Lafzullah

Tafsir Al-Razi — الحديد 57:1 – المجادلة 58:22

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. الحديد 57:1
  2. الحديد 57:2
  3. الحديد 57:3
  4. الحديد 57:4
  5. الحديد 57:5
  6. الحديد 57:6
  7. الحديد 57:7
  8. الحديد 57:8
  9. الحديد 57:9
  10. الحديد 57:10
  11. الحديد 57:11
  12. الحديد 57:12
  13. الحديد 57:13
  14. الحديد 57:14
  15. الحديد 57:15
  16. الحديد 57:16
  17. الحديد 57:17
  18. الحديد 57:18
  19. الحديد 57:19
  20. الحديد 57:20
  21. الحديد 57:21
  22. الحديد 57:22
  23. الحديد 57:23
  24. الحديد 57:24
  25. الحديد 57:25
  26. الحديد 57:26
  27. الحديد 57:27
  28. الحديد 57:28
  29. الحديد 57:29
  30. المجادلة 58:1
  31. المجادلة 58:2
  32. المجادلة 58:3
  33. المجادلة 58:4
  34. المجادلة 58:5
  35. المجادلة 58:6
  36. المجادلة 58:7
  37. المجادلة 58:8
  38. المجادلة 58:9
  39. المجادلة 58:10
  40. المجادلة 58:11
  41. المجادلة 58:12
  42. المجادلة 58:13
  43. المجادلة 58:14
  44. المجادلة 58:15
  45. المجادلة 58:16
  46. المجادلة 58:17
  47. المجادلة 58:18
  48. المجادلة 58:19
  49. المجادلة 58:20
  50. المجادلة 58:21
  51. المجادلة 58:22

الحديد 57:1

صفحة ١٧٩ [ سُورَةُ الحَدِيدِ ] وهِيَ تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . ﷽ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: التَّسْبِيحُ تَبْعِيدُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السُّوءِ، وكَذا التَّقْدِيسُ مِن سَبَحَ في الماءِ وقَدَسَ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها وأبْعَدَ. واعْلَمْ أنَّ التَّسْبِيحَ عَنِ السُّوءِ يَدْخُلُ فِيهِ تَبْعِيدُ الذّاتِ عَنِ السُّوءِ، وتَبْعِيدُ الصِّفاتِ وتَبْعِيدُ الأفْعالِ، وتَبْعِيدُ الأسْماءِ وتَبْعِيدُ الأحْكامِ، أمّا في الذّاتِ: فَأنْ لا تَكُونَ مَحَلًّا لِلْإمْكانِ، فَإنَّ السُّوءَ هو العَدَمُ وإمْكانُهُ، ثُمَّ نَفْيُ الإمْكانِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الكَثْرَةِ، ونَفْيُها يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الجِسْمِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ، ونَفْيَ الضِّدِّ والنِّدِّ وحُصُولَ الوَحْدَةِ المُطْلَقَةِ. وأمّا في الصِّفاتِ: فَأنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الجَهْلِ بِأنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ويَكُونَ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وتَكُونَ صِفاتُهُ مُنَزَّهَةً عَنِ التَّغَيُّراتِ. وأمّا في الأفْعالِ: فَأنْ تَكُونَ فاعِلِيَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلى مادَّةٍ ومِثالٍ؛ لِأنَّ كُلَّ مادَّةٍ ومِثالٍ فَهو فِعْلُهُ، لِما بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَهو فِعْلُهُ، فَلَوِ افْتَقَرَتْ فاعِلِيَّتُهُ إلى مادَّةٍ ومِثالٍ، لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وغَيْرُ مَوْقُوفَةٍ عَلى زَمانٍ ومَكانٍ؛ لِأنَّ كُلَّ زَمانٍ فَهو مُرَكَّبٌ مِن أجْزاءٍ مُنْقَضِيَةٍ، فَيَكُونُ مُمْكِنًا، كُلُّ مَكانٍ فَهو يُعَدُّ مُمْكِنًا مُرَكَّبًا مِن أفْرادِ الأحْيازِ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُمْكِنًا ومُحْدَثًا، فَلَوِ افْتَقَرَتْ فاعِلِيَّتُهُ إلى زَمانٍ وإلى مَكانٍ، لافْتَقَرَتْ فاعِلِيَّةُ الزَّمانِ والمَكانِ إلى زَمانٍ ومَكانٍ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وغَيْرُ مَوْقُوفَةٍ عَلى جَلْبِ مَنفَعَةٍ، ولا دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وإلّا لَكانَ مُسْتَكْمَلًا بِغَيْرِهِ ناقِصًا في ذاتِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ. وأمّا في الأسْماءِ: فَكَما قالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] . وأمّا في الأحْكامِ: فَهو أنْ كُلَّ ما شَرَعَهُ فَهو مَصْلَحَةٌ وإحْسانٌ وخَيْرٌ، وأنَّ كَوْنَهُ فَضْلًا وخَيْرًا لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الإحْسانِ، وبِالجُمْلَةِ يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ مِن هَذا البابِ أنَّ حُكْمَهُ وتَكْلِيفَهُ لازِمٌ لِكُلِّ أحَدٍ، وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حُكْمٌ ولا تَكْلِيفٌ ولا يَجِبُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ أصْلًا، فَهَذا هو ضَبْطُ مَعاقِدِ التَّسْبِيحِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جاءَ في بَعْضِ الفَواتِحِ (سَبَّحَ) عَلى لَفْظِ الماضِي، وفي بَعْضِها عَلى لَفْظِ المُضارِعِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَ هَذِهِ الأشْياءِ مُسَبِّحَةً غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ، بَلْ هي كانَتْ مُسَبِّحَةً أبَدًا في صفحة ١٨٠ الماضِي، وتَكُونُ مُسَبِّحَةً أبَدًا في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَها مُسَبِّحَةً صِفَةٌ لازِمَةٌ لِماهِيّاتِها، فَيَسْتَحِيلُ انْفِكاكُ تِلْكَ الماهِيّاتِ عَنْ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذِهِ المُسَبَّحِيَّةَ صِفَةٌ لازِمَةٌ لِماهِيّاتِها؛ لِأنَّ كُلَّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى الواجِبِ، وكَوْنُ الواجِبِ واجِبًا يَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ المُسَبَّحِيَّةَ كانَتْ حاصِلَةً في الماضِي، وتَكُونُ حاصِلَةً في المُسْتَقْبَلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا الفِعْلُ تارَةً عُدِّيَ بِاللّامِ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ، وأُخْرى بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفتح: ٩] وأصْلُهُ التَّعَدِّي بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ مَعْنى سَبَّحْتُهُ أيْ بَعَّدْتُهُ عَنِ السُّوءِ، فاللّامُ إمّا أنْ تَكُونَ مِثْلَ اللّامِ في نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ، وإمّا أنْ يُرادَ يُسَبِّحُ لِلَّهِ أحْدَثَ التَّسْبِيحَ لِأجْلِ اللَّهِ وخالِصًا لِوَجْهِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: زَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ المُرادَ بِهَذا التَّسْبِيحِ، التَّسْبِيحُ الَّذِي هو القَوْلُ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ، هو دَلالَةَ آثارِ الصُّنْعِ عَلى الصّانِعِ لَكانُوا يَفْقَهُونَهُ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَلَوْ كانَ تَسْبِيحًا عِبارَةً عَنْ دَلالَةِ الصُّنْعِ عَلى الصّانِعِ لَما كانَ في ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ لِحُجَّتَيْنِ: أمّا الأُولى: فَلِأنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الأجْسامِ عَلى تَنْزِيهِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ مِن أدَقِّ الوُجُوهِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ العُقَلاءَ اخْتَلَفُوا فِيها، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ﴾ لَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى أقْوامٍ جَهِلُوا بِهَذِهِ الدَّلالَةِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ إشارَةٌ إنْ لَمْ يَكُنْ إشارَةً إلى جَمْعٍ مُعَيَّنٍ، فَهو خِطابٌ مَعَ الكُلِّ فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ هَؤُلاءِ ما فَقِهُوا ذَلِكَ، وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَفْقَهَهُ بَعْضُهم. وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: فَضَعِيفَةٌ لِأنَّ هُناكَ مِنَ المُحْتَمَلِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ حَياةً في الجَبَلِ حَتّى نَطَقَ بِالتَّسْبِيحِ، أمّا هَذِهِ الجَماداتُ الَّتِي تَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّها جَماداتٌ يَسْتَحِيلُ أنْ يُقالَ: إنَّها تُسَبِّحُ اللَّهَ عَلى سَبِيلِ النُّطْقِ بِذَلِكَ التَّسْبِيحِ، إذْ لَوْ جَوَّزْنا صُدُورَ الفِعْلِ المُحْكَمِ عَنِ الجَماداتِ لَما أمْكَنَنا أنْ نَسْتَدِلَّ بِأفْعالِ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِهِ عالِمًا حَيًّا، وذَلِكَ كُفْرٌ، بَلِ الحَقُّ أنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي هو القَوْلُ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ العاقِلِ العارِفِ بِاللَّهِ تَعالى، فَيَنْوِي بِذَلِكَ القَوْلِ تَنْزِيهَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يَصِحُّ مِنَ الجَماداتِ، فَإذا التَّسْبِيحُ العامُّ الحاصِلُ مِنَ العاقِلِ والجَمادِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِأحَدِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها تُسَبِّحُ بِمَعْنى أنَّها تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَنْزِيهِهِ. والثّانِي: أنَّ المُمْكِناتِ بِأسْرِها مُنْقادَةٌ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ يُرِيدُ لَيْسَ لَهُ عَنْ فِعْلِهِ وتَكْوِينِهِ مانِعٌ ولا دافِعٌ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، فَنَقُولُ: إنْ حَمَلْنا التَّسْبِيحَ المَذْكُورَ في الآيَةِ عَلى التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ، كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾ مَن في السَّماواتِ ومِنهم حَمَلَةُ العَرْشِ: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] ومِنهُمُ المُقَرَّبُونَ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١] وأمّا المُسَبِّحُونَ الَّذِينَ هم في الأرْضِ فَمِنهُمُ الأنْبِياءُ كَما قالَ ذُو النُّونِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقالَ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] والصَّحابَةُ يُسَبِّحُونَ كَما قالَ: ﴿سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وأمّا إنْ حَمَلْنا هَذا التَّسْبِيحَ عَلى التَّسْبِيحِ المَعْنَوِيِّ: فَأجْزاءُ السَّماواتِ وذَرّاتُ الأرْضِ والجِبالُ والرِّمالُ والبِحارُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ والجَنَّةُ والنّارُ والعَرْشُ والكُرْسِيُّ واللَّوْحُ والقَلَمُ والنُّورُ والظُّلْمَةُ والذَّواتُ والصِّفاتُ والأجْسامُ صفحة ١٨١ والأعْراضُ كُلُّها مُسَبِّحَةٌ خاشِعَةٌ خاضِعَةٌ لِجَلالِ اللَّهِ مُنْقادَةٌ لِتَصَرُّفِ اللَّهِ كَما قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وهَذا التَّسْبِيحُ هو المُرادُ بِالسُّجُودِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يُنازِعُهُ شَيْءٌ، فَهو إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والحَكِيمُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ العالِمُ الَّذِي لا يَحْتَجِبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ أوْ أنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ أفْعالَهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ، ولَمّا كانَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا مُتَقَدِّمًا عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا لا جَرَمَ قَدَّمَ العَزِيزَ عَلى الحَكِيمِ في الذِّكْرِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ إلّا هو؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُفِيدُ الحَصْرَ، يُقالُ: زَيْدٌ هو العالِمُ لا غَيْرُهُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الواحِدُ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِعَزِيزٍ ولا حَكِيمٍ وما لا يَكُونُ كَذَلِكَ لا يَكُونُ إلَهًا.

الحديد 57:2

واعْلَمْ أنَّ المَلِكَ الحَقَّ هو الَّذِي يَسْتَغْنِي في ذاتِهِ، وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ، ويَحْتاجُ كُلُّ ما عَداهُ إلَيْهِ في ذَواتِهِمْ وفي صِفاتِهِمْ، والمَوْصُوفُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَيْسَ إلّا هو سُبْحانَهُ. أمّا أنَّهُ مُسْتَغْنٍ في ذاتِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ فَلِأنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ في ذاتِهِ إلى الغَيْرِ؛ لَكانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ فَكانَ مُحْدَثًا، فَلَمْ يَكُنْ واجِبَ الوُجُودِ، وأمّا أنَّهُ مُسْتَغْنٍ في جَمِيعِ صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ، فَلِأنَّ كُلَّ ما يَفْرِضُ صِفَةٌ لَهُ، فَإمّا أنْ تَكُونَ هُوِيَّتَهُ سُبْحانَهُ كافِيَةً في تَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّفَةِ سَواءٌ كانَتِ الصِّفَةُ سَلْبًا أوْ إيجابًا أوْ لا تَكُونُ كافِيَةً في ذَلِكَ، فَإنْ كانَتْ هُوِيَّتَهُ كافِيَةً في ذَلِكَ مِن دَوامِ تِلْكَ الهُوِيَّةِ دَوامَ تِلْكَ الصِّفَةِ سَلْبًا كانَتِ الصِّفَةُ أوْ إيجابًا، وإنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ لَزِمَ الهُوِيَّةَ كافِيَةٌ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ تِلْكَ الهُوِيَّةُ مُمْتَنِعَةَ الِانْفِكاكِ عَنْ ثُبُوتِ تِلْكَ الصِّفَةِ وعَنْ سَلْبِها، ثُمَّ ثُبُوتُ تِلْكَ الصِّفَةِ وسَلْبُها، يَكُونُ مُتَوَقِّفًا عَلى ثُبُوتِ أمْرٍ آخَرَ وسَلْبِهِ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَهُوِيَّتُهُ سُبْحانَهُ تَكُونُ مَوْقُوفَةَ التَّحَقُّقِ عَلى تَحَقُّقِ عِلَّةِ ثُبُوتِ تِلْكَ الصِّفَةِ أوْ عِلَّةِ سَلْبِها، والمَوْقُوفُ عَلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ فَواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وهَذا خُلْفٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ لا في ذاتِهِ، ولا في شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ ولا الثُّبُوتِيَّةِ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما عَداهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ فَلِأنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن واحِدٍ والمُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، ولا واجِبَ إلّا هَذا الواحِدُ فَإذَنْ كُلُّ ما عَداهُ فَهو مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ سَواءٌ كانَ جَوْهَرًا أوْ عَرَضًا، وسَواءٌ كانَ الجَوْهَرُ رُوحانِيًّا أوْ جُسْمانِيًّا، وذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ العُقَلاءِ إلى أنَّ تَأْثِيرَ واجِبِ الوُجُودِ في إعْطاءِ الوُجُودِ لا في الماهِيّاتِ، فَواجِبُ الوُجُودِ يَجْعَلُ السَّوادَ مَوْجُودًا، أمّا أنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَجْعَلَ السَّوادَ سَوادًا، قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَوْنُ السَّوادِ سَوادًا بِالفاعِلِ، لَكانَ يَلْزَمُ مِن فَرْضِ عَدَمِ ذَلِكَ الفاعِلِ أنْ لا يَبْقى السَّوادُ سَوادًا وهَذا مُحالٌ، فَيُقالُ لَهم: يَلْزَمُكم عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ الوُجُودُ أيْضًا بِالفاعِلِ، وإلّا لَزِمَ مِن فَرْضِ عَدَمِ ذَلِكَ الفاعِلِ أنْ لا يَكُونَ الوُجُودُ وُجُودًا، فَإنْ قالُوا: تَأْثِيرُ الفاعِلِ لَيْسَ في الوُجُودِ بَلْ في جَعْلِ الماهِيَّةِ مَوْصُوفَةً بِالوُجُودِ، قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَوْصُوفِيَّةَ الماهِيَّةِ بِالوُجُودِ لَيْسَ أمْرًا ثُبُوتِيًّا، إذْ لَوْ صفحة ١٨٢ كانَ أمْرًا ثُبُوتِيًّا لَكانَتْ لَهُ ماهِيَّةٌ ووُجُودٌ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مَوْصُوفِيَّةُ تِلْكَ الماهِيَّةِ بِالوُجُودِ زائِدَةً عَلَيْهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ مَوْصُوفِيَّةُ الماهِيَّةِ بِالوُجُوهِ لَيْسَ أمْرًا ثُبُوتِيًّا، اسْتَحالَ أنْ يُقالَ: لا تَأْثِيرَ لِلْفاعِلِ في الماهِيَّةِ ولا في الوُجُودِ بَلْ تَأْثِيرُهُ في مَوْصُوفِيَّةِ الماهِيَّةِ بِالوُجُودِ. الثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ المَوْصُوفِيَّةُ أمْرًا ثُبُوتِيًّا، اسْتَحالَ أيْضًا جَعَلُها أثَرًا لِلْفاعِلِ، وإلّا لَزِمَ عِنْدَ فَرْضِ عَدَمِ ذَلِكَ الفاعِلِ أنْ تَبْقى المَوْصُوفِيَّةُ مَوْصُوفِيَّةً، فَظَهَرَ أنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرُوها لَوْ تَمَّتْ واسْتَقَرَّتْ يَلْزَمُ نَفْيُ التَّأْثِيرِ والمُؤَثِّرِ أصْلًا، بَلْ كَما أنَّ الماهِيّاتِ إنَّما صارَتْ مَوْجُودَةً بِتَأْثِيرِ واجِبِ الوُجُودِ، فَكَذا أيْضًا الماهِيّاتُ إنَّما صارَتْ ماهِيّاتٍ بِتَأْثِيرِ واجِبِ الوُجُودِ، وإذا لاحَتْ هَذِهِ الحَقائِقُ ظَهَرَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ صِدْقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَلْ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمالِ مُلْكِهِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ، بَلْ لا نِسْبَةَ لَهُ إلى كَمالِ مُلْكِهِ أصْلًا؛ لِأنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ مُلْكٌ مُتَناهٍ، وكَمالُ مُلْكِهِ غَيْرُ مُتَناهٍ، والمُتَناهِي لا نِسْبَةَ لَهُ البَتَّةَ إلى غَيْرِ المُتَناهِي، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ، وأكْثَرُ الخَلْقِ عُقُولُهم ضَعِيفَةٌ قَلَّما يُمْكِنُهُمُ التَّرَقِّيَ مِنَ المَحْسُوسِ إلى المَعْقُولِ. * ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ ذَكَرَ بَعْدَهُ دَلائِلَ الأنْفُسِ فَقالَ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُحْيِي الأمْواتَ لِلْبَعْثِ، ويُمِيتُ الأحْياءَ في الدُّنْيا. والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يُحْيِي النُّطَفَ فَيَجْعَلُها أشْخاصًا عُقَلاءَ فاهِمِينَ ناطِقِينَ، ويُمِيتُ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ وهو أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن تَخْصِيصِ الإحْياءِ والإماتَةِ بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ وبِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ، بَلْ مَعْناهُ أنَّهُ هو القادِرُ عَلى خَلْقِ الحَياةِ والمَوْتِ، كَما قالَ في سُورَةِ المُلْكِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] والمَقْصُودُ مِنهُ كَوْنُهُ سُبْحانَهُ هو المُنْفَرِدُ بِإيجادِ هاتَيْنِ الماهِيَّتَيْنِ عَلى الإطْلاقِ، لا يَمْنَعُهُ عَنْهُما مانِعٌ ولا يَرُدُّهُ عَنْهُما رادٌّ، وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِيهِ الوَجْهانِ اللَّذانِ ذَكَرَهُما المُفَسِّرُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَوْضِعُ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ رَفْعٌ عَلى مَعْنى هو يُحْيِي ويُمِيتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ حالَ كَوْنِهِ مُحْيِيًا ومُمِيتًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ أوَّلًا: ودَلائِلَ الأنْفُسِ ثانِيًا: ذَكَرَ لَفْظًا يَتَناوَلُ الكُلَّ فَقالَ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفَوائِدُ هَذِهِ الآيَةِ مَذْكُورَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ المُلْكِ.

الحديد 57:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: «إنَّهُ الأوَّلُ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ والآخِرُ لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ» واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقامَ مَقامٌ مَهِيبٌ غامِضٌ عَمِيقٌ، والبَحْثُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ تَقَدُّمَ صفحة ١٨٣ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ يُعْقَلُ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: التَّقَدُّمُ بِالتَّأْثِيرِ فَإنّا نَعْقِلُ أنَّ لِحَرَكَةِ الأُصْبُعِ تَقَدُّمًا عَلى حَرَكَةِ الخاتَمِ، والمُرادُ مِن هَذا التَّقَدُّمِ كَوْنُ المُتَقَدِّمِ مُؤَثِّرًا في المُتَأخِّرِ. وثانِيها: التَّقَدُّمُ بِالحاجَةِ لا بِالتَّأْثِيرِ، لِأنّا نَعْقِلُ احْتِياجَ الِاثْنَيْنِ إلى الواحِدِ وإنْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّ الواحِدَ لَيْسَ عِلَّةً لِلِاثْنَيْنِ. وثالِثُها: التَّقَدُّمُ بِالشَّرَفِ كَتَقَدُّمِ أبِي بَكْرٍ عَلى عُمَرَ. ورابِعُها: التَّقَدُّمُ بِالرُّتْبَةِ، وهو إمّا مِن مَبْدَأٍ مَحْسُوسٍ كَتَقَدُّمِ الإمامِ عَلى المَأْمُومِ، أوْ مِن مَبْدَأٍ مَعْقُولٍ، وذَلِكَ كَما إذا جَعَلْنا المَبْدَأ هو الجِنْسَ العالِيَ، فَإنَّهُ كُلَّما كانَ النَّوْعُ أشَدَّ تَسَفُّلًا كانَ أشَدَّ تَأخُّرًا، ولَوْ قَلَبْناهُ انْقَلَبَ الأمْرُ. وخامِسُها: التَّقَدُّمُ بِالزَّمانِ، وهو أنَّ المَوْجُودَ في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، مُتَقَدِّمٌ عَلى المَوْجُودِ في الزَّمانِ المُتَأخِّرِ، فَهَذا ما حَصَّلَهُ أرْبابُ العُقُولِ مِن أقْسامِ القَبْلِيَّةِ والتَّقَدُّمِ، وعِنْدِي أنَّ هَهُنا قِسْمًا سادِسًا، وهو مِثْلُ تَقَدُّمِ بَعْضِ أجْزاءِ الزَّمانِ عَلى البَعْضِ، فَإنَّ ذَلِكَ التَّقَدُّمَ لَيْسَ تَقَدُّمًا بِالزَّمانِ، وإلّا وجَبَ أنْ يَكُونَ الزَّمانُ مُحِيطًا بِزَمانٍ آخَرَ، ثُمَّ الكَلامُ في ذَلِكَ المُحِيطِ كالكَلامِ في المُحاطِ بِهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يُحِيطَ بِكُلِّ زَمانٍ زَمانٌ آخَرُ لا إلى نِهايَةٍ بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّها حاضِرَةً في هَذا الآنِ، فَلا يَكُونُ هَذا الآنُ الحاضِرُ واحِدًا، بَلْ يَكُونُ كُلُّ حاضِرٍ في حاضِرٍ آخَرَ لا إلى نِهايَةٍ وذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وأيْضًا فَلِأنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الآناتِ الحاضِرَةِ مُتَأخِّرٌ عَنْ مَجْمُوعِ الآناتِ الماضِيَةِ، فَلِمَجْمُوعِ الأزْمِنَةِ زَمانٌ آخَرُ مُحِيطٌ بِها لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ زَمانًا كانَ داخِلًا في مَجْمُوعِ الأزْمِنَةِ، فَإذًا ذَلِكَ الزَّمانُ داخِلٌ في ذَلِكَ المَجْمُوعِ وخارِجٌ عَنْهُ وهو مُحالٌ، فَظَهَرَ بِهَذا البُرْهانِ الظّاهِرِ أنَّ تَقَدُّمَ بَعْضِ أجْزاءِ الزَّمانِ عَلى البَعْضِ لَيْسَ بِالزَّمانِ، وظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ بِالعِلَّةِ ولا بِالحاجَةِ، وإلّا لَوُجِدا مَعًا، كَما أنَّ العِلَّةَ والمَعْلُولَ يُوجِدانِ مَعًا، والواحِدَ والِاثْنَيْنِ يُوجِدانِ مَعًا، ولَيْسَ أيْضًا بِالشَّرَفِ ولا بِالمَكانِ، فَثَبَتَ أنَّ تَقَدُّمَ بَعْضِ أجْزاءِ الزَّمانِ عَلى البَعْضِ قِسْمٌ سادِسٌ غَيْرُ الأقْسامِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى أوَّلٌ لِكُلِّ ما عَداهُ، والبُرْهانُ دَلَّ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى، لِأنّا نَقُولُ: كُلُّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ، فَكُلُّ ما عَدا الواجِبَ فَهو مُحْدَثٌ، وذَلِكَ الواجِبُ أوَّلٌ لِكُلِّ ما عَداهُ، إنَّما قُلْنا: أنَّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ وُجِدَ شَيْئانِ واجِبانِ لِذاتِهِما لاشْتَرَكا في الواجِبِ الذّاتِيِّ، ولَتَبايَنا بِالتَّعَيُّنِ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، ثُمَّ كَلُّ واحِدٍ مِن جُزْأيْهِ إنْ كانَ واجِبًا فَقَدِ اشْتَرَكَ الجُزْآنِ في الوُجُوبِ وتَبايَنا بِالخُصُوصِيَّةِ، فَيَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الجُزْأيْنِ أيْضًا مُرَكَّبًا ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَكُونا واجِبَيْنِ أوْ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما واجِبًا، كانَ الكُلُّ المُتَقَوِّمُ بِهِ أوْلى بِأنْ لا يَكُونَ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَدا الواجِبَ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ مُفْتَقِرٌ إلى المُؤَثِّرِ، وذَلِكَ الِافْتِقارُ إمّا حالَ الوُجُودِ أوْ حالَ العَدَمِ، فَإذا كانَ حالَ الوُجُودِ، فَإمّا حالَ البَقاءِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي إيجادَ المَوْجُودِ وتَحْصِيلَ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، فَإنَّ تِلْكَ الحاجَةَ إمّا حالَ الحُدُوثِ أوْ حالَ العَدَمِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثًا، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَدا ذَلِكَ الواجِبَ فَهو مُحْدَثٌ مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ الواجِبِ، فَإذًا ذَلِكَ الواجِبُ يَكُونُ قَبْلَ كُلِّ ما عَداهُ، ثُمَّ طَلَبَ العَقْلُ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ القَبْلِيَّةِ فَقُلْنا: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القَبْلِيَّةُ بِالتَّأْثِيرِ؛ لِأنَّ المُؤَثِّرَ مِن حَيْثُ هو مُؤَثِّرٌ مُضافٌ إلى الأثَرِ مِن حَيْثُ هو أثَرٌ والمُضافانِ مَعًا، والمَعُ لا يَكُونُ قَبْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِمُجَرَّدِ الحاجَةِ؛ لِأنَّ المُحْتاجَ والمُحْتاجَ إلَيْهِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُوجِدا مَعًا، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ تِلْكَ المَعِيَّةَ هَهُنا مُمْتَنِعَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِمَحْضِ الشَّرَفِ فَإنَّهُ لَيْسَ المَطْلُوبُ مِن هَذِهِ القَبْلِيَّةِ هَهُنا مُجَرَّدَ أنَّهُ تَعالى أشْرَفُ مِنَ المُمْكِناتِ، وأمّا القَبْلِيَّةُ المَكانِيَّةُ فَباطِلَةٌ، وبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِها فَتَقَدُّمُ المُحْدِثِ عَلى صفحة ١٨٤ المُحْدَثِ أمْرٌ زائِدٌ آخَرُ وراءَ كَوْنِ أحَدِهِما فَوْقَ الآخَرِ بِالجِهَةِ، وأمّا التَّقَدُّمُ الزَّمانِيُّ فَباطِلٌ؛ لِأنَّ الزَّمانَ أيْضًا مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِما بَيَّنّا أنَّ واجِبَ الوُجُودِ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن واحِدٍ، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ أمارَةَ الإمْكانِ والحُدُوثِ فِيهِ أظْهَرُ كَما في غَيْرِهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ أجْزائِهِ مُتَعاقِبَةٌ، وكُلُّ ما وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ وعُدِمَ بَعْدَ الوُجُودِ فَلا شَكَّ أنَّهُ مُمْكِنُ المُحْدِثِ، وإذا كانَ جَمِيعُ أجْزاءِ الزَّمانِ مُمْكِنًا ومُحْدَثًا والكُلُّ مُتَقَوِّمٌ بِالأجْزاءِ فالمُفْتَقِرُ إلى المُمْكِنِ المُحْدَثِ أوْلى بِالإمْكانِ والحُدُوثِ، فَإذَنِ الزَّمانُ بِمَجْمُوعِهِ وبِأجْزائِهِ مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ، فَتَقَدُّمُ مُوجِدِهِ عَلَيْهِ لا يَكُونُ بِالزَّمانِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ عَلى جَمِيعِ الأزْمِنَةِ لا يَكُونُ بِالزَّمانِ، وإلّا فَيَلْزَمُ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَكُونَ داخِلًا في مَجْمُوعِ الأزْمِنَةِ؛ لِأنَّهُ زَمانٌ، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْها؛ لِأنَّهُ ظَرْفُها، والظَّرْفُ مُغايِرٌ لِلْمَظْرُوفِ لا مُحالٌ، لَكِنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ الواحِدِ داخِلًا في شَيْءٍ وخارِجًا عَنْهُ مُحالٌ، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ الزَّمانَ ماهِيَّتُهُ تَقْتَضِي السَّيَلانَ والتَّجَدُّدَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ والأزَلُ يُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ تَقَدُّمَ الصّانِعِ عَلى كُلِّ ما عَداهُ لَيْسَ بِالزَّمانِ البَتَّةَ، فَإذَنِ الَّذِي عِنْدَ العَقْلِ أنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلى كُلِّ ما عَداهُ، أنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ التَّقَدُّمَ عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الخَمْسَةِ، فَبَقِيَ أنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ التَّقَدُّمِ يُغايِرُ هَذِهِ الأقْسامَ الخَمْسَةَ، فَأمّا كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ التَّقَدُّمِ فَلَيْسَ عِنْدَ العَقْلِ مِنها خَبَرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما يَخْطُرُ بِبالِ العَقْلِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَقْتَرِنَ بِهِ حالٌ مِنَ الزَّمانِ، وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَإذَنْ كَوْنُهُ تَعالى أوَّلًا مَعْلُومٌ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، فَأمّا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ والإحاطَةِ بِحَقِيقَةِ تِلْكَ الأوَّلِيَّةِ، فَلَيْسَ عِنْدَ عُقُولِ الخَلْقِ مِنهُ أثَرٌ. النَّوْعُ الثّانِي: مِن غَوامِضِ هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّ الأزَلَ مُتَقَدِّمٌ عَلى اللّا يَزالُ، ولَيْسَ الأزَلُ شَيْئًا سِوى الحَقِّ، فَتَقَدُّمُ الأزَلِ عَلى اللّا يَزالُ، يَسْتَدْعِي الِامْتِيازَ بَيْنَ الأزَلِ وبَيْنَ اللّا يَزالُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اللّا يَزالُ لَهُ مَبْدَأٌ وطَرَفٌ، حَتّى يَحْصُلَ هَذا الِامْتِيازُ، لَكِنَّ فَرْضَ هَذا الطَّرَفِ مُحالٌ؛ لِأنَّ كُلَّ مَبْدَأٍ فَرَضْتَهُ، فَإنَّ اللّا يَزالُ، كانَ حاصِلًا قَبْلَهُ؛ لِأنَّ المَبْدَأ الَّذِي يُفْرَضُ قَبْلَ ذَلِكَ الطَّرَفِ المَفْرُوضِ بِزِيادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ، يَكُونُ مِن جُمْلَةِ اللّا يَزالُ، لا مِن جُمْلَةِ الأزَلِ، فَقَدْ كانَ مَعْنى اللّا يَزالُ مَوْجُودًا قَبْلَ أنْ كانَ مَوْجُودًا وذَلِكَ مُحالٌ. النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن غَوامِضِ هَذا المَوْضُوعِ، أنَّ امْتِيازَ الأزَلِ عَنِ اللّا يَزالُ، يَسْتَدْعِي انْقِضاءَ حَقِيقَةِ الأزَلِ، وانْقِضاءُ حَقِيقَةِ الأزَلِ مُحالٌ؛ لِأنَّ ما لا أوَّلَ لَهُ يَمْتَنِعُ انْقِضاؤُهُ، وإذا امْتَنَعَ انْقِضاؤُهُ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ ماهِيَّةُ اللّا يَزالُ، فَإذَنْ يَمْتَنِعُ امْتِيازُ الأزَلِ عَنِ اللّا يَزالُ، وامْتِيازُ اللّا يَزالُ عَنِ الأزَلِ، وإذا امْتَنَعَ حُصُولُ هَذا الِامْتِيازِ امْتَنَعَ حُصُولُ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، فَهَذِهِ أبْحاثٌ غامِضَةٌ في حَقِيقَةِ التَّقَدُّمِ والأوَّلِيَّةِ والأزَلِيَّةِ، وما هي إلّا بِسَبَبِ حَيْرَةِ العُقُولِ البَشَرِيَّةِ في نُورِ جَلالِ ماهِيَّةِ الأزَلِيَّةِ والأوَّلِيَّةِ، فَإنَّ العَقْلَ إنَّما يَعْرِفُ الشَّيْءَ إذا أحاطَ بِهِ، وكُلُّ ما اسْتَحْضَرَهُ العَقْلُ ووَقَفَ عَلَيْهِ فَذاكَ يَصِيرُ مُحاطًا بِهِ، والمُحاطُ يَكُونُ مُتَناهِيًا، والأزَلِيَّةُ تَكُونُ خارِجَةً عَنْهُ، فَهو سُبْحانُهُ ظاهِرٌ باطِنٌ في كَوْنِهِ أوَّلًا؛ لِأنَّ العُقُولَ شاهِدَةٌ بِإسْنادِ المُحْدَثاتِ إلى مُوجِدٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْها فَكَوْنُهُ تَعالى أوَّلًا أظْهَرُ مِن كُلِّ ظاهِرٍ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ثُمَّ إذا أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ حَقِيقَةَ تِلْكَ الأوَّلِيَّةِ عَجَزْتَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أحاطَ بِهِ عَقْلُكَ وعِلْمُكَ فَهو مَحْدُودُ عَقْلِكَ ومُحاطُ عِلْمِكَ، فَيَكُونُ مُتَناهِيًا، فَتَكُونُ الأوَّلِيَّةُ خارِجَةً عَنّا، فَكَوْنُهُ تَعالى أوَّلًا إذا اعْتَبَرْتَهُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ كانَ أبْطَنَ مِن كُلِّ باطِنٍ، فَهَذا هو البَحْثُ عَنْ كَوْنِهِ تَعالى أوَّلًا. أمّا البَحْثُ عَنْ كَوْنِهِ آخِرًا، فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا مُحالٌ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَكُونُ آخِرًا لِكُلِّ ما عَداهُ، لَوْ بَقِيَ هو مَعَ عَدَمِ كُلِّ ما عَداهُ لَكِنَّ عَدَمَ ما عَداهُ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِهِ، وتِلْكَ البَعْدِيَّةُ، زَمانِيَّةٌ، فَإذَنْ لا يُمْكِنُ صفحة ١٨٥ فَرْضُ عَدَمِ كُلِّ ما عَداهُ إلّا مَعَ وُجُودِ الزَّمانِ الَّذِي بِهِ تَتَحَقَّقُ تِلْكَ البَعْدِيَّةُ، فَإذَنْ حالُ ما فُرِضَ عَدَمُ كُلِّ ما عَداهُ، أنْ لا يُعْدَمَ كُلُّ ما عَداهُ، فَهَذا خُلْفٌ، فَإذَنْ فَرْضُ بَقائِهِ مَعَ عَدَمِ كُلِّ ما عَداهُ مُحالٌ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ مَبْنِيَّةٌ أيْضًا عَلى أنَّ التَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ لا يَتَقَرَّرانِ إلّا بِالزَّمانِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى فَسادِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ فَبَطَلَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ، وأمّا الَّذِينَ سَلَّمُوا إمْكانَ عَدَمِ كُلِّ ما عَداهُ مَعَ بَقائِهِ، فَمِنهم مَن أوْجَبَ ذَلِكَ حَتّى يَتَقَرَّرَ كَوْنُهُ تَعالى آخِرًا لِلْكُلِّ، وهَذا مَذْهَبُ جَهْمٍ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ الثَّوابَ إلى أهْلِ الثَّوابِ، ويُوصِلُ العِقابَ إلى أهْلِ العِقابِ، ثُمَّ يُفْنِي الجَنَّةَ وأهْلَها، والنّارَ وأهْلَها، والعَرْشَ والكُرْسِيَّ والمَلَكَ والفَلَكَ، ولا يَبْقى مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ أصْلًا، فَكَما أنَّهُ كانَ مَوْجُودًا في الأزَلِ ولا شَيْءَ يَبْقى مَوْجُودًا في اللّا يَزالُ أبَدَ الآبادِ ولا شَيْءَ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ هو الآخِرُ، يَكُونُ آخِرًا إلّا عِنْدَ فَناءِ الكُلِّ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ عالِمًا بِعَدَدِ حَرَكاتِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، أوْ لا يَكُونُ عالِمًا بِها، فَإنْ كانَ عالِمًا بِها كانَ عالِمًا بِكَمِّيَّتِها، وكُلُّ ما لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ فَهو مُتَناهٍ، فَإذَنْ حَرَكاتُ أهْلِ الجَنَّةِ مُتَناهِيَةٌ، فَإذَنْ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ بَعْدَها عَدَمٌ أبَدِيٌّ غَيْرُ مُنْقَضٍّ وإذا لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِها كانَ جاهِلًا بِها، والجَهْلُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ. وثالِثُها: أنَّ الحَوادِثَ المُسْتَقْبَلَةَ قابِلَةٌ لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُتَناهٍ. والجَوابُ: أنَّ إمْكانَ اسْتِمْرارِ هَذِهِ الأشْياءِ حاصِلٌ إلى الأبَدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هو أنَّ هَذِهِ الماهِيّاتِ لَوْ زالَتْ إمْكاناتُها، لَزِمَ أنْ يَنْقَلِبَ المُمْكِنُ لِذاتِهِ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ، ولَوِ انْقَلَبَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ مِن صَلاحِيَّةِ التَّأْثِيرِ إلى امْتِناعِ التَّأْثِيرِ، لانْقَلَبَتِ الماهِيّاتُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى هَذا الإمْكانُ أبَدًا، فَإذَنْ ثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ انْتِهاءُ هَذِهِ المُحْدَثاتِ إلى العَدَمِ الصِّرْفِ، أمّا التَّمَسُّكُ بِالآيَةِ فَسَنَذْكُرُ الجَوابَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: فَجَوابُها أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ لَها عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، وهَذا لا يَكُونُ جَهْلًا، إنَّما الجَهْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ ولا يَعْلَمُهُ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ وأنْتَ تَعْلَمُهُ عَلى الوَجْهِ فَهَذا لا يَكُونُ جَهْلًا بَلْ عِلْمًا. وأمّا الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: فَجَوابُها أنَّ الخارِجَ مِنهُ إلى الوُجُودِ أبَدًا لا يَكُونُ مُتَناهِيًا، ثُمَّ إنَّ المُتَكَلِّمِينَ لَمّا أثْبَتُوا إمْكانَ بَقاءِ العالَمِ أبَدًا عَوَّلُوا في بَقاءِ الجَنَّةِ والنّارِ أبَدًا، عَلى إجْماعِ المُسْلِمِينَ وظَواهِرِ الآياتِ، ولا يَخْفى تَقْرِيرُها، وأمّا جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ سَلَّمُوا بَقاءَ الجَنَّةِ والنّارِ أبَدًا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا في مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى آخِرًا عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى يُفْنِي جَمِيعَ العالَمِ والمُمْكِناتِ فَيَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ آخِرًا، ثُمَّ إنَّهُ يُوجِدُها ويُبْقِيها أبَدًا. وثانِيها: أنَّ المَوْجُودَ الَّذِي يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يَكُونَ آخِرًا لِكُلِّ الأشْياءِ لَيْسَ إلّا هو، فَلَمّا كانَتْ صِحَّةُ آخِرِيَّةِ كُلِّ الأشْياءِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ سُبْحانَهُ، لا جَرَمَ وُصِفَ بِكَوْنِهِ آخِرًا. وثالِثُها: أنَّ الوُجُودَ مِنهُ تَعالى يَبْتَدِئُ، ولا يَزالُ يَنْزِلُ ويَنْزِلُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى المَوْجُودِ الأخِيرِ، الَّذِي يَكُونُ هو مُسَبِّبًا لِكُلِّ ما عَداهُ، ولا يَكُونُ سَبَبًا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ يَكُونُ الحَقُّ سُبْحانَهُ أوَّلًا، ثُمَّ إذا انْتَهى أخَذَ يَتَرَقّى مِن هَذا المَوْجُودِ الأخِيرِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتّى يَنْتَهِيَ إلى آخِرِ التَّرَقِّي، فَهُناكَ وُجُودُ الحَقِّ سُبْحانَهُ، فَهو سُبْحانُهُ أوَّلٌ في نُزُولِ الوُجُودِ مِنهُ إلى المُمْكِناتِ، آخِرٌ عِنْدَ الصُّعُودِ مِنَ المُمْكِناتِ إلَيْهِ. ورابِعُها: أنَّهُ يُمِيتُ الخَلْقَ ويَبْقى بَعْدَهم، فَهو سُبْحانُهُ آخِرٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ. وخامِسُها: أنَّهُ أوَّلٌ في الوُجُودِ وآخِرٌ في الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ الِاسْتِدْلالاتِ مَعْرِفَةُ الصّانِعِ، وأمّا سائِرُ الِاسْتِدْلالاتِ الَّتِي لا يُرادُ مِنها مَعْرِفَةُ الصّانِعِ فَهي حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ، أمّا كَوْنُهُ تَعالى ظاهِرًا وباطِنًا، فاعْلَمْ أنَّهُ ظاهِرٌ بِحَسَبِ الوُجُودِ، فَإنَّكَ لا تَرى شَيْئًا مِنَ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ إلّا ويَكُونُ دَلِيلًا عَلى وُجُودِهِ وثُبُوتِهِ وحَقِيقَتِهِ وبَراءَتِهِ عَنْ جِهاتِ التَّغَيُّرِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وأمّا كَوْنُهُ تَعالى باطِنًا فَمِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَمالَ كَوْنِهِ ظاهِرًا سَبَبٌ لِكَوْنِهِ باطِنًا، فَإنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ لَوْ دامَتْ عَلى الفَلَكِ لَما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ هَذا الضَّوْءَ صفحة ١٨٦ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِها، بَلْ رُبَّما كُنّا نَظُنُّ أنَّ الأشْياءَ مُضِيئَةٌ لِذَواتِها إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ بِحَيْثُ تَغْرُبُ ثُمَّ تَرى أنَّها مَتى غَرَبَتْ أُبْطِلَتِ الأنْوارُ وزالَتِ الأضْواءُ عَنْ هَذا العالَمِ، عَلِمْنا حِينَئِذٍ أنَّ هَذِهِ الأضْواءَ مِنَ الشَّمْسِ، فَهَهُنا لَوْ أمْكَنَ انْقِطاعُ وُجُودِ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ المُمْكِناتِ لَظَهَرَ حِينَئِذٍ أنَّ وُجُودَ هَذِهِ المُمْكِناتِ مِن وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّهُ لَمّا دامَ ذَلِكَ الجُودُ ولَمْ يَنْقَطِعْ صارَ دَوامُهُ وكَمالُهُ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ، حَتّى إنَّهُ رُبَّما يَظُنُّ أنَّ نُورَ الوُجُودِ لَيْسَ مِنهُ بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ مِن ذاتِهِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الِاسْتِتارَ إنَّما وقَعَ مِن كَمالِ وجُودِهِ، ومِن دَوامِ جُودِهِ، فَسُبْحانَ مَنِ اخْتَفى عَنِ العُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، واحْتَجَبَ عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ماهِيَّتَهُ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ البَتَّةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الإنْسانَ لا يَتَصَوَّرُ ماهِيَّةَ الشَّيْءِ إلّا إذا أدْرَكَهُ مِن نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ الوِجْدانِ كالألَمِ واللَّذَّةِ وغَيْرِهِما أوْ أدْرَكَهُ بِحِسِّهِ كالألْوانِ والطُّعُومِ وسائِرِ المَحْسُوساتِ، فَأمّا ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَيَتَعَذَّرُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَتَصَوَّرَ ماهِيَّتَهُ البَتَّةَ، وهُوِيَّتَهُ المَخْصُوصَةَ جَلَّ جَلالُهُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا تَكُونُ مَعْقُولَةً لِلْبَشَرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ المَعْلُومَ مِنهُ عِنْدَ الخَلْقِ، إمّا الوُجُودُ وإمّا السُّلُوبُ، وهو أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ، وإمّا الإضافَةُ، وهو أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا، والحَقِيقَةُ المَخْصُوصَةُ مُغايِرَةٌ لِهَذِهِ الأُمُورِ فَهي غَيْرُ مَعْقُولَةٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ أظْهَرَ الأشْياءِ مِنهُ عِنْدَ العَقْلِ كَوْنُهُ خالِقًا لِهَذِهِ المَخْلُوقاتِ، ومُتَقَدِّمًا عَلَيْها، وقَدْ عَرَفْتَ حَيْرَةَ العَقْلِ ودَهْشَتَهُ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأوَّلِيَّةِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِما قَدَّمْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الأوَّلُ وهو الآخِرُ، وهو الظّاهِرُ وهو الباطِنُ، وسَمِعْتُ والِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ كانَ يُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أقْبَلَ المُشْرِكُونَ نَحْوَ البَيْتِ وسَجَدُوا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ في إثْباتِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ قالُوا الأوَّلُ هو الفَرْدُ السّابِقُ، ولِهَذا المَعْنى لَوْ قالَ: أوَّلُ مَمْلُوكٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهو حُرٌّ، ثُمَّ اشْتَرى عَبْدَيْنِ لَمْ يُعْتَقا؛ لِأنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ أوَّلًا حُصُولُ الفَرْدِيَّةِ، وهَهُنا لَمْ تَحْصُلْ، فَلَوِ اشْتَرى بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدًا واحِدًا لَمْ يُعْتِقْ؛ لِأنَّ شَرْطَ الأوَّلِيَّةِ كَوْنُهُ سابِقًا وهَهُنا لَمْ يَحْصُلْ، فَثَبَتَ أنَّ الشَّرْطَ في كَوْنِهِ أوَّلًا أنْ يَكُونَ فَرْدًا، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ صانِعَ العالَمِ فَرَدٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّهُ أوَّلٌ لِأنَّهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وإنَّهُ آخِرٌ لِأنَّهُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، وإنَّهُ ظاهِرٌ بِحَسَبِ الدَّلائِلِ، وإنَّهُ باطِنٌ عَنِ الحَواسِّ مُحْتَجِبٌ عَنِ الأبْصارِ، وأنَّ جَماعَةً لَمّا عَجَزُوا عَنْ جَوابِ جَهْمٍ قالُوا: مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ: فُلانٌ هو أوَّلُ هَذا الأمْرِ وآخِرُهُ وظاهِرُهُ وباطِنُهُ، أيْ عَلَيْهِ يَدُورُ، وبِهِ يَتِمُّ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أمْكَنَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها مَعَ أنَّهُ يَسْقُطُ بِها اسْتِدْلالُ جَهْمٍ لَمْ يَكُنْ بِنا إلى حَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذا المَجازِ حاجَةٌ، وذَكَرُوا في الظّاهِرِ والباطِنِ أنَّ الظّاهِرَ هو الغالِبُ العالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أيْ غالِبِينَ عالِينَ، مِن قَوْلِكَ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ أيْ عَلَوْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: «وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ» وأمّا الباطِنُ فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ العالِمُ بِما بَطَنَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ يَظُنُّ أمْرَ فُلانٍ، أيْ يَعْلَمُ أحْوالَهُ الباطِنَةَ قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أنْتَ أبْطَنُ بِهَذا الأمْرِ مِن فُلانٍ، أيْ أخْبَرُ بِباطِنِهِ، فَمَعْنى كَوْنِهِ باطِنًا، كَوْنُهُ عالِمًا بِبَواطِنِ الأُمُورِ، وهَذا التَّفْسِيرُ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَكُونُ تَكْرارًا. أمّا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أحَدًا لا يُحِيطُ بِهِ ولا يَصِلُ إلى صفحة ١٨٧ أسْرارِهِ، وإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ غَيْرِهِ، ونَظِيرُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] .

الحديد 57:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في الأعْرافِ والمَقْصُودُ مِنهُ دَلائِلُ القُدْرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ وهو مُفَسَّرٌ في سَبَأٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ كَمالُ العِلْمِ، وإنَّما قَدَّمَ وصْفَ القُدْرَةِ عَلى وصْفِ العِلْمِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا قَبْلَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ولِذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ، هو العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ هو العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالعِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَدا الواجِبِ الحَقِّ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَوُجُودُهُ مِنَ الواجِبِ، فَإذَنْ وصُولُ الماهِيَّةِ المُمْكِنَةِ إلى وُجُودِها بِواسِطَةِ إفادَةِ الواجِبِ الحَقِّ ذَلِكَ الوُجُودَ لِتِلْكَ الماهِيَّةِ فالحَقُّ سُبْحانَهُ هو المُتَوَسِّطُ بَيْنَ كُلِّ ماهِيَّةٍ وبَيْنَ وُجُودِها، فَهو إلى كُلِّ ماهِيَّةٍ أقْرَبُ مِن وُجُودِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، ومِن هَذا السِّرِّ قالَ المُحَقِّقُونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، وقالَ المُتَوَسِّطُونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ مَعَهُ، وقالَ الظّاهِرِيُّونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ بَعْدَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الدَّقائِقَ الَّتِي أظْهَرْناها في هَذِهِ المَواضِعِ لَها دَرَجَتانِ: إحْداهُما: أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلَيْها بِمُقْتَضى الفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ والتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ. والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَتَّفِقَ لِنَفْسِ الإنْسانِ قُوَّةٌ ذَوْقِيَّةٌ وحالَةٌ وِجْدانِيَّةٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْها، وتَكُونُ نِسْبَةُ الإدْراكِ مَعَ الذَّوْقِ إلى الإدْراكِ لا مَعَ الذَّوْقِ، كَنِسْبَةِ مَن يَأْكُلُ السُّكَّرَ إلى مَن يَصِفُ حَلاوَتَهُ بِلِسانِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذِهِ المَعِيَّةُ إمّا بِالعِلْمِ وإمّا بِالحِفْظِ والحِراسَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَعَنا بِالمَكانِ والجِهَةِ والحَيِّزِ، فَإذَنْ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وإذا جَوَّزْنا التَّأْوِيلَ في مَوْضِعٍ وجَبَ تَجْوِيزُهُ في سائِرِ المَواضِعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ تَرْتِيبًا عَجِيبًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحديد: ٣] كَوْنَهُ إلَهًا لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعَرْشِ والسَّماواتِ والأرَضِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ مَعِيَّتَهُ لَنا بِسَبَبِ القُدْرَةِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وبِسَبَبِ العِلْمِ وهو كَوْنُهُ عالَمًا بِظَواهِرِنا وبَواطِنِنا، فَتَأمَّلْ في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّرْتِيبِ، ثُمَّ تَأمَّلْ في ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ فَإنَّ فِيها أسْرارًا عَجِيبَةً وتَنْبِيهاتٍ عَلى أُمُورٍ عالِيَةٍ.

الحديد 57:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في الأعْرافِ والمَقْصُودُ مِنهُ دَلائِلُ القُدْرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ وهو مُفَسَّرٌ في سَبَأٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ كَمالُ العِلْمِ، وإنَّما قَدَّمَ وصْفَ القُدْرَةِ عَلى وصْفِ العِلْمِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا قَبْلَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ولِذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ، هو العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ هو العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالعِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَدا الواجِبِ الحَقِّ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَوُجُودُهُ مِنَ الواجِبِ، فَإذَنْ وصُولُ الماهِيَّةِ المُمْكِنَةِ إلى وُجُودِها بِواسِطَةِ إفادَةِ الواجِبِ الحَقِّ ذَلِكَ الوُجُودَ لِتِلْكَ الماهِيَّةِ فالحَقُّ سُبْحانَهُ هو المُتَوَسِّطُ بَيْنَ كُلِّ ماهِيَّةٍ وبَيْنَ وُجُودِها، فَهو إلى كُلِّ ماهِيَّةٍ أقْرَبُ مِن وُجُودِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، ومِن هَذا السِّرِّ قالَ المُحَقِّقُونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، وقالَ المُتَوَسِّطُونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ مَعَهُ، وقالَ الظّاهِرِيُّونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ بَعْدَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الدَّقائِقَ الَّتِي أظْهَرْناها في هَذِهِ المَواضِعِ لَها دَرَجَتانِ: إحْداهُما: أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلَيْها بِمُقْتَضى الفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ والتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ. والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَتَّفِقَ لِنَفْسِ الإنْسانِ قُوَّةٌ ذَوْقِيَّةٌ وحالَةٌ وِجْدانِيَّةٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْها، وتَكُونُ نِسْبَةُ الإدْراكِ مَعَ الذَّوْقِ إلى الإدْراكِ لا مَعَ الذَّوْقِ، كَنِسْبَةِ مَن يَأْكُلُ السُّكَّرَ إلى مَن يَصِفُ حَلاوَتَهُ بِلِسانِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذِهِ المَعِيَّةُ إمّا بِالعِلْمِ وإمّا بِالحِفْظِ والحِراسَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَعَنا بِالمَكانِ والجِهَةِ والحَيِّزِ، فَإذَنْ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وإذا جَوَّزْنا التَّأْوِيلَ في مَوْضِعٍ وجَبَ تَجْوِيزُهُ في سائِرِ المَواضِعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ تَرْتِيبًا عَجِيبًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحديد: ٣] كَوْنَهُ إلَهًا لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعَرْشِ والسَّماواتِ والأرَضِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ مَعِيَّتَهُ لَنا بِسَبَبِ القُدْرَةِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وبِسَبَبِ العِلْمِ وهو كَوْنُهُ عالَمًا بِظَواهِرِنا وبَواطِنِنا، فَتَأمَّلْ في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّرْتِيبِ، ثُمَّ تَأمَّلْ في ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ فَإنَّ فِيها أسْرارًا عَجِيبَةً وتَنْبِيهاتٍ عَلى أُمُورٍ عالِيَةٍ.

الحديد 57:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في الأعْرافِ والمَقْصُودُ مِنهُ دَلائِلُ القُدْرَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ وهو مُفَسَّرٌ في سَبَأٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ كَمالُ العِلْمِ، وإنَّما قَدَّمَ وصْفَ القُدْرَةِ عَلى وصْفِ العِلْمِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا قَبْلَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، ولِذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ، هو العِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ أوَّلَ العِلْمِ بِاللَّهِ هو العِلْمُ بِكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالعِلْمُ بِكَوْنِهِ قادِرًا مُتَقَدِّمٌ عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَدا الواجِبِ الحَقِّ فَهو مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَوُجُودُهُ مِنَ الواجِبِ، فَإذَنْ وصُولُ الماهِيَّةِ المُمْكِنَةِ إلى وُجُودِها بِواسِطَةِ إفادَةِ الواجِبِ الحَقِّ ذَلِكَ الوُجُودَ لِتِلْكَ الماهِيَّةِ فالحَقُّ سُبْحانَهُ هو المُتَوَسِّطُ بَيْنَ كُلِّ ماهِيَّةٍ وبَيْنَ وُجُودِها، فَهو إلى كُلِّ ماهِيَّةٍ أقْرَبُ مِن وُجُودِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، ومِن هَذا السِّرِّ قالَ المُحَقِّقُونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ قَبْلَهُ، وقالَ المُتَوَسِّطُونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ مَعَهُ، وقالَ الظّاهِرِيُّونَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا إلّا ورَأيْتُ اللَّهَ بَعْدَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الدَّقائِقَ الَّتِي أظْهَرْناها في هَذِهِ المَواضِعِ لَها دَرَجَتانِ: إحْداهُما: أنْ يَصِلَ الإنْسانُ إلَيْها بِمُقْتَضى الفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ والتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ. والدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَتَّفِقَ لِنَفْسِ الإنْسانِ قُوَّةٌ ذَوْقِيَّةٌ وحالَةٌ وِجْدانِيَّةٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْها، وتَكُونُ نِسْبَةُ الإدْراكِ مَعَ الذَّوْقِ إلى الإدْراكِ لا مَعَ الذَّوْقِ، كَنِسْبَةِ مَن يَأْكُلُ السُّكَّرَ إلى مَن يَصِفُ حَلاوَتَهُ بِلِسانِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذِهِ المَعِيَّةُ إمّا بِالعِلْمِ وإمّا بِالحِفْظِ والحِراسَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَعَنا بِالمَكانِ والجِهَةِ والحَيِّزِ، فَإذَنْ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وإذا جَوَّزْنا التَّأْوِيلَ في مَوْضِعٍ وجَبَ تَجْوِيزُهُ في سائِرِ المَواضِعِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ تَرْتِيبًا عَجِيبًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ [الحديد: ٣] كَوْنَهُ إلَهًا لِجَمِيعِ المُمْكِناتِ والكائِناتِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعَرْشِ والسَّماواتِ والأرَضِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ مَعِيَّتَهُ لَنا بِسَبَبِ القُدْرَةِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وبِسَبَبِ العِلْمِ وهو كَوْنُهُ عالَمًا بِظَواهِرِنا وبَواطِنِنا، فَتَأمَّلْ في كَيْفِيَّةِ هَذا التَّرْتِيبِ، ثُمَّ تَأمَّلْ في ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ فَإنَّ فِيها أسْرارًا عَجِيبَةً وتَنْبِيهاتٍ عَلى أُمُورٍ عالِيَةٍ.

الحديد 57:7

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ إلى حَيْثُ لا مالِكَ سِواهُ، ودَلَّ بِهَذا القَوْلِ عَلى إثْباتِ المَعادِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وهَذِهِ الآياتُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في سائِرِ السُّوَرِ، وهي جامِعَةٌ بَيْنَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِهِ، وبَيْنَ إظْهارِ نِعَمِهِ، والمَقْصُودُ مِن إعادَتِها البَعْثُ عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، ثُمَّ الِاشْتِغالُ بِالشُّكْرِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، أتْبَعَها بِالتَّكالِيفِ، وبَدَأ بِالأمْرِ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ خِطابٌ مَعَ مَن عَرَفَ اللَّهَ، أوْ مَعَ مَن لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ ذَلِكَ أمْرًا بِأنْ يَعْرِفَهُ مَن عَرَفَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ، كانَ الخِطابُ مُتَوَجِّهًا عَلى مَن لَمْ يَكُنْ عارِفًا بِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عارِفًا بِهِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ عارِفًا بِأمْرِهِ، فَيَكُونُ الأمْرُ مُتَوَجِّهًا عَلى مَن يَسْتَحِيلُ أنْ يَعْرِفَ كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الأمْرِ، وهَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: مَعْرِفَةُ وُجُودِ الصّانِعِ حاصِلَةٌ لِلْكُلِّ، وإنَّما المَقْصُودُ مِن هَذا الأمْرِ مَعْرِفَةُ الصِّفاتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ أمَرَ النّاسَ أوَّلًا بِأنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِتَرْكِ الدُّنْيا والإعْراضِ عَنْها وإنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو المُرادُ هَهُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٩١ ] هو المُرادُ هَهُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الأمْوالَ الَّتِي في أيْدِيكم إنَّما هي أمْوالُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ وإنْشائِهِ لَها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَها تَحْتَ يَدِ المُكَلَّفِ، وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ لِيَنْتَفِعَ بِها عَلى وفْقِ إذَنِ الشَّرْعِ، فالمُكَلَّفُ في تَصَرُّفِهِ في هَذِهِ الأمْوالِ بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ والنّائِبِ والخَلِيفَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَسْهُلَ عَلَيْكُمُ الإنْفاقُ مِن تِلْكَ الأمْوالِ، كَما يَسْهُلُ عَلى الرَّجُلِ النَّفَقَةُ مِن مالِ غَيْرِهِ إذا أذِنَ لَهُ فِيهِ. الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم، لِأجْلِ أنَّهُ نَقَلَ أمْوالَهم إلَيْكم عَلى سَبِيلِ الإرْثِ، فاعْتَبِرُوا بِحالِهِمْ، فَإنَّها كَما انْتَقَلَتْ مِنهم إلَيْكم فَسَتَنْتَقِلُ مِنكم إلى غَيْرِكم فَلا تَبْخَلُوا بِها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في هَذا الإنْفاقِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو الزَّكاةُ الواجِبَةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ التَّطَوُّعُ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ عامًّا في جَمِيعِ وُجُوهِ البِرِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَمِنَ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ أجْرًا كَبِيرًا فَقالَ: صفحة ١٨٩ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الأجْرَ لا يَحْصُلُ بِالإيمانِ المُنْفَرِدِ حَتّى يَنْضافَ هَذا الإنْفاقُ إلَيْهِ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أخَلَّ بِالواجِبِ مِن زَكاةٍ وغَيْرِها فَلا أجْرَ لَهُ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أخَلَّ بِالزَّكاةِ الواجِبَةِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ الأجْرُ الكَبِيرُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا أجْرَ لَهُ أصْلًا.

الحديد 57:8

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وبَخَّ عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِشَرْطَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَدْعُوَ الرَّسُولُ، والمُرادُ أنَّهُ يَتْلُو عَلَيْهِمُ القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلى الدَّلائِلِ الواضِحَةِ. الثّانِي: أنَّهُ أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ، وذَكَرُوا في أخْذِ المِيثاقِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ما نُصِبَ في العُقُولِ مِنَ الدَّلائِلِ المُوجِبَةِ لِقَبُولِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، واعْلَمْ أنَّ تِلْكَ الدَّلائِلَ كَما اقْتَضَتْ وُجُوبَ القَبُولِ فَهي أوْكَدُ مِنَ الحَلْفِ واليَمِينِ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ مِيثاقًا، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ تَطابَقَتْ دَلائِلُ النَّقْلِ والعَقْلِ، أمّا النَّقْلُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾، وأمّا العَقْلُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ ومَتّى اجْتَمَعَ هَذانِ النَّوْعانِ، فَقَدْ بَلَغَ الأمْرُ إلى حَيْثُ تَمْتَنِعُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَجِبُ إلّا بِالسَّمْعِ، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَمَّهم بِناءً عَلى أنَّ الرَّسُولَ يَدْعُوهم، فَعَلِمْنا أنَّ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ دَعْوَةِ الرَّسُولِ. الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ أخْذِ المِيثاقِ: قالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ والمُقاتِلانِ: يُرِيدُ حِينَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، وقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وهَذا ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ أخْذَ المِيثاقِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ الإيمانِ بَعْدَ ذَلِكَ، وأخْذُ المِيثاقِ وقْتَ إخْراجِهِمْ مِن ظَهْرِ آدَمَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْقَوْمِ إلّا بِقَوْلِ الرَّسُولِ، فَقَبْلَ مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرَّسُولِ لا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا في وُجُوبِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ، أمّا نَصْبُ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ فَمَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ، فَذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الإيمانِ بِالرَّسُولِ، فَعَلِمْنا أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى غَيْرُ جائِزٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿وما لَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِمْ عَلى الإيمانِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ إلّا لِمَن لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الفِعْلِ، كَما لا يُقالُ: ما لَكَ لا تَطُولُ ولا تَبِيضُ، فَيَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، وعَلى أنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ لِلضِّدَّيْنِ، وعَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِالعَبْدِ لا بِخَلْقِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: ”وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالمَعْنى إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ لِأجْلِ دَلِيلٍ، فَما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ الآنَ، فَإنَّهُ قَدْ تَطابَقَتِ الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ والعَقْلِيَّةُ، وبَلَغَتْ مَبْلَغًا لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْها.

الحديد 57:9

صفحة ١٩٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . قالَ القاضِي: بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ مُرادَهُ بِإنْزالِ الآياتِ البَيِّناتِ الَّتِي هي القُرْآنُ، وغَيْرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ أنْ يُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى يُرِيدُ مِن بَعْضِهِمُ الثَّباتَ عَلى ظُلُماتِ الكُفْرِ، ويَخْلُقُ ذَلِكَ فِيهِمْ، ويُقَدِّرُهُ لَهم تَقْدِيرًا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لَمْ يَصِحَّ هَذا القَوْلُ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ مِن فِعْلِهِ ؟ قُلْنا: لَوْ أرادَ بِهَذا الإخْراجِ خَلْقَ الإيمانِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ﴾ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ سَواءٌ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ، فَخَلَقَهُ لِما خَلَقَهُ لا يَتَغَيَّرُ، فالمُرادُ إذَنْ بِذَلِكَ أنَّهُ يَلْطُفُ بِهِمْ في إخْراجِهِمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِأنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ أوْلى مِن أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ يُخْرِجُهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى خِسَّتِهِ ورَوْغَتِهِ مَعارَضٌ بِالعِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ قائِمٌ، وعالِمًا بِأنَّ هَذا العِلْمَ يُنافِي وُجُودَ الإيمانِ، فَإذا كَلَّفَهم بِتَكْوِينِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ مَعَ عِلْمِهِ بِقِيامِ الضِّدِّ الآخَرِ في الوُجُودِ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إزالَتُهُ وإبْطالُهُ، فَهَلْ يُعْقَلُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُرِيدَ بِهِمْ ذَلِكَ الخَيْرَ والإحْسانَ، لا شَكَّ أنَّهُ مِمّا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإذا تَوَجَّهَتِ المُعارَضَةُ زالَتْ تِلْكَ القُوَّةُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَطْ، وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ سائِرِ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ المَرْءُ مِن أداءِ التَّكالِيفِ. ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . لَمّا أمَرَ أوَّلًا بِالإيمانِ وبِالإنْفاقِ، ثُمَّ أكَّدَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ إيجابَ الإيمانِ أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَأْكِيدِ إيجابِ الإنْفاقِ، والمَعْنى أنَّكم سَتَمُوتُونَ فَتُورَثُونَ، فَهَلّا قَدَّمْتُمُوهُ في الإنْفاقِ في طاعَةِ اللَّهِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المالَ لا بُدَّ وأنْ يَخْرُجَ عَنِ اليَدِ، إمّا بِالمَوْتِ وإمّا بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنْ وقَعَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، كانَ أثَرُهُ اللَّعْنَ والمَقْتَ والعِقابَ، وإنْ وقَعَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، كانَ أثَرُهُ المَدْحَ والثَّوابَ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِن خُرُوجِهِ عَنِ اليَدِ، فَكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ خُرُوجَهُ عَنِ اليَدِ بِحَيْثُ يَسْتَعْقِبُ المَدْحَ والثَّوابَ أوْلى مِنهُ بِحَيْثُ يَسْتَعْقِبُ اللَّعْنَ والعِقابَ. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإنْفاقَ فَضِيلَةٌ بَيَّنَ أنَّ المُسابَقَةَ في الإنْفاقِ تَمامُ الفَضِيلَةِ فَقالَ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ، ومَن أنْفَقَ مِن بَعْدِ الفَتْحِ، كَما صفحة ١٩١ قالَ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِوُضُوحِ الحالِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِهَذا الفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الفَتْحِ في المُتَعارَفِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ويَدُلُّ القُرْآنُ عَلى فَتْحٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] وأيُّهُما كانَ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عِظَمَ مَوْقِعِ الإنْفاقِ قَبْلَ الفَتْحِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في فَضْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ؛ لِأنَّهُ كانَ أوَّلَ مَن أنْفَقَ المالَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ عُمَرُ: «كُنْتُ قاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ أبُو بَكْرٍ وعَلَيْهِ عَباءَةٌ قَدْ خَلَّلَها في صَدْرِهِ بِخِلالٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: ما لِي أرى أبا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَباءَةٌ خَلَلَّها في صَدْرِهِ ؟ فَقالَ: أنْفَقَ مالَهُ عَلَيَّ قَبْلَ الفَتْحِ» . واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن صَدَرَ عَنْهُ الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والقِتالُ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ قَبْلَ الفَتْحِ يَكُونُ أعْظَمَ حالًا مِمَّنْ صَدَرَ عَنْهُ هَذانِ الأمْرانِ بَعْدَ الفَتْحِ، ومَعْلُومٌ أنَّ صاحِبَ الإنْفاقِ هو أبُو بَكْرٍ، وصاحِبُ القِتالِ هو عَلِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَدَّمَ صاحِبَ الإنْفاقِ في الذِّكْرِ عَلى صاحِبِ القِتالِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى تَقْدِيمِ أبِي بَكْرٍ، ولِأنَّ الإنْفاقَ مِن بابِ الرَّحْمَةِ، والقِتالَ مِن بابِ الغَضَبِ، وقالَ تَعالى: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ فَكانَ السَّبْقُ لِصاحِبِ الإنْفاقِ، فَإنْ قِيلَ: بَلْ صاحِبُ الإنْفاقِ هو عَلِيٌّ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ﴾ [الإنسان: ٨] قُلْنا: إطْلاقُ القَوْلِ بِأنَّهُ أنْفَقَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا إذا أنْفَقَ في الوَقائِعِ العَظِيمَةِ أمْوالًا عَظِيمَةً، وذَكَرَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ أنَّ أبا بَكْرٍ كانَ أوَّلَ مَن قاتَلَ عَلى الإسْلامِ، ولِأنَّ عَلِيًّا في أوَّلِ ظُهُورِ الإسْلامِ كانَ صَبِيًّا صَغِيرًا، ولَمْ يَكُنْ صاحِبَ القِتالِ وأمّا أبُو بَكْرٍ فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا مُقَدَّمًا، وكانَ يَذُبُّ عَنِ الإسْلامِ حَتّى ضُرِبَ بِسَبَبِهِ ضَرْبًا أشْرَفَ بِهِ عَلى المَوْتِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: جَعَلَ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةً عَلى فَضْلِ مَن سَبَقَ إلى الإسْلامِ، وأنْفَقَ وجاهَدَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ الفَتْحِ، وبَيَّنُوا الوَجْهَ في ذَلِكَ وهو عِظَمُ مَوْقِعِ نُصْرَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّفْسِ، وإنْفاقِ المالِ في تِلْكَ الحالِ، وفي عَدَدِ المُسْلِمِينَ قِلَّةٌ، وفي الكافِرِينَ شَوْكَةٌ وكَثْرَةُ عَدَدٍ، فَكانَتِ الحاجَةُ إلى النُّصْرَةِ والمُعاوَنَةِ أشَدَّ بِخِلافِ ما بَعْدَ الفَتْحِ، فَإنَّ الإسْلامَ صارَ في ذَلِكَ الوَقْتِ قَوِيًّا، والكُفْرَ ضَعِيفًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فَلَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» .

الحديد 57:10

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أيْ وكُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ المَثُوبَةَ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ مَعَ تَفاوُتِ الدَّرَجاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القِراءَةُ المَشْهُورَةُ ﴿وكُلًّا﴾ بِالنَّصْبِ؛ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ: زَيْدًا وعَدْتُ خَيْرًا، فَهو مَفْعُولُ وعَدَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: [ وكُلٌّ ] بِالرَّفْعِ، وحُجَّتُهُ أنَّ الفِعْلَ إذا تَأخَّرَ عَنْ مَفْعُولِهِ لَمْ يَقَعْ عَمَلُهُ فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم قالُوا: صفحة ١٩٢ زَيْدٌ ضَرَبْتُ، وكَقَوْلِهِ في الشِّعْرِ: قَدْ أصْبَحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أصْنَعِ رُوِيَ (كُلُّهُ) بِالرَّفْعِ لِتَأخُّرِ الفِعْلِ عَنْهُ لِمُوجِبٍ آخَرَ، واعْلَمْ أنَّ لِلشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ في هَذا البابِ كَلامًا حَسَنًا، قالَ: إنَّ المَعْنى في هَذا البَيْتِ يَتَفاوَتُ بِسَبَبِ النَّصْبِ والرَّفْعِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصْبَ يُفِيدُ أنَّهُ ما فَعَلَ كُلَّ الذُّنُوبِ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَهُ فاعِلًا لِبَعْضِ الذُّنُوبِ، فَإنَّهُ إذا قالَ: ما فَعَلْتُ كُلَّ الذُّنُوبِ، أفادَ أنَّهُ ما فَعَلَ الكُلَّ، ويَبْقى احْتِمالُ أنَّهُ فَعَلَ البَعْضَ، بَلْ عِنْدَ مَن يَقُولُ: بِأنَّ دَلِيلَ الخِطابِ حُجَّةٌ يَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِأنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ الذُّنُوبِ. أمّا رِوايَةُ الرَّفْعِ، وهي قَوْلُهُ: كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ، فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الذُّنُوبِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ، فَيَكُونُ مَعْناهُ أنَّهُ ما أتى بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ البَتَّةَ، وغَرَضُ الشّاعِرِ أنْ يَدَّعِيَ البَراءَةَ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، فَعَلِمْنا أنَّ المَعْنى يَتَفاوَتُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، ومِمّا يَتَفاوَتُ فِيهِ المَعْنى بِسَبَبِ تَفاوُتِ الإعْرابِ في هَذا البابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] فَمَن قَرَأ (كُلَّ شَيْءٍ) بِالنَّصْبِ، أفادَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُلَّ بِقَدَرٍ، ومَن قَرَأ (كَلُّ) بِالرَّفْعِ لَمْ يُفِدْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُلَّ، بَلْ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ ما كانَ مَخْلُوقًا لَهُ فَهو إنَّما خَلَقَهُ بِقَدَرٍ، وقَدْ يَكُونُ تَفاوُتُ الإعْرابِ في هَذا البابِ بِحَيْثُ لا يُوجِبُ تَفاوُتَ المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ [يس: ٣٩] فَإنَّكَ سَواءٌ قَرَأْتَ ﴿والقَمَرَ﴾ بِالرَّفْعِ أوْ بِالنَّصْبِ فَإنَّ المَعْنى واحِدٌ فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ سَواءٌ قَرَأْتَ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أوْ قَرَأْتَ ”وكُلٌّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى“ فَإنَّ المَعْنى واحِدٌ غَيْرُ مُتَفاوِتٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وكُلًّا وعَدَهُ اللَّهُ الحُسْنى إلّا أنَّهُ حَذَفَ الضَّمِيرَ لِظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ السّابِقِينَ والمُحْسِنِينَ بِالثَّوابِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، وبِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ إيصالُ الثَّوابِ إلى المُسْتَحِقِّينَ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِمْ وبِأفْعالِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لَما أمْكَنَ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الوَعْدِ بِالتَّمامِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أتْبَعَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

الحديد 57:11

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا أنَّ «رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما اسْتَقْرَضَ إلَهُ مُحَمَّدٍ حَتّى افْتَقَرَ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ، فَشَكا اليَهُودِيُّ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: ما أرَدْتَ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: ما مَلَكْتُ نَفْسِي أنْ لَطَمْتُهُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا»﴾ [آل عمران: ١٨٦] قالَ المُحَقِّقُونَ: اليَهُودِيُّ إنَّما قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، لا لِأنَّ العاقِلَ يَعْتَقِدُ أنَّ الإلَهَ يَفْتَقِرُ، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أكَّدَ بِهَذِهِ الآيَةِ تَرْغِيبَ النّاسِ في أنْ يُنْفِقُوا أمْوالَهم في نُصْرَةِ المُسْلِمِينَ وقِتالِ الكافِرِينَ ومُواساةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وسَمّى ذَلِكَ الإنْفاقَ قَرْضًا مِن حَيْثُ وعَدَ بِهِ الجَنَّةَ تَشْبِيهًا بِالقَرْضِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن هَذا الإنْفاقِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ الإنْفاقاتُ الواجِبَةُ، ومِنهم صفحة ١٩٣ مَن قالَ: بَلْ هو في التَّطَوُّعاتِ، والأقْرَبُ دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في كَوْنِ القَرْضِ حَسَنًا وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي طَيِّبَةٌ بِها نَفْسُهُ. وثانِيها: قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي يَتَصَدَّقُ بِها لِوَجْهِ اللَّهِ. وثالِثُها: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: القَرْضُ لا يَكُونُ حَسَنًا حَتّى يَجْمَعَ أوْصافًا عَشَرَةً: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مِنَ الحَلالِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: («إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ» ) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: («لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَةً مِن غُلُولٍ» ) . والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن أكْرَمِ ما يَمْلِكُهُ دُونَ أنْ يُنْفِقَ الرَّدِيءَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . الثّالِثُ: أنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ وأنْتَ تُحِبُّهُ وتَحْتاجُ إلَيْهِ بِأنْ تَرْجُوَ الحَياةَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] ويَقُولُ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] عَلى أحَدِ التَّأْوِيلاتِ. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الصَّدَقَةُ أنْ تُعْطِيَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ العَيْشَ، ولا تُمْهِلُ حَتّى إذا بَلَغْتَ التَّراقِيَ قَلْتَ: لِفُلانٍ كَذا ولِفُلانٍ كَذا» “ . والرّابِعُ: أنْ تَصْرِفَ صَدَقَتَكَ إلى الأحْوَجِ الأوْلى بِأخْذِها؛ ولِذَلِكَ خَصَّ اللَّهُ تَعالى أقْوامًا بِأخْذِها، وهم أهْلُ السُّهْمانِ. الخامِسُ: أنْ تَكْتُمَ الصَّدَقَةَ ما أمْكَنَكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] . السّادِسُ: أنْ لا تُتْبِعَها مَنًّا ولا أذًى، قالَ تَعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . السّابِعُ: أنْ تَقْصِدَ بِها وجْهَ اللَّهِ ولا تُرائِيَ، كَما قالَ: ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ ولِأنَّ المُرائِيَ مَذْمُومٌ بِالِاتِّفاقِ. الثّامِنُ: أنْ تَسْتَحْقِرَ ما تُعْطِي وإنْ كَثُرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مِنَ الدُّنْيا، والدُّنْيا كُلُّها قَلِيلَةٌ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] في أحَدِ التَّأْوِيلاتِ. التّاسِعُ: أنْ يَكُونَ مِن أحَبِّ أمْوالِكَ إلَيْكَ، قالَ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . العاشِرُ: أنْ لا تَرى عِزَّ نَفْسِكَ وذُلَّ الفَقِيرِ، بَلْ يَكُونُ الأمْرُ بِالعَكْسِ في نَظَرِكَ، فَتَرى الفَقِيرَ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى أحالَ عَلَيْكَ رِزْقَهُ الَّذِي قَبِلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] وتَرى نَفْسَكَ تَحْتَ دَيْنِ الفَقِيرِ، فَهَذِهِ أوْصافٌ عَشَرَةٌ إذا اجْتَمَعَتْ كانَتِ الصَّدَقَةُ قَرْضًا حَسَنًا، وهَذِهِ الآيَةُ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ضَمِنَ عَلى هَذا القَرْضِ الحَسَنِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: المُضاعَفَةُ عَلى ما ذَكَرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيَّنَ أنَّ مَعَ المُضاعَفَةِ لَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أصْحابِنا أنَّ المُضاعَفَةَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى يَضُمُّ إلى قَدْرِ الثَّوابِ مِثْلَهُ مِنَ التَّفْضِيلِ، والأجْرُ الكَرِيمُ عِبارَةٌ عَنِ الثَّوابِ، فَإنْ قِيلَ: مَذْهَبُكم أنَّ الثَّوابَ أيْضًا تَفَضُّلٌ، فَإذا لَمْ يَحْصُلِ الِامْتِيازُ لَمْ يَتِمَّ هَذا التَّفْسِيرُ. الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أنَّ كُلَّ مَن صَدَرَ مِنهُ الفِعْلُ الفُلانِيُّ، فَلَهُ قَدْرُ كَذا مِنَ الثَّوابِ، فَذاكَ القَدْرُ هو الثَّوابُ، فَإذا ضُمَّ إلَيْهِ مِثْلُهُ فَذَلِكَ المِثْلُ هو الضِّعْفُ. والقَوْلُ الثّانِي: هو قَوْلُ الجُبّائِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ الأعْواضَ تُضَمُّ إلى الثَّوابِ، فَذَلِكَ هو المُضاعَفَةُ، وإنَّما وصَفَ الأجْرَ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا لِأنَّهُ هو الَّذِي جَلَبَ ذَلِكَ الضِّعْفَ، وبِسَبَبِهِ حَصَلَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ، فَكانَ كَرِيمًا مِن هَذا الوَجْهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ”فَيُضَعِّفَهُ“ مُشَدَّدَةً بِغَيْرِ ألِفٍ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ قَرَأ بِضَمِّ الفاءِ، وابْنَ صفحة ١٩٤ عامِرٍ بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ ”فَيُضاعِفَهُ“ بِالألِفِ وفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”فَيُضاعِفُهُ“ بِالألِفِ وضَمِّ الفاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يُضاعَفُ ويُضَعَّفُ بِمَعْنًى، إنَّما الشَّأْنُ في تَعْلِيلِ قِراءَةِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ، أمّا الرَّفْعُ فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُقْرِضُ“، أوْ عَلى الِانْقِطاعِ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَهو يُضاعَفُ، وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَوَجْهُها أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ قَرْضًا حَسَنًا ؟ ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ جَوابًا عَنِ الِاسْتِفْهامِ فَحِينَئِذٍ يُنْصَبُ.

الحديد 57:12

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ﴿يَوْمَ تَرى﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أوْ مَنصُوبٌ بِـ”اذْكُرْ“ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذا اليَوْمِ هو يَوْمُ المُحاسَبَةِ، واخْتَلَفُوا في هَذا النُّورِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ قَوْمٌ: المُرادُ نَفْسُ النُّورِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّ كُلَّ مُثابٍ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ النُّورُ عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ وثَوابِهِ في العِظَمِ والصِّغَرِ» “ فَعَلى هَذا مَراتِبُ الأنْوارِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنهم مَن يُضِيءُ لَهُ نُورٌ كَما بَيْنَ عَدَنَ إلى صَنْعاءَ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، ومِنهم مَن لا يُضِيءُ لَهُ نُورٌ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، وأدْناهم نُورًا مَن يَكُونُ نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ يَنْطَفِئُ مَرَّةً ويَتَّقِدُ أُخْرى، وهَذا القَوْلُ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وقالَ مُجاهِدٌ: ما مِن عَبْدٍ إلّا ويُنادى يَوْمَ القِيامَةِ: يا فُلانُ ها نُورُكَ، ويا فُلانُ لا نُورَ لَكَ، نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ النُّورِ أنَّ النُّورَ الحَقِيقِيَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ نُورَ العِلْمِ الَّذِي هو نُورُ البَصِيرَةِ أوْلى بِكَوْنِهِ نُورًا مِن نُورِ البَصَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ هي النُّورُ في القِيامَةِ، فَمَقادِيرُ الأنْوارِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى حَسَبِ مَقادِيرِ المَعارِفِ في الدُّنْيا. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ النُّورِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ، وإنَّما قالَ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ لِأنَّ السُّعَداءَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، كَما أنَّ الأشْقِياءَ يُؤْتَوْنَها مِن شَمائِلِهِمْ ووَراءِ ظُهُورِهِمْ. القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا النُّورِ الهِدايَةُ إلى الجَنَّةِ، كَما يُقالُ: لَيْسَ لِهَذا الأمْرِ نُورٌ، إذا لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ حاصِلًا، ويُقالُ: هَذا الأمْرُ لَهُ نُورٌ ورَوْنَقٌ، إذا كانَ المَقْصُودُ حاصِلًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ ”وبِإيمانِهِمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِإيمانِهِمْ حَصَلَ ذَلِكَ السَّعْيُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] أيْ ذَلِكَ كائِنٌ بِذَلِكَ. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: حَقِيقَةُ البِشارَةِ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] ثُمَّ قالُوا: تَقْدِيرُ صفحة ١٩٥ الآيَةِ: وتَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ: بُشْراكُمُ اليَوْمَ، كَما قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَنالُهم أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ صِفَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، فَقالَ: لَوْ كانَ مُؤْمِنًا لَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ البِشارَةِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقَطَعَ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. والجَوابُ: أنَّ الفاسِقَ قاطِعٌ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ أوْ إنْ دَخَلَها لَكِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنها وسَيَدْخُلُ الجَنَّةَ ويَبْقى فِيها أبَدَ الآبادِ، فَهو إذًا قاطِعٌ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ عائِدٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ وهو النُّورُ والبُشْرى بِالجَنّاتِ المُخَلَّدَةِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”ذَلِكَ الفَوْزُ“، بِإسْقاطِ كَلِمَةِ: هو. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ المُؤْمِنِينَ في مَوْقِفِ القِيامَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ حالِ المُنافِقِينَ. فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ”يَوْمَ يَقُولُ“ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَرى﴾، أوْ هو أيْضًا مَنصُوبٌ بِـ”اذْكُرْ“ تَقْدِيرًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: ”أنْظِرُونا“ مَكْسُورَةَ الظّاءِ، والباقُونَ: ”انْظُرُوا“، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَفْظُ النَّظَرِ يُسْتَعْمَلُ عَلى ضُرُوبٍ: أحَدُها: أنْ تُرِيدَ بِهِ: نَظَرْتُ إلى الشَّيْءِ، فَيُحْذَفُ الجارُّ ويُوصَلُ الفِعْلُ، كَما أنْشَدَ أبُو الحَسَنِ: ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْنَ كَما يَنْظُرُ الأراكَ الظِّباءُ والمَعْنى يَنْظُرْنَ إلى الأراكِ. وثانِيها: أنْ تُرِيدَ بِهِ تَأمَّلْتُ وتَدَبَّرْتُ، ومِنهُ قَوْلُكَ: اذْهَبْ فانْظُرْ زَيْدًا أيُؤْمِنُ ؟ فَهَذا يُرادُ بِهِ التَّأمُّلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ [الإسراء: ٤٨]، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] قالَ: وقَدْ يَتَعَدّى هَذا بِإلى كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وهَذا نَصٌّ عَلى التَّأمُّلِ، وبَيِّنٌ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ، وقَدْ يَتَعَدّى بِفي، كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ . وثالِثُها: أنْ يُرادَ بِالنَّظَرِ الرُّؤْيَةُ كَما في قَوْلِهِ: ولَمّا بَدا حَوْرانُ والآلُ دُونَهُ ∗∗∗ نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ بِعَيْنِكَ مَنظَرًا والمَعْنى نَظَرْتَ، فَلَمْ تَرَ بِعَيْنِكَ مَنظَرًا تَعْرِفُهُ في الآلِ، قالَ: إلّا أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ النَّظَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَقَلُّبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، فَلَمّا كانَتِ الرُّؤْيَةُ مِن تَوابِعِ النَّظَرِ ولَوازِمِهِ غالِبًا أجْرى عَلى الرُّؤْيَةِ لَفْظَ النَّظَرِ عَلى سَبِيلِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ، كَما يُقالُ: تَكَلَّمْتَ وما تَكَلَّمْتَ، أيْ ما تَكَلَّمْتَ بِكَلامٍ مُفِيدٍ، فَكَذا هُنا نَظَرْتَ وما نَظَرْتَ صفحة ١٩٦ نَظَرًا مُفِيدًا. ورابِعُها: أنْ يَكُونَ النَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ إدْراكَهُ وبُلُوغَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نَظَرْتُ مَعْناهُ انْتَظَرْتُ، ومَجِيءُ فَعَلْتَ وافْتَعَلْتَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِمْ: شَوَيْتُ واشْتَوَيْتُ، وحَقَرْتُ واحْتَقَرْتُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿انْظُرُونا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: انْظُرُونا، أيِ انْتَظِرُونا؛ لِأنَّهُ يُسْرَعُ بِالمُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ كالبُرُوقِ الخاطِفَةِ، والمُنافِقُونَ مُشاةٌ. والثّانِي: انْظُرُونا أيِ انْظُرُوا إلَيْنا؛ لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ، والنُّورُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَيَسْتَضِيئُونَ بِهِ، وأمّا قِراءَةُ”أنْظِرُونا“ مَكْسُورَةَ الظّاءِ فَهي مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإنْظارِ المُعْسِرِ، والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ اتِّئادَهم في المَشْيِ إلى أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ إنْظارًا لَهم. واعْلَمْ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ والأخْفَشَ كانا يَطْعَنانِ في صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ، وقَدْ ظَهَرَ الآنَ وجْهُ صِحَّتِها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الِاحْتِمالاتِ في هَذا البابِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ النّاسُ كُلُّهم في الظُّلُماتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُعْطِي المُؤْمِنِينَ هَذِهِ الأنْوارَ، والمُنافِقُونَ يَطْلُبُونَها مِنهم. وثانِيها: أنْ تَكُونَ النّاسُ كُلُّهم في الأنْوارِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنِينَ يَكُونُونَ في الجَنّاتِ فَيَمُرُّونَ سَرِيعًا، والمُنافِقُونَ يَبْقَوْنَ وراءَهم فَيَطْلُبُونَ مِنهُمُ الِانْتِظارَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ في النُّورِ والمُنافِقُونَ في الظُّلُماتِ، ثُمَّ المُنافِقُونَ يَطْلُبُونَ النُّورَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ قَوْمٌ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ إنَّما تَقَعُ عِنْدَ المَوْقِفِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُونا﴾ انْظُرُوا إلَيْنا؛ لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمْ، فَقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، ومَتى أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ وكانَتْ أنْوارُهم مِن قُدّامِهِمُ اسْتَضاءُوا بِتِلْكَ الأنْوارِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ إنَّما تَقَعُ عِنْدَ مَسِيرِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُونا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو الِانْتِظارَ وأنْ يَكُونَ النَّظَرَ إلَيْهِمْ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَبَسُ: الشُّعْلَةُ مِنَ النّارِ أوِ السِّراجِ، والمُنافِقُونَ طَمِعُوا في شَيْءٍ مِن أنْوارِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَقْتَبِسُوهُ كاقْتِباسِ نِيرانِ الدُّنْيا وهو مِنهم جَهْلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأنْوارَ نَتائِجُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا، فَلَمّا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الأعْمالُ في الدُّنْيا امْتَنَعَ حُصُولُ تِلْكَ الأنْوارِ في الآخِرَةِ. قالَ الحَسَنُ: يُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ كُلُّ أحَدٍ نُورًا عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُؤْخَذُ مِن حَرِّ جَهَنَّمَ ومِمّا فِيهِ مِنَ الكَلالِيبِ والحَسَكِ ويُلْقى عَلى الطَّرِيقِ، فَتَمْضِي زُمْرَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ تَمْضِي زُمْرَةٌ أُخْرى كَأضْواءِ الكَواكِبِ في السَّماءِ، ثُمَّ عَلى ذَلِكَ تَغْشاهم ظُلْمَةٌ فَتُطْفِئُ نُورَ المُنافِقِينَ، فَهُنالِكَ يَقُولُ المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ كَقَبَسِ النّارِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ: ارْجِعُوا إلى دارِ الدُّنْيا فالتَمِسُوا هَذِهِ الأنْوارَ هُنالِكَ، فَإنَّ هَذِهِ الأنْوارَ إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ اكْتِسابِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والتَّنَزُّهِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، والمُرادُ مِن ضَرْبِ السُّورِ هو امْتِناعُ العَوْدِ إلى الدُّنْيا. وثانِيها: قالَ أبُو أُمامَةَ: النّاسُ يَكُونُونَ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ، ثُمَّ المُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ الأنْوارَ، فَإذا أسْرَعَ المُؤْمِنُ في الذَّهابِ قالَ المُنافِقُ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَيُقالُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ قالَ: وهي خُدْعَةٌ خُدِعَ بِها المُنافِقُونَ، كَما قالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ فَيَجِدُونَ السُّورَ مَضْرُوبًا صفحة ١٩٧ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ارْجِعُوا﴾ مَنعُ المُنافِقِينَ عَنِ الِاسْتِضاءَةِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يُرِيدُ القُرْبَ مِنهُ: وراءَكَ أُوَسِّعُ لَكَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعُوا﴾ أنْ يَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى وِجْدانِ هَذا المَطْلُوبِ البَتَّةَ، لا أنَّهُ أمْرٌ لَهم بِالرُّجُوعِ.

الحديد 57:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في السُّورِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِنهُ الحِجابُ والحَيْلُولَةُ، أيِ المُنافِقُونَ مُنِعُوا عَنْ طَلَبِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ حائِطٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو حِجابُ الأعْرافِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِسُورٍ﴾ صِلَةٌ وهو لِلتَّأْكِيدِ، والتَّقْدِيرُ: ضُرِبَ بَيْنَهم سُورٌ كَذا، قالَهُ الأخْفَشُ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهُ بابٌ﴾ أيْ لِذَلِكَ السُّورِ بابٌ ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أيْ في باطِنِ ذَلِكَ السُّورِ الرَّحْمَةُ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ الجَنَّةُ الَّتِي فِيها المُؤْمِنُونَ ﴿وظاهِرُهُ﴾ يَعْنِي وخارِجَ السُّورِ ﴿مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ أيْ مِن قِبَلِهِ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، والمَعْنى أنَّ ما يَلِي المُؤْمِنِينَ فَفِيهِ الرَّحْمَةُ، وما يَلِي الكافِرِينَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ العَذابُ، والحاصِلُ أنَّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حائِطٌ وهو السُّورُ، ولِذَلِكَ السُّورِ بابٌ، فالمُؤْمِنُونَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ مِن بابِ ذَلِكَ السُّورِ، والكافِرُونَ يَبْقَوْنَ في العَذابِ والنّارِ. ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾

الحديد 57:14

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدُّنْيا. والثّانِي: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في العِباداتِ والمَساجِدِ والصَّلَواتِ والغَزَواتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُتَعَيِّنُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: البُعْدُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ في أعْلى السَّماواتِ، والنّارُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ البُعْدَ الشَّدِيدَ لا يَمْنَعُ مِنَ الإدْراكِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَظَّمَ صَوْتَ الكُفّارِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ مِن أسْفَلِ السّافِلِينَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الصَّوْتِ إنَّما يَلِيقُ بِالأشِدّاءِ الأقْوِياءِ جِدًّا، والكُفّارُ مَوْصُوفُونَ بِالضَّعْفِ وخَفاءِ الصَّوْتِ، فَعَلِمْنا أنَّ البُعْدَ لا يَمْنَعُ مِنَ الإدْراكِ عَلى ما هو مَذْهَبُنا، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا: بَلى كُنْتُمْ مَعَنا إلّا أنَّكم فَعَلْتُمْ أشْياءَ بِسَبَبِها وقَعْتُمْ في هَذا العَذابِ. أوَّلُها: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وكُلُّها فِتْنَةٌ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ صفحة ١٩٨ عَبّاسٍ: تَرَبَّصْتُمْ بِالتَّوْبَةِ. وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: وتَرَبَّصْتُمْ بِمُحَمَّدٍ المَوْتَ، قُلْتُمْ يُوشِكُ أنْ يَمُوتَ فَنَسْتَرِيحَ مِنهُ. وثالِثُها: كُنْتُمْ تَتَرَبَّصُونَ دائِرَةَ السَّوْءِ لِتَلْتَحِقُوا بِالكُفّارِ، وتَتَخَلَّصُوا مِنَ النِّفاقِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: شَكَكْتُمْ في وعِيدِ اللَّهِ. وثانِيها: شَكَكْتُمْ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ. وثالِثُها: شَكَكْتُمْ في البَعْثِ والقِيامَةِ. ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الباطِلَ وهو ما كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِن نُزُولِ الدَّوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي المَوْتَ، والمَعْنى: ما زالُوا في خُدَعِ الشَّيْطانِ وغُرُورِهِ حَتّى أماتَهُمُ اللَّهُ وألْقاهم في النّارِ.

الحديد 57:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ: ”الغُرُورُ“بِضَمِّ الغَيْنِ، والمَعْنى وغَرَّكم بِاللَّهِ الِاغْتِرارُ، وتَقْدِيرُهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ غَرَّكم بِاللَّهِ سَلامَتُكم مِنهُ مَعَ الِاغْتِرارِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَرُورُ بِفَتْحِ الغَيْنِ هو الشَّيْطانُ؛ لِإلْقائِهِ إلَيْكم أنْ لا خَوْفَ عَلَيْكم مِن مُحاسَبَةٍ ومُجازاةٍ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الفِدْيَةُ ما يُفْتَدى بِهِ، وهو قَوْلانِ: الأوَّلُ: لا يُؤْخَذُ مِنكم إيمانٌ ولا تَوْبَةٌ فَقَدْ زالَ التَّكْلِيفُ وحَصَلَ الإلْجاءُ. الثّانِي: بَلِ المُرادُ لا يُقْبَلُ مِنكم فِدْيَةٌ تَدْفَعُونَ بِها العَذابَ عَنْ أنْفُسِكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، واعْلَمْ أنَّ الفِدْيَةَ ما يُفْتَدى بِهِ، فَهو يَتَناوَلُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ والمالَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا عَلى ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ الفِدْيَةَ أصْلًا، والتَّوْبَةُ فِدْيَةٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ أصْلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ واجِبَةَ القَبُولِ عَقْلًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَفِيهِ (بَحْثٌ) وهو عَطْفُ الكافِرِ عَلى المُنافِقِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ المُنافِقُ كافِرًا؛ لِوُجُوبِ حُصُولِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. (والجَوابُ): المُرادُ: الَّذِينَ أظْهَرُوا الكُفْرَ، وإلّا فالمُنافِقُ كافِرٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ . وفِي لَفْظِ ”المَوْلى“ هَهُنا أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”مَوْلاكم“ أيْ مَصِيرُكم، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المَوْلى مَوْضِعُ الوَلْيِ، وهو القُرْبُ، فالمَعْنى أنَّ النّارَ هي مَوْضِعُكُمُ الَّذِي تَقْرُبُونَ مِنهُ وتَصِلُونَ إلَيْهِ. والثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي أوْلى بِكم، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ والفِرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي قالُوهُ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِلَّفْظِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْلًى وأوْلى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ لَصَحَّ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في مَكانِ الآخَرِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: هَذا مَوْلى مِن فُلانٍ كَما يُقالُ: هَذا أوْلى مِن فُلانٍ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا أوْلى فُلانٍ كَما صفحة ١٩٩ يُقالُ: هَذا مَوْلى فُلانٍ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالُوهُ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، وإنَّما نَبَّهْنا عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ؛ لِأنَّ الشَّرِيفَ المُرْتَضى لَمّا تَمَسَّكَ بِإمامَةِ عَلِيٍّ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» “ قالَ: أحَدُ مَعانِي مَوْلى أنَّهُ أوْلى، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِأقْوالِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ مَوْلى مَعْناهُ أوْلى، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ وجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما عَداهُ إمّا بَيْنَ الثُّبُوتِ كَكَوْنِهِ ابْنَ العَمِّ والنّاصِرَ، أوْ بَيْنَ الِانْتِفاءِ كالمُعْتِقِ والمُعْتَقِ، فَيَكُونُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ عَبَثًا، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي كَذِبًا، وأمّا نَحْنُ فَقَدَ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ في هَذا المَوْضِعِ مَعْنًى لا تَفْسِيرٌ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ لا مَوْلى لَكم، وذَلِكَ لِأنَّ مَن كانَتِ النّارُ مَوْلاهُ فَلا مَوْلى لَهُ، كَما يُقالُ: ناصِرُهُ الخِذْلانُ ومُعِينُهُ البُكاءُ، أيْ لا ناصِرَ لَهُ ولا مُعِينَ، وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .

الحديد 57:16

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ: ”ألَمّا يَأْنِ“، قالَ ابْنُ جِنِّي: أصْلُ لَمّا لَمْ، ثُمَّ زِيدَ عَلَيْها ما، فَـ ”لَمْ“ نَفْيٌ لِقَوْلِهِ: أفْعَلُ، ولَمّا: نَفْيٌ لِقَوْلِهِ: قَدْ يَفْعَلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا زِيدَ في الإثْباتِ ”قَدْ“ لا جَرَمَ زِيدَ في نَفْيِهِ ”ما“، إلّا أنَّهم لَمّا رَكَّبُوا ”لَمْ“ مَعَ ”ما“ حَدَثَ لَها مَعْنًى ولَفْظٌ، أمّا المَعْنى فَإنَّها صارَتْ في بَعْضِ المَواضِعِ ظَرْفًا، فَقالُوا: لَمّا قُمْتَ قامَ زَيْدٌ، أيْ وقْتَ قِيامِكَ قامَ زَيْدٌ، وأمّا اللَّفْظُ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقِفَ عَلَيْها دُونَ مَجْزُومِها، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: جِئْتُ ولَمّا، أيْ ولَمّا يَجِئْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: جِئْتُ ولَمْ. وأمّا الَّذِينَ قَرَأُوا: ”ألَمْ يَأْنِ“ فالمَشْهُورُ ألَمْ يَأْنِ مِن أنى الأمْرُ يَأْنِي إذا جاءَ إناهُ أيْ وقْتُهُ. وقُرِئَ: ألَمْ يَئِنْ، مِن أنَّ يَئِينُ بِمَعْنى أنى يَأْنِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: نَزَلَ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وفي قُلُوبِهِمُ النِّفاقُ المُبايِنُ لِلْخُشُوعِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ لَعَلَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ المُؤْمِنَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا في الحَقِيقَةِ إلّا مَعَ خُشُوعِ القَلْبِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ تَعالى ذَلِكَ إلّا لِمَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مَن هو مُؤْمِنٌ عَلى الحَقِيقَةِ، لَكِنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ لَهُ خُشُوعٌ وخَشْيَةٌ، وقَدْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا: أحَدُها: لَعَلَّ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ ما كانَ فِيهِمْ مَزِيدُ خُشُوعٍ ولا رِقَّةٍ، فَحُثُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: لَعَلَّ قَوْمًا كانَ فِيهِمْ خُشُوعٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ زالَ مِنهم شِدَّةُ ذَلِكَ الخُشُوعِ، فَحُثُّوا عَلى المُعاوَدَةِ إلَيْها. عَنِ الأعْمَشِ قالَ: إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ أصابُوا لِينًا في العَيْشِ ورَفاهِيَةً، فَفَتَرُوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَعُوتِبُوا بِهَذِهِ الآيَةِ. وعَنْ أبِي بَكْرٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وعِنْدَهُ صفحة ٢٠٠ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ، فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا، فَنَظَرَ إلَيْهِمْ فَقالَ: هَكَذا كُنّا حَتّى قَسَتِ القُلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: أما حانَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ تَرِقَّ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ، أيْ مَواعِظِ اللَّهِ الَّتِي ذَكَرَها في القُرْآنِ، وعَلى هَذا الذِّكْرُ مُصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الذِّكْرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: لِذِكْرِهِمُ اللَّهَ، أيْ يَجِبُ أنْ يُورِثَهُمُ الذِّكْرُ خُشُوعًا، ولا يَكُونُوا كَمَن ذِكْرُهُ بِالغَفْلَةِ فَلا يَخْشَعُ قَلْبُهُ لِلذِّكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ما في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالعَطْفِ عَلى الذِّكْرِ وهو مَوْصُولٌ، والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ خَفِيفَةً، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”وما نَزَّلَ“ مُشَدَّدَةً، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: ”وما نُزِّلَ مِنَ الحَقِّ“مُرْتَفِعَةَ النُّونِ مَكْسُورَةَ الزّايِ، والتَّقْدِيرُ في القِراءَةِ الأُولى: أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ولِما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ، وفي القِراءَةِ الثّانِيَةِ: ولِما نَزَّلَهُ اللَّهُ مِنَ الحَقِّ، وفي القِراءَةِ الثّالِثَةِ: ولِما نُزِّلَ مِنَ الحَقِّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَقِّ هو القُرْآنَ؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِلْوَصْفَيْنِ؛ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، وأنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ هو ذِكْرَ اللَّهِ مُطْلَقًا، والمُرادُ بِما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ هو القُرْآنَ، وإنَّما قُدِّمَ الخُشُوعُ بِالذِّكْرِ عَلى الخُشُوعِ بِما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والخَوْفَ والخَشْيَةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، فَأمّا حُصُولُها عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ فَذاكَ لِأجْلِ اشْتِمالِ القُرْآنِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكُونُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَعْناهُ: ألَمْ يَأْنِ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم، وأنْ لا يَكُونُوا، قالَ: ولَوْ كانَ جَزْمًا عَلى النَّهْيِ كانَ صَوابًا، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُ اليَهُودَ والنَّصارى: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ طُولِ الأمَدِ وُجُوهًا: أحَدُها: طالَتِ المُدَّةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْبِيائِهِمْ فَقَسَتْ قُلُوبُهم. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مالُوا إلى الدُّنْيا وأعْرَضُوا عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ. وثالِثُها: طالَتْ أعْمارُهم في الغَفْلَةِ، فَحَصَلَتِ القَسْوَةُ في قُلُوبِهِمْ بِذَلِكَ السَّبَبِ. ورابِعُها: قالَ ابْنُ حِبانٍ: الأمَدُ هَهُنا الأمَلُ البَعِيدُ، والمَعْنى عَلى هَذا: طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ بِطُولِ الأمَلِ، أيْ لَمّا طالَتْ آمالُهم لا جَرَمَ قَسَتْ قُلُوبُهم. وخامِسُها: قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: طالَ عَلَيْهِمْ أمَدُ خُرُوجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ. وسادِسُها: طالَ عَهْدُهم بِسَماعِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَزالَ وقْعُهُما عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَلا جَرَمَ قَسَتْ قُلُوبُهم، فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، قالَهُ القُرَظِيُّ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”الأمَدُّ“ بِالتَّشْدِيدِ، أيِ الوَقْتُ الأطْوَلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في الكِتابَيْنِ، وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ الخُشُوعِ في أوَّلِ الأمْرِ يُفْضِي إلى الفِسْقِ في آخِرِ الأمْرِ.

الحديد 57:17

صفحة ٢٠١ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ . وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَمْثِيلٌ والمَعْنى أنَّ القُلُوبَ الَّتِي ماتَتْ بِسَبَبِ القَساوَةِ، فالمُواظَبَةُ عَلى الذِّكْرِ سَبَبٌ لِعَوْدِ حَياةِ الخُشُوعِ إلَيْها كَما يُحْيِي اللَّهُ الأرْضَ بِالغَيْثِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بَعَثَ الأمْواتَ فَذَكَرَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في الخُشُوعِ والخُضُوعِ وزَجْرًا عَنِ القَساوَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: (إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ) بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ بِتَشْدِيدِ الصّادِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ مَعْنى المُصَدِّقِ المُؤْمِنَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٧٧] لِأنَّ إقْراضَ اللَّهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ قالُوا: وهَذِهِ القِراءَةُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَن تَصَدَّقَ لِلَّهِ وأقْرَضَ إذا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الوَعْدِ، فَيَصِيرُ ظاهِرُ الآيَةِ مَتْرُوكًا عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ، ولا يَصِيرُ مَتْرُوكًا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ. والثّانِي: أنَّ المُتَصَدِّقَ هو الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ شَيْئًا واحِدًا وهو تَكْرارٌ، أمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، وحَجَّةُ مَن نَقَلَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: ”والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ“ بِالتّاءِ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الخَبَرِ والمُخْبَرِ عَنْهُ، والِاعْتِراضُ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ، فَهو لِلصَّدَقَةِ أشَدُّ مُلازَمَةً مِنهُ لِلتَّصْدِيقِ، وأجابَ الأوَّلُونَ: بِأنّا لا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وأقْرَضُوا﴾ عَلى الِاعْتِراضِ، ولَكِنّا نَعْطِفُهُ عَلى المَعْنى، ألا تَرى أنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ مَعْناهُ: إنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا وأقْرَضُوا اللَّهَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ قَبِيحٌ، فَما الفائِدَةُ في التِزامِهِ هَهُنا ؟ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى الفِعْلِ في المُصَّدِّقِينَ؛ لِأنَّ اللّامَ بِمَعْنى الَّذِينَ، واسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى صَدَّقُوا، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا وأقْرَضُوا، واعْلَمْ أنَّ هَذا لا يُزِيلُ الإشْكالَ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ لِمَ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ إلى هَذا اللَّفْظِ، والَّذِي عِنْدِي فِيهِ أنَّ الألِفَ واللّامَ في المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ لِلْمَعْهُودِ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ جَماعَةً مُعَيَّنِينَ بِهَذا الوَصْفِ، ثُمَّ قَبْلَ ذِكْرِ الخَبَرِ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم أتَوْا بِأحْسَنِ أنْواعِ الصَّدَقَةِ وهو الإتْيانُ بِالقَرْضِ الحَسَنِ، ثُمَّ ذَكَرَ الخَبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ هو المُسَمّى بِحَشْوِ اللَّوْزِنْجِ كَما في قَوْلِهِ: إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتُها [قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمانْ] المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن قَرَأ: ”المُصَّدِّقِينَ“ بِالتَّشْدِيدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ هو الواجِبُ أوِ التَّطَوُّعُ أوْ هُما جَمِيعًا، أوِ المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ الواجِبُ وبِالإقْراضِ التَّطَوُّعُ؛ لِأنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالقَرْضِ كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ مَذْكُورَةٌ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ. صفحة ٢٠٢

الحديد 57:18

صفحة ٢٠١ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ . وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَمْثِيلٌ والمَعْنى أنَّ القُلُوبَ الَّتِي ماتَتْ بِسَبَبِ القَساوَةِ، فالمُواظَبَةُ عَلى الذِّكْرِ سَبَبٌ لِعَوْدِ حَياةِ الخُشُوعِ إلَيْها كَما يُحْيِي اللَّهُ الأرْضَ بِالغَيْثِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بَعَثَ الأمْواتَ فَذَكَرَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في الخُشُوعِ والخُضُوعِ وزَجْرًا عَنِ القَساوَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: (إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ) بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ بِتَشْدِيدِ الصّادِ فِيهِما، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى يَكُونُ مَعْنى المُصَدِّقِ المُؤْمِنَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٧٧] لِأنَّ إقْراضَ اللَّهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ قالُوا: وهَذِهِ القِراءَةُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَن تَصَدَّقَ لِلَّهِ وأقْرَضَ إذا لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الوَعْدِ، فَيَصِيرُ ظاهِرُ الآيَةِ مَتْرُوكًا عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ، ولا يَصِيرُ مَتْرُوكًا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ. والثّانِي: أنَّ المُتَصَدِّقَ هو الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ شَيْئًا واحِدًا وهو تَكْرارٌ، أمّا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، وحَجَّةُ مَن نَقَلَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: ”والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ“ بِالتّاءِ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الخَبَرِ والمُخْبَرِ عَنْهُ، والِاعْتِراضُ بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ، فَهو لِلصَّدَقَةِ أشَدُّ مُلازَمَةً مِنهُ لِلتَّصْدِيقِ، وأجابَ الأوَّلُونَ: بِأنّا لا نَحْمِلُ قَوْلَهُ: ﴿وأقْرَضُوا﴾ عَلى الِاعْتِراضِ، ولَكِنّا نَعْطِفُهُ عَلى المَعْنى، ألا تَرى أنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ مَعْناهُ: إنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا وأقْرَضُوا اللَّهَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ قَبِيحٌ، فَما الفائِدَةُ في التِزامِهِ هَهُنا ؟ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى الفِعْلِ في المُصَّدِّقِينَ؛ لِأنَّ اللّامَ بِمَعْنى الَّذِينَ، واسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى صَدَّقُوا، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا وأقْرَضُوا، واعْلَمْ أنَّ هَذا لا يُزِيلُ الإشْكالَ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ لِمَ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ إلى هَذا اللَّفْظِ، والَّذِي عِنْدِي فِيهِ أنَّ الألِفَ واللّامَ في المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ لِلْمَعْهُودِ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ جَماعَةً مُعَيَّنِينَ بِهَذا الوَصْفِ، ثُمَّ قَبْلَ ذِكْرِ الخَبَرِ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم أتَوْا بِأحْسَنِ أنْواعِ الصَّدَقَةِ وهو الإتْيانُ بِالقَرْضِ الحَسَنِ، ثُمَّ ذَكَرَ الخَبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ هو المُسَمّى بِحَشْوِ اللَّوْزِنْجِ كَما في قَوْلِهِ: إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتُها [قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمانْ] المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن قَرَأ: ”المُصَّدِّقِينَ“ بِالتَّشْدِيدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ هو الواجِبُ أوِ التَّطَوُّعُ أوْ هُما جَمِيعًا، أوِ المُرادُ بِالتَّصَدُّقِ الواجِبُ وبِالإقْراضِ التَّطَوُّعُ؛ لِأنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالقَرْضِ كالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ مَذْكُورَةٌ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ. صفحة ٢٠٢

الحديد 57:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهم والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ حالَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، وذَكَرَ الآنَ حالَ المُؤْمِنِينَ وحالَ الكافِرِينَ، ثُمَّ في الآيَةِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الصِّدِّيقُ نَعْتٌ لِمَن كَثُرَ مِنهُ الصِّدْقُ وجَمَعَ صِدْقًا إلى صِدْقٍ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ، قالَ: كُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ فَهو صِدِّيقٌ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ أيِ المُوَحِّدُونَ. الثّانِي: أنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ، وهو قَوْلُ المُقاتِلِينَ: أنَّ الصِّدِّيقِينَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرُّسُلِ حِينَ أتَوْهم ولَمْ يُكَذِّبُوا ساعَةً قَطُّ مِثْلَ آلِ ياسِينَ، ومِثْلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وأمّا في دِينِنا فَهم ثَمانِيَةٌ سَبَقُوا أهْلَ الأرْضِ إلى الإسْلامِ؛ أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ وزَيْدٌ وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وسَعْدٌ وحَمْزَةُ وتاسِعُهم عُمَرُ ألْحَقَهُ اللَّهُ بِهِمْ لِما عَرَفَ مِن صِدْقِ نِيَّتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والشُّهَداءُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى الآيَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وهُمُ الشُّهَداءُ، قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ مُؤْمِنٍ فَهو صِدِّيقٌ وشَهِيدٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، هَذا القَوْلُ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ كُلُّ مُؤْمِنٍ شَهِيدًا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: لِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ عَلى العِبادِ في أعْمالِهِمْ، والمُرادُ أنَّهم عُدُولُ الآخِرَةِ الَّذِينَ تُقْبَلُ شَهادَتُهم، وقالَ الحَسَنُ: السَّبَبُ في هَذا الِاسْمِ أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ فَإنَّهُ يَشْهَدُ كَرامَةَ رَبِّهِ، وقالَ الأصَمُّ: كُلُّ مُؤْمِنٍ شَهِيدٌ؛ لِأنَّهُ قائِمٌ لِلَّهِ تَعالى بِالشَّهادَةِ فِيما تَعَبَّدَهم بِهِ مِن وُجُوبِ الإيمانِ ووُجُوبِ الطّاعاتِ وحُرْمَةِ الكُفْرِ والمَعاصِي، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصِّدِّيقَ نَعْتٌ لِمَن كَثُرَ مِنهُ الصِّدْقُ وجَمَعَ صِدْقًا إلى صِدْقٍ في الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ، فَصارُوا بِذَلِكَ شُهَداءَ عَلى غَيْرِهِمْ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والشُّهَداءُ﴾ لَيْسَ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ، بَلْ هو مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أوْ يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةً وخَبَرُهُ هو قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ الشُّهَداءِ، فَقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هُمُ الأنْبِياءُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وقالَ مُقاتِلٌ ومُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: الشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما تَعُدُّونَ الشُّهَداءَ فِيكم ؟ قالُوا: المَقْتُولُ، فَقالَ: إنَّ شُهَداءَ أُمَّتِي إذًا لَقَلِيلٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ المَقْتُولَ شَهِيدٌ، والمَبْطُونَ شَهِيدٌ، والمَطْعُونَ شَهِيدٌ» “ الحَدِيثَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حالِ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .

الحديد 57:20

ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى حَقارَةِ الدُّنْيا وكَمالِ حالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنَ الآيَةِ تَحْقِيرُ حالِ الدُّنْيا وتَعْظِيمُ حالِ الآخِرَةِ، فَقالَ: الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أُمُورٌ مُحَقَّرَةٌ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي عَذابٌ شَدِيدٌ دائِمٌ أوْ رِضْوانُ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ عَظِيمٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا حِكْمَةٌ وصَوابٌ؛ ولِذَلِكَ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالَ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ولَوْلا أنَّها حِكْمَةٌ وصَوابٌ لَما قالَ ذَلِكَ، ولِأنَّ الحَياةَ خَلْقُهُ، كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] وأنَّهُ لا يَفْعَلُ العَبَثَ عَلى ما قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] ولِأنَّ الحَياةَ نِعْمَةٌ بَلْ هي أصْلٌ لِجَمِيعِ النِّعَمِ، وحَقائِقُ الأشْياءِ لا تَخْتَلِفُ بِأنْ كانَتْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى عَظَّمَ المِنَّةَ بِخَلْقِ الحَياةِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فَأوَّلُ ما ذَكَرَ مِن أصْنافِ نِعَمِهِ هو الحَياةُ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ ما ذَكَرْنا عَلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا غَيْرُ مَذْمُومَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ مَن صَرَفَ هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا لا إلى طاعَةِ اللَّهِ بَلْ إلى طاعَةِ الشَّيْطانِ ومُتابَعَةِ الهَوى فَذاكَ هو المَذْمُومُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَها بِأُمُورٍ: أوَّلُها: أنَّها ﴿لَعِبٌ﴾ وهو فِعْلُ الصِّبْيانِ الَّذِينَ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم جِدًّا، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ المَتاعِبَ تَنْقَضِي مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. وثانِيها: أنَّها ﴿ولَهْوٌ﴾ وهو فِعْلُ الشُّبّانِ، والغالِبُ أنَّ بَعْدَ انْقِضائِهِ لا يَبْقى إلّا الحَسْرَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ بَعْدَ انْقِضائِهِ يَرى المالَ ذاهِبًا والعُمُرَ ذاهِبًا، واللَّذَّةَ مُنْقَضِيَةً، والنَّفْسَ ازْدادَتْ شَوْقًا وتَعَطُّشًا إلَيْهِ مَعَ فِقْدانِها، فَتَكُونُ المَضارُّ مُجْتَمِعَةً مُتَوالِيَةً. وثالِثُها: أنَّها ﴿وزِينَةٌ﴾ وهَذا دَأْبُ النِّساءِ؛ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الزِّينَةِ تَحْسِينُ القَبِيحِ، وعِمارَةُ البِناءِ المُشْرِفِ عَلى أنْ يَصِيرَ خَرابًا، والِاجْتِهادُ في تَكْمِيلِ النّاقِصِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَرَضِيَّ لا يُقاوِمُ الذّاتِيَّ، فَإذا كانَتِ الدُّنْيا مُنْقَضِيَةً لِذاتِها، فاسِدَةً لِذاتِها، فَكَيْفَ يَتَّمَكَّنُ العاقِلُ مِن إزالَةِ هَذِهِ المَفاسِدِ عَنْها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى أنَّ الكافِرَ يَشْتَغِلُ طُولَ حَياتِهِ بِطَلَبِ زِينَةِ الدُّنْيا دُونَ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وهَذا كَما قِيلَ: حَياتُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ورابِعُها: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِالصِّفاتِ الفانِيَةِ الزّائِلَةِ، وهو إمّا التَّفاخُرُ بِالنَّسَبِ، أوِ التَّفاخُرُ بِالقُدْرَةِ والقُوَّةِ والعَساكِرِ، وكُلُّها ذاهِبَةٌ. وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَجْمَعُ المالَ في صفحة ٢٠٤ سَخَطِ اللَّهِ، ويَتَباهى بِهِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ، ويَصْرِفُهُ في مَساخِطِ اللَّهِ، فَهو ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وأنَّهُ لا وجْهَ بِتَبَعِيَّةِ أصْحابِ الدُّنْيا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الأقْسامِ، وبَيَّنَ أنَّ حالَ الدُّنْيا إذا لَمْ يَخْلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ فَيَجِبُ أنْ يَعْدِلَ عَنْها إلى ما يُؤَدِّي إلى عِمارَةِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لِهَذِهِ الحَياةِ مَثَلًا، فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ يَعْنِي المَطَرَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ﴾ [الكهف: ٤٥] والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: ﴿لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ﴾، (والآخَرُ): أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقَوْلُهُ: ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المُرادُ مِنَ الكُفّارِ الزُّرّاعُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: والعَرَبُ تَقُولُ لِلزّارِعِ كافِرٌ؛ لِأنَّهُ يَكْفُرُ البَذْرَ الَّذِي يَبْذُرُهُ بِتُرابِ الأرْضِ، وإذا أعْجَبَ الزّارِعَ نَباتُهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ فَهو في غايَةِ الحُسْنِ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكَفّارِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ بِاللَّهِ، وهم أشَدُّ إعْجابًا بِزِينَةِ الدُّنْيا وحَرْثِها مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم لا يَرَوْنَ سَعادَةً سِوى سَعادَةِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿نَباتُهُ﴾ أيْ ما نَبَتَ مِن ذَلِكَ الغَيْثِ، وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ الزُّمَرِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَهُ حالَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أيْ لِمَن كانَتْ حَياتُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ﴿ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾ لِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَ الدُّنْيا بِالحَقارَةِ وسُرْعَةِ الِانْقِضاءِ، بَيَّنَ أنَّ الآخِرَةَ إمّا عَذابٌ شَدِيدٌ دائِمٌ وإمّا رِضْوانٌ، وهو أعْظَمُ دَرَجاتِ الثَّوابِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ يَعْنِي لِمَن أقْبَلَ عَلَيْها، وأعْرَضَ بِها عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الدُّنْيا مَتاعُ الغُرُورِ إذا ألْهَتْكَ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، فَأمّا إذا دَعَتْكَ إلى طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ وطَلَبِ الآخِرَةِ فَنِعْمَ الوَسِيلَةُ.

الحديد 57:21

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ والمُرادُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِتَكُنْ مُفاخَرَتُكم ومُكاثَرَتُكم في غَيْرِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، بَلِ احْرِصُوا عَلى أنْ تَكُونَ مُسابَقَتُكم في طَلَبِ الآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالمُسارَعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] ثُمَّ شَرَحَ هَهُنا كَيْفِيَّةَ تِلْكَ المُسارَعَةِ، فَقالَ: ﴿سابِقُوا﴾ مُسارَعَةَ المُسابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسارَعَةُ إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ سابِقُوا إلى التَّوْبَةِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ سابِقُوا إلى سائِرِ ما كُلِّفْتُمْ بِهِ، فَدَخَلَ فِيهِ التَّوْبَةُ، وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ لا يُنالانِ إلّا بِالِانْتِهاءِ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي والِاشْتِغالِ بِكُلِّ الطّاعاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الأمْرَ يُفِيدُ الفَوْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ المُسارَعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّراخِي مَحْظُورًا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾، فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرَضِينَ السَّبْعَ لَوْ جُعِلَتْ صَفائِحَ وأُلْزِقَ بَعْضُها بِبَعْضٍ لَكانَتِ الجَنَّةُ في عَرْضِها. هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. وثانِيها: قالَ: عَطاءٌ [ عَنِ ] ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُطِيعِينَ جَنَّةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وثالِثُها: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ اللَّهَ صفحة ٢٠٥ تَعالى شَبَّهَ عَرْضَ الجَنَّةِ بِعَرْضِ السَّماواتِ السَّبْعِ والأرَضِينَ السَّبْعِ، ولا شَكَّ أنَّ طُولَها أزْيَدُ مِن عَرْضِها، فَذَكَرَ العَرْضَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طُولَها أضْعافُ ذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِلْعِبادَةِ بِما يَعْقِلُونَهُ ويَقَعُ في نُفُوسِهِمْ وأفْكارِهِمْ، وأكْثَرُ ما يَقَعُ في نُفُوسِهِمْ مِقْدارُ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وخامِسُها: وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجِنانَ أرْبَعَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وقالَ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ هَهُنا تَشْبِيهُ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الجِنانِ في العَرْضِ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ والأرْضِينَ السَّبْعِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ جُمْهُورُ الأصْحابِ بِهَذا عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ (الآيَةُ) لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن صِفَتِها بَعْدَ وُجُودِها أنْ لا تَفْنى، لَكِنَّها لَوْ كانَتِ الآنَ مَوْجُودَةً لَفَنِيَتْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . الثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وهي الآنَ في السَّماءِ السّابِعَةِ، ولا يَجُوزُ مَعَ أنَّها في واحِدَةٍ مِنها أنْ يَكُونَ عَرْضُها كَعَرْضِ كُلِّ السَّماواتِ، قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا لا يَصِحُّ المَنعُ عَلَيْهِ، وكانَ حَكِيمًا لا يَصِحُّ الخُلْفُ في وعْدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ عَلى الطّاعَةِ بِالجَنَّةِ، فَكانَتِ الجَنَّةُ كالمَعِدَةِ المُهَيَّأةِ لَهم تَشْبِيهًا لِما سَيَقَعُ قَطْعًا بِالواقِعِ، وقَدْ يَقُولُ المَرْءُ لِصاحِبِهِ: ”أعْدَدْتُ لَكَ المُكافَأةَ“ إذا عَزَمَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يُوجِدْها. والثّانِي: أنَّ المُرادَ إذا كانَتِ الآخِرَةُ أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ أيْ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى. (الجَوابُ) أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ عامٌّ، وقَوْلَهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ خاصٌّ، والخاصٌّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا ”الجَنَّةُ مَخْلُوقَةٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ“ قُلْنا: إنَّها مَخْلُوقَةٌ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صِفَةِ الجَنَّةِ: ”«سَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ» “ وأيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ فَوْقَ الشَّيْءِ أعْظَمَ مِنهُ ؟ ألَيْسَ أنَّ العَرْشَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ مَعَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ فِيهِ أعْظَمُ رَجاءٍ وأقْوى أمَلٍ، إذْ ذَكَرَ أنَّ الجَنَّةَ أُعِدَّتْ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَعَ الإيمانِ شَيْئًا آخَرَ، والمُعْتَزِلَةُ وإنْ زَعَمُوا أنَّ لَفْظَ الإيمانِ يُفِيدُ جُمْلَةَ الطّاعاتِ بِحُكْمِ تَصَرُّفِ الشَّرْعِ، لَكِنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّ لَفْظَ الإيمانِ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ الباءِ فَإنَّهُ باقٍ عَلى مَفْهُومِهِ الأصْلِيِّ وهو التَّصْدِيقُ، فالآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، ومِمّا يَتَأكَّدُ بِهِ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ الجَنَّةَ فَضْلٌ لا مُعامَلَةٌ، فَهو يُؤْتِيها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ سَواءٌ أطاعَ أوْ عَصى، فَإنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكم أنْ تَقْطَعُوا بِحُصُولِ الجَنَّةِ لِجَمِيعِ العُصاةِ، وأنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا عِقابَ لَهم ؟ قُلْنا: نَقْطَعُ بِحُصُولِ الجَنَّةِ لَهم، ولا نَقْطَعُ بِنَفْيِ العِقابِ عَنْهم؛ لِأنَّهم إذا عُذِّبُوا مُدَّةً ثُمَّ نُقِلُوا إلى الجَنَّةِ وبَقُوا فِيها أبَدَ الآبادِ فَقَدْ كانَتِ الجَنَّةُ مُعَدَّةً لَهم، فَإنْ قِيلَ: فالمُرْتَدُّ قَدْ آمَنُ بِاللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ الآيَةِ، قُلْتُ: خُصَّ مِنَ العُمُومِ، فَيَبْقى العُمُومُ حُجَّةً فِيما عَداهُ. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ زَعَمَ جُمْهُورُ أصْحابِنا أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ لا أنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِالعَمَلِ، وهَذا أيْضًا قَوْلُ الكَعْبِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ هَذا المَذْهَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، أجابَ القاضِي عَنْهُ فَقالَ: هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوِ امْتَنَعَ بَيْنَ كَوْنِ الجَنَّةِ مُسْتَحَقَّةً وبَيْنَ كَوْنِها فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأمّا إذا صَحَّ اجْتِماعُ الصِّفَتَيْنِ فَلا يَصِحُّ هَذا الِاسْتِدْلالُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالأُمُورِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ المُكَلَّفُ مَعَها مِن كَسْبِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ، فَلَمّا كانَ تَعالى مُتَفَضِّلًا بِما يُكْسِبُ أسْبابَ هَذا الِاسْتِحْقاقِ كانَ مُتَفَضِّلًا بِها، قالَ: ولَمّا ثَبَتَ هَذا، ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مِن قَبْلُ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ مَعْنًى. واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى مُتَفَضِّلًا بِأسْبابِ ذَلِكَ الكَسْبِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى مُتَفَضِّلًا بِنَفْسِ الجَنَّةِ، فَإنَّ مَن وُهِبَ مِن إنْسانٍ كاغِدًا ودَواةً وقَلَمًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ كَتَبَ بِذَلِكَ المِدادِ عَلى ذَلِكَ الكاغِدِ مُصْحَفًا وباعَهُ مِنَ الواهِبِ، لا يُقالُ: إنَّ أداءَ ذَلِكَ الثَّمَنِ تَفْضِيلٌ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ مُسْتَحَقٌّ، فَكَذا هَهُنا، وأمّا قَوْلُهُ أوَّلًا: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مِن قَبْلُ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ مَعْنًى، فَجَوابُهُ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ عَجِيبٌ؛ لِأنَّ لِلْمُتَفَضِّلِ أنْ يَشْرُطَ في تَفَضُّلِهِ أيَّ شَرْطٍ شاءَ، ويَقُولُ: لا أتَفَضَّلُ إلّا مَعَ هَذا الشَّرْطِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ حالِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا الفَضْلِ العَظِيمِ إذا أعْطى عَطاءً مَدَحَ بِهِ نَفْسَهُ وأثْنى بِسَبَبِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَطاءُ عَظِيمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ بَيَّنَ أنَّ المُؤَدِّيَ إلى الجَنَّةِ والنّارِ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءٍ وقَدَرٍ، فَقالَ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ والمَعْنى لا تُوجَدُ مُصِيبَةٌ مِن هَذِهِ المَصائِبِ إلّا وهي مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، والمُصِيبَةُ في الأرْضِ هي قَحْطُ المَطَرِ، وقِلَّةُ النَّباتِ، ونَقْصُ الثِّمارِ، وغَلاءُ الأسْعارِ، وتَتابُعُ الجُوعِ. والمُصِيبَةُ في الأنْفُسِ فِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها هي: الأمْراضُ، والفَقْرُ، وذَهابُ الأوْلادِ، وإقامَةُ الحُدُودِ عَلَيْها. والثّانِي: أنَّها تَتَناوَلُ الخَيْرَ والشَّرَّ أجْمَعَ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ يَعْنِي مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ الأرْضِيَّةِ قَبْلَ دُخُولِها في الوُجُودِ مَكْتُوبَةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وإنَّما كَتَبَ كُلَّ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: تَسْتَدِلُّ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ المَكْتُوبِ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها. وثانِيها: لِيَعْرِفُوا حِكْمَةَ اللَّهِ فَإنَّهُ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى تِلْكَ المَعاصِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وثالِثُها: لِيَحْذَرُوا مِن أمْثالِ تِلْكَ المَعاصِي. ورابِعُها: لِيَشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى تَوْفِيقِهِ إيّاهم عَلى الطّاعاتِ وعِصْمَتِهِ إيّاهم مِنَ المَعاصِي. وقالَتِ الحُكَماءُ: إنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم هُمُ المُدَبِّراتُ أمْرًا، وهُمُ المُقَسِّماتُ أمْرًا، إنَّما هي المَبادِئُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في صفحة ٢٠٧ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ بِواسِطَةِ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ والِاتِّصالاتِ الكَوْكَبِيَّةِ، فَتَصَوُّراتُها لِانْسِياقِ تِلْكَ الأسْبابِ إلى المُسَبَّباتِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ أهْلِ التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها خِلافًا لِهِشامِ بْنِ الحَكَمِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كَتَبَها في الكِتابِ قَبْلَ وُقُوعِها وجاءَتْ مُطابِقَةً لِذَلِكَ الكِتابِ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى عالِمًا بِها بِأسْرِها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ مَصائِبِ الأنْفُسِ فَيَدْخُلُ فِيها كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِمْ بِتَفاصِيلِها مَكْتُوبَةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الِامْتِناعُ مِن تِلْكَ الأعْمالِ مُحالًا؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِوُجُودِها مُنافٍ لِعَدَمِها، والجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ مُحالٌ، فَلَمّا حَصَلَ العِلْمُ بِوُجُودِها، وهَذا العِلْمُ مُمْتَنِعُ الزَّوالِ كانَ الجَمْعُ بَيْنَ عَدَمِها وبَيْنَ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِها مُحالًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ مَكْتُوبَةٌ في الكِتابِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَإثْباتُها في الكِتابِ مُحالٌ، وأيْضًا خَصَّصَ ذَلِكَ بِالأرْضِ والأنْفُسِ وما أدْخَلَ فِيها أحْوالَ السَّماواتِ، وأيْضًا خَصَّصَ ذَلِكَ بِمَصائِبِ الأرْضِ والأنْفُسِ لا بِسَعاداتِ الأرْضِ والأنْفُسِ، وفي كُلِّ هَذِهِ الرُّمُوزِ إشاراتٌ وأسْرارٌ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَ هَذِهِ المَصائِبَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ الأنْفُسُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ نَفْسُ الأرْضِ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الكُلِّ قَدْ تَقَدَّمَ وإنْ كانَ الأقْرَبُ نَفْسَ المُصِيبَةِ؛ لِأنَّها هي المَقْصُودُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأ المَخْلُوقاتِ، والمَخْلُوقاتُ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها إلّا أنَّها لِظُهُورِها يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّ حِفْظَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ هَيِّنٌ. والثّانِي: إنَّ إثْباتَ ذَلِكَ عَلى كَثْرَتِهِ في الكِتابِ يَسِيرٌ عَلى اللَّهِ وإنْ كانَ عَسِيرًا عَلى العِبادِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١] .

الحديد 57:22

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ والمُرادُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِتَكُنْ مُفاخَرَتُكم ومُكاثَرَتُكم في غَيْرِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، بَلِ احْرِصُوا عَلى أنْ تَكُونَ مُسابَقَتُكم في طَلَبِ الآخِرَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالمُسارَعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] ثُمَّ شَرَحَ هَهُنا كَيْفِيَّةَ تِلْكَ المُسارَعَةِ، فَقالَ: ﴿سابِقُوا﴾ مُسارَعَةَ المُسابِقِينَ لِأقْرانِهِمْ في المِضْمارِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسارَعَةُ إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ، فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ سابِقُوا إلى التَّوْبَةِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ سابِقُوا إلى سائِرِ ما كُلِّفْتُمْ بِهِ، فَدَخَلَ فِيهِ التَّوْبَةُ، وهَذا أصَحُّ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ لا يُنالانِ إلّا بِالِانْتِهاءِ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي والِاشْتِغالِ بِكُلِّ الطّاعاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الأمْرَ يُفِيدُ الفَوْرَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ المُسارَعَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ التَّراخِي مَحْظُورًا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقالَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾، فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرَضِينَ السَّبْعَ لَوْ جُعِلَتْ صَفائِحَ وأُلْزِقَ بَعْضُها بِبَعْضٍ لَكانَتِ الجَنَّةُ في عَرْضِها. هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ. وثانِيها: قالَ: عَطاءٌ [ عَنِ ] ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُطِيعِينَ جَنَّةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وثالِثُها: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ اللَّهَ صفحة ٢٠٥ تَعالى شَبَّهَ عَرْضَ الجَنَّةِ بِعَرْضِ السَّماواتِ السَّبْعِ والأرَضِينَ السَّبْعِ، ولا شَكَّ أنَّ طُولَها أزْيَدُ مِن عَرْضِها، فَذَكَرَ العَرْضَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طُولَها أضْعافُ ذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِلْعِبادَةِ بِما يَعْقِلُونَهُ ويَقَعُ في نُفُوسِهِمْ وأفْكارِهِمْ، وأكْثَرُ ما يَقَعُ في نُفُوسِهِمْ مِقْدارُ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وخامِسُها: وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجِنانَ أرْبَعَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وقالَ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] فالمُرادُ هَهُنا تَشْبِيهُ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الجِنانِ في العَرْضِ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ والأرْضِينَ السَّبْعِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ جُمْهُورُ الأصْحابِ بِهَذا عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ (الآيَةُ) لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن صِفَتِها بَعْدَ وُجُودِها أنْ لا تَفْنى، لَكِنَّها لَوْ كانَتِ الآنَ مَوْجُودَةً لَفَنِيَتْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . الثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وهي الآنَ في السَّماءِ السّابِعَةِ، ولا يَجُوزُ مَعَ أنَّها في واحِدَةٍ مِنها أنْ يَكُونَ عَرْضُها كَعَرْضِ كُلِّ السَّماواتِ، قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا لا يَصِحُّ المَنعُ عَلَيْهِ، وكانَ حَكِيمًا لا يَصِحُّ الخُلْفُ في وعْدِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ عَلى الطّاعَةِ بِالجَنَّةِ، فَكانَتِ الجَنَّةُ كالمَعِدَةِ المُهَيَّأةِ لَهم تَشْبِيهًا لِما سَيَقَعُ قَطْعًا بِالواقِعِ، وقَدْ يَقُولُ المَرْءُ لِصاحِبِهِ: ”أعْدَدْتُ لَكَ المُكافَأةَ“ إذا عَزَمَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يُوجِدْها. والثّانِي: أنَّ المُرادَ إذا كانَتِ الآخِرَةُ أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ أيْ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى. (الجَوابُ) أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ عامٌّ، وقَوْلَهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ خاصٌّ، والخاصٌّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا ”الجَنَّةُ مَخْلُوقَةٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ“ قُلْنا: إنَّها مَخْلُوقَةٌ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صِفَةِ الجَنَّةِ: ”«سَقْفُها عَرْشُ الرَّحْمَنِ» “ وأيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ فَوْقَ الشَّيْءِ أعْظَمَ مِنهُ ؟ ألَيْسَ أنَّ العَرْشَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ مَعَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ. * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ فِيهِ أعْظَمُ رَجاءٍ وأقْوى أمَلٍ، إذْ ذَكَرَ أنَّ الجَنَّةَ أُعِدَّتْ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَعَ الإيمانِ شَيْئًا آخَرَ، والمُعْتَزِلَةُ وإنْ زَعَمُوا أنَّ لَفْظَ الإيمانِ يُفِيدُ جُمْلَةَ الطّاعاتِ بِحُكْمِ تَصَرُّفِ الشَّرْعِ، لَكِنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّ لَفْظَ الإيمانِ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ الباءِ فَإنَّهُ باقٍ عَلى مَفْهُومِهِ الأصْلِيِّ وهو التَّصْدِيقُ، فالآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، ومِمّا يَتَأكَّدُ بِهِ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي أنَّ الجَنَّةَ فَضْلٌ لا مُعامَلَةٌ، فَهو يُؤْتِيها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ سَواءٌ أطاعَ أوْ عَصى، فَإنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكم أنْ تَقْطَعُوا بِحُصُولِ الجَنَّةِ لِجَمِيعِ العُصاةِ، وأنْ تَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا عِقابَ لَهم ؟ قُلْنا: نَقْطَعُ بِحُصُولِ الجَنَّةِ لَهم، ولا نَقْطَعُ بِنَفْيِ العِقابِ عَنْهم؛ لِأنَّهم إذا عُذِّبُوا مُدَّةً ثُمَّ نُقِلُوا إلى الجَنَّةِ وبَقُوا فِيها أبَدَ الآبادِ فَقَدْ كانَتِ الجَنَّةُ مُعَدَّةً لَهم، فَإنْ قِيلَ: فالمُرْتَدُّ قَدْ آمَنُ بِاللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ الآيَةِ، قُلْتُ: خُصَّ مِنَ العُمُومِ، فَيَبْقى العُمُومُ حُجَّةً فِيما عَداهُ. * * * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ زَعَمَ جُمْهُورُ أصْحابِنا أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ لا أنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِالعَمَلِ، وهَذا أيْضًا قَوْلُ الكَعْبِيِّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ هَذا المَذْهَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، أجابَ القاضِي عَنْهُ فَقالَ: هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوِ امْتَنَعَ بَيْنَ كَوْنِ الجَنَّةِ مُسْتَحَقَّةً وبَيْنَ كَوْنِها فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأمّا إذا صَحَّ اجْتِماعُ الصِّفَتَيْنِ فَلا يَصِحُّ هَذا الِاسْتِدْلالُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو المُتَفَضِّلُ بِالأُمُورِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ المُكَلَّفُ مَعَها مِن كَسْبِ هَذا الِاسْتِحْقاقِ، فَلَمّا كانَ تَعالى مُتَفَضِّلًا بِما يُكْسِبُ أسْبابَ هَذا الِاسْتِحْقاقِ كانَ مُتَفَضِّلًا بِها، قالَ: ولَمّا ثَبَتَ هَذا، ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مِن قَبْلُ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ مَعْنًى. واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى مُتَفَضِّلًا بِأسْبابِ ذَلِكَ الكَسْبِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى مُتَفَضِّلًا بِنَفْسِ الجَنَّةِ، فَإنَّ مَن وُهِبَ مِن إنْسانٍ كاغِدًا ودَواةً وقَلَمًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ كَتَبَ بِذَلِكَ المِدادِ عَلى ذَلِكَ الكاغِدِ مُصْحَفًا وباعَهُ مِنَ الواهِبِ، لا يُقالُ: إنَّ أداءَ ذَلِكَ الثَّمَنِ تَفْضِيلٌ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ مُسْتَحَقٌّ، فَكَذا هَهُنا، وأمّا قَوْلُهُ أوَّلًا: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مِن قَبْلُ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ مَعْنًى، فَجَوابُهُ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ عَجِيبٌ؛ لِأنَّ لِلْمُتَفَضِّلِ أنْ يَشْرُطَ في تَفَضُّلِهِ أيَّ شَرْطٍ شاءَ، ويَقُولُ: لا أتَفَضَّلُ إلّا مَعَ هَذا الشَّرْطِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ حالِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا الفَضْلِ العَظِيمِ إذا أعْطى عَطاءً مَدَحَ بِهِ نَفْسَهُ وأثْنى بِسَبَبِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَطاءُ عَظِيمًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ بَيَّنَ أنَّ المُؤَدِّيَ إلى الجَنَّةِ والنّارِ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءٍ وقَدَرٍ، فَقالَ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ والمَعْنى لا تُوجَدُ مُصِيبَةٌ مِن هَذِهِ المَصائِبِ إلّا وهي مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، والمُصِيبَةُ في الأرْضِ هي قَحْطُ المَطَرِ، وقِلَّةُ النَّباتِ، ونَقْصُ الثِّمارِ، وغَلاءُ الأسْعارِ، وتَتابُعُ الجُوعِ. والمُصِيبَةُ في الأنْفُسِ فِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها هي: الأمْراضُ، والفَقْرُ، وذَهابُ الأوْلادِ، وإقامَةُ الحُدُودِ عَلَيْها. والثّانِي: أنَّها تَتَناوَلُ الخَيْرَ والشَّرَّ أجْمَعَ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ يَعْنِي مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ الأرْضِيَّةِ قَبْلَ دُخُولِها في الوُجُودِ مَكْتُوبَةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وإنَّما كَتَبَ كُلَّ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: تَسْتَدِلُّ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ المَكْتُوبِ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها. وثانِيها: لِيَعْرِفُوا حِكْمَةَ اللَّهِ فَإنَّهُ تَعالى مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى تِلْكَ المَعاصِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وثالِثُها: لِيَحْذَرُوا مِن أمْثالِ تِلْكَ المَعاصِي. ورابِعُها: لِيَشْكُرُوا اللَّهَ تَعالى عَلى تَوْفِيقِهِ إيّاهم عَلى الطّاعاتِ وعِصْمَتِهِ إيّاهم مِنَ المَعاصِي. وقالَتِ الحُكَماءُ: إنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم هُمُ المُدَبِّراتُ أمْرًا، وهُمُ المُقَسِّماتُ أمْرًا، إنَّما هي المَبادِئُ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في صفحة ٢٠٧ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ بِواسِطَةِ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ والِاتِّصالاتِ الكَوْكَبِيَّةِ، فَتَصَوُّراتُها لِانْسِياقِ تِلْكَ الأسْبابِ إلى المُسَبَّباتِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ أهْلِ التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها خِلافًا لِهِشامِ بْنِ الحَكَمِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كَتَبَها في الكِتابِ قَبْلَ وُقُوعِها وجاءَتْ مُطابِقَةً لِذَلِكَ الكِتابِ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى عالِمًا بِها بِأسْرِها. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا في أنْفُسِكُمْ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ مَصائِبِ الأنْفُسِ فَيَدْخُلُ فِيها كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ أعْمالِهِمْ بِتَفاصِيلِها مَكْتُوبَةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومُثْبَتَةٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ الِامْتِناعُ مِن تِلْكَ الأعْمالِ مُحالًا؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِوُجُودِها مُنافٍ لِعَدَمِها، والجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ مُحالٌ، فَلَمّا حَصَلَ العِلْمُ بِوُجُودِها، وهَذا العِلْمُ مُمْتَنِعُ الزَّوالِ كانَ الجَمْعُ بَيْنَ عَدَمِها وبَيْنَ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِها مُحالًا. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: إنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ مَكْتُوبَةٌ في الكِتابِ؛ لِأنَّ حَرَكاتِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَإثْباتُها في الكِتابِ مُحالٌ، وأيْضًا خَصَّصَ ذَلِكَ بِالأرْضِ والأنْفُسِ وما أدْخَلَ فِيها أحْوالَ السَّماواتِ، وأيْضًا خَصَّصَ ذَلِكَ بِمَصائِبِ الأرْضِ والأنْفُسِ لا بِسَعاداتِ الأرْضِ والأنْفُسِ، وفي كُلِّ هَذِهِ الرُّمُوزِ إشاراتٌ وأسْرارٌ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَ هَذِهِ المَصائِبَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ الأنْفُسُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ نَفْسُ الأرْضِ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الكُلِّ قَدْ تَقَدَّمَ وإنْ كانَ الأقْرَبُ نَفْسَ المُصِيبَةِ؛ لِأنَّها هي المَقْصُودُ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأ المَخْلُوقاتِ، والمَخْلُوقاتُ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها إلّا أنَّها لِظُهُورِها يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْها كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّ حِفْظَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ هَيِّنٌ. والثّانِي: إنَّ إثْباتَ ذَلِكَ عَلى كَثْرَتِهِ في الكِتابِ يَسِيرٌ عَلى اللَّهِ وإنْ كانَ عَسِيرًا عَلى العِبادِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١] .

الحديد 57:23

ثُمَّ قالَ تَعالى: (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ اللّامُ تُفِيدُ جَعْلَ أوَّلِ الكَلامِ سَبَبًا لِآخِرِهِ، كَما تَقُولُ: قُمْتُ لِأضْرِبَكَ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِيامَ سَبَبٌ لِلضَّرْبِ، وهَهُنا كَذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إخْبارَ اللَّهِ عَنْ كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ واقِعَةً بِالقَضاءِ والقَدَرِ ومُثْبَتَةً في الكِتابِ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ يُوجِبُ أنْ لا يَشْتَدَّ فَرَحُ الإنْسانِ بِما وقَعَ، وأنْ لا يَشْتَدَّ حُزْنُهُ بِما لَمْ يَقَعْ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ» “ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ وُقُوعَ كُلِّ ما وقَعَ واجِبٌ، وعَدَمُ كُلِّ ما لَمْ يَقَعْ واجِبٌ أيْضًا لِأسْبابٍ أرْبَعَةٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ وُقُوعَهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعِ انْقَلَبَ العِلْمُ جَهْلًا. ثانِيها: أنَّ اللَّهَ أرادَ وُقُوعَهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعِ انْقَلَبَتِ صفحة ٢٠٨ الإرادَةُ تَمَنِّيًا. ثالِثُها: أنَّهُ تَعَلَّقَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى بِإيقاعِهِ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ عَجْزًا. رابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِوُقُوعِهِ بِكَلامِهِ الَّذِي هو صِدْقٌ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَ ذَلِكَ الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، فَإذَنْ هَذا الَّذِي وقَعَ لَوْ لَمْ يَقَعْ لَتَغَيَّرَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعَةُ مِن كَمالِها إلى النَّقْصِ، ومِن قِدَمِها إلى الحُدُوثِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا عَلِمْنا أنَّهُ لا دافِعَ لِذَلِكَ الوُقُوعِ، وحِينَئِذٍ يَزُولُ الغَمُّ والحُزْنُ عِنْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الخَواطِرِ، وهانَتْ عَلَيْهِ المِحَنُ والمَصائِبُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهَبْ أنَّهم يُنازِعُونَ في القُدْرَةِ والإرادَةِ، ولَكِنَّهم يُوافِقُونَ في العِلْمِ والخَيْرِ، وإذا كانَ الجَبْرُ لازِمًا في هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أنْ يَلْزَمَ الجَبْرُ بِسَبَبِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وبَيْنَ أنْ يَلْزَمَ بِسَبَبِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ، وأمّا الفَلاسِفَةُ فالجَبْرُ مَذْهَبُهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهم رَبَطُوا حُدُوثَ الأفْعالِ الإنْسانِيَّةِ بِالتَّصَوُّراتِ الذِّهْنِيَّةِ والتَّخَيُّلاتِ الحَيَوانِيَّةِ، ثُمَّ رَبَطُوا تِلْكَ التَّصَوُّراتِ والتَّخَيُّلاتِ بِالأدْوارِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي لَها مَناهِجُ مُقَدَّرَةٌ ويَمْتَنِعُ وُقُوعُ ما يُخالِفُها. وأمّا الدَّهْرِيَّةُ الَّذِينَ لا يُثْبِتُونَ شَيْئًا مِنَ المُؤَثِّراتِ فَهم لا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا بِأنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ اتِّفاقِيٌّ، وإذا كانَ اتِّفاقِيًّا لَمْ يَكُنِ اخْتِيارِيًّا، فَيَكُونُ الجَبْرُ لازِمًا، فَظَهَرَ أنَّهُ لا مَندُوحَةَ عَنْ هَذا لِأحَدٍ مِن فِرَقِ العُقَلاءِ، سَواءٌ أقَرُّوا بِهِ أوْ أنْكَرُوهُ، فَهَذا بَيانُ وجْهِ اسْتِدْلالِ أهْلِ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في كَوْنِ العَبْدِ مُتَمَكِّنًا مُخْتارًا، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أخْبَرَهم بِكَوْنِ تِلْكَ المَصائِبِ مُثْبَتَةً في الكِتابِ لِأجْلِ أنْ يَحْتَرِزُوا عَنِ الحُزْنِ والفَرَحِ، ولَوْلا أنَّهم قادِرُونَ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ لَما بَقِيَ لِهَذِهِ اللّامِ فائِدَةٌ. والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الحُزْنُ والفَرَحُ، وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ كُلَّ ذَلِكَ مِنهم. والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ذَلِكَ لِأنَّ المَحَبَّةَ والإرادَةَ سَواءٌ، فَهو خِلافُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ: إنَّ كُلَّ واقِعٍ فَهو مُرادُ اللَّهِ تَعالى. الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ لامَ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالغَرَضِ، وأقُولُ: العاقِلُ يَتَعَجَّبُ جِدًّا مِن كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآياتِ بِالجَبْرِ والقَدَرِ وتَعَلُّقِ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ بِأكْثَرِها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”بِما أتاكم“ قَصْرًا، وقَرَأ الباقُونَ: ”آتاكم“ مَمْدُودًا، حُجَّةُ أبِي عَمْرٍو أنَّ ”أتاكم“ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاتَكُمْ﴾ فَكَما أنَّ الفِعْلَ لِلْغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَكُمْ﴾ كَذَلِكَ يَكُونُ الفِعْلُ لِلْآتِي في قَوْلِهِ: ﴿بِما آتاكُمْ﴾ والعائِدُ إلى المَوْصُولِ في الكَلِمَتَيْنِ الذِّكْرُ المَرْفُوعُ بِأنَّهُ فاعِلٌ، وحُجَّةُ الباقِينَ أنَّهُ إذا مُدَّ كانَ ذَلِكَ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى وهو المُعْطِي لِذَلِكَ، ويَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ في: ﴿آتاكُمْ﴾ ضَمِيرًا عائِدًا إلى اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والهاءُ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الصِّلَةِ، تَقْدِيرُهُ بِما آتاكُمُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ نَفْيَ الأسى والفَرَحِ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ مَعْناهُ: لا تَحْزَنُوا حُزْنًا يُخْرِجُكم إلى أنْ تُهْلِكُوا أنْفُسَكم ولا تَعْتَدُّوا بِثَوابٍ عَلى فَواتِ ما سُلِبَ مِنكم، ولا تَفْرَحُوا فَرَحًا شَدِيدًا يُطْغِيكم حَتّى تَأْشَرُوا فِيهِ وتَبْطُرُوا، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ ذَمَّ الفَرَحَ الَّذِي يَخْتالُ فِيهِ صاحِبُهُ ويَبْطُرُ، وأمّا الفَرَحُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ والشُّكْرُ عَلَيْها فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا وهو يَفْرَحُ ويَحْزَنُ، ولَكِنِ اجْعَلُوا لِلْمُصِيبَةِ صَبْرًا ولِلْخَيْرِ شُكْرًا. واحْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ أفْعالَ العِبادِ، (والجَوابُ) عَنْهُ أنَّ كَثِيرًا مِن أصْحابِنا مَن فَرَّقَ بَيْنَ المَحَبَّةِ والإرادَةِ فَقالَ: المَحَبَّةُ إرادَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي إرادَةُ الثَّوابِ، فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ هَذِهِ الإرادَةِ نَفْيُ مُطْلَقِ الإرادَةِ.

الحديد 57:24

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لا يُحِبُّ المُخْتالَ ولا يُحِبُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، يُرِيدُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ الفَرَحَ المُطْغِي، فَإذا رُزِقُوا مالًا وحَظًّا مِنَ الدُّنْيا فَلِحُبِّهِمْ لَهُ وعِزَّتِهِ عِنْدَهم يَبْخَلُونَ بِهِ، ولا يَكْفِيهِمْ أنَّهم بَخِلُوا بِهِ، بَلْ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ بِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَتِيجَةُ فَرَحِهِمْ عِنْدَ إصابَتِهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ عَنْ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ ولَمْ يَنْتَهِ عَمّا نَهى عَنْهُ مِنَ الأسى عَلى الفائِتِ والفَرِحِ بِالآتِي، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وهو في صِفَةُ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَخِلُوا بِبَيانِ نَعْتِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ وحَذْفُ الخَبَرِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ“، وحَذَفُوا لَفْظَ ”هو“ وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشَّأْمِ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَنْبَغِي أنَّ ”هُوَ“ في هَذِهِ الآيَةِ فَصْلًا لا مُبْتَدَأً؛ لِأنَّ الفَصْلَ حَذْفُهُ أسْهَلُ، ألا تَرى أنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلْفَصْلِ مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ يُحْذَفُ فَلا يُخِلُّ بِالمَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، فَلا يَعُودُ ضَرَرٌ عَلَيْهِ بِبُخْلِ ذَلِكَ البَخِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿الحَمِيدُ﴾ كَأنَّهُ جَوابٌ عَنِ السُّؤالِ يُذْكَرُ هَهُنا، فَإنَّهُ يُقالُ: لَمّا كانَ تَعالى عالِمًا بِأنَّهُ يَبْخَلُ بِذَلِكَ المالِ ولا يَصْرِفُهُ إلى وُجُوهِ الطّاعاتِ، فَلِمَ أعْطاهُ ذَلِكَ المالَ ؟ فَأجابَ بِأنَّهُ تَعالى حَمِيدٌ في ذَلِكَ الإعْطاءِ، ومُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ حَيْثُ فَتَحَ عَلَيْهِ أبْوابَ رَحْمَتِهِ ونِعْمَتِهِ، فَإنْ قَصَّرَ العَبْدُ في الطّاعَةِ فَإنَّ وبالَهُ عائِدٌ إلَيْهِ.

الحديد 57:25

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ وفي تَفْسِيرِ البَيِّناتِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ: إنَّها هي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ والدَّلائِلُ القاهِرَةُ. والثّانِي: وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ أيْ أرْسَلْناهم بِالأعْمالِ الَّتِي تَدْعُوهم إلى طاعَةِ اللَّهِ وإلى الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ نُبُوَّتَهم إنَّما ثَبَتَتْ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ . واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقالَ: صفحة ٢١٠ ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الكِتابِ والمِيزانِ والحَدِيدِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو الَّذِي أقُولُهُ: أنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: فِعْلُ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ. والثّانِي: تَرْكُ ما يَنْبَغِي تَرْكُهُ، والأوَّلُ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ لَوْ كانَ هو التَّرْكُ لَوَجَبَ أنْ لا يُخْلَقَ أحَدٌ؛ لَأنَّ التَّرْكَ كانَ حاصِلًا في الأزَلِ، وأمّا فِعْلُ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالنَّفْيِ وهو المَعارِفُ، أوْ بِالبَدَنِ وهو أعْمالُ الجَوارِحِ، فالكِتابُ هو الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي مِنَ الأفْعالِ النَّفْسانِيَّةِ لِأنْ يَتَمَيَّزَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ والحُجَّةُ مِنَ الشُّبْهَةِ، والمِيزانُ هو الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، فَإنَّ مُعْظَمَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ في الأعْمالِ هو ما يَرْجِعُ إلى مُعامَلَةِ الخَلْقِ، والمِيزانُ هو الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ العَدْلُ عَنِ الظُّلْمِ والزّائِدُ عَنِ النّاقِصِ، وأمّا الحَدِيدُ فَفِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، وهو زاجِرٌ لِلْخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي، والحاصِلُ أنَّ الكِتابَ إشارَةٌ إلى القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، والمِيزانَ إلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، والحَدِيدَ إلى دَفْعِ ما لا يَنْبَغِي، ولَمّا كانَ أشْرَفُ الأقْسامِ رِعايَةَ المَصالِحِ الرُّوحانِيَّةِ، ثُمَّ رِعايَةَ المَصالِحِ الجُسْمانِيَّةِ، ثُمَّ الزَّجْرَ عَمّا لا يَنْبَغِي - رُوعِيَ هَذا التَّرْتِيبُ في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيها: المُعامَلَةُ إمّا مَعَ الخالِقِ وطَرِيقُها الكِتابُ، أوْ مَعَ الخَلْقِ وهم: إمّا الأحْبابُ والمُعامَلَةُ مَعَهم بِالسَّوِيَّةِ وهي بِالمِيزانِ، أوْ مَعَ الأعْداءِ والمُعامَلَةُ مَعَهم بِالسَّيْفِ والحَدِيدِ. وثالِثُها: الأقْوامُ ثَلاثَةٌ: إمّا السّابِقُونَ وهم يُعامِلُونَ الخَلْقَ بِمُقْتَضى الكِتابِ، فَيُنْصِفُونَ ولا يَنْتَصِفُونَ، ويَحْتَرِزُونَ عَنْ مَواقِعِ الشُّبُهاتِ، وإمّا مُقْتَصِدُونَ وهُمُ الَّذِينَ يُنْصِفُونَ ويَنْتَصِفُونَ، فَلا بُدَّ لَهم مِنَ المِيزانِ، وإمّا ظالِمُونَ وهُمُ الَّذِينَ يَنْتَصِفُونَ ولا يُنْصِفُونَ، ولا بُدَّ لَهم مِنَ الحَدِيدِ والزَّجْرِ. ورابِعُها: الإنْسانُ، إمّا أنْ يَكُونَ في مَقامِ الحَقِيقَةِ وهو مَقامُ النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ ومَقامُ المُقَرَّبِينَ، فَهَهُنا لا يَسْكُنُ إلّا إلى اللَّهِ، ولا يَعْمَلُ إلّا بِكِتابِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وإمّا أنْ يَكُونَ في مَقامِ الطَّرِيقَةِ وهو مَقامُ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ، ومَقامُ أصْحابِ اليَمِينِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ المِيزانِ في مَعْرِفَةِ الأخْلاقِ حَتّى يَحْتَرِزَ عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، ويَبْقى عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإمّا أنْ يَكُونَ في مَقامِ الشَّرِيعَةِ وهو مَقامُ النَّفْسِ الأمّارَةِ، وهَهُنا لا بُدَّ لَهُ مِن حَدِيدِ المُجاهَدَةِ والرِّياضاتِ الشّاقَّةِ. وخامِسُها: الإنْسانُ إمّا أنْ يَكُونَ صاحِبَ المُكاشَفَةِ والوُصُولِ فَلا أُنْسَ لَهُ إلّا بِالكِتابِ، أوْ صاحِبَ الطَّلَبِ والِاسْتِدْلالِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مِيزانِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ، أوْ صاحِبَ العِنادِ واللِّجاجِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُنْفى مِنَ الأرْضِ بِالحَدِيدِ. وسادِسُها: أنَّ الدِّينَ هو إمّا الأُصُولُ وإمّا الفُرُوعُ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إمّا المَعارِفُ وإمّا الأعْمالُ، فالأُصُولُ مِنَ الكِتابِ، وأمّا الفُرُوعُ: فالمَقْصُودُ الأفْعالُ الَّتِي فِيها عَدْلُهم ومَصْلَحَتُهم، وذَلِكَ بِالمِيزانِ، فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى رِعايَةِ العَدْلِ، والحَدِيدُ لِتَأْدِيبِ مَن تَرَكَ ذَيْنِكَ الطَّرِيقَيْنِ. وسابِعُها: الكِتابُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ مِنَ الأحْكامِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَدْلِ والإنْصافِ، والمِيزانُ إشارَةٌ إلى حَمْلِ النّاسِ عَلى تِلْكَ الأحْكامِ المَبْنِيَّةِ عَلى العَدْلِ والإنْصافِ، وهو شَأْنُ المُلُوكِ، والحَدِيدُ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَوْ تَمَرَّدُوا لَوَجَبَ أنْ يُحْمَلُوا عَلَيْهِما بِالسَّيْفِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ العُلَماءِ وهم أرْبابُ الكِتابِ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ المُلُوكِ الَّذِينَ هم أرْبابُ السَّيْفِ، ووُجُوهُ المُناسَباتِ كَثِيرَةٌ، وفِيما ذَكَرْناهُ تَنْبِيهٌ عَلى الباقِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في إنْزالِ المِيزانِ وإنْزالِ الحَدِيدِ قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما مِنَ السَّماءِ، رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِالمِيزانِ فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ، وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِنَ الحَدِيدِ: السَّنَدانُ، والكَلْبَتانُ، والمِقْمَعَةُ، والمِطْرَقَةُ، والإبْرَةُ، والمِقْمَعَةُ ما صفحة ٢١١ يُحَدَّدُ بِهِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ أرْبَعَ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ: أنْزَلَ الحَدِيدَ والنّارَ والماءَ والمِلْحَ» “ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى هَذا الإنْزالِ الإنْشاءُ والتَّهْيِئَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] قالَ قُطْرُبٌ: ”أنْزَلْناها“ أيْ هَيَّأْناها، مِنَ النُّزُلِ، يُقالُ: أُنْزِلَ الأمِيرُ عَلى فُلانٍ نُزُلًا حَسَنًا. ومِنهم مَن قالَ: هَذا مِن جِنْسِ قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وأكَلْتُ خُبْزًا ولَبَنًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذُكِرَ في مَنافِعِ المِيزانِ أنْ يَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ، والقِسْطُ والإقْساطُ هو الإنْصافُ، وهو أنْ تُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِكَ كَما تَأْخُذُ قِسْطَ نَفْسِكَ، والعادِلُ مُقْسِطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] وأمّا الحَدِيدُ فَفِيهِ البَأْسُ الشَّدِيدُ، فَإنَّ آلاتِ الحُرُوبِ مُتَّخَذَةٌ مِنهُ، وفِيهِ أيْضًا مَنافِعُ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ومِنها أنَّ مَصالِحَ العالَمِ إمّا أُصُولٌ، وإمّا فُرُوعٌ، أمّا الأُصُولُ فَأرْبَعَةٌ: الزِّراعَةُ، والحِياكَةُ، وبِناءُ البُيُوتِ، والسَّلْطَنَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مُضْطَرٌّ إلى طَعامٍ يَأْكُلُهُ، وثَوْبٍ يَلْبَسُهُ، وبِناءٍ يَجْلِسُ فِيهِ، والإنْسانُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، فَلا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُ إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ جَمْعٍ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ يَشْتَغِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِمُهِمٍّ خاصٍّ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ مِنَ الكُلِّ مَصالِحُ الكُلِّ، وذَلِكَ الِانْتِظامُ لا بُدَّ وأنْ يُفْضِيَ إلى المُزاحَمَةِ، ولا بُدَّ مِن شَخْصٍ يَدْفَعُ ضَرَرَ البَعْضِ عَنِ البَعْضِ، وذَلِكَ هو السُّلْطانُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا تَنْتَظِمُ مَصْلَحَةُ العالَمِ إلّا بِهَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، أمّا الزِّراعَةُ فَمُحْتاجَةٌ إلى الحَدِيدِ، وذَلِكَ في كُرَبِ الأراضِي وحَفْرِها، ثُمَّ عِنْدَ تَكَوُّنِ هَذِهِ الحُبُوبِ وتَوَلُّدِها لا بُدَّ مِن خَبْزِها وتَنْقِيَتِها، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالحَدِيدِ، ثُمَّ الحُبُوبُ لا بُدَّ مِن طَحْنِها، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالحَدِيدِ، ثُمَّ لا بُدَّ مِن خَبْزِها، ولا يَتِمُّ إلّا بِالنّارِ، ولا بُدَّ مِنَ المِقْدَحَةِ الحَدِيدِيَّةِ، وأمّا الفَواكِهُ فَلا بُدَّ مِن تَنْظِيفِها عَنْ قُشُورِها، وقَطْعِها عَلى الوُجُوهِ المُوافِقَةِ لِلْأكْلِ، ولا يَتِمُّ ذَلِكَ إلّا بِالحَدِيدِ، وأمّا الحِياكَةُ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ يَحْتاجُ في آلاتِ الحِياكَةِ إلى الحَدِيدِ، ثُمَّ يَحْتاجُ في قَطْعِ الثِّيابِ وخِياطَتِها إلى الحَدِيدِ، وأمّا البِناءُ فَمَعْلُومٌ أنَّ كَمالَ الحالِ فِيهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالحَدِيدِ، وأمّا أسْبابُ السَّلْطَنَةِ فَمَعْلُومٌ أنَّها لا تَتِمُّ ولا تَكْمُلُ إلّا بِالحَدِيدِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ أكْثَرَ مَصالِحِ العالَمِ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَدِيدِ، ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ الذَّهَبَ لا يَقُومُ مَقامَ الحَدِيدِ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَصالِحِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدِ الذَّهَبُ في الدُّنْيا ما كانَ يَخْتَلُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدُّنْيا، ولَوْ لَمْ يُوجَدِ الحَدِيدُ لاخْتَلَّ جَمِيعُ مَصالِحِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ الحَدِيدَ لَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ شَدِيدَةً جَعَلَهُ سَهْلَ الوِجْدانِ، كَثِيرَ الوُجُودِ، والذَّهَبُ لَمّا قَلَّتِ الحاجَةُ إلَيْهِ جَعَلَهُ عَزِيزَ الوُجُودِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أثَرُ جُودِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ عَلى عَبِيدِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما كانَتْ حاجَتُهم إلَيْهِ أكْثَرَ جَعَلَ وِجْدانَهُ أسْهَلَ؛ ولِهَذا قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إنَّ أعْظَمَ الأُمُورِ حاجَةً إلَيْهِ هو الهَواءُ، فَإنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ وُصُولُهُ إلى القَلْبِ لَحْظَةً لَماتَ الإنْسانُ في الحالِ، فَلا جَرَمَ جَعَلَهُ اللَّهُ أسْهَلَ الأشْياءِ وِجْدانًا، وهَيَّأ أسْبابَ التَّنَفُّسِ وآلاتِهِ، حَتّى إنَّ الإنْسانَ يَتَنَفَّسُ دائِمًا بِمُقْتَضى طَبْعِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ عَمَلٍ، وبَعْدَ الهَواءِ الماءُ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى الماءِ أقَلَّ مِنَ الحاجَةِ إلى الهَواءِ جَعَلَ تَحْصِيلَ الماءِ أشَقَّ قَلِيلًا مِن تَحْصِيلِ الهَواءِ، وبَعْدَ الماءِ الطَّعامُ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى الطَّعامِ أقَلَّ مِنَ الحاجَةِ إلى الماءِ، جَعَلَ تَحْصِيلَ الطَّعامِ أشَقَّ مِن تَحْصِيلِ الماءِ، ثُمَّ تَتَفاوَتُ الأطْعِمَةُ في دَرَجاتِ الحاجَةِ والعِزَّةِ، فَكُلُّ ما كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أشَدَّ كانَ وِجْدانُهُ أسْهَلَ، وكُلُّ ما كانَ وِجْدانُهُ أعْسَرَ كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أقَلَّ، والجَواهِرُ لَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلَيْها قَلِيلَةً جِدًّا، لا جَرَمَ كانَتْ عَزِيزَةً جِدًّا، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أكْثَرَ كانَ وِجْدانُهُ أسْهَلَ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أشَدَّ مِنَ الحاجَةِ إلى كُلِّ شَيْءٍ فَنَرْجُو مِن صفحة ٢١٢ فَضْلِهِ أنْ يَجْعَلَها أسْهَلَ الأشْياءِ وِجْدانًا، قالَ الشّاعِرُ: سُبْحانَ مَن خَصَّ العَزِيزَ بِعِزِّهِ والنّاسُ مُسْتَغْنُونَ عَنْ أجْناسِهِ وأذَلَّ أنْفاسَ الهَواءِ وكُلُّ ذِي ∗∗∗ نَفْسٍ فَمُحْتاجٌ إلى أنْفاسِهِ * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، أيْ يَنْصُرُ دِينَهُ ويَنْصُرُ رُسُلَهُ بِاسْتِعْمالِ السُّيُوفِ والرِّماحِ وسائِرِ السِّلاحِ في مُجاهَدَةِ أعْداءِ الدِّينِ بِالغَيْبِ، أيْ غائِبًا عَنْهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُونَهُ ولا يُبْصِرُونَهُ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِحُدُوثِ عِلْمِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ والجَوابُ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالعِلْمِ المَعْلُومَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِتَقَعَ نُصْرَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المِيزانَ والحَدِيدَ، ومُرادُهُ مِنَ العِبادِ أنْ يَقُومُوا بِالقِسْطِ وأنْ يَنْصُرُوا الرَّسُولَ، وإذا كانَ هَذا مُرادُهُ مِنَ الكُلِّ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُ المُجْبِرَةِ أنَّهُ أرادَ مِن بَعْضِهِمْ خِلافَ ذَلِكَ. (جَوابُهُ) أنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ مِنَ الكُلِّ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ضِدَّهُ مَوْجُودٌ، وأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، وأنَّ المُحالَ غَيْرُ مُرادٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَمّا كانَتِ النُّصْرَةُ قَدْ تَكُونُ ظاهِرَةً، كَما يَقَعُ مِن مُنافِقٍ أوْ مِمَّنْ مُرادُهُ المَنافِعُ في الدُّنْيا، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي أرادَهُ النُّصْرَةُ بِالغَيْبِ، ومَعْناهُ أنْ تَقَعَ عَنْ إخْلاصٍ بِالقَلْبِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَوِيٌّ عَلى الأُمُورِ عَزِيزٌ لا يُمانَعُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ، وأنَّهُ أنْزَلَ المِيزانَ والحَدِيدَ، وأمَرَ الخَلْقَ بِأنْ يَقُومُوا بِنُصْرَتِهِمْ -أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى شَرَّفَ نُوحًا وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ جَعَلَ في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ، فَما جاءَ بَعْدَهُما أحَدٌ بِالنُّبُوَّةِ إلّا وكانَ مِن أوْلادِهِما، وإنَّما قَدَّمَ النُّبُوَّةَ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ كَمالَ حالِ النَّبِيِّ أنْ يَصِيرَ صاحِبَ الكِتابِ والشَّرْعِ.

الحديد 57:26

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٢١٣ المَسْألَةُ الأُولى: فَمِنهم مُهْتَدٍ، أيْ فَمِنَ الذُّرِّيَّةِ أوْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الإرْسالِ والمُرْسَلِينَ، والمَعْنى أنَّ مِنهم مُهْتَدٍ ومِنهم فاسِقٌ، والغَلَبَةُ لِلْفُسّاقِ، وفي الفاسِقِ هَهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي ارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ يُطْلَقُ عَلى الكافِرِ وعَلى مَن لا يَكُونُ، كَذَلِكَ إذا كانَ مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالفاسِقِ هَهُنا الكافِرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الفُسّاقَ بِالضِّدِّ مِنَ المُهْتَدِينَ، فَكَأنَّ المُرادَ أنَّ فِيهِمْ مَن قَبِلَ الدِّينَ واهْتَدى، ومِنهم مَن لَمْ يَقْبَلْ ولَمْ يَهْتَدِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كافِرًا، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ الَّذِي عَصى قَدْ يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ إلى وجْهِ رُشْدِهِ ودِينِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَفّاهُ: أتْبَعَهُ بَعْدَ أنْ مَضى، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ بَعْضَهم بَعْدَ بَعْضٍ إلى أنِ انْتَهى إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهم وآتاهُ الإنْجِيلَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ جِنِّي: قَرَأ الحَسَنُ: ”وآتَيْناهُ الأنْجِيلَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ثُمَّ قالَ: هَذا مِثالٌ لا نَظِيرَ لَهُ؛ لِأنَّ أفْعِيلَ وهو عِنْدَهم مِن نَجَلْتُ الشَّيْءَ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ؛ لِأنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ الأحْكامُ، والتَّوْراةُ فَوْعَلَةٌ مِن ورى الزَّنْدُ يَرى إذا أخْرَجَ النّارَ، ومِثْلُهُ الفُرْقانُ وهو فُعْلانٌ مِن فَرَّقْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ فَتْحُ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ، وغالِبُ الظَّنِّ أنَّهُ ما قَرَأهُ إلّا عَنْ سَماعٍ ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شاذٌّ كَما حَكى بَعْضُهم في البَرْطِيلِ. وثانِيهِما: أنَّهُ ظَنَّ الإنْجِيلَ أعْجَمِيًّا فَحَرَّفَ مِثالَهُ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ أعْجَمِيًّا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى وكَسْبٌ لِلْعَبْدِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَجْعُولَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وحَكَمَ بِأنَّهُمُ ابْتَدَعُوا تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ، قالَ القاضِي: المُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطَفَ بِهِمْ حَتّى قَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى الرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي هي تَحَمُّلُ الكُلْفَةِ الزّائِدَةِ عَلى ما يَجِبُ مِنَ الخَلْوَةِ واللِّباسِ الخَشِنِ. (والجَوابُ) أنَّ هَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، عَلى أنّا وإنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَهو يُحَصِّلُ مَقْصُودَنا أيْضًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ حالَ الِاسْتِواءِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الرُّجْحانِ، وإلّا فَقَدَ حَصَلَ الرُّجْحانُ عِنْدَ الِاسْتِواءِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ، وإذا كانَ الحُصُولُ عِنْدَ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعًا، كانَ عِنْدَ المَرْجُوحِيَّةِ أوْلى أنْ يَصِيرَ مُمْتَنِعًا، وإذا امْتَنَعَ المَرْجُوحُ وجَبَ الرّاجِحُ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خُرُوجَ عَنْ طَرَفَيِ النَّقِيضِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ مِنَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ هو أنَّهم كانُوا مُتَوادِّينَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، كَما وصَفَ اللَّهُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”رَآفَةً“ عَلى فَعالَةٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الرَّهْبانِيَّةُ مَعْناها الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرُّهْبانِ، وهو الخائِفُ، فَعْلانٌ مِن رَهَبَ، كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ، وقُرِئَ: ”ورُهْبانِيَّةً“ بِالضَّمِّ كَأنَّها نِسْبَةٌ إلى الرُّهْبانِ، وهو جَمْعُ راهِبٍ، كَراكِبٍ ورُكْبانٍ، صفحة ٢١٤ والمُرادُ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ تَرْهُّبُهم في الجِبالِ فارِّينَ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ، مُخْلِصِينَ أنْفُسَهم لِلْعِبادَةِ ومُتَحَمِّلِينَ كُلَفًا زائِدَةً عَلى العِباداتِ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً عَلَيْهِمْ مِنَ الخَلْوَةِ، واللِّباسِ الخَشِنِ، والِاعْتِزالِ عَنِ النِّساءِ، والتَّعَبُّدِ في الغِيرانِ والكُهُوفِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ في أيّامِ الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ -عَلَيْهِما السَّلامُ- غَيَّرَ المُلُوكُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، فَساحَ قَوْمٌ في الأرْضِ ولَبِسُوا الصُّوفَ. ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«يا ابْنَ مَسْعُودٍ، أما عَلِمْتَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَفَرَّقُوا سَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النّارِ إلّا ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ آمَنَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقاتَلُوا أعْداءَ اللَّهِ في نُصْرَتِهِ حَتّى قُتِلُوا، وفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَها طاقَةٌ بِالقِتالِ، فَأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، وفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَها طاقَةٌ بِالأمْرَيْنِ، فَلَبِسُوا العَباءَ، وخَرَجُوا إلى القِفارِ والفَيافِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» “ . المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَمْ يَعْنِ اللَّهُ تَعالى بِابْتَدَعُوها طَرِيقَةَ الذَّمِّ، بَلِ المُرادُ أنَّهم أحْدَثُوها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ونَذَرُوها؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ . المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿ورَهْبانِيَّةً﴾ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: ابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّهْبانِيَّةُ لا يَسْتَقِيمُ حَمْلُها عَلى (جَعَلْنا)؛ لِأنَّ ما يَبْتَدِعُونَهُ هم لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْعُولًا لِلَّهِ تَعالى، وأقُولُ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ امْتِناعُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قادِرَيْنِ، ومِن أيْنَ يَلِيقُ بِأبِي عَلِيٍّ أنْ يَخُوضَ في أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ.

الحديد 57:27

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لَمْ نَفْرِضْها نَحْنُ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. أيْ ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى أنّا ما تَعَبَّدْناهم بِها إلّا عَلى وجْهِ ابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ أنَّها لَيْسَتْ واجِبَةً، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن فِعْلِ الواجِبِ دَفْعُ العِقابِ وتَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ، أمّا المَندُوبُ فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِن فِعْلِهِ دَفْعُ العِقابِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ لَيْسَ إلّا تَحْصِيلَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةَ ما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، بَلْ ضَمُّوا إلَيْها التَّثْلِيثَ والِاتِّحادَ، وأقامَ أُناسٌ مِنهم عَلى دِينِ عِيسى حَتّى أدْرَكُوا مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -فَآمَنُوا بِهِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ . وثانِيها: أنّا ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ إلّا لِيَتَوَسَّلُوا بِها إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهم أتَوْا بِتِلْكَ الأفْعالِ، لَكِنْ لا لِهَذا الوَجْهِ، بَلْ لِوَجْهٍ آخَرَ، وهو طَلَبُ الدُّنْيا والرِّياءِ والسُّمْعَةِ. وثالِثُها: أنّا لَمّا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ تَرَكُوها، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا لَهم مِن حَيْثُ إنَّهم تَرَكُوا الواجِبَ. صفحة ٢١٥ ورابِعُها: أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها هُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن آمَنَ بِي وصَدَّقَنِي واتَّبَعَنِي فَقَدْ رَعاها حَقَّ رِعايَتِها، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِي فَأُولَئِكَ هُمُ الهالِكُونَ» “ . وخامِسُها: أنَّ الصّالِحِينَ مِن قَوْمِ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ وانْقَرَضُوا عَلَيْها، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهم قَوْمٌ اقْتَدَوْا بِهِمْ في اللِّسانِ، وما كانُوا مُقْتَدِينَ بِهِمْ في العَمَلِ، فَهُمُ الَّذِينَ ما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، قالَ عَطاءٌ: لَمْ يَرْعَوْها كَما رَعاها الحَوارِيُّونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ بَعْضَهم قامَ بِرِعايَتِها وكَثِيرٌ مِنهم أظْهَرَ الفِسْقَ وتَرَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ ظاهِرًا وباطِنًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قَوْمِ عِيسى: ﴿أجْرَهُمْ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمُرادُ بِهِ أُولَئِكَ، فَأمَرَهم أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ ويُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ قالَ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ لِإيمانِكم أوَّلًا بِعِيسى، وثانِيًا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] . عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ نَزَلَ في قَوْمٍ جاءُوا مِنَ اليَمَنِ مِن أهْلِ الكِتابِ إلى الرَّسُولِ وأسْلَمُوا، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهم أجْرَيْنِ. وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الكِفْلُ في اللُّغَةِ ؟ (الجَوابُ) قالَ المُؤَرِّجُ: الكِفْلُ: النَّصِيبُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هَذِهِ لُغَةُ الحَبَشَةِ، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ مَسْلَمَةَ: الكِفْلُ كِساءٌ يُدِيرُهُ الرّاكِبُ حَوْلَ السَّنامِ حَتّى يَتَمَكَّنَ مِنَ القُعُودِ عَلى البَعِيرِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا آتاهم كِفْلَيْنِ وأعْطى المُؤْمِنِينَ كِفْلًا واحِدًا كانَ حالُهم أعْظَمَ (والجَوابُ) رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ افْتَخَرُوا بِهَذا السَّبَبِ عَلى المُسْلِمِينَ. وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ النَّصِيبُ الواحِدُ أزْيَدَ قَدْرًا مِنَ النَّصِيبَيْنِ، فَإنَّ المالَ إذا قُسِّمَ بِنِصْفَيْنِ كانَ الكِفْلُ الواحِدُ نِصْفًا، وإذا قُسِّمَ بِمِائَةِ قِسْمٍ كانَ الكِفْلُ الواحِدُ جُزْءًا مِن مِائَةِ جُزْءٍ، فالنَّصِيبُ الواحِدُ مِنَ القِسْمَةِ الأُولى أزْيَدُ مِن عِشْرِينَ نَصِيبًا مِنَ القِسْمَةِ الثّانِيَةِ، فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وهو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسْلَفْتُمْ مِنَ المَعاصِي ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

الحديد 57:28

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لَمْ نَفْرِضْها نَحْنُ عَلَيْهِمْ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. أيْ ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى أنّا ما تَعَبَّدْناهم بِها إلّا عَلى وجْهِ ابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ أنَّها لَيْسَتْ واجِبَةً، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن فِعْلِ الواجِبِ دَفْعُ العِقابِ وتَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ، أمّا المَندُوبُ فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِن فِعْلِهِ دَفْعُ العِقابِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ لَيْسَ إلّا تَحْصِيلَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةَ ما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، بَلْ ضَمُّوا إلَيْها التَّثْلِيثَ والِاتِّحادَ، وأقامَ أُناسٌ مِنهم عَلى دِينِ عِيسى حَتّى أدْرَكُوا مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -فَآمَنُوا بِهِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ . وثانِيها: أنّا ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ إلّا لِيَتَوَسَّلُوا بِها إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهم أتَوْا بِتِلْكَ الأفْعالِ، لَكِنْ لا لِهَذا الوَجْهِ، بَلْ لِوَجْهٍ آخَرَ، وهو طَلَبُ الدُّنْيا والرِّياءِ والسُّمْعَةِ. وثالِثُها: أنّا لَمّا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ تَرَكُوها، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا لَهم مِن حَيْثُ إنَّهم تَرَكُوا الواجِبَ. صفحة ٢١٥ ورابِعُها: أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها هُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن آمَنَ بِي وصَدَّقَنِي واتَّبَعَنِي فَقَدْ رَعاها حَقَّ رِعايَتِها، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِي فَأُولَئِكَ هُمُ الهالِكُونَ» “ . وخامِسُها: أنَّ الصّالِحِينَ مِن قَوْمِ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ وانْقَرَضُوا عَلَيْها، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهم قَوْمٌ اقْتَدَوْا بِهِمْ في اللِّسانِ، وما كانُوا مُقْتَدِينَ بِهِمْ في العَمَلِ، فَهُمُ الَّذِينَ ما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، قالَ عَطاءٌ: لَمْ يَرْعَوْها كَما رَعاها الحَوارِيُّونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ بَعْضَهم قامَ بِرِعايَتِها وكَثِيرٌ مِنهم أظْهَرَ الفِسْقَ وتَرَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ ظاهِرًا وباطِنًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قَوْمِ عِيسى: ﴿أجْرَهُمْ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمُرادُ بِهِ أُولَئِكَ، فَأمَرَهم أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ ويُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ قالَ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ لِإيمانِكم أوَّلًا بِعِيسى، وثانِيًا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] . عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ نَزَلَ في قَوْمٍ جاءُوا مِنَ اليَمَنِ مِن أهْلِ الكِتابِ إلى الرَّسُولِ وأسْلَمُوا، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهم أجْرَيْنِ. وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الكِفْلُ في اللُّغَةِ ؟ (الجَوابُ) قالَ المُؤَرِّجُ: الكِفْلُ: النَّصِيبُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هَذِهِ لُغَةُ الحَبَشَةِ، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ مَسْلَمَةَ: الكِفْلُ كِساءٌ يُدِيرُهُ الرّاكِبُ حَوْلَ السَّنامِ حَتّى يَتَمَكَّنَ مِنَ القُعُودِ عَلى البَعِيرِ. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا آتاهم كِفْلَيْنِ وأعْطى المُؤْمِنِينَ كِفْلًا واحِدًا كانَ حالُهم أعْظَمَ (والجَوابُ) رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ افْتَخَرُوا بِهَذا السَّبَبِ عَلى المُسْلِمِينَ. وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ النَّصِيبُ الواحِدُ أزْيَدَ قَدْرًا مِنَ النَّصِيبَيْنِ، فَإنَّ المالَ إذا قُسِّمَ بِنِصْفَيْنِ كانَ الكِفْلُ الواحِدُ نِصْفًا، وإذا قُسِّمَ بِمِائَةِ قِسْمٍ كانَ الكِفْلُ الواحِدُ جُزْءًا مِن مِائَةِ جُزْءٍ، فالنَّصِيبُ الواحِدُ مِنَ القِسْمَةِ الأُولى أزْيَدُ مِن عِشْرِينَ نَصِيبًا مِنَ القِسْمَةِ الثّانِيَةِ، فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وهو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسْلَفْتُمْ مِنَ المَعاصِي ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

الحديد 57:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ، ولَيْسَ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيها كَلامٌ واضِحٌ في كَيْفِيَّةِ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. صفحة ٢١٦ واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ”لا“ هَهُنا صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ وجَمْعٌ آخَرُونَ: هَذِهِ الكَلِمَةُ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، ونَحْنُ نُفَسِّرُ الآيَةَ عَلى القَوْلَيْنِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ. (أمّا القَوْلُ المَشْهُورُ) وهو أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ زائِدَةٌ، فاعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ وهي: أنَّ أهْلَ الكِتابِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا يَقُولُونَ: الوَحْيُ والرِّسالَةُ فِينا، والكِتابُ والشَّرْعُ لَيْسَ إلّا لَنا، واللَّهُ تَعالى خَصَّنا بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ العَظِيمَةِ مِن بَيْنِ جَمِيعِ العالَمِينَ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ أهْلَ الكِتابِ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ووَعَدَهم بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى ذَلِكَ الإيمانِ -أتْبَعَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والغَرَضُ مِنها أنْ يُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِمُ اعْتِقادَهم بِأنَّ النُّبُوَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ وغَيْرُ حاصِلَةٍ إلّا في قَوْمِهِمْ، فَقالَ: إنَّما بالَغْنا في هَذا البَيانِ وأطْنَبْنا في الوَعْدِ والوَعِيدِ؛ لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى تَخْصِيصِ فَضْلِ اللَّهِ بِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، ولا يُمْكِنُهم حَصْرُ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ أصْلًا. أمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ لَفْظَةَ (لا) غَيْرُ زائِدَةٍ، فاعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَقْدِرُونَ﴾ عائِدٌ إلى الرَّسُولِ وأصْحابِهِ، والتَّقْدِيرُ: لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وأنَّهم إذا لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ أيْ ولِيَعْلَمُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إنّا فَعَلْنا كَذا وكَذا لِئَلّا يَعْتَقِدَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى حَصْرِ فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ في أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ، ولِيَعْتَقِدُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ فِيهِ إلّا أنّا أضْمَرْنا فِيهِ زِيادَةً، فَقُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ تَقْدِيرُ ولِيَعْتَقِدُوا أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ. وأمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَقَدِ افْتَقَرْنا فِيهِ إلى حَذْفِ شَيْءٍ مُوجَدٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإضْمارَ أوْلى مِنَ الحَذْفِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إذا افْتَقَرَ إلى الإضْمارِ لَمْ يُوهِمْ ظاهِرُهُ باطِلًا أصْلًا، أمّا إذا افْتَقَرَ إلى الحَذْفِ كانَ ظاهِرُهُ مُوهِمًا لِلْباطِلِ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: ”لِكَيْ يَعْلَمَ“، و”لِكَيْلا يَعْلَمَ“، و”لِيَعْلَمَ“، و”لِأنْ يَعْلَمَ“ بِإدْغامِ النُّونِ في الياءِ. وحَكى ابْنُ جِنِّي في ”المُحْتَسَبِ“ عَنْ قُطْرُبٍ: أنَّهُ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: ”لِيلا“، بِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ الياءِ. وحَكى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْهُ: ”لَيْلا“ بِفَتْحِ اللّامِ وجَزْمِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، قالَ ابْنُ جِنِّي: وما ذَكَرَ قُطْرُبٌ أقْرَبُ، وذَلِكَ لِأنَّ الهَمْزَةَ إذا حُذِفَتْ بَقِيَ ”لِيلا“ فَيَجِبُ إدْغامُ الياءِ في اللّامِ فَيَصِيرُ: ”لِلّا“ فَتَجْتَمِعُ اللّاماتُ فَتَجْعَلُ الوُسْطى لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها ياءً، فَيَصِيرُ ”لِيلا“، وأمّا رِوايَةُ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنْهُ، فالوَجْهُ فِيهِ أنَّ لامَ الجَرِّ إذا أضَفْتَهُ إلى المُضْمَرِ فَتَحْتَهُ، تَقُولُ: ”لَهُ“ فَمِنهم مَن قاسَ المُظْهَرَ عَلَيْهِ، حَكىأبُو عُبَيْدَةَ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: (وإنْ كانَ مَكْرُهم لَتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ) [إبراهيم: ٤٦] . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ أيْ في مِلْكِهِ وتَصَرُّفِهِ، واليَدُ مِثْلُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ مُخْتارٌ يَفْعَلُ بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ والعَظِيمُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إحْسانُهُ عَظِيمًا، والمُرادُ تَعْظِيمُ حالِ مُحَمَّدٍ -ﷺ -فِي نُبُوَّتِهِ وشَرْعِهِ وكِتابِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

المجادلة 58:1

صفحة ٢١٧ (سُورَةُ المُجادِلَةِ) وهِيَ عِشْرُونَ وآيَتانِ، مَدَنِيَّةٌ ﷽ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﷽ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ «رُوِيَ أنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ امْرَأةَ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ أخِي عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَآها زَوْجُها وهي تُصَلِّي، وكانَتْ حَسَنَةَ الجِسْمِ، وكانَ بِالرَّجُلِ لَمَمٌ، فَلَمّا سَلَّمَتْ راوَدَها، فَأبَتْ، فَغَضِبَ، وكانَ بِهِ خِفَّةٌ فَظاهَرَ مِنها، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ -وقالَتْ: إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمّا خَلا سِنِّي وكَثُرَ ولَدِي جَعَلَنِي كَأُمِّهِ، وإنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا. ثُمَّ هَهُنا رِوايَتانِ: يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: ”ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ“ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَها: ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا، وإنَّما هو أبُو ولَدِي وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، فَقالَ: ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ فَقالَتْ: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي ووَجْدِي، وكُلَّما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ هَتَفَتْ وشَكَتْ إلى اللَّهِ، فَبَيْنَما هي كَذَلِكَ إذْ تَرَبَّدَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْسَلَ إلى زَوْجِها وقالَ: ”ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ فَقالَ: الشَّيْطانُ، فَهَلْ مِن رُخْصَةٍ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، وقَرَأ عَلَيْهِ الأرْبَعَ آياتٍ، وقالَ لَهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ العِتْقَ ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ، فَقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ، لَوْلا أنِّي آكُلُ في اليَوْمِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لَكَلَّ بَصَرِي، ولَظَنَنْتُ أنِّي أمُوتُ، فَقالَ لَهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا أنْ تُعِينَنِي مِنكَ بِصَدَقَةٍ، فَأعانَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، وأخْرَجَ أوْسٌ مِن عِنْدِهِ مِثْلَهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلى سِتِّينَ مِسْكِينًا“» واعْلَمْ أنَّ في هَذا الخَبَرِ مَباحِثَ: الأوَّلُ: قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ في هَذا الخَبَرِ: ”وكانَ بِهِ لَمَمٌ“ الخَبَلَ والجُنُونَ؛ إذْ لَوْ كانَ بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ ظاهَرَ في تِلْكَ الحالَةِ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، بَلْ مَعْنى اللَّمَمِ هُنا: الإلْمامُ بِالنِّساءِ، وشِدَّةُ صفحة ٢١٨ الحِرْصِ، والتَّوَقانُ إلَيْهِنَّ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّ الظِّهارَ كانَ مِن أشَدِّ طَلاقِ الجاهِلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ في التَّحْرِيمِ أوْكَدُ ما يُمْكِنُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ صارَ مُقَرَّرًا بِالشَّرْعِ كانَتِ الآيَةُ ناسِخَةً لَهُ، وإلّا لَمْ يُعَدَّ نَسْخًا؛ لِأنَّ النَّسْخَ إنَّما يَدْخُلُ في الشَّرائِعِ لا في عادَةِ الجاهِلِيَّةِ، لَكِنَّ الَّذِي رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ لَها: ”حَرُمْتِ“ أوْ قالَ: ”ما أراكِ إلّا قَدْ حَرُمْتِ“ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كانَ شَرْعًا. وأمّا ما رُوِيَ أنَّهُ تَوَقَّفَ في الحُكْمِ فَلا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَنِ انْقَطَعَ رَجاؤُهُ عَنِ الخَلْقِ ولَمْ يَبْقَ لَهُ في مُهِمِّهِ أحَدٌ سِوى الخالِقِ، كَفاهُ اللَّهُ ذَلِكَ المُهِمَّ. ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿قَدْ﴾ مَعْناهُ التَّوَقُّعُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ والمُجادِلَةَ كانا يَتَوَقَّعانِ أنْ يَسْمَعَ اللَّهُ مُجادَلَتَها وشَكْواها، ويُنَزِّلَ في ذَلِكَ ما يُفَرِّجُ عَنْها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ حَمْزَةُ يُدْغِمُ الدّالَ في السِّينِ مِن: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ وكَذَلِكَ في نَظائِرِهِ. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ هَذِهِ المَرْأةِ أمْرَيْنِ: أوَّلُهُما: المُجادَلَةُ، وهي قَوْلُهُ: ﴿تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾ أيْ تُجادِلُكَ في شَأْنِ زَوْجِها، وتِلْكَ المُجادَلَةُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلَّما قالَ لَها: ”حَرُمْتِ عَلَيْهِ“ قالَتْ: واللَّهِ ما ذَكَرَ طَلاقًا. وثانِيهِما: شَكْواها إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُها: أشْكُو إلى اللَّهِ فاقَتِي ووَجْدِي، وقَوْلُها: إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ في الكَلامِ، مِن حارَ الشَّيْءُ يَحُورُ حَوْرًا، أيْ رَجَعَ يَرْجِعُ رُجُوعًا، ومِنها: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، ومِنهُ: فَما أحارَ بِكَلِمَةٍ، أيْ فَما أجابَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أيْ يَسْمَعُ كَلامَ مَن يُنادِيهِ، ويُبْصِرُ مَن يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ.

المجادلة 58:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: ما يَتَعَلَّقُ بِالمَباحِثِ اللُّغَوِيَّةِ والفِقْهِيَّةِ، فَنَقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ بَحْثانِ: أحَدُهُما: أنَّ الظِّهارَ ما هو ؟ الثّانِي: أنَّ المُظاهِرَ مَن هو ؟ وقَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ فِيهِ بَحْثٌ: وهو أنَّ المُظاهَرَ مِنها مَن هي ؟ أمّا البَحْثُ الأوَّلُ: وهو أنَّ الظِّهارَ ما هو ؟ فَفِيهِ مَقامانِ: المَقامُ الأوَّلُ: في البَحْثِ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ. والثّانِي: وهو صاحِبُ النَّظْمِ، أنَّهُ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنَ الظَّهْرِ الَّذِي هو عُضْوٌ مِنَ الجَسَدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ الظَّهْرُ أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَوْضِعِ مِن سائِرِ الأعْضاءِ الَّتِي هي مَواضِعُ المُباضَعَةِ والتَّلَذُّذِ، بَلِ الظَّهْرُ هَهُنا مَأْخُوذٌ مِنَ العُلُوِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أيْ يَعْلُوهُ، وكُلُّ مَن عَلا شَيْئًا فَقَدْ صفحة ٢١٩ ظَهَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَ المَرْكُوبُ ظَهْرًا؛ لِأنَّ راكِبَهُ يَعْلُوهُ، وكَذَلِكَ امْرَأةُ الرَّجُلِ ظَهْرُهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلُوها بِمِلْكِ البُضْعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن ناحِيَةِ الظَّهْرِ، فَكَأنَّ امْرَأةَ الرَّجُلِ مَرْكَبٌ لِلرَّجُلِ وظَهْرٌ لَهُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى أنَّ العَرَبَ تَقُولُ في الطَّلاقِ: نَزَلْتُ عَنِ امْرَأتِي، أيْ طَلَّقْتُها، وفي قَوْلِهِمْ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَذْفٌ وإضْمارٌ، لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: ظَهْرُكِ عَلَيَّ، أيْ مِلْكِي إيّاكِ، وعُلُوِّي عَلَيْكِ حَرامٌ، كَما أنَّ عُلُوِّي عَلى أُمِّي ومِلْكَها حَرامٌ عَلَيَّ. المَقامُ الثّانِي: في الألْفاظِ المُسْتَعْمَلَةِ بِهَذا المَعْنى في عُرْفِ الشَّرِيعَةِ. الأصْلُ في هَذا البابِ أنْ يُقالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الظَّهْرِ ولَفْظُ الأُمِّ مَذْكُورَيْنِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الأُمِّ مَذْكُورًا دُونَ لَفْظِ الظَّهْرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ الظَّهْرِ مَذْكُورًا دُونَ لَفْظِ الأُمِّ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ واحِدٌ مِنهُما مَذْكُورًا، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ. القِسْمُ الأوَّلُ: إذا كانا مَذْكُورَيْنِ وهو مُعْتَبَرٌ بِالِاتِّفاقِ، ثُمَّ لا مُناقَشَةَ في الصِّلاتِ إذا انْتَظَمَ الكَلامُ، فَلَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أوْ أنْتِ مِنِّي كَظَهْرِ أُمِّي، فَهَذِهِ الصِّلاتُ كُلُّها جائِزَةٌ، ولَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ صِلَةً وقالَ: أنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي، فَقِيلَ: إنَّهُ صَرِيحٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها كَظَهْرِ أُمِّهِ في حَقِّ غَيْرِهِ، ولَكِنَّ هَذا الِاحْتِمالَ كَما لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ ثُمَّ قالَ: أرَدْتُ بِذَلِكَ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِها طالِقًا مِن جِهَةِ فُلانٍ. القِسْمُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الأُمُّ مَذْكُورَةً، ولا يَكُونَ الظَّهْرُ مَذْكُورًا، وتَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ فِيهِ أنَّ الأعْضاءَ قِسْمانِ، مِنها ما يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها غَيْرَ مُشْعِرٍ بِالإكْرامِ، ومِنها ما يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها مُشْعِرًا بِالإكْرامِ، أمّا الأوَّلُ: فَهو كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَرِجْلِ أُمِّي، أوْ كَيَدِ أُمِّي، أوْ كَبَطْنِ أُمِّي، ولِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: الجَدِيدُ: أنَّ الظِّهارَ يَثْبُتُ، والقَدِيمُ: أنَّهُ لا يَثْبُتُ، أمّا الأعْضاءُ الَّتِي يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِها سَبَبًا لِلْإكْرامِ، فَهو كَقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَعَيْنِ أُمِّي، أوْ رُوحِ أُمِّي، فَإنْ أرادَ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا، وإنْ أرادَ الكَرامَةَ فَلَيْسَ بِظِهارٍ، فَإنَّ لَفْظَهُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، وإنْ أطْلَقَ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. هَذا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وأمّا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في ”أحْكامِ القُرْآنِ“: إذا شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِعُضْوٍ مِنَ الأُمِّ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا، وهو قَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّي أوْ كَرَأْسِها، أمّا إذا شَبَّهَها بِعُضْوٍ مِنَ الأُمِّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ كانَ ظِهارًا، كَما إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أوْ فَخِذِها، والأقْرَبُ عِنْدِي هو القَوْلُ القَدِيمُ لِلشّافِعِيِّ، وهو أنَّهُ لا يَصِحُّ الظِّهارُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ حِلَّ الزَّوْجَةِ كانَ ثابِتًا، وبَراءَةَ الذِّمَّةِ عَنْ وُجُوبِ الكَفّارَةِ كانَتْ ثابِتَةً، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ عَلى ما كانَ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ فِيما إذا قالَ: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“ لِمَعْنًى مَفْقُودٍ في سائِرِ الصُّوَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّفْظَ المَعْهُودَ في الجاهِلِيَّةِ هو قَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ ظِهارًا، فَكانَ هَذا اللَّفْظُ بِسَبَبِ العُرْفِ مُشْعِرًا بِالتَّحْرِيمِ، ولَمْ يُوجَدْ هَذا المَعْنى في سائِرِ الألْفاظِ، فَوَجَبَ البَقاءُ عَلى حُكْمِ الأصْلِ. القِسْمُ الثّالِثُ: ما إذا كانَ الظَّهْرُ مَذْكُورًا ولَمْ تَكُنِ الأُمُّ مَذْكُورَةً، فَهَذا يَدُلُّ عَلى ثَلاثَةِ مَراتِبَ: المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَجْرِيَ التَّشْبِيهُ بِالمُحَرَّماتِ مِنَ النَّسَبِ والرِّضاعِ، وفِيهِ قَوْلانِ: القَدِيمُ أنَّهُ لا يَكُونُ ظِهارًا، والقَوْلُ الجَدِيدُ أنَّهُ يَكُونُ ظِهارًا وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ. المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: تَشْبِيهُها بِالمَرْأةِ المُحَرَّمَةِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا مِثْلُ أنْ يَقُولَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ فُلانَةَ، وكانَ طَلَّقَها. والمُخْتارُ عِنْدِي أنَّ شَيْئًا مِن هَذا لا يَكُونُ ظِهارًا، ودَلِيلُهُ ما ذَكَرْناهُ في المَسْألَةِ السّالِفَةِ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ الظِّهارِ بِكُلِّ مُحَرَّمٍ، فَمَن قَصَرَهُ عَلى الأُمِّ فَقَدْ خَصَّ. (والجَوابُ) أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ صفحة ٢٢٠ ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الظِّهارُ بِذِكْرِ الأُمِّ؛ ولِأنَّ حُرْمَةَ الأُمِّ أشَدُّ مِن حُرْمَةِ سائِرِ المَحارِمِ، فَنَقُولُ: المُقْتَضِي لِبَقاءِ الحِلِّ قائِمٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ، وهَذا الفارِقُ مَوْجُودٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ القِياسُ. القِسْمُ الرّابِعُ: ما إذا لَمْ يَذْكُرْ لا الظَّهْرَ ولا الأُمَّ، كَما لَوْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُخْتِي، وعَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ يَجِبُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ ظِهارًا. البَحْثُ الثّانِي: في المُظاهِرِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الضّابِطُ أنَّ كُلَّ مَن صَحَّ طَلاقُهُ صَحَّ ظِهارُهُ، فَعَلى هَذا ظِهارُ الذِّمِّيِّ عِنْدَهُ صَحِيحٌ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ لا يَصِحُّ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ وأمّا القِياسُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ تَأْثِيرَ الظِّهارِ في التَّحْرِيمِ، والذِّمِّيُّ أهْلٌ لِذَلِكَ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ طَلاقِهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَصِحَّ هَذا التَّصَرُّفُ مِنهُ قِياسًا عَلى سائِرِ التَّصَرُّفاتِ. الثّانِي: أنَّ الكَفّارَةَ إنَّما وجَبَتْ عَلى المُسْلِمِ زَجْرًا لَهُ عَنْ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ في حَقِّ الذِّمِّيِّ فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ، واحْتَجُّوا لِقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ﴾ وذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الظِّهارَ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ. الثّانِي: أنَّ مِن لَوازِمِ الظِّهارِ الصَّحِيحِ وُجُوبَ الصَّوْمِ عَلى العائِدِ العاجِزِ عَنِ الإعْتاقِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] وإيجابُ الصَّوْمِ عَلى الذِّمِّيِّ مُمْتَنِعٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ لَوَجَبَ، إمّا مَعَ الكُفْرِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ بَعْدَ الإيمانِ وهو باطِلٌ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ» “ . (والجَوابُ) عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَيَتَناوَلُ جَمِيعَ الحاضِرِينَ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ تَخْصِيصَهُ بِالمُؤْمِنِينَ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ غَيْرِهِمْ بِخِلافِ ذَلِكَ، لا سِيَّما ومِن مَذْهَبِ هَذا القائِلِ أنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ ما عَداهُ بِخِلافِهِ، سَلَّمْنا بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لَكِنَّ دَلالَةَ المَفْهُومِ أضْعَفُ مِن دَلالَةِ المَنطُوقِ، فَكانَ التَّمَسُّكُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ أوْلى، سَلَّمْنا الِاسْتِواءَ في القُوَّةِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ العامَّ إذا ورَدَ بَعْدَ الخاصِّ كانَ ناسِخًا لِلْخاصِّ، والَّذِي تَمَسَّكْنا بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ (المُجادِلَةِ: ٣) مُتَأخِّرٌ في الذِّكْرِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكُمْ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ أيْضًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكُمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ حُكْمِ الظِّهارِ، وقَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ فِيهِ بَيانُ حُكْمِ الظِّهارِ، وكَوْنُ المُبَيَّنِ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ عَنِ المُجْمَلِ أوْلى. (والجَوابُ) عَنِ الثّانِي مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ لَوازِمَهُ أيْضًا أنَّهُ مَتى عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ اكْتُفِيَ مِنهُ بِالإطْعامِ، فَهَهُنا إنْ تَحَقَّقَ العَجْزُ وجَبَ أنْ يُكْتَفى مِنهُ بِالإطْعامِ، وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ. والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ يَدُلُّ عَنِ الإعْتاقِ، والبَدَلَ أضْعَفُ مِنَ المُبْدَلِ، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ عاجِزٌ عَنِ الإعْتاقِ مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ ظِهارُهُ، فَإذا كانَ فَواتُ أقْوى اللّازِمَيْنِ لا يُوجِبُ المَنعَ مَعَ صِحَّةِ الظِّهارِ، فَفَواتُ أضْعَفِ اللّازِمَيْنِ كَيْفَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ الظِّهارِ ؟ الثّالِثُ: قالَ القاضِي حُسَيْنٌ مِن أصْحابِنا: إنَّهُ يُقالُ: إنْ أرَدْتَ الخَلاصَ مِنَ التَّحْرِيمِ، فَأسْلِمْ وصُمْ، أمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ» “ قُلْنا: إنَّهُ عامٌّ، والتَّكْلِيفُ بِالتَّكْفِيرِ خاصٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، وأيْضًا فَنَحْنُ لا نُكَلِّفُهُ بِالصَّوْمِ بَلْ نَقُولُ: إذا أرَدْتَ إزالَةَ التَّحْرِيمِ فَصُمْ، وإلّا فَلا تَصُمْ. صفحة ٢٢١ * * * المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: لا يَصِحُّ ظِهارُ المَرْأةِ مِن زَوْجِها، وهو أنْ تَقُولَ المَرْأةُ لِزَوْجِها: أنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وقالَ الأوْزاعِيُّ: هو يَمِينٌ تُكَفِّرُها، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وهو الأصْلُ فَكَيْفَ يَلْزَمُ المَرْأةَ ذَلِكَ ؟ ولِأنَّ الظِّهارَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا بِالقَوْلِ، والمَرْأةُ لا تَمْلِكُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أنَّها لا تَمْلِكُ الطَّلاقَ. * * * المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ إذا قالَ: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي اليَوْمَ“ بَطَلَ الظِّهارُ بِمُضِيِّ اليَوْمِ، وقالَ مالِكٌ وابْنُ أبِي لَيْلى، هو مُظاهِرٌ أبَدًا لَنا أنَّ التَّحْرِيمَ الحاصِلَ بِالظِّهارِ قابِلٌ لِلتَّوْقِيتِ وإلّا لَما انْحَلَّ بِالتَّكْفِيرِ، وإذا كانَ قابِلًا لِلتَّوْقِيتِ، فَإذا وقَّتَهُ وجَبَ أنْ يَتَقَدَّرَ بِحَسَبِ ذَلِكَ التَّوْقِيتِ قِياسًا عَلى اليَمِينِ. فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ مِنَ المَسائِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أحْكامُ المُظاهَرِ مِنهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الظِّهارُ عَنِ الأمَةِ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ، وقالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ: يَصِحُّ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ الحِلَّ كانَ ثابِتًا، والتَّكْفِيرَ لَمْ يَكُنْ واجِبًا، والأصْلُ في الثّابِتِ البَقاءُ، والآيَةُ لا تَتَناوَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ يَتَناوَلُ الحَرائِرَ دُونَ الإماءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والمَفْهُومُ مِنهُ الحَرائِرُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما صَحَّ عَطْفُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ فَكانَ ذَلِكَ عَلى الزَّوْجاتِ دُونَ مِلْكِ اليَمِينِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِنَ القِراءاتِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: ”الَّذِينَ يُظَهِّرُونَ“ بِغَيْرِ الألِفِ، وقَرَأ عاصِمٌ: ﴿يُظاهِرُونَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الظّاءِ والألِفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَظّاهَرُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ وبِالألِفِ مُشَدَّدَةَ الظّاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، ظَهَّرَ مِثْلُ ضاعَفَ وضَعَّفَ، وتَدْخُلُ التّاءُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَيَصِيرُ تَظاهَرَ وتَظَهَّرَ، ويَدْخُلُ حَرْفُ المُضارَعَةِ فَيَصِيرُ يَتَظاهَرُ ويَتَظَهَّرُ، ثُمَّ تُدْغَمُ التّاءُ في الظّاءِ لِمُقارَبَتِها لَها، فَيَصِيرُ: يَظّاهَرُ ويَظَّهَّرُ، وتُفْتَحُ الياءُ الَّتِي هي حَرْفُ المُضارَعَةِ، لِأنَّها لِلْمُطاوَعَةِ كَما يَفْتَحُها في يَتَدَحْرَجُ الَّذِي هو مُطاوِعُ دَحْرَجْتُهُ فَتَدَحْرَجَ، وإنَّما فُتِحَ الياءُ في يَظّاهَرُ ويَظَّهَّرُ؛ لِأنَّهُ المُطاوِعُ، كَما أنَّ يَتَدَحْرَجُ كَذَلِكَ، ولِأنَّهُ عَلى وزْنِهِما، وإنْ لَمْ يَكُونا لِلْإلْحاقِ، وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ ﴿يُظاهِرُونَ﴾ فَهو مُشْتَقٌّ مِن ظاهَرَ يُظاهِرُ، إذا أتى بِمِثْلِ هَذا التَّصَرُّفِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَفْظَةُ: ”مِنكم“ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكُمْ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْعَرَبِ وتَهْجِينٌ لِعادَتِهِمْ في الظِّهارِ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن أيْمانِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ خاصَّةً دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ: ”أُمَّهاتُهم“ بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى لَفْظِ الخَفْضِ. وجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وهو أقْيَسُ الوَجْهَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ النَّفْيَ كالِاسْتِفْهامِ فَكَما لا يُغَيِّرُ الِاسْتِفْهامُ الكَلامَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، فَكَذا يَنْبَغِي أنْ لا يُغَيِّرَ النَّفْيُ الكَلامَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والأخْذُ في التَّنْزِيلِ بِلُغَتِهِمْ أوْلى، وعَلَيْها جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] ووَجْهُهُ مِنَ القِياسِ أنَّ ”ما“ تُشْبِهُ ”لَيْسَ“ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ”ما“ تَدْخُلُ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، كَما أنَّ ”لَيْسَ“ تَدْخُلُ عَلَيْهِما. والثّانِي: أنَّ (ما) تَنْفِي ما في الحالِ، كَما أنَّ ”لَيْسَ“ تَنْفِي ما في الحالِ، وإذا حَصَلَتِ المُشابَهَةُ مِن وجْهَيْنِ وجَبَ حُصُولُ المُساواةِ في سائِرِ الأحْكامِ، إلّا ما خُصَّ بِالدَّلِيلِ قِياسًا عَلى بابِ ما لا يَنْصَرِفُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ: وهو أنَّ مَن قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَهو شَبَّهَ الزَّوْجَةَ صفحة ٢٢٢ بِالأُمِّ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّها أُمٌّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقالَ عَلى سَبِيلِ الإبْطالِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ وكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقالَ: ﴿وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ . والجَوابُ: أمّا الكَذِبُ إنَّما لَزِمَ لِأنَّ قَوْلَهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، إمّا أنْ يَجْعَلَهُ إخْبارًا أوْ إنْشاءً، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ أنَّهُ كَذِبٌ؛ لِأنَّ الزَّوْجَةَ مُحَلَّلَةٌ والأُمُّ مُحَرَّمَةٌ، وتَشْبِيهُ المُحَلَّلَةِ بِالمُحَرَّمَةِ في وصْفِ الحِلِّ والحُرْمَةِ كَذِبٌ، وإنْ جَعَلْناهُ إنْشاءً كانَ ذَلِكَ أيْضًا كَذِبًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ إنْشاءً مَعْناهُ أنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ سَبَبًا في حُصُولِ الحُرْمَةِ، فَلَمّا لَمْ يُرِدِ الشَّرْعُ بِهَذا التَّشْبِيهَ، كانَ جَعْلُهُ إنْشاءً في وُقُوعِ هَذا الحُكْمِ يَكُونُ كَذِبًا وزُورًا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى إنَّما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ: ﴿مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ لِأنَّ الأُمَّ مُحَرَّمَةٌ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، والزَّوْجَةُ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِهَذا القَوْلِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا، وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ المُشابَهَةِ بَيْنَهُما مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَلا يَلْزَمُ مِن تَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِالأُمِّ في الحُرْمَةِ تَشْبِيهُها بِها في كَوْنِ الحُرْمَةِ مُؤَبَّدَةً؛ لِأنَّ مُسَمّى الحُرْمَةِ أعَمُّ مِنَ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ والمُؤَقَّتَةِ.

المجادلة 58:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ أمّا الكَلامُ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ اللّائِي، فَقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْزابِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالانِ: وهو أنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أنَّهُ لا أُمَّ إلّا الوالِدَةُ، وهَذا مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ولا يُمْكِنُ أنْ يُدْفَعَ هَذا السُّؤالُ بِأنَّ المَعْنى مِن كَوْنِ المُرْضِعَةِ أُمًّا وزَوْجَةِ الرَّسُولِ أُمًّا حُرْمَةُ النِّكاحِ؛ وذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ بِهَذا الطَّرِيقِ ظَهَرَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الأُمُومَةِ الحَقِيقِيَّةِ عَدَمُ الحُرْمَةِ، فَإذًا لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ كَوْنِ الزَّوْجَةِ أُمًّا عَدَمُ الحُرْمَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ يُوهِمُ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ بِعَدَمِ الأُمُومَةِ عَلى عَدَمِ الحُرْمَةِ، وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ. (والجَوابُ): أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ السّائِلُ، بَلْ تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: الزَّوْجَةُ لَيْسَتْ بِأُمٍّ حَتّى تَحْصُلَ الحُرْمَةُ بِسَبَبِ الأُمُومَةِ، ولَمْ يُرِدِ الشَّرْعُ بِجَعْلِ هَذا اللَّفْظِ سَبَبًا لِوُقُوعِ الحُرْمَةِ حَتّى تَحْصُلَ الحُرْمَةُ، فَإذًا لا تَحْصُلُ الحُرْمَةُ هُناكَ البَتَّةَ. فَكانَ وصْفُهم لَها بِالحُرْمَةِ كَذِبًا وزُورًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ إمّا مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ لِمَن شاءَ كَما قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ أوْ بَعْدَ التَّوْبَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”الَّذِينَ“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فَعَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، ولَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وإنْ شِئْتَ أضْمَرْتَ ”فَكَفّارَتُهم تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ“ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ كَثُرَ اخْتِلافُ النّاسِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، ولا بُدَّ أوَّلًا مِن بَيانِ أقْوالِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، وثانِيًا مِن بَيانِ أقْوالِ أهْلِ الشَّرِيعَةِ، وفِيها مَسائِلُ: صفحة ٢٢٣ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: لا فَرْقَ في اللُّغَةِ بَيْنَ أنْ يُقالَ: يَعُودُونَ لِما قالُوا، وإلى ما قالُوا، وفِيما قالُوا. أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كَلِمَةُ ”إلى“ واللّامُ، يَتَعاقَبانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقالَ: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وقالَ تَعالى: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ [هود: ٣٦] وقالَ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ”ما قالُوا“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَفْظُ الظِّهارِ، والمَعْنى أنَّهم يَعُودُونَ إلى ذَلِكَ اللَّفْظِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِما قالُوا﴾ المَقُولَ فِيهِ، وهو الَّذِي حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِلَفْظِ الظِّهارِ، تَنْزِيلًا لِلْقَوْلِ مَنزِلَةَ المَقُولِ فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ أيْ ونَرِثُهُ المَقُولَ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«العائِدُ في هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ» “ وإنَّما هو عائِدٌ في المَوْهُوبِ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَجاؤُنا، أيْ مَرْجُوُّنا، وقالَ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] أيِ المُوقَنُ بِهِ، وعَلى هَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أيْ يَعُودُونَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي قالُوا فِيهِ ذَلِكَ القَوْلَ، ثُمَّ إذا فَسَّرْنا هَذا اللَّفْظَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ فَنَقُولُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: عادَ لِما فَعَلَ، أيْ فَعَلَهُ مَرَّةً أُخْرى، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: عادَ لِما فَعَلَ، أيْ نَقَضَ ما فَعَلَ، وهَذا كَلامٌ مَعْقُولٌ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَ شَيْئًا ثُمَّ أرادَ أنْ يُقالَ مِثْلُهُ فَقَدْ عادَ إلى تِلْكَ الماهِيَّةِ لا مَحالَةَ أيْضًا، وأيْضًا مَن فَعَلَ شَيْئًا ثُمَّ أرادَ إبْطالَهُ فَقَدْ عادَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ التَّصَرُّفَ في الشَّيْءِ بِالإعْدامِ لا يُمْكِنُ إلّا بِالعَوْدِ إلَيْهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظَهَرَ مِمّا قَدَّمْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ بِالنَّقْضِ والرَّفْعِ والإزالَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ، ثُمَّ يَعُودُونَ إلى تَكْوِينِ مِثْلِهِ مَرَّةً أُخْرى، أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُجْتَهِدِينَ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ أنَّ مَعْنى العَوْدِ لِما قالُوا: السُّكُوتُ عَنِ الطَّلاقِ بَعْدَ الظِّهارِ زَمانًا يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَها فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ظاهَرَ فَقَدْ قَصَدَ التَّحْرِيمَ، فَإنْ وصَلَ ذَلِكَ بِالطَّلاقِ فَقَدْ تَمَّمَ ما شَرَعَ مِنهُ مِن إيقاعِ التَّحْرِيمِ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، فَإذا سَكَتَ عَنِ الطَّلاقِ فَذاكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَدِمَ عَلى ما ابْتَدَأ بِهِ مِنَ التَّحْرِيمِ، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ، واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في ”أحْكامِ القُرْآنِ“ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ و”ثُمَّ“ تَقْتَضِي التَّراخِي، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ المُظاهِرُ عائِدًا عَقِيبَ القَوْلِ بِلا تَراخٍ، وذَلِكَ خِلافُ مُقْتَضى الآيَةِ. الثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَها بِالأُمِّ، والأُمُّ لا يَحْرُمُ إمْساكُها، فَتَشْبِيهُ الزَّوْجَةِ بِالأُمِّ لا يَقْتَضِي حُرْمَةَ إمْساكِ الزَّوْجَةِ، فَلا يَكُونُ إمْساكُ الزَّوْجَةِ نَقْضًا لِقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَوَجَبَ أنْ لا يُفَسَّرَ العَوْدُ بِهَذا الإمْساكِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ هَذا أيْضًا وارِدٌ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ، فَإنَّهُ جَعَلَ تَفْسِيرَ العَوْدِ اسْتِباحَةَ الوَطْءِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَمَكَّنَ المُظاهِرُ مِنَ العَوْدِ إلَيْها بِهَذا التَّفْسِيرِ عَقِيبَ فَراغِهِ مِنَ التَّلَفُّظِ بِلَفْظِ الظِّهارِ حَتّى يَحْصُلَ التَّراخِي، مَعَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ لَهُ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الإشْكالَ وارِدٌ عَلَيْهِ أيْضًا، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ ما لَمْ يَنْقَضِ زَمانٌ يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَها فِيهِ، لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ عائِدًا، فَقَدْ تَأخَّرَ كَوْنُهُ عائِدًا عَنْ كَوْنِهِ مُظاهِرًا بِذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الزَّمانِ، وذَلِكَ يَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضى كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ . والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الأُمَّ يَحْرُمُ إمْساكُها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ ويَحْرُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِها، فَقَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ في إمْساكِها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ، أوْ في الِاسْتِمْتاعِ بِها، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ، فَقَوْلُهُ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَقْتَضِي صفحة ٢٢٤ تَشْبِيهَها بِالأُمِّ في حُرْمَةِ إمْساكِها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ، فَإذا لَمْ يُطَلِّقْها فَقَدْ أمْسَكَها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ، فَكانَ هَذا الإمْساكُ مُناقِضًا لِمُقْتَضى قَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَوَجَبَ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ عائِدًا، وهَذا كَلامٌ مُلَخَّصٌ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ العَوْدِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِباحَةِ الوَطْءِ والمُلامَسَةِ والنَّظَرِ إلَيْها بِالشَّهْوَةِ، قالُوا: وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا شَبَّهَها بِالأُمِّ في حُرْمَةِ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ قَصَدَ اسْتِباحَةَ هَذِهِ الأشْياءِ -كانَ ذَلِكَ مُناقِضًا لِقَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَمّا شَبَّهَها بِالأُمِّ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّهُ في أيِّ الأشْياءِ شَبَّهَها بِها، فَلَيْسَ صَرْفُ هَذا التَّشْبِيهِ إلى حُرْمَةِ الِاسْتِمْتاعِ وحُرْمَةِ النَّظَرِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى حُرْمَةِ إمْساكِها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ هَذا التَّشْبِيهُ عَلى الكُلِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَإذا أمْسَكَها عَلى سَبِيلِ الزَّوْجِيَّةِ لَحْظَةً، فَقَدْ نَقَضَ حُكْمَ قَوْلِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَوَجَبَ أنْ يَتَحَقَّقَ العَوْدُ. الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ العَوْدِ وهو قَوْلُ مالِكٍ: أنَّ العَوْدَ إلَيْها عِبارَةٌ عَنِ العَزْمِ عَلى جِماعِها. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القَصْدَ إلى جِماعِها لا يُناقِضُ كَوْنَها مُحَرَّمَةً، إنَّما المُناقِضُ لِكَوْنِها مُحَرَّمَةً القَصْدُ إلى اسْتِحْلالِ جِماعِها، وحِينَئِذٍ نَرْجِعُ إلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. الوَجْهُ الرّابِعُ: في تَفْسِيرِ العَوْدِ -وهُوَ قَوْلُ طاوُسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ: أنَّ العَوْدَ إلَيْها عِبارَةٌ عَنْ جِماعِها، وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ التَّكْفِيرِ بَعْدَ العَوْدِ، ويَقْتَضِي قَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ أنْ يَكُونَ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الجِماعِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ التَّكْفِيرُ بَعْدَ العَوْدِ وقَبْلَ الجِماعِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ العَوْدُ غَيْرَ الجِماعِ، واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: العَوْدُ المَذْكُورُ هَهُنا هَبْ أنَّهُ صالِحٌ لِلْجِماعِ، أوْ لِلْعَزْمِ عَلى الجِماعِ، أوْ لِاسْتِباحَةِ الجِماعِ، إلّا أنَّ الَّذِي قالَهُ الشّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ - هو أقَلُّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَيَجِبُ تَعْلِيقُ الحُكْمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي بِهِ يَتَحَقَّقُ مُسَمّى العَوْدِ، وأمّا الباقِي فَزِيادَةٌ لا دَلِيلَ عَلَيْها البَتَّةَ. الِاحْتِمالُ الثّانِي: في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ أيْ يَفْعَلُونَ مِثْلَ ما فَعَلُوهُ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ في الآيَةِ أيْضًا وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الثَّوْرِيُّ: العَوْدُ هو الإتْيانُ بِالظِّهارِ في الإسْلامِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُطَلِّقُونَ بِالظِّهارِ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ الظِّهارِ في الإسْلامِ خِلافَ حُكْمِهِ عِنْدَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ يُرِيدُ في الجاهِلِيَّةِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أيْ في الإسْلامِ، والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ في الإسْلامِ مِثْلَ ما كانُوا يَقُولُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفّارَتُهُ كَذا وكَذا، قالَ أصْحابُنا: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الظِّهارَ وذَكَرَ العَوْدَ بَعْدَهُ بِكَلِمَةِ ”ثُمَّ“، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَوْدِ شَيْئًا غَيْرَ الظِّهارِ، فَإنْ قالُوا: المُرادُ: والَّذِينَ كانُوا يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ قَبْلَ الإسْلامِ، والعَرَبُ تُضْمِرُ لَفْظَ كانَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] أيْ ما كانَتْ تَتْلُو الشَّياطِينُ، قُلْنا: الإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو العالِيَةِ: إذا كَرَّرَ لَفْظَ الظِّهارِ فَقَدْ عادَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ يُكَرَّرُ لَمْ يَكُنْ عَوْدًا، وهَذا قَوْلُ أهْلِ الظّاهِرِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يَدُلُّ عَلى إعادَةِ ما فَعَلُوهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِالتَّكْرِيرِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ هَذا لَكانَ يَقُولُ: ثُمَّ يُعِيدُونَ ما قالُوا. الثّانِي: حَدِيثُ أوْسٍ فَإنَّهُ لَمْ يُكَرِّرِ الظِّهارَ، إنَّما عَزَمَ عَلى الجِماعِ، وقَدْ ألْزَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ الكَفّارَةَ، وكَذَلِكَ «حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرَةَ البَياضِيِّ فَإنَّهُ قالَ: كُنْتُ لا أصْبِرُ عَنِ الجِماعِ، فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضانَ ظاهَرْتُ مِنِ امْرَأتِي مَخافَةَ أنْ لا أصْبِرَ عَنْها بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فَظاهَرْتُ مِنها شَهْرَ رَمَضانَ كُلِّهِ ثُمَّ لَمْ أصْبِرْ فَواقَعْتُها، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صفحة ٢٢٥ فَأخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ وقُلْتُ: أمْضِ فِيَّ حُكْمَ اللَّهِ، فَقالَ: ”أعْتِقْ رَقَبَةً“» فَأوْجَبَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ السَّلامُ -عَلَيْهِ الكَفّارَةَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ تَكْرارَ الظِّهارِ. القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: مَعْنى العَوْدِ، هو أنْ يَحْلِفَ عَلى ما قالَ أوَّلًا مِن لَفْظِ الظِّهارِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يَحْلِفْ لَمْ تَلْزَمْهُ الكَفّارَةُ قِياسًا عَلى ما لَوْ قالَ في بَعْضِ الأطْعِمَةِ: إنَّهُ حَرامٌ عَلَيَّ كَلَحْمِ الآدَمِيِّ، فَإنَّهُ لا تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ، فَأمّا إذا حَلَفَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ كَفّارَةُ اليَمِينِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الكَفّارَةَ قَدْ تَجِبُ بِالإجْماعِ في المَناسِكِ ولا يَمِينَ هُناكَ، وفي قَتْلِ الخَطَأِ ولا يَمِينَ هُناكَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: * * * المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا فِيما يُحَرِّمُهُ الظِّهارُ، فَلِلشّافِعِيِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُحَرِّمُ الجِماعَ فَقَطْ. القَوْلُ الثّانِي: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ يُحَرِّمُ جَمِيعَ جِهاتِ الِاسْتِمْتاعاتِ. وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ -ودَلِيلُهُ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فَكانَ ذَلِكَ عامًّا في جَمِيعِ ضُرُوبِ المَسِيسِ، مِن لَمْسٍ بِيَدٍ أوْ غَيْرِها. والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ ألْزَمَهُ حُكْمَ التَّحْرِيمِ بِسَبَبِ أنَّهُ شَبَّهَها بِظَهْرِ الأُمِّ، فَكَما أنَّ مُباشَرَةَ ظَهْرِ الأُمِّ ومَسَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في المَرْأةِ كَذَلِكَ. الثّالِثُ: رَوى عِكْرِمَةُ «”أنَّ رَجُلًا ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ، ثُمَّ واقَعَها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ: اعْتَزِلْها حَتّى تُكَفِّرَ“» . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِيمَن ظاهَرَ مِرارًا، فَقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: لِكُلِّ ظِهارٍ كَفّارَةٌ إلّا أنْ يَكُونَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، وأرادَ بِالتَّكْرارِ التَّأْكِيدَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ كَفارَّةٌ واحِدَةٌ، وقالَ مالِكٌ: مَن ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ في مَجالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ مِائَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، دَلِيلُنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ﴾ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ الظِّهارِ عِلَّةً لِإيجابِ الكَفّارَةِ، فَإذا وُجِدَ الظِّهارُ الثّانِي فَقَدْ وُجِدَتْ عِلَّةُ وُجُوبِ الكَفّارَةِ، والظِّهارُ الثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْكَفّارَةِ الأُولى، أوْ لِكَفّارَةٍ ثانِيَةٍ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الكَفّارَةَ وجَبَتْ بِالظِّهارِ الأوَّلِ، وتَكْوِينُ الكائِنِ مُحالٌ، ولِأنَّ تَأخُّرَ العِلَّةِ عَنِ الحُكْمِ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ الظِّهارَ الثّانِيَ يُوجِبُ كَفّارَةً ثانِيَةً، واحْتَجَّ مالِكٌ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾ يَتَناوَلُ مَن ظاهَرَ مَرَّةً واحِدَةً ومَن ظاهَرَ مِرارًا كَثِيرَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّكْفِيرَ الواحِدَ كافٍ في الظِّهارِ، سَواءٌ كانَ مَرَّةً واحِدَةً أوْ مِرارًا كَثِيرَةً. والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] فَهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَجِبَ في الأيْمانِ الكَثِيرَةِ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، ولَمّا كانَ باطِلًا، فَكَذا ما قُلْتُمُوهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رَجُلٌ تَحْتَهُ أرْبَعَةُ نِسْوَةٍ، فَظاهَرَ مِنهُنَّ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ وقالَ: أنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لِلشّافِعِيِّ قَوْلانِ: أظْهَرُهُما أنَّهُ يَلْزَمُهُ أرْبَعُ كَفّاراتٍ؛ نَظَرًا إلى عَدَدِ اللَّواتِي ظاهَرَ مِنهُنَّ، ودَلِيلُهُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ ظاهَرَ عَنْ هَذِهِ، فَلَزِمَهُ كَفّارَةٌ بِسَبَبِ هَذا الظِّهارِ، وظاهَرَ أيْضًا عَنْ تِلْكَ، فالظِّهارُ الثّانِي لا بُدَّ وأنْ يُوجِبَ كَفّارَةً أُخْرى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى إيجابِ الكَفّارَةِ قَبْلَ المُماسَّةِ، فَإنْ جامَعَ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلّا كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، كَمالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ وسُفْيانَ وأحْمَدَ وإسْحاقَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وقالَ بَعْضُهم: إذا واقَعَها قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ كَفّارَتانِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، دَلِيلُنا أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُظاهِرِ كَفّارَةٌ قَبْلَ العَوْدِ، فَهَهُنا فاتَتْ صِفَةُ القَبْلِيَّةِ، فَيَبْقى أصْلُ وُجُوبِ الكَفّارَةِ، ولَيْسَ في صفحة ٢٢٦ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَرْكَ التَّقْدِيمِ يُوجِبُ كَفّارَةً أُخْرى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الأظْهَرُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمَرْأةِ أنْ تَدَعَهُ يَقْرَبَها حَتّى يُكَفِّرَ، فَإنْ تَهاوَنَ بِالتَّكْفِيرِ حالَ الإمامُ بَيْنَهُ وبَيْنَها، ويُجْبِرُهُ عَلى التَّكْفِيرِ، وإنْ كانَ بِالضَّرْبِ حَتّى يُوَفِّيَها حَقَّها مِنَ الجِماعِ. قالَ الفُقَهاءُ: ولا شَيْءَ مِنَ الكَفّاراتِ يُجْبَرُ عَلَيْهِ ويُحْبَسُ إلّا كَفّارَةُ الظِّهارِ وحْدَها؛ لِأنَّ تَرْكَ التَّكْفِيرِ إضْرارٌ بِالمَرْأةِ وامْتِناعٌ مِن إيفاءِ حَقِّها. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ الرَّقَبَةُ تُجْزِئُ سَواءٌ كانَتْ مُؤْمِنَةً أوْ كافِرَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَهَذا اللَّفْظُ يُفِيدُ العُمُومَ في جَمِيعِ الرِّقابِ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، ودَلِيلُهُ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكَ نَجِسٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وكُلُّ نَجِسٍ خَبِيثٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . الثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّ الرَّقَبَةَ في كَفّارَةِ القَتْلِ مُقَيَّدَةٌ بِالإيمانِ، فَكَذا هَهُنا، والجامِعُ أنَّ الإعْتاقَ إنْعامٌ، فَتَقْيِيدُهُ بِالإيمانِ يَقْتَضِي صَرْفَ هَذا الإنْعامِ إلى أوْلِياءِ اللَّهِ وحِرْمانَ أعْداءِ اللَّهِ، وعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالإيمانِ قَدْ يُفْضِي إلى حِرْمانِ أوْلِياءِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَتَقَيَّدَ بِالإيمانِ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ المَصْلَحَةِ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: إعْتاقُ المُكاتَبِ لا يُجْزِئُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنْ أعْتَقَهُ قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا جازَ عَنِ الكَفّارَةِ، وإذا أعْتَقَهُ بَعْدَ أنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا فَظاهِرُ الرِّوايَةِ أنَّهُ لا يُجْزِئُ، ورَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يُجْزِئُ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ المُكاتَبَ رَقَبَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ والرَّقَبَةُ مُجْزِئَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ المُقْتَضِيَ لِبَقاءِ التَّكالِيفِ بِإعْتاقِ الرَّقَبَةِ قائِمٌ، بَعْدَ إعْتاقِ المُكاتَبِ، وما لِأجْلِهِ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في مَحَلِّ الرِّقابِ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الأصْلِ، بَيانُ المُقْتَضِي أنَّ الأصْلَ في الثّابِتِ البَقاءُ عَلى ما كانَ، بَيانُ الفارِقِ أنَّ المُكاتَبَ كالزّائِلِ عَنْ مِلْكِ المَوْلى وإنْ لَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِهِ، لَكِنَّهُ يُمْكِنُ نُقْصانٌ في رِقِّهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ صارَ أحَقَّ بِمَكاسِبِهِ، ويَمْتَنِعُ عَلى المَوْلى التَّصَرُّفاتُ فِيهِ، ولَوْ أتْلَفَهُ المَوْلى يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، ولَوْ وطِئَ مُكاتَبَتَهُ يُغَرَّمُ المَهْرَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ إزالَةَ المِلْكِ الخالِصِ عَنْ شَوائِبِ الضَّعْفِ أشَقُّ عَلى المالِكِ مِن إزالَةِ المِلْكِ الضَّعِيفِ، ولا يَلْزَمُ مِن خُرُوجِ الرَّجُلِ عَنِ العُهْدَةِ بِإعْتاقِ العَبْدِ القِنِّ خُرُوجُهُ عَنِ العُهْدَةِ بِإعْتاقِ المُكاتَبِ. والوَجْهُ الثّانِي: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ أعْتَقَهُ الوارِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ لا يُجْزِئُ عَنِ الكَفّارَةِ، فَكَذا إذا أعْتَقَهُ المُوَرِّثُ، والجامِعُ كَوْنُ المِلْكِ ضَعِيفًا. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: لَوِ اشْتَرى قَرِيبَهُ الَّذِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الكَفّارَةِ عَتَقَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ لا يَقَعُ عَنِ الكَفّارَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَقَعُ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ التَّمَسُّكُ بِظاهِرِ الآيَةِ، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ ما تَقَدَّمَ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ: الإطْعامُ في الكَفّاراتِ يَتَأدّى بِالتَّمْكِينِ مِنَ الطَّعامِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا يَتَأدّى إلّا بِالتَّمْلِيكِ مِنَ الفَقِيرِ. حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ ظاهِرُ القُرْآنِ وهو أنَّ الواجِبَ هو الإطْعامُ، وحَقِيقَةُ الإطْعامِ هو التَّمْكِينُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وذَلِكَ يَتَأدّى بِالتَّمْكِينِ والتَّمْلِيكِ، فَكَذا هَهُنا، وحُجَّةُ الشّافِعِيِّ القِياسُ عَنِ الزَّكاةِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِن طَعامِ بَلَدِهِ الَّذِي يَقْتاتُ مِنهُ، حِنْطَةً أوْ شَعِيرًا أوْ أُرْزًا أوْ تَمْرًا أوْ أقِطًا، وذَلِكَ بِمُدِّ النَّبِيِّ -ﷺ -ولا يُعْتَبَرُ مُدٌّ حَدَثَ بَعْدَهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُعْطى كُلُّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صفحة ٢٢٧ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ دَقِيقٍ أوْ سَوِيقٍ، أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ أوْ صاعًا مِن شَعِيرٍ، ولا يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي الإطْعامَ، ومَراتِبُ الإطْعامِ مُخْتَلِفَةٌ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَلَيْسَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الباقِي، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى أقَلِّ ما لا بُدَّ مِنهُ ظاهِرًا، وذَلِكَ هو المُدُّ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ ما رُوِيَ في حَدِيثِ أوْسِ بْنِ الصّامِتِ: («لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ» ) وعَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ قالا: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدّانِ مِن بُرٍّ؛ ولِأنَّ المُعْتَبَرَ حاجَةُ اليَوْمِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، فَيَكُونُ نَظِيرَ صَدَقَةِ الفِطْرِ، ولا يَتَأدّى ذَلِكَ بِالمُدِّ، بَلْ بِما قُلْنا، فَكَذَلِكَ هُنا. المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ أطْعَمَ مِسْكِينًا واحِدًا سِتِّينَ مَرَّةً لا يُجْزِئُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يُجْزِئُ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ ظاهِرُ الآيَةِ، وهو أنَّهُ أوْجَبَ إطْعامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَوَجَبَ رِعايَةُ ظاهِرِ الآيَةِ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ الحاجَةِ وهو حاصِلٌ، ولِلشّافِعِيِّ أنْ يَقُولَ: التَّحَكُّماتُ غالِبَةٌ عَلى هَذِهِ التَّقْدِيراتِ، فَوَجَبَ الِامْتِناعُ فِيها مِنَ القِياسِ، وأيْضًا فَلَعَلَّ إدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِ سِتِّينَ إنْسانًا أقْرَبُ إلى رِضا اللَّهِ تَعالى مِن إدْخالِ السُّرُورِ في قَلْبِ الإنْسانِ الواحِدِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في الرَّقَبَةِ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ وقالَ في الصَّوْمِ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فَذَكَرَ في الأوَّلِ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ وفي الثّانِي: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ فَقالُوا: مَن مالُهُ غائِبٌ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى الصَّوْمِ بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنِ الإعْتاقِ في الحالِ، أمّا مَن كانَ مَرِيضًا في الحالِ، فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ إلى الإطْعامِ، وإنْ كانَ مَرَضُهُ بِحَيْثُ يُرْجى زَوالُهُ؛ قالُوا: والفَرْقُ أنَّهُ قالَ في الِانْتِقالِ إلى الإطْعامِ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ وهو بِسَبَبِ المَرَضِ النّاجِزِ والعَجْزِ العاجِلِ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وقالَ في الرَّقَبَةِ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ والمُرادُ فَمَن لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً أوْ مالًا يَشْتَرِي بِهِ رَقَبَةً، ومَن مالُهُ غائِبٌ لا يُسَمّى فاقِدًا لِلْمالِ، وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الفَرْقِ: إحْضارُ المالِ يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِهِ، وأمّا إزالَةُ المَرَضِ فَلَيْسَ بِاخْتِيارِهِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: الشَّبَقُ المُفْرِطُ والغُلْمَةُ الهائِجَةُ عُذْرٌ في الِانْتِقالِ إلى الإطْعامِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ”لَمّا أمَرَ الأعْرابِيَّ بِالصَّوْمِ قالَ لَهُ: وهَلْ أُتِيتُ إلّا مِن قِبَلِ الصَّوْمِ ؟ فَقالَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -: أطْعِمْ“ دَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ الشَّبَقَ الشَّدِيدَ عُذْرٌ في الِانْتِقالِ مِنَ الصَّوْمِ إلى الإطْعامِ، وأيْضًا الِاسْتِطاعَةُ فَوْقَ الوُسْعِ، والوُسْعُ فَوْقَ الطّاقَةِ، فالِاسْتِطاعَةُ هو أنْ يَتَمَكَّنَ الإنْسانُ مِنَ الفِعْلِ عَلى سَبِيلِ السُّهُولَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا المَعْنى لا يَتِمُّ مَعَ شِدَّةِ الشَّبَقِ، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُخْتَصَرَةٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِفِقْهِ القُرْآنِ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”ذَلِكم“ لِلتَّغْلِيظِ في الكَفّارَةِ ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ أنَّ غِلَظَ الكَفّارَةِ وعْظٌ لَكم حَتّى تَتْرُكُوا الظِّهارَ ولا تُعاوِدُوهُ، وقالَ غَيْرُهُ: ﴿ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أيْ تُؤْمَرُونَ بِهِ مِنَ الكَفّارَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مِنَ التَّكْفِيرِ وتَرْكِهِ. صفحة ٢٢٨ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حُكْمَ العاجِزِ عَنِ الرَّقَبَةِ فَقالَ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّتابُعَ شَرْطٌ، وذَكَرَ في تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ والصَّوْمِ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُوجَدا مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ قَبْلَ المُماسَّةِ، إلّا أنَّهُ كالأوَّلَيْنِ بِدَلالَةِ الإجْماعِ، والمَسائِلُ الفِقْهِيَّةُ المُفَرَّعَةُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كِتابِ الفِقْهِ.

المجادلة 58:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ، والمَعْنى: الفَرْضُ ذَلِكَ الَّذِي وضَعْناهُ. الثّانِي: فَعَلْنا ذَلِكَ البَيانَ والتَّعْلِيمَ لِلْأحْكامِ لِتُصَدِّقُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ في العَمَلِ بِشَرائِعِهِ، ولا تَسْتَمِرُّوا عَلى أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ مِن جَعْلِ الظِّهارِ أقْوى أنْواعِ الطَّلاقِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ عَلى أنَّ فِعْلَ اللَّهِ مُعَلَّلٌ بِالغَرَضِ، وعَلى أنَّ غَرَضَهُ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ولا تَسْتَمِرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنهُمُ الإيمانَ وعَدَمَ الكُفْرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ مَن أدْخَلَ العَمَلَ في مُسَمّى الإيمانِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمَرَهم بِهَذِهِ الأعْمالِ وبَيَّنَ أنَّهُ أمَرَهم بِها لِيَصِيرُوا بِعَمَلِها مُؤْمِنِينَ؛ فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَمَلَ مِنَ الإيمانِ، ومَن أنْكَرَ ذَلِكَ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بِعَمَلِ هَذِهِ الأشْياءِ، ونَحْنُ نَقُولُ: المَعْنى: ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ بِالإقْرارِ بِهَذِهِ الأحْكامِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ في بَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنَ الطّاعَةِ ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ لِمَن جَحَدَ هَذا وكَذَّبَ بِهِ.

المجادلة 58:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في المُحادَّةِ قَوْلانِ: قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ المُحادَّةِ المُمانَعَةُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْبَوّابِ: حَدّادٌ، ولِلْمَمْنُوعِ الرِّزْقِ مَحْدُودٌ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: المُحادَّةُ مُفاعَلَةٌ مِن لَفْظِ الحَدِيدِ، والمُرادُ المُقابَلَةُ بِالحَدِيدِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ أوْ كانَ ذَلِكَ مُنازَعَةً شَدِيدَةً شَبِيهَةً بِالخُصُومَةِ بِالحَدِيدِ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَقالُوا: يُحادُّونَ أيْ يُعادُونَ ويُشاقُّونَ، وذَلِكَ تارَةً بِالمُحارَبَةِ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ، وتارَةً بِالتَّكْذِيبِ والصَّدِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحادُّونَ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا يُوادُّونَ صفحة ٢٢٩ الكافِرِينَ ويُظاهِرُونَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأذَلَّهُمُ اللَّهُ تَعالى، ويَحْتَمِلُ سائِرَ الكُفّارِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنَّهم ﴿كُبِتُوا﴾ أيْ خُذِلُوا، قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: كَبَتَ اللَّهُ فُلانًا إذا أذَلَّهُ، والمَرْدُودُ بِالذُّلِّ يُقالُ لَهُ: مَكْبُوتٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن أعْداءِ الرُّسُلِ ﴿وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ: ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ بِهَذِهِ الآياتِ ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ يَذْهَبُ بِعِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ عَذابَ هَؤُلاءِ المُحادِّينَ في الدُّنْيا الذُّلُّ والهَوانُ، وفي الآخِرَةِ العَذابُ الشَّدِيدُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما بِهِ يَتَكامَلُ هَذا الوَعِيدُ فَقالَ:

المجادلة 58:6

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِـ”يُنَبِّئُهُمْ“، أوْ بِـ”مُهِينٌ“، أوْ بِإضْمارِ ”اذْكُرْ“ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كُلَّهم لا يُتْرَكُ مِنهم أحَدٌ غَيْرَ مَبْعُوثٍ. والثّانِي: مُجْتَمِعِينَ في حالٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ تَخْجِيلًا لَهم، وتَوْبِيخًا وتَشْهِيرًا لِحالِهِمُ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَ عِنْدَهُ المُسارَعَةَ بِهِمْ إلى النّارِ، لِما يَلْحَقُهم مِنَ الخِزْيِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ. وقَوْلُهُ: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ﴾ أيْ أحاطَ بِجَمِيعِ أحْوالِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ والزَّمانِ والمَكانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالجُزْئِيّاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَسُوهُ﴾ لِأنَّهُمُ اسْتَحْقَرُوها، وتَهاوَنُوا بِها؛ فَلا جَرَمَ نَسُوها ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ مُشاهِدٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ البَتَّةَ.

المجادلة 58:7

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”ألَمْ تَرَ“ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ؟ وأقُولُ: هَذا حَقٌّ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالأشْياءِ لا يُرى، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ، وإنَّما أُطْلِقَ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ عَلى هَذا العِلْمِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا هو أنَّ أفْعالَهُ مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ مُنْتَسِقَةٌ مُنْتَظِمَةٌ، وكُلُّ مَن كانَتْ أفْعالُهُ كَذَلِكَ فَهو عالِمٌ. أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى: فَمَحْسُوسَةٌ مُشاهَدَةٌ في عَجائِبِ السَّماواتِ والأرْضِ، وتَرْكِيباتِ النَّباتِ والحَيَوانِ. أمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: فَبَدِيهِيَّةٌ، ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى كَذَلِكَ ظاهِرًا لا جَرَمَ بَلَغَ هَذا العِلْمُ والِاسْتِدْلالُ إلى أعْلى دَرَجاتِ الظُّهُورِ والجَلاءِ، صارَ جارِيًا مَجْرى المَحْسُوسِ المُشاهَدِ، فَلِذَلِكَ أطْلَقَ لَفْظَ الرُّؤْيَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وأمّا أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَلِأنَّ عِلْمَهُ عِلْمٌ قَدِيمٌ، فَلَوْ تَعَلَّقَ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ مِن أنَّ جَمِيعَ المَعْلُوماتِ مُشْتَرِكَةٌ في صِحَّةِ المَعْلُومِيَّةِ لافْتَقَرَ ذَلِكَ العِلْمُ في ذَلِكَ التَّخْصِيصِ إلى مُخَصِّصٍ، وهو عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا جَرَمَ وجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُ ما في الأرْضِ وما في السَّماواتِ. وفي رِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ سِرٌّ عَجِيبٌ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَصَّ ما يَكُونُ مِنَ العِبادِ مِنَ النَّجْوى فَقالَ: صفحة ٢٣٠

المجادلة 58:8

﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ جِنِّي: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ما تَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ - بِالتّاءِ - ثُمَّ قالَ: والتَّذْكِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ العامَّةُ هو الوَجْهُ، لِما هُناكَ مِنَ الشِّياعِ وعُمُومِ الجِنْسِيَّةِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِنِ امْرَأةٍ، وما حَضَرَنِي مِن جارِيَةٍ؛ ولِأنَّهُ وقَعَ الفاصِلُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وهو كَلِمَةُ ”مِن“؛ ولِأنَّ النَّجْوى تَأْنِيثُهُ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، وأمّا التَّأْنِيثُ فَلِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ما تَكُونُ نَجْوى، كَما يُقالُ: ما قامَتِ امْرَأةٌ، وما حَضَرَتْ جارِيَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَكُونُ﴾ مِن ”كانَ“ التّامَّةِ، أيْ ما يُوجَدُ ولا يَحْصُلُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّجْوى التَّناجِي وهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْوى مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْوَةِ، وهي ما ارْتَفَعَ ونَجا؛ فالكَلامُ المَذْكُورُ سِرًّا لَمّا خَلا عَنِ اسْتِماعِ الغَيْرِ صارَ كالأرْضِ المُرْتَفِعَةِ، فَإنَّها لِارْتِفاعِها خَلَتْ عَنِ اتِّصالِ الغَيْرِ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تُجْعَلَ ”النَّجْوى“ وصْفًا، فَيُقالُ: قَوْمٌ نَجْوى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ والمَعْنى، هم ذَوُو نَجْوى، فَحُذِفَ المُضافُ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَصْدَرٍ وُصِفَ بِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: جَرُّ ”ثَلاثَةٍ“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ النَّجْوى بِمَعْنى المُتَناجِينَ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”ما يَكُونُ مِن مُتَناجِينَ ثَلاثَةً“ فَيَكُونُ صِفَةً. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”ثَلاثَةً“ و”خَمْسَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، بِإضْمارِ ”يَتَناجَوْنَ“ لِأنَّ نَجْوى يَدُلُّ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ، وأهْمَلَ أمْرَ الأرْبَعَةِ في البَيْنِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّلاثَةَ إذا اجْتَمَعُوا، فَإذا أخَذَ اثْنانِ في التَّناجِي والمُشاوَرَةِ، بَقِيَ الواحِدُ ضائِعًا وحِيدًا؛ فَيَضِيقُ قَلْبُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أنا جَلِيسُكَ وأنِيسُكَ، وكَذا الخَمْسَةُ إذا اجْتَمَعُوا بَقِيَ الخامِسُ وحِيدًا فَرِيدًا، أمّا إذا كانُوا أرْبَعَةً لَمْ يَبْقَ واحِدٌ مِنهم فَرِيدًا، فَهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ مَنِ انْقَطَعَ عَنِ الخَلْقِ ما يَتْرُكُهُ اللَّهُ تَعالى ضائِعًا. وثانِيها: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ أشْرَفُ مِنَ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، فَخَصَّ الأعْدادَ الفَرْدَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن رِعايَةِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ. وثالِثُها: أنَّ أقَلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في المُشاوَرَةِ الَّتِي يَكُونُ الغَرَضُ مِنها تَمْهِيدَ مَصْلَحَةِ ثَلاثَةٍ حَتّى يَكُونَ الِاثْنانِ كالمُتَنازِعَيْنِ في النَّفْيِ والإثْباتِ، والثّالِثُ كالمُتَوَسِّطِ الحاكِمِ بَيْنَهُما، فَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ تِلْكَ المَشُورَةُ، ويَتِمُّ ذَلِكَ الغَرَضُ، وهَكَذا في كُلِّ جَمْعٍ اجْتَمَعُوا لِلْمُشاوَرَةِ، فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِن واحِدٍ يَكُونُ حَكَمًا مَقْبُولَ القَوْلِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لا بُدَّ صفحة ٢٣١ وأنْ تَكُونَ أرْبابُ المُشاوَرَةِ عَدَدُهم فَرْدًا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ الفَرْدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، واكْتَفى بِذِكْرِهِما تَنْبِيهًا عَلى الباقِي. ورابِعُها: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، اجْتَمَعُوا عَلى التَّناجِي مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وكانُوا عَلى هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَبِيعَةَ وحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرٍو، وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، كانُوا يَوْمًا يَتَحَدَّثُونَ، فَقالَ أحَدُهم: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما تَقُولُ ؟ وقالَ الثّانِي: يَعْلَمُ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، وقالَ الثّالِثُ: إنْ كانَ يَعْلَمُ البَعْضَ فَيَعْلَمُ الكُلَّ. وخامِسُها: أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا اللَّهُ رابِعُهم ولا أرْبَعَةٍ إلّا اللَّهُ خامِسُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا اللَّهُ سادِسُهم ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا اللَّهُ مَعَهم إذا أخَذُوا في التَّناجِي“ . المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قُرِئَ: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ولا أكْثَرُ“ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ ”لا“ مَعَ ”أدْنى“، كَقَوْلِكَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةٌ إلّا بِاللَّهِ، بِفَتْحِ الحَوْلِ ورَفْعِ القُوَّةِ. والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: لا حَوْلٌ ولا قُوَّةٌ إلّا بِاللَّهِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُهُما عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿مِن نَجْوى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ أدْنى ولا أكْثَرُ إلّا هو مَعَهم. والخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَجْرُورَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿نَجْوى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِن أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قُرِئَ: ”ولا أكْبَرَ“ بِالباءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى رابِعًا لَهم، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مَعَهم كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكَلامِهِمْ وضَمِيرِهِمْ وسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، وكَأنَّهُ تَعالى حاضِرٌ مَعَهم ومَشاهِدٌ لَهم، وقَدْ تَعالى عَنِ المَكانِ والمُشاهَدَةِ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَرَأ بَعْضُهم: ”ثُمَّ يُنْبِئُهم“ بِسُكُونِ النُّونِ، وأنْبَأ ونَبَّأ واحِدٌ في المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ يُحاسِبُ عَلى ذَلِكَ ويُجازِي عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهو تَحْذِيرٌ مِنَ المَعاصِي وتَرْغِيبٌ في الطّاعاتِ. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهم مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، ومِنهم مَن قالَ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم فَقالَ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، وهَذا الجِنْسُ فِيما رُوِيَ وقَعَ مِنَ اليَهُودِ، فَقَدْ كانُوا إذا سَلَّمُوا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: السّامُ عَلَيْكَ، يَعْنُونَ المَوْتَ، والأخْبارُ في ذَلِكَ مُتَظاهِرَةٌ، وقِصَّةُ عائِشَةَ فِيها مَشْهُورَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ٢٣٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ صَحَّ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم ويُوهِمُونَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يَتَناجَوْنَ فِيما يَسُوءُهم، فَيَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا أكْثَرُوا ذَلِكَ شَكا المُسْلِمُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهم أنْ لا يَتَناجَوْا دُونَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ وعادُوا إلى مُناجاتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الإثْمَ والعُدْوانَ هو مُخالَفَتُهم لِلرُّسُلِ في النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى؛ لِأنَّ الإقْدامَ عَلى المَنهِيِّ يُوجِبُ الإثْمَ والعُدْوانَ، سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الإقْدامُ لِأجْلِ المُناصَبَةِ وإظْهارِ التَّمَرُّدِ. والثّانِي: أنَّ الإثْمَ والعُدْوانَ هو ذَلِكَ السِّرُّ الَّذِي كانَ يَجْرِي بَيْنَهم؛ لِأنَّهُ إمّا مَكْرٌ وكَيْدٌ بِالمُسْلِمِينَ أوْ شَيْءٌ يَسُوءُهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، ”ويَنْتَجُونَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ: يَتَناجَوْنَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَنْتَجُونَ يَفْتَعِلُونَ مِنَ النَّجْوى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ كالدَّعْوى والعَدْوى، فَيَنْتَجُونَ ويَتَناجَوْنَ واحِدٌ، فَإنَّ يَفْتَعِلُونَ، ويَتَفاعَلُونَ قَدْ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا، كَما يُقالُ: ازْدَوِجُوا، واعْتَوِرُوا، وتَزاوَجُوا وتَعاوَرُوا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها﴾ [الأعراف: ٣٨] وادَّرَكُوا، فادَّرَكُوا افْتَعَلُوا، وادّارَكُوا تَفاعَلُوا، وحَجَّةُ مَن قَرَأ: ﴿ويَتَناجَوْنَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ فَهَذا مُطاوِعُ ”ناجَيْتُمْ“، ولَيْسَ في هَذا رَدٌّ لِقِراءَةِ حَمْزَةَ: ”يَنْتَجُونَ“؛ لِأنَّ هَذا مِثْلُهُ في الجَوازِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَعْصِياتِ الرَّسُولِ“، والقَوْلانِ هَهُنا كَما ذَكَرْناهُ في الإثْمِ والعُدْوانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في تَحِيَّتِكَ: السّامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ. والسّامُ: المَوْتُ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] و﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ و﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: إنَّهُ لَوْ كانَ رَسُولًا فَلِمَ لا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِهَذا الِاسْتِخْفافِ. * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ والمَعْنى أنَّ تَقَدُّمَ العَذابِ إنَّما يَكُونُ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ، أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، فَإذا لَمْ تَقْتَضِ المَشِيئَةُ تَقْدِيمَ العَذابِ، ولَمْ يَقْتَضِ الصَّلاحُ أيْضًا ذَلِكَ، فالعَذابُ في القِيامَةِ كافِيهِمْ في الرَّدْعِ عَمّا هم عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ . اعْلَمْ أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى قَوْلَيْنِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] عَلى اليَهُودِ حَمَلْنا في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وإنْ حَمَلْنا ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، حَمَلْنا هَذا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ عَلى التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ صفحة ٢٣٣ الرَّسُولِ، أتْبَعَهُ بِأنْ نَهى أصْحابَهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْلُكُوا مِثْلَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ﴾ وهو ما يَقْبُحُ مِمّا يَخُصُّهم ﴿والعُدْوانِ﴾ وهو يُؤَدِّي إلى ظُلْمِ الغَيْرِ ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ وهو ما يَكُونُ خِلافًا عَلَيْهِ، وأمَرَهم أنْ يَتَناجَوْا بِالبَرِّ الَّذِي يُضادُّ العُدْوانَ، وبِالتَّقْوى وهو ما يُتَّقى بِهِ مِنَ النّارِ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ مَتى تَناجَوْا بِما هَذِهِ صِفَتُهُ قَلَّتْ مُناجاتُهم؛ لِأنَّ ما يَدْعُو إلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ يَدْعُو إظْهارَهُ، وذَلِكَ يَقْرُبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وأيْضًا فَمَتى عَرَفْتَ طَرِيقَةَ الرَّجُلِ في هَذِهِ المُناجاةِ لَمْ يَتَأذّى مِن مُناجاتِهِ أحَدٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ إلى حَيْثُ يُحاسَبُ ويُجازى، وإلّا فالمَكانُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الألِفُ واللّامُ في لَفْظِ النَّجْوى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّ في النَّجْوى ما يَكُونُ مِنَ اللَّهِ ولِلَّهِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ المَعْهُودُ السّابِقُ وهو النَّجْوى بِالإثْمِ والعُدْوانِ، والمَعْنى أنَّ الشَّيْطانَ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ النَّجْوى الَّتِي هي سَبَبٌ لِحُزْنِ المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ إذا رَأوْهم مُتَناجِينَ قالُوا: ما نَراهم إلّا وقَدْ بَلَغَهم عَنْ أقْرِبائِنا وإخْوانِنا الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الغَزَواتِ أنَّهم قُتِلُوا وهُزِمُوا، ويَقَعُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ويَحْزَنُونَ لَهُ.

المجادلة 58:9

﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ جِنِّي: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: ما تَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ - بِالتّاءِ - ثُمَّ قالَ: والتَّذْكِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ العامَّةُ هو الوَجْهُ، لِما هُناكَ مِنَ الشِّياعِ وعُمُومِ الجِنْسِيَّةِ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِنِ امْرَأةٍ، وما حَضَرَنِي مِن جارِيَةٍ؛ ولِأنَّهُ وقَعَ الفاصِلُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وهو كَلِمَةُ ”مِن“؛ ولِأنَّ النَّجْوى تَأْنِيثُهُ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، وأمّا التَّأْنِيثُ فَلِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: ما تَكُونُ نَجْوى، كَما يُقالُ: ما قامَتِ امْرَأةٌ، وما حَضَرَتْ جارِيَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَكُونُ﴾ مِن ”كانَ“ التّامَّةِ، أيْ ما يُوجَدُ ولا يَحْصُلُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّجْوى التَّناجِي وهو مَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: النَّجْوى مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْوَةِ، وهي ما ارْتَفَعَ ونَجا؛ فالكَلامُ المَذْكُورُ سِرًّا لَمّا خَلا عَنِ اسْتِماعِ الغَيْرِ صارَ كالأرْضِ المُرْتَفِعَةِ، فَإنَّها لِارْتِفاعِها خَلَتْ عَنِ اتِّصالِ الغَيْرِ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تُجْعَلَ ”النَّجْوى“ وصْفًا، فَيُقالُ: قَوْمٌ نَجْوى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ والمَعْنى، هم ذَوُو نَجْوى، فَحُذِفَ المُضافُ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَصْدَرٍ وُصِفَ بِهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: جَرُّ ”ثَلاثَةٍ“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ النَّجْوى بِمَعْنى المُتَناجِينَ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”ما يَكُونُ مِن مُتَناجِينَ ثَلاثَةً“ فَيَكُونُ صِفَةً. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”ثَلاثَةً“ و”خَمْسَةً“ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، بِإضْمارِ ”يَتَناجَوْنَ“ لِأنَّ نَجْوى يَدُلُّ عَلَيْهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الثَّلاثَةَ والخَمْسَةَ، وأهْمَلَ أمْرَ الأرْبَعَةِ في البَيْنِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى كَمالِ الرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّلاثَةَ إذا اجْتَمَعُوا، فَإذا أخَذَ اثْنانِ في التَّناجِي والمُشاوَرَةِ، بَقِيَ الواحِدُ ضائِعًا وحِيدًا؛ فَيَضِيقُ قَلْبُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أنا جَلِيسُكَ وأنِيسُكَ، وكَذا الخَمْسَةُ إذا اجْتَمَعُوا بَقِيَ الخامِسُ وحِيدًا فَرِيدًا، أمّا إذا كانُوا أرْبَعَةً لَمْ يَبْقَ واحِدٌ مِنهم فَرِيدًا، فَهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ مَنِ انْقَطَعَ عَنِ الخَلْقِ ما يَتْرُكُهُ اللَّهُ تَعالى ضائِعًا. وثانِيها: أنَّ العَدَدَ الفَرْدَ أشْرَفُ مِنَ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، فَخَصَّ الأعْدادَ الفَرْدَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن رِعايَةِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ. وثالِثُها: أنَّ أقَلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في المُشاوَرَةِ الَّتِي يَكُونُ الغَرَضُ مِنها تَمْهِيدَ مَصْلَحَةِ ثَلاثَةٍ حَتّى يَكُونَ الِاثْنانِ كالمُتَنازِعَيْنِ في النَّفْيِ والإثْباتِ، والثّالِثُ كالمُتَوَسِّطِ الحاكِمِ بَيْنَهُما، فَحِينَئِذٍ تَكْمُلُ تِلْكَ المَشُورَةُ، ويَتِمُّ ذَلِكَ الغَرَضُ، وهَكَذا في كُلِّ جَمْعٍ اجْتَمَعُوا لِلْمُشاوَرَةِ، فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِن واحِدٍ يَكُونُ حَكَمًا مَقْبُولَ القَوْلِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لا بُدَّ صفحة ٢٣١ وأنْ تَكُونَ أرْبابُ المُشاوَرَةِ عَدَدُهم فَرْدًا، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ الفَرْدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، واكْتَفى بِذِكْرِهِما تَنْبِيهًا عَلى الباقِي. ورابِعُها: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، اجْتَمَعُوا عَلى التَّناجِي مُغايَظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وكانُوا عَلى هَذَيْنِ العَدَدَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَبِيعَةَ وحَبِيبٍ ابْنَيْ عَمْرٍو، وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، كانُوا يَوْمًا يَتَحَدَّثُونَ، فَقالَ أحَدُهم: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما تَقُولُ ؟ وقالَ الثّانِي: يَعْلَمُ البَعْضَ دُونَ البَعْضِ، وقالَ الثّالِثُ: إنْ كانَ يَعْلَمُ البَعْضَ فَيَعْلَمُ الكُلَّ. وخامِسُها: أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا اللَّهُ رابِعُهم ولا أرْبَعَةٍ إلّا اللَّهُ خامِسُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا اللَّهُ سادِسُهم ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا اللَّهُ مَعَهم إذا أخَذُوا في التَّناجِي“ . المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قُرِئَ: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ولا أكْثَرُ“ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ ”لا“ مَعَ ”أدْنى“، كَقَوْلِكَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةٌ إلّا بِاللَّهِ، بِفَتْحِ الحَوْلِ ورَفْعِ القُوَّةِ. والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، كَقَوْلِكَ: لا حَوْلٌ ولا قُوَّةٌ إلّا بِاللَّهِ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُهُما عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿مِن نَجْوى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ أدْنى ولا أكْثَرُ إلّا هو مَعَهم. والخامِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونا مَجْرُورَيْنِ عَطْفًا عَلى ﴿نَجْوى﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَكُونُ مِن أدْنى ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قُرِئَ: ”ولا أكْبَرَ“ بِالباءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى رابِعًا لَهم، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مَعَهم كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكَلامِهِمْ وضَمِيرِهِمْ وسِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، وكَأنَّهُ تَعالى حاضِرٌ مَعَهم ومَشاهِدٌ لَهم، وقَدْ تَعالى عَنِ المَكانِ والمُشاهَدَةِ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَرَأ بَعْضُهم: ”ثُمَّ يُنْبِئُهم“ بِسُكُونِ النُّونِ، وأنْبَأ ونَبَّأ واحِدٌ في المَعْنى، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ يُحاسِبُ عَلى ذَلِكَ ويُجازِي عَلى قَدْرِ الِاسْتِحْقاقِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهو تَحْذِيرٌ مِنَ المَعاصِي وتَرْغِيبٌ في الطّاعاتِ. ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهم مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، ومِنهم مَن قالَ: فَرِيقٌ مِنَ الكُفّارِ، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم فَقالَ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، وهَذا الجِنْسُ فِيما رُوِيَ وقَعَ مِنَ اليَهُودِ، فَقَدْ كانُوا إذا سَلَّمُوا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: السّامُ عَلَيْكَ، يَعْنُونَ المَوْتَ، والأخْبارُ في ذَلِكَ مُتَظاهِرَةٌ، وقِصَّةُ عائِشَةَ فِيها مَشْهُورَةٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: صفحة ٢٣٢ المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ صَحَّ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا يَتَناجَوْنَ فِيما بَيْنَهم ويُوهِمُونَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يَتَناجَوْنَ فِيما يَسُوءُهم، فَيَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا أكْثَرُوا ذَلِكَ شَكا المُسْلِمُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأمَرَهم أنْ لا يَتَناجَوْا دُونَ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ وعادُوا إلى مُناجاتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الإثْمَ والعُدْوانَ هو مُخالَفَتُهم لِلرُّسُلِ في النَّهْيِ عَنِ النَّجْوى؛ لِأنَّ الإقْدامَ عَلى المَنهِيِّ يُوجِبُ الإثْمَ والعُدْوانَ، سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الإقْدامُ لِأجْلِ المُناصَبَةِ وإظْهارِ التَّمَرُّدِ. والثّانِي: أنَّ الإثْمَ والعُدْوانَ هو ذَلِكَ السِّرُّ الَّذِي كانَ يَجْرِي بَيْنَهم؛ لِأنَّهُ إمّا مَكْرٌ وكَيْدٌ بِالمُسْلِمِينَ أوْ شَيْءٌ يَسُوءُهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، ”ويَنْتَجُونَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ: يَتَناجَوْنَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَنْتَجُونَ يَفْتَعِلُونَ مِنَ النَّجْوى، والنَّجْوى مَصْدَرٌ كالدَّعْوى والعَدْوى، فَيَنْتَجُونَ ويَتَناجَوْنَ واحِدٌ، فَإنَّ يَفْتَعِلُونَ، ويَتَفاعَلُونَ قَدْ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا، كَما يُقالُ: ازْدَوِجُوا، واعْتَوِرُوا، وتَزاوَجُوا وتَعاوَرُوا، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها﴾ [الأعراف: ٣٨] وادَّرَكُوا، فادَّرَكُوا افْتَعَلُوا، وادّارَكُوا تَفاعَلُوا، وحَجَّةُ مَن قَرَأ: ﴿ويَتَناجَوْنَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ ﴿وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ فَهَذا مُطاوِعُ ”ناجَيْتُمْ“، ولَيْسَ في هَذا رَدٌّ لِقِراءَةِ حَمْزَةَ: ”يَنْتَجُونَ“؛ لِأنَّ هَذا مِثْلُهُ في الجَوازِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَعْصِياتِ الرَّسُولِ“، والقَوْلانِ هَهُنا كَما ذَكَرْناهُ في الإثْمِ والعُدْوانِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في تَحِيَّتِكَ: السّامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ. والسّامُ: المَوْتُ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] و﴿ياأيُّها الرَّسُولُ﴾ و﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّهم ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: إنَّهُ لَوْ كانَ رَسُولًا فَلِمَ لا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِهَذا الِاسْتِخْفافِ. * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ والمَعْنى أنَّ تَقَدُّمَ العَذابِ إنَّما يَكُونُ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ، أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، فَإذا لَمْ تَقْتَضِ المَشِيئَةُ تَقْدِيمَ العَذابِ، ولَمْ يَقْتَضِ الصَّلاحُ أيْضًا ذَلِكَ، فالعَذابُ في القِيامَةِ كافِيهِمْ في الرَّدْعِ عَمّا هم عَلَيْهِ. ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾ . اعْلَمْ أنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى قَوْلَيْنِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهُ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] عَلى اليَهُودِ حَمَلْنا في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى المُنافِقِينَ، أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وإنْ حَمَلْنا ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، حَمَلْنا هَذا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ عَلى التَّناجِي بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ صفحة ٢٣٣ الرَّسُولِ، أتْبَعَهُ بِأنْ نَهى أصْحابَهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْلُكُوا مِثْلَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ﴾ وهو ما يَقْبُحُ مِمّا يَخُصُّهم ﴿والعُدْوانِ﴾ وهو يُؤَدِّي إلى ظُلْمِ الغَيْرِ ﴿ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ وهو ما يَكُونُ خِلافًا عَلَيْهِ، وأمَرَهم أنْ يَتَناجَوْا بِالبَرِّ الَّذِي يُضادُّ العُدْوانَ، وبِالتَّقْوى وهو ما يُتَّقى بِهِ مِنَ النّارِ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ مَتى تَناجَوْا بِما هَذِهِ صِفَتُهُ قَلَّتْ مُناجاتُهم؛ لِأنَّ ما يَدْعُو إلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ يَدْعُو إظْهارَهُ، وذَلِكَ يَقْرُبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وأيْضًا فَمَتى عَرَفْتَ طَرِيقَةَ الرَّجُلِ في هَذِهِ المُناجاةِ لَمْ يَتَأذّى مِن مُناجاتِهِ أحَدٌ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ إلى حَيْثُ يُحاسَبُ ويُجازى، وإلّا فالمَكانُ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الألِفُ واللّامُ في لَفْظِ النَّجْوى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّ في النَّجْوى ما يَكُونُ مِنَ اللَّهِ ولِلَّهِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ المَعْهُودُ السّابِقُ وهو النَّجْوى بِالإثْمِ والعُدْوانِ، والمَعْنى أنَّ الشَّيْطانَ يَحْمِلُهم عَلى أنْ يُقْدِمُوا عَلى تِلْكَ النَّجْوى الَّتِي هي سَبَبٌ لِحُزْنِ المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ إذا رَأوْهم مُتَناجِينَ قالُوا: ما نَراهم إلّا وقَدْ بَلَغَهم عَنْ أقْرِبائِنا وإخْوانِنا الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الغَزَواتِ أنَّهم قُتِلُوا وهُزِمُوا، ويَقَعُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ ويَحْزَنُونَ لَهُ.

المجادلة 58:10

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ يَضُرُّ التَّناجِي بِالمُؤْمِنِينَ شَيْئًا. والثّانِي: الشَّيْطانُ لَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَقِيلَ: بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِخَلْقِهِ وتَقْدِيرِهِ لِلْأمْراضِ وأحْوالِ القَلْبِ مِنَ الحُزْنِ والفَرَحِ، وقِيلَ: بِأنْ يُبَيِّنَ كَيْفِيَّةَ مُناجاةِ الكُفّارِ حَتّى يَزُولَ الغَمُّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا يَخِيبُ أمَلُهُ ولا يَبْطُلُ سَعْيُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّباغُضِ والتَّنافُرِ، أمَرَهُمُ الآنَ بِما يَصِيرُ سَبَبًا لِزِيادَةِ المَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾ تَوَسَّعُوا فِيهِ، ولْيُفْسِحْ بَعْضُكم عَنْ بَعْضٍ، مِن قَوْلِهِمُ: افْسَحْ عَنِّي، أيْ تَنَحَّ، ولا تَتَضامُّوا، يُقالُ: بَلْدَةٌ فَسِيحَةٌ، ومَفازَةٌ فَسِيحَةٌ، ولَكَ فِيهِ فُسْحَةٌ، أيْ سِعَةٌ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: تَفاسَحُوا، قالَ ابْنُ جِنِّي: هَذا لائِقٌ بِالغَرَضِ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: تَفَسَّحُوا، فَمَعْناهُ لِيَكُنْ هُناكَ تَفَسُّحٌ، وأمّا التَّفاسُحُ فَتَفاعُلٌ، والمُرادُ هَهُنا المُفاعَلَةُ، فَإنَّها تَكُونُ لِما فَوْقَ الواحِدِ كالمُقاسَمَةِ والمُكايَلَةِ. وقُرِئَ ”في المَجْلِسِ“ قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ التَّوْحِيدُ؛ لِأنَّ المُرادَ مَجْلِسُ النَّبِيِّ ﷺ وهو واحِدٌ، ووَجْهُ الجَمْعِ أنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ جالِسٍ مَجْلِسٌ عَلى حِدَةٍ، أيْ مَوْضِعُ جُلُوسٍ. صفحة ٢٣٤ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في الآيَةِ أقْوالًا: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مَجْلِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا يَتَضامُّونَ فِيهِ تَنافُسًا عَلى القُرْبِ مِنهُ، وحِرْصًا عَلى اسْتِماعِ كَلامِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: «كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ في الصُّفَّةِ، وفي المَكانِ ضِيقٌ، وكانَ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَجاءَ ناسٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقَدْ سَبَقُوا إلى المَجْلِسِ، فَقامُوا حِيالَ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهم، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يَحْمِلُهم عَلى القِيامِ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ، فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ مِن غَيْرِ أهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يا فُلانُ، ثُمَّ يا فُلانُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقِيمُ بِعِدَّةِ النَّفَرِ الَّذِينَ هم قِيامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى مَن أُقِيمَ مِن مَجْلِسِهِ، وعُرِفَتِ الكَراهِيَةُ في وُجُوهِهِمْ، وطَعَنَ المُنافِقُونَ في ذَلِكَ، وقالُوا: واللَّهِ ما عَدَلَ عَلى هَؤُلاءِ، إنَّ قَوْمًا أخَذُوا مَجالِسَهم، وأحَبُّوا القُرْبَ مِنهُ فَأقامَهم وأجْلَسَ مَن أبْطَأ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ» . الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمّاسِ، وذَلِكَ أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ وقَدْ أخَذَ القَوْمُ مَجالِسَهم، وكانَ يُرِيدُ القُرْبَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْوَقْرِ الَّذِي كانَ في أُذُنَيْهِ، فَوَسَّعُوا لَهُ حَتّى قَرَّبَ، ثُمَّ ضايَقَهُ بَعْضُهم وجَرى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ كَلامٌ، ووَصَفَ لِلرَّسُولِ مَحَبَّةَ القُرْبِ مِنهُ لِيَسْمَعَ كَلامَهُ، وإنَّ فُلانًا لَمْ يُفْسِحْ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُمِرَ القَوْمُ بِأنْ يُوَسِّعُوا ولا يَقُومَ أحَدٌ لِأحَدٍ. الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُحِبُّونَ القُرْبَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَكْرَهُ أنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَرُبَّما سَألَهُ أخُوهُ أنْ يُفْسِحَ لَهُ فَيَأْبى، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَتَعاطَفُوا ويَتَحَمَّلُوا المَكْرُوهَ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَكْرَهُ أنْ يَمَسَّهُ الفُقَراءُ، وكانَ أهْلُ الصُّفَّةِ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ ولَهم رَوائِحُ. القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ تَفَسَّحُوا في مَجالِسِ القِتالِ؛ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الصَّفَّ فَيَقُولُ: تَفَسَّحُوا، فَيَأْبَوْنَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الشَّهادَةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ جَمِيعُ المَجالِسِ والمَجامِعِ، قالَ القاضِي: والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَجْلِسُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المَجْلِسَ عَلى وجْهٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مَعْهُودًا، والمَعْهُودُ في زَمانِ نُزُولِ الآيَةِ لَيْسَ إلّا مَجْلِسُ الرَّسُولِ -ﷺ -الَّذِي يَعْظُمُ التَّنافُسُ عَلَيْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ لِلْقُرْبِ مِنهُ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِما فِيهِ مِن سَماعِ حَدِيثِهِ، ولِما فِيهِ مِنَ المَنزِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لِيَلِيَنِي مِنكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى» ولِذَلِكَ كانَ يُقَدِّمُ الأفاضِلَ مِن أصْحابِهِ، وكانُوا لِكَثْرَتِهِمْ يَتَضايَقُونَ، فَأُمِرُوا بِالتَّفَسُّحِ إذا أمْكَنَ، لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في التَّحَبُّبِ، وفي الِاشْتِراكِ في سَماعِ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ في مَجْلِسِهِ، فَحالَ الجِهادُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، بَلْ رُبَّما كانَ أوْلى، لِأنَّ الشَّدِيدَ البَأْسِ قَدْ يَكُونُ مُتَأخِّرًا عَنِ الصَّفِّ الأوَّلِ، والحاجَةُ إلى تَقَدُّمِهِ ماسَّةٌ فَلا بُدَّ مِنَ التَّفَسُّحِ، ثُمَّ يُقاسُ عَلى هَذا سائِرُ مَجالِسِ العِلْمِ والذِّكْرِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فَهو مُطْلَقٌ في كُلِّ ما يَطْلُبُ النّاسُ الفُسْحَةَ فِيهِ مِنَ المَكانِ والرِّزْقِ والصَّدْرِ والقَبْرِ والجَنَّةِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ مَن وسَّعَ عَلى عِبادِ اللَّهِ أبْوابَ الخَيْرِ والرّاحَةِ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يُقَيِّدَ الآيَةَ بِالتَّفَسُّحِ في المَجْلِسِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ إيصالُ الخَيْرِ إلى المُسْلِمِ، وإدْخالُ السُّرُورِ في قَلْبِهِ؛ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَزالُ اللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما زالَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ المُسْلِمِ» .

المجادلة 58:11

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا قِيلَ لَكُمُ: ارْتَفِعُوا فارْتَفِعُوا، واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: إذا قِيلَ لَكم: قُومُوا لِلتَّوْسِعَةِ عَلى الدّاخِلِ فَقُومُوا. وثانِيها: إذا قِيلَ: قُومُوا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُطَوِّلُوا في الكَلامِ؛ فَقُومُوا ولا تَرْكُزُوا مَعَهُ، كَما قالَ: ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وثالِثُها: إذا قِيلَ لَكم: قُومُوا إلى الصَّلاةِ والجِهادِ وأعْمالِ الخَيْرِ، وتَأهَّبُوا لَهُ، فاشْتَغِلُوا بِهِ وتَأهَّبُوا لَهُ، ولا تَتَثاقَلُوا فِيهِ، قالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: إنَّ قَوْمًا تَثاقَلُوا عَنِ الصَّلاةِ، فَأُمِرُوا بِالقِيامِ لَها إذا نُودِيَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”انْشِزُوا“ بِكَسْرِ الشِّينِ وبِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ مِثْلُ: يَعْكِفُونَ ويَعْكُفُونَ ويَعْرِشُونَ ويَعْرُشُونَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهم أوَّلًا عَنْ بَعْضِ الأشْياءِ، ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا بِبَعْضِ الأشْياءِ -وعَدَهم عَلى الطّاعاتِ، فَقالَ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ أيْ يَرْفَعُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِامْتِثالِ أوامِرِ رَسُولِهِ، والعالِمِينَ مِنهم خاصَّةً دَرَجاتٍ، ثُمَّ في المُرادِ مِن هَذِهِ الرِّفْعَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو القَوْلُ النّادِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الرِّفْعَةُ في مَجْلِسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: وهو القَوْلُ المَشْهُورُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرِّفْعَةُ في دَرَجاتِ الثَّوابِ ومَراتِبِ الرِّضْوانِ. واعْلَمْ أنّا أطْنَبْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في فَضِيلَةِ العِلْمِ، وقالَ القاضِي: لا شُبْهَةَ أنَّ عِلْمَ العالِمِ يَقْتَضِي لِطاعَتِهِ مِنَ المَنزِلَةِ ما لا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّهُ يُقْتَدى بِالعالِمِ في كُلِّ أفْعالِهِ، ولا يُقْتَدى بِغَيْرِ العالِمِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ مِن كَيْفِيَّةِ الِاحْتِرازِ عَنِ الحَرامِ والشُّبَهاتِ ومُحاسَبَةِ النَّفْسِ ما لا يَعْرِفُهُ الغَيْرُ، ويَعْلَمُ مِن كَيْفِيَّةِ الخُشُوعِ والتَّذَلُّلِ في العِبادَةِ ما لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ، ويَعْلَمُ مِن كَيْفِيَّةِ التَّوْبَةِ وأوْقاتِها وصِفاتِها ما لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ، ويَتَحَفَّظُ فِيما يَلْزَمُهُ مِنَ الحُقُوقِ ما لا يَتَحَفَّظُ مِنهُ غَيْرُهُ، وفي الوُجُوهِ كَثْرَةٌ، لَكِنَّهُ كَما تَعْظُمُ مَنزِلَةُ أفْعالِهِ مِنَ الطّاعاتِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، فَكَذَلِكَ يَعْظُمُ عِقابُهُ فِيما يَأْتِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ؛ لِمَكانِ عِلْمِهِ، حَتّى لا يَمْتَنِعَ في كَثِيرٍ مِن صَغائِرِ غَيْرِهِ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا مِنهُ.

المجادلة 58:12

وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا التَّكْلِيفُ يَشْتَمِلُ عَلى أنْواعٍ مِنَ الفَوائِدِ: أوَّلُها: إعْظامُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإعْظامُ مُناجاتِهِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا وجَدَ الشَّيْءَ مَعَ المَشَقَّةِ اسْتَعْظَمَهُ، وإنْ وجَدَهُ بِالسُّهُولَةِ اسْتَحْقَرَهُ. وثانِيها: صفحة ٢٣٦ نَفْعُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَراءِ بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ المُقَدَّمَةِ قَبْلَ المُناجاةِ. وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُسْلِمِينَ أكْثَرُوا المَسائِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى شَقُّوا عَلَيْهِ، وأرادَ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَحَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَكَفُّوا عَنِ المَسْألَةِ. ورابِعُها: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: إنَّ الأغْنِياءَ غَلَبُوا الفُقَراءَ عَلى مَجْلِسِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأكْثَرُوا مِن مُناجاتِهِ حَتّى كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ طُولَ جُلُوسِهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالصَّدَقَةِ عِنْدَ المُناجاةِ، فَأمّا الأغْنِياءُ فامْتَنَعُوا، وأمّا الفُقَراءُ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، واشْتاقُوا إلى مَجْلِسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَمَنَّوْا أنْ لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ شَيْئًا فَيُنْفِقُونَهُ ويَصِلُونَ إلى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَعِنْدَ هَذا التَّكْلِيفِ ازْدادَتْ دَرَجَةُ الفُقَراءِ عِنْدَ اللَّهِ، وانْحَطَّتْ دَرَجَةُ الأغْنِياءِ. وخامِسُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّخْفِيفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أرْبابَ الحاجاتِ كانُوا يُلِحُّونَ عَلى الرَّسُولِ، ويَشْغَلُونَ أوْقاتَهُ الَّتِي هي مَقْسُومَةٌ عَلى الإبْلاغِ إلى الأُمَّةِ وعَلى العِبادَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ ما يَشْغَلُ قَلْبَ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ؛ لِظَنِّهِ أنَّ فُلانًا إنَّما ناجى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأمْرٍ يَقْتَضِي شَغْلَ القَلْبِ فِيما يَرْجِعُ إلى الدُّنْيا. وسادِسُها: أنَّهُ يَتَمَيَّزُ بِهِ مُحِبُّ الآخِرَةِ عَنْ مُحِبِّ الدُّنْيا، فَإنَّ المالَ مِحَكُّ الدَّواعِي. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ كانَ واجِبًا؛ لِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيما بِفَقْدِهِ يَزُولُ وُجُوبُهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ ما كانَ واجِبًا، بَلْ كانَ مَندُوبًا، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ وهَذا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّطَوُّعِ لا في الفَرْضِ. والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا لَما أُزِيلَ وُجُوبُهُ بِكَلامٍ مُتَّصِلٍ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المَندُوبَ كَما يُوصَفُ بِأنَّهُ خَيْرٌ وأطْهَرُ فالواجِبُ أيْضًا يُوصَفُ بِذَلِكَ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الآيَتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ في التِّلاوَةِ كَوْنُهُما مُتَّصِلَتَيْنِ في النُّزُولِ، وهَذا كَما قُلْنا في الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الِاعْتِدادِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ إنَّها ناسِخَةٌ لِلِاعْتِدادِ بِحَوْلٍ، وإنْ كانَ النّاسِخُ مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ عَلى المَنسُوخِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ تَأخُّرِ النّاسِخِ عَنِ المَنسُوخِ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: ما بَقِيَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ثُمَّ نُسِخَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَقِيَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ نُسِخَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي، كانَ لِي دِينارٌ فاشْتَرَيْتُ بِهِ عَشَرَةَ دَراهِمَ، فَكُلَّما ناجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوايَ دِرْهَمًا، ثُمَّ نُسِخَتْ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والكَلْبِيِّ وعَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم نُهُوا عَنِ المُناجاةِ حَتّى يَتَصَدَّقُوا، فَلَمْ يُناجِهِ أحَدٌ إلّا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، تَصَدَّقَ بِدِينارٍ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ. قالَ القاضِي والأكْثَرُ في الرِّواياتِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفَرَّدَ بِالتَّصَدُّقِ قَبْلَ مُناجاتِهِ، ثُمَّ ورَدَ النَّسْخُ، وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ أيْضًا أنَّ أفاضِلَ الصَّحابَةِ وجَدُوا الوَقْتَ وما فَعَلُوا ذَلِكَ، وإنْ ثَبَتَ أنَّهُ اخْتَصَّ بِذَلِكَ فَلِأنَّ الوَقْتَ لَمْ يَتَّسِعْ لِهَذا الغَرَضِ، وإلّا فَلا شُبْهَةَ أنَّ أكابِرَ الصَّحابَةِ لا يَقْعُدُونَ عَنْ مِثْلِهِ، وأقُولُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ أفاضِلَ الصَّحابَةِ وجَدُوا الوَقْتَ وما فَعَلُوا ذَلِكَ، فَهَذا لا يَجُرُّ إلَيْهِمْ طَعْنًا، وذَلِكَ الإقْدامُ عَلى هَذا العَمَلِ مِمّا يُضِيقُ قَلْبَ الفَقِيرِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ فَيَضِيقُ قَلْبُهُ، ويُوحِشُ الغَنِيَّ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْعَلِ الغَنِيُّ ذَلِكَ وفَعَلَهُ غَيْرُهُ صارَ ذَلِكَ الفِعْلُ سَبَبًا لِلطَّعْنِ فِيمَن لَمْ يَفْعَلْ، فَهَذا الفِعْلُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِحُزْنِ الفُقَراءِ ووَحْشَةِ الأغْنِياءِ، لَمْ يَكُنْ في تَرْكِهِ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِلْأُلْفَةِ أوْلى مِمّا يَكُونُ سَبَبًا لِلْوَحْشَةِ، وأيْضًا فَهَذِهِ المُناجاةُ لَيْسَتْ مِنَ الواجِباتِ صفحة ٢٣٧ ولا مِنَ الطّاعاتِ المَندُوبَةِ، بَلْ قَدْ بَيَّنّا أنَّهم إنَّما كُلِّفُوا بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ لِيَتْرُكُوا هَذِهِ المُناجاةَ، ولَمّا كانَ الأوْلى بِهَذِهِ المُناجاةِ أنْ تَكُونَ مَتْرُوكَةً لَمْ يَكُنْ تَرْكُها سَبَبًا لِلطَّعْنِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ دَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”ما تَقُولُ في دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: كَمْ ؟ قُلْتُ: حَبَّةٌ أوْ شَعِيرَةٌ، قالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ“ والمَعْنى: إنَّكَ قَلِيلُ المالِ فَقَدَّرْتَ عَلى حَسَبِ حالِكَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّقْدِيمُ خَيْرٌ لَكم في دِينِكم وأطْهَرُ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ طُهْرَةٌ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الفُقَراءُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَجِدْ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ كانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ وُقُوعَ النَّسْخِ، وقالَ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَمْتَنِعُونَ مِن بَذْلِ الصَّدَقاتِ، وإنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ تَرَكُوا النِّفاقَ وآمَنُوا ظاهِرًا وباطِنًا إيمانًا حَقِيقِيًّا، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَيِّزَهم عَنِ المُنافِقِينَ، فَأمَرَ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلى النَّجْوى لِيَتَمَيَّزَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا حَقِيقِيًّا عَمَّنْ بَقِيَ عَلى نِفاقِهِ الأصْلِيِّ، وإذا كانَ هَذا التَّكْلِيفُ لِأجْلِ هَذِهِ المَصْلَحَةِ المُقَدَّرَةِ لِذَلِكَ الوَقْتِ، لا جَرَمَ يُقَدَّرُ هَذا التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ الوَقْتِ. وحاصِلُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ كانَ مُقَدَّرًا بِغايَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَوَجَبَ انْتِهاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الغايَةِ المَخْصُوصَةِ، فَلا يَكُونُ هَذا نَسْخًا، وهَذا الكَلامُ حَسَنٌ ما بِهِ بَأْسٌ، والمَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ.

المجادلة 58:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . والمَعْنى: أخِفْتُمْ تَقْدِيمَ الصَّدَقاتِ لِما فِيهِ مِن إنْفاقِ المالِ، فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم ورَخَّصَ لَكم في أنْ لا تَفْعَلُوهُ، فَلا تُفَرِّطُوا في الصَّلاةِ والزَّكاةِ وسائِرِ الطّاعاتِ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى تَقْصِيرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ وهو يَدُلُّ عَلى تَقْصِيرِهِمْ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قُلْنا: لَيْسَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا كُلِّفُوا بِأنْ يُقَدِّمُوا الصَّدَقَةَ ويُشْغَلُوا بِالمُناجاةِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، فَمَن تَرَكَ صفحة ٢٣٨ المُناجاةَ يَكُونُ مُقَصِّرًا، وأمّا لَوْ قِيلَ بِأنَّهم ناجَوْا مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، فَهَذا أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لَأنَّ المُناجاةَ لا تُمْكِنُ إلّا إذا مَكَّنَ الرَّسُولُ مِنَ المُناجاةِ، فَإذا لَمْ يُمَكِّنْهم مِن ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى المُناجاةِ، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ التَّقْصِيرِ مِنهم، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ ضِيقَ صَدْرِ كَثِيرٍ مِنهم عَنْ إعْطاءِ الصَّدَقَةِ في المُسْتَقْبَلِ لَوْ دامَ الوُجُوبُ، فَقالَ هَذا القَوْلَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَلَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ تابَ عَلَيْكم مِن هَذا التَّقْصِيرِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أنَّكم إذا كُنْتُمْ تائِبِينَ راجِعِينَ إلى اللَّهِ، وأقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ، فَقَدْ كَفاكم هَذا التَّكْلِيفَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي مُحِيطٌ بِأعْمالِكم ونِيّاتِكم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ كانَ المُنافِقُونَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ وهُمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ: ﴿ما هم مِنكُمْ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ ولا مِنَ اليَهُودِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ والمُرادُ مِن هَذا الكَذِبِ إمّا ادِّعاؤُهم كَوْنَهم مُسْلِمِينَ، وإمّا أنَّهم كانُوا يَشْتُمُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَكِيدُونَ المُسْلِمِينَ، فَإذا قِيلَ لَهم: إنَّكم فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، خافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ القَتْلِ، فَيَحْلِفُونَ أنّا ما قُلْنا ذَلِكَ وما فَعَلْناهُ، فَهَذا هو الكَذِبُ الَّذِي يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الجاحِظِ: إنَّ الخَبَرَ الَّذِي يَكُونُ مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ إنَّما يَكُونُ كَذِبًا لَوْ عَلِمَ المُخْبِرُ كَوْنَ الخَبَرِ مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ؛ وذَلِكَ لَأنَّ لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَكْرارًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ، يُرْوى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَبْتَلٍ المُنافِقَ كانَ يُجالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَرْفَعُ حَدِيثَهُ إلى اليَهُودِ، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حُجْرَتِهِ إذْ قالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ يَنْظُرُ بِعَيْنِ شَيْطانٍ - أوْ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ - فَدَخَلَ رَجُلٌ عَيْناهُ زَرْقاوانِ فَقالَ لَهُ: لِمَ تَسُبَّنِي ؟ فَجَعَلَ يَحْلِفُ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ .

المجادلة 58:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . والمَعْنى: أخِفْتُمْ تَقْدِيمَ الصَّدَقاتِ لِما فِيهِ مِن إنْفاقِ المالِ، فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم ورَخَّصَ لَكم في أنْ لا تَفْعَلُوهُ، فَلا تُفَرِّطُوا في الصَّلاةِ والزَّكاةِ وسائِرِ الطّاعاتِ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى تَقْصِيرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ وهو يَدُلُّ عَلى تَقْصِيرِهِمْ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قُلْنا: لَيْسَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا كُلِّفُوا بِأنْ يُقَدِّمُوا الصَّدَقَةَ ويُشْغَلُوا بِالمُناجاةِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، فَمَن تَرَكَ صفحة ٢٣٨ المُناجاةَ يَكُونُ مُقَصِّرًا، وأمّا لَوْ قِيلَ بِأنَّهم ناجَوْا مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، فَهَذا أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لَأنَّ المُناجاةَ لا تُمْكِنُ إلّا إذا مَكَّنَ الرَّسُولُ مِنَ المُناجاةِ، فَإذا لَمْ يُمَكِّنْهم مِن ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى المُناجاةِ، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ التَّقْصِيرِ مِنهم، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ ضِيقَ صَدْرِ كَثِيرٍ مِنهم عَنْ إعْطاءِ الصَّدَقَةِ في المُسْتَقْبَلِ لَوْ دامَ الوُجُوبُ، فَقالَ هَذا القَوْلَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَلَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ تابَ عَلَيْكم مِن هَذا التَّقْصِيرِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أنَّكم إذا كُنْتُمْ تائِبِينَ راجِعِينَ إلى اللَّهِ، وأقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ، فَقَدْ كَفاكم هَذا التَّكْلِيفَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي مُحِيطٌ بِأعْمالِكم ونِيّاتِكم. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ كانَ المُنافِقُونَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ وهُمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ: ﴿ما هم مِنكُمْ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ ولا مِنَ اليَهُودِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ والمُرادُ مِن هَذا الكَذِبِ إمّا ادِّعاؤُهم كَوْنَهم مُسْلِمِينَ، وإمّا أنَّهم كانُوا يَشْتُمُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَكِيدُونَ المُسْلِمِينَ، فَإذا قِيلَ لَهم: إنَّكم فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، خافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ القَتْلِ، فَيَحْلِفُونَ أنّا ما قُلْنا ذَلِكَ وما فَعَلْناهُ، فَهَذا هو الكَذِبُ الَّذِي يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الجاحِظِ: إنَّ الخَبَرَ الَّذِي يَكُونُ مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ إنَّما يَكُونُ كَذِبًا لَوْ عَلِمَ المُخْبِرُ كَوْنَ الخَبَرِ مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ؛ وذَلِكَ لَأنَّ لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَكْرارًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ، يُرْوى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَبْتَلٍ المُنافِقَ كانَ يُجالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَرْفَعُ حَدِيثَهُ إلى اليَهُودِ، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حُجْرَتِهِ إذْ قالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ يَنْظُرُ بِعَيْنِ شَيْطانٍ - أوْ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ - فَدَخَلَ رَجُلٌ عَيْناهُ زَرْقاوانِ فَقالَ لَهُ: لِمَ تَسُبَّنِي ؟ فَجَعَلَ يَحْلِفُ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ .

المجادلة 58:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَذابُ القَبْرِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ: ”اتَّخَذُوا إيمانَهم“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيِ اتَّخَذُوا ظِهارَ إيمانِهِمْ جُنَّةً عَنْ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ وكَيْدِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ جُنَّةً عَنْ أنْ يَقْتُلَهُمُ المُسْلِمُونَ، فَلَمّا أمِنُوا مِنَ القَتْلِ اشْتَغَلُوا بِصَدِّ النّاسِ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في القُلُوبِ وتَقْبِيحِ حالِ الإسْلامِ. صفحة ٢٣٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ عَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٥] عَلى عَذابِ القَبْرِ، وقَوْلَهُ هَهُنا: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، لِئَلّا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ الكُلِّ عَذابُ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ واحِدًا مِنهم قالَ: لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأوْلادِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُنافِقَ يَحْلِفُ لِلَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَذِبًا كَما يَحْلِفُ لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا كَذِبًا. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . وأمّا الثّانِي: فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] والمَعْنى أنَّهم لِشِدَّةِ تَوَغُّلِهِمْ في النِّفاقِ ظَنُّوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يُمْكِنُهم تَرْوِيجُ كَذِبِهِمْ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ، فَكانَ هَذا الحَلِفُ الذَّمِيمُ يَبْقى مَعَهم أبَدًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] قالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ في الآخِرَةِ أنّا ما كُنّا كافِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ هَذا الحَلِفُ كَذِبًا. وقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ لا شَكَّ أنَّهُ يَقْتَضِي رَكاكَةً عَظِيمَةً في النَّظْمِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ .

المجادلة 58:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَذابُ القَبْرِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ: ”اتَّخَذُوا إيمانَهم“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيِ اتَّخَذُوا ظِهارَ إيمانِهِمْ جُنَّةً عَنْ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ وكَيْدِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ جُنَّةً عَنْ أنْ يَقْتُلَهُمُ المُسْلِمُونَ، فَلَمّا أمِنُوا مِنَ القَتْلِ اشْتَغَلُوا بِصَدِّ النّاسِ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في القُلُوبِ وتَقْبِيحِ حالِ الإسْلامِ. صفحة ٢٣٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ عَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٥] عَلى عَذابِ القَبْرِ، وقَوْلَهُ هَهُنا: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، لِئَلّا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ الكُلِّ عَذابُ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ واحِدًا مِنهم قالَ: لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأوْلادِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُنافِقَ يَحْلِفُ لِلَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَذِبًا كَما يَحْلِفُ لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا كَذِبًا. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . وأمّا الثّانِي: فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] والمَعْنى أنَّهم لِشِدَّةِ تَوَغُّلِهِمْ في النِّفاقِ ظَنُّوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يُمْكِنُهم تَرْوِيجُ كَذِبِهِمْ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ، فَكانَ هَذا الحَلِفُ الذَّمِيمُ يَبْقى مَعَهم أبَدًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] قالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ في الآخِرَةِ أنّا ما كُنّا كافِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ هَذا الحَلِفُ كَذِبًا. وقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ لا شَكَّ أنَّهُ يَقْتَضِي رَكاكَةً عَظِيمَةً في النَّظْمِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ .

المجادلة 58:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَذابُ القَبْرِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ: ”اتَّخَذُوا إيمانَهم“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيِ اتَّخَذُوا ظِهارَ إيمانِهِمْ جُنَّةً عَنْ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ وكَيْدِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ جُنَّةً عَنْ أنْ يَقْتُلَهُمُ المُسْلِمُونَ، فَلَمّا أمِنُوا مِنَ القَتْلِ اشْتَغَلُوا بِصَدِّ النّاسِ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في القُلُوبِ وتَقْبِيحِ حالِ الإسْلامِ. صفحة ٢٣٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ عَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٥] عَلى عَذابِ القَبْرِ، وقَوْلَهُ هَهُنا: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، لِئَلّا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ الكُلِّ عَذابُ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ واحِدًا مِنهم قالَ: لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأوْلادِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُنافِقَ يَحْلِفُ لِلَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَذِبًا كَما يَحْلِفُ لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا كَذِبًا. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . وأمّا الثّانِي: فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] والمَعْنى أنَّهم لِشِدَّةِ تَوَغُّلِهِمْ في النِّفاقِ ظَنُّوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يُمْكِنُهم تَرْوِيجُ كَذِبِهِمْ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ، فَكانَ هَذا الحَلِفُ الذَّمِيمُ يَبْقى مَعَهم أبَدًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] قالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ في الآخِرَةِ أنّا ما كُنّا كافِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ هَذا الحَلِفُ كَذِبًا. وقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ لا شَكَّ أنَّهُ يَقْتَضِي رَكاكَةً عَظِيمَةً في النَّظْمِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ .

المجادلة 58:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَذابُ القَبْرِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ: ”اتَّخَذُوا إيمانَهم“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيِ اتَّخَذُوا ظِهارَ إيمانِهِمْ جُنَّةً عَنْ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ وكَيْدِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ جُنَّةً عَنْ أنْ يَقْتُلَهُمُ المُسْلِمُونَ، فَلَمّا أمِنُوا مِنَ القَتْلِ اشْتَغَلُوا بِصَدِّ النّاسِ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في القُلُوبِ وتَقْبِيحِ حالِ الإسْلامِ. صفحة ٢٣٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ عَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٥] عَلى عَذابِ القَبْرِ، وقَوْلَهُ هَهُنا: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، لِئَلّا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ الكُلِّ عَذابُ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ واحِدًا مِنهم قالَ: لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأوْلادِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُنافِقَ يَحْلِفُ لِلَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَذِبًا كَما يَحْلِفُ لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا كَذِبًا. أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . وأمّا الثّانِي: فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] والمَعْنى أنَّهم لِشِدَّةِ تَوَغُّلِهِمْ في النِّفاقِ ظَنُّوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يُمْكِنُهم تَرْوِيجُ كَذِبِهِمْ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ، فَكانَ هَذا الحَلِفُ الذَّمِيمُ يَبْقى مَعَهم أبَدًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] قالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ في الآخِرَةِ أنّا ما كُنّا كافِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ هَذا الحَلِفُ كَذِبًا. وقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ لا شَكَّ أنَّهُ يَقْتَضِي رَكاكَةً عَظِيمَةً في النَّظْمِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ .

المجادلة 58:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَحْوَذَ في اللُّغَةِ اسْتَوْلى، يُقالُ: حاوَذْتُ الإبِلَ، وحُذْتُها إذا اسْتَوْلَيْتَ عَلَيْها وجَمَعْتَها، قالَ المُبَرِّدُ: اسْتَحْوَذَ عَلى الشَّيْءِ: حَواهُ وأحاطَ بِهِ. وقالَتْ عائِشَةُ في حَقِّ عُمَرَ: كانَ أحْوَذِيًّا، أيْ سائِسًا ضابِطًا لِلْأُمُورِ، وهو أحَدُ ما جاءَ عَلى الأصْلِ نَحْوَ: اسْتَصْوَبَ واسْتَنْوَقَ، أيْ مَلَكَهُمُ الشَّيْطانُ واسْتَوْلى عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واحْتَجَّ القاضِي بِهِ في خَلْقِ الأعْمالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ذَلِكَ النِّسْيانُ لَوْ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَكانَتْ إضافَتُها إلى الشَّيْطانِ كَذِبًا. والثّانِي: لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَكانُوا كالمُؤْمِنِينَ في كَوْنِهِمْ حِزْبَ اللَّهِ لا حِزْبَ الشَّيْطانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أيْ في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذُلَّ أحَدِ الخَصْمَيْنِ عَلى حَسَبِ عِزِّ الخَصْمِ الثّانِي، فَلَمّا كانَتْ عِزَّةُ اللَّهِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، كانَتْ ذِلَّةُ مَن يُنازِعُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ أيْضًا، ولَمّا شَرَحَ ذُلَّهم، بَيَّنَ عِزَّ المُؤْمِنِينَ صفحة ٢٤٠ فَقالَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”أنا ورُسُلِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ، والباقُونَ لا يُحَرِّكُونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّحْرِيكُ والإسْكانُ جَمِيعًا جائِزانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلَبَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ بِالحُجَّةِ مُفاضَلَةٌ، إلّا أنَّ مِنهم مَن ضَمَّ إلى الغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ الغَلَبَةَ بِالسَّيْفِ، ومِنهم مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ عَلى نُصْرَةِ أنْبِيائِهِ: ﴿عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يَدْفَعُهُ أحَدٌ عَنْ مُرادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ يَكُونُ غالِبًا لِلْمُمْكِنِ لِذاتِهِ، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: إنّا لَنَرْجُو أنْ يُظْهِرَنا اللَّهُ عَلى فارِسَ والرُّومِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أتَظُنُّونَ أنَّ فارِسَ والرُّومَ كَبَعْضِ القُرى الَّتِي غَلَبْتُمُوهم، كَلّا واللَّهِ إنَّهم أكْثَرُ جَمْعًا وعُدَّةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

المجادلة 58:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَحْوَذَ في اللُّغَةِ اسْتَوْلى، يُقالُ: حاوَذْتُ الإبِلَ، وحُذْتُها إذا اسْتَوْلَيْتَ عَلَيْها وجَمَعْتَها، قالَ المُبَرِّدُ: اسْتَحْوَذَ عَلى الشَّيْءِ: حَواهُ وأحاطَ بِهِ. وقالَتْ عائِشَةُ في حَقِّ عُمَرَ: كانَ أحْوَذِيًّا، أيْ سائِسًا ضابِطًا لِلْأُمُورِ، وهو أحَدُ ما جاءَ عَلى الأصْلِ نَحْوَ: اسْتَصْوَبَ واسْتَنْوَقَ، أيْ مَلَكَهُمُ الشَّيْطانُ واسْتَوْلى عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واحْتَجَّ القاضِي بِهِ في خَلْقِ الأعْمالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ذَلِكَ النِّسْيانُ لَوْ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَكانَتْ إضافَتُها إلى الشَّيْطانِ كَذِبًا. والثّانِي: لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَكانُوا كالمُؤْمِنِينَ في كَوْنِهِمْ حِزْبَ اللَّهِ لا حِزْبَ الشَّيْطانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أيْ في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذُلَّ أحَدِ الخَصْمَيْنِ عَلى حَسَبِ عِزِّ الخَصْمِ الثّانِي، فَلَمّا كانَتْ عِزَّةُ اللَّهِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، كانَتْ ذِلَّةُ مَن يُنازِعُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ أيْضًا، ولَمّا شَرَحَ ذُلَّهم، بَيَّنَ عِزَّ المُؤْمِنِينَ صفحة ٢٤٠ فَقالَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”أنا ورُسُلِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ، والباقُونَ لا يُحَرِّكُونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّحْرِيكُ والإسْكانُ جَمِيعًا جائِزانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلَبَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ بِالحُجَّةِ مُفاضَلَةٌ، إلّا أنَّ مِنهم مَن ضَمَّ إلى الغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ الغَلَبَةَ بِالسَّيْفِ، ومِنهم مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ عَلى نُصْرَةِ أنْبِيائِهِ: ﴿عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يَدْفَعُهُ أحَدٌ عَنْ مُرادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ يَكُونُ غالِبًا لِلْمُمْكِنِ لِذاتِهِ، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: إنّا لَنَرْجُو أنْ يُظْهِرَنا اللَّهُ عَلى فارِسَ والرُّومِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أتَظُنُّونَ أنَّ فارِسَ والرُّومَ كَبَعْضِ القُرى الَّتِي غَلَبْتُمُوهم، كَلّا واللَّهِ إنَّهم أكْثَرُ جَمْعًا وعُدَّةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

المجادلة 58:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَحْوَذَ في اللُّغَةِ اسْتَوْلى، يُقالُ: حاوَذْتُ الإبِلَ، وحُذْتُها إذا اسْتَوْلَيْتَ عَلَيْها وجَمَعْتَها، قالَ المُبَرِّدُ: اسْتَحْوَذَ عَلى الشَّيْءِ: حَواهُ وأحاطَ بِهِ. وقالَتْ عائِشَةُ في حَقِّ عُمَرَ: كانَ أحْوَذِيًّا، أيْ سائِسًا ضابِطًا لِلْأُمُورِ، وهو أحَدُ ما جاءَ عَلى الأصْلِ نَحْوَ: اسْتَصْوَبَ واسْتَنْوَقَ، أيْ مَلَكَهُمُ الشَّيْطانُ واسْتَوْلى عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واحْتَجَّ القاضِي بِهِ في خَلْقِ الأعْمالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: ذَلِكَ النِّسْيانُ لَوْ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَكانَتْ إضافَتُها إلى الشَّيْطانِ كَذِبًا. والثّانِي: لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَكانُوا كالمُؤْمِنِينَ في كَوْنِهِمْ حِزْبَ اللَّهِ لا حِزْبَ الشَّيْطانِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أيْ في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذُلَّ أحَدِ الخَصْمَيْنِ عَلى حَسَبِ عِزِّ الخَصْمِ الثّانِي، فَلَمّا كانَتْ عِزَّةُ اللَّهِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، كانَتْ ذِلَّةُ مَن يُنازِعُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ أيْضًا، ولَمّا شَرَحَ ذُلَّهم، بَيَّنَ عِزَّ المُؤْمِنِينَ صفحة ٢٤٠ فَقالَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”أنا ورُسُلِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ، والباقُونَ لا يُحَرِّكُونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّحْرِيكُ والإسْكانُ جَمِيعًا جائِزانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلَبَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ بِالحُجَّةِ مُفاضَلَةٌ، إلّا أنَّ مِنهم مَن ضَمَّ إلى الغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ الغَلَبَةَ بِالسَّيْفِ، ومِنهم مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ عَلى نُصْرَةِ أنْبِيائِهِ: ﴿عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يَدْفَعُهُ أحَدٌ عَنْ مُرادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ يَكُونُ غالِبًا لِلْمُمْكِنِ لِذاتِهِ، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: إنّا لَنَرْجُو أنْ يُظْهِرَنا اللَّهُ عَلى فارِسَ والرُّومِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أتَظُنُّونَ أنَّ فارِسَ والرُّومَ كَبَعْضِ القُرى الَّتِي غَلَبْتُمُوهم، كَلّا واللَّهِ إنَّهم أكْثَرُ جَمْعًا وعُدَّةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

المجادلة 58:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ المَعْنى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ مَعَ وِدادِ أعْداءِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أحَبَّ أحَدًا امْتَنَعَ أنْ يُحِبَّ مَعَ ذَلِكَ عَدُوَّهُ، وهَذا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في القَلْبِ، فَإذا حَصَلَ في القَلْبِ وِدادُ أعْداءِ اللَّهِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الإيمانُ، فَيَكُونُ صاحِبُهُ مُنافِقًا. والثّانِي: أنَّهُما يَجْتَمِعانِ ولَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ وكَبِيرَةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ صاحِبُ هَذا الوِدادِ كافِرًا بِسَبَبِ هَذا الوِدادِ، بَلْ كانَ عاصِيًا في اللَّهِ، فَإنْ قِيلَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ مُخالَطَتُهم ومُعاشَرَتُهم، فَما هَذِهِ المَوَدَّةُ المُحَرَّمَةُ المَحْظُورَةُ ؟ قُلْنا: المَوَدَّةُ المَحْظُورَةُ هي إرادَةُ مُنافِسِهِ دِينًا ودُنْيا مَعَ كَوْنِهِ كافِرًا، فَأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَلا حَظْرَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بالَغَ في المَنعِ مِن هَذِهِ المَوَدَّةِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: ما ذُكِرَ أنَّ هَذِهِ المَوَدَّةَ مَعَ الإيمانِ لا يَجْتَمِعانِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ المَيْلَ إلى هَؤُلاءِ أعْظَمُ أنْواعِ المَيْلِ، ومَعَ هَذا فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا المَيْلُ مَغْلُوبًا مَطْرُوحًا بِسَبَبِ الدِّينِ. «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، قَتَلَ أباهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الجَرّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ، وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَتَلَ خالَهُ العاصَ بْنَ هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وأبِي بَكْرٍ دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى البِرازِ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَتِّعْنا بِنَفْسِكَ“»، ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ [ وحَمْزَةَ ] وعُبَيْدَةَ قَتَلُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يُوادُّوا أقارِبَهم صفحة ٢٤١ وعَشائِرَهم غَضَبًا لِلَّهِ ودِينِهِ. وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ مَوَدَّةُ أعْداءِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ﴾ أمّا القاضِي فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ عَلى وفْقِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: أحَدُها: جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ عَلامَةً تَعْرِفُ بِها المَلائِكَةُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإخْلاصِ. وثانِيها: المُرادُ شَرَحَ صُدُورَهم لِلْإيمانِ بِالألْطافِ والتَّوْفِيقِ. وثالِثُها: قِيلَ في: ﴿كَتَبَ﴾ قَضى أنَّ قُلُوبَهم بِهَذا الوَصْفِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ نُسَلِّمُها لِلْقاضِي ونُفَرِّعُ عَلَيْها صِحَّةَ قَوْلِنا، فَإنَّ الَّذِي قَضى اللَّهُ بِهِ أخْبَرَ عَنْهُ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، لَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهَذا مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْناهُ: جَمَعَ، والكَتِيبَةُ: الجَمْعُ مِنَ الجَيْشِ، والتَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ جَمَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، أيِ اسْتَكْمَلُوا فَلَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقُولُونَ: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] ومَتى كانُوا كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ في قُلُوبِهِمْ مَوَدَّةُ الكُفّارِ، وقالَ جُمْهُورُ أصْحابِنا: ﴿كَتَبَ﴾ مَعْناهُ أثْبَتَ وخَلَقَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ لا يُمْكِنُ كَتْبُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى الإيجادِ والتَّكْوِينِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ”كُتِبَ“ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ: ”كَتَبَ“ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ. والنِّعْمَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَصَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، وسَمّى تِلْكَ النُّصْرَةَ رُوحًا؛ لِأنَّ بِها يَحْيا أمْرُهم. والثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾ عائِدٌ إلى الإيمانِ، والمَعْنى أيَّدَهم بِرُوحٍ مِنَ الإيمانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] . النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: ﴿ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ وهو إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ الجَنَّةِ. النِّعْمَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ وهي نِعْمَةُ الرِّضْوانِ، وهي أعْظَمُ النِّعَمِ وأجَلُّ المَراتِبِ، ثُمَّ لَمّا عَدَّدَ هَذِهِ النِّعَمَ ذَكَرَ الأمْرَ الرّابِعَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ تَرْكَ المُوادَّةِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وهو في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وإخْبارِهِ أهْلَ مَكَّةَ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا أرادَ فَتْحَ مَكَّةَ، وتِلْكَ القِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وبِالجُمْلَةِ فالآيَةُ زَجْرٌ عَنِ التَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ والفُسّاقِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ”«اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ ولا لِفاسِقٍ عِنْدِي نِعْمَةً فَإنِّي وجَدْتُ فِيما أوْحَيْتُ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ إلى آخِرِهِ» “ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.