغى يَلْغى ويَلْغُو، واللَّغْوُ: السّاقِطُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا طائِلَ تَحْتَهُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ كامِلٌ في المَعْنى، وفي اللَّفْظِ وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَهُ وقَفَ عَلى جَزالَةِ ألْفاظِهِ، وأحاطَ عَقْلُهُ بِمَعانِيهِ، وقَضى عَقْلُهُ بِأنَّهُ كَلامٌ حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ، فَدَبَّرُوا تَدْبِيرًا في مَنعِ النّاسِ عَنِ اسْتِماعِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ إذا قُرِئَ وتَشاغَلُوا عِنْدَ قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأصْواتِ بِالخُرافاتِ والأشْعارِ الفاسِدَةِ والكَلِماتِ الباطِلَةِ، حَتّى تُخَلِّطُوا عَلى القارِئِ وتُشَوِّشُوا عَلَيْهِ وتَغْلِبُوا عَلى قِراءَتِهِ، كانَتْ قُرَيْشٌ يُوصِي بِذَلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، والمُرادُ افْعَلُوا عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ ما يَكُونُ لَغْوًا وباطِلًا،
صفحة ١٠٤
لِتُخْرِجُوا قِراءَةَ القُرْآنِ عَنْ أنْ تَصِيرَ مَفْهُومَةً لِلنّاسِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، وهَذا جَهْلٌ مِنهم؛ لِأنَّهم في الحالِ أقَرُّوا بِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِاللَّغْوِ والباطِلِ مِنَ العَمَلِ، واللَّهُ تَعالى يَنْصُرُ مُحَمَّدًا بِفَضْلِهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ هَدَّدَهم بِالعَذابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِأنَّ لَفْظَ الذَّوْقِ إنَّما يُذْكَرُ في القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِأجْلِ التَّجْرِبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الذَّوْقَ عَذابٌ شَدِيدٌ، فَإذا كانَ القَلِيلُ مِنهُ عَذابًا شَدِيدًا فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الكَثِيرِ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ جَزاءُ سُوءِ أعْمالِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يُجازِيهِمْ عَلى مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم أحْبَطُوها بِالكُفْرِ فَضاعَتْ تِلْكَ الأعْمالُ الحَسَنَةُ عَنْهم، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم إلّا الأعْمالُ القَبِيحَةُ الباطِلَةُ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَتَحَصَّلُوا إلّا عَلى جَزاءِ السَّيِّئاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَأ الَّذِي جُعِلَ جَزاءَ أعْداءِ اللَّهِ هو النّارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ لَهم في جُمْلَةِ النّارِ دارُ السَّيِّئاتِ مُعَيَّنَةً وهي دارُ العَذابِ المُخَلَّدِ لَهم ﴿جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهُمْ﴾ أيْ جَزاءً بِما كانُوا يَلْغُونَ في القِراءَةِ، وإنَّما سَمّاهُ جُحُودًا لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ بالِغٌ إلى حَدِّ الإعْجازِ خافُوا مِن أنَّهُ لَوْ سَمِعَهُ النّاسُ لَآمَنُوا بِهِ فاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الطَّرِيقَةَ الفاسِدَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلِمُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا إلّا أنَّهم جَحَدُوا لِلْحَسَدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الكُفْرِ المُوجِبِ لِلْعِقابِ الشَّدِيدِ مُجالَسَةُ قُرَناءِ السُّوءِ بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ الوُقُوعِ في العَذابِ الشَّدِيدِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ أنَّ الشَّيْطانَ عَلى ضَرْبَيْنِ جِنِّيٍّ وإنْسِيٍّ، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٥] وقِيلَ هُما إبْلِيسُ وقابِيلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ سُنَّةُ إبْلِيسَ، والقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ سُنَّةُ قابِيلَ.
وقُرِئَ ”أرْنا“ بِسُكُونِ الرّاءِ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ كَما قالُوا في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وقِيلَ مَعْناهُ أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا وحَكَوْا عَنِ الخَلِيلِ أنَّكَ إذا قُلْتُ: أرِنِي ثَوْبَكَ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى بَصِّرْنِيهِ وإذا قُلْتَهُ بِالسُّكُونِ فَهو اسْتِعْطاءٌ مَعْناهُ أعْطِنِي ثَوْبَكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَكُونانِ أسْفَلَ مِنّا في النّارِ ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لِيَكُونا في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وكانَ بَعْضُ تَلامِذَتِي مِمَّنْ يَمِيلُ إلى الحِكْمَةِ يَقُولُ: المُرادُ بِاللَّذَيْنِ يُضِلّانِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وإلَيْهِما الإشارَةُ في قِصَّةِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ يَعْنِي يا رَبَّنا أعِنّا حَتّى نَجْعَلَ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ تَحْتَ أقْدامِ جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ.
والمُرادُ بِكَوْنِهِما تَحْتَ أقْدامِهِ كَوْنُهُما مُسَخَّرَيْنِ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ مُطِيعَيْنِ لَها، وأنْ لا يَكُونا مَسْئُولَيْنِ عَلَيْها قاهِرَيْنِ لَها.
فصلت 41:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وقَعُوا في ذَلِكَ الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: يُقالُ قايَضْتُ الرَّجُلَ مُقايَضَةً أيْ عاوَضْتُهُ بِمَتاعٍ، وهُما قَيِّضانِ كَما يُقالُ بَيِّعانِ، وقَيَّضَ اللَّهُ فُلانًا أيْ جاءَهُ بِهِ وأتى بِهِ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ، وكانَ عالِمًا بِأنَّهُ مَتى قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ فَإنْ يُزَيِّنُوا الباطِلَ لَهم، وكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ لا مَحالَةَ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَيَّضَ لَهم قُرَناءَ فَقَدْ أرادَ مِنهم ذَلِكَ الكُفْرَ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: لَوْ أرادَ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ إذِ الفاعِلُ لِما أرادَهُ مِنهُ غَيْرُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ، وبِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ١٠٣
﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنهم إلّا العِبادَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِنهُمُ المَعاصِيَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ لِيُزَيِّنُوا لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ فَهو تَعالى قَيَّضَ القُرَناءَ لَهم بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ كُلَّ أحَدٍ إلى آخَرَ مِن جِنْسِهِ، فَقَيَّضَ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ والغَنِيَّ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرَ لِلْغَنِيِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ المَعاصِيَ لِلْبَعْضِ.
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا ما ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ قَطْعًا أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَكُونُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ، فَهَهُنا اللَّهُ تَعالى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم، وعَلِمَ أنَّهُ مَتى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم فَإنَّهم يَقَعُونَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والضَّلالِ، وما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ولَوْ أرادَ اللَّهُ مِنهُمُ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ لِلَّهِ، قُلْنا لَوْ كانَ مَن فَعَلَ ما أرادَهُ غَيْرُهُ مُطِيعًا لَهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُطِيعًا لِعِبادِهِ إذا فَعَلَ ما أرادُوهُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، وأيْضًا فَهَذا إلْزامٌ لَفْظِيٌّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ إنْ أرَدْتَ بِالطّاعَةِ أنَّهُ فَعَلَ ما أرادَ فَهَذا إلْزامٌ لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وإنْ أرَدْتَ غَيْرَهُ فَلا بُدَّ مِن بَيانِهِ حَتّى يَنْظُرَ فِيهِ أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ أمْ لا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: زَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ، وأنَّهُ لا فاعِلَ ولا صانِعَ إلّا الطَّبائِعُ والأفْلاكُ.
الثّانِي: زَيَّنُوا لَهم أعْمالَهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها ويُشاهِدُونَها وما خَلْفَهم وما يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَهُ، وعَبَّرَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْهُ، فَقالَ زَيَّنُوا لَهم ما مَضى مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وما بَقِيَ مِن أعْمالِهِمُ الخَسِيسَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ في أُمَمٍ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، والتَّقْدِيرُ: حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ في جُمْلَةِ (أُمَمٍ) مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا أيْضًا بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ هَؤُلاءِ ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا لانْقَلَبَ هَذا القَوْلُ الحَقُّ باطِلًا وهَذا العِلْمُ جَهْلًا، وهَذا الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ صُدُورَ الإيمانِ عَنْهم، وعَدَمَ صُدُورِ الكُفْرِ عَنْهم مُحالٌ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الأجْوِبَةِ، واتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (والغَوْا فِيهِ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها يُقالُ: لَغى يَلْغى ويَلْغُو، واللَّغْوُ: السّاقِطُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا طائِلَ تَحْتَهُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ كامِلٌ في المَعْنى، وفي اللَّفْظِ وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَهُ وقَفَ عَلى جَزالَةِ ألْفاظِهِ، وأحاطَ عَقْلُهُ بِمَعانِيهِ، وقَضى عَقْلُهُ بِأنَّهُ كَلامٌ حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ، فَدَبَّرُوا تَدْبِيرًا في مَنعِ النّاسِ عَنِ اسْتِماعِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ إذا قُرِئَ وتَشاغَلُوا عِنْدَ قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأصْواتِ بِالخُرافاتِ والأشْعارِ الفاسِدَةِ والكَلِماتِ الباطِلَةِ، حَتّى تُخَلِّطُوا عَلى القارِئِ وتُشَوِّشُوا عَلَيْهِ وتَغْلِبُوا عَلى قِراءَتِهِ، كانَتْ قُرَيْشٌ يُوصِي بِذَلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، والمُرادُ افْعَلُوا عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ ما يَكُونُ لَغْوًا وباطِلًا،
صفحة ١٠٤
لِتُخْرِجُوا قِراءَةَ القُرْآنِ عَنْ أنْ تَصِيرَ مَفْهُومَةً لِلنّاسِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، وهَذا جَهْلٌ مِنهم؛ لِأنَّهم في الحالِ أقَرُّوا بِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِاللَّغْوِ والباطِلِ مِنَ العَمَلِ، واللَّهُ تَعالى يَنْصُرُ مُحَمَّدًا بِفَضْلِهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ هَدَّدَهم بِالعَذابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِأنَّ لَفْظَ الذَّوْقِ إنَّما يُذْكَرُ في القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِأجْلِ التَّجْرِبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الذَّوْقَ عَذابٌ شَدِيدٌ، فَإذا كانَ القَلِيلُ مِنهُ عَذابًا شَدِيدًا فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الكَثِيرِ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ جَزاءُ سُوءِ أعْمالِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يُجازِيهِمْ عَلى مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم أحْبَطُوها بِالكُفْرِ فَضاعَتْ تِلْكَ الأعْمالُ الحَسَنَةُ عَنْهم، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم إلّا الأعْمالُ القَبِيحَةُ الباطِلَةُ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَتَحَصَّلُوا إلّا عَلى جَزاءِ السَّيِّئاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَأ الَّذِي جُعِلَ جَزاءَ أعْداءِ اللَّهِ هو النّارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ لَهم في جُمْلَةِ النّارِ دارُ السَّيِّئاتِ مُعَيَّنَةً وهي دارُ العَذابِ المُخَلَّدِ لَهم ﴿جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهُمْ﴾ أيْ جَزاءً بِما كانُوا يَلْغُونَ في القِراءَةِ، وإنَّما سَمّاهُ جُحُودًا لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ بالِغٌ إلى حَدِّ الإعْجازِ خافُوا مِن أنَّهُ لَوْ سَمِعَهُ النّاسُ لَآمَنُوا بِهِ فاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الطَّرِيقَةَ الفاسِدَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلِمُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا إلّا أنَّهم جَحَدُوا لِلْحَسَدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الكُفْرِ المُوجِبِ لِلْعِقابِ الشَّدِيدِ مُجالَسَةُ قُرَناءِ السُّوءِ بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ الوُقُوعِ في العَذابِ الشَّدِيدِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ أنَّ الشَّيْطانَ عَلى ضَرْبَيْنِ جِنِّيٍّ وإنْسِيٍّ، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٥] وقِيلَ هُما إبْلِيسُ وقابِيلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ سُنَّةُ إبْلِيسَ، والقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ سُنَّةُ قابِيلَ.
وقُرِئَ ”أرْنا“ بِسُكُونِ الرّاءِ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ كَما قالُوا في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وقِيلَ مَعْناهُ أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا وحَكَوْا عَنِ الخَلِيلِ أنَّكَ إذا قُلْتُ: أرِنِي ثَوْبَكَ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى بَصِّرْنِيهِ وإذا قُلْتَهُ بِالسُّكُونِ فَهو اسْتِعْطاءٌ مَعْناهُ أعْطِنِي ثَوْبَكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَكُونانِ أسْفَلَ مِنّا في النّارِ ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لِيَكُونا في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وكانَ بَعْضُ تَلامِذَتِي مِمَّنْ يَمِيلُ إلى الحِكْمَةِ يَقُولُ: المُرادُ بِاللَّذَيْنِ يُضِلّانِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وإلَيْهِما الإشارَةُ في قِصَّةِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ يَعْنِي يا رَبَّنا أعِنّا حَتّى نَجْعَلَ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ تَحْتَ أقْدامِ جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ.
والمُرادُ بِكَوْنِهِما تَحْتَ أقْدامِهِ كَوْنُهُما مُسَخَّرَيْنِ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ مُطِيعَيْنِ لَها، وأنْ لا يَكُونا مَسْئُولَيْنِ عَلَيْها قاهِرَيْنِ لَها.
فصلت 41:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وقَعُوا في ذَلِكَ الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الصِّحاحِ“: يُقالُ قايَضْتُ الرَّجُلَ مُقايَضَةً أيْ عاوَضْتُهُ بِمَتاعٍ، وهُما قَيِّضانِ كَما يُقالُ بَيِّعانِ، وقَيَّضَ اللَّهُ فُلانًا أيْ جاءَهُ بِهِ وأتى بِهِ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، فَقالُوا إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ، وكانَ عالِمًا بِأنَّهُ مَتى قَيَّضَ لَهم أُولَئِكَ القُرَناءَ فَإنْ يُزَيِّنُوا الباطِلَ لَهم، وكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ لا مَحالَةَ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَيَّضَ لَهم قُرَناءَ فَقَدْ أرادَ مِنهم ذَلِكَ الكُفْرَ، أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: لَوْ أرادَ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ إذِ الفاعِلُ لِما أرادَهُ مِنهُ غَيْرُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ، وبِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ١٠٣
﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنهم إلّا العِبادَةَ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِنهُمُ المَعاصِيَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ لِيُزَيِّنُوا لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ فَهو تَعالى قَيَّضَ القُرَناءَ لَهم بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ كُلَّ أحَدٍ إلى آخَرَ مِن جِنْسِهِ، فَقَيَّضَ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ والغَنِيَّ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرَ لِلْغَنِيِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ المَعاصِيَ لِلْبَعْضِ.
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا ما ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا وعَلِمَ قَطْعًا أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يُفْضِي إلى أثَرٍ، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَكُونُ مُرِيدًا لِذَلِكَ الأثَرِ، فَهَهُنا اللَّهُ تَعالى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم، وعَلِمَ أنَّهُ مَتى قَيَّضَ أُولَئِكَ القُرَناءَ لَهم فَإنَّهم يَقَعُونَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والضَّلالِ، وما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ لا يَدْفَعُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ولَوْ أرادَ اللَّهُ مِنهُمُ المَعاصِيَ لَكانُوا بِفِعْلِها مُطِيعِينَ لِلَّهِ، قُلْنا لَوْ كانَ مَن فَعَلَ ما أرادَهُ غَيْرُهُ مُطِيعًا لَهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُطِيعًا لِعِبادِهِ إذا فَعَلَ ما أرادُوهُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، وأيْضًا فَهَذا إلْزامٌ لَفْظِيٌّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ إنْ أرَدْتَ بِالطّاعَةِ أنَّهُ فَعَلَ ما أرادَ فَهَذا إلْزامٌ لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وإنْ أرَدْتَ غَيْرَهُ فَلا بُدَّ مِن بَيانِهِ حَتّى يَنْظُرَ فِيهِ أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ أمْ لا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: زَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ أنَّهُ لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَزَيَّنُوا أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ، وأنَّهُ لا فاعِلَ ولا صانِعَ إلّا الطَّبائِعُ والأفْلاكُ.
الثّانِي: زَيَّنُوا لَهم أعْمالَهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها ويُشاهِدُونَها وما خَلْفَهم وما يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَهُ، وعَبَّرَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْهُ، فَقالَ زَيَّنُوا لَهم ما مَضى مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وما بَقِيَ مِن أعْمالِهِمُ الخَسِيسَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ في أُمَمٍ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ، والتَّقْدِيرُ: حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ في جُمْلَةِ (أُمَمٍ) مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا أيْضًا بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّ هَؤُلاءِ ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا لانْقَلَبَ هَذا القَوْلُ الحَقُّ باطِلًا وهَذا العِلْمُ جَهْلًا، وهَذا الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ صُدُورَ الإيمانِ عَنْهم، وعَدَمَ صُدُورِ الكُفْرِ عَنْهم مُحالٌ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الأجْوِبَةِ، واتَّصَلَ الكَلامُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ إلى هَذا المَوْضِعِ، ثُمَّ إنَّهُ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (والغَوْا فِيهِ) بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها يُقالُ: لَغى يَلْغى ويَلْغُو، واللَّغْوُ: السّاقِطُ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا طائِلَ تَحْتَهُ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ كامِلٌ في المَعْنى، وفي اللَّفْظِ وأنَّ كُلَّ مَن سَمِعَهُ وقَفَ عَلى جَزالَةِ ألْفاظِهِ، وأحاطَ عَقْلُهُ بِمَعانِيهِ، وقَضى عَقْلُهُ بِأنَّهُ كَلامٌ حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ، فَدَبَّرُوا تَدْبِيرًا في مَنعِ النّاسِ عَنِ اسْتِماعِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ إذا قُرِئَ وتَشاغَلُوا عِنْدَ قِراءَتِهِ بِرَفْعِ الأصْواتِ بِالخُرافاتِ والأشْعارِ الفاسِدَةِ والكَلِماتِ الباطِلَةِ، حَتّى تُخَلِّطُوا عَلى القارِئِ وتُشَوِّشُوا عَلَيْهِ وتَغْلِبُوا عَلى قِراءَتِهِ، كانَتْ قُرَيْشٌ يُوصِي بِذَلِكَ بَعْضُهم بَعْضًا، والمُرادُ افْعَلُوا عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ ما يَكُونُ لَغْوًا وباطِلًا،
صفحة ١٠٤
لِتُخْرِجُوا قِراءَةَ القُرْآنِ عَنْ أنْ تَصِيرَ مَفْهُومَةً لِلنّاسِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، وهَذا جَهْلٌ مِنهم؛ لِأنَّهم في الحالِ أقَرُّوا بِأنَّهم مُشْتَغِلُونَ بِاللَّغْوِ والباطِلِ مِنَ العَمَلِ، واللَّهُ تَعالى يَنْصُرُ مُحَمَّدًا بِفَضْلِهِ، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ هَدَّدَهم بِالعَذابِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا﴾ لِأنَّ لَفْظَ الذَّوْقِ إنَّما يُذْكَرُ في القَدْرِ القَلِيلِ الَّذِي يُؤْتى بِهِ لِأجْلِ التَّجْرِبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ الذَّوْقَ عَذابٌ شَدِيدٌ، فَإذا كانَ القَلِيلُ مِنهُ عَذابًا شَدِيدًا فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ الكَثِيرِ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فِيهِ:
فَقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ جَزاءُ سُوءِ أعْمالِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: بَلِ المُرادُ أنَّهُ لا يُجازِيهِمْ عَلى مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم أحْبَطُوها بِالكُفْرِ فَضاعَتْ تِلْكَ الأعْمالُ الحَسَنَةُ عَنْهم، ولَمْ يَبْقَ مَعَهم إلّا الأعْمالُ القَبِيحَةُ الباطِلَةُ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَتَحَصَّلُوا إلّا عَلى جَزاءِ السَّيِّئاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَأ الَّذِي جُعِلَ جَزاءَ أعْداءِ اللَّهِ هو النّارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ أيْ لَهم في جُمْلَةِ النّارِ دارُ السَّيِّئاتِ مُعَيَّنَةً وهي دارُ العَذابِ المُخَلَّدِ لَهم ﴿جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهُمْ﴾ أيْ جَزاءً بِما كانُوا يَلْغُونَ في القِراءَةِ، وإنَّما سَمّاهُ جُحُودًا لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ بالِغٌ إلى حَدِّ الإعْجازِ خافُوا مِن أنَّهُ لَوْ سَمِعَهُ النّاسُ لَآمَنُوا بِهِ فاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الطَّرِيقَةَ الفاسِدَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلِمُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا إلّا أنَّهم جَحَدُوا لِلْحَسَدِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الكُفْرِ المُوجِبِ لِلْعِقابِ الشَّدِيدِ مُجالَسَةُ قُرَناءِ السُّوءِ بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ الوُقُوعِ في العَذابِ الشَّدِيدِ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ أنَّ الشَّيْطانَ عَلى ضَرْبَيْنِ جِنِّيٍّ وإنْسِيٍّ، قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٥] وقِيلَ هُما إبْلِيسُ وقابِيلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ سُنَّةُ إبْلِيسَ، والقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ سُنَّةُ قابِيلَ.
وقُرِئَ ”أرْنا“ بِسُكُونِ الرّاءِ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ كَما قالُوا في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وقِيلَ مَعْناهُ أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا وحَكَوْا عَنِ الخَلِيلِ أنَّكَ إذا قُلْتُ: أرِنِي ثَوْبَكَ بِالكَسْرِ، فالمَعْنى بَصِّرْنِيهِ وإذا قُلْتَهُ بِالسُّكُونِ فَهو اسْتِعْطاءٌ مَعْناهُ أعْطِنِي ثَوْبَكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَكُونانِ أسْفَلَ مِنّا في النّارِ ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لِيَكُونا في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، وكانَ بَعْضُ تَلامِذَتِي مِمَّنْ يَمِيلُ إلى الحِكْمَةِ يَقُولُ: المُرادُ بِاللَّذَيْنِ يُضِلّانِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وإلَيْهِما الإشارَةُ في قِصَّةِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ قالَ: والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ يَعْنِي يا رَبَّنا أعِنّا حَتّى نَجْعَلَ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ تَحْتَ أقْدامِ جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ.
والمُرادُ بِكَوْنِهِما تَحْتَ أقْدامِهِ كَوْنُهُما مُسَخَّرَيْنِ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ مُطِيعَيْنِ لَها، وأنْ لا يَكُونا مَسْئُولَيْنِ عَلَيْها قاهِرَيْنِ لَها.
فصلت 41:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعِيدِ أرْدَفَهُ بِهَذا الوَعْدِ الشَّرِيفِ، وهَذا تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ مَدارُ كُلِّ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الكَمالاتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ وأشْرَفُ المَراتِبِ النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها البَدَنِيَّةُ وأدْوَنُها الخارِجِيَّةُ، وذَكَرْنا أنَّ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةَ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: العِلْمُ اليَقِينِيُّ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ قالُوا كَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ اليَقِينِيَّةُ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ ورَأْسُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ورَئِيسُها أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُسْتَقِيمًا في الوَسَطِ غَيْرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالَ أيْضًا: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وإلَيْهِ الإشارَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ .
وسَمِعْتُ أنَّ القارِئَ قَرَأ في مَجْلِسِ العَبّادِيِّ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ العَبّادِيُّ: والقِيامَةُ في القِيامَةِ، بِقَدْرِ الِاسْتِقامَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القَوْلَ بِاللِّسانِ فَقَطْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ الِاسْتِقامَةَ، فَلَمّا ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ القَوْلِ الِاسْتِقامَةَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ كانَ مَقْرُونًا بِاليَقِينِ التّامِّ والمَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الِاسْتِقامَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ والتَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ عِباراتٌ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا أيْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إلَهٍ غَيْرِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ: هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَعَ في أنْواعٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَلاءِ والمِحْنَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرِ البَتَّةَ عَنْ دِينِهِ، فَكانَ هو الَّذِي قالَ: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ وبَقِيَ مُسْتَقِيمًا عَلَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.
وأقُولُ: يُمْكِنُ فِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ مَن أقَرَّ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا بَقِيَتْ لَهُ مَقاماتٌ أُخْرى، فَأوَّلُها: أنْ لا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ الإثْباتِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّشْبِيهِ، بَلْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ، وأيْضًا يَجِبُ أنْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَذا في الرَّجاءِ والقُنُوطِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي وهو أنْ نَحْمِلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإتْيانِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، قالُوا وهَذا أوْلى حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ مُتَناوِلًا لِلْقَوْلِ والِاعْتِقادِ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ مُتَناوِلًا لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ عِنْدَ المَوْتِ وقِيلَ في مَواقِفَ ثَلاثَةٍ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ إلى القِيامَةِ (ألّا تَخافُوا) أنْ بِمَعْنى أيْ أوْ بِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَخافُوا والهاءُ ضَمِيرٌ
صفحة ١٠٦
الشَّأْنِ، واعْلَمْ أنَّ الغايَةَ القُصْوى في رِعايَةِ المَصالِحِ دَفْعُ المَضارِّ وجَلْبُ المَنافِعِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ المَضَرَّةِ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِن جَلْبِ المَصْلَحَةِ، والمَضَرَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في المُسْتَقْبَلِ أوْ في الحالِ أوْ في الماضِي، وهَهُنا دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ المُسْتَقْبَلَ مُقَدَّمٌ عَلى الحاضِرِ، والحاضِرَ مُقَدَّمٌ عَلى الماضِي، فَإنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ ويُتَوَقَّعُ حُدُوثُهُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا، فَإذا وُجِدَ يَصِيرُ حاضِرًا، فَإذا عُدِمَ وفَنِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ ماضِيًا، وأيْضًا المُسْتَقْبَلُ في كُلِّ ساعَةٍ يَصِيرُ أقْرَبَ حُصُولًا والماضِي في كُلِّ حالَةٍ أبْعَدُ حُصُولًا، ولِهَذا قالَ الشّاعِرُ:
فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبَ مِن غَدٍ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدَ مِن أمْسِ
وإذا ثَبَتَ هَذا فالمَضارُّ الَّتِي يُتَوَقَّعُ حُصُولُها في المُسْتَقْبَلِ أوْلى بِالدَّفْعِ مِنَ المَضارِّ الماضِيَةِ، وأيْضًا الخَوْفُ عِبارَةٌ عَنْ تَألُّمِ القَلْبِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ حُصُولِ مَضَرَّةٍ في المُسْتَقْبَلِ، والغَمُّ عِبارَةٌ عَنْ تَألُّمِ القَلْبِ بِسَبَبِ قُوَّةِ نَفْعٍ كانَ مَوْجُودًا في الماضِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَدَفْعُ الخَوْفِ أوْلى مِن دَفْعِ الحُزْنِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الغَمِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يُخْبِرُونَ بِأنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْكم بِسَبَبِ ما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ يُخْبِرُونَ بِأنَّهُ لا حُزْنٌ عَلَيْكم بِسَبَبِ ما فاتَكم مِن أحْوالِ الدُّنْيا، وعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ زالَتِ المَضارُّ والمَتاعِبُ بِالكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ يُبَشَّرُونَ بِحُصُولِ المَنافِعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: البِشارَةُ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الأوَّلِ بِحُصُولِ المَنافِعِ، فَأمّا إذا أخْبَرَ الرَّجُلُ بِحُصُولِ مَنفَعَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا بِحُصُولِها كانَ الإخْبارُ الثّانِي إخْبارًا ولا يَكُونُ بِشارَةً، والمُؤْمِنُ قَدْ يَسْمَعُ بِشاراتِ الخَيْرِ فَإذا سَمِعَ المُؤْمِنُ هَذا الخَبَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا ولا يَكُونَ بِشارَةً، فَما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ هَذا الخَبَرِ بِالبِشارَةِ ؟ قُلْنا: المُؤْمِنُ يَسْمَعُ أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كانَ لَهُ الجَنَّةُ، أمّا مَن لَمْ يَسْمَعِ البَتَّةَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَإذا سَمِعَ هَذا الكَلامَ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ هَذا إخْبارًا بِنَفْعٍ عَظِيمٍ مَعَ أنَّهُ هو الخَبَرُ الأوَّلُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ لا يَكُونُ فازِعًا مِنَ الأهْوالِ ومِنَ الفَزَعِ الشَّدِيدِ، بَلْ يَكُونُ آمِنَ القَلْبِ ساكِنَ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ يُفِيدُ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الإطْلاقِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ في وعِيدِ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] ومَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ لِلْمَلائِكَةِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، بِالإلْهاماتِ والمُكاشَفاتِ اليَقِينِيَّةِ، والمَقاماتِ الحَقِيقِيَّةِ، كَما أنَّ لِلشَّياطِينِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ بِإلْقاءِ الوَساوِسِ فِيها، وتَخْيِيلِ الأباطِيلِ إلَيْها.
وبِالجُمْلَةِ فَكَوْنُ المَلائِكَةِ أوْلِياءَ لِلْأرْواحِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ حاصِلٌ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِأرْبابِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، فَهم يَقُولُونَ: كَما أنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الدِّينا فَهي تَكُونُ باقِيَةً في الآخِرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العَلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازِمَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزَّوالِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأبْقى، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهي كالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَشْيِ، والقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، والتَّعَلُّقاتُ الجُسْمانِيَّةُ هي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ المَلائِكَةِ، كَما قالَ ﷺ: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “ فَإذا زالَتِ العَلائِقُ الجُسْمانِيَّةُ والتَّدْبِيراتُ البَدَنِيَّةُ، فَقَدْ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ، فَيَتَّصِلُ الأثَرُ بِالمُؤَثِّرِ، والقَطْرَةُ بِالبَحْرِ، والشُّعْلَةُ
صفحة ١٠٧
بِالشَّمْسِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ ما تَتَمَنَّوْنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] فَإنَّ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ والنُّزُلُ: رِزْقُ النَّزِيلِ وهو الضَّيْفُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، قالَ العارِفُونَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ جارِيَةٌ مَجْرى النُّزُلِ، والكَرِيمُ إذْ أعْطى النُّزُلَ فَلا بُدَّ وأنْ يَبْعَثَ الخِلَعَ النَّفِيسَةَ بَعْدَها، وتِلْكَ الخِلَعُ النَّفِيسَةُ لَيْسَتْ إلّا السَّعاداتِ الحاصِلَةَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ والتَّجَلِّي والكَشْفِ التّامِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنا لَها أهْلًا بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
فصلت 41:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعِيدِ أرْدَفَهُ بِهَذا الوَعْدِ الشَّرِيفِ، وهَذا تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ مَدارُ كُلِّ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الكَمالاتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ وأشْرَفُ المَراتِبِ النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها البَدَنِيَّةُ وأدْوَنُها الخارِجِيَّةُ، وذَكَرْنا أنَّ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةَ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: العِلْمُ اليَقِينِيُّ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ قالُوا كَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ اليَقِينِيَّةُ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ ورَأْسُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ورَئِيسُها أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُسْتَقِيمًا في الوَسَطِ غَيْرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالَ أيْضًا: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وإلَيْهِ الإشارَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ .
وسَمِعْتُ أنَّ القارِئَ قَرَأ في مَجْلِسِ العَبّادِيِّ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ العَبّادِيُّ: والقِيامَةُ في القِيامَةِ، بِقَدْرِ الِاسْتِقامَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القَوْلَ بِاللِّسانِ فَقَطْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ الِاسْتِقامَةَ، فَلَمّا ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ القَوْلِ الِاسْتِقامَةَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ كانَ مَقْرُونًا بِاليَقِينِ التّامِّ والمَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الِاسْتِقامَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ والتَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ عِباراتٌ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا أيْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إلَهٍ غَيْرِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ: هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَعَ في أنْواعٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَلاءِ والمِحْنَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرِ البَتَّةَ عَنْ دِينِهِ، فَكانَ هو الَّذِي قالَ: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ وبَقِيَ مُسْتَقِيمًا عَلَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.
وأقُولُ: يُمْكِنُ فِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ مَن أقَرَّ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا بَقِيَتْ لَهُ مَقاماتٌ أُخْرى، فَأوَّلُها: أنْ لا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ الإثْباتِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّشْبِيهِ، بَلْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ، وأيْضًا يَجِبُ أنْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَذا في الرَّجاءِ والقُنُوطِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي وهو أنْ نَحْمِلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإتْيانِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، قالُوا وهَذا أوْلى حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ مُتَناوِلًا لِلْقَوْلِ والِاعْتِقادِ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ مُتَناوِلًا لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ عِنْدَ المَوْتِ وقِيلَ في مَواقِفَ ثَلاثَةٍ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ إلى القِيامَةِ (ألّا تَخافُوا) أنْ بِمَعْنى أيْ أوْ بِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَخافُوا والهاءُ ضَمِيرٌ
صفحة ١٠٦
الشَّأْنِ، واعْلَمْ أنَّ الغايَةَ القُصْوى في رِعايَةِ المَصالِحِ دَفْعُ المَضارِّ وجَلْبُ المَنافِعِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ المَضَرَّةِ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِن جَلْبِ المَصْلَحَةِ، والمَضَرَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في المُسْتَقْبَلِ أوْ في الحالِ أوْ في الماضِي، وهَهُنا دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ المُسْتَقْبَلَ مُقَدَّمٌ عَلى الحاضِرِ، والحاضِرَ مُقَدَّمٌ عَلى الماضِي، فَإنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ ويُتَوَقَّعُ حُدُوثُهُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا، فَإذا وُجِدَ يَصِيرُ حاضِرًا، فَإذا عُدِمَ وفَنِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ ماضِيًا، وأيْضًا المُسْتَقْبَلُ في كُلِّ ساعَةٍ يَصِيرُ أقْرَبَ حُصُولًا والماضِي في كُلِّ حالَةٍ أبْعَدُ حُصُولًا، ولِهَذا قالَ الشّاعِرُ:
فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبَ مِن غَدٍ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدَ مِن أمْسِ
وإذا ثَبَتَ هَذا فالمَضارُّ الَّتِي يُتَوَقَّعُ حُصُولُها في المُسْتَقْبَلِ أوْلى بِالدَّفْعِ مِنَ المَضارِّ الماضِيَةِ، وأيْضًا الخَوْفُ عِبارَةٌ عَنْ تَألُّمِ القَلْبِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ حُصُولِ مَضَرَّةٍ في المُسْتَقْبَلِ، والغَمُّ عِبارَةٌ عَنْ تَألُّمِ القَلْبِ بِسَبَبِ قُوَّةِ نَفْعٍ كانَ مَوْجُودًا في الماضِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَدَفْعُ الخَوْفِ أوْلى مِن دَفْعِ الحُزْنِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الغَمِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يُخْبِرُونَ بِأنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْكم بِسَبَبِ ما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ يُخْبِرُونَ بِأنَّهُ لا حُزْنٌ عَلَيْكم بِسَبَبِ ما فاتَكم مِن أحْوالِ الدُّنْيا، وعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ زالَتِ المَضارُّ والمَتاعِبُ بِالكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ يُبَشَّرُونَ بِحُصُولِ المَنافِعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: البِشارَةُ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الأوَّلِ بِحُصُولِ المَنافِعِ، فَأمّا إذا أخْبَرَ الرَّجُلُ بِحُصُولِ مَنفَعَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا بِحُصُولِها كانَ الإخْبارُ الثّانِي إخْبارًا ولا يَكُونُ بِشارَةً، والمُؤْمِنُ قَدْ يَسْمَعُ بِشاراتِ الخَيْرِ فَإذا سَمِعَ المُؤْمِنُ هَذا الخَبَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا ولا يَكُونَ بِشارَةً، فَما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ هَذا الخَبَرِ بِالبِشارَةِ ؟ قُلْنا: المُؤْمِنُ يَسْمَعُ أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كانَ لَهُ الجَنَّةُ، أمّا مَن لَمْ يَسْمَعِ البَتَّةَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَإذا سَمِعَ هَذا الكَلامَ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ هَذا إخْبارًا بِنَفْعٍ عَظِيمٍ مَعَ أنَّهُ هو الخَبَرُ الأوَّلُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ لا يَكُونُ فازِعًا مِنَ الأهْوالِ ومِنَ الفَزَعِ الشَّدِيدِ، بَلْ يَكُونُ آمِنَ القَلْبِ ساكِنَ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ يُفِيدُ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الإطْلاقِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ في وعِيدِ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] ومَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ لِلْمَلائِكَةِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، بِالإلْهاماتِ والمُكاشَفاتِ اليَقِينِيَّةِ، والمَقاماتِ الحَقِيقِيَّةِ، كَما أنَّ لِلشَّياطِينِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ بِإلْقاءِ الوَساوِسِ فِيها، وتَخْيِيلِ الأباطِيلِ إلَيْها.
وبِالجُمْلَةِ فَكَوْنُ المَلائِكَةِ أوْلِياءَ لِلْأرْواحِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ حاصِلٌ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِأرْبابِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، فَهم يَقُولُونَ: كَما أنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الدِّينا فَهي تَكُونُ باقِيَةً في الآخِرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العَلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازِمَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزَّوالِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأبْقى، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهي كالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَشْيِ، والقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، والتَّعَلُّقاتُ الجُسْمانِيَّةُ هي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ المَلائِكَةِ، كَما قالَ ﷺ: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “ فَإذا زالَتِ العَلائِقُ الجُسْمانِيَّةُ والتَّدْبِيراتُ البَدَنِيَّةُ، فَقَدْ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ، فَيَتَّصِلُ الأثَرُ بِالمُؤَثِّرِ، والقَطْرَةُ بِالبَحْرِ، والشُّعْلَةُ
صفحة ١٠٧
بِالشَّمْسِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ ما تَتَمَنَّوْنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] فَإنَّ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ والنُّزُلُ: رِزْقُ النَّزِيلِ وهو الضَّيْفُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، قالَ العارِفُونَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ جارِيَةٌ مَجْرى النُّزُلِ، والكَرِيمُ إذْ أعْطى النُّزُلَ فَلا بُدَّ وأنْ يَبْعَثَ الخِلَعَ النَّفِيسَةَ بَعْدَها، وتِلْكَ الخِلَعُ النَّفِيسَةُ لَيْسَتْ إلّا السَّعاداتِ الحاصِلَةَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ والتَّجَلِّي والكَشْفِ التّامِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنا لَها أهْلًا بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
فصلت 41:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعِيدِ أرْدَفَهُ بِهَذا الوَعْدِ الشَّرِيفِ، وهَذا تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ مَدارُ كُلِّ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الكَمالاتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: النَّفْسانِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ والخارِجِيَّةُ وأشْرَفُ المَراتِبِ النَّفْسانِيَّةُ وأوْسَطُها البَدَنِيَّةُ وأدْوَنُها الخارِجِيَّةُ، وذَكَرْنا أنَّ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةَ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: العِلْمُ اليَقِينِيُّ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ قالُوا كَمالُ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ورَأْسُ المَعارِفِ اليَقِينِيَّةُ ورَئِيسُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ ورَأْسُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ورَئِيسُها أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُسْتَقِيمًا في الوَسَطِ غَيْرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، كَما قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقالَ أيْضًا: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وإلَيْهِ الإشارَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ .
وسَمِعْتُ أنَّ القارِئَ قَرَأ في مَجْلِسِ العَبّادِيِّ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ العَبّادِيُّ: والقِيامَةُ في القِيامَةِ، بِقَدْرِ الِاسْتِقامَةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ القَوْلَ بِاللِّسانِ فَقَطْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ الِاسْتِقامَةَ، فَلَمّا ذَكَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ القَوْلِ الِاسْتِقامَةَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ كانَ مَقْرُونًا بِاليَقِينِ التّامِّ والمَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الِاسْتِقامَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الدِّينِ والتَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاسْتِقامَةُ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ.
أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَفِيهِ عِباراتٌ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا أيْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى إلَهٍ غَيْرِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ: هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَعَ في أنْواعٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَلاءِ والمِحْنَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرِ البَتَّةَ عَنْ دِينِهِ، فَكانَ هو الَّذِي قالَ: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ وبَقِيَ مُسْتَقِيمًا عَلَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.
وأقُولُ: يُمْكِنُ فِيهِ وُجُوهٌ أُخْرى، وذَلِكَ أنَّ مَن أقَرَّ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا بَقِيَتْ لَهُ مَقاماتٌ أُخْرى، فَأوَّلُها: أنْ لا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ الإثْباتِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّشْبِيهِ، بَلْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ، وأيْضًا يَجِبُ أنْ يَبْقى عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ الجَبْرِ والقَدَرِ، وكَذا في الرَّجاءِ والقُنُوطِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي وهو أنْ نَحْمِلَ الِاسْتِقامَةَ عَلى الإتْيانِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، قالُوا وهَذا أوْلى حَتّى يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ مُتَناوِلًا لِلْقَوْلِ والِاعْتِقادِ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ مُتَناوِلًا لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ عِنْدَ المَوْتِ وقِيلَ في مَواقِفَ ثَلاثَةٍ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ إلى القِيامَةِ (ألّا تَخافُوا) أنْ بِمَعْنى أيْ أوْ بِمُخَفَّفَةٍ مِنَ الثَّقِيلَةِ وأصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَخافُوا والهاءُ ضَمِيرٌ
صفحة ١٠٦
الشَّأْنِ، واعْلَمْ أنَّ الغايَةَ القُصْوى في رِعايَةِ المَصالِحِ دَفْعُ المَضارِّ وجَلْبُ المَنافِعِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ المَضَرَّةِ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِن جَلْبِ المَصْلَحَةِ، والمَضَرَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ حاصِلَةً في المُسْتَقْبَلِ أوْ في الحالِ أوْ في الماضِي، وهَهُنا دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهي أنَّ المُسْتَقْبَلَ مُقَدَّمٌ عَلى الحاضِرِ، والحاضِرَ مُقَدَّمٌ عَلى الماضِي، فَإنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ ويُتَوَقَّعُ حُدُوثُهُ يَكُونُ مُسْتَقْبَلًا، فَإذا وُجِدَ يَصِيرُ حاضِرًا، فَإذا عُدِمَ وفَنِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ ماضِيًا، وأيْضًا المُسْتَقْبَلُ في كُلِّ ساعَةٍ يَصِيرُ أقْرَبَ حُصُولًا والماضِي في كُلِّ حالَةٍ أبْعَدُ حُصُولًا، ولِهَذا قالَ الشّاعِرُ:
فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبَ مِن غَدٍ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدَ مِن أمْسِ
وإذا ثَبَتَ هَذا فالمَضارُّ الَّتِي يُتَوَقَّعُ حُصُولُها في المُسْتَقْبَلِ أوْلى بِالدَّفْعِ مِنَ المَضارِّ الماضِيَةِ، وأيْضًا الخَوْفُ عِبارَةٌ عَنْ تَألُّمِ القَلْبِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ حُصُولِ مَضَرَّةٍ في المُسْتَقْبَلِ، والغَمُّ عِبارَةٌ عَنْ تَألُّمِ القَلْبِ بِسَبَبِ قُوَّةِ نَفْعٍ كانَ مَوْجُودًا في الماضِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَدَفْعُ الخَوْفِ أوْلى مِن دَفْعِ الحُزْنِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الغَمِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يُخْبِرُونَ بِأنَّهُ لا خَوْفٌ عَلَيْكم بِسَبَبِ ما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ثُمَّ يُخْبِرُونَ بِأنَّهُ لا حُزْنٌ عَلَيْكم بِسَبَبِ ما فاتَكم مِن أحْوالِ الدُّنْيا، وعِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ زالَتِ المَضارُّ والمَتاعِبُ بِالكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ يُبَشَّرُونَ بِحُصُولِ المَنافِعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: البِشارَةُ عِبارَةٌ عَنِ الخَبَرِ الأوَّلِ بِحُصُولِ المَنافِعِ، فَأمّا إذا أخْبَرَ الرَّجُلُ بِحُصُولِ مَنفَعَةٍ، ثُمَّ أخْبَرَ ثانِيًا بِحُصُولِها كانَ الإخْبارُ الثّانِي إخْبارًا ولا يَكُونُ بِشارَةً، والمُؤْمِنُ قَدْ يَسْمَعُ بِشاراتِ الخَيْرِ فَإذا سَمِعَ المُؤْمِنُ هَذا الخَبَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا ولا يَكُونَ بِشارَةً، فَما السَّبَبُ في تَسْمِيَةِ هَذا الخَبَرِ بِالبِشارَةِ ؟ قُلْنا: المُؤْمِنُ يَسْمَعُ أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كانَ لَهُ الجَنَّةُ، أمّا مَن لَمْ يَسْمَعِ البَتَّةَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَإذا سَمِعَ هَذا الكَلامَ مِنَ المَلائِكَةِ كانَ هَذا إخْبارًا بِنَفْعٍ عَظِيمٍ مَعَ أنَّهُ هو الخَبَرُ الأوَّلُ بِذَلِكَ فَكانَ ذَلِكَ بِشارَةً.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ عِنْدَ المَوْتِ وفي القَبْرِ وعِنْدَ البَعْثِ لا يَكُونُ فازِعًا مِنَ الأهْوالِ ومِنَ الفَزَعِ الشَّدِيدِ، بَلْ يَكُونُ آمِنَ القَلْبِ ساكِنَ الصَّدْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ يُفِيدُ نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَلى الإطْلاقِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ أنَّهم قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ وهَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ في وعِيدِ الكُفّارِ حَيْثُ قالَ: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] ومَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّ لِلْمَلائِكَةِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، بِالإلْهاماتِ والمُكاشَفاتِ اليَقِينِيَّةِ، والمَقاماتِ الحَقِيقِيَّةِ، كَما أنَّ لِلشَّياطِينِ تَأْثِيراتٍ في الأرْواحِ بِإلْقاءِ الوَساوِسِ فِيها، وتَخْيِيلِ الأباطِيلِ إلَيْها.
وبِالجُمْلَةِ فَكَوْنُ المَلائِكَةِ أوْلِياءَ لِلْأرْواحِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ حاصِلٌ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِأرْبابِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ، فَهم يَقُولُونَ: كَما أنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ كانَتْ حاصِلَةً في الدِّينا فَهي تَكُونُ باقِيَةً في الآخِرَةِ فَإنَّ تِلْكَ العَلائِقَ ذاتِيَّةٌ لازِمَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلزَّوالِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ بَعْدَ المَوْتِ أقْوى وأبْقى، وذَلِكَ لِأنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وهي كالشُّعْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَشْيِ، والقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، والتَّعَلُّقاتُ الجُسْمانِيَّةُ هي الَّتِي تَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ المَلائِكَةِ، كَما قالَ ﷺ: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “ فَإذا زالَتِ العَلائِقُ الجُسْمانِيَّةُ والتَّدْبِيراتُ البَدَنِيَّةُ، فَقَدْ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ، فَيَتَّصِلُ الأثَرُ بِالمُؤَثِّرِ، والقَطْرَةُ بِالبَحْرِ، والشُّعْلَةُ
صفحة ١٠٧
بِالشَّمْسِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ أيْ ما تَتَمَنَّوْنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] فَإنَّ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الجُسْمانِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ والنُّزُلُ: رِزْقُ النَّزِيلِ وهو الضَّيْفُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ، قالَ العارِفُونَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ جارِيَةٌ مَجْرى النُّزُلِ، والكَرِيمُ إذْ أعْطى النُّزُلَ فَلا بُدَّ وأنْ يَبْعَثَ الخِلَعَ النَّفِيسَةَ بَعْدَها، وتِلْكَ الخِلَعُ النَّفِيسَةُ لَيْسَتْ إلّا السَّعاداتِ الحاصِلَةَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ والتَّجَلِّي والكَشْفِ التّامِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنا لَها أهْلًا بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
فصلت 41:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ حَيْثُ قالُوا لِلرَّسُولِ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] ومُرادُهم ألّا نَقْبَلَ قَوْلَكَ ولا نَلْتَفِتَ إلى دَلِيلِكَ، ثُمَّ ذَكَرُوا طَرِيقَةً أُخْرى في السَّفاهَةِ، فَقالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الأجْوِبَةَ الشّافِيَةَ، والبَيِّناتِ الكافِيَةَ في دَفْعِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ وإزالَةِ هَذِهِ الضَّلالاتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ وإنْ أتَوْا بِهَذِهِ الكَلِماتِ الفاسِدَةِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ تَتابُعُ المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ، فَإنَّ الدَّعْوَةَ إلى الدِّينِ الحَقِّ أكْمَلُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهَذا وجْهٌ شَرِيفٌ حَسَنٌ في نَظْمِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَراتِبَ
صفحة ١٠٨
السَّعاداتِ اثْنانِ: التّامُّ، وفَوْقَ التّامِّ، أمّا التّامُّ: فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ، فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهو فَوْقَ التّامِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى، وهي اكْتِسابُ الأحْوالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوْهَرِها، فَإذا حَصَلَ الفَراغُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ وجَبَ الِانْتِقالُ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ وهي الِاشْتِغالُ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فَهَذا أيْضًا وجْهٌ حَسَنٌ في نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً ونِصابًا وافِيًا مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ الكَشْفِيَّةِ، عَرَفَ أنَّهُ لا تَرْتِيبَ أحْسَنُ ولا أكْمَلُ مِن تَرْتِيبِ آياتِ القُرْآنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ هو الرَّسُولُ ﷺ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُؤَذِّنُونَ، ولَكِنَّ الحَقَّ المَقْطُوعَ بِهِ أنَّ كُلَّ مَن دَعا إلى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَهو داخِلٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ مَراتِبُ:
فالمَرْتَبَةُ الأُولى: دَعْوَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ راجِحَةٌ عَلى دَعْوَةِ غَيْرِهِمْ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ الدَّعْوَةِ بِالسَّيْفِ ثانِيًا، وقَلَّما اتَّفَقَ لِغَيْرِهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.
وثانِيها: أنَّهم هُمُ المُبْتَدِئُونَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وأمّا العُلَماءُ فَإنَّهم يَبْنُونَ دَعْوَتَهم عَلى دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، والشّارِعُ في إحْداثِ الأمْرِ الشَّرِيفِ عَلى طَرِيقِ الِابْتِداءِ أفْضَلُ.
وثالِثُها: أنَّ نُفُوسَهم أقْوى قُوَّةً، وأرْواحَهم أصْفى جَوْهَرًا، فَكانَتْ تَأْثِيراتُها في إحْياءِ القُلُوبِ المَيِّتَةِ وإشْراقِ الأرْواحِ الكَدِرَةِ أكْمَلَ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم أفْضَلَ.
ورابِعُها: أنَّ النُّفُوسَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ناقِصَةٌ وكامِلَةٌ لا تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وكامِلَةٌ تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ.
فالقِسْمُ الأوَّلُ: العَوامُّ، والقِسْمُ الثّانِي: هُمُ الأوْلِياءُ، والقِسْمُ الثّالِثُ: هُمُ الأنْبِياءُ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ ﷺ: «”عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ“» وإذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّ نَفْسَ الأنْبِياءِ حَصَلَتْ لَها مَيْزَتانِ: الكَمالُ في الذّاتِ، والتَّكْمِيلُ لِلْغَيْرِ، فَكانَتْ قُوَّتُهم عَلى الدَّعْوَةِ أقْوى، وكانَتْ دَرَجاتُهم أفْضَلَ وأكْمَلَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم صِفَتانِ: العِلْمُ والقُدْرَةُ، أمّا العُلَماءُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في العِلْمِ، وأمّا المُلُوكُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في القُدْرَةِ، والعِلْمُ يُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأرْواحِ، والقُدْرَةُ تُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأجْسادِ، فالعُلَماءُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأرْواحِ، والمُلُوكُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأجْسادِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ أكْمَلَ الدَّرَجاتِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بَعْدَ الأنْبِياءِ دَرَجَةً العُلَماءُ، ثُمَّ العُلَماءُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: العُلَماءُ بِاللَّهِ، والعُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ، والعُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ.
أمّا العُلَماءُ بِاللَّهِ، فَهُمُ الحُكَماءُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأمّا العُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَهم أصْحابُ الأُصُولِ، وأمّا العُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ فَهُمُ الفُقَهاءُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ ثَلاثُ دَرَجاتٍ لا نِهايَةَ لَها، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ دَرَجاتٌ لا نِهايَةَ لَها، وأمّا المُلُوكُ فَهم أيْضًا يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ إمّا بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ مِثْلَ المُحارَبَةِ مَعَ الكُفّارِ، وإمّا بِإيقاعِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنا: المُرْتَدُّ يُقْتَلُ، وأمّا المُؤَذِّنُونَ فَهم يَدْخُلُونَ في هَذا البابِ دُخُولًا ضَعِيفًا، أمّا دُخُولُهم فِيهِ فَلِأنَّ ذِكْرَ كَلِماتِ الأذانِ دَعْوَةٌ إلى الصَّلاةِ، فَكانَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، وأمّا كَوْنُ
صفحة ١٠٩
هَذِهِ المَرْتَبَةِ ضَعِيفَةً؛ فَلِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ لا يُحِيطُ بِمَعانِي تِلْكَ الكَلِماتِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها، إلّا أنَّهُ لا يُرِيدُ بِذِكْرِها تِلْكَ المَعانِيَ الشَّرِيفَةَ، فَهَذا هو الكَلامُ، في مَراتِبِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ أحْسَنُ مِن كُلِّ ما سِواها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يَكُونُ واجِبًا فالواجِبُ أحْسَنُ مِنهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ بِمُقَتْضى هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ فَهو واجِبٌ، ثُمَّ يَنْتُجُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ واجِبَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: الأذانُ دَعْوَةٌ إلى اللَّهِ، والدَّعْوَةُ إلَيْهِ واجِبَةٌ، فَيَنْتُجُ: الأذانُ واجِبٌ، واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ مِنَ الفُقَهاءِ زَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ واجِبٍ، وزَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ داخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّ الدَّعْوَةَ المُرادَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ الأقْوالِ.
وثَبَتَ أنَّ الأذانَ لَيْسَ أحْسَنَ الأقْوالِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أحْسَنُ مِنَ الأذانِ، يَنْتُجُ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الأذانَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الأوْلى أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أنا مُسْلِمٌ أوِ الأوْلى أنْ يَقُولَ: أنا مُسْلِمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ قالَ إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ، فَحَكَمَ بِأنَّ هَذا القَوْلَ أحْسَنُ الأقْوالِ، ولَوْ كانَ قَوْلُنا: إنْ شاءَ اللَّهُ مُعْتَبَرًا في كَوْنِهِ أحْسَنَ الأقْوالِ لَبَطَلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ قَوْلُ مَن جَمَعَ بَيْنَ خِصالٍ ثَلاثَةٍ. أوَّلُها: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ. وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ فَقَدْ شَرَحْناها وهي عِبارَةٌ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بِإقامَةِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إمّا أنْ يَكُونَ عَمَلَ القُلُوبِ وهو المَعْرِفَةُ، أوْ عَمَلَ الجَوارِحِ وهو سائِرُ الطّاعاتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهو أنْ يَنْضَمَّ إلى عَمَلِ القَلْبِ وعَمَلِ الجَوارِحِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ هَذا الرَّجُلُ مَوْصُوفًا بِخِصالٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الإقْرارُ بِاللِّسانِ، والثّانِي: الأعْمالُ الصّالِحَةُ بِالجَوارِحِ. والثّالِثُ: الِاعْتِقادُ الحَقُّ بِالقَلْبِ. والرّابِعُ: الِاشْتِغالُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى دِينِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ أشْرَفُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وكَمالُ الدَّرَجَةِ في هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ لَيْسَ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئْ مِن أنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] فَأظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمِ الإصْرارَ الشَّدِيدَ عَلى أدْيانِهِمُ القَدِيمَةِ، وعَدَمَ التَّأثُّرِ بِدَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في الجَوابِ عَنْهُ وذَكَرَ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، وأرْدَفَها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وأجابَ عَنْها أيْضًا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ الإطْنابِ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ رَغَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ في أنْ لا يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ.
فابْتَدَأ أوَّلًا بِأنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فَلَهُمُ الثَّوابُ العَظِيمُ ثُمَّ تَرَقّى مِن تِلْكَ الدَّرَجَةِ إلى دَرَجَةٍ أُخْرى وهي أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الدَّرَجاتِ، فَصارَ
صفحة ١١٠
الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ واقِعًا عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ إنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ وإنْ كانَتْ طاعَةً عَظِيمَةً، إلّا أنَّ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَدِيدٌ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ اللَّهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ دافِعًا لِهَذا الإشْكالِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ والمُرادُ بِالحَسَنَةِ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلى الدِّينِ الحَقِّ، والصَّبْرِ عَلى جَهالَةِ الكُفّارِ، وتَرْكِ الِانْتِقامِ، وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الجَلافَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ فِعْلُكَ حَسَنَةٌ وفِعْلُهم سَيِّئَةٌ، ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ، بِمَعْنى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ تَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلتَّعْظِيمِ في الدُّنْيا والثَّوابِ في الآخِرَةِ، وهم بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُهم عَلى تِلْكَ السَّيِّئَةِ مانِعًا لَكَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَعْنِي ادْفَعْ سَفاهَتَهم وجَهالَتَهم بِالطَّرِيقِ الَّذِي هو أحْسَنُ الطُّرُقِ، فَإنَّكَ إذا صَبَرْتَ عَلى سُوءِ أخْلاقِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَمْ تُقابِلْ سَفاهَتَهم بِالغَضَبِ ولا إضْرارَهم بِالإيذاءِ والإيحاشِ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ وتَرَكُوا تِلْكَ الأفْعالَ القَبِيحَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ يَعْنِي إذا قابَلْتَ إساءَتَهم بِالإحْسانِ، وأفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ تَرَكُوا أفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ وانْقَلَبُوا مِنَ العَداوَةِ إلى المَحَبَّةِ ومِنَ البِغْضَةِ إلى المَوَدَّةِ، ولَمّا أرْشَدَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الطَّرِيقِ النّافِعِ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ عَظَّمَهُ، فَقالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وما يُلَقّى هَذِهِ الفِعْلَةَ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ وتَجَرُّعِ الشَّدائِدِ وكَظْمِ الغَيْظِ وتَرْكِ الِانْتِقامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والدَّرَجَةِ العالِيَةِ في القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالِانْتِقامِ والدَّفْعِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَأثُّرِ النَّفْسِ، وتَأثُّرُ النَّفْسِ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ضَعْفِ النَّفْسِ، فَأمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ قَوِيَّةَ الجَوْهَرِ لَمْ تَتَأثَّرْ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ، وإذا لَمْ تَتَأثَّرْ مِنها لَمْ تَضْعُفْ ولَمْ تَتَأذَّ ولَمْ تَشْتَغِلْ بِالِانْتِقامِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السِّيرَةَ الَّتِي شَرَحْناها لا يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن قُوَّةِ النَّفْسِ وصَفاءِ الجَوْهَرِ وطَهارَةِ الذّاتِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مَدْحٌ بِفِعْلِ الصَّبْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ وعْدٌ بِأعْظَمِ الحَظِّ مِنَ الثَّوابِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الطَّرِيقَ الكامِلَ في دَفْعِ الغَضَبِ والِانْتِقامِ، وفي تَرْكِ الخُصُومَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ عَظِيمَ النَّفْعِ أيْضًا في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ مُفَسَّرَةٌ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّزْغُ والنَّسْغُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو شِبْهُ النَّخْسِ، والشَّيْطانُ يَنْزِغُ الإنْسانَ، كَأنَّهُ يَنْخُسُهُ بِبَعْثِهِ عَلى ما لا يَنْبَغِي وجُعِلَ النَّزْغُ نازِغًا، كَما قِيلَ: جَدَّ جِدُّهُ، أوْ أُرِيدَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ نازِغٌ وصْفًا لِلشَّيْطانِ بِالمَصْدَرِ.
وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ وإنْ صَرَفَكَ الشَّيْطانُ عَمّا شَرَّعْتُ مِنَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ، وامْضِ عَلى شَأْنِكَ ولا تُطِعْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فصلت 41:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ حَيْثُ قالُوا لِلرَّسُولِ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] ومُرادُهم ألّا نَقْبَلَ قَوْلَكَ ولا نَلْتَفِتَ إلى دَلِيلِكَ، ثُمَّ ذَكَرُوا طَرِيقَةً أُخْرى في السَّفاهَةِ، فَقالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الأجْوِبَةَ الشّافِيَةَ، والبَيِّناتِ الكافِيَةَ في دَفْعِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ وإزالَةِ هَذِهِ الضَّلالاتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ وإنْ أتَوْا بِهَذِهِ الكَلِماتِ الفاسِدَةِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ تَتابُعُ المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ، فَإنَّ الدَّعْوَةَ إلى الدِّينِ الحَقِّ أكْمَلُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهَذا وجْهٌ شَرِيفٌ حَسَنٌ في نَظْمِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَراتِبَ
صفحة ١٠٨
السَّعاداتِ اثْنانِ: التّامُّ، وفَوْقَ التّامِّ، أمّا التّامُّ: فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ، فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهو فَوْقَ التّامِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى، وهي اكْتِسابُ الأحْوالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوْهَرِها، فَإذا حَصَلَ الفَراغُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ وجَبَ الِانْتِقالُ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ وهي الِاشْتِغالُ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فَهَذا أيْضًا وجْهٌ حَسَنٌ في نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً ونِصابًا وافِيًا مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ الكَشْفِيَّةِ، عَرَفَ أنَّهُ لا تَرْتِيبَ أحْسَنُ ولا أكْمَلُ مِن تَرْتِيبِ آياتِ القُرْآنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ هو الرَّسُولُ ﷺ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُؤَذِّنُونَ، ولَكِنَّ الحَقَّ المَقْطُوعَ بِهِ أنَّ كُلَّ مَن دَعا إلى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَهو داخِلٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ مَراتِبُ:
فالمَرْتَبَةُ الأُولى: دَعْوَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ راجِحَةٌ عَلى دَعْوَةِ غَيْرِهِمْ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ الدَّعْوَةِ بِالسَّيْفِ ثانِيًا، وقَلَّما اتَّفَقَ لِغَيْرِهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.
وثانِيها: أنَّهم هُمُ المُبْتَدِئُونَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وأمّا العُلَماءُ فَإنَّهم يَبْنُونَ دَعْوَتَهم عَلى دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، والشّارِعُ في إحْداثِ الأمْرِ الشَّرِيفِ عَلى طَرِيقِ الِابْتِداءِ أفْضَلُ.
وثالِثُها: أنَّ نُفُوسَهم أقْوى قُوَّةً، وأرْواحَهم أصْفى جَوْهَرًا، فَكانَتْ تَأْثِيراتُها في إحْياءِ القُلُوبِ المَيِّتَةِ وإشْراقِ الأرْواحِ الكَدِرَةِ أكْمَلَ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم أفْضَلَ.
ورابِعُها: أنَّ النُّفُوسَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ناقِصَةٌ وكامِلَةٌ لا تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وكامِلَةٌ تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ.
فالقِسْمُ الأوَّلُ: العَوامُّ، والقِسْمُ الثّانِي: هُمُ الأوْلِياءُ، والقِسْمُ الثّالِثُ: هُمُ الأنْبِياءُ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ ﷺ: «”عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ“» وإذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّ نَفْسَ الأنْبِياءِ حَصَلَتْ لَها مَيْزَتانِ: الكَمالُ في الذّاتِ، والتَّكْمِيلُ لِلْغَيْرِ، فَكانَتْ قُوَّتُهم عَلى الدَّعْوَةِ أقْوى، وكانَتْ دَرَجاتُهم أفْضَلَ وأكْمَلَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم صِفَتانِ: العِلْمُ والقُدْرَةُ، أمّا العُلَماءُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في العِلْمِ، وأمّا المُلُوكُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في القُدْرَةِ، والعِلْمُ يُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأرْواحِ، والقُدْرَةُ تُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأجْسادِ، فالعُلَماءُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأرْواحِ، والمُلُوكُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأجْسادِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ أكْمَلَ الدَّرَجاتِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بَعْدَ الأنْبِياءِ دَرَجَةً العُلَماءُ، ثُمَّ العُلَماءُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: العُلَماءُ بِاللَّهِ، والعُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ، والعُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ.
أمّا العُلَماءُ بِاللَّهِ، فَهُمُ الحُكَماءُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأمّا العُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَهم أصْحابُ الأُصُولِ، وأمّا العُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ فَهُمُ الفُقَهاءُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ ثَلاثُ دَرَجاتٍ لا نِهايَةَ لَها، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ دَرَجاتٌ لا نِهايَةَ لَها، وأمّا المُلُوكُ فَهم أيْضًا يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ إمّا بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ مِثْلَ المُحارَبَةِ مَعَ الكُفّارِ، وإمّا بِإيقاعِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنا: المُرْتَدُّ يُقْتَلُ، وأمّا المُؤَذِّنُونَ فَهم يَدْخُلُونَ في هَذا البابِ دُخُولًا ضَعِيفًا، أمّا دُخُولُهم فِيهِ فَلِأنَّ ذِكْرَ كَلِماتِ الأذانِ دَعْوَةٌ إلى الصَّلاةِ، فَكانَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، وأمّا كَوْنُ
صفحة ١٠٩
هَذِهِ المَرْتَبَةِ ضَعِيفَةً؛ فَلِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ لا يُحِيطُ بِمَعانِي تِلْكَ الكَلِماتِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها، إلّا أنَّهُ لا يُرِيدُ بِذِكْرِها تِلْكَ المَعانِيَ الشَّرِيفَةَ، فَهَذا هو الكَلامُ، في مَراتِبِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ أحْسَنُ مِن كُلِّ ما سِواها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يَكُونُ واجِبًا فالواجِبُ أحْسَنُ مِنهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ بِمُقَتْضى هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ فَهو واجِبٌ، ثُمَّ يَنْتُجُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ واجِبَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: الأذانُ دَعْوَةٌ إلى اللَّهِ، والدَّعْوَةُ إلَيْهِ واجِبَةٌ، فَيَنْتُجُ: الأذانُ واجِبٌ، واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ مِنَ الفُقَهاءِ زَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ واجِبٍ، وزَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ داخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّ الدَّعْوَةَ المُرادَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ الأقْوالِ.
وثَبَتَ أنَّ الأذانَ لَيْسَ أحْسَنَ الأقْوالِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أحْسَنُ مِنَ الأذانِ، يَنْتُجُ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الأذانَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الأوْلى أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أنا مُسْلِمٌ أوِ الأوْلى أنْ يَقُولَ: أنا مُسْلِمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ قالَ إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ، فَحَكَمَ بِأنَّ هَذا القَوْلَ أحْسَنُ الأقْوالِ، ولَوْ كانَ قَوْلُنا: إنْ شاءَ اللَّهُ مُعْتَبَرًا في كَوْنِهِ أحْسَنَ الأقْوالِ لَبَطَلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ قَوْلُ مَن جَمَعَ بَيْنَ خِصالٍ ثَلاثَةٍ. أوَّلُها: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ. وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ فَقَدْ شَرَحْناها وهي عِبارَةٌ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بِإقامَةِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إمّا أنْ يَكُونَ عَمَلَ القُلُوبِ وهو المَعْرِفَةُ، أوْ عَمَلَ الجَوارِحِ وهو سائِرُ الطّاعاتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهو أنْ يَنْضَمَّ إلى عَمَلِ القَلْبِ وعَمَلِ الجَوارِحِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ هَذا الرَّجُلُ مَوْصُوفًا بِخِصالٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الإقْرارُ بِاللِّسانِ، والثّانِي: الأعْمالُ الصّالِحَةُ بِالجَوارِحِ. والثّالِثُ: الِاعْتِقادُ الحَقُّ بِالقَلْبِ. والرّابِعُ: الِاشْتِغالُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى دِينِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ أشْرَفُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وكَمالُ الدَّرَجَةِ في هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ لَيْسَ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئْ مِن أنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] فَأظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمِ الإصْرارَ الشَّدِيدَ عَلى أدْيانِهِمُ القَدِيمَةِ، وعَدَمَ التَّأثُّرِ بِدَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في الجَوابِ عَنْهُ وذَكَرَ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، وأرْدَفَها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وأجابَ عَنْها أيْضًا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ الإطْنابِ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ رَغَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ في أنْ لا يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ.
فابْتَدَأ أوَّلًا بِأنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فَلَهُمُ الثَّوابُ العَظِيمُ ثُمَّ تَرَقّى مِن تِلْكَ الدَّرَجَةِ إلى دَرَجَةٍ أُخْرى وهي أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الدَّرَجاتِ، فَصارَ
صفحة ١١٠
الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ واقِعًا عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ إنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ وإنْ كانَتْ طاعَةً عَظِيمَةً، إلّا أنَّ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَدِيدٌ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ اللَّهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ دافِعًا لِهَذا الإشْكالِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ والمُرادُ بِالحَسَنَةِ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلى الدِّينِ الحَقِّ، والصَّبْرِ عَلى جَهالَةِ الكُفّارِ، وتَرْكِ الِانْتِقامِ، وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الجَلافَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ فِعْلُكَ حَسَنَةٌ وفِعْلُهم سَيِّئَةٌ، ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ، بِمَعْنى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ تَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلتَّعْظِيمِ في الدُّنْيا والثَّوابِ في الآخِرَةِ، وهم بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُهم عَلى تِلْكَ السَّيِّئَةِ مانِعًا لَكَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَعْنِي ادْفَعْ سَفاهَتَهم وجَهالَتَهم بِالطَّرِيقِ الَّذِي هو أحْسَنُ الطُّرُقِ، فَإنَّكَ إذا صَبَرْتَ عَلى سُوءِ أخْلاقِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَمْ تُقابِلْ سَفاهَتَهم بِالغَضَبِ ولا إضْرارَهم بِالإيذاءِ والإيحاشِ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ وتَرَكُوا تِلْكَ الأفْعالَ القَبِيحَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ يَعْنِي إذا قابَلْتَ إساءَتَهم بِالإحْسانِ، وأفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ تَرَكُوا أفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ وانْقَلَبُوا مِنَ العَداوَةِ إلى المَحَبَّةِ ومِنَ البِغْضَةِ إلى المَوَدَّةِ، ولَمّا أرْشَدَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الطَّرِيقِ النّافِعِ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ عَظَّمَهُ، فَقالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وما يُلَقّى هَذِهِ الفِعْلَةَ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ وتَجَرُّعِ الشَّدائِدِ وكَظْمِ الغَيْظِ وتَرْكِ الِانْتِقامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والدَّرَجَةِ العالِيَةِ في القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالِانْتِقامِ والدَّفْعِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَأثُّرِ النَّفْسِ، وتَأثُّرُ النَّفْسِ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ضَعْفِ النَّفْسِ، فَأمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ قَوِيَّةَ الجَوْهَرِ لَمْ تَتَأثَّرْ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ، وإذا لَمْ تَتَأثَّرْ مِنها لَمْ تَضْعُفْ ولَمْ تَتَأذَّ ولَمْ تَشْتَغِلْ بِالِانْتِقامِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السِّيرَةَ الَّتِي شَرَحْناها لا يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن قُوَّةِ النَّفْسِ وصَفاءِ الجَوْهَرِ وطَهارَةِ الذّاتِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مَدْحٌ بِفِعْلِ الصَّبْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ وعْدٌ بِأعْظَمِ الحَظِّ مِنَ الثَّوابِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الطَّرِيقَ الكامِلَ في دَفْعِ الغَضَبِ والِانْتِقامِ، وفي تَرْكِ الخُصُومَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ عَظِيمَ النَّفْعِ أيْضًا في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ مُفَسَّرَةٌ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّزْغُ والنَّسْغُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو شِبْهُ النَّخْسِ، والشَّيْطانُ يَنْزِغُ الإنْسانَ، كَأنَّهُ يَنْخُسُهُ بِبَعْثِهِ عَلى ما لا يَنْبَغِي وجُعِلَ النَّزْغُ نازِغًا، كَما قِيلَ: جَدَّ جِدُّهُ، أوْ أُرِيدَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ نازِغٌ وصْفًا لِلشَّيْطانِ بِالمَصْدَرِ.
وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ وإنْ صَرَفَكَ الشَّيْطانُ عَمّا شَرَّعْتُ مِنَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ، وامْضِ عَلى شَأْنِكَ ولا تُطِعْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فصلت 41:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ حَيْثُ قالُوا لِلرَّسُولِ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] ومُرادُهم ألّا نَقْبَلَ قَوْلَكَ ولا نَلْتَفِتَ إلى دَلِيلِكَ، ثُمَّ ذَكَرُوا طَرِيقَةً أُخْرى في السَّفاهَةِ، فَقالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الأجْوِبَةَ الشّافِيَةَ، والبَيِّناتِ الكافِيَةَ في دَفْعِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ وإزالَةِ هَذِهِ الضَّلالاتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ وإنْ أتَوْا بِهَذِهِ الكَلِماتِ الفاسِدَةِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ تَتابُعُ المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ، فَإنَّ الدَّعْوَةَ إلى الدِّينِ الحَقِّ أكْمَلُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهَذا وجْهٌ شَرِيفٌ حَسَنٌ في نَظْمِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَراتِبَ
صفحة ١٠٨
السَّعاداتِ اثْنانِ: التّامُّ، وفَوْقَ التّامِّ، أمّا التّامُّ: فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ، فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهو فَوْقَ التّامِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى، وهي اكْتِسابُ الأحْوالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوْهَرِها، فَإذا حَصَلَ الفَراغُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ وجَبَ الِانْتِقالُ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ وهي الِاشْتِغالُ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فَهَذا أيْضًا وجْهٌ حَسَنٌ في نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً ونِصابًا وافِيًا مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ الكَشْفِيَّةِ، عَرَفَ أنَّهُ لا تَرْتِيبَ أحْسَنُ ولا أكْمَلُ مِن تَرْتِيبِ آياتِ القُرْآنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ هو الرَّسُولُ ﷺ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُؤَذِّنُونَ، ولَكِنَّ الحَقَّ المَقْطُوعَ بِهِ أنَّ كُلَّ مَن دَعا إلى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَهو داخِلٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ مَراتِبُ:
فالمَرْتَبَةُ الأُولى: دَعْوَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ راجِحَةٌ عَلى دَعْوَةِ غَيْرِهِمْ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ الدَّعْوَةِ بِالسَّيْفِ ثانِيًا، وقَلَّما اتَّفَقَ لِغَيْرِهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.
وثانِيها: أنَّهم هُمُ المُبْتَدِئُونَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وأمّا العُلَماءُ فَإنَّهم يَبْنُونَ دَعْوَتَهم عَلى دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، والشّارِعُ في إحْداثِ الأمْرِ الشَّرِيفِ عَلى طَرِيقِ الِابْتِداءِ أفْضَلُ.
وثالِثُها: أنَّ نُفُوسَهم أقْوى قُوَّةً، وأرْواحَهم أصْفى جَوْهَرًا، فَكانَتْ تَأْثِيراتُها في إحْياءِ القُلُوبِ المَيِّتَةِ وإشْراقِ الأرْواحِ الكَدِرَةِ أكْمَلَ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم أفْضَلَ.
ورابِعُها: أنَّ النُّفُوسَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ناقِصَةٌ وكامِلَةٌ لا تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وكامِلَةٌ تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ.
فالقِسْمُ الأوَّلُ: العَوامُّ، والقِسْمُ الثّانِي: هُمُ الأوْلِياءُ، والقِسْمُ الثّالِثُ: هُمُ الأنْبِياءُ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ ﷺ: «”عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ“» وإذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّ نَفْسَ الأنْبِياءِ حَصَلَتْ لَها مَيْزَتانِ: الكَمالُ في الذّاتِ، والتَّكْمِيلُ لِلْغَيْرِ، فَكانَتْ قُوَّتُهم عَلى الدَّعْوَةِ أقْوى، وكانَتْ دَرَجاتُهم أفْضَلَ وأكْمَلَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم صِفَتانِ: العِلْمُ والقُدْرَةُ، أمّا العُلَماءُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في العِلْمِ، وأمّا المُلُوكُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في القُدْرَةِ، والعِلْمُ يُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأرْواحِ، والقُدْرَةُ تُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأجْسادِ، فالعُلَماءُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأرْواحِ، والمُلُوكُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأجْسادِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ أكْمَلَ الدَّرَجاتِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بَعْدَ الأنْبِياءِ دَرَجَةً العُلَماءُ، ثُمَّ العُلَماءُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: العُلَماءُ بِاللَّهِ، والعُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ، والعُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ.
أمّا العُلَماءُ بِاللَّهِ، فَهُمُ الحُكَماءُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأمّا العُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَهم أصْحابُ الأُصُولِ، وأمّا العُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ فَهُمُ الفُقَهاءُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ ثَلاثُ دَرَجاتٍ لا نِهايَةَ لَها، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ دَرَجاتٌ لا نِهايَةَ لَها، وأمّا المُلُوكُ فَهم أيْضًا يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ إمّا بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ مِثْلَ المُحارَبَةِ مَعَ الكُفّارِ، وإمّا بِإيقاعِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنا: المُرْتَدُّ يُقْتَلُ، وأمّا المُؤَذِّنُونَ فَهم يَدْخُلُونَ في هَذا البابِ دُخُولًا ضَعِيفًا، أمّا دُخُولُهم فِيهِ فَلِأنَّ ذِكْرَ كَلِماتِ الأذانِ دَعْوَةٌ إلى الصَّلاةِ، فَكانَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، وأمّا كَوْنُ
صفحة ١٠٩
هَذِهِ المَرْتَبَةِ ضَعِيفَةً؛ فَلِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ لا يُحِيطُ بِمَعانِي تِلْكَ الكَلِماتِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها، إلّا أنَّهُ لا يُرِيدُ بِذِكْرِها تِلْكَ المَعانِيَ الشَّرِيفَةَ، فَهَذا هو الكَلامُ، في مَراتِبِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ أحْسَنُ مِن كُلِّ ما سِواها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يَكُونُ واجِبًا فالواجِبُ أحْسَنُ مِنهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ بِمُقَتْضى هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ فَهو واجِبٌ، ثُمَّ يَنْتُجُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ واجِبَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: الأذانُ دَعْوَةٌ إلى اللَّهِ، والدَّعْوَةُ إلَيْهِ واجِبَةٌ، فَيَنْتُجُ: الأذانُ واجِبٌ، واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ مِنَ الفُقَهاءِ زَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ واجِبٍ، وزَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ داخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّ الدَّعْوَةَ المُرادَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ الأقْوالِ.
وثَبَتَ أنَّ الأذانَ لَيْسَ أحْسَنَ الأقْوالِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أحْسَنُ مِنَ الأذانِ، يَنْتُجُ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الأذانَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الأوْلى أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أنا مُسْلِمٌ أوِ الأوْلى أنْ يَقُولَ: أنا مُسْلِمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ قالَ إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ، فَحَكَمَ بِأنَّ هَذا القَوْلَ أحْسَنُ الأقْوالِ، ولَوْ كانَ قَوْلُنا: إنْ شاءَ اللَّهُ مُعْتَبَرًا في كَوْنِهِ أحْسَنَ الأقْوالِ لَبَطَلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ قَوْلُ مَن جَمَعَ بَيْنَ خِصالٍ ثَلاثَةٍ. أوَّلُها: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ. وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ فَقَدْ شَرَحْناها وهي عِبارَةٌ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بِإقامَةِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إمّا أنْ يَكُونَ عَمَلَ القُلُوبِ وهو المَعْرِفَةُ، أوْ عَمَلَ الجَوارِحِ وهو سائِرُ الطّاعاتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهو أنْ يَنْضَمَّ إلى عَمَلِ القَلْبِ وعَمَلِ الجَوارِحِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ هَذا الرَّجُلُ مَوْصُوفًا بِخِصالٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الإقْرارُ بِاللِّسانِ، والثّانِي: الأعْمالُ الصّالِحَةُ بِالجَوارِحِ. والثّالِثُ: الِاعْتِقادُ الحَقُّ بِالقَلْبِ. والرّابِعُ: الِاشْتِغالُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى دِينِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ أشْرَفُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وكَمالُ الدَّرَجَةِ في هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ لَيْسَ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئْ مِن أنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] فَأظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمِ الإصْرارَ الشَّدِيدَ عَلى أدْيانِهِمُ القَدِيمَةِ، وعَدَمَ التَّأثُّرِ بِدَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في الجَوابِ عَنْهُ وذَكَرَ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، وأرْدَفَها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وأجابَ عَنْها أيْضًا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ الإطْنابِ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ رَغَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ في أنْ لا يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ.
فابْتَدَأ أوَّلًا بِأنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فَلَهُمُ الثَّوابُ العَظِيمُ ثُمَّ تَرَقّى مِن تِلْكَ الدَّرَجَةِ إلى دَرَجَةٍ أُخْرى وهي أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الدَّرَجاتِ، فَصارَ
صفحة ١١٠
الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ واقِعًا عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ إنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ وإنْ كانَتْ طاعَةً عَظِيمَةً، إلّا أنَّ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَدِيدٌ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ اللَّهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ دافِعًا لِهَذا الإشْكالِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ والمُرادُ بِالحَسَنَةِ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلى الدِّينِ الحَقِّ، والصَّبْرِ عَلى جَهالَةِ الكُفّارِ، وتَرْكِ الِانْتِقامِ، وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الجَلافَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ فِعْلُكَ حَسَنَةٌ وفِعْلُهم سَيِّئَةٌ، ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ، بِمَعْنى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ تَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلتَّعْظِيمِ في الدُّنْيا والثَّوابِ في الآخِرَةِ، وهم بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُهم عَلى تِلْكَ السَّيِّئَةِ مانِعًا لَكَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَعْنِي ادْفَعْ سَفاهَتَهم وجَهالَتَهم بِالطَّرِيقِ الَّذِي هو أحْسَنُ الطُّرُقِ، فَإنَّكَ إذا صَبَرْتَ عَلى سُوءِ أخْلاقِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَمْ تُقابِلْ سَفاهَتَهم بِالغَضَبِ ولا إضْرارَهم بِالإيذاءِ والإيحاشِ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ وتَرَكُوا تِلْكَ الأفْعالَ القَبِيحَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ يَعْنِي إذا قابَلْتَ إساءَتَهم بِالإحْسانِ، وأفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ تَرَكُوا أفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ وانْقَلَبُوا مِنَ العَداوَةِ إلى المَحَبَّةِ ومِنَ البِغْضَةِ إلى المَوَدَّةِ، ولَمّا أرْشَدَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الطَّرِيقِ النّافِعِ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ عَظَّمَهُ، فَقالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وما يُلَقّى هَذِهِ الفِعْلَةَ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ وتَجَرُّعِ الشَّدائِدِ وكَظْمِ الغَيْظِ وتَرْكِ الِانْتِقامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والدَّرَجَةِ العالِيَةِ في القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالِانْتِقامِ والدَّفْعِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَأثُّرِ النَّفْسِ، وتَأثُّرُ النَّفْسِ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ضَعْفِ النَّفْسِ، فَأمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ قَوِيَّةَ الجَوْهَرِ لَمْ تَتَأثَّرْ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ، وإذا لَمْ تَتَأثَّرْ مِنها لَمْ تَضْعُفْ ولَمْ تَتَأذَّ ولَمْ تَشْتَغِلْ بِالِانْتِقامِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السِّيرَةَ الَّتِي شَرَحْناها لا يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن قُوَّةِ النَّفْسِ وصَفاءِ الجَوْهَرِ وطَهارَةِ الذّاتِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مَدْحٌ بِفِعْلِ الصَّبْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ وعْدٌ بِأعْظَمِ الحَظِّ مِنَ الثَّوابِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الطَّرِيقَ الكامِلَ في دَفْعِ الغَضَبِ والِانْتِقامِ، وفي تَرْكِ الخُصُومَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ عَظِيمَ النَّفْعِ أيْضًا في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ مُفَسَّرَةٌ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّزْغُ والنَّسْغُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو شِبْهُ النَّخْسِ، والشَّيْطانُ يَنْزِغُ الإنْسانَ، كَأنَّهُ يَنْخُسُهُ بِبَعْثِهِ عَلى ما لا يَنْبَغِي وجُعِلَ النَّزْغُ نازِغًا، كَما قِيلَ: جَدَّ جِدُّهُ، أوْ أُرِيدَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ نازِغٌ وصْفًا لِلشَّيْطانِ بِالمَصْدَرِ.
وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ وإنْ صَرَفَكَ الشَّيْطانُ عَمّا شَرَّعْتُ مِنَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ، وامْضِ عَلى شَأْنِكَ ولا تُطِعْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فصلت 41:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنّا ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ حَيْثُ قالُوا لِلرَّسُولِ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] ومُرادُهم ألّا نَقْبَلَ قَوْلَكَ ولا نَلْتَفِتَ إلى دَلِيلِكَ، ثُمَّ ذَكَرُوا طَرِيقَةً أُخْرى في السَّفاهَةِ، فَقالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ الأجْوِبَةَ الشّافِيَةَ، والبَيِّناتِ الكافِيَةَ في دَفْعِ هَذِهِ الشُّبُهاتِ وإزالَةِ هَذِهِ الضَّلالاتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ وإنْ أتَوْا بِهَذِهِ الكَلِماتِ الفاسِدَةِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ تَتابُعُ المُواظَبَةِ عَلى التَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ، فَإنَّ الدَّعْوَةَ إلى الدِّينِ الحَقِّ أكْمَلُ الطّاعاتِ ورَأْسُ العِباداتِ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهَذا وجْهٌ شَرِيفٌ حَسَنٌ في نَظْمِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَراتِبَ
صفحة ١٠٨
السَّعاداتِ اثْنانِ: التّامُّ، وفَوْقَ التّامِّ، أمّا التّامُّ: فَهو أنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ ما لِأجْلِها يَصِيرُ كامِلًا في ذاتِهِ، فَإذا فَرَغَ مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ اشْتَغَلَ بَعْدَها بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهو فَوْقَ التّامِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] إشارَةٌ إلى المَرْتَبَةِ الأُولى، وهي اكْتِسابُ الأحْوالِ الَّتِي تُفِيدُ كَمالَ النَّفْسِ في جَوْهَرِها، فَإذا حَصَلَ الفَراغُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ وجَبَ الِانْتِقالُ إلى المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ وهي الِاشْتِغالُ بِتَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ فَهَذا أيْضًا وجْهٌ حَسَنٌ في نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ قَرِيحَةً قَوِيَّةً ونِصابًا وافِيًا مِنَ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ الكَشْفِيَّةِ، عَرَفَ أنَّهُ لا تَرْتِيبَ أحْسَنُ ولا أكْمَلُ مِن تَرْتِيبِ آياتِ القُرْآنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ هو الرَّسُولُ ﷺ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُؤَذِّنُونَ، ولَكِنَّ الحَقَّ المَقْطُوعَ بِهِ أنَّ كُلَّ مَن دَعا إلى اللَّهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَهو داخِلٌ فِيهِ، والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ مَراتِبُ:
فالمَرْتَبَةُ الأُولى: دَعْوَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ راجِحَةٌ عَلى دَعْوَةِ غَيْرِهِمْ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الدَّعْوَةِ بِالحُجَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ الدَّعْوَةِ بِالسَّيْفِ ثانِيًا، وقَلَّما اتَّفَقَ لِغَيْرِهِمُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.
وثانِيها: أنَّهم هُمُ المُبْتَدِئُونَ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وأمّا العُلَماءُ فَإنَّهم يَبْنُونَ دَعْوَتَهم عَلى دَعْوَةِ الأنْبِياءِ، والشّارِعُ في إحْداثِ الأمْرِ الشَّرِيفِ عَلى طَرِيقِ الِابْتِداءِ أفْضَلُ.
وثالِثُها: أنَّ نُفُوسَهم أقْوى قُوَّةً، وأرْواحَهم أصْفى جَوْهَرًا، فَكانَتْ تَأْثِيراتُها في إحْياءِ القُلُوبِ المَيِّتَةِ وإشْراقِ الأرْواحِ الكَدِرَةِ أكْمَلَ، فَكانَتْ دَعْوَتُهم أفْضَلَ.
ورابِعُها: أنَّ النُّفُوسَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ناقِصَةٌ وكامِلَةٌ لا تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، وكامِلَةٌ تَقْوى عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ.
فالقِسْمُ الأوَّلُ: العَوامُّ، والقِسْمُ الثّانِي: هُمُ الأوْلِياءُ، والقِسْمُ الثّالِثُ: هُمُ الأنْبِياءُ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ ﷺ: «”عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ“» وإذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: إنَّ نَفْسَ الأنْبِياءِ حَصَلَتْ لَها مَيْزَتانِ: الكَمالُ في الذّاتِ، والتَّكْمِيلُ لِلْغَيْرِ، فَكانَتْ قُوَّتُهم عَلى الدَّعْوَةِ أقْوى، وكانَتْ دَرَجاتُهم أفْضَلَ وأكْمَلَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم صِفَتانِ: العِلْمُ والقُدْرَةُ، أمّا العُلَماءُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في العِلْمِ، وأمّا المُلُوكُ، فَهم نُوّابُ الأنْبِياءِ في القُدْرَةِ، والعِلْمُ يُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأرْواحِ، والقُدْرَةُ تُوجِبُ الِاسْتِيلاءَ عَلى الأجْسادِ، فالعُلَماءُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأرْواحِ، والمُلُوكُ خُلَفاءُ الأنْبِياءِ في عالَمِ الأجْسادِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ أكْمَلَ الدَّرَجاتِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بَعْدَ الأنْبِياءِ دَرَجَةً العُلَماءُ، ثُمَّ العُلَماءُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: العُلَماءُ بِاللَّهِ، والعُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ، والعُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ.
أمّا العُلَماءُ بِاللَّهِ، فَهُمُ الحُكَماءُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأمّا العُلَماءُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَهم أصْحابُ الأُصُولِ، وأمّا العُلَماءُ بِأحْكامِ اللَّهِ فَهُمُ الفُقَهاءُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ ثَلاثُ دَرَجاتٍ لا نِهايَةَ لَها، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ دَرَجاتٌ لا نِهايَةَ لَها، وأمّا المُلُوكُ فَهم أيْضًا يَدْعُونَ إلى دِينِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ إمّا بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ مِثْلَ المُحارَبَةِ مَعَ الكُفّارِ، وإمّا بِإيقاعِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنا: المُرْتَدُّ يُقْتَلُ، وأمّا المُؤَذِّنُونَ فَهم يَدْخُلُونَ في هَذا البابِ دُخُولًا ضَعِيفًا، أمّا دُخُولُهم فِيهِ فَلِأنَّ ذِكْرَ كَلِماتِ الأذانِ دَعْوَةٌ إلى الصَّلاةِ، فَكانَ ذَلِكَ داخِلًا تَحْتَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، وأمّا كَوْنُ
صفحة ١٠٩
هَذِهِ المَرْتَبَةِ ضَعِيفَةً؛ فَلِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ لا يُحِيطُ بِمَعانِي تِلْكَ الكَلِماتِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها، إلّا أنَّهُ لا يُرِيدُ بِذِكْرِها تِلْكَ المَعانِيَ الشَّرِيفَةَ، فَهَذا هو الكَلامُ، في مَراتِبِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ أحْسَنُ مِن كُلِّ ما سِواها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ واجِبًا؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يَكُونُ واجِبًا فالواجِبُ أحْسَنُ مِنهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ أحْسَنُ الأعْمالِ بِمُقَتْضى هَذِهِ الآيَةِ، وكُلُّ ما كانَ أحْسَنَ الأعْمالِ فَهو واجِبٌ، ثُمَّ يَنْتُجُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ واجِبَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: الأذانُ دَعْوَةٌ إلى اللَّهِ، والدَّعْوَةُ إلَيْهِ واجِبَةٌ، فَيَنْتُجُ: الأذانُ واجِبٌ، واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ مِنَ الفُقَهاءِ زَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ واجِبٍ، وزَعَمُوا أنَّ الأذانَ غَيْرُ داخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّ الدَّعْوَةَ المُرادَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ الأقْوالِ.
وثَبَتَ أنَّ الأذانَ لَيْسَ أحْسَنَ الأقْوالِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ أحْسَنُ مِنَ الأذانِ، يَنْتُجُ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي أنَّ الدّاخِلَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ هو الأذانَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الأوْلى أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أنا مُسْلِمٌ أوِ الأوْلى أنْ يَقُولَ: أنا مُسْلِمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ قالَ إنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ، فَحَكَمَ بِأنَّ هَذا القَوْلَ أحْسَنُ الأقْوالِ، ولَوْ كانَ قَوْلُنا: إنْ شاءَ اللَّهُ مُعْتَبَرًا في كَوْنِهِ أحْسَنَ الأقْوالِ لَبَطَلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ قَوْلُ مَن جَمَعَ بَيْنَ خِصالٍ ثَلاثَةٍ. أوَّلُها: الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ. وثانِيها: العَمَلُ الصّالِحُ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمّا الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ فَقَدْ شَرَحْناها وهي عِبارَةٌ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ بِإقامَةِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ إمّا أنْ يَكُونَ عَمَلَ القُلُوبِ وهو المَعْرِفَةُ، أوْ عَمَلَ الجَوارِحِ وهو سائِرُ الطّاعاتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهو أنْ يَنْضَمَّ إلى عَمَلِ القَلْبِ وعَمَلِ الجَوارِحِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ هَذا الرَّجُلُ مَوْصُوفًا بِخِصالٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: الإقْرارُ بِاللِّسانِ، والثّانِي: الأعْمالُ الصّالِحَةُ بِالجَوارِحِ. والثّالِثُ: الِاعْتِقادُ الحَقُّ بِالقَلْبِ. والرّابِعُ: الِاشْتِغالُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى دِينِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الخِصالِ الأرْبَعَةِ أشْرَفُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وكَمالُ الدَّرَجَةِ في هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ لَيْسَ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الكَلامَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ ابْتُدِئْ مِن أنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] فَأظْهَرُوا مِن أنْفُسِهِمِ الإصْرارَ الشَّدِيدَ عَلى أدْيانِهِمُ القَدِيمَةِ، وعَدَمَ التَّأثُّرِ بِدَلائِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أطْنَبَ في الجَوابِ عَنْهُ وذَكَرَ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ، وأرْدَفَها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، ثُمَّ حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وأجابَ عَنْها أيْضًا بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ الإطْنابِ في الجَوابِ عَنْ تِلْكَ الشُّبُهاتِ رَغَّبَ مُحَمَّدًا ﷺ في أنْ لا يَتْرُكَ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ.
فابْتَدَأ أوَّلًا بِأنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ فَلَهُمُ الثَّوابُ العَظِيمُ ثُمَّ تَرَقّى مِن تِلْكَ الدَّرَجَةِ إلى دَرَجَةٍ أُخْرى وهي أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الدَّرَجاتِ، فَصارَ
صفحة ١١٠
الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ واقِعًا عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ، ثُمَّ كَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ إنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ وإنْ كانَتْ طاعَةً عَظِيمَةً، إلّا أنَّ الصَّبْرَ عَلى سَفاهَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَدِيدٌ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرَ اللَّهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ دافِعًا لِهَذا الإشْكالِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ والمُرادُ بِالحَسَنَةِ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلى الدِّينِ الحَقِّ، والصَّبْرِ عَلى جَهالَةِ الكُفّارِ، وتَرْكِ الِانْتِقامِ، وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الجَلافَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وما ذَكَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ فِعْلُكَ حَسَنَةٌ وفِعْلُهم سَيِّئَةٌ، ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ، بِمَعْنى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ تَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلتَّعْظِيمِ في الدُّنْيا والثَّوابِ في الآخِرَةِ، وهم بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إقْدامُهم عَلى تِلْكَ السَّيِّئَةِ مانِعًا لَكَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِهَذِهِ الحَسَنَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَعْنِي ادْفَعْ سَفاهَتَهم وجَهالَتَهم بِالطَّرِيقِ الَّذِي هو أحْسَنُ الطُّرُقِ، فَإنَّكَ إذا صَبَرْتَ عَلى سُوءِ أخْلاقِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَمْ تُقابِلْ سَفاهَتَهم بِالغَضَبِ ولا إضْرارَهم بِالإيذاءِ والإيحاشِ اسْتَحْيَوْا مِن تِلْكَ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ وتَرَكُوا تِلْكَ الأفْعالَ القَبِيحَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ يَعْنِي إذا قابَلْتَ إساءَتَهم بِالإحْسانِ، وأفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ بِالأفْعالِ الحَسَنَةِ تَرَكُوا أفْعالَهُمُ القَبِيحَةَ وانْقَلَبُوا مِنَ العَداوَةِ إلى المَحَبَّةِ ومِنَ البِغْضَةِ إلى المَوَدَّةِ، ولَمّا أرْشَدَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الطَّرِيقِ النّافِعِ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ عَظَّمَهُ، فَقالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ وما يُلَقّى هَذِهِ الفِعْلَةَ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ وتَجَرُّعِ الشَّدائِدِ وكَظْمِ الغَيْظِ وتَرْكِ الِانْتِقامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ مِنَ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ والدَّرَجَةِ العالِيَةِ في القُوَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالِانْتِقامِ والدَّفْعِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَأثُّرِ النَّفْسِ، وتَأثُّرُ النَّفْسِ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ضَعْفِ النَّفْسِ، فَأمّا إذا كانَتِ النَّفْسُ قَوِيَّةَ الجَوْهَرِ لَمْ تَتَأثَّرْ مِنَ الوارِداتِ الخارِجِيَّةِ، وإذا لَمْ تَتَأثَّرْ مِنها لَمْ تَضْعُفْ ولَمْ تَتَأذَّ ولَمْ تَشْتَغِلْ بِالِانْتِقامِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ السِّيرَةَ الَّتِي شَرَحْناها لا يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن قُوَّةِ النَّفْسِ وصَفاءِ الجَوْهَرِ وطَهارَةِ الذّاتِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مَدْحٌ بِفِعْلِ الصَّبْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ وعْدٌ بِأعْظَمِ الحَظِّ مِنَ الثَّوابِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الطَّرِيقَ الكامِلَ في دَفْعِ الغَضَبِ والِانْتِقامِ، وفي تَرْكِ الخُصُومَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ طَرِيقًا آخَرَ عَظِيمَ النَّفْعِ أيْضًا في هَذا البابِ، فَقالَ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما فِيها مِنَ الفَوائِدِ الجَلِيلَةِ مُفَسَّرَةٌ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّزْغُ والنَّسْغُ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو شِبْهُ النَّخْسِ، والشَّيْطانُ يَنْزِغُ الإنْسانَ، كَأنَّهُ يَنْخُسُهُ بِبَعْثِهِ عَلى ما لا يَنْبَغِي وجُعِلَ النَّزْغُ نازِغًا، كَما قِيلَ: جَدَّ جِدُّهُ، أوْ أُرِيدَ ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ نازِغٌ وصْفًا لِلشَّيْطانِ بِالمَصْدَرِ.
وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ وإنْ صَرَفَكَ الشَّيْطانُ عَمّا شَرَّعْتُ مِنَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ، وامْضِ عَلى شَأْنِكَ ولا تُطِعْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فصلت 41:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ أحْسَنَ الأعْمالِ والأقْوالِ هو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَهَذِهِ تَنْبِيهاتٌ شَرِيفَةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن تَناسُقِ هَذِهِ الآياتِ، فَكانَ العِلْمُ بِهَذِهِ اللَّطائِفِ أحْسَنَ عُلُومِ القُرْآنِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ هي العالَمُ بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَبَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ وهي اللَّيْلُ والنَّهارُ.
وإنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ، والنُّورَ وُجُودٌ، والعَدَمُ سابِقٌ عَلى الوُجُودِ، فَهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى حُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ، وأمّا دَلالَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والأفْلاكِ وسائِرِ الكَواكِبِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَقَدْ شَرَحْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ مُحْدَثانِ، وهُما دَلِيلانِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ قالَ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُما عَبْدانِ دَلِيلانِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، والسَّجْدَةُ عِبارَةٌ عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ فَهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن كانَ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ، فَقالَ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ لِأنَّهُما عَبْدانِ مَخْلُوقانِ ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ الخالِقِ القادِرِ الحَكِيمِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ لِلَّيْلِ والنَّهارِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ حُكْمَ جَماعَةِ ما لا يَعْقِلُ حُكْمُ الأُنْثى أوِ الإناثِ، يُقالُ لِلْأقْلامِ بَرَيْتُها وبَرَيْتُهُنَّ، ولَمّا قالَ: ﴿مِن آياتِهِ﴾ كُنَّ في مَعْنى الإناثِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ وإنَّما قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ ناسًا كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ كالصّابِئِينَ في عِبادَتِهِمُ الكَواكِبَ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِالسُّجُودِ لَهُما السُّجُودَ لِلَّهِ فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الواسِطَةِ وأُمِرُوا أنْ لا يَسْجُدُوا إلّا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ، فَإنْ قِيلَ إذا كانَ لا بُدَّ في الصَّلاةِ مِن قِبْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَوْ جَعَلْنا الشَّمْسَ قِبْلَةً مُعَيَّنَةً عِنْدَ السُّجُودِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، قُلْنا: الشَّمْسُ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ عَظِيمُ الرِّفْعَةِ عالِي الدَّرَجَةِ، فَلَوْ أذِنَ الشَّرْعُ في جَعْلِها قِبْلَةً في الصَّلَواتِ، فَعِنْدَ اعْتِيادِ السُّجُودِ إلى جانِبِ الشَّمْسِ رُبَّما غَلَبَ عَلى الأوْهامِ أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لِلشَّمْسِ لا لِلَّهِ،
صفحة ١١٢
فَلِأجْلِ الخَوْفِ مِن هَذا المَحْذُورِ نَهى الشّارِعُ الحَكِيمُ عَنْ جَعْلِ الشَّمْسِ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ، بِخِلافِ الحَجَرِ المُعَيَّنِ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُوهِمُ الإلَهِيَّةَ، فَكانَ المَقْصُودُ مِنَ القِبْلَةِ حاصِلًا والمَحْذُورُ المَذْكُورُ زائِلًا، فَكانَ هَذا أوْلى، واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ هو قَوْلُهُ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ هو قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَهُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالسُّجُودِ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يَقُولُونَ نَحْنُ أقَلُّ وأذَلُّ مِن أنْ يَحْصُلَ لَنا أهْلِيَّةُ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنّا عَبِيدٌ لِلشَّمْسِ وهُما عَبْدانِ لِلَّهِ، وإذا كانَ قَوْلُ هَؤُلاءِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ ؟
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ مِن لَفْظِ الِاسْتِكْبارِ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المُرادُ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِكَ يا مُحَمَّدُ في النَّهْيِ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ المُشَبِّهَةَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في إثْباتِ المَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى، والجَوابُ: أنَّهُ يُقالُ: عِنْدَ المَلِكِ مِنَ الجُنْدِ كَذا وكَذا، ولا يُرادُ بِهِ قُرْبُ المَكانِ. فَكَذا هَهُنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”«أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وأنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» “ ويُقالُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلِكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، لِأنَّهُ إنَّما يُسْتَدَلُّ بِحالِ الأعْلى عَلى حالِ الأدْوَنِ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الأقْوامُ إنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ طاعَةِ فُلانٍ فالأكابِرُ يَخْدِمُونَهُ ويَعْتَرِفُونَ بِتَقَدُّمِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إنَّما يَحْسُنُ بِحالِ الأعْلى عَلى حالِ الأدْوَنِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: قالَ هَهُنا في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُواظِبُونَ عَلى التَّسْبِيحِ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ لَحْظَةً واحِدَةً، واشْتِغالُهم بِهَذا العَمَلِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ يَمْنَعُهم مِنَ الِاشْتِغالِ بِسائِرِ الأعْمالِ كَكَوْنِهِمْ يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ كَما قالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقالَ: ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦] .
الجَوابُ: إنَّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا بِكَوْنِهِمْ مُواظِبِينَ عَلى التَّسْبِيحِ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الأشْرافُ الأكابِرُ مِنهم؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ عِنْدَهُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ العِنْدِيَّةِ كَمالُ الشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ طائِفَةٍ أُخْرى مِنَ المَلائِكَةِ مُشْتَغِلِينَ بِسائِرِ الأعْمالِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَتَنَفَّسُوا، فاشْتِغالُهم بِذَلِكَ التَّنَفُّسِ يَصُدُّهم عَنْ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ التَّسْبِيحِ.
قُلْنا كَما أنَّ التَّنَفُّسَ سَبَبٌ لِصَلاحِ حالِ الحَياةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، فَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِصَلاحِ حالِهِمْ في حَياتِهِمْ، ولا يَجِبُ عَلى العاقِلِ المُنْصِفِ أنْ يَقِيسَ أحْوالَ المَلائِكَةِ في صَفاءِ جَوْهَرِها وإشْراقِ ذَواتِها واسْتِغْراقِها في مَعارِجِ مَعارِفِ اللَّهِ بِأحْوالِ البَشَرِ، فَإنَّ بَيْنَ الحالَتَيْنِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآياتِ الأرْبَعَ الفَلَكِيَّةَ وهي اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ، أتْبَعَها بِذِكْرِ آيَةٍ
صفحة ١١٣
أرْضِيَّةٍ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ والخُشُوعُ التَّذَلُّلُ والتَّصاغُرُ، واسْتُعِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِحالِ الأرْضِ حالَ خُلُوِّها عَنِ المَطَرِ والنَّباتِ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، ورَبَتْ: انْتَفَخَتْ؛ لِأنَّ النَّبْتَ إذا قَرُبَ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ وانْتَفَخَتْ، ثُمَّ تَصَدَّعَتْ عَنِ النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ يَعْنِي أنَّ القادِرَ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها هو القادِرُ عَلى إحْياءِ هَذِهِ الأجْسادِ بَعْدَ مَوْتِها.
وقَدْ ذَكَرْنا تَقْرِيرَ هَذا الدَّلِيلِ مِرارًا لا حَصْرَ لَها، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا هو الدَّلِيلُ الأصْلِيُّ وتَقْرِيرُهُ إنَّ عَوْدَةَ التَّأْلِيفِ والتَّرْكِيبِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وعَوْدَةَ الحَياةِ والعَقْلِ والقُدْرَةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ بَعْدَ اجْتِماعِها أيْضًا أمْرٌ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ والفَهْمِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ حَشْرَ الأجْسادِ مُمْكِنٌ لا امْتِناعَ فِيهِ البَتَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فصلت 41:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ أحْسَنَ الأعْمالِ والأقْوالِ هو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَهَذِهِ تَنْبِيهاتٌ شَرِيفَةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن تَناسُقِ هَذِهِ الآياتِ، فَكانَ العِلْمُ بِهَذِهِ اللَّطائِفِ أحْسَنَ عُلُومِ القُرْآنِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ هي العالَمُ بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَبَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ وهي اللَّيْلُ والنَّهارُ.
وإنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ، والنُّورَ وُجُودٌ، والعَدَمُ سابِقٌ عَلى الوُجُودِ، فَهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى حُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ، وأمّا دَلالَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والأفْلاكِ وسائِرِ الكَواكِبِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَقَدْ شَرَحْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ مُحْدَثانِ، وهُما دَلِيلانِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ قالَ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُما عَبْدانِ دَلِيلانِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، والسَّجْدَةُ عِبارَةٌ عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ فَهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن كانَ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ، فَقالَ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ لِأنَّهُما عَبْدانِ مَخْلُوقانِ ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ الخالِقِ القادِرِ الحَكِيمِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ لِلَّيْلِ والنَّهارِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ حُكْمَ جَماعَةِ ما لا يَعْقِلُ حُكْمُ الأُنْثى أوِ الإناثِ، يُقالُ لِلْأقْلامِ بَرَيْتُها وبَرَيْتُهُنَّ، ولَمّا قالَ: ﴿مِن آياتِهِ﴾ كُنَّ في مَعْنى الإناثِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ وإنَّما قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ ناسًا كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ كالصّابِئِينَ في عِبادَتِهِمُ الكَواكِبَ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِالسُّجُودِ لَهُما السُّجُودَ لِلَّهِ فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الواسِطَةِ وأُمِرُوا أنْ لا يَسْجُدُوا إلّا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ، فَإنْ قِيلَ إذا كانَ لا بُدَّ في الصَّلاةِ مِن قِبْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَوْ جَعَلْنا الشَّمْسَ قِبْلَةً مُعَيَّنَةً عِنْدَ السُّجُودِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، قُلْنا: الشَّمْسُ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ عَظِيمُ الرِّفْعَةِ عالِي الدَّرَجَةِ، فَلَوْ أذِنَ الشَّرْعُ في جَعْلِها قِبْلَةً في الصَّلَواتِ، فَعِنْدَ اعْتِيادِ السُّجُودِ إلى جانِبِ الشَّمْسِ رُبَّما غَلَبَ عَلى الأوْهامِ أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لِلشَّمْسِ لا لِلَّهِ،
صفحة ١١٢
فَلِأجْلِ الخَوْفِ مِن هَذا المَحْذُورِ نَهى الشّارِعُ الحَكِيمُ عَنْ جَعْلِ الشَّمْسِ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ، بِخِلافِ الحَجَرِ المُعَيَّنِ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُوهِمُ الإلَهِيَّةَ، فَكانَ المَقْصُودُ مِنَ القِبْلَةِ حاصِلًا والمَحْذُورُ المَذْكُورُ زائِلًا، فَكانَ هَذا أوْلى، واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ هو قَوْلُهُ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ هو قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَهُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالسُّجُودِ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يَقُولُونَ نَحْنُ أقَلُّ وأذَلُّ مِن أنْ يَحْصُلَ لَنا أهْلِيَّةُ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنّا عَبِيدٌ لِلشَّمْسِ وهُما عَبْدانِ لِلَّهِ، وإذا كانَ قَوْلُ هَؤُلاءِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ ؟
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ مِن لَفْظِ الِاسْتِكْبارِ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المُرادُ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِكَ يا مُحَمَّدُ في النَّهْيِ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ المُشَبِّهَةَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في إثْباتِ المَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى، والجَوابُ: أنَّهُ يُقالُ: عِنْدَ المَلِكِ مِنَ الجُنْدِ كَذا وكَذا، ولا يُرادُ بِهِ قُرْبُ المَكانِ. فَكَذا هَهُنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”«أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وأنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» “ ويُقالُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلِكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، لِأنَّهُ إنَّما يُسْتَدَلُّ بِحالِ الأعْلى عَلى حالِ الأدْوَنِ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الأقْوامُ إنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ طاعَةِ فُلانٍ فالأكابِرُ يَخْدِمُونَهُ ويَعْتَرِفُونَ بِتَقَدُّمِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إنَّما يَحْسُنُ بِحالِ الأعْلى عَلى حالِ الأدْوَنِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: قالَ هَهُنا في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُواظِبُونَ عَلى التَّسْبِيحِ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ لَحْظَةً واحِدَةً، واشْتِغالُهم بِهَذا العَمَلِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ يَمْنَعُهم مِنَ الِاشْتِغالِ بِسائِرِ الأعْمالِ كَكَوْنِهِمْ يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ كَما قالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقالَ: ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦] .
الجَوابُ: إنَّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا بِكَوْنِهِمْ مُواظِبِينَ عَلى التَّسْبِيحِ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الأشْرافُ الأكابِرُ مِنهم؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ عِنْدَهُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ العِنْدِيَّةِ كَمالُ الشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ طائِفَةٍ أُخْرى مِنَ المَلائِكَةِ مُشْتَغِلِينَ بِسائِرِ الأعْمالِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَتَنَفَّسُوا، فاشْتِغالُهم بِذَلِكَ التَّنَفُّسِ يَصُدُّهم عَنْ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ التَّسْبِيحِ.
قُلْنا كَما أنَّ التَّنَفُّسَ سَبَبٌ لِصَلاحِ حالِ الحَياةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، فَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِصَلاحِ حالِهِمْ في حَياتِهِمْ، ولا يَجِبُ عَلى العاقِلِ المُنْصِفِ أنْ يَقِيسَ أحْوالَ المَلائِكَةِ في صَفاءِ جَوْهَرِها وإشْراقِ ذَواتِها واسْتِغْراقِها في مَعارِجِ مَعارِفِ اللَّهِ بِأحْوالِ البَشَرِ، فَإنَّ بَيْنَ الحالَتَيْنِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآياتِ الأرْبَعَ الفَلَكِيَّةَ وهي اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ، أتْبَعَها بِذِكْرِ آيَةٍ
صفحة ١١٣
أرْضِيَّةٍ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ والخُشُوعُ التَّذَلُّلُ والتَّصاغُرُ، واسْتُعِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِحالِ الأرْضِ حالَ خُلُوِّها عَنِ المَطَرِ والنَّباتِ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، ورَبَتْ: انْتَفَخَتْ؛ لِأنَّ النَّبْتَ إذا قَرُبَ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ وانْتَفَخَتْ، ثُمَّ تَصَدَّعَتْ عَنِ النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ يَعْنِي أنَّ القادِرَ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها هو القادِرُ عَلى إحْياءِ هَذِهِ الأجْسادِ بَعْدَ مَوْتِها.
وقَدْ ذَكَرْنا تَقْرِيرَ هَذا الدَّلِيلِ مِرارًا لا حَصْرَ لَها، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا هو الدَّلِيلُ الأصْلِيُّ وتَقْرِيرُهُ إنَّ عَوْدَةَ التَّأْلِيفِ والتَّرْكِيبِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وعَوْدَةَ الحَياةِ والعَقْلِ والقُدْرَةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ بَعْدَ اجْتِماعِها أيْضًا أمْرٌ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ والفَهْمِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ حَشْرَ الأجْسادِ مُمْكِنٌ لا امْتِناعَ فِيهِ البَتَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فصلت 41:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ أحْسَنَ الأعْمالِ والأقْوالِ هو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَهَذِهِ تَنْبِيهاتٌ شَرِيفَةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن تَناسُقِ هَذِهِ الآياتِ، فَكانَ العِلْمُ بِهَذِهِ اللَّطائِفِ أحْسَنَ عُلُومِ القُرْآنِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ هي العالَمُ بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَبَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ وهي اللَّيْلُ والنَّهارُ.
وإنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ، والنُّورَ وُجُودٌ، والعَدَمُ سابِقٌ عَلى الوُجُودِ، فَهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى حُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ، وأمّا دَلالَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والأفْلاكِ وسائِرِ الكَواكِبِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَقَدْ شَرَحْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ مُحْدَثانِ، وهُما دَلِيلانِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ قالَ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُما عَبْدانِ دَلِيلانِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، والسَّجْدَةُ عِبارَةٌ عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ فَهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن كانَ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ، فَقالَ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ لِأنَّهُما عَبْدانِ مَخْلُوقانِ ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ الخالِقِ القادِرِ الحَكِيمِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ لِلَّيْلِ والنَّهارِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ حُكْمَ جَماعَةِ ما لا يَعْقِلُ حُكْمُ الأُنْثى أوِ الإناثِ، يُقالُ لِلْأقْلامِ بَرَيْتُها وبَرَيْتُهُنَّ، ولَمّا قالَ: ﴿مِن آياتِهِ﴾ كُنَّ في مَعْنى الإناثِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ وإنَّما قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ ناسًا كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ كالصّابِئِينَ في عِبادَتِهِمُ الكَواكِبَ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِالسُّجُودِ لَهُما السُّجُودَ لِلَّهِ فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الواسِطَةِ وأُمِرُوا أنْ لا يَسْجُدُوا إلّا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ، فَإنْ قِيلَ إذا كانَ لا بُدَّ في الصَّلاةِ مِن قِبْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَوْ جَعَلْنا الشَّمْسَ قِبْلَةً مُعَيَّنَةً عِنْدَ السُّجُودِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، قُلْنا: الشَّمْسُ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ عَظِيمُ الرِّفْعَةِ عالِي الدَّرَجَةِ، فَلَوْ أذِنَ الشَّرْعُ في جَعْلِها قِبْلَةً في الصَّلَواتِ، فَعِنْدَ اعْتِيادِ السُّجُودِ إلى جانِبِ الشَّمْسِ رُبَّما غَلَبَ عَلى الأوْهامِ أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لِلشَّمْسِ لا لِلَّهِ،
صفحة ١١٢
فَلِأجْلِ الخَوْفِ مِن هَذا المَحْذُورِ نَهى الشّارِعُ الحَكِيمُ عَنْ جَعْلِ الشَّمْسِ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ، بِخِلافِ الحَجَرِ المُعَيَّنِ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُوهِمُ الإلَهِيَّةَ، فَكانَ المَقْصُودُ مِنَ القِبْلَةِ حاصِلًا والمَحْذُورُ المَذْكُورُ زائِلًا، فَكانَ هَذا أوْلى، واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ هو قَوْلُهُ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ هو قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَهُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالسُّجُودِ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يَقُولُونَ نَحْنُ أقَلُّ وأذَلُّ مِن أنْ يَحْصُلَ لَنا أهْلِيَّةُ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنّا عَبِيدٌ لِلشَّمْسِ وهُما عَبْدانِ لِلَّهِ، وإذا كانَ قَوْلُ هَؤُلاءِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ ؟
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ مِن لَفْظِ الِاسْتِكْبارِ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المُرادُ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِكَ يا مُحَمَّدُ في النَّهْيِ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ المُشَبِّهَةَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في إثْباتِ المَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى، والجَوابُ: أنَّهُ يُقالُ: عِنْدَ المَلِكِ مِنَ الجُنْدِ كَذا وكَذا، ولا يُرادُ بِهِ قُرْبُ المَكانِ. فَكَذا هَهُنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”«أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وأنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» “ ويُقالُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلِكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، لِأنَّهُ إنَّما يُسْتَدَلُّ بِحالِ الأعْلى عَلى حالِ الأدْوَنِ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الأقْوامُ إنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ طاعَةِ فُلانٍ فالأكابِرُ يَخْدِمُونَهُ ويَعْتَرِفُونَ بِتَقَدُّمِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إنَّما يَحْسُنُ بِحالِ الأعْلى عَلى حالِ الأدْوَنِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: قالَ هَهُنا في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُواظِبُونَ عَلى التَّسْبِيحِ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ لَحْظَةً واحِدَةً، واشْتِغالُهم بِهَذا العَمَلِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ يَمْنَعُهم مِنَ الِاشْتِغالِ بِسائِرِ الأعْمالِ كَكَوْنِهِمْ يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ كَما قالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقالَ: ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦] .
الجَوابُ: إنَّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا بِكَوْنِهِمْ مُواظِبِينَ عَلى التَّسْبِيحِ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الأشْرافُ الأكابِرُ مِنهم؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ عِنْدَهُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ العِنْدِيَّةِ كَمالُ الشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ طائِفَةٍ أُخْرى مِنَ المَلائِكَةِ مُشْتَغِلِينَ بِسائِرِ الأعْمالِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَتَنَفَّسُوا، فاشْتِغالُهم بِذَلِكَ التَّنَفُّسِ يَصُدُّهم عَنْ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ التَّسْبِيحِ.
قُلْنا كَما أنَّ التَّنَفُّسَ سَبَبٌ لِصَلاحِ حالِ الحَياةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، فَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِصَلاحِ حالِهِمْ في حَياتِهِمْ، ولا يَجِبُ عَلى العاقِلِ المُنْصِفِ أنْ يَقِيسَ أحْوالَ المَلائِكَةِ في صَفاءِ جَوْهَرِها وإشْراقِ ذَواتِها واسْتِغْراقِها في مَعارِجِ مَعارِفِ اللَّهِ بِأحْوالِ البَشَرِ، فَإنَّ بَيْنَ الحالَتَيْنِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآياتِ الأرْبَعَ الفَلَكِيَّةَ وهي اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ، أتْبَعَها بِذِكْرِ آيَةٍ
صفحة ١١٣
أرْضِيَّةٍ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ والخُشُوعُ التَّذَلُّلُ والتَّصاغُرُ، واسْتُعِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِحالِ الأرْضِ حالَ خُلُوِّها عَنِ المَطَرِ والنَّباتِ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، ورَبَتْ: انْتَفَخَتْ؛ لِأنَّ النَّبْتَ إذا قَرُبَ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ وانْتَفَخَتْ، ثُمَّ تَصَدَّعَتْ عَنِ النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ يَعْنِي أنَّ القادِرَ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها هو القادِرُ عَلى إحْياءِ هَذِهِ الأجْسادِ بَعْدَ مَوْتِها.
وقَدْ ذَكَرْنا تَقْرِيرَ هَذا الدَّلِيلِ مِرارًا لا حَصْرَ لَها، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا هو الدَّلِيلُ الأصْلِيُّ وتَقْرِيرُهُ إنَّ عَوْدَةَ التَّأْلِيفِ والتَّرْكِيبِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وعَوْدَةَ الحَياةِ والعَقْلِ والقُدْرَةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ بَعْدَ اجْتِماعِها أيْضًا أمْرٌ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ والفَهْمِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ حَشْرَ الأجْسادِ مُمْكِنٌ لا امْتِناعَ فِيهِ البَتَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فصلت 41:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ المَناصِبِ وأشْرَفُ المَراتِبِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، إنَّما تَحْصُلُ بِذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ وصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، عادَ إلى تَهْدِيدِ مَن يُنازِعُ في تِلْكَ الآياتِ، ويُحاوِلُ إلْقاءَ الشُّبُهاتِ فِيها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ يُقالُ: ألْحَدَ الحافِرُ ولَحَدَ إذا مالَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ، فالمُلْحِدُ هو المُنْحَرِفُ، ثُمَّ بِحُكْمِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِالمُنْحَرِفُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ تَهْدِيدٌ، كَما إذا قالَ المَلِكُ المَهِيبُ: إنَّ الَّذِينَ يُنازِعُونَنِي في مُلْكِي أعْرِفُهم، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، والغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا يُلْقَوْنَ في النّارِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا يَأْتُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، ونَظِيرُهُ ما يَقُولُهُ المَلِكُ المَهِيبُ عِنْدَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ إذا أخَذَ يُعاتِبُ بَعْضَ عَبِيدِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمُ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فَإنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ، وفي جَوابِهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَسائِرِ الأجْوِبَةِ المَحْذُوفَةِ في القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ، أوْ ما أشْبَهَ.
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] والأوَّلُ أصْوَبُ،
صفحة ١١٤
ولَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِ القُرْآنِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ والعَزِيزُ لَهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: الغالِبُ القاهِرُ، والثّانِي: الَّذِي لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ، أمّا كَوْنُ القُرْآنِ عَزِيزًا بِمَعْنى كَوْنِهِ غالِبًا، فالأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بِقُوَّةِ حُجَّتِهِ غَلَبَ عَلى كُلِّ ما سِواهُ، وأمّا كَوْنُهُ عَزِيزًا بِمَعْنى عَدِيمِ النَّظِيرِ، فالأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لا تُكَذِّبُهُ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، ولا يَجِيءُ كِتابٌ مِن بَعْدِهِ يُكَذِّبُهُ.
الثّانِي: ما حَكَمَ القُرْآنُ بِكَوْنِهِ حَقًّا لا يَصِيرُ باطِلًا، وما حَكَمَ بِكَوْنِهِ باطِلًا لا يَصِيرُ حَقًّا.
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِن أنْ يُنْقَصَ مِنهُ فَيَأْتِيَهُ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، أوْ يُزادَ فِيهِ فَيَأْتِيَهُ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فِعْلُ هَذا الباطِلِ هو الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ.
الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ كِتابٌ يَصْلُحُ جَعْلُهُ مُعارِضًا لَهُ ولَمْ يُوجَدْ فِيما تَقَدَّمَ كِتابٌ يَصْلُحُ جَعْلُهُ مُعارِضًا لَهُ.
الخامِسُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَذا تَمْثِيلٌ، والمَقْصُودُ أنَّ الباطِلَ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ، ولا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ حَتّى يَتَّصِلَ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ لِأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ النَّسْخُ فِيهِ لِأنَّ النَّسْخَ إبْطالٌ فَلَوْ دَخَلَ النَّسْخُ فِيهِ لَكانَ قَدْ أتاهُ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ وإنَّهُ عَلى خِلافِ هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أيْ حَكِيمٍ في جَمِيعِ أحْوالِهِ وأفْعالِهِ، حَمِيدٌ إلى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ نِعَمِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جَعَلَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فاتِحَةَ كَلامِهِ، وأخْبَرَ أنَّ خاتِمَةَ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
فصلت 41:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ المَناصِبِ وأشْرَفُ المَراتِبِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، إنَّما تَحْصُلُ بِذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ وصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، عادَ إلى تَهْدِيدِ مَن يُنازِعُ في تِلْكَ الآياتِ، ويُحاوِلُ إلْقاءَ الشُّبُهاتِ فِيها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ يُقالُ: ألْحَدَ الحافِرُ ولَحَدَ إذا مالَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ، فالمُلْحِدُ هو المُنْحَرِفُ، ثُمَّ بِحُكْمِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِالمُنْحَرِفُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ تَهْدِيدٌ، كَما إذا قالَ المَلِكُ المَهِيبُ: إنَّ الَّذِينَ يُنازِعُونَنِي في مُلْكِي أعْرِفُهم، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، والغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا يُلْقَوْنَ في النّارِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا يَأْتُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، ونَظِيرُهُ ما يَقُولُهُ المَلِكُ المَهِيبُ عِنْدَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ إذا أخَذَ يُعاتِبُ بَعْضَ عَبِيدِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمُ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فَإنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ، وفي جَوابِهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَسائِرِ الأجْوِبَةِ المَحْذُوفَةِ في القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ، أوْ ما أشْبَهَ.
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] والأوَّلُ أصْوَبُ،
صفحة ١١٤
ولَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِ القُرْآنِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ والعَزِيزُ لَهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: الغالِبُ القاهِرُ، والثّانِي: الَّذِي لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ، أمّا كَوْنُ القُرْآنِ عَزِيزًا بِمَعْنى كَوْنِهِ غالِبًا، فالأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بِقُوَّةِ حُجَّتِهِ غَلَبَ عَلى كُلِّ ما سِواهُ، وأمّا كَوْنُهُ عَزِيزًا بِمَعْنى عَدِيمِ النَّظِيرِ، فالأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لا تُكَذِّبُهُ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، ولا يَجِيءُ كِتابٌ مِن بَعْدِهِ يُكَذِّبُهُ.
الثّانِي: ما حَكَمَ القُرْآنُ بِكَوْنِهِ حَقًّا لا يَصِيرُ باطِلًا، وما حَكَمَ بِكَوْنِهِ باطِلًا لا يَصِيرُ حَقًّا.
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِن أنْ يُنْقَصَ مِنهُ فَيَأْتِيَهُ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، أوْ يُزادَ فِيهِ فَيَأْتِيَهُ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فِعْلُ هَذا الباطِلِ هو الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ.
الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ كِتابٌ يَصْلُحُ جَعْلُهُ مُعارِضًا لَهُ ولَمْ يُوجَدْ فِيما تَقَدَّمَ كِتابٌ يَصْلُحُ جَعْلُهُ مُعارِضًا لَهُ.
الخامِسُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَذا تَمْثِيلٌ، والمَقْصُودُ أنَّ الباطِلَ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ، ولا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ حَتّى يَتَّصِلَ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ لِأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ النَّسْخُ فِيهِ لِأنَّ النَّسْخَ إبْطالٌ فَلَوْ دَخَلَ النَّسْخُ فِيهِ لَكانَ قَدْ أتاهُ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ وإنَّهُ عَلى خِلافِ هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أيْ حَكِيمٍ في جَمِيعِ أحْوالِهِ وأفْعالِهِ، حَمِيدٌ إلى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ نِعَمِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جَعَلَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فاتِحَةَ كَلامِهِ، وأخْبَرَ أنَّ خاتِمَةَ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
فصلت 41:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ المَناصِبِ وأشْرَفُ المَراتِبِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، إنَّما تَحْصُلُ بِذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ وصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، عادَ إلى تَهْدِيدِ مَن يُنازِعُ في تِلْكَ الآياتِ، ويُحاوِلُ إلْقاءَ الشُّبُهاتِ فِيها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ يُقالُ: ألْحَدَ الحافِرُ ولَحَدَ إذا مالَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ، فالمُلْحِدُ هو المُنْحَرِفُ، ثُمَّ بِحُكْمِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِالمُنْحَرِفُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ تَهْدِيدٌ، كَما إذا قالَ المَلِكُ المَهِيبُ: إنَّ الَّذِينَ يُنازِعُونَنِي في مُلْكِي أعْرِفُهم، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، والغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا يُلْقَوْنَ في النّارِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا يَأْتُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، ونَظِيرُهُ ما يَقُولُهُ المَلِكُ المَهِيبُ عِنْدَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ إذا أخَذَ يُعاتِبُ بَعْضَ عَبِيدِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمُ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فَإنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ، وفي جَوابِهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَسائِرِ الأجْوِبَةِ المَحْذُوفَةِ في القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ، أوْ ما أشْبَهَ.
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] والأوَّلُ أصْوَبُ،
صفحة ١١٤
ولَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِ القُرْآنِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ والعَزِيزُ لَهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: الغالِبُ القاهِرُ، والثّانِي: الَّذِي لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ، أمّا كَوْنُ القُرْآنِ عَزِيزًا بِمَعْنى كَوْنِهِ غالِبًا، فالأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بِقُوَّةِ حُجَّتِهِ غَلَبَ عَلى كُلِّ ما سِواهُ، وأمّا كَوْنُهُ عَزِيزًا بِمَعْنى عَدِيمِ النَّظِيرِ، فالأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لا تُكَذِّبُهُ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، ولا يَجِيءُ كِتابٌ مِن بَعْدِهِ يُكَذِّبُهُ.
الثّانِي: ما حَكَمَ القُرْآنُ بِكَوْنِهِ حَقًّا لا يَصِيرُ باطِلًا، وما حَكَمَ بِكَوْنِهِ باطِلًا لا يَصِيرُ حَقًّا.
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِن أنْ يُنْقَصَ مِنهُ فَيَأْتِيَهُ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، أوْ يُزادَ فِيهِ فَيَأْتِيَهُ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فِعْلُ هَذا الباطِلِ هو الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ.
الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ كِتابٌ يَصْلُحُ جَعْلُهُ مُعارِضًا لَهُ ولَمْ يُوجَدْ فِيما تَقَدَّمَ كِتابٌ يَصْلُحُ جَعْلُهُ مُعارِضًا لَهُ.
الخامِسُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَذا تَمْثِيلٌ، والمَقْصُودُ أنَّ الباطِلَ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ، ولا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ حَتّى يَتَّصِلَ إلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ لِأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ النَّسْخُ فِيهِ لِأنَّ النَّسْخَ إبْطالٌ فَلَوْ دَخَلَ النَّسْخُ فِيهِ لَكانَ قَدْ أتاهُ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ وإنَّهُ عَلى خِلافِ هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أيْ حَكِيمٍ في جَمِيعِ أحْوالِهِ وأفْعالِهِ، حَمِيدٌ إلى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ نِعَمِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جَعَلَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فاتِحَةَ كَلامِهِ، وأخْبَرَ أنَّ خاتِمَةَ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
فصلت 41:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ المُلْحِدِينَ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ شَرَفَ آياتِ اللَّهِ، وعُلُوَّ دَرَجَةِ كِتابِ اللَّهِ رَجَعَ إلى أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأنْ يَصْبِرَ عَلى أذى قَوْمِهِ وأنْ لا يَضِيقَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ ما حَكاهُ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ مِن
صفحة ١١٥
أنَّهم ﴿قالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَقالَ: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ما تَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ إلّا مِثْلَ ما قَدْ قالَ لِلرُّسُلِ كُفّارُ قَوْمِهِمْ مِنَ الكَلِماتِ المُؤْذِيَةِ والمَطاعِنِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لِلْمُحِقِّينَ ﴿وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ لِلْمُبْطِلِينَ فَفَوِّضْ هَذا الأمْرَ إلى اللَّهِ واشْتَغِلْ بِما أُمِرْتَ بِهِ، وهو التَّبْلِيغُ والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قالَ اللَّهُ لَكَ إلّا مِثْلَ ما قالَ لِسائِرِ الرُّسُلِ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَكَ وأمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ الأقْوامِ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يَرْجُوَهُ أهْلُ طاعَتِهِ ويَخافَهُ أهْلُ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ ظَهَرَ مِن كَلامِنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، هو ذِكْرُ الأجْوِبَةِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ فَتارَةً يُنَبِّهُ عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وتارَةً يَذْكُرُ الوَعْدَ والوَعِيدَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا القُرْآنِ ولِمَن يُعْرِضُ عَنْهُ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ عَلى التَّرْتِيبِ الحَسَنِ والنَّظْمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَوابًا آخَرَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ فَقالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أأعْجَمِيٌّ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ ومَدَّةٍ عَلى أصْلِهِمْ في أمْثالِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونَحْوِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا القِراءَةُ بِهَمْزَتَيْنِ: فالهَمْزَةُ الأُولى هَمْزَةُ إنْكارٍ، والمُرادُ أنْكَرُوا وقالُوا قُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ، أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ، وأمّا القِراءَةُ بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فالمُرادُ الإخْبارُ بِأنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والمُرْسَلَ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ، قالُوا لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعِنْدِي أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فِيها حَيْفٌ عَظِيمٌ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي وُرُودَ آياتٍ لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ فِيها بِالبَعْضِ، وأنَّهُ يُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الطَّعْنِ فَكَيْفَ يَتِمُّ مَعَ التِزامِ مِثْلِ هَذا الطَّعْنِ ادِّعاءُ كَوْنِهِ كِتابًا مُنْتَظِمًا، فَضْلًا عَنِ ادِّعاءِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا ؟ بَلِ الحَقُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامٌ واحِدٌ، عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
وهَذا الكَلامُ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجَوابٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: أنّا لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ بِلُغَةِ العَجَمِ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أرْسَلْتَ الكَلامَ العَجَمِيَّ إلى القَوْمِ العَرَبِ، ويَصِحُّ لَهم أنْ يَقُولُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ أيْ مِن هَذا الكَلامِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ مِنهُ لِأنّا لا نَفْهَمُهُ ولا نُحِيطُ بِمَعْناهُ، أمّا لَمّا أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وبِألْفاظِهِمْ وأنْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكُمُ ادِّعاءُ أنَّ قُلُوبَكم في أكِنَّةٍ مِنها، وفي آذانِكم وقْرٌ مِنها، فَظَهَرَ أنّا إذا جَعَلْنا هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ، بَقِيَتِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ النَّظْمِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ النّاسُ فَهو عَجِيبٌ جِدًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ:
صفحة ١١٦
إنَّ هَذا الكَلامَ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم بِلُغَتِكم لا بِلُغَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْكم، فَلا يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا إنَّ قُلُوبَنا في أكِنَّةٍ مِنهُ بِسَبَبِ جَهْلِنا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، فَبَقِيَ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ طَبْعًا مائِلًا إلى الحَقِّ، وقَلْبًا مائِلًا إلى الصِّدْقِ، وهِمَّةً تَدْعُوهُ إلى بَذْلِ الجُهْدِ في طَلَبِ الدِّينِ، فَإنَّ هَذا القُرْآنَ يَكُونُ في حَقِّهِ هُدًى وشِفاءً.
أمّا كَوْنُهُ هُدًى فَلِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى الخَيْراتِ ويُرْشِدُ إلى كُلِّ السَّعاداتِ، وأمّا كَوْنُهُ ”شِفاءً“ فَإنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الِاهْتِداءُ فَقَدْ حَصَلَ الهُدى، فَذَلِكَ الهُدى شِفاءٌ لَهُ مِن مَرَضِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وأمّا مَن كانَ غارِقًا في بَحْرِ الخِذْلانِ، وتائِهًا في مَفاوِزِ الحِرْمانِ، ومَشْغُوفًا بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، كانَ هَذا القُرْآنُ في آذانِهِ وقْرًا، كَما قالَ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وكانَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ عَمًى كَما قالَ: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِجابِ الَّذِي حالَ بَيْنَ الِانْتِفاعِ بِبَيانِ القُرْآنِ، وكُلُّ مَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ عَلِمَ أنّا إذا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامًا واحِدًا مُنْتَظِمًا مَسُوقًا نَحْوَ غَرَضٍ واحِدٍ.
فَيَكُونُ هَذا التَّفْسِيرُ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ عَمٍ عَلى النَّعْتِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والأوَّلُ هو الوَجْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى وشِفاءٌ﴾ وكَذَلِكَ ﴿عَمًى﴾ وهو مَصْدَرٌ مِثْلُها، ولَوْ كانَ المَذْكُورُ أنَّهُ هادٍ وشافٍ لَكانَ الكَسْرُ في ﴿عَمًى﴾ أجْوَدَ فَيَكُونُ نَعْتًا مِثْلَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِثْلَ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَفْهَمُ إلّا دُعاءً ونِداءً، وقِيلَ: مَن دُعِيَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لَمْ يَسْمَعْ، وإنْ سَمِعَ لَمْ يَفْهَمْ، فَكَذا حالُ هَؤُلاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ وأقُولُ أيْضًا إنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا لَمّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم ورَدَّهُ الآخَرُونَ، فَكَذَلِكَ آتَيْناكَ هَذا الكِتابَ فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وهم أصْحابُكَ، ورَدَّهُ الآخَرُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي المُصَدِّقَ والمُكَذِّبَ بِالعَذابِ الواقِعِ بِمَن كَذَّبَ وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ مُرِيبٍ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَعْظِمَ اسْتِيحاشَكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ يَعْنِي خَفِّفْ عَلى نَفْسِكَ إعْراضَهم، فَإنَّهم إنْ آمَنُوا فَنَفْعُ إيمانِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، وإنْ كَفَرُوا فَضَرَرُ كُفْرِهِمْ يَعُودُ إلَيْهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ مِنَ الجَزاءِ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
فصلت 41:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ المُلْحِدِينَ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ شَرَفَ آياتِ اللَّهِ، وعُلُوَّ دَرَجَةِ كِتابِ اللَّهِ رَجَعَ إلى أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأنْ يَصْبِرَ عَلى أذى قَوْمِهِ وأنْ لا يَضِيقَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ ما حَكاهُ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ مِن
صفحة ١١٥
أنَّهم ﴿قالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَقالَ: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ما تَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ إلّا مِثْلَ ما قَدْ قالَ لِلرُّسُلِ كُفّارُ قَوْمِهِمْ مِنَ الكَلِماتِ المُؤْذِيَةِ والمَطاعِنِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لِلْمُحِقِّينَ ﴿وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ لِلْمُبْطِلِينَ فَفَوِّضْ هَذا الأمْرَ إلى اللَّهِ واشْتَغِلْ بِما أُمِرْتَ بِهِ، وهو التَّبْلِيغُ والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قالَ اللَّهُ لَكَ إلّا مِثْلَ ما قالَ لِسائِرِ الرُّسُلِ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَكَ وأمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ الأقْوامِ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يَرْجُوَهُ أهْلُ طاعَتِهِ ويَخافَهُ أهْلُ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ ظَهَرَ مِن كَلامِنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، هو ذِكْرُ الأجْوِبَةِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ فَتارَةً يُنَبِّهُ عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وتارَةً يَذْكُرُ الوَعْدَ والوَعِيدَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا القُرْآنِ ولِمَن يُعْرِضُ عَنْهُ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ عَلى التَّرْتِيبِ الحَسَنِ والنَّظْمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَوابًا آخَرَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ فَقالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أأعْجَمِيٌّ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ ومَدَّةٍ عَلى أصْلِهِمْ في أمْثالِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونَحْوِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا القِراءَةُ بِهَمْزَتَيْنِ: فالهَمْزَةُ الأُولى هَمْزَةُ إنْكارٍ، والمُرادُ أنْكَرُوا وقالُوا قُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ، أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ، وأمّا القِراءَةُ بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فالمُرادُ الإخْبارُ بِأنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والمُرْسَلَ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ، قالُوا لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعِنْدِي أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فِيها حَيْفٌ عَظِيمٌ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي وُرُودَ آياتٍ لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ فِيها بِالبَعْضِ، وأنَّهُ يُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الطَّعْنِ فَكَيْفَ يَتِمُّ مَعَ التِزامِ مِثْلِ هَذا الطَّعْنِ ادِّعاءُ كَوْنِهِ كِتابًا مُنْتَظِمًا، فَضْلًا عَنِ ادِّعاءِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا ؟ بَلِ الحَقُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامٌ واحِدٌ، عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
وهَذا الكَلامُ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجَوابٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: أنّا لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ بِلُغَةِ العَجَمِ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أرْسَلْتَ الكَلامَ العَجَمِيَّ إلى القَوْمِ العَرَبِ، ويَصِحُّ لَهم أنْ يَقُولُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ أيْ مِن هَذا الكَلامِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ مِنهُ لِأنّا لا نَفْهَمُهُ ولا نُحِيطُ بِمَعْناهُ، أمّا لَمّا أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وبِألْفاظِهِمْ وأنْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكُمُ ادِّعاءُ أنَّ قُلُوبَكم في أكِنَّةٍ مِنها، وفي آذانِكم وقْرٌ مِنها، فَظَهَرَ أنّا إذا جَعَلْنا هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ، بَقِيَتِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ النَّظْمِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ النّاسُ فَهو عَجِيبٌ جِدًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ:
صفحة ١١٦
إنَّ هَذا الكَلامَ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم بِلُغَتِكم لا بِلُغَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْكم، فَلا يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا إنَّ قُلُوبَنا في أكِنَّةٍ مِنهُ بِسَبَبِ جَهْلِنا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، فَبَقِيَ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ طَبْعًا مائِلًا إلى الحَقِّ، وقَلْبًا مائِلًا إلى الصِّدْقِ، وهِمَّةً تَدْعُوهُ إلى بَذْلِ الجُهْدِ في طَلَبِ الدِّينِ، فَإنَّ هَذا القُرْآنَ يَكُونُ في حَقِّهِ هُدًى وشِفاءً.
أمّا كَوْنُهُ هُدًى فَلِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى الخَيْراتِ ويُرْشِدُ إلى كُلِّ السَّعاداتِ، وأمّا كَوْنُهُ ”شِفاءً“ فَإنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الِاهْتِداءُ فَقَدْ حَصَلَ الهُدى، فَذَلِكَ الهُدى شِفاءٌ لَهُ مِن مَرَضِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وأمّا مَن كانَ غارِقًا في بَحْرِ الخِذْلانِ، وتائِهًا في مَفاوِزِ الحِرْمانِ، ومَشْغُوفًا بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، كانَ هَذا القُرْآنُ في آذانِهِ وقْرًا، كَما قالَ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وكانَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ عَمًى كَما قالَ: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِجابِ الَّذِي حالَ بَيْنَ الِانْتِفاعِ بِبَيانِ القُرْآنِ، وكُلُّ مَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ عَلِمَ أنّا إذا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامًا واحِدًا مُنْتَظِمًا مَسُوقًا نَحْوَ غَرَضٍ واحِدٍ.
فَيَكُونُ هَذا التَّفْسِيرُ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ عَمٍ عَلى النَّعْتِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والأوَّلُ هو الوَجْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى وشِفاءٌ﴾ وكَذَلِكَ ﴿عَمًى﴾ وهو مَصْدَرٌ مِثْلُها، ولَوْ كانَ المَذْكُورُ أنَّهُ هادٍ وشافٍ لَكانَ الكَسْرُ في ﴿عَمًى﴾ أجْوَدَ فَيَكُونُ نَعْتًا مِثْلَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِثْلَ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَفْهَمُ إلّا دُعاءً ونِداءً، وقِيلَ: مَن دُعِيَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لَمْ يَسْمَعْ، وإنْ سَمِعَ لَمْ يَفْهَمْ، فَكَذا حالُ هَؤُلاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ وأقُولُ أيْضًا إنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا لَمّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم ورَدَّهُ الآخَرُونَ، فَكَذَلِكَ آتَيْناكَ هَذا الكِتابَ فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وهم أصْحابُكَ، ورَدَّهُ الآخَرُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي المُصَدِّقَ والمُكَذِّبَ بِالعَذابِ الواقِعِ بِمَن كَذَّبَ وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ مُرِيبٍ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَعْظِمَ اسْتِيحاشَكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ يَعْنِي خَفِّفْ عَلى نَفْسِكَ إعْراضَهم، فَإنَّهم إنْ آمَنُوا فَنَفْعُ إيمانِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، وإنْ كَفَرُوا فَضَرَرُ كُفْرِهِمْ يَعُودُ إلَيْهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ مِنَ الجَزاءِ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
فصلت 41:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ المُلْحِدِينَ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ شَرَفَ آياتِ اللَّهِ، وعُلُوَّ دَرَجَةِ كِتابِ اللَّهِ رَجَعَ إلى أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأنْ يَصْبِرَ عَلى أذى قَوْمِهِ وأنْ لا يَضِيقَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ ما حَكاهُ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ مِن
صفحة ١١٥
أنَّهم ﴿قالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَقالَ: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ما تَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ إلّا مِثْلَ ما قَدْ قالَ لِلرُّسُلِ كُفّارُ قَوْمِهِمْ مِنَ الكَلِماتِ المُؤْذِيَةِ والمَطاعِنِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لِلْمُحِقِّينَ ﴿وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ لِلْمُبْطِلِينَ فَفَوِّضْ هَذا الأمْرَ إلى اللَّهِ واشْتَغِلْ بِما أُمِرْتَ بِهِ، وهو التَّبْلِيغُ والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قالَ اللَّهُ لَكَ إلّا مِثْلَ ما قالَ لِسائِرِ الرُّسُلِ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَكَ وأمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ الأقْوامِ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يَرْجُوَهُ أهْلُ طاعَتِهِ ويَخافَهُ أهْلُ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ ظَهَرَ مِن كَلامِنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، هو ذِكْرُ الأجْوِبَةِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ فَتارَةً يُنَبِّهُ عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وتارَةً يَذْكُرُ الوَعْدَ والوَعِيدَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا القُرْآنِ ولِمَن يُعْرِضُ عَنْهُ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ عَلى التَّرْتِيبِ الحَسَنِ والنَّظْمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَوابًا آخَرَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ فَقالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أأعْجَمِيٌّ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ ومَدَّةٍ عَلى أصْلِهِمْ في أمْثالِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونَحْوِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا القِراءَةُ بِهَمْزَتَيْنِ: فالهَمْزَةُ الأُولى هَمْزَةُ إنْكارٍ، والمُرادُ أنْكَرُوا وقالُوا قُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ، أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ، وأمّا القِراءَةُ بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فالمُرادُ الإخْبارُ بِأنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والمُرْسَلَ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ، قالُوا لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعِنْدِي أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فِيها حَيْفٌ عَظِيمٌ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي وُرُودَ آياتٍ لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ فِيها بِالبَعْضِ، وأنَّهُ يُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الطَّعْنِ فَكَيْفَ يَتِمُّ مَعَ التِزامِ مِثْلِ هَذا الطَّعْنِ ادِّعاءُ كَوْنِهِ كِتابًا مُنْتَظِمًا، فَضْلًا عَنِ ادِّعاءِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا ؟ بَلِ الحَقُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامٌ واحِدٌ، عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
وهَذا الكَلامُ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجَوابٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: أنّا لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ بِلُغَةِ العَجَمِ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أرْسَلْتَ الكَلامَ العَجَمِيَّ إلى القَوْمِ العَرَبِ، ويَصِحُّ لَهم أنْ يَقُولُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ أيْ مِن هَذا الكَلامِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ مِنهُ لِأنّا لا نَفْهَمُهُ ولا نُحِيطُ بِمَعْناهُ، أمّا لَمّا أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وبِألْفاظِهِمْ وأنْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكُمُ ادِّعاءُ أنَّ قُلُوبَكم في أكِنَّةٍ مِنها، وفي آذانِكم وقْرٌ مِنها، فَظَهَرَ أنّا إذا جَعَلْنا هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ، بَقِيَتِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ النَّظْمِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ النّاسُ فَهو عَجِيبٌ جِدًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ:
صفحة ١١٦
إنَّ هَذا الكَلامَ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم بِلُغَتِكم لا بِلُغَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْكم، فَلا يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا إنَّ قُلُوبَنا في أكِنَّةٍ مِنهُ بِسَبَبِ جَهْلِنا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، فَبَقِيَ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ طَبْعًا مائِلًا إلى الحَقِّ، وقَلْبًا مائِلًا إلى الصِّدْقِ، وهِمَّةً تَدْعُوهُ إلى بَذْلِ الجُهْدِ في طَلَبِ الدِّينِ، فَإنَّ هَذا القُرْآنَ يَكُونُ في حَقِّهِ هُدًى وشِفاءً.
أمّا كَوْنُهُ هُدًى فَلِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى الخَيْراتِ ويُرْشِدُ إلى كُلِّ السَّعاداتِ، وأمّا كَوْنُهُ ”شِفاءً“ فَإنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الِاهْتِداءُ فَقَدْ حَصَلَ الهُدى، فَذَلِكَ الهُدى شِفاءٌ لَهُ مِن مَرَضِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وأمّا مَن كانَ غارِقًا في بَحْرِ الخِذْلانِ، وتائِهًا في مَفاوِزِ الحِرْمانِ، ومَشْغُوفًا بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، كانَ هَذا القُرْآنُ في آذانِهِ وقْرًا، كَما قالَ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وكانَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ عَمًى كَما قالَ: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِجابِ الَّذِي حالَ بَيْنَ الِانْتِفاعِ بِبَيانِ القُرْآنِ، وكُلُّ مَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ عَلِمَ أنّا إذا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامًا واحِدًا مُنْتَظِمًا مَسُوقًا نَحْوَ غَرَضٍ واحِدٍ.
فَيَكُونُ هَذا التَّفْسِيرُ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ عَمٍ عَلى النَّعْتِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والأوَّلُ هو الوَجْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى وشِفاءٌ﴾ وكَذَلِكَ ﴿عَمًى﴾ وهو مَصْدَرٌ مِثْلُها، ولَوْ كانَ المَذْكُورُ أنَّهُ هادٍ وشافٍ لَكانَ الكَسْرُ في ﴿عَمًى﴾ أجْوَدَ فَيَكُونُ نَعْتًا مِثْلَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِثْلَ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَفْهَمُ إلّا دُعاءً ونِداءً، وقِيلَ: مَن دُعِيَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لَمْ يَسْمَعْ، وإنْ سَمِعَ لَمْ يَفْهَمْ، فَكَذا حالُ هَؤُلاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ وأقُولُ أيْضًا إنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا لَمّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم ورَدَّهُ الآخَرُونَ، فَكَذَلِكَ آتَيْناكَ هَذا الكِتابَ فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وهم أصْحابُكَ، ورَدَّهُ الآخَرُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي المُصَدِّقَ والمُكَذِّبَ بِالعَذابِ الواقِعِ بِمَن كَذَّبَ وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ مُرِيبٍ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَعْظِمَ اسْتِيحاشَكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ يَعْنِي خَفِّفْ عَلى نَفْسِكَ إعْراضَهم، فَإنَّهم إنْ آمَنُوا فَنَفْعُ إيمانِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، وإنْ كَفَرُوا فَضَرَرُ كُفْرِهِمْ يَعُودُ إلَيْهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ مِنَ الجَزاءِ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
فصلت 41:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ المُلْحِدِينَ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ شَرَفَ آياتِ اللَّهِ، وعُلُوَّ دَرَجَةِ كِتابِ اللَّهِ رَجَعَ إلى أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأنْ يَصْبِرَ عَلى أذى قَوْمِهِ وأنْ لا يَضِيقَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ ما حَكاهُ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ مِن
صفحة ١١٥
أنَّهم ﴿قالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَقالَ: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ما تَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ إلّا مِثْلَ ما قَدْ قالَ لِلرُّسُلِ كُفّارُ قَوْمِهِمْ مِنَ الكَلِماتِ المُؤْذِيَةِ والمَطاعِنِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لِلْمُحِقِّينَ ﴿وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ لِلْمُبْطِلِينَ فَفَوِّضْ هَذا الأمْرَ إلى اللَّهِ واشْتَغِلْ بِما أُمِرْتَ بِهِ، وهو التَّبْلِيغُ والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قالَ اللَّهُ لَكَ إلّا مِثْلَ ما قالَ لِسائِرِ الرُّسُلِ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَكَ وأمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ الأقْوامِ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يَرْجُوَهُ أهْلُ طاعَتِهِ ويَخافَهُ أهْلُ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ ظَهَرَ مِن كَلامِنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، هو ذِكْرُ الأجْوِبَةِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ فَتارَةً يُنَبِّهُ عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وتارَةً يَذْكُرُ الوَعْدَ والوَعِيدَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا القُرْآنِ ولِمَن يُعْرِضُ عَنْهُ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ عَلى التَّرْتِيبِ الحَسَنِ والنَّظْمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَوابًا آخَرَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ فَقالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أأعْجَمِيٌّ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ ومَدَّةٍ عَلى أصْلِهِمْ في أمْثالِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونَحْوِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا القِراءَةُ بِهَمْزَتَيْنِ: فالهَمْزَةُ الأُولى هَمْزَةُ إنْكارٍ، والمُرادُ أنْكَرُوا وقالُوا قُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ، أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ، وأمّا القِراءَةُ بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فالمُرادُ الإخْبارُ بِأنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والمُرْسَلَ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ، قالُوا لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعِنْدِي أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فِيها حَيْفٌ عَظِيمٌ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي وُرُودَ آياتٍ لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ فِيها بِالبَعْضِ، وأنَّهُ يُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الطَّعْنِ فَكَيْفَ يَتِمُّ مَعَ التِزامِ مِثْلِ هَذا الطَّعْنِ ادِّعاءُ كَوْنِهِ كِتابًا مُنْتَظِمًا، فَضْلًا عَنِ ادِّعاءِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا ؟ بَلِ الحَقُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامٌ واحِدٌ، عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
وهَذا الكَلامُ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجَوابٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: أنّا لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ بِلُغَةِ العَجَمِ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أرْسَلْتَ الكَلامَ العَجَمِيَّ إلى القَوْمِ العَرَبِ، ويَصِحُّ لَهم أنْ يَقُولُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ أيْ مِن هَذا الكَلامِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ مِنهُ لِأنّا لا نَفْهَمُهُ ولا نُحِيطُ بِمَعْناهُ، أمّا لَمّا أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وبِألْفاظِهِمْ وأنْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكُمُ ادِّعاءُ أنَّ قُلُوبَكم في أكِنَّةٍ مِنها، وفي آذانِكم وقْرٌ مِنها، فَظَهَرَ أنّا إذا جَعَلْنا هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ، بَقِيَتِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ النَّظْمِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ النّاسُ فَهو عَجِيبٌ جِدًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ:
صفحة ١١٦
إنَّ هَذا الكَلامَ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم بِلُغَتِكم لا بِلُغَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْكم، فَلا يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا إنَّ قُلُوبَنا في أكِنَّةٍ مِنهُ بِسَبَبِ جَهْلِنا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، فَبَقِيَ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ طَبْعًا مائِلًا إلى الحَقِّ، وقَلْبًا مائِلًا إلى الصِّدْقِ، وهِمَّةً تَدْعُوهُ إلى بَذْلِ الجُهْدِ في طَلَبِ الدِّينِ، فَإنَّ هَذا القُرْآنَ يَكُونُ في حَقِّهِ هُدًى وشِفاءً.
أمّا كَوْنُهُ هُدًى فَلِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى الخَيْراتِ ويُرْشِدُ إلى كُلِّ السَّعاداتِ، وأمّا كَوْنُهُ ”شِفاءً“ فَإنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الِاهْتِداءُ فَقَدْ حَصَلَ الهُدى، فَذَلِكَ الهُدى شِفاءٌ لَهُ مِن مَرَضِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وأمّا مَن كانَ غارِقًا في بَحْرِ الخِذْلانِ، وتائِهًا في مَفاوِزِ الحِرْمانِ، ومَشْغُوفًا بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، كانَ هَذا القُرْآنُ في آذانِهِ وقْرًا، كَما قالَ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وكانَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ عَمًى كَما قالَ: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِجابِ الَّذِي حالَ بَيْنَ الِانْتِفاعِ بِبَيانِ القُرْآنِ، وكُلُّ مَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ عَلِمَ أنّا إذا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامًا واحِدًا مُنْتَظِمًا مَسُوقًا نَحْوَ غَرَضٍ واحِدٍ.
فَيَكُونُ هَذا التَّفْسِيرُ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ عَمٍ عَلى النَّعْتِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والأوَّلُ هو الوَجْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى وشِفاءٌ﴾ وكَذَلِكَ ﴿عَمًى﴾ وهو مَصْدَرٌ مِثْلُها، ولَوْ كانَ المَذْكُورُ أنَّهُ هادٍ وشافٍ لَكانَ الكَسْرُ في ﴿عَمًى﴾ أجْوَدَ فَيَكُونُ نَعْتًا مِثْلَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِثْلَ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَفْهَمُ إلّا دُعاءً ونِداءً، وقِيلَ: مَن دُعِيَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لَمْ يَسْمَعْ، وإنْ سَمِعَ لَمْ يَفْهَمْ، فَكَذا حالُ هَؤُلاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ وأقُولُ أيْضًا إنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا لَمّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم ورَدَّهُ الآخَرُونَ، فَكَذَلِكَ آتَيْناكَ هَذا الكِتابَ فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وهم أصْحابُكَ، ورَدَّهُ الآخَرُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي المُصَدِّقَ والمُكَذِّبَ بِالعَذابِ الواقِعِ بِمَن كَذَّبَ وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ مُرِيبٍ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَعْظِمَ اسْتِيحاشَكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ يَعْنِي خَفِّفْ عَلى نَفْسِكَ إعْراضَهم، فَإنَّهم إنْ آمَنُوا فَنَفْعُ إيمانِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، وإنْ كَفَرُوا فَضَرَرُ كُفْرِهِمْ يَعُودُ إلَيْهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ مِنَ الجَزاءِ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
فصلت 41:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ يَصِلُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَأنَّ سائِلًا قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقالَ تَعالى إنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ أيْ: لا يَعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ بِعَيْنِهِ إلّا اللَّهُ، وكَما أنَّ هَذا العِلْمَ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ مِثالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أكْمامُهُ أوْعِيَتُها وهي ما كانَتْ فِيهِ الثَّمَرَةُ، واحِدُها كُمٌّ وكُمَّةٌ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مِن ثَمَراتٍ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ: مِن ثَمَرَةٍ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنَجِّمِينَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طالِعِ سَنَةِ العالَمِ أحْوالًا كَثِيرَةً مِن أحْوالِ العالَمِ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طَوالِعِ النّاسِ أشْياءَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَهُنا شَيْءٌ آخَرُ يُسَمّى عِلْمَ الرَّمْلِ، وهو كَثِيرُ الإصابَةِ.
وأيْضًا عِلْمُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلى أحْوالِ المُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ المُشاهَدَةِ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ هَذِهِ العُلُومِ لا يُمْكِنُهُمُ القَطْعُ والجَزْمُ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، وإنَّما الغايَةُ القُصْوى ادِّعاءُ ظَنٍّ ضَعِيفٍ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِلْمَها لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والعِلْمُ هو الجَزْمُ واليَقِينُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَتِ المُنافاةُ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ أرْدَفَهُ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَدِيدُ التَّعَلُّقِ أيْضًا
صفحة ١١٨
بِما وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شِدَّةَ نُفُورِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إنَّما حَصَلَتْ مِن أجْلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وإلى البَراءَةِ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فَذَكَرَ في خاتِمَةِ السُّورَةِ وعِيدَ القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِكم واعْتِقادِكم قالُوا ”آذَنّاكَ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْمَعْناكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بِمَعْنى سَمِعَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْلَمْناكَ وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ عِلْمًا واجِبًا، فالإعْلامُ في حَقِّهِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فالمَقْصُودُ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَرَّءُونَ مِن إثْباتِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما مَنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم؛ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهم لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَّوْبِيخِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ كَلامُ الأصْنامِ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِيها، ثُمَّ إنَّها تَقُولُ ما مَنّا مِن أحَدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَّرِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمَعْنى أنَّها لا تَنْفَعُهم فَكَأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ ظَنُّوا أوَّلًا ثُمَّ أيْقَنُوا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ والعَذابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم ظَنُّوا أوَّلًا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، ثُمَّ أيْقَنُوا ذَلِكَ بَعْدَهُ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقابَهم دائِمٌ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ لِلَّهِ في الدُّنْيا تَبَرَّءُوا عَنْ تِلْكَ الشُّرَكاءِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مُتَبَدِّلُ الأحْوالِ مُتَغَيِّرُ المَنهَجِ، فَإنْ أحَسَّ بِخَيْرٍ وقُدْرَةٍ انْتَفَخَ وتَعَظَّمَ وإنْ أحَسَّ بِبَلاءٍ ومِحْنَةٍ ذَبُلَ.
كَما قِيلَ في المَثَلِ: إنَّ هَذا كالقِرِلّى، إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى، فَقالَ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن طَرِيقِ بِناءِ فَعُولٍ. والثّانِي: مِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ واليَأْسِ مِن صِفَةِ القَلْبِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ آثارٌ لِيَأْسٍ في الوَجْهِ والأحْوالِ الظّاهِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي صارَ آيِسًا قانِطًا لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ والدَّوْلَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ يَأْتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى:
فَأوَّلَها أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: هَذا لِي، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا حَقِّي وصَلَ إلَيَّ، لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما حَصَلَ عِنْدِي مِن أنْواعِ الفَضائِلِ وأعْمالِ البِرِّ والقُرْبَةِ مِنَ اللَّهِ ولا يَعْلَمُ المِسْكِينُ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عارِيًا عَنِ الفَضائِلِ، فَهَذا الكَلامُ ظاهِرُ الفَسادِ وإنْ كانَ مَوْصُوفًا بِشَيْءٍ مِنَ الفَضائِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، فَهي بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وإذْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِشَيْءٍ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ العَطِيَّةِ سَبَبًا لِأنْ يَسْتَحِقَّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا آخَرَ، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ قَوْلِهِ، إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْراتُ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِي، والوَجْهُ
صفحة ١١٩
الثّانِي: أنَّ هَذا لِي أيْ لا يَزُولُ عَنِّي ويَبْقى عَلَيَّ وعَلى أوْلادِي وذُرِّيَّتِي.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا عَظِيمَ النُّفْرَةِ عَنِ الآخِرَةِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا يَقُولُ: إنَّها لِي وإذا آلَ الأمْرُ إلى الآخِرَةِ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ .
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي أنَّ الغالِبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ باطِلٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَدُلُّ عَلى جَزْمِهِمْ بِوُصُولِهِمْ إلى الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيمَ كَلِمَةِ ”لِي“ تَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْراتِ حاضِرَةٌ مُهَيَّئَةٌ عِنْدَهُ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ، فَإنَّ هَذا يُفِيدُ كَوْنَها حاضِرَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: إنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَلْحُسْنى﴾ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الخامِسُ: ”لَلْحُسْنى“ يُفِيدُ الكَمالَ في الحُسْنى.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الفاسِدَةَ قالَ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ نُظْهِرُ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى ضِدِّ ما اعْتَقَدُوهُ وعَلى عَكْسِ ما تَصَوَّرُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
* * *
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى أقْوالَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ في الآفاتِ حَكى أفْعالَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، ثُمَّ إنْ مَسَّهُ الضُّرُّ والفَقْرُ أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُّعاءِ وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدِّماءِ ودَوامِهِ وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ ويُسْتَعارُ بِهِ الطُّولُ أيْضًا كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ العَظِيمَ عَلى الشَّرْطِ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ عَنِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الذِّلَّةَ والخُضُوعَ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى التَّبَدُّلِ، فَإنْ وجَدَ لِنَفْسِهِ قُوَّةً بالَغَ في التَّكَبُّرِ والتَّعَظُّمِ، وإنْ أحَسَّ بِالفُتُورِ والضَّعْفِ بالَغَ في إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ كَلامًا آخَرَ يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ لا يُبالِغُوا في إظْهارِ النُّفْرَةِ مِن قَبُولِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُفْرِطُوا في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّكم كُلَّما سَمِعْتُمْ هَذا القُرْآنَ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وما تَأمَّلْتُمْ فِيهِ وبالَغْتُمْ في النُّفْرَةِ عَنْهُ حَتّى قُلْتُمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِكَوْنِ القُرْآنِ باطِلًا عِلْمًا بَدِيهِيًّا، ولَيْسَ العِلْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا، فَقَبْلَ الدَّلِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا وأنْ يَكُونَ فاسِدًا، بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا كانَ إصْرارُكم عَلى دَفْعِهِ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ، فَهَذا الطَّرِيقُ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الثَّغْرَةَ، وأنْ تَرْجِعُوا إلى النَّظْرَةِ والِاسْتِدْلالِ، فَإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ دَلَّ عَلى فَسادِهِ تَرَكْتُمُوهُ، فَأمّا قَبْلَ الدَّلِيلِ فالإصْرارُ عَلى الدَّفْعِ والإعْراضِ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مِنكم بَيانًا بِحالِهِمْ وصِفاتِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأجابَ عَنْ شُبَهاتِ المُشْرِكِينَ وتَمْوِيهاتِ الضّالِّينَ قالَ
صفحة ١٢٠
: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآفاقِ أُفُقٌ وهو النّاحِيَةُ مِن نَواحِي الأرْضِ، وكَذَلِكَ آفاقُ السَّماءِ ونَواحِيها وأطْرافُها، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ الآياتُ الفَلَكِيَّةُ والكَوْكَبِيَّةُ وآياتُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآياتُ الأضْواءِ والإضْلالِ والظُّلُماتِ وآياتُ عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وآياتُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنها في القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ المُرادُ مِنها الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِن كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَعْنِي نُرِيهِمْ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ تَزُولَ الشُّبُهاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَحْصُلَ فِيها الجَزْمُ والقَطْعُ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ المُنَزَّهِ عَنِ المِثْلِ والضِّدِّ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أطْلَعَهم عَلى تِلْكَ الآياتِ إلى الآنِ وسَيُطْلِعُهم عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ.
والآياتُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ قَدْ كانَ اللَّهُ أطْلَعَهم عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا لا نِهايَةَ لَها، فَهو تَعالى يُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ العَجائِبِ زَمانًا فَزَمانًا، ومِثالُهُ كُلُّ أحَدٍ رَأى بِعَيْنِهِ بِنْيَةَ الإنْسانِ وشاهَدَها، إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أبْدَعَها اللَّهُ في تَرْكِيبِ هَذا البَدَنِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، والَّذِي وقَفَ عَلى شَيْءٍ مِنها فَكُلَّما ازْدادَ وُقُوفًا عَلى تِلْكَ العَجائِبِ والغَرائِبِ فَصَحَّ بِهَذا الطَّرِيقِ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ فَتْحُ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وبِآياتِ أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأجْلِ أنْ قَوْلَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَلِيقُ بِهَذا الوَجْهِ ولا يَلِيقُ بِالأوَّلِ، إلّا أنّا أجَبْنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لائِقٌ بِالوَجْهِ الأوَّلِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنْ قِيلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعِيدٌ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَوْلى عَلى بَعْضِ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلى مَكَّةَ إلّا أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى بَعْضِ البِلادِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُسْتَوْلِي مُحِقًّا، فَإنّا نَرى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى بِلادِ الإسْلامِ وعَلى مُلُوكِهِمْ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: إنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.
ثُمَّ نَقُولُ: إنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنّا لا نَسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى تِلْكَ البِلادِ عَلى كَوْنِهِ مُحِقًّا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، بَلْ نَسْتَدِلُّ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْ مَكَّةَ أنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْها ويَقْهَرُ أهْلَها ويَصِيرُ أصْحابُهُ قاهِرِينَ لِلْأعْداءِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبَرُهُ مُطابِقًا لِخَبَرِهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ هَذا الِاسْتِيلاءِ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ حَقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ: ﴿يَكْفِ﴾ و﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى الأشْياءِ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ عَلَيْها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمَعْنى ألَمْ تَكْفِهِمْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي أُوْضَحَها اللَّهُ تَعالى وقَرَّرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ في شَكٍّ عَظِيمِ وشُبْهَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقُرِئَ (في مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها فَيَعْلَمُ بَواطِنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وظَواهِرَهم، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى فِعْلِهِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عُلُومُهُ مُتَناهِيَةً، قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُتَناهِيًا، لا كَوْنَ مَجْمُوعِها مُتَناهِيًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
فصلت 41:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ يَصِلُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَأنَّ سائِلًا قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقالَ تَعالى إنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ أيْ: لا يَعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ بِعَيْنِهِ إلّا اللَّهُ، وكَما أنَّ هَذا العِلْمَ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ مِثالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أكْمامُهُ أوْعِيَتُها وهي ما كانَتْ فِيهِ الثَّمَرَةُ، واحِدُها كُمٌّ وكُمَّةٌ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مِن ثَمَراتٍ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ: مِن ثَمَرَةٍ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنَجِّمِينَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طالِعِ سَنَةِ العالَمِ أحْوالًا كَثِيرَةً مِن أحْوالِ العالَمِ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طَوالِعِ النّاسِ أشْياءَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَهُنا شَيْءٌ آخَرُ يُسَمّى عِلْمَ الرَّمْلِ، وهو كَثِيرُ الإصابَةِ.
وأيْضًا عِلْمُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلى أحْوالِ المُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ المُشاهَدَةِ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ هَذِهِ العُلُومِ لا يُمْكِنُهُمُ القَطْعُ والجَزْمُ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، وإنَّما الغايَةُ القُصْوى ادِّعاءُ ظَنٍّ ضَعِيفٍ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِلْمَها لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والعِلْمُ هو الجَزْمُ واليَقِينُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَتِ المُنافاةُ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ أرْدَفَهُ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَدِيدُ التَّعَلُّقِ أيْضًا
صفحة ١١٨
بِما وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شِدَّةَ نُفُورِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إنَّما حَصَلَتْ مِن أجْلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وإلى البَراءَةِ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فَذَكَرَ في خاتِمَةِ السُّورَةِ وعِيدَ القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِكم واعْتِقادِكم قالُوا ”آذَنّاكَ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْمَعْناكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بِمَعْنى سَمِعَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْلَمْناكَ وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ عِلْمًا واجِبًا، فالإعْلامُ في حَقِّهِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فالمَقْصُودُ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَرَّءُونَ مِن إثْباتِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما مَنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم؛ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهم لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَّوْبِيخِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ كَلامُ الأصْنامِ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِيها، ثُمَّ إنَّها تَقُولُ ما مَنّا مِن أحَدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَّرِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمَعْنى أنَّها لا تَنْفَعُهم فَكَأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ ظَنُّوا أوَّلًا ثُمَّ أيْقَنُوا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ والعَذابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم ظَنُّوا أوَّلًا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، ثُمَّ أيْقَنُوا ذَلِكَ بَعْدَهُ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقابَهم دائِمٌ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ لِلَّهِ في الدُّنْيا تَبَرَّءُوا عَنْ تِلْكَ الشُّرَكاءِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مُتَبَدِّلُ الأحْوالِ مُتَغَيِّرُ المَنهَجِ، فَإنْ أحَسَّ بِخَيْرٍ وقُدْرَةٍ انْتَفَخَ وتَعَظَّمَ وإنْ أحَسَّ بِبَلاءٍ ومِحْنَةٍ ذَبُلَ.
كَما قِيلَ في المَثَلِ: إنَّ هَذا كالقِرِلّى، إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى، فَقالَ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن طَرِيقِ بِناءِ فَعُولٍ. والثّانِي: مِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ واليَأْسِ مِن صِفَةِ القَلْبِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ آثارٌ لِيَأْسٍ في الوَجْهِ والأحْوالِ الظّاهِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي صارَ آيِسًا قانِطًا لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ والدَّوْلَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ يَأْتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى:
فَأوَّلَها أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: هَذا لِي، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا حَقِّي وصَلَ إلَيَّ، لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما حَصَلَ عِنْدِي مِن أنْواعِ الفَضائِلِ وأعْمالِ البِرِّ والقُرْبَةِ مِنَ اللَّهِ ولا يَعْلَمُ المِسْكِينُ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عارِيًا عَنِ الفَضائِلِ، فَهَذا الكَلامُ ظاهِرُ الفَسادِ وإنْ كانَ مَوْصُوفًا بِشَيْءٍ مِنَ الفَضائِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، فَهي بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وإذْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِشَيْءٍ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ العَطِيَّةِ سَبَبًا لِأنْ يَسْتَحِقَّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا آخَرَ، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ قَوْلِهِ، إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْراتُ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِي، والوَجْهُ
صفحة ١١٩
الثّانِي: أنَّ هَذا لِي أيْ لا يَزُولُ عَنِّي ويَبْقى عَلَيَّ وعَلى أوْلادِي وذُرِّيَّتِي.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا عَظِيمَ النُّفْرَةِ عَنِ الآخِرَةِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا يَقُولُ: إنَّها لِي وإذا آلَ الأمْرُ إلى الآخِرَةِ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ .
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي أنَّ الغالِبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ باطِلٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَدُلُّ عَلى جَزْمِهِمْ بِوُصُولِهِمْ إلى الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيمَ كَلِمَةِ ”لِي“ تَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْراتِ حاضِرَةٌ مُهَيَّئَةٌ عِنْدَهُ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ، فَإنَّ هَذا يُفِيدُ كَوْنَها حاضِرَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: إنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَلْحُسْنى﴾ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الخامِسُ: ”لَلْحُسْنى“ يُفِيدُ الكَمالَ في الحُسْنى.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الفاسِدَةَ قالَ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ نُظْهِرُ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى ضِدِّ ما اعْتَقَدُوهُ وعَلى عَكْسِ ما تَصَوَّرُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
* * *
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى أقْوالَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ في الآفاتِ حَكى أفْعالَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، ثُمَّ إنْ مَسَّهُ الضُّرُّ والفَقْرُ أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُّعاءِ وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدِّماءِ ودَوامِهِ وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ ويُسْتَعارُ بِهِ الطُّولُ أيْضًا كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ العَظِيمَ عَلى الشَّرْطِ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ عَنِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الذِّلَّةَ والخُضُوعَ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى التَّبَدُّلِ، فَإنْ وجَدَ لِنَفْسِهِ قُوَّةً بالَغَ في التَّكَبُّرِ والتَّعَظُّمِ، وإنْ أحَسَّ بِالفُتُورِ والضَّعْفِ بالَغَ في إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ كَلامًا آخَرَ يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ لا يُبالِغُوا في إظْهارِ النُّفْرَةِ مِن قَبُولِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُفْرِطُوا في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّكم كُلَّما سَمِعْتُمْ هَذا القُرْآنَ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وما تَأمَّلْتُمْ فِيهِ وبالَغْتُمْ في النُّفْرَةِ عَنْهُ حَتّى قُلْتُمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِكَوْنِ القُرْآنِ باطِلًا عِلْمًا بَدِيهِيًّا، ولَيْسَ العِلْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا، فَقَبْلَ الدَّلِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا وأنْ يَكُونَ فاسِدًا، بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا كانَ إصْرارُكم عَلى دَفْعِهِ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ، فَهَذا الطَّرِيقُ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الثَّغْرَةَ، وأنْ تَرْجِعُوا إلى النَّظْرَةِ والِاسْتِدْلالِ، فَإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ دَلَّ عَلى فَسادِهِ تَرَكْتُمُوهُ، فَأمّا قَبْلَ الدَّلِيلِ فالإصْرارُ عَلى الدَّفْعِ والإعْراضِ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مِنكم بَيانًا بِحالِهِمْ وصِفاتِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأجابَ عَنْ شُبَهاتِ المُشْرِكِينَ وتَمْوِيهاتِ الضّالِّينَ قالَ
صفحة ١٢٠
: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآفاقِ أُفُقٌ وهو النّاحِيَةُ مِن نَواحِي الأرْضِ، وكَذَلِكَ آفاقُ السَّماءِ ونَواحِيها وأطْرافُها، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ الآياتُ الفَلَكِيَّةُ والكَوْكَبِيَّةُ وآياتُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآياتُ الأضْواءِ والإضْلالِ والظُّلُماتِ وآياتُ عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وآياتُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنها في القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ المُرادُ مِنها الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِن كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَعْنِي نُرِيهِمْ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ تَزُولَ الشُّبُهاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَحْصُلَ فِيها الجَزْمُ والقَطْعُ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ المُنَزَّهِ عَنِ المِثْلِ والضِّدِّ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أطْلَعَهم عَلى تِلْكَ الآياتِ إلى الآنِ وسَيُطْلِعُهم عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ.
والآياتُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ قَدْ كانَ اللَّهُ أطْلَعَهم عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا لا نِهايَةَ لَها، فَهو تَعالى يُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ العَجائِبِ زَمانًا فَزَمانًا، ومِثالُهُ كُلُّ أحَدٍ رَأى بِعَيْنِهِ بِنْيَةَ الإنْسانِ وشاهَدَها، إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أبْدَعَها اللَّهُ في تَرْكِيبِ هَذا البَدَنِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، والَّذِي وقَفَ عَلى شَيْءٍ مِنها فَكُلَّما ازْدادَ وُقُوفًا عَلى تِلْكَ العَجائِبِ والغَرائِبِ فَصَحَّ بِهَذا الطَّرِيقِ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ فَتْحُ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وبِآياتِ أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأجْلِ أنْ قَوْلَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَلِيقُ بِهَذا الوَجْهِ ولا يَلِيقُ بِالأوَّلِ، إلّا أنّا أجَبْنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لائِقٌ بِالوَجْهِ الأوَّلِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنْ قِيلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعِيدٌ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَوْلى عَلى بَعْضِ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلى مَكَّةَ إلّا أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى بَعْضِ البِلادِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُسْتَوْلِي مُحِقًّا، فَإنّا نَرى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى بِلادِ الإسْلامِ وعَلى مُلُوكِهِمْ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: إنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.
ثُمَّ نَقُولُ: إنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنّا لا نَسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى تِلْكَ البِلادِ عَلى كَوْنِهِ مُحِقًّا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، بَلْ نَسْتَدِلُّ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْ مَكَّةَ أنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْها ويَقْهَرُ أهْلَها ويَصِيرُ أصْحابُهُ قاهِرِينَ لِلْأعْداءِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبَرُهُ مُطابِقًا لِخَبَرِهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ هَذا الِاسْتِيلاءِ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ حَقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ: ﴿يَكْفِ﴾ و﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى الأشْياءِ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ عَلَيْها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمَعْنى ألَمْ تَكْفِهِمْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي أُوْضَحَها اللَّهُ تَعالى وقَرَّرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ في شَكٍّ عَظِيمِ وشُبْهَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقُرِئَ (في مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها فَيَعْلَمُ بَواطِنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وظَواهِرَهم، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى فِعْلِهِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عُلُومُهُ مُتَناهِيَةً، قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُتَناهِيًا، لا كَوْنَ مَجْمُوعِها مُتَناهِيًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
فصلت 41:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ يَصِلُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَأنَّ سائِلًا قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقالَ تَعالى إنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ أيْ: لا يَعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ بِعَيْنِهِ إلّا اللَّهُ، وكَما أنَّ هَذا العِلْمَ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ مِثالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أكْمامُهُ أوْعِيَتُها وهي ما كانَتْ فِيهِ الثَّمَرَةُ، واحِدُها كُمٌّ وكُمَّةٌ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مِن ثَمَراتٍ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ: مِن ثَمَرَةٍ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنَجِّمِينَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طالِعِ سَنَةِ العالَمِ أحْوالًا كَثِيرَةً مِن أحْوالِ العالَمِ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طَوالِعِ النّاسِ أشْياءَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَهُنا شَيْءٌ آخَرُ يُسَمّى عِلْمَ الرَّمْلِ، وهو كَثِيرُ الإصابَةِ.
وأيْضًا عِلْمُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلى أحْوالِ المُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ المُشاهَدَةِ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ هَذِهِ العُلُومِ لا يُمْكِنُهُمُ القَطْعُ والجَزْمُ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، وإنَّما الغايَةُ القُصْوى ادِّعاءُ ظَنٍّ ضَعِيفٍ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِلْمَها لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والعِلْمُ هو الجَزْمُ واليَقِينُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَتِ المُنافاةُ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ أرْدَفَهُ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَدِيدُ التَّعَلُّقِ أيْضًا
صفحة ١١٨
بِما وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شِدَّةَ نُفُورِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إنَّما حَصَلَتْ مِن أجْلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وإلى البَراءَةِ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فَذَكَرَ في خاتِمَةِ السُّورَةِ وعِيدَ القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِكم واعْتِقادِكم قالُوا ”آذَنّاكَ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْمَعْناكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بِمَعْنى سَمِعَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْلَمْناكَ وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ عِلْمًا واجِبًا، فالإعْلامُ في حَقِّهِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فالمَقْصُودُ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَرَّءُونَ مِن إثْباتِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما مَنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم؛ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهم لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَّوْبِيخِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ كَلامُ الأصْنامِ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِيها، ثُمَّ إنَّها تَقُولُ ما مَنّا مِن أحَدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَّرِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمَعْنى أنَّها لا تَنْفَعُهم فَكَأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ ظَنُّوا أوَّلًا ثُمَّ أيْقَنُوا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ والعَذابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم ظَنُّوا أوَّلًا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، ثُمَّ أيْقَنُوا ذَلِكَ بَعْدَهُ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقابَهم دائِمٌ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ لِلَّهِ في الدُّنْيا تَبَرَّءُوا عَنْ تِلْكَ الشُّرَكاءِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مُتَبَدِّلُ الأحْوالِ مُتَغَيِّرُ المَنهَجِ، فَإنْ أحَسَّ بِخَيْرٍ وقُدْرَةٍ انْتَفَخَ وتَعَظَّمَ وإنْ أحَسَّ بِبَلاءٍ ومِحْنَةٍ ذَبُلَ.
كَما قِيلَ في المَثَلِ: إنَّ هَذا كالقِرِلّى، إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى، فَقالَ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن طَرِيقِ بِناءِ فَعُولٍ. والثّانِي: مِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ واليَأْسِ مِن صِفَةِ القَلْبِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ آثارٌ لِيَأْسٍ في الوَجْهِ والأحْوالِ الظّاهِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي صارَ آيِسًا قانِطًا لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ والدَّوْلَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ يَأْتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى:
فَأوَّلَها أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: هَذا لِي، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا حَقِّي وصَلَ إلَيَّ، لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما حَصَلَ عِنْدِي مِن أنْواعِ الفَضائِلِ وأعْمالِ البِرِّ والقُرْبَةِ مِنَ اللَّهِ ولا يَعْلَمُ المِسْكِينُ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عارِيًا عَنِ الفَضائِلِ، فَهَذا الكَلامُ ظاهِرُ الفَسادِ وإنْ كانَ مَوْصُوفًا بِشَيْءٍ مِنَ الفَضائِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، فَهي بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وإذْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِشَيْءٍ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ العَطِيَّةِ سَبَبًا لِأنْ يَسْتَحِقَّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا آخَرَ، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ قَوْلِهِ، إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْراتُ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِي، والوَجْهُ
صفحة ١١٩
الثّانِي: أنَّ هَذا لِي أيْ لا يَزُولُ عَنِّي ويَبْقى عَلَيَّ وعَلى أوْلادِي وذُرِّيَّتِي.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا عَظِيمَ النُّفْرَةِ عَنِ الآخِرَةِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا يَقُولُ: إنَّها لِي وإذا آلَ الأمْرُ إلى الآخِرَةِ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ .
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي أنَّ الغالِبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ باطِلٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَدُلُّ عَلى جَزْمِهِمْ بِوُصُولِهِمْ إلى الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيمَ كَلِمَةِ ”لِي“ تَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْراتِ حاضِرَةٌ مُهَيَّئَةٌ عِنْدَهُ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ، فَإنَّ هَذا يُفِيدُ كَوْنَها حاضِرَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: إنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَلْحُسْنى﴾ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الخامِسُ: ”لَلْحُسْنى“ يُفِيدُ الكَمالَ في الحُسْنى.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الفاسِدَةَ قالَ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ نُظْهِرُ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى ضِدِّ ما اعْتَقَدُوهُ وعَلى عَكْسِ ما تَصَوَّرُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
* * *
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى أقْوالَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ في الآفاتِ حَكى أفْعالَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، ثُمَّ إنْ مَسَّهُ الضُّرُّ والفَقْرُ أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُّعاءِ وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدِّماءِ ودَوامِهِ وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ ويُسْتَعارُ بِهِ الطُّولُ أيْضًا كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ العَظِيمَ عَلى الشَّرْطِ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ عَنِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الذِّلَّةَ والخُضُوعَ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى التَّبَدُّلِ، فَإنْ وجَدَ لِنَفْسِهِ قُوَّةً بالَغَ في التَّكَبُّرِ والتَّعَظُّمِ، وإنْ أحَسَّ بِالفُتُورِ والضَّعْفِ بالَغَ في إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ كَلامًا آخَرَ يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ لا يُبالِغُوا في إظْهارِ النُّفْرَةِ مِن قَبُولِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُفْرِطُوا في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّكم كُلَّما سَمِعْتُمْ هَذا القُرْآنَ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وما تَأمَّلْتُمْ فِيهِ وبالَغْتُمْ في النُّفْرَةِ عَنْهُ حَتّى قُلْتُمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِكَوْنِ القُرْآنِ باطِلًا عِلْمًا بَدِيهِيًّا، ولَيْسَ العِلْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا، فَقَبْلَ الدَّلِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا وأنْ يَكُونَ فاسِدًا، بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا كانَ إصْرارُكم عَلى دَفْعِهِ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ، فَهَذا الطَّرِيقُ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الثَّغْرَةَ، وأنْ تَرْجِعُوا إلى النَّظْرَةِ والِاسْتِدْلالِ، فَإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ دَلَّ عَلى فَسادِهِ تَرَكْتُمُوهُ، فَأمّا قَبْلَ الدَّلِيلِ فالإصْرارُ عَلى الدَّفْعِ والإعْراضِ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مِنكم بَيانًا بِحالِهِمْ وصِفاتِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأجابَ عَنْ شُبَهاتِ المُشْرِكِينَ وتَمْوِيهاتِ الضّالِّينَ قالَ
صفحة ١٢٠
: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآفاقِ أُفُقٌ وهو النّاحِيَةُ مِن نَواحِي الأرْضِ، وكَذَلِكَ آفاقُ السَّماءِ ونَواحِيها وأطْرافُها، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ الآياتُ الفَلَكِيَّةُ والكَوْكَبِيَّةُ وآياتُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآياتُ الأضْواءِ والإضْلالِ والظُّلُماتِ وآياتُ عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وآياتُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنها في القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ المُرادُ مِنها الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِن كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَعْنِي نُرِيهِمْ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ تَزُولَ الشُّبُهاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَحْصُلَ فِيها الجَزْمُ والقَطْعُ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ المُنَزَّهِ عَنِ المِثْلِ والضِّدِّ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أطْلَعَهم عَلى تِلْكَ الآياتِ إلى الآنِ وسَيُطْلِعُهم عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ.
والآياتُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ قَدْ كانَ اللَّهُ أطْلَعَهم عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا لا نِهايَةَ لَها، فَهو تَعالى يُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ العَجائِبِ زَمانًا فَزَمانًا، ومِثالُهُ كُلُّ أحَدٍ رَأى بِعَيْنِهِ بِنْيَةَ الإنْسانِ وشاهَدَها، إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أبْدَعَها اللَّهُ في تَرْكِيبِ هَذا البَدَنِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، والَّذِي وقَفَ عَلى شَيْءٍ مِنها فَكُلَّما ازْدادَ وُقُوفًا عَلى تِلْكَ العَجائِبِ والغَرائِبِ فَصَحَّ بِهَذا الطَّرِيقِ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ فَتْحُ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وبِآياتِ أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأجْلِ أنْ قَوْلَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَلِيقُ بِهَذا الوَجْهِ ولا يَلِيقُ بِالأوَّلِ، إلّا أنّا أجَبْنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لائِقٌ بِالوَجْهِ الأوَّلِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنْ قِيلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعِيدٌ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَوْلى عَلى بَعْضِ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلى مَكَّةَ إلّا أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى بَعْضِ البِلادِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُسْتَوْلِي مُحِقًّا، فَإنّا نَرى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى بِلادِ الإسْلامِ وعَلى مُلُوكِهِمْ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: إنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.
ثُمَّ نَقُولُ: إنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنّا لا نَسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى تِلْكَ البِلادِ عَلى كَوْنِهِ مُحِقًّا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، بَلْ نَسْتَدِلُّ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْ مَكَّةَ أنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْها ويَقْهَرُ أهْلَها ويَصِيرُ أصْحابُهُ قاهِرِينَ لِلْأعْداءِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبَرُهُ مُطابِقًا لِخَبَرِهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ هَذا الِاسْتِيلاءِ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ حَقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ: ﴿يَكْفِ﴾ و﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى الأشْياءِ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ عَلَيْها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمَعْنى ألَمْ تَكْفِهِمْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي أُوْضَحَها اللَّهُ تَعالى وقَرَّرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ في شَكٍّ عَظِيمِ وشُبْهَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقُرِئَ (في مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها فَيَعْلَمُ بَواطِنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وظَواهِرَهم، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى فِعْلِهِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عُلُومُهُ مُتَناهِيَةً، قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُتَناهِيًا، لا كَوْنَ مَجْمُوعِها مُتَناهِيًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
فصلت 41:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ يَصِلُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَأنَّ سائِلًا قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقالَ تَعالى إنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ أيْ: لا يَعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ بِعَيْنِهِ إلّا اللَّهُ، وكَما أنَّ هَذا العِلْمَ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ مِثالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أكْمامُهُ أوْعِيَتُها وهي ما كانَتْ فِيهِ الثَّمَرَةُ، واحِدُها كُمٌّ وكُمَّةٌ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مِن ثَمَراتٍ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ: مِن ثَمَرَةٍ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنَجِّمِينَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طالِعِ سَنَةِ العالَمِ أحْوالًا كَثِيرَةً مِن أحْوالِ العالَمِ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طَوالِعِ النّاسِ أشْياءَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَهُنا شَيْءٌ آخَرُ يُسَمّى عِلْمَ الرَّمْلِ، وهو كَثِيرُ الإصابَةِ.
وأيْضًا عِلْمُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلى أحْوالِ المُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ المُشاهَدَةِ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ هَذِهِ العُلُومِ لا يُمْكِنُهُمُ القَطْعُ والجَزْمُ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، وإنَّما الغايَةُ القُصْوى ادِّعاءُ ظَنٍّ ضَعِيفٍ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِلْمَها لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والعِلْمُ هو الجَزْمُ واليَقِينُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَتِ المُنافاةُ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ أرْدَفَهُ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَدِيدُ التَّعَلُّقِ أيْضًا
صفحة ١١٨
بِما وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شِدَّةَ نُفُورِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إنَّما حَصَلَتْ مِن أجْلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وإلى البَراءَةِ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فَذَكَرَ في خاتِمَةِ السُّورَةِ وعِيدَ القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِكم واعْتِقادِكم قالُوا ”آذَنّاكَ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْمَعْناكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بِمَعْنى سَمِعَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْلَمْناكَ وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ عِلْمًا واجِبًا، فالإعْلامُ في حَقِّهِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فالمَقْصُودُ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَرَّءُونَ مِن إثْباتِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما مَنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم؛ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهم لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَّوْبِيخِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ كَلامُ الأصْنامِ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِيها، ثُمَّ إنَّها تَقُولُ ما مَنّا مِن أحَدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَّرِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمَعْنى أنَّها لا تَنْفَعُهم فَكَأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ ظَنُّوا أوَّلًا ثُمَّ أيْقَنُوا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ والعَذابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم ظَنُّوا أوَّلًا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، ثُمَّ أيْقَنُوا ذَلِكَ بَعْدَهُ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقابَهم دائِمٌ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ لِلَّهِ في الدُّنْيا تَبَرَّءُوا عَنْ تِلْكَ الشُّرَكاءِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مُتَبَدِّلُ الأحْوالِ مُتَغَيِّرُ المَنهَجِ، فَإنْ أحَسَّ بِخَيْرٍ وقُدْرَةٍ انْتَفَخَ وتَعَظَّمَ وإنْ أحَسَّ بِبَلاءٍ ومِحْنَةٍ ذَبُلَ.
كَما قِيلَ في المَثَلِ: إنَّ هَذا كالقِرِلّى، إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى، فَقالَ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن طَرِيقِ بِناءِ فَعُولٍ. والثّانِي: مِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ واليَأْسِ مِن صِفَةِ القَلْبِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ آثارٌ لِيَأْسٍ في الوَجْهِ والأحْوالِ الظّاهِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي صارَ آيِسًا قانِطًا لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ والدَّوْلَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ يَأْتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى:
فَأوَّلَها أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: هَذا لِي، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا حَقِّي وصَلَ إلَيَّ، لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما حَصَلَ عِنْدِي مِن أنْواعِ الفَضائِلِ وأعْمالِ البِرِّ والقُرْبَةِ مِنَ اللَّهِ ولا يَعْلَمُ المِسْكِينُ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عارِيًا عَنِ الفَضائِلِ، فَهَذا الكَلامُ ظاهِرُ الفَسادِ وإنْ كانَ مَوْصُوفًا بِشَيْءٍ مِنَ الفَضائِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، فَهي بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وإذْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِشَيْءٍ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ العَطِيَّةِ سَبَبًا لِأنْ يَسْتَحِقَّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا آخَرَ، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ قَوْلِهِ، إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْراتُ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِي، والوَجْهُ
صفحة ١١٩
الثّانِي: أنَّ هَذا لِي أيْ لا يَزُولُ عَنِّي ويَبْقى عَلَيَّ وعَلى أوْلادِي وذُرِّيَّتِي.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا عَظِيمَ النُّفْرَةِ عَنِ الآخِرَةِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا يَقُولُ: إنَّها لِي وإذا آلَ الأمْرُ إلى الآخِرَةِ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ .
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي أنَّ الغالِبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ باطِلٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَدُلُّ عَلى جَزْمِهِمْ بِوُصُولِهِمْ إلى الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيمَ كَلِمَةِ ”لِي“ تَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْراتِ حاضِرَةٌ مُهَيَّئَةٌ عِنْدَهُ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ، فَإنَّ هَذا يُفِيدُ كَوْنَها حاضِرَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: إنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَلْحُسْنى﴾ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الخامِسُ: ”لَلْحُسْنى“ يُفِيدُ الكَمالَ في الحُسْنى.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الفاسِدَةَ قالَ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ نُظْهِرُ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى ضِدِّ ما اعْتَقَدُوهُ وعَلى عَكْسِ ما تَصَوَّرُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
* * *
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى أقْوالَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ في الآفاتِ حَكى أفْعالَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، ثُمَّ إنْ مَسَّهُ الضُّرُّ والفَقْرُ أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُّعاءِ وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدِّماءِ ودَوامِهِ وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ ويُسْتَعارُ بِهِ الطُّولُ أيْضًا كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ العَظِيمَ عَلى الشَّرْطِ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ عَنِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الذِّلَّةَ والخُضُوعَ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى التَّبَدُّلِ، فَإنْ وجَدَ لِنَفْسِهِ قُوَّةً بالَغَ في التَّكَبُّرِ والتَّعَظُّمِ، وإنْ أحَسَّ بِالفُتُورِ والضَّعْفِ بالَغَ في إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ كَلامًا آخَرَ يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ لا يُبالِغُوا في إظْهارِ النُّفْرَةِ مِن قَبُولِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُفْرِطُوا في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّكم كُلَّما سَمِعْتُمْ هَذا القُرْآنَ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وما تَأمَّلْتُمْ فِيهِ وبالَغْتُمْ في النُّفْرَةِ عَنْهُ حَتّى قُلْتُمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِكَوْنِ القُرْآنِ باطِلًا عِلْمًا بَدِيهِيًّا، ولَيْسَ العِلْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا، فَقَبْلَ الدَّلِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا وأنْ يَكُونَ فاسِدًا، بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا كانَ إصْرارُكم عَلى دَفْعِهِ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ، فَهَذا الطَّرِيقُ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الثَّغْرَةَ، وأنْ تَرْجِعُوا إلى النَّظْرَةِ والِاسْتِدْلالِ، فَإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ دَلَّ عَلى فَسادِهِ تَرَكْتُمُوهُ، فَأمّا قَبْلَ الدَّلِيلِ فالإصْرارُ عَلى الدَّفْعِ والإعْراضِ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مِنكم بَيانًا بِحالِهِمْ وصِفاتِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأجابَ عَنْ شُبَهاتِ المُشْرِكِينَ وتَمْوِيهاتِ الضّالِّينَ قالَ
صفحة ١٢٠
: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآفاقِ أُفُقٌ وهو النّاحِيَةُ مِن نَواحِي الأرْضِ، وكَذَلِكَ آفاقُ السَّماءِ ونَواحِيها وأطْرافُها، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ الآياتُ الفَلَكِيَّةُ والكَوْكَبِيَّةُ وآياتُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآياتُ الأضْواءِ والإضْلالِ والظُّلُماتِ وآياتُ عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وآياتُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنها في القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ المُرادُ مِنها الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِن كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَعْنِي نُرِيهِمْ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ تَزُولَ الشُّبُهاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَحْصُلَ فِيها الجَزْمُ والقَطْعُ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ المُنَزَّهِ عَنِ المِثْلِ والضِّدِّ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أطْلَعَهم عَلى تِلْكَ الآياتِ إلى الآنِ وسَيُطْلِعُهم عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ.
والآياتُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ قَدْ كانَ اللَّهُ أطْلَعَهم عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا لا نِهايَةَ لَها، فَهو تَعالى يُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ العَجائِبِ زَمانًا فَزَمانًا، ومِثالُهُ كُلُّ أحَدٍ رَأى بِعَيْنِهِ بِنْيَةَ الإنْسانِ وشاهَدَها، إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أبْدَعَها اللَّهُ في تَرْكِيبِ هَذا البَدَنِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، والَّذِي وقَفَ عَلى شَيْءٍ مِنها فَكُلَّما ازْدادَ وُقُوفًا عَلى تِلْكَ العَجائِبِ والغَرائِبِ فَصَحَّ بِهَذا الطَّرِيقِ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ فَتْحُ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وبِآياتِ أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأجْلِ أنْ قَوْلَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَلِيقُ بِهَذا الوَجْهِ ولا يَلِيقُ بِالأوَّلِ، إلّا أنّا أجَبْنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لائِقٌ بِالوَجْهِ الأوَّلِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنْ قِيلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعِيدٌ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَوْلى عَلى بَعْضِ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلى مَكَّةَ إلّا أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى بَعْضِ البِلادِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُسْتَوْلِي مُحِقًّا، فَإنّا نَرى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى بِلادِ الإسْلامِ وعَلى مُلُوكِهِمْ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: إنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.
ثُمَّ نَقُولُ: إنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنّا لا نَسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى تِلْكَ البِلادِ عَلى كَوْنِهِ مُحِقًّا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، بَلْ نَسْتَدِلُّ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْ مَكَّةَ أنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْها ويَقْهَرُ أهْلَها ويَصِيرُ أصْحابُهُ قاهِرِينَ لِلْأعْداءِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبَرُهُ مُطابِقًا لِخَبَرِهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ هَذا الِاسْتِيلاءِ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ حَقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ: ﴿يَكْفِ﴾ و﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى الأشْياءِ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ عَلَيْها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمَعْنى ألَمْ تَكْفِهِمْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي أُوْضَحَها اللَّهُ تَعالى وقَرَّرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ في شَكٍّ عَظِيمِ وشُبْهَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقُرِئَ (في مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها فَيَعْلَمُ بَواطِنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وظَواهِرَهم، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى فِعْلِهِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عُلُومُهُ مُتَناهِيَةً، قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُتَناهِيًا، لا كَوْنَ مَجْمُوعِها مُتَناهِيًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
فصلت 41:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ يَصِلُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَأنَّ سائِلًا قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقالَ تَعالى إنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ أيْ: لا يَعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ بِعَيْنِهِ إلّا اللَّهُ، وكَما أنَّ هَذا العِلْمَ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ مِثالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أكْمامُهُ أوْعِيَتُها وهي ما كانَتْ فِيهِ الثَّمَرَةُ، واحِدُها كُمٌّ وكُمَّةٌ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مِن ثَمَراتٍ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ: مِن ثَمَرَةٍ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنَجِّمِينَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طالِعِ سَنَةِ العالَمِ أحْوالًا كَثِيرَةً مِن أحْوالِ العالَمِ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طَوالِعِ النّاسِ أشْياءَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَهُنا شَيْءٌ آخَرُ يُسَمّى عِلْمَ الرَّمْلِ، وهو كَثِيرُ الإصابَةِ.
وأيْضًا عِلْمُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلى أحْوالِ المُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ المُشاهَدَةِ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ هَذِهِ العُلُومِ لا يُمْكِنُهُمُ القَطْعُ والجَزْمُ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، وإنَّما الغايَةُ القُصْوى ادِّعاءُ ظَنٍّ ضَعِيفٍ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِلْمَها لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والعِلْمُ هو الجَزْمُ واليَقِينُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَتِ المُنافاةُ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ أرْدَفَهُ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَدِيدُ التَّعَلُّقِ أيْضًا
صفحة ١١٨
بِما وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شِدَّةَ نُفُورِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إنَّما حَصَلَتْ مِن أجْلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وإلى البَراءَةِ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فَذَكَرَ في خاتِمَةِ السُّورَةِ وعِيدَ القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِكم واعْتِقادِكم قالُوا ”آذَنّاكَ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْمَعْناكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بِمَعْنى سَمِعَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْلَمْناكَ وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ عِلْمًا واجِبًا، فالإعْلامُ في حَقِّهِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فالمَقْصُودُ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَرَّءُونَ مِن إثْباتِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما مَنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم؛ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهم لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَّوْبِيخِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ كَلامُ الأصْنامِ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِيها، ثُمَّ إنَّها تَقُولُ ما مَنّا مِن أحَدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَّرِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمَعْنى أنَّها لا تَنْفَعُهم فَكَأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ ظَنُّوا أوَّلًا ثُمَّ أيْقَنُوا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ والعَذابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم ظَنُّوا أوَّلًا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، ثُمَّ أيْقَنُوا ذَلِكَ بَعْدَهُ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقابَهم دائِمٌ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ لِلَّهِ في الدُّنْيا تَبَرَّءُوا عَنْ تِلْكَ الشُّرَكاءِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مُتَبَدِّلُ الأحْوالِ مُتَغَيِّرُ المَنهَجِ، فَإنْ أحَسَّ بِخَيْرٍ وقُدْرَةٍ انْتَفَخَ وتَعَظَّمَ وإنْ أحَسَّ بِبَلاءٍ ومِحْنَةٍ ذَبُلَ.
كَما قِيلَ في المَثَلِ: إنَّ هَذا كالقِرِلّى، إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى، فَقالَ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن طَرِيقِ بِناءِ فَعُولٍ. والثّانِي: مِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ واليَأْسِ مِن صِفَةِ القَلْبِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ آثارٌ لِيَأْسٍ في الوَجْهِ والأحْوالِ الظّاهِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي صارَ آيِسًا قانِطًا لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ والدَّوْلَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ يَأْتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى:
فَأوَّلَها أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: هَذا لِي، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا حَقِّي وصَلَ إلَيَّ، لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما حَصَلَ عِنْدِي مِن أنْواعِ الفَضائِلِ وأعْمالِ البِرِّ والقُرْبَةِ مِنَ اللَّهِ ولا يَعْلَمُ المِسْكِينُ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عارِيًا عَنِ الفَضائِلِ، فَهَذا الكَلامُ ظاهِرُ الفَسادِ وإنْ كانَ مَوْصُوفًا بِشَيْءٍ مِنَ الفَضائِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، فَهي بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وإذْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِشَيْءٍ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ العَطِيَّةِ سَبَبًا لِأنْ يَسْتَحِقَّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا آخَرَ، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ قَوْلِهِ، إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْراتُ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِي، والوَجْهُ
صفحة ١١٩
الثّانِي: أنَّ هَذا لِي أيْ لا يَزُولُ عَنِّي ويَبْقى عَلَيَّ وعَلى أوْلادِي وذُرِّيَّتِي.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا عَظِيمَ النُّفْرَةِ عَنِ الآخِرَةِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا يَقُولُ: إنَّها لِي وإذا آلَ الأمْرُ إلى الآخِرَةِ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ .
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي أنَّ الغالِبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ باطِلٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَدُلُّ عَلى جَزْمِهِمْ بِوُصُولِهِمْ إلى الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيمَ كَلِمَةِ ”لِي“ تَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْراتِ حاضِرَةٌ مُهَيَّئَةٌ عِنْدَهُ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ، فَإنَّ هَذا يُفِيدُ كَوْنَها حاضِرَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: إنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَلْحُسْنى﴾ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الخامِسُ: ”لَلْحُسْنى“ يُفِيدُ الكَمالَ في الحُسْنى.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الفاسِدَةَ قالَ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ نُظْهِرُ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى ضِدِّ ما اعْتَقَدُوهُ وعَلى عَكْسِ ما تَصَوَّرُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
* * *
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى أقْوالَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ في الآفاتِ حَكى أفْعالَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، ثُمَّ إنْ مَسَّهُ الضُّرُّ والفَقْرُ أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُّعاءِ وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدِّماءِ ودَوامِهِ وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ ويُسْتَعارُ بِهِ الطُّولُ أيْضًا كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ العَظِيمَ عَلى الشَّرْطِ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ عَنِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الذِّلَّةَ والخُضُوعَ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى التَّبَدُّلِ، فَإنْ وجَدَ لِنَفْسِهِ قُوَّةً بالَغَ في التَّكَبُّرِ والتَّعَظُّمِ، وإنْ أحَسَّ بِالفُتُورِ والضَّعْفِ بالَغَ في إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ كَلامًا آخَرَ يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ لا يُبالِغُوا في إظْهارِ النُّفْرَةِ مِن قَبُولِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُفْرِطُوا في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّكم كُلَّما سَمِعْتُمْ هَذا القُرْآنَ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وما تَأمَّلْتُمْ فِيهِ وبالَغْتُمْ في النُّفْرَةِ عَنْهُ حَتّى قُلْتُمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِكَوْنِ القُرْآنِ باطِلًا عِلْمًا بَدِيهِيًّا، ولَيْسَ العِلْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا، فَقَبْلَ الدَّلِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا وأنْ يَكُونَ فاسِدًا، بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا كانَ إصْرارُكم عَلى دَفْعِهِ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ، فَهَذا الطَّرِيقُ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الثَّغْرَةَ، وأنْ تَرْجِعُوا إلى النَّظْرَةِ والِاسْتِدْلالِ، فَإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ دَلَّ عَلى فَسادِهِ تَرَكْتُمُوهُ، فَأمّا قَبْلَ الدَّلِيلِ فالإصْرارُ عَلى الدَّفْعِ والإعْراضِ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مِنكم بَيانًا بِحالِهِمْ وصِفاتِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأجابَ عَنْ شُبَهاتِ المُشْرِكِينَ وتَمْوِيهاتِ الضّالِّينَ قالَ
صفحة ١٢٠
: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآفاقِ أُفُقٌ وهو النّاحِيَةُ مِن نَواحِي الأرْضِ، وكَذَلِكَ آفاقُ السَّماءِ ونَواحِيها وأطْرافُها، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ الآياتُ الفَلَكِيَّةُ والكَوْكَبِيَّةُ وآياتُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآياتُ الأضْواءِ والإضْلالِ والظُّلُماتِ وآياتُ عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وآياتُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنها في القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ المُرادُ مِنها الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِن كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَعْنِي نُرِيهِمْ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ تَزُولَ الشُّبُهاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَحْصُلَ فِيها الجَزْمُ والقَطْعُ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ المُنَزَّهِ عَنِ المِثْلِ والضِّدِّ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أطْلَعَهم عَلى تِلْكَ الآياتِ إلى الآنِ وسَيُطْلِعُهم عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ.
والآياتُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ قَدْ كانَ اللَّهُ أطْلَعَهم عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا لا نِهايَةَ لَها، فَهو تَعالى يُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ العَجائِبِ زَمانًا فَزَمانًا، ومِثالُهُ كُلُّ أحَدٍ رَأى بِعَيْنِهِ بِنْيَةَ الإنْسانِ وشاهَدَها، إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أبْدَعَها اللَّهُ في تَرْكِيبِ هَذا البَدَنِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، والَّذِي وقَفَ عَلى شَيْءٍ مِنها فَكُلَّما ازْدادَ وُقُوفًا عَلى تِلْكَ العَجائِبِ والغَرائِبِ فَصَحَّ بِهَذا الطَّرِيقِ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ فَتْحُ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وبِآياتِ أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأجْلِ أنْ قَوْلَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَلِيقُ بِهَذا الوَجْهِ ولا يَلِيقُ بِالأوَّلِ، إلّا أنّا أجَبْنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لائِقٌ بِالوَجْهِ الأوَّلِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنْ قِيلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعِيدٌ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَوْلى عَلى بَعْضِ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلى مَكَّةَ إلّا أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى بَعْضِ البِلادِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُسْتَوْلِي مُحِقًّا، فَإنّا نَرى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى بِلادِ الإسْلامِ وعَلى مُلُوكِهِمْ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: إنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.
ثُمَّ نَقُولُ: إنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنّا لا نَسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى تِلْكَ البِلادِ عَلى كَوْنِهِ مُحِقًّا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، بَلْ نَسْتَدِلُّ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْ مَكَّةَ أنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْها ويَقْهَرُ أهْلَها ويَصِيرُ أصْحابُهُ قاهِرِينَ لِلْأعْداءِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبَرُهُ مُطابِقًا لِخَبَرِهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ هَذا الِاسْتِيلاءِ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ حَقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ: ﴿يَكْفِ﴾ و﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى الأشْياءِ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ عَلَيْها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمَعْنى ألَمْ تَكْفِهِمْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي أُوْضَحَها اللَّهُ تَعالى وقَرَّرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ في شَكٍّ عَظِيمِ وشُبْهَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقُرِئَ (في مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها فَيَعْلَمُ بَواطِنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وظَواهِرَهم، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى فِعْلِهِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عُلُومُهُ مُتَناهِيَةً، قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُتَناهِيًا، لا كَوْنَ مَجْمُوعِها مُتَناهِيًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
فصلت 41:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ يَصِلُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَأنَّ سائِلًا قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقالَ تَعالى إنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ أيْ: لا يَعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ بِعَيْنِهِ إلّا اللَّهُ، وكَما أنَّ هَذا العِلْمَ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ مِثالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أكْمامُهُ أوْعِيَتُها وهي ما كانَتْ فِيهِ الثَّمَرَةُ، واحِدُها كُمٌّ وكُمَّةٌ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مِن ثَمَراتٍ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ: مِن ثَمَرَةٍ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنَجِّمِينَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طالِعِ سَنَةِ العالَمِ أحْوالًا كَثِيرَةً مِن أحْوالِ العالَمِ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طَوالِعِ النّاسِ أشْياءَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَهُنا شَيْءٌ آخَرُ يُسَمّى عِلْمَ الرَّمْلِ، وهو كَثِيرُ الإصابَةِ.
وأيْضًا عِلْمُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلى أحْوالِ المُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ المُشاهَدَةِ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ هَذِهِ العُلُومِ لا يُمْكِنُهُمُ القَطْعُ والجَزْمُ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، وإنَّما الغايَةُ القُصْوى ادِّعاءُ ظَنٍّ ضَعِيفٍ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِلْمَها لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والعِلْمُ هو الجَزْمُ واليَقِينُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَتِ المُنافاةُ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ أرْدَفَهُ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَدِيدُ التَّعَلُّقِ أيْضًا
صفحة ١١٨
بِما وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شِدَّةَ نُفُورِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إنَّما حَصَلَتْ مِن أجْلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وإلى البَراءَةِ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فَذَكَرَ في خاتِمَةِ السُّورَةِ وعِيدَ القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِكم واعْتِقادِكم قالُوا ”آذَنّاكَ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْمَعْناكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بِمَعْنى سَمِعَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْلَمْناكَ وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ عِلْمًا واجِبًا، فالإعْلامُ في حَقِّهِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فالمَقْصُودُ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَرَّءُونَ مِن إثْباتِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما مَنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم؛ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهم لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَّوْبِيخِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ كَلامُ الأصْنامِ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِيها، ثُمَّ إنَّها تَقُولُ ما مَنّا مِن أحَدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَّرِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمَعْنى أنَّها لا تَنْفَعُهم فَكَأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ ظَنُّوا أوَّلًا ثُمَّ أيْقَنُوا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ والعَذابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم ظَنُّوا أوَّلًا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، ثُمَّ أيْقَنُوا ذَلِكَ بَعْدَهُ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقابَهم دائِمٌ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ لِلَّهِ في الدُّنْيا تَبَرَّءُوا عَنْ تِلْكَ الشُّرَكاءِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مُتَبَدِّلُ الأحْوالِ مُتَغَيِّرُ المَنهَجِ، فَإنْ أحَسَّ بِخَيْرٍ وقُدْرَةٍ انْتَفَخَ وتَعَظَّمَ وإنْ أحَسَّ بِبَلاءٍ ومِحْنَةٍ ذَبُلَ.
كَما قِيلَ في المَثَلِ: إنَّ هَذا كالقِرِلّى، إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى، فَقالَ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن طَرِيقِ بِناءِ فَعُولٍ. والثّانِي: مِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ واليَأْسِ مِن صِفَةِ القَلْبِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ آثارٌ لِيَأْسٍ في الوَجْهِ والأحْوالِ الظّاهِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي صارَ آيِسًا قانِطًا لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ والدَّوْلَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ يَأْتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى:
فَأوَّلَها أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: هَذا لِي، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا حَقِّي وصَلَ إلَيَّ، لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما حَصَلَ عِنْدِي مِن أنْواعِ الفَضائِلِ وأعْمالِ البِرِّ والقُرْبَةِ مِنَ اللَّهِ ولا يَعْلَمُ المِسْكِينُ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عارِيًا عَنِ الفَضائِلِ، فَهَذا الكَلامُ ظاهِرُ الفَسادِ وإنْ كانَ مَوْصُوفًا بِشَيْءٍ مِنَ الفَضائِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، فَهي بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وإذْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِشَيْءٍ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ العَطِيَّةِ سَبَبًا لِأنْ يَسْتَحِقَّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا آخَرَ، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ قَوْلِهِ، إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْراتُ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِي، والوَجْهُ
صفحة ١١٩
الثّانِي: أنَّ هَذا لِي أيْ لا يَزُولُ عَنِّي ويَبْقى عَلَيَّ وعَلى أوْلادِي وذُرِّيَّتِي.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا عَظِيمَ النُّفْرَةِ عَنِ الآخِرَةِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا يَقُولُ: إنَّها لِي وإذا آلَ الأمْرُ إلى الآخِرَةِ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ .
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي أنَّ الغالِبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ باطِلٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَدُلُّ عَلى جَزْمِهِمْ بِوُصُولِهِمْ إلى الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيمَ كَلِمَةِ ”لِي“ تَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْراتِ حاضِرَةٌ مُهَيَّئَةٌ عِنْدَهُ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ، فَإنَّ هَذا يُفِيدُ كَوْنَها حاضِرَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: إنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَلْحُسْنى﴾ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الخامِسُ: ”لَلْحُسْنى“ يُفِيدُ الكَمالَ في الحُسْنى.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الفاسِدَةَ قالَ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ نُظْهِرُ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى ضِدِّ ما اعْتَقَدُوهُ وعَلى عَكْسِ ما تَصَوَّرُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
* * *
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى أقْوالَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ في الآفاتِ حَكى أفْعالَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، ثُمَّ إنْ مَسَّهُ الضُّرُّ والفَقْرُ أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُّعاءِ وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدِّماءِ ودَوامِهِ وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ ويُسْتَعارُ بِهِ الطُّولُ أيْضًا كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ العَظِيمَ عَلى الشَّرْطِ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ عَنِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الذِّلَّةَ والخُضُوعَ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى التَّبَدُّلِ، فَإنْ وجَدَ لِنَفْسِهِ قُوَّةً بالَغَ في التَّكَبُّرِ والتَّعَظُّمِ، وإنْ أحَسَّ بِالفُتُورِ والضَّعْفِ بالَغَ في إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ كَلامًا آخَرَ يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ لا يُبالِغُوا في إظْهارِ النُّفْرَةِ مِن قَبُولِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُفْرِطُوا في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّكم كُلَّما سَمِعْتُمْ هَذا القُرْآنَ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وما تَأمَّلْتُمْ فِيهِ وبالَغْتُمْ في النُّفْرَةِ عَنْهُ حَتّى قُلْتُمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِكَوْنِ القُرْآنِ باطِلًا عِلْمًا بَدِيهِيًّا، ولَيْسَ العِلْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا، فَقَبْلَ الدَّلِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا وأنْ يَكُونَ فاسِدًا، بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا كانَ إصْرارُكم عَلى دَفْعِهِ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ، فَهَذا الطَّرِيقُ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الثَّغْرَةَ، وأنْ تَرْجِعُوا إلى النَّظْرَةِ والِاسْتِدْلالِ، فَإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ دَلَّ عَلى فَسادِهِ تَرَكْتُمُوهُ، فَأمّا قَبْلَ الدَّلِيلِ فالإصْرارُ عَلى الدَّفْعِ والإعْراضِ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مِنكم بَيانًا بِحالِهِمْ وصِفاتِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأجابَ عَنْ شُبَهاتِ المُشْرِكِينَ وتَمْوِيهاتِ الضّالِّينَ قالَ
صفحة ١٢٠
: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآفاقِ أُفُقٌ وهو النّاحِيَةُ مِن نَواحِي الأرْضِ، وكَذَلِكَ آفاقُ السَّماءِ ونَواحِيها وأطْرافُها، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ الآياتُ الفَلَكِيَّةُ والكَوْكَبِيَّةُ وآياتُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآياتُ الأضْواءِ والإضْلالِ والظُّلُماتِ وآياتُ عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وآياتُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنها في القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ المُرادُ مِنها الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِن كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَعْنِي نُرِيهِمْ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ تَزُولَ الشُّبُهاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَحْصُلَ فِيها الجَزْمُ والقَطْعُ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ المُنَزَّهِ عَنِ المِثْلِ والضِّدِّ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أطْلَعَهم عَلى تِلْكَ الآياتِ إلى الآنِ وسَيُطْلِعُهم عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ.
والآياتُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ قَدْ كانَ اللَّهُ أطْلَعَهم عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا لا نِهايَةَ لَها، فَهو تَعالى يُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ العَجائِبِ زَمانًا فَزَمانًا، ومِثالُهُ كُلُّ أحَدٍ رَأى بِعَيْنِهِ بِنْيَةَ الإنْسانِ وشاهَدَها، إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أبْدَعَها اللَّهُ في تَرْكِيبِ هَذا البَدَنِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، والَّذِي وقَفَ عَلى شَيْءٍ مِنها فَكُلَّما ازْدادَ وُقُوفًا عَلى تِلْكَ العَجائِبِ والغَرائِبِ فَصَحَّ بِهَذا الطَّرِيقِ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ فَتْحُ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وبِآياتِ أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأجْلِ أنْ قَوْلَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَلِيقُ بِهَذا الوَجْهِ ولا يَلِيقُ بِالأوَّلِ، إلّا أنّا أجَبْنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لائِقٌ بِالوَجْهِ الأوَّلِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنْ قِيلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعِيدٌ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَوْلى عَلى بَعْضِ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلى مَكَّةَ إلّا أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى بَعْضِ البِلادِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُسْتَوْلِي مُحِقًّا، فَإنّا نَرى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى بِلادِ الإسْلامِ وعَلى مُلُوكِهِمْ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: إنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.
ثُمَّ نَقُولُ: إنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنّا لا نَسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى تِلْكَ البِلادِ عَلى كَوْنِهِ مُحِقًّا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، بَلْ نَسْتَدِلُّ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْ مَكَّةَ أنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْها ويَقْهَرُ أهْلَها ويَصِيرُ أصْحابُهُ قاهِرِينَ لِلْأعْداءِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبَرُهُ مُطابِقًا لِخَبَرِهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ هَذا الِاسْتِيلاءِ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ حَقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ: ﴿يَكْفِ﴾ و﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى الأشْياءِ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ عَلَيْها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمَعْنى ألَمْ تَكْفِهِمْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي أُوْضَحَها اللَّهُ تَعالى وقَرَّرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ في شَكٍّ عَظِيمِ وشُبْهَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقُرِئَ (في مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها فَيَعْلَمُ بَواطِنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وظَواهِرَهم، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى فِعْلِهِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عُلُومُهُ مُتَناهِيَةً، قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُتَناهِيًا، لا كَوْنَ مَجْمُوعِها مُتَناهِيًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
فصلت 41:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ يَصِلُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَأنَّ سائِلًا قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقالَ تَعالى إنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ أيْ: لا يَعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ بِعَيْنِهِ إلّا اللَّهُ، وكَما أنَّ هَذا العِلْمَ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ مِثالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أكْمامُهُ أوْعِيَتُها وهي ما كانَتْ فِيهِ الثَّمَرَةُ، واحِدُها كُمٌّ وكُمَّةٌ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مِن ثَمَراتٍ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ: مِن ثَمَرَةٍ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنَجِّمِينَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طالِعِ سَنَةِ العالَمِ أحْوالًا كَثِيرَةً مِن أحْوالِ العالَمِ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طَوالِعِ النّاسِ أشْياءَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَهُنا شَيْءٌ آخَرُ يُسَمّى عِلْمَ الرَّمْلِ، وهو كَثِيرُ الإصابَةِ.
وأيْضًا عِلْمُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلى أحْوالِ المُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ المُشاهَدَةِ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ هَذِهِ العُلُومِ لا يُمْكِنُهُمُ القَطْعُ والجَزْمُ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، وإنَّما الغايَةُ القُصْوى ادِّعاءُ ظَنٍّ ضَعِيفٍ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِلْمَها لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والعِلْمُ هو الجَزْمُ واليَقِينُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَتِ المُنافاةُ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ أرْدَفَهُ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَدِيدُ التَّعَلُّقِ أيْضًا
صفحة ١١٨
بِما وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شِدَّةَ نُفُورِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إنَّما حَصَلَتْ مِن أجْلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وإلى البَراءَةِ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فَذَكَرَ في خاتِمَةِ السُّورَةِ وعِيدَ القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِكم واعْتِقادِكم قالُوا ”آذَنّاكَ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْمَعْناكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بِمَعْنى سَمِعَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْلَمْناكَ وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ عِلْمًا واجِبًا، فالإعْلامُ في حَقِّهِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فالمَقْصُودُ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَرَّءُونَ مِن إثْباتِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما مَنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم؛ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهم لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَّوْبِيخِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ كَلامُ الأصْنامِ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِيها، ثُمَّ إنَّها تَقُولُ ما مَنّا مِن أحَدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَّرِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمَعْنى أنَّها لا تَنْفَعُهم فَكَأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ ظَنُّوا أوَّلًا ثُمَّ أيْقَنُوا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ والعَذابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم ظَنُّوا أوَّلًا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، ثُمَّ أيْقَنُوا ذَلِكَ بَعْدَهُ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقابَهم دائِمٌ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ لِلَّهِ في الدُّنْيا تَبَرَّءُوا عَنْ تِلْكَ الشُّرَكاءِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مُتَبَدِّلُ الأحْوالِ مُتَغَيِّرُ المَنهَجِ، فَإنْ أحَسَّ بِخَيْرٍ وقُدْرَةٍ انْتَفَخَ وتَعَظَّمَ وإنْ أحَسَّ بِبَلاءٍ ومِحْنَةٍ ذَبُلَ.
كَما قِيلَ في المَثَلِ: إنَّ هَذا كالقِرِلّى، إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى، فَقالَ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن طَرِيقِ بِناءِ فَعُولٍ. والثّانِي: مِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ واليَأْسِ مِن صِفَةِ القَلْبِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ آثارٌ لِيَأْسٍ في الوَجْهِ والأحْوالِ الظّاهِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي صارَ آيِسًا قانِطًا لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ والدَّوْلَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ يَأْتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى:
فَأوَّلَها أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: هَذا لِي، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا حَقِّي وصَلَ إلَيَّ، لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما حَصَلَ عِنْدِي مِن أنْواعِ الفَضائِلِ وأعْمالِ البِرِّ والقُرْبَةِ مِنَ اللَّهِ ولا يَعْلَمُ المِسْكِينُ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عارِيًا عَنِ الفَضائِلِ، فَهَذا الكَلامُ ظاهِرُ الفَسادِ وإنْ كانَ مَوْصُوفًا بِشَيْءٍ مِنَ الفَضائِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، فَهي بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وإذْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِشَيْءٍ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ العَطِيَّةِ سَبَبًا لِأنْ يَسْتَحِقَّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا آخَرَ، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ قَوْلِهِ، إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْراتُ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِي، والوَجْهُ
صفحة ١١٩
الثّانِي: أنَّ هَذا لِي أيْ لا يَزُولُ عَنِّي ويَبْقى عَلَيَّ وعَلى أوْلادِي وذُرِّيَّتِي.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا عَظِيمَ النُّفْرَةِ عَنِ الآخِرَةِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا يَقُولُ: إنَّها لِي وإذا آلَ الأمْرُ إلى الآخِرَةِ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ .
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي أنَّ الغالِبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ باطِلٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَدُلُّ عَلى جَزْمِهِمْ بِوُصُولِهِمْ إلى الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيمَ كَلِمَةِ ”لِي“ تَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْراتِ حاضِرَةٌ مُهَيَّئَةٌ عِنْدَهُ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ، فَإنَّ هَذا يُفِيدُ كَوْنَها حاضِرَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: إنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَلْحُسْنى﴾ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الخامِسُ: ”لَلْحُسْنى“ يُفِيدُ الكَمالَ في الحُسْنى.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الفاسِدَةَ قالَ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ نُظْهِرُ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى ضِدِّ ما اعْتَقَدُوهُ وعَلى عَكْسِ ما تَصَوَّرُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
* * *
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى أقْوالَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ في الآفاتِ حَكى أفْعالَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، ثُمَّ إنْ مَسَّهُ الضُّرُّ والفَقْرُ أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُّعاءِ وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدِّماءِ ودَوامِهِ وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ ويُسْتَعارُ بِهِ الطُّولُ أيْضًا كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ العَظِيمَ عَلى الشَّرْطِ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ عَنِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الذِّلَّةَ والخُضُوعَ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى التَّبَدُّلِ، فَإنْ وجَدَ لِنَفْسِهِ قُوَّةً بالَغَ في التَّكَبُّرِ والتَّعَظُّمِ، وإنْ أحَسَّ بِالفُتُورِ والضَّعْفِ بالَغَ في إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ كَلامًا آخَرَ يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ لا يُبالِغُوا في إظْهارِ النُّفْرَةِ مِن قَبُولِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُفْرِطُوا في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّكم كُلَّما سَمِعْتُمْ هَذا القُرْآنَ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وما تَأمَّلْتُمْ فِيهِ وبالَغْتُمْ في النُّفْرَةِ عَنْهُ حَتّى قُلْتُمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِكَوْنِ القُرْآنِ باطِلًا عِلْمًا بَدِيهِيًّا، ولَيْسَ العِلْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا، فَقَبْلَ الدَّلِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا وأنْ يَكُونَ فاسِدًا، بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا كانَ إصْرارُكم عَلى دَفْعِهِ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ، فَهَذا الطَّرِيقُ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الثَّغْرَةَ، وأنْ تَرْجِعُوا إلى النَّظْرَةِ والِاسْتِدْلالِ، فَإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ دَلَّ عَلى فَسادِهِ تَرَكْتُمُوهُ، فَأمّا قَبْلَ الدَّلِيلِ فالإصْرارُ عَلى الدَّفْعِ والإعْراضِ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مِنكم بَيانًا بِحالِهِمْ وصِفاتِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأجابَ عَنْ شُبَهاتِ المُشْرِكِينَ وتَمْوِيهاتِ الضّالِّينَ قالَ
صفحة ١٢٠
: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآفاقِ أُفُقٌ وهو النّاحِيَةُ مِن نَواحِي الأرْضِ، وكَذَلِكَ آفاقُ السَّماءِ ونَواحِيها وأطْرافُها، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ الآياتُ الفَلَكِيَّةُ والكَوْكَبِيَّةُ وآياتُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآياتُ الأضْواءِ والإضْلالِ والظُّلُماتِ وآياتُ عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وآياتُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنها في القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ المُرادُ مِنها الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِن كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَعْنِي نُرِيهِمْ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ تَزُولَ الشُّبُهاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَحْصُلَ فِيها الجَزْمُ والقَطْعُ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ المُنَزَّهِ عَنِ المِثْلِ والضِّدِّ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أطْلَعَهم عَلى تِلْكَ الآياتِ إلى الآنِ وسَيُطْلِعُهم عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ.
والآياتُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ قَدْ كانَ اللَّهُ أطْلَعَهم عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا لا نِهايَةَ لَها، فَهو تَعالى يُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ العَجائِبِ زَمانًا فَزَمانًا، ومِثالُهُ كُلُّ أحَدٍ رَأى بِعَيْنِهِ بِنْيَةَ الإنْسانِ وشاهَدَها، إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أبْدَعَها اللَّهُ في تَرْكِيبِ هَذا البَدَنِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، والَّذِي وقَفَ عَلى شَيْءٍ مِنها فَكُلَّما ازْدادَ وُقُوفًا عَلى تِلْكَ العَجائِبِ والغَرائِبِ فَصَحَّ بِهَذا الطَّرِيقِ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ فَتْحُ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وبِآياتِ أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأجْلِ أنْ قَوْلَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَلِيقُ بِهَذا الوَجْهِ ولا يَلِيقُ بِالأوَّلِ، إلّا أنّا أجَبْنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لائِقٌ بِالوَجْهِ الأوَّلِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنْ قِيلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعِيدٌ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَوْلى عَلى بَعْضِ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلى مَكَّةَ إلّا أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى بَعْضِ البِلادِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُسْتَوْلِي مُحِقًّا، فَإنّا نَرى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى بِلادِ الإسْلامِ وعَلى مُلُوكِهِمْ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: إنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.
ثُمَّ نَقُولُ: إنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنّا لا نَسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى تِلْكَ البِلادِ عَلى كَوْنِهِ مُحِقًّا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، بَلْ نَسْتَدِلُّ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْ مَكَّةَ أنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْها ويَقْهَرُ أهْلَها ويَصِيرُ أصْحابُهُ قاهِرِينَ لِلْأعْداءِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبَرُهُ مُطابِقًا لِخَبَرِهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ هَذا الِاسْتِيلاءِ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ حَقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ: ﴿يَكْفِ﴾ و﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى الأشْياءِ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ عَلَيْها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمَعْنى ألَمْ تَكْفِهِمْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي أُوْضَحَها اللَّهُ تَعالى وقَرَّرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ في شَكٍّ عَظِيمِ وشُبْهَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقُرِئَ (في مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها فَيَعْلَمُ بَواطِنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وظَواهِرَهم، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى فِعْلِهِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عُلُومُهُ مُتَناهِيَةً، قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُتَناهِيًا، لا كَوْنَ مَجْمُوعِها مُتَناهِيًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
فصلت 41:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ ومَعْناهُ أنَّ جَزاءَ كُلِّ أحَدٍ يَصِلُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وكَأنَّ سائِلًا قالَ: ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ ؟ فَقالَ تَعالى إنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ أيْ: لا يَعْلَمُ وقْتَ السّاعَةِ بِعَيْنِهِ إلّا اللَّهُ، وكَما أنَّ هَذا العِلْمَ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ العِلْمُ بِحُدُوثِ الحَوادِثِ المُسْتَقْبَلَةِ في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أمْثِلَةِ هَذا البابِ مِثالَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أكْمامُهُ أوْعِيَتُها وهي ما كانَتْ فِيهِ الثَّمَرَةُ، واحِدُها كُمٌّ وكُمَّةٌ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: مِن ثَمَراتٍ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ والباقُونَ: مِن ثَمَرَةٍ بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى الواحِدِ.
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنَجِّمِينَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طالِعِ سَنَةِ العالَمِ أحْوالًا كَثِيرَةً مِن أحْوالِ العالَمِ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَعَرَّفُونَ مِن طَوالِعِ النّاسِ أشْياءَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَهُنا شَيْءٌ آخَرُ يُسَمّى عِلْمَ الرَّمْلِ، وهو كَثِيرُ الإصابَةِ.
وأيْضًا عِلْمُ التَّعْبِيرِ بِالِاتِّفاقِ قَدْ يَدُلُّ عَلى أحْوالِ المُغَيَّباتِ، فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ العُلُومِ المُشاهَدَةِ وبَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ أصْحابَ هَذِهِ العُلُومِ لا يُمْكِنُهُمُ القَطْعُ والجَزْمُ في شَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ البَتَّةَ، وإنَّما الغايَةُ القُصْوى ادِّعاءُ ظَنٍّ ضَعِيفٍ، والمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِلْمَها لَيْسَ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والعِلْمُ هو الجَزْمُ واليَقِينُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَتِ المُنافاةُ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ القِيامَةَ أرْدَفَهُ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَدِيدُ التَّعَلُّقِ أيْضًا
صفحة ١١٨
بِما وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ شِدَّةَ نُفُورِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ إنَّما حَصَلَتْ مِن أجْلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ وإلى البَراءَةِ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] فَذَكَرَ في خاتِمَةِ السُّورَةِ وعِيدَ القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِكم واعْتِقادِكم قالُوا ”آذَنّاكَ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْمَعْناكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] بِمَعْنى سَمِعَتْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أعْلَمْناكَ وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الأشْياءَ عِلْمًا واجِبًا، فالإعْلامُ في حَقِّهِ مُحالٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يَشْهَدُ بِأنَّ لَكَ شَرِيكًا، فالمَقْصُودُ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَتَبَرَّءُونَ مِن إثْباتِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما مَنّا مِن أحَدٍ يُشاهِدُهم؛ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم وضَلَّتْ عَنْهم آلِهَتُهم لا يُبْصِرُونَها في ساعَةِ التَّوْبِيخِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ كَلامُ الأصْنامِ فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِيها، ثُمَّ إنَّها تَقُولُ ما مَنّا مِن أحَدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما أضافُوا إلَيْنا مِنَ الشَّرِكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَمَعْنى أنَّها لا تَنْفَعُهم فَكَأنَّهم ضَلُّوا عَنْهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ وهَذا ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ: إنَّ الكُفّارَ ظَنُّوا أوَّلًا ثُمَّ أيْقَنُوا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ والعَذابِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم ظَنُّوا أوَّلًا أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنِ النّارِ، ثُمَّ أيْقَنُوا ذَلِكَ بَعْدَهُ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَعْلَمُونَ أنَّ عِقابَهم دائِمٌ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ لِلَّهِ في الدُّنْيا تَبَرَّءُوا عَنْ تِلْكَ الشُّرَكاءِ في الآخِرَةِ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ مُتَبَدِّلُ الأحْوالِ مُتَغَيِّرُ المَنهَجِ، فَإنْ أحَسَّ بِخَيْرٍ وقُدْرَةٍ انْتَفَخَ وتَعَظَّمَ وإنْ أحَسَّ بِبَلاءٍ ومِحْنَةٍ ذَبُلَ.
كَما قِيلَ في المَثَلِ: إنَّ هَذا كالقِرِلّى، إنْ رَأى خَيْرًا تَدَلّى، وإنْ رَأى شَرًّا تَوَلّى، فَقالَ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن طَرِيقِ بِناءِ فَعُولٍ. والثّانِي: مِن طَرِيقِ التَّكْرِيرِ واليَأْسِ مِن صِفَةِ القَلْبِ، والقُنُوطُ أنْ يَظْهَرَ آثارٌ لِيَأْسٍ في الوَجْهِ والأحْوالِ الظّاهِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الَّذِي صارَ آيِسًا قانِطًا لَوْ عاوَدَتْهُ النِّعْمَةُ والدَّوْلَةُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ يَأْتِي بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأقاوِيلِ الفاسِدَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى:
فَأوَّلَها أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ: هَذا لِي، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا حَقِّي وصَلَ إلَيَّ، لِأنِّي اسْتَوْجَبْتُهُ بِما حَصَلَ عِنْدِي مِن أنْواعِ الفَضائِلِ وأعْمالِ البِرِّ والقُرْبَةِ مِنَ اللَّهِ ولا يَعْلَمُ المِسْكِينُ أنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عارِيًا عَنِ الفَضائِلِ، فَهَذا الكَلامُ ظاهِرُ الفَسادِ وإنْ كانَ مَوْصُوفًا بِشَيْءٍ مِنَ الفَضائِلِ والصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، فَهي بِأسْرِها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وإذْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِشَيْءٍ عَلى بَعْضِ عَبِيدِهِ، امْتَنَعَ أنْ يَصِيرَ تَفَضُّلُهُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ العَطِيَّةِ سَبَبًا لِأنْ يَسْتَحِقَّ عَلى اللَّهِ شَيْئًا آخَرَ، فَثَبَتَ بِهَذا فَسادُ قَوْلِهِ، إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الخَيْراتُ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِي، والوَجْهُ
صفحة ١١٩
الثّانِي: أنَّ هَذا لِي أيْ لا يَزُولُ عَنِّي ويَبْقى عَلَيَّ وعَلى أوْلادِي وذُرِّيَّتِي.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيا عَظِيمَ النُّفْرَةِ عَنِ الآخِرَةِ، فَإذا آلَ الأمْرُ إلى أحْوالِ الدُّنْيا يَقُولُ: إنَّها لِي وإذا آلَ الأمْرُ إلى الآخِرَةِ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ .
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ: أنْ يَقُولَ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ يَعْنِي أنَّ الغالِبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ باطِلٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تَدُلُّ عَلى جَزْمِهِمْ بِوُصُولِهِمْ إلى الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الثّانِي: أنَّ تَقْدِيمَ كَلِمَةِ ”لِي“ تَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْكِيدِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْراتِ حاضِرَةٌ مُهَيَّئَةٌ عِنْدَهُ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ، فَإنَّ هَذا يُفِيدُ كَوْنَها حاضِرَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: إنَّ لِي عِنْدَ فُلانٍ كَذا مِنَ الدَّنانِيرِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَلْحُسْنى﴾ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ.
الخامِسُ: ”لَلْحُسْنى“ يُفِيدُ الكَمالَ في الحُسْنى.
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الفاسِدَةَ قالَ: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا﴾ أيْ نُظْهِرُ لَهم أنَّ الأمْرَ عَلى ضِدِّ ما اعْتَقَدُوهُ وعَلى عَكْسِ ما تَصَوَّرُوهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ .
* * *
ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى أقْوالَ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ في الآفاتِ حَكى أفْعالَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ﴾ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ أيْ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وتَكَبَّرَ وتَعَظَّمَ، ثُمَّ إنْ مَسَّهُ الضُّرُّ والفَقْرُ أقْبَلَ عَلى دَوامِ الدُّعاءِ وأخَذَ في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، وقَدِ اسْتُعِيرَ العَرْضُ لِكَثْرَةِ الدِّماءِ ودَوامِهِ وهو مِن صِفاتِ الأجْرامِ ويُسْتَعارُ بِهِ الطُّولُ أيْضًا كَما اسْتُعِيرَ الغِلَظُ لِشِدَّةِ العَذابِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ العَظِيمَ عَلى الشَّرْطِ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَرْجِعُونَ عَنِ القَوْلِ بِالشِّرْكِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الذِّلَّةَ والخُضُوعَ بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى التَّبَدُّلِ، فَإنْ وجَدَ لِنَفْسِهِ قُوَّةً بالَغَ في التَّكَبُّرِ والتَّعَظُّمِ، وإنْ أحَسَّ بِالفُتُورِ والضَّعْفِ بالَغَ في إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ كَلامًا آخَرَ يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنْ لا يُبالِغُوا في إظْهارِ النُّفْرَةِ مِن قَبُولِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُفْرِطُوا في إظْهارِ العَداوَةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنَّكم كُلَّما سَمِعْتُمْ هَذا القُرْآنَ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ وما تَأمَّلْتُمْ فِيهِ وبالَغْتُمْ في النُّفْرَةِ عَنْهُ حَتّى قُلْتُمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .
ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِكَوْنِ القُرْآنِ باطِلًا عِلْمًا بَدِيهِيًّا، ولَيْسَ العِلْمُ بِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عِلْمًا بَدِيهِيًّا، فَقَبْلَ الدَّلِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا وأنْ يَكُونَ فاسِدًا، بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ صَحِيحًا كانَ إصْرارُكم عَلى دَفْعِهِ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ العِقابِ، فَهَذا الطَّرِيقُ يُوجِبُ عَلَيْكم أنْ تَتْرُكُوا هَذِهِ الثَّغْرَةَ، وأنْ تَرْجِعُوا إلى النَّظْرَةِ والِاسْتِدْلالِ، فَإنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ قَبِلْتُمُوهُ، وإنْ دَلَّ عَلى فَسادِهِ تَرَكْتُمُوهُ، فَأمّا قَبْلَ الدَّلِيلِ فالإصْرارُ عَلى الدَّفْعِ والإعْراضِ بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ مِنكم بَيانًا بِحالِهِمْ وصِفاتِهِمْ، ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأجابَ عَنْ شُبَهاتِ المُشْرِكِينَ وتَمْوِيهاتِ الضّالِّينَ قالَ
صفحة ١٢٠
: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: واحِدُ الآفاقِ أُفُقٌ وهو النّاحِيَةُ مِن نَواحِي الأرْضِ، وكَذَلِكَ آفاقُ السَّماءِ ونَواحِيها وأطْرافُها، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ قَوْلانِ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ الآياتُ الفَلَكِيَّةُ والكَوْكَبِيَّةُ وآياتُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وآياتُ الأضْواءِ والإضْلالِ والظُّلُماتِ وآياتُ عالَمِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وآياتُ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنها في القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾ المُرادُ مِنها الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِن كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الأجِنَّةِ في ظُلُماتِ الأرْحامِ وحُدُوثِ الأعْضاءِ العَجِيبَةِ والتَّرْكِيباتِ الغَرِيبَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَعْنِي نُرِيهِمْ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ تَزُولَ الشُّبُهاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، ويَحْصُلَ فِيها الجَزْمُ والقَطْعُ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ المُنَزَّهِ عَنِ المِثْلِ والضِّدِّ، فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما أطْلَعَهم عَلى تِلْكَ الآياتِ إلى الآنِ وسَيُطْلِعُهم عَلَيْها بَعْدَ ذَلِكَ.
والآياتُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ الأعْلى والأسْفَلِ قَدْ كانَ اللَّهُ أطْلَعَهم عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ فَثَبَتَ أنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنَّ القَوْمَ وإنْ كانُوا قَدْ رَأوْا هَذِهِ الأشْياءَ إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا لا نِهايَةَ لَها، فَهو تَعالى يُطْلِعُهم عَلى تِلْكَ العَجائِبِ زَمانًا فَزَمانًا، ومِثالُهُ كُلُّ أحَدٍ رَأى بِعَيْنِهِ بِنْيَةَ الإنْسانِ وشاهَدَها، إلّا أنَّ العَجائِبَ الَّتِي أبْدَعَها اللَّهُ في تَرْكِيبِ هَذا البَدَنِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْرِفُونَها، والَّذِي وقَفَ عَلى شَيْءٍ مِنها فَكُلَّما ازْدادَ وُقُوفًا عَلى تِلْكَ العَجائِبِ والغَرائِبِ فَصَحَّ بِهَذا الطَّرِيقِ قَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِآياتِ الآفاقِ فَتْحُ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وبِآياتِ أنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأجْلِ أنْ قَوْلَهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يَلِيقُ بِهَذا الوَجْهِ ولا يَلِيقُ بِالأوَّلِ، إلّا أنّا أجَبْنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ لائِقٌ بِالوَجْهِ الأوَّلِ كَما قَرَّرْناهُ، فَإنْ قِيلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بَعِيدٌ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَوْلى عَلى بَعْضِ البِلادِ المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَوْلى عَلى مَكَّةَ إلّا أنَّ الِاسْتِيلاءَ عَلى بَعْضِ البِلادِ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُسْتَوْلِي مُحِقًّا، فَإنّا نَرى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلى بِلادِ الإسْلامِ وعَلى مُلُوكِهِمْ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: إنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.
ثُمَّ نَقُولُ: إنْ أرَدْنا تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ، قُلْنا: إنّا لا نَسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى تِلْكَ البِلادِ عَلى كَوْنِهِ مُحِقًّا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، بَلْ نَسْتَدِلُّ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْ مَكَّةَ أنَّهُ يَسْتَوْلِي عَلَيْها ويَقْهَرُ أهْلَها ويَصِيرُ أصْحابُهُ قاهِرِينَ لِلْأعْداءِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُخْبَرُهُ مُطابِقًا لِخَبَرِهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا صِدْقًا عَنِ الغَيْبِ، والإخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزَةٌ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُسْتَدَلُّ بِحُصُولِ هَذا الِاسْتِيلاءِ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ حَقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّكَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ: ﴿يَكْفِ﴾ و﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وتَقْدِيرُهُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى شَهِيدًا عَلى الأشْياءِ أنَّهُ خَلَقَ الدَّلائِلَ عَلَيْها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] والمَعْنى ألَمْ تَكْفِهِمْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي أُوْضَحَها اللَّهُ تَعالى وقَرَّرَها في هَذِهِ السُّورَةِ وفي كُلِّ سُوَرِ القُرْآنِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ إنَّ القَوْمَ في شَكٍّ عَظِيمِ وشُبْهَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وقُرِئَ (في مُرْيَةٍ) بِالضَّمِّ.
صفحة ١٢١
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها فَيَعْلَمُ بَواطِنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وظَواهِرَهم، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ عَلى فِعْلِهِ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ عُلُومُهُ مُتَناهِيَةً، قُلْنا قَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنها مُتَناهِيًا، لا كَوْنَ مَجْمُوعِها مُتَناهِيًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.