Tafsir Al-Razi — الشورى 42:22 – الشورى 42:46
المحتويات
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
الشورى 42:22
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
صفحة ١٣٩
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ لَطِيفًا بِعِبادِهِ كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَسْعَوْا في طَلَبِ الخَيْراتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ القَبائِحِ فَقالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَطْلُبُ بِهِ الفائِدَةَ حَرْثًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الفَرْقَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ مَن أرادَ الآخِرَةَ وبَيْنَ مَن أرادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ مُرِيدَ حَرْثِ الآخِرَةِ في الذِّكْرِ عَلى مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ آخِرَةً، ثُمَّ قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ ”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ“ .
الثّانِي: أنَّهُ قالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ وقالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾، وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ بَعْضَ ما يَطْلُبُهُ ولا يُؤْتِيهِ كُلَّهُ، وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨] وأقُولُ: البُرْهانُ العَقْلِيُّ مُساعِدٌ عَلى البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ وواظَبَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ فَكَثْرَةُ الأعْمالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ، فَكُلُّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى طَلَبِ الآخِرَةِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِابْتِهاجُ أعْظَمَ والسَّعاداتُ أكْثَرَ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وأمّا طالِبُ الدُّنْيا فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى أعْمالِ ذَلِكَ الطَّلَبِ أكْثَرَ - كانَتْ رَغْبَتُهُ في الفَوْزِ بِالدُّنْيا أكْثَرَ، ومَيْلُهُ إلَيْها أشَدَّ، وإذا كانَ المَيْلُ أبَدًا في التَّزايُدِ، وكانَ حُصُولُ المَطْلُوبِ باقِيًا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كانَ الحِرْمانُ لازِمًا لا مَحالَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في طالِبِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ الدُّنْيا أمْ لا، بَلْ بَقِيَ الكَلامُ ساكِتًا عَنْهُ نَفْيًا وإثْباتًا، وأمّا طالِبُ حَرْثِ الدُّنْيا فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِن نَصِيبِ الآخِرَةِ عَلى التَّنْصِيصِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: الآخِرَةُ أصْلٌ والدُّنْيا تَبَعٌ، فَواجِدُ الأصْلِ يَكُونُ واجِدًا لِلتَّبَعِ بِقَدَرِ الحاجَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّنْيا أخَسُّ مِن أنْ يَقْرِنَ ذِكْرَها بِذِكْرِ الآخِرَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يُزادُ في مَطْلُوبِهِ، وبَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يُعْطى بَعْضَ مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ نُصِيبٌ البَتَّةَ، فَبَيَّنَ بِالكَلامِ الأوَّلِ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يَكُونُ حالُهُ أبَدًا في التَّرَقِّي والتَّزايُدِ، وبَيَّنَ بِالكَلامِ الثّانِي أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يَكُونُ حالُهُ في المَقامِ الأوَّلِ في النُّقْصانِ، وفي المَقامِ الثّانِي في البُطْلانِ التّامِّ.
الخامِسُ: أنَّ الآخِرَةَ نَسِيئَةٌ، والدُّنْيا نَقْدٌ، والنَّسِيئَةُ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْدِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ انْعَكَسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، فالآخِرَةُ وإنْ كانَتْ نَسِيئَةً إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ لِلزِّيادَةِ والدَّوامِ، فَكانَتْ أفْضَلَ وأكْمَلَ، والدُّنْيا وإنْ كانَتْ نَقْدًا إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النُّقْصانِ، ثُمَّ إلى البُطْلانِ، فَكانَتْ أخَسَّ وأرْذَلَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الآخِرَةِ لا يُناسِبُ حالَ الدُّنْيا البَتَّةَ، وأنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ؛ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
السّادِسُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ والدُّنْيا لَيْسَتْ حاضِرَةً، بَلْ لا بُدَّ في البابَيْنِ مِنَ الحَرْثِ، والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ في البَذْرِ، ثُمَّ التَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ، ثُمَّ التَّنْقِيَةِ، فَلَمّا سَمّى اللَّهُ كِلا القِسْمَيْنِ حَرْثًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشاقِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَصِيرَ الآخِرَةِ إلى الزِّيادَةِ والكَمالِ، وأنَّ مَصِيرَ الدُّنْيا
صفحة ١٤٠
إلى النُّقْصانِ ثُمَّ الفَناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ لا بُدَّ في القِسْمَيْنِ جَمِيعًا مِن تَحَمُّلِ مَتاعِبِ الحِراثَةِ والتَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ والتَّنْقِيَةِ، فَلِأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ المَتاعِبُ إلى ما يَكُونُ في التَّزايُدِ والبَقاءِ أوْلى مِن صَرْفِها إلى ما يَكُونُ في النُّقْصانِ والِانْقِضاءِ والفَناءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنّا نَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ بِتَضْعِيفِ الثَّوابِ، قالَ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أصْبَحَ، وهَمُّهُ الدُّنْيا - شَتَّتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَمَّهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلى ما كُتِبَ لَهُ، ومَن أصْبَحَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ هَمَّهُ وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ عَنْ أنْفِها» أوْ لَفْظٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ هَذا مَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَلّى لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِأجْلِ دَفْعِ العِقابِ فَإنَّهُ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تَصِحُّ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِإلْقاءِ البَذْرِ الصَّحِيحِ في الأرْضِ، والبَذْرُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لَيْسَ إلّا عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أصْحابُنا: إذا تَوَضَّأ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الإنْسانَ ما أرادَ حَرْثَ الآخِرَةِ، لِأنَّ الكَلامَ فِيما إذا كانَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ نُصِيبٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّلاةِ مِن بابِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في الوُضُوءِ العارِي عَنِ النِّيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القانُونَ الأعْظَمَ والقِسْطاسَ الأقْوَمَ في أعْمالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا - أرْدَفَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما هو الأصْلُ في بابِ الضَّلالَةِ والشَّقاوَةِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ومَعْنى الهَمْزَةِ في ”أمْ“ التَّقْرِيرُ والتَّقْرِيعُ، و(شُرَكاؤُهم) شَياطِينُهُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا الشِّرْكَ وإنْكارَ البَعْثِ والعَمَلَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها، وقِيلَ: (شُرَكاؤُهم) أوْثانُهم، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، ولَمّا كانَ سَبَبًا لِضَلالَتِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الضَّلالَةِ؛ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﷺ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦]، وقَوْلُهُ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الشَّرائِعَ بِأسْرِها عَلى ضِدَّيْنِ لِلَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ، أوْ يُقالُ: ولَوْلا الوَعْدُ بِأنَّ الفَصْلَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَرَأ بَعْضُهم: ”وأنَّ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”إنَّ“؛ عَطْفًا لَهُ عَلى ”كَلِمَةُ الفَصْلِ“، يَعْنِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وأنَّ تَقْرِيرَهُ تَعْذِيبَ الظّالِمِينَ - في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ وأحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ.
فالأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ وبالَهُ واقِعٌ بِهِمْ، سَواءٌ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا.
وأمّا الثّانِي: فَهو أحْوالُ أهْلِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ الجَنَّةِ أطْيَبُ بُقْعَةٍ فِيها، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كُلُّهم في الجَنَّةِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِرَوْضاتِ الجَنّاتِ، وهي البِقاعُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الجَنَّةِ، فالبِقاعُ الَّتِي دُونَ تِلْكَ الرَّوْضاتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَن كانَ دُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ١٤١
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الأشْياءِ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ مُهَيَّأةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى في تَعْظِيمِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾، وأصْحابُنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِطَرِيقِ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَوْضاتِ الجَنّاتِ ووِجْدانَ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إنَّما كانَ جَزاءً عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى العَمَلِ إنَّما حَصَلَ بِطَرِيقِ الفَضْلِ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يُبَشِّرُ“ مِن بَشَّرَهُ، و”يُبْشِرُ“ مِن أبْشَرَهُ، و”يَبْشُرُ“ مِن بَشَرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَتَّبَ عَلى الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ رَوْضاتِ الجَنّاتِ، والسُّلْطانُ الَّذِي هو أعْظَمُ المَوْجُوداتِ وأكْرَمُهم إذا رَتَّبَ عَلى أعْمالٍ شاقَّةٍ جَزاءً، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ قَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ يَدْخُلُ في بابِ غَيْرِ المُتَناهِي لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ إلّا والإنْسانُ يُرِيدُ ما هو أعْلى مِنها.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ والَّذِي يَحْكُمُ بِكِبَرِهِ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ عَلى الإطْلاقِ كانَ في غايَةِ الكِبَرِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ البِشارَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى غايَةِ العَظَمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِها والوُصُولَ إلَيْها.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا الكِتابَ الشَّرِيفَ العالِيَ وأوْدَعَ فِيهِ ثَلاثَةَ الأقْسامِ الدَّلائِلَ، وأصْنافَ التَّكالِيفِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الثَّوابَ، وعَلى المَعْصِيَةِ العِقابَ، بَيَّنَ أنِّي لا أطْلُبُ مِنكم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ نَفْعًا عاجِلًا ومَطْلُوبًا حاضِرًا، لِئَلّا يَتَخَيَّلَ جاهِلٌ أنَّ مَقْصُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا التَّبْلِيغِ المالُ والجاهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ النّاسُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ واسِطَ النَّسَبِ مِن قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿أجْرًا إلّا﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم، والمَعْنى: أنَّكم قَوْمِي وأحَقُّ مَن أجابَنِي وأطاعَنِي، فَإذا قَدْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فاحْفَظُوا حَقَّ القُرْبى ولا تُؤْذُونِي ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ.
والقَوْلُ الثّانِي: رَوى الكَلْبِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَعْرُوهُ نَوائِبُ وحُقُوقٌ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وهو ابْنُ أُخْتِكم، وجارُكم في بَلَدِكم، فاجْمَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن أمْوالِكم، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا»﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ؛ إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي، فَحَثَّهم عَلى مَوَدَّةِ أقارِبِهِ.
صفحة ١٤٢
القَوْلُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: إلّا أنْ تَوَدُّوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ التَّوَدُّدِ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فالقُرْبى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الرَّحِمِ، وعَلى الثّانِي القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الأقارِبِ، وعَلى الثّالِثِ هي ”فُعْلى“ مِنَ القُرْبِ والتَّقْرِيبِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، ذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الأجْرِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أكْثَرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أنَّهم صَرَّحُوا بِنَفْيِ طَلَبِ الأُجْرَةِ، فَذَكَرَ في قِصَّةِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩] وكَذا في قِصَّةِ هُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورَسُولُنا أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَ بِأنْ لا يَطْلُبَ الأجْرَ عَلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أوْلى.
الثّانِي: أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَفْيِ طَلَبِ الأجْرِ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ٤٧] وقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
الثّالِثُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وطَلَبُ الأجْرِ عَلى أداءِ الواجِبِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أعْلَمِ العُلَماءِ.
الرّابِعُ: أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ الحِكْمَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩]، وقالَ في صِفَةِ الدُّنْيا: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧]، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العَقْلِ مُقابَلَةُ أشْرَفِ الأشْياءِ بِأخَسِّ الأشْياءِ.
الخامِسُ: أنَّ طَلَبَ الأجْرِ كانَ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وذَلِكَ يُنافِي القَطْعَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْلُبَ أجْرًا البَتَّةَ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وهو المَوَدَّةُ في القُرْبى هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الأجْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، بَقِيَ قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِها مِن قِراعِ الدّارِعِينَ فُلُولُ
المَعْنى: أنا لا أطْلُبُ مِنكم إلّا هَذا. وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أجْرًا؛ لِأنَّ حُصُولَ المَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أمْرٌ واجِبٌ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] وقالَ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهم بَعْضًا»، والآياتُ والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وإذا كانَ حُصُولُ المَوَدَّةِ بَيْنَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ واجِبًا، فَحُصُولُها في حَقِّ أشْرَفِ المُسْلِمِينَ وأكابِرِهِمْ أوْلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، تَقْدِيرُهُ: والمَوَدَّةُ في القُرْبى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَعَ الحاصِلُ إلى أنَّهُ لا أجْرَ البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي مِنكم، وكَأنَّهُ في اللَّفْظِ أجْرٌ، ولَيْسَ بِأجْرٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا. ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُورًا لَهُ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تائِبًا، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الإيمانِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إلى الجَنَّةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ
صفحة ١٤٣
جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِرًا، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ» هَذا هو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وأنا أقُولُ: آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ، فَكُلُّ مَن كانَ أمْرُهم إلَيْهِ أشَدَّ وأكْمَلَ كانُوا هُمُ الآلَ، ولا شَكَّ أنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ كانَ التَّعَلُّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ التَّعَلُّقاتِ، وهَذا كالمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا هُمُ الآلَ، وأيْضًا اخْتَلَفَ النّاسُ في الآلِ، فَقِيلَ: هُمُ الأقارِبُ، وقِيلَ: هم أُمَّتُهُ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى القَرابَةِ فَهُمُ الآلُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأُمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ فَهم أيْضًا آلٌ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ هُمُ الآلُ، وأمّا غَيْرُهم فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظِ الآلِ ؟ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما» فَثَبَتَ أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ أقارِبُ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ما سَبَقَ.
الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ فاطِمَةَ - عَلَيْها السَّلامُ- قالَ ﷺ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» وثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣١] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابِ: ٢١]
الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ لِلْآلِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا الدُّعاءُ خاتِمَةَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ، وهَذا التَّعْظِيمُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّ غَيْرِ الآلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ واجِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خَيْفِها والنّاهِضِ
سَحَرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنًى ∗∗∗ فَيْضًا كَما نَظْمِ الفُراتِ الفائِضِ
إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فِيهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠] فَكُلُّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، والحاصِلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُبِّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ أصْحابِهِ، وهَذا المَنصِبُ لا يَسْلَمُ إلّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حُبِّ العِتْرَةِ والصَّحابَةِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ المَذْكُورِينَ، قالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا»، وقالَ ﷺ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ونَحْنُ الآنَ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ، وتَضْرِبُنا أمْواجُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وراكِبُ البَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: السَّفِينَةُ الخالِيَةُ عَنِ العُيُوبِ والثَّقْبِ.
والثّانِي: الكَواكِبُ الظّاهِرَةُ الطّالِعَةُ النَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ السَّفِينَةَ ووَقَعَ نَظَرُهُ عَلى تِلْكَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ كانَ رَجاءُ السَّلامَةِ غالِبًا، فَكَذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا - أهْلُ السُّنَّةِ - سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ الصَّحابَةِ، فَرَجَوْا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
صفحة ١٤٤
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، فَقالَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا مَوَدَّةً لِلْقُرْبى، وما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها؛ كَقَوْلِهِ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والظّاهِرُ العُمُومُ في أيِّ حَسَنَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ المَوَدَّةِ في القُرْبى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ التَّأْكِيدُ في تِلْكَ المَوَدَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ والشَّكُورُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُحْسِنُ إلى المُطِيعِينَ في إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وفي أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّفْضِيلِ.
وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ في تَقْرِيرِ أنَّ هَذا الكِتابَ إنَّما حَصَلَ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] واتَّصَلَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، وتَعَلَّقَ البَعْضُ بِالبَعْضِ حَتّى وصَلَ إلى هَهُنا، ثُمَّ حَكى هَهُنا شُبْهَةَ القَوْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّ هَذا لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ نَفْسُ التَّوْبِيخِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقَعُ في قُلُوبِهِمْ ويَجْرِي في ألْسِنَتِهِمْ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، الَّذِي هو أقْبَحُ أنْواعِ الفِرْيَةِ وأفْحَشُها، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم ”إنَّهُ مُفْتَرٍ كَذّابٌ“ .
والثّانِي: يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، ومِثالُهُ أنْ يَنْسُبَ رَجُلٌ بَعْضَ الأُمَناءِ إلى الخِيانَةِ، فَيَقُولُ الأمِينُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ لِنَفْسِهِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ صُدُورِ الخِيانَةِ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيْ: ومِن عادَةِ اللَّهِ إبْطالُ الباطِلِ وتَقْرِيرُ الحَقِّ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُبْطِلًا كَذّابًا لَفَضَحَهُ اللَّهُ ولَكَشَفَ عَنْ باطِلِهِ، ولَما أيَّدَهُ بِالقُوَّةِ والنُّصْرَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البَهْتِ والفِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وعَنْ قَتادَةَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يُنْسِيكَ القُرْآنَ، ويَقْطَعُ عَنْكَ الوَحْيَ، بِمَعْنى: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثُمَّ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِهَذِهِ الفِرْيَةِ عِقابًا عَظِيمًا، لا جَرَمَ نَدَبَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَرَّفَهم أنَّهُ يَقْبَلُها مِن كُلِّ مُسِيءٍ وإنْ عَظُمَتْ إساءَتُهُ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ وقَبِلْتُهُ عَنْهُ، فَمَعْنى قَبِلْتُهُ مِنهُ أخَذْتُهُ مِنهُ وجَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولٍ ومَنشَأهُ، ومَعْنى قَبِلْتُهُ عَنْهُ أخَذْتُهُ وأثْبَتُّهُ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ البَحْثُ المُسْتَقْصى عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأقَلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ النَّدَمُ عَلى الماضِي والتَّرْكُ في الحالِ والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، وكَبَّرَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى تَوْبَةٍ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما التَّوْبَةُ ؟ فَقالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ؛ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَةُ النَّفْسِ مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلُ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ، وقالَ أصْحابُنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالكَرَمِ والفَضْلِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القَبُولُ واجِبًا لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ العَظِيمُ، ألا تَرى أنَّ مَن مَدَحَ نَفْسَهُ بِأنْ لا يَضْرِبَ النّاسَ ظُلْمًا ولا يَقْتُلَهم غَضَبًا، كانَ ذَلِكَ مَدْحًا قَلِيلًا، أمّا إذا قالَ: إنِّي أُحْسِنُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيَّ - كانَ ذَلِكَ مَدْحًا وثَناءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغائِرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَصارَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وأداءُ الواجِبِ لا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَبَقِيَ القِسْمُ الثّالِثُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تارَةً يَعْفُو بِواسِطَةِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وتارَةً يَعْفُو ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ، فَيُثِيبُهُ عَلى حَسَناتِهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ”الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“ رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إلّا أنَّهُ حُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣] وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الخَبَرَ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وما بَعْدَها قَوْلُهُ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَـ ”يَزِيدُ“ عُطِفَ عَلى ”ويَسْتَجِيبُ“، وعَلى الأوَّلِ: ويُجِيبُ العَبْدَ ويَزِيدُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.
أمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: يُطِيعُونَهُ فِيما أمَرَهم بِهِ، والِاسْتِجابَةُ الطّاعَةُ.
وأمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: يُجِيبُ اللَّهُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ويَزِيدُهم ما طَلَبُوهُ مِن فَضْلِهِ، فَإنْ قالُوا: تَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِإجابَةِ الدُّعاءِ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُجِيبُ دُعاءَ الكُفّارِ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَعْظِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وفائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّ
صفحة ١٤٦
إجابَةَ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإجابَةُ دُعاءِ الكافِرِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ بِالدُّعاءِ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ.
الشورى 42:23
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
صفحة ١٣٩
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ لَطِيفًا بِعِبادِهِ كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَسْعَوْا في طَلَبِ الخَيْراتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ القَبائِحِ فَقالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَطْلُبُ بِهِ الفائِدَةَ حَرْثًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الفَرْقَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ مَن أرادَ الآخِرَةَ وبَيْنَ مَن أرادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ مُرِيدَ حَرْثِ الآخِرَةِ في الذِّكْرِ عَلى مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ آخِرَةً، ثُمَّ قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ ”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ“ .
الثّانِي: أنَّهُ قالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ وقالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾، وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ بَعْضَ ما يَطْلُبُهُ ولا يُؤْتِيهِ كُلَّهُ، وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨] وأقُولُ: البُرْهانُ العَقْلِيُّ مُساعِدٌ عَلى البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ وواظَبَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ فَكَثْرَةُ الأعْمالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ، فَكُلُّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى طَلَبِ الآخِرَةِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِابْتِهاجُ أعْظَمَ والسَّعاداتُ أكْثَرَ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وأمّا طالِبُ الدُّنْيا فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى أعْمالِ ذَلِكَ الطَّلَبِ أكْثَرَ - كانَتْ رَغْبَتُهُ في الفَوْزِ بِالدُّنْيا أكْثَرَ، ومَيْلُهُ إلَيْها أشَدَّ، وإذا كانَ المَيْلُ أبَدًا في التَّزايُدِ، وكانَ حُصُولُ المَطْلُوبِ باقِيًا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كانَ الحِرْمانُ لازِمًا لا مَحالَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في طالِبِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ الدُّنْيا أمْ لا، بَلْ بَقِيَ الكَلامُ ساكِتًا عَنْهُ نَفْيًا وإثْباتًا، وأمّا طالِبُ حَرْثِ الدُّنْيا فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِن نَصِيبِ الآخِرَةِ عَلى التَّنْصِيصِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: الآخِرَةُ أصْلٌ والدُّنْيا تَبَعٌ، فَواجِدُ الأصْلِ يَكُونُ واجِدًا لِلتَّبَعِ بِقَدَرِ الحاجَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّنْيا أخَسُّ مِن أنْ يَقْرِنَ ذِكْرَها بِذِكْرِ الآخِرَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يُزادُ في مَطْلُوبِهِ، وبَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يُعْطى بَعْضَ مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ نُصِيبٌ البَتَّةَ، فَبَيَّنَ بِالكَلامِ الأوَّلِ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يَكُونُ حالُهُ أبَدًا في التَّرَقِّي والتَّزايُدِ، وبَيَّنَ بِالكَلامِ الثّانِي أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يَكُونُ حالُهُ في المَقامِ الأوَّلِ في النُّقْصانِ، وفي المَقامِ الثّانِي في البُطْلانِ التّامِّ.
الخامِسُ: أنَّ الآخِرَةَ نَسِيئَةٌ، والدُّنْيا نَقْدٌ، والنَّسِيئَةُ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْدِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ انْعَكَسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، فالآخِرَةُ وإنْ كانَتْ نَسِيئَةً إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ لِلزِّيادَةِ والدَّوامِ، فَكانَتْ أفْضَلَ وأكْمَلَ، والدُّنْيا وإنْ كانَتْ نَقْدًا إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النُّقْصانِ، ثُمَّ إلى البُطْلانِ، فَكانَتْ أخَسَّ وأرْذَلَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الآخِرَةِ لا يُناسِبُ حالَ الدُّنْيا البَتَّةَ، وأنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ؛ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
السّادِسُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ والدُّنْيا لَيْسَتْ حاضِرَةً، بَلْ لا بُدَّ في البابَيْنِ مِنَ الحَرْثِ، والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ في البَذْرِ، ثُمَّ التَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ، ثُمَّ التَّنْقِيَةِ، فَلَمّا سَمّى اللَّهُ كِلا القِسْمَيْنِ حَرْثًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشاقِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَصِيرَ الآخِرَةِ إلى الزِّيادَةِ والكَمالِ، وأنَّ مَصِيرَ الدُّنْيا
صفحة ١٤٠
إلى النُّقْصانِ ثُمَّ الفَناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ لا بُدَّ في القِسْمَيْنِ جَمِيعًا مِن تَحَمُّلِ مَتاعِبِ الحِراثَةِ والتَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ والتَّنْقِيَةِ، فَلِأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ المَتاعِبُ إلى ما يَكُونُ في التَّزايُدِ والبَقاءِ أوْلى مِن صَرْفِها إلى ما يَكُونُ في النُّقْصانِ والِانْقِضاءِ والفَناءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنّا نَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ بِتَضْعِيفِ الثَّوابِ، قالَ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أصْبَحَ، وهَمُّهُ الدُّنْيا - شَتَّتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَمَّهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلى ما كُتِبَ لَهُ، ومَن أصْبَحَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ هَمَّهُ وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ عَنْ أنْفِها» أوْ لَفْظٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ هَذا مَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَلّى لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِأجْلِ دَفْعِ العِقابِ فَإنَّهُ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تَصِحُّ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِإلْقاءِ البَذْرِ الصَّحِيحِ في الأرْضِ، والبَذْرُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لَيْسَ إلّا عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أصْحابُنا: إذا تَوَضَّأ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الإنْسانَ ما أرادَ حَرْثَ الآخِرَةِ، لِأنَّ الكَلامَ فِيما إذا كانَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ نُصِيبٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّلاةِ مِن بابِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في الوُضُوءِ العارِي عَنِ النِّيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القانُونَ الأعْظَمَ والقِسْطاسَ الأقْوَمَ في أعْمالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا - أرْدَفَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما هو الأصْلُ في بابِ الضَّلالَةِ والشَّقاوَةِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ومَعْنى الهَمْزَةِ في ”أمْ“ التَّقْرِيرُ والتَّقْرِيعُ، و(شُرَكاؤُهم) شَياطِينُهُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا الشِّرْكَ وإنْكارَ البَعْثِ والعَمَلَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها، وقِيلَ: (شُرَكاؤُهم) أوْثانُهم، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، ولَمّا كانَ سَبَبًا لِضَلالَتِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الضَّلالَةِ؛ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﷺ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦]، وقَوْلُهُ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الشَّرائِعَ بِأسْرِها عَلى ضِدَّيْنِ لِلَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ، أوْ يُقالُ: ولَوْلا الوَعْدُ بِأنَّ الفَصْلَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَرَأ بَعْضُهم: ”وأنَّ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”إنَّ“؛ عَطْفًا لَهُ عَلى ”كَلِمَةُ الفَصْلِ“، يَعْنِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وأنَّ تَقْرِيرَهُ تَعْذِيبَ الظّالِمِينَ - في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ وأحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ.
فالأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ وبالَهُ واقِعٌ بِهِمْ، سَواءٌ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا.
وأمّا الثّانِي: فَهو أحْوالُ أهْلِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ الجَنَّةِ أطْيَبُ بُقْعَةٍ فِيها، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كُلُّهم في الجَنَّةِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِرَوْضاتِ الجَنّاتِ، وهي البِقاعُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الجَنَّةِ، فالبِقاعُ الَّتِي دُونَ تِلْكَ الرَّوْضاتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَن كانَ دُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ١٤١
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الأشْياءِ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ مُهَيَّأةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى في تَعْظِيمِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾، وأصْحابُنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِطَرِيقِ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَوْضاتِ الجَنّاتِ ووِجْدانَ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إنَّما كانَ جَزاءً عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى العَمَلِ إنَّما حَصَلَ بِطَرِيقِ الفَضْلِ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يُبَشِّرُ“ مِن بَشَّرَهُ، و”يُبْشِرُ“ مِن أبْشَرَهُ، و”يَبْشُرُ“ مِن بَشَرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَتَّبَ عَلى الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ رَوْضاتِ الجَنّاتِ، والسُّلْطانُ الَّذِي هو أعْظَمُ المَوْجُوداتِ وأكْرَمُهم إذا رَتَّبَ عَلى أعْمالٍ شاقَّةٍ جَزاءً، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ قَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ يَدْخُلُ في بابِ غَيْرِ المُتَناهِي لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ إلّا والإنْسانُ يُرِيدُ ما هو أعْلى مِنها.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ والَّذِي يَحْكُمُ بِكِبَرِهِ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ عَلى الإطْلاقِ كانَ في غايَةِ الكِبَرِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ البِشارَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى غايَةِ العَظَمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِها والوُصُولَ إلَيْها.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا الكِتابَ الشَّرِيفَ العالِيَ وأوْدَعَ فِيهِ ثَلاثَةَ الأقْسامِ الدَّلائِلَ، وأصْنافَ التَّكالِيفِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الثَّوابَ، وعَلى المَعْصِيَةِ العِقابَ، بَيَّنَ أنِّي لا أطْلُبُ مِنكم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ نَفْعًا عاجِلًا ومَطْلُوبًا حاضِرًا، لِئَلّا يَتَخَيَّلَ جاهِلٌ أنَّ مَقْصُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا التَّبْلِيغِ المالُ والجاهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ النّاسُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ واسِطَ النَّسَبِ مِن قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿أجْرًا إلّا﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم، والمَعْنى: أنَّكم قَوْمِي وأحَقُّ مَن أجابَنِي وأطاعَنِي، فَإذا قَدْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فاحْفَظُوا حَقَّ القُرْبى ولا تُؤْذُونِي ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ.
والقَوْلُ الثّانِي: رَوى الكَلْبِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَعْرُوهُ نَوائِبُ وحُقُوقٌ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وهو ابْنُ أُخْتِكم، وجارُكم في بَلَدِكم، فاجْمَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن أمْوالِكم، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا»﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ؛ إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي، فَحَثَّهم عَلى مَوَدَّةِ أقارِبِهِ.
صفحة ١٤٢
القَوْلُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: إلّا أنْ تَوَدُّوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ التَّوَدُّدِ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فالقُرْبى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الرَّحِمِ، وعَلى الثّانِي القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الأقارِبِ، وعَلى الثّالِثِ هي ”فُعْلى“ مِنَ القُرْبِ والتَّقْرِيبِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، ذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الأجْرِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أكْثَرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أنَّهم صَرَّحُوا بِنَفْيِ طَلَبِ الأُجْرَةِ، فَذَكَرَ في قِصَّةِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩] وكَذا في قِصَّةِ هُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورَسُولُنا أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَ بِأنْ لا يَطْلُبَ الأجْرَ عَلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أوْلى.
الثّانِي: أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَفْيِ طَلَبِ الأجْرِ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ٤٧] وقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
الثّالِثُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وطَلَبُ الأجْرِ عَلى أداءِ الواجِبِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أعْلَمِ العُلَماءِ.
الرّابِعُ: أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ الحِكْمَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩]، وقالَ في صِفَةِ الدُّنْيا: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧]، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العَقْلِ مُقابَلَةُ أشْرَفِ الأشْياءِ بِأخَسِّ الأشْياءِ.
الخامِسُ: أنَّ طَلَبَ الأجْرِ كانَ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وذَلِكَ يُنافِي القَطْعَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْلُبَ أجْرًا البَتَّةَ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وهو المَوَدَّةُ في القُرْبى هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الأجْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، بَقِيَ قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِها مِن قِراعِ الدّارِعِينَ فُلُولُ
المَعْنى: أنا لا أطْلُبُ مِنكم إلّا هَذا. وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أجْرًا؛ لِأنَّ حُصُولَ المَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أمْرٌ واجِبٌ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] وقالَ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهم بَعْضًا»، والآياتُ والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وإذا كانَ حُصُولُ المَوَدَّةِ بَيْنَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ واجِبًا، فَحُصُولُها في حَقِّ أشْرَفِ المُسْلِمِينَ وأكابِرِهِمْ أوْلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، تَقْدِيرُهُ: والمَوَدَّةُ في القُرْبى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَعَ الحاصِلُ إلى أنَّهُ لا أجْرَ البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي مِنكم، وكَأنَّهُ في اللَّفْظِ أجْرٌ، ولَيْسَ بِأجْرٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا. ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُورًا لَهُ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تائِبًا، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الإيمانِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إلى الجَنَّةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ
صفحة ١٤٣
جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِرًا، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ» هَذا هو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وأنا أقُولُ: آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ، فَكُلُّ مَن كانَ أمْرُهم إلَيْهِ أشَدَّ وأكْمَلَ كانُوا هُمُ الآلَ، ولا شَكَّ أنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ كانَ التَّعَلُّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ التَّعَلُّقاتِ، وهَذا كالمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا هُمُ الآلَ، وأيْضًا اخْتَلَفَ النّاسُ في الآلِ، فَقِيلَ: هُمُ الأقارِبُ، وقِيلَ: هم أُمَّتُهُ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى القَرابَةِ فَهُمُ الآلُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأُمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ فَهم أيْضًا آلٌ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ هُمُ الآلُ، وأمّا غَيْرُهم فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظِ الآلِ ؟ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما» فَثَبَتَ أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ أقارِبُ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ما سَبَقَ.
الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ فاطِمَةَ - عَلَيْها السَّلامُ- قالَ ﷺ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» وثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣١] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابِ: ٢١]
الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ لِلْآلِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا الدُّعاءُ خاتِمَةَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ، وهَذا التَّعْظِيمُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّ غَيْرِ الآلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ واجِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خَيْفِها والنّاهِضِ
سَحَرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنًى ∗∗∗ فَيْضًا كَما نَظْمِ الفُراتِ الفائِضِ
إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فِيهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠] فَكُلُّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، والحاصِلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُبِّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ أصْحابِهِ، وهَذا المَنصِبُ لا يَسْلَمُ إلّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حُبِّ العِتْرَةِ والصَّحابَةِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ المَذْكُورِينَ، قالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا»، وقالَ ﷺ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ونَحْنُ الآنَ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ، وتَضْرِبُنا أمْواجُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وراكِبُ البَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: السَّفِينَةُ الخالِيَةُ عَنِ العُيُوبِ والثَّقْبِ.
والثّانِي: الكَواكِبُ الظّاهِرَةُ الطّالِعَةُ النَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ السَّفِينَةَ ووَقَعَ نَظَرُهُ عَلى تِلْكَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ كانَ رَجاءُ السَّلامَةِ غالِبًا، فَكَذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا - أهْلُ السُّنَّةِ - سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ الصَّحابَةِ، فَرَجَوْا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
صفحة ١٤٤
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، فَقالَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا مَوَدَّةً لِلْقُرْبى، وما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها؛ كَقَوْلِهِ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والظّاهِرُ العُمُومُ في أيِّ حَسَنَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ المَوَدَّةِ في القُرْبى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ التَّأْكِيدُ في تِلْكَ المَوَدَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ والشَّكُورُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُحْسِنُ إلى المُطِيعِينَ في إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وفي أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّفْضِيلِ.
وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ في تَقْرِيرِ أنَّ هَذا الكِتابَ إنَّما حَصَلَ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] واتَّصَلَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، وتَعَلَّقَ البَعْضُ بِالبَعْضِ حَتّى وصَلَ إلى هَهُنا، ثُمَّ حَكى هَهُنا شُبْهَةَ القَوْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّ هَذا لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ نَفْسُ التَّوْبِيخِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقَعُ في قُلُوبِهِمْ ويَجْرِي في ألْسِنَتِهِمْ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، الَّذِي هو أقْبَحُ أنْواعِ الفِرْيَةِ وأفْحَشُها، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم ”إنَّهُ مُفْتَرٍ كَذّابٌ“ .
والثّانِي: يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، ومِثالُهُ أنْ يَنْسُبَ رَجُلٌ بَعْضَ الأُمَناءِ إلى الخِيانَةِ، فَيَقُولُ الأمِينُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ لِنَفْسِهِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ صُدُورِ الخِيانَةِ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيْ: ومِن عادَةِ اللَّهِ إبْطالُ الباطِلِ وتَقْرِيرُ الحَقِّ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُبْطِلًا كَذّابًا لَفَضَحَهُ اللَّهُ ولَكَشَفَ عَنْ باطِلِهِ، ولَما أيَّدَهُ بِالقُوَّةِ والنُّصْرَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البَهْتِ والفِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وعَنْ قَتادَةَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يُنْسِيكَ القُرْآنَ، ويَقْطَعُ عَنْكَ الوَحْيَ، بِمَعْنى: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثُمَّ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِهَذِهِ الفِرْيَةِ عِقابًا عَظِيمًا، لا جَرَمَ نَدَبَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَرَّفَهم أنَّهُ يَقْبَلُها مِن كُلِّ مُسِيءٍ وإنْ عَظُمَتْ إساءَتُهُ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ وقَبِلْتُهُ عَنْهُ، فَمَعْنى قَبِلْتُهُ مِنهُ أخَذْتُهُ مِنهُ وجَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولٍ ومَنشَأهُ، ومَعْنى قَبِلْتُهُ عَنْهُ أخَذْتُهُ وأثْبَتُّهُ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ البَحْثُ المُسْتَقْصى عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأقَلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ النَّدَمُ عَلى الماضِي والتَّرْكُ في الحالِ والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، وكَبَّرَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى تَوْبَةٍ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما التَّوْبَةُ ؟ فَقالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ؛ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَةُ النَّفْسِ مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلُ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ، وقالَ أصْحابُنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالكَرَمِ والفَضْلِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القَبُولُ واجِبًا لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ العَظِيمُ، ألا تَرى أنَّ مَن مَدَحَ نَفْسَهُ بِأنْ لا يَضْرِبَ النّاسَ ظُلْمًا ولا يَقْتُلَهم غَضَبًا، كانَ ذَلِكَ مَدْحًا قَلِيلًا، أمّا إذا قالَ: إنِّي أُحْسِنُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيَّ - كانَ ذَلِكَ مَدْحًا وثَناءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغائِرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَصارَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وأداءُ الواجِبِ لا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَبَقِيَ القِسْمُ الثّالِثُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تارَةً يَعْفُو بِواسِطَةِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وتارَةً يَعْفُو ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ، فَيُثِيبُهُ عَلى حَسَناتِهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ”الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“ رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إلّا أنَّهُ حُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣] وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الخَبَرَ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وما بَعْدَها قَوْلُهُ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَـ ”يَزِيدُ“ عُطِفَ عَلى ”ويَسْتَجِيبُ“، وعَلى الأوَّلِ: ويُجِيبُ العَبْدَ ويَزِيدُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.
أمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: يُطِيعُونَهُ فِيما أمَرَهم بِهِ، والِاسْتِجابَةُ الطّاعَةُ.
وأمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: يُجِيبُ اللَّهُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ويَزِيدُهم ما طَلَبُوهُ مِن فَضْلِهِ، فَإنْ قالُوا: تَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِإجابَةِ الدُّعاءِ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُجِيبُ دُعاءَ الكُفّارِ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَعْظِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وفائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّ
صفحة ١٤٦
إجابَةَ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإجابَةُ دُعاءِ الكافِرِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ بِالدُّعاءِ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ.
الشورى 42:24
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
صفحة ١٣٩
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ لَطِيفًا بِعِبادِهِ كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَسْعَوْا في طَلَبِ الخَيْراتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ القَبائِحِ فَقالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَطْلُبُ بِهِ الفائِدَةَ حَرْثًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الفَرْقَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ مَن أرادَ الآخِرَةَ وبَيْنَ مَن أرادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ مُرِيدَ حَرْثِ الآخِرَةِ في الذِّكْرِ عَلى مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ آخِرَةً، ثُمَّ قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ ”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ“ .
الثّانِي: أنَّهُ قالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ وقالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾، وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ بَعْضَ ما يَطْلُبُهُ ولا يُؤْتِيهِ كُلَّهُ، وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨] وأقُولُ: البُرْهانُ العَقْلِيُّ مُساعِدٌ عَلى البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ وواظَبَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ فَكَثْرَةُ الأعْمالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ، فَكُلُّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى طَلَبِ الآخِرَةِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِابْتِهاجُ أعْظَمَ والسَّعاداتُ أكْثَرَ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وأمّا طالِبُ الدُّنْيا فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى أعْمالِ ذَلِكَ الطَّلَبِ أكْثَرَ - كانَتْ رَغْبَتُهُ في الفَوْزِ بِالدُّنْيا أكْثَرَ، ومَيْلُهُ إلَيْها أشَدَّ، وإذا كانَ المَيْلُ أبَدًا في التَّزايُدِ، وكانَ حُصُولُ المَطْلُوبِ باقِيًا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كانَ الحِرْمانُ لازِمًا لا مَحالَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في طالِبِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ الدُّنْيا أمْ لا، بَلْ بَقِيَ الكَلامُ ساكِتًا عَنْهُ نَفْيًا وإثْباتًا، وأمّا طالِبُ حَرْثِ الدُّنْيا فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِن نَصِيبِ الآخِرَةِ عَلى التَّنْصِيصِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: الآخِرَةُ أصْلٌ والدُّنْيا تَبَعٌ، فَواجِدُ الأصْلِ يَكُونُ واجِدًا لِلتَّبَعِ بِقَدَرِ الحاجَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّنْيا أخَسُّ مِن أنْ يَقْرِنَ ذِكْرَها بِذِكْرِ الآخِرَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يُزادُ في مَطْلُوبِهِ، وبَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يُعْطى بَعْضَ مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ نُصِيبٌ البَتَّةَ، فَبَيَّنَ بِالكَلامِ الأوَّلِ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يَكُونُ حالُهُ أبَدًا في التَّرَقِّي والتَّزايُدِ، وبَيَّنَ بِالكَلامِ الثّانِي أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يَكُونُ حالُهُ في المَقامِ الأوَّلِ في النُّقْصانِ، وفي المَقامِ الثّانِي في البُطْلانِ التّامِّ.
الخامِسُ: أنَّ الآخِرَةَ نَسِيئَةٌ، والدُّنْيا نَقْدٌ، والنَّسِيئَةُ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْدِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ انْعَكَسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، فالآخِرَةُ وإنْ كانَتْ نَسِيئَةً إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ لِلزِّيادَةِ والدَّوامِ، فَكانَتْ أفْضَلَ وأكْمَلَ، والدُّنْيا وإنْ كانَتْ نَقْدًا إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النُّقْصانِ، ثُمَّ إلى البُطْلانِ، فَكانَتْ أخَسَّ وأرْذَلَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الآخِرَةِ لا يُناسِبُ حالَ الدُّنْيا البَتَّةَ، وأنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ؛ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
السّادِسُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ والدُّنْيا لَيْسَتْ حاضِرَةً، بَلْ لا بُدَّ في البابَيْنِ مِنَ الحَرْثِ، والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ في البَذْرِ، ثُمَّ التَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ، ثُمَّ التَّنْقِيَةِ، فَلَمّا سَمّى اللَّهُ كِلا القِسْمَيْنِ حَرْثًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشاقِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَصِيرَ الآخِرَةِ إلى الزِّيادَةِ والكَمالِ، وأنَّ مَصِيرَ الدُّنْيا
صفحة ١٤٠
إلى النُّقْصانِ ثُمَّ الفَناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ لا بُدَّ في القِسْمَيْنِ جَمِيعًا مِن تَحَمُّلِ مَتاعِبِ الحِراثَةِ والتَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ والتَّنْقِيَةِ، فَلِأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ المَتاعِبُ إلى ما يَكُونُ في التَّزايُدِ والبَقاءِ أوْلى مِن صَرْفِها إلى ما يَكُونُ في النُّقْصانِ والِانْقِضاءِ والفَناءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنّا نَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ بِتَضْعِيفِ الثَّوابِ، قالَ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أصْبَحَ، وهَمُّهُ الدُّنْيا - شَتَّتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَمَّهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلى ما كُتِبَ لَهُ، ومَن أصْبَحَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ هَمَّهُ وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ عَنْ أنْفِها» أوْ لَفْظٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ هَذا مَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَلّى لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِأجْلِ دَفْعِ العِقابِ فَإنَّهُ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تَصِحُّ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِإلْقاءِ البَذْرِ الصَّحِيحِ في الأرْضِ، والبَذْرُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لَيْسَ إلّا عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أصْحابُنا: إذا تَوَضَّأ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الإنْسانَ ما أرادَ حَرْثَ الآخِرَةِ، لِأنَّ الكَلامَ فِيما إذا كانَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ نُصِيبٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّلاةِ مِن بابِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في الوُضُوءِ العارِي عَنِ النِّيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القانُونَ الأعْظَمَ والقِسْطاسَ الأقْوَمَ في أعْمالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا - أرْدَفَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما هو الأصْلُ في بابِ الضَّلالَةِ والشَّقاوَةِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ومَعْنى الهَمْزَةِ في ”أمْ“ التَّقْرِيرُ والتَّقْرِيعُ، و(شُرَكاؤُهم) شَياطِينُهُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا الشِّرْكَ وإنْكارَ البَعْثِ والعَمَلَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها، وقِيلَ: (شُرَكاؤُهم) أوْثانُهم، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، ولَمّا كانَ سَبَبًا لِضَلالَتِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الضَّلالَةِ؛ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﷺ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦]، وقَوْلُهُ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الشَّرائِعَ بِأسْرِها عَلى ضِدَّيْنِ لِلَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ، أوْ يُقالُ: ولَوْلا الوَعْدُ بِأنَّ الفَصْلَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَرَأ بَعْضُهم: ”وأنَّ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”إنَّ“؛ عَطْفًا لَهُ عَلى ”كَلِمَةُ الفَصْلِ“، يَعْنِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وأنَّ تَقْرِيرَهُ تَعْذِيبَ الظّالِمِينَ - في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ وأحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ.
فالأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ وبالَهُ واقِعٌ بِهِمْ، سَواءٌ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا.
وأمّا الثّانِي: فَهو أحْوالُ أهْلِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ الجَنَّةِ أطْيَبُ بُقْعَةٍ فِيها، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كُلُّهم في الجَنَّةِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِرَوْضاتِ الجَنّاتِ، وهي البِقاعُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الجَنَّةِ، فالبِقاعُ الَّتِي دُونَ تِلْكَ الرَّوْضاتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَن كانَ دُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ١٤١
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الأشْياءِ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ مُهَيَّأةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى في تَعْظِيمِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾، وأصْحابُنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِطَرِيقِ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَوْضاتِ الجَنّاتِ ووِجْدانَ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إنَّما كانَ جَزاءً عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى العَمَلِ إنَّما حَصَلَ بِطَرِيقِ الفَضْلِ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يُبَشِّرُ“ مِن بَشَّرَهُ، و”يُبْشِرُ“ مِن أبْشَرَهُ، و”يَبْشُرُ“ مِن بَشَرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَتَّبَ عَلى الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ رَوْضاتِ الجَنّاتِ، والسُّلْطانُ الَّذِي هو أعْظَمُ المَوْجُوداتِ وأكْرَمُهم إذا رَتَّبَ عَلى أعْمالٍ شاقَّةٍ جَزاءً، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ قَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ يَدْخُلُ في بابِ غَيْرِ المُتَناهِي لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ إلّا والإنْسانُ يُرِيدُ ما هو أعْلى مِنها.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ والَّذِي يَحْكُمُ بِكِبَرِهِ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ عَلى الإطْلاقِ كانَ في غايَةِ الكِبَرِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ البِشارَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى غايَةِ العَظَمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِها والوُصُولَ إلَيْها.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا الكِتابَ الشَّرِيفَ العالِيَ وأوْدَعَ فِيهِ ثَلاثَةَ الأقْسامِ الدَّلائِلَ، وأصْنافَ التَّكالِيفِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الثَّوابَ، وعَلى المَعْصِيَةِ العِقابَ، بَيَّنَ أنِّي لا أطْلُبُ مِنكم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ نَفْعًا عاجِلًا ومَطْلُوبًا حاضِرًا، لِئَلّا يَتَخَيَّلَ جاهِلٌ أنَّ مَقْصُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا التَّبْلِيغِ المالُ والجاهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ النّاسُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ واسِطَ النَّسَبِ مِن قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿أجْرًا إلّا﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم، والمَعْنى: أنَّكم قَوْمِي وأحَقُّ مَن أجابَنِي وأطاعَنِي، فَإذا قَدْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فاحْفَظُوا حَقَّ القُرْبى ولا تُؤْذُونِي ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ.
والقَوْلُ الثّانِي: رَوى الكَلْبِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَعْرُوهُ نَوائِبُ وحُقُوقٌ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وهو ابْنُ أُخْتِكم، وجارُكم في بَلَدِكم، فاجْمَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن أمْوالِكم، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا»﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ؛ إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي، فَحَثَّهم عَلى مَوَدَّةِ أقارِبِهِ.
صفحة ١٤٢
القَوْلُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: إلّا أنْ تَوَدُّوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ التَّوَدُّدِ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فالقُرْبى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الرَّحِمِ، وعَلى الثّانِي القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الأقارِبِ، وعَلى الثّالِثِ هي ”فُعْلى“ مِنَ القُرْبِ والتَّقْرِيبِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، ذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الأجْرِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أكْثَرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أنَّهم صَرَّحُوا بِنَفْيِ طَلَبِ الأُجْرَةِ، فَذَكَرَ في قِصَّةِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩] وكَذا في قِصَّةِ هُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورَسُولُنا أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَ بِأنْ لا يَطْلُبَ الأجْرَ عَلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أوْلى.
الثّانِي: أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَفْيِ طَلَبِ الأجْرِ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ٤٧] وقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
الثّالِثُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وطَلَبُ الأجْرِ عَلى أداءِ الواجِبِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أعْلَمِ العُلَماءِ.
الرّابِعُ: أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ الحِكْمَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩]، وقالَ في صِفَةِ الدُّنْيا: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧]، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العَقْلِ مُقابَلَةُ أشْرَفِ الأشْياءِ بِأخَسِّ الأشْياءِ.
الخامِسُ: أنَّ طَلَبَ الأجْرِ كانَ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وذَلِكَ يُنافِي القَطْعَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْلُبَ أجْرًا البَتَّةَ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وهو المَوَدَّةُ في القُرْبى هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الأجْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، بَقِيَ قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِها مِن قِراعِ الدّارِعِينَ فُلُولُ
المَعْنى: أنا لا أطْلُبُ مِنكم إلّا هَذا. وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أجْرًا؛ لِأنَّ حُصُولَ المَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أمْرٌ واجِبٌ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] وقالَ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهم بَعْضًا»، والآياتُ والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وإذا كانَ حُصُولُ المَوَدَّةِ بَيْنَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ واجِبًا، فَحُصُولُها في حَقِّ أشْرَفِ المُسْلِمِينَ وأكابِرِهِمْ أوْلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، تَقْدِيرُهُ: والمَوَدَّةُ في القُرْبى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَعَ الحاصِلُ إلى أنَّهُ لا أجْرَ البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي مِنكم، وكَأنَّهُ في اللَّفْظِ أجْرٌ، ولَيْسَ بِأجْرٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا. ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُورًا لَهُ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تائِبًا، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الإيمانِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إلى الجَنَّةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ
صفحة ١٤٣
جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِرًا، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ» هَذا هو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وأنا أقُولُ: آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ، فَكُلُّ مَن كانَ أمْرُهم إلَيْهِ أشَدَّ وأكْمَلَ كانُوا هُمُ الآلَ، ولا شَكَّ أنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ كانَ التَّعَلُّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ التَّعَلُّقاتِ، وهَذا كالمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا هُمُ الآلَ، وأيْضًا اخْتَلَفَ النّاسُ في الآلِ، فَقِيلَ: هُمُ الأقارِبُ، وقِيلَ: هم أُمَّتُهُ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى القَرابَةِ فَهُمُ الآلُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأُمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ فَهم أيْضًا آلٌ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ هُمُ الآلُ، وأمّا غَيْرُهم فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظِ الآلِ ؟ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما» فَثَبَتَ أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ أقارِبُ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ما سَبَقَ.
الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ فاطِمَةَ - عَلَيْها السَّلامُ- قالَ ﷺ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» وثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣١] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابِ: ٢١]
الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ لِلْآلِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا الدُّعاءُ خاتِمَةَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ، وهَذا التَّعْظِيمُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّ غَيْرِ الآلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ واجِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خَيْفِها والنّاهِضِ
سَحَرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنًى ∗∗∗ فَيْضًا كَما نَظْمِ الفُراتِ الفائِضِ
إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فِيهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠] فَكُلُّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، والحاصِلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُبِّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ أصْحابِهِ، وهَذا المَنصِبُ لا يَسْلَمُ إلّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حُبِّ العِتْرَةِ والصَّحابَةِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ المَذْكُورِينَ، قالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا»، وقالَ ﷺ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ونَحْنُ الآنَ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ، وتَضْرِبُنا أمْواجُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وراكِبُ البَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: السَّفِينَةُ الخالِيَةُ عَنِ العُيُوبِ والثَّقْبِ.
والثّانِي: الكَواكِبُ الظّاهِرَةُ الطّالِعَةُ النَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ السَّفِينَةَ ووَقَعَ نَظَرُهُ عَلى تِلْكَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ كانَ رَجاءُ السَّلامَةِ غالِبًا، فَكَذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا - أهْلُ السُّنَّةِ - سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ الصَّحابَةِ، فَرَجَوْا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
صفحة ١٤٤
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، فَقالَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا مَوَدَّةً لِلْقُرْبى، وما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها؛ كَقَوْلِهِ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والظّاهِرُ العُمُومُ في أيِّ حَسَنَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ المَوَدَّةِ في القُرْبى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ التَّأْكِيدُ في تِلْكَ المَوَدَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ والشَّكُورُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُحْسِنُ إلى المُطِيعِينَ في إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وفي أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّفْضِيلِ.
وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ في تَقْرِيرِ أنَّ هَذا الكِتابَ إنَّما حَصَلَ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] واتَّصَلَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، وتَعَلَّقَ البَعْضُ بِالبَعْضِ حَتّى وصَلَ إلى هَهُنا، ثُمَّ حَكى هَهُنا شُبْهَةَ القَوْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّ هَذا لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ نَفْسُ التَّوْبِيخِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقَعُ في قُلُوبِهِمْ ويَجْرِي في ألْسِنَتِهِمْ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، الَّذِي هو أقْبَحُ أنْواعِ الفِرْيَةِ وأفْحَشُها، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم ”إنَّهُ مُفْتَرٍ كَذّابٌ“ .
والثّانِي: يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، ومِثالُهُ أنْ يَنْسُبَ رَجُلٌ بَعْضَ الأُمَناءِ إلى الخِيانَةِ، فَيَقُولُ الأمِينُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ لِنَفْسِهِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ صُدُورِ الخِيانَةِ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيْ: ومِن عادَةِ اللَّهِ إبْطالُ الباطِلِ وتَقْرِيرُ الحَقِّ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُبْطِلًا كَذّابًا لَفَضَحَهُ اللَّهُ ولَكَشَفَ عَنْ باطِلِهِ، ولَما أيَّدَهُ بِالقُوَّةِ والنُّصْرَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البَهْتِ والفِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وعَنْ قَتادَةَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يُنْسِيكَ القُرْآنَ، ويَقْطَعُ عَنْكَ الوَحْيَ، بِمَعْنى: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثُمَّ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِهَذِهِ الفِرْيَةِ عِقابًا عَظِيمًا، لا جَرَمَ نَدَبَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَرَّفَهم أنَّهُ يَقْبَلُها مِن كُلِّ مُسِيءٍ وإنْ عَظُمَتْ إساءَتُهُ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ وقَبِلْتُهُ عَنْهُ، فَمَعْنى قَبِلْتُهُ مِنهُ أخَذْتُهُ مِنهُ وجَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولٍ ومَنشَأهُ، ومَعْنى قَبِلْتُهُ عَنْهُ أخَذْتُهُ وأثْبَتُّهُ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ البَحْثُ المُسْتَقْصى عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأقَلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ النَّدَمُ عَلى الماضِي والتَّرْكُ في الحالِ والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، وكَبَّرَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى تَوْبَةٍ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما التَّوْبَةُ ؟ فَقالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ؛ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَةُ النَّفْسِ مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلُ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ، وقالَ أصْحابُنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالكَرَمِ والفَضْلِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القَبُولُ واجِبًا لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ العَظِيمُ، ألا تَرى أنَّ مَن مَدَحَ نَفْسَهُ بِأنْ لا يَضْرِبَ النّاسَ ظُلْمًا ولا يَقْتُلَهم غَضَبًا، كانَ ذَلِكَ مَدْحًا قَلِيلًا، أمّا إذا قالَ: إنِّي أُحْسِنُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيَّ - كانَ ذَلِكَ مَدْحًا وثَناءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغائِرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَصارَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وأداءُ الواجِبِ لا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَبَقِيَ القِسْمُ الثّالِثُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تارَةً يَعْفُو بِواسِطَةِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وتارَةً يَعْفُو ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ، فَيُثِيبُهُ عَلى حَسَناتِهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ”الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“ رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إلّا أنَّهُ حُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣] وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الخَبَرَ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وما بَعْدَها قَوْلُهُ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَـ ”يَزِيدُ“ عُطِفَ عَلى ”ويَسْتَجِيبُ“، وعَلى الأوَّلِ: ويُجِيبُ العَبْدَ ويَزِيدُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.
أمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: يُطِيعُونَهُ فِيما أمَرَهم بِهِ، والِاسْتِجابَةُ الطّاعَةُ.
وأمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: يُجِيبُ اللَّهُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ويَزِيدُهم ما طَلَبُوهُ مِن فَضْلِهِ، فَإنْ قالُوا: تَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِإجابَةِ الدُّعاءِ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُجِيبُ دُعاءَ الكُفّارِ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَعْظِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وفائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّ
صفحة ١٤٦
إجابَةَ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإجابَةُ دُعاءِ الكافِرِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ بِالدُّعاءِ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ.
الشورى 42:25
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
صفحة ١٣٩
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ لَطِيفًا بِعِبادِهِ كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَسْعَوْا في طَلَبِ الخَيْراتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ القَبائِحِ فَقالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَطْلُبُ بِهِ الفائِدَةَ حَرْثًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الفَرْقَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ مَن أرادَ الآخِرَةَ وبَيْنَ مَن أرادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ مُرِيدَ حَرْثِ الآخِرَةِ في الذِّكْرِ عَلى مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ آخِرَةً، ثُمَّ قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ ”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ“ .
الثّانِي: أنَّهُ قالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ وقالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾، وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ بَعْضَ ما يَطْلُبُهُ ولا يُؤْتِيهِ كُلَّهُ، وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨] وأقُولُ: البُرْهانُ العَقْلِيُّ مُساعِدٌ عَلى البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ وواظَبَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ فَكَثْرَةُ الأعْمالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ، فَكُلُّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى طَلَبِ الآخِرَةِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِابْتِهاجُ أعْظَمَ والسَّعاداتُ أكْثَرَ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وأمّا طالِبُ الدُّنْيا فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى أعْمالِ ذَلِكَ الطَّلَبِ أكْثَرَ - كانَتْ رَغْبَتُهُ في الفَوْزِ بِالدُّنْيا أكْثَرَ، ومَيْلُهُ إلَيْها أشَدَّ، وإذا كانَ المَيْلُ أبَدًا في التَّزايُدِ، وكانَ حُصُولُ المَطْلُوبِ باقِيًا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كانَ الحِرْمانُ لازِمًا لا مَحالَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في طالِبِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ الدُّنْيا أمْ لا، بَلْ بَقِيَ الكَلامُ ساكِتًا عَنْهُ نَفْيًا وإثْباتًا، وأمّا طالِبُ حَرْثِ الدُّنْيا فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِن نَصِيبِ الآخِرَةِ عَلى التَّنْصِيصِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: الآخِرَةُ أصْلٌ والدُّنْيا تَبَعٌ، فَواجِدُ الأصْلِ يَكُونُ واجِدًا لِلتَّبَعِ بِقَدَرِ الحاجَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّنْيا أخَسُّ مِن أنْ يَقْرِنَ ذِكْرَها بِذِكْرِ الآخِرَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يُزادُ في مَطْلُوبِهِ، وبَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يُعْطى بَعْضَ مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ نُصِيبٌ البَتَّةَ، فَبَيَّنَ بِالكَلامِ الأوَّلِ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يَكُونُ حالُهُ أبَدًا في التَّرَقِّي والتَّزايُدِ، وبَيَّنَ بِالكَلامِ الثّانِي أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يَكُونُ حالُهُ في المَقامِ الأوَّلِ في النُّقْصانِ، وفي المَقامِ الثّانِي في البُطْلانِ التّامِّ.
الخامِسُ: أنَّ الآخِرَةَ نَسِيئَةٌ، والدُّنْيا نَقْدٌ، والنَّسِيئَةُ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْدِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ انْعَكَسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، فالآخِرَةُ وإنْ كانَتْ نَسِيئَةً إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ لِلزِّيادَةِ والدَّوامِ، فَكانَتْ أفْضَلَ وأكْمَلَ، والدُّنْيا وإنْ كانَتْ نَقْدًا إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النُّقْصانِ، ثُمَّ إلى البُطْلانِ، فَكانَتْ أخَسَّ وأرْذَلَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الآخِرَةِ لا يُناسِبُ حالَ الدُّنْيا البَتَّةَ، وأنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ؛ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
السّادِسُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ والدُّنْيا لَيْسَتْ حاضِرَةً، بَلْ لا بُدَّ في البابَيْنِ مِنَ الحَرْثِ، والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ في البَذْرِ، ثُمَّ التَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ، ثُمَّ التَّنْقِيَةِ، فَلَمّا سَمّى اللَّهُ كِلا القِسْمَيْنِ حَرْثًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشاقِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَصِيرَ الآخِرَةِ إلى الزِّيادَةِ والكَمالِ، وأنَّ مَصِيرَ الدُّنْيا
صفحة ١٤٠
إلى النُّقْصانِ ثُمَّ الفَناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ لا بُدَّ في القِسْمَيْنِ جَمِيعًا مِن تَحَمُّلِ مَتاعِبِ الحِراثَةِ والتَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ والتَّنْقِيَةِ، فَلِأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ المَتاعِبُ إلى ما يَكُونُ في التَّزايُدِ والبَقاءِ أوْلى مِن صَرْفِها إلى ما يَكُونُ في النُّقْصانِ والِانْقِضاءِ والفَناءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنّا نَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ بِتَضْعِيفِ الثَّوابِ، قالَ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أصْبَحَ، وهَمُّهُ الدُّنْيا - شَتَّتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَمَّهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلى ما كُتِبَ لَهُ، ومَن أصْبَحَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ هَمَّهُ وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ عَنْ أنْفِها» أوْ لَفْظٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ هَذا مَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَلّى لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِأجْلِ دَفْعِ العِقابِ فَإنَّهُ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تَصِحُّ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِإلْقاءِ البَذْرِ الصَّحِيحِ في الأرْضِ، والبَذْرُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لَيْسَ إلّا عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أصْحابُنا: إذا تَوَضَّأ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الإنْسانَ ما أرادَ حَرْثَ الآخِرَةِ، لِأنَّ الكَلامَ فِيما إذا كانَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ نُصِيبٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّلاةِ مِن بابِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في الوُضُوءِ العارِي عَنِ النِّيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القانُونَ الأعْظَمَ والقِسْطاسَ الأقْوَمَ في أعْمالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا - أرْدَفَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما هو الأصْلُ في بابِ الضَّلالَةِ والشَّقاوَةِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ومَعْنى الهَمْزَةِ في ”أمْ“ التَّقْرِيرُ والتَّقْرِيعُ، و(شُرَكاؤُهم) شَياطِينُهُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا الشِّرْكَ وإنْكارَ البَعْثِ والعَمَلَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها، وقِيلَ: (شُرَكاؤُهم) أوْثانُهم، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، ولَمّا كانَ سَبَبًا لِضَلالَتِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الضَّلالَةِ؛ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﷺ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦]، وقَوْلُهُ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الشَّرائِعَ بِأسْرِها عَلى ضِدَّيْنِ لِلَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ، أوْ يُقالُ: ولَوْلا الوَعْدُ بِأنَّ الفَصْلَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَرَأ بَعْضُهم: ”وأنَّ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”إنَّ“؛ عَطْفًا لَهُ عَلى ”كَلِمَةُ الفَصْلِ“، يَعْنِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وأنَّ تَقْرِيرَهُ تَعْذِيبَ الظّالِمِينَ - في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ وأحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ.
فالأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ وبالَهُ واقِعٌ بِهِمْ، سَواءٌ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا.
وأمّا الثّانِي: فَهو أحْوالُ أهْلِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ الجَنَّةِ أطْيَبُ بُقْعَةٍ فِيها، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كُلُّهم في الجَنَّةِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِرَوْضاتِ الجَنّاتِ، وهي البِقاعُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الجَنَّةِ، فالبِقاعُ الَّتِي دُونَ تِلْكَ الرَّوْضاتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَن كانَ دُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ١٤١
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الأشْياءِ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ مُهَيَّأةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى في تَعْظِيمِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾، وأصْحابُنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِطَرِيقِ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَوْضاتِ الجَنّاتِ ووِجْدانَ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إنَّما كانَ جَزاءً عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى العَمَلِ إنَّما حَصَلَ بِطَرِيقِ الفَضْلِ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يُبَشِّرُ“ مِن بَشَّرَهُ، و”يُبْشِرُ“ مِن أبْشَرَهُ، و”يَبْشُرُ“ مِن بَشَرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَتَّبَ عَلى الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ رَوْضاتِ الجَنّاتِ، والسُّلْطانُ الَّذِي هو أعْظَمُ المَوْجُوداتِ وأكْرَمُهم إذا رَتَّبَ عَلى أعْمالٍ شاقَّةٍ جَزاءً، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ قَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ يَدْخُلُ في بابِ غَيْرِ المُتَناهِي لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ إلّا والإنْسانُ يُرِيدُ ما هو أعْلى مِنها.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ والَّذِي يَحْكُمُ بِكِبَرِهِ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ عَلى الإطْلاقِ كانَ في غايَةِ الكِبَرِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ البِشارَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى غايَةِ العَظَمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِها والوُصُولَ إلَيْها.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا الكِتابَ الشَّرِيفَ العالِيَ وأوْدَعَ فِيهِ ثَلاثَةَ الأقْسامِ الدَّلائِلَ، وأصْنافَ التَّكالِيفِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الثَّوابَ، وعَلى المَعْصِيَةِ العِقابَ، بَيَّنَ أنِّي لا أطْلُبُ مِنكم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ نَفْعًا عاجِلًا ومَطْلُوبًا حاضِرًا، لِئَلّا يَتَخَيَّلَ جاهِلٌ أنَّ مَقْصُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا التَّبْلِيغِ المالُ والجاهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ النّاسُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ واسِطَ النَّسَبِ مِن قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿أجْرًا إلّا﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم، والمَعْنى: أنَّكم قَوْمِي وأحَقُّ مَن أجابَنِي وأطاعَنِي، فَإذا قَدْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فاحْفَظُوا حَقَّ القُرْبى ولا تُؤْذُونِي ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ.
والقَوْلُ الثّانِي: رَوى الكَلْبِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَعْرُوهُ نَوائِبُ وحُقُوقٌ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وهو ابْنُ أُخْتِكم، وجارُكم في بَلَدِكم، فاجْمَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن أمْوالِكم، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا»﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ؛ إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي، فَحَثَّهم عَلى مَوَدَّةِ أقارِبِهِ.
صفحة ١٤٢
القَوْلُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: إلّا أنْ تَوَدُّوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ التَّوَدُّدِ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فالقُرْبى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الرَّحِمِ، وعَلى الثّانِي القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الأقارِبِ، وعَلى الثّالِثِ هي ”فُعْلى“ مِنَ القُرْبِ والتَّقْرِيبِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، ذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الأجْرِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أكْثَرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أنَّهم صَرَّحُوا بِنَفْيِ طَلَبِ الأُجْرَةِ، فَذَكَرَ في قِصَّةِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩] وكَذا في قِصَّةِ هُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورَسُولُنا أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَ بِأنْ لا يَطْلُبَ الأجْرَ عَلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أوْلى.
الثّانِي: أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَفْيِ طَلَبِ الأجْرِ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ٤٧] وقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
الثّالِثُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وطَلَبُ الأجْرِ عَلى أداءِ الواجِبِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أعْلَمِ العُلَماءِ.
الرّابِعُ: أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ الحِكْمَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩]، وقالَ في صِفَةِ الدُّنْيا: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧]، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العَقْلِ مُقابَلَةُ أشْرَفِ الأشْياءِ بِأخَسِّ الأشْياءِ.
الخامِسُ: أنَّ طَلَبَ الأجْرِ كانَ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وذَلِكَ يُنافِي القَطْعَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْلُبَ أجْرًا البَتَّةَ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وهو المَوَدَّةُ في القُرْبى هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الأجْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، بَقِيَ قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِها مِن قِراعِ الدّارِعِينَ فُلُولُ
المَعْنى: أنا لا أطْلُبُ مِنكم إلّا هَذا. وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أجْرًا؛ لِأنَّ حُصُولَ المَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أمْرٌ واجِبٌ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] وقالَ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهم بَعْضًا»، والآياتُ والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وإذا كانَ حُصُولُ المَوَدَّةِ بَيْنَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ واجِبًا، فَحُصُولُها في حَقِّ أشْرَفِ المُسْلِمِينَ وأكابِرِهِمْ أوْلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، تَقْدِيرُهُ: والمَوَدَّةُ في القُرْبى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَعَ الحاصِلُ إلى أنَّهُ لا أجْرَ البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي مِنكم، وكَأنَّهُ في اللَّفْظِ أجْرٌ، ولَيْسَ بِأجْرٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا. ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُورًا لَهُ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تائِبًا، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الإيمانِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إلى الجَنَّةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ
صفحة ١٤٣
جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِرًا، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ» هَذا هو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وأنا أقُولُ: آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ، فَكُلُّ مَن كانَ أمْرُهم إلَيْهِ أشَدَّ وأكْمَلَ كانُوا هُمُ الآلَ، ولا شَكَّ أنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ كانَ التَّعَلُّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ التَّعَلُّقاتِ، وهَذا كالمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا هُمُ الآلَ، وأيْضًا اخْتَلَفَ النّاسُ في الآلِ، فَقِيلَ: هُمُ الأقارِبُ، وقِيلَ: هم أُمَّتُهُ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى القَرابَةِ فَهُمُ الآلُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأُمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ فَهم أيْضًا آلٌ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ هُمُ الآلُ، وأمّا غَيْرُهم فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظِ الآلِ ؟ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما» فَثَبَتَ أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ أقارِبُ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ما سَبَقَ.
الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ فاطِمَةَ - عَلَيْها السَّلامُ- قالَ ﷺ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» وثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣١] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابِ: ٢١]
الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ لِلْآلِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا الدُّعاءُ خاتِمَةَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ، وهَذا التَّعْظِيمُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّ غَيْرِ الآلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ واجِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خَيْفِها والنّاهِضِ
سَحَرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنًى ∗∗∗ فَيْضًا كَما نَظْمِ الفُراتِ الفائِضِ
إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فِيهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠] فَكُلُّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، والحاصِلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُبِّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ أصْحابِهِ، وهَذا المَنصِبُ لا يَسْلَمُ إلّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حُبِّ العِتْرَةِ والصَّحابَةِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ المَذْكُورِينَ، قالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا»، وقالَ ﷺ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ونَحْنُ الآنَ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ، وتَضْرِبُنا أمْواجُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وراكِبُ البَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: السَّفِينَةُ الخالِيَةُ عَنِ العُيُوبِ والثَّقْبِ.
والثّانِي: الكَواكِبُ الظّاهِرَةُ الطّالِعَةُ النَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ السَّفِينَةَ ووَقَعَ نَظَرُهُ عَلى تِلْكَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ كانَ رَجاءُ السَّلامَةِ غالِبًا، فَكَذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا - أهْلُ السُّنَّةِ - سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ الصَّحابَةِ، فَرَجَوْا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
صفحة ١٤٤
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، فَقالَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا مَوَدَّةً لِلْقُرْبى، وما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها؛ كَقَوْلِهِ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والظّاهِرُ العُمُومُ في أيِّ حَسَنَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ المَوَدَّةِ في القُرْبى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ التَّأْكِيدُ في تِلْكَ المَوَدَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ والشَّكُورُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُحْسِنُ إلى المُطِيعِينَ في إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وفي أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّفْضِيلِ.
وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ في تَقْرِيرِ أنَّ هَذا الكِتابَ إنَّما حَصَلَ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] واتَّصَلَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، وتَعَلَّقَ البَعْضُ بِالبَعْضِ حَتّى وصَلَ إلى هَهُنا، ثُمَّ حَكى هَهُنا شُبْهَةَ القَوْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّ هَذا لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ نَفْسُ التَّوْبِيخِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقَعُ في قُلُوبِهِمْ ويَجْرِي في ألْسِنَتِهِمْ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، الَّذِي هو أقْبَحُ أنْواعِ الفِرْيَةِ وأفْحَشُها، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم ”إنَّهُ مُفْتَرٍ كَذّابٌ“ .
والثّانِي: يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، ومِثالُهُ أنْ يَنْسُبَ رَجُلٌ بَعْضَ الأُمَناءِ إلى الخِيانَةِ، فَيَقُولُ الأمِينُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ لِنَفْسِهِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ صُدُورِ الخِيانَةِ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيْ: ومِن عادَةِ اللَّهِ إبْطالُ الباطِلِ وتَقْرِيرُ الحَقِّ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُبْطِلًا كَذّابًا لَفَضَحَهُ اللَّهُ ولَكَشَفَ عَنْ باطِلِهِ، ولَما أيَّدَهُ بِالقُوَّةِ والنُّصْرَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البَهْتِ والفِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وعَنْ قَتادَةَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يُنْسِيكَ القُرْآنَ، ويَقْطَعُ عَنْكَ الوَحْيَ، بِمَعْنى: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثُمَّ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِهَذِهِ الفِرْيَةِ عِقابًا عَظِيمًا، لا جَرَمَ نَدَبَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَرَّفَهم أنَّهُ يَقْبَلُها مِن كُلِّ مُسِيءٍ وإنْ عَظُمَتْ إساءَتُهُ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ وقَبِلْتُهُ عَنْهُ، فَمَعْنى قَبِلْتُهُ مِنهُ أخَذْتُهُ مِنهُ وجَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولٍ ومَنشَأهُ، ومَعْنى قَبِلْتُهُ عَنْهُ أخَذْتُهُ وأثْبَتُّهُ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ البَحْثُ المُسْتَقْصى عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأقَلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ النَّدَمُ عَلى الماضِي والتَّرْكُ في الحالِ والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، وكَبَّرَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى تَوْبَةٍ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما التَّوْبَةُ ؟ فَقالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ؛ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَةُ النَّفْسِ مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلُ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ، وقالَ أصْحابُنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالكَرَمِ والفَضْلِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القَبُولُ واجِبًا لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ العَظِيمُ، ألا تَرى أنَّ مَن مَدَحَ نَفْسَهُ بِأنْ لا يَضْرِبَ النّاسَ ظُلْمًا ولا يَقْتُلَهم غَضَبًا، كانَ ذَلِكَ مَدْحًا قَلِيلًا، أمّا إذا قالَ: إنِّي أُحْسِنُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيَّ - كانَ ذَلِكَ مَدْحًا وثَناءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغائِرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَصارَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وأداءُ الواجِبِ لا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَبَقِيَ القِسْمُ الثّالِثُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تارَةً يَعْفُو بِواسِطَةِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وتارَةً يَعْفُو ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ، فَيُثِيبُهُ عَلى حَسَناتِهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ”الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“ رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إلّا أنَّهُ حُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣] وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الخَبَرَ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وما بَعْدَها قَوْلُهُ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَـ ”يَزِيدُ“ عُطِفَ عَلى ”ويَسْتَجِيبُ“، وعَلى الأوَّلِ: ويُجِيبُ العَبْدَ ويَزِيدُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.
أمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: يُطِيعُونَهُ فِيما أمَرَهم بِهِ، والِاسْتِجابَةُ الطّاعَةُ.
وأمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: يُجِيبُ اللَّهُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ويَزِيدُهم ما طَلَبُوهُ مِن فَضْلِهِ، فَإنْ قالُوا: تَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِإجابَةِ الدُّعاءِ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُجِيبُ دُعاءَ الكُفّارِ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَعْظِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وفائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّ
صفحة ١٤٦
إجابَةَ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإجابَةُ دُعاءِ الكافِرِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ بِالدُّعاءِ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ.
الشورى 42:26
قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
صفحة ١٣٩
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ لَطِيفًا بِعِبادِهِ كَثِيرَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَسْعَوْا في طَلَبِ الخَيْراتِ وفي الِاحْتِرازِ عَنِ القَبائِحِ فَقالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ تَعالى سَمّى ما يَعْمَلُهُ العامِلُ مِمّا يَطْلُبُ بِهِ الفائِدَةَ حَرْثًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الفَرْقَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ مَن أرادَ الآخِرَةَ وبَيْنَ مَن أرادَ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ مُرِيدَ حَرْثِ الآخِرَةِ في الذِّكْرِ عَلى مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ آخِرَةً، ثُمَّ قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ ”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ“ .
الثّانِي: أنَّهُ قالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ وقالَ في مُرِيدِ حَرْثِ الدُّنْيا ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾، وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ بَعْضَ ما يَطْلُبُهُ ولا يُؤْتِيهِ كُلَّهُ، وقالَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ: ١٨] وأقُولُ: البُرْهانُ العَقْلِيُّ مُساعِدٌ عَلى البابَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن عَمِلَ لِلْآخِرَةِ وواظَبَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ فَكَثْرَةُ الأعْمالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ، فَكُلُّ مَن كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ أكْثَرَ كانَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلى طَلَبِ الآخِرَةِ أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِابْتِهاجُ أعْظَمَ والسَّعاداتُ أكْثَرَ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾، وأمّا طالِبُ الدُّنْيا فَكُلَّما كانَتْ مُواظَبَتُهُ عَلى أعْمالِ ذَلِكَ الطَّلَبِ أكْثَرَ - كانَتْ رَغْبَتُهُ في الفَوْزِ بِالدُّنْيا أكْثَرَ، ومَيْلُهُ إلَيْها أشَدَّ، وإذا كانَ المَيْلُ أبَدًا في التَّزايُدِ، وكانَ حُصُولُ المَطْلُوبِ باقِيًا عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ كانَ الحِرْمانُ لازِمًا لا مَحالَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في طالِبِ حَرْثِ الآخِرَةِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِ الدُّنْيا أمْ لا، بَلْ بَقِيَ الكَلامُ ساكِتًا عَنْهُ نَفْيًا وإثْباتًا، وأمّا طالِبُ حَرْثِ الدُّنْيا فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِن نَصِيبِ الآخِرَةِ عَلى التَّنْصِيصِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: الآخِرَةُ أصْلٌ والدُّنْيا تَبَعٌ، فَواجِدُ الأصْلِ يَكُونُ واجِدًا لِلتَّبَعِ بِقَدَرِ الحاجَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدُّنْيا أخَسُّ مِن أنْ يَقْرِنَ ذِكْرَها بِذِكْرِ الآخِرَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يُزادُ في مَطْلُوبِهِ، وبَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يُعْطى بَعْضَ مَطْلُوبِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ نُصِيبٌ البَتَّةَ، فَبَيَّنَ بِالكَلامِ الأوَّلِ أنَّ طالِبَ الآخِرَةِ يَكُونُ حالُهُ أبَدًا في التَّرَقِّي والتَّزايُدِ، وبَيَّنَ بِالكَلامِ الثّانِي أنَّ طالِبَ الدُّنْيا يَكُونُ حالُهُ في المَقامِ الأوَّلِ في النُّقْصانِ، وفي المَقامِ الثّانِي في البُطْلانِ التّامِّ.
الخامِسُ: أنَّ الآخِرَةَ نَسِيئَةٌ، والدُّنْيا نَقْدٌ، والنَّسِيئَةُ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّقْدِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: النَّقْدُ خَيْرٌ مِنَ النَّسِيئَةِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ انْعَكَسَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحْوالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا، فالآخِرَةُ وإنْ كانَتْ نَسِيئَةً إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ لِلزِّيادَةِ والدَّوامِ، فَكانَتْ أفْضَلَ وأكْمَلَ، والدُّنْيا وإنْ كانَتْ نَقْدًا إلّا أنَّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى النُّقْصانِ، ثُمَّ إلى البُطْلانِ، فَكانَتْ أخَسَّ وأرْذَلَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الآخِرَةِ لا يُناسِبُ حالَ الدُّنْيا البَتَّةَ، وأنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْمِ؛ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
السّادِسُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَنافِعَ الآخِرَةِ والدُّنْيا لَيْسَتْ حاضِرَةً، بَلْ لا بُدَّ في البابَيْنِ مِنَ الحَرْثِ، والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِتَحَمُّلِ المَشاقِّ في البَذْرِ، ثُمَّ التَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ، ثُمَّ التَّنْقِيَةِ، فَلَمّا سَمّى اللَّهُ كِلا القِسْمَيْنِ حَرْثًا عَلِمْنا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لا يَحْصُلُ إلّا بِتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشاقِّ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَصِيرَ الآخِرَةِ إلى الزِّيادَةِ والكَمالِ، وأنَّ مَصِيرَ الدُّنْيا
صفحة ١٤٠
إلى النُّقْصانِ ثُمَّ الفَناءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ لا بُدَّ في القِسْمَيْنِ جَمِيعًا مِن تَحَمُّلِ مَتاعِبِ الحِراثَةِ والتَّسْقِيَةِ والتَّنْمِيَةِ والحَصْدِ والتَّنْقِيَةِ، فَلِأنْ تُصْرَفَ هَذِهِ المَتاعِبُ إلى ما يَكُونُ في التَّزايُدِ والبَقاءِ أوْلى مِن صَرْفِها إلى ما يَكُونُ في النُّقْصانِ والِانْقِضاءِ والفَناءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنّا نَزِيدُ في تَوْفِيقِهِ وإعانَتِهِ وتَسْهِيلِ سُبُلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ بِتَضْعِيفِ الثَّوابِ، قالَ تَعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٠] وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن أصْبَحَ، وهَمُّهُ الدُّنْيا - شَتَّتَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ هَمَّهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلى ما كُتِبَ لَهُ، ومَن أصْبَحَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ هَمَّهُ وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ عَنْ أنْفِها» أوْ لَفْظٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ هَذا مَعْناهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَلّى لِأجْلِ طَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِأجْلِ دَفْعِ العِقابِ فَإنَّهُ تَصِحُّ صَلاتُهُ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تَصِحُّ. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ والحَرْثُ لا يَتَأتّى إلّا بِإلْقاءِ البَذْرِ الصَّحِيحِ في الأرْضِ، والبَذْرُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لَيْسَ إلّا عُبُودِيَّةَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أصْحابُنا: إذا تَوَضَّأ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ، قالُوا: لِأنَّ هَذا الإنْسانَ ما أرادَ حَرْثَ الآخِرَةِ، لِأنَّ الكَلامَ فِيما إذا كانَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ نُصِيبٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الصَّلاةِ مِن بابِ مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في الوُضُوءِ العارِي عَنِ النِّيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ القانُونَ الأعْظَمَ والقِسْطاسَ الأقْوَمَ في أعْمالِ الآخِرَةِ والدُّنْيا - أرْدَفَهُ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما هو الأصْلُ في بابِ الضَّلالَةِ والشَّقاوَةِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ومَعْنى الهَمْزَةِ في ”أمْ“ التَّقْرِيرُ والتَّقْرِيعُ، و(شُرَكاؤُهم) شَياطِينُهُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا الشِّرْكَ وإنْكارَ البَعْثِ والعَمَلَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها، وقِيلَ: (شُرَكاؤُهم) أوْثانُهم، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، ولَمّا كانَ سَبَبًا لِضَلالَتِهِمْ جُعِلَتْ شارِعَةً لِدِينِ الضَّلالَةِ؛ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﷺ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦]، وقَوْلُهُ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الشَّرائِعَ بِأسْرِها عَلى ضِدَّيْنِ لِلَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ القَضاءُ السّابِقُ بِتَأْخِيرِ الجَزاءِ، أوْ يُقالُ: ولَوْلا الوَعْدُ بِأنَّ الفَصْلَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، أوْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَرَأ بَعْضُهم: ”وأنَّ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في ”إنَّ“؛ عَطْفًا لَهُ عَلى ”كَلِمَةُ الفَصْلِ“، يَعْنِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ وأنَّ تَقْرِيرَهُ تَعْذِيبَ الظّالِمِينَ - في الآخِرَةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ وأحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ.
فالأوَّلُ: فَهو قَوْلُهُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ خَوْفًا شَدِيدًا ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ وبالَهُ واقِعٌ بِهِمْ، سَواءٌ أشْفَقُوا أوْ لَمْ يُشْفِقُوا.
وأمّا الثّانِي: فَهو أحْوالُ أهْلِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ الجَنَّةِ أطْيَبُ بُقْعَةٍ فِيها، وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كُلُّهم في الجَنَّةِ، إلّا أنَّهُ خَصَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِرَوْضاتِ الجَنّاتِ، وهي البِقاعُ الشَّرِيفَةُ مِنَ الجَنَّةِ، فالبِقاعُ الَّتِي دُونَ تِلْكَ الرَّوْضاتِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَن كانَ دُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
صفحة ١٤١
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الأشْياءِ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ مُهَيَّأةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى في تَعْظِيمِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾، وأصْحابُنا اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِطَرِيقِ الفَضْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رَوْضاتِ الجَنّاتِ ووِجْدانَ كُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إنَّما كانَ جَزاءً عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الجَزاءَ المُرَتَّبَ عَلى العَمَلِ إنَّما حَصَلَ بِطَرِيقِ الفَضْلِ لا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”يُبَشِّرُ“ مِن بَشَّرَهُ، و”يُبْشِرُ“ مِن أبْشَرَهُ، و”يَبْشُرُ“ مِن بَشَرَهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الثَّوابِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَتَّبَ عَلى الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ رَوْضاتِ الجَنّاتِ، والسُّلْطانُ الَّذِي هو أعْظَمُ المَوْجُوداتِ وأكْرَمُهم إذا رَتَّبَ عَلى أعْمالٍ شاقَّةٍ جَزاءً، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ قَدْ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقَوْلُهُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ يَدْخُلُ في بابِ غَيْرِ المُتَناهِي لِأنَّهُ لا دَرَجَةَ إلّا والإنْسانُ يُرِيدُ ما هو أعْلى مِنها.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ والَّذِي يَحْكُمُ بِكِبَرِهِ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ والعَظَمَةُ عَلى الإطْلاقِ كانَ في غايَةِ الكِبَرِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أعادَ البِشارَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى غايَةِ العَظَمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ الفَوْزَ بِها والوُصُولَ إلَيْها.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ هَذا الكِتابَ الشَّرِيفَ العالِيَ وأوْدَعَ فِيهِ ثَلاثَةَ الأقْسامِ الدَّلائِلَ، وأصْنافَ التَّكالِيفِ، ورَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الثَّوابَ، وعَلى المَعْصِيَةِ العِقابَ، بَيَّنَ أنِّي لا أطْلُبُ مِنكم بِسَبَبِ هَذا التَّبْلِيغِ نَفْعًا عاجِلًا ومَطْلُوبًا حاضِرًا، لِئَلّا يَتَخَيَّلَ جاهِلٌ أنَّ مَقْصُودَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن هَذا التَّبْلِيغِ المالُ والجاهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ النّاسُ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ الشَّعْبِيُّ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ واسِطَ النَّسَبِ مِن قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ ﴿أجْرًا إلّا﴾ أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم، والمَعْنى: أنَّكم قَوْمِي وأحَقُّ مَن أجابَنِي وأطاعَنِي، فَإذا قَدْ أبَيْتُمْ ذَلِكَ، فاحْفَظُوا حَقَّ القُرْبى ولا تُؤْذُونِي ولا تُهَيِّجُوا عَلَيَّ.
والقَوْلُ الثّانِي: رَوى الكَلْبِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَعْرُوهُ نَوائِبُ وحُقُوقٌ، ولَيْسَ في يَدِهِ سَعَةٌ، فَقالَ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ هَداكُمُ اللَّهُ عَلى يَدِهِ، وهو ابْنُ أُخْتِكم، وجارُكم في بَلَدِكم، فاجْمَعُوا لَهُ طائِفَةً مِن أمْوالِكم، فَفَعَلُوا، ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا»﴾ أيْ: عَلى الإيمانِ؛ إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي، فَحَثَّهم عَلى مَوَدَّةِ أقارِبِهِ.
صفحة ١٤٢
القَوْلُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ، فَقالَ: إلّا أنْ تَوَدُّوا إلى اللَّهِ فِيما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ مِنَ التَّوَدُّدِ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فالقُرْبى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الرَّحِمِ، وعَلى الثّانِي القَرابَةُ الَّتِي هي بِمَعْنى الأقارِبِ، وعَلى الثّالِثِ هي ”فُعْلى“ مِنَ القُرْبِ والتَّقْرِيبِ، فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ مُشْكِلَةٌ، ذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ الأجْرِ عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ لا يَجُوزُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أكْثَرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أنَّهم صَرَّحُوا بِنَفْيِ طَلَبِ الأُجْرَةِ، فَذَكَرَ في قِصَّةِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩] وكَذا في قِصَّةِ هُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورَسُولُنا أفْضَلُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكانَ بِأنْ لا يَطْلُبَ الأجْرَ عَلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أوْلى.
الثّانِي: أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ بِنَفْيِ طَلَبِ الأجْرِ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ٤٧] وقالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] .
الثّالِثُ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٦٧] وطَلَبُ الأجْرِ عَلى أداءِ الواجِبِ لا يَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أعْلَمِ العُلَماءِ.
الرّابِعُ: أنَّ النُّبُوَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ الحِكْمَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩]، وقالَ في صِفَةِ الدُّنْيا: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧]، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العَقْلِ مُقابَلَةُ أشْرَفِ الأشْياءِ بِأخَسِّ الأشْياءِ.
الخامِسُ: أنَّ طَلَبَ الأجْرِ كانَ يُوجِبُ التُّهْمَةَ، وذَلِكَ يُنافِي القَطْعَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَطْلُبَ أجْرًا البَتَّةَ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ أجْرًا عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، وهو المَوَدَّةُ في القُرْبى هَذا تَقْرِيرُ السُّؤالِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الأجْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، بَقِيَ قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ قَوْلِهِ:
ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِها مِن قِراعِ الدّارِعِينَ فُلُولُ
المَعْنى: أنا لا أطْلُبُ مِنكم إلّا هَذا. وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ أجْرًا؛ لِأنَّ حُصُولَ المَوَدَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أمْرٌ واجِبٌ، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧١] وقالَ ﷺ: «المُؤْمِنُونَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهم بَعْضًا»، والآياتُ والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وإذا كانَ حُصُولُ المَوَدَّةِ بَيْنَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ واجِبًا، فَحُصُولُها في حَقِّ أشْرَفِ المُسْلِمِينَ وأكابِرِهِمْ أوْلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، تَقْدِيرُهُ: والمَوَدَّةُ في القُرْبى لَيْسَتْ أجْرًا، فَرَجَعَ الحاصِلُ إلى أنَّهُ لا أجْرَ البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ أيْ: لَكِنْ أُذَكِّرُكم قَرابَتِي مِنكم، وكَأنَّهُ في اللَّفْظِ أجْرٌ، ولَيْسَ بِأجْرٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا. ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مَغْفُورًا لَهُ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ تائِبًا، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ مُؤْمِنًا مُسْتَكْمِلَ الإيمانِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ بَشَّرَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ يُزَفُّ إلى الجَنَّةِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ إلى بَيْتِ زَوْجِها، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ فُتِحَ لَهُ في قَبْرِهِ بابانِ إلى الجَنَّةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ
صفحة ١٤٣
جَعَلَ اللَّهُ قَبْرَهُ مَزارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ عَلى السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ كافِرًا، ألا ومَن ماتَ عَلى بُغْضِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ» هَذا هو الَّذِي رَواهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وأنا أقُولُ: آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ، فَكُلُّ مَن كانَ أمْرُهم إلَيْهِ أشَدَّ وأكْمَلَ كانُوا هُمُ الآلَ، ولا شَكَّ أنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ كانَ التَّعَلُّقُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدَّ التَّعَلُّقاتِ، وهَذا كالمَعْلُومِ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا هُمُ الآلَ، وأيْضًا اخْتَلَفَ النّاسُ في الآلِ، فَقِيلَ: هُمُ الأقارِبُ، وقِيلَ: هم أُمَّتُهُ، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى القَرابَةِ فَهُمُ الآلُ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الأُمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا دَعْوَتَهُ فَهم أيْضًا آلٌ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ هُمُ الآلُ، وأمّا غَيْرُهم فَهَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظِ الآلِ ؟ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قَرابَتُكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وجَبَتْ عَلَيْنا مَوَدَّتُهم ؟ فَقالَ: عَلِيٌّ وفاطِمَةُ وابْناهُما» فَثَبَتَ أنَّ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ أقارِبُ النَّبِيِّ ﷺ وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونُوا مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ التَّعْظِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ما سَبَقَ.
الثّانِي: لا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّ فاطِمَةَ - عَلَيْها السَّلامُ- قالَ ﷺ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي ما يُؤْذِيها» وثَبَتَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُحِبُّ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ مِثْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣١] ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابِ: ٢١]
الثّالِثُ: أنَّ الدُّعاءَ لِلْآلِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا الدُّعاءُ خاتِمَةَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ، وهَذا التَّعْظِيمُ لَمْ يُوجَدْ في حَقِّ غَيْرِ الآلِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ واجِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خَيْفِها والنّاهِضِ
سَحَرًا إذا فاضَ الحَجِيجُ إلى مِنًى ∗∗∗ فَيْضًا كَما نَظْمِ الفُراتِ الفائِضِ
إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فِيهِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقِعَةِ: ١٠] فَكُلُّ مَن أطاعَ اللَّهَ كانَ مُقَرَّبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، والحاصِلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُبِّ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ أصْحابِهِ، وهَذا المَنصِبُ لا يَسْلَمُ إلّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حُبِّ العِتْرَةِ والصَّحابَةِ، وسَمِعْتُ بَعْضَ المَذْكُورِينَ، قالَ: إنَّهُ ﷺ قالَ: «مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا»، وقالَ ﷺ: «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ونَحْنُ الآنَ في بَحْرِ التَّكْلِيفِ، وتَضْرِبُنا أمْواجُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وراكِبُ البَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: السَّفِينَةُ الخالِيَةُ عَنِ العُيُوبِ والثَّقْبِ.
والثّانِي: الكَواكِبُ الظّاهِرَةُ الطّالِعَةُ النَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ السَّفِينَةَ ووَقَعَ نَظَرُهُ عَلى تِلْكَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ كانَ رَجاءُ السَّلامَةِ غالِبًا، فَكَذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا - أهْلُ السُّنَّةِ - سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ الصَّحابَةِ، فَرَجَوْا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
* * *
صفحة ١٤٤
ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ: أوْرَدَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، فَقالَ: هَلّا قِيلَ إلّا مَوَدَّةَ القُرْبى، أوْ إلّا مَوَدَّةً لِلْقُرْبى، وما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: جَعَلُوا مَكانًا لِلْمَوَدَّةِ ومَقَرًّا لَها؛ كَقَوْلِهِ: لِي في آلِ فُلانٍ مَوَدَّةٌ، ولِي فِيهِمْ هَوًى وحُبٌّ شَدِيدٌ، تُرِيدُ: أُحِبُّهم وهم مَكانُ حُبِّي ومَحِلُّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والظّاهِرُ العُمُومُ في أيِّ حَسَنَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها لَمّا ذُكِرَتْ عَقِيبَ ذِكْرِ المَوَدَّةِ في القُرْبى دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ التَّأْكِيدُ في تِلْكَ المَوَدَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ والشَّكُورُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يُحْسِنُ إلى المُطِيعِينَ في إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وفي أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ التَّفْضِيلِ.
وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ إنَّما ابْتُدِئَ في تَقْرِيرِ أنَّ هَذا الكِتابَ إنَّما حَصَلَ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشُّورى: ٣] واتَّصَلَ الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى، وتَعَلَّقَ البَعْضُ بِالبَعْضِ حَتّى وصَلَ إلى هَهُنا، ثُمَّ حَكى هَهُنا شُبْهَةَ القَوْمِ، وهي قَوْلُهم: إنَّ هَذا لَيْسَ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”أمْ“ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ نَفْسُ التَّوْبِيخِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقَعُ في قُلُوبِهِمْ ويَجْرِي في ألْسِنَتِهِمْ أنْ يَنْسُبُوا مِثْلَهُ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، الَّذِي هو أقْبَحُ أنْواعِ الفِرْيَةِ وأفْحَشُها، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم ”إنَّهُ مُفْتَرٍ كَذّابٌ“ .
والثّانِي: يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَجْعَلْكَ مِنَ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الكَذِبَ، فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إلّا مَن كانَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ، ومِثالُهُ أنْ يَنْسُبَ رَجُلٌ بَعْضَ الأُمَناءِ إلى الخِيانَةِ، فَيَقُولُ الأمِينُ: لَعَلَّ اللَّهَ خَذَلَنِي، لَعَلَّ اللَّهَ أعْمى قَلْبِي، وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ الخِذْلانِ وعَمى القَلْبِ لِنَفْسِهِ، وإنَّما يُرِيدُ اسْتِبْعادَ صُدُورِ الخِيانَةِ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ أيْ: ومِن عادَةِ اللَّهِ إبْطالُ الباطِلِ وتَقْرِيرُ الحَقِّ، فَلَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُبْطِلًا كَذّابًا لَفَضَحَهُ اللَّهُ ولَكَشَفَ عَنْ باطِلِهِ، ولَما أيَّدَهُ بِالقُوَّةِ والنُّصْرَةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الكاذِبِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ يَمْحُو الباطِلَ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ البَهْتِ والفِرْيَةِ والتَّكْذِيبِ، ويُثْبِتُ الحَقَّ الَّذِي كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ، فَيَجْرِي الأمْرُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وعَنْ قَتادَةَ: يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يُنْسِيكَ القُرْآنَ، ويَقْطَعُ عَنْكَ الوَحْيَ، بِمَعْنى: لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لَفَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ثُمَّ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمّا أضافُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا بِهَذِهِ الفِرْيَةِ عِقابًا عَظِيمًا، لا جَرَمَ نَدَبَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْبَةِ وعَرَّفَهم أنَّهُ يَقْبَلُها مِن كُلِّ مُسِيءٍ وإنْ عَظُمَتْ إساءَتُهُ، فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٤٥
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ قَبِلْتُ مِنهُ الشَّيْءَ وقَبِلْتُهُ عَنْهُ، فَمَعْنى قَبِلْتُهُ مِنهُ أخَذْتُهُ مِنهُ وجَعَلْتُهُ مَبْدَأ قَبُولٍ ومَنشَأهُ، ومَعْنى قَبِلْتُهُ عَنْهُ أخَذْتُهُ وأثْبَتُّهُ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ البَحْثُ المُسْتَقْصى عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأقَلُّ ما لا بُدَّ مِنهُ النَّدَمُ عَلى الماضِي والتَّرْكُ في الحالِ والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ، ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، وكَبَّرَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يا هَذا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ الكَذّابِينَ، فَتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى تَوْبَةٍ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما التَّوْبَةُ ؟ فَقالَ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ أشْياءَ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ، وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ؛ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وإذاقَةُ النَّفْسِ مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلُ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى عَقْلًا قَبُولُ التَّوْبَةِ، وقالَ أصْحابُنا: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ فَإنَّما يَفْعَلُهُ بِالكَرَمِ والفَضْلِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى تَمَدَّحَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ القَبُولُ واجِبًا لَما حَصَلَ التَّمَدُّحُ العَظِيمُ، ألا تَرى أنَّ مَن مَدَحَ نَفْسَهُ بِأنْ لا يَضْرِبَ النّاسَ ظُلْمًا ولا يَقْتُلَهم غَضَبًا، كانَ ذَلِكَ مَدْحًا قَلِيلًا، أمّا إذا قالَ: إنِّي أُحْسِنُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَجِبُ عَلَيَّ - كانَ ذَلِكَ مَدْحًا وثَناءً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ الإتْيانِ بِالتَّوْبَةِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الصَّغائِرِ، أوِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَصارَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، وأداءُ الواجِبِ لا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَبَقِيَ القِسْمُ الثّالِثُ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ تارَةً يَعْفُو بِواسِطَةِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وتارَةً يَعْفُو ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ، فَيُثِيبُهُ عَلى حَسَناتِهِ، ويُعاقِبُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ”الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“ رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ، وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: ويَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ إلّا أنَّهُ حُذِفَ اللّامُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا كالُوهُمْ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٣] وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الخَبَرَ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ وما بَعْدَها قَوْلُهُ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ فَـ ”يَزِيدُ“ عُطِفَ عَلى ”ويَسْتَجِيبُ“، وعَلى الأوَّلِ: ويُجِيبُ العَبْدَ ويَزِيدُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.
أمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهم فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
والثّانِي: يُطِيعُونَهُ فِيما أمَرَهم بِهِ، والِاسْتِجابَةُ الطّاعَةُ.
وأمّا مَن قالَ: إنَّ الفِعْلَ لِلَّهِ - فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: يُجِيبُ اللَّهُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ويَزِيدُهم ما طَلَبُوهُ مِن فَضْلِهِ، فَإنْ قالُوا: تَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِإجابَةِ الدُّعاءِ هَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُجِيبُ دُعاءَ الكُفّارِ ؟ قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ تَعْظِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَجُوزُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ، وفائِدَةُ التَّخْصِيصِ أنَّ
صفحة ١٤٦
إجابَةَ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، وإجابَةُ دُعاءِ الكافِرِينَ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ بِالدُّعاءِ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ والمَقْصُودُ التَّهْدِيدُ.
الشورى 42:27
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ورَدَ عَلَيْهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ وفَقْرٍ ثُمَّ يَدْعُو فَلا يُشاهِدُ أثَرَ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الحالُ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؟ فَأجابَ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: ولَأقْدَمُوا عَلى المَعاصِي، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَحْذُورًا وجَبَ أنْ لا يُعْطِيَهم ما طَلَبُوهُ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ والبَغْيُ في الأرْضِ غَيْرُ مُرادٍ، فَإرادَةُ بَسْطِ الرِّزْقِ غَيْرُ حاصِلَةٍ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا إنَّهُ تَعالى يُرِيدُ البَغْيَ في الأرْضِ، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لَمْ يُرِدْ بَسْطَ الرِّزْقِ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ فَبِأنْ لا يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَفْسَدَةِ كانَ أوْلى، أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ المَيْلَ الشَّدِيدَ إلى البَغْيِ والقَسْوَةِ والقَهْرِ صِفَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، فَلا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ، وفاعِلُ هَذِهِ الأحْوالِ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ لَوْ مالَ طَبْعُهُ إلَيْها، فَيَعُودُ السُّؤالُ في أنَّهُ مَنِ المُحْدِثِ لِذَلِكَ المِيلِ الثّانِي ؟ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وأيْضًا فالمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الظُّلْمِ والقَسْوَةِ عُيُوبٌ ونُقْصاناتٌ، والعاقِلُ لا يَرْضى بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحْدِثَ هَذا المَيْلِ والرَّغْبَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أوْرَدَ الجُبّائِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، قالَ: فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ قَدْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِبَعْضِ عِبادِهِ مَعَ أنَّهُ بَغى ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ الرِّزْقُ وبَغى كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِ أنَّهُ يَبْغِي عَلى كُلِّ حالٍ، سَواءٌ أُعْطِي ذَلِكَ الرِّزْقَ أوْ لَمْ يُعْطَ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ فاسِدٌ، ويَدُلْ عَلَيْهِ القُرْآنُ
صفحة ١٤٧
والعَقْلُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦، ٧] حَكَمَ مُطْلَقًا بِأنَّ حُصُولَ الغِنى سَبَبٌ لِحُصُولِ الطُّغْيانِ. وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مائِلَةً إلى الشَّرِّ لَكِنَّها كانَتْ فاقِدَةً لِلْآلاتِ والأدَواتِ كانَ الشَّرُّ أقَلَّ، وإذا كانَتْ واجِدَةً لَها كانَ الشَّرُّ أكْثَرَ، فَثَبَتَ أنَّ وِجْدانَ المالِ يُوجِبُ الطُّغْيانَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ التَّوَسُّعُ مُوجِبًا لِلطُّغْيانِ، ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ سَوّى في الرِّزْقِ بَيْنَ الكُلِّ لامْتَنَعَ كَوْنُ البَعْضِ خادِمًا لِلْبَعْضِ، ولَوْ صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَخَرِبَ العالَمُ وتَعَطَّلَتِ المَصالِحُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالعَرَبِ، فَإنَّهُ كُلَّما اتَّسَعَ رِزْقُهم ووَجَدُوا مِنَ المَطَرِ ما يَرْوِيهِمْ ومِنَ الكَلَأِ والعُشْبِ ما يُشْبِعُهم أقْدَمُوا عَلى النَّهْبِ والغارَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ مُتَكَبِّرٌ بِالطَّبْعِ، فَإذا وجَدَ الغِنى والقُدْرَةَ عادَ إلى مُقْتَضى خِلْقَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وهو التَّكَبُّرُ، وإذا وقَعَ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ ومَكْرُوهٍ انْكَسَرَ، فَعادَ إلى الطّاعَةِ والتَّواضُعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الصُّفَّةِ، تَمَنَّوْا سَعَةَ الرِّزْقِ والغِنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ نَقُولُ: ”بِقَدَرٍ“ بِتَقْدِيرٍ، يُقالُ: قَدَرَهُ قَدْرًا وقَدَرًا ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ النّاسِ وبِطِباعِهِمْ وبِعَواقِبِ أُمُورِهِمْ فَيُقَدِّرُ أرْزاقَهم عَلى وفْقِ مَصالِحِهِمْ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُعْطِيهِمْ ما زادَ عَلى قَدْرِ حاجَتِهِمْ لِأجْلِ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ تَضُرُّهم في دِينِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم إذا احْتاجُوا إلى الرِّزْقِ فَإنَّهُ لا يَمْنَعُهم مِنهُ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿يُنَزِّلُ﴾ مُشَدَّدَةً، والباقُونَ مُخَفَّفَةً، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”قَنَطُوا“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وإنْزالُ الغَيْثِ بَعْدَ القُنُوطِ أدْعى إلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ بِحُصُولِ النِّعْمَةِ بَعْدَ البَلِيَّةِ أتَمُّ، فَكانَ إقْدامُ صاحِبِهِ عَلى الشُّكْرِ أكْثَرَ ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ بَرَكاتِ الغَيْثِ ومَنافِعَهُ وما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الخِصْبِ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قِيلَ لَهُ ”اشْتَدَّ القَحْطُ وقَنِطَ النّاسُ، فَقالَ: إذَنْ مُطِرُوا“ أرادَ هَذِهِ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رَحْمَتَهُ الواسِعَةَ في كُلِّ شَيْءٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ الَّتِي هي الغَيْثُ ويَنْشُرُ سائِرَ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾، ”الوَلِيُّ“ الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِإحْسانِهِ، و”الحَمِيدُ“ المَحْمُودُ عَلى ما يُوَصِّلُ لِلْخَلْقِ مِن أقْسامِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ آيَةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى إلَهِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ فَنَقُولُ: أمّا دَلالَةُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ فَقَدْ ذَكَرْناها، وكَذَلِكَ دَلالَةُ وُجُودِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ إطْلاقُ لَفْظِ الدّابَّةِ عَلى المَلائِكَةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُضافُ الفِعْلُ إلى جَماعَةٍ، وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم، يُقالُ بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٢] .
الثّانِي: أنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ، والمَلائِكَةُ لَهم حَرَكَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ في السَّماواتِ أنْواعًا مِنَ الحَيَواناتِ يَمْشُونَ مَشْيَ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”إذا“ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ كَما تَدْخُلُ عَلى الماضِي، قالَ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [اللَّيْلِ: ١] ومِنهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مُتَفَرِّقَةً، لا لِعَجْزٍ، ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي الجَمْعَ لِلْحَشْرِ
صفحة ١٤٨
والمُحاسَبَةِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى جَمْعِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَلى جَمْعِها، لِأجْلِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الجَمْعِ المُحاسَبَةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وهو عَلى جَمْعِ العُقَلاءِ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ بِأنْ قالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ تُفِيدُ ظَرْفَ الزَّمانِ، وكَلِمَةُ ”يَشاءُ“ صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ، فَلَوْ كانَتْ مَشِيئَتُهُ تَعالى قَدِيمَةً لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِها بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ فائِدَةٌ، ولَمّا دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ عَلِمْنا أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ.
والجَوابُ: أنَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ كَما دَخَلَتا عَلى المَشِيئَةِ، أيْ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَتا أيْضًا عَلى لَفْظِ ”القَدِيرِ“ فَلَزِمَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ قادِرًا صِفَةً مُحْدَثَةً، ولَمّا كانَ هَذا باطِلًا، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِما كَسَبَتْ“ بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشّامِ والمَدِينَةِ، والباقُونَ بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ، وتَقْدِيرُ الأوَّلِ أنَّ ”ما“ مُبْتَدَأٌ بِمَعْنى ”الَّذِي“، و”بِما كَسَبَتْ“ خَبَرُهُ، والمَعْنى: والَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، وتَقْدِيرُ الثّانِي تَضْمِينُ كَلِمَةِ ”ما“ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِهَذِهِ المَصائِبِ الأحْوالُ المَكْرُوهَةُ؛ نَحْوَ الآلامِ والأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ والصَّواعِقِ وأشْباهِها، واخْتَلَفُوا في نَحْوِ الآلامِ أنَّها هَلْ هي عُقُوباتٌ عَلى ذُنُوبٍ سَلَفَتْ أمْ لا ؟ مِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافِرٍ: ١٧] بَيَّنَ تَعالى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] أيْ يَوْمِ الجَزاءِ، وأطْبَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا يَشْتَرِكُ فِيها الزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ جَعْلُهُ مِن بابِ العُقُوبَةِ عَلى الذُّنُوبِ، بَلِ الِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ لِلصّالِحِينَ والمُتَّقِينَ أكْثَرُ مِنهُ لِلْمُذْنِبِينَ، ولِهَذا قالَ ﷺ: «خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» .
الثّالِثُ: أنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ جُعِلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتِ الدُّنْيا دارَ التَّكْلِيفِ ودارَ الجَزاءِ مَعًا، وهو مُحالٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ أجْزِيَةً عَلى الذُّنُوبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشُّورى: ٣٤] وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ كانَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وأجابَ الأوَّلُونَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ يَكُونُ مِن بابِ الِامْتِحانِ في التَّكْلِيفِ، لا مِن بابِ العُقُوبَةِ كَما في حَقِّ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ عَلى أنَّ الأصْلَحَ عِنْدَ إتْيانِكم بِذَلِكَ الكَسْبِ إنْزالُ هَذِهِ المَصائِبِ عَلَيْكم، وكَذا الجَوابُ عَنْ بَقِيَّةِ الدَّلائِلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّناسُخِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لا تَتَألَّمُ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُصُولَ المَصائِبِ لا يَكُونُ إلّا لِسابِقَةِ الجُرْمِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ التَّناسُخِ قالُوا: لَكِنَّ هَذِهِ المَصائِبَ حاصِلَةٌ لِلْأطْفالِ والبَهائِمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لَها ذُنُوبٌ في الزَّمانِ السّابِقِ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لَيْسَ لَها ألَمٌ، قالُوا: قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأطْفالَ والبَهائِمَ ما كانَتْ مَوْجُودَةً في بَدَنٍ آخَرَ لِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّها لا تَتَألَّمُ إذِ الألَمُ مُصِيبَةٌ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى
صفحة ١٤٩
: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ، فَلا يَدْخُلُ فِيهِ البَهائِمُ والأطْفالُ، ولَمْ يَقُلْ تَعالى: إنَّ جَمِيعَ ما يُصِيبُ الحَيَوانَ مِنَ المَكارِهِ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ سابِقٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ الكَسْبِ إلى اليَدِ، قالَ: والكَسْبُ لا يَكُونُ بِاليَدِ، بَلْ بِالقُدْرَةِ القائِمَةِ بِاليَدِ، وإذا كانَ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ هَهُنا القُدْرَةَ، وكانَ هَذا المَجازُ مَشْهُورًا مُسْتَعْمَلًا كانَ لَفْظُ اليَدِ الوارِدُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى القُدْرَةِ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ الكَثِيرَ مِن هَذِهِ التَّشْدِيداتِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: دَخَلْنا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الوَجَعِ الشَّدِيدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنّا لَنَغْتَمُّ لَكَ مِن بَعْضِ ما نَرى، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا، فَواللَّهِ إنَّ أحَبَّهُ إلى اللَّهِ أحَبُّهُ إلَيَّ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ فَهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ وسَيَأْتِينِي عَفْوُ رَبِّي، وقَدْ رَوى أبُو سَخْلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: «ما عَفا اللَّهُ عَنْهُ فَهو أعَزُّ وأكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وما عاقَبَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُعِيدَ العَذابَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ» رَواهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، وقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ:
صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ في الدُّنْيا، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا، وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُ فَلِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافِيَ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ ما أنْتُمْ مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، أيْ: لا تُعْجِزُونَنِي حَيْثُما كُنْتُمْ، فَلا تَسْبِقُونَنِي بِسَبَبِ هَرَبِكم في الأرْضِ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ والمُرادُ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، بَيَّنَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، والنَّصِيرُ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا جَرَمَ هو الَّذِي تَحْسُنُ عِبادَتُهُ.
الشورى 42:28
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ورَدَ عَلَيْهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ وفَقْرٍ ثُمَّ يَدْعُو فَلا يُشاهِدُ أثَرَ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الحالُ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؟ فَأجابَ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: ولَأقْدَمُوا عَلى المَعاصِي، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَحْذُورًا وجَبَ أنْ لا يُعْطِيَهم ما طَلَبُوهُ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ والبَغْيُ في الأرْضِ غَيْرُ مُرادٍ، فَإرادَةُ بَسْطِ الرِّزْقِ غَيْرُ حاصِلَةٍ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا إنَّهُ تَعالى يُرِيدُ البَغْيَ في الأرْضِ، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لَمْ يُرِدْ بَسْطَ الرِّزْقِ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ فَبِأنْ لا يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَفْسَدَةِ كانَ أوْلى، أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ المَيْلَ الشَّدِيدَ إلى البَغْيِ والقَسْوَةِ والقَهْرِ صِفَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، فَلا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ، وفاعِلُ هَذِهِ الأحْوالِ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ لَوْ مالَ طَبْعُهُ إلَيْها، فَيَعُودُ السُّؤالُ في أنَّهُ مَنِ المُحْدِثِ لِذَلِكَ المِيلِ الثّانِي ؟ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وأيْضًا فالمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الظُّلْمِ والقَسْوَةِ عُيُوبٌ ونُقْصاناتٌ، والعاقِلُ لا يَرْضى بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحْدِثَ هَذا المَيْلِ والرَّغْبَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أوْرَدَ الجُبّائِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، قالَ: فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ قَدْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِبَعْضِ عِبادِهِ مَعَ أنَّهُ بَغى ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ الرِّزْقُ وبَغى كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِ أنَّهُ يَبْغِي عَلى كُلِّ حالٍ، سَواءٌ أُعْطِي ذَلِكَ الرِّزْقَ أوْ لَمْ يُعْطَ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ فاسِدٌ، ويَدُلْ عَلَيْهِ القُرْآنُ
صفحة ١٤٧
والعَقْلُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦، ٧] حَكَمَ مُطْلَقًا بِأنَّ حُصُولَ الغِنى سَبَبٌ لِحُصُولِ الطُّغْيانِ. وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مائِلَةً إلى الشَّرِّ لَكِنَّها كانَتْ فاقِدَةً لِلْآلاتِ والأدَواتِ كانَ الشَّرُّ أقَلَّ، وإذا كانَتْ واجِدَةً لَها كانَ الشَّرُّ أكْثَرَ، فَثَبَتَ أنَّ وِجْدانَ المالِ يُوجِبُ الطُّغْيانَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ التَّوَسُّعُ مُوجِبًا لِلطُّغْيانِ، ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ سَوّى في الرِّزْقِ بَيْنَ الكُلِّ لامْتَنَعَ كَوْنُ البَعْضِ خادِمًا لِلْبَعْضِ، ولَوْ صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَخَرِبَ العالَمُ وتَعَطَّلَتِ المَصالِحُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالعَرَبِ، فَإنَّهُ كُلَّما اتَّسَعَ رِزْقُهم ووَجَدُوا مِنَ المَطَرِ ما يَرْوِيهِمْ ومِنَ الكَلَأِ والعُشْبِ ما يُشْبِعُهم أقْدَمُوا عَلى النَّهْبِ والغارَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ مُتَكَبِّرٌ بِالطَّبْعِ، فَإذا وجَدَ الغِنى والقُدْرَةَ عادَ إلى مُقْتَضى خِلْقَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وهو التَّكَبُّرُ، وإذا وقَعَ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ ومَكْرُوهٍ انْكَسَرَ، فَعادَ إلى الطّاعَةِ والتَّواضُعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الصُّفَّةِ، تَمَنَّوْا سَعَةَ الرِّزْقِ والغِنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ نَقُولُ: ”بِقَدَرٍ“ بِتَقْدِيرٍ، يُقالُ: قَدَرَهُ قَدْرًا وقَدَرًا ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ النّاسِ وبِطِباعِهِمْ وبِعَواقِبِ أُمُورِهِمْ فَيُقَدِّرُ أرْزاقَهم عَلى وفْقِ مَصالِحِهِمْ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُعْطِيهِمْ ما زادَ عَلى قَدْرِ حاجَتِهِمْ لِأجْلِ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ تَضُرُّهم في دِينِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم إذا احْتاجُوا إلى الرِّزْقِ فَإنَّهُ لا يَمْنَعُهم مِنهُ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿يُنَزِّلُ﴾ مُشَدَّدَةً، والباقُونَ مُخَفَّفَةً، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”قَنَطُوا“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وإنْزالُ الغَيْثِ بَعْدَ القُنُوطِ أدْعى إلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ بِحُصُولِ النِّعْمَةِ بَعْدَ البَلِيَّةِ أتَمُّ، فَكانَ إقْدامُ صاحِبِهِ عَلى الشُّكْرِ أكْثَرَ ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ بَرَكاتِ الغَيْثِ ومَنافِعَهُ وما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الخِصْبِ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قِيلَ لَهُ ”اشْتَدَّ القَحْطُ وقَنِطَ النّاسُ، فَقالَ: إذَنْ مُطِرُوا“ أرادَ هَذِهِ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رَحْمَتَهُ الواسِعَةَ في كُلِّ شَيْءٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ الَّتِي هي الغَيْثُ ويَنْشُرُ سائِرَ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾، ”الوَلِيُّ“ الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِإحْسانِهِ، و”الحَمِيدُ“ المَحْمُودُ عَلى ما يُوَصِّلُ لِلْخَلْقِ مِن أقْسامِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ آيَةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى إلَهِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ فَنَقُولُ: أمّا دَلالَةُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ فَقَدْ ذَكَرْناها، وكَذَلِكَ دَلالَةُ وُجُودِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ إطْلاقُ لَفْظِ الدّابَّةِ عَلى المَلائِكَةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُضافُ الفِعْلُ إلى جَماعَةٍ، وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم، يُقالُ بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٢] .
الثّانِي: أنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ، والمَلائِكَةُ لَهم حَرَكَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ في السَّماواتِ أنْواعًا مِنَ الحَيَواناتِ يَمْشُونَ مَشْيَ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”إذا“ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ كَما تَدْخُلُ عَلى الماضِي، قالَ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [اللَّيْلِ: ١] ومِنهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مُتَفَرِّقَةً، لا لِعَجْزٍ، ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي الجَمْعَ لِلْحَشْرِ
صفحة ١٤٨
والمُحاسَبَةِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى جَمْعِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَلى جَمْعِها، لِأجْلِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الجَمْعِ المُحاسَبَةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وهو عَلى جَمْعِ العُقَلاءِ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ بِأنْ قالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ تُفِيدُ ظَرْفَ الزَّمانِ، وكَلِمَةُ ”يَشاءُ“ صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ، فَلَوْ كانَتْ مَشِيئَتُهُ تَعالى قَدِيمَةً لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِها بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ فائِدَةٌ، ولَمّا دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ عَلِمْنا أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ.
والجَوابُ: أنَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ كَما دَخَلَتا عَلى المَشِيئَةِ، أيْ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَتا أيْضًا عَلى لَفْظِ ”القَدِيرِ“ فَلَزِمَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ قادِرًا صِفَةً مُحْدَثَةً، ولَمّا كانَ هَذا باطِلًا، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِما كَسَبَتْ“ بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشّامِ والمَدِينَةِ، والباقُونَ بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ، وتَقْدِيرُ الأوَّلِ أنَّ ”ما“ مُبْتَدَأٌ بِمَعْنى ”الَّذِي“، و”بِما كَسَبَتْ“ خَبَرُهُ، والمَعْنى: والَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، وتَقْدِيرُ الثّانِي تَضْمِينُ كَلِمَةِ ”ما“ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِهَذِهِ المَصائِبِ الأحْوالُ المَكْرُوهَةُ؛ نَحْوَ الآلامِ والأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ والصَّواعِقِ وأشْباهِها، واخْتَلَفُوا في نَحْوِ الآلامِ أنَّها هَلْ هي عُقُوباتٌ عَلى ذُنُوبٍ سَلَفَتْ أمْ لا ؟ مِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافِرٍ: ١٧] بَيَّنَ تَعالى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] أيْ يَوْمِ الجَزاءِ، وأطْبَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا يَشْتَرِكُ فِيها الزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ جَعْلُهُ مِن بابِ العُقُوبَةِ عَلى الذُّنُوبِ، بَلِ الِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ لِلصّالِحِينَ والمُتَّقِينَ أكْثَرُ مِنهُ لِلْمُذْنِبِينَ، ولِهَذا قالَ ﷺ: «خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» .
الثّالِثُ: أنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ جُعِلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتِ الدُّنْيا دارَ التَّكْلِيفِ ودارَ الجَزاءِ مَعًا، وهو مُحالٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ أجْزِيَةً عَلى الذُّنُوبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشُّورى: ٣٤] وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ كانَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وأجابَ الأوَّلُونَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ يَكُونُ مِن بابِ الِامْتِحانِ في التَّكْلِيفِ، لا مِن بابِ العُقُوبَةِ كَما في حَقِّ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ عَلى أنَّ الأصْلَحَ عِنْدَ إتْيانِكم بِذَلِكَ الكَسْبِ إنْزالُ هَذِهِ المَصائِبِ عَلَيْكم، وكَذا الجَوابُ عَنْ بَقِيَّةِ الدَّلائِلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّناسُخِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لا تَتَألَّمُ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُصُولَ المَصائِبِ لا يَكُونُ إلّا لِسابِقَةِ الجُرْمِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ التَّناسُخِ قالُوا: لَكِنَّ هَذِهِ المَصائِبَ حاصِلَةٌ لِلْأطْفالِ والبَهائِمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لَها ذُنُوبٌ في الزَّمانِ السّابِقِ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لَيْسَ لَها ألَمٌ، قالُوا: قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأطْفالَ والبَهائِمَ ما كانَتْ مَوْجُودَةً في بَدَنٍ آخَرَ لِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّها لا تَتَألَّمُ إذِ الألَمُ مُصِيبَةٌ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى
صفحة ١٤٩
: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ، فَلا يَدْخُلُ فِيهِ البَهائِمُ والأطْفالُ، ولَمْ يَقُلْ تَعالى: إنَّ جَمِيعَ ما يُصِيبُ الحَيَوانَ مِنَ المَكارِهِ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ سابِقٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ الكَسْبِ إلى اليَدِ، قالَ: والكَسْبُ لا يَكُونُ بِاليَدِ، بَلْ بِالقُدْرَةِ القائِمَةِ بِاليَدِ، وإذا كانَ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ هَهُنا القُدْرَةَ، وكانَ هَذا المَجازُ مَشْهُورًا مُسْتَعْمَلًا كانَ لَفْظُ اليَدِ الوارِدُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى القُدْرَةِ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ الكَثِيرَ مِن هَذِهِ التَّشْدِيداتِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: دَخَلْنا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الوَجَعِ الشَّدِيدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنّا لَنَغْتَمُّ لَكَ مِن بَعْضِ ما نَرى، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا، فَواللَّهِ إنَّ أحَبَّهُ إلى اللَّهِ أحَبُّهُ إلَيَّ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ فَهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ وسَيَأْتِينِي عَفْوُ رَبِّي، وقَدْ رَوى أبُو سَخْلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: «ما عَفا اللَّهُ عَنْهُ فَهو أعَزُّ وأكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وما عاقَبَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُعِيدَ العَذابَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ» رَواهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، وقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ:
صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ في الدُّنْيا، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا، وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُ فَلِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافِيَ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ ما أنْتُمْ مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، أيْ: لا تُعْجِزُونَنِي حَيْثُما كُنْتُمْ، فَلا تَسْبِقُونَنِي بِسَبَبِ هَرَبِكم في الأرْضِ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ والمُرادُ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، بَيَّنَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، والنَّصِيرُ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا جَرَمَ هو الَّذِي تَحْسُنُ عِبادَتُهُ.
الشورى 42:29
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ورَدَ عَلَيْهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ وفَقْرٍ ثُمَّ يَدْعُو فَلا يُشاهِدُ أثَرَ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الحالُ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؟ فَأجابَ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: ولَأقْدَمُوا عَلى المَعاصِي، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَحْذُورًا وجَبَ أنْ لا يُعْطِيَهم ما طَلَبُوهُ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ والبَغْيُ في الأرْضِ غَيْرُ مُرادٍ، فَإرادَةُ بَسْطِ الرِّزْقِ غَيْرُ حاصِلَةٍ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا إنَّهُ تَعالى يُرِيدُ البَغْيَ في الأرْضِ، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لَمْ يُرِدْ بَسْطَ الرِّزْقِ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ فَبِأنْ لا يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَفْسَدَةِ كانَ أوْلى، أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ المَيْلَ الشَّدِيدَ إلى البَغْيِ والقَسْوَةِ والقَهْرِ صِفَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، فَلا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ، وفاعِلُ هَذِهِ الأحْوالِ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ لَوْ مالَ طَبْعُهُ إلَيْها، فَيَعُودُ السُّؤالُ في أنَّهُ مَنِ المُحْدِثِ لِذَلِكَ المِيلِ الثّانِي ؟ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وأيْضًا فالمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الظُّلْمِ والقَسْوَةِ عُيُوبٌ ونُقْصاناتٌ، والعاقِلُ لا يَرْضى بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحْدِثَ هَذا المَيْلِ والرَّغْبَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أوْرَدَ الجُبّائِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، قالَ: فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ قَدْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِبَعْضِ عِبادِهِ مَعَ أنَّهُ بَغى ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ الرِّزْقُ وبَغى كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِ أنَّهُ يَبْغِي عَلى كُلِّ حالٍ، سَواءٌ أُعْطِي ذَلِكَ الرِّزْقَ أوْ لَمْ يُعْطَ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ فاسِدٌ، ويَدُلْ عَلَيْهِ القُرْآنُ
صفحة ١٤٧
والعَقْلُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦، ٧] حَكَمَ مُطْلَقًا بِأنَّ حُصُولَ الغِنى سَبَبٌ لِحُصُولِ الطُّغْيانِ. وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مائِلَةً إلى الشَّرِّ لَكِنَّها كانَتْ فاقِدَةً لِلْآلاتِ والأدَواتِ كانَ الشَّرُّ أقَلَّ، وإذا كانَتْ واجِدَةً لَها كانَ الشَّرُّ أكْثَرَ، فَثَبَتَ أنَّ وِجْدانَ المالِ يُوجِبُ الطُّغْيانَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ التَّوَسُّعُ مُوجِبًا لِلطُّغْيانِ، ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ سَوّى في الرِّزْقِ بَيْنَ الكُلِّ لامْتَنَعَ كَوْنُ البَعْضِ خادِمًا لِلْبَعْضِ، ولَوْ صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَخَرِبَ العالَمُ وتَعَطَّلَتِ المَصالِحُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالعَرَبِ، فَإنَّهُ كُلَّما اتَّسَعَ رِزْقُهم ووَجَدُوا مِنَ المَطَرِ ما يَرْوِيهِمْ ومِنَ الكَلَأِ والعُشْبِ ما يُشْبِعُهم أقْدَمُوا عَلى النَّهْبِ والغارَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ مُتَكَبِّرٌ بِالطَّبْعِ، فَإذا وجَدَ الغِنى والقُدْرَةَ عادَ إلى مُقْتَضى خِلْقَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وهو التَّكَبُّرُ، وإذا وقَعَ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ ومَكْرُوهٍ انْكَسَرَ، فَعادَ إلى الطّاعَةِ والتَّواضُعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الصُّفَّةِ، تَمَنَّوْا سَعَةَ الرِّزْقِ والغِنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ نَقُولُ: ”بِقَدَرٍ“ بِتَقْدِيرٍ، يُقالُ: قَدَرَهُ قَدْرًا وقَدَرًا ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ النّاسِ وبِطِباعِهِمْ وبِعَواقِبِ أُمُورِهِمْ فَيُقَدِّرُ أرْزاقَهم عَلى وفْقِ مَصالِحِهِمْ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُعْطِيهِمْ ما زادَ عَلى قَدْرِ حاجَتِهِمْ لِأجْلِ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ تَضُرُّهم في دِينِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم إذا احْتاجُوا إلى الرِّزْقِ فَإنَّهُ لا يَمْنَعُهم مِنهُ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿يُنَزِّلُ﴾ مُشَدَّدَةً، والباقُونَ مُخَفَّفَةً، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”قَنَطُوا“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وإنْزالُ الغَيْثِ بَعْدَ القُنُوطِ أدْعى إلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ بِحُصُولِ النِّعْمَةِ بَعْدَ البَلِيَّةِ أتَمُّ، فَكانَ إقْدامُ صاحِبِهِ عَلى الشُّكْرِ أكْثَرَ ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ بَرَكاتِ الغَيْثِ ومَنافِعَهُ وما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الخِصْبِ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قِيلَ لَهُ ”اشْتَدَّ القَحْطُ وقَنِطَ النّاسُ، فَقالَ: إذَنْ مُطِرُوا“ أرادَ هَذِهِ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رَحْمَتَهُ الواسِعَةَ في كُلِّ شَيْءٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ الَّتِي هي الغَيْثُ ويَنْشُرُ سائِرَ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾، ”الوَلِيُّ“ الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِإحْسانِهِ، و”الحَمِيدُ“ المَحْمُودُ عَلى ما يُوَصِّلُ لِلْخَلْقِ مِن أقْسامِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ آيَةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى إلَهِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ فَنَقُولُ: أمّا دَلالَةُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ فَقَدْ ذَكَرْناها، وكَذَلِكَ دَلالَةُ وُجُودِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ إطْلاقُ لَفْظِ الدّابَّةِ عَلى المَلائِكَةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُضافُ الفِعْلُ إلى جَماعَةٍ، وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم، يُقالُ بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٢] .
الثّانِي: أنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ، والمَلائِكَةُ لَهم حَرَكَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ في السَّماواتِ أنْواعًا مِنَ الحَيَواناتِ يَمْشُونَ مَشْيَ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”إذا“ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ كَما تَدْخُلُ عَلى الماضِي، قالَ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [اللَّيْلِ: ١] ومِنهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مُتَفَرِّقَةً، لا لِعَجْزٍ، ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي الجَمْعَ لِلْحَشْرِ
صفحة ١٤٨
والمُحاسَبَةِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى جَمْعِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَلى جَمْعِها، لِأجْلِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الجَمْعِ المُحاسَبَةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وهو عَلى جَمْعِ العُقَلاءِ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ بِأنْ قالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ تُفِيدُ ظَرْفَ الزَّمانِ، وكَلِمَةُ ”يَشاءُ“ صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ، فَلَوْ كانَتْ مَشِيئَتُهُ تَعالى قَدِيمَةً لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِها بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ فائِدَةٌ، ولَمّا دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ عَلِمْنا أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ.
والجَوابُ: أنَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ كَما دَخَلَتا عَلى المَشِيئَةِ، أيْ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَتا أيْضًا عَلى لَفْظِ ”القَدِيرِ“ فَلَزِمَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ قادِرًا صِفَةً مُحْدَثَةً، ولَمّا كانَ هَذا باطِلًا، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِما كَسَبَتْ“ بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشّامِ والمَدِينَةِ، والباقُونَ بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ، وتَقْدِيرُ الأوَّلِ أنَّ ”ما“ مُبْتَدَأٌ بِمَعْنى ”الَّذِي“، و”بِما كَسَبَتْ“ خَبَرُهُ، والمَعْنى: والَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، وتَقْدِيرُ الثّانِي تَضْمِينُ كَلِمَةِ ”ما“ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِهَذِهِ المَصائِبِ الأحْوالُ المَكْرُوهَةُ؛ نَحْوَ الآلامِ والأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ والصَّواعِقِ وأشْباهِها، واخْتَلَفُوا في نَحْوِ الآلامِ أنَّها هَلْ هي عُقُوباتٌ عَلى ذُنُوبٍ سَلَفَتْ أمْ لا ؟ مِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافِرٍ: ١٧] بَيَّنَ تَعالى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] أيْ يَوْمِ الجَزاءِ، وأطْبَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا يَشْتَرِكُ فِيها الزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ جَعْلُهُ مِن بابِ العُقُوبَةِ عَلى الذُّنُوبِ، بَلِ الِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ لِلصّالِحِينَ والمُتَّقِينَ أكْثَرُ مِنهُ لِلْمُذْنِبِينَ، ولِهَذا قالَ ﷺ: «خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» .
الثّالِثُ: أنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ جُعِلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتِ الدُّنْيا دارَ التَّكْلِيفِ ودارَ الجَزاءِ مَعًا، وهو مُحالٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ أجْزِيَةً عَلى الذُّنُوبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشُّورى: ٣٤] وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ كانَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وأجابَ الأوَّلُونَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ يَكُونُ مِن بابِ الِامْتِحانِ في التَّكْلِيفِ، لا مِن بابِ العُقُوبَةِ كَما في حَقِّ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ عَلى أنَّ الأصْلَحَ عِنْدَ إتْيانِكم بِذَلِكَ الكَسْبِ إنْزالُ هَذِهِ المَصائِبِ عَلَيْكم، وكَذا الجَوابُ عَنْ بَقِيَّةِ الدَّلائِلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّناسُخِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لا تَتَألَّمُ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُصُولَ المَصائِبِ لا يَكُونُ إلّا لِسابِقَةِ الجُرْمِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ التَّناسُخِ قالُوا: لَكِنَّ هَذِهِ المَصائِبَ حاصِلَةٌ لِلْأطْفالِ والبَهائِمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لَها ذُنُوبٌ في الزَّمانِ السّابِقِ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لَيْسَ لَها ألَمٌ، قالُوا: قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأطْفالَ والبَهائِمَ ما كانَتْ مَوْجُودَةً في بَدَنٍ آخَرَ لِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّها لا تَتَألَّمُ إذِ الألَمُ مُصِيبَةٌ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى
صفحة ١٤٩
: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ، فَلا يَدْخُلُ فِيهِ البَهائِمُ والأطْفالُ، ولَمْ يَقُلْ تَعالى: إنَّ جَمِيعَ ما يُصِيبُ الحَيَوانَ مِنَ المَكارِهِ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ سابِقٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ الكَسْبِ إلى اليَدِ، قالَ: والكَسْبُ لا يَكُونُ بِاليَدِ، بَلْ بِالقُدْرَةِ القائِمَةِ بِاليَدِ، وإذا كانَ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ هَهُنا القُدْرَةَ، وكانَ هَذا المَجازُ مَشْهُورًا مُسْتَعْمَلًا كانَ لَفْظُ اليَدِ الوارِدُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى القُدْرَةِ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ الكَثِيرَ مِن هَذِهِ التَّشْدِيداتِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: دَخَلْنا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الوَجَعِ الشَّدِيدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنّا لَنَغْتَمُّ لَكَ مِن بَعْضِ ما نَرى، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا، فَواللَّهِ إنَّ أحَبَّهُ إلى اللَّهِ أحَبُّهُ إلَيَّ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ فَهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ وسَيَأْتِينِي عَفْوُ رَبِّي، وقَدْ رَوى أبُو سَخْلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: «ما عَفا اللَّهُ عَنْهُ فَهو أعَزُّ وأكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وما عاقَبَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُعِيدَ العَذابَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ» رَواهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، وقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ:
صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ في الدُّنْيا، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا، وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُ فَلِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافِيَ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ ما أنْتُمْ مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، أيْ: لا تُعْجِزُونَنِي حَيْثُما كُنْتُمْ، فَلا تَسْبِقُونَنِي بِسَبَبِ هَرَبِكم في الأرْضِ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ والمُرادُ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، بَيَّنَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، والنَّصِيرُ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا جَرَمَ هو الَّذِي تَحْسُنُ عِبادَتُهُ.
الشورى 42:30
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ورَدَ عَلَيْهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ وفَقْرٍ ثُمَّ يَدْعُو فَلا يُشاهِدُ أثَرَ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الحالُ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؟ فَأجابَ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: ولَأقْدَمُوا عَلى المَعاصِي، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَحْذُورًا وجَبَ أنْ لا يُعْطِيَهم ما طَلَبُوهُ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ والبَغْيُ في الأرْضِ غَيْرُ مُرادٍ، فَإرادَةُ بَسْطِ الرِّزْقِ غَيْرُ حاصِلَةٍ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا إنَّهُ تَعالى يُرِيدُ البَغْيَ في الأرْضِ، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لَمْ يُرِدْ بَسْطَ الرِّزْقِ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ فَبِأنْ لا يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَفْسَدَةِ كانَ أوْلى، أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ المَيْلَ الشَّدِيدَ إلى البَغْيِ والقَسْوَةِ والقَهْرِ صِفَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، فَلا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ، وفاعِلُ هَذِهِ الأحْوالِ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ لَوْ مالَ طَبْعُهُ إلَيْها، فَيَعُودُ السُّؤالُ في أنَّهُ مَنِ المُحْدِثِ لِذَلِكَ المِيلِ الثّانِي ؟ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وأيْضًا فالمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الظُّلْمِ والقَسْوَةِ عُيُوبٌ ونُقْصاناتٌ، والعاقِلُ لا يَرْضى بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحْدِثَ هَذا المَيْلِ والرَّغْبَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أوْرَدَ الجُبّائِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، قالَ: فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ قَدْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِبَعْضِ عِبادِهِ مَعَ أنَّهُ بَغى ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ الرِّزْقُ وبَغى كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِ أنَّهُ يَبْغِي عَلى كُلِّ حالٍ، سَواءٌ أُعْطِي ذَلِكَ الرِّزْقَ أوْ لَمْ يُعْطَ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ فاسِدٌ، ويَدُلْ عَلَيْهِ القُرْآنُ
صفحة ١٤٧
والعَقْلُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦، ٧] حَكَمَ مُطْلَقًا بِأنَّ حُصُولَ الغِنى سَبَبٌ لِحُصُولِ الطُّغْيانِ. وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مائِلَةً إلى الشَّرِّ لَكِنَّها كانَتْ فاقِدَةً لِلْآلاتِ والأدَواتِ كانَ الشَّرُّ أقَلَّ، وإذا كانَتْ واجِدَةً لَها كانَ الشَّرُّ أكْثَرَ، فَثَبَتَ أنَّ وِجْدانَ المالِ يُوجِبُ الطُّغْيانَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ التَّوَسُّعُ مُوجِبًا لِلطُّغْيانِ، ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ سَوّى في الرِّزْقِ بَيْنَ الكُلِّ لامْتَنَعَ كَوْنُ البَعْضِ خادِمًا لِلْبَعْضِ، ولَوْ صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَخَرِبَ العالَمُ وتَعَطَّلَتِ المَصالِحُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالعَرَبِ، فَإنَّهُ كُلَّما اتَّسَعَ رِزْقُهم ووَجَدُوا مِنَ المَطَرِ ما يَرْوِيهِمْ ومِنَ الكَلَأِ والعُشْبِ ما يُشْبِعُهم أقْدَمُوا عَلى النَّهْبِ والغارَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ مُتَكَبِّرٌ بِالطَّبْعِ، فَإذا وجَدَ الغِنى والقُدْرَةَ عادَ إلى مُقْتَضى خِلْقَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وهو التَّكَبُّرُ، وإذا وقَعَ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ ومَكْرُوهٍ انْكَسَرَ، فَعادَ إلى الطّاعَةِ والتَّواضُعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الصُّفَّةِ، تَمَنَّوْا سَعَةَ الرِّزْقِ والغِنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ نَقُولُ: ”بِقَدَرٍ“ بِتَقْدِيرٍ، يُقالُ: قَدَرَهُ قَدْرًا وقَدَرًا ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ النّاسِ وبِطِباعِهِمْ وبِعَواقِبِ أُمُورِهِمْ فَيُقَدِّرُ أرْزاقَهم عَلى وفْقِ مَصالِحِهِمْ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُعْطِيهِمْ ما زادَ عَلى قَدْرِ حاجَتِهِمْ لِأجْلِ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ تَضُرُّهم في دِينِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم إذا احْتاجُوا إلى الرِّزْقِ فَإنَّهُ لا يَمْنَعُهم مِنهُ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿يُنَزِّلُ﴾ مُشَدَّدَةً، والباقُونَ مُخَفَّفَةً، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”قَنَطُوا“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وإنْزالُ الغَيْثِ بَعْدَ القُنُوطِ أدْعى إلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ بِحُصُولِ النِّعْمَةِ بَعْدَ البَلِيَّةِ أتَمُّ، فَكانَ إقْدامُ صاحِبِهِ عَلى الشُّكْرِ أكْثَرَ ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ بَرَكاتِ الغَيْثِ ومَنافِعَهُ وما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الخِصْبِ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قِيلَ لَهُ ”اشْتَدَّ القَحْطُ وقَنِطَ النّاسُ، فَقالَ: إذَنْ مُطِرُوا“ أرادَ هَذِهِ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رَحْمَتَهُ الواسِعَةَ في كُلِّ شَيْءٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ الَّتِي هي الغَيْثُ ويَنْشُرُ سائِرَ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾، ”الوَلِيُّ“ الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِإحْسانِهِ، و”الحَمِيدُ“ المَحْمُودُ عَلى ما يُوَصِّلُ لِلْخَلْقِ مِن أقْسامِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ آيَةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى إلَهِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ فَنَقُولُ: أمّا دَلالَةُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ فَقَدْ ذَكَرْناها، وكَذَلِكَ دَلالَةُ وُجُودِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ إطْلاقُ لَفْظِ الدّابَّةِ عَلى المَلائِكَةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُضافُ الفِعْلُ إلى جَماعَةٍ، وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم، يُقالُ بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٢] .
الثّانِي: أنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ، والمَلائِكَةُ لَهم حَرَكَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ في السَّماواتِ أنْواعًا مِنَ الحَيَواناتِ يَمْشُونَ مَشْيَ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”إذا“ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ كَما تَدْخُلُ عَلى الماضِي، قالَ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [اللَّيْلِ: ١] ومِنهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مُتَفَرِّقَةً، لا لِعَجْزٍ، ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي الجَمْعَ لِلْحَشْرِ
صفحة ١٤٨
والمُحاسَبَةِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى جَمْعِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَلى جَمْعِها، لِأجْلِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الجَمْعِ المُحاسَبَةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وهو عَلى جَمْعِ العُقَلاءِ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ بِأنْ قالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ تُفِيدُ ظَرْفَ الزَّمانِ، وكَلِمَةُ ”يَشاءُ“ صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ، فَلَوْ كانَتْ مَشِيئَتُهُ تَعالى قَدِيمَةً لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِها بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ فائِدَةٌ، ولَمّا دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ عَلِمْنا أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ.
والجَوابُ: أنَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ كَما دَخَلَتا عَلى المَشِيئَةِ، أيْ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَتا أيْضًا عَلى لَفْظِ ”القَدِيرِ“ فَلَزِمَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ قادِرًا صِفَةً مُحْدَثَةً، ولَمّا كانَ هَذا باطِلًا، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِما كَسَبَتْ“ بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشّامِ والمَدِينَةِ، والباقُونَ بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ، وتَقْدِيرُ الأوَّلِ أنَّ ”ما“ مُبْتَدَأٌ بِمَعْنى ”الَّذِي“، و”بِما كَسَبَتْ“ خَبَرُهُ، والمَعْنى: والَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، وتَقْدِيرُ الثّانِي تَضْمِينُ كَلِمَةِ ”ما“ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِهَذِهِ المَصائِبِ الأحْوالُ المَكْرُوهَةُ؛ نَحْوَ الآلامِ والأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ والصَّواعِقِ وأشْباهِها، واخْتَلَفُوا في نَحْوِ الآلامِ أنَّها هَلْ هي عُقُوباتٌ عَلى ذُنُوبٍ سَلَفَتْ أمْ لا ؟ مِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافِرٍ: ١٧] بَيَّنَ تَعالى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] أيْ يَوْمِ الجَزاءِ، وأطْبَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا يَشْتَرِكُ فِيها الزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ جَعْلُهُ مِن بابِ العُقُوبَةِ عَلى الذُّنُوبِ، بَلِ الِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ لِلصّالِحِينَ والمُتَّقِينَ أكْثَرُ مِنهُ لِلْمُذْنِبِينَ، ولِهَذا قالَ ﷺ: «خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» .
الثّالِثُ: أنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ جُعِلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتِ الدُّنْيا دارَ التَّكْلِيفِ ودارَ الجَزاءِ مَعًا، وهو مُحالٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ أجْزِيَةً عَلى الذُّنُوبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشُّورى: ٣٤] وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ كانَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وأجابَ الأوَّلُونَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ يَكُونُ مِن بابِ الِامْتِحانِ في التَّكْلِيفِ، لا مِن بابِ العُقُوبَةِ كَما في حَقِّ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ عَلى أنَّ الأصْلَحَ عِنْدَ إتْيانِكم بِذَلِكَ الكَسْبِ إنْزالُ هَذِهِ المَصائِبِ عَلَيْكم، وكَذا الجَوابُ عَنْ بَقِيَّةِ الدَّلائِلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّناسُخِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لا تَتَألَّمُ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُصُولَ المَصائِبِ لا يَكُونُ إلّا لِسابِقَةِ الجُرْمِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ التَّناسُخِ قالُوا: لَكِنَّ هَذِهِ المَصائِبَ حاصِلَةٌ لِلْأطْفالِ والبَهائِمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لَها ذُنُوبٌ في الزَّمانِ السّابِقِ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لَيْسَ لَها ألَمٌ، قالُوا: قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأطْفالَ والبَهائِمَ ما كانَتْ مَوْجُودَةً في بَدَنٍ آخَرَ لِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّها لا تَتَألَّمُ إذِ الألَمُ مُصِيبَةٌ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى
صفحة ١٤٩
: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ، فَلا يَدْخُلُ فِيهِ البَهائِمُ والأطْفالُ، ولَمْ يَقُلْ تَعالى: إنَّ جَمِيعَ ما يُصِيبُ الحَيَوانَ مِنَ المَكارِهِ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ سابِقٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ الكَسْبِ إلى اليَدِ، قالَ: والكَسْبُ لا يَكُونُ بِاليَدِ، بَلْ بِالقُدْرَةِ القائِمَةِ بِاليَدِ، وإذا كانَ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ هَهُنا القُدْرَةَ، وكانَ هَذا المَجازُ مَشْهُورًا مُسْتَعْمَلًا كانَ لَفْظُ اليَدِ الوارِدُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى القُدْرَةِ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ الكَثِيرَ مِن هَذِهِ التَّشْدِيداتِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: دَخَلْنا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الوَجَعِ الشَّدِيدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنّا لَنَغْتَمُّ لَكَ مِن بَعْضِ ما نَرى، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا، فَواللَّهِ إنَّ أحَبَّهُ إلى اللَّهِ أحَبُّهُ إلَيَّ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ فَهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ وسَيَأْتِينِي عَفْوُ رَبِّي، وقَدْ رَوى أبُو سَخْلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: «ما عَفا اللَّهُ عَنْهُ فَهو أعَزُّ وأكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وما عاقَبَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُعِيدَ العَذابَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ» رَواهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، وقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ:
صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ في الدُّنْيا، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا، وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُ فَلِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافِيَ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ ما أنْتُمْ مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، أيْ: لا تُعْجِزُونَنِي حَيْثُما كُنْتُمْ، فَلا تَسْبِقُونَنِي بِسَبَبِ هَرَبِكم في الأرْضِ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ والمُرادُ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، بَيَّنَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، والنَّصِيرُ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا جَرَمَ هو الَّذِي تَحْسُنُ عِبادَتُهُ.
الشورى 42:31
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ ورَدَ عَلَيْهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ وفَقْرٍ ثُمَّ يَدْعُو فَلا يُشاهِدُ أثَرَ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الحالُ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؟ فَأجابَ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: ولَأقْدَمُوا عَلى المَعاصِي، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَحْذُورًا وجَبَ أنْ لا يُعْطِيَهم ما طَلَبُوهُ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ والبَغْيُ في الأرْضِ غَيْرُ مُرادٍ، فَإرادَةُ بَسْطِ الرِّزْقِ غَيْرُ حاصِلَةٍ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ إذا قُلْنا إنَّهُ تَعالى يُرِيدُ البَغْيَ في الأرْضِ، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ قَوْلِ المُجْبِرَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لَمْ يُرِدْ بَسْطَ الرِّزْقِ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ ما يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ فَبِأنْ لا يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَفْسَدَةِ كانَ أوْلى، أجابَ أصْحابُنا بِأنَّ المَيْلَ الشَّدِيدَ إلى البَغْيِ والقَسْوَةِ والقَهْرِ صِفَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، فَلا بُدَّ لَها مِن فاعِلٍ، وفاعِلُ هَذِهِ الأحْوالِ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ لَوْ مالَ طَبْعُهُ إلَيْها، فَيَعُودُ السُّؤالُ في أنَّهُ مَنِ المُحْدِثِ لِذَلِكَ المِيلِ الثّانِي ؟ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وأيْضًا فالمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الظُّلْمِ والقَسْوَةِ عُيُوبٌ ونُقْصاناتٌ، والعاقِلُ لا يَرْضى بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ النُّقْصانِ لِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحْدِثَ هَذا المَيْلِ والرَّغْبَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ أوْرَدَ الجُبّائِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَلى نَفْسِهِ سُؤالًا، قالَ: فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ قَدْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِبَعْضِ عِبادِهِ مَعَ أنَّهُ بَغى ؟ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ الَّذِي عِنْدَهُ الرِّزْقُ وبَغى كانَ المَعْلُومُ مِن حالِهِ أنَّهُ يَبْغِي عَلى كُلِّ حالٍ، سَواءٌ أُعْطِي ذَلِكَ الرِّزْقَ أوْ لَمْ يُعْطَ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ فاسِدٌ، ويَدُلْ عَلَيْهِ القُرْآنُ
صفحة ١٤٧
والعَقْلُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العَلَقِ: ٦، ٧] حَكَمَ مُطْلَقًا بِأنَّ حُصُولَ الغِنى سَبَبٌ لِحُصُولِ الطُّغْيانِ. وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مائِلَةً إلى الشَّرِّ لَكِنَّها كانَتْ فاقِدَةً لِلْآلاتِ والأدَواتِ كانَ الشَّرُّ أقَلَّ، وإذا كانَتْ واجِدَةً لَها كانَ الشَّرُّ أكْثَرَ، فَثَبَتَ أنَّ وِجْدانَ المالِ يُوجِبُ الطُّغْيانَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ التَّوَسُّعُ مُوجِبًا لِلطُّغْيانِ، ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ سَوّى في الرِّزْقِ بَيْنَ الكُلِّ لامْتَنَعَ كَوْنُ البَعْضِ خادِمًا لِلْبَعْضِ، ولَوْ صارَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَخَرِبَ العالَمُ وتَعَطَّلَتِ المَصالِحُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالعَرَبِ، فَإنَّهُ كُلَّما اتَّسَعَ رِزْقُهم ووَجَدُوا مِنَ المَطَرِ ما يَرْوِيهِمْ ومِنَ الكَلَأِ والعُشْبِ ما يُشْبِعُهم أقْدَمُوا عَلى النَّهْبِ والغارَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ مُتَكَبِّرٌ بِالطَّبْعِ، فَإذا وجَدَ الغِنى والقُدْرَةَ عادَ إلى مُقْتَضى خِلْقَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وهو التَّكَبُّرُ، وإذا وقَعَ في شِدَّةٍ وبَلِيَّةٍ ومَكْرُوهٍ انْكَسَرَ، فَعادَ إلى الطّاعَةِ والتَّواضُعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الصُّفَّةِ، تَمَنَّوْا سَعَةَ الرِّزْقِ والغِنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”يُنْزِلُ“ خَفِيفَةً، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، ثُمَّ نَقُولُ: ”بِقَدَرٍ“ بِتَقْدِيرٍ، يُقالُ: قَدَرَهُ قَدْرًا وقَدَرًا ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِ النّاسِ وبِطِباعِهِمْ وبِعَواقِبِ أُمُورِهِمْ فَيُقَدِّرُ أرْزاقَهم عَلى وفْقِ مَصالِحِهِمْ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يُعْطِيهِمْ ما زادَ عَلى قَدْرِ حاجَتِهِمْ لِأجْلِ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ تَضُرُّهم في دِينِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم إذا احْتاجُوا إلى الرِّزْقِ فَإنَّهُ لا يَمْنَعُهم مِنهُ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ﴿يُنَزِّلُ﴾ مُشَدَّدَةً، والباقُونَ مُخَفَّفَةً، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”قَنَطُوا“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وإنْزالُ الغَيْثِ بَعْدَ القُنُوطِ أدْعى إلى الشُّكْرِ؛ لِأنَّ الفَرَحَ بِحُصُولِ النِّعْمَةِ بَعْدَ البَلِيَّةِ أتَمُّ، فَكانَ إقْدامُ صاحِبِهِ عَلى الشُّكْرِ أكْثَرَ ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ بَرَكاتِ الغَيْثِ ومَنافِعَهُ وما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الخِصْبِ، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قِيلَ لَهُ ”اشْتَدَّ القَحْطُ وقَنِطَ النّاسُ، فَقالَ: إذَنْ مُطِرُوا“ أرادَ هَذِهِ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رَحْمَتَهُ الواسِعَةَ في كُلِّ شَيْءٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ الَّتِي هي الغَيْثُ ويَنْشُرُ سائِرَ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾، ”الوَلِيُّ“ الَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِإحْسانِهِ، و”الحَمِيدُ“ المَحْمُودُ عَلى ما يُوَصِّلُ لِلْخَلْقِ مِن أقْسامِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ آيَةً أُخْرى تَدُلُّ عَلى إلَهِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ فَنَقُولُ: أمّا دَلالَةُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ فَقَدْ ذَكَرْناها، وكَذَلِكَ دَلالَةُ وُجُودِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ إطْلاقُ لَفْظِ الدّابَّةِ عَلى المَلائِكَةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُضافُ الفِعْلُ إلى جَماعَةٍ، وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم، يُقالُ بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ واحِدٌ مِنهم، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٢] .
الثّانِي: أنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ، والمَلائِكَةُ لَهم حَرَكَةٌ.
الثّالِثُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ في السَّماواتِ أنْواعًا مِنَ الحَيَواناتِ يَمْشُونَ مَشْيَ الأناسِيِّ عَلى الأرْضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”إذا“ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ كَما تَدْخُلُ عَلى الماضِي، قالَ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [اللَّيْلِ: ١] ومِنهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مُتَفَرِّقَةً، لا لِعَجْزٍ، ولَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي الجَمْعَ لِلْحَشْرِ
صفحة ١٤٨
والمُحاسَبَةِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى جَمْعِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: عَلى جَمْعِها، لِأجْلِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الجَمْعِ المُحاسَبَةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: وهو عَلى جَمْعِ العُقَلاءِ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ بِأنْ قالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ تُفِيدُ ظَرْفَ الزَّمانِ، وكَلِمَةُ ”يَشاءُ“ صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ، فَلَوْ كانَتْ مَشِيئَتُهُ تَعالى قَدِيمَةً لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِها بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ فائِدَةٌ، ولَمّا دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ عَلِمْنا أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى مُحْدَثَةٌ.
والجَوابُ: أنَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ كَما دَخَلَتا عَلى المَشِيئَةِ، أيْ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَتا أيْضًا عَلى لَفْظِ ”القَدِيرِ“ فَلَزِمَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ قادِرًا صِفَةً مُحْدَثَةً، ولَمّا كانَ هَذا باطِلًا، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”بِما كَسَبَتْ“ بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الشّامِ والمَدِينَةِ، والباقُونَ بِالفاءِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ، وتَقْدِيرُ الأوَّلِ أنَّ ”ما“ مُبْتَدَأٌ بِمَعْنى ”الَّذِي“، و”بِما كَسَبَتْ“ خَبَرُهُ، والمَعْنى: والَّذِي أصابَكم وقَعَ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم، وتَقْدِيرُ الثّانِي تَضْمِينُ كَلِمَةِ ”ما“ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِهَذِهِ المَصائِبِ الأحْوالُ المَكْرُوهَةُ؛ نَحْوَ الآلامِ والأسْقامِ والقَحْطِ والغَرَقِ والصَّواعِقِ وأشْباهِها، واخْتَلَفُوا في نَحْوِ الآلامِ أنَّها هَلْ هي عُقُوباتٌ عَلى ذُنُوبٍ سَلَفَتْ أمْ لا ؟ مِنهم مَن أنْكَرَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافِرٍ: ١٧] بَيَّنَ تَعالى أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ في يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] أيْ يَوْمِ الجَزاءِ، وأطْبَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ يَوْمُ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّ مَصائِبَ الدُّنْيا يَشْتَرِكُ فِيها الزِّنْدِيقُ والصِّدِّيقُ، وما يَكُونُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ جَعْلُهُ مِن بابِ العُقُوبَةِ عَلى الذُّنُوبِ، بَلِ الِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ لِلصّالِحِينَ والمُتَّقِينَ أكْثَرُ مِنهُ لِلْمُذْنِبِينَ، ولِهَذا قالَ ﷺ: «خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» .
الثّالِثُ: أنَّ الدُّنْيا دارُ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ جُعِلَ الجَزاءُ فِيها لَكانَتِ الدُّنْيا دارَ التَّكْلِيفِ ودارَ الجَزاءِ مَعًا، وهو مُحالٌ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ أجْزِيَةً عَلى الذُّنُوبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] وتَمَسَّكُوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشُّورى: ٣٤] وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ كانَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وأجابَ الأوَّلُونَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: إنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَصائِبِ يَكُونُ مِن بابِ الِامْتِحانِ في التَّكْلِيفِ، لا مِن بابِ العُقُوبَةِ كَما في حَقِّ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ عَلى أنَّ الأصْلَحَ عِنْدَ إتْيانِكم بِذَلِكَ الكَسْبِ إنْزالُ هَذِهِ المَصائِبِ عَلَيْكم، وكَذا الجَوابُ عَنْ بَقِيَّةِ الدَّلائِلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّناسُخِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لا تَتَألَّمُ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ حُصُولَ المَصائِبِ لا يَكُونُ إلّا لِسابِقَةِ الجُرْمِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ التَّناسُخِ قالُوا: لَكِنَّ هَذِهِ المَصائِبَ حاصِلَةٌ لِلْأطْفالِ والبَهائِمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ لَها ذُنُوبٌ في الزَّمانِ السّابِقِ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ الأطْفالَ والبَهائِمَ لَيْسَ لَها ألَمٌ، قالُوا: قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأطْفالَ والبَهائِمَ ما كانَتْ مَوْجُودَةً في بَدَنٍ آخَرَ لِفَسادِ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّها لا تَتَألَّمُ إذِ الألَمُ مُصِيبَةٌ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى
صفحة ١٤٩
: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن يَفْهَمُ ويَعْقِلُ، فَلا يَدْخُلُ فِيهِ البَهائِمُ والأطْفالُ، ولَمْ يَقُلْ تَعالى: إنَّ جَمِيعَ ما يُصِيبُ الحَيَوانَ مِنَ المَكارِهِ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ سابِقٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي إضافَةَ الكَسْبِ إلى اليَدِ، قالَ: والكَسْبُ لا يَكُونُ بِاليَدِ، بَلْ بِالقُدْرَةِ القائِمَةِ بِاليَدِ، وإذا كانَ المُرادُ مِن لَفْظِ اليَدِ هَهُنا القُدْرَةَ، وكانَ هَذا المَجازُ مَشْهُورًا مُسْتَعْمَلًا كانَ لَفْظُ اليَدِ الوارِدُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى القُدْرَةِ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعالى عَنِ الأعْضاءِ والأجْزاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ يَتْرُكُ الكَثِيرَ مِن هَذِهِ التَّشْدِيداتِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَنِ الحَسَنِ قالَ: دَخَلْنا عَلى عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في الوَجَعِ الشَّدِيدِ، فَقِيلَ لَهُ: إنّا لَنَغْتَمُّ لَكَ مِن بَعْضِ ما نَرى، فَقالَ: لا تَفْعَلُوا، فَواللَّهِ إنَّ أحَبَّهُ إلى اللَّهِ أحَبُّهُ إلَيَّ، وقَرَأ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ فَهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ وسَيَأْتِينِي عَفْوُ رَبِّي، وقَدْ رَوى أبُو سَخْلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: «ما عَفا اللَّهُ عَنْهُ فَهو أعَزُّ وأكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، وما عاقَبَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُعِيدَ العَذابَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ» رَواهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، وقالَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ:
صِنْفٌ كَفَّرَهُ عَنْهم بِالمَصائِبِ في الدُّنْيا، وصِنْفٌ عَفا عَنْهُ في الدُّنْيا، وهو كَرِيمٌ لا يَرْجِعُ في عَفْوِهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وأمّا الكافِرُ فَلِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ حَتّى يُوافِيَ رَبَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ ما أنْتُمْ مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، أيْ: لا تُعْجِزُونَنِي حَيْثُما كُنْتُمْ، فَلا تَسْبِقُونَنِي بِسَبَبِ هَرَبِكم في الأرْضِ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ والمُرادُ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، بَيَّنَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، والنَّصِيرُ هو اللَّهُ تَعالى، فَلا جَرَمَ هو الَّذِي تَحْسُنُ عِبادَتُهُ.
الشورى 42:32
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.
والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ
صفحة ١٥١
فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وسَمّاهُ مَتاعًا تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ، ولِأنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ سَرِيعَ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والمَعْنى أنَّ مَطالِبَ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، ونَبَّهَ عَلى خَساسَتِها بِتَسْمِيَتِها بِالمَتاعِ، ونَبَّهَ عَلى انْقِراضِها بِأنْ جَعَلَها مِنَ الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَإنَّها خَيْرٌ وأبْقى، وصَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الخَيْرِ الباقِي عَلى الخَسِيسِ الفانِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ، فَهو مُتَّكِلٌ عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ لا عَلى اللَّهِ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَبِيرُ الإثْمِ هو الشِّرْكُ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ شَرْطَ الإيمانِ مَذْكُورٌ أوَّلًا، وهو يُغْنِي عَنْ عَدَمِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ، وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وبِقَوْلِهِ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وإنَّما خَصَّ الغَضَبَ بِلَفْظِ الغُفْرانِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ عَلى طَبْعِ النّارِ، واسْتِيلاؤُهُ شَدِيدٌ ومُقاوَمَتُهُ صَعْبَةٌ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ بِهَذا اللَّفْظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَمامُ الِانْقِيادِ، فَإنْ قالُوا ألَيْسَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ١٥٢
جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ في الإيمانِ إجابَةُ اللَّهِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى الرِّضاءِ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن صَمِيمِ القَلْبِ، وأنْ لا يَكُونَ في قَلْبِهِ مُنازَعَةٌ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ قالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، لِأنَّ هَذا هو الشَّرْطُ في حُصُولِ الثَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ فَقِيلَ: كانَ إذا وقَعَتْ بَيْنَهم واقِعَةٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ، بَلْ ما لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ، والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا، بِمَعْنى التَّشاوُرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ والمَعْنى أنْ يَقْتَصِرُوا في الِانْتِصارِ عَلى ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم ولا يَتَعَدَّوْنَهُ، وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَهُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الضِّدِّ لَهُ، وهو قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ؟
الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَفْوَ أحْسَنُ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] فَهَذِهِ الآياتُ تُناقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: أنَّ العَفْوَ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العَفْوُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الفِتْنَةِ وجِنايَةِ الجانِي ورُجُوعِهِ عَنْ جِنايَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَصِيرَ العَفْوُ سَبَبًا لِمَزِيدِ جَراءَةِ الجانِي ولِقُوَّةِ غَيْظِهِ وغَضَبِهِ.
الآياتُ في العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّناقُضُ واللَّهُ أعْلَمُ، ألا تَرى أنَّ العَفْوَ عَنِ المُصِرِّ يَكُونُ كالإغْراءِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ عَبْدَهَ فَجَرَ بِجارِيَتِهِ وهو مُصِرٌّ، فَلَوْ عَفا عَنْهُ كانَ مَذْمُومًا، ورُوِيَ «أنَّ زَيْنَبَ أقْبَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَشَتَمَتْها، فَنَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دُونَكِ فانْتَصِرِي» وأيْضًا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ، بَلْ بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ فَقَطْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ شَرْعَهُ مَشْرُوطٌ بِرِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَزالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:33
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.
والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ
صفحة ١٥١
فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وسَمّاهُ مَتاعًا تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ، ولِأنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ سَرِيعَ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والمَعْنى أنَّ مَطالِبَ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، ونَبَّهَ عَلى خَساسَتِها بِتَسْمِيَتِها بِالمَتاعِ، ونَبَّهَ عَلى انْقِراضِها بِأنْ جَعَلَها مِنَ الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَإنَّها خَيْرٌ وأبْقى، وصَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الخَيْرِ الباقِي عَلى الخَسِيسِ الفانِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ، فَهو مُتَّكِلٌ عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ لا عَلى اللَّهِ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَبِيرُ الإثْمِ هو الشِّرْكُ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ شَرْطَ الإيمانِ مَذْكُورٌ أوَّلًا، وهو يُغْنِي عَنْ عَدَمِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ، وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وبِقَوْلِهِ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وإنَّما خَصَّ الغَضَبَ بِلَفْظِ الغُفْرانِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ عَلى طَبْعِ النّارِ، واسْتِيلاؤُهُ شَدِيدٌ ومُقاوَمَتُهُ صَعْبَةٌ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ بِهَذا اللَّفْظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَمامُ الِانْقِيادِ، فَإنْ قالُوا ألَيْسَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ١٥٢
جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ في الإيمانِ إجابَةُ اللَّهِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى الرِّضاءِ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن صَمِيمِ القَلْبِ، وأنْ لا يَكُونَ في قَلْبِهِ مُنازَعَةٌ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ قالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، لِأنَّ هَذا هو الشَّرْطُ في حُصُولِ الثَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ فَقِيلَ: كانَ إذا وقَعَتْ بَيْنَهم واقِعَةٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ، بَلْ ما لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ، والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا، بِمَعْنى التَّشاوُرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ والمَعْنى أنْ يَقْتَصِرُوا في الِانْتِصارِ عَلى ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم ولا يَتَعَدَّوْنَهُ، وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَهُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الضِّدِّ لَهُ، وهو قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ؟
الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَفْوَ أحْسَنُ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] فَهَذِهِ الآياتُ تُناقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: أنَّ العَفْوَ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العَفْوُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الفِتْنَةِ وجِنايَةِ الجانِي ورُجُوعِهِ عَنْ جِنايَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَصِيرَ العَفْوُ سَبَبًا لِمَزِيدِ جَراءَةِ الجانِي ولِقُوَّةِ غَيْظِهِ وغَضَبِهِ.
الآياتُ في العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّناقُضُ واللَّهُ أعْلَمُ، ألا تَرى أنَّ العَفْوَ عَنِ المُصِرِّ يَكُونُ كالإغْراءِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ عَبْدَهَ فَجَرَ بِجارِيَتِهِ وهو مُصِرٌّ، فَلَوْ عَفا عَنْهُ كانَ مَذْمُومًا، ورُوِيَ «أنَّ زَيْنَبَ أقْبَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَشَتَمَتْها، فَنَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دُونَكِ فانْتَصِرِي» وأيْضًا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ، بَلْ بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ فَقَطْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ شَرْعَهُ مَشْرُوطٌ بِرِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَزالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:34
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.
والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ
صفحة ١٥١
فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وسَمّاهُ مَتاعًا تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ، ولِأنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ سَرِيعَ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والمَعْنى أنَّ مَطالِبَ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، ونَبَّهَ عَلى خَساسَتِها بِتَسْمِيَتِها بِالمَتاعِ، ونَبَّهَ عَلى انْقِراضِها بِأنْ جَعَلَها مِنَ الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَإنَّها خَيْرٌ وأبْقى، وصَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الخَيْرِ الباقِي عَلى الخَسِيسِ الفانِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ، فَهو مُتَّكِلٌ عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ لا عَلى اللَّهِ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَبِيرُ الإثْمِ هو الشِّرْكُ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ شَرْطَ الإيمانِ مَذْكُورٌ أوَّلًا، وهو يُغْنِي عَنْ عَدَمِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ، وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وبِقَوْلِهِ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وإنَّما خَصَّ الغَضَبَ بِلَفْظِ الغُفْرانِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ عَلى طَبْعِ النّارِ، واسْتِيلاؤُهُ شَدِيدٌ ومُقاوَمَتُهُ صَعْبَةٌ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ بِهَذا اللَّفْظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَمامُ الِانْقِيادِ، فَإنْ قالُوا ألَيْسَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ١٥٢
جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ في الإيمانِ إجابَةُ اللَّهِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى الرِّضاءِ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن صَمِيمِ القَلْبِ، وأنْ لا يَكُونَ في قَلْبِهِ مُنازَعَةٌ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ قالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، لِأنَّ هَذا هو الشَّرْطُ في حُصُولِ الثَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ فَقِيلَ: كانَ إذا وقَعَتْ بَيْنَهم واقِعَةٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ، بَلْ ما لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ، والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا، بِمَعْنى التَّشاوُرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ والمَعْنى أنْ يَقْتَصِرُوا في الِانْتِصارِ عَلى ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم ولا يَتَعَدَّوْنَهُ، وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَهُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الضِّدِّ لَهُ، وهو قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ؟
الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَفْوَ أحْسَنُ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] فَهَذِهِ الآياتُ تُناقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: أنَّ العَفْوَ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العَفْوُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الفِتْنَةِ وجِنايَةِ الجانِي ورُجُوعِهِ عَنْ جِنايَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَصِيرَ العَفْوُ سَبَبًا لِمَزِيدِ جَراءَةِ الجانِي ولِقُوَّةِ غَيْظِهِ وغَضَبِهِ.
الآياتُ في العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّناقُضُ واللَّهُ أعْلَمُ، ألا تَرى أنَّ العَفْوَ عَنِ المُصِرِّ يَكُونُ كالإغْراءِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ عَبْدَهَ فَجَرَ بِجارِيَتِهِ وهو مُصِرٌّ، فَلَوْ عَفا عَنْهُ كانَ مَذْمُومًا، ورُوِيَ «أنَّ زَيْنَبَ أقْبَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَشَتَمَتْها، فَنَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دُونَكِ فانْتَصِرِي» وأيْضًا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ، بَلْ بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ فَقَطْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ شَرْعَهُ مَشْرُوطٌ بِرِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَزالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:35
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.
والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ
صفحة ١٥١
فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وسَمّاهُ مَتاعًا تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ، ولِأنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ سَرِيعَ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والمَعْنى أنَّ مَطالِبَ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، ونَبَّهَ عَلى خَساسَتِها بِتَسْمِيَتِها بِالمَتاعِ، ونَبَّهَ عَلى انْقِراضِها بِأنْ جَعَلَها مِنَ الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَإنَّها خَيْرٌ وأبْقى، وصَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الخَيْرِ الباقِي عَلى الخَسِيسِ الفانِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ، فَهو مُتَّكِلٌ عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ لا عَلى اللَّهِ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَبِيرُ الإثْمِ هو الشِّرْكُ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ شَرْطَ الإيمانِ مَذْكُورٌ أوَّلًا، وهو يُغْنِي عَنْ عَدَمِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ، وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وبِقَوْلِهِ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وإنَّما خَصَّ الغَضَبَ بِلَفْظِ الغُفْرانِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ عَلى طَبْعِ النّارِ، واسْتِيلاؤُهُ شَدِيدٌ ومُقاوَمَتُهُ صَعْبَةٌ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ بِهَذا اللَّفْظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَمامُ الِانْقِيادِ، فَإنْ قالُوا ألَيْسَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ١٥٢
جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ في الإيمانِ إجابَةُ اللَّهِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى الرِّضاءِ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن صَمِيمِ القَلْبِ، وأنْ لا يَكُونَ في قَلْبِهِ مُنازَعَةٌ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ قالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، لِأنَّ هَذا هو الشَّرْطُ في حُصُولِ الثَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ فَقِيلَ: كانَ إذا وقَعَتْ بَيْنَهم واقِعَةٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ، بَلْ ما لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ، والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا، بِمَعْنى التَّشاوُرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ والمَعْنى أنْ يَقْتَصِرُوا في الِانْتِصارِ عَلى ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم ولا يَتَعَدَّوْنَهُ، وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَهُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الضِّدِّ لَهُ، وهو قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ؟
الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَفْوَ أحْسَنُ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] فَهَذِهِ الآياتُ تُناقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: أنَّ العَفْوَ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العَفْوُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الفِتْنَةِ وجِنايَةِ الجانِي ورُجُوعِهِ عَنْ جِنايَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَصِيرَ العَفْوُ سَبَبًا لِمَزِيدِ جَراءَةِ الجانِي ولِقُوَّةِ غَيْظِهِ وغَضَبِهِ.
الآياتُ في العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّناقُضُ واللَّهُ أعْلَمُ، ألا تَرى أنَّ العَفْوَ عَنِ المُصِرِّ يَكُونُ كالإغْراءِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ عَبْدَهَ فَجَرَ بِجارِيَتِهِ وهو مُصِرٌّ، فَلَوْ عَفا عَنْهُ كانَ مَذْمُومًا، ورُوِيَ «أنَّ زَيْنَبَ أقْبَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَشَتَمَتْها، فَنَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دُونَكِ فانْتَصِرِي» وأيْضًا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ، بَلْ بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ فَقَطْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ شَرْعَهُ مَشْرُوطٌ بِرِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَزالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:36
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.
والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ
صفحة ١٥١
فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وسَمّاهُ مَتاعًا تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ، ولِأنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ سَرِيعَ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والمَعْنى أنَّ مَطالِبَ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، ونَبَّهَ عَلى خَساسَتِها بِتَسْمِيَتِها بِالمَتاعِ، ونَبَّهَ عَلى انْقِراضِها بِأنْ جَعَلَها مِنَ الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَإنَّها خَيْرٌ وأبْقى، وصَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الخَيْرِ الباقِي عَلى الخَسِيسِ الفانِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ، فَهو مُتَّكِلٌ عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ لا عَلى اللَّهِ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَبِيرُ الإثْمِ هو الشِّرْكُ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ شَرْطَ الإيمانِ مَذْكُورٌ أوَّلًا، وهو يُغْنِي عَنْ عَدَمِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ، وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وبِقَوْلِهِ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وإنَّما خَصَّ الغَضَبَ بِلَفْظِ الغُفْرانِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ عَلى طَبْعِ النّارِ، واسْتِيلاؤُهُ شَدِيدٌ ومُقاوَمَتُهُ صَعْبَةٌ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ بِهَذا اللَّفْظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَمامُ الِانْقِيادِ، فَإنْ قالُوا ألَيْسَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ١٥٢
جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ في الإيمانِ إجابَةُ اللَّهِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى الرِّضاءِ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن صَمِيمِ القَلْبِ، وأنْ لا يَكُونَ في قَلْبِهِ مُنازَعَةٌ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ قالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، لِأنَّ هَذا هو الشَّرْطُ في حُصُولِ الثَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ فَقِيلَ: كانَ إذا وقَعَتْ بَيْنَهم واقِعَةٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ، بَلْ ما لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ، والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا، بِمَعْنى التَّشاوُرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ والمَعْنى أنْ يَقْتَصِرُوا في الِانْتِصارِ عَلى ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم ولا يَتَعَدَّوْنَهُ، وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَهُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الضِّدِّ لَهُ، وهو قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ؟
الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَفْوَ أحْسَنُ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] فَهَذِهِ الآياتُ تُناقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: أنَّ العَفْوَ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العَفْوُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الفِتْنَةِ وجِنايَةِ الجانِي ورُجُوعِهِ عَنْ جِنايَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَصِيرَ العَفْوُ سَبَبًا لِمَزِيدِ جَراءَةِ الجانِي ولِقُوَّةِ غَيْظِهِ وغَضَبِهِ.
الآياتُ في العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّناقُضُ واللَّهُ أعْلَمُ، ألا تَرى أنَّ العَفْوَ عَنِ المُصِرِّ يَكُونُ كالإغْراءِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ عَبْدَهَ فَجَرَ بِجارِيَتِهِ وهو مُصِرٌّ، فَلَوْ عَفا عَنْهُ كانَ مَذْمُومًا، ورُوِيَ «أنَّ زَيْنَبَ أقْبَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَشَتَمَتْها، فَنَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دُونَكِ فانْتَصِرِي» وأيْضًا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ، بَلْ بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ فَقَطْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ شَرْعَهُ مَشْرُوطٌ بِرِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَزالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:37
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.
والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ
صفحة ١٥١
فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وسَمّاهُ مَتاعًا تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ، ولِأنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ سَرِيعَ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والمَعْنى أنَّ مَطالِبَ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، ونَبَّهَ عَلى خَساسَتِها بِتَسْمِيَتِها بِالمَتاعِ، ونَبَّهَ عَلى انْقِراضِها بِأنْ جَعَلَها مِنَ الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَإنَّها خَيْرٌ وأبْقى، وصَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الخَيْرِ الباقِي عَلى الخَسِيسِ الفانِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ، فَهو مُتَّكِلٌ عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ لا عَلى اللَّهِ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَبِيرُ الإثْمِ هو الشِّرْكُ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ شَرْطَ الإيمانِ مَذْكُورٌ أوَّلًا، وهو يُغْنِي عَنْ عَدَمِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ، وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وبِقَوْلِهِ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وإنَّما خَصَّ الغَضَبَ بِلَفْظِ الغُفْرانِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ عَلى طَبْعِ النّارِ، واسْتِيلاؤُهُ شَدِيدٌ ومُقاوَمَتُهُ صَعْبَةٌ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ بِهَذا اللَّفْظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَمامُ الِانْقِيادِ، فَإنْ قالُوا ألَيْسَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ١٥٢
جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ في الإيمانِ إجابَةُ اللَّهِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى الرِّضاءِ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن صَمِيمِ القَلْبِ، وأنْ لا يَكُونَ في قَلْبِهِ مُنازَعَةٌ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ قالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، لِأنَّ هَذا هو الشَّرْطُ في حُصُولِ الثَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ فَقِيلَ: كانَ إذا وقَعَتْ بَيْنَهم واقِعَةٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ، بَلْ ما لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ، والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا، بِمَعْنى التَّشاوُرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ والمَعْنى أنْ يَقْتَصِرُوا في الِانْتِصارِ عَلى ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم ولا يَتَعَدَّوْنَهُ، وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَهُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الضِّدِّ لَهُ، وهو قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ؟
الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَفْوَ أحْسَنُ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] فَهَذِهِ الآياتُ تُناقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: أنَّ العَفْوَ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العَفْوُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الفِتْنَةِ وجِنايَةِ الجانِي ورُجُوعِهِ عَنْ جِنايَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَصِيرَ العَفْوُ سَبَبًا لِمَزِيدِ جَراءَةِ الجانِي ولِقُوَّةِ غَيْظِهِ وغَضَبِهِ.
الآياتُ في العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّناقُضُ واللَّهُ أعْلَمُ، ألا تَرى أنَّ العَفْوَ عَنِ المُصِرِّ يَكُونُ كالإغْراءِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ عَبْدَهَ فَجَرَ بِجارِيَتِهِ وهو مُصِرٌّ، فَلَوْ عَفا عَنْهُ كانَ مَذْمُومًا، ورُوِيَ «أنَّ زَيْنَبَ أقْبَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَشَتَمَتْها، فَنَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دُونَكِ فانْتَصِرِي» وأيْضًا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ، بَلْ بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ فَقَطْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ شَرْعَهُ مَشْرُوطٌ بِرِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَزالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:38
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.
والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ
صفحة ١٥١
فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وسَمّاهُ مَتاعًا تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ، ولِأنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ سَرِيعَ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والمَعْنى أنَّ مَطالِبَ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، ونَبَّهَ عَلى خَساسَتِها بِتَسْمِيَتِها بِالمَتاعِ، ونَبَّهَ عَلى انْقِراضِها بِأنْ جَعَلَها مِنَ الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَإنَّها خَيْرٌ وأبْقى، وصَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الخَيْرِ الباقِي عَلى الخَسِيسِ الفانِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ، فَهو مُتَّكِلٌ عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ لا عَلى اللَّهِ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَبِيرُ الإثْمِ هو الشِّرْكُ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ شَرْطَ الإيمانِ مَذْكُورٌ أوَّلًا، وهو يُغْنِي عَنْ عَدَمِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ، وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وبِقَوْلِهِ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وإنَّما خَصَّ الغَضَبَ بِلَفْظِ الغُفْرانِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ عَلى طَبْعِ النّارِ، واسْتِيلاؤُهُ شَدِيدٌ ومُقاوَمَتُهُ صَعْبَةٌ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ بِهَذا اللَّفْظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَمامُ الِانْقِيادِ، فَإنْ قالُوا ألَيْسَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ١٥٢
جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ في الإيمانِ إجابَةُ اللَّهِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى الرِّضاءِ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن صَمِيمِ القَلْبِ، وأنْ لا يَكُونَ في قَلْبِهِ مُنازَعَةٌ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ قالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، لِأنَّ هَذا هو الشَّرْطُ في حُصُولِ الثَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ فَقِيلَ: كانَ إذا وقَعَتْ بَيْنَهم واقِعَةٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ، بَلْ ما لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ، والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا، بِمَعْنى التَّشاوُرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ والمَعْنى أنْ يَقْتَصِرُوا في الِانْتِصارِ عَلى ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم ولا يَتَعَدَّوْنَهُ، وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَهُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الضِّدِّ لَهُ، وهو قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ؟
الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَفْوَ أحْسَنُ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] فَهَذِهِ الآياتُ تُناقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: أنَّ العَفْوَ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العَفْوُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الفِتْنَةِ وجِنايَةِ الجانِي ورُجُوعِهِ عَنْ جِنايَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَصِيرَ العَفْوُ سَبَبًا لِمَزِيدِ جَراءَةِ الجانِي ولِقُوَّةِ غَيْظِهِ وغَضَبِهِ.
الآياتُ في العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّناقُضُ واللَّهُ أعْلَمُ، ألا تَرى أنَّ العَفْوَ عَنِ المُصِرِّ يَكُونُ كالإغْراءِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ عَبْدَهَ فَجَرَ بِجارِيَتِهِ وهو مُصِرٌّ، فَلَوْ عَفا عَنْهُ كانَ مَذْمُومًا، ورُوِيَ «أنَّ زَيْنَبَ أقْبَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَشَتَمَتْها، فَنَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دُونَكِ فانْتَصِرِي» وأيْضًا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ، بَلْ بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ فَقَطْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ شَرْعَهُ مَشْرُوطٌ بِرِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَزالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:39
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
صفحة ١٥٠
﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ”الجَوارِي“ بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، فَإثْباتُ الياءِ عَلى الأصْلِ، وحَذْفُها لِلتَّخْفِيفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجَوارِي، يَعْنِي السُّفُنَ الجَوارِيَ، فَحَذَفَ المَوْصُوفَ لِعَدَمِ الِالتِباسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن آياتِهِ أيْضًا هَذِهِ السُّفُنَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ.
والثّانِي: أنْ يُعَرِّفَ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لِلَّهِ تَعالى عَلى العِبادِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالأعْلامِ الجِبالُ، قالَتِ الخَنْساءُ في مَرْثِيَّةِ أخِيها:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
ونُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَنْشَدَ قَصِيدَتَها هَذِهِ، فَلَمّا وصَلَ الرّاوِي إلى هَذا البَيْتِ، قالَ: ”قاتَلَها اللَّهُ، ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِها لَهُ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا !“ إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ كالجِبالِ تَجْرِي عَلى وجْهِ البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّياحِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ، وعِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الرِّياحِ تَقِفُ، وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مُحَرِّكَ الرِّياحِ ومُسْكِنَها هو اللَّهُ تَعالى، إذْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَحْرِيكِها مِنَ البَشَرِ ولا عَلى تَسْكِينِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ، وأيْضًا أنَّ السَّفِينَةَ تَكُونُ في غايَةِ الثِّقَلِ، ثُمَّ إنَّها مَعَ ثِقَلِها بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الماءِ، وهو أيْضًا دَلالَةٌ أُخْرى.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو مَعْرِفَةُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَهو أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ الأرْضِ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الأمْتِعَةِ، وإذا نُقِلَ مَتاعُ هَذا الجانِبِ إلى ذَلِكَ الجانِبِ في السُّفُنِ، وبِالعَكْسِ - حَصَلَتِ المَنافِعُ العَظِيمَةُ في التِّجارَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ ﴿إنْ يَشَأْ﴾ لِأنَّ سُكُونَ الهَمْزَةِ عَلامَةٌ لِلْجَزْمِ، وعَنْ وِرَشٍ عَنْ نافِعٍ بِلا هَمْزَةٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”يُسْكِنِ الرِّياحَ“ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿الرِّيحَ﴾ عَلى الواحِدِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (يَظْلَلْنَ) بِفَتْحِ اللّامِ وكَسْرِها؛ مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَواكِدَ﴾ أيْ رَواتِبَ، أيْ: لا تَجْرِي عَلى ظَهْرِهِ، أيْ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ عَلى بَلاءِ اللَّهِ ﴿شَكُورٍ﴾ لِنَعْمائِهِ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ غافِلًا عَنْ دَلائِلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا في البَلاءِ، وإمّا في الآلاءِ، فَإنْ كانَ في البَلاءِ كانَ مِنَ الصّابِرِينَ، وإنْ كانَ في النَّعْماءِ كانَ مِنَ الشّاكِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ البَتَّةَ مِنَ الغافِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ يَعْنِي: أوْ يُهْلِكْهُنَّ، يُقالُ أوْبَقَهُ، أيْ أهْلَكَهُ، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِ أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، أيْ أهْلَكَتْهُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ ابْتَلى المُسافِرِينَ في البَحْرِ بِإحْدى بَلِيَّتَيْنِ: إمّا أنْ يُسْكِنَ الرِّيحَ
صفحة ١٥١
فَتَرْكُدَ الجَوارِي عَلى مَتْنِ البَحْرِ وتَقِفُ، وإمّا أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ عاصِفَةً فِيها فَيَهْلِكْنَ بِسَبَبِ الإغْراقِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يُسْكِنِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَرْكُدْنَ، أوْ يَعْصِفْها فَيَغْرَقْنَ بِعَصْفِها، وقَوْلُهُ ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَنْ طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، فَإنْ قِيلَ: فَما مَعْنى إدْخالِ العَفْوِ في حُكْمِ الإيباقِ حَيْثُ جُعِلَ مَجْزُومًا مِثْلَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ إنْ يَشَأْ يُهْلِكْ ناسًا ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ العَفْوِ عَنْهم، وأمّا مَن قَرَأ ”ويَعْفُو“ فَقَدِ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”يَعْلَمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، فالقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وأمّا بِالنَّصْبِ فَلِلْعَطْفِ عَلى تَعْلِيلِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ والعَطْفُ عَلى التَّعْلِيلِ المَحْذُوفِ غَيْرُ عَزِيزٍ في القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٢] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومَن قَرَأ عَلى جَزْمِ ”ويَعْلَمْ“ فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ إنْ يَشَأْ، يَجْمَعُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: هَلاكِ قَوْمٍ، ونَجاةِ قَوْمٍ، وتَحْذِيرِ آخَرِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى الآيَةِ ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ أيْ يُنازِعُونَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ، أنْ لا مَخْلَصَ لَهم إذا وقَفَتِ السُّفُنُ، وإذا عَصَفَتِ الرِّياحُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الإلَهَ النّافِعَ الضّارَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أرْدَفَها بِالتَّفْسِيرِ عَنِ الدُّنْيا وتَحْقِيرِ شَأْنِها، لِأنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِن قَبُولِ الدَّلِيلِ إنَّما هو الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ الرِّياسَةِ وطَلَبِ الجاهِ، فَإذا صَغُرَتِ الدُّنْيا في عَيْنِ الرَّجُلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْها، فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ، فَقالَ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وسَمّاهُ مَتاعًا تَنْبِيهًا عَلى قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ، ولِأنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ سَرِيعَ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾ والمَعْنى أنَّ مَطالِبَ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، ونَبَّهَ عَلى خَساسَتِها بِتَسْمِيَتِها بِالمَتاعِ، ونَبَّهَ عَلى انْقِراضِها بِأنْ جَعَلَها مِنَ الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَإنَّها خَيْرٌ وأبْقى، وصَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الخَيْرِ الباقِي عَلى الخَسِيسِ الفانِي، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّ الطّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوابَ، فَهو مُتَّكِلٌ عَلى عَمَلِ نَفْسِهِ لا عَلى اللَّهِ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَبِيرُ الإثْمِ هو الشِّرْكُ، نَقَلَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ شَرْطَ الإيمانِ مَذْكُورٌ أوَّلًا، وهو يُغْنِي عَنْ عَدَمِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: المُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتِخْراجِ الشُّبُهاتِ، وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وبِقَوْلِهِ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وإنَّما خَصَّ الغَضَبَ بِلَفْظِ الغُفْرانِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ عَلى طَبْعِ النّارِ، واسْتِيلاؤُهُ شَدِيدٌ ومُقاوَمَتُهُ صَعْبَةٌ فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّهُ بِهَذا اللَّفْظِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَمامُ الِانْقِيادِ، فَإنْ قالُوا ألَيْسَ أنَّهُ لَمّا
صفحة ١٥٢
جَعَلَ الإيمانَ شَرْطًا فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ في الإيمانِ إجابَةُ اللَّهِ ؟ قُلْنا: الأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى الرِّضاءِ بِقَضاءِ اللَّهِ مِن صَمِيمِ القَلْبِ، وأنْ لا يَكُونَ في قَلْبِهِ مُنازَعَةٌ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الشَّرْطَ قالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ والمُرادُ مِنهُ إقامَةُ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، لِأنَّ هَذا هو الشَّرْطُ في حُصُولِ الثَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ فَقِيلَ: كانَ إذا وقَعَتْ بَيْنَهم واقِعَةٌ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ، بَلْ ما لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ، والشُّورى مَصْدَرٌ كالفُتْيا، بِمَعْنى التَّشاوُرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أيْ ذُو شُورى.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ والمَعْنى أنْ يَقْتَصِرُوا في الِانْتِصارِ عَلى ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم ولا يَتَعَدَّوْنَهُ، وعَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأها قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ السُّفَهاءُ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُشْكِلَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَهُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى الضِّدِّ لَهُ، وهو قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ ؟
الثّانِي: وهو أنَّ جَمِيعَ الآياتِ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَفْوَ أحْسَنُ، قالَ تَعالى: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣٧] وقالَ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] وقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] فَهَذِهِ الآياتُ تُناقِضُ مَدْلُولَ هَذِهِ الآيَةِ. والجَوابُ: أنَّ العَفْوَ عَلى قِسْمَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ العَفْوُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الفِتْنَةِ وجِنايَةِ الجانِي ورُجُوعِهِ عَنْ جِنايَتِهِ.
والثّانِي: أنْ يَصِيرَ العَفْوُ سَبَبًا لِمَزِيدِ جَراءَةِ الجانِي ولِقُوَّةِ غَيْظِهِ وغَضَبِهِ.
الآياتُ في العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، وحِينَئِذٍ يَزُولُ التَّناقُضُ واللَّهُ أعْلَمُ، ألا تَرى أنَّ العَفْوَ عَنِ المُصِرِّ يَكُونُ كالإغْراءِ لَهُ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ عَبْدَهَ فَجَرَ بِجارِيَتِهِ وهو مُصِرٌّ، فَلَوْ عَفا عَنْهُ كانَ مَذْمُومًا، ورُوِيَ «أنَّ زَيْنَبَ أقْبَلَتْ عَلى عائِشَةَ فَشَتَمَتْها، فَنَهاها النَّبِيُّ ﷺ عَنْها فَلَمْ تَنْتَهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: دُونَكِ فانْتَصِرِي» وأيْضًا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُرَغِّبْ في الِانْتِصارِ، بَلْ بَيَّنَ أنَّهُ مَشْرُوعٌ فَقَطْ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ شَرْعَهُ مَشْرُوطٌ بِرِعايَةِ المُماثَلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العَفْوَ أوْلى بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ فَزالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:40
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:41
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:42
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:43
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:44
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:45
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:46
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.