Tafsir Al-Razi — الشورى 42:47 – الزخرف 43:28
المحتويات
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
الشورى 42:47
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:48
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٩] - أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالمِثْلِ، فَإنَّ النُّقْصانَ حَيْفٌ والزِّيادَةَ ظُلْمٌ والتَّساوِيَ هو العَدْلُ، وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ مَشْرُوعٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَكَيْفَ سُمِّيَ بِالسَّيِّئَةِ ؟ أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ: كِلْتا الفِعْلَتَيْنِ، الأُولى وجَزاؤُها - سَيِّئَةٌ؛ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٨] يُرِيدُ ما يَسُوءُهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا، وأجابَ غَيْرُهُ بِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ أحَدَهُما في مُقابَلَةِ الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أُطْلِقَ اسْمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والحَقُّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ .
والمَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ كَبِيرٌ في عِلْمِ الفِقْهِ، فَإنَّ مُقْتَضاها أنْ تُقابَلَ كُلُّ جِنايَةٍ بِمِثْلِها وذَلِكَ لِأنَّ الإهْدارَ يُوجِبُ فَتْحَ بابِ الشَّرِّ والعُدْوانِ، لِأنَّ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ الظُّلْمَ والبَغْيَ والعُدْوانَ، فَإذا لَمْ يُزْجَرْ عَنْهُ أقْدَمَ عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْهُ، وأمّا الزِّيادَةُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ فَهو ظُلْمٌ، والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقابَلَ بِالمِثْلِ، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا النَّصُّ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] والقِصاصُ عِبارَةٌ عَنِ المُساواةِ والمُماثَلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائِدَةِ: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٩] فَهَذِهِ النُّصُوصُ بِأسْرِها تَقْتَضِي مُقابَلَةَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفاءُ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَهَهُنا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ إلْحاقِ زِيادَةِ الضَّرَرِ بِالجانِي وبَيْنَ مَنعِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، فَأيُّهُما أوْلى ؟ فَهَهُنا مَحَلُّ اجْتِهادِ المُجْتَهِدِينَ، ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الصُّوَرِ، وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الأصْلِ بَعْضُ المَسائِلِ تَنْبِيهًا عَلى الباقِي.
المِثالُ الأوَّلُ: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ وأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ بِأنْ قالَ: المُماثَلَةُ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجْرِيَ القِصاصُ
صفحة ١٥٤
بَيْنَهُما، أمّا بَيانُ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ - فَهي النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ، وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِها أنْ نَقُولَ: إمّا أنْ نَحْمِلَ المُماثَلَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، أوْ نَحْمِلَها عَلى المُماثَلَةِ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ، والثّانِي مَرْجُوحٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلَيْها لَزِمَ الإجْمالُ، ولَوْ حَمَلْنا النَّصَّ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ لَزِمَ تَحَمُّلُ التَّخْصِيصِ، ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ الإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ التَّخْصِيصِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي رِعايَةَ المُماثَلَةِ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا ما خَصَّهُ دَلِيلُ العَقْلِ ودَلِيلٌ نَقْلِيٌّ مُنْفَصِلٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رِعايَةُ المُماثَلَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وفي قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ - لا تُمْكِنُ؛ لِأنَّ الإسْلامَ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إيجابِ القَتْلِ، لِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ كَما في حَقِّ الكافِرِ الأصْلِيِّ، ولِإبْقائِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَما في حَقِّ المُرْتَدِّ، وأيْضًا الحُرِّيَّةُ صِفَةٌ اعْتَبَرَها الشَّرْعُ في حَقِّ القَضاءِ والإمامَةِ والشَّهادَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُماثَلَةَ شَرْطٌ لِجَرَيانِ القِصاصِ، وهي مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ المَنعُ مِنَ القِصاصِ.
المِثالُ الثّانِي: احْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ بِاليَدِ الواحِدَةِ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّهُ إذا صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ أنْ يُشْرَعَ في حَقِّ أُولَئِكَ القاطِعِينَ مِثْلَهُ لِهَذِهِ النُّصُوصِ، وكُلُّ مَن قالَ يُشْرَعُ القَطْعُ إمّا كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ في حَقِّ كُلِّهِمْ أوْ بَعْضِهِمْ قالَ بِإيجابِهِ عَلى الكُلِّ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الجانِي، وهو مَمْنُوعٌ مِنهُ إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ جانِبِ الجانِي وبَيْنَ جانِبِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ كانَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالرِّعايَةِ أوْلى.
المِثالُ الثّالِثُ: شَرِيكُ الأبِ شُرِعَ في حَقِّهِ القِصاصُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ الجَرْحُ، فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ تَمامُ القِصاصِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
المِثالُ الرّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: مَن حَرَّقَ حَرَّقْناهُ، ومَن غَرَّقَ غَرَّقْناهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هَذِهِ النُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى مُقابَلَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِمُماثِلِهِ.
المِثالُ الخامِسُ: شُهُودُ القِصاصِ إذا رَجَعُوا وقالُوا تَعَمَّدْنا الكَذِبَ يَلْزَمُهُمُ القِصاصُ لِأنَّهم بِتِلْكَ الشَّهادَةِ أهْدَرُوا دَمَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ دَمُهم مُهْدَرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّادِسُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُكْرَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَوَدُ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ ظُلْمًا، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، أمّا أنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ فالحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ قُتِلَ ظُلْمًا، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مُكَلَّفٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يَقْتُلَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإثْمَ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَوَجَبَ أنْ يُقابَلَ بِمِثْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ السّابِعُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القَتْلُ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القَوَدَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الجانِيَ أبْطَلَ حَياتَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَتَمَكَّنَ ولِيُّ المَقْتُولِ مِن إبْطالِ حَياةِ القاتِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
المِثالُ الثّامِنُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا، ونَحْنُ وإنْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في المِثالِ الأوَّلِ إلّا أنّا نَذْكُرُ هَهُنا وجْهًا آخَرَ مِنَ البَيانِ، فَنَقُولُ: إنَّ القاتِلَ أتْلَفَ عَلى مالِكِ العَبْدِ شَيْئًا يُساوِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ مَثَلًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وإذا وجَبَ الضَّمانُ وجَبَ أنْ لا يَجِبَ القِصاصُ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.
صفحة ١٥٥
المِثالُ التّاسِعُ: مَنافِعُ الغَصْبِ مَضْمُونَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الغاصِبَ فَوَّتَ عَلى المالِكِ مَنافِعَ تُقابَلُ في العُرْفِ بِدِينارٍ، فَوَجَبَ أنْ يُفَوِّتَ عَلى الغاصِبِ مِثْلَهُ مِنَ المالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وكُلُّ مَن أوْجَبَ تَفْوِيتَ هَذا القَدْرِ عَلى الغاصِبِ قالَ بِأنَّهُ يَجِبُ أداؤُهُ إلى المَغْصُوبِ مِنهُ.
المِثالُ العاشِرُ: الحُرُّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ قِصاصًا؛ لِأنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِالعَبْدِ لَكانَ هو مُساوِيًا لِلْعَبْدِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [غافِرٍ: ٤٠] ولِسائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي تَلَوْناها، ثُمَّ إنَّ عَبْدَهُ يُقْتَلُ قِصاصًا بِعَبْدِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَبْدُ غَيْرِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ نَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ لِعَيْنِ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبْدُ نَفْسِهِ مُساوِيًا لَعَبْدِ غَيْرِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، فَكانَ عَبْدُ نَفْسِهِ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، ومِثْلُ المِثْلِ مِثْلٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ عَبْدِ نَفْسِهِ مِثْلًا لِنَفْسِهِ في المَعانِي المُوجِبَةِ لِلْقِصاصِ، ولَوْ قُتِلَ الحُرُّ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَقَتَلَ نَفْسَهُ بِالبَيانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ولا يُقْتَلُ بِعَبْدِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُقْتَلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ الأمْثِلَةَ العَشَرَةَ في التَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، ومَن أخَذَتِ الفَطانَةُ بِيَدِهِ سَهُلَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ كَثِيرٍ مِن مَسائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلى هَذا الأصْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ في قَطْعِ الأيْدِي: لا شَكَّ أنَّهُ صَدَرَ كُلُّ القَطْعِ أوْ بَعْضُهُ عَنْ كُلِّهِمْ أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ الحَقِّ إلّا بِاسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ لِأنَّ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي أزْيَدُ مِن تَفْوِيتِ يَدٍ واحِدَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ يَدٍ واحِدَةٍ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ نَفْسٍ واحِدَةٍ حَرامًا، لِأنَّ تَفْوِيتَ النَّفْسِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفْوِيتِ اليَدِ فَتَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ يُوجِبُ تَفْوِيتَ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ فَلَوْ كانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ الأيْدِي في مُقابَلَةِ اليَدِ الواحِدَةِ حَرامًا لَكانَ تَفْوِيتُ عَشَرَةٍ مِنَ النُّفُوسِ لِأجْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ مُشْتَمِلًا عَلى الحَرامِ، وكُلُّ ما اشْتَمَلَ عَلى الحَرامِ فَهو حَرامٌ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَحْرُمَ قَتْلُ النُّفُوسِ العَشَرَةِ في مُقابَلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ، وحَيْثُ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلِمْنا أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ شَرْعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ يَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ المُماثَلَةِ مُطْلَقًا في كُلِّ الأحْوالِ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، والفُقَهاءُ أدْخَلُوا التَّخْصِيصَ فِيهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، فَتارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَسَّ مِنهُ وأُخْرى بِناءً عَلى القِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ ادَّعى التَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ البَيانُ، والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذا النَّصِّ في جَمِيعِ المَطالِبِ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: إذا قالَ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ أخْزاهُ اللَّهُ، أمّا إذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الحَدُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٤]، ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وهو وعْدٌ مُبْهَمٌ لا يُقاسُ أمْرُهُ في التَّعْظِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ اسْتِيفاءُ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الظّالِمَ فِيما وراءَ ظُلْمِهِ مَعْصُومٌ، والِانْتِصارُ لا يَكادُ يَؤْمَنُ فِيهِ تَجاوُزُ التَّسْوِيَةِ والتَّعَدِّي؛ خُصُوصًا في حالِ الحَرْبِ والتِهابِ الحَمِيَّةِ، فَرُبَّما صارَ المَظْلُومُ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى اسْتِيفاءِ القِصاصِ ظالِمًا، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ فَلْيَقُمْ، قالَ:
صفحة ١٥٦
فَيَقُومُ خُلُقٌ فَيُقالُ لَهم: ما أجْرُكم عَلى اللَّهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا عَمَّنْ ظَلَمَنا، فَيُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى» ”.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَثَّ عَلى العَفْوِ عَنِ الظّالِمِ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يُحِبُّهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إذا كانَ لا يُحِبُّهُ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُنْدَبُ عَلى عَفْوِهِ، فالمُؤْمِنُ الَّذِي هو حَبِيبُ اللَّهِ بِسَبَبِ إيمانِهِ أوْلى أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أيْ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ، وهَذا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ (فَأُولَئِكَ) يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ كَعُقُوبَةٍ ومُؤاخَذَةٍ لِأنَّهم أتَوْا بِما أُبِيحَ لَهم مِنَ الِانْتِصارِ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ سِرايَةَ القَوَدِ مُهْدَرَةٌ، فَقالَ: الشَّرْعُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ أنْ لا يَحْصُلَ مِنهُ السَّرَيانُ، وهَذا الثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ الأصْلَ في القَطْعِ الحُرْمَةُ، فَإذا كانَ تَجْوِيزُهُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ عَدَمِ السَّرَيانِ، وكانَ هَذا الشَّرْطُ مَجْهُولًا وجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ القَطْعُ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها هو الحُرْمَةُ، والحِلُّ إنَّما يَحْصُلُ مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ مَجْهُولٍ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى ذَلِكَ عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الشَّرْعَ أذِنَ لَهُ في القَطْعِ كَيْفَ كانَ، سَواءٌ سَرى أوْ لَمْ يَسْرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ السَّرَيانُ مَضْمُونًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَصَرَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أيْ يَبْدَءُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ والمَعْنى ﴿ولَمَن صَبَرَ﴾ بِأنْ لا يَقْتَصَّ ﴿وغَفَرَ﴾ وتَجاوَزَ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ يَعْنِي أنَّ عَزْمَهُ عَلى تَرْكِ الِانْتِصارِ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ الجَيِّدَةِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، ويُحْكى أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا في مَجْلِسِ الحَسَنِ، فَكانَ المَسْبُوبُ يَكْظِمُ ويَعْرَقُ فَيَمْسَحُ العَرَقَ، ثُمَّ قامَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الحَسَنُ: عَقَلَها واللَّهِ، وفَهِمَها لَمّا ضَيَّعَها الجاهِلُونَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: فَلَيْسَ لَهُ مِن ناصَرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أيْ مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ، وهَذا صَرِيحٌ في جَوازِ الإضْلالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفي أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ في مَقْدُورِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، قالَ القاضِي: المُرادُ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ عَنِ الجَنَّةِ فَما لَهُ مَن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ يَنْصُرُهُ، والجَوابُ: أنَّ تَقْيِيدَ الإضْلالِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ خِلافُ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى ما أضَلَّهُ عَنِ الجَنَّةِ عَلى قَوْلِكم، بَلْ هو أضَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الجَنَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ والمُرادُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا لِعِظَمِ ما يُشاهِدُونَ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم عِنْدَ عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ خاشِعِينَ حَقِيرِينَ مُهانِينَ بِسَبَبِ ما لَحِقَهم مِنَ الذُّلِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ خَفِيٍّ بِمُسارَقَةٍ؛ كَما تَرى الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنْ يُقْتَلَ فَإنَّهُ يَنْظُرُ إلى السَّيْفِ كَأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْهِ ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنهُ كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى المَحْبُوباتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ الكُفّارِ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: إنَّهم يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم يَكُونُونَ في الِابْتِداءِ هَكَذا، ثُمَّ يُجْعَلُونَ عُمْيًا، أوْ لَعَلَّ هَذا في قَوْمٍ، وذَلِكَ
صفحة ١٥٧
فِي قَوْمٍ آخَرِينَ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ حَكى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ صاحِبُ“الكَشّافِ”:“ يَوْمَ القِيامَةِ ”إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ خَسِرُوا”أوْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ واقِعًا في الدُّنْيا، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ“ قالَ " أيْ: يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ دائِمٍ، قالَ القاضِي: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ والفاسِقَ يَدُومُ عَذابُهُما، والجَوابُ: أنَّ لَفْظَ الظّالِمِ المُطْلَقِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ، قالَ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها لِأجْلِ أنْ تَشْفَعَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ما أتَوْا بِتِلْكَ الشَّفاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكُفّارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو قَوْلُنا ومَذْهَبُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:49
قَوْلُهُ تَعالى ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعْدِ والوَعِيدِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو المَقْصُودُ، فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ يَعْنِي: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَما حَكَمَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿يَأْتِيَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، فَقِيلَ: يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنَّهُ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ وهَذا الوَصْفُ مَوْجُودٌ في كِلا اليَوْمَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ أنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ أوْ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنْ لا مَرَدَّ فِيهِ إلى حالِ التَّكْلِيفِ حَتّى يَحْصُلَ فِيهِ التَّلافِي.
ثُمَّ قالَ تَعالى في وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ﴾ يَنْفَعُ في التَّخَلُّصِ مِنَ العَذابِ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ مِمَّنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ حَتّى يَتَغَيَّرَ حالُكم بِسَبَبِ ذَلِكَ المُنْكَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّكِيرِ الإنْكارَ، أيْ: لا تَقْدِرُونَ أنْ تُنْكِرُوا شَيْئًا مِمّا اقْتَرَفْتُمُوهُ مِنَ الأعْمالِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُهم بِالِاسْتِجابَةِ، أيْ لَمْ
صفحة ١٥٨
يَقْبَلُوا هَذا الأمْرَ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ بِأنْ تَحْفَظَ أعْمالَهم وتُحْصِيَها ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ في إصْرارِهِمْ عَلى مَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ، وذَلِكَ أنَّهم وجَدُوا في الدُّنْيا سَعادَةً وكَرامَةً، والفَوْزُ بِمُطالَبِ الدُّنْيا يُفِيدُ الغُرُورَ والفُجُورَ والتَّكَبُّرَ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ، فَقالَ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ ونِعَمُ اللَّهِ في الدُّنْيا وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً إلّا أنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى السَّعاداتِ المُعَدَّةِ في الآخِرَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، فَلِذَلِكَ سَمّاها ذَوْقًا فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الإنْسانَ إذا فازَ بِهَذا القَدْرِ الحَقِيرِ الَّذِي حَصَلَ في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَفْرَحُ بِها ويَعْظُمُ غُرُورُهُ بِسَبَبِها ويَقَعُ في العُجْبِ والكِبْرِ، ويَظُنُّ أنَّهُ فازَ بِكُلِّ المُنى ووَصَلَ إلى أقاصِي السَّعاداتِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ مَن يَضْعُفُ اعْتِقادُهُ في سَعاداتِ الآخِرَةِ، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُخالِفَةٌ لِطَرِيقَةِ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يَعُدُّ نِعَمَ الدُّنْيا إلّا كالوُصْلَةِ إلى نِعَمِ الآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَتى أصابَتْهم ”سَيِّئَةٌ“ أيْ شَيْءٌ يَسُوءُهم في الحالِ كالمَرَضِ والفَقْرِ وغَيْرِهِما، فَإنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ الكُفْرُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ والكَفُورُ الَّذِي يَكُونُ مُبالِغًا في الكُفْرانِ، ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّهُ كَفُورٌ، لِيُبَيِّنَ أنَّ طَبِيعَةَ الإنْسانِ تَقْتَضِي هَذِهِ الحالَةَ إلّا إذا أدَّبَها الرَّجُلُ بِالآدابِ الَّتِي أرْشَدَ اللَّهُ إلَيْها، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ إذاقَةَ الإنْسانِ الرَّحْمَةَ وإصابَتَهُ بِضِدِّها أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَغْتَرَّ الإنْسانُ بِما مَلَكَهُ مِنَ المالِ والجاهِ، بَلْ إذا عَلِمَ أنَّ الكُلَّ مِلْكُ اللَّهِ ومُلْكُهُ، وأنَّهُ إنَّما حَصَّلَ ذَلِكَ القَدْرَ تَحْتَ يَدِهِ لِأنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى مَزِيدِ الطّاعَةِ والخِدْمَةِ، وأمّا إذا اعْتَقَدَ أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ عَقْلِهِ وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ بَقِيَ مَغْرُورًا بِنَفْسِهِ مُعْرِضًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أقْسامِ تَصَرُّفِ اللَّهِ في العالَمِ أنَّهُ يَخُصُّ البَعْضَ بِالأوْلادِ والإناثِ، والبَعْضَ بِالذُّكُورِ، والبَعْضَ بِهِما، والبَعْضَ بِأنْ يَجْعَلَهُ مَحْرُومًا مِنَ الكُلِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الطَّبائِعِ يَقُولُونَ: السَّبَبُ في حُدُوثِ الوَلَدِ صَلاحُ حالِ النُّطْفَةِ والرَّحِمِ، وسَبَبُ الذُّكُورَةِ اسْتِيلاءُ الحَرارَةِ، وسَبَبُ الأُنُوثَةِ اسْتِيلاءُ البُرُودَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الفَصْلَ بِالِاسْتِقْصاءِ التّامِّ في سُورَةِ النَّحْلِ، وأبْطَلْناهُ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، وظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنَّهُ مِنَ الطَّبائِعِ والأنْجُمِ والأفْلاكِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ الإناثَ في الذِّكْرِ عَلى الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾، ثُمَّ في الآيَةِ الثّانِيَةِ قَدَّمَ الذُّكُورَ عَلى الإناثِ فَقالَ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ فَما السَّبَبُ في هَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ؟
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ الإناثَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ وذَكَرَ الذُّكُورَ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ فَقالَ: ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ فَما السَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ ؟
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ في إعْطاءِ الإناثِ وحْدَهُنَّ، وفي إعْطاءِ الذُّكُورِ وحْدَهم بِلَفْظِ الهِبَةِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ وقالَ في إعْطاءِ الصِّنْفَيْنِ مَعًا ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ .
والسُّؤالُ الرّابِعُ: لَمّا كانَ حُصُولُ الوَلَدِ هِبَةً مِنَ اللَّهِ فَيَكْفِي في عَدَمِ حُصُولِهِ أنْ لا يَهَبَ، فَأيُّ حاجَةٍ في عَدَمِ حُصُولِهِ إلى أنْ يَقُولَ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ ؟
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلِ المُرادُ مِن هَذا الحُكْمِ جَمْعٌ مُعَيَّنُونَ أوِ المُرادُ الحُكْمُ عَلى الإنْسانِ المُطْلَقِ ؟
صفحة ١٥٩
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَرِيمَ يَسْعى في أنْ يَقَعَ الخَتْمُ عَلى الخَيْرِ والرّاحَةِ والسُّرُورِ والبَهْجَةِ، فَإذا وُهِبَ الوَلَدَ الأُنْثى أوَّلًا ثُمَّ أعْطاهُ الذَّكَرَ بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ، وهَذا غايَةُ الكَرَمِ، أمّا إذا أعْطى الوَلَدَ أوَّلًا ثُمَّ أعْطى الأُنْثى ثانِيًا فَكَأنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الفَرَحِ إلى الغَمِّ، فَذَكَرَ تَعالى هِبَةَ الوَلَدِ الأُنْثى أوَّلًا، وثانِيًا هِبَةَ الوَلَدِ الذَّكَرِ حَتّى يَكُونَ قَدْ نَقَلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ ألْيَقَ بِالكَرَمِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إذا أُعْطِيَ الوَلَدَ الأُنْثى أوَّلًا عَلِمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ لَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيَرْضى بِذَلِكَ، فَإذا أعْطاهُ الوَلَدَ الذَّكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإحْسانٌ إلَيْهِ، فَيَزْدادُ شُكْرُهُ وطاعَتُهُ، ويَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِمَحْضِ الفَضْلِ والكَرَمِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ المُذَكِّرِينَ: الأُنْثى ضَعِيفَةٌ ناقِصَةٌ عاجِزَةٌ، فَقَدَّمَ ذِكْرَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كُلَّما كانَ العَجْزُ والحاجَةُ أتَمَّ كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ بِهِ أكْثَرَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: كَأنَّهُ يُقالُ: أيَّتُها المَرْأةُ الضَّعِيفَةُ العاجِزَةُ إنَّ أباكِ وأُمَّكِ يَكْرَهانِ وُجُودَكِ، فَإنْ كانا قَدْ كَرِها وُجُودَكِ فَأنا قَدَّمْتُكِ في الذِّكْرِ لِتَعْلَمِي أنَّ المُحْسِنَ المُكْرِمَ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا عَلِمَتِ المَرْأةُ ذَلِكَ زادَتْ في الطّاعَةِ والخِدْمَةِ والبُعْدِ عَنْ مُوجِباتِ الطَّعْنِ والذَّمِّ، فَهَذِهِ المَعانِي هي الَّتِي لِأجْلِها وقَعَ ذِكْرُ الإناثِ مُقَدَّمًا عَلى ذِكْرِ الذُّكُورِ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الذُّكُورِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى ذِكْرِ الإناثِ لِأنَّ الذَّكَرَ أكْمَلُ وأفْضَلُ مِنَ الأُنْثى، والأفْضَلُ الأكْمَلُ مُقَدَّمٌ عَلى الأخَسِّ الأرْذَلِ، والحاصِلُ أنَّ النَّظَرَ إلى كَوْنِهِ ذَكَرًا أوْ أُنْثى يَقْتَضِي تَقْدِيمَ ذِكْرِ الذَّكَرِ عَلى ذِكْرِ الأُنْثى، أمّا العَوارِضُ الخارِجِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها فَقَدْ أوْجَبَتْ تَقْدِيمَ ذِكْرِ الأُنْثى عَلى ذِكْرِ الذَّكَرِ، فَلَمّا حَصَلَ المُقْتَضِي لِلتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في البابَيْنِ لا جَرَمَ قَدَّمَ هَذا مَرَّةً وقَدَّمَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: لِمَ عَبَّرَ عَنِ الإناثِ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، وعَنِ الذُّكُورِ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ ؟ فَجَوابُهُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِ الذَّكَرِ أفْضَلَ مِنَ الأُنْثى.
وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: لِمَ قالَ تَعالى في إعْطاءِ الصِّنْفَيْنِ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ ؟ فَجَوابُهُ: أنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ يُقْرَنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ فَهُما زَوْجانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُقالُ لَهُ زَوْجٌ، والكِنايَةُ في ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾ عائِدَةٌ عَلى الإناثِ والذُّكُورِ الَّتِي في الآيَةِ الأُولى، والمَعْنى: يَقْرِنُ الإناثَ والذُّكُورَ، فَيَجْعَلُهم أزْواجًا.
وأمّا السُّؤالُ الرّابِعُ: فَجَوابُهُ أنَّ العَقِيمَ هو الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ لا يَلِدُ، وامْرَأةٌ عَقِيمٌ لا تَلِدُ، وأصْلُ العُقْمِ القَطْعُ، ومِنهُ قِيلُ: المُلْكُ عَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ يُقْطَعُ فِيهِ الأرْحامُ بِالقَتْلِ والعُقُوقِ.
وأمّا السُّؤالُ الخامِسُ: فَجَوابُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ يُرِيدُ لُوطًا وشُعَيْبًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُما إلّا البَناتُ ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ يُرِيدُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا الذُّكُورُ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ لَهُ مِنَ البَنِينَ أرْبَعَةٌ: القاسِمُ والطّاهِرُ وعَبْدُ اللَّهِ وإبْراهِيمُ، ومِنَ البَناتِ أرْبَعَةٌ: زَيْنَبُ ورُقَيَّةُ وأُمُّ كُلْثُومٍ وفاطِمَةُ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ يُرِيدُ عِيسى ويَحْيى، وقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا الحُكْمُ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ النّاسِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ نَفاذِ قُدْرَةِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الأشْياءِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، فَلَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِيمٌ بِما خَلَقَ، قَدِيرٌ عَلى ما يَشاءُ أنْ يَخْلُقَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:50
قَوْلُهُ تَعالى ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في الوَعْدِ والوَعِيدِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو المَقْصُودُ، فَقالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ يَعْنِي: لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَما حَكَمَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ ﴿يَأْتِيَ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، فَقِيلَ: يَوْمُ وُرُودِ المَوْتِ، وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ وصَفَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنَّهُ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ وهَذا الوَصْفُ مَوْجُودٌ في كِلا اليَوْمَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ أنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ أوْ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنْ لا مَرَدَّ فِيهِ إلى حالِ التَّكْلِيفِ حَتّى يَحْصُلَ فِيهِ التَّلافِي.
ثُمَّ قالَ تَعالى في وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ﴾ يَنْفَعُ في التَّخَلُّصِ مِنَ العَذابِ ﴿وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ مِمَّنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ حَتّى يَتَغَيَّرَ حالُكم بِسَبَبِ ذَلِكَ المُنْكَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَّكِيرِ الإنْكارَ، أيْ: لا تَقْدِرُونَ أنْ تُنْكِرُوا شَيْئًا مِمّا اقْتَرَفْتُمُوهُ مِنَ الأعْمالِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُهم بِالِاسْتِجابَةِ، أيْ لَمْ
صفحة ١٥٨
يَقْبَلُوا هَذا الأمْرَ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ بِأنْ تَحْفَظَ أعْمالَهم وتُحْصِيَها ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ في إصْرارِهِمْ عَلى مَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ، وذَلِكَ أنَّهم وجَدُوا في الدُّنْيا سَعادَةً وكَرامَةً، والفَوْزُ بِمُطالَبِ الدُّنْيا يُفِيدُ الغُرُورَ والفُجُورَ والتَّكَبُّرَ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ، فَقالَ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ ونِعَمُ اللَّهِ في الدُّنْيا وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً إلّا أنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى السَّعاداتِ المُعَدَّةِ في الآخِرَةِ كالقَطْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ، فَلِذَلِكَ سَمّاها ذَوْقًا فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الإنْسانَ إذا فازَ بِهَذا القَدْرِ الحَقِيرِ الَّذِي حَصَلَ في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَفْرَحُ بِها ويَعْظُمُ غُرُورُهُ بِسَبَبِها ويَقَعُ في العُجْبِ والكِبْرِ، ويَظُنُّ أنَّهُ فازَ بِكُلِّ المُنى ووَصَلَ إلى أقاصِي السَّعاداتِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ مَن يَضْعُفُ اعْتِقادُهُ في سَعاداتِ الآخِرَةِ، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُخالِفَةٌ لِطَرِيقَةِ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يَعُدُّ نِعَمَ الدُّنْيا إلّا كالوُصْلَةِ إلى نِعَمِ الآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَتى أصابَتْهم ”سَيِّئَةٌ“ أيْ شَيْءٌ يَسُوءُهم في الحالِ كالمَرَضِ والفَقْرِ وغَيْرِهِما، فَإنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ الكُفْرُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ والكَفُورُ الَّذِي يَكُونُ مُبالِغًا في الكُفْرانِ، ولَمْ يَقُلْ: فَإنَّهُ كَفُورٌ، لِيُبَيِّنَ أنَّ طَبِيعَةَ الإنْسانِ تَقْتَضِي هَذِهِ الحالَةَ إلّا إذا أدَّبَها الرَّجُلُ بِالآدابِ الَّتِي أرْشَدَ اللَّهُ إلَيْها، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ إذاقَةَ الإنْسانِ الرَّحْمَةَ وإصابَتَهُ بِضِدِّها أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَغْتَرَّ الإنْسانُ بِما مَلَكَهُ مِنَ المالِ والجاهِ، بَلْ إذا عَلِمَ أنَّ الكُلَّ مِلْكُ اللَّهِ ومُلْكُهُ، وأنَّهُ إنَّما حَصَّلَ ذَلِكَ القَدْرَ تَحْتَ يَدِهِ لِأنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ حامِلًا لَهُ عَلى مَزِيدِ الطّاعَةِ والخِدْمَةِ، وأمّا إذا اعْتَقَدَ أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ عَقْلِهِ وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ بَقِيَ مَغْرُورًا بِنَفْسِهِ مُعْرِضًا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَ مِن أقْسامِ تَصَرُّفِ اللَّهِ في العالَمِ أنَّهُ يَخُصُّ البَعْضَ بِالأوْلادِ والإناثِ، والبَعْضَ بِالذُّكُورِ، والبَعْضَ بِهِما، والبَعْضَ بِأنْ يَجْعَلَهُ مَحْرُومًا مِنَ الكُلِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الطَّبائِعِ يَقُولُونَ: السَّبَبُ في حُدُوثِ الوَلَدِ صَلاحُ حالِ النُّطْفَةِ والرَّحِمِ، وسَبَبُ الذُّكُورَةِ اسْتِيلاءُ الحَرارَةِ، وسَبَبُ الأُنُوثَةِ اسْتِيلاءُ البُرُودَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا الفَصْلَ بِالِاسْتِقْصاءِ التّامِّ في سُورَةِ النَّحْلِ، وأبْطَلْناهُ بِالدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ، وظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنَّهُ مِنَ الطَّبائِعِ والأنْجُمِ والأفْلاكِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ قَدَّمَ الإناثَ في الذِّكْرِ عَلى الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾، ثُمَّ في الآيَةِ الثّانِيَةِ قَدَّمَ الذُّكُورَ عَلى الإناثِ فَقالَ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ فَما السَّبَبُ في هَذا التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ؟
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ الإناثَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ وذَكَرَ الذُّكُورَ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ فَقالَ: ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ فَما السَّبَبُ في هَذا الفَرْقِ ؟
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ في إعْطاءِ الإناثِ وحْدَهُنَّ، وفي إعْطاءِ الذُّكُورِ وحْدَهم بِلَفْظِ الهِبَةِ فَقالَ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ وقالَ في إعْطاءِ الصِّنْفَيْنِ مَعًا ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ .
والسُّؤالُ الرّابِعُ: لَمّا كانَ حُصُولُ الوَلَدِ هِبَةً مِنَ اللَّهِ فَيَكْفِي في عَدَمِ حُصُولِهِ أنْ لا يَهَبَ، فَأيُّ حاجَةٍ في عَدَمِ حُصُولِهِ إلى أنْ يَقُولَ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ ؟
السُّؤالُ الخامِسُ: هَلِ المُرادُ مِن هَذا الحُكْمِ جَمْعٌ مُعَيَّنُونَ أوِ المُرادُ الحُكْمُ عَلى الإنْسانِ المُطْلَقِ ؟
صفحة ١٥٩
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَرِيمَ يَسْعى في أنْ يَقَعَ الخَتْمُ عَلى الخَيْرِ والرّاحَةِ والسُّرُورِ والبَهْجَةِ، فَإذا وُهِبَ الوَلَدَ الأُنْثى أوَّلًا ثُمَّ أعْطاهُ الذَّكَرَ بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ، وهَذا غايَةُ الكَرَمِ، أمّا إذا أعْطى الوَلَدَ أوَّلًا ثُمَّ أعْطى الأُنْثى ثانِيًا فَكَأنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الفَرَحِ إلى الغَمِّ، فَذَكَرَ تَعالى هِبَةَ الوَلَدِ الأُنْثى أوَّلًا، وثانِيًا هِبَةَ الوَلَدِ الذَّكَرِ حَتّى يَكُونَ قَدْ نَقَلَهُ مِنَ الغَمِّ إلى الفَرَحِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ ألْيَقَ بِالكَرَمِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إذا أُعْطِيَ الوَلَدَ الأُنْثى أوَّلًا عَلِمَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ لَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيَرْضى بِذَلِكَ، فَإذا أعْطاهُ الوَلَدَ الذَّكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإحْسانٌ إلَيْهِ، فَيَزْدادُ شُكْرُهُ وطاعَتُهُ، ويَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِمَحْضِ الفَضْلِ والكَرَمِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ المُذَكِّرِينَ: الأُنْثى ضَعِيفَةٌ ناقِصَةٌ عاجِزَةٌ، فَقَدَّمَ ذِكْرَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كُلَّما كانَ العَجْزُ والحاجَةُ أتَمَّ كانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ بِهِ أكْثَرَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: كَأنَّهُ يُقالُ: أيَّتُها المَرْأةُ الضَّعِيفَةُ العاجِزَةُ إنَّ أباكِ وأُمَّكِ يَكْرَهانِ وُجُودَكِ، فَإنْ كانا قَدْ كَرِها وُجُودَكِ فَأنا قَدَّمْتُكِ في الذِّكْرِ لِتَعْلَمِي أنَّ المُحْسِنَ المُكْرِمَ هو اللَّهُ تَعالى، فَإذا عَلِمَتِ المَرْأةُ ذَلِكَ زادَتْ في الطّاعَةِ والخِدْمَةِ والبُعْدِ عَنْ مُوجِباتِ الطَّعْنِ والذَّمِّ، فَهَذِهِ المَعانِي هي الَّتِي لِأجْلِها وقَعَ ذِكْرُ الإناثِ مُقَدَّمًا عَلى ذِكْرِ الذُّكُورِ، وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الذُّكُورِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى ذِكْرِ الإناثِ لِأنَّ الذَّكَرَ أكْمَلُ وأفْضَلُ مِنَ الأُنْثى، والأفْضَلُ الأكْمَلُ مُقَدَّمٌ عَلى الأخَسِّ الأرْذَلِ، والحاصِلُ أنَّ النَّظَرَ إلى كَوْنِهِ ذَكَرًا أوْ أُنْثى يَقْتَضِي تَقْدِيمَ ذِكْرِ الذَّكَرِ عَلى ذِكْرِ الأُنْثى، أمّا العَوارِضُ الخارِجِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْناها فَقَدْ أوْجَبَتْ تَقْدِيمَ ذِكْرِ الأُنْثى عَلى ذِكْرِ الذَّكَرِ، فَلَمّا حَصَلَ المُقْتَضِي لِلتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في البابَيْنِ لا جَرَمَ قَدَّمَ هَذا مَرَّةً وقَدَّمَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: لِمَ عَبَّرَ عَنِ الإناثِ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، وعَنِ الذُّكُورِ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ ؟ فَجَوابُهُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى كَوْنِ الذَّكَرِ أفْضَلَ مِنَ الأُنْثى.
وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: لِمَ قالَ تَعالى في إعْطاءِ الصِّنْفَيْنِ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ ؟ فَجَوابُهُ: أنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ يُقْرَنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ فَهُما زَوْجانِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُقالُ لَهُ زَوْجٌ، والكِنايَةُ في ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾ عائِدَةٌ عَلى الإناثِ والذُّكُورِ الَّتِي في الآيَةِ الأُولى، والمَعْنى: يَقْرِنُ الإناثَ والذُّكُورَ، فَيَجْعَلُهم أزْواجًا.
وأمّا السُّؤالُ الرّابِعُ: فَجَوابُهُ أنَّ العَقِيمَ هو الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ، يُقالُ: رَجُلٌ عَقِيمٌ لا يَلِدُ، وامْرَأةٌ عَقِيمٌ لا تَلِدُ، وأصْلُ العُقْمِ القَطْعُ، ومِنهُ قِيلُ: المُلْكُ عَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ يُقْطَعُ فِيهِ الأرْحامُ بِالقَتْلِ والعُقُوقِ.
وأمّا السُّؤالُ الخامِسُ: فَجَوابُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا﴾ يُرِيدُ لُوطًا وشُعَيْبًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُما إلّا البَناتُ ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ يُرِيدُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا الذُّكُورُ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ لَهُ مِنَ البَنِينَ أرْبَعَةٌ: القاسِمُ والطّاهِرُ وعَبْدُ اللَّهِ وإبْراهِيمُ، ومِنَ البَناتِ أرْبَعَةٌ: زَيْنَبُ ورُقَيَّةُ وأُمُّ كُلْثُومٍ وفاطِمَةُ ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ يُرِيدُ عِيسى ويَحْيى، وقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هَذا الحُكْمُ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ النّاسِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ نَفاذِ قُدْرَةِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الأشْياءِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، فَلَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ مَعْنًى، واللَّهُ أعْلَمُ. ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِيمٌ بِما خَلَقَ، قَدِيرٌ عَلى ما يَشاءُ أنْ يَخْلُقَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشورى 42:51
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ كَيْفَ يَخُصُّ أنْبِياءَهُ بِوَحْيِهِ وكَلامِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ﴾ وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ إلّا عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا عَلى الوَحْيِ وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ، أوِ المَنامُ كَما أوْحى اللَّهُ إلى أُمِّمُوسى وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مُبَلِّغٍ، وهَذا أيْضًا وحْيٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى أسْمَعَ مُوسى كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ مَعَ أنَّهُ سَمّاهُ وحْيًا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُبَلِّغَ ذَلِكَ المَلَكُ ذَلِكَ الوَحْيَ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ. فَطَرِيقُ الحَصْرِ أنْ يُقالَ: وُصُولُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ إلى البَشَرِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مُبَلِّغٍ أوْ يَكُونَ بِواسِطَةِ مُبَلِّغٍ، وإذا كانَ الأوَّلُ وهو أنْ يَصِلَ إلَيْهِ وحْيُ اللَّهِ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ فَهَهُنا إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، أوْ يَسْمَعُهُ، أمّا الأوَّلُ وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ وما سَمِعَ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا وحْيًا﴾ .
وأمّا الثّانِي: وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ ولَكِنَّهُ سَمِعَ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ .
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ وحْيٌ، إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ القِسْمَ الأوَّلَ بِاسْمِ الوَحْيِ، لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ فَهو يَقَعُ دُفْعَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى، فَهَذا هو الكَلامُ في تَمْيِيزِ هَذِهِ الأقْسامِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ في مَكانٍ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وإنَّما يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ وجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ. والجَوابُ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ وإنْ أوْهَمَ ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في المَكانِ والجِهَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّ الرَّجُلَ إذا سَمِعَ كَلامًا مَعَ أنَّهُ لا يَرى ذَلِكَ المُتَكَلِّمَ كانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِما إذا تَكَلَّمَ مِن وراءِ حِجابٍ، والمُشابَهَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ المَجازِ.
صفحة ١٦١
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَصَرَ أقْسامَ وحْيِهِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ولَوْ صَحَّتْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى لَصَحَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ العَبْدِ حالَ ما يَراهُ العَبْدُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ قِسْمًا رابِعًا زائِدًا عَلى هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، واللَّهُ تَعالى نَفى القِسْمَ الرّابِعَ بِقَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ إلّا عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. والجَوابُ: نَزِيدُ في اللَّفْظِ قَيْدًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلّا عَلى أحَدِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ ما ذَكَرْتُمُوهُ، وزِيادَةُ هَذا القَيْدِ وإنْ كانَتْ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْها لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ وبَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى حُصُولِ الرُّؤْيَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَكَلِّمٌ، ومَن سِوى الأشْعَرِيِّ وأتْباعِهِ أطْبَقُوا عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ هو هَذِهِ الحُرُوفُ المَسْمُوعَةُ والأصْواتُ المُؤَلَّفَةُ، وأمّا الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ يُعَبَّرُ عَنْها بِهَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ.
أمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: كَلامُ اللَّهِ تَعالى هو هَذِهِ الحُرُوفُ والكَلِماتُ، فَهم فَرِيقانِ: أحَدُهُما: الحَنابِلَةُ الَّذِينَ قالُوا بِقِدَمِ هَذِهِ الحُرُوفِ، وهَؤُلاءِ أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرُوا في زُمْرَةِ العُقَلاءِ، واتَّفَقَ أنِّي قُلْتُ يَوْمًا لِبَعْضِهِمْ: لَوْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ إمّا أنْ يَتَكَلَّمَ بِها دُفْعَةً واحِدَةً أوْ عَلى التَّعاقُبِ والتَّوالِي، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ بِجُمْلَةِ هَذِهِ الحُرُوفِ دُفْعَةً واحِدَةً لا يُفِيدُ هَذا النَّظْمَ المُرَكَّبَ عَلى هَذا التَّعاقُبِ والتَّوالِي، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ هَذا النَّظْمُ المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى لَوْ تَكَلَّمَ بِها عَلى التَّوالِي والتَّعاقُبِ كانَتْ مُحْدَثَةً، ولَمّا سَمِعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هَذا الكَلامَ قالَ: الواجِبُ عَلَيْنا أنْ نُقِرَّ ونَمُرَّ، يَعْنِي نُقِرُّ بِأنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ، ونَمُرُّ عَلى هَذا الكَلامِ عَلى وفْقِ ما سَمِعْناهُ، فَتَعَجَّبْتُ مِن سَلامَةِ قَلْبِ ذَلِكَ القائِلِ، وأمّا العُقَلاءُ مِنَ النّاسِ فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ كائِنَةٌ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، حاصِلَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَعْدُومَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في أنَّها هَلْ هي مَخْلُوقَةٌ، أوْ لا يُقالُ ذَلِكَ، بَلْ يُقالُ إنَّها حادِثَةٌ أوْ يُعَبَّرُ عَنْها بِعِبارَةٍ أُخْرى ؟ واخْتَلَفُوا أيْضًا في أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ هَلْ هي قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَخْلُقُها في جِسْمٍ آخَرَ، فالأوَّلُ: هو قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا الأشْعَرِيَّةُ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ كَلامَ اللَّهِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ والعِباراتُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ هو أنَّ المَلَكَ والرَّسُولَ يَسْمَعُ ذَلِكَ الكَلامَ المُنَزَّهَ عَنِ الحَرْفِ والصَّوْتِ مِن وراءِ حِجابٍ، قالُوا: وكَما لا يَبْعُدُ أنْ تَرى ذاتَ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا في حَيِّزٍ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ حَرْفًا ولا صَوْتًا ؟ وزَعَمَ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ القائِمَةَ يَمْتَنِعُ كَوْنُها مَسْمُوعَةً، وإنَّما المَسْمُوعُ حُرُوفٌ وأصْواتٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِن قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”أنْ“ مَعَ المُضارِعِ تُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ الكَلامَ بِأنَّهُ وحْيٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الوَحْيِ يُفِيدُ أنَّهُ وقَعَ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِ مِثْلَ الكَلامِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي يُبَلِّغُهُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ حادِثٌ، فَلَمّا كانَ الكَلامُ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ مُماثِلًا لِهَذا الَّذِي بَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ
صفحة ١٦٢
البَشَرِيِّ، وهَذا الَّذِي بَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ حادِثٌ، ومِثْلُ الحادِثِ حادِثٌ - وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ حادِثٌ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ الوَحْيِ حاصِلًا بَعْدَ الإرْسالِ، وما كانَ حُصُولُهُ مُتَأخِّرًا عَنْ حُصُولِ غَيْرِهِ كانَ حادِثًا.
والجَوابُ: أنّا نَصْرِفُ جُمْلَةَ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها إلى الحُرُوفِ والأصْواتِ ونَعْتَرِفُ بِأنَّها حادِثَةٌ كائِنَةٌ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ شاهِدَةٌ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ الَّذِي عَلِمْتَ صِحَّتَهُ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ وبِظَواهِرِ القُرْآنِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ثَبَتَ أنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إمّا أنْ لا يَكُونَ بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ وحْيٍ حاصِلًا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِحُصُولِ وحْيٍ يَحْصُلُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّخْصَ الأوَّلَ الَّذِي سَمِعَ وحْيَ اللَّهِ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ كَيْفَ يَعْرِفُ أنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ - كَلامُ اللَّهِ، فَإنْ قُلْنا إنَّهُ سَمِعَ تِلْكَ الصِّفَةَ القَدِيمَةَ المُنَزَّهَةَ عَنْ كَوْنِها حَرْفًا وصَوْتًا، لَمْ يَبْعُدْ أنَّهُ إذا سَمِعَها عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنَها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ إنَّهُ يَحْتاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى دَلِيلٍ زائِدٍ، أمّا إنْ قُلْنا إنَّ المَسْمُوعَ هو الحَرْفُ والصَّوْتُ امْتَنَعَ أنْ يُقْطَعَ بِكَوْنِهِ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، إلّا إذا ظَهَرَتْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَسْمُوعَ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ إذا سَمِعَهُ مِنَ المَلَكِ كَيْفَ يَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ المُبَلِّغَ مَلَكٌ مَعْصُومٌ لا شَيْطانٌ مُضِلٌّ ؟ والحَقُّ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِذَلِكَ إلّا بِناءً عَلى مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُبَلِّغَ مَلَكٌ مَعْصُومٌ، لا شَيْطانٌ خَبِيثٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثِ مَراتِبَ في ظُهُورِ المُعْجِزاتِ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: أنَّ المَلَكَ إذا سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ ذَلِكَ المَلَكَ إذا وصَلَ إلى الرَّسُولِ لا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُعْجِزَةٍ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ إذا أوْصَلَهُ إلى الأُمَّةِ، فَلا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُعْجِزَةٍ، فَثَبَتَ أنَّ التَّكْلِيفَ لا يَتَوَجَّهُ عَلى الخَلْقِ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ ثَلاثِ مَراتِبَ في المُعْجِزاتِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ قَدْ سَمِعَ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً، فَذَلِكَ المَلَكُ هو جِبْرِيلُ، ويُقالُ: لَعَلَّ جِبْرِيلَ سَمِعَهُ مِن مَلَكٍ آخَرَ، فالكُلُّ مُحْتَمَلٌ ولَوْ بِألْفِ واسِطَةٍ، ولَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى القَطْعِ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: هَلْ في البَشَرِ مَن سَمِعَ وحْيَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ؟ المَشْهُورُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ وقِيلَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ سَمِعَهُ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] .
البَحْثُ الخامِسُ: أنَّ المَلائِكَةَ يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُظْهِرُوا أنْفُسَهم عَلى أشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَراهُ الرَّسُولُ ﷺ في كُلِّ مَرَّةٍ وجَبَ أنْ يَحْتاجَ إلى المُعْجِزَةِ، لِيَعْرِفَ أنَّ هَذا الَّذِي رَآهُ في هَذِهِ المَرَّةِ عَيْنُ ما رَآهُ في المَرَّةِ الأُولى، وإنْ كانَ لا يَرى شَخْصَهُ كانَتِ الحاجَةُ إلى المُعْجِزَةِ أقْوى، لِاحْتِمالِ أنَّهُ حَصَلَ الِاشْتِباهُ في
صفحة ١٦٣
الصَّوْتِ، إلّا أنَّ الإشْكالَ في أنَّ الحاجَةَ إلى إظْهارِ المُعْجِزَةِ في كُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّتِ المُناظَراتُ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ إبْلِيسَ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَ إبْلِيسَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، فَذَلِكَ هَلْ يُسَمّى وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى إبْلِيسَ أوْ لا، الأظْهَرُ مَنعُهُ، ولا بُدَّ في هَذا المَوْضِعِ مِن بَحْثٍ غامِضٍ كامِلٍ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا“ بِرَفْعِ اللّامِ، ”فَيُوحِي“ بِسُكُونِ الياءِ ومَحَلُّهُ رَفْعٌ؛ عَلى تَقْدِيرِ: وهو يُرْسِلُ فَيُوحِي، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ إسْماعًا لِكَلامِهِ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ، لَكِنْ فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ وحْيًا أوْ إسْماعًا اسْمٌ، وقَوْلُهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ فِعْلٌ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ قَبِيحٌ، فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ إلّا أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ وحْيًا أوْ يُسْمِعَ إسْماعًا مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: الصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ أنَّ عِنْدَما يُبَلِّغُ المَلَكُ الوَحْيَ إلى الرَّسُولِ، لا يَقْدِرُ الشَّيْطانُ عَلى إلْقاءِ الباطِلِ في أثْناءِ ذَلِكَ الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] وقالُوا: الشَّيْطانُ ألْقى في أثْناءِ سُورَةِ النَّجْمِ ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى“ وكانَ صَدِيقُنا المَلِكُ سامُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وكانَ أفْضَلَ مَن لَقِيتُهُ مِن أرْبابِ السَّلْطَنَةِ يَقُولُ: هَذا الكَلامُ بَعْدَ الدَّلائِلِ القَوِيَّةِ القاهِرَةِ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِصُورَتِي» فَإذا لَمْ يَقْدِرِ الشَّيْطانُ عَلى أنْ يَتَمَثَّلَ في المَنامِ بِصُورَةِ الرَّسُولِ، فَكَيْفَ قَدَرَ عَلى التَّشَبُّهِ بِجِبْرِيلَ حالَ اشْتِغالِ تَبْلِيغِ وحْيِ اللَّهِ تَعالى ؟
والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما سَلَكَ عُمَرُ فَجًّا إلّا وسَلَكَ الشَّيْطانُ فَجًّا آخَرَ» فَإذا لَمْ يَقْدِرِ الشَّيْطانُ أنْ يَحْضُرَ مَعَ عُمَرَ في فَجٍّ واحِدٍ، فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَحْضُرَ مَعَ جِبْرِيلَ في مَوْقِفِ تَبْلِيغِ وحْيِ اللَّهِ تَعالى ؟
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي فَيُوحِي ذَلِكَ المَلَكُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ اللَّهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الحُسْنَ لا يَحْسُنُ لِوَجْهٍ عائِدٍ عَلَيْهِ، وأنَّ القَبِيحَ لا يَقْبُحُ لِوَجْهٍ عائِدٍ إلَيْهِ، بَلْ لِلَّهِ أنْ يَأْمُرَ بِما يَشاءُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وأنْ يَنْهى عَمّا يَشاءُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما صَحَّ قَوْلُهُ (ما يَشاءُ) واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى مُوجَبِ الحِكْمَةِ، فَيَتَكَلَّمُ تارَةً بِغَيْرِ واسِطَةٍ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ، وأُخْرى بِإسْماعِ الكَلامِ، وثالِثًا بِتَوْسِيطِ المَلائِكَةِ الكِرامِ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ أقْسامِ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وسَمّاهُ رُوحًا، لِأنَّهُ يُفِيدُ الحَياةَ مِن مَوْتِ الجَهْلِ أوِ الكُفْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الرُّسُلُ كانُوا قَبْلَ الوَحْيِ عَلى الكُفْرِ، وذَكَرُوا في الجَوابِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيِ القُرْآنُ (ولا الإيمانُ) أيِ الصَّلاةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ:
صفحة ١٦٤
١٤٣ ] أيْ صَلاتَكم.
الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ ومَن أهْلُ الإيمانِ، يَعْنِي مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ، ومَنِ الَّذِي لا يُؤْمِنُ.
الثّالِثُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ حِينَ كُنْتَ طِفْلًا في المَهْدِ.
الرّابِعُ: (الإيمانُ) عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِجَمِيعِ ما كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وإنَّهُ [ﷺ] قَبْلَ النُّبُوَّةِ ما كانَ عارِفًا بِجَمِيعِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يُنافِي ما ذَكَرْناهُ.
الخامِسُ: صِفاتُ اللَّهِ تَعالى عَلى قِسْمَيْنِ:
مِنها ما يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِمَحْضِ دَلائِلِ العَقْلِ، ومِنها ما لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلّا بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ. فَهَذا القِسْمُ الثّانِي لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهُ حاصِلَةً قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ واخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ مِنهم مَن قالَ إنَّهُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ دُونَ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الأحْكامُ، فَلا جَرَمَ شُبِّهَ بِالنُّورِ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ، ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ راجِعٌ إلَيْهِما مَعًا، وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجُمُعَةِ: ١١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ جَعَلَ القُرْآنَ نَفْسَهُ في نَفْسِهِ هُدًى كَما قالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَإنَّهُ قَدْ يَهْدِي بِهِ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، وهَذِهِ الهِدايَةُ لَيْسَتْ إلّا عِبارَةً عَنِ الدَّعْوَةِ وإيضاحِ الأدِلَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو يُفِيدُ العُمُومَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، وقَوْلُهُ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ يُفِيدُ الخُصُوصَ، فَثَبَتَ أنَّ الهِدايَةَ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ عامَّةٌ، والهِدايَةَ في قَوْلِهِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ خاصَّةٌ، والهِدايَةُ الخاصَّةُ غَيْرُ الهِدايَةِ العامَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ أمْرًا مُغايِرًا لِإظْهارِ الدَّلائِلِ ولِإزالَةِ الأعْذارِ، ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الهِدايَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ أيْ: جَعَلْنا القُرْآنَ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالهِدايَةِ الَّتِي تَحْصُلُ في الدُّنْيا، وأيْضًا فالهِدايَةُ إلى الجَنَّةِ عِنْدَكم في حَقِّ البَعْضِ واجِبٌ، وفي حَقِّ الآخَرِينَ مَحْظُورٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ ﴿مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ فائِدَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فِيهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما أنَّ القُرْآنَ يَهْدِي فَكَذَلِكَ الرَّسُولُ يَهْدِي، وبَيَّنَ أنَّهُ ”يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ“ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصِّراطَ هو ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي تَجُوزُ عِبادَتُهُ هو الَّذِي يَمْلِكُ السَّماواتِ والأرْضَ، والغَرَضُ مِنهُ إبْطالُ قَوْلِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ وذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ، فَبَيَّنَ أنَّ أمْرَ مَن لا يَقْبَلُ هَذِهِ التَّكالِيفَ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى حَيْثُ لا حاكِمَ سِواهُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.
قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ آخِرَ يَوْمِ الجُمُعَةِ الثّامِنِ مِن شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، يا مُدَبِّرَ الأُمُورِ، ويا مُدَهِّرَ الدُّهُورِ، ويا مُعْطِيَ كُلِّ خَيْرٍ وسُرُورٍ، ويا دافِعَ البَلايا والشُّرُورِ، أوْصِلْنا إلى مَنازِلِ النُّورِ، في ظُلُماتِ القُبُورِ بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
الشورى 42:52
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ كَيْفَ يَخُصُّ أنْبِياءَهُ بِوَحْيِهِ وكَلامِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ﴾ وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ إلّا عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا عَلى الوَحْيِ وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ، أوِ المَنامُ كَما أوْحى اللَّهُ إلى أُمِّمُوسى وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مُبَلِّغٍ، وهَذا أيْضًا وحْيٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى أسْمَعَ مُوسى كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ مَعَ أنَّهُ سَمّاهُ وحْيًا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُبَلِّغَ ذَلِكَ المَلَكُ ذَلِكَ الوَحْيَ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ. فَطَرِيقُ الحَصْرِ أنْ يُقالَ: وُصُولُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ إلى البَشَرِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مُبَلِّغٍ أوْ يَكُونَ بِواسِطَةِ مُبَلِّغٍ، وإذا كانَ الأوَّلُ وهو أنْ يَصِلَ إلَيْهِ وحْيُ اللَّهِ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ فَهَهُنا إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، أوْ يَسْمَعُهُ، أمّا الأوَّلُ وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ وما سَمِعَ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا وحْيًا﴾ .
وأمّا الثّانِي: وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ ولَكِنَّهُ سَمِعَ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ .
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ وحْيٌ، إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ القِسْمَ الأوَّلَ بِاسْمِ الوَحْيِ، لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ فَهو يَقَعُ دُفْعَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى، فَهَذا هو الكَلامُ في تَمْيِيزِ هَذِهِ الأقْسامِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ في مَكانٍ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وإنَّما يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ وجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ. والجَوابُ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ وإنْ أوْهَمَ ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في المَكانِ والجِهَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّ الرَّجُلَ إذا سَمِعَ كَلامًا مَعَ أنَّهُ لا يَرى ذَلِكَ المُتَكَلِّمَ كانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِما إذا تَكَلَّمَ مِن وراءِ حِجابٍ، والمُشابَهَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ المَجازِ.
صفحة ١٦١
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَصَرَ أقْسامَ وحْيِهِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ولَوْ صَحَّتْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى لَصَحَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ العَبْدِ حالَ ما يَراهُ العَبْدُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ قِسْمًا رابِعًا زائِدًا عَلى هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، واللَّهُ تَعالى نَفى القِسْمَ الرّابِعَ بِقَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ إلّا عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. والجَوابُ: نَزِيدُ في اللَّفْظِ قَيْدًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلّا عَلى أحَدِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ ما ذَكَرْتُمُوهُ، وزِيادَةُ هَذا القَيْدِ وإنْ كانَتْ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْها لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ وبَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى حُصُولِ الرُّؤْيَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَكَلِّمٌ، ومَن سِوى الأشْعَرِيِّ وأتْباعِهِ أطْبَقُوا عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ هو هَذِهِ الحُرُوفُ المَسْمُوعَةُ والأصْواتُ المُؤَلَّفَةُ، وأمّا الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ يُعَبَّرُ عَنْها بِهَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ.
أمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: كَلامُ اللَّهِ تَعالى هو هَذِهِ الحُرُوفُ والكَلِماتُ، فَهم فَرِيقانِ: أحَدُهُما: الحَنابِلَةُ الَّذِينَ قالُوا بِقِدَمِ هَذِهِ الحُرُوفِ، وهَؤُلاءِ أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرُوا في زُمْرَةِ العُقَلاءِ، واتَّفَقَ أنِّي قُلْتُ يَوْمًا لِبَعْضِهِمْ: لَوْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ إمّا أنْ يَتَكَلَّمَ بِها دُفْعَةً واحِدَةً أوْ عَلى التَّعاقُبِ والتَّوالِي، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ بِجُمْلَةِ هَذِهِ الحُرُوفِ دُفْعَةً واحِدَةً لا يُفِيدُ هَذا النَّظْمَ المُرَكَّبَ عَلى هَذا التَّعاقُبِ والتَّوالِي، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ هَذا النَّظْمُ المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى لَوْ تَكَلَّمَ بِها عَلى التَّوالِي والتَّعاقُبِ كانَتْ مُحْدَثَةً، ولَمّا سَمِعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هَذا الكَلامَ قالَ: الواجِبُ عَلَيْنا أنْ نُقِرَّ ونَمُرَّ، يَعْنِي نُقِرُّ بِأنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ، ونَمُرُّ عَلى هَذا الكَلامِ عَلى وفْقِ ما سَمِعْناهُ، فَتَعَجَّبْتُ مِن سَلامَةِ قَلْبِ ذَلِكَ القائِلِ، وأمّا العُقَلاءُ مِنَ النّاسِ فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ كائِنَةٌ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، حاصِلَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَعْدُومَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في أنَّها هَلْ هي مَخْلُوقَةٌ، أوْ لا يُقالُ ذَلِكَ، بَلْ يُقالُ إنَّها حادِثَةٌ أوْ يُعَبَّرُ عَنْها بِعِبارَةٍ أُخْرى ؟ واخْتَلَفُوا أيْضًا في أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ هَلْ هي قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَخْلُقُها في جِسْمٍ آخَرَ، فالأوَّلُ: هو قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا الأشْعَرِيَّةُ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ كَلامَ اللَّهِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ والعِباراتُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ هو أنَّ المَلَكَ والرَّسُولَ يَسْمَعُ ذَلِكَ الكَلامَ المُنَزَّهَ عَنِ الحَرْفِ والصَّوْتِ مِن وراءِ حِجابٍ، قالُوا: وكَما لا يَبْعُدُ أنْ تَرى ذاتَ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا في حَيِّزٍ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ حَرْفًا ولا صَوْتًا ؟ وزَعَمَ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ القائِمَةَ يَمْتَنِعُ كَوْنُها مَسْمُوعَةً، وإنَّما المَسْمُوعُ حُرُوفٌ وأصْواتٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِن قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”أنْ“ مَعَ المُضارِعِ تُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ الكَلامَ بِأنَّهُ وحْيٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الوَحْيِ يُفِيدُ أنَّهُ وقَعَ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِ مِثْلَ الكَلامِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي يُبَلِّغُهُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ حادِثٌ، فَلَمّا كانَ الكَلامُ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ مُماثِلًا لِهَذا الَّذِي بَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ
صفحة ١٦٢
البَشَرِيِّ، وهَذا الَّذِي بَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ حادِثٌ، ومِثْلُ الحادِثِ حادِثٌ - وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ حادِثٌ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ الوَحْيِ حاصِلًا بَعْدَ الإرْسالِ، وما كانَ حُصُولُهُ مُتَأخِّرًا عَنْ حُصُولِ غَيْرِهِ كانَ حادِثًا.
والجَوابُ: أنّا نَصْرِفُ جُمْلَةَ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها إلى الحُرُوفِ والأصْواتِ ونَعْتَرِفُ بِأنَّها حادِثَةٌ كائِنَةٌ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ شاهِدَةٌ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ الَّذِي عَلِمْتَ صِحَّتَهُ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ وبِظَواهِرِ القُرْآنِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ثَبَتَ أنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إمّا أنْ لا يَكُونَ بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ وحْيٍ حاصِلًا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِحُصُولِ وحْيٍ يَحْصُلُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّخْصَ الأوَّلَ الَّذِي سَمِعَ وحْيَ اللَّهِ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ كَيْفَ يَعْرِفُ أنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ - كَلامُ اللَّهِ، فَإنْ قُلْنا إنَّهُ سَمِعَ تِلْكَ الصِّفَةَ القَدِيمَةَ المُنَزَّهَةَ عَنْ كَوْنِها حَرْفًا وصَوْتًا، لَمْ يَبْعُدْ أنَّهُ إذا سَمِعَها عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنَها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ إنَّهُ يَحْتاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى دَلِيلٍ زائِدٍ، أمّا إنْ قُلْنا إنَّ المَسْمُوعَ هو الحَرْفُ والصَّوْتُ امْتَنَعَ أنْ يُقْطَعَ بِكَوْنِهِ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، إلّا إذا ظَهَرَتْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَسْمُوعَ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ إذا سَمِعَهُ مِنَ المَلَكِ كَيْفَ يَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ المُبَلِّغَ مَلَكٌ مَعْصُومٌ لا شَيْطانٌ مُضِلٌّ ؟ والحَقُّ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِذَلِكَ إلّا بِناءً عَلى مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُبَلِّغَ مَلَكٌ مَعْصُومٌ، لا شَيْطانٌ خَبِيثٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثِ مَراتِبَ في ظُهُورِ المُعْجِزاتِ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: أنَّ المَلَكَ إذا سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ ذَلِكَ المَلَكَ إذا وصَلَ إلى الرَّسُولِ لا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُعْجِزَةٍ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ إذا أوْصَلَهُ إلى الأُمَّةِ، فَلا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُعْجِزَةٍ، فَثَبَتَ أنَّ التَّكْلِيفَ لا يَتَوَجَّهُ عَلى الخَلْقِ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ ثَلاثِ مَراتِبَ في المُعْجِزاتِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ قَدْ سَمِعَ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً، فَذَلِكَ المَلَكُ هو جِبْرِيلُ، ويُقالُ: لَعَلَّ جِبْرِيلَ سَمِعَهُ مِن مَلَكٍ آخَرَ، فالكُلُّ مُحْتَمَلٌ ولَوْ بِألْفِ واسِطَةٍ، ولَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى القَطْعِ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: هَلْ في البَشَرِ مَن سَمِعَ وحْيَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ؟ المَشْهُورُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ وقِيلَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ سَمِعَهُ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] .
البَحْثُ الخامِسُ: أنَّ المَلائِكَةَ يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُظْهِرُوا أنْفُسَهم عَلى أشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَراهُ الرَّسُولُ ﷺ في كُلِّ مَرَّةٍ وجَبَ أنْ يَحْتاجَ إلى المُعْجِزَةِ، لِيَعْرِفَ أنَّ هَذا الَّذِي رَآهُ في هَذِهِ المَرَّةِ عَيْنُ ما رَآهُ في المَرَّةِ الأُولى، وإنْ كانَ لا يَرى شَخْصَهُ كانَتِ الحاجَةُ إلى المُعْجِزَةِ أقْوى، لِاحْتِمالِ أنَّهُ حَصَلَ الِاشْتِباهُ في
صفحة ١٦٣
الصَّوْتِ، إلّا أنَّ الإشْكالَ في أنَّ الحاجَةَ إلى إظْهارِ المُعْجِزَةِ في كُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّتِ المُناظَراتُ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ إبْلِيسَ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَ إبْلِيسَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، فَذَلِكَ هَلْ يُسَمّى وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى إبْلِيسَ أوْ لا، الأظْهَرُ مَنعُهُ، ولا بُدَّ في هَذا المَوْضِعِ مِن بَحْثٍ غامِضٍ كامِلٍ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا“ بِرَفْعِ اللّامِ، ”فَيُوحِي“ بِسُكُونِ الياءِ ومَحَلُّهُ رَفْعٌ؛ عَلى تَقْدِيرِ: وهو يُرْسِلُ فَيُوحِي، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ إسْماعًا لِكَلامِهِ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ، لَكِنْ فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ وحْيًا أوْ إسْماعًا اسْمٌ، وقَوْلُهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ فِعْلٌ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ قَبِيحٌ، فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ إلّا أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ وحْيًا أوْ يُسْمِعَ إسْماعًا مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: الصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ أنَّ عِنْدَما يُبَلِّغُ المَلَكُ الوَحْيَ إلى الرَّسُولِ، لا يَقْدِرُ الشَّيْطانُ عَلى إلْقاءِ الباطِلِ في أثْناءِ ذَلِكَ الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] وقالُوا: الشَّيْطانُ ألْقى في أثْناءِ سُورَةِ النَّجْمِ ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى“ وكانَ صَدِيقُنا المَلِكُ سامُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وكانَ أفْضَلَ مَن لَقِيتُهُ مِن أرْبابِ السَّلْطَنَةِ يَقُولُ: هَذا الكَلامُ بَعْدَ الدَّلائِلِ القَوِيَّةِ القاهِرَةِ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِصُورَتِي» فَإذا لَمْ يَقْدِرِ الشَّيْطانُ عَلى أنْ يَتَمَثَّلَ في المَنامِ بِصُورَةِ الرَّسُولِ، فَكَيْفَ قَدَرَ عَلى التَّشَبُّهِ بِجِبْرِيلَ حالَ اشْتِغالِ تَبْلِيغِ وحْيِ اللَّهِ تَعالى ؟
والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما سَلَكَ عُمَرُ فَجًّا إلّا وسَلَكَ الشَّيْطانُ فَجًّا آخَرَ» فَإذا لَمْ يَقْدِرِ الشَّيْطانُ أنْ يَحْضُرَ مَعَ عُمَرَ في فَجٍّ واحِدٍ، فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَحْضُرَ مَعَ جِبْرِيلَ في مَوْقِفِ تَبْلِيغِ وحْيِ اللَّهِ تَعالى ؟
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي فَيُوحِي ذَلِكَ المَلَكُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ اللَّهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الحُسْنَ لا يَحْسُنُ لِوَجْهٍ عائِدٍ عَلَيْهِ، وأنَّ القَبِيحَ لا يَقْبُحُ لِوَجْهٍ عائِدٍ إلَيْهِ، بَلْ لِلَّهِ أنْ يَأْمُرَ بِما يَشاءُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وأنْ يَنْهى عَمّا يَشاءُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما صَحَّ قَوْلُهُ (ما يَشاءُ) واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى مُوجَبِ الحِكْمَةِ، فَيَتَكَلَّمُ تارَةً بِغَيْرِ واسِطَةٍ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ، وأُخْرى بِإسْماعِ الكَلامِ، وثالِثًا بِتَوْسِيطِ المَلائِكَةِ الكِرامِ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ أقْسامِ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وسَمّاهُ رُوحًا، لِأنَّهُ يُفِيدُ الحَياةَ مِن مَوْتِ الجَهْلِ أوِ الكُفْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الرُّسُلُ كانُوا قَبْلَ الوَحْيِ عَلى الكُفْرِ، وذَكَرُوا في الجَوابِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيِ القُرْآنُ (ولا الإيمانُ) أيِ الصَّلاةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ:
صفحة ١٦٤
١٤٣ ] أيْ صَلاتَكم.
الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ ومَن أهْلُ الإيمانِ، يَعْنِي مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ، ومَنِ الَّذِي لا يُؤْمِنُ.
الثّالِثُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ حِينَ كُنْتَ طِفْلًا في المَهْدِ.
الرّابِعُ: (الإيمانُ) عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِجَمِيعِ ما كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وإنَّهُ [ﷺ] قَبْلَ النُّبُوَّةِ ما كانَ عارِفًا بِجَمِيعِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يُنافِي ما ذَكَرْناهُ.
الخامِسُ: صِفاتُ اللَّهِ تَعالى عَلى قِسْمَيْنِ:
مِنها ما يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِمَحْضِ دَلائِلِ العَقْلِ، ومِنها ما لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلّا بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ. فَهَذا القِسْمُ الثّانِي لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهُ حاصِلَةً قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ واخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ مِنهم مَن قالَ إنَّهُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ دُونَ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الأحْكامُ، فَلا جَرَمَ شُبِّهَ بِالنُّورِ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ، ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ راجِعٌ إلَيْهِما مَعًا، وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجُمُعَةِ: ١١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ جَعَلَ القُرْآنَ نَفْسَهُ في نَفْسِهِ هُدًى كَما قالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَإنَّهُ قَدْ يَهْدِي بِهِ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، وهَذِهِ الهِدايَةُ لَيْسَتْ إلّا عِبارَةً عَنِ الدَّعْوَةِ وإيضاحِ الأدِلَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو يُفِيدُ العُمُومَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، وقَوْلُهُ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ يُفِيدُ الخُصُوصَ، فَثَبَتَ أنَّ الهِدايَةَ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ عامَّةٌ، والهِدايَةَ في قَوْلِهِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ خاصَّةٌ، والهِدايَةُ الخاصَّةُ غَيْرُ الهِدايَةِ العامَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ أمْرًا مُغايِرًا لِإظْهارِ الدَّلائِلِ ولِإزالَةِ الأعْذارِ، ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الهِدايَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ أيْ: جَعَلْنا القُرْآنَ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالهِدايَةِ الَّتِي تَحْصُلُ في الدُّنْيا، وأيْضًا فالهِدايَةُ إلى الجَنَّةِ عِنْدَكم في حَقِّ البَعْضِ واجِبٌ، وفي حَقِّ الآخَرِينَ مَحْظُورٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ ﴿مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ فائِدَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فِيهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما أنَّ القُرْآنَ يَهْدِي فَكَذَلِكَ الرَّسُولُ يَهْدِي، وبَيَّنَ أنَّهُ ”يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ“ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصِّراطَ هو ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي تَجُوزُ عِبادَتُهُ هو الَّذِي يَمْلِكُ السَّماواتِ والأرْضَ، والغَرَضُ مِنهُ إبْطالُ قَوْلِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ وذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ، فَبَيَّنَ أنَّ أمْرَ مَن لا يَقْبَلُ هَذِهِ التَّكالِيفَ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى حَيْثُ لا حاكِمَ سِواهُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.
قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ آخِرَ يَوْمِ الجُمُعَةِ الثّامِنِ مِن شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، يا مُدَبِّرَ الأُمُورِ، ويا مُدَهِّرَ الدُّهُورِ، ويا مُعْطِيَ كُلِّ خَيْرٍ وسُرُورٍ، ويا دافِعَ البَلايا والشُّرُورِ، أوْصِلْنا إلى مَنازِلِ النُّورِ، في ظُلُماتِ القُبُورِ بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
الشورى 42:53
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ أنَّهُ كَيْفَ يَخُصُّ أنْبِياءَهُ بِوَحْيِهِ وكَلامِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ﴾ وما صَحَّ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ إلّا عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا عَلى الوَحْيِ وهو الإلْهامُ والقَذْفُ في القَلْبِ، أوِ المَنامُ كَما أوْحى اللَّهُ إلى أُمِّمُوسى وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَبْحِ ولَدِهِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أوْحى اللَّهُ تَعالى الزَّبُورَ إلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَدْرِهِ، وإمّا عَلى أنْ يُسْمِعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مُبَلِّغٍ، وهَذا أيْضًا وحْيٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى أسْمَعَ مُوسى كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ مَعَ أنَّهُ سَمّاهُ وحْيًا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ وإمّا عَلى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ رَسُولًا مِنَ المَلائِكَةِ فَيُبَلِّغَ ذَلِكَ المَلَكُ ذَلِكَ الوَحْيَ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ. فَطَرِيقُ الحَصْرِ أنْ يُقالَ: وُصُولُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ إلى البَشَرِ إمّا أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مُبَلِّغٍ أوْ يَكُونَ بِواسِطَةِ مُبَلِّغٍ، وإذا كانَ الأوَّلُ وهو أنْ يَصِلَ إلَيْهِ وحْيُ اللَّهِ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ فَهَهُنا إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، أوْ يَسْمَعُهُ، أمّا الأوَّلُ وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ وما سَمِعَ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا وحْيًا﴾ .
وأمّا الثّانِي: وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ ولَكِنَّهُ سَمِعَ عَيْنَ كَلامِ اللَّهِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ .
وأمّا الثّالِثُ: وهو أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ الوَحْيُ بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ وحْيٌ، إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ القِسْمَ الأوَّلَ بِاسْمِ الوَحْيِ، لِأنَّ ما يَقَعُ في القَلْبِ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ فَهو يَقَعُ دُفْعَةً، فَكانَ تَخْصِيصُ لَفْظِ الوَحْيِ بِهِ أوْلى، فَهَذا هو الكَلامُ في تَمْيِيزِ هَذِهِ الأقْسامِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ في مَكانٍ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ اللَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وإنَّما يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ وجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ. والجَوابُ: أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ وإنْ أوْهَمَ ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ عَلى أنَّهُ تَعالى يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في المَكانِ والجِهَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى التَّأْوِيلِ، والمَعْنى أنَّ الرَّجُلَ إذا سَمِعَ كَلامًا مَعَ أنَّهُ لا يَرى ذَلِكَ المُتَكَلِّمَ كانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِما إذا تَكَلَّمَ مِن وراءِ حِجابٍ، والمُشابَهَةُ سَبَبٌ لِجَوازِ المَجازِ.
صفحة ١٦١
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرى، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَصَرَ أقْسامَ وحْيِهِ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ولَوْ صَحَّتْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى لَصَحَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ العَبْدِ حالَ ما يَراهُ العَبْدُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ قِسْمًا رابِعًا زائِدًا عَلى هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، واللَّهُ تَعالى نَفى القِسْمَ الرّابِعَ بِقَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ إلّا عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ. والجَوابُ: نَزِيدُ في اللَّفْظِ قَيْدًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلّا عَلى أحَدِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ ما ذَكَرْتُمُوهُ، وزِيادَةُ هَذا القَيْدِ وإنْ كانَتْ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْها لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ وبَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى حُصُولِ الرُّؤْيَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَكَلِّمٌ، ومَن سِوى الأشْعَرِيِّ وأتْباعِهِ أطْبَقُوا عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ هو هَذِهِ الحُرُوفُ المَسْمُوعَةُ والأصْواتُ المُؤَلَّفَةُ، وأمّا الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ يُعَبَّرُ عَنْها بِهَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ.
أمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: كَلامُ اللَّهِ تَعالى هو هَذِهِ الحُرُوفُ والكَلِماتُ، فَهم فَرِيقانِ: أحَدُهُما: الحَنابِلَةُ الَّذِينَ قالُوا بِقِدَمِ هَذِهِ الحُرُوفِ، وهَؤُلاءِ أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرُوا في زُمْرَةِ العُقَلاءِ، واتَّفَقَ أنِّي قُلْتُ يَوْمًا لِبَعْضِهِمْ: لَوْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ إمّا أنْ يَتَكَلَّمَ بِها دُفْعَةً واحِدَةً أوْ عَلى التَّعاقُبِ والتَّوالِي، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ بِجُمْلَةِ هَذِهِ الحُرُوفِ دُفْعَةً واحِدَةً لا يُفِيدُ هَذا النَّظْمَ المُرَكَّبَ عَلى هَذا التَّعاقُبِ والتَّوالِي، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ هَذا النَّظْمُ المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي باطِلٌ، لِأنَّهُ تَعالى لَوْ تَكَلَّمَ بِها عَلى التَّوالِي والتَّعاقُبِ كانَتْ مُحْدَثَةً، ولَمّا سَمِعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هَذا الكَلامَ قالَ: الواجِبُ عَلَيْنا أنْ نُقِرَّ ونَمُرَّ، يَعْنِي نُقِرُّ بِأنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ، ونَمُرُّ عَلى هَذا الكَلامِ عَلى وفْقِ ما سَمِعْناهُ، فَتَعَجَّبْتُ مِن سَلامَةِ قَلْبِ ذَلِكَ القائِلِ، وأمّا العُقَلاءُ مِنَ النّاسِ فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتَ كائِنَةٌ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، حاصِلَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَعْدُومَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في أنَّها هَلْ هي مَخْلُوقَةٌ، أوْ لا يُقالُ ذَلِكَ، بَلْ يُقالُ إنَّها حادِثَةٌ أوْ يُعَبَّرُ عَنْها بِعِبارَةٍ أُخْرى ؟ واخْتَلَفُوا أيْضًا في أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ هَلْ هي قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى أوْ يَخْلُقُها في جِسْمٍ آخَرَ، فالأوَّلُ: هو قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ، والثّانِي: قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا الأشْعَرِيَّةُ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ كَلامَ اللَّهِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ والعِباراتُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ هو أنَّ المَلَكَ والرَّسُولَ يَسْمَعُ ذَلِكَ الكَلامَ المُنَزَّهَ عَنِ الحَرْفِ والصَّوْتِ مِن وراءِ حِجابٍ، قالُوا: وكَما لا يَبْعُدُ أنْ تَرى ذاتَ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا في حَيِّزٍ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ حَرْفًا ولا صَوْتًا ؟ وزَعَمَ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ القائِمَةَ يَمْتَنِعُ كَوْنُها مَسْمُوعَةً، وإنَّما المَسْمُوعُ حُرُوفٌ وأصْواتٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ، وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِن قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”أنْ“ مَعَ المُضارِعِ تُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَ الكَلامَ بِأنَّهُ وحْيٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الوَحْيِ يُفِيدُ أنَّهُ وقَعَ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِ مِثْلَ الكَلامِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، والَّذِي يُبَلِّغُهُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ حادِثٌ، فَلَمّا كانَ الكَلامُ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ مُماثِلًا لِهَذا الَّذِي بَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ
صفحة ١٦٢
البَشَرِيِّ، وهَذا الَّذِي بَلَّغَهُ إلى الرَّسُولِ البَشَرِيِّ حادِثٌ، ومِثْلُ الحادِثِ حادِثٌ - وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ حادِثٌ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ الوَحْيِ حاصِلًا بَعْدَ الإرْسالِ، وما كانَ حُصُولُهُ مُتَأخِّرًا عَنْ حُصُولِ غَيْرِهِ كانَ حادِثًا.
والجَوابُ: أنّا نَصْرِفُ جُمْلَةَ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها إلى الحُرُوفِ والأصْواتِ ونَعْتَرِفُ بِأنَّها حادِثَةٌ كائِنَةٌ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ شاهِدَةٌ بِأنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ الَّذِي عَلِمْتَ صِحَّتَهُ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ وبِظَواهِرِ القُرْآنِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ثَبَتَ أنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إمّا أنْ لا يَكُونَ بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ وحْيٍ حاصِلًا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، وإلّا لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِحُصُولِ وحْيٍ يَحْصُلُ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ، ثُمَّ هَهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّخْصَ الأوَّلَ الَّذِي سَمِعَ وحْيَ اللَّهِ لا بِواسِطَةِ شَخْصٍ آخَرَ كَيْفَ يَعْرِفُ أنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ - كَلامُ اللَّهِ، فَإنْ قُلْنا إنَّهُ سَمِعَ تِلْكَ الصِّفَةَ القَدِيمَةَ المُنَزَّهَةَ عَنْ كَوْنِها حَرْفًا وصَوْتًا، لَمْ يَبْعُدْ أنَّهُ إذا سَمِعَها عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنَها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ إنَّهُ يَحْتاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى دَلِيلٍ زائِدٍ، أمّا إنْ قُلْنا إنَّ المَسْمُوعَ هو الحَرْفُ والصَّوْتُ امْتَنَعَ أنْ يُقْطَعَ بِكَوْنِهِ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، إلّا إذا ظَهَرَتْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ المَسْمُوعَ هو كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ إذا سَمِعَهُ مِنَ المَلَكِ كَيْفَ يَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ المُبَلِّغَ مَلَكٌ مَعْصُومٌ لا شَيْطانٌ مُضِلٌّ ؟ والحَقُّ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِذَلِكَ إلّا بِناءً عَلى مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المُبَلِّغَ مَلَكٌ مَعْصُومٌ، لا شَيْطانٌ خَبِيثٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يَتِمُّ إلّا بِثَلاثِ مَراتِبَ في ظُهُورِ المُعْجِزاتِ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: أنَّ المَلَكَ إذا سَمِعَ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ ذَلِكَ المَلَكَ إذا وصَلَ إلى الرَّسُولِ لا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُعْجِزَةٍ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ إذا أوْصَلَهُ إلى الأُمَّةِ، فَلا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُعْجِزَةٍ، فَثَبَتَ أنَّ التَّكْلِيفَ لا يَتَوَجَّهُ عَلى الخَلْقِ إلّا بَعْدَ وُقُوعِ ثَلاثِ مَراتِبَ في المُعْجِزاتِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا شَكَّ أنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ قَدْ سَمِعَ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً، فَذَلِكَ المَلَكُ هو جِبْرِيلُ، ويُقالُ: لَعَلَّ جِبْرِيلَ سَمِعَهُ مِن مَلَكٍ آخَرَ، فالكُلُّ مُحْتَمَلٌ ولَوْ بِألْفِ واسِطَةٍ، ولَمْ يُوجَدْ ما يَدُلُّ عَلى القَطْعِ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.
البَحْثُ الرّابِعُ: هَلْ في البَشَرِ مَن سَمِعَ وحْيَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ؟ المَشْهُورُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ وقِيلَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ سَمِعَهُ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النَّجْمِ: ١٠] .
البَحْثُ الخامِسُ: أنَّ المَلائِكَةَ يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُظْهِرُوا أنْفُسَهم عَلى أشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَراهُ الرَّسُولُ ﷺ في كُلِّ مَرَّةٍ وجَبَ أنْ يَحْتاجَ إلى المُعْجِزَةِ، لِيَعْرِفَ أنَّ هَذا الَّذِي رَآهُ في هَذِهِ المَرَّةِ عَيْنُ ما رَآهُ في المَرَّةِ الأُولى، وإنْ كانَ لا يَرى شَخْصَهُ كانَتِ الحاجَةُ إلى المُعْجِزَةِ أقْوى، لِاحْتِمالِ أنَّهُ حَصَلَ الِاشْتِباهُ في
صفحة ١٦٣
الصَّوْتِ، إلّا أنَّ الإشْكالَ في أنَّ الحاجَةَ إلى إظْهارِ المُعْجِزَةِ في كُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّتِ المُناظَراتُ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ إبْلِيسَ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَ إبْلِيسَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، فَذَلِكَ هَلْ يُسَمّى وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى إبْلِيسَ أوْ لا، الأظْهَرُ مَنعُهُ، ولا بُدَّ في هَذا المَوْضِعِ مِن بَحْثٍ غامِضٍ كامِلٍ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا“ بِرَفْعِ اللّامِ، ”فَيُوحِي“ بِسُكُونِ الياءِ ومَحَلُّهُ رَفْعٌ؛ عَلى تَقْدِيرِ: وهو يُرْسِلُ فَيُوحِي، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ إسْماعًا لِكَلامِهِ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ، لَكِنْ فِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ وحْيًا أوْ إسْماعًا اسْمٌ، وقَوْلُهُ ﴿أوْ يُرْسِلَ﴾ فِعْلٌ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ قَبِيحٌ، فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ إلّا أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ وحْيًا أوْ يُسْمِعَ إسْماعًا مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: الصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ أنَّ عِنْدَما يُبَلِّغُ المَلَكُ الوَحْيَ إلى الرَّسُولِ، لا يَقْدِرُ الشَّيْطانُ عَلى إلْقاءِ الباطِلِ في أثْناءِ ذَلِكَ الوَحْيِ، وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] وقالُوا: الشَّيْطانُ ألْقى في أثْناءِ سُورَةِ النَّجْمِ ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى“ وكانَ صَدِيقُنا المَلِكُ سامُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وكانَ أفْضَلَ مَن لَقِيتُهُ مِن أرْبابِ السَّلْطَنَةِ يَقُولُ: هَذا الكَلامُ بَعْدَ الدَّلائِلِ القَوِيَّةِ القاهِرَةِ باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِصُورَتِي» فَإذا لَمْ يَقْدِرِ الشَّيْطانُ عَلى أنْ يَتَمَثَّلَ في المَنامِ بِصُورَةِ الرَّسُولِ، فَكَيْفَ قَدَرَ عَلى التَّشَبُّهِ بِجِبْرِيلَ حالَ اشْتِغالِ تَبْلِيغِ وحْيِ اللَّهِ تَعالى ؟
والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما سَلَكَ عُمَرُ فَجًّا إلّا وسَلَكَ الشَّيْطانُ فَجًّا آخَرَ» فَإذا لَمْ يَقْدِرِ الشَّيْطانُ أنْ يَحْضُرَ مَعَ عُمَرَ في فَجٍّ واحِدٍ، فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يَحْضُرَ مَعَ جِبْرِيلَ في مَوْقِفِ تَبْلِيغِ وحْيِ اللَّهِ تَعالى ؟
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ يَعْنِي فَيُوحِي ذَلِكَ المَلَكُ بِإذْنِ اللَّهِ ما يَشاءُ اللَّهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الحُسْنَ لا يَحْسُنُ لِوَجْهٍ عائِدٍ عَلَيْهِ، وأنَّ القَبِيحَ لا يَقْبُحُ لِوَجْهٍ عائِدٍ إلَيْهِ، بَلْ لِلَّهِ أنْ يَأْمُرَ بِما يَشاءُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وأنْ يَنْهى عَمّا يَشاءُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما صَحَّ قَوْلُهُ (ما يَشاءُ) واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عَلِيٌّ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى مُوجَبِ الحِكْمَةِ، فَيَتَكَلَّمُ تارَةً بِغَيْرِ واسِطَةٍ عَلى سَبِيلِ الإلْهامِ، وأُخْرى بِإسْماعِ الكَلامِ، وثالِثًا بِتَوْسِيطِ المَلائِكَةِ الكِرامِ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ أقْسامِ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وسَمّاهُ رُوحًا، لِأنَّهُ يُفِيدُ الحَياةَ مِن مَوْتِ الجَهْلِ أوِ الكُفْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الرُّسُلُ كانُوا قَبْلَ الوَحْيِ عَلى الكُفْرِ، وذَكَرُوا في الجَوابِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيِ القُرْآنُ (ولا الإيمانُ) أيِ الصَّلاةُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ:
صفحة ١٦٤
١٤٣ ] أيْ صَلاتَكم.
الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ ومَن أهْلُ الإيمانِ، يَعْنِي مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ، ومَنِ الَّذِي لا يُؤْمِنُ.
الثّالِثُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ حِينَ كُنْتَ طِفْلًا في المَهْدِ.
الرّابِعُ: (الإيمانُ) عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِجَمِيعِ ما كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وإنَّهُ [ﷺ] قَبْلَ النُّبُوَّةِ ما كانَ عارِفًا بِجَمِيعِ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ إنَّهُ كانَ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يُنافِي ما ذَكَرْناهُ.
الخامِسُ: صِفاتُ اللَّهِ تَعالى عَلى قِسْمَيْنِ:
مِنها ما يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِمَحْضِ دَلائِلِ العَقْلِ، ومِنها ما لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلّا بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ. فَهَذا القِسْمُ الثّانِي لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَتُهُ حاصِلَةً قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ واخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ﴾ مِنهم مَن قالَ إنَّهُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ دُونَ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الأحْكامُ، فَلا جَرَمَ شُبِّهَ بِالنُّورِ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ، ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ راجِعٌ إلَيْهِما مَعًا، وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجُمُعَةِ: ١١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ جَعَلَ القُرْآنَ نَفْسَهُ في نَفْسِهِ هُدًى كَما قالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَإنَّهُ قَدْ يَهْدِي بِهِ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، وهَذِهِ الهِدايَةُ لَيْسَتْ إلّا عِبارَةً عَنِ الدَّعْوَةِ وإيضاحِ الأدِلَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو يُفِيدُ العُمُومَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، وقَوْلُهُ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ يُفِيدُ الخُصُوصَ، فَثَبَتَ أنَّ الهِدايَةَ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ عامَّةٌ، والهِدايَةَ في قَوْلِهِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ خاصَّةٌ، والهِدايَةُ الخاصَّةُ غَيْرُ الهِدايَةِ العامَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ أمْرًا مُغايِرًا لِإظْهارِ الدَّلائِلِ ولِإزالَةِ الأعْذارِ، ولا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الهِدايَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ أيْ: جَعَلْنا القُرْآنَ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالهِدايَةِ الَّتِي تَحْصُلُ في الدُّنْيا، وأيْضًا فالهِدايَةُ إلى الجَنَّةِ عِنْدَكم في حَقِّ البَعْضِ واجِبٌ، وفي حَقِّ الآخَرِينَ مَحْظُورٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ ﴿مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ فائِدَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فِيهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما أنَّ القُرْآنَ يَهْدِي فَكَذَلِكَ الرَّسُولُ يَهْدِي، وبَيَّنَ أنَّهُ ”يَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ“ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الصِّراطَ هو ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي تَجُوزُ عِبادَتُهُ هو الَّذِي يَمْلِكُ السَّماواتِ والأرْضَ، والغَرَضُ مِنهُ إبْطالُ قَوْلِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ وذَلِكَ كالوَعِيدِ والزَّجْرِ، فَبَيَّنَ أنَّ أمْرَ مَن لا يَقْبَلُ هَذِهِ التَّكالِيفَ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ إلى حَيْثُ لا حاكِمَ سِواهُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.
قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ آخِرَ يَوْمِ الجُمُعَةِ الثّامِنِ مِن شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، يا مُدَبِّرَ الأُمُورِ، ويا مُدَهِّرَ الدُّهُورِ، ويا مُعْطِيَ كُلِّ خَيْرٍ وسُرُورٍ، ويا دافِعَ البَلايا والشُّرُورِ، أوْصِلْنا إلى مَنازِلِ النُّورِ، في ظُلُماتِ القُبُورِ بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
الزخرف 43:1
صفحة ١٦٥
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ)
وهِيَ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿حـم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي سُورَةُ ”حم“، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ”﴿حم﴾“، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَيَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وفِي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ بِالكِتابَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَإنَّ العُلُومَ إنَّما تَكامَلَتْ بِسَبَبِ الخَطِّ، فَإنَّ المُتَقَدِّمَ إذا اسْتَنْبَطَ عِلْمًا وأثْبَتَهُ في كِتابٍ، وجاءَ المُتَأخِّرُ ووَقَفَ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ أنْ يَزِيدَ في اسْتِنْباطِ الفَوائِدِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكاثَرَتِ الفَوائِدُ وانْتَهَتْ إلى الغاياتِ العَظِيمَةِ، وفي وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ المُبِينُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ ولِسانِهِمْ.
والثّانِي: المُبِينُ هو الَّذِي
صفحة ١٦٦
أبانَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ بابٍ عَمّا سِواهُ، وجَعَلَها مُفَصَّلَةً مُلَخَّصَةً.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مَجازٌ؛ لِأنَّ المُبِينَ هو اللَّهُ تَعالى، وسَمِّي القُرْآنَ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ البَيانُ عِنْدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَجْعُولٌ، والمَجْعُولُ هو المَصْنُوعُ المَخْلُوقُ، فَإنْ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهُ عَرَبِيًّا ؟ قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالجَعْلِ هَذا لَوَجَبَ أنَّ مَن سَمّاهُ عَجَمِيًّا أنْ يَصِيرَ عَجَمِيًّا وإنْ كانَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَرَفَ الجَعْلَ إلى التَّسْمِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مَجْعُولَةً، والتَّسْمِيَةُ أيْضًا كَلامُ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ كَلامِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في البَعْضِ صَحَّ في الكُلِّ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وهو إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُ مَقْرُونًا بِالبَعْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مَصْنُوعًا مَعْمُولًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وهو إنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِمُسَمَّياتِهِمْ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْمُولًا ومَجْعُولًا.
والرّابِعُ: أنَّ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَجُوزُ عَلى ما هو مَعْلُومٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وتَأكَّدَ هَذا أيْضًا بِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقُولُ: «يا رَبِّ طه ويس ويا رَبِّ القُرْآنِ العَظِيمِ» . والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّكم إنَّما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ والكَلِماتِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ومَنِ الَّذِي يُنازِعُكم فِيهِ، بَلْ كانَ كَلامُكم يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ لِلتَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وهو لا يَلِيقُ بِمَن كانَ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَكانَ المُرادُ مِنها هَهُنا ”كَيْ“، أيْ: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَعْقِلُوا مَعْناهُ وتُحِيطُوا بِفَحْواهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأجْلِ أنْ تُحِيطُوا بِمَعْناهُ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والدَّواعِي.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، خِلافَ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ البَعْضِ الكُفْرَ والإعْراضَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اسْتِدْلالاتِ المُعْتَزِلَةِ مَشْهُورٌ، وأجْوِبَتُنا عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ؛ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ وبَعْضُهُ مَجْهُولٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمِّ الكِتابِ“ بِكَسْرِ الألِفِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإنَّهَ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ﴿أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأُمِّ الكِتابِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] .
صفحة ١٦٧
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ هَهُنا كُلُّها صِفاتُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ ﴿أُمِّ الكِتابِ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ حالًا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ“ فالكِتابُ عِنْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ في خَلْقِ هَذا اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَعَ أنَّهُ تَعالى عَلّامُ الغُيُوبِ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السَّهْوُ والنِّسْيانُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ في ذَلِكَ أحْكامَ حَوادِثِ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُشاهِدُونَ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ إنَّما تَحْدُثُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ، اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قَوْلُهُ ﴿لَدَيْنا﴾ هَكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّشْرِيفِ لِكَوْنِهِ كِتابًا جامِعًا لِأحْوالِ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فَكَأنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ ما يَقَعُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ هَذا التَّشْرِيفُ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةَ القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَدَيْنا في أُمِّ الكِتابِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ ”عَلِيًّا“ والمَعْنى كَوْنُهُ عالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ والبُطْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ كَوْنُهُ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”حَكِيمًا“ أيْ مُحْكَمًا في أبْوابِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ، وقِيلَ: ”حَكِيمٌ“ أيْ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها صِفاتُ القُرْآنِ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ: أنَّهُ الآياتُ المُحْكَمَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ ”حم“ واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَمَةِ الَّتِي هي الأصْلُ والأُمُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنْ كُنْتُمْ“ بِكَسْرِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ لا نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، وقِيلَ: ”إنَّ“ بِمَعْنى ”إذْ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.
الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما
صفحة ١٦٨
تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:2
صفحة ١٦٥
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ)
وهِيَ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿حـم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي سُورَةُ ”حم“، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ”﴿حم﴾“، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَيَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وفِي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ بِالكِتابَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَإنَّ العُلُومَ إنَّما تَكامَلَتْ بِسَبَبِ الخَطِّ، فَإنَّ المُتَقَدِّمَ إذا اسْتَنْبَطَ عِلْمًا وأثْبَتَهُ في كِتابٍ، وجاءَ المُتَأخِّرُ ووَقَفَ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ أنْ يَزِيدَ في اسْتِنْباطِ الفَوائِدِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكاثَرَتِ الفَوائِدُ وانْتَهَتْ إلى الغاياتِ العَظِيمَةِ، وفي وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ المُبِينُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ ولِسانِهِمْ.
والثّانِي: المُبِينُ هو الَّذِي
صفحة ١٦٦
أبانَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ بابٍ عَمّا سِواهُ، وجَعَلَها مُفَصَّلَةً مُلَخَّصَةً.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مَجازٌ؛ لِأنَّ المُبِينَ هو اللَّهُ تَعالى، وسَمِّي القُرْآنَ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ البَيانُ عِنْدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَجْعُولٌ، والمَجْعُولُ هو المَصْنُوعُ المَخْلُوقُ، فَإنْ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهُ عَرَبِيًّا ؟ قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالجَعْلِ هَذا لَوَجَبَ أنَّ مَن سَمّاهُ عَجَمِيًّا أنْ يَصِيرَ عَجَمِيًّا وإنْ كانَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَرَفَ الجَعْلَ إلى التَّسْمِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مَجْعُولَةً، والتَّسْمِيَةُ أيْضًا كَلامُ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ كَلامِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في البَعْضِ صَحَّ في الكُلِّ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وهو إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُ مَقْرُونًا بِالبَعْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مَصْنُوعًا مَعْمُولًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وهو إنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِمُسَمَّياتِهِمْ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْمُولًا ومَجْعُولًا.
والرّابِعُ: أنَّ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَجُوزُ عَلى ما هو مَعْلُومٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وتَأكَّدَ هَذا أيْضًا بِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقُولُ: «يا رَبِّ طه ويس ويا رَبِّ القُرْآنِ العَظِيمِ» . والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّكم إنَّما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ والكَلِماتِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ومَنِ الَّذِي يُنازِعُكم فِيهِ، بَلْ كانَ كَلامُكم يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ لِلتَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وهو لا يَلِيقُ بِمَن كانَ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَكانَ المُرادُ مِنها هَهُنا ”كَيْ“، أيْ: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَعْقِلُوا مَعْناهُ وتُحِيطُوا بِفَحْواهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأجْلِ أنْ تُحِيطُوا بِمَعْناهُ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والدَّواعِي.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، خِلافَ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ البَعْضِ الكُفْرَ والإعْراضَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اسْتِدْلالاتِ المُعْتَزِلَةِ مَشْهُورٌ، وأجْوِبَتُنا عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ؛ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ وبَعْضُهُ مَجْهُولٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمِّ الكِتابِ“ بِكَسْرِ الألِفِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإنَّهَ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ﴿أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأُمِّ الكِتابِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] .
صفحة ١٦٧
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ هَهُنا كُلُّها صِفاتُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ ﴿أُمِّ الكِتابِ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ حالًا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ“ فالكِتابُ عِنْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ في خَلْقِ هَذا اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَعَ أنَّهُ تَعالى عَلّامُ الغُيُوبِ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السَّهْوُ والنِّسْيانُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ في ذَلِكَ أحْكامَ حَوادِثِ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُشاهِدُونَ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ إنَّما تَحْدُثُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ، اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قَوْلُهُ ﴿لَدَيْنا﴾ هَكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّشْرِيفِ لِكَوْنِهِ كِتابًا جامِعًا لِأحْوالِ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فَكَأنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ ما يَقَعُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ هَذا التَّشْرِيفُ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةَ القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَدَيْنا في أُمِّ الكِتابِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ ”عَلِيًّا“ والمَعْنى كَوْنُهُ عالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ والبُطْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ كَوْنُهُ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”حَكِيمًا“ أيْ مُحْكَمًا في أبْوابِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ، وقِيلَ: ”حَكِيمٌ“ أيْ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها صِفاتُ القُرْآنِ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ: أنَّهُ الآياتُ المُحْكَمَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ ”حم“ واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَمَةِ الَّتِي هي الأصْلُ والأُمُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنْ كُنْتُمْ“ بِكَسْرِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ لا نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، وقِيلَ: ”إنَّ“ بِمَعْنى ”إذْ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.
الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما
صفحة ١٦٨
تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:3
صفحة ١٦٥
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ)
وهِيَ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿حـم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي سُورَةُ ”حم“، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ”﴿حم﴾“، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَيَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وفِي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ بِالكِتابَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَإنَّ العُلُومَ إنَّما تَكامَلَتْ بِسَبَبِ الخَطِّ، فَإنَّ المُتَقَدِّمَ إذا اسْتَنْبَطَ عِلْمًا وأثْبَتَهُ في كِتابٍ، وجاءَ المُتَأخِّرُ ووَقَفَ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ أنْ يَزِيدَ في اسْتِنْباطِ الفَوائِدِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكاثَرَتِ الفَوائِدُ وانْتَهَتْ إلى الغاياتِ العَظِيمَةِ، وفي وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ المُبِينُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ ولِسانِهِمْ.
والثّانِي: المُبِينُ هو الَّذِي
صفحة ١٦٦
أبانَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ بابٍ عَمّا سِواهُ، وجَعَلَها مُفَصَّلَةً مُلَخَّصَةً.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مَجازٌ؛ لِأنَّ المُبِينَ هو اللَّهُ تَعالى، وسَمِّي القُرْآنَ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ البَيانُ عِنْدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَجْعُولٌ، والمَجْعُولُ هو المَصْنُوعُ المَخْلُوقُ، فَإنْ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهُ عَرَبِيًّا ؟ قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالجَعْلِ هَذا لَوَجَبَ أنَّ مَن سَمّاهُ عَجَمِيًّا أنْ يَصِيرَ عَجَمِيًّا وإنْ كانَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَرَفَ الجَعْلَ إلى التَّسْمِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مَجْعُولَةً، والتَّسْمِيَةُ أيْضًا كَلامُ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ كَلامِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في البَعْضِ صَحَّ في الكُلِّ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وهو إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُ مَقْرُونًا بِالبَعْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مَصْنُوعًا مَعْمُولًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وهو إنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِمُسَمَّياتِهِمْ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْمُولًا ومَجْعُولًا.
والرّابِعُ: أنَّ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَجُوزُ عَلى ما هو مَعْلُومٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وتَأكَّدَ هَذا أيْضًا بِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقُولُ: «يا رَبِّ طه ويس ويا رَبِّ القُرْآنِ العَظِيمِ» . والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّكم إنَّما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ والكَلِماتِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ومَنِ الَّذِي يُنازِعُكم فِيهِ، بَلْ كانَ كَلامُكم يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ لِلتَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وهو لا يَلِيقُ بِمَن كانَ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَكانَ المُرادُ مِنها هَهُنا ”كَيْ“، أيْ: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَعْقِلُوا مَعْناهُ وتُحِيطُوا بِفَحْواهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأجْلِ أنْ تُحِيطُوا بِمَعْناهُ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والدَّواعِي.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، خِلافَ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ البَعْضِ الكُفْرَ والإعْراضَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اسْتِدْلالاتِ المُعْتَزِلَةِ مَشْهُورٌ، وأجْوِبَتُنا عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ؛ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ وبَعْضُهُ مَجْهُولٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمِّ الكِتابِ“ بِكَسْرِ الألِفِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإنَّهَ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ﴿أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأُمِّ الكِتابِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] .
صفحة ١٦٧
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ هَهُنا كُلُّها صِفاتُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ ﴿أُمِّ الكِتابِ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ حالًا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ“ فالكِتابُ عِنْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ في خَلْقِ هَذا اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَعَ أنَّهُ تَعالى عَلّامُ الغُيُوبِ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السَّهْوُ والنِّسْيانُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ في ذَلِكَ أحْكامَ حَوادِثِ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُشاهِدُونَ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ إنَّما تَحْدُثُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ، اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قَوْلُهُ ﴿لَدَيْنا﴾ هَكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّشْرِيفِ لِكَوْنِهِ كِتابًا جامِعًا لِأحْوالِ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فَكَأنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ ما يَقَعُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ هَذا التَّشْرِيفُ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةَ القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَدَيْنا في أُمِّ الكِتابِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ ”عَلِيًّا“ والمَعْنى كَوْنُهُ عالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ والبُطْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ كَوْنُهُ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”حَكِيمًا“ أيْ مُحْكَمًا في أبْوابِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ، وقِيلَ: ”حَكِيمٌ“ أيْ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها صِفاتُ القُرْآنِ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ: أنَّهُ الآياتُ المُحْكَمَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ ”حم“ واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَمَةِ الَّتِي هي الأصْلُ والأُمُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنْ كُنْتُمْ“ بِكَسْرِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ لا نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، وقِيلَ: ”إنَّ“ بِمَعْنى ”إذْ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.
الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما
صفحة ١٦٨
تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:4
صفحة ١٦٥
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ)
وهِيَ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿حـم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي سُورَةُ ”حم“، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ”﴿حم﴾“، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَيَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وفِي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ بِالكِتابَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَإنَّ العُلُومَ إنَّما تَكامَلَتْ بِسَبَبِ الخَطِّ، فَإنَّ المُتَقَدِّمَ إذا اسْتَنْبَطَ عِلْمًا وأثْبَتَهُ في كِتابٍ، وجاءَ المُتَأخِّرُ ووَقَفَ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ أنْ يَزِيدَ في اسْتِنْباطِ الفَوائِدِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكاثَرَتِ الفَوائِدُ وانْتَهَتْ إلى الغاياتِ العَظِيمَةِ، وفي وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ المُبِينُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ ولِسانِهِمْ.
والثّانِي: المُبِينُ هو الَّذِي
صفحة ١٦٦
أبانَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ بابٍ عَمّا سِواهُ، وجَعَلَها مُفَصَّلَةً مُلَخَّصَةً.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مَجازٌ؛ لِأنَّ المُبِينَ هو اللَّهُ تَعالى، وسَمِّي القُرْآنَ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ البَيانُ عِنْدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَجْعُولٌ، والمَجْعُولُ هو المَصْنُوعُ المَخْلُوقُ، فَإنْ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهُ عَرَبِيًّا ؟ قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالجَعْلِ هَذا لَوَجَبَ أنَّ مَن سَمّاهُ عَجَمِيًّا أنْ يَصِيرَ عَجَمِيًّا وإنْ كانَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَرَفَ الجَعْلَ إلى التَّسْمِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مَجْعُولَةً، والتَّسْمِيَةُ أيْضًا كَلامُ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ كَلامِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في البَعْضِ صَحَّ في الكُلِّ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وهو إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُ مَقْرُونًا بِالبَعْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مَصْنُوعًا مَعْمُولًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وهو إنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِمُسَمَّياتِهِمْ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْمُولًا ومَجْعُولًا.
والرّابِعُ: أنَّ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَجُوزُ عَلى ما هو مَعْلُومٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وتَأكَّدَ هَذا أيْضًا بِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقُولُ: «يا رَبِّ طه ويس ويا رَبِّ القُرْآنِ العَظِيمِ» . والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّكم إنَّما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ والكَلِماتِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ومَنِ الَّذِي يُنازِعُكم فِيهِ، بَلْ كانَ كَلامُكم يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ لِلتَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وهو لا يَلِيقُ بِمَن كانَ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَكانَ المُرادُ مِنها هَهُنا ”كَيْ“، أيْ: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَعْقِلُوا مَعْناهُ وتُحِيطُوا بِفَحْواهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأجْلِ أنْ تُحِيطُوا بِمَعْناهُ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والدَّواعِي.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، خِلافَ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ البَعْضِ الكُفْرَ والإعْراضَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اسْتِدْلالاتِ المُعْتَزِلَةِ مَشْهُورٌ، وأجْوِبَتُنا عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ؛ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ وبَعْضُهُ مَجْهُولٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمِّ الكِتابِ“ بِكَسْرِ الألِفِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإنَّهَ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ﴿أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأُمِّ الكِتابِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] .
صفحة ١٦٧
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ هَهُنا كُلُّها صِفاتُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ ﴿أُمِّ الكِتابِ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ حالًا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ“ فالكِتابُ عِنْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ في خَلْقِ هَذا اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَعَ أنَّهُ تَعالى عَلّامُ الغُيُوبِ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السَّهْوُ والنِّسْيانُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ في ذَلِكَ أحْكامَ حَوادِثِ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُشاهِدُونَ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ إنَّما تَحْدُثُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ، اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قَوْلُهُ ﴿لَدَيْنا﴾ هَكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّشْرِيفِ لِكَوْنِهِ كِتابًا جامِعًا لِأحْوالِ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فَكَأنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ ما يَقَعُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ هَذا التَّشْرِيفُ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةَ القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَدَيْنا في أُمِّ الكِتابِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ ”عَلِيًّا“ والمَعْنى كَوْنُهُ عالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ والبُطْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ كَوْنُهُ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”حَكِيمًا“ أيْ مُحْكَمًا في أبْوابِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ، وقِيلَ: ”حَكِيمٌ“ أيْ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها صِفاتُ القُرْآنِ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ: أنَّهُ الآياتُ المُحْكَمَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ ”حم“ واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَمَةِ الَّتِي هي الأصْلُ والأُمُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنْ كُنْتُمْ“ بِكَسْرِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ لا نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، وقِيلَ: ”إنَّ“ بِمَعْنى ”إذْ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.
الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما
صفحة ١٦٨
تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:5
صفحة ١٦٥
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ)
وهِيَ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿حـم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي سُورَةُ ”حم“، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ”﴿حم﴾“، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَيَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وفِي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ بِالكِتابَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَإنَّ العُلُومَ إنَّما تَكامَلَتْ بِسَبَبِ الخَطِّ، فَإنَّ المُتَقَدِّمَ إذا اسْتَنْبَطَ عِلْمًا وأثْبَتَهُ في كِتابٍ، وجاءَ المُتَأخِّرُ ووَقَفَ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ أنْ يَزِيدَ في اسْتِنْباطِ الفَوائِدِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكاثَرَتِ الفَوائِدُ وانْتَهَتْ إلى الغاياتِ العَظِيمَةِ، وفي وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ المُبِينُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ ولِسانِهِمْ.
والثّانِي: المُبِينُ هو الَّذِي
صفحة ١٦٦
أبانَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ بابٍ عَمّا سِواهُ، وجَعَلَها مُفَصَّلَةً مُلَخَّصَةً.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مَجازٌ؛ لِأنَّ المُبِينَ هو اللَّهُ تَعالى، وسَمِّي القُرْآنَ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ البَيانُ عِنْدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَجْعُولٌ، والمَجْعُولُ هو المَصْنُوعُ المَخْلُوقُ، فَإنْ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهُ عَرَبِيًّا ؟ قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالجَعْلِ هَذا لَوَجَبَ أنَّ مَن سَمّاهُ عَجَمِيًّا أنْ يَصِيرَ عَجَمِيًّا وإنْ كانَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَرَفَ الجَعْلَ إلى التَّسْمِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مَجْعُولَةً، والتَّسْمِيَةُ أيْضًا كَلامُ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ كَلامِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في البَعْضِ صَحَّ في الكُلِّ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وهو إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُ مَقْرُونًا بِالبَعْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مَصْنُوعًا مَعْمُولًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وهو إنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِمُسَمَّياتِهِمْ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْمُولًا ومَجْعُولًا.
والرّابِعُ: أنَّ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَجُوزُ عَلى ما هو مَعْلُومٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وتَأكَّدَ هَذا أيْضًا بِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقُولُ: «يا رَبِّ طه ويس ويا رَبِّ القُرْآنِ العَظِيمِ» . والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّكم إنَّما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ والكَلِماتِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ومَنِ الَّذِي يُنازِعُكم فِيهِ، بَلْ كانَ كَلامُكم يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ لِلتَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وهو لا يَلِيقُ بِمَن كانَ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَكانَ المُرادُ مِنها هَهُنا ”كَيْ“، أيْ: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَعْقِلُوا مَعْناهُ وتُحِيطُوا بِفَحْواهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأجْلِ أنْ تُحِيطُوا بِمَعْناهُ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والدَّواعِي.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، خِلافَ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ البَعْضِ الكُفْرَ والإعْراضَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اسْتِدْلالاتِ المُعْتَزِلَةِ مَشْهُورٌ، وأجْوِبَتُنا عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ؛ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ وبَعْضُهُ مَجْهُولٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمِّ الكِتابِ“ بِكَسْرِ الألِفِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإنَّهَ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ﴿أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأُمِّ الكِتابِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] .
صفحة ١٦٧
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ هَهُنا كُلُّها صِفاتُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ ﴿أُمِّ الكِتابِ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ حالًا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ“ فالكِتابُ عِنْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ في خَلْقِ هَذا اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَعَ أنَّهُ تَعالى عَلّامُ الغُيُوبِ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السَّهْوُ والنِّسْيانُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ في ذَلِكَ أحْكامَ حَوادِثِ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُشاهِدُونَ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ إنَّما تَحْدُثُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ، اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قَوْلُهُ ﴿لَدَيْنا﴾ هَكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّشْرِيفِ لِكَوْنِهِ كِتابًا جامِعًا لِأحْوالِ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فَكَأنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ ما يَقَعُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ هَذا التَّشْرِيفُ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةَ القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَدَيْنا في أُمِّ الكِتابِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ ”عَلِيًّا“ والمَعْنى كَوْنُهُ عالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ والبُطْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ كَوْنُهُ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”حَكِيمًا“ أيْ مُحْكَمًا في أبْوابِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ، وقِيلَ: ”حَكِيمٌ“ أيْ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها صِفاتُ القُرْآنِ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ: أنَّهُ الآياتُ المُحْكَمَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ ”حم“ واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَمَةِ الَّتِي هي الأصْلُ والأُمُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنْ كُنْتُمْ“ بِكَسْرِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ لا نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، وقِيلَ: ”إنَّ“ بِمَعْنى ”إذْ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.
الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما
صفحة ١٦٨
تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:6
صفحة ١٦٥
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ)
وهِيَ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿حـم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي سُورَةُ ”حم“، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ”﴿حم﴾“، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَيَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وفِي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ بِالكِتابَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَإنَّ العُلُومَ إنَّما تَكامَلَتْ بِسَبَبِ الخَطِّ، فَإنَّ المُتَقَدِّمَ إذا اسْتَنْبَطَ عِلْمًا وأثْبَتَهُ في كِتابٍ، وجاءَ المُتَأخِّرُ ووَقَفَ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ أنْ يَزِيدَ في اسْتِنْباطِ الفَوائِدِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكاثَرَتِ الفَوائِدُ وانْتَهَتْ إلى الغاياتِ العَظِيمَةِ، وفي وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ المُبِينُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ ولِسانِهِمْ.
والثّانِي: المُبِينُ هو الَّذِي
صفحة ١٦٦
أبانَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ بابٍ عَمّا سِواهُ، وجَعَلَها مُفَصَّلَةً مُلَخَّصَةً.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مَجازٌ؛ لِأنَّ المُبِينَ هو اللَّهُ تَعالى، وسَمِّي القُرْآنَ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ البَيانُ عِنْدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَجْعُولٌ، والمَجْعُولُ هو المَصْنُوعُ المَخْلُوقُ، فَإنْ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهُ عَرَبِيًّا ؟ قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالجَعْلِ هَذا لَوَجَبَ أنَّ مَن سَمّاهُ عَجَمِيًّا أنْ يَصِيرَ عَجَمِيًّا وإنْ كانَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَرَفَ الجَعْلَ إلى التَّسْمِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مَجْعُولَةً، والتَّسْمِيَةُ أيْضًا كَلامُ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ كَلامِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في البَعْضِ صَحَّ في الكُلِّ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وهو إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُ مَقْرُونًا بِالبَعْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مَصْنُوعًا مَعْمُولًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وهو إنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِمُسَمَّياتِهِمْ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْمُولًا ومَجْعُولًا.
والرّابِعُ: أنَّ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَجُوزُ عَلى ما هو مَعْلُومٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وتَأكَّدَ هَذا أيْضًا بِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقُولُ: «يا رَبِّ طه ويس ويا رَبِّ القُرْآنِ العَظِيمِ» . والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّكم إنَّما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ والكَلِماتِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ومَنِ الَّذِي يُنازِعُكم فِيهِ، بَلْ كانَ كَلامُكم يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ لِلتَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وهو لا يَلِيقُ بِمَن كانَ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَكانَ المُرادُ مِنها هَهُنا ”كَيْ“، أيْ: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَعْقِلُوا مَعْناهُ وتُحِيطُوا بِفَحْواهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأجْلِ أنْ تُحِيطُوا بِمَعْناهُ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والدَّواعِي.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، خِلافَ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ البَعْضِ الكُفْرَ والإعْراضَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اسْتِدْلالاتِ المُعْتَزِلَةِ مَشْهُورٌ، وأجْوِبَتُنا عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ؛ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ وبَعْضُهُ مَجْهُولٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمِّ الكِتابِ“ بِكَسْرِ الألِفِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإنَّهَ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ﴿أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأُمِّ الكِتابِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] .
صفحة ١٦٧
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ هَهُنا كُلُّها صِفاتُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ ﴿أُمِّ الكِتابِ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ حالًا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ“ فالكِتابُ عِنْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ في خَلْقِ هَذا اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَعَ أنَّهُ تَعالى عَلّامُ الغُيُوبِ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السَّهْوُ والنِّسْيانُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ في ذَلِكَ أحْكامَ حَوادِثِ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُشاهِدُونَ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ إنَّما تَحْدُثُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ، اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قَوْلُهُ ﴿لَدَيْنا﴾ هَكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّشْرِيفِ لِكَوْنِهِ كِتابًا جامِعًا لِأحْوالِ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فَكَأنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ ما يَقَعُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ هَذا التَّشْرِيفُ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةَ القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَدَيْنا في أُمِّ الكِتابِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ ”عَلِيًّا“ والمَعْنى كَوْنُهُ عالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ والبُطْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ كَوْنُهُ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”حَكِيمًا“ أيْ مُحْكَمًا في أبْوابِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ، وقِيلَ: ”حَكِيمٌ“ أيْ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها صِفاتُ القُرْآنِ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ: أنَّهُ الآياتُ المُحْكَمَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ ”حم“ واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَمَةِ الَّتِي هي الأصْلُ والأُمُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنْ كُنْتُمْ“ بِكَسْرِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ لا نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، وقِيلَ: ”إنَّ“ بِمَعْنى ”إذْ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.
الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما
صفحة ١٦٨
تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:7
صفحة ١٦٥
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ)
وهِيَ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿حـم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي سُورَةُ ”حم“، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ”﴿حم﴾“، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَيَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وفِي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ بِالكِتابَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَإنَّ العُلُومَ إنَّما تَكامَلَتْ بِسَبَبِ الخَطِّ، فَإنَّ المُتَقَدِّمَ إذا اسْتَنْبَطَ عِلْمًا وأثْبَتَهُ في كِتابٍ، وجاءَ المُتَأخِّرُ ووَقَفَ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ أنْ يَزِيدَ في اسْتِنْباطِ الفَوائِدِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكاثَرَتِ الفَوائِدُ وانْتَهَتْ إلى الغاياتِ العَظِيمَةِ، وفي وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ المُبِينُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ ولِسانِهِمْ.
والثّانِي: المُبِينُ هو الَّذِي
صفحة ١٦٦
أبانَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ بابٍ عَمّا سِواهُ، وجَعَلَها مُفَصَّلَةً مُلَخَّصَةً.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مَجازٌ؛ لِأنَّ المُبِينَ هو اللَّهُ تَعالى، وسَمِّي القُرْآنَ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ البَيانُ عِنْدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَجْعُولٌ، والمَجْعُولُ هو المَصْنُوعُ المَخْلُوقُ، فَإنْ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهُ عَرَبِيًّا ؟ قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالجَعْلِ هَذا لَوَجَبَ أنَّ مَن سَمّاهُ عَجَمِيًّا أنْ يَصِيرَ عَجَمِيًّا وإنْ كانَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَرَفَ الجَعْلَ إلى التَّسْمِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مَجْعُولَةً، والتَّسْمِيَةُ أيْضًا كَلامُ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ كَلامِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في البَعْضِ صَحَّ في الكُلِّ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وهو إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُ مَقْرُونًا بِالبَعْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مَصْنُوعًا مَعْمُولًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وهو إنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِمُسَمَّياتِهِمْ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْمُولًا ومَجْعُولًا.
والرّابِعُ: أنَّ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَجُوزُ عَلى ما هو مَعْلُومٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وتَأكَّدَ هَذا أيْضًا بِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقُولُ: «يا رَبِّ طه ويس ويا رَبِّ القُرْآنِ العَظِيمِ» . والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّكم إنَّما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ والكَلِماتِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ومَنِ الَّذِي يُنازِعُكم فِيهِ، بَلْ كانَ كَلامُكم يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ لِلتَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وهو لا يَلِيقُ بِمَن كانَ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَكانَ المُرادُ مِنها هَهُنا ”كَيْ“، أيْ: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَعْقِلُوا مَعْناهُ وتُحِيطُوا بِفَحْواهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأجْلِ أنْ تُحِيطُوا بِمَعْناهُ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والدَّواعِي.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، خِلافَ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ البَعْضِ الكُفْرَ والإعْراضَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اسْتِدْلالاتِ المُعْتَزِلَةِ مَشْهُورٌ، وأجْوِبَتُنا عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ؛ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ وبَعْضُهُ مَجْهُولٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمِّ الكِتابِ“ بِكَسْرِ الألِفِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإنَّهَ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ﴿أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأُمِّ الكِتابِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] .
صفحة ١٦٧
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ هَهُنا كُلُّها صِفاتُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ ﴿أُمِّ الكِتابِ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ حالًا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ“ فالكِتابُ عِنْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ في خَلْقِ هَذا اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَعَ أنَّهُ تَعالى عَلّامُ الغُيُوبِ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السَّهْوُ والنِّسْيانُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ في ذَلِكَ أحْكامَ حَوادِثِ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُشاهِدُونَ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ إنَّما تَحْدُثُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ، اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قَوْلُهُ ﴿لَدَيْنا﴾ هَكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّشْرِيفِ لِكَوْنِهِ كِتابًا جامِعًا لِأحْوالِ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فَكَأنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ ما يَقَعُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ هَذا التَّشْرِيفُ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةَ القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَدَيْنا في أُمِّ الكِتابِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ ”عَلِيًّا“ والمَعْنى كَوْنُهُ عالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ والبُطْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ كَوْنُهُ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”حَكِيمًا“ أيْ مُحْكَمًا في أبْوابِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ، وقِيلَ: ”حَكِيمٌ“ أيْ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها صِفاتُ القُرْآنِ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ: أنَّهُ الآياتُ المُحْكَمَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ ”حم“ واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَمَةِ الَّتِي هي الأصْلُ والأُمُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنْ كُنْتُمْ“ بِكَسْرِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ لا نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، وقِيلَ: ”إنَّ“ بِمَعْنى ”إذْ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.
الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما
صفحة ١٦٨
تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:8
صفحة ١٦٥
(سُورَةُ الزُّخْرُفِ)
وهِيَ تِسْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿حـم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذِهِ ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي سُورَةُ ”حم“، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ابْتِداءً لِكَلامٍ آخَرَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذِهِ ”﴿حم﴾“، ثُمَّ قالَ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فَيَكُونَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ هو قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
وفِي المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ بِالكِتابَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ، فَإنَّ العُلُومَ إنَّما تَكامَلَتْ بِسَبَبِ الخَطِّ، فَإنَّ المُتَقَدِّمَ إذا اسْتَنْبَطَ عِلْمًا وأثْبَتَهُ في كِتابٍ، وجاءَ المُتَأخِّرُ ووَقَفَ عَلَيْهِ أمْكَنَهُ أنْ يَزِيدَ في اسْتِنْباطِ الفَوائِدِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكاثَرَتِ الفَوائِدُ وانْتَهَتْ إلى الغاياتِ العَظِيمَةِ، وفي وصْفِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ المُبِينُ لِلَّذِينِ أُنْزِلَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ ولِسانِهِمْ.
والثّانِي: المُبِينُ هو الَّذِي
صفحة ١٦٦
أبانَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ بابٍ عَمّا سِواهُ، وجَعَلَها مُفَصَّلَةً مُلَخَّصَةً.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا مَجازٌ؛ لِأنَّ المُبِينَ هو اللَّهُ تَعالى، وسَمِّي القُرْآنَ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَصَلَ البَيانُ عِنْدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: القائِلُونَ بِحُدُوثِ القُرْآنِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَجْعُولٌ، والمَجْعُولُ هو المَصْنُوعُ المَخْلُوقُ، فَإنْ قالُوا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهُ عَرَبِيًّا ؟ قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالجَعْلِ هَذا لَوَجَبَ أنَّ مَن سَمّاهُ عَجَمِيًّا أنْ يَصِيرَ عَجَمِيًّا وإنْ كانَ بِلُغَةِ العَرَبِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ صَرَفَ الجَعْلَ إلى التَّسْمِيَةِ لَزِمَ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مَجْعُولَةً، والتَّسْمِيَةُ أيْضًا كَلامُ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ كَلامِهِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في البَعْضِ صَحَّ في الكُلِّ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وهو إنَّما سُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُ مَقْرُونًا بِالبَعْضِ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مَصْنُوعًا مَعْمُولًا.
الثّالِثُ: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وهو إنَّما كانَ عَرَبِيًّا لِأنَّ هَذِهِ الألْفاظَ إنَّما اخْتُصَّتْ بِمُسَمَّياتِهِمْ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحاتِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَعْمُولًا ومَجْعُولًا.
والرّابِعُ: أنَّ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَجُوزُ عَلى ما هو مَعْلُومٌ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: حم ورَبِّ الكِتابِ المُبِينِ، وتَأكَّدَ هَذا أيْضًا بِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -كانَ يَقُولُ: «يا رَبِّ طه ويس ويا رَبِّ القُرْآنِ العَظِيمِ» . والجَوابُ: أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّكم إنَّما اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَذِهِ الوُجُوهِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الحُرُوفِ المُتَوالِيَةِ والكَلِماتِ المُتَعاقِبَةِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ومَنِ الَّذِي يُنازِعُكم فِيهِ، بَلْ كانَ كَلامُكم يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ما عُرِفَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ لِلتَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وهو لا يَلِيقُ بِمَن كانَ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، فَكانَ المُرادُ مِنها هَهُنا ”كَيْ“، أيْ: أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِكَيْ تَعْقِلُوا مَعْناهُ وتُحِيطُوا بِفَحْواهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: فَصارَ حاصِلُ الكَلامِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لِأجْلِ أنْ تُحِيطُوا بِمَعْناهُ، وهَذا يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والدَّواعِي.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَهْتَدِيَ بِهِ النّاسُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الهِدايَةَ والمَعْرِفَةَ، خِلافَ قَوْلِ مَن يَقُولُ إنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ البَعْضِ الكُفْرَ والإعْراضَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنِ اسْتِدْلالاتِ المُعْتَزِلَةِ مَشْهُورٌ، وأجْوِبَتُنا عَنْهُ مَشْهُورَةٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومٌ ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ؛ خِلافًا لِمَن يَقُولُ: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ وبَعْضُهُ مَجْهُولٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمِّ الكِتابِ“ بِكَسْرِ الألِفِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (وإنَّهَ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ﴿أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِأُمِّ الكِتابِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوجِ: ٢٢] .
صفحة ١٦٧
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالصِّفاتُ المَذْكُورَةُ هَهُنا كُلُّها صِفاتُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ ﴿أُمِّ الكِتابِ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ نُقِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ حالًا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ ما يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ“ فالكِتابُ عِنْدَهُ. فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ في خَلْقِ هَذا اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَعَ أنَّهُ تَعالى عَلّامُ الغُيُوبِ، ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السَّهْوُ والنِّسْيانُ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ في ذَلِكَ أحْكامَ حَوادِثِ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ يُشاهِدُونَ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ إنَّما تَحْدُثُ عَلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ، اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى كَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ مِن صِفاتِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: قَوْلُهُ ﴿لَدَيْنا﴾ هَكَذا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا التَّشْرِيفِ لِكَوْنِهِ كِتابًا جامِعًا لِأحْوالِ جَمِيعِ المُحْدَثاتِ، فَكَأنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ ما يَقَعُ في مُلْكِ اللَّهِ ومَلَكُوتِهِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ هَذا التَّشْرِيفُ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا صِفَةَ القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّهُ لَدَيْنا في أُمِّ الكِتابِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ ”عَلِيًّا“ والمَعْنى كَوْنُهُ عالِيًا عَنْ وُجُوهِ الفَسادِ والبُطْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ كَوْنُهُ عالِيًا عَلى جَمِيعِ الكُتُبِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ ”حَكِيمًا“ أيْ مُحْكَمًا في أبْوابِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ، وقِيلَ: ”حَكِيمٌ“ أيْ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ كُلَّها صِفاتُ القُرْآنِ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ: أنَّهُ الآياتُ المُحْكَمَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧] ومَعْناهُ: أنَّ سُورَةَ ”حم“ واقِعَةٌ في الآياتِ المُحْكَمَةِ الَّتِي هي الأصْلُ والأُمُّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنْ كُنْتُمْ“ بِكَسْرِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ لا نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا، وقِيلَ: ”إنَّ“ بِمَعْنى ”إذْ“ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٨] وبِالجُمْلَةِ: فالجَزاءُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنْ كُنْتُمْ مُسْرِفِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَقُولُ ضَرَبْتُ عَنْهُ وأضْرَبْتُ عَنْهُ أيْ تَرَكْتُهُ وأمْسَكْتُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، والأصْلُ فِيهِ أنَّكَ تَوَلَّيْتَ بِصَفْحَةِ عُنُقِكَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ - تَقْدِيرُهُ: أفَنَضْرِبُ عَنْكم إضْرابَنا، أوْ تَقْدِيرُهُ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الذِّكْرِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أفَنَرُدُّ عَنْكم ذِكْرَ عَذابِ اللَّهِ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ النَّصائِحَ والمَواعِظَ، وقِيلَ: أفَنَرُدُّ عَنْكُمُ القُرْآنَ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي: إنّا لا نَتْرُكُ هَذا الإعْذارَ الإنْذارَ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ، قالَ قَتادَةُ: لَوْ أنَّ هَذا القُرْآنَ رُفِعَ حِينَ رَدَّهُ أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا ولَكِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ كَرَّرَهُ عَلَيْهِمْ ودَعاهم إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: الرَّحْمَةُ يَعْنِي أنْ لا نَتْرُكَكم مَعَ سُوءِ اخْتِيارِكم، بَلْ نُذَكِّرُكم ونَعِظُكم إلى أنْ تَرْجِعُوا إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ.
الثّانِي: المُبالَغَةُ في التَّغْلِيظِ، يَعْنِي أتَظُنُّونَ أنْ تُتْرَكُوا مَعَ ما
صفحة ١٦٨
تُرِيدُونَ ؟ كَلّا، بَلْ نُلْزِمُكُمُ العَمَلَ ونَدْعُوكم إلى الدِّينِ ونُؤاخِذُكم مَتى أخْلَلْتُمْ بِالواجِبِ وأقْدَمْتُمْ عَلى القَبِيحِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنُهْمِلُكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الدِّينِ الحَقِّ هو التَّكْذِيبُ والِاسْتِهْزاءُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَتَأذّى مِن قَوْمِكَ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَعْنِي أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ كانُوا أشَدَّ بَطْشًا مِن قُرَيْشٍ، يَعْنِي أكْثَرَ عَدَدًا وجَلَدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ سَلَكُوا في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ مَسْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ ضَرَبْنا لَهم مَثَلَهم؛ كَما قالَ: ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣٩] وكَقَوْلِهِ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:9
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُسْرِفِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا ذِكْرُ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأنْبِياءِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفّارِ إلّا أنَّ الأقْرَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُقِرِّينَ بِهَذا المَعْنى يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ويُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ دالًّا عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ مَصْنُوعاتِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ولَوْ كانَ هَذا مِن
صفحة ١٦٩
جُمْلَةِ كَلامِ الكُفّارِ لَوَجَبَ أنْ يَقُولُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مَهْدًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ في أثْناءِ الكَلامِ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِكَلامِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ النّاسِ أنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَقُولُ: الَّذِي بَنى هَذا المَسْجِدَ فُلانٌ العالِمُ، فَيَقُولُ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ: الزّاهِدُ الكَرِيمُ؛ كَأنَّ ذَلِكَ السّامِعَ يَقُولُ: أنا أعْرِفُهُ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ فَوْقَ ما تَعْرِفُهُ، فَأزِيدُ في وصْفِهِ. فَيَكُونُ النَّعْتانِ جَمِيعًا مِن رَجُلَيْنِ لِرَجُلٍ واحِدٍ. إذا عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ النَّظْمِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنْواعٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُتَكَلِّمُونَ بَيَّنُوا أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا لِلْعالَمِ فاعِلًا لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ كَوْنِهِ خالِقًا، وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا فَسَّرْنا الخَلْقَ بِالإحْداثِ والإبْداعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: العَزِيزُ، وهو الغالِبُ وما لِأجْلِهِ يُحَصِّلُ المَكِنَةَ مِنَ الغَلَبَةِ هو القُدْرَةُ، وكَأنَّ العَزِيزَ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَلِيمُ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذا حَصَلَ كانَ المَوْصُوفُ بِهِ قادِرًا عَلى خَلْقِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلِهَذا المَعْنى أثْبَتَ تَعالى كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ سائِرَ التَّفاصِيلِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ مَهْدًا إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ كَوْنِها واقِفَةً ساكِنَةً ولِأجْلِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِاعْتِبارِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها في الزِّراعَةِ وبِناءِ الأبْنِيَةِ وفي كَوْنِها ساتِرَةً لِعُيُوبِ الأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمّا كانَ المَهْدُ مَوْضِعَ الرّاحَةِ لِلصَّبِيِّ جَعَلَ الأرْضَ مَهْدًا لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الرّاحاتِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ انْتِفاعَ النّاسِ إنَّما يَكْمُلُ إذا قَدَرَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَذْهَبَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن إقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى هَيَّأ تِلْكَ السُّبُلَ ووَضَعَ عَلَيْها عَلاماتٍ مَخْصُوصَةً، وإلّا لَما حَصَلَ هَذا الِانْتِفاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن وضْعِ السُّبُلِ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ المَكِنَةُ مِنَ الِاهْتِداءِ، والثّانِي: المَعْنى لِتَهْتَدُوا إلى الحَقِّ في الدِّينِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وهَهُنا مَباحِثُ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَهَلِ الأمْرُ كَذَلِكَ أوْ يُقالُ إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، وسُمِّيَ نازِلًا مِنَ السَّماءِ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ ؟ وهَذا البَحْثُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ بِالِاسْتِقْصاءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ (بِقَدَرٍ) أيْ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، لا كَما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ بِغَيْرِ قَدَرٍ حَتّى أغْرَقَهم، بَلْ بِقَدَرٍ حَتّى يَكُونَ مَعاشًا لَكم ولِأنْعامِكم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ خالِيَةً مِنَ النَّباتِ، فَأحْيَيْناها، وهو الإنْشارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَما يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ يَجْعَلُهم أحْياءً بَعْدَ الإماتَةِ؛ كَهَذِهِ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِرَتْ بَعْدَ ما كانَتْ
صفحة ١٧٠
مَيْتَةً، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنْ يُعِيدَهم ويُخْرِجَهم مِنَ الأرْضِ بِماءٍ كالمَنِيِّ؛ كَما تَنْبُتُ الأرْضُ بِماءِ المَطَرِ، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ إلّا إثْباتُ الإعادَةِ فَقَطْ دُونَ هَذِهِ الزِّيادَةِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأزْواجُ الضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ كالفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ واليَسارِ والقُدّامِ والخَلْفِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ والذَّواتِ والصِّفاتِ والصَّيْفِ والشِّتاءِ والرَّبِيعِ والخَرِيفِ، وكَوْنُها أزْواجًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في ذَواتِها مُحْدَثَةً مَسْبُوقَةً بِالعَدَمِ، فَأمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَهو الفَرْدُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والمُقابِلِ والمُعاضِدِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: كُلُّ ما هو زَوْجٌ فَهو مَخْلُوقٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ خالِقَها فَرْدٌ مُطْلَقٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وأقُولُ أيْضًا: العُلَماءُ بِعِلْمِ الحِسابِ بَيَّنُوا أنَّ الفَرْدَ أفْضَلُ مِنَ الزَّوْجِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أقَلَّ الأزْواجِ هو الِاثْنانِ، وهو لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ وحْدَتَيْنِ، فالزَّوْجُ يَحْتاجُ إلى الفَرْدِ، والفَرْدُ وهو الوَحْدَةُ غَنِيَّةٌ عَنِ الزَّوْجِ، والغَنِيُّ أفْضَلُ مِنَ المُحْتاجِ.
الثّانِي: أنَّ الزَّوْجَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِقِسْمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، والفَرْدُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، وقَبُولُ القِسْمَةِ انْفِعالٌ وتَأثُّرٌ، وعَدَمُ قَبُولِها قُوَّةٌ وشِدَّةٌ ومُقاوَمَةٌ، فَكانَ الفَرْدُ أفْضَلَ مِنَ الزَّوْجِ.
الثّالِثُ: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أحَدُ قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والثّانِي فَرْدًا، فالعَدَدُ الفَرْدُ حَصَلَ فِيهِ الزَّوْجُ والفَرْدُ مَعًا، وأمّا العَدَدُ الزَّوْجُ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والمُشْتَمِلُ عَلى القِسْمَيْنِ أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ الزَّوْجِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُعادِلًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والمِقْدارِ، وإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالِ فَمِثْلُهُ حاصِلٌ لِغَيْرِهِ - لَمْ يَكُنْ هو كامِلًا عَلى الإطْلاقِ، أمّا الفَرْدُ فالفَرْدِيَّةُ كائِنَةٌ لَهُ خاصَّةً لا لِغَيْرِهِ ولا لِمِثْلِهِ، فَكَمالُهُ حاصِلٌ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكانَ أفْضَلَ.
الخامِسُ: أنَّ الزَّوْجَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُشارِكًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ ومُغايِرًا لَهُ في أُمُورٍ أُخْرى، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُخالَفَةُ، فَكُلُّ زَوْجَيْنِ فَهُما مُمْكِنا الوُجُودِ لِذاتَيْهِما، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَهو مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَنشَأُ الفَقْرِ والحاجَةِ، وأمّا الفَرْدانِيَّةُ فَهي مَنشَأُ الِاسْتِغْناءِ والِاسْتِقْلالِ؛ لِأنَّ العَدَدَ مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ، وأمّا كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ، فَثَبَتَ أنَّ الأزْواجَ مُمْكِناتٌ ومُحْدَثاتٌ ومَخْلُوقاتٌ، وأنَّ الفَرْدَ هو القائِمُ بِذاتِهِ المُسْتَقِلُّ بِنَفَسِهِ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ إمّا سَفَرُ البَحْرِ أوِ البَرِّ، أمّا سَفَرُ البَحْرِ فالحامِلُ هو السَّفِينَةُ، وأمّا سَفَرُ البَرِّ فالحامِلُ هو الأنْعامُ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: عَلى ظُهُورِها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّذْكِيرُ لِقَوْلِهِ ”ما“، والتَّقْدِيرُ: ما تَرْكَبُونَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلِ الجَيْشِ والجُنْدِ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ وجَمَعَ الظُّهُورَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا التَّأْنِيثَ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَجازَ أنْ يَخْتَلِفَ اللَّفْظُ فِيهِ كَما يُقالُ: عِنْدِي مِن النِّساءِ مَن يُوافِقُكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: يُقالُ: رَكِبُوا الأنْعامَ، ورَكِبُوا في الفُلْكِ، وقَدْ ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ، فَكَيْفَ قالَ ”تَرْكَبُونَ“ ؟ والجَوابُ: غَلَّبَ المُتَعَدِّيَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِقُوَّتِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ومَعْنى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ - أنْ يَذْكُرُوها في
صفحة ١٧١
قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ الذِّكْرُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ وجْهَ البَحْرِ، وخَلَقَ الرِّياحَ، وخَلَقَ جِرْمَ السَّفِينَةِ عَلى وجْهٍ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن تَصْرِيفِ هَذِهِ السَّفِينَةِ إلى أيِّ جانِبٍ شاءَ وأرادَ، فَإذا تَذَكَّرُوا أنَّ خَلْقَ البَحْرِ، وخَلْقَ الرِّياحِ، وخَلْقَ السَّفِينَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ القابِلَةِ لِتَصْرِيفاتِ الإنْسانِ ولِتَحْرِيكاتِهِ - لَيْسَ مِن تَدْبِيرِ ذَلِكَ الإنْسانِ، وإنَّما هو مِن تَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ القَدِيرِ، عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى، وعَلى الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ لِنِعَمِهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَيَّنَ ذِكْرًا مُعَيَّنًا لِرُكُوبِ السَّفِينَةِ، وهو قَوْلُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وذِكْرًا آخَرَ لِرُكُوبِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ وذَكَرَ عِنْدَ دُخُولِ المَنازِلِ ذِكْرًا آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي يَرْكَبُها الإنْسانُ - لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أكْثَرَ قُوَّةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، ولَيْسَ لَها عَقْلٌ يَهْدِيها إلى طاعَةِ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ تِلْكَ البَهِيمَةَ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في خَلْقِها الظّاهِرِ، وفي خَلْقِها الباطِنِ يَحْصُلُ مِنها هَذا الِانْتِفاعُ، أمّا خَلْقُها الظّاهِرُ: فَلِأنَّها تَمْشِي عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ، فَكانَ ظاهِرُها كالمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ اسْتِقْرارُ الإنْسانِ عَلَيْهِ، وأمّا خَلْقُها الباطِنُ فَلِأنَّها مَعَ قُوَّتِها الشَّدِيدَةِ قَدْ خَلَقَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُنْقادَةً لِلْإنْسانِ ومُسَخَّرَةً لَهُ، فَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في هَذِهِ العَجائِبِ وغاصَ بِعَقْلِهِ في بِحارِ هَذِهِ الأسْرارِ، عَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وكَأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن قَوْلِكَ ضَرَبَ لَهُ قَرْنًا، ومَعْنى: أنا قِرْنٌ لِفُلانٍ، أيْ مِثالُهُ في الشِّدَّةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا مِنَ القُوَّةِ والطّاقَةِ أنْ نَقْرِنَ هَذِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ وأنْ نَضْبُطَها، فَسُبْحانَ مَن سَخَّرَها لَنا بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَيْهِ في الرِّكابِ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ» ورَوى القاضِي في ”تَفْسِيرِهِ“: عَنْ أبِي مَخْلَدٍ أنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ: رَأى رَجُلًا رَكِبَ دابَّةً، فَقالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، فَقالَ لَهُ: ما بِهَذا أُمِرْتَ، أُمِرْتَ أنْ تَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، ثُمَّ تَقُولَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ كانَ إذا سافَرَ ورَكِبَ راحِلَتَهُ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ في سَفَرِي هَذا البِرَّ والتَّقْوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنا السَّفَرَ واطْوِ عَنّا بُعْدَ الأرْضِ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ والخَلِيفَةُ عَلى الأهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنا في سَفَرِنا، واخْلُفْنا في أهْلِنا وكانَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ يَقُولُ آيِبُونَ تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ فَذَكَرَهُ بِلامِ ”كَيْ“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنّا هَذا الفِعْلَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ الكُفْرَ مِنهُ، وأرادَ الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لِتَسْتَوُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ مُعَلَّلٌ بِالأغْراضِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى هَذِهِ الطَّبائِعِ إنَّما كانَ لِغَرَضِ أنْ يَصْدُرَ الشُّكْرُ عَلى العَبْدِ، فَلَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ مَعْنى الآيَةِ: إنِّي
صفحة ١٧٢
خَلَقْتُ هَذِهِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ أنْ أخْلُقَ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ في لِسانِ العَبْدِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ هَذا اللَّفْظَ في لِسانِهِ بِدُونِ هَذِهِ الوَسايِطِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مَعْلُومٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّ رُكُوبَ الفُلْكِ في خَطَرِ الهَلاكِ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما تَنْكَسِرُ السَّفِينَةُ ويَهْلِكُ الإنْسانُ، وراكِبُ الدّابَّةِ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ قَدْ يَتَّفِقُ لَها اتِّفاقاتٌ تُوجِبُ هَلاكَ الرّاكِبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَرُكُوبُ الفُلْكِ والدّابَّةِ يُوجِبُ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ عَلى الرّاكِبِ أنْ يَتَذَكَّرَ أمْرَ المَوْتِ، وأنْ يَقْطَعَ أنَّهُ هالِكٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ مُنْقَلِبٌ إلى اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُنْقَلِبٍ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ، حَتّى لَوِ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ المَحْذُورُ كانَ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى المَوْتِ.
الزخرف 43:10
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُسْرِفِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا ذِكْرُ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأنْبِياءِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفّارِ إلّا أنَّ الأقْرَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُقِرِّينَ بِهَذا المَعْنى يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ويُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ دالًّا عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ مَصْنُوعاتِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ولَوْ كانَ هَذا مِن
صفحة ١٦٩
جُمْلَةِ كَلامِ الكُفّارِ لَوَجَبَ أنْ يَقُولُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مَهْدًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ في أثْناءِ الكَلامِ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِكَلامِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ النّاسِ أنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَقُولُ: الَّذِي بَنى هَذا المَسْجِدَ فُلانٌ العالِمُ، فَيَقُولُ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ: الزّاهِدُ الكَرِيمُ؛ كَأنَّ ذَلِكَ السّامِعَ يَقُولُ: أنا أعْرِفُهُ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ فَوْقَ ما تَعْرِفُهُ، فَأزِيدُ في وصْفِهِ. فَيَكُونُ النَّعْتانِ جَمِيعًا مِن رَجُلَيْنِ لِرَجُلٍ واحِدٍ. إذا عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ النَّظْمِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنْواعٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُتَكَلِّمُونَ بَيَّنُوا أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا لِلْعالَمِ فاعِلًا لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ كَوْنِهِ خالِقًا، وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا فَسَّرْنا الخَلْقَ بِالإحْداثِ والإبْداعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: العَزِيزُ، وهو الغالِبُ وما لِأجْلِهِ يُحَصِّلُ المَكِنَةَ مِنَ الغَلَبَةِ هو القُدْرَةُ، وكَأنَّ العَزِيزَ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَلِيمُ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذا حَصَلَ كانَ المَوْصُوفُ بِهِ قادِرًا عَلى خَلْقِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلِهَذا المَعْنى أثْبَتَ تَعالى كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ سائِرَ التَّفاصِيلِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ مَهْدًا إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ كَوْنِها واقِفَةً ساكِنَةً ولِأجْلِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِاعْتِبارِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها في الزِّراعَةِ وبِناءِ الأبْنِيَةِ وفي كَوْنِها ساتِرَةً لِعُيُوبِ الأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمّا كانَ المَهْدُ مَوْضِعَ الرّاحَةِ لِلصَّبِيِّ جَعَلَ الأرْضَ مَهْدًا لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الرّاحاتِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ انْتِفاعَ النّاسِ إنَّما يَكْمُلُ إذا قَدَرَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَذْهَبَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن إقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى هَيَّأ تِلْكَ السُّبُلَ ووَضَعَ عَلَيْها عَلاماتٍ مَخْصُوصَةً، وإلّا لَما حَصَلَ هَذا الِانْتِفاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن وضْعِ السُّبُلِ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ المَكِنَةُ مِنَ الِاهْتِداءِ، والثّانِي: المَعْنى لِتَهْتَدُوا إلى الحَقِّ في الدِّينِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وهَهُنا مَباحِثُ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَهَلِ الأمْرُ كَذَلِكَ أوْ يُقالُ إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، وسُمِّيَ نازِلًا مِنَ السَّماءِ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ ؟ وهَذا البَحْثُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ بِالِاسْتِقْصاءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ (بِقَدَرٍ) أيْ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، لا كَما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ بِغَيْرِ قَدَرٍ حَتّى أغْرَقَهم، بَلْ بِقَدَرٍ حَتّى يَكُونَ مَعاشًا لَكم ولِأنْعامِكم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ خالِيَةً مِنَ النَّباتِ، فَأحْيَيْناها، وهو الإنْشارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَما يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ يَجْعَلُهم أحْياءً بَعْدَ الإماتَةِ؛ كَهَذِهِ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِرَتْ بَعْدَ ما كانَتْ
صفحة ١٧٠
مَيْتَةً، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنْ يُعِيدَهم ويُخْرِجَهم مِنَ الأرْضِ بِماءٍ كالمَنِيِّ؛ كَما تَنْبُتُ الأرْضُ بِماءِ المَطَرِ، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ إلّا إثْباتُ الإعادَةِ فَقَطْ دُونَ هَذِهِ الزِّيادَةِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأزْواجُ الضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ كالفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ واليَسارِ والقُدّامِ والخَلْفِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ والذَّواتِ والصِّفاتِ والصَّيْفِ والشِّتاءِ والرَّبِيعِ والخَرِيفِ، وكَوْنُها أزْواجًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في ذَواتِها مُحْدَثَةً مَسْبُوقَةً بِالعَدَمِ، فَأمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَهو الفَرْدُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والمُقابِلِ والمُعاضِدِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: كُلُّ ما هو زَوْجٌ فَهو مَخْلُوقٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ خالِقَها فَرْدٌ مُطْلَقٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وأقُولُ أيْضًا: العُلَماءُ بِعِلْمِ الحِسابِ بَيَّنُوا أنَّ الفَرْدَ أفْضَلُ مِنَ الزَّوْجِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أقَلَّ الأزْواجِ هو الِاثْنانِ، وهو لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ وحْدَتَيْنِ، فالزَّوْجُ يَحْتاجُ إلى الفَرْدِ، والفَرْدُ وهو الوَحْدَةُ غَنِيَّةٌ عَنِ الزَّوْجِ، والغَنِيُّ أفْضَلُ مِنَ المُحْتاجِ.
الثّانِي: أنَّ الزَّوْجَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِقِسْمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، والفَرْدُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، وقَبُولُ القِسْمَةِ انْفِعالٌ وتَأثُّرٌ، وعَدَمُ قَبُولِها قُوَّةٌ وشِدَّةٌ ومُقاوَمَةٌ، فَكانَ الفَرْدُ أفْضَلَ مِنَ الزَّوْجِ.
الثّالِثُ: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أحَدُ قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والثّانِي فَرْدًا، فالعَدَدُ الفَرْدُ حَصَلَ فِيهِ الزَّوْجُ والفَرْدُ مَعًا، وأمّا العَدَدُ الزَّوْجُ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والمُشْتَمِلُ عَلى القِسْمَيْنِ أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ الزَّوْجِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُعادِلًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والمِقْدارِ، وإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالِ فَمِثْلُهُ حاصِلٌ لِغَيْرِهِ - لَمْ يَكُنْ هو كامِلًا عَلى الإطْلاقِ، أمّا الفَرْدُ فالفَرْدِيَّةُ كائِنَةٌ لَهُ خاصَّةً لا لِغَيْرِهِ ولا لِمِثْلِهِ، فَكَمالُهُ حاصِلٌ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكانَ أفْضَلَ.
الخامِسُ: أنَّ الزَّوْجَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُشارِكًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ ومُغايِرًا لَهُ في أُمُورٍ أُخْرى، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُخالَفَةُ، فَكُلُّ زَوْجَيْنِ فَهُما مُمْكِنا الوُجُودِ لِذاتَيْهِما، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَهو مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَنشَأُ الفَقْرِ والحاجَةِ، وأمّا الفَرْدانِيَّةُ فَهي مَنشَأُ الِاسْتِغْناءِ والِاسْتِقْلالِ؛ لِأنَّ العَدَدَ مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ، وأمّا كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ، فَثَبَتَ أنَّ الأزْواجَ مُمْكِناتٌ ومُحْدَثاتٌ ومَخْلُوقاتٌ، وأنَّ الفَرْدَ هو القائِمُ بِذاتِهِ المُسْتَقِلُّ بِنَفَسِهِ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ إمّا سَفَرُ البَحْرِ أوِ البَرِّ، أمّا سَفَرُ البَحْرِ فالحامِلُ هو السَّفِينَةُ، وأمّا سَفَرُ البَرِّ فالحامِلُ هو الأنْعامُ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: عَلى ظُهُورِها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّذْكِيرُ لِقَوْلِهِ ”ما“، والتَّقْدِيرُ: ما تَرْكَبُونَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلِ الجَيْشِ والجُنْدِ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ وجَمَعَ الظُّهُورَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا التَّأْنِيثَ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَجازَ أنْ يَخْتَلِفَ اللَّفْظُ فِيهِ كَما يُقالُ: عِنْدِي مِن النِّساءِ مَن يُوافِقُكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: يُقالُ: رَكِبُوا الأنْعامَ، ورَكِبُوا في الفُلْكِ، وقَدْ ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ، فَكَيْفَ قالَ ”تَرْكَبُونَ“ ؟ والجَوابُ: غَلَّبَ المُتَعَدِّيَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِقُوَّتِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ومَعْنى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ - أنْ يَذْكُرُوها في
صفحة ١٧١
قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ الذِّكْرُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ وجْهَ البَحْرِ، وخَلَقَ الرِّياحَ، وخَلَقَ جِرْمَ السَّفِينَةِ عَلى وجْهٍ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن تَصْرِيفِ هَذِهِ السَّفِينَةِ إلى أيِّ جانِبٍ شاءَ وأرادَ، فَإذا تَذَكَّرُوا أنَّ خَلْقَ البَحْرِ، وخَلْقَ الرِّياحِ، وخَلْقَ السَّفِينَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ القابِلَةِ لِتَصْرِيفاتِ الإنْسانِ ولِتَحْرِيكاتِهِ - لَيْسَ مِن تَدْبِيرِ ذَلِكَ الإنْسانِ، وإنَّما هو مِن تَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ القَدِيرِ، عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى، وعَلى الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ لِنِعَمِهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَيَّنَ ذِكْرًا مُعَيَّنًا لِرُكُوبِ السَّفِينَةِ، وهو قَوْلُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وذِكْرًا آخَرَ لِرُكُوبِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ وذَكَرَ عِنْدَ دُخُولِ المَنازِلِ ذِكْرًا آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي يَرْكَبُها الإنْسانُ - لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أكْثَرَ قُوَّةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، ولَيْسَ لَها عَقْلٌ يَهْدِيها إلى طاعَةِ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ تِلْكَ البَهِيمَةَ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في خَلْقِها الظّاهِرِ، وفي خَلْقِها الباطِنِ يَحْصُلُ مِنها هَذا الِانْتِفاعُ، أمّا خَلْقُها الظّاهِرُ: فَلِأنَّها تَمْشِي عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ، فَكانَ ظاهِرُها كالمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ اسْتِقْرارُ الإنْسانِ عَلَيْهِ، وأمّا خَلْقُها الباطِنُ فَلِأنَّها مَعَ قُوَّتِها الشَّدِيدَةِ قَدْ خَلَقَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُنْقادَةً لِلْإنْسانِ ومُسَخَّرَةً لَهُ، فَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في هَذِهِ العَجائِبِ وغاصَ بِعَقْلِهِ في بِحارِ هَذِهِ الأسْرارِ، عَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وكَأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن قَوْلِكَ ضَرَبَ لَهُ قَرْنًا، ومَعْنى: أنا قِرْنٌ لِفُلانٍ، أيْ مِثالُهُ في الشِّدَّةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا مِنَ القُوَّةِ والطّاقَةِ أنْ نَقْرِنَ هَذِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ وأنْ نَضْبُطَها، فَسُبْحانَ مَن سَخَّرَها لَنا بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَيْهِ في الرِّكابِ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ» ورَوى القاضِي في ”تَفْسِيرِهِ“: عَنْ أبِي مَخْلَدٍ أنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ: رَأى رَجُلًا رَكِبَ دابَّةً، فَقالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، فَقالَ لَهُ: ما بِهَذا أُمِرْتَ، أُمِرْتَ أنْ تَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، ثُمَّ تَقُولَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ كانَ إذا سافَرَ ورَكِبَ راحِلَتَهُ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ في سَفَرِي هَذا البِرَّ والتَّقْوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنا السَّفَرَ واطْوِ عَنّا بُعْدَ الأرْضِ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ والخَلِيفَةُ عَلى الأهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنا في سَفَرِنا، واخْلُفْنا في أهْلِنا وكانَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ يَقُولُ آيِبُونَ تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ فَذَكَرَهُ بِلامِ ”كَيْ“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنّا هَذا الفِعْلَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ الكُفْرَ مِنهُ، وأرادَ الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لِتَسْتَوُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ مُعَلَّلٌ بِالأغْراضِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى هَذِهِ الطَّبائِعِ إنَّما كانَ لِغَرَضِ أنْ يَصْدُرَ الشُّكْرُ عَلى العَبْدِ، فَلَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ مَعْنى الآيَةِ: إنِّي
صفحة ١٧٢
خَلَقْتُ هَذِهِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ أنْ أخْلُقَ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ في لِسانِ العَبْدِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ هَذا اللَّفْظَ في لِسانِهِ بِدُونِ هَذِهِ الوَسايِطِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مَعْلُومٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّ رُكُوبَ الفُلْكِ في خَطَرِ الهَلاكِ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما تَنْكَسِرُ السَّفِينَةُ ويَهْلِكُ الإنْسانُ، وراكِبُ الدّابَّةِ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ قَدْ يَتَّفِقُ لَها اتِّفاقاتٌ تُوجِبُ هَلاكَ الرّاكِبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَرُكُوبُ الفُلْكِ والدّابَّةِ يُوجِبُ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ عَلى الرّاكِبِ أنْ يَتَذَكَّرَ أمْرَ المَوْتِ، وأنْ يَقْطَعَ أنَّهُ هالِكٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ مُنْقَلِبٌ إلى اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُنْقَلِبٍ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ، حَتّى لَوِ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ المَحْذُورُ كانَ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى المَوْتِ.
الزخرف 43:11
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُسْرِفِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا ذِكْرُ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأنْبِياءِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفّارِ إلّا أنَّ الأقْرَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُقِرِّينَ بِهَذا المَعْنى يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ويُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ دالًّا عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ مَصْنُوعاتِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ولَوْ كانَ هَذا مِن
صفحة ١٦٩
جُمْلَةِ كَلامِ الكُفّارِ لَوَجَبَ أنْ يَقُولُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مَهْدًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ في أثْناءِ الكَلامِ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِكَلامِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ النّاسِ أنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَقُولُ: الَّذِي بَنى هَذا المَسْجِدَ فُلانٌ العالِمُ، فَيَقُولُ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ: الزّاهِدُ الكَرِيمُ؛ كَأنَّ ذَلِكَ السّامِعَ يَقُولُ: أنا أعْرِفُهُ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ فَوْقَ ما تَعْرِفُهُ، فَأزِيدُ في وصْفِهِ. فَيَكُونُ النَّعْتانِ جَمِيعًا مِن رَجُلَيْنِ لِرَجُلٍ واحِدٍ. إذا عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ النَّظْمِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنْواعٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُتَكَلِّمُونَ بَيَّنُوا أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا لِلْعالَمِ فاعِلًا لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ كَوْنِهِ خالِقًا، وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا فَسَّرْنا الخَلْقَ بِالإحْداثِ والإبْداعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: العَزِيزُ، وهو الغالِبُ وما لِأجْلِهِ يُحَصِّلُ المَكِنَةَ مِنَ الغَلَبَةِ هو القُدْرَةُ، وكَأنَّ العَزِيزَ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَلِيمُ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذا حَصَلَ كانَ المَوْصُوفُ بِهِ قادِرًا عَلى خَلْقِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلِهَذا المَعْنى أثْبَتَ تَعالى كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ سائِرَ التَّفاصِيلِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ مَهْدًا إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ كَوْنِها واقِفَةً ساكِنَةً ولِأجْلِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِاعْتِبارِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها في الزِّراعَةِ وبِناءِ الأبْنِيَةِ وفي كَوْنِها ساتِرَةً لِعُيُوبِ الأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمّا كانَ المَهْدُ مَوْضِعَ الرّاحَةِ لِلصَّبِيِّ جَعَلَ الأرْضَ مَهْدًا لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الرّاحاتِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ انْتِفاعَ النّاسِ إنَّما يَكْمُلُ إذا قَدَرَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَذْهَبَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن إقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى هَيَّأ تِلْكَ السُّبُلَ ووَضَعَ عَلَيْها عَلاماتٍ مَخْصُوصَةً، وإلّا لَما حَصَلَ هَذا الِانْتِفاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن وضْعِ السُّبُلِ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ المَكِنَةُ مِنَ الِاهْتِداءِ، والثّانِي: المَعْنى لِتَهْتَدُوا إلى الحَقِّ في الدِّينِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وهَهُنا مَباحِثُ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَهَلِ الأمْرُ كَذَلِكَ أوْ يُقالُ إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، وسُمِّيَ نازِلًا مِنَ السَّماءِ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ ؟ وهَذا البَحْثُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ بِالِاسْتِقْصاءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ (بِقَدَرٍ) أيْ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، لا كَما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ بِغَيْرِ قَدَرٍ حَتّى أغْرَقَهم، بَلْ بِقَدَرٍ حَتّى يَكُونَ مَعاشًا لَكم ولِأنْعامِكم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ خالِيَةً مِنَ النَّباتِ، فَأحْيَيْناها، وهو الإنْشارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَما يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ يَجْعَلُهم أحْياءً بَعْدَ الإماتَةِ؛ كَهَذِهِ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِرَتْ بَعْدَ ما كانَتْ
صفحة ١٧٠
مَيْتَةً، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنْ يُعِيدَهم ويُخْرِجَهم مِنَ الأرْضِ بِماءٍ كالمَنِيِّ؛ كَما تَنْبُتُ الأرْضُ بِماءِ المَطَرِ، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ إلّا إثْباتُ الإعادَةِ فَقَطْ دُونَ هَذِهِ الزِّيادَةِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأزْواجُ الضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ كالفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ واليَسارِ والقُدّامِ والخَلْفِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ والذَّواتِ والصِّفاتِ والصَّيْفِ والشِّتاءِ والرَّبِيعِ والخَرِيفِ، وكَوْنُها أزْواجًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في ذَواتِها مُحْدَثَةً مَسْبُوقَةً بِالعَدَمِ، فَأمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَهو الفَرْدُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والمُقابِلِ والمُعاضِدِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: كُلُّ ما هو زَوْجٌ فَهو مَخْلُوقٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ خالِقَها فَرْدٌ مُطْلَقٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وأقُولُ أيْضًا: العُلَماءُ بِعِلْمِ الحِسابِ بَيَّنُوا أنَّ الفَرْدَ أفْضَلُ مِنَ الزَّوْجِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أقَلَّ الأزْواجِ هو الِاثْنانِ، وهو لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ وحْدَتَيْنِ، فالزَّوْجُ يَحْتاجُ إلى الفَرْدِ، والفَرْدُ وهو الوَحْدَةُ غَنِيَّةٌ عَنِ الزَّوْجِ، والغَنِيُّ أفْضَلُ مِنَ المُحْتاجِ.
الثّانِي: أنَّ الزَّوْجَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِقِسْمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، والفَرْدُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، وقَبُولُ القِسْمَةِ انْفِعالٌ وتَأثُّرٌ، وعَدَمُ قَبُولِها قُوَّةٌ وشِدَّةٌ ومُقاوَمَةٌ، فَكانَ الفَرْدُ أفْضَلَ مِنَ الزَّوْجِ.
الثّالِثُ: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أحَدُ قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والثّانِي فَرْدًا، فالعَدَدُ الفَرْدُ حَصَلَ فِيهِ الزَّوْجُ والفَرْدُ مَعًا، وأمّا العَدَدُ الزَّوْجُ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والمُشْتَمِلُ عَلى القِسْمَيْنِ أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ الزَّوْجِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُعادِلًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والمِقْدارِ، وإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالِ فَمِثْلُهُ حاصِلٌ لِغَيْرِهِ - لَمْ يَكُنْ هو كامِلًا عَلى الإطْلاقِ، أمّا الفَرْدُ فالفَرْدِيَّةُ كائِنَةٌ لَهُ خاصَّةً لا لِغَيْرِهِ ولا لِمِثْلِهِ، فَكَمالُهُ حاصِلٌ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكانَ أفْضَلَ.
الخامِسُ: أنَّ الزَّوْجَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُشارِكًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ ومُغايِرًا لَهُ في أُمُورٍ أُخْرى، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُخالَفَةُ، فَكُلُّ زَوْجَيْنِ فَهُما مُمْكِنا الوُجُودِ لِذاتَيْهِما، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَهو مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَنشَأُ الفَقْرِ والحاجَةِ، وأمّا الفَرْدانِيَّةُ فَهي مَنشَأُ الِاسْتِغْناءِ والِاسْتِقْلالِ؛ لِأنَّ العَدَدَ مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ، وأمّا كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ، فَثَبَتَ أنَّ الأزْواجَ مُمْكِناتٌ ومُحْدَثاتٌ ومَخْلُوقاتٌ، وأنَّ الفَرْدَ هو القائِمُ بِذاتِهِ المُسْتَقِلُّ بِنَفَسِهِ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ إمّا سَفَرُ البَحْرِ أوِ البَرِّ، أمّا سَفَرُ البَحْرِ فالحامِلُ هو السَّفِينَةُ، وأمّا سَفَرُ البَرِّ فالحامِلُ هو الأنْعامُ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: عَلى ظُهُورِها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّذْكِيرُ لِقَوْلِهِ ”ما“، والتَّقْدِيرُ: ما تَرْكَبُونَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلِ الجَيْشِ والجُنْدِ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ وجَمَعَ الظُّهُورَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا التَّأْنِيثَ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَجازَ أنْ يَخْتَلِفَ اللَّفْظُ فِيهِ كَما يُقالُ: عِنْدِي مِن النِّساءِ مَن يُوافِقُكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: يُقالُ: رَكِبُوا الأنْعامَ، ورَكِبُوا في الفُلْكِ، وقَدْ ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ، فَكَيْفَ قالَ ”تَرْكَبُونَ“ ؟ والجَوابُ: غَلَّبَ المُتَعَدِّيَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِقُوَّتِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ومَعْنى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ - أنْ يَذْكُرُوها في
صفحة ١٧١
قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ الذِّكْرُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ وجْهَ البَحْرِ، وخَلَقَ الرِّياحَ، وخَلَقَ جِرْمَ السَّفِينَةِ عَلى وجْهٍ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن تَصْرِيفِ هَذِهِ السَّفِينَةِ إلى أيِّ جانِبٍ شاءَ وأرادَ، فَإذا تَذَكَّرُوا أنَّ خَلْقَ البَحْرِ، وخَلْقَ الرِّياحِ، وخَلْقَ السَّفِينَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ القابِلَةِ لِتَصْرِيفاتِ الإنْسانِ ولِتَحْرِيكاتِهِ - لَيْسَ مِن تَدْبِيرِ ذَلِكَ الإنْسانِ، وإنَّما هو مِن تَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ القَدِيرِ، عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى، وعَلى الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ لِنِعَمِهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَيَّنَ ذِكْرًا مُعَيَّنًا لِرُكُوبِ السَّفِينَةِ، وهو قَوْلُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وذِكْرًا آخَرَ لِرُكُوبِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ وذَكَرَ عِنْدَ دُخُولِ المَنازِلِ ذِكْرًا آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي يَرْكَبُها الإنْسانُ - لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أكْثَرَ قُوَّةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، ولَيْسَ لَها عَقْلٌ يَهْدِيها إلى طاعَةِ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ تِلْكَ البَهِيمَةَ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في خَلْقِها الظّاهِرِ، وفي خَلْقِها الباطِنِ يَحْصُلُ مِنها هَذا الِانْتِفاعُ، أمّا خَلْقُها الظّاهِرُ: فَلِأنَّها تَمْشِي عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ، فَكانَ ظاهِرُها كالمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ اسْتِقْرارُ الإنْسانِ عَلَيْهِ، وأمّا خَلْقُها الباطِنُ فَلِأنَّها مَعَ قُوَّتِها الشَّدِيدَةِ قَدْ خَلَقَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُنْقادَةً لِلْإنْسانِ ومُسَخَّرَةً لَهُ، فَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في هَذِهِ العَجائِبِ وغاصَ بِعَقْلِهِ في بِحارِ هَذِهِ الأسْرارِ، عَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وكَأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن قَوْلِكَ ضَرَبَ لَهُ قَرْنًا، ومَعْنى: أنا قِرْنٌ لِفُلانٍ، أيْ مِثالُهُ في الشِّدَّةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا مِنَ القُوَّةِ والطّاقَةِ أنْ نَقْرِنَ هَذِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ وأنْ نَضْبُطَها، فَسُبْحانَ مَن سَخَّرَها لَنا بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَيْهِ في الرِّكابِ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ» ورَوى القاضِي في ”تَفْسِيرِهِ“: عَنْ أبِي مَخْلَدٍ أنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ: رَأى رَجُلًا رَكِبَ دابَّةً، فَقالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، فَقالَ لَهُ: ما بِهَذا أُمِرْتَ، أُمِرْتَ أنْ تَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، ثُمَّ تَقُولَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ كانَ إذا سافَرَ ورَكِبَ راحِلَتَهُ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ في سَفَرِي هَذا البِرَّ والتَّقْوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنا السَّفَرَ واطْوِ عَنّا بُعْدَ الأرْضِ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ والخَلِيفَةُ عَلى الأهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنا في سَفَرِنا، واخْلُفْنا في أهْلِنا وكانَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ يَقُولُ آيِبُونَ تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ فَذَكَرَهُ بِلامِ ”كَيْ“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنّا هَذا الفِعْلَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ الكُفْرَ مِنهُ، وأرادَ الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لِتَسْتَوُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ مُعَلَّلٌ بِالأغْراضِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى هَذِهِ الطَّبائِعِ إنَّما كانَ لِغَرَضِ أنْ يَصْدُرَ الشُّكْرُ عَلى العَبْدِ، فَلَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ مَعْنى الآيَةِ: إنِّي
صفحة ١٧٢
خَلَقْتُ هَذِهِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ أنْ أخْلُقَ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ في لِسانِ العَبْدِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ هَذا اللَّفْظَ في لِسانِهِ بِدُونِ هَذِهِ الوَسايِطِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مَعْلُومٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّ رُكُوبَ الفُلْكِ في خَطَرِ الهَلاكِ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما تَنْكَسِرُ السَّفِينَةُ ويَهْلِكُ الإنْسانُ، وراكِبُ الدّابَّةِ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ قَدْ يَتَّفِقُ لَها اتِّفاقاتٌ تُوجِبُ هَلاكَ الرّاكِبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَرُكُوبُ الفُلْكِ والدّابَّةِ يُوجِبُ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ عَلى الرّاكِبِ أنْ يَتَذَكَّرَ أمْرَ المَوْتِ، وأنْ يَقْطَعَ أنَّهُ هالِكٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ مُنْقَلِبٌ إلى اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُنْقَلِبٍ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ، حَتّى لَوِ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ المَحْذُورُ كانَ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى المَوْتِ.
الزخرف 43:12
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُسْرِفِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا ذِكْرُ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأنْبِياءِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفّارِ إلّا أنَّ الأقْرَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُقِرِّينَ بِهَذا المَعْنى يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ويُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ دالًّا عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ مَصْنُوعاتِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ولَوْ كانَ هَذا مِن
صفحة ١٦٩
جُمْلَةِ كَلامِ الكُفّارِ لَوَجَبَ أنْ يَقُولُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مَهْدًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ في أثْناءِ الكَلامِ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِكَلامِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ النّاسِ أنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَقُولُ: الَّذِي بَنى هَذا المَسْجِدَ فُلانٌ العالِمُ، فَيَقُولُ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ: الزّاهِدُ الكَرِيمُ؛ كَأنَّ ذَلِكَ السّامِعَ يَقُولُ: أنا أعْرِفُهُ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ فَوْقَ ما تَعْرِفُهُ، فَأزِيدُ في وصْفِهِ. فَيَكُونُ النَّعْتانِ جَمِيعًا مِن رَجُلَيْنِ لِرَجُلٍ واحِدٍ. إذا عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ النَّظْمِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنْواعٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُتَكَلِّمُونَ بَيَّنُوا أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا لِلْعالَمِ فاعِلًا لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ كَوْنِهِ خالِقًا، وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا فَسَّرْنا الخَلْقَ بِالإحْداثِ والإبْداعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: العَزِيزُ، وهو الغالِبُ وما لِأجْلِهِ يُحَصِّلُ المَكِنَةَ مِنَ الغَلَبَةِ هو القُدْرَةُ، وكَأنَّ العَزِيزَ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَلِيمُ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذا حَصَلَ كانَ المَوْصُوفُ بِهِ قادِرًا عَلى خَلْقِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلِهَذا المَعْنى أثْبَتَ تَعالى كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ سائِرَ التَّفاصِيلِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ مَهْدًا إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ كَوْنِها واقِفَةً ساكِنَةً ولِأجْلِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِاعْتِبارِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها في الزِّراعَةِ وبِناءِ الأبْنِيَةِ وفي كَوْنِها ساتِرَةً لِعُيُوبِ الأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمّا كانَ المَهْدُ مَوْضِعَ الرّاحَةِ لِلصَّبِيِّ جَعَلَ الأرْضَ مَهْدًا لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الرّاحاتِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ انْتِفاعَ النّاسِ إنَّما يَكْمُلُ إذا قَدَرَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَذْهَبَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن إقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى هَيَّأ تِلْكَ السُّبُلَ ووَضَعَ عَلَيْها عَلاماتٍ مَخْصُوصَةً، وإلّا لَما حَصَلَ هَذا الِانْتِفاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن وضْعِ السُّبُلِ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ المَكِنَةُ مِنَ الِاهْتِداءِ، والثّانِي: المَعْنى لِتَهْتَدُوا إلى الحَقِّ في الدِّينِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وهَهُنا مَباحِثُ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَهَلِ الأمْرُ كَذَلِكَ أوْ يُقالُ إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، وسُمِّيَ نازِلًا مِنَ السَّماءِ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ ؟ وهَذا البَحْثُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ بِالِاسْتِقْصاءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ (بِقَدَرٍ) أيْ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، لا كَما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ بِغَيْرِ قَدَرٍ حَتّى أغْرَقَهم، بَلْ بِقَدَرٍ حَتّى يَكُونَ مَعاشًا لَكم ولِأنْعامِكم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ خالِيَةً مِنَ النَّباتِ، فَأحْيَيْناها، وهو الإنْشارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَما يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ يَجْعَلُهم أحْياءً بَعْدَ الإماتَةِ؛ كَهَذِهِ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِرَتْ بَعْدَ ما كانَتْ
صفحة ١٧٠
مَيْتَةً، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنْ يُعِيدَهم ويُخْرِجَهم مِنَ الأرْضِ بِماءٍ كالمَنِيِّ؛ كَما تَنْبُتُ الأرْضُ بِماءِ المَطَرِ، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ إلّا إثْباتُ الإعادَةِ فَقَطْ دُونَ هَذِهِ الزِّيادَةِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأزْواجُ الضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ كالفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ واليَسارِ والقُدّامِ والخَلْفِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ والذَّواتِ والصِّفاتِ والصَّيْفِ والشِّتاءِ والرَّبِيعِ والخَرِيفِ، وكَوْنُها أزْواجًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في ذَواتِها مُحْدَثَةً مَسْبُوقَةً بِالعَدَمِ، فَأمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَهو الفَرْدُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والمُقابِلِ والمُعاضِدِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: كُلُّ ما هو زَوْجٌ فَهو مَخْلُوقٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ خالِقَها فَرْدٌ مُطْلَقٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وأقُولُ أيْضًا: العُلَماءُ بِعِلْمِ الحِسابِ بَيَّنُوا أنَّ الفَرْدَ أفْضَلُ مِنَ الزَّوْجِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أقَلَّ الأزْواجِ هو الِاثْنانِ، وهو لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ وحْدَتَيْنِ، فالزَّوْجُ يَحْتاجُ إلى الفَرْدِ، والفَرْدُ وهو الوَحْدَةُ غَنِيَّةٌ عَنِ الزَّوْجِ، والغَنِيُّ أفْضَلُ مِنَ المُحْتاجِ.
الثّانِي: أنَّ الزَّوْجَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِقِسْمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، والفَرْدُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، وقَبُولُ القِسْمَةِ انْفِعالٌ وتَأثُّرٌ، وعَدَمُ قَبُولِها قُوَّةٌ وشِدَّةٌ ومُقاوَمَةٌ، فَكانَ الفَرْدُ أفْضَلَ مِنَ الزَّوْجِ.
الثّالِثُ: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أحَدُ قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والثّانِي فَرْدًا، فالعَدَدُ الفَرْدُ حَصَلَ فِيهِ الزَّوْجُ والفَرْدُ مَعًا، وأمّا العَدَدُ الزَّوْجُ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والمُشْتَمِلُ عَلى القِسْمَيْنِ أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ الزَّوْجِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُعادِلًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والمِقْدارِ، وإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالِ فَمِثْلُهُ حاصِلٌ لِغَيْرِهِ - لَمْ يَكُنْ هو كامِلًا عَلى الإطْلاقِ، أمّا الفَرْدُ فالفَرْدِيَّةُ كائِنَةٌ لَهُ خاصَّةً لا لِغَيْرِهِ ولا لِمِثْلِهِ، فَكَمالُهُ حاصِلٌ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكانَ أفْضَلَ.
الخامِسُ: أنَّ الزَّوْجَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُشارِكًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ ومُغايِرًا لَهُ في أُمُورٍ أُخْرى، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُخالَفَةُ، فَكُلُّ زَوْجَيْنِ فَهُما مُمْكِنا الوُجُودِ لِذاتَيْهِما، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَهو مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَنشَأُ الفَقْرِ والحاجَةِ، وأمّا الفَرْدانِيَّةُ فَهي مَنشَأُ الِاسْتِغْناءِ والِاسْتِقْلالِ؛ لِأنَّ العَدَدَ مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ، وأمّا كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ، فَثَبَتَ أنَّ الأزْواجَ مُمْكِناتٌ ومُحْدَثاتٌ ومَخْلُوقاتٌ، وأنَّ الفَرْدَ هو القائِمُ بِذاتِهِ المُسْتَقِلُّ بِنَفَسِهِ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ إمّا سَفَرُ البَحْرِ أوِ البَرِّ، أمّا سَفَرُ البَحْرِ فالحامِلُ هو السَّفِينَةُ، وأمّا سَفَرُ البَرِّ فالحامِلُ هو الأنْعامُ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: عَلى ظُهُورِها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّذْكِيرُ لِقَوْلِهِ ”ما“، والتَّقْدِيرُ: ما تَرْكَبُونَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلِ الجَيْشِ والجُنْدِ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ وجَمَعَ الظُّهُورَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا التَّأْنِيثَ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَجازَ أنْ يَخْتَلِفَ اللَّفْظُ فِيهِ كَما يُقالُ: عِنْدِي مِن النِّساءِ مَن يُوافِقُكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: يُقالُ: رَكِبُوا الأنْعامَ، ورَكِبُوا في الفُلْكِ، وقَدْ ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ، فَكَيْفَ قالَ ”تَرْكَبُونَ“ ؟ والجَوابُ: غَلَّبَ المُتَعَدِّيَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِقُوَّتِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ومَعْنى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ - أنْ يَذْكُرُوها في
صفحة ١٧١
قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ الذِّكْرُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ وجْهَ البَحْرِ، وخَلَقَ الرِّياحَ، وخَلَقَ جِرْمَ السَّفِينَةِ عَلى وجْهٍ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن تَصْرِيفِ هَذِهِ السَّفِينَةِ إلى أيِّ جانِبٍ شاءَ وأرادَ، فَإذا تَذَكَّرُوا أنَّ خَلْقَ البَحْرِ، وخَلْقَ الرِّياحِ، وخَلْقَ السَّفِينَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ القابِلَةِ لِتَصْرِيفاتِ الإنْسانِ ولِتَحْرِيكاتِهِ - لَيْسَ مِن تَدْبِيرِ ذَلِكَ الإنْسانِ، وإنَّما هو مِن تَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ القَدِيرِ، عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى، وعَلى الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ لِنِعَمِهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَيَّنَ ذِكْرًا مُعَيَّنًا لِرُكُوبِ السَّفِينَةِ، وهو قَوْلُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وذِكْرًا آخَرَ لِرُكُوبِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ وذَكَرَ عِنْدَ دُخُولِ المَنازِلِ ذِكْرًا آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي يَرْكَبُها الإنْسانُ - لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أكْثَرَ قُوَّةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، ولَيْسَ لَها عَقْلٌ يَهْدِيها إلى طاعَةِ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ تِلْكَ البَهِيمَةَ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في خَلْقِها الظّاهِرِ، وفي خَلْقِها الباطِنِ يَحْصُلُ مِنها هَذا الِانْتِفاعُ، أمّا خَلْقُها الظّاهِرُ: فَلِأنَّها تَمْشِي عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ، فَكانَ ظاهِرُها كالمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ اسْتِقْرارُ الإنْسانِ عَلَيْهِ، وأمّا خَلْقُها الباطِنُ فَلِأنَّها مَعَ قُوَّتِها الشَّدِيدَةِ قَدْ خَلَقَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُنْقادَةً لِلْإنْسانِ ومُسَخَّرَةً لَهُ، فَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في هَذِهِ العَجائِبِ وغاصَ بِعَقْلِهِ في بِحارِ هَذِهِ الأسْرارِ، عَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وكَأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن قَوْلِكَ ضَرَبَ لَهُ قَرْنًا، ومَعْنى: أنا قِرْنٌ لِفُلانٍ، أيْ مِثالُهُ في الشِّدَّةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا مِنَ القُوَّةِ والطّاقَةِ أنْ نَقْرِنَ هَذِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ وأنْ نَضْبُطَها، فَسُبْحانَ مَن سَخَّرَها لَنا بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَيْهِ في الرِّكابِ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ» ورَوى القاضِي في ”تَفْسِيرِهِ“: عَنْ أبِي مَخْلَدٍ أنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ: رَأى رَجُلًا رَكِبَ دابَّةً، فَقالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، فَقالَ لَهُ: ما بِهَذا أُمِرْتَ، أُمِرْتَ أنْ تَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، ثُمَّ تَقُولَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ كانَ إذا سافَرَ ورَكِبَ راحِلَتَهُ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ في سَفَرِي هَذا البِرَّ والتَّقْوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنا السَّفَرَ واطْوِ عَنّا بُعْدَ الأرْضِ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ والخَلِيفَةُ عَلى الأهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنا في سَفَرِنا، واخْلُفْنا في أهْلِنا وكانَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ يَقُولُ آيِبُونَ تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ فَذَكَرَهُ بِلامِ ”كَيْ“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنّا هَذا الفِعْلَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ الكُفْرَ مِنهُ، وأرادَ الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لِتَسْتَوُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ مُعَلَّلٌ بِالأغْراضِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى هَذِهِ الطَّبائِعِ إنَّما كانَ لِغَرَضِ أنْ يَصْدُرَ الشُّكْرُ عَلى العَبْدِ، فَلَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ مَعْنى الآيَةِ: إنِّي
صفحة ١٧٢
خَلَقْتُ هَذِهِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ أنْ أخْلُقَ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ في لِسانِ العَبْدِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ هَذا اللَّفْظَ في لِسانِهِ بِدُونِ هَذِهِ الوَسايِطِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مَعْلُومٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّ رُكُوبَ الفُلْكِ في خَطَرِ الهَلاكِ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما تَنْكَسِرُ السَّفِينَةُ ويَهْلِكُ الإنْسانُ، وراكِبُ الدّابَّةِ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ قَدْ يَتَّفِقُ لَها اتِّفاقاتٌ تُوجِبُ هَلاكَ الرّاكِبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَرُكُوبُ الفُلْكِ والدّابَّةِ يُوجِبُ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ عَلى الرّاكِبِ أنْ يَتَذَكَّرَ أمْرَ المَوْتِ، وأنْ يَقْطَعَ أنَّهُ هالِكٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ مُنْقَلِبٌ إلى اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُنْقَلِبٍ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ، حَتّى لَوِ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ المَحْذُورُ كانَ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى المَوْتِ.
الزخرف 43:13
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُسْرِفِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا ذِكْرُ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأنْبِياءِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفّارِ إلّا أنَّ الأقْرَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُقِرِّينَ بِهَذا المَعْنى يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ويُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ دالًّا عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ مَصْنُوعاتِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ولَوْ كانَ هَذا مِن
صفحة ١٦٩
جُمْلَةِ كَلامِ الكُفّارِ لَوَجَبَ أنْ يَقُولُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مَهْدًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ في أثْناءِ الكَلامِ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِكَلامِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ النّاسِ أنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَقُولُ: الَّذِي بَنى هَذا المَسْجِدَ فُلانٌ العالِمُ، فَيَقُولُ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ: الزّاهِدُ الكَرِيمُ؛ كَأنَّ ذَلِكَ السّامِعَ يَقُولُ: أنا أعْرِفُهُ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ فَوْقَ ما تَعْرِفُهُ، فَأزِيدُ في وصْفِهِ. فَيَكُونُ النَّعْتانِ جَمِيعًا مِن رَجُلَيْنِ لِرَجُلٍ واحِدٍ. إذا عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ النَّظْمِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنْواعٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُتَكَلِّمُونَ بَيَّنُوا أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا لِلْعالَمِ فاعِلًا لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ كَوْنِهِ خالِقًا، وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا فَسَّرْنا الخَلْقَ بِالإحْداثِ والإبْداعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: العَزِيزُ، وهو الغالِبُ وما لِأجْلِهِ يُحَصِّلُ المَكِنَةَ مِنَ الغَلَبَةِ هو القُدْرَةُ، وكَأنَّ العَزِيزَ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَلِيمُ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذا حَصَلَ كانَ المَوْصُوفُ بِهِ قادِرًا عَلى خَلْقِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلِهَذا المَعْنى أثْبَتَ تَعالى كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ سائِرَ التَّفاصِيلِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ مَهْدًا إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ كَوْنِها واقِفَةً ساكِنَةً ولِأجْلِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِاعْتِبارِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها في الزِّراعَةِ وبِناءِ الأبْنِيَةِ وفي كَوْنِها ساتِرَةً لِعُيُوبِ الأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمّا كانَ المَهْدُ مَوْضِعَ الرّاحَةِ لِلصَّبِيِّ جَعَلَ الأرْضَ مَهْدًا لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الرّاحاتِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ انْتِفاعَ النّاسِ إنَّما يَكْمُلُ إذا قَدَرَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَذْهَبَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن إقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى هَيَّأ تِلْكَ السُّبُلَ ووَضَعَ عَلَيْها عَلاماتٍ مَخْصُوصَةً، وإلّا لَما حَصَلَ هَذا الِانْتِفاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن وضْعِ السُّبُلِ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ المَكِنَةُ مِنَ الِاهْتِداءِ، والثّانِي: المَعْنى لِتَهْتَدُوا إلى الحَقِّ في الدِّينِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وهَهُنا مَباحِثُ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَهَلِ الأمْرُ كَذَلِكَ أوْ يُقالُ إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، وسُمِّيَ نازِلًا مِنَ السَّماءِ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ ؟ وهَذا البَحْثُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ بِالِاسْتِقْصاءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ (بِقَدَرٍ) أيْ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، لا كَما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ بِغَيْرِ قَدَرٍ حَتّى أغْرَقَهم، بَلْ بِقَدَرٍ حَتّى يَكُونَ مَعاشًا لَكم ولِأنْعامِكم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ خالِيَةً مِنَ النَّباتِ، فَأحْيَيْناها، وهو الإنْشارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَما يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ يَجْعَلُهم أحْياءً بَعْدَ الإماتَةِ؛ كَهَذِهِ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِرَتْ بَعْدَ ما كانَتْ
صفحة ١٧٠
مَيْتَةً، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنْ يُعِيدَهم ويُخْرِجَهم مِنَ الأرْضِ بِماءٍ كالمَنِيِّ؛ كَما تَنْبُتُ الأرْضُ بِماءِ المَطَرِ، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ إلّا إثْباتُ الإعادَةِ فَقَطْ دُونَ هَذِهِ الزِّيادَةِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأزْواجُ الضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ كالفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ واليَسارِ والقُدّامِ والخَلْفِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ والذَّواتِ والصِّفاتِ والصَّيْفِ والشِّتاءِ والرَّبِيعِ والخَرِيفِ، وكَوْنُها أزْواجًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في ذَواتِها مُحْدَثَةً مَسْبُوقَةً بِالعَدَمِ، فَأمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَهو الفَرْدُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والمُقابِلِ والمُعاضِدِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: كُلُّ ما هو زَوْجٌ فَهو مَخْلُوقٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ خالِقَها فَرْدٌ مُطْلَقٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وأقُولُ أيْضًا: العُلَماءُ بِعِلْمِ الحِسابِ بَيَّنُوا أنَّ الفَرْدَ أفْضَلُ مِنَ الزَّوْجِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أقَلَّ الأزْواجِ هو الِاثْنانِ، وهو لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ وحْدَتَيْنِ، فالزَّوْجُ يَحْتاجُ إلى الفَرْدِ، والفَرْدُ وهو الوَحْدَةُ غَنِيَّةٌ عَنِ الزَّوْجِ، والغَنِيُّ أفْضَلُ مِنَ المُحْتاجِ.
الثّانِي: أنَّ الزَّوْجَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِقِسْمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، والفَرْدُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، وقَبُولُ القِسْمَةِ انْفِعالٌ وتَأثُّرٌ، وعَدَمُ قَبُولِها قُوَّةٌ وشِدَّةٌ ومُقاوَمَةٌ، فَكانَ الفَرْدُ أفْضَلَ مِنَ الزَّوْجِ.
الثّالِثُ: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أحَدُ قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والثّانِي فَرْدًا، فالعَدَدُ الفَرْدُ حَصَلَ فِيهِ الزَّوْجُ والفَرْدُ مَعًا، وأمّا العَدَدُ الزَّوْجُ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والمُشْتَمِلُ عَلى القِسْمَيْنِ أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ الزَّوْجِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُعادِلًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والمِقْدارِ، وإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالِ فَمِثْلُهُ حاصِلٌ لِغَيْرِهِ - لَمْ يَكُنْ هو كامِلًا عَلى الإطْلاقِ، أمّا الفَرْدُ فالفَرْدِيَّةُ كائِنَةٌ لَهُ خاصَّةً لا لِغَيْرِهِ ولا لِمِثْلِهِ، فَكَمالُهُ حاصِلٌ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكانَ أفْضَلَ.
الخامِسُ: أنَّ الزَّوْجَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُشارِكًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ ومُغايِرًا لَهُ في أُمُورٍ أُخْرى، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُخالَفَةُ، فَكُلُّ زَوْجَيْنِ فَهُما مُمْكِنا الوُجُودِ لِذاتَيْهِما، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَهو مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَنشَأُ الفَقْرِ والحاجَةِ، وأمّا الفَرْدانِيَّةُ فَهي مَنشَأُ الِاسْتِغْناءِ والِاسْتِقْلالِ؛ لِأنَّ العَدَدَ مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ، وأمّا كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ، فَثَبَتَ أنَّ الأزْواجَ مُمْكِناتٌ ومُحْدَثاتٌ ومَخْلُوقاتٌ، وأنَّ الفَرْدَ هو القائِمُ بِذاتِهِ المُسْتَقِلُّ بِنَفَسِهِ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ إمّا سَفَرُ البَحْرِ أوِ البَرِّ، أمّا سَفَرُ البَحْرِ فالحامِلُ هو السَّفِينَةُ، وأمّا سَفَرُ البَرِّ فالحامِلُ هو الأنْعامُ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: عَلى ظُهُورِها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّذْكِيرُ لِقَوْلِهِ ”ما“، والتَّقْدِيرُ: ما تَرْكَبُونَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلِ الجَيْشِ والجُنْدِ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ وجَمَعَ الظُّهُورَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا التَّأْنِيثَ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَجازَ أنْ يَخْتَلِفَ اللَّفْظُ فِيهِ كَما يُقالُ: عِنْدِي مِن النِّساءِ مَن يُوافِقُكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: يُقالُ: رَكِبُوا الأنْعامَ، ورَكِبُوا في الفُلْكِ، وقَدْ ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ، فَكَيْفَ قالَ ”تَرْكَبُونَ“ ؟ والجَوابُ: غَلَّبَ المُتَعَدِّيَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِقُوَّتِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ومَعْنى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ - أنْ يَذْكُرُوها في
صفحة ١٧١
قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ الذِّكْرُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ وجْهَ البَحْرِ، وخَلَقَ الرِّياحَ، وخَلَقَ جِرْمَ السَّفِينَةِ عَلى وجْهٍ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن تَصْرِيفِ هَذِهِ السَّفِينَةِ إلى أيِّ جانِبٍ شاءَ وأرادَ، فَإذا تَذَكَّرُوا أنَّ خَلْقَ البَحْرِ، وخَلْقَ الرِّياحِ، وخَلْقَ السَّفِينَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ القابِلَةِ لِتَصْرِيفاتِ الإنْسانِ ولِتَحْرِيكاتِهِ - لَيْسَ مِن تَدْبِيرِ ذَلِكَ الإنْسانِ، وإنَّما هو مِن تَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ القَدِيرِ، عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى، وعَلى الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ لِنِعَمِهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَيَّنَ ذِكْرًا مُعَيَّنًا لِرُكُوبِ السَّفِينَةِ، وهو قَوْلُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وذِكْرًا آخَرَ لِرُكُوبِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ وذَكَرَ عِنْدَ دُخُولِ المَنازِلِ ذِكْرًا آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي يَرْكَبُها الإنْسانُ - لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أكْثَرَ قُوَّةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، ولَيْسَ لَها عَقْلٌ يَهْدِيها إلى طاعَةِ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ تِلْكَ البَهِيمَةَ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في خَلْقِها الظّاهِرِ، وفي خَلْقِها الباطِنِ يَحْصُلُ مِنها هَذا الِانْتِفاعُ، أمّا خَلْقُها الظّاهِرُ: فَلِأنَّها تَمْشِي عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ، فَكانَ ظاهِرُها كالمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ اسْتِقْرارُ الإنْسانِ عَلَيْهِ، وأمّا خَلْقُها الباطِنُ فَلِأنَّها مَعَ قُوَّتِها الشَّدِيدَةِ قَدْ خَلَقَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُنْقادَةً لِلْإنْسانِ ومُسَخَّرَةً لَهُ، فَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في هَذِهِ العَجائِبِ وغاصَ بِعَقْلِهِ في بِحارِ هَذِهِ الأسْرارِ، عَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وكَأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن قَوْلِكَ ضَرَبَ لَهُ قَرْنًا، ومَعْنى: أنا قِرْنٌ لِفُلانٍ، أيْ مِثالُهُ في الشِّدَّةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا مِنَ القُوَّةِ والطّاقَةِ أنْ نَقْرِنَ هَذِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ وأنْ نَضْبُطَها، فَسُبْحانَ مَن سَخَّرَها لَنا بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَيْهِ في الرِّكابِ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ» ورَوى القاضِي في ”تَفْسِيرِهِ“: عَنْ أبِي مَخْلَدٍ أنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ: رَأى رَجُلًا رَكِبَ دابَّةً، فَقالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، فَقالَ لَهُ: ما بِهَذا أُمِرْتَ، أُمِرْتَ أنْ تَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، ثُمَّ تَقُولَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ كانَ إذا سافَرَ ورَكِبَ راحِلَتَهُ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ في سَفَرِي هَذا البِرَّ والتَّقْوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنا السَّفَرَ واطْوِ عَنّا بُعْدَ الأرْضِ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ والخَلِيفَةُ عَلى الأهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنا في سَفَرِنا، واخْلُفْنا في أهْلِنا وكانَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ يَقُولُ آيِبُونَ تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ فَذَكَرَهُ بِلامِ ”كَيْ“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنّا هَذا الفِعْلَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ الكُفْرَ مِنهُ، وأرادَ الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لِتَسْتَوُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ مُعَلَّلٌ بِالأغْراضِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى هَذِهِ الطَّبائِعِ إنَّما كانَ لِغَرَضِ أنْ يَصْدُرَ الشُّكْرُ عَلى العَبْدِ، فَلَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ مَعْنى الآيَةِ: إنِّي
صفحة ١٧٢
خَلَقْتُ هَذِهِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ أنْ أخْلُقَ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ في لِسانِ العَبْدِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ هَذا اللَّفْظَ في لِسانِهِ بِدُونِ هَذِهِ الوَسايِطِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مَعْلُومٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّ رُكُوبَ الفُلْكِ في خَطَرِ الهَلاكِ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما تَنْكَسِرُ السَّفِينَةُ ويَهْلِكُ الإنْسانُ، وراكِبُ الدّابَّةِ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ قَدْ يَتَّفِقُ لَها اتِّفاقاتٌ تُوجِبُ هَلاكَ الرّاكِبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَرُكُوبُ الفُلْكِ والدّابَّةِ يُوجِبُ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ عَلى الرّاكِبِ أنْ يَتَذَكَّرَ أمْرَ المَوْتِ، وأنْ يَقْطَعَ أنَّهُ هالِكٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ مُنْقَلِبٌ إلى اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُنْقَلِبٍ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ، حَتّى لَوِ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ المَحْذُورُ كانَ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى المَوْتِ.
الزخرف 43:14
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُسْرِفِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وتَقَدَّمَ أيْضًا ذِكْرُ الأنْبِياءِ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأنْبِياءِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفّارِ إلّا أنَّ الأقْرَبَ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، والمَقْصُودُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ مُقِرِّينَ بِهَذا المَعْنى يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ويُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ابْتَدَأ دالًّا عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ مَصْنُوعاتِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ولَوْ كانَ هَذا مِن
صفحة ١٦٩
جُمْلَةِ كَلامِ الكُفّارِ لَوَجَبَ أنْ يَقُولُوا: الَّذِي جَعَلَ لَنا الأرْضَ مَهْدًا، ولِأنَّ قَوْلَهُ في أثْناءِ الكَلامِ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِكَلامِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ النّاسِ أنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ رَجُلًا يَقُولُ: الَّذِي بَنى هَذا المَسْجِدَ فُلانٌ العالِمُ، فَيَقُولُ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ: الزّاهِدُ الكَرِيمُ؛ كَأنَّ ذَلِكَ السّامِعَ يَقُولُ: أنا أعْرِفُهُ بِصِفاتٍ حَمِيدَةٍ فَوْقَ ما تَعْرِفُهُ، فَأزِيدُ في وصْفِهِ. فَيَكُونُ النَّعْتانِ جَمِيعًا مِن رَجُلَيْنِ لِرَجُلٍ واحِدٍ. إذا عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ النَّظْمِ في الآيَةِ، فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنْواعٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، والمُتَكَلِّمُونَ بَيَّنُوا أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا لِلْعالَمِ فاعِلًا لَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ كَوْنِهِ خالِقًا، وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا فَسَّرْنا الخَلْقَ بِالإحْداثِ والإبْداعِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: العَزِيزُ، وهو الغالِبُ وما لِأجْلِهِ يُحَصِّلُ المَكِنَةَ مِنَ الغَلَبَةِ هو القُدْرَةُ، وكَأنَّ العَزِيزَ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَلِيمُ، وهو إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذا حَصَلَ كانَ المَوْصُوفُ بِهِ قادِرًا عَلى خَلْقِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَلِهَذا المَعْنى أثْبَتَ تَعالى كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ سائِرَ التَّفاصِيلِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ كَوْنَ الأرْضِ مَهْدًا إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ كَوْنِها واقِفَةً ساكِنَةً ولِأجْلِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِاعْتِبارِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِها في الزِّراعَةِ وبِناءِ الأبْنِيَةِ وفي كَوْنِها ساتِرَةً لِعُيُوبِ الأحْياءِ والأمْواتِ، ولَمّا كانَ المَهْدُ مَوْضِعَ الرّاحَةِ لِلصَّبِيِّ جَعَلَ الأرْضَ مَهْدًا لِكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ الرّاحاتِ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ انْتِفاعَ النّاسِ إنَّما يَكْمُلُ إذا قَدَرَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَذْهَبَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ومِن إقْلِيمٍ إلى إقْلِيمٍ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى هَيَّأ تِلْكَ السُّبُلَ ووَضَعَ عَلَيْها عَلاماتٍ مَخْصُوصَةً، وإلّا لَما حَصَلَ هَذا الِانْتِفاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي المَقْصُودَ مِن وضْعِ السُّبُلِ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ المَكِنَةُ مِنَ الِاهْتِداءِ، والثّانِي: المَعْنى لِتَهْتَدُوا إلى الحَقِّ في الدِّينِ.
الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وهَهُنا مَباحِثُ:
أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَهَلِ الأمْرُ كَذَلِكَ أوْ يُقالُ إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ، وسُمِّيَ نازِلًا مِنَ السَّماءِ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ ؟ وهَذا البَحْثُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ بِالِاسْتِقْصاءِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ (بِقَدَرٍ) أيْ إنَّما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، لا كَما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ بِغَيْرِ قَدَرٍ حَتّى أغْرَقَهم، بَلْ بِقَدَرٍ حَتّى يَكُونَ مَعاشًا لَكم ولِأنْعامِكم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أيْ خالِيَةً مِنَ النَّباتِ، فَأحْيَيْناها، وهو الإنْشارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذا الدَّلِيلَ كَما يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ يَجْعَلُهم أحْياءً بَعْدَ الإماتَةِ؛ كَهَذِهِ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِرَتْ بَعْدَ ما كانَتْ
صفحة ١٧٠
مَيْتَةً، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ وجْهُ التَّشْبِيهِ أنْ يُعِيدَهم ويُخْرِجَهم مِنَ الأرْضِ بِماءٍ كالمَنِيِّ؛ كَما تَنْبُتُ الأرْضُ بِماءِ المَطَرِ، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في ظاهِرِ اللَّفْظِ إلّا إثْباتُ الإعادَةِ فَقَطْ دُونَ هَذِهِ الزِّيادَةِ.
الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأزْواجُ الضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو زَوْجٌ كالفَوْقِ والتَّحْتِ واليَمِينِ واليَسارِ والقُدّامِ والخَلْفِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ والذَّواتِ والصِّفاتِ والصَّيْفِ والشِّتاءِ والرَّبِيعِ والخَرِيفِ، وكَوْنُها أزْواجًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مُمْكِنَةَ الوُجُودِ في ذَواتِها مُحْدَثَةً مَسْبُوقَةً بِالعَدَمِ، فَأمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَهو الفَرْدُ المُنَزَّهُ عَنِ الضِّدِّ والنِّدِّ والمُقابِلِ والمُعاضِدِ، فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ: كُلُّ ما هو زَوْجٌ فَهو مَخْلُوقٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ خالِقَها فَرْدٌ مُطْلَقٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الزَّوْجِيَّةِ، وأقُولُ أيْضًا: العُلَماءُ بِعِلْمِ الحِسابِ بَيَّنُوا أنَّ الفَرْدَ أفْضَلُ مِنَ الزَّوْجِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ أقَلَّ الأزْواجِ هو الِاثْنانِ، وهو لا يُوجَدُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ وحْدَتَيْنِ، فالزَّوْجُ يَحْتاجُ إلى الفَرْدِ، والفَرْدُ وهو الوَحْدَةُ غَنِيَّةٌ عَنِ الزَّوْجِ، والغَنِيُّ أفْضَلُ مِنَ المُحْتاجِ.
الثّانِي: أنَّ الزَّوْجَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ بِقِسْمَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ، والفَرْدُ هو الَّذِي لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، وقَبُولُ القِسْمَةِ انْفِعالٌ وتَأثُّرٌ، وعَدَمُ قَبُولِها قُوَّةٌ وشِدَّةٌ ومُقاوَمَةٌ، فَكانَ الفَرْدُ أفْضَلَ مِنَ الزَّوْجِ.
الثّالِثُ: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أحَدُ قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والثّانِي فَرْدًا، فالعَدَدُ الفَرْدُ حَصَلَ فِيهِ الزَّوْجُ والفَرْدُ مَعًا، وأمّا العَدَدُ الزَّوْجُ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ زَوْجًا، والمُشْتَمِلُ عَلى القِسْمَيْنِ أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ.
الرّابِعُ: أنَّ الزَّوْجِيَّةَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُعادِلًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والمِقْدارِ، وإذا كانَ كُلُّ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالِ فَمِثْلُهُ حاصِلٌ لِغَيْرِهِ - لَمْ يَكُنْ هو كامِلًا عَلى الإطْلاقِ، أمّا الفَرْدُ فالفَرْدِيَّةُ كائِنَةٌ لَهُ خاصَّةً لا لِغَيْرِهِ ولا لِمِثْلِهِ، فَكَمالُهُ حاصِلٌ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَكانَ أفْضَلَ.
الخامِسُ: أنَّ الزَّوْجَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْهِ مُشارِكًا لِلْقِسْمِ الآخَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ ومُغايِرًا لَهُ في أُمُورٍ أُخْرى، وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُخالَفَةُ، فَكُلُّ زَوْجَيْنِ فَهُما مُمْكِنا الوُجُودِ لِذاتَيْهِما، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَهو مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَنشَأُ الفَقْرِ والحاجَةِ، وأمّا الفَرْدانِيَّةُ فَهي مَنشَأُ الِاسْتِغْناءِ والِاسْتِقْلالِ؛ لِأنَّ العَدَدَ مُحْتاجٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ، وأمّا كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الوَحَداتِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ، فَثَبَتَ أنَّ الأزْواجَ مُمْكِناتٌ ومُحْدَثاتٌ ومَخْلُوقاتٌ، وأنَّ الفَرْدَ هو القائِمُ بِذاتِهِ المُسْتَقِلُّ بِنَفَسِهِ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَلِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ .
الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّفَرَ إمّا سَفَرُ البَحْرِ أوِ البَرِّ، أمّا سَفَرُ البَحْرِ فالحامِلُ هو السَّفِينَةُ، وأمّا سَفَرُ البَرِّ فالحامِلُ هو الأنْعامُ، وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: عَلى ظُهُورِها ؟ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّذْكِيرُ لِقَوْلِهِ ”ما“، والتَّقْدِيرُ: ما تَرْكَبُونَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: أضافَ الظُّهُورَ إلى واحِدٍ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ بِمَنزِلِ الجَيْشِ والجُنْدِ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ وجَمَعَ الظُّهُورَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا التَّأْنِيثَ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَجازَ أنْ يَخْتَلِفَ اللَّفْظُ فِيهِ كَما يُقالُ: عِنْدِي مِن النِّساءِ مَن يُوافِقُكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: يُقالُ: رَكِبُوا الأنْعامَ، ورَكِبُوا في الفُلْكِ، وقَدْ ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ، فَكَيْفَ قالَ ”تَرْكَبُونَ“ ؟ والجَوابُ: غَلَّبَ المُتَعَدِّيَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِقُوَّتِهِ عَلى المُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ومَعْنى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ - أنْ يَذْكُرُوها في
صفحة ١٧١
قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ الذِّكْرُ هو أنْ يَعْرِفَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ وجْهَ البَحْرِ، وخَلَقَ الرِّياحَ، وخَلَقَ جِرْمَ السَّفِينَةِ عَلى وجْهٍ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن تَصْرِيفِ هَذِهِ السَّفِينَةِ إلى أيِّ جانِبٍ شاءَ وأرادَ، فَإذا تَذَكَّرُوا أنَّ خَلْقَ البَحْرِ، وخَلْقَ الرِّياحِ، وخَلْقَ السَّفِينَةِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ القابِلَةِ لِتَصْرِيفاتِ الإنْسانِ ولِتَحْرِيكاتِهِ - لَيْسَ مِن تَدْبِيرِ ذَلِكَ الإنْسانِ، وإنَّما هو مِن تَدْبِيرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ القَدِيرِ، عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلى الِانْقِيادِ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى، وعَلى الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ لِنِعَمِهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَيَّنَ ذِكْرًا مُعَيَّنًا لِرُكُوبِ السَّفِينَةِ، وهو قَوْلُهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ [هُودٍ: ٤١] وذِكْرًا آخَرَ لِرُكُوبِ الأنْعامِ، وهو قَوْلُهُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ وذَكَرَ عِنْدَ دُخُولِ المَنازِلِ ذِكْرًا آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي يَرْكَبُها الإنْسانُ - لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أكْثَرَ قُوَّةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، ولَيْسَ لَها عَقْلٌ يَهْدِيها إلى طاعَةِ الإنْسانِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ تِلْكَ البَهِيمَةَ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ في خَلْقِها الظّاهِرِ، وفي خَلْقِها الباطِنِ يَحْصُلُ مِنها هَذا الِانْتِفاعُ، أمّا خَلْقُها الظّاهِرُ: فَلِأنَّها تَمْشِي عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ، فَكانَ ظاهِرُها كالمَوْضِعِ الَّذِي يَحْسُنُ اسْتِقْرارُ الإنْسانِ عَلَيْهِ، وأمّا خَلْقُها الباطِنُ فَلِأنَّها مَعَ قُوَّتِها الشَّدِيدَةِ قَدْ خَلَقَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ تَصِيرُ مُنْقادَةً لِلْإنْسانِ ومُسَخَّرَةً لَهُ، فَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في هَذِهِ العَجائِبِ وغاصَ بِعَقْلِهِ في بِحارِ هَذِهِ الأسْرارِ، عَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن تِلْكَ القُدْرَةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فُلانٌ مُقْرِنٌ لِفُلانٍ، أيْ ضابِطٌ لَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: وكَأنَّ اشْتِقاقَهُ مِن قَوْلِكَ ضَرَبَ لَهُ قَرْنًا، ومَعْنى: أنا قِرْنٌ لِفُلانٍ، أيْ مِثالُهُ في الشِّدَّةِ، فَكَأنَّ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا مِنَ القُوَّةِ والطّاقَةِ أنْ نَقْرِنَ هَذِهِ الدّابَّةَ والفُلْكَ وأنْ نَضْبُطَها، فَسُبْحانَ مَن سَخَّرَها لَنا بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، رَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ إذا وضَعَ رِجْلَيْهِ في الرِّكابِ، قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإذا اسْتَوى عَلى الدّابَّةِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، إلى قَوْلِهِ لَمُنْقَلِبُونَ» ورَوى القاضِي في ”تَفْسِيرِهِ“: عَنْ أبِي مَخْلَدٍ أنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ: رَأى رَجُلًا رَكِبَ دابَّةً، فَقالَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، فَقالَ لَهُ: ما بِهَذا أُمِرْتَ، أُمِرْتَ أنْ تَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، ثُمَّ تَقُولَ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ كانَ إذا سافَرَ ورَكِبَ راحِلَتَهُ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ في سَفَرِي هَذا البِرَّ والتَّقْوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرْضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنا السَّفَرَ واطْوِ عَنّا بُعْدَ الأرْضِ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ والخَلِيفَةُ عَلى الأهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنا في سَفَرِنا، واخْلُفْنا في أهْلِنا وكانَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ يَقُولُ آيِبُونَ تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى خِلافِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ فَذَكَرَهُ بِلامِ ”كَيْ“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنّا هَذا الفِعْلَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ الكُفْرَ مِنهُ، وأرادَ الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لِتَسْتَوُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ مُعَلَّلٌ بِالأغْراضِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ خَلْقَ هَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى هَذِهِ الطَّبائِعِ إنَّما كانَ لِغَرَضِ أنْ يَصْدُرَ الشُّكْرُ عَلى العَبْدِ، فَلَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، لَكانَ مَعْنى الآيَةِ: إنِّي
صفحة ١٧٢
خَلَقْتُ هَذِهِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ أنْ أخْلُقَ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ في لِسانِ العَبْدِ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ هَذا اللَّفْظَ في لِسانِهِ بِدُونِ هَذِهِ الوَسايِطِ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ مَعْلُومٌ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّ رُكُوبَ الفُلْكِ في خَطَرِ الهَلاكِ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما تَنْكَسِرُ السَّفِينَةُ ويَهْلِكُ الإنْسانُ، وراكِبُ الدّابَّةِ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ قَدْ يَتَّفِقُ لَها اتِّفاقاتٌ تُوجِبُ هَلاكَ الرّاكِبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَرُكُوبُ الفُلْكِ والدّابَّةِ يُوجِبُ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ، فَوَجَبَ عَلى الرّاكِبِ أنْ يَتَذَكَّرَ أمْرَ المَوْتِ، وأنْ يَقْطَعَ أنَّهُ هالِكٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ مُنْقَلِبٌ إلى اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُنْقَلِبٍ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ، حَتّى لَوِ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ المَحْذُورُ كانَ قَدْ وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى المَوْتِ.
الزخرف 43:15
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥] بَيَّنَ أنَّهم مَعَ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”جُزُءٌ“ بِضَمِّ الزّايِ والهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وهُما لُغَتانِ، وأمّا حَمْزَةُ فَإذا وقَفَ عَلَيْهِ، قالَ: ”جُزًا“ بِفَتْحِ الزّايِ بِلا هَمْزَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ؛ أنَّ المُرادَ أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ ولَدًا، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» ولِأنَّ المَعْقُولَ مِنَ الوالِدِ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، ثُمَّ يَتَرَبّى ذَلِكَ الجُزْءُ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُ ذَلِكَ الأصْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَوَلَدُ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ وبَعْضٌ مِنهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْنى ”جَعَلُوا“ حَكَمُوا وأثْبَتُوا وقالُوا بِهِ، والمَعْنى أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قالَ: وجَعَلُوا لِعِبادِهِ مِنهُ جُزْءًا، أفادَ ذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا أنَّهُ حَصَلَ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ في بَعْضِ
صفحة ١٧٣
عِبادِهِ، وذَلِكَ هو الوَلَدُ، فَكَذا قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْناهُ: وأثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ، والحاصِلُ أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا، وذَكَرُوا في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ وُجُوهًا أُخَرَ، فَقالُوا: الجُزْءُ هو الأُنْثى في لُغَةِ العَرَبِ، واحْتَجُّوا في إثْباتِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِبَيْتَيْنِ:
فالأوَّلُ قَوْلُهُ:
إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المُذْكاةُ أحْيانا
وقَوْلُهُ:
زَوَّجْتُها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اللَّدْنِ في أبْياتِها غَزَلُ
وزَعَمَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ وصاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ فاسِدَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأبْياتَ مَصْنُوعَةٌ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ إثْباتُ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أثْبَتُوا الشُّرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ العِبادِ لَيْسَ لِلَّهِ، بَلْ بَعْضُها لِلَّهِ، وبَعْضُها لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهم ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ كُلِّهِمْ، بَلْ جَعَلُوا لَهُ مِنهم بَعْضًا وجُزْءًا مِنهم، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى إنْكارِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ، وحَمَلْنا الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها إلى إنْكارِ الوَلَدِ لِلَّهِ، كانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِلرَّدِّ عَلى جَمِيعِ المُبْطِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ هَذِهِ المُناظَرَةَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَثْبُتَ الوَلَدُ فَجَعْلُهُ بِنْتًا أيْضًا مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الوالِدِ، وما كانَ لَهُ جُزْءٌ كانَ مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، وأيْضًا ما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الِاتِّصالَ والِانْفِصالَ والِاجْتِماعَ والِافْتِراقَ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو عَبْدٌ مُحْدَثٌ، فَلا يَكُونُ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ بِنْتًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِابْنَ أفْضَلُ مِنَ البِنْتِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ البَناتَ وأعْطى البَنِينَ لِعِبادِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ العَبْدِ أكْمَلَ وأفْضَلَ مِن حالِ اللَّهِ، وذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، يُقالُ أصْفَيْتُ فُلانًا بِكَذا، أيْ آثَرْتُهُ بِهِ إيثارًا حَصَلَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الصَّفاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُشارِكٌ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ البَناتِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِي بَلَغَ حالُهُ في النَّقْصِ إلى هَذا الحَدِّ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ إثْباتُهُ لِلَّهِ تَعالى ! وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّ امْرَأتَهُ وضَعَتْ أُنْثى، فَهَجَرَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ المَرْأةُ، فَقالَتْ:
ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا
يَظَلُّ في البَيْتِ الَّذِي يَلِينا ∗∗∗ ٢٠٦ أغَضْبانُ أنْ لا نَلِدَ البَنِينا
لَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا
وقَوْلُهُ (ظَلَّ) أيْ صارَ، كَما يُسْتَعْمَلُ أكْثَرُ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”مُسْوَدٌّ“ و”مِسْوادٌّ“، والتَّقْدِيرُ: وهو مُسْوَدٌّ، فَتَقَعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ الخَبَرِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾
صفحة ١٧٤
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُنَشَّأُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ يُرَبّى، والباقُونَ ”يُنْشَأُ“ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الشِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”يُناشَأُ“، قالَ: ونَظِيرُ المُناشَأةِ بِمَعْنى الإنْشاءِ المُغالاةُ بِمَعْنى الإغْلاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُقْصانِها، وهو أنَّ الَّذِي يُرَبّى في الحِلْيَةِ يَكُونُ ناقِصَ الذّاتِ، لِأنَّهُ لَوْلا نُقْصانٌ في ذاتِها لَما احْتاجَتْ إلى تَزْيِينِ نَفْسِها بِالحِلْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ حالِها بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي أنَّها إذا احْتاجَتِ المُخاصَمَةَ والمُنازَعَةَ عَجَزَتْ وكانَتْ غَيْرَ مُبِينٍ، وذَلِكَ لِضَعْفِ لِسانِها وقِلَّةِ عَقْلِها وبَلادَةِ طَبْعِها، ويُقالُ: قَلَّما تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فَأرادَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِما كانَ حُجَّةً عَلَيْها، فَهَذِهِ الوُجُوهُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ نَقْصِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَتُهَنَّ بِالوَلَدِيَّةِ إلَيْهِ !
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّحَلِّيَ مُباحٌ لِلنِّساءِ، وأنَّهُ حَرامٌ لِلرِّجالِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المَعايِبِ ومُوجِباتِ النُّقْصانِ، وإقْدامُ الرَّجُلِ عَلَيْهِ يَكُونُ إلْقاءً لِنَفْسِهِ في الذُّلِّ، وذَلِكَ حَرامٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وإنَّما زِينَةُ الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والتَّزَيُّنُ بِزِينَةِ التَّقْوى، قالَ الشّافِعِيُّ:
تَدَرَّعْتُ يَوْمًا لِلْقُنُوعِ حَصِينَةً ∗∗∗ أصُونُ بِها عِرْضِي وأجْعَلُها ذُخْرا
ولَمْ أحْذَرِ الدَّهْرَ الخَئُونَ وإنَّما ∗∗∗ قُصاراهُ أنْ يَرْمِي بِيَ المَوْتَ والفَقْرا
فَأعْدَدْتُ لِلْمَوْتِ الإلَهَ وعَفْوَهُ ∗∗∗ وأعْدَدْتُ لِلْفَقْرِ التَّجَلُّدَ والصَّبْرا
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِقَوْلِهِ: جَعَلُوا، أيْ حَكَمُوا بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَكُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ بِالدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهم ذَكَرُوا هَذِهِ الدَّعْوى مِن غَيْرِ أنْ عَرَفُوهُ لا بِضَرُورَةٍ ولا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى هَدَّدَهم فَقالَ: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُنْكَرٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ يُوجِبُ الذَّمَّ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ كَفَرُوا في هَذا القَوْلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ بِنْتٌ.
وثالِثُها: الحُكْمُ عَلى المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ”عِنْدَ الرَّحْمَنِ“ بِالنُّونِ، وهو اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُوافِقُ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] وقَوْلَهُ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] .
والثّانِي: أنَّ كُلَّ الخَلْقِ عِبادُهُ، فَلا مَدْحَ لَهم فِيهِ.
والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ المَلائِكَةَ يَكُونُونَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، لا عِنْدَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ عَرَفُوا كَوْنَهم إناثًا ؟
وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا ”عِبادُ“ جَمْعَ عَبْدٍ، وقِيلَ: جَمْعُ عابِدٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ، وصائِمٍ وصِيامٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وأخْبَرَ أنَّهم عَبِيدٌ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ . [الأنْبِياءِ: ٢٦]
صفحة ١٧٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: ”آأُشْهِدُوا“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ لَيِّنَةٍ وضَمَّةٍ، أيْ [أ] أُحْضِرُوا خَلْقَهم، وعَنْ نافِعٍ غَيْرُ مَمْدُودٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ: ”أشَهِدُوا“ بِفَتْحِ الألِفِ، مِن [أ] شَهِدُوا، أيْ أحَضَرُوا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمّا قِراءَةُ ”عِنْدَ“ بِالنُّونِ، فَهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لا شَكَّ أنَّها عِنْدِيَّةُ الفَضْلِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الطّاعَةِ، ولَفْظَةُ ”هم“ تُوجِبُ الحَصْرَ، والمَعْنى أنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ لا غَيْرُهم، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مَن غَيْرِهِمْ رِعايَةً لِلَّفْظِ الدّالِّ عَلى الحَصْرِ، وأمّا مَن قَرَأ ”عِبادُ“ جَمْعَ العَبْدِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ العِبادِ مَخْصُوصٌ في القُرْآنِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ ﴿هم عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ حَصْرَ العُبُودِيَّةِ فِيهِمْ، فَإذا كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى الفَضْلِ والشَّرَفِ، كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى حَصْرِ العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى حَصْرِ الفَضْلِ والمَنقَبَةِ والشَّرَفِ فِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:16
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥] بَيَّنَ أنَّهم مَعَ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”جُزُءٌ“ بِضَمِّ الزّايِ والهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وهُما لُغَتانِ، وأمّا حَمْزَةُ فَإذا وقَفَ عَلَيْهِ، قالَ: ”جُزًا“ بِفَتْحِ الزّايِ بِلا هَمْزَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ؛ أنَّ المُرادَ أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ ولَدًا، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» ولِأنَّ المَعْقُولَ مِنَ الوالِدِ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، ثُمَّ يَتَرَبّى ذَلِكَ الجُزْءُ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُ ذَلِكَ الأصْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَوَلَدُ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ وبَعْضٌ مِنهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْنى ”جَعَلُوا“ حَكَمُوا وأثْبَتُوا وقالُوا بِهِ، والمَعْنى أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قالَ: وجَعَلُوا لِعِبادِهِ مِنهُ جُزْءًا، أفادَ ذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا أنَّهُ حَصَلَ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ في بَعْضِ
صفحة ١٧٣
عِبادِهِ، وذَلِكَ هو الوَلَدُ، فَكَذا قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْناهُ: وأثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ، والحاصِلُ أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا، وذَكَرُوا في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ وُجُوهًا أُخَرَ، فَقالُوا: الجُزْءُ هو الأُنْثى في لُغَةِ العَرَبِ، واحْتَجُّوا في إثْباتِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِبَيْتَيْنِ:
فالأوَّلُ قَوْلُهُ:
إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المُذْكاةُ أحْيانا
وقَوْلُهُ:
زَوَّجْتُها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اللَّدْنِ في أبْياتِها غَزَلُ
وزَعَمَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ وصاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ فاسِدَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأبْياتَ مَصْنُوعَةٌ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ إثْباتُ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أثْبَتُوا الشُّرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ العِبادِ لَيْسَ لِلَّهِ، بَلْ بَعْضُها لِلَّهِ، وبَعْضُها لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهم ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ كُلِّهِمْ، بَلْ جَعَلُوا لَهُ مِنهم بَعْضًا وجُزْءًا مِنهم، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى إنْكارِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ، وحَمَلْنا الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها إلى إنْكارِ الوَلَدِ لِلَّهِ، كانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِلرَّدِّ عَلى جَمِيعِ المُبْطِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ هَذِهِ المُناظَرَةَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَثْبُتَ الوَلَدُ فَجَعْلُهُ بِنْتًا أيْضًا مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الوالِدِ، وما كانَ لَهُ جُزْءٌ كانَ مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، وأيْضًا ما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الِاتِّصالَ والِانْفِصالَ والِاجْتِماعَ والِافْتِراقَ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو عَبْدٌ مُحْدَثٌ، فَلا يَكُونُ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ بِنْتًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِابْنَ أفْضَلُ مِنَ البِنْتِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ البَناتَ وأعْطى البَنِينَ لِعِبادِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ العَبْدِ أكْمَلَ وأفْضَلَ مِن حالِ اللَّهِ، وذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، يُقالُ أصْفَيْتُ فُلانًا بِكَذا، أيْ آثَرْتُهُ بِهِ إيثارًا حَصَلَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الصَّفاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُشارِكٌ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ البَناتِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِي بَلَغَ حالُهُ في النَّقْصِ إلى هَذا الحَدِّ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ إثْباتُهُ لِلَّهِ تَعالى ! وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّ امْرَأتَهُ وضَعَتْ أُنْثى، فَهَجَرَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ المَرْأةُ، فَقالَتْ:
ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا
يَظَلُّ في البَيْتِ الَّذِي يَلِينا ∗∗∗ ٢٠٦ أغَضْبانُ أنْ لا نَلِدَ البَنِينا
لَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا
وقَوْلُهُ (ظَلَّ) أيْ صارَ، كَما يُسْتَعْمَلُ أكْثَرُ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”مُسْوَدٌّ“ و”مِسْوادٌّ“، والتَّقْدِيرُ: وهو مُسْوَدٌّ، فَتَقَعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ الخَبَرِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾
صفحة ١٧٤
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُنَشَّأُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ يُرَبّى، والباقُونَ ”يُنْشَأُ“ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الشِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”يُناشَأُ“، قالَ: ونَظِيرُ المُناشَأةِ بِمَعْنى الإنْشاءِ المُغالاةُ بِمَعْنى الإغْلاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُقْصانِها، وهو أنَّ الَّذِي يُرَبّى في الحِلْيَةِ يَكُونُ ناقِصَ الذّاتِ، لِأنَّهُ لَوْلا نُقْصانٌ في ذاتِها لَما احْتاجَتْ إلى تَزْيِينِ نَفْسِها بِالحِلْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ حالِها بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي أنَّها إذا احْتاجَتِ المُخاصَمَةَ والمُنازَعَةَ عَجَزَتْ وكانَتْ غَيْرَ مُبِينٍ، وذَلِكَ لِضَعْفِ لِسانِها وقِلَّةِ عَقْلِها وبَلادَةِ طَبْعِها، ويُقالُ: قَلَّما تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فَأرادَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِما كانَ حُجَّةً عَلَيْها، فَهَذِهِ الوُجُوهُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ نَقْصِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَتُهَنَّ بِالوَلَدِيَّةِ إلَيْهِ !
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّحَلِّيَ مُباحٌ لِلنِّساءِ، وأنَّهُ حَرامٌ لِلرِّجالِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المَعايِبِ ومُوجِباتِ النُّقْصانِ، وإقْدامُ الرَّجُلِ عَلَيْهِ يَكُونُ إلْقاءً لِنَفْسِهِ في الذُّلِّ، وذَلِكَ حَرامٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وإنَّما زِينَةُ الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والتَّزَيُّنُ بِزِينَةِ التَّقْوى، قالَ الشّافِعِيُّ:
تَدَرَّعْتُ يَوْمًا لِلْقُنُوعِ حَصِينَةً ∗∗∗ أصُونُ بِها عِرْضِي وأجْعَلُها ذُخْرا
ولَمْ أحْذَرِ الدَّهْرَ الخَئُونَ وإنَّما ∗∗∗ قُصاراهُ أنْ يَرْمِي بِيَ المَوْتَ والفَقْرا
فَأعْدَدْتُ لِلْمَوْتِ الإلَهَ وعَفْوَهُ ∗∗∗ وأعْدَدْتُ لِلْفَقْرِ التَّجَلُّدَ والصَّبْرا
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِقَوْلِهِ: جَعَلُوا، أيْ حَكَمُوا بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَكُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ بِالدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهم ذَكَرُوا هَذِهِ الدَّعْوى مِن غَيْرِ أنْ عَرَفُوهُ لا بِضَرُورَةٍ ولا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى هَدَّدَهم فَقالَ: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُنْكَرٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ يُوجِبُ الذَّمَّ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ كَفَرُوا في هَذا القَوْلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ بِنْتٌ.
وثالِثُها: الحُكْمُ عَلى المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ”عِنْدَ الرَّحْمَنِ“ بِالنُّونِ، وهو اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُوافِقُ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] وقَوْلَهُ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] .
والثّانِي: أنَّ كُلَّ الخَلْقِ عِبادُهُ، فَلا مَدْحَ لَهم فِيهِ.
والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ المَلائِكَةَ يَكُونُونَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، لا عِنْدَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ عَرَفُوا كَوْنَهم إناثًا ؟
وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا ”عِبادُ“ جَمْعَ عَبْدٍ، وقِيلَ: جَمْعُ عابِدٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ، وصائِمٍ وصِيامٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وأخْبَرَ أنَّهم عَبِيدٌ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ . [الأنْبِياءِ: ٢٦]
صفحة ١٧٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: ”آأُشْهِدُوا“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ لَيِّنَةٍ وضَمَّةٍ، أيْ [أ] أُحْضِرُوا خَلْقَهم، وعَنْ نافِعٍ غَيْرُ مَمْدُودٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ: ”أشَهِدُوا“ بِفَتْحِ الألِفِ، مِن [أ] شَهِدُوا، أيْ أحَضَرُوا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمّا قِراءَةُ ”عِنْدَ“ بِالنُّونِ، فَهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لا شَكَّ أنَّها عِنْدِيَّةُ الفَضْلِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الطّاعَةِ، ولَفْظَةُ ”هم“ تُوجِبُ الحَصْرَ، والمَعْنى أنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ لا غَيْرُهم، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مَن غَيْرِهِمْ رِعايَةً لِلَّفْظِ الدّالِّ عَلى الحَصْرِ، وأمّا مَن قَرَأ ”عِبادُ“ جَمْعَ العَبْدِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ العِبادِ مَخْصُوصٌ في القُرْآنِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ ﴿هم عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ حَصْرَ العُبُودِيَّةِ فِيهِمْ، فَإذا كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى الفَضْلِ والشَّرَفِ، كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى حَصْرِ العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى حَصْرِ الفَضْلِ والمَنقَبَةِ والشَّرَفِ فِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:17
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥] بَيَّنَ أنَّهم مَعَ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”جُزُءٌ“ بِضَمِّ الزّايِ والهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وهُما لُغَتانِ، وأمّا حَمْزَةُ فَإذا وقَفَ عَلَيْهِ، قالَ: ”جُزًا“ بِفَتْحِ الزّايِ بِلا هَمْزَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ؛ أنَّ المُرادَ أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ ولَدًا، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» ولِأنَّ المَعْقُولَ مِنَ الوالِدِ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، ثُمَّ يَتَرَبّى ذَلِكَ الجُزْءُ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُ ذَلِكَ الأصْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَوَلَدُ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ وبَعْضٌ مِنهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْنى ”جَعَلُوا“ حَكَمُوا وأثْبَتُوا وقالُوا بِهِ، والمَعْنى أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قالَ: وجَعَلُوا لِعِبادِهِ مِنهُ جُزْءًا، أفادَ ذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا أنَّهُ حَصَلَ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ في بَعْضِ
صفحة ١٧٣
عِبادِهِ، وذَلِكَ هو الوَلَدُ، فَكَذا قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْناهُ: وأثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ، والحاصِلُ أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا، وذَكَرُوا في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ وُجُوهًا أُخَرَ، فَقالُوا: الجُزْءُ هو الأُنْثى في لُغَةِ العَرَبِ، واحْتَجُّوا في إثْباتِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِبَيْتَيْنِ:
فالأوَّلُ قَوْلُهُ:
إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المُذْكاةُ أحْيانا
وقَوْلُهُ:
زَوَّجْتُها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اللَّدْنِ في أبْياتِها غَزَلُ
وزَعَمَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ وصاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ فاسِدَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأبْياتَ مَصْنُوعَةٌ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ إثْباتُ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أثْبَتُوا الشُّرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ العِبادِ لَيْسَ لِلَّهِ، بَلْ بَعْضُها لِلَّهِ، وبَعْضُها لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهم ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ كُلِّهِمْ، بَلْ جَعَلُوا لَهُ مِنهم بَعْضًا وجُزْءًا مِنهم، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى إنْكارِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ، وحَمَلْنا الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها إلى إنْكارِ الوَلَدِ لِلَّهِ، كانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِلرَّدِّ عَلى جَمِيعِ المُبْطِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ هَذِهِ المُناظَرَةَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَثْبُتَ الوَلَدُ فَجَعْلُهُ بِنْتًا أيْضًا مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الوالِدِ، وما كانَ لَهُ جُزْءٌ كانَ مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، وأيْضًا ما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الِاتِّصالَ والِانْفِصالَ والِاجْتِماعَ والِافْتِراقَ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو عَبْدٌ مُحْدَثٌ، فَلا يَكُونُ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ بِنْتًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِابْنَ أفْضَلُ مِنَ البِنْتِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ البَناتَ وأعْطى البَنِينَ لِعِبادِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ العَبْدِ أكْمَلَ وأفْضَلَ مِن حالِ اللَّهِ، وذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، يُقالُ أصْفَيْتُ فُلانًا بِكَذا، أيْ آثَرْتُهُ بِهِ إيثارًا حَصَلَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الصَّفاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُشارِكٌ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ البَناتِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِي بَلَغَ حالُهُ في النَّقْصِ إلى هَذا الحَدِّ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ إثْباتُهُ لِلَّهِ تَعالى ! وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّ امْرَأتَهُ وضَعَتْ أُنْثى، فَهَجَرَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ المَرْأةُ، فَقالَتْ:
ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا
يَظَلُّ في البَيْتِ الَّذِي يَلِينا ∗∗∗ ٢٠٦ أغَضْبانُ أنْ لا نَلِدَ البَنِينا
لَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا
وقَوْلُهُ (ظَلَّ) أيْ صارَ، كَما يُسْتَعْمَلُ أكْثَرُ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”مُسْوَدٌّ“ و”مِسْوادٌّ“، والتَّقْدِيرُ: وهو مُسْوَدٌّ، فَتَقَعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ الخَبَرِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾
صفحة ١٧٤
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُنَشَّأُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ يُرَبّى، والباقُونَ ”يُنْشَأُ“ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الشِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”يُناشَأُ“، قالَ: ونَظِيرُ المُناشَأةِ بِمَعْنى الإنْشاءِ المُغالاةُ بِمَعْنى الإغْلاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُقْصانِها، وهو أنَّ الَّذِي يُرَبّى في الحِلْيَةِ يَكُونُ ناقِصَ الذّاتِ، لِأنَّهُ لَوْلا نُقْصانٌ في ذاتِها لَما احْتاجَتْ إلى تَزْيِينِ نَفْسِها بِالحِلْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ حالِها بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي أنَّها إذا احْتاجَتِ المُخاصَمَةَ والمُنازَعَةَ عَجَزَتْ وكانَتْ غَيْرَ مُبِينٍ، وذَلِكَ لِضَعْفِ لِسانِها وقِلَّةِ عَقْلِها وبَلادَةِ طَبْعِها، ويُقالُ: قَلَّما تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فَأرادَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِما كانَ حُجَّةً عَلَيْها، فَهَذِهِ الوُجُوهُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ نَقْصِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَتُهَنَّ بِالوَلَدِيَّةِ إلَيْهِ !
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّحَلِّيَ مُباحٌ لِلنِّساءِ، وأنَّهُ حَرامٌ لِلرِّجالِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المَعايِبِ ومُوجِباتِ النُّقْصانِ، وإقْدامُ الرَّجُلِ عَلَيْهِ يَكُونُ إلْقاءً لِنَفْسِهِ في الذُّلِّ، وذَلِكَ حَرامٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وإنَّما زِينَةُ الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والتَّزَيُّنُ بِزِينَةِ التَّقْوى، قالَ الشّافِعِيُّ:
تَدَرَّعْتُ يَوْمًا لِلْقُنُوعِ حَصِينَةً ∗∗∗ أصُونُ بِها عِرْضِي وأجْعَلُها ذُخْرا
ولَمْ أحْذَرِ الدَّهْرَ الخَئُونَ وإنَّما ∗∗∗ قُصاراهُ أنْ يَرْمِي بِيَ المَوْتَ والفَقْرا
فَأعْدَدْتُ لِلْمَوْتِ الإلَهَ وعَفْوَهُ ∗∗∗ وأعْدَدْتُ لِلْفَقْرِ التَّجَلُّدَ والصَّبْرا
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِقَوْلِهِ: جَعَلُوا، أيْ حَكَمُوا بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَكُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ بِالدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهم ذَكَرُوا هَذِهِ الدَّعْوى مِن غَيْرِ أنْ عَرَفُوهُ لا بِضَرُورَةٍ ولا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى هَدَّدَهم فَقالَ: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُنْكَرٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ يُوجِبُ الذَّمَّ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ كَفَرُوا في هَذا القَوْلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ بِنْتٌ.
وثالِثُها: الحُكْمُ عَلى المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ”عِنْدَ الرَّحْمَنِ“ بِالنُّونِ، وهو اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُوافِقُ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] وقَوْلَهُ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] .
والثّانِي: أنَّ كُلَّ الخَلْقِ عِبادُهُ، فَلا مَدْحَ لَهم فِيهِ.
والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ المَلائِكَةَ يَكُونُونَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، لا عِنْدَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ عَرَفُوا كَوْنَهم إناثًا ؟
وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا ”عِبادُ“ جَمْعَ عَبْدٍ، وقِيلَ: جَمْعُ عابِدٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ، وصائِمٍ وصِيامٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وأخْبَرَ أنَّهم عَبِيدٌ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ . [الأنْبِياءِ: ٢٦]
صفحة ١٧٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: ”آأُشْهِدُوا“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ لَيِّنَةٍ وضَمَّةٍ، أيْ [أ] أُحْضِرُوا خَلْقَهم، وعَنْ نافِعٍ غَيْرُ مَمْدُودٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ: ”أشَهِدُوا“ بِفَتْحِ الألِفِ، مِن [أ] شَهِدُوا، أيْ أحَضَرُوا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمّا قِراءَةُ ”عِنْدَ“ بِالنُّونِ، فَهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لا شَكَّ أنَّها عِنْدِيَّةُ الفَضْلِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الطّاعَةِ، ولَفْظَةُ ”هم“ تُوجِبُ الحَصْرَ، والمَعْنى أنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ لا غَيْرُهم، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مَن غَيْرِهِمْ رِعايَةً لِلَّفْظِ الدّالِّ عَلى الحَصْرِ، وأمّا مَن قَرَأ ”عِبادُ“ جَمْعَ العَبْدِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ العِبادِ مَخْصُوصٌ في القُرْآنِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ ﴿هم عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ حَصْرَ العُبُودِيَّةِ فِيهِمْ، فَإذا كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى الفَضْلِ والشَّرَفِ، كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى حَصْرِ العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى حَصْرِ الفَضْلِ والمَنقَبَةِ والشَّرَفِ فِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:18
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥] بَيَّنَ أنَّهم مَعَ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”جُزُءٌ“ بِضَمِّ الزّايِ والهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وهُما لُغَتانِ، وأمّا حَمْزَةُ فَإذا وقَفَ عَلَيْهِ، قالَ: ”جُزًا“ بِفَتْحِ الزّايِ بِلا هَمْزَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ؛ أنَّ المُرادَ أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ ولَدًا، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» ولِأنَّ المَعْقُولَ مِنَ الوالِدِ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، ثُمَّ يَتَرَبّى ذَلِكَ الجُزْءُ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُ ذَلِكَ الأصْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَوَلَدُ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ وبَعْضٌ مِنهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْنى ”جَعَلُوا“ حَكَمُوا وأثْبَتُوا وقالُوا بِهِ، والمَعْنى أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قالَ: وجَعَلُوا لِعِبادِهِ مِنهُ جُزْءًا، أفادَ ذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا أنَّهُ حَصَلَ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ في بَعْضِ
صفحة ١٧٣
عِبادِهِ، وذَلِكَ هو الوَلَدُ، فَكَذا قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْناهُ: وأثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ، والحاصِلُ أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا، وذَكَرُوا في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ وُجُوهًا أُخَرَ، فَقالُوا: الجُزْءُ هو الأُنْثى في لُغَةِ العَرَبِ، واحْتَجُّوا في إثْباتِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِبَيْتَيْنِ:
فالأوَّلُ قَوْلُهُ:
إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المُذْكاةُ أحْيانا
وقَوْلُهُ:
زَوَّجْتُها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اللَّدْنِ في أبْياتِها غَزَلُ
وزَعَمَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ وصاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ فاسِدَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأبْياتَ مَصْنُوعَةٌ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ إثْباتُ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أثْبَتُوا الشُّرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ العِبادِ لَيْسَ لِلَّهِ، بَلْ بَعْضُها لِلَّهِ، وبَعْضُها لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهم ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ كُلِّهِمْ، بَلْ جَعَلُوا لَهُ مِنهم بَعْضًا وجُزْءًا مِنهم، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى إنْكارِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ، وحَمَلْنا الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها إلى إنْكارِ الوَلَدِ لِلَّهِ، كانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِلرَّدِّ عَلى جَمِيعِ المُبْطِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ هَذِهِ المُناظَرَةَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَثْبُتَ الوَلَدُ فَجَعْلُهُ بِنْتًا أيْضًا مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الوالِدِ، وما كانَ لَهُ جُزْءٌ كانَ مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، وأيْضًا ما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الِاتِّصالَ والِانْفِصالَ والِاجْتِماعَ والِافْتِراقَ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو عَبْدٌ مُحْدَثٌ، فَلا يَكُونُ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ بِنْتًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِابْنَ أفْضَلُ مِنَ البِنْتِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ البَناتَ وأعْطى البَنِينَ لِعِبادِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ العَبْدِ أكْمَلَ وأفْضَلَ مِن حالِ اللَّهِ، وذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، يُقالُ أصْفَيْتُ فُلانًا بِكَذا، أيْ آثَرْتُهُ بِهِ إيثارًا حَصَلَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الصَّفاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُشارِكٌ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ البَناتِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِي بَلَغَ حالُهُ في النَّقْصِ إلى هَذا الحَدِّ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ إثْباتُهُ لِلَّهِ تَعالى ! وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّ امْرَأتَهُ وضَعَتْ أُنْثى، فَهَجَرَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ المَرْأةُ، فَقالَتْ:
ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا
يَظَلُّ في البَيْتِ الَّذِي يَلِينا ∗∗∗ ٢٠٦ أغَضْبانُ أنْ لا نَلِدَ البَنِينا
لَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا
وقَوْلُهُ (ظَلَّ) أيْ صارَ، كَما يُسْتَعْمَلُ أكْثَرُ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”مُسْوَدٌّ“ و”مِسْوادٌّ“، والتَّقْدِيرُ: وهو مُسْوَدٌّ، فَتَقَعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ الخَبَرِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾
صفحة ١٧٤
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُنَشَّأُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ يُرَبّى، والباقُونَ ”يُنْشَأُ“ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الشِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”يُناشَأُ“، قالَ: ونَظِيرُ المُناشَأةِ بِمَعْنى الإنْشاءِ المُغالاةُ بِمَعْنى الإغْلاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُقْصانِها، وهو أنَّ الَّذِي يُرَبّى في الحِلْيَةِ يَكُونُ ناقِصَ الذّاتِ، لِأنَّهُ لَوْلا نُقْصانٌ في ذاتِها لَما احْتاجَتْ إلى تَزْيِينِ نَفْسِها بِالحِلْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ حالِها بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي أنَّها إذا احْتاجَتِ المُخاصَمَةَ والمُنازَعَةَ عَجَزَتْ وكانَتْ غَيْرَ مُبِينٍ، وذَلِكَ لِضَعْفِ لِسانِها وقِلَّةِ عَقْلِها وبَلادَةِ طَبْعِها، ويُقالُ: قَلَّما تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فَأرادَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِما كانَ حُجَّةً عَلَيْها، فَهَذِهِ الوُجُوهُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ نَقْصِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَتُهَنَّ بِالوَلَدِيَّةِ إلَيْهِ !
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّحَلِّيَ مُباحٌ لِلنِّساءِ، وأنَّهُ حَرامٌ لِلرِّجالِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المَعايِبِ ومُوجِباتِ النُّقْصانِ، وإقْدامُ الرَّجُلِ عَلَيْهِ يَكُونُ إلْقاءً لِنَفْسِهِ في الذُّلِّ، وذَلِكَ حَرامٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وإنَّما زِينَةُ الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والتَّزَيُّنُ بِزِينَةِ التَّقْوى، قالَ الشّافِعِيُّ:
تَدَرَّعْتُ يَوْمًا لِلْقُنُوعِ حَصِينَةً ∗∗∗ أصُونُ بِها عِرْضِي وأجْعَلُها ذُخْرا
ولَمْ أحْذَرِ الدَّهْرَ الخَئُونَ وإنَّما ∗∗∗ قُصاراهُ أنْ يَرْمِي بِيَ المَوْتَ والفَقْرا
فَأعْدَدْتُ لِلْمَوْتِ الإلَهَ وعَفْوَهُ ∗∗∗ وأعْدَدْتُ لِلْفَقْرِ التَّجَلُّدَ والصَّبْرا
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِقَوْلِهِ: جَعَلُوا، أيْ حَكَمُوا بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَكُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ بِالدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهم ذَكَرُوا هَذِهِ الدَّعْوى مِن غَيْرِ أنْ عَرَفُوهُ لا بِضَرُورَةٍ ولا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى هَدَّدَهم فَقالَ: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُنْكَرٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ يُوجِبُ الذَّمَّ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ كَفَرُوا في هَذا القَوْلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ بِنْتٌ.
وثالِثُها: الحُكْمُ عَلى المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ”عِنْدَ الرَّحْمَنِ“ بِالنُّونِ، وهو اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُوافِقُ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] وقَوْلَهُ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] .
والثّانِي: أنَّ كُلَّ الخَلْقِ عِبادُهُ، فَلا مَدْحَ لَهم فِيهِ.
والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ المَلائِكَةَ يَكُونُونَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، لا عِنْدَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ عَرَفُوا كَوْنَهم إناثًا ؟
وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا ”عِبادُ“ جَمْعَ عَبْدٍ، وقِيلَ: جَمْعُ عابِدٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ، وصائِمٍ وصِيامٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وأخْبَرَ أنَّهم عَبِيدٌ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ . [الأنْبِياءِ: ٢٦]
صفحة ١٧٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: ”آأُشْهِدُوا“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ لَيِّنَةٍ وضَمَّةٍ، أيْ [أ] أُحْضِرُوا خَلْقَهم، وعَنْ نافِعٍ غَيْرُ مَمْدُودٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ: ”أشَهِدُوا“ بِفَتْحِ الألِفِ، مِن [أ] شَهِدُوا، أيْ أحَضَرُوا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمّا قِراءَةُ ”عِنْدَ“ بِالنُّونِ، فَهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لا شَكَّ أنَّها عِنْدِيَّةُ الفَضْلِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الطّاعَةِ، ولَفْظَةُ ”هم“ تُوجِبُ الحَصْرَ، والمَعْنى أنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ لا غَيْرُهم، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مَن غَيْرِهِمْ رِعايَةً لِلَّفْظِ الدّالِّ عَلى الحَصْرِ، وأمّا مَن قَرَأ ”عِبادُ“ جَمْعَ العَبْدِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ العِبادِ مَخْصُوصٌ في القُرْآنِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ ﴿هم عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ حَصْرَ العُبُودِيَّةِ فِيهِمْ، فَإذا كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى الفَضْلِ والشَّرَفِ، كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى حَصْرِ العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى حَصْرِ الفَضْلِ والمَنقَبَةِ والشَّرَفِ فِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:19
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥] بَيَّنَ أنَّهم مَعَ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ، جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”جُزُءٌ“ بِضَمِّ الزّايِ والهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وهُما لُغَتانِ، وأمّا حَمْزَةُ فَإذا وقَفَ عَلَيْهِ، قالَ: ”جُزًا“ بِفَتْحِ الزّايِ بِلا هَمْزَةٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ؛ أنَّ المُرادَ أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ ولَدًا، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ ولَدَ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» ولِأنَّ المَعْقُولَ مِنَ الوالِدِ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، ثُمَّ يَتَرَبّى ذَلِكَ الجُزْءُ ويَتَوَلَّدُ مِنهُ شَخْصٌ مِثْلُ ذَلِكَ الأصْلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَوَلَدُ الرَّجُلِ جُزْءٌ مِنهُ وبَعْضٌ مِنهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْنى ”جَعَلُوا“ حَكَمُوا وأثْبَتُوا وقالُوا بِهِ، والمَعْنى أنَّهم أثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَوْ قالَ: وجَعَلُوا لِعِبادِهِ مِنهُ جُزْءًا، أفادَ ذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا أنَّهُ حَصَلَ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ في بَعْضِ
صفحة ١٧٣
عِبادِهِ، وذَلِكَ هو الوَلَدُ، فَكَذا قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ مَعْناهُ: وأثْبَتُوا لَهُ جُزْءًا، وذَلِكَ الجُزْءُ هو عَبْدٌ مِن عِبادِهِ، والحاصِلُ أنَّهم أثْبَتُوا لِلَّهِ ولَدًا، وذَكَرُوا في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ وُجُوهًا أُخَرَ، فَقالُوا: الجُزْءُ هو الأُنْثى في لُغَةِ العَرَبِ، واحْتَجُّوا في إثْباتِ هَذِهِ اللُّغَةِ بِبَيْتَيْنِ:
فالأوَّلُ قَوْلُهُ:
إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبَ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المُذْكاةُ أحْيانا
وقَوْلُهُ:
زَوَّجْتُها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ اللَّدْنِ في أبْياتِها غَزَلُ
وزَعَمَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ وصاحِبُ ”الكَشّافِ“: أنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ فاسِدَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأبْياتَ مَصْنُوعَةٌ.
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ إثْباتُ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا أثْبَتُوا الشُّرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ العِبادِ لَيْسَ لِلَّهِ، بَلْ بَعْضُها لِلَّهِ، وبَعْضُها لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهم ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِن عِبادِهِ كُلِّهِمْ، بَلْ جَعَلُوا لَهُ مِنهم بَعْضًا وجُزْءًا مِنهم، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِنَ الأوَّلِ، أنّا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى إنْكارِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ، وحَمَلْنا الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها إلى إنْكارِ الوَلَدِ لِلَّهِ، كانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِلرَّدِّ عَلى جَمِيعِ المُبْطِلِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَتَّبَ هَذِهِ المُناظَرَةَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَثْبُتَ الوَلَدُ فَجَعْلُهُ بِنْتًا أيْضًا مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ مُحالٌ، فَلِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الوالِدِ، وما كانَ لَهُ جُزْءٌ كانَ مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، وأيْضًا ما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الِاتِّصالَ والِانْفِصالَ والِاجْتِماعَ والِافْتِراقَ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو عَبْدٌ مُحْدَثٌ، فَلا يَكُونُ إلَهًا قَدِيمًا أزَلِيًّا.
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الوَلَدِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ بِنْتًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِابْنَ أفْضَلُ مِنَ البِنْتِ، فَلَوْ قُلْنا إنَّهُ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ البَناتَ وأعْطى البَنِينَ لِعِبادِهِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ العَبْدِ أكْمَلَ وأفْضَلَ مِن حالِ اللَّهِ، وذَلِكَ مَدْفُوعٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، يُقالُ أصْفَيْتُ فُلانًا بِكَذا، أيْ آثَرْتُهُ بِهِ إيثارًا حَصَلَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الصَّفاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُشارِكٌ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ البَناتِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِي بَلَغَ حالُهُ في النَّقْصِ إلى هَذا الحَدِّ كَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ إثْباتُهُ لِلَّهِ تَعالى ! وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّ امْرَأتَهُ وضَعَتْ أُنْثى، فَهَجَرَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ المَرْأةُ، فَقالَتْ:
ما لِأبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينا
يَظَلُّ في البَيْتِ الَّذِي يَلِينا ∗∗∗ ٢٠٦ أغَضْبانُ أنْ لا نَلِدَ البَنِينا
لَيْسَ لَنا مِن أمْرِنا ما شِينا ∗∗∗ وإنَّما نَأْخُذُ ما أُعْطِينا
وقَوْلُهُ (ظَلَّ) أيْ صارَ، كَما يُسْتَعْمَلُ أكْثَرُ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”مُسْوَدٌّ“ و”مِسْوادٌّ“، والتَّقْدِيرُ: وهو مُسْوَدٌّ، فَتَقَعُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ الخَبَرِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾
صفحة ١٧٤
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿يُنَشَّأُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ يُرَبّى، والباقُونَ ”يُنْشَأُ“ بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الشِّينِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”يُناشَأُ“، قالَ: ونَظِيرُ المُناشَأةِ بِمَعْنى الإنْشاءِ المُغالاةُ بِمَعْنى الإغْلاءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُقْصانِها، وهو أنَّ الَّذِي يُرَبّى في الحِلْيَةِ يَكُونُ ناقِصَ الذّاتِ، لِأنَّهُ لَوْلا نُقْصانٌ في ذاتِها لَما احْتاجَتْ إلى تَزْيِينِ نَفْسِها بِالحِلْيَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نُقْصانَ حالِها بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ ﴿وهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي أنَّها إذا احْتاجَتِ المُخاصَمَةَ والمُنازَعَةَ عَجَزَتْ وكانَتْ غَيْرَ مُبِينٍ، وذَلِكَ لِضَعْفِ لِسانِها وقِلَّةِ عَقْلِها وبَلادَةِ طَبْعِها، ويُقالُ: قَلَّما تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فَأرادَتْ أنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِها إلّا تَكَلَّمَتْ بِما كانَ حُجَّةً عَلَيْها، فَهَذِهِ الوُجُوهُ دالَّةٌ عَلى كَمالِ نَقْصِها، فَكَيْفَ يَجُوزُ إضافَتُهَنَّ بِالوَلَدِيَّةِ إلَيْهِ !
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّحَلِّيَ مُباحٌ لِلنِّساءِ، وأنَّهُ حَرامٌ لِلرِّجالِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ المَعايِبِ ومُوجِباتِ النُّقْصانِ، وإقْدامُ الرَّجُلِ عَلَيْهِ يَكُونُ إلْقاءً لِنَفْسِهِ في الذُّلِّ، وذَلِكَ حَرامٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وإنَّما زِينَةُ الرَّجُلِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والتَّزَيُّنُ بِزِينَةِ التَّقْوى، قالَ الشّافِعِيُّ:
تَدَرَّعْتُ يَوْمًا لِلْقُنُوعِ حَصِينَةً ∗∗∗ أصُونُ بِها عِرْضِي وأجْعَلُها ذُخْرا
ولَمْ أحْذَرِ الدَّهْرَ الخَئُونَ وإنَّما ∗∗∗ قُصاراهُ أنْ يَرْمِي بِيَ المَوْتَ والفَقْرا
فَأعْدَدْتُ لِلْمَوْتِ الإلَهَ وعَفْوَهُ ∗∗∗ وأعْدَدْتُ لِلْفَقْرِ التَّجَلُّدَ والصَّبْرا
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِقَوْلِهِ: جَعَلُوا، أيْ حَكَمُوا بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، يَعْنِي أنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَكُلُّها مُفَرَّعَةٌ عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ بِالدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ فَثَبَتَ أنَّهم ذَكَرُوا هَذِهِ الدَّعْوى مِن غَيْرِ أنْ عَرَفُوهُ لا بِضَرُورَةٍ ولا بِدَلِيلٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى هَدَّدَهم فَقالَ: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُنْكَرٌ، وأنَّ التَّقْلِيدَ يُوجِبُ الذَّمَّ العَظِيمَ والعِقابَ الشَّدِيدَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ كَفَرُوا في هَذا القَوْلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: إثْباتُ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ بِنْتٌ.
وثالِثُها: الحُكْمُ عَلى المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ”عِنْدَ الرَّحْمَنِ“ بِالنُّونِ، وهو اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُوافِقُ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] وقَوْلَهُ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] .
والثّانِي: أنَّ كُلَّ الخَلْقِ عِبادُهُ، فَلا مَدْحَ لَهم فِيهِ.
والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ أنَّ المَلائِكَةَ يَكُونُونَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ، لا عِنْدَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ عَرَفُوا كَوْنَهم إناثًا ؟
وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا ”عِبادُ“ جَمْعَ عَبْدٍ، وقِيلَ: جَمْعُ عابِدٍ، كَقائِمٍ وقِيامٍ، وصائِمٍ وصِيامٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وأخْبَرَ أنَّهم عَبِيدٌ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ . [الأنْبِياءِ: ٢٦]
صفحة ١٧٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: ”آأُشْهِدُوا“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ لَيِّنَةٍ وضَمَّةٍ، أيْ [أ] أُحْضِرُوا خَلْقَهم، وعَنْ نافِعٍ غَيْرُ مَمْدُودٍ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ: ”أشَهِدُوا“ بِفَتْحِ الألِفِ، مِن [أ] شَهِدُوا، أيْ أحَضَرُوا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمّا قِراءَةُ ”عِنْدَ“ بِالنُّونِ، فَهَذِهِ العِنْدِيَّةُ لا شَكَّ أنَّها عِنْدِيَّةُ الفَضْلِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ الطّاعَةِ، ولَفْظَةُ ”هم“ تُوجِبُ الحَصْرَ، والمَعْنى أنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ لا غَيْرُهم، فَوَجَبَ كَوْنُهم أفْضَلَ مَن غَيْرِهِمْ رِعايَةً لِلَّفْظِ الدّالِّ عَلى الحَصْرِ، وأمّا مَن قَرَأ ”عِبادُ“ جَمْعَ العَبْدِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ العِبادِ مَخْصُوصٌ في القُرْآنِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ ﴿هم عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ حَصْرَ العُبُودِيَّةِ فِيهِمْ، فَإذا كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى الفَضْلِ والشَّرَفِ، كانَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى حَصْرِ العُبُودِيَّةِ دالًّا عَلى حَصْرِ الفَضْلِ والمَنقَبَةِ والشَّرَفِ فِيهِمْ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهم أفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:20
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى نَوْعًا آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ يَقَعُ بِإرادَةِ اللَّهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ وهَذا صَرِيحُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ حَكى مَذْهَبَ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالإبْطالِ والإفْسادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ باطِلٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قَوْلِهِ
صفحة ١٧٦
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾، [الأنْعامِ: ١٤٨]
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ كُفْرِهِمْ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَمّا حَكى هَذِهِ الأقاوِيلَ الثَّلاثَةَ بَعْضَها عَلى إثْرِ بَعْضٍ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كُفْرٌ مَحْضٌ، فَكَذَلِكَ هَذا القَوْلُ الثّالِثُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ أجابَ في ”البَسِيطِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ عائِدٌ إلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ إناثٌ، وإلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ، وأنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، وأقَرَّنا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في الجَوابِ، وعِنْدِي هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ قَوْلَيْنِ باطِلَيْنِ، وبَيَّنَ وجْهَ بُطْلانِهِما، ثُمَّ حَكى بَعْدَهُ مَذْهَبًا ثالِثًا في مَسْألَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالبُطْلانِ والوَعِيدِ، فَصَرَفَ هَذا الإبْطالَ عَنْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ إلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ أجْنَبِيٍّ عَنْهُ في غايَةِ البُعْدِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِتِلْكَ المَشِيئَةِ، والإجْمالُ خِلافُ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ألّا نَعْبُدَهم ما عَبَدْناهم، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ اللَّهِ لِعَدَمِ عِبادَتِهِمْ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ، فالإبْطالُ والإفْسادُ يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنْ قالَ: إنَّهم إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَوْجَبُوا الطَّعْنَ والذَّمَّ، وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وادِّعاءُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي أنَّهم ﴿جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٥] وأنَّهم جَعَلُوا المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَوْ قُلْنا بِأنَّهُ إنَّما جاءَ الذَّمُّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ لِأنَّهم ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في حِكايَةِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، فَلَزِمَ أنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كُفْرٌ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الطَّعْنَ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما تَوَجَّهَ عَلى نَفْسِ ذَلِكَ القَوْلِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ لا عَلى نَفْسِهِ بَلْ عَلى إيرادِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهَذا يُوجِبُ تَشْوِيشَ النَّظْمِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في كَلامِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي عَنْ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لِأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْكُفْرِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإيمانِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ يَجِبُ كَوْنُهُما مُتَطابِقَيْنِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، فالقَوْمُ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الذَّمَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: لَمّا أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أمْرُ الكافِرِ بِالإيمانِ، وإذا صَرَفْنا الذَّمَّ والطَّعْنَ إلى هَذا المَقامِ سَقَطَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ المَذْهَبَ الباطِلَ؛ قالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: لَمّا أرادَ اللَّهُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وخَلَقَ فِيهِ ما أوْجَبَ ذَلِكَ الكُفْرَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ، فَيَكُونُ قَبِيحًا في الغائِبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ هَذا القِياسِ مِن عِلْمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ الواحِدِ مِنّا وأحْكامَهُ
صفحة ١٧٧
مَبْنِيَّةٌ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لِأجْلِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِحُصُولِ المَصالِحِ ويَسْتَضِرُّ بِحُصُولِ المَفاسِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ صَرِيحَ طَبْعِهِ وعَقْلِهِ يَحْمِلُهُ عَلى بِناءِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى يَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ مَعَ ظُهُورِ هَذا الفارِقِ العَظِيمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ في هَذا البابِ عِلْمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ كَما لَمْ يَثْبُتْ لَهم صِحَّةُ ذَلِكَ القِياسِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ القاطِعِ كَوْنُهم كَذّابِينَ خَرّاصِينَ في ذَلِكَ القِياسِ؛ لِأنَّ قِياسَ المُنَزَّهِ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ - مِن كُلِّ الوُجُوهِ - عَلى المُحْتاجِ المُنْتَفِعِ المُتَضَرِّرِ قِياسٌ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَرَفُوا صِحَّتَهُ بِالعَقْلِ أوْ بِالنَّقْلِ، أمّا إثْباتُهُ بِالعَقْلِ فَهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وأمّا إثْباتُهُ بِالنَّقْلِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: أنَّهم [هَلْ] وجَدُوا ذَلِكَ الباطِلَ في كِتابٍ مُنَزَّلٍ قَبْلَ القُرْآنِ حَتّى جازَ لَهم أنْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ الإنْكارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهم عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ البَتَّةَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم حامِلٌ يَحْمِلُهم عَلَيْهِ إلّا التَّقْلِيدُ المَحْضُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَمَسُّكَ الجُهّالِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ أمْرٌ كانَ حاصِلًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”عَلى إمَّةٍ“ بِالكَسْرِ، وكِلْتاهُما مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، فالأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ، أيْ: تُقْصَدُ؛ كالرِّحْلَةِ لِلْمَرْحُولِ إلَيْهِ، والإمَّةُ الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآمُّ وهو القاصِدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ إلّا هَذِهِ الآياتُ لَكَفَتْ في إبْطالِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا في إثْباتِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا بِطَرِيقٍ عَقْلِيٍّ، ولا بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُبْطِلِ وبَيْنَ المُحِقِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما حَصَلَ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْمٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِأضْدادِهِمْ أقْوامٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا إلى الحَقِّ لَوَجَبَ كَوْنُ الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الدّاعِيَ إلى القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ والحامِلَ عَلَيْهِ إنَّما هو حُبُّ التَّنْعِيمِ في طَيِّباتِ الدُّنْيا، وحُبُّ الكَسَلِ والبِطالَةِ، وبُغْضُ تَحَمُّلِ مَشاقِّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، والمُتْرَفُونَ هُمُ الَّذِينَ أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ: أبْطَرَتْهم، فَلا يُحِبُّونَ إلّا الشَّهَواتِ والمَلاهِيَ، ويُبْغَضُونَ تَحَمُّلَ المَشاقِّ في طَلَبِ الحَقِّ، وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ رَأْسَ جَمِيعِ الآفاتِ حُبُّ الدُّنْيا واللَّذّاتِ
صفحة ١٧٨
الجُسْمانِيَّةِ، ورَأْسَ جَمِيعِ الخَيْراتِ هو حُبُّ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» .
ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أيْ: بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، فَعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا إنّا ثابِتُونَ عَلى دِينِ آبائِنا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ وإنْ جِئْتَنا بِما هو أهْدى ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنْ كانَ أهْدى مِمّا كُنّا عَلَيْهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَهْدِيدُ الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:21
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى نَوْعًا آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ يَقَعُ بِإرادَةِ اللَّهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ وهَذا صَرِيحُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ حَكى مَذْهَبَ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالإبْطالِ والإفْسادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ باطِلٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قَوْلِهِ
صفحة ١٧٦
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾، [الأنْعامِ: ١٤٨]
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ كُفْرِهِمْ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَمّا حَكى هَذِهِ الأقاوِيلَ الثَّلاثَةَ بَعْضَها عَلى إثْرِ بَعْضٍ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كُفْرٌ مَحْضٌ، فَكَذَلِكَ هَذا القَوْلُ الثّالِثُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ أجابَ في ”البَسِيطِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ عائِدٌ إلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ إناثٌ، وإلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ، وأنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، وأقَرَّنا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في الجَوابِ، وعِنْدِي هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ قَوْلَيْنِ باطِلَيْنِ، وبَيَّنَ وجْهَ بُطْلانِهِما، ثُمَّ حَكى بَعْدَهُ مَذْهَبًا ثالِثًا في مَسْألَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالبُطْلانِ والوَعِيدِ، فَصَرَفَ هَذا الإبْطالَ عَنْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ إلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ أجْنَبِيٍّ عَنْهُ في غايَةِ البُعْدِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِتِلْكَ المَشِيئَةِ، والإجْمالُ خِلافُ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ألّا نَعْبُدَهم ما عَبَدْناهم، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ اللَّهِ لِعَدَمِ عِبادَتِهِمْ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ، فالإبْطالُ والإفْسادُ يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنْ قالَ: إنَّهم إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَوْجَبُوا الطَّعْنَ والذَّمَّ، وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وادِّعاءُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي أنَّهم ﴿جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٥] وأنَّهم جَعَلُوا المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَوْ قُلْنا بِأنَّهُ إنَّما جاءَ الذَّمُّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ لِأنَّهم ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في حِكايَةِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، فَلَزِمَ أنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كُفْرٌ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الطَّعْنَ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما تَوَجَّهَ عَلى نَفْسِ ذَلِكَ القَوْلِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ لا عَلى نَفْسِهِ بَلْ عَلى إيرادِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهَذا يُوجِبُ تَشْوِيشَ النَّظْمِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في كَلامِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي عَنْ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لِأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْكُفْرِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإيمانِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ يَجِبُ كَوْنُهُما مُتَطابِقَيْنِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، فالقَوْمُ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الذَّمَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: لَمّا أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أمْرُ الكافِرِ بِالإيمانِ، وإذا صَرَفْنا الذَّمَّ والطَّعْنَ إلى هَذا المَقامِ سَقَطَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ المَذْهَبَ الباطِلَ؛ قالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: لَمّا أرادَ اللَّهُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وخَلَقَ فِيهِ ما أوْجَبَ ذَلِكَ الكُفْرَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ، فَيَكُونُ قَبِيحًا في الغائِبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ هَذا القِياسِ مِن عِلْمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ الواحِدِ مِنّا وأحْكامَهُ
صفحة ١٧٧
مَبْنِيَّةٌ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لِأجْلِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِحُصُولِ المَصالِحِ ويَسْتَضِرُّ بِحُصُولِ المَفاسِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ صَرِيحَ طَبْعِهِ وعَقْلِهِ يَحْمِلُهُ عَلى بِناءِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى يَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ مَعَ ظُهُورِ هَذا الفارِقِ العَظِيمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ في هَذا البابِ عِلْمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ كَما لَمْ يَثْبُتْ لَهم صِحَّةُ ذَلِكَ القِياسِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ القاطِعِ كَوْنُهم كَذّابِينَ خَرّاصِينَ في ذَلِكَ القِياسِ؛ لِأنَّ قِياسَ المُنَزَّهِ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ - مِن كُلِّ الوُجُوهِ - عَلى المُحْتاجِ المُنْتَفِعِ المُتَضَرِّرِ قِياسٌ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَرَفُوا صِحَّتَهُ بِالعَقْلِ أوْ بِالنَّقْلِ، أمّا إثْباتُهُ بِالعَقْلِ فَهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وأمّا إثْباتُهُ بِالنَّقْلِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: أنَّهم [هَلْ] وجَدُوا ذَلِكَ الباطِلَ في كِتابٍ مُنَزَّلٍ قَبْلَ القُرْآنِ حَتّى جازَ لَهم أنْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ الإنْكارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهم عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ البَتَّةَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم حامِلٌ يَحْمِلُهم عَلَيْهِ إلّا التَّقْلِيدُ المَحْضُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَمَسُّكَ الجُهّالِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ أمْرٌ كانَ حاصِلًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”عَلى إمَّةٍ“ بِالكَسْرِ، وكِلْتاهُما مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، فالأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ، أيْ: تُقْصَدُ؛ كالرِّحْلَةِ لِلْمَرْحُولِ إلَيْهِ، والإمَّةُ الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآمُّ وهو القاصِدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ إلّا هَذِهِ الآياتُ لَكَفَتْ في إبْطالِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا في إثْباتِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا بِطَرِيقٍ عَقْلِيٍّ، ولا بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُبْطِلِ وبَيْنَ المُحِقِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما حَصَلَ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْمٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِأضْدادِهِمْ أقْوامٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا إلى الحَقِّ لَوَجَبَ كَوْنُ الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الدّاعِيَ إلى القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ والحامِلَ عَلَيْهِ إنَّما هو حُبُّ التَّنْعِيمِ في طَيِّباتِ الدُّنْيا، وحُبُّ الكَسَلِ والبِطالَةِ، وبُغْضُ تَحَمُّلِ مَشاقِّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، والمُتْرَفُونَ هُمُ الَّذِينَ أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ: أبْطَرَتْهم، فَلا يُحِبُّونَ إلّا الشَّهَواتِ والمَلاهِيَ، ويُبْغَضُونَ تَحَمُّلَ المَشاقِّ في طَلَبِ الحَقِّ، وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ رَأْسَ جَمِيعِ الآفاتِ حُبُّ الدُّنْيا واللَّذّاتِ
صفحة ١٧٨
الجُسْمانِيَّةِ، ورَأْسَ جَمِيعِ الخَيْراتِ هو حُبُّ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» .
ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أيْ: بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، فَعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا إنّا ثابِتُونَ عَلى دِينِ آبائِنا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ وإنْ جِئْتَنا بِما هو أهْدى ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنْ كانَ أهْدى مِمّا كُنّا عَلَيْهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَهْدِيدُ الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:22
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى نَوْعًا آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ يَقَعُ بِإرادَةِ اللَّهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ وهَذا صَرِيحُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ حَكى مَذْهَبَ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالإبْطالِ والإفْسادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ باطِلٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قَوْلِهِ
صفحة ١٧٦
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾، [الأنْعامِ: ١٤٨]
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ كُفْرِهِمْ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَمّا حَكى هَذِهِ الأقاوِيلَ الثَّلاثَةَ بَعْضَها عَلى إثْرِ بَعْضٍ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كُفْرٌ مَحْضٌ، فَكَذَلِكَ هَذا القَوْلُ الثّالِثُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ أجابَ في ”البَسِيطِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ عائِدٌ إلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ إناثٌ، وإلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ، وأنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، وأقَرَّنا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في الجَوابِ، وعِنْدِي هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ قَوْلَيْنِ باطِلَيْنِ، وبَيَّنَ وجْهَ بُطْلانِهِما، ثُمَّ حَكى بَعْدَهُ مَذْهَبًا ثالِثًا في مَسْألَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالبُطْلانِ والوَعِيدِ، فَصَرَفَ هَذا الإبْطالَ عَنْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ إلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ أجْنَبِيٍّ عَنْهُ في غايَةِ البُعْدِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِتِلْكَ المَشِيئَةِ، والإجْمالُ خِلافُ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ألّا نَعْبُدَهم ما عَبَدْناهم، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ اللَّهِ لِعَدَمِ عِبادَتِهِمْ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ، فالإبْطالُ والإفْسادُ يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنْ قالَ: إنَّهم إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَوْجَبُوا الطَّعْنَ والذَّمَّ، وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وادِّعاءُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي أنَّهم ﴿جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٥] وأنَّهم جَعَلُوا المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَوْ قُلْنا بِأنَّهُ إنَّما جاءَ الذَّمُّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ لِأنَّهم ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في حِكايَةِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، فَلَزِمَ أنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كُفْرٌ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الطَّعْنَ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما تَوَجَّهَ عَلى نَفْسِ ذَلِكَ القَوْلِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ لا عَلى نَفْسِهِ بَلْ عَلى إيرادِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهَذا يُوجِبُ تَشْوِيشَ النَّظْمِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في كَلامِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي عَنْ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لِأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْكُفْرِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإيمانِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ يَجِبُ كَوْنُهُما مُتَطابِقَيْنِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، فالقَوْمُ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الذَّمَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: لَمّا أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أمْرُ الكافِرِ بِالإيمانِ، وإذا صَرَفْنا الذَّمَّ والطَّعْنَ إلى هَذا المَقامِ سَقَطَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ المَذْهَبَ الباطِلَ؛ قالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: لَمّا أرادَ اللَّهُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وخَلَقَ فِيهِ ما أوْجَبَ ذَلِكَ الكُفْرَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ، فَيَكُونُ قَبِيحًا في الغائِبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ هَذا القِياسِ مِن عِلْمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ الواحِدِ مِنّا وأحْكامَهُ
صفحة ١٧٧
مَبْنِيَّةٌ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لِأجْلِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِحُصُولِ المَصالِحِ ويَسْتَضِرُّ بِحُصُولِ المَفاسِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ صَرِيحَ طَبْعِهِ وعَقْلِهِ يَحْمِلُهُ عَلى بِناءِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى يَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ مَعَ ظُهُورِ هَذا الفارِقِ العَظِيمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ في هَذا البابِ عِلْمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ كَما لَمْ يَثْبُتْ لَهم صِحَّةُ ذَلِكَ القِياسِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ القاطِعِ كَوْنُهم كَذّابِينَ خَرّاصِينَ في ذَلِكَ القِياسِ؛ لِأنَّ قِياسَ المُنَزَّهِ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ - مِن كُلِّ الوُجُوهِ - عَلى المُحْتاجِ المُنْتَفِعِ المُتَضَرِّرِ قِياسٌ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَرَفُوا صِحَّتَهُ بِالعَقْلِ أوْ بِالنَّقْلِ، أمّا إثْباتُهُ بِالعَقْلِ فَهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وأمّا إثْباتُهُ بِالنَّقْلِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: أنَّهم [هَلْ] وجَدُوا ذَلِكَ الباطِلَ في كِتابٍ مُنَزَّلٍ قَبْلَ القُرْآنِ حَتّى جازَ لَهم أنْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ الإنْكارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهم عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ البَتَّةَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم حامِلٌ يَحْمِلُهم عَلَيْهِ إلّا التَّقْلِيدُ المَحْضُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَمَسُّكَ الجُهّالِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ أمْرٌ كانَ حاصِلًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”عَلى إمَّةٍ“ بِالكَسْرِ، وكِلْتاهُما مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، فالأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ، أيْ: تُقْصَدُ؛ كالرِّحْلَةِ لِلْمَرْحُولِ إلَيْهِ، والإمَّةُ الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآمُّ وهو القاصِدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ إلّا هَذِهِ الآياتُ لَكَفَتْ في إبْطالِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا في إثْباتِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا بِطَرِيقٍ عَقْلِيٍّ، ولا بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُبْطِلِ وبَيْنَ المُحِقِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما حَصَلَ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْمٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِأضْدادِهِمْ أقْوامٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا إلى الحَقِّ لَوَجَبَ كَوْنُ الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الدّاعِيَ إلى القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ والحامِلَ عَلَيْهِ إنَّما هو حُبُّ التَّنْعِيمِ في طَيِّباتِ الدُّنْيا، وحُبُّ الكَسَلِ والبِطالَةِ، وبُغْضُ تَحَمُّلِ مَشاقِّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، والمُتْرَفُونَ هُمُ الَّذِينَ أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ: أبْطَرَتْهم، فَلا يُحِبُّونَ إلّا الشَّهَواتِ والمَلاهِيَ، ويُبْغَضُونَ تَحَمُّلَ المَشاقِّ في طَلَبِ الحَقِّ، وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ رَأْسَ جَمِيعِ الآفاتِ حُبُّ الدُّنْيا واللَّذّاتِ
صفحة ١٧٨
الجُسْمانِيَّةِ، ورَأْسَ جَمِيعِ الخَيْراتِ هو حُبُّ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» .
ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أيْ: بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، فَعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا إنّا ثابِتُونَ عَلى دِينِ آبائِنا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ وإنْ جِئْتَنا بِما هو أهْدى ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنْ كانَ أهْدى مِمّا كُنّا عَلَيْهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَهْدِيدُ الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:23
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى نَوْعًا آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ يَقَعُ بِإرادَةِ اللَّهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ وهَذا صَرِيحُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ حَكى مَذْهَبَ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالإبْطالِ والإفْسادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ باطِلٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قَوْلِهِ
صفحة ١٧٦
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾، [الأنْعامِ: ١٤٨]
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ كُفْرِهِمْ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَمّا حَكى هَذِهِ الأقاوِيلَ الثَّلاثَةَ بَعْضَها عَلى إثْرِ بَعْضٍ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كُفْرٌ مَحْضٌ، فَكَذَلِكَ هَذا القَوْلُ الثّالِثُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ أجابَ في ”البَسِيطِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ عائِدٌ إلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ إناثٌ، وإلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ، وأنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، وأقَرَّنا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في الجَوابِ، وعِنْدِي هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ قَوْلَيْنِ باطِلَيْنِ، وبَيَّنَ وجْهَ بُطْلانِهِما، ثُمَّ حَكى بَعْدَهُ مَذْهَبًا ثالِثًا في مَسْألَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالبُطْلانِ والوَعِيدِ، فَصَرَفَ هَذا الإبْطالَ عَنْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ إلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ أجْنَبِيٍّ عَنْهُ في غايَةِ البُعْدِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِتِلْكَ المَشِيئَةِ، والإجْمالُ خِلافُ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ألّا نَعْبُدَهم ما عَبَدْناهم، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ اللَّهِ لِعَدَمِ عِبادَتِهِمْ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ، فالإبْطالُ والإفْسادُ يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنْ قالَ: إنَّهم إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَوْجَبُوا الطَّعْنَ والذَّمَّ، وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وادِّعاءُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي أنَّهم ﴿جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٥] وأنَّهم جَعَلُوا المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَوْ قُلْنا بِأنَّهُ إنَّما جاءَ الذَّمُّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ لِأنَّهم ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في حِكايَةِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، فَلَزِمَ أنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كُفْرٌ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الطَّعْنَ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما تَوَجَّهَ عَلى نَفْسِ ذَلِكَ القَوْلِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ لا عَلى نَفْسِهِ بَلْ عَلى إيرادِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهَذا يُوجِبُ تَشْوِيشَ النَّظْمِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في كَلامِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي عَنْ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لِأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْكُفْرِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإيمانِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ يَجِبُ كَوْنُهُما مُتَطابِقَيْنِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، فالقَوْمُ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الذَّمَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: لَمّا أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أمْرُ الكافِرِ بِالإيمانِ، وإذا صَرَفْنا الذَّمَّ والطَّعْنَ إلى هَذا المَقامِ سَقَطَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ المَذْهَبَ الباطِلَ؛ قالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: لَمّا أرادَ اللَّهُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وخَلَقَ فِيهِ ما أوْجَبَ ذَلِكَ الكُفْرَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ، فَيَكُونُ قَبِيحًا في الغائِبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ هَذا القِياسِ مِن عِلْمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ الواحِدِ مِنّا وأحْكامَهُ
صفحة ١٧٧
مَبْنِيَّةٌ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لِأجْلِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِحُصُولِ المَصالِحِ ويَسْتَضِرُّ بِحُصُولِ المَفاسِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ صَرِيحَ طَبْعِهِ وعَقْلِهِ يَحْمِلُهُ عَلى بِناءِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى يَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ مَعَ ظُهُورِ هَذا الفارِقِ العَظِيمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ في هَذا البابِ عِلْمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ كَما لَمْ يَثْبُتْ لَهم صِحَّةُ ذَلِكَ القِياسِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ القاطِعِ كَوْنُهم كَذّابِينَ خَرّاصِينَ في ذَلِكَ القِياسِ؛ لِأنَّ قِياسَ المُنَزَّهِ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ - مِن كُلِّ الوُجُوهِ - عَلى المُحْتاجِ المُنْتَفِعِ المُتَضَرِّرِ قِياسٌ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَرَفُوا صِحَّتَهُ بِالعَقْلِ أوْ بِالنَّقْلِ، أمّا إثْباتُهُ بِالعَقْلِ فَهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وأمّا إثْباتُهُ بِالنَّقْلِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: أنَّهم [هَلْ] وجَدُوا ذَلِكَ الباطِلَ في كِتابٍ مُنَزَّلٍ قَبْلَ القُرْآنِ حَتّى جازَ لَهم أنْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ الإنْكارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهم عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ البَتَّةَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم حامِلٌ يَحْمِلُهم عَلَيْهِ إلّا التَّقْلِيدُ المَحْضُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَمَسُّكَ الجُهّالِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ أمْرٌ كانَ حاصِلًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”عَلى إمَّةٍ“ بِالكَسْرِ، وكِلْتاهُما مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، فالأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ، أيْ: تُقْصَدُ؛ كالرِّحْلَةِ لِلْمَرْحُولِ إلَيْهِ، والإمَّةُ الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآمُّ وهو القاصِدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ إلّا هَذِهِ الآياتُ لَكَفَتْ في إبْطالِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا في إثْباتِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا بِطَرِيقٍ عَقْلِيٍّ، ولا بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُبْطِلِ وبَيْنَ المُحِقِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما حَصَلَ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْمٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِأضْدادِهِمْ أقْوامٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا إلى الحَقِّ لَوَجَبَ كَوْنُ الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الدّاعِيَ إلى القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ والحامِلَ عَلَيْهِ إنَّما هو حُبُّ التَّنْعِيمِ في طَيِّباتِ الدُّنْيا، وحُبُّ الكَسَلِ والبِطالَةِ، وبُغْضُ تَحَمُّلِ مَشاقِّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، والمُتْرَفُونَ هُمُ الَّذِينَ أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ: أبْطَرَتْهم، فَلا يُحِبُّونَ إلّا الشَّهَواتِ والمَلاهِيَ، ويُبْغَضُونَ تَحَمُّلَ المَشاقِّ في طَلَبِ الحَقِّ، وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ رَأْسَ جَمِيعِ الآفاتِ حُبُّ الدُّنْيا واللَّذّاتِ
صفحة ١٧٨
الجُسْمانِيَّةِ، ورَأْسَ جَمِيعِ الخَيْراتِ هو حُبُّ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» .
ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أيْ: بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، فَعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا إنّا ثابِتُونَ عَلى دِينِ آبائِنا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ وإنْ جِئْتَنا بِما هو أهْدى ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنْ كانَ أهْدى مِمّا كُنّا عَلَيْهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَهْدِيدُ الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:24
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى نَوْعًا آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ يَقَعُ بِإرادَةِ اللَّهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ وهَذا صَرِيحُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ حَكى مَذْهَبَ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالإبْطالِ والإفْسادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ باطِلٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قَوْلِهِ
صفحة ١٧٦
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾، [الأنْعامِ: ١٤٨]
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ كُفْرِهِمْ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَمّا حَكى هَذِهِ الأقاوِيلَ الثَّلاثَةَ بَعْضَها عَلى إثْرِ بَعْضٍ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كُفْرٌ مَحْضٌ، فَكَذَلِكَ هَذا القَوْلُ الثّالِثُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ أجابَ في ”البَسِيطِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ عائِدٌ إلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ إناثٌ، وإلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ، وأنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، وأقَرَّنا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في الجَوابِ، وعِنْدِي هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ قَوْلَيْنِ باطِلَيْنِ، وبَيَّنَ وجْهَ بُطْلانِهِما، ثُمَّ حَكى بَعْدَهُ مَذْهَبًا ثالِثًا في مَسْألَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالبُطْلانِ والوَعِيدِ، فَصَرَفَ هَذا الإبْطالَ عَنْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ إلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ أجْنَبِيٍّ عَنْهُ في غايَةِ البُعْدِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِتِلْكَ المَشِيئَةِ، والإجْمالُ خِلافُ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ألّا نَعْبُدَهم ما عَبَدْناهم، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ اللَّهِ لِعَدَمِ عِبادَتِهِمْ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ، فالإبْطالُ والإفْسادُ يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنْ قالَ: إنَّهم إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَوْجَبُوا الطَّعْنَ والذَّمَّ، وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وادِّعاءُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي أنَّهم ﴿جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٥] وأنَّهم جَعَلُوا المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَوْ قُلْنا بِأنَّهُ إنَّما جاءَ الذَّمُّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ لِأنَّهم ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في حِكايَةِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، فَلَزِمَ أنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كُفْرٌ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الطَّعْنَ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما تَوَجَّهَ عَلى نَفْسِ ذَلِكَ القَوْلِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ لا عَلى نَفْسِهِ بَلْ عَلى إيرادِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهَذا يُوجِبُ تَشْوِيشَ النَّظْمِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في كَلامِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي عَنْ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لِأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْكُفْرِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإيمانِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ يَجِبُ كَوْنُهُما مُتَطابِقَيْنِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، فالقَوْمُ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الذَّمَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: لَمّا أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أمْرُ الكافِرِ بِالإيمانِ، وإذا صَرَفْنا الذَّمَّ والطَّعْنَ إلى هَذا المَقامِ سَقَطَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ المَذْهَبَ الباطِلَ؛ قالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: لَمّا أرادَ اللَّهُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وخَلَقَ فِيهِ ما أوْجَبَ ذَلِكَ الكُفْرَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ، فَيَكُونُ قَبِيحًا في الغائِبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ هَذا القِياسِ مِن عِلْمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ الواحِدِ مِنّا وأحْكامَهُ
صفحة ١٧٧
مَبْنِيَّةٌ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لِأجْلِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِحُصُولِ المَصالِحِ ويَسْتَضِرُّ بِحُصُولِ المَفاسِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ صَرِيحَ طَبْعِهِ وعَقْلِهِ يَحْمِلُهُ عَلى بِناءِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى يَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ مَعَ ظُهُورِ هَذا الفارِقِ العَظِيمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ في هَذا البابِ عِلْمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ كَما لَمْ يَثْبُتْ لَهم صِحَّةُ ذَلِكَ القِياسِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ القاطِعِ كَوْنُهم كَذّابِينَ خَرّاصِينَ في ذَلِكَ القِياسِ؛ لِأنَّ قِياسَ المُنَزَّهِ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ - مِن كُلِّ الوُجُوهِ - عَلى المُحْتاجِ المُنْتَفِعِ المُتَضَرِّرِ قِياسٌ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَرَفُوا صِحَّتَهُ بِالعَقْلِ أوْ بِالنَّقْلِ، أمّا إثْباتُهُ بِالعَقْلِ فَهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وأمّا إثْباتُهُ بِالنَّقْلِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: أنَّهم [هَلْ] وجَدُوا ذَلِكَ الباطِلَ في كِتابٍ مُنَزَّلٍ قَبْلَ القُرْآنِ حَتّى جازَ لَهم أنْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ الإنْكارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهم عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ البَتَّةَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم حامِلٌ يَحْمِلُهم عَلَيْهِ إلّا التَّقْلِيدُ المَحْضُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَمَسُّكَ الجُهّالِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ أمْرٌ كانَ حاصِلًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”عَلى إمَّةٍ“ بِالكَسْرِ، وكِلْتاهُما مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، فالأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ، أيْ: تُقْصَدُ؛ كالرِّحْلَةِ لِلْمَرْحُولِ إلَيْهِ، والإمَّةُ الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآمُّ وهو القاصِدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ إلّا هَذِهِ الآياتُ لَكَفَتْ في إبْطالِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا في إثْباتِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا بِطَرِيقٍ عَقْلِيٍّ، ولا بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُبْطِلِ وبَيْنَ المُحِقِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما حَصَلَ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْمٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِأضْدادِهِمْ أقْوامٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا إلى الحَقِّ لَوَجَبَ كَوْنُ الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الدّاعِيَ إلى القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ والحامِلَ عَلَيْهِ إنَّما هو حُبُّ التَّنْعِيمِ في طَيِّباتِ الدُّنْيا، وحُبُّ الكَسَلِ والبِطالَةِ، وبُغْضُ تَحَمُّلِ مَشاقِّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، والمُتْرَفُونَ هُمُ الَّذِينَ أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ: أبْطَرَتْهم، فَلا يُحِبُّونَ إلّا الشَّهَواتِ والمَلاهِيَ، ويُبْغَضُونَ تَحَمُّلَ المَشاقِّ في طَلَبِ الحَقِّ، وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ رَأْسَ جَمِيعِ الآفاتِ حُبُّ الدُّنْيا واللَّذّاتِ
صفحة ١٧٨
الجُسْمانِيَّةِ، ورَأْسَ جَمِيعِ الخَيْراتِ هو حُبُّ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» .
ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أيْ: بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، فَعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا إنّا ثابِتُونَ عَلى دِينِ آبائِنا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ وإنْ جِئْتَنا بِما هو أهْدى ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنْ كانَ أهْدى مِمّا كُنّا عَلَيْهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَهْدِيدُ الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:25
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى نَوْعًا آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ، وهو أنَّهم قالُوا: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في أنَّ كُفْرَ الكافِرِ يَقَعُ بِإرادَةِ اللَّهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ وهَذا صَرِيحُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أبْطَلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ حَكى مَذْهَبَ المُجْبِرَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالإبْطالِ والإفْسادِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَذْهَبَ باطِلٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] إلى قَوْلِهِ
صفحة ١٧٦
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾، [الأنْعامِ: ١٤٨]
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنْواعَ كُفْرِهِمْ:
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَمّا حَكى هَذِهِ الأقاوِيلَ الثَّلاثَةَ بَعْضَها عَلى إثْرِ بَعْضٍ، وثَبَتَ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كُفْرٌ مَحْضٌ، فَكَذَلِكَ هَذا القَوْلُ الثّالِثُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ أجابَ في ”البَسِيطِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ عائِدٌ إلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ إناثٌ، وإلى قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أنَّهُ أمَرَنا بِذَلِكَ، وأنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، وأقَرَّنا عَلَيْهِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذا ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في الجَوابِ، وعِنْدِي هَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ القَوْمِ قَوْلَيْنِ باطِلَيْنِ، وبَيَّنَ وجْهَ بُطْلانِهِما، ثُمَّ حَكى بَعْدَهُ مَذْهَبًا ثالِثًا في مَسْألَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، ثُمَّ حَكَمَ بِالبُطْلانِ والوَعِيدِ، فَصَرَفَ هَذا الإبْطالَ عَنْ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ إلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ أجْنَبِيٍّ عَنْهُ في غايَةِ البُعْدِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِتِلْكَ المَشِيئَةِ، والإجْمالُ خِلافُ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ألّا نَعْبُدَهم ما عَبَدْناهم، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مَشِيئَةُ اللَّهِ لِعَدَمِ عِبادَتِهِمْ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ، فالإبْطالُ والإفْسادُ يَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى، ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنْ قالَ: إنَّهم إنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَوْجَبُوا الطَّعْنَ والذَّمَّ، وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وادِّعاءُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ باطِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ، وهي أنَّهم ﴿جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٥] وأنَّهم جَعَلُوا المَلائِكَةَ إناثًا، وأنَّهم قالُوا ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فَلَوْ قُلْنا بِأنَّهُ إنَّما جاءَ الذَّمُّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ لِأنَّهم ذَكَرُوهُ عَلى طَرِيقِ الجِدِّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في حِكايَةِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ، فَلَزِمَ أنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِتِلْكَ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ أنْ يَكُونُوا مُحِقِّينَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ كُفْرٌ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الطَّعْنَ في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما تَوَجَّهَ عَلى نَفْسِ ذَلِكَ القَوْلِ، وفي القَوْلِ الثّالِثِ لا عَلى نَفْسِهِ بَلْ عَلى إيرادِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهَذا يُوجِبُ تَشْوِيشَ النَّظْمِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في كَلامِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الحَقَّ عِنْدِي عَنْ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو أنَّ القَوْمَ إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ لِأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْكُفْرِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإيمانِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأمْرَ والإرادَةَ يَجِبُ كَوْنُهُما مُتَطابِقَيْنِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا باطِلٌ، فالقَوْمُ لَمْ يَسْتَحِقُّوا الذَّمَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم قالُوا: لَمّا أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أمْرُ الكافِرِ بِالإيمانِ، وإذا صَرَفْنا الذَّمَّ والطَّعْنَ إلى هَذا المَقامِ سَقَطَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ المَذْهَبَ الباطِلَ؛ قالَ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾، وتَقْرِيرُهُ: كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: لَمّا أرادَ اللَّهُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ وخَلَقَ فِيهِ ما أوْجَبَ ذَلِكَ الكُفْرَ وجَبَ أنْ يَقْبُحَ مِنهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّكْلِيفِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ، فَيَكُونُ قَبِيحًا في الغائِبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ هَذا القِياسِ مِن عِلْمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ الواحِدِ مِنّا وأحْكامَهُ
صفحة ١٧٧
مَبْنِيَّةٌ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لِأجْلِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِحُصُولِ المَصالِحِ ويَسْتَضِرُّ بِحُصُولِ المَفاسِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ صَرِيحَ طَبْعِهِ وعَقْلِهِ يَحْمِلُهُ عَلى بِناءِ أحْكامِهِ وأفْعالِهِ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى يَبْنِي أحْكامَهُ وأفْعالَهُ عَلى رِعايَةِ المَصالِحِ مَعَ ظُهُورِ هَذا الفارِقِ العَظِيمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: ما لَهم بِصِحَّةِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ في هَذا البابِ عِلْمٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ كَما لَمْ يَثْبُتْ لَهم صِحَّةُ ذَلِكَ القِياسِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ القاطِعِ كَوْنُهم كَذّابِينَ خَرّاصِينَ في ذَلِكَ القِياسِ؛ لِأنَّ قِياسَ المُنَزَّهِ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ - مِن كُلِّ الوُجُوهِ - عَلى المُحْتاجِ المُنْتَفِعِ المُتَضَرِّرِ قِياسٌ باطِلٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ القَوْلَ الباطِلَ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَرَفُوا صِحَّتَهُ بِالعَقْلِ أوْ بِالنَّقْلِ، أمّا إثْباتُهُ بِالعَقْلِ فَهو باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وأمّا إثْباتُهُ بِالنَّقْلِ فَهو أيْضًا باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ، والمَعْنى: أنَّهم [هَلْ] وجَدُوا ذَلِكَ الباطِلَ في كِتابٍ مُنَزَّلٍ قَبْلَ القُرْآنِ حَتّى جازَ لَهم أنْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، وأنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُهُ في مَعْرِضِ الإنْكارِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهم عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ البَتَّةَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم حامِلٌ يَحْمِلُهم عَلَيْهِ إلّا التَّقْلِيدُ المَحْضُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تَمَسُّكَ الجُهّالِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ أمْرٌ كانَ حاصِلًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”عَلى إمَّةٍ“ بِالكَسْرِ، وكِلْتاهُما مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، فالأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تُؤَمُّ، أيْ: تُقْصَدُ؛ كالرِّحْلَةِ لِلْمَرْحُولِ إلَيْهِ، والإمَّةُ الحالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآمُّ وهو القاصِدُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ إلّا هَذِهِ الآياتُ لَكَفَتْ في إبْطالِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا في إثْباتِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ لا بِطَرِيقٍ عَقْلِيٍّ، ولا بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الآباءِ والأسْلافِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ والتَّهْجِينِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَيْثُ العَقْلِ أنَّ التَّقْلِيدَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُبْطِلِ وبَيْنَ المُحِقِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما حَصَلَ لِهَذِهِ الطّائِفَةِ قَوْمٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَكَذَلِكَ حَصَلَ لِأضْدادِهِمْ أقْوامٌ مِنَ المُقَلِّدَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا إلى الحَقِّ لَوَجَبَ كَوْنُ الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الدّاعِيَ إلى القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ والحامِلَ عَلَيْهِ إنَّما هو حُبُّ التَّنْعِيمِ في طَيِّباتِ الدُّنْيا، وحُبُّ الكَسَلِ والبِطالَةِ، وبُغْضُ تَحَمُّلِ مَشاقِّ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، والمُتْرَفُونَ هُمُ الَّذِينَ أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ: أبْطَرَتْهم، فَلا يُحِبُّونَ إلّا الشَّهَواتِ والمَلاهِيَ، ويُبْغَضُونَ تَحَمُّلَ المَشاقِّ في طَلَبِ الحَقِّ، وإذا عَرَفْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ رَأْسَ جَمِيعِ الآفاتِ حُبُّ الدُّنْيا واللَّذّاتِ
صفحة ١٧٨
الجُسْمانِيَّةِ، ورَأْسَ جَمِيعِ الخَيْراتِ هو حُبُّ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَلِهَذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» .
ثُمَّ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ أيْ: بِدِينٍ أهْدى مِن دِينِ آبائِكم، فَعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا إنّا ثابِتُونَ عَلى دِينِ آبائِنا لا نَنْفَكُّ عَنْهُ وإنْ جِئْتَنا بِما هو أهْدى ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنْ كانَ أهْدى مِمّا كُنّا عَلَيْهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ تَهْدِيدُ الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الزخرف 43:26
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ داعٍ يَدْعُوهم إلى تِلْكَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ والأسْلافِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، وأنَّ الرُّجُوعَ إلى الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى التَّقْلِيدِ، أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ وجْهٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَبَرَّأ عَنْ دِينِ آبائِهِ بِناءً عَلى الدَّلِيلِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْلِيدُ الآباءِ في الأدْيانِ مُحَرَّمًا أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ مُحَرَّمًا فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ، وإنْ كانَ جائِزًا فَمَعْلُومٌ أنَّ أشْرَفَ آباءِ العَرَبِ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم فَخْرٌ ولا شَرَفٌ إلّا بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَقْلِيدُ هَذا الأبِ الَّذِي هو أشْرَفُ الآباءِ أوْلى مِن تَقْلِيدِ سائِرِ الآباءِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ تَقْلِيدَهُ أوْلى مِن تَقْلِيدِ غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَرَكَ دِينَ الآباءِ، وحَكَمَ بِأنَّ اتِّباعَ الدَّلِيلِ أوْلى مِن مُتابَعَةِ الآباءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْكِ تَقْلِيدِ الآباءِ ووَجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْجِيحِ الدَّلِيلِ عَلى التَّقْلِيدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ التَّقْلِيدِ يُوجِبُ المَنعَ مِنَ التَّقْلِيدِ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ باطِلًا، فَهَذا طَرِيقٌ رَقِيقٌ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ تَرْكَ التَّقْلِيدِ والرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ أوْلى في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ لا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ دِينَهُ ومَذْهَبَهُ باقِيًا في عَقِبِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا أدْيانُ آبائِهِ فَقَدِ انْدَرَسَتْ وبَطَلَتْ، فَثَبَتَ أنَّ الرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ يَبْقى مَحْمُودَ الأثَرِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ والإصْرارَ يَنْقَطِعُ أثَرُهُ ولا يَبْقى مِنهُ في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، فَثَبَتَ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ مُتابَعَةَ الدَّلِيلِ وتَرْكَ التَّقْلِيدِ أوْلى، فَهَذا بَيانُ المَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ١٧٩
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: ﴿بَراءٌ﴾ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، مِثْلَ عَدْلٍ ورِضا، وتَقُولُ العَرَبُ: أنا البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، ونَحْنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ، ولا يَقُولُونَ: البَراءانِ ولا البَراؤُونَ؛ لِأنَّ المَعْنى ذَوا البَراءِ وذَوُو البَراءِ، فَإنْ قُلْتَ بَرِيءٌ وخَلِيُّ ثَنَّيْتَ وجَمَعْتَ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والمَعْنى: أنا أتَبَرَّأُ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا“ بِمَعْنى ”لَكِنْ“، فَيَكُونُ المَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ، أيْ: سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُوَفِّقُنِي لِطاعَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ وحَكى عَنْهُ هَهُنا أنَّهُ قالَ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فَأجْمَعُ بَيْنَهُما وقُدِّرَ كَأنَّهُ قالَ: فَهو يَهْدِينِ وسَيَهْدِينِ، فَيَدُلّانِ عَلى اسْتِمْرارِ الهِدايَةِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿وجَعَلَها﴾ أيْ: وجَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها، وهي قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى (لا إلَهَ)، وقَوْلُهُ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ (إلّا اللَّهُ)، فَكانَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ جَعَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ باقِيَةً في عَقِبِهِ، أيْ: في ذُرِّيَّتِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن أشْرَكَ مِنهم يَرْجِعُ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ مِنهم، وقِيلَ: وجَعَلَها اللَّهُ، وقُرِئَ ”كَلِمَةً“ عَلى التَّخْفِيفِ وفي ”عَقِيبِهِ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم عَقِبُ إبْراهِيمَ، بِالمَدِّ في العُمُرِ والنِّعْمَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ واشْتَغَلُوا بِالتَّنَعُّمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بَيَّنَ الرِّسالَةَ وأوْضَحَها بِما مَعَهُ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، فَكَذَّبُوا بِهِ وسَمَّوْهُ ساحِرًا، وما جاءَ بِهِ سِحْرًا، وكَفَرُوا بِهِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا عَوَّلُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في الحُجَّةِ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ وإمْتاعِ اللَّهِ إيّاهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”مَتَّعْتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ ؟ قُلْنا: كَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اعْتَرَضَ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ مَتَّعْتُهم بِما مَتَّعْتُهم بِهِ مِن طُولِ العُمُرِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ حَتّى شَغَلَهم ذَلِكَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في تَعْيِيرِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا مَتَّعَهم بِزِيادَةِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا في زِيادَةِ الشُّكْرِ والثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، لا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، فَمِثالُهُ: أنْ يَشْكُوَ الرَّجُلُ إساءَةَ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: أنْتَ السَّبَبُ في ذَلِكَ بِمَعْرُوفِكَ وإحْسانِكَ إلَيْهِ، وغَرَضُهُ بِهَذا الكَلامِ تَوْبِيخُ المُسِيءِ، لا تَقْبِيحُ فِعْلِ نَفْسِهِ.
الزخرف 43:27
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ داعٍ يَدْعُوهم إلى تِلْكَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ والأسْلافِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، وأنَّ الرُّجُوعَ إلى الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى التَّقْلِيدِ، أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ وجْهٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَبَرَّأ عَنْ دِينِ آبائِهِ بِناءً عَلى الدَّلِيلِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْلِيدُ الآباءِ في الأدْيانِ مُحَرَّمًا أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ مُحَرَّمًا فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ، وإنْ كانَ جائِزًا فَمَعْلُومٌ أنَّ أشْرَفَ آباءِ العَرَبِ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم فَخْرٌ ولا شَرَفٌ إلّا بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَقْلِيدُ هَذا الأبِ الَّذِي هو أشْرَفُ الآباءِ أوْلى مِن تَقْلِيدِ سائِرِ الآباءِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ تَقْلِيدَهُ أوْلى مِن تَقْلِيدِ غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَرَكَ دِينَ الآباءِ، وحَكَمَ بِأنَّ اتِّباعَ الدَّلِيلِ أوْلى مِن مُتابَعَةِ الآباءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْكِ تَقْلِيدِ الآباءِ ووَجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْجِيحِ الدَّلِيلِ عَلى التَّقْلِيدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ التَّقْلِيدِ يُوجِبُ المَنعَ مِنَ التَّقْلِيدِ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ باطِلًا، فَهَذا طَرِيقٌ رَقِيقٌ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ تَرْكَ التَّقْلِيدِ والرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ أوْلى في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ لا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ دِينَهُ ومَذْهَبَهُ باقِيًا في عَقِبِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا أدْيانُ آبائِهِ فَقَدِ انْدَرَسَتْ وبَطَلَتْ، فَثَبَتَ أنَّ الرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ يَبْقى مَحْمُودَ الأثَرِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ والإصْرارَ يَنْقَطِعُ أثَرُهُ ولا يَبْقى مِنهُ في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، فَثَبَتَ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ مُتابَعَةَ الدَّلِيلِ وتَرْكَ التَّقْلِيدِ أوْلى، فَهَذا بَيانُ المَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ١٧٩
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: ﴿بَراءٌ﴾ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، مِثْلَ عَدْلٍ ورِضا، وتَقُولُ العَرَبُ: أنا البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، ونَحْنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ، ولا يَقُولُونَ: البَراءانِ ولا البَراؤُونَ؛ لِأنَّ المَعْنى ذَوا البَراءِ وذَوُو البَراءِ، فَإنْ قُلْتَ بَرِيءٌ وخَلِيُّ ثَنَّيْتَ وجَمَعْتَ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والمَعْنى: أنا أتَبَرَّأُ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا“ بِمَعْنى ”لَكِنْ“، فَيَكُونُ المَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ، أيْ: سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُوَفِّقُنِي لِطاعَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ وحَكى عَنْهُ هَهُنا أنَّهُ قالَ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فَأجْمَعُ بَيْنَهُما وقُدِّرَ كَأنَّهُ قالَ: فَهو يَهْدِينِ وسَيَهْدِينِ، فَيَدُلّانِ عَلى اسْتِمْرارِ الهِدايَةِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿وجَعَلَها﴾ أيْ: وجَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها، وهي قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى (لا إلَهَ)، وقَوْلُهُ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ (إلّا اللَّهُ)، فَكانَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ جَعَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ باقِيَةً في عَقِبِهِ، أيْ: في ذُرِّيَّتِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن أشْرَكَ مِنهم يَرْجِعُ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ مِنهم، وقِيلَ: وجَعَلَها اللَّهُ، وقُرِئَ ”كَلِمَةً“ عَلى التَّخْفِيفِ وفي ”عَقِيبِهِ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم عَقِبُ إبْراهِيمَ، بِالمَدِّ في العُمُرِ والنِّعْمَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ واشْتَغَلُوا بِالتَّنَعُّمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بَيَّنَ الرِّسالَةَ وأوْضَحَها بِما مَعَهُ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، فَكَذَّبُوا بِهِ وسَمَّوْهُ ساحِرًا، وما جاءَ بِهِ سِحْرًا، وكَفَرُوا بِهِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا عَوَّلُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في الحُجَّةِ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ وإمْتاعِ اللَّهِ إيّاهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”مَتَّعْتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ ؟ قُلْنا: كَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اعْتَرَضَ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ مَتَّعْتُهم بِما مَتَّعْتُهم بِهِ مِن طُولِ العُمُرِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ حَتّى شَغَلَهم ذَلِكَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في تَعْيِيرِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا مَتَّعَهم بِزِيادَةِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا في زِيادَةِ الشُّكْرِ والثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، لا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، فَمِثالُهُ: أنْ يَشْكُوَ الرَّجُلُ إساءَةَ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: أنْتَ السَّبَبُ في ذَلِكَ بِمَعْرُوفِكَ وإحْسانِكَ إلَيْهِ، وغَرَضُهُ بِهَذا الكَلامِ تَوْبِيخُ المُسِيءِ، لا تَقْبِيحُ فِعْلِ نَفْسِهِ.
الزخرف 43:28
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ داعٍ يَدْعُوهم إلى تِلْكَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ والأسْلافِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، وأنَّ الرُّجُوعَ إلى الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى التَّقْلِيدِ، أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ وجْهٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَبَرَّأ عَنْ دِينِ آبائِهِ بِناءً عَلى الدَّلِيلِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْلِيدُ الآباءِ في الأدْيانِ مُحَرَّمًا أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ مُحَرَّمًا فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ، وإنْ كانَ جائِزًا فَمَعْلُومٌ أنَّ أشْرَفَ آباءِ العَرَبِ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم فَخْرٌ ولا شَرَفٌ إلّا بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَقْلِيدُ هَذا الأبِ الَّذِي هو أشْرَفُ الآباءِ أوْلى مِن تَقْلِيدِ سائِرِ الآباءِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ تَقْلِيدَهُ أوْلى مِن تَقْلِيدِ غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَرَكَ دِينَ الآباءِ، وحَكَمَ بِأنَّ اتِّباعَ الدَّلِيلِ أوْلى مِن مُتابَعَةِ الآباءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْكِ تَقْلِيدِ الآباءِ ووَجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْجِيحِ الدَّلِيلِ عَلى التَّقْلِيدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ التَّقْلِيدِ يُوجِبُ المَنعَ مِنَ التَّقْلِيدِ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ باطِلًا، فَهَذا طَرِيقٌ رَقِيقٌ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ تَرْكَ التَّقْلِيدِ والرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ أوْلى في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ لا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ دِينَهُ ومَذْهَبَهُ باقِيًا في عَقِبِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا أدْيانُ آبائِهِ فَقَدِ انْدَرَسَتْ وبَطَلَتْ، فَثَبَتَ أنَّ الرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ يَبْقى مَحْمُودَ الأثَرِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ والإصْرارَ يَنْقَطِعُ أثَرُهُ ولا يَبْقى مِنهُ في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، فَثَبَتَ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ مُتابَعَةَ الدَّلِيلِ وتَرْكَ التَّقْلِيدِ أوْلى، فَهَذا بَيانُ المَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ١٧٩
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: ﴿بَراءٌ﴾ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، مِثْلَ عَدْلٍ ورِضا، وتَقُولُ العَرَبُ: أنا البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، ونَحْنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ، ولا يَقُولُونَ: البَراءانِ ولا البَراؤُونَ؛ لِأنَّ المَعْنى ذَوا البَراءِ وذَوُو البَراءِ، فَإنْ قُلْتَ بَرِيءٌ وخَلِيُّ ثَنَّيْتَ وجَمَعْتَ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والمَعْنى: أنا أتَبَرَّأُ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا“ بِمَعْنى ”لَكِنْ“، فَيَكُونُ المَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ، أيْ: سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُوَفِّقُنِي لِطاعَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ وحَكى عَنْهُ هَهُنا أنَّهُ قالَ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فَأجْمَعُ بَيْنَهُما وقُدِّرَ كَأنَّهُ قالَ: فَهو يَهْدِينِ وسَيَهْدِينِ، فَيَدُلّانِ عَلى اسْتِمْرارِ الهِدايَةِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿وجَعَلَها﴾ أيْ: وجَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها، وهي قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى (لا إلَهَ)، وقَوْلُهُ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ (إلّا اللَّهُ)، فَكانَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ جَعَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ باقِيَةً في عَقِبِهِ، أيْ: في ذُرِّيَّتِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن أشْرَكَ مِنهم يَرْجِعُ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ مِنهم، وقِيلَ: وجَعَلَها اللَّهُ، وقُرِئَ ”كَلِمَةً“ عَلى التَّخْفِيفِ وفي ”عَقِيبِهِ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم عَقِبُ إبْراهِيمَ، بِالمَدِّ في العُمُرِ والنِّعْمَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ واشْتَغَلُوا بِالتَّنَعُّمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بَيَّنَ الرِّسالَةَ وأوْضَحَها بِما مَعَهُ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، فَكَذَّبُوا بِهِ وسَمَّوْهُ ساحِرًا، وما جاءَ بِهِ سِحْرًا، وكَفَرُوا بِهِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا عَوَّلُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في الحُجَّةِ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ وإمْتاعِ اللَّهِ إيّاهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”مَتَّعْتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ ؟ قُلْنا: كَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اعْتَرَضَ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ مَتَّعْتُهم بِما مَتَّعْتُهم بِهِ مِن طُولِ العُمُرِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ حَتّى شَغَلَهم ذَلِكَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في تَعْيِيرِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا مَتَّعَهم بِزِيادَةِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا في زِيادَةِ الشُّكْرِ والثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، لا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، فَمِثالُهُ: أنْ يَشْكُوَ الرَّجُلُ إساءَةَ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: أنْتَ السَّبَبُ في ذَلِكَ بِمَعْرُوفِكَ وإحْسانِكَ إلَيْهِ، وغَرَضُهُ بِهَذا الكَلامِ تَوْبِيخُ المُسِيءِ، لا تَقْبِيحُ فِعْلِ نَفْسِهِ.