Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الشورى 42:1 – الشورى 42:21

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الشورى 42:1
  2. الشورى 42:2
  3. الشورى 42:3
  4. الشورى 42:4
  5. الشورى 42:5
  6. الشورى 42:6
  7. الشورى 42:7
  8. الشورى 42:8
  9. الشورى 42:9
  10. الشورى 42:10
  11. الشورى 42:11
  12. الشورى 42:12
  13. الشورى 42:13
  14. الشورى 42:14
  15. الشورى 42:15
  16. الشورى 42:16
  17. الشورى 42:17
  18. الشورى 42:18
  19. الشورى 42:19
  20. الشورى 42:20
  21. الشورى 42:21

الشورى 42:1

صفحة ١٢٢ (سُورَةُ الشُّورى) خَمْسُونَ وثَلاثُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَعْلُومٌ إلّا أنَّ في هَذا المَوْضِعِ سُؤالانِ زائِدانِ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّوَرَ السَّبْعَةَ مُصَدَّرَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حم﴾ فَما السَّبَبُ في اخْتِصاصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَزِيدِ ﴿عسق﴾ ؟ . الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ( وهَهُنا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿حم﴾ وبَيْنَ ﴿عسق﴾ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ يَضِيقُ، وفَتْحُ بابِ المُجازَفاتِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ يُفَوَّضَ عِلْمُها إلى اللَّهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ”حم عسق“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فالكافُ مَعْناهُ المِثْلُ وذا لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِثْلُ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ وعِنْدَ هَذا حَصَلَ قَوْلانِ: صفحة ١٢٣ الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”لا نَبِيَّ صاحِبَ كِتابٍ إلّا وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ حم عسق“ وهَذا عِنْدِي بِعِيدٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ المُرادُ مِنها المُماثَلَةُ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وتَقْبِيحِ أحْوالِ الدُّنْيا والتَّرْغِيبِ في التَّوَجُّهِ إلى الآخِرَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] أنَّ أوَّلَها في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وأوْسَطَها في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وآخِرَها في تَقْرِيرِ المَعادِ، ولَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨] يَعْنِي أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يَعْنِي مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى كُلِّ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، والمُرادُ بِهَذِهِ المُماثَلَةِ الدَّعْوَةُ إلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ المُقَدَّسَةِ الإلَهِيَّةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ولَمْ يَقُلْ أوْحى إلَيْكَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾ عَلى لَفْظِ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيحاءَ مِثْلِهِ عادَتُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَذَلِكَ يُوحى“ بِفَتْحِ الحاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعَنْ بَعْضِهِمْ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ ”يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ“ بِكَسْرِ الحاءِ، فَإنْ قِيلَ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى ما رافِعُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا ما دَلَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ مَنِ المُوحِي ؟ فَقِيلَ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ ”وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم“ [الأنعام: ١٣٧] عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ ”شُرَكاؤُهم“ فَإنْ قِيلَ فَما رافِعُهُ فِيمَن قَرَأ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ ؟ قُلْنا يُرْفَعُ بِالِابْتِداءِ، والعَزِيزُ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ، أوِ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ حَصَلَ بِالوَحْيِ بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ مَن هو، فَقالَ إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ ”حم المُؤْمِنِ“ أنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ وكَوْنَهُ حَكِيمًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ فَيَحْصُلُ لَنا مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا حَكِيمًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا، وكانَتْ مُبَرَّأةً عَنِ العَيْبِ والعَبَثِ، قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ: قُلْتُ في قَصِيدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الآلاءِ والنِّعَمِ والفَضْلِ والجُودِ والإحْسانِ والكَرَمِ مُنَزَّهِ الفِعْلِ عَنْ عَيْبٍ وعَنْ عَبَثِ ∗∗∗ مُقَدَّسِ المُلْكِ عَنْ عَزْلٍ وعَنْ عَدَمِ والصِّفَةُ الثّالِثَةُ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبَيْنِ في غايَةِ الجَلالِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ نافِذَةٍ في جَمِيعِ أجْزاءِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى عَظَمَتِها وسِعَتِها، بِالإيجادِ والإعْدامِ، والتَّكْوِينِ والإبْطالِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وإلّا لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ. وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ أيْضًا في العَرْشِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ فَإذا كانَ العَرْشُ مَوْجُودًا فَوْقَ السَّماواتِ كانَ في الحَقِيقَةِ سَماءً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ حاصِلًا في العَرْشِ مُلْكًا لِلَّهِ ومِلْكًا لَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في العَرْشِ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ وكَلِمَةُ ما تَتَناوَلُ مَن يَعْقِلُ قُلْنا هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ صفحة ١٢٤ لَفْظَةَ ما وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] وقالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، [الكافرون: ٥] . والثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”مَن“: ورَدَتْ في مِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وكَلِمَةُ ”مَن“ لا شَكَّ أنَّها وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو عَبْدُ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والأرْضِ وفي العَرْشِ لَكانَ هو مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والعَرْشِ فَهو عَبْدٌ لِلَّهِ وجَبَ فِيمَن تَقَدَّسَتْ كِبْرِياؤُهُ عَنْ تُهْمَةِ العُبُودِيَّةِ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الكَوْنِ في المَكانِ والجِهَةِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ عَلِيًّا العُلُوَّ في الجِهَةِ والمَكانِ لِما ثَبَتَتِ الدَّلالَةُ عَلى فَسادِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَظِيمِ العَظَمَةَ بِالجُثَّةِ وكِبَرِ الجِسْمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وذَلِكَ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ مُشابَهَةِ المُمْكِناتِ ومُناسَبَةِ المُحْدَثاتِ، ومِنَ العَظِيمِ العَظَمَةُ بِالقُدْرَةِ، والقَهْرُ بِالِاسْتِعْلاءِ، وكَمالُ الإلَهِيَّةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ والنُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ بِالياءِ والتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ”يَكادُ“ بِالياءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ أيْضًا بِالتّاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو قِراءَةً غَرِيبَةً ”تَتَفَطَّرْنَ“ بِالتّاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ، رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الإعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّسْنَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في فائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ قالَ: والمَعْنى أنَّها تَكادُ تَتَفَطَّرُ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ سَخِيفٌ، ويَجِبُ القَطْعُ بِبَراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ. وثانِيها: هَبْ أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ المَلائِكَةِ عَلَيْها، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» “ . وثالِثُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكادُ السَّماواتُ تَنْشَقُّ وتَنْفَطِرُ مِن هَيْبَةِ مَن هو فَوْقَها فَوْقِيَّةً بِالإلَهِيَّةِ والقَهْرِ والقُدْرَةِ ؟ . فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ في غايَةِ الفَسادِ والرَّكاكَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو أنَّ كَلِمَةَ الكُفْرِ إنَّما جاءَتْ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ السَّماواتِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها الكَلِمَةُ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ فَقُلِبَ فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في جِهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، ودَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ، ونَظِيرُهُ في المُبالَغَةِ قَوْلُهُ تَعالى؛ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩] فَجُعِلَ مُؤَثِّرًا في أجْزائِهِ الباطِنَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثُمَّ قالَ: صفحة ١٢٥ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ. والوَجْهُ الرّابِعُ: في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ مَعْنى ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ هَذِهِ السَّماواتُ فِيها، وتِلْكَ الجِهَةُ هي فَوْقَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الفَوْقانِيَّةِ الَّتِي هُنَّ فِيها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ لِمَ حَصَلَتْ ؟ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ لِهَذا الكِتابِ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، بَيَّنَ وصْفَ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن هَيْبَتِهِ وجَلالَتِهِ، والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في إثْباتِهِمُ الوَلَدَ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾، وهَهُنا السَّبَبُ فِيهِ إثْباتُهُمُ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى نَوْعانِ: عالَمُ الجُسْمانِيّاتِ وأعْظَمُها السَّماواتُ، وعالَمُ الرُّوحانِيّاتِ وأعْظَمُها المَلائِكَةُ، واللَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ كَمالَ عَظَمَتِهِ لِأجْلِ نَفاذِ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ في الجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ يُرْدِفُهُ بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ واسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] لَمّا أرادَ تَقْرِيرَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ بَدَأ بِذِكْرِ الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ [النبأ: ٣٧] ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] فَكَذَلِكَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ كَمالَ عَظَمَتِهِ بِاسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ وبَيانٌ باهِرٌ. واعْلَمْ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ الأقْسامِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ، وهو القابِلُ وهو الجِسْمُ وهو أخَسُّ الأقْسامِ، ومَوْجُودٌ يَقْبَلُ الأثَرَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، ويُؤَثِّرُ في القِسْمِ الثّانِي وهو الجَواهِرُ الرُّوحانِيّاتُ المُقَدَّسَةُ، وهو المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ لَها تَعَلُّقانِ: تَعَلُّقٌ بِعالَمِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وهو تَعَلُّقُ القَبُولِ، فَإنَّ الجَلايا القُدْسِيَّةَ والأضْواءَ الصَّمَدِيَّةَ إذا أشْرَقَتْ عَلى الجَواهِرِ الرُّوحانِيَّةِ اسْتَضاءَتْ جَواهِرُها وأشْرَقَتْ ماهِيّاتُها. ثُمَّ إنَّ الجَواهِرَ الرُّوحانِيَّةَ إذا اسْتَفادَتْ تِلْكَ القُوى الرُّوحانِيَّةَ، قَوِيَتْ بِها عَلى الِاسْتِيلاءِ عَلى عَوالِمِ الجُسْمانِيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَها وجْهانِ: وجْهٌ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ وحَضْرَةِ الجَلالِ، ووَجْهٌ إلى عالَمِ الأجْسامِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:

الشورى 42:2

صفحة ١٢٢ (سُورَةُ الشُّورى) خَمْسُونَ وثَلاثُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَعْلُومٌ إلّا أنَّ في هَذا المَوْضِعِ سُؤالانِ زائِدانِ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّوَرَ السَّبْعَةَ مُصَدَّرَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حم﴾ فَما السَّبَبُ في اخْتِصاصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَزِيدِ ﴿عسق﴾ ؟ . الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ( وهَهُنا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿حم﴾ وبَيْنَ ﴿عسق﴾ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ يَضِيقُ، وفَتْحُ بابِ المُجازَفاتِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ يُفَوَّضَ عِلْمُها إلى اللَّهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ”حم عسق“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فالكافُ مَعْناهُ المِثْلُ وذا لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِثْلُ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ وعِنْدَ هَذا حَصَلَ قَوْلانِ: صفحة ١٢٣ الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”لا نَبِيَّ صاحِبَ كِتابٍ إلّا وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ حم عسق“ وهَذا عِنْدِي بِعِيدٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ المُرادُ مِنها المُماثَلَةُ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وتَقْبِيحِ أحْوالِ الدُّنْيا والتَّرْغِيبِ في التَّوَجُّهِ إلى الآخِرَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] أنَّ أوَّلَها في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وأوْسَطَها في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وآخِرَها في تَقْرِيرِ المَعادِ، ولَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨] يَعْنِي أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يَعْنِي مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى كُلِّ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، والمُرادُ بِهَذِهِ المُماثَلَةِ الدَّعْوَةُ إلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ المُقَدَّسَةِ الإلَهِيَّةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ولَمْ يَقُلْ أوْحى إلَيْكَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾ عَلى لَفْظِ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيحاءَ مِثْلِهِ عادَتُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَذَلِكَ يُوحى“ بِفَتْحِ الحاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعَنْ بَعْضِهِمْ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ ”يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ“ بِكَسْرِ الحاءِ، فَإنْ قِيلَ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى ما رافِعُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا ما دَلَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ مَنِ المُوحِي ؟ فَقِيلَ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ ”وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم“ [الأنعام: ١٣٧] عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ ”شُرَكاؤُهم“ فَإنْ قِيلَ فَما رافِعُهُ فِيمَن قَرَأ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ ؟ قُلْنا يُرْفَعُ بِالِابْتِداءِ، والعَزِيزُ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ، أوِ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ حَصَلَ بِالوَحْيِ بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ مَن هو، فَقالَ إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ ”حم المُؤْمِنِ“ أنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ وكَوْنَهُ حَكِيمًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ فَيَحْصُلُ لَنا مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا حَكِيمًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا، وكانَتْ مُبَرَّأةً عَنِ العَيْبِ والعَبَثِ، قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ: قُلْتُ في قَصِيدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الآلاءِ والنِّعَمِ والفَضْلِ والجُودِ والإحْسانِ والكَرَمِ مُنَزَّهِ الفِعْلِ عَنْ عَيْبٍ وعَنْ عَبَثِ ∗∗∗ مُقَدَّسِ المُلْكِ عَنْ عَزْلٍ وعَنْ عَدَمِ والصِّفَةُ الثّالِثَةُ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبَيْنِ في غايَةِ الجَلالِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ نافِذَةٍ في جَمِيعِ أجْزاءِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى عَظَمَتِها وسِعَتِها، بِالإيجادِ والإعْدامِ، والتَّكْوِينِ والإبْطالِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وإلّا لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ. وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ أيْضًا في العَرْشِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ فَإذا كانَ العَرْشُ مَوْجُودًا فَوْقَ السَّماواتِ كانَ في الحَقِيقَةِ سَماءً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ حاصِلًا في العَرْشِ مُلْكًا لِلَّهِ ومِلْكًا لَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في العَرْشِ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ وكَلِمَةُ ما تَتَناوَلُ مَن يَعْقِلُ قُلْنا هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ صفحة ١٢٤ لَفْظَةَ ما وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] وقالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، [الكافرون: ٥] . والثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”مَن“: ورَدَتْ في مِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وكَلِمَةُ ”مَن“ لا شَكَّ أنَّها وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو عَبْدُ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والأرْضِ وفي العَرْشِ لَكانَ هو مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والعَرْشِ فَهو عَبْدٌ لِلَّهِ وجَبَ فِيمَن تَقَدَّسَتْ كِبْرِياؤُهُ عَنْ تُهْمَةِ العُبُودِيَّةِ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الكَوْنِ في المَكانِ والجِهَةِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ عَلِيًّا العُلُوَّ في الجِهَةِ والمَكانِ لِما ثَبَتَتِ الدَّلالَةُ عَلى فَسادِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَظِيمِ العَظَمَةَ بِالجُثَّةِ وكِبَرِ الجِسْمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وذَلِكَ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ مُشابَهَةِ المُمْكِناتِ ومُناسَبَةِ المُحْدَثاتِ، ومِنَ العَظِيمِ العَظَمَةُ بِالقُدْرَةِ، والقَهْرُ بِالِاسْتِعْلاءِ، وكَمالُ الإلَهِيَّةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ والنُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ بِالياءِ والتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ”يَكادُ“ بِالياءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ أيْضًا بِالتّاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو قِراءَةً غَرِيبَةً ”تَتَفَطَّرْنَ“ بِالتّاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ، رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الإعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّسْنَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في فائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ قالَ: والمَعْنى أنَّها تَكادُ تَتَفَطَّرُ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ سَخِيفٌ، ويَجِبُ القَطْعُ بِبَراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ. وثانِيها: هَبْ أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ المَلائِكَةِ عَلَيْها، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» “ . وثالِثُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكادُ السَّماواتُ تَنْشَقُّ وتَنْفَطِرُ مِن هَيْبَةِ مَن هو فَوْقَها فَوْقِيَّةً بِالإلَهِيَّةِ والقَهْرِ والقُدْرَةِ ؟ . فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ في غايَةِ الفَسادِ والرَّكاكَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو أنَّ كَلِمَةَ الكُفْرِ إنَّما جاءَتْ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ السَّماواتِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها الكَلِمَةُ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ فَقُلِبَ فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في جِهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، ودَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ، ونَظِيرُهُ في المُبالَغَةِ قَوْلُهُ تَعالى؛ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩] فَجُعِلَ مُؤَثِّرًا في أجْزائِهِ الباطِنَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثُمَّ قالَ: صفحة ١٢٥ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ. والوَجْهُ الرّابِعُ: في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ مَعْنى ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ هَذِهِ السَّماواتُ فِيها، وتِلْكَ الجِهَةُ هي فَوْقَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الفَوْقانِيَّةِ الَّتِي هُنَّ فِيها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ لِمَ حَصَلَتْ ؟ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ لِهَذا الكِتابِ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، بَيَّنَ وصْفَ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن هَيْبَتِهِ وجَلالَتِهِ، والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في إثْباتِهِمُ الوَلَدَ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾، وهَهُنا السَّبَبُ فِيهِ إثْباتُهُمُ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى نَوْعانِ: عالَمُ الجُسْمانِيّاتِ وأعْظَمُها السَّماواتُ، وعالَمُ الرُّوحانِيّاتِ وأعْظَمُها المَلائِكَةُ، واللَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ كَمالَ عَظَمَتِهِ لِأجْلِ نَفاذِ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ في الجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ يُرْدِفُهُ بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ واسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] لَمّا أرادَ تَقْرِيرَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ بَدَأ بِذِكْرِ الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ [النبأ: ٣٧] ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] فَكَذَلِكَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ كَمالَ عَظَمَتِهِ بِاسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ وبَيانٌ باهِرٌ. واعْلَمْ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ الأقْسامِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ، وهو القابِلُ وهو الجِسْمُ وهو أخَسُّ الأقْسامِ، ومَوْجُودٌ يَقْبَلُ الأثَرَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، ويُؤَثِّرُ في القِسْمِ الثّانِي وهو الجَواهِرُ الرُّوحانِيّاتُ المُقَدَّسَةُ، وهو المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ لَها تَعَلُّقانِ: تَعَلُّقٌ بِعالَمِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وهو تَعَلُّقُ القَبُولِ، فَإنَّ الجَلايا القُدْسِيَّةَ والأضْواءَ الصَّمَدِيَّةَ إذا أشْرَقَتْ عَلى الجَواهِرِ الرُّوحانِيَّةِ اسْتَضاءَتْ جَواهِرُها وأشْرَقَتْ ماهِيّاتُها. ثُمَّ إنَّ الجَواهِرَ الرُّوحانِيَّةَ إذا اسْتَفادَتْ تِلْكَ القُوى الرُّوحانِيَّةَ، قَوِيَتْ بِها عَلى الِاسْتِيلاءِ عَلى عَوالِمِ الجُسْمانِيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَها وجْهانِ: وجْهٌ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ وحَضْرَةِ الجَلالِ، ووَجْهٌ إلى عالَمِ الأجْسامِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:

الشورى 42:3

صفحة ١٢٢ (سُورَةُ الشُّورى) خَمْسُونَ وثَلاثُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَعْلُومٌ إلّا أنَّ في هَذا المَوْضِعِ سُؤالانِ زائِدانِ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّوَرَ السَّبْعَةَ مُصَدَّرَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حم﴾ فَما السَّبَبُ في اخْتِصاصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَزِيدِ ﴿عسق﴾ ؟ . الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ( وهَهُنا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿حم﴾ وبَيْنَ ﴿عسق﴾ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ يَضِيقُ، وفَتْحُ بابِ المُجازَفاتِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ يُفَوَّضَ عِلْمُها إلى اللَّهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ”حم عسق“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فالكافُ مَعْناهُ المِثْلُ وذا لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِثْلُ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ وعِنْدَ هَذا حَصَلَ قَوْلانِ: صفحة ١٢٣ الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”لا نَبِيَّ صاحِبَ كِتابٍ إلّا وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ حم عسق“ وهَذا عِنْدِي بِعِيدٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ المُرادُ مِنها المُماثَلَةُ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وتَقْبِيحِ أحْوالِ الدُّنْيا والتَّرْغِيبِ في التَّوَجُّهِ إلى الآخِرَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] أنَّ أوَّلَها في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وأوْسَطَها في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وآخِرَها في تَقْرِيرِ المَعادِ، ولَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨] يَعْنِي أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يَعْنِي مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى كُلِّ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، والمُرادُ بِهَذِهِ المُماثَلَةِ الدَّعْوَةُ إلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ المُقَدَّسَةِ الإلَهِيَّةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ولَمْ يَقُلْ أوْحى إلَيْكَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾ عَلى لَفْظِ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيحاءَ مِثْلِهِ عادَتُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَذَلِكَ يُوحى“ بِفَتْحِ الحاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعَنْ بَعْضِهِمْ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ ”يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ“ بِكَسْرِ الحاءِ، فَإنْ قِيلَ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى ما رافِعُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا ما دَلَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ مَنِ المُوحِي ؟ فَقِيلَ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ ”وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم“ [الأنعام: ١٣٧] عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ ”شُرَكاؤُهم“ فَإنْ قِيلَ فَما رافِعُهُ فِيمَن قَرَأ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ ؟ قُلْنا يُرْفَعُ بِالِابْتِداءِ، والعَزِيزُ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ، أوِ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ حَصَلَ بِالوَحْيِ بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ مَن هو، فَقالَ إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ ”حم المُؤْمِنِ“ أنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ وكَوْنَهُ حَكِيمًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ فَيَحْصُلُ لَنا مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا حَكِيمًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا، وكانَتْ مُبَرَّأةً عَنِ العَيْبِ والعَبَثِ، قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ: قُلْتُ في قَصِيدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الآلاءِ والنِّعَمِ والفَضْلِ والجُودِ والإحْسانِ والكَرَمِ مُنَزَّهِ الفِعْلِ عَنْ عَيْبٍ وعَنْ عَبَثِ ∗∗∗ مُقَدَّسِ المُلْكِ عَنْ عَزْلٍ وعَنْ عَدَمِ والصِّفَةُ الثّالِثَةُ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبَيْنِ في غايَةِ الجَلالِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ نافِذَةٍ في جَمِيعِ أجْزاءِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى عَظَمَتِها وسِعَتِها، بِالإيجادِ والإعْدامِ، والتَّكْوِينِ والإبْطالِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وإلّا لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ. وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ أيْضًا في العَرْشِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ فَإذا كانَ العَرْشُ مَوْجُودًا فَوْقَ السَّماواتِ كانَ في الحَقِيقَةِ سَماءً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ حاصِلًا في العَرْشِ مُلْكًا لِلَّهِ ومِلْكًا لَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في العَرْشِ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ وكَلِمَةُ ما تَتَناوَلُ مَن يَعْقِلُ قُلْنا هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ صفحة ١٢٤ لَفْظَةَ ما وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] وقالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، [الكافرون: ٥] . والثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”مَن“: ورَدَتْ في مِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وكَلِمَةُ ”مَن“ لا شَكَّ أنَّها وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو عَبْدُ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والأرْضِ وفي العَرْشِ لَكانَ هو مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والعَرْشِ فَهو عَبْدٌ لِلَّهِ وجَبَ فِيمَن تَقَدَّسَتْ كِبْرِياؤُهُ عَنْ تُهْمَةِ العُبُودِيَّةِ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الكَوْنِ في المَكانِ والجِهَةِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ عَلِيًّا العُلُوَّ في الجِهَةِ والمَكانِ لِما ثَبَتَتِ الدَّلالَةُ عَلى فَسادِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَظِيمِ العَظَمَةَ بِالجُثَّةِ وكِبَرِ الجِسْمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وذَلِكَ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ مُشابَهَةِ المُمْكِناتِ ومُناسَبَةِ المُحْدَثاتِ، ومِنَ العَظِيمِ العَظَمَةُ بِالقُدْرَةِ، والقَهْرُ بِالِاسْتِعْلاءِ، وكَمالُ الإلَهِيَّةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ والنُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ بِالياءِ والتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ”يَكادُ“ بِالياءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ أيْضًا بِالتّاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو قِراءَةً غَرِيبَةً ”تَتَفَطَّرْنَ“ بِالتّاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ، رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الإعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّسْنَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في فائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ قالَ: والمَعْنى أنَّها تَكادُ تَتَفَطَّرُ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ سَخِيفٌ، ويَجِبُ القَطْعُ بِبَراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ. وثانِيها: هَبْ أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ المَلائِكَةِ عَلَيْها، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» “ . وثالِثُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكادُ السَّماواتُ تَنْشَقُّ وتَنْفَطِرُ مِن هَيْبَةِ مَن هو فَوْقَها فَوْقِيَّةً بِالإلَهِيَّةِ والقَهْرِ والقُدْرَةِ ؟ . فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ في غايَةِ الفَسادِ والرَّكاكَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو أنَّ كَلِمَةَ الكُفْرِ إنَّما جاءَتْ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ السَّماواتِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها الكَلِمَةُ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ فَقُلِبَ فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في جِهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، ودَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ، ونَظِيرُهُ في المُبالَغَةِ قَوْلُهُ تَعالى؛ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩] فَجُعِلَ مُؤَثِّرًا في أجْزائِهِ الباطِنَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثُمَّ قالَ: صفحة ١٢٥ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ. والوَجْهُ الرّابِعُ: في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ مَعْنى ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ هَذِهِ السَّماواتُ فِيها، وتِلْكَ الجِهَةُ هي فَوْقَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الفَوْقانِيَّةِ الَّتِي هُنَّ فِيها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ لِمَ حَصَلَتْ ؟ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ لِهَذا الكِتابِ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، بَيَّنَ وصْفَ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن هَيْبَتِهِ وجَلالَتِهِ، والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في إثْباتِهِمُ الوَلَدَ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾، وهَهُنا السَّبَبُ فِيهِ إثْباتُهُمُ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى نَوْعانِ: عالَمُ الجُسْمانِيّاتِ وأعْظَمُها السَّماواتُ، وعالَمُ الرُّوحانِيّاتِ وأعْظَمُها المَلائِكَةُ، واللَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ كَمالَ عَظَمَتِهِ لِأجْلِ نَفاذِ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ في الجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ يُرْدِفُهُ بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ واسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] لَمّا أرادَ تَقْرِيرَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ بَدَأ بِذِكْرِ الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ [النبأ: ٣٧] ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] فَكَذَلِكَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ كَمالَ عَظَمَتِهِ بِاسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ وبَيانٌ باهِرٌ. واعْلَمْ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ الأقْسامِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ، وهو القابِلُ وهو الجِسْمُ وهو أخَسُّ الأقْسامِ، ومَوْجُودٌ يَقْبَلُ الأثَرَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، ويُؤَثِّرُ في القِسْمِ الثّانِي وهو الجَواهِرُ الرُّوحانِيّاتُ المُقَدَّسَةُ، وهو المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ لَها تَعَلُّقانِ: تَعَلُّقٌ بِعالَمِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وهو تَعَلُّقُ القَبُولِ، فَإنَّ الجَلايا القُدْسِيَّةَ والأضْواءَ الصَّمَدِيَّةَ إذا أشْرَقَتْ عَلى الجَواهِرِ الرُّوحانِيَّةِ اسْتَضاءَتْ جَواهِرُها وأشْرَقَتْ ماهِيّاتُها. ثُمَّ إنَّ الجَواهِرَ الرُّوحانِيَّةَ إذا اسْتَفادَتْ تِلْكَ القُوى الرُّوحانِيَّةَ، قَوِيَتْ بِها عَلى الِاسْتِيلاءِ عَلى عَوالِمِ الجُسْمانِيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَها وجْهانِ: وجْهٌ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ وحَضْرَةِ الجَلالِ، ووَجْهٌ إلى عالَمِ الأجْسامِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:

الشورى 42:4

صفحة ١٢٢ (سُورَةُ الشُّورى) خَمْسُونَ وثَلاثُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَعْلُومٌ إلّا أنَّ في هَذا المَوْضِعِ سُؤالانِ زائِدانِ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّوَرَ السَّبْعَةَ مُصَدَّرَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حم﴾ فَما السَّبَبُ في اخْتِصاصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَزِيدِ ﴿عسق﴾ ؟ . الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ( وهَهُنا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿حم﴾ وبَيْنَ ﴿عسق﴾ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ يَضِيقُ، وفَتْحُ بابِ المُجازَفاتِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ يُفَوَّضَ عِلْمُها إلى اللَّهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ”حم عسق“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ فالكافُ مَعْناهُ المِثْلُ وذا لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِثْلُ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ وعِنْدَ هَذا حَصَلَ قَوْلانِ: صفحة ١٢٣ الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”لا نَبِيَّ صاحِبَ كِتابٍ إلّا وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ حم عسق“ وهَذا عِنْدِي بِعِيدٌ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ المُرادُ مِنها المُماثَلَةُ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وتَقْبِيحِ أحْوالِ الدُّنْيا والتَّرْغِيبِ في التَّوَجُّهِ إلى الآخِرَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] أنَّ أوَّلَها في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وأوْسَطَها في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وآخِرَها في تَقْرِيرِ المَعادِ، ولَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨] يَعْنِي أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يَعْنِي مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى كُلِّ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، والمُرادُ بِهَذِهِ المُماثَلَةِ الدَّعْوَةُ إلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ المُقَدَّسَةِ الإلَهِيَّةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ولَمْ يَقُلْ أوْحى إلَيْكَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾ عَلى لَفْظِ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيحاءَ مِثْلِهِ عادَتُهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَذَلِكَ يُوحى“ بِفَتْحِ الحاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعَنْ بَعْضِهِمْ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ ”يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ“ بِكَسْرِ الحاءِ، فَإنْ قِيلَ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى ما رافِعُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا ما دَلَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ مَنِ المُوحِي ؟ فَقِيلَ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ ”وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم“ [الأنعام: ١٣٧] عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ ”شُرَكاؤُهم“ فَإنْ قِيلَ فَما رافِعُهُ فِيمَن قَرَأ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ ؟ قُلْنا يُرْفَعُ بِالِابْتِداءِ، والعَزِيزُ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ، أوِ ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ حَصَلَ بِالوَحْيِ بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ مَن هو، فَقالَ إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ ”حم المُؤْمِنِ“ أنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ وكَوْنَهُ حَكِيمًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ فَيَحْصُلُ لَنا مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا حَكِيمًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا، وكانَتْ مُبَرَّأةً عَنِ العَيْبِ والعَبَثِ، قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ: قُلْتُ في قَصِيدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الآلاءِ والنِّعَمِ والفَضْلِ والجُودِ والإحْسانِ والكَرَمِ مُنَزَّهِ الفِعْلِ عَنْ عَيْبٍ وعَنْ عَبَثِ ∗∗∗ مُقَدَّسِ المُلْكِ عَنْ عَزْلٍ وعَنْ عَدَمِ والصِّفَةُ الثّالِثَةُ قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبَيْنِ في غايَةِ الجَلالِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ نافِذَةٍ في جَمِيعِ أجْزاءِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى عَظَمَتِها وسِعَتِها، بِالإيجادِ والإعْدامِ، والتَّكْوِينِ والإبْطالِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وإلّا لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ. وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ أيْضًا في العَرْشِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ فَإذا كانَ العَرْشُ مَوْجُودًا فَوْقَ السَّماواتِ كانَ في الحَقِيقَةِ سَماءً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ حاصِلًا في العَرْشِ مُلْكًا لِلَّهِ ومِلْكًا لَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في العَرْشِ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ وكَلِمَةُ ما تَتَناوَلُ مَن يَعْقِلُ قُلْنا هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ صفحة ١٢٤ لَفْظَةَ ما وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] وقالَ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، [الكافرون: ٥] . والثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”مَن“: ورَدَتْ في مِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وكَلِمَةُ ”مَن“ لا شَكَّ أنَّها وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو عَبْدُ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والأرْضِ وفي العَرْشِ لَكانَ هو مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والعَرْشِ فَهو عَبْدٌ لِلَّهِ وجَبَ فِيمَن تَقَدَّسَتْ كِبْرِياؤُهُ عَنْ تُهْمَةِ العُبُودِيَّةِ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الكَوْنِ في المَكانِ والجِهَةِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ. والصِّفَةُ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ عَلِيًّا العُلُوَّ في الجِهَةِ والمَكانِ لِما ثَبَتَتِ الدَّلالَةُ عَلى فَسادِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَظِيمِ العَظَمَةَ بِالجُثَّةِ وكِبَرِ الجِسْمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وذَلِكَ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ مُشابَهَةِ المُمْكِناتِ ومُناسَبَةِ المُحْدَثاتِ، ومِنَ العَظِيمِ العَظَمَةُ بِالقُدْرَةِ، والقَهْرُ بِالِاسْتِعْلاءِ، وكَمالُ الإلَهِيَّةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ والنُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ بِالياءِ والتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ”يَكادُ“ بِالياءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ أيْضًا بِالتّاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو قِراءَةً غَرِيبَةً ”تَتَفَطَّرْنَ“ بِالتّاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ، رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الإعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّسْنَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في فائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ قالَ: والمَعْنى أنَّها تَكادُ تَتَفَطَّرُ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها. واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ سَخِيفٌ، ويَجِبُ القَطْعُ بِبَراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ. وثانِيها: هَبْ أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ المَلائِكَةِ عَلَيْها، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» “ . وثالِثُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكادُ السَّماواتُ تَنْشَقُّ وتَنْفَطِرُ مِن هَيْبَةِ مَن هو فَوْقَها فَوْقِيَّةً بِالإلَهِيَّةِ والقَهْرِ والقُدْرَةِ ؟ . فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ في غايَةِ الفَسادِ والرَّكاكَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو أنَّ كَلِمَةَ الكُفْرِ إنَّما جاءَتْ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ السَّماواتِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها الكَلِمَةُ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ فَقُلِبَ فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في جِهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، ودَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ، ونَظِيرُهُ في المُبالَغَةِ قَوْلُهُ تَعالى؛ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩] فَجُعِلَ مُؤَثِّرًا في أجْزائِهِ الباطِنَةِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثُمَّ قالَ: صفحة ١٢٥ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ. والوَجْهُ الرّابِعُ: في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ مَعْنى ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ هَذِهِ السَّماواتُ فِيها، وتِلْكَ الجِهَةُ هي فَوْقَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ الجِهَةِ الفَوْقانِيَّةِ الَّتِي هُنَّ فِيها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ لِمَ حَصَلَتْ ؟ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ لِهَذا الكِتابِ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، بَيَّنَ وصْفَ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ مِن هَيْبَتِهِ وجَلالَتِهِ، والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في إثْباتِهِمُ الوَلَدَ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾، وهَهُنا السَّبَبُ فِيهِ إثْباتُهُمُ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى نَوْعانِ: عالَمُ الجُسْمانِيّاتِ وأعْظَمُها السَّماواتُ، وعالَمُ الرُّوحانِيّاتِ وأعْظَمُها المَلائِكَةُ، واللَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ كَمالَ عَظَمَتِهِ لِأجْلِ نَفاذِ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ في الجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ يُرْدِفُهُ بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ واسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] لَمّا أرادَ تَقْرِيرَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ بَدَأ بِذِكْرِ الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ [النبأ: ٣٧] ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨] فَكَذَلِكَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ كَمالَ عَظَمَتِهِ بِاسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ وبَيانٌ باهِرٌ. واعْلَمْ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ الأقْسامِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ، وهو القابِلُ وهو الجِسْمُ وهو أخَسُّ الأقْسامِ، ومَوْجُودٌ يَقْبَلُ الأثَرَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، ويُؤَثِّرُ في القِسْمِ الثّانِي وهو الجَواهِرُ الرُّوحانِيّاتُ المُقَدَّسَةُ، وهو المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ لَها تَعَلُّقانِ: تَعَلُّقٌ بِعالَمِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وهو تَعَلُّقُ القَبُولِ، فَإنَّ الجَلايا القُدْسِيَّةَ والأضْواءَ الصَّمَدِيَّةَ إذا أشْرَقَتْ عَلى الجَواهِرِ الرُّوحانِيَّةِ اسْتَضاءَتْ جَواهِرُها وأشْرَقَتْ ماهِيّاتُها. ثُمَّ إنَّ الجَواهِرَ الرُّوحانِيَّةَ إذا اسْتَفادَتْ تِلْكَ القُوى الرُّوحانِيَّةَ، قَوِيَتْ بِها عَلى الِاسْتِيلاءِ عَلى عَوالِمِ الجُسْمانِيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَها وجْهانِ: وجْهٌ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ وحَضْرَةِ الجَلالِ، ووَجْهٌ إلى عالَمِ الأجْسامِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:

الشورى 42:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى الوَجْهِ الَّذِي لَهم إلى عالَمِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى الوَجْهِ الَّذِي لَهم إلى عالَمِ الأجْسامِ، فَما أحْسَنَ هَذِهِ اللَّطائِفَ، وما أشْرَفَها وما أشَدَّ تَأْثِيرَها في جَذْبِ الأرْواحِ مِن حَضِيضِ الخَلْقِ إلى أوْجِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا الجِهَةُ الأُولى وهي الجِهَةُ العُلْوِيَّةُ المُقَدَّسَةُ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: التَّسْبِيحُ، وثانِيهِما: التَّحْمِيدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يُفِيدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحْمِيدِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَنْبَغِي، والتَّحْمِيدَ عِبارَةٌ عَنْ وصْفِهِ بِكَوْنِهِ مُفِيضًا لِكُلِّ الخَيْراتِ، وكَوْنُهُ مُنَزَّهًا في ذاتِهِ عَمّا لا يَنْبَغِي، مُقَدَّمٌ بِالرُّتْبَةِ عَلى كَوْنِهِ فَيّاضًا لِلْخَيْراتِ والسَّعاداتِ؛ لِأنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ صفحة ١٢٦ غَيْرِهِ، وحُصُولُهُ في نَفْسِهِ مُقَدَّمٌ عَلى تَأْثِيرِهِ في حُصُولِ غَيْرِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ التَّسْبِيحُ مُقَدَّمًا عَلى التَّحْمِيدِ، ولِهَذا قالَ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ . وأمّا الجِهَةُ الثّانِيَةُ: وهي الجِهَةُ الَّتِي لِتِلْكَ الأرْواحِ إلى عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، فالإشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَأْثِيراتُها في نَظْمِ أحْوالِ هَذا العالَمِ وحُصُولِ الطَّرِيقِ الأصْوَبِ الأصْلَحِ فِيها، فَهَذِهِ مَلامِحُ مِنَ المَباحِثِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ مُدْرَجَةٌ في هَذِهِ الآياتِ المُقَدَّسَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى ما يَلِيقُ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمَن في الأرْضِ وفِيهِمُ الكُفّارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ لاعِنِينَ ومُسْتَغْفِرِينَ لَهم ؟ قُلْنا الجَوابُ: عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَن في الأرْضِ﴾ لا يُفِيدُ العُمُومَ؛ لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا لِكُلِّ مَن في الأرْضِ، وأنْ يُقالَ إنَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا لِبَعْضِ مَن في الأرْضِ دُونَ البَعْضِ، ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَن في الأرْضِ﴾ صَرِيحًا في العُمُومِ لَما صَحَّ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ الثّانِي: هَبْ أنَّ هَذا النَّصَّ يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المَلائِكَةِ في سُورَةِ ”حم المُؤْمِنِ“ فَقالَ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِالعِقابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ مَن في الأرْضِ، أمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَبِواسِطَةِ طَلَبِ الإيمانِ لَهم، وأمّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَبِالتَّجاوُزِ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، فَإنّا نَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ الكافِرِينَ وزَيِّنْ قُلُوبَهم بِنُورِ الإيمانِ وأزِلْ عَنْ خَواطِرِهِمْ وحْشَةَ الكُفْرِ، وهَذا في الحَقِيقَةِ اسْتِغْفارٌ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْتَغْفِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ، ولَوْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى المَعْصِيَةِ لَكانَ اسْتِغْفارُهم لِأنْفُسِهِمْ قَبْلَ اسْتِغْفارِهِمْ لِمَن في الأرْضِ، وحَيْثُ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَنْهُمُ اسْتِغْفارَهم لِأنْفُسِهِمْ عَلِمْنا أنَّهم مُبَرَّءُونَ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم ذُنُوبٌ والَّذِي لا ذَنْبَ لَهُ البَتَّةَ أفْضَلُ مِمَّنْ لَهُ ذَنْبٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّ الأنْبِياءَ في جُمْلَةِ مَن في الأرْضِ، وإذا كانُوا مُسْتَغْفِرِينَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَ الظّاهِرُ أنَّهم أفْضَلُ مِنهم. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ المَلائِكَةِ التَّسْبِيحَ والتَّحْمِيدَ والِاسْتِغْفارَ قالَ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ وإنْ كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْبَشَرِ إلّا أنَّ المَغْفِرَةَ المُطْلَقَةَ، والرَّحْمَةَ المُطْلَقَةَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ إقْدامَ المَلائِكَةِ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ لِلْبَشَرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ داعِيَةً لِطَلَبِ تِلْكَ المَغْفِرَةِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ تِلْكَ الدَّواعِيَ وإلّا لَما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ الطَّلَبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الغَفُورُ المُطْلَقُ والرَّحِيمُ المُطْلَقُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا في أوَّلِ الأمْرِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ في آخِرِ الأمْرِ صارُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ، وأمّا رَحْمَةُ الحَقِّ وإحْسانُهُ فَقَدْ كانَ مَوْجُودًا في الأُولى والآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الغَفُورَ المُطْلَقَ والرَّحِيمَ المُطْلَقَ هو اللَّهُ تَعالى. الثّالِثُ: صفحة ١٢٧ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ولَمْ يَحْكِ عَنْهم أنَّهم يَطْلُبُونَ الرَّحْمَةَ لِمَن في الأرْضِ فَقالَ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُعْطِي المَغْفِرَةَ الَّتِي طَلَبُوها ويَضُمُّ إلَيْها الرَّحْمَةَ الكامِلَةَ التّامَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ أيْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وأنْدادًا ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ رَقِيبٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ، لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ وهو مُحاسِبُهم عَلَيْها لا رَقِيبَ عَلَيْهِمْ إلّا هو وحْدَهُ، وما أنْتَ يا مُحَمَّدُ بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قَسْرُهم عَلى الإيمانِ، إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ فَحَسْبُ.

الشورى 42:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى الوَجْهِ الَّذِي لَهم إلى عالَمِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى الوَجْهِ الَّذِي لَهم إلى عالَمِ الأجْسامِ، فَما أحْسَنَ هَذِهِ اللَّطائِفَ، وما أشْرَفَها وما أشَدَّ تَأْثِيرَها في جَذْبِ الأرْواحِ مِن حَضِيضِ الخَلْقِ إلى أوْجِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا الجِهَةُ الأُولى وهي الجِهَةُ العُلْوِيَّةُ المُقَدَّسَةُ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: التَّسْبِيحُ، وثانِيهِما: التَّحْمِيدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يُفِيدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحْمِيدِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَنْبَغِي، والتَّحْمِيدَ عِبارَةٌ عَنْ وصْفِهِ بِكَوْنِهِ مُفِيضًا لِكُلِّ الخَيْراتِ، وكَوْنُهُ مُنَزَّهًا في ذاتِهِ عَمّا لا يَنْبَغِي، مُقَدَّمٌ بِالرُّتْبَةِ عَلى كَوْنِهِ فَيّاضًا لِلْخَيْراتِ والسَّعاداتِ؛ لِأنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ صفحة ١٢٦ غَيْرِهِ، وحُصُولُهُ في نَفْسِهِ مُقَدَّمٌ عَلى تَأْثِيرِهِ في حُصُولِ غَيْرِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ التَّسْبِيحُ مُقَدَّمًا عَلى التَّحْمِيدِ، ولِهَذا قالَ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ . وأمّا الجِهَةُ الثّانِيَةُ: وهي الجِهَةُ الَّتِي لِتِلْكَ الأرْواحِ إلى عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، فالإشارَةُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَأْثِيراتُها في نَظْمِ أحْوالِ هَذا العالَمِ وحُصُولِ الطَّرِيقِ الأصْوَبِ الأصْلَحِ فِيها، فَهَذِهِ مَلامِحُ مِنَ المَباحِثِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ مُدْرَجَةٌ في هَذِهِ الآياتِ المُقَدَّسَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى ما يَلِيقُ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمَن في الأرْضِ وفِيهِمُ الكُفّارُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُونَ لاعِنِينَ ومُسْتَغْفِرِينَ لَهم ؟ قُلْنا الجَوابُ: عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَن في الأرْضِ﴾ لا يُفِيدُ العُمُومَ؛ لِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا لِكُلِّ مَن في الأرْضِ، وأنْ يُقالَ إنَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا لِبَعْضِ مَن في الأرْضِ دُونَ البَعْضِ، ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَن في الأرْضِ﴾ صَرِيحًا في العُمُومِ لَما صَحَّ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ الثّانِي: هَبْ أنَّ هَذا النَّصَّ يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المَلائِكَةِ في سُورَةِ ”حم المُؤْمِنِ“ فَقالَ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ أنْ لا يُعاجِلَهم بِالعِقابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١] . الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ مَن في الأرْضِ، أمّا في حَقِّ الكُفّارِ فَبِواسِطَةِ طَلَبِ الإيمانِ لَهم، وأمّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَبِالتَّجاوُزِ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، فَإنّا نَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ الكافِرِينَ وزَيِّنْ قُلُوبَهم بِنُورِ الإيمانِ وأزِلْ عَنْ خَواطِرِهِمْ وحْشَةَ الكُفْرِ، وهَذا في الحَقِيقَةِ اسْتِغْفارٌ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْتَغْفِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ، ولَوْ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى المَعْصِيَةِ لَكانَ اسْتِغْفارُهم لِأنْفُسِهِمْ قَبْلَ اسْتِغْفارِهِمْ لِمَن في الأرْضِ، وحَيْثُ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ عَنْهُمُ اسْتِغْفارَهم لِأنْفُسِهِمْ عَلِمْنا أنَّهم مُبَرَّءُونَ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم ذُنُوبٌ والَّذِي لا ذَنْبَ لَهُ البَتَّةَ أفْضَلُ مِمَّنْ لَهُ ذَنْبٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّ الأنْبِياءَ في جُمْلَةِ مَن في الأرْضِ، وإذا كانُوا مُسْتَغْفِرِينَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَ الظّاهِرُ أنَّهم أفْضَلُ مِنهم. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ المَلائِكَةِ التَّسْبِيحَ والتَّحْمِيدَ والِاسْتِغْفارَ قالَ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ وإنْ كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْبَشَرِ إلّا أنَّ المَغْفِرَةَ المُطْلَقَةَ، والرَّحْمَةَ المُطْلَقَةَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ إقْدامَ المَلائِكَةِ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ لِلْبَشَرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ داعِيَةً لِطَلَبِ تِلْكَ المَغْفِرَةِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ تِلْكَ الدَّواعِيَ وإلّا لَما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ الطَّلَبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الغَفُورُ المُطْلَقُ والرَّحِيمُ المُطْلَقُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا في أوَّلِ الأمْرِ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ في آخِرِ الأمْرِ صارُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ، وأمّا رَحْمَةُ الحَقِّ وإحْسانُهُ فَقَدْ كانَ مَوْجُودًا في الأُولى والآخِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الغَفُورَ المُطْلَقَ والرَّحِيمَ المُطْلَقَ هو اللَّهُ تَعالى. الثّالِثُ: صفحة ١٢٧ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ولَمْ يَحْكِ عَنْهم أنَّهم يَطْلُبُونَ الرَّحْمَةَ لِمَن في الأرْضِ فَقالَ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يُعْطِي المَغْفِرَةَ الَّتِي طَلَبُوها ويَضُمُّ إلَيْها الرَّحْمَةَ الكامِلَةَ التّامَّةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ أيْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وأنْدادًا ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ رَقِيبٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ، لا يَفُوتُهُ مِنها شَيْءٌ وهو مُحاسِبُهم عَلَيْها لا رَقِيبَ عَلَيْهِمْ إلّا هو وحْدَهُ، وما أنْتَ يا مُحَمَّدُ بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قَسْرُهم عَلى الإيمانِ، إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ فَحَسْبُ.

الشورى 42:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”ذَلِكَ“ لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ وحْيِ اللَّهِ بِالقُرْآنِ بِشَيْءٍ هَهُنا قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ هَهُنا شَيْءٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ وحْيِ القُرْآنِ بِهِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] يَعْنِي كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ أنَّكَ لَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ولَسْتَ وكِيلًا عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَكُونَ نَذِيرًا لَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى لِأنَّ البَلَدَ لا تَعْقِلُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وأُمُّ القُرى أصْلُ القُرى وهي مَكَّةُ وسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ إجْلالًا لَها؛ لِأنَّ فِيها البَيْتَ ومَقامَ إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تُسَمِّي أصْلَ كُلِّ شَيْءِ أُمَّهُ حَتّى يُقالَ: هَذِهِ القَصِيدَةُ مِن أُمَّهاتِ قَصائِدِ فُلانٍ، ومَن حَوْلَها مِن أهْلِ البَدْوِ والحَضَرِ وأهْلِ المَدَرِ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ، فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْحى إلَيْهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ وأهْلَ القُرى المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ وأنْ لا يَكُونَ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ. والجَوابُ: أنَّ صفحة ١٢٨ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا سِواهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى هَؤُلاءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، أيْضًا لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا، ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وجَبَ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ الأصْلُ أنْ يُقالَ: أنْذَرْتُ فُلانًا بِكَذا، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى بِيَوْمِ الجَمْعِ، وأيْضًا فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى بِعَذابِ يَوْمِ الجَمْعِ وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الجَمْعِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الخَلائِقَ يُجْمَعُونَ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] فَيَجْتَمِعُ فِيهِ أهْلُ السَّماواتِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأرْواحِ والأجْسادِ. الثّالِثُ: يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ عامِلٍ وعَمَلِهِ. الرّابِعُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صِفَةٌ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ تَقْدِيرُهُ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ يَكُونُ القَوْمُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْمِ مُجْتَمِعِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم مُتَفَرِّقِينَ، والجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مُحالٌ، قُلْنا إنَّهم يَجْتَمِعُونَ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُونَ فَرِيقَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُرادُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ لا يَكُنْ في قُدْرَتِكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ البَعْضَ مُؤْمِنًا والبَعْضَ كافِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أدْخَلَهم في الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما أدْخَلَهم في رَحْمَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ إنَّما دَخَلُوا في رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ كانَ لَهم ولِيٌّ ونَصِيرٌ أدْخَلَهم في تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَؤُلاءِ ما كانَ لَهم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ يُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أوَّلًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا ولا حافِظًا، ولا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ شاءُوا أمْ أبَوْا، فَإنَّ هَذا المَعْنى لَوْ كانَ واجِبًا لَفَعَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَ بَعْدَهُ ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما مَنَعَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَحْمِلَ الكُفّارَ عَلى الإيمانِ قَهْرًا، فَكَذَلِكَ مَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَشْرَعُوا مَعَهم في الخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، فَقالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ ومُعاقَبَةُ المُبْطِلِينَ، وقِيلَ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ وتَنازَعْتُمْ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولا تُؤَثِّرُ حُكُومَةُ غَيْرِهِ عَلى حُكُومَتِهِ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكم فِيهِ خِلافٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عَمَلِهِ كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، قالَ تَعالى: صفحة ١٢٩ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِن نَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوِ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القِياسِ عَلى ما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالقِياسِ بِأنَّهُ باطِلٌ، فَيُعْتَبَرُ الأوَّلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالنَّصِّ، وذَلِكَ يَنْفِي العَمَلَ بِالقِياسِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ يُعْرَفُ مِن بَيانِ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ البَيانُ بِالنَّصِّ أوْ بِالقِياسِ ؟ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ قَطْعُ الِاخْتِلافِ، والرُّجُوعُ إلى القِياسِ يُقَوِّي حُكْمَ الِاخْتِلافِ ولا يُوَضِّحُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ هو الرُّجُوعَ إلى نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أيْ ذَلِكُمُ الحاكِمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وفي طَلَبِ كُلِّ خَيْرٍ ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ وإلَيْهِ أرْجِعُ في كُلِّ المُهِمّاتِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ، وهو إشارَةٌ إلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ والجَرِّ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكم“، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجَرُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هَكَذا: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم مِنَ النّاسِ ﴿أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، ومَعْناهُ: وخَلَقَ أيْضًا لِلْأنْعامِ مِن أنْفُسِها أزْواجًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يُكَثِّرُكم، يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ كَثَّرَهم، وقَوْلُهُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو التَّزْوِيجُ، وهو أنْ جَعَلَ النّاسَ والأنْعامَ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ النّاسِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ. الثّانِي: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”يَذْرَؤُكم“ في هَذا التَّدْبِيرِ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْنا: جُعِلَ هَذا التَّدْبِيرُ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِهَذا التَّكْثِيرِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ وحاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مِثْلًا لِسائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ الأمْثالِ والأشْباهِ لَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويُمْكِنُ إيرادُ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيُقالُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ماهِيّاتِ الذّاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ في الصِّفاتِ شَيْءٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ العِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ، كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالمُماثَلَةِ صفحة ١٣٠ المُساواةُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ شَيْئًا مِنَ الذَّواتِ لا يُساوِي اللَّهَ تَعالى في الذّاتِيَّةِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جِسْمًا، لَكانَ كَوْنُهُ جِسْمًا ذاتًا لا صِفَةً، فَإذا كانَ سائِرُ الأجْسامِ مُساوِيَةً لَهُ في الجِسْمِيَّةِ، أعْنِي في كَوْنِها مُتَحَيِّزَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً عَمِيقَةً، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سائِرُ الأجْسامِ مُماثِلَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى في كَوْنِهِ ذاتًا، والنَّصُّ يَنْفِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا. واعْلَمْ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أوْرَدَ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ ”بِالتَّوْحِيدِ“، وهو في الحَقِيقَةِ كِتابُ الشِّرْكِ، واعْتَرَضَ عَلَيْها، وأنا أذْكُرُ حاصِلَ كَلامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلاتِ، لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الكَلامِ، قَلِيلَ الفَهْمِ، ناقِصَ العَقْلِ، فَقالَ: ”نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وجْهًا، ونَقُولُ: إنَّ لِوَجْهِ رَبِّنا مِنَ النُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ ما لَوْ كُشِفَ حِجابُهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ، ووَجْهُ رَبِّنا مَنفِيٌّ عَنْهُ الهَلاكُ والفَناءُ، ونَقُولُ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْها الهَلاكَ والفَناءَ، ونَفى عَنْها الجَلالَ والإكْرامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ، ولَوْ كانَ مُجَرَّدُ إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ لَكانَ مَن قالَ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا ولِلْخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ وُجُوهًا، لَكانَ قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ. ثُمَّ قالَ: ولا شَكَّ أنَّهُ اعْتِقادُ الجَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: وجْهُكَ يُشْبِهُ وجْهَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ لَغَضِبَ ولَشافَهَهُ بِالسُّوءِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ لِلَّهِ إثْباتُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ“ . وذَكَرَ في فَصْلٍ آخَرَ مِن هَذا الكِتابِ ”أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى وُقُوعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنها أنْ يَكُونَ القائِلُ مُشَبِّهًا، فَكَذا هَهُنا“ ونَحْنُ نَعُدُّ الصُّوَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلى الِاسْتِقْصاءِ. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقالَ في حَقِّ الإنْسانِ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ٢] . الثّانِي: قالَ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النَّحْلِ: ٧٩] الثّالِثُ: قالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هُودٍ: ٣٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣] الرّابِعُ: قالَ لِإبْلِيسَ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥١]، ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾، [الحَجِّ: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، [الفَتْحِ: ١٠] الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقالَ في الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وقالَ في سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هُودٍ: ٤٤] السّادِسُ: سَمّى نَفْسَهُ عَزِيزًا، فَقالَ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يُوسُفَ: ٧٨]، ﴿ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ [يُوسُفَ: ٨٨] . السّابِعُ: سَمّى نَفْسَهُ بِالمَلِكِ، وسَمّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أيْضًا بِالمَلِكِ، فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٤] وسَمّى نَفْسَهُ بِالعَظِيمِ، ثُمَّ أوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وسَمّى نَفْسَهُ بِالجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، وأوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ في ضَرْبِ الأمْثِلَةِ مِن هَذا الجِنْسِ، وقالَ: ومَن وقَفَ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَهُ الإكْثارُ مِنها، فَهَذا ما أوْرَدَهُ هَذا الرَّجُلُ في هَذا الكِتابِ. صفحة ١٣١ وأقُولُ: هَذا المِسْكِينُ الجاهِلُ إنَّما وقَعَ في أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ المِثْلَيْنِ، وعُلَماءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الكَلامَ في المِثْلَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: المِثْلانِ هُما اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرى، فَنَقُولُ: المُعْتَبَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، إمّا تَمامُ ماهِيَّتِهِ، وإمّا جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّتِهِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وهَذا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإنّا نَرى الحَبَّةَ مِنَ الحُصْرُمِ كانَتْ في غايَةِ الخُضْرَةِ والحُمُوضَةِ، ثُمَّ صارَتْ في غايَةِ السَّوادِ والحَلاوَةِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ والذّاتُ الباقِيَةُ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأيْضًا نَرى الشَّعْرَ قَدْ كانَ في غايَةِ السَّوادِ ثُمَّ صارَ في غايَةِ البَياضِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُتَبَدِّلَةٌ، والباقِي غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الذَّواتَ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الصِّفاتِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ البَتَّةَ، لِأنّا نَرى الجِسْمَ الواحِدَ كانَ ساكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالذَّواتُ باقِيَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ ونَسَقٍ واحِدٍ، والصِّفاتُ مُتَعاقِبَةٌ مُتَزايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اخْتِلافَ الصِّفاتِ والأعْراضِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأجْسامُ مِنها تَألَّفَ وجْهُ الكَلْبِ والقِرْدِ - مُساوِيَةٌ لِلْأجْسامِ الَّتِي تَألَّفَ مِنها وجْهُ الإنْسانِ والفَرَسِ، وإنَّما حَصَلَ الِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الأعْراضِ القائِمَةِ، وهي الألْوانُ والأشْكالُ والخُشُونَةُ والمَلاسَةُ وحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وعَدَمُ حُصُولِها، فالِاخْتِلافُ إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ في الصِّفاتِ والأعْراضِ، فَأمّا ذَواتُ الأجْسامِ فَهي مُتَماثِلَةٌ إلّا أنَّ العَوامَّ لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الذَّواتِ وبَيْنَ الصِّفاتِ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ إنَّ وجْهَ الإنْسانِ مُخالِفٌ لِوَجْهِ الحِمارِ، ولَقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَأمّا الأجْسامُ مِن حَيْثُ إنَّها أجْسامٌ فَهي مُتَماثِلَةٌ مُتَساوِيَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مِنَ العَوامِّ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ المُعْتَبَرَ في التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ حَقائِقُ الأشْياءِ وماهِيّاتُها، لا الأعْراضُ والصِّفاتُ القائِمَةُ بِها، بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أوْ لا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلَهُ العالَمِ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الفَلَكُ أوِ العَرْشُ أوِ الكُرْسِيُّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الجِسْمُ مُخالِفًا لِماهِيَّةِ سائِرِ الأجْسامِ، فَكانَ هو قَدِيمًا أزَلِيًّا واجِبَ الوُجُودِ، وسائِرُ الأجْسامِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، ولَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُسْقِطُوا هَذا الإلْزامَ عَنِ المُجَسِّمَةِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قالُوا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأفْلاكَ كُلَّها مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، فَيُقالُ: هَذا مِن بابِ الحَماقَةِ المُفْرِطَةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ القُرْآنِ وصِحَّةَ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ مُفَرَّعَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَإثْباتُ مَعْرِفَةِ الإلَهِ بِالقُرْآنِ وقَوْلِ النَّبِيِّ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ يَفْهَمُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ. والمَقامُ الثّانِي: أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ أقامُوا البُرْهانَ القاطِعَ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ في الذَّواتِ والحَقِيقَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ جِسْمًا لَكانَتْ ذاتُهُ مُساوِيَةً لِذَواتِ الأجْسامِ، إلّا أنَّ هَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ ذاتَهُ إذا كانَتْ مُساوِيَةً لِذَواتِ سائِرِ الأجْسامِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ ما يَصِحُّ عَلى سائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا قابِلًا لِلْعَدَمِ والفَناءِ قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وأمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنّا لا نَقُولُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِاسْتِواءُ في صفحة ١٣٢ الصِّفَةِ لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِواءِ في تَمامِ الحَقِيقَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَتْ ذاتُهُ جِسْمًا لَكانَ ذَلِكَ الجِسْمُ مُساوِيًا لِسائِرِ الأجْسامِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ مِثْلًا لَهُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ المُعْتَبَرَ في حُصُولِ المُماثَلَةِ اعْتِبارُ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي هي، لا اعْتِبارُ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ حُجَّةَ أهْلِ التَّوْحِيدِ في غايَةِ القُوَّةِ، وأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي أوْرَدَها هَذا الإنْسانُ إنَّما أوْرَدَها؛ لِأنَّهُ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ، فَجَرى عَلى مَنهَجِ كَلِماتِ العَوامِّ، فاغْتَرَّ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: المَقْصُودُ مِنها نَفْيُ المِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُها يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ المِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ، لا عَنْهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ تَعالى، وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّ العَرَبَ، تَقُولُ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، أيْ: أنْتَ لا تَبْخَلُ، فَنَفَوُا البُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وهم يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: هَذا الكَلامُ لا يُقالُ لِمِثْلِي، أيْ: لا يُقالُ لِي، قالَ الشّاعِرُ: ومِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ، فَإنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَنفِيًّا عَمَّنْ كانَ مُشابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لَهُ، فَلِأنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، والمَقْصُودُ: أنَّ سَلامَ اللَّهِ إذا كانَ واقِعًا عَلى مَجْلِسِهِ ومَوْضِعِهِ فَلِأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ؛ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ هَذا اللَّفْظُ ساقِطًا عَدِيمَ الأثَرِ، بَلْ كانَ مُفِيدًا لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، وهَذا مُحالٌ، فَإثْباتُ المِثْلِ لَهُ مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذا مُحالٌ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكانَ مُساوِيًا لِمِثْلِهِ في تِلْكَ الماهِيَّةِ ومُبايِنًا لَهُ في نَفْسِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ - غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ. فَتَكُونُ ذاتُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ؛ لَما كانَ هو في نَفْسِهِ واجِبَ الوُجُودِ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ ”لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ“ - إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَما كانَ هو شَيْئًا؛ بِناءً عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ لَما كانَ واجِبَ الوُجُودِ، فَهَذا ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى نَفْيِ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الرُّومِ: ٢٧] يَقْتَضِي إثْباتَ المَثَلِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، فَنَقُولُ: المِثْلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لِلشَّيْءِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والمَثَلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الخارِجَةِ عَنِ الماهِيَّةِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في تَمامِ الماهِيَّةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِلْمَسْمُوعاتِ مُبْصِرًا لِلْمَرْئِيّاتِ، فَإنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ قَرْعٌ أوْ قَلْعٌ انْقَلَبَ الهَواءُ مِن بَيْنَ ذَيْنِكَ الجِسْمَيْنِ انْقِلابًا بِعُنْفٍ فَيَتَمَوَّجُ الهَواءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ويَتَأدّى ذَلِكَ التَّمَوُّجُ إلى سَطْحِ الصِّماخِ، فَهَذا هو صفحة ١٣٣ السَّماعُ، وأمّا الإبْصارُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحَدَقَةِ بِصُورَةِ المَرْئِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحاسَّةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ السَّمْعِ والبَصَرِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّماعَ مُغايِرٌ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ أنّا إذا سَمِعْنا الصَّوْتَ عَلِمْنا أنَّهُ مِن أيِّ الجَوانِبِ جاءَ، فَعَلِمْنا أنّا أدْرَكْنا الصَّوْتَ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ الصَّوْتُ في نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إدْراكَ الصَّوْتِ حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأْثِيرِ الصِّماخِ عَنْ تَمَوُّجِ ذَلِكَ الهَواءِ. وأمّا الرُّؤْيَةُ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّها حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأثُّرِ الحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ نُقْطَةَ النّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِباعُ الصُّورَةِ العَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: الصُّورَةُ المُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ، والصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ في نَفْسِ العالَمِ عَظِيمَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِباعِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِنِ امْتِناعِ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ امْتِناعُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ حالَتانِ مُغايِرَتانِ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ إلّا أنَّ حُصُولَهُما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأثُّرِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعًا كانَ حُصُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحاسَّةَ المُسَمّاةَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأثُّرِ، والتَّأثُّرُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ، فَكانَ حُصُولُ الحاسَّةِ المُسَمّاةِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وأنْتُمُ المُدَّعُونَ لِهَذا الِاشْتِراطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِ، وإنَّما نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إلى أنْ تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَما مَعْنى هَذا الحَصْرِ، مَعَ أنَّ العِبادَ أيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ ؟ فَنَقُولُ: السَّمِيعُ والبَصِيرُ لَفْظانِ مُشْعِرانِ بِحُصُولِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، والكَمالُ في كُلِّ الصِّفاتِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذا الحَصْرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهو خالِقُ أنْفُسِنا وأزْواجِنا، وخالِقُ أوْلادِنا مِنّا ومِن أزْواجِنا، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا (فَلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ) والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ بَيانُ القادِرِ المُنْعِمِ الكَرِيمِ الرَّحِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ فَقَوْلُهُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ مَفاتِيحَ الرِّزْقِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَمَقالِيدُ السَّماواتِ الأمْطارُ، ومَقالِيدُ الأرْضِ النَّباتُ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المَقالِيدِ في سُورَةِ الزُّمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ لِأنَّ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَسْطِ والتَّقْدِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ .

الشورى 42:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”ذَلِكَ“ لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ وحْيِ اللَّهِ بِالقُرْآنِ بِشَيْءٍ هَهُنا قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ هَهُنا شَيْءٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ وحْيِ القُرْآنِ بِهِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] يَعْنِي كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ أنَّكَ لَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ولَسْتَ وكِيلًا عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَكُونَ نَذِيرًا لَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى لِأنَّ البَلَدَ لا تَعْقِلُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وأُمُّ القُرى أصْلُ القُرى وهي مَكَّةُ وسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ إجْلالًا لَها؛ لِأنَّ فِيها البَيْتَ ومَقامَ إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تُسَمِّي أصْلَ كُلِّ شَيْءِ أُمَّهُ حَتّى يُقالَ: هَذِهِ القَصِيدَةُ مِن أُمَّهاتِ قَصائِدِ فُلانٍ، ومَن حَوْلَها مِن أهْلِ البَدْوِ والحَضَرِ وأهْلِ المَدَرِ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ، فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْحى إلَيْهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ وأهْلَ القُرى المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ وأنْ لا يَكُونَ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ. والجَوابُ: أنَّ صفحة ١٢٨ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا سِواهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى هَؤُلاءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، أيْضًا لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا، ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وجَبَ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ الأصْلُ أنْ يُقالَ: أنْذَرْتُ فُلانًا بِكَذا، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى بِيَوْمِ الجَمْعِ، وأيْضًا فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى بِعَذابِ يَوْمِ الجَمْعِ وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الجَمْعِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الخَلائِقَ يُجْمَعُونَ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] فَيَجْتَمِعُ فِيهِ أهْلُ السَّماواتِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأرْواحِ والأجْسادِ. الثّالِثُ: يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ عامِلٍ وعَمَلِهِ. الرّابِعُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صِفَةٌ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ تَقْدِيرُهُ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ يَكُونُ القَوْمُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْمِ مُجْتَمِعِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم مُتَفَرِّقِينَ، والجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مُحالٌ، قُلْنا إنَّهم يَجْتَمِعُونَ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُونَ فَرِيقَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُرادُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ لا يَكُنْ في قُدْرَتِكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ البَعْضَ مُؤْمِنًا والبَعْضَ كافِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أدْخَلَهم في الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما أدْخَلَهم في رَحْمَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ إنَّما دَخَلُوا في رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ كانَ لَهم ولِيٌّ ونَصِيرٌ أدْخَلَهم في تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَؤُلاءِ ما كانَ لَهم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ يُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أوَّلًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا ولا حافِظًا، ولا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ شاءُوا أمْ أبَوْا، فَإنَّ هَذا المَعْنى لَوْ كانَ واجِبًا لَفَعَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَ بَعْدَهُ ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما مَنَعَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَحْمِلَ الكُفّارَ عَلى الإيمانِ قَهْرًا، فَكَذَلِكَ مَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَشْرَعُوا مَعَهم في الخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، فَقالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ ومُعاقَبَةُ المُبْطِلِينَ، وقِيلَ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ وتَنازَعْتُمْ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولا تُؤَثِّرُ حُكُومَةُ غَيْرِهِ عَلى حُكُومَتِهِ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكم فِيهِ خِلافٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عَمَلِهِ كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، قالَ تَعالى: صفحة ١٢٩ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِن نَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوِ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القِياسِ عَلى ما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالقِياسِ بِأنَّهُ باطِلٌ، فَيُعْتَبَرُ الأوَّلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالنَّصِّ، وذَلِكَ يَنْفِي العَمَلَ بِالقِياسِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ يُعْرَفُ مِن بَيانِ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ البَيانُ بِالنَّصِّ أوْ بِالقِياسِ ؟ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ قَطْعُ الِاخْتِلافِ، والرُّجُوعُ إلى القِياسِ يُقَوِّي حُكْمَ الِاخْتِلافِ ولا يُوَضِّحُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ هو الرُّجُوعَ إلى نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أيْ ذَلِكُمُ الحاكِمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وفي طَلَبِ كُلِّ خَيْرٍ ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ وإلَيْهِ أرْجِعُ في كُلِّ المُهِمّاتِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ، وهو إشارَةٌ إلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ والجَرِّ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكم“، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجَرُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هَكَذا: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم مِنَ النّاسِ ﴿أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، ومَعْناهُ: وخَلَقَ أيْضًا لِلْأنْعامِ مِن أنْفُسِها أزْواجًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يُكَثِّرُكم، يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ كَثَّرَهم، وقَوْلُهُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو التَّزْوِيجُ، وهو أنْ جَعَلَ النّاسَ والأنْعامَ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ النّاسِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ. الثّانِي: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”يَذْرَؤُكم“ في هَذا التَّدْبِيرِ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْنا: جُعِلَ هَذا التَّدْبِيرُ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِهَذا التَّكْثِيرِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ وحاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مِثْلًا لِسائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ الأمْثالِ والأشْباهِ لَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويُمْكِنُ إيرادُ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيُقالُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ماهِيّاتِ الذّاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ في الصِّفاتِ شَيْءٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ العِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ، كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالمُماثَلَةِ صفحة ١٣٠ المُساواةُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ شَيْئًا مِنَ الذَّواتِ لا يُساوِي اللَّهَ تَعالى في الذّاتِيَّةِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جِسْمًا، لَكانَ كَوْنُهُ جِسْمًا ذاتًا لا صِفَةً، فَإذا كانَ سائِرُ الأجْسامِ مُساوِيَةً لَهُ في الجِسْمِيَّةِ، أعْنِي في كَوْنِها مُتَحَيِّزَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً عَمِيقَةً، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سائِرُ الأجْسامِ مُماثِلَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى في كَوْنِهِ ذاتًا، والنَّصُّ يَنْفِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا. واعْلَمْ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أوْرَدَ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ ”بِالتَّوْحِيدِ“، وهو في الحَقِيقَةِ كِتابُ الشِّرْكِ، واعْتَرَضَ عَلَيْها، وأنا أذْكُرُ حاصِلَ كَلامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلاتِ، لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الكَلامِ، قَلِيلَ الفَهْمِ، ناقِصَ العَقْلِ، فَقالَ: ”نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وجْهًا، ونَقُولُ: إنَّ لِوَجْهِ رَبِّنا مِنَ النُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ ما لَوْ كُشِفَ حِجابُهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ، ووَجْهُ رَبِّنا مَنفِيٌّ عَنْهُ الهَلاكُ والفَناءُ، ونَقُولُ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْها الهَلاكَ والفَناءَ، ونَفى عَنْها الجَلالَ والإكْرامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ، ولَوْ كانَ مُجَرَّدُ إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ لَكانَ مَن قالَ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا ولِلْخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ وُجُوهًا، لَكانَ قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ. ثُمَّ قالَ: ولا شَكَّ أنَّهُ اعْتِقادُ الجَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: وجْهُكَ يُشْبِهُ وجْهَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ لَغَضِبَ ولَشافَهَهُ بِالسُّوءِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ لِلَّهِ إثْباتُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ“ . وذَكَرَ في فَصْلٍ آخَرَ مِن هَذا الكِتابِ ”أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى وُقُوعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنها أنْ يَكُونَ القائِلُ مُشَبِّهًا، فَكَذا هَهُنا“ ونَحْنُ نَعُدُّ الصُّوَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلى الِاسْتِقْصاءِ. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقالَ في حَقِّ الإنْسانِ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ٢] . الثّانِي: قالَ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النَّحْلِ: ٧٩] الثّالِثُ: قالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هُودٍ: ٣٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣] الرّابِعُ: قالَ لِإبْلِيسَ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥١]، ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾، [الحَجِّ: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، [الفَتْحِ: ١٠] الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقالَ في الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وقالَ في سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هُودٍ: ٤٤] السّادِسُ: سَمّى نَفْسَهُ عَزِيزًا، فَقالَ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يُوسُفَ: ٧٨]، ﴿ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ [يُوسُفَ: ٨٨] . السّابِعُ: سَمّى نَفْسَهُ بِالمَلِكِ، وسَمّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أيْضًا بِالمَلِكِ، فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٤] وسَمّى نَفْسَهُ بِالعَظِيمِ، ثُمَّ أوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وسَمّى نَفْسَهُ بِالجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، وأوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ في ضَرْبِ الأمْثِلَةِ مِن هَذا الجِنْسِ، وقالَ: ومَن وقَفَ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَهُ الإكْثارُ مِنها، فَهَذا ما أوْرَدَهُ هَذا الرَّجُلُ في هَذا الكِتابِ. صفحة ١٣١ وأقُولُ: هَذا المِسْكِينُ الجاهِلُ إنَّما وقَعَ في أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ المِثْلَيْنِ، وعُلَماءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الكَلامَ في المِثْلَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: المِثْلانِ هُما اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرى، فَنَقُولُ: المُعْتَبَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، إمّا تَمامُ ماهِيَّتِهِ، وإمّا جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّتِهِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وهَذا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإنّا نَرى الحَبَّةَ مِنَ الحُصْرُمِ كانَتْ في غايَةِ الخُضْرَةِ والحُمُوضَةِ، ثُمَّ صارَتْ في غايَةِ السَّوادِ والحَلاوَةِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ والذّاتُ الباقِيَةُ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأيْضًا نَرى الشَّعْرَ قَدْ كانَ في غايَةِ السَّوادِ ثُمَّ صارَ في غايَةِ البَياضِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُتَبَدِّلَةٌ، والباقِي غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الذَّواتَ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الصِّفاتِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ البَتَّةَ، لِأنّا نَرى الجِسْمَ الواحِدَ كانَ ساكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالذَّواتُ باقِيَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ ونَسَقٍ واحِدٍ، والصِّفاتُ مُتَعاقِبَةٌ مُتَزايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اخْتِلافَ الصِّفاتِ والأعْراضِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأجْسامُ مِنها تَألَّفَ وجْهُ الكَلْبِ والقِرْدِ - مُساوِيَةٌ لِلْأجْسامِ الَّتِي تَألَّفَ مِنها وجْهُ الإنْسانِ والفَرَسِ، وإنَّما حَصَلَ الِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الأعْراضِ القائِمَةِ، وهي الألْوانُ والأشْكالُ والخُشُونَةُ والمَلاسَةُ وحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وعَدَمُ حُصُولِها، فالِاخْتِلافُ إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ في الصِّفاتِ والأعْراضِ، فَأمّا ذَواتُ الأجْسامِ فَهي مُتَماثِلَةٌ إلّا أنَّ العَوامَّ لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الذَّواتِ وبَيْنَ الصِّفاتِ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ إنَّ وجْهَ الإنْسانِ مُخالِفٌ لِوَجْهِ الحِمارِ، ولَقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَأمّا الأجْسامُ مِن حَيْثُ إنَّها أجْسامٌ فَهي مُتَماثِلَةٌ مُتَساوِيَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مِنَ العَوامِّ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ المُعْتَبَرَ في التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ حَقائِقُ الأشْياءِ وماهِيّاتُها، لا الأعْراضُ والصِّفاتُ القائِمَةُ بِها، بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أوْ لا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلَهُ العالَمِ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الفَلَكُ أوِ العَرْشُ أوِ الكُرْسِيُّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الجِسْمُ مُخالِفًا لِماهِيَّةِ سائِرِ الأجْسامِ، فَكانَ هو قَدِيمًا أزَلِيًّا واجِبَ الوُجُودِ، وسائِرُ الأجْسامِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، ولَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُسْقِطُوا هَذا الإلْزامَ عَنِ المُجَسِّمَةِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قالُوا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأفْلاكَ كُلَّها مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، فَيُقالُ: هَذا مِن بابِ الحَماقَةِ المُفْرِطَةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ القُرْآنِ وصِحَّةَ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ مُفَرَّعَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَإثْباتُ مَعْرِفَةِ الإلَهِ بِالقُرْآنِ وقَوْلِ النَّبِيِّ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ يَفْهَمُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ. والمَقامُ الثّانِي: أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ أقامُوا البُرْهانَ القاطِعَ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ في الذَّواتِ والحَقِيقَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ جِسْمًا لَكانَتْ ذاتُهُ مُساوِيَةً لِذَواتِ الأجْسامِ، إلّا أنَّ هَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ ذاتَهُ إذا كانَتْ مُساوِيَةً لِذَواتِ سائِرِ الأجْسامِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ ما يَصِحُّ عَلى سائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا قابِلًا لِلْعَدَمِ والفَناءِ قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وأمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنّا لا نَقُولُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِاسْتِواءُ في صفحة ١٣٢ الصِّفَةِ لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِواءِ في تَمامِ الحَقِيقَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَتْ ذاتُهُ جِسْمًا لَكانَ ذَلِكَ الجِسْمُ مُساوِيًا لِسائِرِ الأجْسامِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ مِثْلًا لَهُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ المُعْتَبَرَ في حُصُولِ المُماثَلَةِ اعْتِبارُ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي هي، لا اعْتِبارُ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ حُجَّةَ أهْلِ التَّوْحِيدِ في غايَةِ القُوَّةِ، وأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي أوْرَدَها هَذا الإنْسانُ إنَّما أوْرَدَها؛ لِأنَّهُ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ، فَجَرى عَلى مَنهَجِ كَلِماتِ العَوامِّ، فاغْتَرَّ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: المَقْصُودُ مِنها نَفْيُ المِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُها يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ المِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ، لا عَنْهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ تَعالى، وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّ العَرَبَ، تَقُولُ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، أيْ: أنْتَ لا تَبْخَلُ، فَنَفَوُا البُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وهم يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: هَذا الكَلامُ لا يُقالُ لِمِثْلِي، أيْ: لا يُقالُ لِي، قالَ الشّاعِرُ: ومِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ، فَإنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَنفِيًّا عَمَّنْ كانَ مُشابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لَهُ، فَلِأنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، والمَقْصُودُ: أنَّ سَلامَ اللَّهِ إذا كانَ واقِعًا عَلى مَجْلِسِهِ ومَوْضِعِهِ فَلِأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ؛ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ هَذا اللَّفْظُ ساقِطًا عَدِيمَ الأثَرِ، بَلْ كانَ مُفِيدًا لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، وهَذا مُحالٌ، فَإثْباتُ المِثْلِ لَهُ مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذا مُحالٌ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكانَ مُساوِيًا لِمِثْلِهِ في تِلْكَ الماهِيَّةِ ومُبايِنًا لَهُ في نَفْسِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ - غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ. فَتَكُونُ ذاتُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ؛ لَما كانَ هو في نَفْسِهِ واجِبَ الوُجُودِ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ ”لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ“ - إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَما كانَ هو شَيْئًا؛ بِناءً عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ لَما كانَ واجِبَ الوُجُودِ، فَهَذا ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى نَفْيِ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الرُّومِ: ٢٧] يَقْتَضِي إثْباتَ المَثَلِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، فَنَقُولُ: المِثْلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لِلشَّيْءِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والمَثَلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الخارِجَةِ عَنِ الماهِيَّةِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في تَمامِ الماهِيَّةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِلْمَسْمُوعاتِ مُبْصِرًا لِلْمَرْئِيّاتِ، فَإنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ قَرْعٌ أوْ قَلْعٌ انْقَلَبَ الهَواءُ مِن بَيْنَ ذَيْنِكَ الجِسْمَيْنِ انْقِلابًا بِعُنْفٍ فَيَتَمَوَّجُ الهَواءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ويَتَأدّى ذَلِكَ التَّمَوُّجُ إلى سَطْحِ الصِّماخِ، فَهَذا هو صفحة ١٣٣ السَّماعُ، وأمّا الإبْصارُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحَدَقَةِ بِصُورَةِ المَرْئِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحاسَّةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ السَّمْعِ والبَصَرِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّماعَ مُغايِرٌ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ أنّا إذا سَمِعْنا الصَّوْتَ عَلِمْنا أنَّهُ مِن أيِّ الجَوانِبِ جاءَ، فَعَلِمْنا أنّا أدْرَكْنا الصَّوْتَ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ الصَّوْتُ في نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إدْراكَ الصَّوْتِ حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأْثِيرِ الصِّماخِ عَنْ تَمَوُّجِ ذَلِكَ الهَواءِ. وأمّا الرُّؤْيَةُ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّها حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأثُّرِ الحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ نُقْطَةَ النّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِباعُ الصُّورَةِ العَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: الصُّورَةُ المُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ، والصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ في نَفْسِ العالَمِ عَظِيمَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِباعِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِنِ امْتِناعِ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ امْتِناعُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ حالَتانِ مُغايِرَتانِ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ إلّا أنَّ حُصُولَهُما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأثُّرِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعًا كانَ حُصُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحاسَّةَ المُسَمّاةَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأثُّرِ، والتَّأثُّرُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ، فَكانَ حُصُولُ الحاسَّةِ المُسَمّاةِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وأنْتُمُ المُدَّعُونَ لِهَذا الِاشْتِراطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِ، وإنَّما نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إلى أنْ تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَما مَعْنى هَذا الحَصْرِ، مَعَ أنَّ العِبادَ أيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ ؟ فَنَقُولُ: السَّمِيعُ والبَصِيرُ لَفْظانِ مُشْعِرانِ بِحُصُولِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، والكَمالُ في كُلِّ الصِّفاتِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذا الحَصْرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهو خالِقُ أنْفُسِنا وأزْواجِنا، وخالِقُ أوْلادِنا مِنّا ومِن أزْواجِنا، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا (فَلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ) والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ بَيانُ القادِرِ المُنْعِمِ الكَرِيمِ الرَّحِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ فَقَوْلُهُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ مَفاتِيحَ الرِّزْقِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَمَقالِيدُ السَّماواتِ الأمْطارُ، ومَقالِيدُ الأرْضِ النَّباتُ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المَقالِيدِ في سُورَةِ الزُّمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ لِأنَّ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَسْطِ والتَّقْدِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ .

الشورى 42:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”ذَلِكَ“ لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ وحْيِ اللَّهِ بِالقُرْآنِ بِشَيْءٍ هَهُنا قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ هَهُنا شَيْءٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ وحْيِ القُرْآنِ بِهِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] يَعْنِي كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ أنَّكَ لَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ولَسْتَ وكِيلًا عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَكُونَ نَذِيرًا لَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى لِأنَّ البَلَدَ لا تَعْقِلُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وأُمُّ القُرى أصْلُ القُرى وهي مَكَّةُ وسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ إجْلالًا لَها؛ لِأنَّ فِيها البَيْتَ ومَقامَ إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تُسَمِّي أصْلَ كُلِّ شَيْءِ أُمَّهُ حَتّى يُقالَ: هَذِهِ القَصِيدَةُ مِن أُمَّهاتِ قَصائِدِ فُلانٍ، ومَن حَوْلَها مِن أهْلِ البَدْوِ والحَضَرِ وأهْلِ المَدَرِ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ، فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْحى إلَيْهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ وأهْلَ القُرى المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ وأنْ لا يَكُونَ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ. والجَوابُ: أنَّ صفحة ١٢٨ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا سِواهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى هَؤُلاءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، أيْضًا لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا، ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وجَبَ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ الأصْلُ أنْ يُقالَ: أنْذَرْتُ فُلانًا بِكَذا، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى بِيَوْمِ الجَمْعِ، وأيْضًا فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى بِعَذابِ يَوْمِ الجَمْعِ وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الجَمْعِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الخَلائِقَ يُجْمَعُونَ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] فَيَجْتَمِعُ فِيهِ أهْلُ السَّماواتِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأرْواحِ والأجْسادِ. الثّالِثُ: يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ عامِلٍ وعَمَلِهِ. الرّابِعُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صِفَةٌ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ تَقْدِيرُهُ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ يَكُونُ القَوْمُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْمِ مُجْتَمِعِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم مُتَفَرِّقِينَ، والجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مُحالٌ، قُلْنا إنَّهم يَجْتَمِعُونَ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُونَ فَرِيقَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُرادُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ لا يَكُنْ في قُدْرَتِكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ البَعْضَ مُؤْمِنًا والبَعْضَ كافِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أدْخَلَهم في الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما أدْخَلَهم في رَحْمَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ إنَّما دَخَلُوا في رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ كانَ لَهم ولِيٌّ ونَصِيرٌ أدْخَلَهم في تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَؤُلاءِ ما كانَ لَهم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ يُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أوَّلًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا ولا حافِظًا، ولا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ شاءُوا أمْ أبَوْا، فَإنَّ هَذا المَعْنى لَوْ كانَ واجِبًا لَفَعَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَ بَعْدَهُ ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما مَنَعَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَحْمِلَ الكُفّارَ عَلى الإيمانِ قَهْرًا، فَكَذَلِكَ مَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَشْرَعُوا مَعَهم في الخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، فَقالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ ومُعاقَبَةُ المُبْطِلِينَ، وقِيلَ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ وتَنازَعْتُمْ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولا تُؤَثِّرُ حُكُومَةُ غَيْرِهِ عَلى حُكُومَتِهِ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكم فِيهِ خِلافٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عَمَلِهِ كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، قالَ تَعالى: صفحة ١٢٩ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِن نَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوِ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القِياسِ عَلى ما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالقِياسِ بِأنَّهُ باطِلٌ، فَيُعْتَبَرُ الأوَّلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالنَّصِّ، وذَلِكَ يَنْفِي العَمَلَ بِالقِياسِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ يُعْرَفُ مِن بَيانِ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ البَيانُ بِالنَّصِّ أوْ بِالقِياسِ ؟ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ قَطْعُ الِاخْتِلافِ، والرُّجُوعُ إلى القِياسِ يُقَوِّي حُكْمَ الِاخْتِلافِ ولا يُوَضِّحُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ هو الرُّجُوعَ إلى نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أيْ ذَلِكُمُ الحاكِمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وفي طَلَبِ كُلِّ خَيْرٍ ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ وإلَيْهِ أرْجِعُ في كُلِّ المُهِمّاتِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ، وهو إشارَةٌ إلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ والجَرِّ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكم“، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجَرُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هَكَذا: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم مِنَ النّاسِ ﴿أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، ومَعْناهُ: وخَلَقَ أيْضًا لِلْأنْعامِ مِن أنْفُسِها أزْواجًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يُكَثِّرُكم، يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ كَثَّرَهم، وقَوْلُهُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو التَّزْوِيجُ، وهو أنْ جَعَلَ النّاسَ والأنْعامَ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ النّاسِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ. الثّانِي: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”يَذْرَؤُكم“ في هَذا التَّدْبِيرِ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْنا: جُعِلَ هَذا التَّدْبِيرُ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِهَذا التَّكْثِيرِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ وحاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مِثْلًا لِسائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ الأمْثالِ والأشْباهِ لَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويُمْكِنُ إيرادُ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيُقالُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ماهِيّاتِ الذّاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ في الصِّفاتِ شَيْءٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ العِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ، كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالمُماثَلَةِ صفحة ١٣٠ المُساواةُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ شَيْئًا مِنَ الذَّواتِ لا يُساوِي اللَّهَ تَعالى في الذّاتِيَّةِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جِسْمًا، لَكانَ كَوْنُهُ جِسْمًا ذاتًا لا صِفَةً، فَإذا كانَ سائِرُ الأجْسامِ مُساوِيَةً لَهُ في الجِسْمِيَّةِ، أعْنِي في كَوْنِها مُتَحَيِّزَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً عَمِيقَةً، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سائِرُ الأجْسامِ مُماثِلَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى في كَوْنِهِ ذاتًا، والنَّصُّ يَنْفِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا. واعْلَمْ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أوْرَدَ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ ”بِالتَّوْحِيدِ“، وهو في الحَقِيقَةِ كِتابُ الشِّرْكِ، واعْتَرَضَ عَلَيْها، وأنا أذْكُرُ حاصِلَ كَلامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلاتِ، لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الكَلامِ، قَلِيلَ الفَهْمِ، ناقِصَ العَقْلِ، فَقالَ: ”نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وجْهًا، ونَقُولُ: إنَّ لِوَجْهِ رَبِّنا مِنَ النُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ ما لَوْ كُشِفَ حِجابُهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ، ووَجْهُ رَبِّنا مَنفِيٌّ عَنْهُ الهَلاكُ والفَناءُ، ونَقُولُ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْها الهَلاكَ والفَناءَ، ونَفى عَنْها الجَلالَ والإكْرامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ، ولَوْ كانَ مُجَرَّدُ إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ لَكانَ مَن قالَ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا ولِلْخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ وُجُوهًا، لَكانَ قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ. ثُمَّ قالَ: ولا شَكَّ أنَّهُ اعْتِقادُ الجَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: وجْهُكَ يُشْبِهُ وجْهَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ لَغَضِبَ ولَشافَهَهُ بِالسُّوءِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ لِلَّهِ إثْباتُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ“ . وذَكَرَ في فَصْلٍ آخَرَ مِن هَذا الكِتابِ ”أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى وُقُوعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنها أنْ يَكُونَ القائِلُ مُشَبِّهًا، فَكَذا هَهُنا“ ونَحْنُ نَعُدُّ الصُّوَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلى الِاسْتِقْصاءِ. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقالَ في حَقِّ الإنْسانِ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ٢] . الثّانِي: قالَ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النَّحْلِ: ٧٩] الثّالِثُ: قالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هُودٍ: ٣٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣] الرّابِعُ: قالَ لِإبْلِيسَ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥١]، ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾، [الحَجِّ: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، [الفَتْحِ: ١٠] الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقالَ في الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وقالَ في سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هُودٍ: ٤٤] السّادِسُ: سَمّى نَفْسَهُ عَزِيزًا، فَقالَ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يُوسُفَ: ٧٨]، ﴿ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ [يُوسُفَ: ٨٨] . السّابِعُ: سَمّى نَفْسَهُ بِالمَلِكِ، وسَمّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أيْضًا بِالمَلِكِ، فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٤] وسَمّى نَفْسَهُ بِالعَظِيمِ، ثُمَّ أوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وسَمّى نَفْسَهُ بِالجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، وأوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ في ضَرْبِ الأمْثِلَةِ مِن هَذا الجِنْسِ، وقالَ: ومَن وقَفَ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَهُ الإكْثارُ مِنها، فَهَذا ما أوْرَدَهُ هَذا الرَّجُلُ في هَذا الكِتابِ. صفحة ١٣١ وأقُولُ: هَذا المِسْكِينُ الجاهِلُ إنَّما وقَعَ في أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ المِثْلَيْنِ، وعُلَماءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الكَلامَ في المِثْلَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: المِثْلانِ هُما اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرى، فَنَقُولُ: المُعْتَبَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، إمّا تَمامُ ماهِيَّتِهِ، وإمّا جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّتِهِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وهَذا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإنّا نَرى الحَبَّةَ مِنَ الحُصْرُمِ كانَتْ في غايَةِ الخُضْرَةِ والحُمُوضَةِ، ثُمَّ صارَتْ في غايَةِ السَّوادِ والحَلاوَةِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ والذّاتُ الباقِيَةُ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأيْضًا نَرى الشَّعْرَ قَدْ كانَ في غايَةِ السَّوادِ ثُمَّ صارَ في غايَةِ البَياضِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُتَبَدِّلَةٌ، والباقِي غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الذَّواتَ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الصِّفاتِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ البَتَّةَ، لِأنّا نَرى الجِسْمَ الواحِدَ كانَ ساكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالذَّواتُ باقِيَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ ونَسَقٍ واحِدٍ، والصِّفاتُ مُتَعاقِبَةٌ مُتَزايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اخْتِلافَ الصِّفاتِ والأعْراضِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأجْسامُ مِنها تَألَّفَ وجْهُ الكَلْبِ والقِرْدِ - مُساوِيَةٌ لِلْأجْسامِ الَّتِي تَألَّفَ مِنها وجْهُ الإنْسانِ والفَرَسِ، وإنَّما حَصَلَ الِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الأعْراضِ القائِمَةِ، وهي الألْوانُ والأشْكالُ والخُشُونَةُ والمَلاسَةُ وحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وعَدَمُ حُصُولِها، فالِاخْتِلافُ إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ في الصِّفاتِ والأعْراضِ، فَأمّا ذَواتُ الأجْسامِ فَهي مُتَماثِلَةٌ إلّا أنَّ العَوامَّ لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الذَّواتِ وبَيْنَ الصِّفاتِ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ إنَّ وجْهَ الإنْسانِ مُخالِفٌ لِوَجْهِ الحِمارِ، ولَقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَأمّا الأجْسامُ مِن حَيْثُ إنَّها أجْسامٌ فَهي مُتَماثِلَةٌ مُتَساوِيَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مِنَ العَوامِّ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ المُعْتَبَرَ في التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ حَقائِقُ الأشْياءِ وماهِيّاتُها، لا الأعْراضُ والصِّفاتُ القائِمَةُ بِها، بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أوْ لا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلَهُ العالَمِ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الفَلَكُ أوِ العَرْشُ أوِ الكُرْسِيُّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الجِسْمُ مُخالِفًا لِماهِيَّةِ سائِرِ الأجْسامِ، فَكانَ هو قَدِيمًا أزَلِيًّا واجِبَ الوُجُودِ، وسائِرُ الأجْسامِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، ولَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُسْقِطُوا هَذا الإلْزامَ عَنِ المُجَسِّمَةِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قالُوا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأفْلاكَ كُلَّها مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، فَيُقالُ: هَذا مِن بابِ الحَماقَةِ المُفْرِطَةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ القُرْآنِ وصِحَّةَ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ مُفَرَّعَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَإثْباتُ مَعْرِفَةِ الإلَهِ بِالقُرْآنِ وقَوْلِ النَّبِيِّ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ يَفْهَمُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ. والمَقامُ الثّانِي: أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ أقامُوا البُرْهانَ القاطِعَ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ في الذَّواتِ والحَقِيقَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ جِسْمًا لَكانَتْ ذاتُهُ مُساوِيَةً لِذَواتِ الأجْسامِ، إلّا أنَّ هَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ ذاتَهُ إذا كانَتْ مُساوِيَةً لِذَواتِ سائِرِ الأجْسامِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ ما يَصِحُّ عَلى سائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا قابِلًا لِلْعَدَمِ والفَناءِ قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وأمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنّا لا نَقُولُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِاسْتِواءُ في صفحة ١٣٢ الصِّفَةِ لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِواءِ في تَمامِ الحَقِيقَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَتْ ذاتُهُ جِسْمًا لَكانَ ذَلِكَ الجِسْمُ مُساوِيًا لِسائِرِ الأجْسامِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ مِثْلًا لَهُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ المُعْتَبَرَ في حُصُولِ المُماثَلَةِ اعْتِبارُ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي هي، لا اعْتِبارُ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ حُجَّةَ أهْلِ التَّوْحِيدِ في غايَةِ القُوَّةِ، وأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي أوْرَدَها هَذا الإنْسانُ إنَّما أوْرَدَها؛ لِأنَّهُ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ، فَجَرى عَلى مَنهَجِ كَلِماتِ العَوامِّ، فاغْتَرَّ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: المَقْصُودُ مِنها نَفْيُ المِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُها يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ المِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ، لا عَنْهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ تَعالى، وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّ العَرَبَ، تَقُولُ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، أيْ: أنْتَ لا تَبْخَلُ، فَنَفَوُا البُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وهم يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: هَذا الكَلامُ لا يُقالُ لِمِثْلِي، أيْ: لا يُقالُ لِي، قالَ الشّاعِرُ: ومِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ، فَإنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَنفِيًّا عَمَّنْ كانَ مُشابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لَهُ، فَلِأنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، والمَقْصُودُ: أنَّ سَلامَ اللَّهِ إذا كانَ واقِعًا عَلى مَجْلِسِهِ ومَوْضِعِهِ فَلِأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ؛ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ هَذا اللَّفْظُ ساقِطًا عَدِيمَ الأثَرِ، بَلْ كانَ مُفِيدًا لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، وهَذا مُحالٌ، فَإثْباتُ المِثْلِ لَهُ مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذا مُحالٌ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكانَ مُساوِيًا لِمِثْلِهِ في تِلْكَ الماهِيَّةِ ومُبايِنًا لَهُ في نَفْسِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ - غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ. فَتَكُونُ ذاتُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ؛ لَما كانَ هو في نَفْسِهِ واجِبَ الوُجُودِ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ ”لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ“ - إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَما كانَ هو شَيْئًا؛ بِناءً عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ لَما كانَ واجِبَ الوُجُودِ، فَهَذا ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى نَفْيِ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الرُّومِ: ٢٧] يَقْتَضِي إثْباتَ المَثَلِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، فَنَقُولُ: المِثْلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لِلشَّيْءِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والمَثَلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الخارِجَةِ عَنِ الماهِيَّةِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في تَمامِ الماهِيَّةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِلْمَسْمُوعاتِ مُبْصِرًا لِلْمَرْئِيّاتِ، فَإنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ قَرْعٌ أوْ قَلْعٌ انْقَلَبَ الهَواءُ مِن بَيْنَ ذَيْنِكَ الجِسْمَيْنِ انْقِلابًا بِعُنْفٍ فَيَتَمَوَّجُ الهَواءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ويَتَأدّى ذَلِكَ التَّمَوُّجُ إلى سَطْحِ الصِّماخِ، فَهَذا هو صفحة ١٣٣ السَّماعُ، وأمّا الإبْصارُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحَدَقَةِ بِصُورَةِ المَرْئِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحاسَّةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ السَّمْعِ والبَصَرِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّماعَ مُغايِرٌ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ أنّا إذا سَمِعْنا الصَّوْتَ عَلِمْنا أنَّهُ مِن أيِّ الجَوانِبِ جاءَ، فَعَلِمْنا أنّا أدْرَكْنا الصَّوْتَ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ الصَّوْتُ في نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إدْراكَ الصَّوْتِ حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأْثِيرِ الصِّماخِ عَنْ تَمَوُّجِ ذَلِكَ الهَواءِ. وأمّا الرُّؤْيَةُ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّها حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأثُّرِ الحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ نُقْطَةَ النّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِباعُ الصُّورَةِ العَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: الصُّورَةُ المُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ، والصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ في نَفْسِ العالَمِ عَظِيمَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِباعِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِنِ امْتِناعِ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ امْتِناعُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ حالَتانِ مُغايِرَتانِ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ إلّا أنَّ حُصُولَهُما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأثُّرِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعًا كانَ حُصُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحاسَّةَ المُسَمّاةَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأثُّرِ، والتَّأثُّرُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ، فَكانَ حُصُولُ الحاسَّةِ المُسَمّاةِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وأنْتُمُ المُدَّعُونَ لِهَذا الِاشْتِراطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِ، وإنَّما نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إلى أنْ تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَما مَعْنى هَذا الحَصْرِ، مَعَ أنَّ العِبادَ أيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ ؟ فَنَقُولُ: السَّمِيعُ والبَصِيرُ لَفْظانِ مُشْعِرانِ بِحُصُولِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، والكَمالُ في كُلِّ الصِّفاتِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذا الحَصْرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهو خالِقُ أنْفُسِنا وأزْواجِنا، وخالِقُ أوْلادِنا مِنّا ومِن أزْواجِنا، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا (فَلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ) والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ بَيانُ القادِرِ المُنْعِمِ الكَرِيمِ الرَّحِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ فَقَوْلُهُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ مَفاتِيحَ الرِّزْقِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَمَقالِيدُ السَّماواتِ الأمْطارُ، ومَقالِيدُ الأرْضِ النَّباتُ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المَقالِيدِ في سُورَةِ الزُّمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ لِأنَّ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَسْطِ والتَّقْدِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ .

الشورى 42:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”ذَلِكَ“ لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ وحْيِ اللَّهِ بِالقُرْآنِ بِشَيْءٍ هَهُنا قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ هَهُنا شَيْءٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ وحْيِ القُرْآنِ بِهِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] يَعْنِي كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ أنَّكَ لَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ولَسْتَ وكِيلًا عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَكُونَ نَذِيرًا لَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى لِأنَّ البَلَدَ لا تَعْقِلُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وأُمُّ القُرى أصْلُ القُرى وهي مَكَّةُ وسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ إجْلالًا لَها؛ لِأنَّ فِيها البَيْتَ ومَقامَ إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تُسَمِّي أصْلَ كُلِّ شَيْءِ أُمَّهُ حَتّى يُقالَ: هَذِهِ القَصِيدَةُ مِن أُمَّهاتِ قَصائِدِ فُلانٍ، ومَن حَوْلَها مِن أهْلِ البَدْوِ والحَضَرِ وأهْلِ المَدَرِ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ، فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْحى إلَيْهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ وأهْلَ القُرى المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ وأنْ لا يَكُونَ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ. والجَوابُ: أنَّ صفحة ١٢٨ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا سِواهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى هَؤُلاءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، أيْضًا لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا، ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وجَبَ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ الأصْلُ أنْ يُقالَ: أنْذَرْتُ فُلانًا بِكَذا، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى بِيَوْمِ الجَمْعِ، وأيْضًا فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى بِعَذابِ يَوْمِ الجَمْعِ وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الجَمْعِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الخَلائِقَ يُجْمَعُونَ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] فَيَجْتَمِعُ فِيهِ أهْلُ السَّماواتِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأرْواحِ والأجْسادِ. الثّالِثُ: يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ عامِلٍ وعَمَلِهِ. الرّابِعُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صِفَةٌ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ تَقْدِيرُهُ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ يَكُونُ القَوْمُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْمِ مُجْتَمِعِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم مُتَفَرِّقِينَ، والجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مُحالٌ، قُلْنا إنَّهم يَجْتَمِعُونَ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُونَ فَرِيقَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُرادُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ لا يَكُنْ في قُدْرَتِكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ البَعْضَ مُؤْمِنًا والبَعْضَ كافِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أدْخَلَهم في الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما أدْخَلَهم في رَحْمَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ إنَّما دَخَلُوا في رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ كانَ لَهم ولِيٌّ ونَصِيرٌ أدْخَلَهم في تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَؤُلاءِ ما كانَ لَهم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ يُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أوَّلًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا ولا حافِظًا، ولا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ شاءُوا أمْ أبَوْا، فَإنَّ هَذا المَعْنى لَوْ كانَ واجِبًا لَفَعَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَ بَعْدَهُ ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما مَنَعَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَحْمِلَ الكُفّارَ عَلى الإيمانِ قَهْرًا، فَكَذَلِكَ مَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَشْرَعُوا مَعَهم في الخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، فَقالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ ومُعاقَبَةُ المُبْطِلِينَ، وقِيلَ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ وتَنازَعْتُمْ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولا تُؤَثِّرُ حُكُومَةُ غَيْرِهِ عَلى حُكُومَتِهِ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكم فِيهِ خِلافٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عَمَلِهِ كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، قالَ تَعالى: صفحة ١٢٩ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِن نَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوِ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القِياسِ عَلى ما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالقِياسِ بِأنَّهُ باطِلٌ، فَيُعْتَبَرُ الأوَّلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالنَّصِّ، وذَلِكَ يَنْفِي العَمَلَ بِالقِياسِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ يُعْرَفُ مِن بَيانِ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ البَيانُ بِالنَّصِّ أوْ بِالقِياسِ ؟ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ قَطْعُ الِاخْتِلافِ، والرُّجُوعُ إلى القِياسِ يُقَوِّي حُكْمَ الِاخْتِلافِ ولا يُوَضِّحُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ هو الرُّجُوعَ إلى نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أيْ ذَلِكُمُ الحاكِمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وفي طَلَبِ كُلِّ خَيْرٍ ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ وإلَيْهِ أرْجِعُ في كُلِّ المُهِمّاتِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ، وهو إشارَةٌ إلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ والجَرِّ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكم“، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجَرُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هَكَذا: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم مِنَ النّاسِ ﴿أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، ومَعْناهُ: وخَلَقَ أيْضًا لِلْأنْعامِ مِن أنْفُسِها أزْواجًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يُكَثِّرُكم، يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ كَثَّرَهم، وقَوْلُهُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو التَّزْوِيجُ، وهو أنْ جَعَلَ النّاسَ والأنْعامَ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ النّاسِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ. الثّانِي: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”يَذْرَؤُكم“ في هَذا التَّدْبِيرِ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْنا: جُعِلَ هَذا التَّدْبِيرُ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِهَذا التَّكْثِيرِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ وحاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مِثْلًا لِسائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ الأمْثالِ والأشْباهِ لَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويُمْكِنُ إيرادُ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيُقالُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ماهِيّاتِ الذّاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ في الصِّفاتِ شَيْءٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ العِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ، كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالمُماثَلَةِ صفحة ١٣٠ المُساواةُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ شَيْئًا مِنَ الذَّواتِ لا يُساوِي اللَّهَ تَعالى في الذّاتِيَّةِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جِسْمًا، لَكانَ كَوْنُهُ جِسْمًا ذاتًا لا صِفَةً، فَإذا كانَ سائِرُ الأجْسامِ مُساوِيَةً لَهُ في الجِسْمِيَّةِ، أعْنِي في كَوْنِها مُتَحَيِّزَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً عَمِيقَةً، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سائِرُ الأجْسامِ مُماثِلَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى في كَوْنِهِ ذاتًا، والنَّصُّ يَنْفِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا. واعْلَمْ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أوْرَدَ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ ”بِالتَّوْحِيدِ“، وهو في الحَقِيقَةِ كِتابُ الشِّرْكِ، واعْتَرَضَ عَلَيْها، وأنا أذْكُرُ حاصِلَ كَلامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلاتِ، لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الكَلامِ، قَلِيلَ الفَهْمِ، ناقِصَ العَقْلِ، فَقالَ: ”نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وجْهًا، ونَقُولُ: إنَّ لِوَجْهِ رَبِّنا مِنَ النُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ ما لَوْ كُشِفَ حِجابُهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ، ووَجْهُ رَبِّنا مَنفِيٌّ عَنْهُ الهَلاكُ والفَناءُ، ونَقُولُ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْها الهَلاكَ والفَناءَ، ونَفى عَنْها الجَلالَ والإكْرامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ، ولَوْ كانَ مُجَرَّدُ إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ لَكانَ مَن قالَ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا ولِلْخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ وُجُوهًا، لَكانَ قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ. ثُمَّ قالَ: ولا شَكَّ أنَّهُ اعْتِقادُ الجَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: وجْهُكَ يُشْبِهُ وجْهَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ لَغَضِبَ ولَشافَهَهُ بِالسُّوءِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ لِلَّهِ إثْباتُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ“ . وذَكَرَ في فَصْلٍ آخَرَ مِن هَذا الكِتابِ ”أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى وُقُوعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنها أنْ يَكُونَ القائِلُ مُشَبِّهًا، فَكَذا هَهُنا“ ونَحْنُ نَعُدُّ الصُّوَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلى الِاسْتِقْصاءِ. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقالَ في حَقِّ الإنْسانِ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ٢] . الثّانِي: قالَ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النَّحْلِ: ٧٩] الثّالِثُ: قالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هُودٍ: ٣٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣] الرّابِعُ: قالَ لِإبْلِيسَ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥١]، ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾، [الحَجِّ: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، [الفَتْحِ: ١٠] الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقالَ في الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وقالَ في سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هُودٍ: ٤٤] السّادِسُ: سَمّى نَفْسَهُ عَزِيزًا، فَقالَ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يُوسُفَ: ٧٨]، ﴿ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ [يُوسُفَ: ٨٨] . السّابِعُ: سَمّى نَفْسَهُ بِالمَلِكِ، وسَمّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أيْضًا بِالمَلِكِ، فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٤] وسَمّى نَفْسَهُ بِالعَظِيمِ، ثُمَّ أوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وسَمّى نَفْسَهُ بِالجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، وأوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ في ضَرْبِ الأمْثِلَةِ مِن هَذا الجِنْسِ، وقالَ: ومَن وقَفَ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَهُ الإكْثارُ مِنها، فَهَذا ما أوْرَدَهُ هَذا الرَّجُلُ في هَذا الكِتابِ. صفحة ١٣١ وأقُولُ: هَذا المِسْكِينُ الجاهِلُ إنَّما وقَعَ في أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ المِثْلَيْنِ، وعُلَماءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الكَلامَ في المِثْلَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: المِثْلانِ هُما اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرى، فَنَقُولُ: المُعْتَبَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، إمّا تَمامُ ماهِيَّتِهِ، وإمّا جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّتِهِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وهَذا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإنّا نَرى الحَبَّةَ مِنَ الحُصْرُمِ كانَتْ في غايَةِ الخُضْرَةِ والحُمُوضَةِ، ثُمَّ صارَتْ في غايَةِ السَّوادِ والحَلاوَةِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ والذّاتُ الباقِيَةُ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأيْضًا نَرى الشَّعْرَ قَدْ كانَ في غايَةِ السَّوادِ ثُمَّ صارَ في غايَةِ البَياضِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُتَبَدِّلَةٌ، والباقِي غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الذَّواتَ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الصِّفاتِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ البَتَّةَ، لِأنّا نَرى الجِسْمَ الواحِدَ كانَ ساكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالذَّواتُ باقِيَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ ونَسَقٍ واحِدٍ، والصِّفاتُ مُتَعاقِبَةٌ مُتَزايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اخْتِلافَ الصِّفاتِ والأعْراضِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأجْسامُ مِنها تَألَّفَ وجْهُ الكَلْبِ والقِرْدِ - مُساوِيَةٌ لِلْأجْسامِ الَّتِي تَألَّفَ مِنها وجْهُ الإنْسانِ والفَرَسِ، وإنَّما حَصَلَ الِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الأعْراضِ القائِمَةِ، وهي الألْوانُ والأشْكالُ والخُشُونَةُ والمَلاسَةُ وحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وعَدَمُ حُصُولِها، فالِاخْتِلافُ إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ في الصِّفاتِ والأعْراضِ، فَأمّا ذَواتُ الأجْسامِ فَهي مُتَماثِلَةٌ إلّا أنَّ العَوامَّ لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الذَّواتِ وبَيْنَ الصِّفاتِ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ إنَّ وجْهَ الإنْسانِ مُخالِفٌ لِوَجْهِ الحِمارِ، ولَقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَأمّا الأجْسامُ مِن حَيْثُ إنَّها أجْسامٌ فَهي مُتَماثِلَةٌ مُتَساوِيَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مِنَ العَوامِّ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ المُعْتَبَرَ في التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ حَقائِقُ الأشْياءِ وماهِيّاتُها، لا الأعْراضُ والصِّفاتُ القائِمَةُ بِها، بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أوْ لا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلَهُ العالَمِ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الفَلَكُ أوِ العَرْشُ أوِ الكُرْسِيُّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الجِسْمُ مُخالِفًا لِماهِيَّةِ سائِرِ الأجْسامِ، فَكانَ هو قَدِيمًا أزَلِيًّا واجِبَ الوُجُودِ، وسائِرُ الأجْسامِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، ولَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُسْقِطُوا هَذا الإلْزامَ عَنِ المُجَسِّمَةِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قالُوا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأفْلاكَ كُلَّها مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، فَيُقالُ: هَذا مِن بابِ الحَماقَةِ المُفْرِطَةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ القُرْآنِ وصِحَّةَ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ مُفَرَّعَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَإثْباتُ مَعْرِفَةِ الإلَهِ بِالقُرْآنِ وقَوْلِ النَّبِيِّ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ يَفْهَمُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ. والمَقامُ الثّانِي: أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ أقامُوا البُرْهانَ القاطِعَ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ في الذَّواتِ والحَقِيقَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ جِسْمًا لَكانَتْ ذاتُهُ مُساوِيَةً لِذَواتِ الأجْسامِ، إلّا أنَّ هَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ ذاتَهُ إذا كانَتْ مُساوِيَةً لِذَواتِ سائِرِ الأجْسامِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ ما يَصِحُّ عَلى سائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا قابِلًا لِلْعَدَمِ والفَناءِ قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وأمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنّا لا نَقُولُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِاسْتِواءُ في صفحة ١٣٢ الصِّفَةِ لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِواءِ في تَمامِ الحَقِيقَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَتْ ذاتُهُ جِسْمًا لَكانَ ذَلِكَ الجِسْمُ مُساوِيًا لِسائِرِ الأجْسامِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ مِثْلًا لَهُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ المُعْتَبَرَ في حُصُولِ المُماثَلَةِ اعْتِبارُ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي هي، لا اعْتِبارُ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ حُجَّةَ أهْلِ التَّوْحِيدِ في غايَةِ القُوَّةِ، وأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي أوْرَدَها هَذا الإنْسانُ إنَّما أوْرَدَها؛ لِأنَّهُ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ، فَجَرى عَلى مَنهَجِ كَلِماتِ العَوامِّ، فاغْتَرَّ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: المَقْصُودُ مِنها نَفْيُ المِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُها يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ المِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ، لا عَنْهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ تَعالى، وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّ العَرَبَ، تَقُولُ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، أيْ: أنْتَ لا تَبْخَلُ، فَنَفَوُا البُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وهم يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: هَذا الكَلامُ لا يُقالُ لِمِثْلِي، أيْ: لا يُقالُ لِي، قالَ الشّاعِرُ: ومِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ، فَإنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَنفِيًّا عَمَّنْ كانَ مُشابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لَهُ، فَلِأنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، والمَقْصُودُ: أنَّ سَلامَ اللَّهِ إذا كانَ واقِعًا عَلى مَجْلِسِهِ ومَوْضِعِهِ فَلِأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ؛ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ هَذا اللَّفْظُ ساقِطًا عَدِيمَ الأثَرِ، بَلْ كانَ مُفِيدًا لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، وهَذا مُحالٌ، فَإثْباتُ المِثْلِ لَهُ مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذا مُحالٌ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكانَ مُساوِيًا لِمِثْلِهِ في تِلْكَ الماهِيَّةِ ومُبايِنًا لَهُ في نَفْسِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ - غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ. فَتَكُونُ ذاتُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ؛ لَما كانَ هو في نَفْسِهِ واجِبَ الوُجُودِ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ ”لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ“ - إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَما كانَ هو شَيْئًا؛ بِناءً عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ لَما كانَ واجِبَ الوُجُودِ، فَهَذا ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى نَفْيِ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الرُّومِ: ٢٧] يَقْتَضِي إثْباتَ المَثَلِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، فَنَقُولُ: المِثْلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لِلشَّيْءِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والمَثَلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الخارِجَةِ عَنِ الماهِيَّةِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في تَمامِ الماهِيَّةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِلْمَسْمُوعاتِ مُبْصِرًا لِلْمَرْئِيّاتِ، فَإنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ قَرْعٌ أوْ قَلْعٌ انْقَلَبَ الهَواءُ مِن بَيْنَ ذَيْنِكَ الجِسْمَيْنِ انْقِلابًا بِعُنْفٍ فَيَتَمَوَّجُ الهَواءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ويَتَأدّى ذَلِكَ التَّمَوُّجُ إلى سَطْحِ الصِّماخِ، فَهَذا هو صفحة ١٣٣ السَّماعُ، وأمّا الإبْصارُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحَدَقَةِ بِصُورَةِ المَرْئِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحاسَّةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ السَّمْعِ والبَصَرِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّماعَ مُغايِرٌ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ أنّا إذا سَمِعْنا الصَّوْتَ عَلِمْنا أنَّهُ مِن أيِّ الجَوانِبِ جاءَ، فَعَلِمْنا أنّا أدْرَكْنا الصَّوْتَ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ الصَّوْتُ في نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إدْراكَ الصَّوْتِ حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأْثِيرِ الصِّماخِ عَنْ تَمَوُّجِ ذَلِكَ الهَواءِ. وأمّا الرُّؤْيَةُ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّها حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأثُّرِ الحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ نُقْطَةَ النّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِباعُ الصُّورَةِ العَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: الصُّورَةُ المُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ، والصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ في نَفْسِ العالَمِ عَظِيمَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِباعِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِنِ امْتِناعِ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ امْتِناعُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ حالَتانِ مُغايِرَتانِ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ إلّا أنَّ حُصُولَهُما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأثُّرِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعًا كانَ حُصُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحاسَّةَ المُسَمّاةَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأثُّرِ، والتَّأثُّرُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ، فَكانَ حُصُولُ الحاسَّةِ المُسَمّاةِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وأنْتُمُ المُدَّعُونَ لِهَذا الِاشْتِراطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِ، وإنَّما نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إلى أنْ تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَما مَعْنى هَذا الحَصْرِ، مَعَ أنَّ العِبادَ أيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ ؟ فَنَقُولُ: السَّمِيعُ والبَصِيرُ لَفْظانِ مُشْعِرانِ بِحُصُولِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، والكَمالُ في كُلِّ الصِّفاتِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذا الحَصْرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهو خالِقُ أنْفُسِنا وأزْواجِنا، وخالِقُ أوْلادِنا مِنّا ومِن أزْواجِنا، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا (فَلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ) والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ بَيانُ القادِرِ المُنْعِمِ الكَرِيمِ الرَّحِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ فَقَوْلُهُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ مَفاتِيحَ الرِّزْقِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَمَقالِيدُ السَّماواتِ الأمْطارُ، ومَقالِيدُ الأرْضِ النَّباتُ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المَقالِيدِ في سُورَةِ الزُّمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ لِأنَّ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَسْطِ والتَّقْدِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ .

الشورى 42:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”ذَلِكَ“ لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ وحْيِ اللَّهِ بِالقُرْآنِ بِشَيْءٍ هَهُنا قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ هَهُنا شَيْءٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ وحْيِ القُرْآنِ بِهِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] يَعْنِي كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ أنَّكَ لَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ولَسْتَ وكِيلًا عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَكُونَ نَذِيرًا لَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى لِأنَّ البَلَدَ لا تَعْقِلُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وأُمُّ القُرى أصْلُ القُرى وهي مَكَّةُ وسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ إجْلالًا لَها؛ لِأنَّ فِيها البَيْتَ ومَقامَ إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تُسَمِّي أصْلَ كُلِّ شَيْءِ أُمَّهُ حَتّى يُقالَ: هَذِهِ القَصِيدَةُ مِن أُمَّهاتِ قَصائِدِ فُلانٍ، ومَن حَوْلَها مِن أهْلِ البَدْوِ والحَضَرِ وأهْلِ المَدَرِ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ، فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْحى إلَيْهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ وأهْلَ القُرى المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ وأنْ لا يَكُونَ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ. والجَوابُ: أنَّ صفحة ١٢٨ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا سِواهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى هَؤُلاءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، أيْضًا لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا، ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وجَبَ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ الأصْلُ أنْ يُقالَ: أنْذَرْتُ فُلانًا بِكَذا، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى بِيَوْمِ الجَمْعِ، وأيْضًا فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى بِعَذابِ يَوْمِ الجَمْعِ وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الجَمْعِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الخَلائِقَ يُجْمَعُونَ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] فَيَجْتَمِعُ فِيهِ أهْلُ السَّماواتِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأرْواحِ والأجْسادِ. الثّالِثُ: يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ عامِلٍ وعَمَلِهِ. الرّابِعُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صِفَةٌ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ تَقْدِيرُهُ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ يَكُونُ القَوْمُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْمِ مُجْتَمِعِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم مُتَفَرِّقِينَ، والجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مُحالٌ، قُلْنا إنَّهم يَجْتَمِعُونَ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُونَ فَرِيقَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُرادُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ لا يَكُنْ في قُدْرَتِكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ البَعْضَ مُؤْمِنًا والبَعْضَ كافِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أدْخَلَهم في الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما أدْخَلَهم في رَحْمَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ إنَّما دَخَلُوا في رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ كانَ لَهم ولِيٌّ ونَصِيرٌ أدْخَلَهم في تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَؤُلاءِ ما كانَ لَهم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ يُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أوَّلًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا ولا حافِظًا، ولا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ شاءُوا أمْ أبَوْا، فَإنَّ هَذا المَعْنى لَوْ كانَ واجِبًا لَفَعَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَ بَعْدَهُ ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما مَنَعَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَحْمِلَ الكُفّارَ عَلى الإيمانِ قَهْرًا، فَكَذَلِكَ مَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَشْرَعُوا مَعَهم في الخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، فَقالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ ومُعاقَبَةُ المُبْطِلِينَ، وقِيلَ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ وتَنازَعْتُمْ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولا تُؤَثِّرُ حُكُومَةُ غَيْرِهِ عَلى حُكُومَتِهِ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكم فِيهِ خِلافٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عَمَلِهِ كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، قالَ تَعالى: صفحة ١٢٩ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِن نَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوِ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القِياسِ عَلى ما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالقِياسِ بِأنَّهُ باطِلٌ، فَيُعْتَبَرُ الأوَّلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالنَّصِّ، وذَلِكَ يَنْفِي العَمَلَ بِالقِياسِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ يُعْرَفُ مِن بَيانِ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ البَيانُ بِالنَّصِّ أوْ بِالقِياسِ ؟ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ قَطْعُ الِاخْتِلافِ، والرُّجُوعُ إلى القِياسِ يُقَوِّي حُكْمَ الِاخْتِلافِ ولا يُوَضِّحُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ هو الرُّجُوعَ إلى نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أيْ ذَلِكُمُ الحاكِمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وفي طَلَبِ كُلِّ خَيْرٍ ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ وإلَيْهِ أرْجِعُ في كُلِّ المُهِمّاتِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ، وهو إشارَةٌ إلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ والجَرِّ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكم“، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجَرُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هَكَذا: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم مِنَ النّاسِ ﴿أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، ومَعْناهُ: وخَلَقَ أيْضًا لِلْأنْعامِ مِن أنْفُسِها أزْواجًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يُكَثِّرُكم، يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ كَثَّرَهم، وقَوْلُهُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو التَّزْوِيجُ، وهو أنْ جَعَلَ النّاسَ والأنْعامَ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ النّاسِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ. الثّانِي: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”يَذْرَؤُكم“ في هَذا التَّدْبِيرِ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْنا: جُعِلَ هَذا التَّدْبِيرُ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِهَذا التَّكْثِيرِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ وحاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مِثْلًا لِسائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ الأمْثالِ والأشْباهِ لَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويُمْكِنُ إيرادُ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيُقالُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ماهِيّاتِ الذّاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ في الصِّفاتِ شَيْءٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ العِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ، كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالمُماثَلَةِ صفحة ١٣٠ المُساواةُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ شَيْئًا مِنَ الذَّواتِ لا يُساوِي اللَّهَ تَعالى في الذّاتِيَّةِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جِسْمًا، لَكانَ كَوْنُهُ جِسْمًا ذاتًا لا صِفَةً، فَإذا كانَ سائِرُ الأجْسامِ مُساوِيَةً لَهُ في الجِسْمِيَّةِ، أعْنِي في كَوْنِها مُتَحَيِّزَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً عَمِيقَةً، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سائِرُ الأجْسامِ مُماثِلَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى في كَوْنِهِ ذاتًا، والنَّصُّ يَنْفِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا. واعْلَمْ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أوْرَدَ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ ”بِالتَّوْحِيدِ“، وهو في الحَقِيقَةِ كِتابُ الشِّرْكِ، واعْتَرَضَ عَلَيْها، وأنا أذْكُرُ حاصِلَ كَلامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلاتِ، لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الكَلامِ، قَلِيلَ الفَهْمِ، ناقِصَ العَقْلِ، فَقالَ: ”نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وجْهًا، ونَقُولُ: إنَّ لِوَجْهِ رَبِّنا مِنَ النُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ ما لَوْ كُشِفَ حِجابُهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ، ووَجْهُ رَبِّنا مَنفِيٌّ عَنْهُ الهَلاكُ والفَناءُ، ونَقُولُ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْها الهَلاكَ والفَناءَ، ونَفى عَنْها الجَلالَ والإكْرامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ، ولَوْ كانَ مُجَرَّدُ إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ لَكانَ مَن قالَ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا ولِلْخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ وُجُوهًا، لَكانَ قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ. ثُمَّ قالَ: ولا شَكَّ أنَّهُ اعْتِقادُ الجَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: وجْهُكَ يُشْبِهُ وجْهَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ لَغَضِبَ ولَشافَهَهُ بِالسُّوءِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ لِلَّهِ إثْباتُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ“ . وذَكَرَ في فَصْلٍ آخَرَ مِن هَذا الكِتابِ ”أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى وُقُوعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنها أنْ يَكُونَ القائِلُ مُشَبِّهًا، فَكَذا هَهُنا“ ونَحْنُ نَعُدُّ الصُّوَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلى الِاسْتِقْصاءِ. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقالَ في حَقِّ الإنْسانِ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ٢] . الثّانِي: قالَ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النَّحْلِ: ٧٩] الثّالِثُ: قالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هُودٍ: ٣٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣] الرّابِعُ: قالَ لِإبْلِيسَ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥١]، ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾، [الحَجِّ: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، [الفَتْحِ: ١٠] الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقالَ في الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وقالَ في سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هُودٍ: ٤٤] السّادِسُ: سَمّى نَفْسَهُ عَزِيزًا، فَقالَ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يُوسُفَ: ٧٨]، ﴿ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ [يُوسُفَ: ٨٨] . السّابِعُ: سَمّى نَفْسَهُ بِالمَلِكِ، وسَمّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أيْضًا بِالمَلِكِ، فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٤] وسَمّى نَفْسَهُ بِالعَظِيمِ، ثُمَّ أوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وسَمّى نَفْسَهُ بِالجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، وأوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ في ضَرْبِ الأمْثِلَةِ مِن هَذا الجِنْسِ، وقالَ: ومَن وقَفَ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَهُ الإكْثارُ مِنها، فَهَذا ما أوْرَدَهُ هَذا الرَّجُلُ في هَذا الكِتابِ. صفحة ١٣١ وأقُولُ: هَذا المِسْكِينُ الجاهِلُ إنَّما وقَعَ في أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ المِثْلَيْنِ، وعُلَماءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الكَلامَ في المِثْلَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: المِثْلانِ هُما اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرى، فَنَقُولُ: المُعْتَبَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، إمّا تَمامُ ماهِيَّتِهِ، وإمّا جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّتِهِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وهَذا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإنّا نَرى الحَبَّةَ مِنَ الحُصْرُمِ كانَتْ في غايَةِ الخُضْرَةِ والحُمُوضَةِ، ثُمَّ صارَتْ في غايَةِ السَّوادِ والحَلاوَةِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ والذّاتُ الباقِيَةُ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأيْضًا نَرى الشَّعْرَ قَدْ كانَ في غايَةِ السَّوادِ ثُمَّ صارَ في غايَةِ البَياضِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُتَبَدِّلَةٌ، والباقِي غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الذَّواتَ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الصِّفاتِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ البَتَّةَ، لِأنّا نَرى الجِسْمَ الواحِدَ كانَ ساكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالذَّواتُ باقِيَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ ونَسَقٍ واحِدٍ، والصِّفاتُ مُتَعاقِبَةٌ مُتَزايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اخْتِلافَ الصِّفاتِ والأعْراضِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأجْسامُ مِنها تَألَّفَ وجْهُ الكَلْبِ والقِرْدِ - مُساوِيَةٌ لِلْأجْسامِ الَّتِي تَألَّفَ مِنها وجْهُ الإنْسانِ والفَرَسِ، وإنَّما حَصَلَ الِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الأعْراضِ القائِمَةِ، وهي الألْوانُ والأشْكالُ والخُشُونَةُ والمَلاسَةُ وحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وعَدَمُ حُصُولِها، فالِاخْتِلافُ إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ في الصِّفاتِ والأعْراضِ، فَأمّا ذَواتُ الأجْسامِ فَهي مُتَماثِلَةٌ إلّا أنَّ العَوامَّ لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الذَّواتِ وبَيْنَ الصِّفاتِ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ إنَّ وجْهَ الإنْسانِ مُخالِفٌ لِوَجْهِ الحِمارِ، ولَقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَأمّا الأجْسامُ مِن حَيْثُ إنَّها أجْسامٌ فَهي مُتَماثِلَةٌ مُتَساوِيَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مِنَ العَوامِّ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ المُعْتَبَرَ في التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ حَقائِقُ الأشْياءِ وماهِيّاتُها، لا الأعْراضُ والصِّفاتُ القائِمَةُ بِها، بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أوْ لا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلَهُ العالَمِ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الفَلَكُ أوِ العَرْشُ أوِ الكُرْسِيُّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الجِسْمُ مُخالِفًا لِماهِيَّةِ سائِرِ الأجْسامِ، فَكانَ هو قَدِيمًا أزَلِيًّا واجِبَ الوُجُودِ، وسائِرُ الأجْسامِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، ولَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُسْقِطُوا هَذا الإلْزامَ عَنِ المُجَسِّمَةِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قالُوا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأفْلاكَ كُلَّها مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، فَيُقالُ: هَذا مِن بابِ الحَماقَةِ المُفْرِطَةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ القُرْآنِ وصِحَّةَ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ مُفَرَّعَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَإثْباتُ مَعْرِفَةِ الإلَهِ بِالقُرْآنِ وقَوْلِ النَّبِيِّ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ يَفْهَمُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ. والمَقامُ الثّانِي: أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ أقامُوا البُرْهانَ القاطِعَ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ في الذَّواتِ والحَقِيقَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ جِسْمًا لَكانَتْ ذاتُهُ مُساوِيَةً لِذَواتِ الأجْسامِ، إلّا أنَّ هَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ ذاتَهُ إذا كانَتْ مُساوِيَةً لِذَواتِ سائِرِ الأجْسامِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ ما يَصِحُّ عَلى سائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا قابِلًا لِلْعَدَمِ والفَناءِ قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وأمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنّا لا نَقُولُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِاسْتِواءُ في صفحة ١٣٢ الصِّفَةِ لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِواءِ في تَمامِ الحَقِيقَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَتْ ذاتُهُ جِسْمًا لَكانَ ذَلِكَ الجِسْمُ مُساوِيًا لِسائِرِ الأجْسامِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ مِثْلًا لَهُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ المُعْتَبَرَ في حُصُولِ المُماثَلَةِ اعْتِبارُ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي هي، لا اعْتِبارُ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ حُجَّةَ أهْلِ التَّوْحِيدِ في غايَةِ القُوَّةِ، وأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي أوْرَدَها هَذا الإنْسانُ إنَّما أوْرَدَها؛ لِأنَّهُ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ، فَجَرى عَلى مَنهَجِ كَلِماتِ العَوامِّ، فاغْتَرَّ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: المَقْصُودُ مِنها نَفْيُ المِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُها يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ المِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ، لا عَنْهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ تَعالى، وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّ العَرَبَ، تَقُولُ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، أيْ: أنْتَ لا تَبْخَلُ، فَنَفَوُا البُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وهم يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: هَذا الكَلامُ لا يُقالُ لِمِثْلِي، أيْ: لا يُقالُ لِي، قالَ الشّاعِرُ: ومِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ، فَإنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَنفِيًّا عَمَّنْ كانَ مُشابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لَهُ، فَلِأنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، والمَقْصُودُ: أنَّ سَلامَ اللَّهِ إذا كانَ واقِعًا عَلى مَجْلِسِهِ ومَوْضِعِهِ فَلِأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ؛ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ هَذا اللَّفْظُ ساقِطًا عَدِيمَ الأثَرِ، بَلْ كانَ مُفِيدًا لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، وهَذا مُحالٌ، فَإثْباتُ المِثْلِ لَهُ مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذا مُحالٌ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكانَ مُساوِيًا لِمِثْلِهِ في تِلْكَ الماهِيَّةِ ومُبايِنًا لَهُ في نَفْسِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ - غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ. فَتَكُونُ ذاتُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ؛ لَما كانَ هو في نَفْسِهِ واجِبَ الوُجُودِ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ ”لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ“ - إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَما كانَ هو شَيْئًا؛ بِناءً عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ لَما كانَ واجِبَ الوُجُودِ، فَهَذا ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى نَفْيِ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الرُّومِ: ٢٧] يَقْتَضِي إثْباتَ المَثَلِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، فَنَقُولُ: المِثْلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لِلشَّيْءِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والمَثَلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الخارِجَةِ عَنِ الماهِيَّةِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في تَمامِ الماهِيَّةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِلْمَسْمُوعاتِ مُبْصِرًا لِلْمَرْئِيّاتِ، فَإنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ قَرْعٌ أوْ قَلْعٌ انْقَلَبَ الهَواءُ مِن بَيْنَ ذَيْنِكَ الجِسْمَيْنِ انْقِلابًا بِعُنْفٍ فَيَتَمَوَّجُ الهَواءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ويَتَأدّى ذَلِكَ التَّمَوُّجُ إلى سَطْحِ الصِّماخِ، فَهَذا هو صفحة ١٣٣ السَّماعُ، وأمّا الإبْصارُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحَدَقَةِ بِصُورَةِ المَرْئِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحاسَّةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ السَّمْعِ والبَصَرِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّماعَ مُغايِرٌ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ أنّا إذا سَمِعْنا الصَّوْتَ عَلِمْنا أنَّهُ مِن أيِّ الجَوانِبِ جاءَ، فَعَلِمْنا أنّا أدْرَكْنا الصَّوْتَ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ الصَّوْتُ في نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إدْراكَ الصَّوْتِ حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأْثِيرِ الصِّماخِ عَنْ تَمَوُّجِ ذَلِكَ الهَواءِ. وأمّا الرُّؤْيَةُ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّها حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأثُّرِ الحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ نُقْطَةَ النّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِباعُ الصُّورَةِ العَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: الصُّورَةُ المُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ، والصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ في نَفْسِ العالَمِ عَظِيمَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِباعِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِنِ امْتِناعِ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ امْتِناعُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ حالَتانِ مُغايِرَتانِ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ إلّا أنَّ حُصُولَهُما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأثُّرِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعًا كانَ حُصُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحاسَّةَ المُسَمّاةَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأثُّرِ، والتَّأثُّرُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ، فَكانَ حُصُولُ الحاسَّةِ المُسَمّاةِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وأنْتُمُ المُدَّعُونَ لِهَذا الِاشْتِراطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِ، وإنَّما نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إلى أنْ تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَما مَعْنى هَذا الحَصْرِ، مَعَ أنَّ العِبادَ أيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ ؟ فَنَقُولُ: السَّمِيعُ والبَصِيرُ لَفْظانِ مُشْعِرانِ بِحُصُولِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، والكَمالُ في كُلِّ الصِّفاتِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذا الحَصْرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهو خالِقُ أنْفُسِنا وأزْواجِنا، وخالِقُ أوْلادِنا مِنّا ومِن أزْواجِنا، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا (فَلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ) والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ بَيانُ القادِرِ المُنْعِمِ الكَرِيمِ الرَّحِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ فَقَوْلُهُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ مَفاتِيحَ الرِّزْقِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَمَقالِيدُ السَّماواتِ الأمْطارُ، ومَقالِيدُ الأرْضِ النَّباتُ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المَقالِيدِ في سُورَةِ الزُّمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ لِأنَّ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَسْطِ والتَّقْدِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ .

الشورى 42:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”ذَلِكَ“ لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ وحْيِ اللَّهِ بِالقُرْآنِ بِشَيْءٍ هَهُنا قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ هَهُنا شَيْءٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ وحْيِ القُرْآنِ بِهِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] يَعْنِي كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ أنَّكَ لَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ولَسْتَ وكِيلًا عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَكُونَ نَذِيرًا لَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى لِأنَّ البَلَدَ لا تَعْقِلُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وأُمُّ القُرى أصْلُ القُرى وهي مَكَّةُ وسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ إجْلالًا لَها؛ لِأنَّ فِيها البَيْتَ ومَقامَ إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تُسَمِّي أصْلَ كُلِّ شَيْءِ أُمَّهُ حَتّى يُقالَ: هَذِهِ القَصِيدَةُ مِن أُمَّهاتِ قَصائِدِ فُلانٍ، ومَن حَوْلَها مِن أهْلِ البَدْوِ والحَضَرِ وأهْلِ المَدَرِ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ، فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْحى إلَيْهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ وأهْلَ القُرى المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ وأنْ لا يَكُونَ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ. والجَوابُ: أنَّ صفحة ١٢٨ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا سِواهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى هَؤُلاءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، أيْضًا لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا، ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وجَبَ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ الأصْلُ أنْ يُقالَ: أنْذَرْتُ فُلانًا بِكَذا، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى بِيَوْمِ الجَمْعِ، وأيْضًا فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى بِعَذابِ يَوْمِ الجَمْعِ وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الجَمْعِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ الخَلائِقَ يُجْمَعُونَ فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] فَيَجْتَمِعُ فِيهِ أهْلُ السَّماواتِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ. الثّانِي: أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأرْواحِ والأجْسادِ. الثّالِثُ: يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ عامِلٍ وعَمَلِهِ. الرّابِعُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ صِفَةٌ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ تَقْدِيرُهُ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ يَكُونُ القَوْمُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْمِ مُجْتَمِعِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم مُتَفَرِّقِينَ، والجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مُحالٌ، قُلْنا إنَّهم يَجْتَمِعُونَ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُونَ فَرِيقَيْنِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً﴾ والمُرادُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] أيْ لا يَكُنْ في قُدْرَتِكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ البَعْضَ مُؤْمِنًا والبَعْضَ كافِرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أدْخَلَهم في الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما أدْخَلَهم في رَحْمَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ إنَّما دَخَلُوا في رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ كانَ لَهم ولِيٌّ ونَصِيرٌ أدْخَلَهم في تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَؤُلاءِ ما كانَ لَهم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ يُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أوَّلًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا ولا حافِظًا، ولا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ شاءُوا أمْ أبَوْا، فَإنَّ هَذا المَعْنى لَوْ كانَ واجِبًا لَفَعَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَ بَعْدَهُ ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما مَنَعَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَحْمِلَ الكُفّارَ عَلى الإيمانِ قَهْرًا، فَكَذَلِكَ مَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَشْرَعُوا مَعَهم في الخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، فَقالَ: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ ومُعاقَبَةُ المُبْطِلِينَ، وقِيلَ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ وتَنازَعْتُمْ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولا تُؤَثِّرُ حُكُومَةُ غَيْرِهِ عَلى حُكُومَتِهِ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكم فِيهِ خِلافٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عَمَلِهِ كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، قالَ تَعالى: صفحة ١٢٩ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِن نَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوِ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القِياسِ عَلى ما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالقِياسِ بِأنَّهُ باطِلٌ، فَيُعْتَبَرُ الأوَّلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالنَّصِّ، وذَلِكَ يَنْفِي العَمَلَ بِالقِياسِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ يُعْرَفُ مِن بَيانِ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ البَيانُ بِالنَّصِّ أوْ بِالقِياسِ ؟ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ قَطْعُ الِاخْتِلافِ، والرُّجُوعُ إلى القِياسِ يُقَوِّي حُكْمَ الِاخْتِلافِ ولا يُوَضِّحُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ هو الرُّجُوعَ إلى نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أيْ ذَلِكُمُ الحاكِمُ بَيْنَكم هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وفي طَلَبِ كُلِّ خَيْرٍ ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أيْ وإلَيْهِ أرْجِعُ في كُلِّ المُهِمّاتِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ، وهو إشارَةٌ إلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ والجَرِّ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكم“، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجَرُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هَكَذا: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن جِنْسِكم مِنَ النّاسِ ﴿أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ أيْ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، ومَعْناهُ: وخَلَقَ أيْضًا لِلْأنْعامِ مِن أنْفُسِها أزْواجًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يُكَثِّرُكم، يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ كَثَّرَهم، وقَوْلُهُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو التَّزْوِيجُ، وهو أنْ جَعَلَ النّاسَ والأنْعامَ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ النّاسِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ. الثّانِي: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”يَذْرَؤُكم“ في هَذا التَّدْبِيرِ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْنا: جُعِلَ هَذا التَّدْبِيرُ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِهَذا التَّكْثِيرِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ وحاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مِثْلًا لِسائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ الأمْثالِ والأشْباهِ لَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويُمْكِنُ إيرادُ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيُقالُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ماهِيّاتِ الذّاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ في الصِّفاتِ شَيْءٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ العِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ، كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالمُماثَلَةِ صفحة ١٣٠ المُساواةُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ شَيْئًا مِنَ الذَّواتِ لا يُساوِي اللَّهَ تَعالى في الذّاتِيَّةِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جِسْمًا، لَكانَ كَوْنُهُ جِسْمًا ذاتًا لا صِفَةً، فَإذا كانَ سائِرُ الأجْسامِ مُساوِيَةً لَهُ في الجِسْمِيَّةِ، أعْنِي في كَوْنِها مُتَحَيِّزَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً عَمِيقَةً، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سائِرُ الأجْسامِ مُماثِلَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى في كَوْنِهِ ذاتًا، والنَّصُّ يَنْفِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا. واعْلَمْ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أوْرَدَ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ ”بِالتَّوْحِيدِ“، وهو في الحَقِيقَةِ كِتابُ الشِّرْكِ، واعْتَرَضَ عَلَيْها، وأنا أذْكُرُ حاصِلَ كَلامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلاتِ، لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الكَلامِ، قَلِيلَ الفَهْمِ، ناقِصَ العَقْلِ، فَقالَ: ”نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وجْهًا، ونَقُولُ: إنَّ لِوَجْهِ رَبِّنا مِنَ النُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ ما لَوْ كُشِفَ حِجابُهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ، ووَجْهُ رَبِّنا مَنفِيٌّ عَنْهُ الهَلاكُ والفَناءُ، ونَقُولُ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْها الهَلاكَ والفَناءَ، ونَفى عَنْها الجَلالَ والإكْرامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ، ولَوْ كانَ مُجَرَّدُ إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ لَكانَ مَن قالَ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا ولِلْخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ وُجُوهًا، لَكانَ قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ. ثُمَّ قالَ: ولا شَكَّ أنَّهُ اعْتِقادُ الجَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: وجْهُكَ يُشْبِهُ وجْهَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ لَغَضِبَ ولَشافَهَهُ بِالسُّوءِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ لِلَّهِ إثْباتُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ“ . وذَكَرَ في فَصْلٍ آخَرَ مِن هَذا الكِتابِ ”أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى وُقُوعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنها أنْ يَكُونَ القائِلُ مُشَبِّهًا، فَكَذا هَهُنا“ ونَحْنُ نَعُدُّ الصُّوَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلى الِاسْتِقْصاءِ. فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقالَ في حَقِّ الإنْسانِ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ٢] . الثّانِي: قالَ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النَّحْلِ: ٧٩] الثّالِثُ: قالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هُودٍ: ٣٧] ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطُّورِ: ٤٨] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣] الرّابِعُ: قالَ لِإبْلِيسَ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥١]، ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾، [الحَجِّ: ١٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، [الفَتْحِ: ١٠] الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقالَ في الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وقالَ في سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هُودٍ: ٤٤] السّادِسُ: سَمّى نَفْسَهُ عَزِيزًا، فَقالَ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يُوسُفَ: ٧٨]، ﴿ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ [يُوسُفَ: ٨٨] . السّابِعُ: سَمّى نَفْسَهُ بِالمَلِكِ، وسَمّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أيْضًا بِالمَلِكِ، فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٤] وسَمّى نَفْسَهُ بِالعَظِيمِ، ثُمَّ أوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وسَمّى نَفْسَهُ بِالجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، وأوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [غافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ في ضَرْبِ الأمْثِلَةِ مِن هَذا الجِنْسِ، وقالَ: ومَن وقَفَ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَهُ الإكْثارُ مِنها، فَهَذا ما أوْرَدَهُ هَذا الرَّجُلُ في هَذا الكِتابِ. صفحة ١٣١ وأقُولُ: هَذا المِسْكِينُ الجاهِلُ إنَّما وقَعَ في أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ المِثْلَيْنِ، وعُلَماءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الكَلامَ في المِثْلَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: المِثْلانِ هُما اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرى، فَنَقُولُ: المُعْتَبَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، إمّا تَمامُ ماهِيَّتِهِ، وإمّا جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّتِهِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وهَذا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإنّا نَرى الحَبَّةَ مِنَ الحُصْرُمِ كانَتْ في غايَةِ الخُضْرَةِ والحُمُوضَةِ، ثُمَّ صارَتْ في غايَةِ السَّوادِ والحَلاوَةِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ والذّاتُ الباقِيَةُ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأيْضًا نَرى الشَّعْرَ قَدْ كانَ في غايَةِ السَّوادِ ثُمَّ صارَ في غايَةِ البَياضِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُتَبَدِّلَةٌ، والباقِي غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الذَّواتَ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الصِّفاتِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ البَتَّةَ، لِأنّا نَرى الجِسْمَ الواحِدَ كانَ ساكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالذَّواتُ باقِيَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ ونَسَقٍ واحِدٍ، والصِّفاتُ مُتَعاقِبَةٌ مُتَزايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اخْتِلافَ الصِّفاتِ والأعْراضِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأجْسامُ مِنها تَألَّفَ وجْهُ الكَلْبِ والقِرْدِ - مُساوِيَةٌ لِلْأجْسامِ الَّتِي تَألَّفَ مِنها وجْهُ الإنْسانِ والفَرَسِ، وإنَّما حَصَلَ الِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الأعْراضِ القائِمَةِ، وهي الألْوانُ والأشْكالُ والخُشُونَةُ والمَلاسَةُ وحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وعَدَمُ حُصُولِها، فالِاخْتِلافُ إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ في الصِّفاتِ والأعْراضِ، فَأمّا ذَواتُ الأجْسامِ فَهي مُتَماثِلَةٌ إلّا أنَّ العَوامَّ لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الذَّواتِ وبَيْنَ الصِّفاتِ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ إنَّ وجْهَ الإنْسانِ مُخالِفٌ لِوَجْهِ الحِمارِ، ولَقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَأمّا الأجْسامُ مِن حَيْثُ إنَّها أجْسامٌ فَهي مُتَماثِلَةٌ مُتَساوِيَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مِنَ العَوامِّ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ المُعْتَبَرَ في التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ حَقائِقُ الأشْياءِ وماهِيّاتُها، لا الأعْراضُ والصِّفاتُ القائِمَةُ بِها، بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أوْ لا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلَهُ العالَمِ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الفَلَكُ أوِ العَرْشُ أوِ الكُرْسِيُّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الجِسْمُ مُخالِفًا لِماهِيَّةِ سائِرِ الأجْسامِ، فَكانَ هو قَدِيمًا أزَلِيًّا واجِبَ الوُجُودِ، وسائِرُ الأجْسامِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، ولَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُسْقِطُوا هَذا الإلْزامَ عَنِ المُجَسِّمَةِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قالُوا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأفْلاكَ كُلَّها مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، فَيُقالُ: هَذا مِن بابِ الحَماقَةِ المُفْرِطَةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ القُرْآنِ وصِحَّةَ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ مُفَرَّعَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَإثْباتُ مَعْرِفَةِ الإلَهِ بِالقُرْآنِ وقَوْلِ النَّبِيِّ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ يَفْهَمُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ. والمَقامُ الثّانِي: أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ أقامُوا البُرْهانَ القاطِعَ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ في الذَّواتِ والحَقِيقَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ جِسْمًا لَكانَتْ ذاتُهُ مُساوِيَةً لِذَواتِ الأجْسامِ، إلّا أنَّ هَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ ذاتَهُ إذا كانَتْ مُساوِيَةً لِذَواتِ سائِرِ الأجْسامِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ ما يَصِحُّ عَلى سائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا قابِلًا لِلْعَدَمِ والفَناءِ قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وأمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنّا لا نَقُولُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِاسْتِواءُ في صفحة ١٣٢ الصِّفَةِ لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِواءِ في تَمامِ الحَقِيقَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَتْ ذاتُهُ جِسْمًا لَكانَ ذَلِكَ الجِسْمُ مُساوِيًا لِسائِرِ الأجْسامِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ مِثْلًا لَهُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ المُعْتَبَرَ في حُصُولِ المُماثَلَةِ اعْتِبارُ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي هي، لا اعْتِبارُ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ حُجَّةَ أهْلِ التَّوْحِيدِ في غايَةِ القُوَّةِ، وأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي أوْرَدَها هَذا الإنْسانُ إنَّما أوْرَدَها؛ لِأنَّهُ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ، فَجَرى عَلى مَنهَجِ كَلِماتِ العَوامِّ، فاغْتَرَّ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ. * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: المَقْصُودُ مِنها نَفْيُ المِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُها يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ المِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ، لا عَنْهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ تَعالى، وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّ العَرَبَ، تَقُولُ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، أيْ: أنْتَ لا تَبْخَلُ، فَنَفَوُا البُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وهم يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: هَذا الكَلامُ لا يُقالُ لِمِثْلِي، أيْ: لا يُقالُ لِي، قالَ الشّاعِرُ: ومِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ، فَإنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَنفِيًّا عَمَّنْ كانَ مُشابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لَهُ، فَلِأنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، والمَقْصُودُ: أنَّ سَلامَ اللَّهِ إذا كانَ واقِعًا عَلى مَجْلِسِهِ ومَوْضِعِهِ فَلِأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ والمَعْنى: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ؛ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ هَذا اللَّفْظُ ساقِطًا عَدِيمَ الأثَرِ، بَلْ كانَ مُفِيدًا لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، وهَذا مُحالٌ، فَإثْباتُ المِثْلِ لَهُ مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذا مُحالٌ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكانَ مُساوِيًا لِمِثْلِهِ في تِلْكَ الماهِيَّةِ ومُبايِنًا لَهُ في نَفْسِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ - غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ. فَتَكُونُ ذاتُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ؛ لَما كانَ هو في نَفْسِهِ واجِبَ الوُجُودِ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ ”لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ“ - إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَما كانَ هو شَيْئًا؛ بِناءً عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ لَما كانَ واجِبَ الوُجُودِ، فَهَذا ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى نَفْيِ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الرُّومِ: ٢٧] يَقْتَضِي إثْباتَ المَثَلِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، فَنَقُولُ: المِثْلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لِلشَّيْءِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والمَثَلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الخارِجَةِ عَنِ الماهِيَّةِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في تَمامِ الماهِيَّةِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِلْمَسْمُوعاتِ مُبْصِرًا لِلْمَرْئِيّاتِ، فَإنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ قَرْعٌ أوْ قَلْعٌ انْقَلَبَ الهَواءُ مِن بَيْنَ ذَيْنِكَ الجِسْمَيْنِ انْقِلابًا بِعُنْفٍ فَيَتَمَوَّجُ الهَواءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ويَتَأدّى ذَلِكَ التَّمَوُّجُ إلى سَطْحِ الصِّماخِ، فَهَذا هو صفحة ١٣٣ السَّماعُ، وأمّا الإبْصارُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحَدَقَةِ بِصُورَةِ المَرْئِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحاسَّةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ السَّمْعِ والبَصَرِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّماعَ مُغايِرٌ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ أنّا إذا سَمِعْنا الصَّوْتَ عَلِمْنا أنَّهُ مِن أيِّ الجَوانِبِ جاءَ، فَعَلِمْنا أنّا أدْرَكْنا الصَّوْتَ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ الصَّوْتُ في نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إدْراكَ الصَّوْتِ حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأْثِيرِ الصِّماخِ عَنْ تَمَوُّجِ ذَلِكَ الهَواءِ. وأمّا الرُّؤْيَةُ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّها حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأثُّرِ الحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ نُقْطَةَ النّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِباعُ الصُّورَةِ العَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: الصُّورَةُ المُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ، والصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ في نَفْسِ العالَمِ عَظِيمَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِباعِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِنِ امْتِناعِ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ امْتِناعُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ حالَتانِ مُغايِرَتانِ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ إلّا أنَّ حُصُولَهُما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأثُّرِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعًا كانَ حُصُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحاسَّةَ المُسَمّاةَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأثُّرِ، والتَّأثُّرُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ، فَكانَ حُصُولُ الحاسَّةِ المُسَمّاةِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وأنْتُمُ المُدَّعُونَ لِهَذا الِاشْتِراطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِ، وإنَّما نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إلى أنْ تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَما مَعْنى هَذا الحَصْرِ، مَعَ أنَّ العِبادَ أيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ ؟ فَنَقُولُ: السَّمِيعُ والبَصِيرُ لَفْظانِ مُشْعِرانِ بِحُصُولِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، والكَمالُ في كُلِّ الصِّفاتِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذا الحَصْرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهو خالِقُ أنْفُسِنا وأزْواجِنا، وخالِقُ أوْلادِنا مِنّا ومِن أزْواجِنا، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا (فَلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ) والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ بَيانُ القادِرِ المُنْعِمِ الكَرِيمِ الرَّحِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ فَقَوْلُهُ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُرِيدُ مَفاتِيحَ الرِّزْقِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَمَقالِيدُ السَّماواتِ الأمْطارُ، ومَقالِيدُ الأرْضِ النَّباتُ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المَقالِيدِ في سُورَةِ الزُّمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ لِأنَّ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَسْطِ والتَّقْدِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ .

الشورى 42:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والمَعْنى: شَرَعَ لَكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومُحَمَّدًا وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، هَذا هو المَقْصُودُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ، إلّا أنَّهُ بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، وفي آخِرِها ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، وفي الوَسَطِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟ وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّمِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾ وثالِثُها: أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: شَرَعَ اللَّهُ لَكم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَقَوْلُهُ ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ خِطابُ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ خِطابُ الحُضُورِ، فَهَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ خِطابِ الغَيْبَةِ وخِطابِ الحُضُورِ في الكَلامِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو مُشْكِلٌ، فَهَذِهِ المَضايِقُ يَجِبُ البَحْثُ عَنْها، والقَوْمُ ما دارُوا حَوْلَها، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يُقالُ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينًا تَطابَقَتِ الأنْبِياءُ عَلى صِحَّتِهِ، وأقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الدِّينِ شَيْئًا مُغايِرًا لِلتَّكالِيفِ والأحْكامِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] صفحة ١٣٥ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُمُورَ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، وهي الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإيمانُ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى الآخِرَةِ والسَّعْيَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والِاحْتِرازَ عَنْ رَذائِلِ الأحْوالِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ لا تَتَفَرَّقُوا بِالآلِهَةِ الكَثِيرَةِ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٥] واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ مَبْعُوثًا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجَوابُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ بِالشَّرِيعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الكُلِّ، ومَحَلُّ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ إمّا نَصْبُ بَدَلٍ مِن مَفْعُولِ ﴿شَرَعَ﴾ والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وإمّا رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذاكَ المَشْرُوعُ ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ عَظُمَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ مِن إقامَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ والإجْماعِ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أكابِرَ الأنْبِياءِ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ إقامَةُ الدِّينِ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَعْرِضِ المِنَّةِ عَلى عِبادِهِ أنَّهُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ الخالِي عَنِ التَّفَرُّقِ والمُخالَفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ بابِ القِياسِ يُفْضِي إلى أعْظَمِ أنْواعِ التَّفَرُّقِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا دِينَهم عَلى الأخْذِ بِالقِياسِ تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا رَجاءَ في حُصُولِ الِاتِّفاقِ بَيْنَهم إلى آخِرِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَمْنُوعًا عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ قِسْمانِ: مِنها ما يَمْتَنِعُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ واجِبَ البَقاءِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، كالقَوْلِ بِحُسْنِ الصِّدْقِ والعَدْلِ والإحْسانِ، والقَوْلِ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والإيذاءِ. ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَعْيَ الشَّرْعِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الأوَّلِ أقْوى مِن سَعْيِهِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ مُهِمَّةٌ في اكْتِسابِ الأحْوالِ المُفِيدَةِ لِحُصُولِ السَّعادَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ حُصُولَ المُوافَقَةِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في الشَّرْعِ والعَقْلِ، وبَيانُ مَنفَعَتِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنُّفُوسِ تَأْثِيراتٍ، وإذا تَطابَقَتِ النُّفُوسُ وتَوافَقَتْ عَلى واحِدٍ قَوِيَ التَّأْثِيرُ. الثّانِي: أنَّها إذا تَوافَقَتْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعِينًا لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَقْصُودِ المُعَيَّنِ، وكَثْرَةُ الأعْوانِ تُوجِبُ حُصُولَ المَقْصُودِ، أمّا إذا تَخالَفَتْ تَنازَعَتْ وتَجادَلَتْ فَضَعُفَتْ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ. الثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ التَّنازُعِ ضِدُّ مَصْلَحَةِ العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الهَرْجِ والمَرَجِ والقَتْلِ والنَّهْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْشَدَهم إلى هَذا الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ اجْتَباهم واصْطَفاهم وخَصَّهم بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ. الثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَبُرَ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءُ مِنَ الرُّسُلِ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ١٣٦ الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِن كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ صفحة ١٣٧ والمَعْنى أنَّ إلَهَ الكُلِّ واحِدٌ، وكُلُّ واحِدٍ مَخْصُوصٌ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَغِلَ كُلُّ واحِدٍ في الدُّنْيا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ في يَوْمِ القِيامَةِ ويُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُتارَكَةُ واشْتِغالُ كُلِّ أحَدٍ بِمُهِمِّ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ المُتارَكَةِ ما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البُيُوتِ وقَطْعِ النَّخِيلِ والإجْلاءِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ المُتارَكَةُ كانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ودَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ وتَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فاتَ الشَّرْطُ، فَلا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ تَحْرِيمَ ما يَجْرِي مَجْرى مُحاجَّتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المُحاجَّةِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُها مُحَرَّمَةً لِنَفْسِها، وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْلا الأدِلَّةُ لَما تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ. الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَحْرِيمُهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ القَوْمَ عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَهُ، فَلا حاجَةَ مَعَهم إلى المُحاجَّةِ البَتَّةَ، ومِمّا يُقَوِّي قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ - قَوْلُهُ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥]، وقَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦]، وقَوْلُهُ ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]، وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ. صفحة ١٣٨ ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.

الشورى 42:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والمَعْنى: شَرَعَ لَكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومُحَمَّدًا وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، هَذا هو المَقْصُودُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ، إلّا أنَّهُ بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، وفي آخِرِها ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، وفي الوَسَطِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟ وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّمِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾ وثالِثُها: أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: شَرَعَ اللَّهُ لَكم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَقَوْلُهُ ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ خِطابُ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ خِطابُ الحُضُورِ، فَهَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ خِطابِ الغَيْبَةِ وخِطابِ الحُضُورِ في الكَلامِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو مُشْكِلٌ، فَهَذِهِ المَضايِقُ يَجِبُ البَحْثُ عَنْها، والقَوْمُ ما دارُوا حَوْلَها، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يُقالُ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينًا تَطابَقَتِ الأنْبِياءُ عَلى صِحَّتِهِ، وأقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الدِّينِ شَيْئًا مُغايِرًا لِلتَّكالِيفِ والأحْكامِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] صفحة ١٣٥ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُمُورَ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، وهي الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإيمانُ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى الآخِرَةِ والسَّعْيَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والِاحْتِرازَ عَنْ رَذائِلِ الأحْوالِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ لا تَتَفَرَّقُوا بِالآلِهَةِ الكَثِيرَةِ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٥] واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ مَبْعُوثًا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجَوابُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ بِالشَّرِيعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الكُلِّ، ومَحَلُّ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ إمّا نَصْبُ بَدَلٍ مِن مَفْعُولِ ﴿شَرَعَ﴾ والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وإمّا رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذاكَ المَشْرُوعُ ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ عَظُمَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ مِن إقامَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ والإجْماعِ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أكابِرَ الأنْبِياءِ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ إقامَةُ الدِّينِ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَعْرِضِ المِنَّةِ عَلى عِبادِهِ أنَّهُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ الخالِي عَنِ التَّفَرُّقِ والمُخالَفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ بابِ القِياسِ يُفْضِي إلى أعْظَمِ أنْواعِ التَّفَرُّقِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا دِينَهم عَلى الأخْذِ بِالقِياسِ تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا رَجاءَ في حُصُولِ الِاتِّفاقِ بَيْنَهم إلى آخِرِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَمْنُوعًا عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ قِسْمانِ: مِنها ما يَمْتَنِعُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ واجِبَ البَقاءِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، كالقَوْلِ بِحُسْنِ الصِّدْقِ والعَدْلِ والإحْسانِ، والقَوْلِ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والإيذاءِ. ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَعْيَ الشَّرْعِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الأوَّلِ أقْوى مِن سَعْيِهِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ مُهِمَّةٌ في اكْتِسابِ الأحْوالِ المُفِيدَةِ لِحُصُولِ السَّعادَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ حُصُولَ المُوافَقَةِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في الشَّرْعِ والعَقْلِ، وبَيانُ مَنفَعَتِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنُّفُوسِ تَأْثِيراتٍ، وإذا تَطابَقَتِ النُّفُوسُ وتَوافَقَتْ عَلى واحِدٍ قَوِيَ التَّأْثِيرُ. الثّانِي: أنَّها إذا تَوافَقَتْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعِينًا لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَقْصُودِ المُعَيَّنِ، وكَثْرَةُ الأعْوانِ تُوجِبُ حُصُولَ المَقْصُودِ، أمّا إذا تَخالَفَتْ تَنازَعَتْ وتَجادَلَتْ فَضَعُفَتْ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ. الثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ التَّنازُعِ ضِدُّ مَصْلَحَةِ العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الهَرْجِ والمَرَجِ والقَتْلِ والنَّهْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْشَدَهم إلى هَذا الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ اجْتَباهم واصْطَفاهم وخَصَّهم بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ. الثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَبُرَ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءُ مِنَ الرُّسُلِ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ١٣٦ الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِن كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ صفحة ١٣٧ والمَعْنى أنَّ إلَهَ الكُلِّ واحِدٌ، وكُلُّ واحِدٍ مَخْصُوصٌ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَغِلَ كُلُّ واحِدٍ في الدُّنْيا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ في يَوْمِ القِيامَةِ ويُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُتارَكَةُ واشْتِغالُ كُلِّ أحَدٍ بِمُهِمِّ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ المُتارَكَةِ ما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البُيُوتِ وقَطْعِ النَّخِيلِ والإجْلاءِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ المُتارَكَةُ كانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ودَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ وتَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فاتَ الشَّرْطُ، فَلا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ تَحْرِيمَ ما يَجْرِي مَجْرى مُحاجَّتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المُحاجَّةِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُها مُحَرَّمَةً لِنَفْسِها، وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْلا الأدِلَّةُ لَما تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ. الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَحْرِيمُهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ القَوْمَ عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَهُ، فَلا حاجَةَ مَعَهم إلى المُحاجَّةِ البَتَّةَ، ومِمّا يُقَوِّي قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ - قَوْلُهُ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥]، وقَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦]، وقَوْلُهُ ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]، وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ. صفحة ١٣٨ ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.

الشورى 42:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والمَعْنى: شَرَعَ لَكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومُحَمَّدًا وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، هَذا هو المَقْصُودُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ، إلّا أنَّهُ بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، وفي آخِرِها ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، وفي الوَسَطِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟ وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّمِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾ وثالِثُها: أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: شَرَعَ اللَّهُ لَكم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَقَوْلُهُ ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ خِطابُ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ خِطابُ الحُضُورِ، فَهَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ خِطابِ الغَيْبَةِ وخِطابِ الحُضُورِ في الكَلامِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو مُشْكِلٌ، فَهَذِهِ المَضايِقُ يَجِبُ البَحْثُ عَنْها، والقَوْمُ ما دارُوا حَوْلَها، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يُقالُ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينًا تَطابَقَتِ الأنْبِياءُ عَلى صِحَّتِهِ، وأقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الدِّينِ شَيْئًا مُغايِرًا لِلتَّكالِيفِ والأحْكامِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] صفحة ١٣٥ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُمُورَ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، وهي الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإيمانُ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى الآخِرَةِ والسَّعْيَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والِاحْتِرازَ عَنْ رَذائِلِ الأحْوالِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ لا تَتَفَرَّقُوا بِالآلِهَةِ الكَثِيرَةِ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٥] واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ مَبْعُوثًا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجَوابُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ بِالشَّرِيعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الكُلِّ، ومَحَلُّ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ إمّا نَصْبُ بَدَلٍ مِن مَفْعُولِ ﴿شَرَعَ﴾ والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وإمّا رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذاكَ المَشْرُوعُ ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ عَظُمَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ مِن إقامَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ والإجْماعِ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أكابِرَ الأنْبِياءِ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ إقامَةُ الدِّينِ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَعْرِضِ المِنَّةِ عَلى عِبادِهِ أنَّهُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ الخالِي عَنِ التَّفَرُّقِ والمُخالَفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ بابِ القِياسِ يُفْضِي إلى أعْظَمِ أنْواعِ التَّفَرُّقِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا دِينَهم عَلى الأخْذِ بِالقِياسِ تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا رَجاءَ في حُصُولِ الِاتِّفاقِ بَيْنَهم إلى آخِرِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَمْنُوعًا عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ قِسْمانِ: مِنها ما يَمْتَنِعُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ واجِبَ البَقاءِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، كالقَوْلِ بِحُسْنِ الصِّدْقِ والعَدْلِ والإحْسانِ، والقَوْلِ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والإيذاءِ. ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَعْيَ الشَّرْعِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الأوَّلِ أقْوى مِن سَعْيِهِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ مُهِمَّةٌ في اكْتِسابِ الأحْوالِ المُفِيدَةِ لِحُصُولِ السَّعادَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ حُصُولَ المُوافَقَةِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في الشَّرْعِ والعَقْلِ، وبَيانُ مَنفَعَتِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنُّفُوسِ تَأْثِيراتٍ، وإذا تَطابَقَتِ النُّفُوسُ وتَوافَقَتْ عَلى واحِدٍ قَوِيَ التَّأْثِيرُ. الثّانِي: أنَّها إذا تَوافَقَتْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعِينًا لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَقْصُودِ المُعَيَّنِ، وكَثْرَةُ الأعْوانِ تُوجِبُ حُصُولَ المَقْصُودِ، أمّا إذا تَخالَفَتْ تَنازَعَتْ وتَجادَلَتْ فَضَعُفَتْ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ. الثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ التَّنازُعِ ضِدُّ مَصْلَحَةِ العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الهَرْجِ والمَرَجِ والقَتْلِ والنَّهْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْشَدَهم إلى هَذا الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ اجْتَباهم واصْطَفاهم وخَصَّهم بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ. الثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَبُرَ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءُ مِنَ الرُّسُلِ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ١٣٦ الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِن كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ صفحة ١٣٧ والمَعْنى أنَّ إلَهَ الكُلِّ واحِدٌ، وكُلُّ واحِدٍ مَخْصُوصٌ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَغِلَ كُلُّ واحِدٍ في الدُّنْيا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ في يَوْمِ القِيامَةِ ويُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُتارَكَةُ واشْتِغالُ كُلِّ أحَدٍ بِمُهِمِّ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ المُتارَكَةِ ما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البُيُوتِ وقَطْعِ النَّخِيلِ والإجْلاءِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ المُتارَكَةُ كانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ودَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ وتَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فاتَ الشَّرْطُ، فَلا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ تَحْرِيمَ ما يَجْرِي مَجْرى مُحاجَّتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المُحاجَّةِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُها مُحَرَّمَةً لِنَفْسِها، وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْلا الأدِلَّةُ لَما تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ. الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَحْرِيمُهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ القَوْمَ عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَهُ، فَلا حاجَةَ مَعَهم إلى المُحاجَّةِ البَتَّةَ، ومِمّا يُقَوِّي قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ - قَوْلُهُ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥]، وقَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦]، وقَوْلُهُ ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]، وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ. صفحة ١٣٨ ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.

الشورى 42:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والمَعْنى: شَرَعَ لَكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومُحَمَّدًا وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، هَذا هو المَقْصُودُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ، إلّا أنَّهُ بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، وفي آخِرِها ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، وفي الوَسَطِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟ وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّمِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾ وثالِثُها: أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: شَرَعَ اللَّهُ لَكم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَقَوْلُهُ ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ خِطابُ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ خِطابُ الحُضُورِ، فَهَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ خِطابِ الغَيْبَةِ وخِطابِ الحُضُورِ في الكَلامِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو مُشْكِلٌ، فَهَذِهِ المَضايِقُ يَجِبُ البَحْثُ عَنْها، والقَوْمُ ما دارُوا حَوْلَها، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يُقالُ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينًا تَطابَقَتِ الأنْبِياءُ عَلى صِحَّتِهِ، وأقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الدِّينِ شَيْئًا مُغايِرًا لِلتَّكالِيفِ والأحْكامِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] صفحة ١٣٥ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُمُورَ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، وهي الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإيمانُ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى الآخِرَةِ والسَّعْيَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والِاحْتِرازَ عَنْ رَذائِلِ الأحْوالِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ لا تَتَفَرَّقُوا بِالآلِهَةِ الكَثِيرَةِ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٥] واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ مَبْعُوثًا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجَوابُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ بِالشَّرِيعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الكُلِّ، ومَحَلُّ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ إمّا نَصْبُ بَدَلٍ مِن مَفْعُولِ ﴿شَرَعَ﴾ والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وإمّا رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذاكَ المَشْرُوعُ ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ عَظُمَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ مِن إقامَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ والإجْماعِ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أكابِرَ الأنْبِياءِ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ إقامَةُ الدِّينِ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَعْرِضِ المِنَّةِ عَلى عِبادِهِ أنَّهُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ الخالِي عَنِ التَّفَرُّقِ والمُخالَفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ بابِ القِياسِ يُفْضِي إلى أعْظَمِ أنْواعِ التَّفَرُّقِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا دِينَهم عَلى الأخْذِ بِالقِياسِ تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا رَجاءَ في حُصُولِ الِاتِّفاقِ بَيْنَهم إلى آخِرِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَمْنُوعًا عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ قِسْمانِ: مِنها ما يَمْتَنِعُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ واجِبَ البَقاءِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، كالقَوْلِ بِحُسْنِ الصِّدْقِ والعَدْلِ والإحْسانِ، والقَوْلِ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والإيذاءِ. ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَعْيَ الشَّرْعِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الأوَّلِ أقْوى مِن سَعْيِهِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ مُهِمَّةٌ في اكْتِسابِ الأحْوالِ المُفِيدَةِ لِحُصُولِ السَّعادَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ حُصُولَ المُوافَقَةِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في الشَّرْعِ والعَقْلِ، وبَيانُ مَنفَعَتِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنُّفُوسِ تَأْثِيراتٍ، وإذا تَطابَقَتِ النُّفُوسُ وتَوافَقَتْ عَلى واحِدٍ قَوِيَ التَّأْثِيرُ. الثّانِي: أنَّها إذا تَوافَقَتْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعِينًا لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَقْصُودِ المُعَيَّنِ، وكَثْرَةُ الأعْوانِ تُوجِبُ حُصُولَ المَقْصُودِ، أمّا إذا تَخالَفَتْ تَنازَعَتْ وتَجادَلَتْ فَضَعُفَتْ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ. الثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ التَّنازُعِ ضِدُّ مَصْلَحَةِ العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الهَرْجِ والمَرَجِ والقَتْلِ والنَّهْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْشَدَهم إلى هَذا الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ اجْتَباهم واصْطَفاهم وخَصَّهم بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ. الثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَبُرَ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءُ مِنَ الرُّسُلِ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ١٣٦ الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِن كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ صفحة ١٣٧ والمَعْنى أنَّ إلَهَ الكُلِّ واحِدٌ، وكُلُّ واحِدٍ مَخْصُوصٌ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَغِلَ كُلُّ واحِدٍ في الدُّنْيا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ في يَوْمِ القِيامَةِ ويُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُتارَكَةُ واشْتِغالُ كُلِّ أحَدٍ بِمُهِمِّ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ المُتارَكَةِ ما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البُيُوتِ وقَطْعِ النَّخِيلِ والإجْلاءِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ المُتارَكَةُ كانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ودَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ وتَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فاتَ الشَّرْطُ، فَلا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ تَحْرِيمَ ما يَجْرِي مَجْرى مُحاجَّتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المُحاجَّةِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُها مُحَرَّمَةً لِنَفْسِها، وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْلا الأدِلَّةُ لَما تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ. الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَحْرِيمُهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ القَوْمَ عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَهُ، فَلا حاجَةَ مَعَهم إلى المُحاجَّةِ البَتَّةَ، ومِمّا يُقَوِّي قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ - قَوْلُهُ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥]، وقَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦]، وقَوْلُهُ ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]، وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ. صفحة ١٣٨ ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.

الشورى 42:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والمَعْنى: شَرَعَ لَكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومُحَمَّدًا وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، هَذا هو المَقْصُودُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ، إلّا أنَّهُ بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، وفي آخِرِها ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، وفي الوَسَطِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟ وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّمِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾ وثالِثُها: أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: شَرَعَ اللَّهُ لَكم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَقَوْلُهُ ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ خِطابُ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ خِطابُ الحُضُورِ، فَهَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ خِطابِ الغَيْبَةِ وخِطابِ الحُضُورِ في الكَلامِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو مُشْكِلٌ، فَهَذِهِ المَضايِقُ يَجِبُ البَحْثُ عَنْها، والقَوْمُ ما دارُوا حَوْلَها، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يُقالُ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينًا تَطابَقَتِ الأنْبِياءُ عَلى صِحَّتِهِ، وأقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الدِّينِ شَيْئًا مُغايِرًا لِلتَّكالِيفِ والأحْكامِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] صفحة ١٣٥ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُمُورَ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، وهي الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإيمانُ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى الآخِرَةِ والسَّعْيَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والِاحْتِرازَ عَنْ رَذائِلِ الأحْوالِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ لا تَتَفَرَّقُوا بِالآلِهَةِ الكَثِيرَةِ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٥] واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ مَبْعُوثًا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجَوابُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ بِالشَّرِيعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الكُلِّ، ومَحَلُّ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ إمّا نَصْبُ بَدَلٍ مِن مَفْعُولِ ﴿شَرَعَ﴾ والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وإمّا رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذاكَ المَشْرُوعُ ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ عَظُمَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ مِن إقامَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ والإجْماعِ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أكابِرَ الأنْبِياءِ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ إقامَةُ الدِّينِ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَعْرِضِ المِنَّةِ عَلى عِبادِهِ أنَّهُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ الخالِي عَنِ التَّفَرُّقِ والمُخالَفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ بابِ القِياسِ يُفْضِي إلى أعْظَمِ أنْواعِ التَّفَرُّقِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا دِينَهم عَلى الأخْذِ بِالقِياسِ تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا رَجاءَ في حُصُولِ الِاتِّفاقِ بَيْنَهم إلى آخِرِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَمْنُوعًا عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ قِسْمانِ: مِنها ما يَمْتَنِعُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ واجِبَ البَقاءِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، كالقَوْلِ بِحُسْنِ الصِّدْقِ والعَدْلِ والإحْسانِ، والقَوْلِ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والإيذاءِ. ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَعْيَ الشَّرْعِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الأوَّلِ أقْوى مِن سَعْيِهِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ مُهِمَّةٌ في اكْتِسابِ الأحْوالِ المُفِيدَةِ لِحُصُولِ السَّعادَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ حُصُولَ المُوافَقَةِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في الشَّرْعِ والعَقْلِ، وبَيانُ مَنفَعَتِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنُّفُوسِ تَأْثِيراتٍ، وإذا تَطابَقَتِ النُّفُوسُ وتَوافَقَتْ عَلى واحِدٍ قَوِيَ التَّأْثِيرُ. الثّانِي: أنَّها إذا تَوافَقَتْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعِينًا لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَقْصُودِ المُعَيَّنِ، وكَثْرَةُ الأعْوانِ تُوجِبُ حُصُولَ المَقْصُودِ، أمّا إذا تَخالَفَتْ تَنازَعَتْ وتَجادَلَتْ فَضَعُفَتْ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ. الثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ التَّنازُعِ ضِدُّ مَصْلَحَةِ العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الهَرْجِ والمَرَجِ والقَتْلِ والنَّهْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْشَدَهم إلى هَذا الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ اجْتَباهم واصْطَفاهم وخَصَّهم بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ. الثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَبُرَ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءُ مِنَ الرُّسُلِ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ١٣٦ الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِن كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ صفحة ١٣٧ والمَعْنى أنَّ إلَهَ الكُلِّ واحِدٌ، وكُلُّ واحِدٍ مَخْصُوصٌ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَغِلَ كُلُّ واحِدٍ في الدُّنْيا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ في يَوْمِ القِيامَةِ ويُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُتارَكَةُ واشْتِغالُ كُلِّ أحَدٍ بِمُهِمِّ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ المُتارَكَةِ ما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البُيُوتِ وقَطْعِ النَّخِيلِ والإجْلاءِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ المُتارَكَةُ كانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ودَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ وتَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فاتَ الشَّرْطُ، فَلا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ تَحْرِيمَ ما يَجْرِي مَجْرى مُحاجَّتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المُحاجَّةِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُها مُحَرَّمَةً لِنَفْسِها، وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْلا الأدِلَّةُ لَما تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ. الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَحْرِيمُهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ القَوْمَ عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَهُ، فَلا حاجَةَ مَعَهم إلى المُحاجَّةِ البَتَّةَ، ومِمّا يُقَوِّي قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ - قَوْلُهُ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥]، وقَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦]، وقَوْلُهُ ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]، وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ. صفحة ١٣٨ ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.

الشورى 42:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والمَعْنى: شَرَعَ لَكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومُحَمَّدًا وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، هَذا هو المَقْصُودُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ، إلّا أنَّهُ بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، وفي آخِرِها ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، وفي الوَسَطِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟ وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّمِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾ وثالِثُها: أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: شَرَعَ اللَّهُ لَكم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَقَوْلُهُ ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ خِطابُ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ خِطابُ الحُضُورِ، فَهَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ خِطابِ الغَيْبَةِ وخِطابِ الحُضُورِ في الكَلامِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو مُشْكِلٌ، فَهَذِهِ المَضايِقُ يَجِبُ البَحْثُ عَنْها، والقَوْمُ ما دارُوا حَوْلَها، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يُقالُ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينًا تَطابَقَتِ الأنْبِياءُ عَلى صِحَّتِهِ، وأقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الدِّينِ شَيْئًا مُغايِرًا لِلتَّكالِيفِ والأحْكامِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] صفحة ١٣٥ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُمُورَ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، وهي الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإيمانُ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى الآخِرَةِ والسَّعْيَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والِاحْتِرازَ عَنْ رَذائِلِ الأحْوالِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ لا تَتَفَرَّقُوا بِالآلِهَةِ الكَثِيرَةِ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٥] واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ مَبْعُوثًا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجَوابُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ بِالشَّرِيعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الكُلِّ، ومَحَلُّ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ إمّا نَصْبُ بَدَلٍ مِن مَفْعُولِ ﴿شَرَعَ﴾ والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وإمّا رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذاكَ المَشْرُوعُ ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ عَظُمَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ مِن إقامَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ والإجْماعِ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أكابِرَ الأنْبِياءِ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ إقامَةُ الدِّينِ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَعْرِضِ المِنَّةِ عَلى عِبادِهِ أنَّهُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ الخالِي عَنِ التَّفَرُّقِ والمُخالَفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ بابِ القِياسِ يُفْضِي إلى أعْظَمِ أنْواعِ التَّفَرُّقِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا دِينَهم عَلى الأخْذِ بِالقِياسِ تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا رَجاءَ في حُصُولِ الِاتِّفاقِ بَيْنَهم إلى آخِرِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَمْنُوعًا عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ قِسْمانِ: مِنها ما يَمْتَنِعُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ واجِبَ البَقاءِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، كالقَوْلِ بِحُسْنِ الصِّدْقِ والعَدْلِ والإحْسانِ، والقَوْلِ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والإيذاءِ. ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَعْيَ الشَّرْعِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الأوَّلِ أقْوى مِن سَعْيِهِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ مُهِمَّةٌ في اكْتِسابِ الأحْوالِ المُفِيدَةِ لِحُصُولِ السَّعادَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ حُصُولَ المُوافَقَةِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في الشَّرْعِ والعَقْلِ، وبَيانُ مَنفَعَتِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنُّفُوسِ تَأْثِيراتٍ، وإذا تَطابَقَتِ النُّفُوسُ وتَوافَقَتْ عَلى واحِدٍ قَوِيَ التَّأْثِيرُ. الثّانِي: أنَّها إذا تَوافَقَتْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعِينًا لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَقْصُودِ المُعَيَّنِ، وكَثْرَةُ الأعْوانِ تُوجِبُ حُصُولَ المَقْصُودِ، أمّا إذا تَخالَفَتْ تَنازَعَتْ وتَجادَلَتْ فَضَعُفَتْ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ. الثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ التَّنازُعِ ضِدُّ مَصْلَحَةِ العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الهَرْجِ والمَرَجِ والقَتْلِ والنَّهْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْشَدَهم إلى هَذا الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ اجْتَباهم واصْطَفاهم وخَصَّهم بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ. الثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَبُرَ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءُ مِنَ الرُّسُلِ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ١٣٦ الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِن كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ صفحة ١٣٧ والمَعْنى أنَّ إلَهَ الكُلِّ واحِدٌ، وكُلُّ واحِدٍ مَخْصُوصٌ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَغِلَ كُلُّ واحِدٍ في الدُّنْيا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ في يَوْمِ القِيامَةِ ويُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُتارَكَةُ واشْتِغالُ كُلِّ أحَدٍ بِمُهِمِّ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ المُتارَكَةِ ما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البُيُوتِ وقَطْعِ النَّخِيلِ والإجْلاءِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ المُتارَكَةُ كانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ودَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ وتَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فاتَ الشَّرْطُ، فَلا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ تَحْرِيمَ ما يَجْرِي مَجْرى مُحاجَّتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المُحاجَّةِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُها مُحَرَّمَةً لِنَفْسِها، وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْلا الأدِلَّةُ لَما تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ. الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَحْرِيمُهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ القَوْمَ عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَهُ، فَلا حاجَةَ مَعَهم إلى المُحاجَّةِ البَتَّةَ، ومِمّا يُقَوِّي قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ - قَوْلُهُ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥]، وقَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦]، وقَوْلُهُ ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]، وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ. صفحة ١٣٨ ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.

الشورى 42:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والمَعْنى: شَرَعَ لَكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومُحَمَّدًا وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، هَذا هو المَقْصُودُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ، إلّا أنَّهُ بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، وفي آخِرِها ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، وفي الوَسَطِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟ وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ والقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّمِ، فَقالَ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾ وثالِثُها: أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: شَرَعَ اللَّهُ لَكم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَقَوْلُهُ ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ خِطابُ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ خِطابُ الحُضُورِ، فَهَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ خِطابِ الغَيْبَةِ وخِطابِ الحُضُورِ في الكَلامِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو مُشْكِلٌ، فَهَذِهِ المَضايِقُ يَجِبُ البَحْثُ عَنْها، والقَوْمُ ما دارُوا حَوْلَها، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يُقالُ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينًا تَطابَقَتِ الأنْبِياءُ عَلى صِحَّتِهِ، وأقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الدِّينِ شَيْئًا مُغايِرًا لِلتَّكالِيفِ والأحْكامِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائِدَةِ: ٤٨] صفحة ١٣٥ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُمُورَ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، وهي الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإيمانُ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى الآخِرَةِ والسَّعْيَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والِاحْتِرازَ عَنْ رَذائِلِ الأحْوالِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ أيْ لا تَتَفَرَّقُوا بِالآلِهَةِ الكَثِيرَةِ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يُوسُفَ: ٣٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٥] واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ مَبْعُوثًا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجَوابُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ بِالشَّرِيعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الكُلِّ، ومَحَلُّ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ إمّا نَصْبُ بَدَلٍ مِن مَفْعُولِ ﴿شَرَعَ﴾ والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وإمّا رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذاكَ المَشْرُوعُ ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ. ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ عَظُمَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ مِن إقامَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ والإجْماعِ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أكابِرَ الأنْبِياءِ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ إقامَةُ الدِّينِ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَعْرِضِ المِنَّةِ عَلى عِبادِهِ أنَّهُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ الخالِي عَنِ التَّفَرُّقِ والمُخالَفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ بابِ القِياسِ يُفْضِي إلى أعْظَمِ أنْواعِ التَّفَرُّقِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا دِينَهم عَلى الأخْذِ بِالقِياسِ تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا رَجاءَ في حُصُولِ الِاتِّفاقِ بَيْنَهم إلى آخِرِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَمْنُوعًا عَنْهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ قِسْمانِ: مِنها ما يَمْتَنِعُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ واجِبَ البَقاءِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، كالقَوْلِ بِحُسْنِ الصِّدْقِ والعَدْلِ والإحْسانِ، والقَوْلِ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والإيذاءِ. ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَعْيَ الشَّرْعِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الأوَّلِ أقْوى مِن سَعْيِهِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ مُهِمَّةٌ في اكْتِسابِ الأحْوالِ المُفِيدَةِ لِحُصُولِ السَّعادَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ حُصُولَ المُوافَقَةِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في الشَّرْعِ والعَقْلِ، وبَيانُ مَنفَعَتِهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لِلنُّفُوسِ تَأْثِيراتٍ، وإذا تَطابَقَتِ النُّفُوسُ وتَوافَقَتْ عَلى واحِدٍ قَوِيَ التَّأْثِيرُ. الثّانِي: أنَّها إذا تَوافَقَتْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعِينًا لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَقْصُودِ المُعَيَّنِ، وكَثْرَةُ الأعْوانِ تُوجِبُ حُصُولَ المَقْصُودِ، أمّا إذا تَخالَفَتْ تَنازَعَتْ وتَجادَلَتْ فَضَعُفَتْ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ. الثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ التَّنازُعِ ضِدُّ مَصْلَحَةِ العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الهَرْجِ والمَرَجِ والقَتْلِ والنَّهْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْشَدَهم إلى هَذا الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ اجْتَباهم واصْطَفاهم وخَصَّهم بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ. الثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَبُرَ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءُ مِنَ الرُّسُلِ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ١٣٦ الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِن كِتابِهِمْ ﴿مُرِيبٍ﴾ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ اللَّهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ صفحة ١٣٧ والمَعْنى أنَّ إلَهَ الكُلِّ واحِدٌ، وكُلُّ واحِدٍ مَخْصُوصٌ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَغِلَ كُلُّ واحِدٍ في الدُّنْيا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ في يَوْمِ القِيامَةِ ويُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُتارَكَةُ واشْتِغالُ كُلِّ أحَدٍ بِمُهِمِّ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ المُتارَكَةِ ما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البُيُوتِ وقَطْعِ النَّخِيلِ والإجْلاءِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ المُتارَكَةُ كانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ودَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ وتَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فاتَ الشَّرْطُ، فَلا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ. * * * واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ تَحْرِيمَ ما يَجْرِي مَجْرى مُحاجَّتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المُحاجَّةِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُها مُحَرَّمَةً لِنَفْسِها، وهو مُتَناقِضٌ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْلا الأدِلَّةُ لَما تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ. الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَحْرِيمُهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ القَوْمَ عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَهُ، فَلا حاجَةَ مَعَهم إلى المُحاجَّةِ البَتَّةَ، ومِمّا يُقَوِّي قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ - قَوْلُهُ ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥]، وقَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦]، وقَوْلُهُ ﴿يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ [هُودٍ: ٣٢]، وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ. صفحة ١٣٨ ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.

الشورى 42:20

قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ صفحة ١٣٩ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ لَطِيفًا بِعِبادِهِ كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَسْعَوْا في طَلَبِ الخَيْراتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ القَبائِحِ فَقالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَطْلُبُ بِهِ الفائِدَةَ حَرْثًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الفَرْقَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ مَن أرادَ الآخِرَةَ وبَيْنَ مَن أرادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ مُرِيدَ حَرْثِ الآخِرَةِ في الذِّكْرِ عَلى مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ آخِرَةً، ثُمَّ قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ ”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ“ . الثّانِي: أنَّهُ قالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ وقالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾، وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ بَعْضَ ما يَطْلُبُهُ ولا يُؤْتِيهِ كُلَّهُ، وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨] وأقُولُ: البُرْهانُ العَقْلِيُّ مُساعِدٌ عَلى البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ وواظَبَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ فَكَثْرَةُ الأعْمالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ، فَكُلُّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى طَلَبِ الآخِرَةِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِابْتِهاجُ أعْظَمَ والسَّعاداتُ أكْثَرَ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وأمّا طالِبُ الدُّنْيا فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى أعْمالِ ذَلِكَ الطَّلَبِ أكْثَرَ - كانَتْ رَغْبَتُهُ في الفَوْزِ بِالدُّنْيا أكْثَرَ، ومَيْلُهُ إلَيْها أشَدَّ، وإذا كانَ المَيْلُ أبَدًا في التَّزايُدِ، وكانَ حُصُولُ المَطْلُوبِ باقِيًا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كانَ الحِرْمانُ لازِمًا لا مَحالَةَ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في طالِبِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ الدُّنْيا أمْ لا، بَلْ بَقِيَ الكَلامُ ساكِتًا عَنْهُ نَفْيًا وإثْباتًا، وأمّا طالِبُ حَرْثِ الدُّنْيا فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِن نَصِيبِ الآخِرَةِ عَلى التَّنْصِيصِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: الآخِرَةُ أصْلٌ والدُّنْيا تَبَعٌ، فَواجِدُ الأصْلِ يَكُونُ واجِدًا لِلتَّبَعِ بِقَدَرِ الحاجَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّنْيا أخَسُّ مِن أنْ يَقْرِنَ ذِكْرَها بِذِكْرِ الآخِرَةِ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يُزادُ في مَطْلُوبِهِ، وبَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يُعْطى بَعْضَ مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ نُصِيبٌ البَتَّةَ، فَبَيَّنَ بِالكَلامِ الأوَّلِ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يَكُونُ حالُهُ أبَدًا في التَّرَقِّي والتَّزايُدِ، وبَيَّنَ بِالكَلامِ الثّانِي أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يَكُونُ حالُهُ في المَقامِ الأوَّلِ في النُّقْصانِ، وفي المَقامِ الثّانِي في البُطْلانِ التّامِّ. الخامِسُ: أنَّ الآخِرَةَ نَسِيئَةٌ، والدُّنْيا نَقْدٌ، والنَّسِيئَةُ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْدِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ انْعَكَسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، فالآخِرَةُ وإنْ كانَتْ نَسِيئَةً إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ لِلزِّيادَةِ والدَّوامِ، فَكانَتْ أفْضَلَ وأكْمَلَ، والدُّنْيا وإنْ كانَتْ نَقْدًا إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النُّقْصانِ، ثُمَّ إلى البُطْلانِ، فَكانَتْ أخَسَّ وأرْذَلَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الآخِرَةِ لا يُناسِبُ حالَ الدُّنْيا البَتَّةَ، وأنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ؛ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. السّادِسُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ والدُّنْيا لَيْسَتْ حاضِرَةً، بَلْ لا بُدَّ في البابَيْنِ مِنَ الحَرْثِ، والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ في البَذْرِ، ثُمَّ التَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ، ثُمَّ التَّنْقِيَةِ، فَلَمّا سَمّى اللَّهُ كِلا القِسْمَيْنِ حَرْثًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشاقِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَصِيرَ الآخِرَةِ إلى الزِّيادَةِ والكَمالِ، وأنَّ مَصِيرَ الدُّنْيا صفحة ١٤٠ إلى النُّقْصانِ ثُمَّ الفَناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ لا بُدَّ في القِسْمَيْنِ جَمِيعًا مِن تَحَمُّلِ مَتاعِبِ الحِراثَةِ والتَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ والتَّنْقِيَةِ، فَلِأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ المَتاعِبُ إلى ما يَكُونُ في التَّزايُدِ والبَقاءِ أوْلى مِن صَرْفِها إلى ما يَكُونُ في النُّقْصانِ والِانْقِضاءِ والفَناءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنّا نَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ بِتَضْعِيفِ الثَّوابِ، قالَ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أصْبَحَ، وهَمُّهُ الدُّنْيا - شَتَّتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَمَّهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلى ما كُتِبَ لَهُ، ومَن أصْبَحَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ هَمَّهُ وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ عَنْ أنْفِها» أوْ لَفْظٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ هَذا مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَلّى لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِأجْلِ دَفْعِ العِقابِ فَإنَّهُ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تَصِحُّ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِإلْقاءِ البَذْرِ الصَّحِيحِ في الأرْضِ، والبَذْرُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لَيْسَ إلّا عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أصْحابُنا: إذا تَوَضَّأ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الإنْسانَ ما أرادَ حَرْثَ الآخِرَةِ، لِأنَّ الكَلامَ فِيما إذا كانَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ نُصِيبٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّلاةِ مِن بابِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في الوُضُوءِ العارِي عَنِ النِّيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القانُونَ الأعْظَمَ والقِسْطاسَ الأقْوَمَ في أعْمالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا - أرْدَفَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما هو الأصْلُ في بابِ الضَّلالَةِ والشَّقاوَةِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ومَعْنى الهَمْزَةِ في ”أمْ“ التَّقْرِيرُ والتَّقْرِيعُ، و(شُرَكاؤُهم) شَياطِينُهُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا الشِّرْكَ وإنْكارَ البَعْثِ والعَمَلَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها، وقِيلَ: (شُرَكاؤُهم) أوْثانُهم، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، ولَمّا كانَ سَبَبًا لِضَلالَتِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الضَّلالَةِ؛ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﷺ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦]، وقَوْلُهُ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الشَّرائِعَ بِأسْرِها عَلى ضِدَّيْنِ لِلَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ، أوْ يُقالُ: ولَوْلا الوَعْدُ بِأنَّ الفَصْلَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَرَأ بَعْضُهم: ”وأنَّ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”إنَّ“؛ عَطْفًا لَهُ عَلى ”كَلِمَةُ الفَصْلِ“، يَعْنِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وأنَّ تَقْرِيرَهُ تَعْذِيبَ الظّالِمِينَ - في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ وأحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ. فالأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ وبالَهُ واقِعٌ بِهِمْ، سَواءٌ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا. وأمّا الثّانِي: فَهو أحْوالُ أهْلِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ الجَنَّةِ أطْيَبُ بُقْعَةٍ فِيها، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كُلُّهم في الجَنَّةِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِرَوْضاتِ الجَنّاتِ، وهي البِقاعُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الجَنَّةِ، فالبِقاعُ الَّتِي دُونَ تِلْكَ الرَّوْضاتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَن كانَ دُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ صفحة ١٤١ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الأشْياءِ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ مُهَيَّأةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى في تَعْظِيمِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾، وأصْحابُنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِطَرِيقِ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَوْضاتِ الجَنّاتِ ووِجْدانَ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إنَّما كانَ جَزاءً عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى العَمَلِ إنَّما حَصَلَ بِطَرِيقِ الفَضْلِ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يُبَشِّرُ“ مِن بَشَّرَهُ، و”يُبْشِرُ“ مِن أبْشَرَهُ، و”يَبْشُرُ“ مِن بَشَرَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَتَّبَ عَلى الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ رَوْضاتِ الجَنّاتِ، والسُّلْطانُ الَّذِي هو أعْظَمُ المَوْجُوداتِ وأكْرَمُهم إذا رَتَّبَ عَلى أعْمالٍ شاقَّةٍ جَزاءً، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ قَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ يَدْخُلُ في بابِ غَيْرِ المُتَناهِي لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ إلّا والإنْسانُ يُرِيدُ ما هو أعْلى مِنها. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ والَّذِي يَحْكُمُ بِكِبَرِهِ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ عَلى الإطْلاقِ كانَ في غايَةِ الكِبَرِ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ البِشارَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى غايَةِ العَظَمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِها والوُصُولَ إلَيْها. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا الكِتابَ الشَّرِيفَ العالِيَ وأوْدَعَ فِيهِ ثَلاثَةَ الأقْسامِ الدَّلائِلَ، وأصْنافَ التَّكالِيفِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الثَّوابَ، وعَلى المَعْصِيَةِ العِقابَ، بَيَّنَ أنِّي لا أطْلُبُ مِنكم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ نَفْعًا عاجِلًا ومَطْلُوبًا حاضِرًا، لِئَلّا يَتَخَيَّلَ جاهِلٌ أنَّ مَقْصُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا التَّبْلِيغِ المالُ والجاهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ النّاسُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: الأوَّلُ: قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ واسِطَ النَّسَبِ مِن قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿أجْرًا إلّا﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم، والمَعْنى: أنَّكم قَوْمِي وأحَقُّ مَن أجابَنِي وأطاعَنِي، فَإذا قَدْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فاحْفَظُوا حَقَّ القُرْبى ولا تُؤْذُونِي ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ. والقَوْلُ الثّانِي: رَوى الكَلْبِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَعْرُوهُ نَوائِبُ وحُقُوقٌ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وهو ابْنُ أُخْتِكم، وجارُكم في بَلَدِكم، فاجْمَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن أمْوالِكم، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا»﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ؛ إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي، فَحَثَّهم عَلى مَوَدَّةِ أقارِبِهِ. صفحة ١٤٢ القَوْلُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: إلّا أنْ تَوَدُّوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ التَّوَدُّدِ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فالقُرْبى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الرَّحِمِ، وعَلى الثّانِي القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الأقارِبِ، وعَلى الثّالِثِ هي ”فُعْلى“ مِنَ القُرْبِ والتَّقْرِيبِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، ذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الأجْرِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أكْثَرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أنَّهم صَرَّحُوا بِنَفْيِ طَلَبِ الأُجْرَةِ، فَذَكَرَ في قِصَّةِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩] وكَذا في قِصَّةِ هُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورَسُولُنا أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَ بِأنْ لا يَطْلُبَ الأجْرَ عَلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أوْلى. الثّانِي: أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَفْيِ طَلَبِ الأجْرِ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ٤٧] وقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] . الثّالِثُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وطَلَبُ الأجْرِ عَلى أداءِ الواجِبِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أعْلَمِ العُلَماءِ. الرّابِعُ: أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ الحِكْمَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩]، وقالَ في صِفَةِ الدُّنْيا: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧]، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العَقْلِ مُقابَلَةُ أشْرَفِ الأشْياءِ بِأخَسِّ الأشْياءِ. الخامِسُ: أنَّ طَلَبَ الأجْرِ كانَ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وذَلِكَ يُنافِي القَطْعَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْلُبَ أجْرًا البَتَّةَ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وهو المَوَدَّةُ في القُرْبى هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الأجْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، بَقِيَ قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِها مِن قِراعِ الدّارِعِينَ فُلُولُ المَعْنى: أنا لا أطْلُبُ مِنكم إلّا هَذا. وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أجْرًا؛ لِأنَّ حُصُولَ المَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أمْرٌ واجِبٌ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] وقالَ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهم بَعْضًا»، والآياتُ والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وإذا كانَ حُصُولُ المَوَدَّةِ بَيْنَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ واجِبًا، فَحُصُولُها في حَقِّ أشْرَفِ المُسْلِمِينَ وأكابِرِهِمْ أوْلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، تَقْدِيرُهُ: والمَوَدَّةُ في القُرْبى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَعَ الحاصِلُ إلى أنَّهُ لا أجْرَ البَتَّةَ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي مِنكم، وكَأنَّهُ في اللَّفْظِ أجْرٌ، ولَيْسَ بِأجْرٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا. ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُورًا لَهُ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تائِبًا، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الإيمانِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إلى الجَنَّةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ صفحة ١٤٣ جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِرًا، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ» هَذا هو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وأنا أقُولُ: آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ، فَكُلُّ مَن كانَ أمْرُهم إلَيْهِ أشَدَّ وأكْمَلَ كانُوا هُمُ الآلَ، ولا شَكَّ أنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ كانَ التَّعَلُّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ التَّعَلُّقاتِ، وهَذا كالمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا هُمُ الآلَ، وأيْضًا اخْتَلَفَ النّاسُ في الآلِ، فَقِيلَ: هُمُ الأقارِبُ، وقِيلَ: هم أُمَّتُهُ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى القَرابَةِ فَهُمُ الآلُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأُمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ فَهم أيْضًا آلٌ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ هُمُ الآلُ، وأمّا غَيْرُهم فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظِ الآلِ ؟ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما» فَثَبَتَ أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ أقارِبُ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ما سَبَقَ. الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ فاطِمَةَ - عَلَيْها السَّلامُ- قالَ ﷺ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» وثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣١] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابِ: ٢١] الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ لِلْآلِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا الدُّعاءُ خاتِمَةَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ، وهَذا التَّعْظِيمُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّ غَيْرِ الآلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ واجِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خَيْفِها والنّاهِضِ سَحَرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنًى ∗∗∗ فَيْضًا كَما نَظْمِ الفُراتِ الفائِضِ إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فِيهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠] فَكُلُّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، والحاصِلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُبِّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ أصْحابِهِ، وهَذا المَنصِبُ لا يَسْلَمُ إلّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حُبِّ العِتْرَةِ والصَّحابَةِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ المَذْكُورِينَ، قالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا»، وقالَ ﷺ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ونَحْنُ الآنَ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ، وتَضْرِبُنا أمْواجُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وراكِبُ البَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: السَّفِينَةُ الخالِيَةُ عَنِ العُيُوبِ والثَّقْبِ. والثّانِي: الكَواكِبُ الظّاهِرَةُ الطّالِعَةُ النَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ السَّفِينَةَ ووَقَعَ نَظَرُهُ عَلى تِلْكَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ كانَ رَجاءُ السَّلامَةِ غالِبًا، فَكَذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا - أهْلُ السُّنَّةِ - سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ الصَّحابَةِ، فَرَجَوْا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. * * * صفحة ١٤٤ ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، فَقالَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا مَوَدَّةً لِلْقُرْبى، وما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها؛ كَقَوْلِهِ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والظّاهِرُ العُمُومُ في أيِّ حَسَنَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ المَوَدَّةِ في القُرْبى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ التَّأْكِيدُ في تِلْكَ المَوَدَّةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ والشَّكُورُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُحْسِنُ إلى المُطِيعِينَ في إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وفي أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّفْضِيلِ. وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ في تَقْرِيرِ أنَّ هَذا الكِتابَ إنَّما حَصَلَ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] واتَّصَلَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، وتَعَلَّقَ البَعْضُ بِالبَعْضِ حَتّى وصَلَ إلى هَهُنا، ثُمَّ حَكى هَهُنا شُبْهَةَ القَوْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّ هَذا لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ نَفْسُ التَّوْبِيخِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقَعُ في قُلُوبِهِمْ ويَجْرِي في ألْسِنَتِهِمْ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، الَّذِي هو أقْبَحُ أنْواعِ الفِرْيَةِ وأفْحَشُها، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم ”إنَّهُ مُفْتَرٍ كَذّابٌ“ . والثّانِي: يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، ومِثالُهُ أنْ يَنْسُبَ رَجُلٌ بَعْضَ الأُمَناءِ إلى الخِيانَةِ، فَيَقُولُ الأمِينُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ لِنَفْسِهِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ صُدُورِ الخِيانَةِ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيْ: ومِن عادَةِ اللَّهِ إبْطالُ الباطِلِ وتَقْرِيرُ الحَقِّ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُبْطِلًا كَذّابًا لَفَضَحَهُ اللَّهُ ولَكَشَفَ عَنْ باطِلِهِ، ولَما أيَّدَهُ بِالقُوَّةِ والنُّصْرَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البَهْتِ والفِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وعَنْ قَتادَةَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يُنْسِيكَ القُرْآنَ، ويَقْطَعُ عَنْكَ الوَحْيَ، بِمَعْنى: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثُمَّ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِهَذِهِ الفِرْيَةِ عِقابًا عَظِيمًا، لا جَرَمَ نَدَبَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَرَّفَهم أنَّهُ يَقْبَلُها مِن كُلِّ مُسِيءٍ وإنْ عَظُمَتْ إساءَتُهُ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٥ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ وقَبِلْتُهُ عَنْهُ، فَمَعْنى قَبِلْتُهُ مِنهُ أخَذْتُهُ مِنهُ وجَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولٍ ومَنشَأهُ، ومَعْنى قَبِلْتُهُ عَنْهُ أخَذْتُهُ وأثْبَتُّهُ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ البَحْثُ المُسْتَقْصى عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأقَلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ النَّدَمُ عَلى الماضِي والتَّرْكُ في الحالِ والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، وكَبَّرَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى تَوْبَةٍ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما التَّوْبَةُ ؟ فَقالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ؛ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَةُ النَّفْسِ مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلُ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ، وقالَ أصْحابُنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالكَرَمِ والفَضْلِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القَبُولُ واجِبًا لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ العَظِيمُ، ألا تَرى أنَّ مَن مَدَحَ نَفْسَهُ بِأنْ لا يَضْرِبَ النّاسَ ظُلْمًا ولا يَقْتُلَهم غَضَبًا، كانَ ذَلِكَ مَدْحًا قَلِيلًا، أمّا إذا قالَ: إنِّي أُحْسِنُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيَّ - كانَ ذَلِكَ مَدْحًا وثَناءً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغائِرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَصارَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وأداءُ الواجِبِ لا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَبَقِيَ القِسْمُ الثّالِثُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تارَةً يَعْفُو بِواسِطَةِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وتارَةً يَعْفُو ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ، فَيُثِيبُهُ عَلى حَسَناتِهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ”الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“ رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. والثّانِي: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إلّا أنَّهُ حُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣] وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الخَبَرَ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وما بَعْدَها قَوْلُهُ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَـ ”يَزِيدُ“ عُطِفَ عَلى ”ويَسْتَجِيبُ“، وعَلى الأوَّلِ: ويُجِيبُ العَبْدَ ويَزِيدُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. أمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم فِيما دَعاهم إلَيْهِ. والثّانِي: يُطِيعُونَهُ فِيما أمَرَهم بِهِ، والِاسْتِجابَةُ الطّاعَةُ. وأمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: يُجِيبُ اللَّهُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ويَزِيدُهم ما طَلَبُوهُ مِن فَضْلِهِ، فَإنْ قالُوا: تَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِإجابَةِ الدُّعاءِ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُجِيبُ دُعاءَ الكُفّارِ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَعْظِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وفائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّ صفحة ١٤٦ إجابَةَ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإجابَةُ دُعاءِ الكافِرِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ بِالدُّعاءِ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ.

الشورى 42:21

قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ صفحة ١٣٩ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ لَطِيفًا بِعِبادِهِ كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَسْعَوْا في طَلَبِ الخَيْراتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ القَبائِحِ فَقالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَطْلُبُ بِهِ الفائِدَةَ حَرْثًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الفَرْقَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ مَن أرادَ الآخِرَةَ وبَيْنَ مَن أرادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ مُرِيدَ حَرْثِ الآخِرَةِ في الذِّكْرِ عَلى مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ آخِرَةً، ثُمَّ قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ ”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ“ . الثّانِي: أنَّهُ قالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ وقالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾، وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ بَعْضَ ما يَطْلُبُهُ ولا يُؤْتِيهِ كُلَّهُ، وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨] وأقُولُ: البُرْهانُ العَقْلِيُّ مُساعِدٌ عَلى البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ وواظَبَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ فَكَثْرَةُ الأعْمالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ، فَكُلُّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى طَلَبِ الآخِرَةِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِابْتِهاجُ أعْظَمَ والسَّعاداتُ أكْثَرَ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وأمّا طالِبُ الدُّنْيا فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى أعْمالِ ذَلِكَ الطَّلَبِ أكْثَرَ - كانَتْ رَغْبَتُهُ في الفَوْزِ بِالدُّنْيا أكْثَرَ، ومَيْلُهُ إلَيْها أشَدَّ، وإذا كانَ المَيْلُ أبَدًا في التَّزايُدِ، وكانَ حُصُولُ المَطْلُوبِ باقِيًا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كانَ الحِرْمانُ لازِمًا لا مَحالَةَ. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في طالِبِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ الدُّنْيا أمْ لا، بَلْ بَقِيَ الكَلامُ ساكِتًا عَنْهُ نَفْيًا وإثْباتًا، وأمّا طالِبُ حَرْثِ الدُّنْيا فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِن نَصِيبِ الآخِرَةِ عَلى التَّنْصِيصِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: الآخِرَةُ أصْلٌ والدُّنْيا تَبَعٌ، فَواجِدُ الأصْلِ يَكُونُ واجِدًا لِلتَّبَعِ بِقَدَرِ الحاجَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّنْيا أخَسُّ مِن أنْ يَقْرِنَ ذِكْرَها بِذِكْرِ الآخِرَةِ. والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يُزادُ في مَطْلُوبِهِ، وبَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يُعْطى بَعْضَ مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ نُصِيبٌ البَتَّةَ، فَبَيَّنَ بِالكَلامِ الأوَّلِ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يَكُونُ حالُهُ أبَدًا في التَّرَقِّي والتَّزايُدِ، وبَيَّنَ بِالكَلامِ الثّانِي أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يَكُونُ حالُهُ في المَقامِ الأوَّلِ في النُّقْصانِ، وفي المَقامِ الثّانِي في البُطْلانِ التّامِّ. الخامِسُ: أنَّ الآخِرَةَ نَسِيئَةٌ، والدُّنْيا نَقْدٌ، والنَّسِيئَةُ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْدِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ انْعَكَسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، فالآخِرَةُ وإنْ كانَتْ نَسِيئَةً إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ لِلزِّيادَةِ والدَّوامِ، فَكانَتْ أفْضَلَ وأكْمَلَ، والدُّنْيا وإنْ كانَتْ نَقْدًا إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النُّقْصانِ، ثُمَّ إلى البُطْلانِ، فَكانَتْ أخَسَّ وأرْذَلَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الآخِرَةِ لا يُناسِبُ حالَ الدُّنْيا البَتَّةَ، وأنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ؛ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. السّادِسُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ والدُّنْيا لَيْسَتْ حاضِرَةً، بَلْ لا بُدَّ في البابَيْنِ مِنَ الحَرْثِ، والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ في البَذْرِ، ثُمَّ التَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ، ثُمَّ التَّنْقِيَةِ، فَلَمّا سَمّى اللَّهُ كِلا القِسْمَيْنِ حَرْثًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشاقِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَصِيرَ الآخِرَةِ إلى الزِّيادَةِ والكَمالِ، وأنَّ مَصِيرَ الدُّنْيا صفحة ١٤٠ إلى النُّقْصانِ ثُمَّ الفَناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ لا بُدَّ في القِسْمَيْنِ جَمِيعًا مِن تَحَمُّلِ مَتاعِبِ الحِراثَةِ والتَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ والتَّنْقِيَةِ، فَلِأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ المَتاعِبُ إلى ما يَكُونُ في التَّزايُدِ والبَقاءِ أوْلى مِن صَرْفِها إلى ما يَكُونُ في النُّقْصانِ والِانْقِضاءِ والفَناءِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنّا نَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ بِتَضْعِيفِ الثَّوابِ، قالَ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أصْبَحَ، وهَمُّهُ الدُّنْيا - شَتَّتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَمَّهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلى ما كُتِبَ لَهُ، ومَن أصْبَحَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ هَمَّهُ وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ عَنْ أنْفِها» أوْ لَفْظٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ هَذا مَعْناهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَلّى لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِأجْلِ دَفْعِ العِقابِ فَإنَّهُ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تَصِحُّ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِإلْقاءِ البَذْرِ الصَّحِيحِ في الأرْضِ، والبَذْرُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لَيْسَ إلّا عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أصْحابُنا: إذا تَوَضَّأ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الإنْسانَ ما أرادَ حَرْثَ الآخِرَةِ، لِأنَّ الكَلامَ فِيما إذا كانَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ نُصِيبٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّلاةِ مِن بابِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في الوُضُوءِ العارِي عَنِ النِّيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القانُونَ الأعْظَمَ والقِسْطاسَ الأقْوَمَ في أعْمالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا - أرْدَفَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما هو الأصْلُ في بابِ الضَّلالَةِ والشَّقاوَةِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ومَعْنى الهَمْزَةِ في ”أمْ“ التَّقْرِيرُ والتَّقْرِيعُ، و(شُرَكاؤُهم) شَياطِينُهُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا الشِّرْكَ وإنْكارَ البَعْثِ والعَمَلَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها، وقِيلَ: (شُرَكاؤُهم) أوْثانُهم، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، ولَمّا كانَ سَبَبًا لِضَلالَتِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الضَّلالَةِ؛ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﷺ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦]، وقَوْلُهُ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الشَّرائِعَ بِأسْرِها عَلى ضِدَّيْنِ لِلَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ، أوْ يُقالُ: ولَوْلا الوَعْدُ بِأنَّ الفَصْلَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَرَأ بَعْضُهم: ”وأنَّ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”إنَّ“؛ عَطْفًا لَهُ عَلى ”كَلِمَةُ الفَصْلِ“، يَعْنِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وأنَّ تَقْرِيرَهُ تَعْذِيبَ الظّالِمِينَ - في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ وأحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ. فالأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ وبالَهُ واقِعٌ بِهِمْ، سَواءٌ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا. وأمّا الثّانِي: فَهو أحْوالُ أهْلِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ الجَنَّةِ أطْيَبُ بُقْعَةٍ فِيها، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كُلُّهم في الجَنَّةِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِرَوْضاتِ الجَنّاتِ، وهي البِقاعُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الجَنَّةِ، فالبِقاعُ الَّتِي دُونَ تِلْكَ الرَّوْضاتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَن كانَ دُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ صفحة ١٤١ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الأشْياءِ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ مُهَيَّأةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى في تَعْظِيمِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾، وأصْحابُنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِطَرِيقِ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَوْضاتِ الجَنّاتِ ووِجْدانَ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إنَّما كانَ جَزاءً عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى العَمَلِ إنَّما حَصَلَ بِطَرِيقِ الفَضْلِ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يُبَشِّرُ“ مِن بَشَّرَهُ، و”يُبْشِرُ“ مِن أبْشَرَهُ، و”يَبْشُرُ“ مِن بَشَرَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَتَّبَ عَلى الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ رَوْضاتِ الجَنّاتِ، والسُّلْطانُ الَّذِي هو أعْظَمُ المَوْجُوداتِ وأكْرَمُهم إذا رَتَّبَ عَلى أعْمالٍ شاقَّةٍ جَزاءً، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ قَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ يَدْخُلُ في بابِ غَيْرِ المُتَناهِي لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ إلّا والإنْسانُ يُرِيدُ ما هو أعْلى مِنها. الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ والَّذِي يَحْكُمُ بِكِبَرِهِ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ عَلى الإطْلاقِ كانَ في غايَةِ الكِبَرِ. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ البِشارَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى غايَةِ العَظَمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِها والوُصُولَ إلَيْها. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا الكِتابَ الشَّرِيفَ العالِيَ وأوْدَعَ فِيهِ ثَلاثَةَ الأقْسامِ الدَّلائِلَ، وأصْنافَ التَّكالِيفِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الثَّوابَ، وعَلى المَعْصِيَةِ العِقابَ، بَيَّنَ أنِّي لا أطْلُبُ مِنكم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ نَفْعًا عاجِلًا ومَطْلُوبًا حاضِرًا، لِئَلّا يَتَخَيَّلَ جاهِلٌ أنَّ مَقْصُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا التَّبْلِيغِ المالُ والجاهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ النّاسُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: الأوَّلُ: قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ واسِطَ النَّسَبِ مِن قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿أجْرًا إلّا﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم، والمَعْنى: أنَّكم قَوْمِي وأحَقُّ مَن أجابَنِي وأطاعَنِي، فَإذا قَدْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فاحْفَظُوا حَقَّ القُرْبى ولا تُؤْذُونِي ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ. والقَوْلُ الثّانِي: رَوى الكَلْبِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَعْرُوهُ نَوائِبُ وحُقُوقٌ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وهو ابْنُ أُخْتِكم، وجارُكم في بَلَدِكم، فاجْمَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن أمْوالِكم، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا»﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ؛ إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي، فَحَثَّهم عَلى مَوَدَّةِ أقارِبِهِ. صفحة ١٤٢ القَوْلُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: إلّا أنْ تَوَدُّوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ التَّوَدُّدِ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فالقُرْبى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الرَّحِمِ، وعَلى الثّانِي القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الأقارِبِ، وعَلى الثّالِثِ هي ”فُعْلى“ مِنَ القُرْبِ والتَّقْرِيبِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، ذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الأجْرِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أكْثَرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أنَّهم صَرَّحُوا بِنَفْيِ طَلَبِ الأُجْرَةِ، فَذَكَرَ في قِصَّةِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩] وكَذا في قِصَّةِ هُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورَسُولُنا أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَ بِأنْ لا يَطْلُبَ الأجْرَ عَلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أوْلى. الثّانِي: أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَفْيِ طَلَبِ الأجْرِ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ٤٧] وقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] . الثّالِثُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وطَلَبُ الأجْرِ عَلى أداءِ الواجِبِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أعْلَمِ العُلَماءِ. الرّابِعُ: أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ الحِكْمَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩]، وقالَ في صِفَةِ الدُّنْيا: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧]، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العَقْلِ مُقابَلَةُ أشْرَفِ الأشْياءِ بِأخَسِّ الأشْياءِ. الخامِسُ: أنَّ طَلَبَ الأجْرِ كانَ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وذَلِكَ يُنافِي القَطْعَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْلُبَ أجْرًا البَتَّةَ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وهو المَوَدَّةُ في القُرْبى هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الأجْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، بَقِيَ قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِها مِن قِراعِ الدّارِعِينَ فُلُولُ المَعْنى: أنا لا أطْلُبُ مِنكم إلّا هَذا. وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أجْرًا؛ لِأنَّ حُصُولَ المَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أمْرٌ واجِبٌ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] وقالَ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهم بَعْضًا»، والآياتُ والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وإذا كانَ حُصُولُ المَوَدَّةِ بَيْنَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ واجِبًا، فَحُصُولُها في حَقِّ أشْرَفِ المُسْلِمِينَ وأكابِرِهِمْ أوْلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، تَقْدِيرُهُ: والمَوَدَّةُ في القُرْبى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَعَ الحاصِلُ إلى أنَّهُ لا أجْرَ البَتَّةَ. الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي مِنكم، وكَأنَّهُ في اللَّفْظِ أجْرٌ، ولَيْسَ بِأجْرٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا. ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُورًا لَهُ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تائِبًا، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الإيمانِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إلى الجَنَّةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ صفحة ١٤٣ جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِرًا، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ» هَذا هو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وأنا أقُولُ: آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ، فَكُلُّ مَن كانَ أمْرُهم إلَيْهِ أشَدَّ وأكْمَلَ كانُوا هُمُ الآلَ، ولا شَكَّ أنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ كانَ التَّعَلُّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ التَّعَلُّقاتِ، وهَذا كالمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا هُمُ الآلَ، وأيْضًا اخْتَلَفَ النّاسُ في الآلِ، فَقِيلَ: هُمُ الأقارِبُ، وقِيلَ: هم أُمَّتُهُ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى القَرابَةِ فَهُمُ الآلُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأُمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ فَهم أيْضًا آلٌ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ هُمُ الآلُ، وأمّا غَيْرُهم فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظِ الآلِ ؟ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما» فَثَبَتَ أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ أقارِبُ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ما سَبَقَ. الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ فاطِمَةَ - عَلَيْها السَّلامُ- قالَ ﷺ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» وثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣١] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابِ: ٢١] الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ لِلْآلِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا الدُّعاءُ خاتِمَةَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ، وهَذا التَّعْظِيمُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّ غَيْرِ الآلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ واجِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خَيْفِها والنّاهِضِ سَحَرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنًى ∗∗∗ فَيْضًا كَما نَظْمِ الفُراتِ الفائِضِ إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فِيهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠] فَكُلُّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، والحاصِلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُبِّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ أصْحابِهِ، وهَذا المَنصِبُ لا يَسْلَمُ إلّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حُبِّ العِتْرَةِ والصَّحابَةِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ المَذْكُورِينَ، قالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا»، وقالَ ﷺ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ونَحْنُ الآنَ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ، وتَضْرِبُنا أمْواجُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وراكِبُ البَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: السَّفِينَةُ الخالِيَةُ عَنِ العُيُوبِ والثَّقْبِ. والثّانِي: الكَواكِبُ الظّاهِرَةُ الطّالِعَةُ النَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ السَّفِينَةَ ووَقَعَ نَظَرُهُ عَلى تِلْكَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ كانَ رَجاءُ السَّلامَةِ غالِبًا، فَكَذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا - أهْلُ السُّنَّةِ - سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ الصَّحابَةِ، فَرَجَوْا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. * * * صفحة ١٤٤ ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، فَقالَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا مَوَدَّةً لِلْقُرْبى، وما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها؛ كَقَوْلِهِ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والظّاهِرُ العُمُومُ في أيِّ حَسَنَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ المَوَدَّةِ في القُرْبى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ التَّأْكِيدُ في تِلْكَ المَوَدَّةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ والشَّكُورُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُحْسِنُ إلى المُطِيعِينَ في إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وفي أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّفْضِيلِ. وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ في تَقْرِيرِ أنَّ هَذا الكِتابَ إنَّما حَصَلَ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] واتَّصَلَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، وتَعَلَّقَ البَعْضُ بِالبَعْضِ حَتّى وصَلَ إلى هَهُنا، ثُمَّ حَكى هَهُنا شُبْهَةَ القَوْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّ هَذا لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ نَفْسُ التَّوْبِيخِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقَعُ في قُلُوبِهِمْ ويَجْرِي في ألْسِنَتِهِمْ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، الَّذِي هو أقْبَحُ أنْواعِ الفِرْيَةِ وأفْحَشُها، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم ”إنَّهُ مُفْتَرٍ كَذّابٌ“ . والثّانِي: يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، ومِثالُهُ أنْ يَنْسُبَ رَجُلٌ بَعْضَ الأُمَناءِ إلى الخِيانَةِ، فَيَقُولُ الأمِينُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ لِنَفْسِهِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ صُدُورِ الخِيانَةِ عَنْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيْ: ومِن عادَةِ اللَّهِ إبْطالُ الباطِلِ وتَقْرِيرُ الحَقِّ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُبْطِلًا كَذّابًا لَفَضَحَهُ اللَّهُ ولَكَشَفَ عَنْ باطِلِهِ، ولَما أيَّدَهُ بِالقُوَّةِ والنُّصْرَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البَهْتِ والفِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وعَنْ قَتادَةَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يُنْسِيكَ القُرْآنَ، ويَقْطَعُ عَنْكَ الوَحْيَ، بِمَعْنى: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثُمَّ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِهَذِهِ الفِرْيَةِ عِقابًا عَظِيمًا، لا جَرَمَ نَدَبَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَرَّفَهم أنَّهُ يَقْبَلُها مِن كُلِّ مُسِيءٍ وإنْ عَظُمَتْ إساءَتُهُ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: صفحة ١٤٥ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ وقَبِلْتُهُ عَنْهُ، فَمَعْنى قَبِلْتُهُ مِنهُ أخَذْتُهُ مِنهُ وجَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولٍ ومَنشَأهُ، ومَعْنى قَبِلْتُهُ عَنْهُ أخَذْتُهُ وأثْبَتُّهُ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ البَحْثُ المُسْتَقْصى عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأقَلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ النَّدَمُ عَلى الماضِي والتَّرْكُ في الحالِ والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، وكَبَّرَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى تَوْبَةٍ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما التَّوْبَةُ ؟ فَقالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ؛ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَةُ النَّفْسِ مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلُ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ، وقالَ أصْحابُنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالكَرَمِ والفَضْلِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القَبُولُ واجِبًا لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ العَظِيمُ، ألا تَرى أنَّ مَن مَدَحَ نَفْسَهُ بِأنْ لا يَضْرِبَ النّاسَ ظُلْمًا ولا يَقْتُلَهم غَضَبًا، كانَ ذَلِكَ مَدْحًا قَلِيلًا، أمّا إذا قالَ: إنِّي أُحْسِنُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيَّ - كانَ ذَلِكَ مَدْحًا وثَناءً. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغائِرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَصارَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وأداءُ الواجِبِ لا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَبَقِيَ القِسْمُ الثّالِثُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تارَةً يَعْفُو بِواسِطَةِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وتارَةً يَعْفُو ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ، فَيُثِيبُهُ عَلى حَسَناتِهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ”الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“ رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. والثّانِي: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إلّا أنَّهُ حُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣] وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الخَبَرَ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وما بَعْدَها قَوْلُهُ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَـ ”يَزِيدُ“ عُطِفَ عَلى ”ويَسْتَجِيبُ“، وعَلى الأوَّلِ: ويُجِيبُ العَبْدَ ويَزِيدُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. أمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم فِيما دَعاهم إلَيْهِ. والثّانِي: يُطِيعُونَهُ فِيما أمَرَهم بِهِ، والِاسْتِجابَةُ الطّاعَةُ. وأمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: يُجِيبُ اللَّهُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ويَزِيدُهم ما طَلَبُوهُ مِن فَضْلِهِ، فَإنْ قالُوا: تَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِإجابَةِ الدُّعاءِ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُجِيبُ دُعاءَ الكُفّارِ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَعْظِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وفائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّ صفحة ١٤٦ إجابَةَ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإجابَةُ دُعاءِ الكافِرِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ بِالدُّعاءِ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ.