Tafsir Al-Razi — الحشر 59:1 – الجمعة 62:11
المحتويات
- الحشر 59:1
- الحشر 59:2
- الحشر 59:3
- الحشر 59:4
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:9
- الحشر 59:10
- الحشر 59:11
- الحشر 59:12
- الحشر 59:13
- الحشر 59:14
- الحشر 59:15
- الحشر 59:16
- الحشر 59:17
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:20
- الحشر 59:21
- الحشر 59:22
- الحشر 59:23
- الحشر 59:24
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
الحشر 59:1
صفحة ٢٤٢
(سُورَةُ الحَشْرِ)
وهِيَ عِشْرُونَ وأرْبَعُ آياتٍ مَدَنِيَّةٌ
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾ صالَحَ بَنُو النَّضِيرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يَكُونُوا عَلَيْهِ ولا لَهُ، فَلَمّا ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ قالُوا: هو النَّبِيُّ المَنعُوتُ في التَّوْراةِ بِالنَّصْرِ، فَلَمّا هُزِمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ ارْتابُوا ونَكَثُوا، فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في أرْبَعِينَ راكِبًا إلى مَكَّةَ، وحالَفُوا أبا سُفْيانَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ، فَقَتَلَ كَعْبًا غِيلَةً، وكانَ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ، ثُمَّ صَحِبَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالكَتائِبِ وهو عَلى حِمارٍ مَخْطُومٍ بِلِيفٍ، فَقالَ لَهُمُ: اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فَقالُوا: المَوْتُ أحَبُّ إلَيْنا مِن ذَلِكَ فَتَنادَوْا بِالحَرْبِ، وقِيلَ: اسْتَمْهَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أيّامٍ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وقالَ: لا تَخْرُجُوا مِنَ الحِصْنِ، فَإنْ قاتَلُوكم فَنَحْنُ مَعَكم لا نَخْذُلُكم، ولَئِنْ خَرَجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم، فَحَصَّنُوا الأزِقَّةَ، فَحاصَرَهم إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وأيِسُوا مِن نَصْرِ المُنافِقِينَ، طَلَبُوا الصُّلْحَ، فَأبى إلّا الجَلاءَ، عَلى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاثَةِ أبْياتٍ عَلى بَعِيرٍ ما شاءُوا مِن مَتاعِهِمْ، فَجُلُوا إلى الشَّأْمِ، إلى أرِيحاءَ وأذْرِعاتَ إلّا أهْلَ بَيْتَيْنِ، مِنهم آلُ أبِي الحَقِيقِ، وآلُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، فَإنَّهم لَحِقُوا بِخَيْبَرَ، ولَحِقَتْ طائِفَةٌ بِالحِيرَةِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى هَذِهِ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾ ؟
الجَوابُ: إنَّها هي اللّامُ في قَوْلِكَ: جِئْتُ لِوَقْتِ كَذا، والمَعْنى: أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ أوَّلِ الحَشْرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى ”أوَّلِ الحَشْرِ“ ؟
الجَوابُ: أنَّ الحَشْرَ هو إخْراجُ الجَمْعِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وأمّا أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ هَذا الحَشْرُ بِأوَّلِ الحَشْرِ فَبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والأكْثَرِينَ أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِ أهْلِ الكِتابِ، أيْ أوَّلُ مَرَّةٍ حُشِرُوا وأُخْرِجُوا مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ لَمْ يُصِبْهم هَذا الذُّلُّ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم
صفحة ٢٤٣
كانُوا أهْلَ مَنعَةٍ وعِزٍّ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ إخْراجَهم مِنَ المَدِينَةِ حَشْرًا، وجَعَلَهُ أوَّلَ الحَشْرِ مِن حَيْثُ يُحْشَرُ النّاسُ لِلسّاعَةِ إلى ناحِيَةِ الشّامِ، ثُمَّ تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ هُناكَ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ، وأمّا آخِرُ حَشْرِهِمْ فَهو إجْلاءُ عُمَرَ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلى الشّامِ.
ورابِعُها: مَعْناهُ أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ ما يَحْشُرُهم لِقِتالِهِمْ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ قِتالٍ قاتَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وخامِسُها: قالَ قَتادَةُ: هَذا أوَّلُ الحَشْرِ، والحَشْرُ الثّانِي نارٌ تَحْشُرُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، تَبِيتُ مَعَهم حَيْثُ باتُوا، وتُقِيلُ مَعَهم حَيْثُ قالُوا، وذَكَرُوا أنَّ تِلْكَ النّارَ تُرى بِاللَّيْلِ ولا تُرى بِالنَّهارِ.
الحشر 59:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُسْلِمِينَ ظَنُّوا أنَّهم لِعِزَّتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ لا يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ إذا ورَدَتْ عَلى المَرْءِ والظَّنُّ بِخِلافِهِ تَكُونُ أعْظَمَ، فالمُسْلِمُونَ ما ظَنُّوا أنَّهم يَصِلُونَ إلى مُرادِهِمْ في خُرُوجِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ، فَيَتَخَلَّصُونَ مِن ضَرَرِ مَكايِدِهِمْ، فَلَمّا تَيَسَّرَ لَهم ذَلِكَ كانَ تَوَقُّعُ هَذِهِ النِّعْمَةِ أعْظَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ .
قالُوا: كانَتْ حُصُونُهم مَنِيعَةً، فَظَنُّوا أنَّها تَمْنَعُهم مِن رَسُولِ اللَّهِ، وفي الآيَةِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ مُعامَلَتَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ هي بِعَيْنِها نَفْسُ المُعامَلَةِ مَعَ اللَّهِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم أوْ مانِعَتُهم وبَيْنَ النَّظْمِ الَّذِي جاءَ عَلَيْهِ، قُلْنا: في تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ دَلِيلٌ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها ومَنعِها إيّاهم، وفي تَصْيِيرِ ضَمِيرِهِمُ اسْمًا وإسْنادِ الجُمْلَةِ إلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ لا يُبالُونَ بِأحَدٍ يَطْمَعُ في مُنازَعَتِهِمْ، وهَذِهِ المَعانِي لا تَحْصُلُ في قَوْلِكَ: وظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتاهُمُ﴾ عائِدٌ إلى اليَهُودِ، أيْ فَأتاهم عَذابُ اللَّهِ وأخَذَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ، أيْ فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ وتَقْوِيَتُهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، ومَعْنى: لَمْ يَحْتَسِبُوا، أيْ لَمْ يَظُنُّوا، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ عَلى يَدِ أخِيهِ غِيلَةً، وذَلِكَ مِمّا أضْعَفَ قُوَّتَهم، وفَتَّتَ عَضُدَهم، وفَلَّ مِن شَوْكَتِهِمْ.
والثّانِي: بِما قَذَفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ﴾ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ بِاتِّفاقِ جُمْهُورِ العُقَلاءِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ مَفْتُوحٌ، وأنَّ صَرْفَ الآياتِ عَنْ ظَواهِرِها بِمُقْتَضى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ جائِزٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”فَآتاهُمُ اللَّهُ“ أيْ فَآتاهُمُ الهَلاكُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَدْفَعُ ما بَيَّنّاهُ مِن وُجُوهِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَدْفَعُ القِراءَةَ الأُولى، فَإنَّها ثابِتَةٌ بِالتَّواتُرِ، ومَتى كانَتْ ثابِتَةً بِالتَّواتُرِ لا يُمْكِنُ دَفْعُها، بَلْ لا بُدَّ فِيها مِنَ التَّأْوِيلِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الرُّعْبُ: الخَوْفُ الَّذِي يَسْتَوْعِبُ الصَّدْرَ، أيْ يَمْلَؤُهُ، وقَذْفُهُ إثْباتُهُ فِيهِ، وفِيهِ قالُوا في صِفَةِ الأسَدِ: مُقَذَّفٌ، كَأنَّما قُذِّفَ بِاللَّحْمِ قَذْفًا؛ لِاكْتِنازِهِ وتَداخُلِ أجْزائِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى قَوْلِنا مِن أنَّ الأُمُورَ كُلَّها لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ كانَ مِنَ اللَّهِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرُّعْبَ صارَ سَبَبًا في إقْدامِهِمْ عَلى بَعْضِ الأفْعالِ، وبِالجُمْلَةِ فالفِعْلُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ داعِيَةٍ مُتَأكِّدَةٍ في القَلْبِ، وحُصُولُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَكانَتِ الأفْعالُ بِأسْرِها مُسْنَدَةً إلى اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”يُخَرِّبُونَ“ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الباقُونَ: ”يُخْرِبُونَ“ خَفِيفَةً، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقُولُ: الإخْرابُ أنْ يُتْرَكَ الشَّيْءُ خَرابًا، والتَّخْرِيبُ: الهَدْمُ، وبَنُو النَّضِيرِ خُرِّبُوا وما أُخْرِبُوا. قالَ المُبَرِّدُ: ولا أعْلَمُ لِهَذا وجْهًا، ويُخْرِبُونَ هو الأصْلُ خَرِبَ المَنزِلُ، وأخْرَبَهُ صاحِبُهُ، كَقَوْلِهِ: عَلِمَ وأعْلَمَهُ، وقامَ وأقامَهُ، فَإذا قُلِبَ يُخْرِبُونَ مِنَ التَّخْرِيبِ، فَإنَّما هو تَكْثِيرٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ بُيُوتًا تَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُما يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ، فَيَجْرِي كُلُّ واحِدٍ مَجْرى الآخَرِ، نَحْوَ فَرَّحْتُهُ وأفْرَحْتُهُ، وحَسَّنَهُ اللَّهُ وأحْسَنَهُ، وقالَ الأعْشى:
وأخْرَبْتُ مِن أرْضِ قَوْمٍ دِيارًا
وقالَ الفَرّاءُ: ”يُخَرِّبُونَ“بِالتَّشْدِيدِ يَهْدِمُونَ، وبِالتَّخْفِيفِ يُخْرِبُونَ مِنها ويَتْرُكُونَها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في بَيانِ أنَّهم كَيْفَ كانُوا يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم لَمّا أيْقَنُوا بِالجَلاءِ، حَسَدُوا المُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوا مَساكِنَهم ومَنازِلَهم، فَجَعَلُوا يُخْرِبُونَها مِن داخِلٍ، والمُسْلِمُونَ مِن خارِجٍ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُنافِقِينَ دَسُّوا إلَيْهِمْ أنْ لا يَخْرُجُوا، ودَرِبُوا عَلى الأزِقَّةِ وحَصَّنُوها، فَنَقَضُوا بُيُوتَهم وجَعَلُوها كالحُصُونِ عَلى أبْوابِ الأزِقَّةِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يُخْرِبُونَ سائِرَ الجَوانِبِ.
وثالِثُها: أنَّ المُسْلِمِينَ إذا ظَهَرُوا عَلى دَرْبٍ مِن دُرُوبِهِمْ خَرَّبُوهُ، وكانَ اليَهُودُ يَتَأخَّرُونَ إلى ما وراءِ بُيُوتِهِمْ، ويُنَقِّبُونَها مِن أدْبارِها.
ورابِعُها: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يُخْرِبُونَ ظَواهِرَ البَلَدِ، واليَهُودُ لَمّا أيْقَنُوا بِالجَلاءِ وكانُوا يَنْظُرُونَ إلى الخَشَبَةِ في مَنازِلِهِمْ مِمّا يَسْتَحْسِنُونَهُ أوِ البابِ، فَيَهْدِمُونَ بُيُوتَهم ويَنْزِعُونَها، ويَحْمِلُونَها عَلى الإبِلِ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى تَخْرِيبِهِمْ لَها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ ؟ قُلْنا قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا عَرَّضُوهم لِذَلِكَ وكانُوا السَّبَبَ فِيهِ فَكَأنَّهم أمَرُوهم بِهِ وكَلَّفُوهُ إيّاهم.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ .
اعْلَمْ أنّا قَدْ تَمَسَّكْنا بِهَذِهِ الآيَةِ في كِتابِ ”المَحْصُولُ مِن أُصُولِ الفِقْهِ“ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ فَلا نَذْكُرُهُ
صفحة ٢٤٥
هَهُنا، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ فِيهِ بِالِاعْتِبارِ، وفِيهِ احْتِمالاتٌ:
أحَدُها: أنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلى حُصُونِهِمْ، وعَلى قُوَّتِهِمْ وشَوْكَتِهِمْ، فَأبادَ اللَّهُ شَوْكَتَهم وأزالَ قُوَّتَهم، ثُمَّ قالَ: (﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ ولا تَعْتَمِدُوا عَلى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لِلزّاهِدِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلى زُهْدِهِ، فَإنَّ زُهْدَهُ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن زُهْدِ بِلْعامٍ، ولَيْسَ لِلْعالِمِ أنْ يَعْتَمِدَ عَلى عِلْمِهِ، انْظُرْ إلى ابْنِ الرّاوَنْدِيِّ مَعَ كَثْرَةِ مُمارَسَتِهِ كَيْفَ صارَ، بَلْ لا اعْتِمادَ لِأحَدٍ في شَيْءٍ إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: المُرادُ أنْ يَعْرِفَ الإنْسانُ عاقِبَةَ الغَدْرِ والكُفْرِ والطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ، فَإنَّ أُولَئِكَ اليَهُودَ وقَعُوا بِشُؤْمِ الغَدْرِ والكُفْرِ في البَلاءِ والجَلاءِ، والمُؤْمِنُونَ أيْضًا يَعْتَبِرُونَ بِهِ، فَيَعْدِلُونَ عَنِ المَعاصِي.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الِاعْتِبارُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ قُلْنا: إنَّهم غَدَرُوا وكَفَرُوا فَعُذِّبُوا، وكانَ السَّبَبُ في ذَلِكَ العَذابِ هو الكُفْرَ والغَدْرَ، إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ طَرْدًا وعَكْسًا، أمّا الطَّرْدُ فَلِأنَّهُ رُبَّ شَخْصٍ غَدَرَ وكَفَرَ، وما عُذِّبَ في الدُّنْيا، وأمّا العَكْسُ فَلِأنَّ أمْثالَ هَذِهِ المِحَنِ بَلْ أشَدَّ مِنها وقَعَتْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأصْحابِهِ، ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى سُوءِ أدْيانِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وإذا فَسَدَتْ هَذِهِ العِلَّةُ فَقَدْ بَطَلَ هَذا الِاعْتِبارُ، وأيْضًا فالحُكْمُ الثّالِثُ في الأصْلِ هو أنَّهم ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ وإذا عَلَّلْنا ذَلِكَ بِالكُفْرِ والغَدْرِ يَلْزَمُ في كُلِّ مَن غَدَرَ وكَفَرَ أنْ يُخَرِّبَ بَيْتَهُ بِيَدِهِ وبِأيْدِي المُسْلِمِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
والجَوابُ: أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في الأصْلِ لَهُ ثَلاثُ مَراتِبَ:
أوَّلُها: كَوْنُهُ تَخْرِيبًا لِلْبَيْتِ بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ.
وثانِيها: وهو أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ، كَوْنُهُ عَذابًا في الدُّنْيا.
وثالِثُها: وهو أعَمُّ مِنَ الثّانِي، كَوْنُهُ مُطْلَقَ العَذابِ، والغَدْرُ والكُفْرُ إنَّما يُناسِبانِ العَذابَ مِن حَيْثُ هو عَذابٌ، فَأمّا خُصُوصُ كَوْنِهِ تَخْرِيبًا أوْ قَتْلًا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ فَذاكَ عَدِيمُ الأثَرِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ القِياسِ إلى أنَّ الَّذِينَ غَدَرُوا وكَفَرُوا وكَذَّبُوا عُذِّبُوا مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ.
والغَدْرُ والكُفْرُ يُناسِبانِ العَذابَ، فَعَلِمْنا أنَّ الكُفْرَ والغَدْرَ هُما السَّبَبانِ في العَذابِ، فَأيْنَما حَصَلا حَصَلَ العَذابُ مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، ومَتى قَرَّرْنا القِياسَ والِاعْتِبارَ عَلى هَذا الوَجْهِ زالَتِ المَطاعِنُ والنُّقُوضُ، وتَمَّ القِياسُ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاعْتِبارُ مَأْخُوذٌ مِنَ العُبُورِ والمُجاوَزَةِ مِن شَيْءٍ؛ ولِهَذا سُمِّيَتِ العَبْرَةُ عَبْرَةً لِأنَّها تَنْتَقِلُ مِنَ العَيْنِ إلى الخَدِّ، وسُمِّيَ المَعْبَرُ مَعْبَرًا لِأنَّ بِهِ تَحْصُلُ المُجاوَزَةُ، وسُمِّيَ العِلْمُ المَخْصُوصُ بِالتَّعْبِيرِ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يَنْتَقِلُ مِنَ المُتَخَيَّلِ إلى المَعْقُولِ، وسُمِّيَتِ الألْفاظُ عِباراتٌ؛ لِأنَّها تَنْقُلُ المَعانِيَ مِن لِسانِ القائِلِ إلى عَقْلِ المُسْتَمِعِ، ويُقالُ: السَّعِيدُ مَنِ اعْتَبَرَ بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِلُ عَقْلُهُ مَن حالِ ذَلِكَ الغَيْرِ إلى حالِ نَفْسِهِ؛ ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: الِاعْتِبارُ هو النَّظَرُ في حَقائِقِ الأشْياءِ وجِهاتِ دَلالَتِها لِيُعْرَفَ بِالنَّظَرِ فِيها شَيْءٌ آخَرُ مِن جِنْسِها.
وفِي قَوْلِهِ ﴿ياأُولِي الأبْصارِ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ يا أهْلَ اللُّبِّ والعَقْلِ والبَصائِرِ.
والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ﴿ياأُولِي الأبْصارِ﴾ يا مَن عايَنَ تِلْكَ الواقِعَةَ المَذْكُورَةَ.
الحشر 59:3
صفحة ٢٤٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ . مَعْنى الجَلاءِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ والتَّحَوُّلُ عَنْهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ ”لَوْلا“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الجَلاءِ عَدَمُ التَّعْذِيبِ في الدُّنْيا، لَكِنَّ الجَلاءَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ، فَإذًا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الجَلاءِ عَدَمُهُ، وهو مُحالٌ. قُلْنا: مَعْناهُ: ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ كَما فُعِلَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ فَهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وغَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ، إذْ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ لَزِمَ أنْ لا يُوجَدَ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ لَوْلا تَقْتَضِي انْتِفاءَ الجَزاءِ لِحُصُولِ الشَّرْطِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَهو يَقْتَضِي أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ التَّخْرِيبِ هو مُشاقَّةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ المُشاقَّةُ عِلَّةً لِهَذا التَّخْرِيبِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُشاقَّةُ حَصَلَ التَّخْرِيبُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، قُلْنا: هَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِلَّةِ المَنصُوصَةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّتِها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ.
الحشر 59:4
صفحة ٢٤٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ . مَعْنى الجَلاءِ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ والتَّحَوُّلُ عَنْهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ ”لَوْلا“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الجَلاءِ عَدَمُ التَّعْذِيبِ في الدُّنْيا، لَكِنَّ الجَلاءَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّعْذِيبِ، فَإذًا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ الجَلاءِ عَدَمُهُ، وهو مُحالٌ. قُلْنا: مَعْناهُ: ولَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ كَما فُعِلَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ فَهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وغَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ، إذْ لَوْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ لَزِمَ أنْ لا يُوجَدَ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ لَوْلا تَقْتَضِي انْتِفاءَ الجَزاءِ لِحُصُولِ الشَّرْطِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَهو يَقْتَضِي أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ التَّخْرِيبِ هو مُشاقَّةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ المُشاقَّةُ عِلَّةً لِهَذا التَّخْرِيبِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُشاقَّةُ حَصَلَ التَّخْرِيبُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، قُلْنا: هَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِلَّةِ المَنصُوصَةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّتِها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ.
الحشر 59:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأوْلى: ﴿مِن لِينَةٍ﴾ بَيانٌ لِما قَطَعْتُمْ، ومَحَلُّ ”ما“ نُصِبَ بِـ”قَطَعْتُمْ“، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ، وأنَّثَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى اللِّينَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً أوْ بَرْنِيَّةً، وأصْلُ لِينَةٍ لِوْنَةٌ، فَذَهَبَتِ الواوُ لِكَسْرَةِ اللّامِ، وجَمْعُها ألْوانٌ، وهي النَّخْلُ كُلُّهُ سِوى البَرْنِيِّ والعَجْوَةِ، وقالَ بَعْضُهم: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ، كَأنَّهُمُ اشْتَقُّوها مِنَ اللِّينِ، وجَمْعُها لِينٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُصَّتِ اللِّينَةُ بِالقَطْعِ ؟ قُلْنا: إنْ كانَتْ مِنَ الألْوانِ فَلْيَسْتَبْقُوا لِأنْفُسِهِمُ العَجْوَةَ والبَرْنِيَّةَ، وإنْ كانَتْ مِن كِرامِ النَّخْلِ فَلِيَكُونَ غَيْظُ اليَهُودِ أشَدَّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”قَوْمًا عَلى أُصُلِها“ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ أصْلٍ؛ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، واكْتُفِيَ فِيهِ بِالضَّمَّةِ عَنِ الواوِ، وقُرِئَ ”قائِمًا عَلى أُصُولِهِ“، ذَهابًا إلى لَفْظِ ”ما“، وقَوْلُهُ: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: قَطْعُها بِإذْنِ اللَّهِ وبِأمْرِهِ ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: ولِأجْلِ إخْزاءِ الفاسِقِينَ، أيِ اليَهُودِ، أذِنَ اللَّهُ في قَطْعِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أمَرَ أنْ يُقْطَعَ نَخْلُهم ويُحْرَقُ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ فَما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها ؟ وكانَ في أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ إنَّما أذِنَ في ذَلِكَ حَتّى يَزْدادَ غَيْظُ الكُفّارِ، وتَتَضاعَفَ حَسْرَتُهم بِسَبَبِ نَفاذِ
صفحة ٢٤٧
حُكْمِ أعْدائِهِمْ في أعَزِّ أمْوالِهِمْ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ حُصُونَ الكَفَرَةِ ودِيارَهم لا بَأْسَ أنْ تُهْدَمَ وتُحْرَقَ وتُغْرَقَ وتُرْمى بِالمَجانِيقِ، وكَذَلِكَ أشْجارُهم لا بَأْسَ بِقَلْعِها مُثْمِرَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَطَعُوا مِنها ما كانَ مَوْضِعًا لِلْقِتالِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا يَقْطَعانِ، أحَدُهُما العَجْوَةَ والآخَرُ اللَّوْنَ، فَسَألَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ هَذا: تَرَكْتُها لِرَسُولِ اللَّهِ، وقالَ هَذا: قَطَعْتُها غَيْظًا لِلْكَفّارِ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ، وعَلى جَوازِهِ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: فاءَ يَفِيءُ، إذا رَجَعَ، وأفاءَهُ اللَّهُ إذا رَدَّهُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: الفَيْءُ ما رَدَّهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ دِينِهِ مِن أمْوالِ مَن خالَفَ أهْلَ دِينِهِ بِلا قِتالٍ، إمّا بِأنْ يُجْلَوْا عَنْ أوْطانِهِمْ ويُخَلُّوها لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ يُصالَحُوا عَلى جِزْيَةٍ يُؤَدُّونَها عَنْ رُءُوسِهِمْ، أوْ مالٍ غَيْرِ الجِزْيَةِ يَفْتَدُونَ بِهِ مِن سَفْكِ دِمائِهِمْ، كَما فَعَلَهُ بَنُو النَّضِيرِ حِينَ صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ لِكُلِّ ثَلاثَةٍ مِنهم حِمْلَ بِعِيرٍ مِمّا شاءُوا سِوى السِّلاحِ، ويَتْرُكُوا الباقِيَ، فَهَذا المالُ هو الفَيْءُ، وهو ما أفاءَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ، أيْ رَدَّهُ مِنَ الكُفّارِ إلى المُسْلِمِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ﴾ يُقالُ: وجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ يَجِفُ وجْفًا ووَجِيفًا، وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ، وأوْجَفَهُ صاحِبُهُ إذا حَمَلَهُ عَلى السَّيْرِ السَّرِيعِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما أفاءَ اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ الرِّكابُ ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ، واحِدَتُها راحِلَةٌ، ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، والعَرَبُ لا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الرّاكِبِ إلّا عَلى راكِبِ البَعِيرِ، ويُسَمُّونَ راكِبَ الفَرَسِ فارِسًا.
ومَعْنى الآيَةِ أنَّ الصَّحابَةَ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُقَسِّمَ الفَيْءَ بَيْنَهم كَما قَسَّمَ الغَنِيمَةَ بَيْنَهم، فَذَكَرَ اللَّهُ الفَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهو أنَّ الغَنِيمَةَ ما أتْعَبْتُمْ أنْفُسَكم في تَحْصِيلِها وأوْجَفْتُمْ عَلَيْها الخَيْلَ والرِّكابَ، بِخِلافِ الفَيْءِ فَإنَّكم ما تَحَمَّلْتُمْ في تَحْصِيلِهِ تَعَبًا، فَكانَ الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضًا إلى الرَّسُولِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشاءُ.
ثُمَّ هَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ أُخِذَتْ بَعْدَ القِتالِ لِأنَّهم حُوصِرُوا أيّامًا، وقاتَلُوا وقُتِلُوا ثُمَّ صالَحُوا عَلى الجَلاءِ. فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأمْوالُ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ لا مِن جُمْلَةِ الفَيْءِ، ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هَهُنا وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما نَزَلَتْ في قُرى بَنِي النَّضِيرِ؛ لِأنَّهم أوْجَفُوا عَلَيْهِمْ بِالخَيْلِ والرِّكابِ، وحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ، بَلْ هو فِيفَدَكَ، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ فَدَكَ انْجَلَوْا عَنْهُ فَصارَتْ تِلْكَ القُرى والأمْوالُ في يَدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ حَرْبٍ، فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْخُذُ مِن غَلَّةِ فَدَكَ نَفَقَتَهُ ونَفَقَةَ مَن يَعُولُهُ، ويَجْعَلُ الباقِيَ في السِّلاحِ والكُراعِ، فَلَمّا ماتَ ادَّعَتْ فاطِمَةُ عَلَيْها السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَنْحَلُها فَدَكَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أنْتِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ فَقْرًا، وأحَبُّهم إلَيَّ غِنًى، لَكِنِّي لا أعْرِفُ صِحَّةَ قَوْلِكِ، ولا يَجُوزُ أنْ أحْكُمَ بِذَلِكَ، فَشَهِدَ لَها أمُّ أيْمَنَ ومَوْلًى لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَطَلَبَ مِنها أبُو بَكْرٍ الشّاهِدَ الَّذِي يَجُوزُ قَبُولُ شَهادَتُهُ في الشَّرْعِ فَلَمْ يَكُنْ، فَأجْرى أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ عَلى ما كانَ يُجْرِيهِ الرَّسُولُ ﷺ، يُنْفِقُ مِنهُ عَلى مَن كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، ويَجْعَلُ ما يَبْقى في السِّلاحِ والكُراعِ، وكَذَلِكَ عُمَرُ جَعَلَهُ في يَدِ عَلِيٍّ لِيُجْرِيَهُ عَلى هَذا المَجْرى، ورَدَّ ذَلِكَ في آخِرِ عَهْدِ عُمَرَ إلى عُمَرَ، وقالَ: إنَّ بِنا غِنًى، وبِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ إلَيْهِ، وكانَ عُثْمانُ
صفحة ٢٤٨
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُجْرِيهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ صارَ إلى عَلِيٍّ فَكانَ يُجْرِيهِ هَذا المَجْرى، فالأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ وقُراهم، ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كَثِيرُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، ولَمْ يَقْطَعُوا إلَيْها مَسافَةً كَثِيرَةً، وإنَّما كانُوا عَلى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ فَمَشَوْا إلَيْها مَشْيًا، ولَمْ يَرْكَبْ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ راكِبَ جَمَلٍ، فَلَمّا كانَتِ المُقاتَلَةُ قَلِيلَةً والخَيْلُ والرَّكْبُ غَيْرَ حاصِلٍ، أجْراهُ اللَّهُ تَعالى مَجْرى ما لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ المُقاتَلَةُ أصْلًا، فَخَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الأمْوالِ، ثُمَّ رُوِيَ أنَّهُ قَسَّمَها بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنها شَيْئًا إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ، وهم: أبُو دُجانَةَ، وسَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ.
الحشر 59:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأوْلى: ﴿مِن لِينَةٍ﴾ بَيانٌ لِما قَطَعْتُمْ، ومَحَلُّ ”ما“ نُصِبَ بِـ”قَطَعْتُمْ“، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ، وأنَّثَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى اللِّينَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اللِّينَةُ: النَّخْلَةُ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً أوْ بَرْنِيَّةً، وأصْلُ لِينَةٍ لِوْنَةٌ، فَذَهَبَتِ الواوُ لِكَسْرَةِ اللّامِ، وجَمْعُها ألْوانٌ، وهي النَّخْلُ كُلُّهُ سِوى البَرْنِيِّ والعَجْوَةِ، وقالَ بَعْضُهم: اللِّينَةُ النَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ، كَأنَّهُمُ اشْتَقُّوها مِنَ اللِّينِ، وجَمْعُها لِينٌ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُصَّتِ اللِّينَةُ بِالقَطْعِ ؟ قُلْنا: إنْ كانَتْ مِنَ الألْوانِ فَلْيَسْتَبْقُوا لِأنْفُسِهِمُ العَجْوَةَ والبَرْنِيَّةَ، وإنْ كانَتْ مِن كِرامِ النَّخْلِ فَلِيَكُونَ غَيْظُ اليَهُودِ أشَدَّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”قَوْمًا عَلى أُصُلِها“ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ أصْلٍ؛ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، واكْتُفِيَ فِيهِ بِالضَّمَّةِ عَنِ الواوِ، وقُرِئَ ”قائِمًا عَلى أُصُولِهِ“، ذَهابًا إلى لَفْظِ ”ما“، وقَوْلُهُ: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: قَطْعُها بِإذْنِ اللَّهِ وبِأمْرِهِ ﴿ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: ولِأجْلِ إخْزاءِ الفاسِقِينَ، أيِ اليَهُودِ، أذِنَ اللَّهُ في قَطْعِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ أمَرَ أنْ يُقْطَعَ نَخْلُهم ويُحْرَقُ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ فَما بالُ قَطْعِ النَّخْلِ وتَحْرِيقِها ؟ وكانَ في أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ إنَّما أذِنَ في ذَلِكَ حَتّى يَزْدادَ غَيْظُ الكُفّارِ، وتَتَضاعَفَ حَسْرَتُهم بِسَبَبِ نَفاذِ
صفحة ٢٤٧
حُكْمِ أعْدائِهِمْ في أعَزِّ أمْوالِهِمْ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ حُصُونَ الكَفَرَةِ ودِيارَهم لا بَأْسَ أنْ تُهْدَمَ وتُحْرَقَ وتُغْرَقَ وتُرْمى بِالمَجانِيقِ، وكَذَلِكَ أشْجارُهم لا بَأْسَ بِقَلْعِها مُثْمِرَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَطَعُوا مِنها ما كانَ مَوْضِعًا لِلْقِتالِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ كانا يَقْطَعانِ، أحَدُهُما العَجْوَةَ والآخَرُ اللَّوْنَ، فَسَألَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ هَذا: تَرَكْتُها لِرَسُولِ اللَّهِ، وقالَ هَذا: قَطَعْتُها غَيْظًا لِلْكَفّارِ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ، وعَلى جَوازِهِ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: فاءَ يَفِيءُ، إذا رَجَعَ، وأفاءَهُ اللَّهُ إذا رَدَّهُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: الفَيْءُ ما رَدَّهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ دِينِهِ مِن أمْوالِ مَن خالَفَ أهْلَ دِينِهِ بِلا قِتالٍ، إمّا بِأنْ يُجْلَوْا عَنْ أوْطانِهِمْ ويُخَلُّوها لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ يُصالَحُوا عَلى جِزْيَةٍ يُؤَدُّونَها عَنْ رُءُوسِهِمْ، أوْ مالٍ غَيْرِ الجِزْيَةِ يَفْتَدُونَ بِهِ مِن سَفْكِ دِمائِهِمْ، كَما فَعَلَهُ بَنُو النَّضِيرِ حِينَ صالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ لِكُلِّ ثَلاثَةٍ مِنهم حِمْلَ بِعِيرٍ مِمّا شاءُوا سِوى السِّلاحِ، ويَتْرُكُوا الباقِيَ، فَهَذا المالُ هو الفَيْءُ، وهو ما أفاءَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ، أيْ رَدَّهُ مِنَ الكُفّارِ إلى المُسْلِمِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِن يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ﴾ يُقالُ: وجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ يَجِفُ وجْفًا ووَجِيفًا، وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ، وأوْجَفَهُ صاحِبُهُ إذا حَمَلَهُ عَلى السَّيْرِ السَّرِيعِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ما أفاءَ اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ الرِّكابُ ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ، واحِدَتُها راحِلَةٌ، ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها، والعَرَبُ لا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الرّاكِبِ إلّا عَلى راكِبِ البَعِيرِ، ويُسَمُّونَ راكِبَ الفَرَسِ فارِسًا.
ومَعْنى الآيَةِ أنَّ الصَّحابَةَ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُقَسِّمَ الفَيْءَ بَيْنَهم كَما قَسَّمَ الغَنِيمَةَ بَيْنَهم، فَذَكَرَ اللَّهُ الفَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهو أنَّ الغَنِيمَةَ ما أتْعَبْتُمْ أنْفُسَكم في تَحْصِيلِها وأوْجَفْتُمْ عَلَيْها الخَيْلَ والرِّكابَ، بِخِلافِ الفَيْءِ فَإنَّكم ما تَحَمَّلْتُمْ في تَحْصِيلِهِ تَعَبًا، فَكانَ الأمْرُ فِيهِ مُفَوَّضًا إلى الرَّسُولِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشاءُ.
ثُمَّ هَهُنا سُؤالٌ: وهو أنَّ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ أُخِذَتْ بَعْدَ القِتالِ لِأنَّهم حُوصِرُوا أيّامًا، وقاتَلُوا وقُتِلُوا ثُمَّ صالَحُوا عَلى الجَلاءِ. فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الأمْوالُ مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ لا مِن جُمْلَةِ الفَيْءِ، ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هَهُنا وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما نَزَلَتْ في قُرى بَنِي النَّضِيرِ؛ لِأنَّهم أوْجَفُوا عَلَيْهِمْ بِالخَيْلِ والرِّكابِ، وحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ، بَلْ هو فِيفَدَكَ، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ فَدَكَ انْجَلَوْا عَنْهُ فَصارَتْ تِلْكَ القُرى والأمْوالُ في يَدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ حَرْبٍ، فَكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْخُذُ مِن غَلَّةِ فَدَكَ نَفَقَتَهُ ونَفَقَةَ مَن يَعُولُهُ، ويَجْعَلُ الباقِيَ في السِّلاحِ والكُراعِ، فَلَمّا ماتَ ادَّعَتْ فاطِمَةُ عَلَيْها السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَنْحَلُها فَدَكَ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أنْتِ أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ فَقْرًا، وأحَبُّهم إلَيَّ غِنًى، لَكِنِّي لا أعْرِفُ صِحَّةَ قَوْلِكِ، ولا يَجُوزُ أنْ أحْكُمَ بِذَلِكَ، فَشَهِدَ لَها أمُّ أيْمَنَ ومَوْلًى لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَطَلَبَ مِنها أبُو بَكْرٍ الشّاهِدَ الَّذِي يَجُوزُ قَبُولُ شَهادَتُهُ في الشَّرْعِ فَلَمْ يَكُنْ، فَأجْرى أبُو بَكْرٍ ذَلِكَ عَلى ما كانَ يُجْرِيهِ الرَّسُولُ ﷺ، يُنْفِقُ مِنهُ عَلى مَن كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ الرَّسُولُ، ويَجْعَلُ ما يَبْقى في السِّلاحِ والكُراعِ، وكَذَلِكَ عُمَرُ جَعَلَهُ في يَدِ عَلِيٍّ لِيُجْرِيَهُ عَلى هَذا المَجْرى، ورَدَّ ذَلِكَ في آخِرِ عَهْدِ عُمَرَ إلى عُمَرَ، وقالَ: إنَّ بِنا غِنًى، وبِالمُسْلِمِينَ حاجَةٌ إلَيْهِ، وكانَ عُثْمانُ
صفحة ٢٤٨
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُجْرِيهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ صارَ إلى عَلِيٍّ فَكانَ يُجْرِيهِ هَذا المَجْرى، فالأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ وقُراهم، ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كَثِيرُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، ولَمْ يَقْطَعُوا إلَيْها مَسافَةً كَثِيرَةً، وإنَّما كانُوا عَلى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ فَمَشَوْا إلَيْها مَشْيًا، ولَمْ يَرْكَبْ إلّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ راكِبَ جَمَلٍ، فَلَمّا كانَتِ المُقاتَلَةُ قَلِيلَةً والخَيْلُ والرَّكْبُ غَيْرَ حاصِلٍ، أجْراهُ اللَّهُ تَعالى مَجْرى ما لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ المُقاتَلَةُ أصْلًا، فَخَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ الأمْوالِ، ثُمَّ رُوِيَ أنَّهُ قَسَّمَها بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنها شَيْئًا إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ، وهم: أبُو دُجانَةَ، وسَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ.
الحشر 59:7
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ فَقالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَمْ يَدْخُلِ العاطِفُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ لِأنَّها بَيانٌ لِلْأوْلى فَهي مِنها وغَيْرُ أجْنَبِيَّةٍ عَنْها، واعْلَمْ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ. قالَ الواحِدِيُّ: كانَ الفَيْءُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْسُومًا عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، أرْبَعَةٌ مِنها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً، وكانَ الخُمْسُ الباقِي يُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، سَهْمٌ مِنها لِرَسُولِ اللَّهِ أيْضًا، والأسْهُمُ الأرْبَعَةُ لِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وأمّا بَعْدُ وفاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِلشّافِعِيِّ فِيما كانَ مِنَ الفَيْءِ لِرَسُولِ اللَّهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ المُرْصَدِينَ لِلْقِتالِ في الثُّغُورِ لِأنَّهم قامُوا مَقامَ رَسُولِ اللَّهِ في رِباطِ الثُّغُورِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يُصْرَفُ إلى مَصالِحِ المُسْلِمِينَ مِن سَدِّ الثُّغُورِ وحَفْرِ الأنْهارِ وبِناءِ القَناطِرِ، يُبْدَأُ بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، هَذا في الأرْبَعَةِ أخْماسٍ الَّتِي كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأمّا السَّهْمُ الَّذِي كانَ لَهُ مِن خُمْسِ الفَيْءِ فَإنَّهُ لِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ بِلا خِلافٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأوْلى: قالَ المُبَرِّدُ: الدُّولَةُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَداوَلُهُ القَوْمُ بَيْنَهم يَكُونُ كَذا مَرَّةً وكَذا مَرَّةً، والدَّوْلَةُ بِالفَتْحِ انْتِقالُ حالٍ سارَّةٍ إلى قَوْمٍ عَنْ قَوْمٍ، فالدُّولَةُ بِالضَّمِّ اسْمُ ما يُتَداوَلُ، وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ مِن هَذا، ويُسْتَعْمَلُ في الحالَةِ السّارَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ لِلْإنْسانِ، فَيُقالُ: هَذِهِ دُولَةُ فُلانٍ أيْ تَداوَلُهُ، فالدُّولَةُ اسْمٌ لِما يُتَداوَلُ مِنَ المالِ، والدُّولَةُ اسْمٌ لِما يَنْتَقِلُ مِنَ الحالِ، ومَعْنى الآيَةِ كَيْ لا يَكُونَ الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُعْطى لِلْفُقَراءِ؛ لِيَكُونَ لَهم بُلْغَةً يَعِيشُونَ بِها واقِعًا في يَدِ الأغْنِياءِ ودُولَةً لَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”دُولَةً“ و”دَوْلَةً“ بِفَتْحِ الدّالِ وضَمِّها. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ”دُولَةٌ“ مَرْفُوعَةُ الدّالِ والهاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَكُونُ هَهُنا هي التّامَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠] يَعْنِي كَيْ لا يَقَعَ دُولَةً جاهِلِيَّةً. ثُمَّ قالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ يَعْنِي ما أعْطاكُمُ الرَّسُولُ مِنَ الفَيْءِ
صفحة ٢٤٩
فَخُذُوهُ فَهو لَكم حَلالٌ، وما نَهاكم عَنْ أخْذِهِ فانْتَهُوا ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمْرِ الفَيْءِ ﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ عَلى ما نَهاكم عَنْهُ الرَّسُولُ، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً في كُلِّ ما آتى رَسُولَ اللَّهِ ونَهى عَنْهُ، وأمْرُ الفَيْءِ داخِلٌ في عُمُومِهِ.
الحشر 59:8
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ فَقالَ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَمْ يَدْخُلِ العاطِفُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ لِأنَّها بَيانٌ لِلْأوْلى فَهي مِنها وغَيْرُ أجْنَبِيَّةٍ عَنْها، واعْلَمْ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِذِي القُرْبى﴾ بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ. قالَ الواحِدِيُّ: كانَ الفَيْءُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْسُومًا عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، أرْبَعَةٌ مِنها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً، وكانَ الخُمْسُ الباقِي يُقَسَّمُ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ، سَهْمٌ مِنها لِرَسُولِ اللَّهِ أيْضًا، والأسْهُمُ الأرْبَعَةُ لِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وأمّا بَعْدُ وفاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِلشّافِعِيِّ فِيما كانَ مِنَ الفَيْءِ لِرَسُولِ اللَّهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ المُرْصَدِينَ لِلْقِتالِ في الثُّغُورِ لِأنَّهم قامُوا مَقامَ رَسُولِ اللَّهِ في رِباطِ الثُّغُورِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يُصْرَفُ إلى مَصالِحِ المُسْلِمِينَ مِن سَدِّ الثُّغُورِ وحَفْرِ الأنْهارِ وبِناءِ القَناطِرِ، يُبْدَأُ بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، هَذا في الأرْبَعَةِ أخْماسٍ الَّتِي كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأمّا السَّهْمُ الَّذِي كانَ لَهُ مِن خُمْسِ الفَيْءِ فَإنَّهُ لِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ بِلا خِلافٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأوْلى: قالَ المُبَرِّدُ: الدُّولَةُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَداوَلُهُ القَوْمُ بَيْنَهم يَكُونُ كَذا مَرَّةً وكَذا مَرَّةً، والدَّوْلَةُ بِالفَتْحِ انْتِقالُ حالٍ سارَّةٍ إلى قَوْمٍ عَنْ قَوْمٍ، فالدُّولَةُ بِالضَّمِّ اسْمُ ما يُتَداوَلُ، وبِالفَتْحِ مَصْدَرٌ مِن هَذا، ويُسْتَعْمَلُ في الحالَةِ السّارَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ لِلْإنْسانِ، فَيُقالُ: هَذِهِ دُولَةُ فُلانٍ أيْ تَداوَلُهُ، فالدُّولَةُ اسْمٌ لِما يُتَداوَلُ مِنَ المالِ، والدُّولَةُ اسْمٌ لِما يَنْتَقِلُ مِنَ الحالِ، ومَعْنى الآيَةِ كَيْ لا يَكُونَ الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُعْطى لِلْفُقَراءِ؛ لِيَكُونَ لَهم بُلْغَةً يَعِيشُونَ بِها واقِعًا في يَدِ الأغْنِياءِ ودُولَةً لَهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”دُولَةً“ و”دَوْلَةً“ بِفَتْحِ الدّالِ وضَمِّها. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ”دُولَةٌ“ مَرْفُوعَةُ الدّالِ والهاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: يَكُونُ هَهُنا هي التّامَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠] يَعْنِي كَيْ لا يَقَعَ دُولَةً جاهِلِيَّةً. ثُمَّ قالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ يَعْنِي ما أعْطاكُمُ الرَّسُولُ مِنَ الفَيْءِ
صفحة ٢٤٩
فَخُذُوهُ فَهو لَكم حَلالٌ، وما نَهاكم عَنْ أخْذِهِ فانْتَهُوا ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمْرِ الفَيْءِ ﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ عَلى ما نَهاكم عَنْهُ الرَّسُولُ، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً في كُلِّ ما آتى رَسُولَ اللَّهِ ونَهى عَنْهُ، وأمْرُ الفَيْءِ داخِلٌ في عُمُومِهِ.
الحشر 59:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي بِأُولَئِكَ الأرْبَعَةِ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ والمُهاجِرِينَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمْ كَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأُمُورٍ:
أوَّلُها: أنَّهم فُقَراءُ.
وثانِيها: أنَّهم مُهاجِرُونَ.
وثالِثُها: أنَّهم أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، يَعْنِي أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أحْوَجُوهم إلى الخُرُوجِ فَهُمُ الَّذِينَ أخْرَجُوهم.
ورابِعُها: أنَّهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا، والمُرادُ بِالفَضْلِ ثَوابُ الجَنَّةِ، وبِالرِّضْوانِ قَوْلُهُ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم لَمّا هَجَرُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وتَحَمَّلُوا شَدائِدَها لِأجْلِ الدِّينِ ظَهَرَ صِدْقُهم في دِينِهِمْ، وتَمَسَّكَ بَعْضُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: هَؤُلاءِ الفُقَراءُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ كانُوا يَقُولُونَ لِأبِي بَكْرٍ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ في قَوْلِهِمْ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ الجَزْمُ بِصِحَّةِ إمامَتِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأنْصارَ وأثْنى عَلَيْهِمْ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم عَنِ الفَيْءِ، إذْ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَهم، فَقالَ:
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
والمُرادُ مِنَ الدّارِ المَدِينَةُ، وهي دارُ الهِجْرَةِ، تَبَوَّأها الأنْصارُ قَبْلَ المُهاجِرِينَ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: والَّذِينَ تَبَوَّءُوا المَدِينَةَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ (فَإنْ قِيلَ) في الآيَةِ سُؤالانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ: تَبَوَّأ الإيمانَ.
والثّانِي: بِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الأنْصارَ ما تَبَوَّءُوا الإيمانَ قَبْلَ المُهاجِرِينَ.
(والجَوابُ) عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: تَبَوَّءُوا الدّارَ وأخْلَصُوا الإيمانَ كَقَوْلِهِ:
ولَقَدْ رَأيْتُكَ في الوَغى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
صفحة ٢٥٠
وثانِيها: جَعَلُوا الإيمانَ مُسْتَقِرًّا ووَطَنًا لَهم لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ واسْتِقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، كَما أنَّهم لَمّا سَألُوا سَلْمانَ عَنْ نَسَبِهِ فَقالَ: أنا ابْنُ الإسْلامِ.
وثالِثُها: أنَّهُ سَمّى المَدِينَةَ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ فِيها ظَهَرَ الإيمانُ وقَوِيَ.
(والجَوابُ) عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِ هِجْرَتِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ وقالَ الحَسَنُ: أيْ حَسَدًا وحَرارَةً وغَيْظًا مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ مِن دُونِهِمْ، وأطْلَقَ لَفْظَ الحاجَةِ عَلى الحَسَدِ والغَيْظِ والحَرارَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الحاجَةِ، فَأطْلَقَ اسْمَ اللّامِ عَلى المَلْزُومِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ يُقالُ: آثَرَهُ بِكَذا إذا خَصَّهُ بِهِ، ومَفْعُولُ الإيثارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ويُؤْثِرُونَهم بِأمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلْأنْصارِ: إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن دُورِكم وأمْوالِكم وقَسَمْتُ لَكم مِنَ الغَنِيمَةِ كَما قَسَمْتُ لَهم، وإنْ شِئْتُمْ كانَ لَهُمُ الغَنِيمَةُ، ولَكم دِيارُكم وأمْوالُكم، فَقالُوا: لا؛ بَلْ نَقْسِمُ لَهم مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ولا نُشارِكُهم في الغَنِيمَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ»﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الإيثارَ لَيْسَ عَنْ غِنًى عَنِ المالِ، ولَكِنَّهُ عَنْ حاجَةٍ وخَصاصَةٍ وهي الفَقْرُ، وأصْلُها مِنَ الخَصاصِ وهي الفُرَجُ، وكُلُّ خَرْقٍ في مُنْخُلٍ أوْ بابٍ أوْ سَحابٍ أوْ بُرْقُعٍ فَهي خَصاصٌ، الواحِدُ خَصاصَةٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنْواعًا مِن إيثارِ الأنْصارِ لِلضَّيْفِ بِالطَّعامِ وتَعَلُّلِهِمْ عَنْهُ حَتّى يُشْبِعَ الضَّيْفَ، ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ الإيثارِ، والصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ إيثارِهِمُ المُهاجِرِينَ بِالفَيْءِ، ثُمَّ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَدْخُلَ فِيها سائِرُ الإيثارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الشُّحُّ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما.
واعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الشُّحِّ والبُخْلِ هو أنَّ البُخْلَ نَفْسُ المَنعِ، والشُّحَّ هو الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ المَنعَ، فَلَمّا كانَ الشُّحُّ مِن صِفاتِ النَّفْسِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الظّافِرُونَ بِما أرادُوا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَن لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهاهُ اللَّهُ عَنْ أخْذِهِ ولَمْ يَمْنَعْ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِإعْطائِهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ.
الحشر 59:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ عَطْفٌ أيْضًا عَلى المُهاجِرِينَ وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدُ، وقِيلَ: التّابِعُونَ بِإحْسانٍ وهُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بَعْدَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم يَدْعُونَ لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن سَبَقَهم بِالإيمانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ غِشًّا وحَسَدًا وبُغْضًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم إمّا المُهاجِرُونَ أوِ الأنْصارُ أوِ الَّذِينَ جاءُوا مِن
صفحة ٢٥١
بَعْدِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ مِن شَأْنِ مَن جاءَ مِن بَعْدِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنْ يَذْكُرَ السّابِقِينَ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ بِالدُّعاءِ والرَّحْمَةِ فَمَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ ذَكَرَهم بِسُوءٍ كانَ خارِجًا مِن جُمْلَةِ أقْسامِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ نَصِّ هَذِهِ الآيَةِ.
الحشر 59:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قالَ المُقاتِلانِ: يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَبْتَلَ، ورِفاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، كانُوا مِنَ الأنْصارِ، ولَكِنَّهم نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: الأُخُوَّةُ في الكُفْرِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ كانُوا مُشْتَرِكِينَ في عُمُومِ الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وثانِيها: الأُخُوَّةُ بِسَبَبِ المُصادَقَةِ والمُوالاةِ والمُعاوَنَةِ.
وثالِثُها: الأُخُوَّةُ بِسَبَبِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا لِلْيَهُودِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ: في خِذْلانِكم ﴿أحَدًا أبَدًا﴾ ووَعَدُوهُمُ النَّصْرَ أيْضًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَهِدَ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في هَذا القَوْلِ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ .
الحشر 59:12
ولَمّا شَهِدَ عَلى كَذِبِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أتْبَعَهُ بِالتَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، فَعَلِمَ المَوْجُوداتِ في الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، والمَعْدُوماتِ في الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، وعَلِمَ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلى خِلافِ ما وقَعَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، فَهَهُنا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ لَئِنْ أُخْرِجُوا فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لا يَخْرُجُونَ مَعَهم، وقَدْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُخْرِجُوا لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمُ المُنافِقُونَ، وقُوتِلُوا أيْضًا فَما نَصَرُوهم، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ولَئِنْ نَصَرُوهم) فَتَقْدِيرُهُ كَما يَقُولُ المُعْتَرِضُ الطّاعِنُ في كَلامِ الغَيْرِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ لَكَ فائِدَةً، فَكَذا هَهُنا ذَكَرَ تَعالى أنَّهم لا يَنْصُرُونَهم، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَنْصُرُوا إلّا أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَتْرُكُوا تِلْكَ النُّصْرَةَ ويَنْهَزِمُوا، ويَتْرُكُوا أُولَئِكَ المَنصُورِينَ
صفحة ٢٥٢
فِي أيْدِي الأعْداءِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُنافِقِينَ يَعْنِي: لَيَنْهَزِمَنَّ المُنافِقُونَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ: يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ولا يَنْفَعُهم نِفاقُهم لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ.
والثّانِي: لَيَنْهَزِمَنَّ اليَهُودُ ثُمَّ لا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المُنافِقِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ خَوْفَ المُنافِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أشَدُّ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ:
﴿لَأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ حَتّى يَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُقاتَلَتِكم مُجْتَمِعِينَ إلّا إذا كانُوا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ بِالخَنادِقِ والدُّرُوبِ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وأنَّ تَأْيِيدَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَعَكم، وقُرِئَ (جُدْرٍ) بِالتَّخْفِيفِ، وجِدارٍ، وجَدَرٍ وجَدْرٍ، وهُما الجِدارُ.
الحشر 59:13
ولَمّا شَهِدَ عَلى كَذِبِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أتْبَعَهُ بِالتَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، فَعَلِمَ المَوْجُوداتِ في الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، والمَعْدُوماتِ في الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، وعَلِمَ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلى خِلافِ ما وقَعَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، فَهَهُنا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ لَئِنْ أُخْرِجُوا فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لا يَخْرُجُونَ مَعَهم، وقَدْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُخْرِجُوا لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمُ المُنافِقُونَ، وقُوتِلُوا أيْضًا فَما نَصَرُوهم، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ولَئِنْ نَصَرُوهم) فَتَقْدِيرُهُ كَما يَقُولُ المُعْتَرِضُ الطّاعِنُ في كَلامِ الغَيْرِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ لَكَ فائِدَةً، فَكَذا هَهُنا ذَكَرَ تَعالى أنَّهم لا يَنْصُرُونَهم، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَنْصُرُوا إلّا أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَتْرُكُوا تِلْكَ النُّصْرَةَ ويَنْهَزِمُوا، ويَتْرُكُوا أُولَئِكَ المَنصُورِينَ
صفحة ٢٥٢
فِي أيْدِي الأعْداءِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُنافِقِينَ يَعْنِي: لَيَنْهَزِمَنَّ المُنافِقُونَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ: يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ولا يَنْفَعُهم نِفاقُهم لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ.
والثّانِي: لَيَنْهَزِمَنَّ اليَهُودُ ثُمَّ لا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المُنافِقِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ خَوْفَ المُنافِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أشَدُّ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ:
﴿لَأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ حَتّى يَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُقاتَلَتِكم مُجْتَمِعِينَ إلّا إذا كانُوا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ بِالخَنادِقِ والدُّرُوبِ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وأنَّ تَأْيِيدَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَعَكم، وقُرِئَ (جُدْرٍ) بِالتَّخْفِيفِ، وجِدارٍ، وجَدَرٍ وجَدْرٍ، وهُما الجِدارُ.
الحشر 59:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أنَّ البَأْسَ الشَّدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، فَأمّا إذا قاتَلُوكم لَمْ يَبْقَ لَهم ذَلِكَ البَأْسُ والشِّدَّةُ؛ لِأنَّ الشُّجاعَ يَجْبُنُ، والعِزَّ يَذِلُّ عِنْدَ مُحارَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا يَقُولُونَ: لَنَفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، فَهم يُهَدِّدُونَ المُؤْمِنِينَ بِبَأْسٍ شَدِيدٍ مِن وراءِ الحِيطانِ والحُصُونِ، ثُمَّ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ فَبَأْسُهم فِيما بَيْنَهم شَدِيدٌ، لا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: بَعْضُهم عَدُوٌّ لِلْبَعْضِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ يَعْنِي تَحْسَبُهم في صُورَتِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، أمّا قُلُوبُهم فَشَتّى؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم عَلى مَذْهَبٍ آخَرَ، وبَيْنَهم عَداوَةٌ شَدِيدَةٌ، وهَذا تَشْجِيعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ الحَظُّ لَهم.
والثّانِي: لا يَعْقِلُونَ أنَّ تَشْتِيتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مَثَلُهم كَمَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ في زَمانٍ قَرِيبٍ. فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ (قَرِيبًا)، قُلْنا: بِـ ”مَثَلِ“، والتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ مَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ، أيْ: وخِيمٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ، يَعْنِي: ذاقُوا عَذابَ القَتْلِ في الدُّنْيا (ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ ألِيمٌ) .
صفحة ٢٥٣
ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ والمُنافِقِينَ مَثَلًا فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَثَلُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ غَرُّوا بَنِي النَّضِيرَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ ثُمَّ خَذَلُوهم وما وفَّوْا بِعَهْدِهِمْ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ ثُمَّ تَبَرَّأ مِنهُ في العاقِبَةِ، والمُرادُ إمّا عُمُومُ دَعْوَةِ الشَّيْطانِ إلى الكُفْرِ، وإمّا إغْواءُ الشَّيْطانِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
الحشر 59:15
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أنَّ البَأْسَ الشَّدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، فَأمّا إذا قاتَلُوكم لَمْ يَبْقَ لَهم ذَلِكَ البَأْسُ والشِّدَّةُ؛ لِأنَّ الشُّجاعَ يَجْبُنُ، والعِزَّ يَذِلُّ عِنْدَ مُحارَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا يَقُولُونَ: لَنَفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، فَهم يُهَدِّدُونَ المُؤْمِنِينَ بِبَأْسٍ شَدِيدٍ مِن وراءِ الحِيطانِ والحُصُونِ، ثُمَّ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ فَبَأْسُهم فِيما بَيْنَهم شَدِيدٌ، لا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: بَعْضُهم عَدُوٌّ لِلْبَعْضِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ يَعْنِي تَحْسَبُهم في صُورَتِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، أمّا قُلُوبُهم فَشَتّى؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم عَلى مَذْهَبٍ آخَرَ، وبَيْنَهم عَداوَةٌ شَدِيدَةٌ، وهَذا تَشْجِيعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ الحَظُّ لَهم.
والثّانِي: لا يَعْقِلُونَ أنَّ تَشْتِيتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مَثَلُهم كَمَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ في زَمانٍ قَرِيبٍ. فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ (قَرِيبًا)، قُلْنا: بِـ ”مَثَلِ“، والتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ مَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ، أيْ: وخِيمٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ، يَعْنِي: ذاقُوا عَذابَ القَتْلِ في الدُّنْيا (ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ ألِيمٌ) .
صفحة ٢٥٣
ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ والمُنافِقِينَ مَثَلًا فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَثَلُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ غَرُّوا بَنِي النَّضِيرَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ ثُمَّ خَذَلُوهم وما وفَّوْا بِعَهْدِهِمْ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ ثُمَّ تَبَرَّأ مِنهُ في العاقِبَةِ، والمُرادُ إمّا عُمُومُ دَعْوَةِ الشَّيْطانِ إلى الكُفْرِ، وإمّا إغْواءُ الشَّيْطانِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
الحشر 59:16
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أنَّ البَأْسَ الشَّدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، فَأمّا إذا قاتَلُوكم لَمْ يَبْقَ لَهم ذَلِكَ البَأْسُ والشِّدَّةُ؛ لِأنَّ الشُّجاعَ يَجْبُنُ، والعِزَّ يَذِلُّ عِنْدَ مُحارَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا يَقُولُونَ: لَنَفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، فَهم يُهَدِّدُونَ المُؤْمِنِينَ بِبَأْسٍ شَدِيدٍ مِن وراءِ الحِيطانِ والحُصُونِ، ثُمَّ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ فَبَأْسُهم فِيما بَيْنَهم شَدِيدٌ، لا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: بَعْضُهم عَدُوٌّ لِلْبَعْضِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ يَعْنِي تَحْسَبُهم في صُورَتِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، أمّا قُلُوبُهم فَشَتّى؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم عَلى مَذْهَبٍ آخَرَ، وبَيْنَهم عَداوَةٌ شَدِيدَةٌ، وهَذا تَشْجِيعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ الحَظُّ لَهم.
والثّانِي: لا يَعْقِلُونَ أنَّ تَشْتِيتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مَثَلُهم كَمَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ في زَمانٍ قَرِيبٍ. فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ (قَرِيبًا)، قُلْنا: بِـ ”مَثَلِ“، والتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ مَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ، أيْ: وخِيمٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ، يَعْنِي: ذاقُوا عَذابَ القَتْلِ في الدُّنْيا (ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ ألِيمٌ) .
صفحة ٢٥٣
ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ والمُنافِقِينَ مَثَلًا فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَثَلُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ غَرُّوا بَنِي النَّضِيرَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ ثُمَّ خَذَلُوهم وما وفَّوْا بِعَهْدِهِمْ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ ثُمَّ تَبَرَّأ مِنهُ في العاقِبَةِ، والمُرادُ إمّا عُمُومُ دَعْوَةِ الشَّيْطانِ إلى الكُفْرِ، وإمّا إغْواءُ الشَّيْطانِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
الحشر 59:17
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأوْلى: قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ عاقِبَةُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ مِثْلَ عاقِبَةِ الشَّيْطانِ والإنْسانِ حَيْثُ صارا إلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”خالِدانِ فِيها“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”أنَّ“، و”في النّارِ“ لَغْوٌ، وعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ الخَبَرُ هو الظَّرْفُ، و”خالِدَيْنِ فِيها“ حالٌ، وقُرِئَ: ”عاقِبَتُهُما“ بِالرَّفْعِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَجَعَ إلى مَوْعِظَةِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . الغَدُ: يَوْمُ القِيامَةِ، سَمّاهُ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ تَقْرِيبًا لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْسَ والغَدَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ. أمّا الفائِدَةُ في تَنْكِيرِ النَّفْسِ فاسْتِقْلالُ الأنْفُسِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيما قَدَّمَتْ لِلْآخِرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: فَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ واحِدَةٌ في ذَلِكَ، وأمّا تَنْكِيرُ الغَدِ فَلِتَعْظِيمِهِ وإبْهامِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الغَدُ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى تَأْكِيدًا، أوْ يُحْمَلُ الأوَّلُ عَلى أداءِ الواجِباتِ، والثّانِي عَلى تَرْكِ المَعاصِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُقاتِلانِ: نَسُوا حَقَّ اللَّهِ فَجَعَلَهم ناسِينَ حَقَّ أنْفُسِهِمْ حَتّى لَمْ يَسْعَوْا لَها بِما يَنْفَعُهم عِنْدَهُ.
الثّانِي: ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: أراهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ ما نَسُوا فِيهِ أنْفُسَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهُمْ﴾ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الذَّمُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما هو مَصْلَحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] وهَدَّدَ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقالَ:
الحشر 59:18
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأوْلى: قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ عاقِبَةُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ مِثْلَ عاقِبَةِ الشَّيْطانِ والإنْسانِ حَيْثُ صارا إلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”خالِدانِ فِيها“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”أنَّ“، و”في النّارِ“ لَغْوٌ، وعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ الخَبَرُ هو الظَّرْفُ، و”خالِدَيْنِ فِيها“ حالٌ، وقُرِئَ: ”عاقِبَتُهُما“ بِالرَّفْعِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَجَعَ إلى مَوْعِظَةِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . الغَدُ: يَوْمُ القِيامَةِ، سَمّاهُ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ تَقْرِيبًا لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْسَ والغَدَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ. أمّا الفائِدَةُ في تَنْكِيرِ النَّفْسِ فاسْتِقْلالُ الأنْفُسِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيما قَدَّمَتْ لِلْآخِرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: فَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ واحِدَةٌ في ذَلِكَ، وأمّا تَنْكِيرُ الغَدِ فَلِتَعْظِيمِهِ وإبْهامِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الغَدُ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى تَأْكِيدًا، أوْ يُحْمَلُ الأوَّلُ عَلى أداءِ الواجِباتِ، والثّانِي عَلى تَرْكِ المَعاصِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُقاتِلانِ: نَسُوا حَقَّ اللَّهِ فَجَعَلَهم ناسِينَ حَقَّ أنْفُسِهِمْ حَتّى لَمْ يَسْعَوْا لَها بِما يَنْفَعُهم عِنْدَهُ.
الثّانِي: ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: أراهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ ما نَسُوا فِيهِ أنْفُسَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهُمْ﴾ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الذَّمُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما هو مَصْلَحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] وهَدَّدَ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقالَ:
الحشر 59:19
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأوْلى: قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ عاقِبَةُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ مِثْلَ عاقِبَةِ الشَّيْطانِ والإنْسانِ حَيْثُ صارا إلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”خالِدانِ فِيها“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”أنَّ“، و”في النّارِ“ لَغْوٌ، وعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ الخَبَرُ هو الظَّرْفُ، و”خالِدَيْنِ فِيها“ حالٌ، وقُرِئَ: ”عاقِبَتُهُما“ بِالرَّفْعِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَجَعَ إلى مَوْعِظَةِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . الغَدُ: يَوْمُ القِيامَةِ، سَمّاهُ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ تَقْرِيبًا لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْسَ والغَدَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ. أمّا الفائِدَةُ في تَنْكِيرِ النَّفْسِ فاسْتِقْلالُ الأنْفُسِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيما قَدَّمَتْ لِلْآخِرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: فَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ واحِدَةٌ في ذَلِكَ، وأمّا تَنْكِيرُ الغَدِ فَلِتَعْظِيمِهِ وإبْهامِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الغَدُ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى تَأْكِيدًا، أوْ يُحْمَلُ الأوَّلُ عَلى أداءِ الواجِباتِ، والثّانِي عَلى تَرْكِ المَعاصِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُقاتِلانِ: نَسُوا حَقَّ اللَّهِ فَجَعَلَهم ناسِينَ حَقَّ أنْفُسِهِمْ حَتّى لَمْ يَسْعَوْا لَها بِما يَنْفَعُهم عِنْدَهُ.
الثّانِي: ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: أراهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ ما نَسُوا فِيهِ أنْفُسَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهُمْ﴾ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الذَّمُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما هو مَصْلَحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] وهَدَّدَ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقالَ:
الحشر 59:20
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأوْلى: قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ عاقِبَةُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ مِثْلَ عاقِبَةِ الشَّيْطانِ والإنْسانِ حَيْثُ صارا إلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”خالِدانِ فِيها“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”أنَّ“، و”في النّارِ“ لَغْوٌ، وعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ الخَبَرُ هو الظَّرْفُ، و”خالِدَيْنِ فِيها“ حالٌ، وقُرِئَ: ”عاقِبَتُهُما“ بِالرَّفْعِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَجَعَ إلى مَوْعِظَةِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . الغَدُ: يَوْمُ القِيامَةِ، سَمّاهُ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ تَقْرِيبًا لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْسَ والغَدَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ. أمّا الفائِدَةُ في تَنْكِيرِ النَّفْسِ فاسْتِقْلالُ الأنْفُسِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيما قَدَّمَتْ لِلْآخِرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: فَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ واحِدَةٌ في ذَلِكَ، وأمّا تَنْكِيرُ الغَدِ فَلِتَعْظِيمِهِ وإبْهامِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الغَدُ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى تَأْكِيدًا، أوْ يُحْمَلُ الأوَّلُ عَلى أداءِ الواجِباتِ، والثّانِي عَلى تَرْكِ المَعاصِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُقاتِلانِ: نَسُوا حَقَّ اللَّهِ فَجَعَلَهم ناسِينَ حَقَّ أنْفُسِهِمْ حَتّى لَمْ يَسْعَوْا لَها بِما يَنْفَعُهم عِنْدَهُ.
الثّانِي: ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: أراهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ ما نَسُوا فِيهِ أنْفُسَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهُمْ﴾ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الذَّمُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما هو مَصْلَحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] وهَدَّدَ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقالَ:
الحشر 59:21
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَذِكْرُ هَذا الفَرْقِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ يَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى عِظَمِ ذَلِكَ الفَرْقِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأوْلى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ أصْحابَ النّارِ وأصْحابَ الجَنَّةِ لا يَسْتَوِيانِ، فَلَوْ دَخَلَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ في الجَنَّةِ لَكانَ أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ يَسْتَوِيانِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في الخِلافِيّاتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذِهِ البَياناتِ عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ فَقالَ:
﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَوْ جُعِلَ في الجَبَلِ عَقْلٌ كَما جُعِلَ فِيكم، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَخَشَعَ وخَضَعَ وتَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيِ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ التَّنْبِيهُ عَلى قَساوَةِ قُلُوبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وغِلَظِ طِباعِهِمْ، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِالعِظَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِظَمَ الصِّفَةِ تابِعٌ لِعِظَمِ المَوْصُوفِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ عَظَمَةِ اللَّهِ فَقالَ:
﴿هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وقِيلَ: السِّرُّ والعَلانِيَةُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الغَيْبَ عَلى الشَّهادَةِ في اللَّفْظِ وفِيهِ سِرٌّ عَقْلِيٌّ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَذَكَرُوا أقْوالًا في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَقِيلَ: الغَيْبُ المَعْدُومُ، والشَّهادَةُ المَوْجُودُ، ما غابَ عَنِ العِبادِ وما شاهَدُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿القُدُّوسُ﴾ قُرِئَ بِالضَّمِّ والفَتْحِ، وهو البَلِيغُ في النَّزاهَةِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، ومَضى شَيْءٌ مِنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الَّذِي كَثُرَتْ بَرَكاتُهُ.
صفحة ٢٥٥
وقَوْلُهُ: ﴿السَّلامُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى السَّلامَةِ، ومِنهُ دارُ السَّلامِ، وسَلامٌ عَلَيْكم. وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً في كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنَ النَّقائِصِ، كَما يُقالُ: رَجاءٌ، وغِياثٌ، وعَدْلٌ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى بَيْنَ القُدُّوسِ وبَيْنَ السَّلامِ فَرْقٌ، والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ ؟
قُلْنا: كَوْنُهُ قُدُّوسًا إشارَةٌ إلى بَراءَتِهِ عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ في الماضِي والحاضِرِ، وكَوْنُهُ سَلِيمًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العُيُوبِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العُيُوبِ، فَإنَّهُ تَزُولُ سَلامَتُهُ، ولا يَبْقى سَلِيمًا.
الثّانِي: أنَّهُ سَلامٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلسَّلامَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي آمَنَ أوْلِياءَهُ عَذابَهُ، يُقالُ: آمَنَهُ يُؤَمِّنُهُ، فَهو مُؤْمِنٌ.
والثّانِي: أنَّهُ المُصَدِّقُ، إمّا عَلى مَعْنى أنَّهُ يُصَدِّقُ أنْبِياءَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ لَهم، أوْ لِأجْلِ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَشْهَدُونَ لِسائِرِ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ يَصْدُقُهم في تِلْكَ الشَّهادَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ، يَعْنِي المُؤْمِنَ بِهِ؛ عَلى حَذْفِ الجارِ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] .
وقَوْلُهُ: ﴿المُهَيْمِنُ﴾ قالُوا: مَعْناهُ الشّاهِدُ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. ثُمَّ في أصْلِهِ قَوْلانِ، قالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هَيْمَنَ، يُهَيْمِنُ، فَهو مُهَيْمِنٌ، إذا كانَ رَقِيبًا عَلى الشَّيْءِ.
وقالَ آخَرُونَ: مُهَيْمِنٌ أصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ، مِن آمَنَ يُؤْمِنُ، فَيَكُونُ بِمَعْنى المُؤْمِنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِقْصاؤُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُهَيْمِنُ القائِمُ عَلى خَلْقِهِ بِرِزْقِهِ، وأنْشَدَ:
ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التّالِيهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ
قالَ: مَعْناهُ: القائِمُ عَلى النّاسِ بَعْدَهُ.
وأمّا ﴿العَزِيزُ﴾ فَهو إمّا الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ، وإمّا الغالِبُ القاهِرُ.
وأمّا ﴿الجَبّارُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ فَعّالٌ مِن جَبَرَ إذا أغْنى الفَقِيرَ، وأصْلَحَ الكَسِيرَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وهو لَعَمْرِي جابِرُ كُلِّ كَسِيرٍ وفَقِيرٍ، وهو جابِرُ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضاهُ، قالَ العَجّاجُ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الجَبّارُ مِن: جَبَرَهُ عَلى كَذا، إذا أكْرَهَهُ عَلى ما أرادَهُ، قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُجْبِرُهم عَلى ما أرادَهُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الحِجازِيِّينَ يَقُولُونَها، وكانَ الشّافِعِيُّ يَقُولُ: جَبَرَهُ السُّلْطانُ عَلى كَذا بِغَيْرِ ألِفٍ. وجَعَلَ الفَرّاءُ الجَبّارَ بِهَذا المَعْنى مِن أجْبَرَهُ، وهي اللُّغَةُ المَعْرُوفَةُ في الإكْراهِ، فَقالَ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ وهُما جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ، وعَلى هَذا القَوْلِ الجَبّارُ هو القَهّارُ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَبّارُ في صِفَةِ اللَّهِ الَّذِي لا يُنالُ، ومِنهُ قِيلَ لِلنَّخْلَةِ الَّتِي فاتَتْ يَدَ المُتَناوِلِ: جَبّارَةٌ.
الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَبّارُ هو المَلِكُ العَظِيمُ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن مَعانِي الجَبّارِ في صِفَةِ اللَّهِ، ولِلْجَبّارِ مَعانٍ في صِفَةِ الخَلْقِ:
أحَدُها: المُسَلَّطُ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] .
والثّانِي: العَظِيمُ الجِسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] .
والثّالِثُ: المُتَمَرِّدُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا﴾ [مريم: ٣٢] .
والرّابِعُ: القِتالُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] .
الحشر 59:22
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَذِكْرُ هَذا الفَرْقِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ يَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى عِظَمِ ذَلِكَ الفَرْقِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأوْلى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ أصْحابَ النّارِ وأصْحابَ الجَنَّةِ لا يَسْتَوِيانِ، فَلَوْ دَخَلَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ في الجَنَّةِ لَكانَ أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ يَسْتَوِيانِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في الخِلافِيّاتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذِهِ البَياناتِ عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ فَقالَ:
﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَوْ جُعِلَ في الجَبَلِ عَقْلٌ كَما جُعِلَ فِيكم، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَخَشَعَ وخَضَعَ وتَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيِ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ التَّنْبِيهُ عَلى قَساوَةِ قُلُوبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وغِلَظِ طِباعِهِمْ، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِالعِظَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِظَمَ الصِّفَةِ تابِعٌ لِعِظَمِ المَوْصُوفِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ عَظَمَةِ اللَّهِ فَقالَ:
﴿هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وقِيلَ: السِّرُّ والعَلانِيَةُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الغَيْبَ عَلى الشَّهادَةِ في اللَّفْظِ وفِيهِ سِرٌّ عَقْلِيٌّ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَذَكَرُوا أقْوالًا في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَقِيلَ: الغَيْبُ المَعْدُومُ، والشَّهادَةُ المَوْجُودُ، ما غابَ عَنِ العِبادِ وما شاهَدُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿القُدُّوسُ﴾ قُرِئَ بِالضَّمِّ والفَتْحِ، وهو البَلِيغُ في النَّزاهَةِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، ومَضى شَيْءٌ مِنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الَّذِي كَثُرَتْ بَرَكاتُهُ.
صفحة ٢٥٥
وقَوْلُهُ: ﴿السَّلامُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى السَّلامَةِ، ومِنهُ دارُ السَّلامِ، وسَلامٌ عَلَيْكم. وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً في كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنَ النَّقائِصِ، كَما يُقالُ: رَجاءٌ، وغِياثٌ، وعَدْلٌ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى بَيْنَ القُدُّوسِ وبَيْنَ السَّلامِ فَرْقٌ، والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ ؟
قُلْنا: كَوْنُهُ قُدُّوسًا إشارَةٌ إلى بَراءَتِهِ عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ في الماضِي والحاضِرِ، وكَوْنُهُ سَلِيمًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العُيُوبِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العُيُوبِ، فَإنَّهُ تَزُولُ سَلامَتُهُ، ولا يَبْقى سَلِيمًا.
الثّانِي: أنَّهُ سَلامٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلسَّلامَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي آمَنَ أوْلِياءَهُ عَذابَهُ، يُقالُ: آمَنَهُ يُؤَمِّنُهُ، فَهو مُؤْمِنٌ.
والثّانِي: أنَّهُ المُصَدِّقُ، إمّا عَلى مَعْنى أنَّهُ يُصَدِّقُ أنْبِياءَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ لَهم، أوْ لِأجْلِ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَشْهَدُونَ لِسائِرِ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ يَصْدُقُهم في تِلْكَ الشَّهادَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ، يَعْنِي المُؤْمِنَ بِهِ؛ عَلى حَذْفِ الجارِ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] .
وقَوْلُهُ: ﴿المُهَيْمِنُ﴾ قالُوا: مَعْناهُ الشّاهِدُ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. ثُمَّ في أصْلِهِ قَوْلانِ، قالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هَيْمَنَ، يُهَيْمِنُ، فَهو مُهَيْمِنٌ، إذا كانَ رَقِيبًا عَلى الشَّيْءِ.
وقالَ آخَرُونَ: مُهَيْمِنٌ أصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ، مِن آمَنَ يُؤْمِنُ، فَيَكُونُ بِمَعْنى المُؤْمِنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِقْصاؤُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُهَيْمِنُ القائِمُ عَلى خَلْقِهِ بِرِزْقِهِ، وأنْشَدَ:
ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التّالِيهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ
قالَ: مَعْناهُ: القائِمُ عَلى النّاسِ بَعْدَهُ.
وأمّا ﴿العَزِيزُ﴾ فَهو إمّا الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ، وإمّا الغالِبُ القاهِرُ.
وأمّا ﴿الجَبّارُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ فَعّالٌ مِن جَبَرَ إذا أغْنى الفَقِيرَ، وأصْلَحَ الكَسِيرَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وهو لَعَمْرِي جابِرُ كُلِّ كَسِيرٍ وفَقِيرٍ، وهو جابِرُ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضاهُ، قالَ العَجّاجُ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الجَبّارُ مِن: جَبَرَهُ عَلى كَذا، إذا أكْرَهَهُ عَلى ما أرادَهُ، قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُجْبِرُهم عَلى ما أرادَهُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الحِجازِيِّينَ يَقُولُونَها، وكانَ الشّافِعِيُّ يَقُولُ: جَبَرَهُ السُّلْطانُ عَلى كَذا بِغَيْرِ ألِفٍ. وجَعَلَ الفَرّاءُ الجَبّارَ بِهَذا المَعْنى مِن أجْبَرَهُ، وهي اللُّغَةُ المَعْرُوفَةُ في الإكْراهِ، فَقالَ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ وهُما جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ، وعَلى هَذا القَوْلِ الجَبّارُ هو القَهّارُ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَبّارُ في صِفَةِ اللَّهِ الَّذِي لا يُنالُ، ومِنهُ قِيلَ لِلنَّخْلَةِ الَّتِي فاتَتْ يَدَ المُتَناوِلِ: جَبّارَةٌ.
الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَبّارُ هو المَلِكُ العَظِيمُ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن مَعانِي الجَبّارِ في صِفَةِ اللَّهِ، ولِلْجَبّارِ مَعانٍ في صِفَةِ الخَلْقِ:
أحَدُها: المُسَلَّطُ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] .
والثّانِي: العَظِيمُ الجِسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] .
والثّالِثُ: المُتَمَرِّدُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا﴾ [مريم: ٣٢] .
والرّابِعُ: القِتالُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] .
الحشر 59:23
أمّا قَوْلُهُ: ﴿المُتَكَبِّرُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِي تَكَبَّرَ بِرُبُوبِيَّتِهِ فَلا شَيْءَ مِثْلُهُ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: المُتَعَظِّمُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ.
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تَعَظَّمَ عَنْ ظُلْمِ العِبادِ.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُتَكَبِّرُ ذُو الكِبْرِياءِ، والكِبْرِياءُ عِنْدَ العَرَبِ: المُلْكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] .
واعْلَمْ أنَّ المُتَكَبِّرَ في حَقِّ الخَلْقِ اسْمُ ذَمٍّ؛ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الَّذِي يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ الكِبْرَ، وذَلِكَ نَقْصٌ في حَقِّ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ كِبْرٌ ولا عُلُوٌّ، بَلْ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقارَةُ والذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ، فَإذا أظْهَرَ العُلُوَّ كانَ كاذِبًا، فَكانَ ذَلِكَ مَذْمُومًا في حَقِّهِ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَلَهُ جَمِيعُ أنْواعِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ، فَإذا أظْهَرَهُ فَقَدْ أرْشَدَ العِبادَ إلى تَعْرِيفِ جَلالِهِ وعُلُوِّهِ، فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ المَدْحِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ؛ ولِهَذا السَّبَبِ لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَخْلُوقِينَ قَدْ يَتَكَبَّرُونَ ويَدَّعُونَ مُشارَكَةَ اللَّهِ في هَذا الوَصْفِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّكَبُّرِ الَّذِي هو حاصِلٌ لِلْخَلْقِ؛ لِأنَّهم ناقِصُونَ بِحَسَبِ ذَواتِهِمْ، فادِّعاؤُهُمُ الكِبْرَ يَكُونُ ضَمَّ نُقْصانِ الكَذِبِ إلى النُّقْصانِ الذّاتِيِّ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَلَهُ العُلُوُّ والعِزَّةُ، فَإذا أظْهَرَهُ كانَ ذَلِكَ ضَمَّ كَمالٍ إلى كَمالٍ، فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ في إثْباتِ صِفَةِ المُتَكَبِّرِيَّةِ لِلْخَلْقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ والخَلْقُ هو التَّقْدِيرُ، مَعْناهُ أنَّهُ يُقَدِّرُ أفْعالَهُ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ، فالخالِقِيَّةُ راجِعَةٌ إلى صِفَةِ الإرادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿البارِئُ﴾ وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: صانِعٌ ومُوجِدٌ، إلّا أنَّهُ يُفِيدُ اخْتِراعَ الأجْسامِ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ في الخَلْقِ: بَرِيَّةٌ، ولا يُقالُ في الأعْراضِ الَّتِي هي كاللَّوْنِ والطَّعْمِ.
وأمّا المُصَوِّرُ: فَمَعْناهُ أنَّهُ يَخْلُقُ صُوَرَ الخَلْقِ عَلى ما يُرِيدُ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الخالِقِ عَلى البارِئِ؛ لِأنَّ تَرْجِيحَ الإرادَةِ مُقَدَّمٌ عَلى تَأْثِيرِ القُدْرَةِ. وقَدَّمَ البارِئَ عَلى المُصَوِّرِ؛ لِأنَّ إيجادَ الذَّواتِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الصِّفاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ وقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
الحشر 59:24
أمّا قَوْلُهُ: ﴿المُتَكَبِّرُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِي تَكَبَّرَ بِرُبُوبِيَّتِهِ فَلا شَيْءَ مِثْلُهُ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: المُتَعَظِّمُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ.
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تَعَظَّمَ عَنْ ظُلْمِ العِبادِ.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُتَكَبِّرُ ذُو الكِبْرِياءِ، والكِبْرِياءُ عِنْدَ العَرَبِ: المُلْكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] .
واعْلَمْ أنَّ المُتَكَبِّرَ في حَقِّ الخَلْقِ اسْمُ ذَمٍّ؛ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الَّذِي يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ الكِبْرَ، وذَلِكَ نَقْصٌ في حَقِّ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ كِبْرٌ ولا عُلُوٌّ، بَلْ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقارَةُ والذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ، فَإذا أظْهَرَ العُلُوَّ كانَ كاذِبًا، فَكانَ ذَلِكَ مَذْمُومًا في حَقِّهِ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَلَهُ جَمِيعُ أنْواعِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ، فَإذا أظْهَرَهُ فَقَدْ أرْشَدَ العِبادَ إلى تَعْرِيفِ جَلالِهِ وعُلُوِّهِ، فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ المَدْحِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ؛ ولِهَذا السَّبَبِ لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَخْلُوقِينَ قَدْ يَتَكَبَّرُونَ ويَدَّعُونَ مُشارَكَةَ اللَّهِ في هَذا الوَصْفِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّكَبُّرِ الَّذِي هو حاصِلٌ لِلْخَلْقِ؛ لِأنَّهم ناقِصُونَ بِحَسَبِ ذَواتِهِمْ، فادِّعاؤُهُمُ الكِبْرَ يَكُونُ ضَمَّ نُقْصانِ الكَذِبِ إلى النُّقْصانِ الذّاتِيِّ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَلَهُ العُلُوُّ والعِزَّةُ، فَإذا أظْهَرَهُ كانَ ذَلِكَ ضَمَّ كَمالٍ إلى كَمالٍ، فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ في إثْباتِ صِفَةِ المُتَكَبِّرِيَّةِ لِلْخَلْقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ والخَلْقُ هو التَّقْدِيرُ، مَعْناهُ أنَّهُ يُقَدِّرُ أفْعالَهُ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ، فالخالِقِيَّةُ راجِعَةٌ إلى صِفَةِ الإرادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿البارِئُ﴾ وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: صانِعٌ ومُوجِدٌ، إلّا أنَّهُ يُفِيدُ اخْتِراعَ الأجْسامِ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ في الخَلْقِ: بَرِيَّةٌ، ولا يُقالُ في الأعْراضِ الَّتِي هي كاللَّوْنِ والطَّعْمِ.
وأمّا المُصَوِّرُ: فَمَعْناهُ أنَّهُ يَخْلُقُ صُوَرَ الخَلْقِ عَلى ما يُرِيدُ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الخالِقِ عَلى البارِئِ؛ لِأنَّ تَرْجِيحَ الإرادَةِ مُقَدَّمٌ عَلى تَأْثِيرِ القُدْرَةِ. وقَدَّمَ البارِئَ عَلى المُصَوِّرِ؛ لِأنَّ إيجادَ الذَّواتِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الصِّفاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ وقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
الممتحنة 60:1
صفحة ٢٥٧
(سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ)
وهِيَ ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً
﷽
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾
﷽
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ ما يَتَحَقَّقُ بِهِ التَّعَلُّقُ بِما قَبْلَها هو أنَّهُما يَشْتَرِكانِ في بَيانِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ الحاضِرِينَ في زَمانِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ، فَإنَّ بَعْضَهم أقْدَمُوا عَلى الصُّلْحِ واعْتَرَفُوا بِصِدْقِهِ، ومِن جُمْلَتِهِمْ بَنُو النَّضِيرِ، فَإنَّهم قالُوا: واللَّهِ إنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي وجَدْنا نَعْتَهُ وصِفْتَهُ في التَّوْراةِ، وبَعْضُهم أنْكَرُوا ذَلِكَ وأقْدَمُوا عَلى القِتالِ، إمّا عَلى التَّصْرِيحِ وإمّا عَلى الإخْفاءِ، فَإنَّهم مَعَ أهْلِ الإسْلامِ في الظّاهِرِ، ومَعَ أهْلِ الكُفْرِ في الباطِنِ، وأمّا تَعَلُّقُ الأوَّلِ بِالآخِرِ فَظاهِرٌ، لِما أنَّ آخِرَ تِلْكَ السُّورَةِ يَشْتَمِلُ عَلى الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ لِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِها، وأوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى حُرْمَةِ الِاخْتِلاطِ مَعَ مَن لَمْ يَعْتَرِفْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في «حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، لَمّا كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ» أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ لِلْفَتْحِ، ويُرِيدُ أنْ يَغْزُوَكم فَخُذُوا حِذْرَكم، ثُمَّ أرْسَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَعَ امْرَأةٍ مَوْلاةٍ لِبَنِي هاشِمٍ، يُقالُ لَها سارَّةُ، جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمُسْلِمَةً جِئْتِ ؟ قالَتْ: لا، قالَ: أمُهاجِرَةً جِئْتِ ؟ قالَتْ: لا، قالَ: فَما جاءَ بِكِ ؟ قالَتْ: قَدْ ذَهَبَ المَوالِي يَوْمَ بَدْرٍ - أيْ قُتِلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ - فاحْتَجْتُ حاجَةً شَدِيدَةً، فَحَثَّ عَلَيْها بَنِي المُطَّلِبِ فَكَسَوْها وحَمَلُوها وزَوَّدُوها، فَأتاها حاطِبٌ وأعْطاها عَشَرَةَ دَنانِيرَ وكَساها بُرْدًا واسْتَحْمَلَها ذَلِكَ الكِتابَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَخَرَجَتْ سائِرَةً، فَأطْلَعَ اللَّهُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ، فَبَعَثَ عَلِيًّا وعُمَرَ وعَمّارًا وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ خَلْفَها وهم فُرْسانٌ، فَأدْرَكُوها وسَألُوها عَنْ ذَلِكَ فَأنْكَرَتْ وحَلَفَتْ، فَقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما كَذَبْنا، ولا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ، وسَلَّ سَيْفَهُ، فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِ شَعْرِها، فَجاءُوا بِالكِتابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَضَهُ عَلى حاطِبٍ فاعْتَرَفَ، وقالَ: إنَّ لِي بِمَكَّةَ أهْلًا ومالًا فَأرَدْتُ أنْ أتَقَرَّبَ مِنهم، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ بَأْسَهُ عَلَيْهِمْ، فَصَدَّقَهُ وقَبِلَ عُذْرَهُ، فَقالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ ﷺ: ما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ
صفحة ٢٥٨
فَقالَ لَهم: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم، فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ، وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَنَزَلَتْ، وأمّا تَفْسِيرُ الآيَةِ فالخِطابُ في: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَدْ مَرَّ، وكَذَلِكَ في الإيمانِ أنَّهُ في نَفْسِهِ شَيْءٌ واحِدٌ وهو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ أوْ أشْياءُ كَثِيرَةٌ وهي الطّاعاتُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ فاتَّخَذَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وهُما عَدُوِّي وأوْلِياءُ، والعَدُوُّ فَعُولٌ مِن عَدا، كَعَفُوٍّ مِن عَفا، ولِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ أُوقِعَ عَلى الجَمْعِ إيقاعَهُ عَلى الواحِدِ، والعَداوَةُ ضِدُّ الصَّداقَةِ، وهُما لا يَجْتَمِعانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ، في زَمانٍ واحِدٍ، مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، لَكِنَّهُما يَرْتَفِعانِ في مادَّةِ الإمْكانِ، وعَنِ الزَّجّاجِ والكَرابِيسِيِّ ”عَدُوِّي“ أيْ عَدُوُّ دِينِي، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلُ“» «وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِي ذَرٍّ: ”يا أبا ذَرٍّ أيُّ عُرى الإيمانِ أوْثَقُ ؟ فَقالَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: المُوالاةُ في اللَّهِ، والحُبُّ في اللَّهِ، والبُغْضُ في اللَّهِ“» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿تُلْقُونَ﴾ بِماذا يَتَعَلَّقُ، نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ النَّظْمِ: هو وصْفُ النَّكِرَةِ الَّتِي هي أوْلِياءُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: قالَ في الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلا تَتَّخِذُوا حالًا مِن ضَمِيرِهِ، وأوْلِياءُ صِفَةٌ لَهُ.
الثّالِثُ: قالَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، فَلا يَكُونُ صِلَةً لِأوْلِياءَ، والباءُ في المَوَدَّةِ كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ والمَعْنى: تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ وسِرَّهُ بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: اتِّخاذُ العَدُوِّ ولِيًّا كَيْفَ يُمْكِنُ، وقَدْ كانَتِ العَداوَةُ مُنافِيَةً لِلْمَحَبَّةِ والمَوَدَّةِ، والمَحَبَّةُ والمَوَدَّةُ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ الِاتِّخاذِ، نَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ العَداوَةُ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرٍ، والمَحَبَّةُ والمَوَدَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرٍ آخَرَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] والنَّبِيُّ ﷺ قالَ: ”«أوْلادُنا أكْبادُنا» “ .
الثّانِي: لَمّا قالَ: (عَدُوِّي) فَلِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ حَتّى قالَ: ﴿وعَدُوَّكُمْ﴾ لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إنَّما هو عَدُوُّ المُؤْمِنِينَ ؟ نَقُولُ: الأمْرُ لازِمٌ مِن هَذا التَّلازُمِ، وإنَّما لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ عَدُوًّا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِلَّهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ .
الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ بِالعَكْسِ ؟ فَنَقُولُ: العَداوَةُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِسَبَبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ، فَتَكُونُ مَحَبَّةُ العَبْدِ مِن أهْلِ الإيمانِ لِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِعِلَّةٍ، ومَحَبَّةُ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ لا لِعِلَّةٍ، لِما أنَّهُ غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، فَلا حاجَةَ بِهِ إلى الغَيْرِ أصْلًا، والَّذِي لا لِعِلَّةٍ مُقَدَّمٌ عَلى الَّذِي لِعِلَّةٍ، ولِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ لَهُ نِسْبَةٌ إلى الطَّرَفَيْنِ، فالطَّرَفُ الأعْلى مُقَدَّمٌ عَلى الطَّرَفِ الأدْنى.
الرّابِعُ: قالَ: ﴿أوْلِياءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولِيًّا، والعَدُوُّ والوَلِيُّ بِلَفْظٍ، فَنَقُولُ: كَما أنَّ المُعَرَّفَ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ يَتَناوَلُ كُلَّ فَرْدٍ، فَكَذَلِكَ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ.
الخامِسُ: مِنهم مَن قالَ: الباءُ زائِدَةٌ، وقَدْ مَرَّ أنَّ الزِّيادَةَ في القُرْآنِ لا تُمْكِنُ، والباءُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الفائِدَةِ، فَلا تَكُونُ زائِدَةً في الحَقِيقَةِ.
* *
صفحة ٢٥٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ .
﴿وقَدْ كَفَرُوا﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ وحالُهم أنَّهم كَفَرُوا ﴿بِما جاءَكم مِنَ﴾ الدِّينِ ﴿الحَقِّ﴾، وقِيلَ: مِنَ القُرْآنِ ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ ﴿أنْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ لِأنْ تُؤْمِنُوا ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو شَرْطٌ جَوابُهُ مُتَقَدِّمٌ وهو: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ، وقَوْلُهُ: ﴿جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ مَنصُوبانِ لِأنَّهُما مَفْعُولانِ لَهُما، ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ عَنْ مُقاتِلٍ بِالنَّصِيحَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن أحْوالِهِمْ شَيْءٌ، فَقالَ: ﴿وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ﴾ مِنَ المَوَدَّةِ لِلْكُفّارِ (وما أعْلَنْتُمْ) أيْ أظْهَرْتُمْ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا عامًّا في كُلِّ ما يُخْفِي ويُعْلِنُ، قالَ بَعْضُهم: هو أعْلَمُ بِسَرائِرِ العَبْدِ وخَفاياهُ وظاهِرِهِ وباطِنِهِ، مِن أفْعالِهِ وأحْوالِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكِنايَةُ راجِعَةً إلى الإسْرارِ، وإلى الإلْقاءِ، وإلى اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ، لِما أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ مَذْكُورَةٌ مِن قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ عَدَلَ عَنْ قَصْدِ الإيمانِ في اعْتِقادِهِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: قَدْ أخْطَأ قَصْدَ الطَّرِيقِ عَنِ الهُدى، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلا تَتَّخِذُوا، يَعْنِي لا تَتَوَلَّوْا أعْدائِي إنْ كُنْتُمْ أوْلِيائِيَ، و﴿تُسِرُّونَ﴾ اسْتِئْنافٌ، مَعْناهُ: أيُّ طائِلٍ لَكم في إسْرارِكم وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الإخْفاءَ والإعْلانَ سِيّانِ في عِلْمِي.
الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ الآيَةَ، قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ فَلا يُمْكِنُ وُجُودُ الشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ بِدُونِ ذَلِكَ النَّهْيِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يُمْكِنُ، فَنَقُولُ: هَذا المَجْمُوعُ شَرْطٌ لِمُقْتَضى ذَلِكَ النَّهْيِ، لا لِلنَّهْيِ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ، ولا يُمْكِنُ وُجُودُ المَجْمُوعِ بِدُونِ ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ دائِمًا، فالفائِدَةُ في ابْتِغاءِ مَرْضاتِي ظاهِرَةٌ، إذِ الخُرُوجُ قَدْ يَكُونُ ابْتِغاءً لِمَرْضاةِ اللَّهِ وقَدْ لا يَكُونُ.
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِما أسْرَرْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ، مَعَ أنَّهُ ألْيَقُ بِما سَبَقَ وهو تُسِرُّونَ، فَنَقُولُ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذَلِكَ، فَإنَّ الإخْفاءَ أبْلَغُ مِنَ الإسْرارِ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ [طه: ٧] أيْ أخْفى مِنَ السِّرِّ.
الرّابِعُ: قالَ: ﴿بِما أخْفَيْتُمْ﴾ قَدَّمَ العِلْمَ بِالإخْفاءِ عَلى الإعْلانِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِهَذا مِن غَيْرِ عَكْسٍ، فَنَقُولُ: هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِنا، لا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ تَعالى، إذْ هُما سِيّانِ في عِلْمِهِ كَما مَرَّ، ولِأنَّ المَقْصُودَ هو بَيانُ ما هو الأخْفى وهو الكُفْرُ، فَيَكُونُ مُقَدَّمًا.
الخامِسُ: قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن فَعَلَ هَذا الفِعْلَ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ نَقُولُ: إذا كانَ المُرادُ مِن ﴿مِنكُمْ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَظاهِرٌ، لِأنَّ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ الفِعْلَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا.
الممتحنة 60:2
صفحة ٢٦٠
ثُمَّ إنَّهُ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ فَقالَ:
﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَثْقَفُوكُمْ﴾ يَظْفَرُوا بِكم ويَتَمَكَّنُوا مِنكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ﴾ في غايَةِ العَداوَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَظْهَرُوا عَلَيْكم يُصادِقُوكم ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالضَّرْبِ ﴿وألْسِنَتَهُمْ﴾ بِالشَّتْمِ ﴿ووَدُّوا﴾ أنْ تَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ، والمَعْنى أنَّ أعْداءَ اللَّهِ لا يُخْلِصُونَ المَوَدَّةَ لِأوْلِياءِ اللَّهِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُبايَنَةِ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾ لَمّا عُوتِبَ حاطِبٌ عَلى ما فَعَلَ اعْتَذَرَ بِأنَّ لَهُ أرْحامًا، وهي القَراباتُ، والأوْلادُ فِيما بَيْنَهم، ولَيْسَ لَهُ هُناكَ مَن يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، فَأرادَ أنْ يَتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا لِيُحْسِنُوا إلى مَن خَلَّفَهم بِمَكَّةَ مِن عَشِيرَتِهِ، فَقالَ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ الَّذِينَ تُوالُونَ الكُفّارَ مِن أجْلِهِمْ، وتَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِمْ مَخافَةً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ وبَيْنَ أقارِبِكم وأوْلادِكم فَيَدْخُلُ أهْلُ الإيمانِ الجَنَّةَ، وأهْلُ الكُفْرِ النّارَ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ بِما عَمِلَ حاطِبٌ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ كَيْفَ يُورِدُ جَوابَ الشَّرْطِ مُضارِعًا مِثْلَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ووَدُّوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي نَقُولُ: الماضِي وإنْ كانَ يَجْرِي في بابِ الشَّرْطِ مَجْرى المُضارِعِ في عِلْمِ الإعْرابِ فَإنَّ فِيهِ نُكْتَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ووَدُّوا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ كُفْرَكم وارْتِدادَكم.
الثّانِي: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِأيِّ شَيْءٍ ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ أوْ يَكُونُ ظَرْفًا لِـ﴿يَفْصِلُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: يُفْصَلُ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ، ويَفْصِلُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ، ونَفْصِلُ بِالنُّونِ.
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: خَبِيرٌ، مَعَ أنَّهُ أبْلَغُ في العِلْمِ بِالشَّيْءِ، والجَوابُ: أنَّ الخَبِيرَ أبْلَغُ في العِلْمِ والبَصِيرَ أظْهَرُ مِنهُ فِيهِ، لِما أنَّهُ يَجْعَلُ عَمَلَهم كالمَحْسُوسِ بِحِسِّ البَصَرِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الممتحنة 60:3
صفحة ٢٦٠
ثُمَّ إنَّهُ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ كُفّارِ أهْلِ مَكَّةَ فَقالَ:
﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَثْقَفُوكُمْ﴾ يَظْفَرُوا بِكم ويَتَمَكَّنُوا مِنكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ﴾ في غايَةِ العَداوَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَظْهَرُوا عَلَيْكم يُصادِقُوكم ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ بِالضَّرْبِ ﴿وألْسِنَتَهُمْ﴾ بِالشَّتْمِ ﴿ووَدُّوا﴾ أنْ تَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ، والمَعْنى أنَّ أعْداءَ اللَّهِ لا يُخْلِصُونَ المَوَدَّةَ لِأوْلِياءِ اللَّهِ لِما بَيْنَهم مِنَ المُبايَنَةِ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ﴾ لَمّا عُوتِبَ حاطِبٌ عَلى ما فَعَلَ اعْتَذَرَ بِأنَّ لَهُ أرْحامًا، وهي القَراباتُ، والأوْلادُ فِيما بَيْنَهم، ولَيْسَ لَهُ هُناكَ مَن يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، فَأرادَ أنْ يَتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا لِيُحْسِنُوا إلى مَن خَلَّفَهم بِمَكَّةَ مِن عَشِيرَتِهِ، فَقالَ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ الَّذِينَ تُوالُونَ الكُفّارَ مِن أجْلِهِمْ، وتَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِمْ مَخافَةً عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ وبَيْنَ أقارِبِكم وأوْلادِكم فَيَدْخُلُ أهْلُ الإيمانِ الجَنَّةَ، وأهْلُ الكُفْرِ النّارَ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ بِما عَمِلَ حاطِبٌ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ كَيْفَ يُورِدُ جَوابَ الشَّرْطِ مُضارِعًا مِثْلَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ووَدُّوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي نَقُولُ: الماضِي وإنْ كانَ يَجْرِي في بابِ الشَّرْطِ مَجْرى المُضارِعِ في عِلْمِ الإعْرابِ فَإنَّ فِيهِ نُكْتَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ووَدُّوا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ كُفْرَكم وارْتِدادَكم.
الثّانِي: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِأيِّ شَيْءٍ ؟ قُلْنا لِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ أوْ يَكُونُ ظَرْفًا لِـ﴿يَفْصِلُ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: يُفْصَلُ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ، ويَفْصِلُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ، ونَفْصِلُ بِالنُّونِ.
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ: خَبِيرٌ، مَعَ أنَّهُ أبْلَغُ في العِلْمِ بِالشَّيْءِ، والجَوابُ: أنَّ الخَبِيرَ أبْلَغُ في العِلْمِ والبَصِيرَ أظْهَرُ مِنهُ فِيهِ، لِما أنَّهُ يَجْعَلُ عَمَلَهم كالمَحْسُوسِ بِحِسِّ البَصَرِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الممتحنة 60:4
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾
اعْلَمْ أنَّ الأُسْوَةَ ما يُؤْتَسى بِهِ مِثْلُ القُدْوَةِ لِما يُقْتَدى بِهِ، يُقالُ: هو أُسْوَتُكَ، أيْ أنْتَ مِثْلُهُ وهو مِثْلُكُ، وجَمْعُ الأُسْوَةِ أُسًى، فالأُسْوَةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُقْتَدى بِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ وأصْحابَهُ تَبَرَّءُوا مِن قَوْمِهِمْ وعادَوْهم، وقالُوا لَهم: إنّا بُرَآءُ مِنكم، وأمَرَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتَسُوا بِهِمْ وبِقَوْلِهِمْ، قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ أفَلا تَأسَّيْتَ يا حاطِبُ بِإبْراهِيمَ في التَّبْرِئَةِ مِن أهْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وهو مُشْرِكٌ وقالَ مُجاهِدٌ: نُهُوا أنْ يَتَأسَّوْا بِاسْتِغْفارِ
صفحة ٢٦١
إبْراهِيمَ لِأبِيهِ فَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: ائْتَسُوا بِأمْرِ إبْراهِيمَ كُلِّهِ إلّا في اسْتِغْفارِهِ لِأبِيهِ، وقِيلَ: تَبَرَّءُوا مِن كُفّارِ قَوْمِكم فَإنَّ لَكم أُسْوَةً حَسَنَةً في إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ في البَراءَةِ مِن قَوْمِهِمْ، لا في الِاسْتِغْفارِ لِأبِيهِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ أنَّ إبْراهِيمَ عاداهم وهَجَرَهم في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في قَوْلِهِ لِأبِيهِ: (لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرَهُ، بَلِ المَعْنى قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ في كُلِّ شَيْءٍ فَعَلَهُ، إلّا في قَوْلِهِ لِأبِيهِ: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ يَقُولُ لَهُ: ما أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، ولا أدْفَعُ عَنْكَ عَذابَ اللَّهِ إنْ أشْرَكْتَ بِهِ، فَوَعَدَهُ الِاسْتِغْفارَ رَجاءَ الإسْلامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ وأصْحابِهِ: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ الآيَةَ، أيْ في جَمِيعِ أُمُورِنا ﴿وإلَيْكَ أنَبْنا﴾ رَجَعْنا بِالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ إلَيْكَ إذِ المَصِيرُ لَيْسَ إلّا إلى حَضْرَتِكَ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وحْدَهُ﴾ والإيمانُ بِهِ وبِغَيْرِهِ مِنَ اللَّوازِمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَنَقُولُ: الإيمانُ بِالمَلائِكَةِ والكُتُبِ والرُّسُلِ واليَوْمِ الآخِرِ، مِن لَوازِمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، إذِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (وحْدَهُ) هو وحْدَهُ في الأُلُوهِيَّةِ، ولا نَشُكُّ في أنَّ الإيمانَ بِأُلُوهِيَّةِ غَيْرِهِ، لا يَكُونُ إيمانًا بِاللَّهِ، إذْ هو الإشْراكُ في الحَقِيقَةِ، والمُشْرِكُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أيِّ شَيْءٍ هو، نَقُولُ: مِن قَوْلِهِ: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لِما أنَّهُ أرادَ بِالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ قَوْلَهُمُ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتَسُوا بِهِ، ويَتَّخِذُوهُ سُنَّةً يَسْتَنُّونَ بِها.
الثّالِثُ: إنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ مُسْتَثْنًى مِنَ القَوْلِ الَّذِي سَبَقَ وهو: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَما بالُ قَوْلِهِ: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وهو غَيْرُ حَقِيقٍ بِالِاسْتِثْناءِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ نَقُولُ: أرادَ اللَّهُ تَعالى اسْتِثْناءَ جُمْلَةِ قَوْلِهِ لِأبِيهِ، والقَصْدُ إلى مَوْعِدِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ وما بَعْدَهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ وتابِعٌ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: أنا أسْتَغْفِرُ لَكَ، وما وُسْعِي إلّا الِاسْتِغْفارُ.
الرّابِعُ: إذا قِيلَ: بِمَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ نَقُولُ: بِما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، وهو مِن جُمْلَةِ الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى هو الأمْرُ بِهَذا القَوْلِ تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَتْمِيمًا لِما وصّاهم بِهِ مِن قَطْعِ العَلائِقِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَفَرَةِ، والِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ في البَراءَةِ مِنهم تَنْبِيهًا عَلى الإنابَةِ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِعاذَةِ بِهِ.
الخامِسُ: إذا قِيلَ: ما الفائِدَةُ في هَذا التَّرْتِيبِ ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لا يُحِيطُ بِهِ إلّا هو، والظّاهِرُ مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ أنْ يُقالَ: التَّوَكُّلُ لِأجْلِ الإفادَةِ، وإفادَةُ التَّوَكُّلِ مُفْتَقِرَةٌ إلى التَّقْوى، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] والتَّقْوى الإنابَةُ، إذِ التَّقْوى الِاحْتِرازُ عَمّا لا يَنْبَغِي مِنَ الأُمُورِ، والإشارَةُ إلى أنَّ المَرْجِعَ والمَصِيرَ لِلْخَلائِقِ حَضْرَتُهُ المُقَدَّسَةُ لَيْسَ إلّا، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ الشَّيْءَ، وذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَكُونُ مِنَ اللَّوازِمِ لِإفادَةِ ذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، والقِراءَةُ في ”بُرَآءُ“ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: بُرَآءُ كَشُرَكاءَ، وبِراءٌ كَظِرافٍ، وبُراءُ عَلى إبْدالِ الضَّمِّ مِنَ الكَسْرِ كَرُخالٍ، وبَراءٌ عَلى الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، والبَراءُ والبَراءَةُ، مِثْلُ الطَّماءِ والطَّماءَةِ.
الممتحنة 60:5
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى الحَقِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَيَقُولُوا لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أصابَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَبْسُطْ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ دُونَنا، فَإنَّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ لَهم، وقِيلَ: قَوْلُهُ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً، أيْ عَذابًا أيْ سَبَبًا يُعَذَّبُ بِهِ الكَفَرَةُ، وعَلى هَذا لَيْسَتِ الآيَةُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ الآيَةَ، مِن جُمْلَةِ ما مَرَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ أعادَ ذِكْرَ الأُسْوَةِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ، وهَذا هو الحَثُّ عَنِ الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَبْغَضُونَ مَن خالَفَ اللَّهَ ويُحِبُّونَ مَن أحَبَّ اللَّهَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (لَكم) وبَيانُ أنَّ هَذِهِ الأُسْوَةَ لِمَن يَخافُ اللَّهَ ويَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ يُعْرِضْ عَنِ الِائْتِساءِ بِهِمْ ويَمِيلُ إلى مَوَدَّةِ الكُفّارِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ مُخالَفَةِ أعْدائِهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ إلى أوْلِيائِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: (عَسى اللَّهُ) فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ شَدَّدُوا في عَداوَةِ آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وجَمِيعِ أقارِبِهِمْ والبَراءَةِ مِنهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن كَفّارِ مَكَّةَ (مَوَدَّةً) وذَلِكَ بِمَيْلِهِمْ إلى الإسْلامِ ومُخالَطَتِهِمْ مَعَ أهْلِ الإسْلامِ ومُناكَحَتِهِمْ إيّاهم. وقِيلَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَلانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ عَرِيكَةُ أبِي سُفْيانَ، واسْتَرْخَتْ شَكِيمَتُهُ في العَداوَةِ، وكانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ قَدْ أسْلَمَتْ، وهاجَرَتْ مَعَ زَوْجِها عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلى الحَبَشَةِ، فَتَنَصَّرَ وراوَدَها عَلى النَّصْرانِيَّةِ فَأبَتْ، وصَبَرَتْ عَلى دِينِها، وماتَ زَوْجُها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ، فَخَطَبَها عَلَيْهِ، وساقَ عَنْهُ إلَيْها أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ أباها فَقالَ: ذَلِكَ الفَحْلُ لا يُفْدَغُ أنْفُهُ»، و(عَسى) وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ يُرِيدُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ آمَنُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، مِنهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ، وتَغْيِيرِ الأحْوالِ، وتَسْهِيلِ أسْبابِ المَوَدَّةِ، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ إذا تابُوا وأسْلَمُوا، ورَجَعُوا إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَ بَعْضُهم: لا تَهْجُرُوا كُلَّ الهَجْرِ، فَإنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى الخَفِيّاتِ والسَّرائِرِ. ويُرْوى: «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عَسى أنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما» .
ومِنَ المَباحِثِ في هَذِهِ الحِكْمَةِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ إذا كانَ تَأْوِيلُهُ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا مَثَلًا، فَلِمَ تَرَكَ هَذا، وأتى بِذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: إذا كانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ هَذا، فَإذا أتى بِهِ فَكَأنَّهُ أتى بِهَذا وذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى واحِدٍ مِن تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ.
الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ وقَدْ كانَ الكَلامُ مُرَتَّبًا إذا قِيلَ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فَنَقُولُ: إنَّهم طَلَبُوا البَراءَةَ عَنِ الفِتْنَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الفِتْنَةِ لا
صفحة ٢٦٣
يُمْكِنُ وُجُودُها بِدُونِ المَغْفِرَةِ، إذِ العاصِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مَغْفُورًا كانَ مَقْهُورًا بِقَهْرِ العَذابِ، وذَلِكَ فِتْنَةٌ، إذِ الفِتْنَةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَقْهُورًا، و﴿الحَمِيدُ﴾ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وبِمَعْنى المَحْمُودِ، فالمَحْمُودُ أيْ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِن خَلْقِهِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، والحامِدُ أيْ يَحْمَدُ الخَلْقَ، ويَشْكُرُهم حَيْثُ يَجْزِيهِمْ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَّوابِ عَنِ القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن تَرْكِ انْقِطاعِ المُؤْمِنِينَ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الكُفّارِ رَخَّصَ في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ:
الممتحنة 60:6
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى الحَقِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَيَقُولُوا لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أصابَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَبْسُطْ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ دُونَنا، فَإنَّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ لَهم، وقِيلَ: قَوْلُهُ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً، أيْ عَذابًا أيْ سَبَبًا يُعَذَّبُ بِهِ الكَفَرَةُ، وعَلى هَذا لَيْسَتِ الآيَةُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ الآيَةَ، مِن جُمْلَةِ ما مَرَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ أعادَ ذِكْرَ الأُسْوَةِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ، وهَذا هو الحَثُّ عَنِ الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَبْغَضُونَ مَن خالَفَ اللَّهَ ويُحِبُّونَ مَن أحَبَّ اللَّهَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (لَكم) وبَيانُ أنَّ هَذِهِ الأُسْوَةَ لِمَن يَخافُ اللَّهَ ويَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ يُعْرِضْ عَنِ الِائْتِساءِ بِهِمْ ويَمِيلُ إلى مَوَدَّةِ الكُفّارِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ مُخالَفَةِ أعْدائِهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ إلى أوْلِيائِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: (عَسى اللَّهُ) فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ شَدَّدُوا في عَداوَةِ آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وجَمِيعِ أقارِبِهِمْ والبَراءَةِ مِنهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن كَفّارِ مَكَّةَ (مَوَدَّةً) وذَلِكَ بِمَيْلِهِمْ إلى الإسْلامِ ومُخالَطَتِهِمْ مَعَ أهْلِ الإسْلامِ ومُناكَحَتِهِمْ إيّاهم. وقِيلَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَلانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ عَرِيكَةُ أبِي سُفْيانَ، واسْتَرْخَتْ شَكِيمَتُهُ في العَداوَةِ، وكانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ قَدْ أسْلَمَتْ، وهاجَرَتْ مَعَ زَوْجِها عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلى الحَبَشَةِ، فَتَنَصَّرَ وراوَدَها عَلى النَّصْرانِيَّةِ فَأبَتْ، وصَبَرَتْ عَلى دِينِها، وماتَ زَوْجُها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ، فَخَطَبَها عَلَيْهِ، وساقَ عَنْهُ إلَيْها أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ أباها فَقالَ: ذَلِكَ الفَحْلُ لا يُفْدَغُ أنْفُهُ»، و(عَسى) وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ يُرِيدُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ آمَنُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، مِنهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ، وتَغْيِيرِ الأحْوالِ، وتَسْهِيلِ أسْبابِ المَوَدَّةِ، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ إذا تابُوا وأسْلَمُوا، ورَجَعُوا إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَ بَعْضُهم: لا تَهْجُرُوا كُلَّ الهَجْرِ، فَإنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى الخَفِيّاتِ والسَّرائِرِ. ويُرْوى: «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عَسى أنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما» .
ومِنَ المَباحِثِ في هَذِهِ الحِكْمَةِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ إذا كانَ تَأْوِيلُهُ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا مَثَلًا، فَلِمَ تَرَكَ هَذا، وأتى بِذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: إذا كانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ هَذا، فَإذا أتى بِهِ فَكَأنَّهُ أتى بِهَذا وذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى واحِدٍ مِن تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ.
الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ وقَدْ كانَ الكَلامُ مُرَتَّبًا إذا قِيلَ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فَنَقُولُ: إنَّهم طَلَبُوا البَراءَةَ عَنِ الفِتْنَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الفِتْنَةِ لا
صفحة ٢٦٣
يُمْكِنُ وُجُودُها بِدُونِ المَغْفِرَةِ، إذِ العاصِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مَغْفُورًا كانَ مَقْهُورًا بِقَهْرِ العَذابِ، وذَلِكَ فِتْنَةٌ، إذِ الفِتْنَةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَقْهُورًا، و﴿الحَمِيدُ﴾ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وبِمَعْنى المَحْمُودِ، فالمَحْمُودُ أيْ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِن خَلْقِهِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، والحامِدُ أيْ يَحْمَدُ الخَلْقَ، ويَشْكُرُهم حَيْثُ يَجْزِيهِمْ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَّوابِ عَنِ القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن تَرْكِ انْقِطاعِ المُؤْمِنِينَ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الكُفّارِ رَخَّصَ في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ:
الممتحنة 60:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى الحَقِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِيهِمْ ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ فَيَقُولُوا لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أصابَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَبْسُطْ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ دُونَنا، فَإنَّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ لَهم، وقِيلَ: قَوْلُهُ لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً، أيْ عَذابًا أيْ سَبَبًا يُعَذَّبُ بِهِ الكَفَرَةُ، وعَلى هَذا لَيْسَتِ الآيَةُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ الآيَةَ، مِن جُمْلَةِ ما مَرَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ أعادَ ذِكْرَ الأُسْوَةِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ، فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أيْ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ، وهَذا هو الحَثُّ عَنِ الِائْتِساءِ بِإبْراهِيمَ وقَوْمِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَبْغَضُونَ مَن خالَفَ اللَّهَ ويُحِبُّونَ مَن أحَبَّ اللَّهَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (لَكم) وبَيانُ أنَّ هَذِهِ الأُسْوَةَ لِمَن يَخافُ اللَّهَ ويَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ يُعْرِضْ عَنِ الِائْتِساءِ بِهِمْ ويَمِيلُ إلى مَوَدَّةِ الكُفّارِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ﴾ عَنْ مُخالَفَةِ أعْدائِهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ إلى أوْلِيائِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: (عَسى اللَّهُ) فَقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ شَدَّدُوا في عَداوَةِ آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وجَمِيعِ أقارِبِهِمْ والبَراءَةِ مِنهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن كَفّارِ مَكَّةَ (مَوَدَّةً) وذَلِكَ بِمَيْلِهِمْ إلى الإسْلامِ ومُخالَطَتِهِمْ مَعَ أهْلِ الإسْلامِ ومُناكَحَتِهِمْ إيّاهم. وقِيلَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ، فَلانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ عَرِيكَةُ أبِي سُفْيانَ، واسْتَرْخَتْ شَكِيمَتُهُ في العَداوَةِ، وكانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ قَدْ أسْلَمَتْ، وهاجَرَتْ مَعَ زَوْجِها عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلى الحَبَشَةِ، فَتَنَصَّرَ وراوَدَها عَلى النَّصْرانِيَّةِ فَأبَتْ، وصَبَرَتْ عَلى دِينِها، وماتَ زَوْجُها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ، فَخَطَبَها عَلَيْهِ، وساقَ عَنْهُ إلَيْها أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، وبَلَغَ ذَلِكَ أباها فَقالَ: ذَلِكَ الفَحْلُ لا يُفْدَغُ أنْفُهُ»، و(عَسى) وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ يُرِيدُ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ آمَنُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، مِنهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ، وتَغْيِيرِ الأحْوالِ، وتَسْهِيلِ أسْبابِ المَوَدَّةِ، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ إذا تابُوا وأسْلَمُوا، ورَجَعُوا إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَ بَعْضُهم: لا تَهْجُرُوا كُلَّ الهَجْرِ، فَإنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى الخَفِيّاتِ والسَّرائِرِ. ويُرْوى: «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عَسى أنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما» .
ومِنَ المَباحِثِ في هَذِهِ الحِكْمَةِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ إذا كانَ تَأْوِيلُهُ: لا تُسَلِّطْ عَلَيْنا أعْداءَنا مَثَلًا، فَلِمَ تَرَكَ هَذا، وأتى بِذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: إذا كانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ هَذا، فَإذا أتى بِهِ فَكَأنَّهُ أتى بِهَذا وذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى واحِدٍ مِن تِلْكَ التَّأْوِيلاتِ.
الثّانِي: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا﴾ وقَدْ كانَ الكَلامُ مُرَتَّبًا إذا قِيلَ: لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فَنَقُولُ: إنَّهم طَلَبُوا البَراءَةَ عَنِ الفِتْنَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الفِتْنَةِ لا
صفحة ٢٦٣
يُمْكِنُ وُجُودُها بِدُونِ المَغْفِرَةِ، إذِ العاصِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مَغْفُورًا كانَ مَقْهُورًا بِقَهْرِ العَذابِ، وذَلِكَ فِتْنَةٌ، إذِ الفِتْنَةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَقْهُورًا، و﴿الحَمِيدُ﴾ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وبِمَعْنى المَحْمُودِ، فالمَحْمُودُ أيْ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِن خَلْقِهِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، والحامِدُ أيْ يَحْمَدُ الخَلْقَ، ويَشْكُرُهم حَيْثُ يَجْزِيهِمْ بِالكَثِيرِ مِنَ الثَّوابِ عَنِ القَلِيلِ مِنَ الأعْمالِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما ذَكَرَ مِن تَرْكِ انْقِطاعِ المُؤْمِنِينَ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الكُفّارِ رَخَّصَ في صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوهم مِنَ الكُفّارِ فَقالَ:
الممتحنة 60:8
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهم أهْلُ العَهْدِ الَّذِينَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى تَرْكِ القِتالِ، والمُظاهَرَةِ في العَداوَةِ، وهم خُزاعَةُ كانُوا عاهَدُوا الرَّسُولَ عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ ولا يُخْرِجُوهُ، فَأمَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبِرِّ والوَفاءِ إلى مُدَّةِ أجَلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والمُقاتِلَيْنِ والكَلْبِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، وقِيلَ: هُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أنَّها نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قَدِمَتْ أُمُّها قُتَيْلَةُ عَلَيْها وهي مُشْرِكَةٌ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْها ولَمْ تَأْذَنْ لَها بِالدُّخُولِ، فَأمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تُدْخِلَها وتَقْبَلَ مِنها وتُكْرِمَها وتَحْسُنَ إلَيْها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ أُخْرِجُوا يَوْمَ بَدْرٍ كُرْهًا، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ المُسْلِمِينَ اسْتَأْمَرُوا رَسُولَ اللَّهِ في أقْرِبائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَصِلُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ، وقالَ قَتادَةُ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ والمَعْنى: لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ، وهَذا رَحْمَةٌ لَهم لِشِدَّتِهِمْ في العَداوَةِ، وقالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ البِرِّ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بِالصِّلَةِ وغَيْرِها ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ يُرِيدُ أهْلَ البِرِّ والتَّواصُلِ، وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ تُوفُوا لَهم بِعَهْدِهِمْ وتَعْدِلُوا، ثُمَّ ذَكَرَ مَنِ الَّذِينَ يَنْهاهم عَنْ صِلَتِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ﴾ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّهُ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ .
الممتحنة 60:9
﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهم أهْلُ العَهْدِ الَّذِينَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى تَرْكِ القِتالِ، والمُظاهَرَةِ في العَداوَةِ، وهم خُزاعَةُ كانُوا عاهَدُوا الرَّسُولَ عَلى أنْ لا يُقاتِلُوهُ ولا يُخْرِجُوهُ، فَأمَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبِرِّ والوَفاءِ إلى مُدَّةِ أجَلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والمُقاتِلَيْنِ والكَلْبِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، وقِيلَ: هُمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أنَّها نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قَدِمَتْ أُمُّها قُتَيْلَةُ عَلَيْها وهي مُشْرِكَةٌ بِهَدايا، فَلَمْ تَقْبَلْها ولَمْ تَأْذَنْ لَها بِالدُّخُولِ، فَأمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تُدْخِلَها وتَقْبَلَ مِنها وتُكْرِمَها وتَحْسُنَ إلَيْها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ أُخْرِجُوا يَوْمَ بَدْرٍ كُرْهًا، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ المُسْلِمِينَ اسْتَأْمَرُوا رَسُولَ اللَّهِ في أقْرِبائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَصِلُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ، وقالَ قَتادَةُ نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ وكَذَلِكَ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ﴾ والمَعْنى: لا يَنْهاكم عَنْ مَبَرَّةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما يَنْهاكم عَنْ تَوَلِّي هَؤُلاءِ، وهَذا رَحْمَةٌ لَهم لِشِدَّتِهِمْ في العَداوَةِ، وقالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ البِرِّ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُسْلِمِينَ، وإنْ كانَتِ المُوالاةُ مُنْقَطِعَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ بِالصِّلَةِ وغَيْرِها ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ يُرِيدُ أهْلَ البِرِّ والتَّواصُلِ، وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ تُوفُوا لَهم بِعَهْدِهِمْ وتَعْدِلُوا، ثُمَّ ذَكَرَ مَنِ الَّذِينَ يَنْهاهم عَنْ صِلَتِهِمْ فَقالَ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ﴾ ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّهُ يُؤَكِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ .
الممتحنة 60:10
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
فِي نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ، وهو أنَّ المُعانِدَ لا يَخْلُو مِن أحَدِ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ، إمّا أنْ يَسْتَمِرَّ عِنادُهُ، أوْ يُرْجى مِنهُ أنْ يَتْرُكَ العِنادَ، أوْ يَتْرُكَ العِنادَ ويَسْتَسْلِمَ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أحْوالَهم، وأمَرَ المُسْلِمِينَ أنْ يُعامِلُوهم في كُلِّ حالَةٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحالُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] فَهو إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّالِثَةِ، ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ وتَنْبِيهٌ وحَثٌّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، لِأنَّهُ تَعالى ما أمَرَ المُؤْمِنِينَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثِ بِالجَزاءِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وبِالكَلامِ إلّا بِالَّذِي هو ألْيَقُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى سَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ لِصُدُورِ ما يَقْتَضِي الإيمانَ وهو كَلِمَةُ الشَّهادَةِ مِنهُنَّ، ولَمْ يَظْهَرْ مِنهُنَّ ما هو المُنافِي لَهُ، أوْ لِأنَّهُنَّ مُشارِفاتٌ لِثَباتِ إيمانِهِنَّ بِالِامْتِحانِ، وهو الِابْتِلاءُ بِالحَلِفِ، والحَلِفُ لِأجْلِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإيمانِهِنَّ، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِلْمُمْتَحِنَةِ: ”بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما خَرَجْتِ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ رَغْبَةً مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ التِماسَ دُنْيا، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ“» وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ مِنكم واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ الغالِبِ بِالحَلِفِ وغَيْرِهِ، ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ أيْ تَرُدُّوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ أيْ أعْطُوا أزْواجَهُنَّ مِثْلَ ما دَفَعُوا إلَيْهِنَّ مِنَ المُهُورِ، وذَلِكَ «أنَّ الصُّلْحَ عامَ الحُدَيْبِيَةَ كانَ عَلى أنَّ مَن أتاكم مِن أهْلِ مَكَّةَ» يُرَدُّ إلَيْهِمْ، ومَن أتى مَكَّةَ مِنكم لَمْ يُرَدَّ إلَيْكم، وكَتَبُوا بِذَلِكَ العَهْدِ كِتابًا وخَتَمُوهُ، فَجاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً والنَّبِيُّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَأقْبَلَ زَوْجُها مُسافِرٌ المَخْزُومِيُّ، وقِيلَ: صَيْفِيُّ بْنُ الرّاهِبِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأتِي فَإنَّكَ قَدْ شَرَطْتَ لَنا شَرْطًا أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن أتاكَ مِنّا، وهَذِهِ طَيَّةُ الكِتابِ لَمْ تَجِفَّ، فَنَزَلَتْ بَيانًا لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما كانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. «وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّها جاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهي عاتِقٌ، فَجاءَ أهْلُها يَطْلُبُونَ مِن رَسُولِ
صفحة ٢٦٥
اللَّهِ ﷺ أنْ يُرْجِعَها إلَيْهِمْ، وكانَتْ هَرَبَتْ مِن زَوْجِها عَمْرِو بْنِ العاصِ ومَعَها أخَواها عُمارَةُ والوَلِيدُ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخَوَيْها وحَبَسَها، فَقالُوا: ارْدُدْها عَلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”كانَ الشَّرْطُ في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ“» وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ «العَهْدَ كانَ إنْ يَأْتِكَ مِنّا امْرَأةٌ لَيْسَتْ عَلى دِينِكَ إلّا رَدَدْتَها إلَيْنا، وإنْ دَخَلَتْ في دِينِكَ ولَها زَوْجٌ رُدَّتْ عَلى زَوْجِها الَّذِي أنْفَقَ عَلَيْها، ولِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّرْطِ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا الحُكْمُ وهَذا العَهْدُ، واسْتَحْلَفَها الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَلَفَتْ وأعْطى زَوْجَها ما أنْفَقَ، ثُمَّ تَزَوَّجَها عُمَرُ»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ مُهُورَهُنَّ إذِ المَهْرُ أجْرُ البُضْعِ ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ والعِصْمَةُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ مِن عَهْدٍ وغَيْرِهِ، ولا عِصْمَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ ولا عَلَقَةَ النِّكاحِ كَذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اخْتِلافَ الدّارَيْنِ يَقْطَعُ العِصْمَةَ، وقِيلَ: لا تَقْعُدُوا لِلْكَوافِرِ، وقُرِئَ: تُمْسِكُوا، بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، وتُمْسِكُوا أيْ ولا تَتَمَسَّكُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ﴾ وهو إذا لَحِقَتِ امْرَأةٌ مِنكم بِأهْلِ العَهْدِ مِنَ الكُفّارِ مُرْتَدَّةً فاسْألُوهم ما أنْفَقْتُمْ مِنَ المَهْرِ إذا مَنَعُوها ولَمْ يَدْفَعُوها إلَيْكم فَعَلَيْهِمْ أنْ يَغْرَمُوا صَداقَها كَما يُغْرَمُ لَهم وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ أمْرٌ بِمَعْنى الوُجُوبِ، أوْ بِمَعْنى النَّدْبِ، أوْ بِغَيْرِ هَذا وذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: هو بِمَعْنى الِاسْتِحْبابِ.
الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن غَيْرِ شَكٍّ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنْ لا سَبِيلَ إلى ما تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ مِنَ الإحاطَةِ بِحَقِيقَةِ إيمانِهِنَّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ.
الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ دُونَ الآخَرِ ؟ نَقُولُ: هَذا بِاعْتِبارِ الإيمانِ مِن جانِبِهِنَّ ومِن جانِبِهِمْ إذِ الإيمانُ مِنَ الجانِبَيْنِ شَرْطٌ لِلْحِلِّ؛ ولِأنَّ الذِّكْرَ مِنَ الجانِبَيْنِ مُؤَكَّدٌ لِارْتِفاعِ الحِلِّ، وفِيهِ مِنَ الإفادَةِ ما لا يَكُونُ في غَيْرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنْ يَكْفِي قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ أحَدُهُما لِلْآخَرِ فَلا حاجَةَ إلى الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، والمَقْصُودُ هَذا لا غَيْرُ. نَقُولُ: التَّلَفُّظُ بِهَذا اللَّفْظِ لا يُفِيدُ ارْتِفاعَ الحِلِّ مِنَ الجانِبَيْنِ بِخِلافِ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ وهَذا ظاهِرٌ.
البَحْثُ الرّابِعُ: كَيْفَ سَمّى الظَّنَّ عِلْمًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ ؟ نَقُولُ: إنَّهُ مِن بابِ أنَّ الظَّنَّ الغالِبَ وما يُفْضِي إلَيْهِ الِاجْتِهادُ، والقِياسُ جارٍ مَجْرى العِلْمِ، وأنَّ صاحِبَهُ غَيْرُ داخِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] .
الممتحنة 60:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .
رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ومَسْرُوقٍ أنَّ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَسْألَ المُسْلِمُونَ مِنَ الكُفّارِ مَهْرَ المَرْأةِ المُسْلِمَةِ
صفحة ٢٦٦
إذا صارَتْ إلَيْهِمْ، ويَسْألَ الكُفّارُ مِنَ المُسْلِمِينَ مَهْرَ مَن صارَتْ إلَيْنا مِن نِسائِهِمْ مَسْلَمَةً، فَأقَرَّ المُسْلِمُونَ بِحُكْمِ اللَّهِ وأبى المُشْرِكُونَ فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ﴾ أيْ سَبَقَكم وانْفَلَتَ مِنكم، قالَ الحَسَنُ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ ارْتَدَّتْ وتَرَكَتْ زَوْجَها عَبّاسَ بْنَ تَمِيمٍ القُرَشِيَّ، ولَمْ تَرْتَدَّ امْرَأةٌ مِن غَيْرِ قُرَيْشٍ غَيْرُها، ثُمَّ عادَتْ إلى الإسْلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أيْ فَغَنِمْتُمْ، عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٍ ومُقاتِلٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أصَبْتُمْ مِنهم عُقْبى، وقالَ المُبَرِّدُ ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ أيْ فَعَلْتُمْ ما فُعِلَ بِكم يَعْنِي ظَفَرْتُمْ، وهو مِن قَوْلِكَ: العُقْبى لِفُلانٍ، أيِ العاقِبَةُ، وتَأْوِيلُ العاقِبَةِ الكَرَّةُ الأخِيرَةُ، ومَعْنى عاقَبْتُمْ: غَزَوْتُمْ مُعاقِبِينَ غَزْوًا بَعْدَ غَزْوٍ، وقِيلَ: كانَتِ العُقْبى لَكم والغَلَبَةُ، فَأعْطُوا الأزْواجَ مِن رَأْسِ الغَنِيمَةِ ما أنْفَقُوا عَلَيْهِنَّ مِنَ المَهْرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾، وقُرِئَ: فَأعْقَبْتُمْ، وفَعَقَّبْتُمْ بِالتَّشْدِيدِ، وفَعَقَبْتُمْ بِالتَّخْفِيفِ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها.
الممتحنة 60:12
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَرَغَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِن بَيْعَةِ الرِّجالِ أخَذَ في بَيْعَةِ النِّساءِ وهو عَلى الصَّفا وعُمَرُ أسْفَلُ مِنهُ يُبايِعُ النِّساءَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُبَلِّغُهُنَّ عَنْهُ، وهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأةُ أبِي سُفْيانَ مُتَقَنِّعَةٌ مُتَنَكِّرَةٌ خَوْفًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَعْرِفَها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أُبايِعُكُنَّ عَلى أنْ لا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَرَفَعَتْ هِنْدُ رَأسَها وقالَتْ: واللَّهِ لَقَدْ عَبَدْنا الأصْنامَ وإنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيْنا أمْرًا ما رَأيْناكَ أخَذْتَهُ عَلى الرِّجالِ، تُبايِعُ الرِّجالَ عَلى الإسْلامِ والجِهادِ فَقَطْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ولا تَسْرِقْنَ، فَقالَتْ هِنْدُ: إنَّ أبا سُفْيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وإنِّي أصَبْتُ مِن مالِهِ هَناةً فَما أدْرِي أتَحِلُّ لِي أمْ لا ؟ فَقالَ: أبُو سُفْيانَ ما أصَبْتِ مِن شَيْءٍ فِيما مَضى وفِيما غَبَرَ فَهو لَكِ حَلالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَرَفَها، فَقالَ لَها: وإنَّكِ لَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، قالَتْ: نَعَمْ فاعْفُ عَمّا سَلَفَ يا نَبِيَّ اللَّهِ عَفا اللَّهُ عَنْكَ، فَقالَ: ولا تَزْنِينَ، فَقالَتْ: أتَزْنِ الحُرَّةُ، وفي رِوايَةٍ ما زَنَتْ مِنهُنَّ امْرَأةٌ قَطُّ، فَقالَ: ولا تَقْتُلْنَ أوْلادَكُنَّ، فَقالَتْ: رَبَّيْناهم صِغارًا وقَتَلْتَهم كِبارًا، فَأنْتُمْ وهم أعْلَمُ، وكانَ ابْنُها حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَضَحِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى اسْتَلْقى، وتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ولا تَأْتِينَ بِبُهْتانٍ تَفْتَرِينَهُ، وهو أنْ تَقْذِفَ عَلى زَوْجِها ما لَيْسَ مِنهُ، فَقالَتْ هِنْدُ: واللَّهِ إنَّ البُهْتانَ لَأمْرٌ قَبِيحٌ وما تَأْمُرُنا إلّا بِالرُّشْدِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فَقالَ: ولا تَعْصِينَنِي في مَعْرُوفٍ، فَقالَتْ: واللَّهِ ما جَلَسْنا مَجْلِسَنا هَذا وفي أنْفُسِنا أنْ نَعْصِيَكَ في شَيْءٍ“» وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنِ الخِيانَةِ في الأمْوالِ والنُّقْصانِ مِنَ العِبادَةِ، فَإنَّهُ يُقالُ: أسْرَقُ مِنَ السّارِقِ مَن سَرَقَ مِن صِلاتِهِ: ﴿ولا يَزْنِينَ﴾ يَحْتَمِلُ حَقِيقَةَ الزِّنا ودَواعِيَهُ أيْضًا عَلى ما قالَ ﷺ: ”«اليَدانِ تَزْنِيانِ، والعَيْنانِ
صفحة ٢٦٧
تَزْنِيانِ، والرِّجْلانِ والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» “ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ أرادَ وأْدَ البَناتِ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ هو عامٌّ في كُلِّ نَوْعٍ مِن قَتْلِ الوَلَدِ وغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ﴾ نَهى عَنِ النَّمِيمَةِ أيْ لا تَنِمُّ إحْداهُنَّ عَلى صاحِبِها فَيُورِثُ القَطِيعَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ إلْحاقِ الوَلَدِ بِأزْواجِهِنَّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تُلْحِقُ بِزَوْجِها ولَدًا لَيْسَ مِنهُ، قالَ الفَرّاءُ: كانَتِ المَرْأةُ تَلْتَقِطُ المَوْلُودَ فَتَقُولُ لِزَوْجِها: هَذا ولَدِي مِنكَ فَذَلِكَ البُهْتانُ المُفْتَرى بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ، وذَلِكَ أنَّ الوَلَدَ إذا وضَعَتْهُ الأُمُّ سَقَطَ بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها، ولَيْسَ المَعْنى نَهْيَهُنَّ عَنِ الزِّنا، لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الزِّنا قَدْ تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ أيْ كُلِّ أمْرٍ وافَقَ طاعَةَ اللَّهِ، وقِيلَ: في أمْرِ بِرٍّ وتَقْوًى، وقِيلَ في كُلِّ أمْرٍ فِيهِ رُشْدٌ، أيْ ولا يَعْصِينَكَ في جَمِيعِ أمْرِكَ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والكَلْبِيُّ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ أيْ مِمّا تَأْمُرُهُنَّ بِهِ وتَنْهاهُنَّ عَنْهُ، كالنَّوْحِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ، وجَزِّ الشَّعْرِ ونَتْفِهِ، وشَقِّ الجَيْبِ، وخَمْشِ الوَجْهِ، ولا تُحَدِّثُ الرِّجالَ إلّا إذا كانَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ولا تَخْلُو بِرَجُلٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ، ولا تُسافِرُ إلّا مَعَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ومِنهم مَن خَصَّ هَذا المَعْرُوفَ بِالنَّوْحِ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: ”«أرْبَعٌ في أُمَّتِي مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأحْسابِ، والطَّعْنُ في الأنْسابِ، والِاسْتِقاءُ بِالنُّجُومِ، والنِّياحَةُ» “ وقالَ: ”«النّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها تُقامُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَيْها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ ودِرْعٌ مِن جَرَبٍ» “ وقالَ ﷺ: ”«لَيْسَ مِنّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ وشَقَّ الجُيُوبَ ودَعا بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ» “ وقَوْلُهُ: ﴿فَبايِعْهُنَّ﴾ جَوابُ إذا، أيْ إذا بايَعْنَكَ عَلى هَذِهِ الشَّرائِطِ فَبايِعْهُنَّ، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ المُبايَعَةِ، فَقالُوا: كانَ يُبايِعُهُنَّ وبَيْنَ أيْدِيهِنَّ ثَوْبٌ، وقِيلَ: كانَ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِنَّ البَيْعَةَ وعُمْرُ يُصافِحُهُنَّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقِيلَ: بِالكَلامِ، وقِيلَ: دَعا بِقَدَحٍ مِن ماءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ، ثُمَّ غَمَسْنَ أيْدِيَهُنَّ فِيهِ، وما مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فامْتَحِنُوهُنَّ، كَما قالَ في المُهاجِراتِ.
والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِامْتِحانَ حاصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ﴾ إلى آخِرِهِ.
وثانِيهِما: أنَّ المُهاجِراتِ يَأْتِينَ مِن دارِ الحَرْبِ فَلا اطِّلاعَ لَهُنَّ عَلى الشَّرائِعِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِامْتِحانِ، وأمّا المُؤْمِناتُ فَهُنَّ في دارِ الإسْلامِ وعَلِمْنَ الشَّرائِعَ فَلا حاجَةَ إلى الِامْتِحانِ.
الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ وما وجْهُهُ ؟ نَقُولُ: مَن قالَ: المَرْأةُ إذا التَقَطَتْ ولَدًا، فَإنَّما التَقَطَتْ بِيَدِها، ومَشَتْ إلى أخْذِهِ بِرِجْلِها، فَإذا أضافَتْهُ إلى زَوْجِها فَقَدْ أتَتْ بِبُهْتانٍ تَفْتَرِيهِ بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها، وقِيلَ: يَفْتَرِينَهُ عَلى أنْفُسِهِنَّ، حَيْثُ يَقُلْنَ: هَذا ولَدُنا ولَيْسَ كَذَلِكَ، إذِ الوَلَدُ ولَدُ الزِّنا، وقِيلَ: الوَلَدُ إذا وضَعَتْهُ أُمُّهُ سَقَطَ بَيْنَ يَدَيْها ورِجْلَيْها.
الثّالِثُ: ما وجْهُ التَّرْتِيبِ في الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وتَقْدِيمِ البَعْضِ مِنها عَلى البَعْضِ في الآيَةِ ؟ نَقُولُ: قَدَّمَ الأقْبَحَ عَلى ما هو الأدْنى مِنهُ في القُبْحِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلى آخِرِهِ، وقِيلَ: قَدَّمَ مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ ما هو الأظْهَرُ فِيما بَيْنَهم.
الممتحنة 60:13
صفحة ٢٦٨
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ، يَقُولُ: لا تَتَوَلَّوُا اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعًا مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ كانُوا يُخْبِرُونَ اليَهُودَ أخْبارَ المُسْلِمِينَ لِحاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ويَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ، يَعْنِي أنَّ اليَهُودَ كَذَّبَتْ مُحَمَّدًا ﷺ، وهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهم أفْسَدُوا آخِرَتَهم بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ. فَهم يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ، والتَّقْيِيدُ بِهَذا القَيْدِ ظاهِرٌ، لِأنَّهم إذا ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ كانَ العِلْمُ بِخِذْلانِهِمْ وعَدَمِ حَظِّهِمْ في الآخِرَةِ قَطْعِيًّا، وهَذا هو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وجَماعَةٍ، يَعْنِي الكُفّارَ الَّذِينَ ماتُوا يَئِسُوا مِنَ الجَنَّةِ، ومِن أنْ يَكُونَ لَهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ، وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي الأحْياءَ مِنَ الكُفّارِ يَئِسُوا مِنَ الأمْواتِ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: يَئِسَ اليَهُودُ الَّذِينَ عانَدُوا النَّبِيَّ ﷺ كَما يَئِسَ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ مِن مَوْتاهم.
والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ.
الصف 61:1
صفحة ٢٦٩
(سُورَةُ الصَّفِّ)
أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾
وجْهُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَها هو أنَّ في تِلْكَ السُّورَةِ بَيانَ الخُرُوجِ جِهادًا في سَبِيلِ اللَّهِ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ [الممتحنة: ١] وفي هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ ما يَحْمِلُ أهْلَ الإيمانِ ويَحُثُّهم عَلى الجِهادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ وأمّا الأوَّلُ بِالآخِرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ كانَ الكَفَرَةُ بِجَهْلِهِمْ يَصْفُونَ لِحَضْرَتِنا المُقَدَّسَةِ بِما لا يَلِيقُ بِالحَضْرَةِ، فَقَدْ كانَتِ المَلائِكَةُ وغَيْرُهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ يُسَبِّحُونَ لِحَضْرَتِنا، كَما قالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ شَهِدَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ و(العَزِيزُ) مَن عَزَّ إذا غَلَبَ، وهو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى غَيْرِهِ أيَّ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
و﴿الحَكِيمُ﴾ مَن حَكَمَ عَلى الشَّيْءِ إذا قَضى عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يَحْكُمُ عَلى غَيْرِهِ، أيَّ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ إذَنْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في البَعْضِ مِنَ السُّورِ: سَبَّحَ لِلَّهِ، وفي البَعْضِ: يُسَبِّحُ، وفي البَعْضِ: سَبِّحْ بِصِيغَةِ الأمْرِ، لِيُعْلَمَ أنَّ تَسْبِيحَ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ لِما أنَّ الماضِيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الماضِي مِنَ الزَّمانِ، والمُسْتَقْبَلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ، والأمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ أحَبُّوا أنْ يَعْمَلُوا بِأحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ و﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ﴾ فَأحَبُّوا الحَياةَ وتَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:
صفحة ٢٧٠
﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ في حَقِّ مَن يَقُولُ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ ولَمْ يَطْعَنْ، وفَعَلْتُ ولَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: إنَّها في حَقِّ أهْلِ النِّفاقِ في القِتالِ، لِأنَّهم تَمَنَّوُا القِتالَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ قالُوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ [النساء: ٧٧] وقِيلَ: إنَّها في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِأنَّهم قَدِ اعْتَقَدُوا الوَفاءَ بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ والِاسْتِسْلامِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ. فَإذا لَمْ يُوجَدِ الوَفاءُ بِما وعَدَهم خِيفَ عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَلَّةٍ أنْ يَدْخُلُوا في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ قالَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةٍ أُخْرى، وهَذا هو التَّكْرارُ، والتَّكْرارُ عَيْبٌ، فَكَيْفَ هو ؟ فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَرَّرَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ غَيْرُ مُكَرَّرٍ لِأنَّ ما وُجِدَ مِنهُ التَّسْبِيحُ عِنْدَ وُجُودِ العالَمِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى فَهو غَيْرُ ما وُجِدَ مِنهُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ وُجُودِ العالَمِ، وكَذا عِنْدَ وُجُودِ آدَمَ وبَعْدَ وُجُودِهِ.
الثّانِي: قالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَبَّحَ لِلَّهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما فِيهِما، مَعَ أنَّ في هَذا مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ، التَّسْبِيحَ بِلِسانِ الحالِ مُطْلَقًا، أمّا إذا كانَ المُرادُ هو التَّسْبِيحَ المَخْصُوصَ فالبَعْضُ يُوصَفُ كَذا، فَلا يَكُونُ كَما ذَكَرْتُمْ.
الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”لِمَ“ هي لامُ الإضافَةِ داخِلَةٌ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ كَما دَخَلَ عَلَيْها غَيْرُها مِن حُرُوفِ الجَرِّ في قَوْلِكَ: بِمَ وفِيمَ وعَمَّ ومِمَّ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ لِأنَّ ما والحَرْفَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ وقَعَ اسْتِعْمالُها في كَلامِ المُسْتَفْهِمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ واقِعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وهو عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَنَقُولُ: هَذا إذا كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ طَلَبَ الفَهْمِ، أمّا إذا كانَ المُرادُ إلْزامَ مَن أعْرَضَ عَنِ الوَفاءِ بِما وعَدَ أوْ أنْكَرَ الحَقَّ وأصَرَّ عَلى الباطِلِ فَلا.
الصف 61:2
صفحة ٢٦٩
(سُورَةُ الصَّفِّ)
أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾
وجْهُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَها هو أنَّ في تِلْكَ السُّورَةِ بَيانَ الخُرُوجِ جِهادًا في سَبِيلِ اللَّهِ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ [الممتحنة: ١] وفي هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ ما يَحْمِلُ أهْلَ الإيمانِ ويَحُثُّهم عَلى الجِهادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ وأمّا الأوَّلُ بِالآخِرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ كانَ الكَفَرَةُ بِجَهْلِهِمْ يَصْفُونَ لِحَضْرَتِنا المُقَدَّسَةِ بِما لا يَلِيقُ بِالحَضْرَةِ، فَقَدْ كانَتِ المَلائِكَةُ وغَيْرُهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ يُسَبِّحُونَ لِحَضْرَتِنا، كَما قالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ شَهِدَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ و(العَزِيزُ) مَن عَزَّ إذا غَلَبَ، وهو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى غَيْرِهِ أيَّ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
و﴿الحَكِيمُ﴾ مَن حَكَمَ عَلى الشَّيْءِ إذا قَضى عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يَحْكُمُ عَلى غَيْرِهِ، أيَّ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ إذَنْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في البَعْضِ مِنَ السُّورِ: سَبَّحَ لِلَّهِ، وفي البَعْضِ: يُسَبِّحُ، وفي البَعْضِ: سَبِّحْ بِصِيغَةِ الأمْرِ، لِيُعْلَمَ أنَّ تَسْبِيحَ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ لِما أنَّ الماضِيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الماضِي مِنَ الزَّمانِ، والمُسْتَقْبَلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ، والأمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ أحَبُّوا أنْ يَعْمَلُوا بِأحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ و﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ﴾ فَأحَبُّوا الحَياةَ وتَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:
صفحة ٢٧٠
﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ في حَقِّ مَن يَقُولُ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ ولَمْ يَطْعَنْ، وفَعَلْتُ ولَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: إنَّها في حَقِّ أهْلِ النِّفاقِ في القِتالِ، لِأنَّهم تَمَنَّوُا القِتالَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ قالُوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ [النساء: ٧٧] وقِيلَ: إنَّها في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِأنَّهم قَدِ اعْتَقَدُوا الوَفاءَ بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ والِاسْتِسْلامِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ. فَإذا لَمْ يُوجَدِ الوَفاءُ بِما وعَدَهم خِيفَ عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَلَّةٍ أنْ يَدْخُلُوا في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ قالَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةٍ أُخْرى، وهَذا هو التَّكْرارُ، والتَّكْرارُ عَيْبٌ، فَكَيْفَ هو ؟ فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَرَّرَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ غَيْرُ مُكَرَّرٍ لِأنَّ ما وُجِدَ مِنهُ التَّسْبِيحُ عِنْدَ وُجُودِ العالَمِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى فَهو غَيْرُ ما وُجِدَ مِنهُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ وُجُودِ العالَمِ، وكَذا عِنْدَ وُجُودِ آدَمَ وبَعْدَ وُجُودِهِ.
الثّانِي: قالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَبَّحَ لِلَّهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما فِيهِما، مَعَ أنَّ في هَذا مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ، التَّسْبِيحَ بِلِسانِ الحالِ مُطْلَقًا، أمّا إذا كانَ المُرادُ هو التَّسْبِيحَ المَخْصُوصَ فالبَعْضُ يُوصَفُ كَذا، فَلا يَكُونُ كَما ذَكَرْتُمْ.
الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”لِمَ“ هي لامُ الإضافَةِ داخِلَةٌ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ كَما دَخَلَ عَلَيْها غَيْرُها مِن حُرُوفِ الجَرِّ في قَوْلِكَ: بِمَ وفِيمَ وعَمَّ ومِمَّ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ لِأنَّ ما والحَرْفَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ وقَعَ اسْتِعْمالُها في كَلامِ المُسْتَفْهِمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ واقِعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وهو عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَنَقُولُ: هَذا إذا كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ طَلَبَ الفَهْمِ، أمّا إذا كانَ المُرادُ إلْزامَ مَن أعْرَضَ عَنِ الوَفاءِ بِما وعَدَ أوْ أنْكَرَ الحَقَّ وأصَرَّ عَلى الباطِلِ فَلا.
الصف 61:3
صفحة ٢٦٩
(سُورَةُ الصَّفِّ)
أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾
﷽
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾
وجْهُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَها هو أنَّ في تِلْكَ السُّورَةِ بَيانَ الخُرُوجِ جِهادًا في سَبِيلِ اللَّهِ وابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ [الممتحنة: ١] وفي هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ ما يَحْمِلُ أهْلَ الإيمانِ ويَحُثُّهم عَلى الجِهادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ وأمّا الأوَّلُ بِالآخِرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ كانَ الكَفَرَةُ بِجَهْلِهِمْ يَصْفُونَ لِحَضْرَتِنا المُقَدَّسَةِ بِما لا يَلِيقُ بِالحَضْرَةِ، فَقَدْ كانَتِ المَلائِكَةُ وغَيْرُهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ يُسَبِّحُونَ لِحَضْرَتِنا، كَما قالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ شَهِدَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ جَمِيعُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ و(العَزِيزُ) مَن عَزَّ إذا غَلَبَ، وهو الَّذِي يَغْلِبُ عَلى غَيْرِهِ أيَّ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
و﴿الحَكِيمُ﴾ مَن حَكَمَ عَلى الشَّيْءِ إذا قَضى عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يَحْكُمُ عَلى غَيْرِهِ، أيَّ شَيْءٍ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ إذَنْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في البَعْضِ مِنَ السُّورِ: سَبَّحَ لِلَّهِ، وفي البَعْضِ: يُسَبِّحُ، وفي البَعْضِ: سَبِّحْ بِصِيغَةِ الأمْرِ، لِيُعْلَمَ أنَّ تَسْبِيحَ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ لِما أنَّ الماضِيَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الماضِي مِنَ الزَّمانِ، والمُسْتَقْبَلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ، والأمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الحالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الَّذِينَ أحَبُّوا أنْ يَعْمَلُوا بِأحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ و﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ﴾ فَأحَبُّوا الحَياةَ وتَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى:
صفحة ٢٧٠
﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ في حَقِّ مَن يَقُولُ: قاتَلْتُ ولَمْ يُقاتِلْ، وطَعَنْتُ ولَمْ يَطْعَنْ، وفَعَلْتُ ولَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: إنَّها في حَقِّ أهْلِ النِّفاقِ في القِتالِ، لِأنَّهم تَمَنَّوُا القِتالَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ قالُوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ [النساء: ٧٧] وقِيلَ: إنَّها في حَقِّ كُلِّ مُؤْمِنٍ، لِأنَّهم قَدِ اعْتَقَدُوا الوَفاءَ بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ والِاسْتِسْلامِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ. فَإذا لَمْ يُوجَدِ الوَفاءُ بِما وعَدَهم خِيفَ عَلَيْهِمْ في كُلِّ زَلَّةٍ أنْ يَدْخُلُوا في هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ قالَهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةٍ أُخْرى، وهَذا هو التَّكْرارُ، والتَّكْرارُ عَيْبٌ، فَكَيْفَ هو ؟ فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَرَّرَهُ لِيُعْلَمَ أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ غَيْرُ مُكَرَّرٍ لِأنَّ ما وُجِدَ مِنهُ التَّسْبِيحُ عِنْدَ وُجُودِ العالَمِ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى فَهو غَيْرُ ما وُجِدَ مِنهُ التَّسْبِيحُ بَعْدَ وُجُودِ العالَمِ، وكَذا عِنْدَ وُجُودِ آدَمَ وبَعْدَ وُجُودِهِ.
الثّانِي: قالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَبَّحَ لِلَّهِ السَّماواتُ والأرْضُ وما فِيهِما، مَعَ أنَّ في هَذا مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانَ المُرادُ مِنَ التَّسْبِيحِ، التَّسْبِيحَ بِلِسانِ الحالِ مُطْلَقًا، أمّا إذا كانَ المُرادُ هو التَّسْبِيحَ المَخْصُوصَ فالبَعْضُ يُوصَفُ كَذا، فَلا يَكُونُ كَما ذَكَرْتُمْ.
الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”لِمَ“ هي لامُ الإضافَةِ داخِلَةٌ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ كَما دَخَلَ عَلَيْها غَيْرُها مِن حُرُوفِ الجَرِّ في قَوْلِكَ: بِمَ وفِيمَ وعَمَّ ومِمَّ، وإنَّما حُذِفَتِ الألِفُ لِأنَّ ما والحَرْفَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ وقَعَ اسْتِعْمالُها في كَلامِ المُسْتَفْهِمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ واقِعًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ والِاسْتِفْهامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وهو عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، فَنَقُولُ: هَذا إذا كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ طَلَبَ الفَهْمِ، أمّا إذا كانَ المُرادُ إلْزامَ مَن أعْرَضَ عَنِ الوَفاءِ بِما وعَدَ أوْ أنْكَرَ الحَقَّ وأصَرَّ عَلى الباطِلِ فَلا.
الصف 61:4
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾
والمَقْتُ هو البُغْضُ، ومَنِ اسْتَوْجَبَ مَقْتَ اللَّهِ لَزِمَهُ العَذابُ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ المَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ وأبْلَغُهُ وأفْحَشُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: ”أنْ“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ و: ”مَقْتًا“ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَعْنى: كَبُرَ قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةً) [الكهف: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾
قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُقاتَلُونَ بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَ يَقْتُلُونَ أيْ يَصُفُّونَ صَفًّا، والمَعْنى يَصُفُّونَ أنْفُسَهم عِنْدَ القِتالِ كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، قالَ الفَرّاءُ: مَرْصُوصٌ بِالرَّصاصِ، يُقالُ: رَصَصْتُ البِناءَ إذا لاءَمْتُ بَيْنَهُ وقارَبْتُ حَتّى يَصِيرَ كَقِطْعَةٍ واحِدَةٍ، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: رَصَصْتُ البِناءَ إذا ضَمَمْتَهُ، والرَّصُّ انْضِمامُ الأشْياءِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُوضَعُ الحَجْرُ عَلى الحَجْرِ ثُمَّ يُرَصُّ بِأحْجارٍ صِغارٍ ثُمَّ يُوضَعُ اللَّبِنُ عَلَيْهِ
صفحة ٢٧١
فَتُسَمِّيهِ أهْلُ مَكَّةَ المَرْصُوصَ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُحِبُّ مَن يَثْبُتُ في الجِهادِ ويَلْزَمُ مَكانَهُ كَثُبُوتِ البَنّاءِ المَرْصُوصِ، وقالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أنْ يَسْتَوِيَ شَأْنُهم في حَرْبِ عَدُوِّهِمْ حَتّى يَكُونُوا في اجْتِماعِ الكَلِمَةِ، ومُوالاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، وقِيلَ: ضَرَبَ هَذا المَثَلَ لِلثَّباتِ، يَعْنِي إذا اصْطَفُّوا ثَبَتُوا كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ الثّابِتِ المُسْتَقِرِّ، وقِيلَ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِ القِتالِ راجِلًا، لِأنَّ العَرَبَ يَصْطَفُّونَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، ثُمَّ المَحَبَّةُ في الظّاهِرِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الرِّضا عَنِ الخَلْقِ.
وثانِيها: الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِما يَفْعَلُونَ، ثُمَّ ما وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ﴾ نَقُولُ تِلْكَ الآيَةُ مَذَمَّةُ المُخالِفِينَ في القِتالِ وهُمُ الَّذِينَ وعَدُوا بِالقِتالِ ولَمْ يُقاتِلُوا، وهَذِهِ الآيَةُ مَحْمَدَةُ المُوافِقِينَ في القِتالِ وهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وبالَغُوا فِيهِ.
الصف 61:5
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
مَعْناهُ اذْكُرْ هَذِهِ القِصَّةَ، وإذْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أيْ حِينِ قالَ لَهم: ﴿تُؤْذُونَنِي﴾ وكانُوا يُؤْذُونَهُ بِأنْواعِ الأذى قَوْلًا وفِعْلًا، فَقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وقِيلَ: قَدْ رَمَوْهُ بِالأُدْرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ تُؤْذُونَنِي عالِمِينَ عِلْمًا قَطْعِيًّا أنِّي رَسُولُ اللَّهِ وقَضِيَّةُ عِلْمِكم بِذَلِكَ مُوجِبَةٌ لِلتَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أيْ مالُوا إلى غَيْرِ الحَقِّ ﴿أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ أمالَها عَنِ الحَقِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ مُقاتِلٌ: ”﴿زاغُوا﴾“ أيْ عَدَلُوا عَنِ الحَقِّ بِأبْدانِهِمْ ﴿أزاغَ اللَّهُ﴾ أيْ أمالَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الحَقِّ وأضَلَّهم جَزاءَ ما عَمِلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ أبُو إسْحاقَ مَعْناهُ: واللَّهُ لا يَهْدِي مَن سَبَقَ في عَمَلِهِ أنَّهُ فاسِقٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ حَتّى إنَّهُ يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ وزَيْغِ القُلُوبِ عَنِ الهُدى ”وقَدْ“ مَعْناهُ التَّوْكِيدُ كَأنَّهُ قالَ: وتَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينِيًّا لا شُبْهَةَ لَكم فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ اذْكُرُوا أنِّي رَسُولُ اللَّهِ أُرْسِلْتُ إلَيْكم بِالوَصْفِ الَّذِي وُصِفْتُ بِهِ في التَّوْراةِ، ومُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ، وبِكُتُبِ اللَّهِ وبِأنْبِيائِهِ جَمِيعًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ يُصَدِّقُ بِالتَّوْراةِ عَلى مِثْلِ
صفحة ٢٧٢
تَصْدِيقِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما اسْمُهُ ؟ فَقالَ: اسْمُهُ أحْمَدُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ جُمْلَتانِ في مَوْضِعِ الجَرِّ لِأنَّهُما صِفَتانِ لِلنَّكِرَةِ الَّتِي هي رَسُولٌ، وفي ﴿بَعْدِي اسْمُهُ﴾ قِراءَتانِ تَحْرِيكُ الياءِ بِالفَتْحِ عَلى الأصْلِ، وهو الِاخْتِيارُ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ تَذْهَبُ فِيهِ الياءُ لِالتِقاءِ ساكِنَيْنِ، وإسْكانُها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ [نوح: ٢٨] فَمَن أسْكَنَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِي اسْمُهُ﴾ حَذَفَ الياءَ والسِّينَ مِنَ اسْمِهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْمَدُ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: المُبالَغَةُ في الفاعِلِ، يَعْنِي أنَّهُ أكْثَرُ حَمْدًا لِلَّهِ مِن غَيْرِهِ.
وثانِيهِما: المُبالَغَةُ مِنَ المَفْعُولِ، يَعْنِي أنَّهُ يُحْمَدُ بِما فِيهِ مِنَ الإخْلاصِ والأخْلاقِ الحَسَنَةِ أكْثَرَ ما يُحْمَدُ غَيْرُهُ.
ولْنَذْكُرِ الآنَ بَعْضَ ما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَقْدَمِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في الإنْجِيلِ في عِدَّةِ مَواضِعَ:
أوَّلُها: في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن إنْجِيلِ يُوحَنّا هَكَذا: ”وأنا أطْلُبُ لَكم إلَيَّ أبِي حَتّى يَمْنَحَكم ويُعْطِيَكُمُ الفارَقَلِيطَ حَتّى يَكُونَ مَعَكم إلى الأبَدِ، والفارَقَلِيطُ هو رُوحُ الحَقِّ اليَقِينِ“ هَذا لَفْظُ الإنْجِيلِ المَنقُولِ إلى العَرَبِيِّ، وذَكَرَ في الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ هَذا اللَّفْظَ: ”وأمّا الفارَقَلِيطُ رُوحُ القُدُسِ يُرْسِلُهُ أبِي باسِمِي، ويُعَلِّمُكم ويَمْنَحُكم جَمِيعَ الأشْياءِ، وهو يُذَكِّرُكم ما قَلْتُ لَكم“ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ: ”وإنِّي قَدْ خَبَّرْتُكم بِهَذا قَبْلَ أنْ يَكُونَ حَتّى إذا كانَ ذَلِكَ تُؤْمِنُونَ“ .
وثانِيها: ذَكَرَ في الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ هَكَذا: ”ولَكِنْ أقُولُ لَكُمُ الآنَ حَقًّا يَقِينًا انْطِلاقِي عَنْكم خَيْرٌ لَكم، فَإنْ لَمْ أنْطَلِقْ عَنْكم إلى أبِي لَمْ يَأْتِكُمُ الفارَقِلِيطُ، وإنِ انْطَلَقْتُ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم، فَإذا جاءَ هو يُفِيدُ أهْلَ العالَمِ، ويُدِينُهم ويَمْنَحُهم ويُوقِفُهم عَلى الخَطِيئَةِ والبِرِّ والدِّينِ“ .
وثالِثُها: ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ هَكَذا: ”فَإنَّ لِي كَلامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أنْ أقُولَهُ لَكم، ولَكِنْ لا تَقْدِرُونَ عَلى قَبُولِهِ والِاحْتِفاظِ بِهِ، ولَكِنْ إذا جاءَ رُوحُ الحَقِّ إلَيْكم يُلْهِمُكم ويُؤَيِّدُكم بِجَمِيعِ الحَقِّ، لِأنَّهُ لَيْسَ يَتَكَلَّمُ بِدْعَةً مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ“ هَذا ما في الإنْجِيلِ، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ بِفارَقَلِيطَ إذا جاءَ يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ ويُعَلِّمُهُمُ الشَّرِيعَةَ، وهو عِيسى يَجِيءُ بَعْدَ الصَّلْبِ ؟ نَقُولُ: ذَكَرَ الحَوارِيُّونَ في آخِرِ الإنْجِيلِ أنَّ عِيسى لَمّا جاءَ بَعْدَ الصَّلْبِ ما ذَكَرَ شَيْئًا مِنَ الشَّرِيعَةِ، وما عَلَّمَهم شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ، وما لَبِثَ عِنْدَهم إلّا لَحْظَةً، وما تَكَلَّمَ إلّا قَلِيلًا، مِثْلَ أنَّهُ قالَ: ”أنا المَسِيحُ فَلا تَظُنُّونِي مَيِّتًا، بَلْ أنا ناجٍ عِنْدَ اللَّهِ ناظِرٌ إلَيْكم، وإنِّي ما أُوحِي بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْكم“ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ قِيلَ: هو عِيسى، وقِيلَ: هو مُحَمَّدٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي جاءَهم بِالبَيِّناتِ جاءَهم بِالمُعْجِزاتِ والبَيِّناتِ الَّتِي تُبَيِّنُ أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ساحِرٌ مُبِينٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ مَن أقْبَحُ ظُلْمًا مِمَّنْ بَلَغَ افْتِراؤُهُ المَبْلَغَ الَّذِي يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ ما نالُوهُ مِن نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ فَإنَّما نالُوهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا يُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ لِلطّاعَةِ عُقُوبَةً لَهم.
وفِي الآيَةِ بَحْثٌ: وهو أنْ يُقالَ: بِمَ انْتَصَبَ مُصَدِّقًا ومُبَشِّرًا أبِما في الرَّسُولِ مِن مَعْنى الإرْسالِ أمْ إلَيْكم ؟ نَقُولُ: بَلْ بِمَعْنى الإرْسالِ لِأنَّ إلَيْكم صِلَةٌ لِلرَّسُولِ.
الصف 61:6
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
مَعْناهُ اذْكُرْ هَذِهِ القِصَّةَ، وإذْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أيْ حِينِ قالَ لَهم: ﴿تُؤْذُونَنِي﴾ وكانُوا يُؤْذُونَهُ بِأنْواعِ الأذى قَوْلًا وفِعْلًا، فَقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وقِيلَ: قَدْ رَمَوْهُ بِالأُدْرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ تُؤْذُونَنِي عالِمِينَ عِلْمًا قَطْعِيًّا أنِّي رَسُولُ اللَّهِ وقَضِيَّةُ عِلْمِكم بِذَلِكَ مُوجِبَةٌ لِلتَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أيْ مالُوا إلى غَيْرِ الحَقِّ ﴿أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ أمالَها عَنِ الحَقِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ مُقاتِلٌ: ”﴿زاغُوا﴾“ أيْ عَدَلُوا عَنِ الحَقِّ بِأبْدانِهِمْ ﴿أزاغَ اللَّهُ﴾ أيْ أمالَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الحَقِّ وأضَلَّهم جَزاءَ ما عَمِلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ أبُو إسْحاقَ مَعْناهُ: واللَّهُ لا يَهْدِي مَن سَبَقَ في عَمَلِهِ أنَّهُ فاسِقٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ حَتّى إنَّهُ يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ وزَيْغِ القُلُوبِ عَنِ الهُدى ”وقَدْ“ مَعْناهُ التَّوْكِيدُ كَأنَّهُ قالَ: وتَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينِيًّا لا شُبْهَةَ لَكم فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ اذْكُرُوا أنِّي رَسُولُ اللَّهِ أُرْسِلْتُ إلَيْكم بِالوَصْفِ الَّذِي وُصِفْتُ بِهِ في التَّوْراةِ، ومُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ، وبِكُتُبِ اللَّهِ وبِأنْبِيائِهِ جَمِيعًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ يُصَدِّقُ بِالتَّوْراةِ عَلى مِثْلِ
صفحة ٢٧٢
تَصْدِيقِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما اسْمُهُ ؟ فَقالَ: اسْمُهُ أحْمَدُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ جُمْلَتانِ في مَوْضِعِ الجَرِّ لِأنَّهُما صِفَتانِ لِلنَّكِرَةِ الَّتِي هي رَسُولٌ، وفي ﴿بَعْدِي اسْمُهُ﴾ قِراءَتانِ تَحْرِيكُ الياءِ بِالفَتْحِ عَلى الأصْلِ، وهو الِاخْتِيارُ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ تَذْهَبُ فِيهِ الياءُ لِالتِقاءِ ساكِنَيْنِ، وإسْكانُها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ [نوح: ٢٨] فَمَن أسْكَنَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِي اسْمُهُ﴾ حَذَفَ الياءَ والسِّينَ مِنَ اسْمِهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْمَدُ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: المُبالَغَةُ في الفاعِلِ، يَعْنِي أنَّهُ أكْثَرُ حَمْدًا لِلَّهِ مِن غَيْرِهِ.
وثانِيهِما: المُبالَغَةُ مِنَ المَفْعُولِ، يَعْنِي أنَّهُ يُحْمَدُ بِما فِيهِ مِنَ الإخْلاصِ والأخْلاقِ الحَسَنَةِ أكْثَرَ ما يُحْمَدُ غَيْرُهُ.
ولْنَذْكُرِ الآنَ بَعْضَ ما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَقْدَمِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في الإنْجِيلِ في عِدَّةِ مَواضِعَ:
أوَّلُها: في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن إنْجِيلِ يُوحَنّا هَكَذا: ”وأنا أطْلُبُ لَكم إلَيَّ أبِي حَتّى يَمْنَحَكم ويُعْطِيَكُمُ الفارَقَلِيطَ حَتّى يَكُونَ مَعَكم إلى الأبَدِ، والفارَقَلِيطُ هو رُوحُ الحَقِّ اليَقِينِ“ هَذا لَفْظُ الإنْجِيلِ المَنقُولِ إلى العَرَبِيِّ، وذَكَرَ في الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ هَذا اللَّفْظَ: ”وأمّا الفارَقَلِيطُ رُوحُ القُدُسِ يُرْسِلُهُ أبِي باسِمِي، ويُعَلِّمُكم ويَمْنَحُكم جَمِيعَ الأشْياءِ، وهو يُذَكِّرُكم ما قَلْتُ لَكم“ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ: ”وإنِّي قَدْ خَبَّرْتُكم بِهَذا قَبْلَ أنْ يَكُونَ حَتّى إذا كانَ ذَلِكَ تُؤْمِنُونَ“ .
وثانِيها: ذَكَرَ في الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ هَكَذا: ”ولَكِنْ أقُولُ لَكُمُ الآنَ حَقًّا يَقِينًا انْطِلاقِي عَنْكم خَيْرٌ لَكم، فَإنْ لَمْ أنْطَلِقْ عَنْكم إلى أبِي لَمْ يَأْتِكُمُ الفارَقِلِيطُ، وإنِ انْطَلَقْتُ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم، فَإذا جاءَ هو يُفِيدُ أهْلَ العالَمِ، ويُدِينُهم ويَمْنَحُهم ويُوقِفُهم عَلى الخَطِيئَةِ والبِرِّ والدِّينِ“ .
وثالِثُها: ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ هَكَذا: ”فَإنَّ لِي كَلامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أنْ أقُولَهُ لَكم، ولَكِنْ لا تَقْدِرُونَ عَلى قَبُولِهِ والِاحْتِفاظِ بِهِ، ولَكِنْ إذا جاءَ رُوحُ الحَقِّ إلَيْكم يُلْهِمُكم ويُؤَيِّدُكم بِجَمِيعِ الحَقِّ، لِأنَّهُ لَيْسَ يَتَكَلَّمُ بِدْعَةً مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ“ هَذا ما في الإنْجِيلِ، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ بِفارَقَلِيطَ إذا جاءَ يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ ويُعَلِّمُهُمُ الشَّرِيعَةَ، وهو عِيسى يَجِيءُ بَعْدَ الصَّلْبِ ؟ نَقُولُ: ذَكَرَ الحَوارِيُّونَ في آخِرِ الإنْجِيلِ أنَّ عِيسى لَمّا جاءَ بَعْدَ الصَّلْبِ ما ذَكَرَ شَيْئًا مِنَ الشَّرِيعَةِ، وما عَلَّمَهم شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ، وما لَبِثَ عِنْدَهم إلّا لَحْظَةً، وما تَكَلَّمَ إلّا قَلِيلًا، مِثْلَ أنَّهُ قالَ: ”أنا المَسِيحُ فَلا تَظُنُّونِي مَيِّتًا، بَلْ أنا ناجٍ عِنْدَ اللَّهِ ناظِرٌ إلَيْكم، وإنِّي ما أُوحِي بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْكم“ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ قِيلَ: هو عِيسى، وقِيلَ: هو مُحَمَّدٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي جاءَهم بِالبَيِّناتِ جاءَهم بِالمُعْجِزاتِ والبَيِّناتِ الَّتِي تُبَيِّنُ أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ساحِرٌ مُبِينٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ مَن أقْبَحُ ظُلْمًا مِمَّنْ بَلَغَ افْتِراؤُهُ المَبْلَغَ الَّذِي يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ ما نالُوهُ مِن نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ فَإنَّما نالُوهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا يُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ لِلطّاعَةِ عُقُوبَةً لَهم.
وفِي الآيَةِ بَحْثٌ: وهو أنْ يُقالَ: بِمَ انْتَصَبَ مُصَدِّقًا ومُبَشِّرًا أبِما في الرَّسُولِ مِن مَعْنى الإرْسالِ أمْ إلَيْكم ؟ نَقُولُ: بَلْ بِمَعْنى الإرْسالِ لِأنَّ إلَيْكم صِلَةٌ لِلرَّسُولِ.
الصف 61:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
مَعْناهُ اذْكُرْ هَذِهِ القِصَّةَ، وإذْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ أيْ حِينِ قالَ لَهم: ﴿تُؤْذُونَنِي﴾ وكانُوا يُؤْذُونَهُ بِأنْواعِ الأذى قَوْلًا وفِعْلًا، فَقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وقِيلَ: قَدْ رَمَوْهُ بِالأُدْرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ تُؤْذُونَنِي عالِمِينَ عِلْمًا قَطْعِيًّا أنِّي رَسُولُ اللَّهِ وقَضِيَّةُ عِلْمِكم بِذَلِكَ مُوجِبَةٌ لِلتَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ أيْ مالُوا إلى غَيْرِ الحَقِّ ﴿أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ أمالَها عَنِ الحَقِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ مُقاتِلٌ: ”﴿زاغُوا﴾“ أيْ عَدَلُوا عَنِ الحَقِّ بِأبْدانِهِمْ ﴿أزاغَ اللَّهُ﴾ أيْ أمالَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الحَقِّ وأضَلَّهم جَزاءَ ما عَمِلُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ أبُو إسْحاقَ مَعْناهُ: واللَّهُ لا يَهْدِي مَن سَبَقَ في عَمَلِهِ أنَّهُ فاسِقٌ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ حَتّى إنَّهُ يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ وزَيْغِ القُلُوبِ عَنِ الهُدى ”وقَدْ“ مَعْناهُ التَّوْكِيدُ كَأنَّهُ قالَ: وتَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينِيًّا لا شُبْهَةَ لَكم فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهو يُدْعى إلى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ اذْكُرُوا أنِّي رَسُولُ اللَّهِ أُرْسِلْتُ إلَيْكم بِالوَصْفِ الَّذِي وُصِفْتُ بِهِ في التَّوْراةِ، ومُصَدِّقًا بِالتَّوْراةِ، وبِكُتُبِ اللَّهِ وبِأنْبِيائِهِ جَمِيعًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ يُصَدِّقُ بِالتَّوْراةِ عَلى مِثْلِ
صفحة ٢٧٢
تَصْدِيقِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما اسْمُهُ ؟ فَقالَ: اسْمُهُ أحْمَدُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ جُمْلَتانِ في مَوْضِعِ الجَرِّ لِأنَّهُما صِفَتانِ لِلنَّكِرَةِ الَّتِي هي رَسُولٌ، وفي ﴿بَعْدِي اسْمُهُ﴾ قِراءَتانِ تَحْرِيكُ الياءِ بِالفَتْحِ عَلى الأصْلِ، وهو الِاخْتِيارُ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ تَذْهَبُ فِيهِ الياءُ لِالتِقاءِ ساكِنَيْنِ، وإسْكانُها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ [نوح: ٢٨] فَمَن أسْكَنَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِي اسْمُهُ﴾ حَذَفَ الياءَ والسِّينَ مِنَ اسْمِهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْمَدُ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: المُبالَغَةُ في الفاعِلِ، يَعْنِي أنَّهُ أكْثَرُ حَمْدًا لِلَّهِ مِن غَيْرِهِ.
وثانِيهِما: المُبالَغَةُ مِنَ المَفْعُولِ، يَعْنِي أنَّهُ يُحْمَدُ بِما فِيهِ مِنَ الإخْلاصِ والأخْلاقِ الحَسَنَةِ أكْثَرَ ما يُحْمَدُ غَيْرُهُ.
ولْنَذْكُرِ الآنَ بَعْضَ ما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَقْدَمِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في الإنْجِيلِ في عِدَّةِ مَواضِعَ:
أوَّلُها: في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن إنْجِيلِ يُوحَنّا هَكَذا: ”وأنا أطْلُبُ لَكم إلَيَّ أبِي حَتّى يَمْنَحَكم ويُعْطِيَكُمُ الفارَقَلِيطَ حَتّى يَكُونَ مَعَكم إلى الأبَدِ، والفارَقَلِيطُ هو رُوحُ الحَقِّ اليَقِينِ“ هَذا لَفْظُ الإنْجِيلِ المَنقُولِ إلى العَرَبِيِّ، وذَكَرَ في الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ هَذا اللَّفْظَ: ”وأمّا الفارَقَلِيطُ رُوحُ القُدُسِ يُرْسِلُهُ أبِي باسِمِي، ويُعَلِّمُكم ويَمْنَحُكم جَمِيعَ الأشْياءِ، وهو يُذَكِّرُكم ما قَلْتُ لَكم“ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ: ”وإنِّي قَدْ خَبَّرْتُكم بِهَذا قَبْلَ أنْ يَكُونَ حَتّى إذا كانَ ذَلِكَ تُؤْمِنُونَ“ .
وثانِيها: ذَكَرَ في الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ هَكَذا: ”ولَكِنْ أقُولُ لَكُمُ الآنَ حَقًّا يَقِينًا انْطِلاقِي عَنْكم خَيْرٌ لَكم، فَإنْ لَمْ أنْطَلِقْ عَنْكم إلى أبِي لَمْ يَأْتِكُمُ الفارَقِلِيطُ، وإنِ انْطَلَقْتُ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم، فَإذا جاءَ هو يُفِيدُ أهْلَ العالَمِ، ويُدِينُهم ويَمْنَحُهم ويُوقِفُهم عَلى الخَطِيئَةِ والبِرِّ والدِّينِ“ .
وثالِثُها: ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ هَكَذا: ”فَإنَّ لِي كَلامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أنْ أقُولَهُ لَكم، ولَكِنْ لا تَقْدِرُونَ عَلى قَبُولِهِ والِاحْتِفاظِ بِهِ، ولَكِنْ إذا جاءَ رُوحُ الحَقِّ إلَيْكم يُلْهِمُكم ويُؤَيِّدُكم بِجَمِيعِ الحَقِّ، لِأنَّهُ لَيْسَ يَتَكَلَّمُ بِدْعَةً مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ“ هَذا ما في الإنْجِيلِ، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ بِفارَقَلِيطَ إذا جاءَ يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ ويُعَلِّمُهُمُ الشَّرِيعَةَ، وهو عِيسى يَجِيءُ بَعْدَ الصَّلْبِ ؟ نَقُولُ: ذَكَرَ الحَوارِيُّونَ في آخِرِ الإنْجِيلِ أنَّ عِيسى لَمّا جاءَ بَعْدَ الصَّلْبِ ما ذَكَرَ شَيْئًا مِنَ الشَّرِيعَةِ، وما عَلَّمَهم شَيْئًا مِنَ الأحْكامِ، وما لَبِثَ عِنْدَهم إلّا لَحْظَةً، وما تَكَلَّمَ إلّا قَلِيلًا، مِثْلَ أنَّهُ قالَ: ”أنا المَسِيحُ فَلا تَظُنُّونِي مَيِّتًا، بَلْ أنا ناجٍ عِنْدَ اللَّهِ ناظِرٌ إلَيْكم، وإنِّي ما أُوحِي بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْكم“ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ﴾ قِيلَ: هو عِيسى، وقِيلَ: هو مُحَمَّدٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي جاءَهم بِالبَيِّناتِ جاءَهم بِالمُعْجِزاتِ والبَيِّناتِ الَّتِي تُبَيِّنُ أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ساحِرٌ مُبِينٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ مَن أقْبَحُ ظُلْمًا مِمَّنْ بَلَغَ افْتِراؤُهُ المَبْلَغَ الَّذِي يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ ما نالُوهُ مِن نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ فَإنَّما نالُوهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا يُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ لِلطّاعَةِ عُقُوبَةً لَهم.
وفِي الآيَةِ بَحْثٌ: وهو أنْ يُقالَ: بِمَ انْتَصَبَ مُصَدِّقًا ومُبَشِّرًا أبِما في الرَّسُولِ مِن مَعْنى الإرْسالِ أمْ إلَيْكم ؟ نَقُولُ: بَلْ بِمَعْنى الإرْسالِ لِأنَّ إلَيْكم صِلَةٌ لِلرَّسُولِ.
الصف 61:8
صفحة ٢٧٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾
(لِيُطْفِئُوا) أيْ أنْ يُطْفِئُوا وكَأنَّ هَذِهِ اللّامَ زِيدَتْ مَعَ فِعْلِ الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَهُ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِإكْرامِكَ، كَما زِيدَتِ اللّامُ في لا أبا لَكَ، تَأْكِيدًا لِمَعْنى الإضافَةِ في أباكَ، وإطْفاءُ نُورِ اللَّهِ تَعالى بِأفْواهِهِمْ، تَهَكُّمٌ بِهِمْ في إرادَتِهِمْ إبْطالَ الإسْلامِ بِقَوْلِهِمْ في القُرْآنِ: (هَذا ساحِرٌ) مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِ مَن يَنْفُخُ في نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ لِيُطْفِئَهُ، كَذا ذَكَرَهُ في الكَشّافِ، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى الإضافَةِ، والأصْلُ هو التَّنْوِينُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُظْهِرُ دِينَهُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مُتِمٌّ الحَقَّ ومُبَلِّغُهُ غايَتَهُ، وقِيلَ: دِينُ اللَّهِ، وكِتابُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآثارِ.
وثانِيها: أنَّ نُورَ اللَّهِ ساطِعٌ أبَدًا وطالِعٌ مِن مَطْلَعٍ لا يُمْكِنُ زَوالُهُ أصْلًا وهو الحَضْرَةُ القُدْسِيَّةُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ كَذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ النُّورَ نَحْوَ العِلْمِ، والظُّلْمَةَ نَحْوَ الجَهْلِ، أوِ النُّورُ: الإيمانُ يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، أوِ الإسْلامُ هو النُّورُ، أوْ يُقالُ: الدِّينُ وضْعٌ إلَهِيٌّ سائِقٌ لِأُولِي الألْبابِ إلى الخَيِّراتِ بِاخْتِيارِهِمُ المَحْمُودِ وذَلِكَ هو النُّورُ، والكِتابُ هو المُبِينُ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [يوسف: ١] فالإبانَةُ والكِتابُ هو النُّورُ، أوْ يُقالُ: الكِتابُ حُجَّةٌ لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا، والحُجَّةُ هو النُّورُ، فالكِتابُ كَذَلِكَ، أوْ يُقالُ في الرَّسُولِ إنَّهُ النُّورُ، وإلّا لَما وُصِفَ بِصِفَةِ كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، إذِ الرَّحْمَةُ بِإظْهارِ ما يَكُونُ مِنَ الأسْرارِ وذَلِكَ بِالنُّورِ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ هو النُّورُ، لِأنَّهُ بِواسِطَتِهِ اهْتَدى الخَلْقُ، أوْ هو النُّورُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلنّاسِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ، والمُبِينُ هو النُّورُ، ثُمَّ الفَوائِدُ في كَوْنِهِ نُورًا وُجُوهٌ
مِنها: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ وعَظْمَةِ بُرْهانِهِ، وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الوَصْفُ بِالنُّورِ.
وثانِيهِما: الإضافَةُ إلى الحَضْرَةِ.
(ومِنها): أنَّهُ إذا كانَ نُورًا مِن أنْوارِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُشْرِقًا في جَمِيعِ أقْطارِ العالَمِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ مَخْصُوصًا بِبَعْضِ الجَوانِبِ، فَكانَ رَسُولًا إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، لِما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: ”«بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ» “ فَلا يُوجَدُ شَخْصٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إلّا ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ إنْ كانَ مُؤْمِنًا فَهو مِن أُمَّةِ المُتابَعَةِ، وإنْ كانَ كافِرًا فَهو مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ أيِ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالهُدى﴾ لِمَنِ اتَّبَعَهُ (ودِينِ الحَقِّ) قِيلَ: الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى، أيْ دِينِ اللَّهِ. وقِيلَ: نَعْتٌ لِلدِّينِ، أيْ والدِّينُ هو الحَقُّ، وقِيلَ: الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَتَّبِعَهُ كُلُّ أحَدٍ و﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يُرِيدُ الإسْلامَ، وقِيلَ: لِيَظْهَرَهُ، أيِ الرَّسُولُ ﷺ بِالغَلَبَةِ وذَلِكَ بِالحُجَّةِ، وهَهُنا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ والتَّمامُ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ النُّقْصانِ، فَكَيْفَ نُقْصانُ هَذا النُّورِ ؟ فَنَقُولُ إتْمامُهُ بِحَسَبِ النُّقْصانِ في الأثَرِ، وهو الظُّهُورُ في سائِرِ البِلادِ مِنَ المَشارِقِ إلى المَغارِبِ، إذِ الظُّهُورُ لا يَظْهَرُ إلّا بِالإظْهارِ وهو الإتْمامُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى مِنَ السَّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
صفحة ٢٧٤
الثّانِي: قالَ هَهُنا: ﴿مُتِمُّ نُورِهِ﴾ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] وهَذا عَيْنُ ذَلِكَ أوْ غَيْرُهُ ؟ نَقُولُ: هو غَيْرُهُ، لِأنَّ نُورَ اللَّهِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو اللَّهُ تَعالى عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ، وهُنا هو الدِّينُ أوِ الكِتابُ أوِ الرَّسُولُ.
الثّالِثُ: قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ وقالَ في المُتَأخِّرَةِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: إنَّهم أنْكَرُوا الرَّسُولَ، وما أُنْزِلَ إلَيْهِ وهو الكِتابُ، وذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ، والكافِرُونَ كُلُّهم في كُفْرانِ النِّعَمِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ولِأنَّ لَفْظَ الكافِرِ أعَمُّ مِن لَفْظِ المُشْرِكِ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ هَهُنا اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ، وهُنا ذَكَرَ النُّورَ وإطْفاءَهُ، واللّائِقُ الكُفْرُ لِأنَّهُ السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ، لِأنَّ مَن يُحاوِلُ الإطْفاءَ إنَّما يُرِيدُ الزَّوالَ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ الرَّسُولَ والإرْسالَ ودِينَ الحَقِّ، وذَلِكَ مَنزِلَةٌ عَظِيمَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ:
ألا قُلْ لِمَن ظَلَّ لِي حاسِدًا أتَدْرِي عَلى مَن أسَأْتَ الأدَبَ
أسَأْتَ عَلى اللَّهِ في فِعْلِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ لَمْ تَرْضَ لِي ما وهَبَ
والِاعْتِراضُ قَرِيبٌ مِنَ الشِّرْكِ، ولِأنَّ الحاسِدِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرُهم مِن قُرَيْشٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ولَمّا كانَ النُّورُ أعَمَّ مِنَ الدِّينِ والرَّسُولِ، لا جَرَمَ قابَلَهُ بِالكافِرِينَ الَّذِينَ هم جَمِيعُ مُخالِفِي الإسْلامِ والإرْسالِ، والرَّسُولُ والدِّينُ أخَصُّ مِنَ النُّورِ قابَلَهُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم أخَصُّ مِنَ الكافِرِينَ.
الصف 61:9
صفحة ٢٧٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾
(لِيُطْفِئُوا) أيْ أنْ يُطْفِئُوا وكَأنَّ هَذِهِ اللّامَ زِيدَتْ مَعَ فِعْلِ الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَهُ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِإكْرامِكَ، كَما زِيدَتِ اللّامُ في لا أبا لَكَ، تَأْكِيدًا لِمَعْنى الإضافَةِ في أباكَ، وإطْفاءُ نُورِ اللَّهِ تَعالى بِأفْواهِهِمْ، تَهَكُّمٌ بِهِمْ في إرادَتِهِمْ إبْطالَ الإسْلامِ بِقَوْلِهِمْ في القُرْآنِ: (هَذا ساحِرٌ) مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِ مَن يَنْفُخُ في نُورِ الشَّمْسِ بِفِيهِ لِيُطْفِئَهُ، كَذا ذَكَرَهُ في الكَشّافِ، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى الإضافَةِ، والأصْلُ هو التَّنْوِينُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُظْهِرُ دِينَهُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مُتِمٌّ الحَقَّ ومُبَلِّغُهُ غايَتَهُ، وقِيلَ: دِينُ اللَّهِ، وكِتابُ اللَّهِ، ورَسُولُ اللَّهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآثارِ.
وثانِيها: أنَّ نُورَ اللَّهِ ساطِعٌ أبَدًا وطالِعٌ مِن مَطْلَعٍ لا يُمْكِنُ زَوالُهُ أصْلًا وهو الحَضْرَةُ القُدْسِيَّةُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ كَذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ النُّورَ نَحْوَ العِلْمِ، والظُّلْمَةَ نَحْوَ الجَهْلِ، أوِ النُّورُ: الإيمانُ يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، أوِ الإسْلامُ هو النُّورُ، أوْ يُقالُ: الدِّينُ وضْعٌ إلَهِيٌّ سائِقٌ لِأُولِي الألْبابِ إلى الخَيِّراتِ بِاخْتِيارِهِمُ المَحْمُودِ وذَلِكَ هو النُّورُ، والكِتابُ هو المُبِينُ قالَ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [يوسف: ١] فالإبانَةُ والكِتابُ هو النُّورُ، أوْ يُقالُ: الكِتابُ حُجَّةٌ لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا، والحُجَّةُ هو النُّورُ، فالكِتابُ كَذَلِكَ، أوْ يُقالُ في الرَّسُولِ إنَّهُ النُّورُ، وإلّا لَما وُصِفَ بِصِفَةِ كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، إذِ الرَّحْمَةُ بِإظْهارِ ما يَكُونُ مِنَ الأسْرارِ وذَلِكَ بِالنُّورِ، أوْ نَقُولُ: إنَّهُ هو النُّورُ، لِأنَّهُ بِواسِطَتِهِ اهْتَدى الخَلْقُ، أوْ هو النُّورُ لِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلنّاسِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ، والمُبِينُ هو النُّورُ، ثُمَّ الفَوائِدُ في كَوْنِهِ نُورًا وُجُوهٌ
مِنها: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ وعَظْمَةِ بُرْهانِهِ، وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الوَصْفُ بِالنُّورِ.
وثانِيهِما: الإضافَةُ إلى الحَضْرَةِ.
(ومِنها): أنَّهُ إذا كانَ نُورًا مِن أنْوارِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُشْرِقًا في جَمِيعِ أقْطارِ العالَمِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ مَخْصُوصًا بِبَعْضِ الجَوانِبِ، فَكانَ رَسُولًا إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ، لِما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: ”«بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ» “ فَلا يُوجَدُ شَخْصٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إلّا ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ إنْ كانَ مُؤْمِنًا فَهو مِن أُمَّةِ المُتابَعَةِ، وإنْ كانَ كافِرًا فَهو مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ أيِ اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالهُدى﴾ لِمَنِ اتَّبَعَهُ (ودِينِ الحَقِّ) قِيلَ: الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى، أيْ دِينِ اللَّهِ. وقِيلَ: نَعْتٌ لِلدِّينِ، أيْ والدِّينُ هو الحَقُّ، وقِيلَ: الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَتَّبِعَهُ كُلُّ أحَدٍ و﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يُرِيدُ الإسْلامَ، وقِيلَ: لِيَظْهَرَهُ، أيِ الرَّسُولُ ﷺ بِالغَلَبَةِ وذَلِكَ بِالحُجَّةِ، وهَهُنا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ والتَّمامُ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ النُّقْصانِ، فَكَيْفَ نُقْصانُ هَذا النُّورِ ؟ فَنَقُولُ إتْمامُهُ بِحَسَبِ النُّقْصانِ في الأثَرِ، وهو الظُّهُورُ في سائِرِ البِلادِ مِنَ المَشارِقِ إلى المَغارِبِ، إذِ الظُّهُورُ لا يَظْهَرُ إلّا بِالإظْهارِ وهو الإتْمامُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى مِنَ السَّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
صفحة ٢٧٤
الثّانِي: قالَ هَهُنا: ﴿مُتِمُّ نُورِهِ﴾ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] وهَذا عَيْنُ ذَلِكَ أوْ غَيْرُهُ ؟ نَقُولُ: هو غَيْرُهُ، لِأنَّ نُورَ اللَّهِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو اللَّهُ تَعالى عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ، وهُنا هو الدِّينُ أوِ الكِتابُ أوِ الرَّسُولُ.
الثّالِثُ: قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ وقالَ في المُتَأخِّرَةِ: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: إنَّهم أنْكَرُوا الرَّسُولَ، وما أُنْزِلَ إلَيْهِ وهو الكِتابُ، وذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ، والكافِرُونَ كُلُّهم في كُفْرانِ النِّعَمِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ولِأنَّ لَفْظَ الكافِرِ أعَمُّ مِن لَفْظِ المُشْرِكِ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ هَهُنا اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ، وهُنا ذَكَرَ النُّورَ وإطْفاءَهُ، واللّائِقُ الكُفْرُ لِأنَّهُ السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ، لِأنَّ مَن يُحاوِلُ الإطْفاءَ إنَّما يُرِيدُ الزَّوالَ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ الرَّسُولَ والإرْسالَ ودِينَ الحَقِّ، وذَلِكَ مَنزِلَةٌ عَظِيمَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ:
ألا قُلْ لِمَن ظَلَّ لِي حاسِدًا أتَدْرِي عَلى مَن أسَأْتَ الأدَبَ
أسَأْتَ عَلى اللَّهِ في فِعْلِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ لَمْ تَرْضَ لِي ما وهَبَ
والِاعْتِراضُ قَرِيبٌ مِنَ الشِّرْكِ، ولِأنَّ الحاسِدِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرُهم مِن قُرَيْشٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ولَمّا كانَ النُّورُ أعَمَّ مِنَ الدِّينِ والرَّسُولِ، لا جَرَمَ قابَلَهُ بِالكافِرِينَ الَّذِينَ هم جَمِيعُ مُخالِفِي الإسْلامِ والإرْسالِ، والرَّسُولُ والدِّينُ أخَصُّ مِنَ النُّورِ قابَلَهُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم أخَصُّ مِنَ الكافِرِينَ.
الصف 61:10
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ في مَعْنى الأمْرِ عِنْدَ الفَرّاءِ، يُقالُ: هَلْ أنْتَ ساكِتٌ أيِ اسْكُتْ وبَيانُهُ: أنَّ هَلْ، بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إلى أنْ يَصِيرَ عَرْضًا وحَثًّا، والحَثُّ كالإغْراءِ، والإغْراءُ أمْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى تِجارَةٍ﴾ هي التِّجارَةُ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ وحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] دَلَّ عَلَيْهِ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ والتِّجارَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُعارَضَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وكَما أنَّ التِّجارَةَ تُنْجِي التّاجِرَ مِن مِحْنَةِ الفَقْرِ، ورَحْمَةِ الصَّبْرِ عَلى ما هو مِن لَوازِمِهِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التِّجارَةُ وهي التَّصْدِيقُ بِالجِنانِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ، كَما قِيلَ في تَعْرِيفِ الإيمانِ فَلِهَذا قالَ: بِلَفْظِ التِّجارَةِ، وكَما أنَّ التِّجارَةَ في الرِّبْحِ والخُسْرانِ، فَكَذَلِكَ في هَذا، فَإنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ الأجْرُ، والرِّبْحُ الوافِرُ، واليَسارُ المُبِينُ، ومَن أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ فَلَهُ التَّحَسُّرُ والخُسْرانُ المُبِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ قُرِئَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا، و﴿تُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَعْمَلُ ؟ فَقالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، ولِهَذا أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والجِهادُ بَعْدَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ثَلاثَةٌ، جِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وهو قَهْرُ النَّفْسِ، ومَنعُها عَنِ
صفحة ٢٧٥
اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، وجِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ، وهو أنْ يَدَعَ الطَّمَعَ مِنهم، ويُشْفِقَ عَلَيْهِمْ ويَرْحَمَهم. وجِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الدُّنْيا وهو أنْ يَتَّخِذَها زادًا لِمادَّةٍ فَتَكُونَ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والجِهادِ في سَبِيلِهِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تَتَبَّعُوا أهْواءَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِما عَمِلْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (تُؤْمِنُونَ) بِلَفْظِ الخَبَرِ ؟ نَقُولُ: لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ تَعالى لَعَمِلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَمَكَثُوا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .
الثّانِي: ما مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نَقُولُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم كانَ خَيْرًا لَكم، وهَذِهِ الوُجُوهُ لِلْكَشّافِ، وأمّا الغَيْرُ فَقالَ: الخَوْفُ مِن نَفْسِ العَذابِ لا مِنَ العَذابِ الألِيمِ، إذِ العَذابُ الألِيمُ هو نَفْسُ العَذابِ مَعَ غَيْرِهِ، والخَوْفُ مِنَ اللَّوازِمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ومِنها أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ كَيْفَ هو بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا في الظّاهِرِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أهْلَ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَإنَّهم آمَنُوا بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ آمِنُوا بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أهْلَ الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ [الفتح: ٤] وهو الأمْرُ بِالثَّباتِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] وهو الأمْرُ بِالتَّجَدُّدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وفي قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن جَدَّدَ وُضُوءَهُ فَكَأنَّما جَدَّدَ إيمانَهُ» “، (ومِنها): أنَّ رَجاءَ النَّجاةِ كَيْفَ هو إذا آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَمْ يُجاهِدْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ عُلِّقَ بِالمَجْمُوعِ، ومِنها أنَّ هَذا المَجْمُوعَ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ خَبَرٌ في نَفْسِ الأمْرِ.
الصف 61:11
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ في مَعْنى الأمْرِ عِنْدَ الفَرّاءِ، يُقالُ: هَلْ أنْتَ ساكِتٌ أيِ اسْكُتْ وبَيانُهُ: أنَّ هَلْ، بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إلى أنْ يَصِيرَ عَرْضًا وحَثًّا، والحَثُّ كالإغْراءِ، والإغْراءُ أمْرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى تِجارَةٍ﴾ هي التِّجارَةُ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ وحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] دَلَّ عَلَيْهِ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ والتِّجارَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُعارَضَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وكَما أنَّ التِّجارَةَ تُنْجِي التّاجِرَ مِن مِحْنَةِ الفَقْرِ، ورَحْمَةِ الصَّبْرِ عَلى ما هو مِن لَوازِمِهِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التِّجارَةُ وهي التَّصْدِيقُ بِالجِنانِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ، كَما قِيلَ في تَعْرِيفِ الإيمانِ فَلِهَذا قالَ: بِلَفْظِ التِّجارَةِ، وكَما أنَّ التِّجارَةَ في الرِّبْحِ والخُسْرانِ، فَكَذَلِكَ في هَذا، فَإنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ الأجْرُ، والرِّبْحُ الوافِرُ، واليَسارُ المُبِينُ، ومَن أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ فَلَهُ التَّحَسُّرُ والخُسْرانُ المُبِينُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ قُرِئَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا، و﴿تُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَعْمَلُ ؟ فَقالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهو خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، ولِهَذا أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والجِهادُ بَعْدَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ثَلاثَةٌ، جِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وهو قَهْرُ النَّفْسِ، ومَنعُها عَنِ
صفحة ٢٧٥
اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، وجِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ، وهو أنْ يَدَعَ الطَّمَعَ مِنهم، ويُشْفِقَ عَلَيْهِمْ ويَرْحَمَهم. وجِهادٌ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ الدُّنْيا وهو أنْ يَتَّخِذَها زادًا لِمادَّةٍ فَتَكُونَ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والجِهادِ في سَبِيلِهِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تَتَبَّعُوا أهْواءَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَنْتَفِعُونَ بِما عَمِلْتُمْ فَهو خَيْرٌ لَكم، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: لِمَ قالَ: (تُؤْمِنُونَ) بِلَفْظِ الخَبَرِ ؟ نَقُولُ: لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالُوا لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ تَعالى لَعَمِلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَمَكَثُوا ما شاءَ اللَّهُ يَقُولُونَ: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما هي ؟ فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .
الثّانِي: ما مَعْنى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نَقُولُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم كانَ خَيْرًا لَكم، وهَذِهِ الوُجُوهُ لِلْكَشّافِ، وأمّا الغَيْرُ فَقالَ: الخَوْفُ مِن نَفْسِ العَذابِ لا مِنَ العَذابِ الألِيمِ، إذِ العَذابُ الألِيمُ هو نَفْسُ العَذابِ مَعَ غَيْرِهِ، والخَوْفُ مِنَ اللَّوازِمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ومِنها أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ كَيْفَ هو بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُنافِقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا في الظّاهِرِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أهْلَ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى فَإنَّهم آمَنُوا بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ آمِنُوا بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أهْلَ الإيمانِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ [الفتح: ٤] وهو الأمْرُ بِالثَّباتِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] وهو الأمْرُ بِالتَّجَدُّدِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وفي قَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن جَدَّدَ وُضُوءَهُ فَكَأنَّما جَدَّدَ إيمانَهُ» “، (ومِنها): أنَّ رَجاءَ النَّجاةِ كَيْفَ هو إذا آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَمْ يُجاهِدْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ عُلِّقَ بِالمَجْمُوعِ، ومِنها أنَّ هَذا المَجْمُوعَ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والجِهادُ بِالنَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ خَبَرٌ في نَفْسِ الأمْرِ.
الصف 61:12
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِما أنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَما مَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ يَغْفِرْ لَكم، وقِيلَ جَوابُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وجُزِمَ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ لِما أنَّهُ تَرْجَمَةُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ومَحَلُّهُ جَزْمٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] لِأنَّ مَحَلَّ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ جَزْمٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ قِيلَ: جُزِمَ (يَغْفِرْ لَكم) بِهَلْ، لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، مِن جُمْلَةِ ما قُدِّمَ بَيانُهُ في التَّوْراةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ إلى مُفارَقَةِ مَساكِنِهِمْ وإنْفاقِ أمْوالِهِمْ والجِهادِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ يَعْنِي ذَلِكَ
صفحة ٢٧٦
الجَزاءُ الدّائِمُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، وقَدْ مَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أيْ تِجارَةٌ أُخْرى في العاجِلِ مَعَ ثَوابِ الآجِلِ، قالَ الفَرّاءُ: وخَصْلَةٌ أُخْرى تُحِبُّونَها في الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هو مُفَسِّرٌ لِلْأُخْرى، لِأنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرًا لِلتِّجارَةِ إذِ النَّصْرُ لا يَكُونُ تِجارَةً لَنا بَلْ هو رِبْحٌ لِلتِّجارَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ عاجِلٌ وهو فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ: هو فَتْحُ فارِسَ والرُّومِ، وفي ﴿تُحِبُّونَها﴾ شَيْءٌ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى مَحَبَّةِ العاجِلِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى (تُؤْمِنُونَ) لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا وجاهِدُوا يُثِبْكُمُ اللَّهُ ويَنْصُرْكم، وبَشِّرْ يا رَسُولَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ. ويُقالُ أيْضًا: بِمَ نَصَبَ مَن قَرَأ: نَصْرًا مِنَ اللَّهِ وفَتْحًا قَرِيبًا ؟، فَيُقالُ: عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى تُنْصَرُونَ نَصْرًا، ويَفْتَحُ لَكم فَتْحًا، أوْ عَلى يَغْفِرْ لَكم، ويُدْخِلْكم ويُؤْتِكم خَيْرًا، ويَرى نَصْرًا وفَتْحًا، هَكَذا ذُكِرَ في الكَشّافِ.
الصف 61:13
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِما أنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَما مَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ يَغْفِرْ لَكم، وقِيلَ جَوابُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وجُزِمَ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ لِما أنَّهُ تَرْجَمَةُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ومَحَلُّهُ جَزْمٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] لِأنَّ مَحَلَّ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ جَزْمٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ قِيلَ: جُزِمَ (يَغْفِرْ لَكم) بِهَلْ، لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، مِن جُمْلَةِ ما قُدِّمَ بَيانُهُ في التَّوْراةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ إلى مُفارَقَةِ مَساكِنِهِمْ وإنْفاقِ أمْوالِهِمْ والجِهادِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ يَعْنِي ذَلِكَ
صفحة ٢٧٦
الجَزاءُ الدّائِمُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، وقَدْ مَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أيْ تِجارَةٌ أُخْرى في العاجِلِ مَعَ ثَوابِ الآجِلِ، قالَ الفَرّاءُ: وخَصْلَةٌ أُخْرى تُحِبُّونَها في الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هو مُفَسِّرٌ لِلْأُخْرى، لِأنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرًا لِلتِّجارَةِ إذِ النَّصْرُ لا يَكُونُ تِجارَةً لَنا بَلْ هو رِبْحٌ لِلتِّجارَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ عاجِلٌ وهو فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ: هو فَتْحُ فارِسَ والرُّومِ، وفي ﴿تُحِبُّونَها﴾ شَيْءٌ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى مَحَبَّةِ العاجِلِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى (تُؤْمِنُونَ) لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا وجاهِدُوا يُثِبْكُمُ اللَّهُ ويَنْصُرْكم، وبَشِّرْ يا رَسُولَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ. ويُقالُ أيْضًا: بِمَ نَصَبَ مَن قَرَأ: نَصْرًا مِنَ اللَّهِ وفَتْحًا قَرِيبًا ؟، فَيُقالُ: عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى تُنْصَرُونَ نَصْرًا، ويَفْتَحُ لَكم فَتْحًا، أوْ عَلى يَغْفِرْ لَكم، ويُدْخِلْكم ويُؤْتِكم خَيْرًا، ويَرى نَصْرًا وفَتْحًا، هَكَذا ذُكِرَ في الكَشّافِ.
الصف 61:14
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ بِإدامَةِ النُّصْرَةِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، أيْ ودُومُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ النُّصْرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”كُونُوا أنْتُمْ أنْصارَ اللَّهِ“ فَأخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ، أيْ أنْصارُ دِينِ اللَّهِ وقَوْلُهُ: ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ أيِ انْصُرُوا دِينَ اللَّهِ مِثْلَ نُصْرَةِ الحَوارِيِّينَ لَمّا قالَ لَهم ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ، يَعْنِي مَن يَمْنَعُنِي مِنَ اللَّهِ، وقالَ عَطاءٌ: مَن يَنْصُرُ دِينَ اللَّهِ، ومِنهم مَن قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْصُرُوا مُحَمَّدًا ﷺ كَما نَصَرَ الحَوارِيُّونَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّصْرَ بِالجِهادِ لا يَكُونُ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الأُمَّةِ، والحَوارِيُّونَ أصْفِياؤُهُ، وأوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وحِوارِيُّ الرَّجُلِ صَفِيُّهُ وخُلَصاؤُهُ، مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ الخالِصُ، وقِيلَ: كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِّيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وأمّا الأنْصارُ فَعَنْ قَتادَةَ: أنَّ الأنْصارَ كُلَّهم مِن قُرَيْشٍ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وجَعْفَرٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعُثْمانُ بْنُ عَوْفٍ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّشْبِيهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى والمُرادُ كُونُوا كَما كانَ الحَوارِيُّونَ.
الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ ؟ نَقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مُطابِقًا لِجَوابِ الحَوارِيِّينَ والَّذِي يُطابِقُهُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَسْكَرِيٍّ مُتَوَجِّهًا إلى نُصْرَةِ اللَّهِ، وإضافَةُ (أنْصارِي) خِلافَ إضافَةِ (أنْصارُ اللَّهِ) لِما أنَّ المَعْنى في الأوَّلِ: الَّذِينَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ، وفي الثّانِي: الَّذِينَ يَخْتَصُّونَ بِي ويَكُونُونَ مَعِي في نُصْرَةِ اللَّهِ.
صفحة ٢٧٧
الثّالِثُ: أصْحابُ عِيسى قالُوا: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ وأصْحابُ مُحَمَّدٍ لَمْ يَقُولُوا هَكَذا، نَقُولُ: خِطابُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ السُّؤالِ فالجَوابُ لازِمٌ، وخِطابُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِطَرِيقِ الإلْزامِ، فالجَوابُ غَيْرُ لازِمٍ، بَلِ اللّازِمُ هو امْتِثالُ هَذا الأمْرِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ .
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِينَ كَفَرُوا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رُفِعَ إلى السَّماءِ تَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ قالُوا: كانَ اللَّهَ فارْتَفَعَ، وفِرْقَةٌ قالُوا: كانَ ابْنَ اللَّهِ فَرَفَعَهُ إلَيْهِ، وفِرْقَةٌ قالُوا: كانَ عَبْدَ اللَّهِ ورَسُولَهُ فَرَفَعَهُ إلَيْهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، واتَّبَعَ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، واجْتَمَعَتِ الطّائِفَتانِ الكافِرَتانِ عَلى الطّائِفَةِ المُسْلِمَةِ فَقَتَلُوهم وطَرَدُوهم في الأرْضِ، فَكانَتِ الحالَةُ هَذِهِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَظَهَرَتِ المُؤْمِنَةُ عَلى الكافِرَةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾، وقالَ مُجاهِدٌ: ”فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ“ يَعْنِي مَنِ اتَّبَعَ عِيسى، وهو قَوْلُ المُقاتِلَيْنِ، وعَلى هَذا القَوْلِ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَن آمَنَ بِعِيسى ظَهَرُوا عَلى مَن كَفَرُوا بِهِ فَأصْبَحُوا غالِبِينَ عَلى أهْلِ الأدْيانِ، وقالَ إبْراهِيمُ: أصْبَحَتْ حُجَّةُ مَن آمَنَ بِعِيسى ظاهِرَةً بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: ظاهِرِينَ بِالحُجَّةِ، والظُّهُورُ بِالحُجَّةِ هو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الجمعة 62:1
صفحة ٣
(سُورَةُ الجُمُعَةِ)
وهِيَ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً.
﷽
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾
﷽
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾
وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ: (سَبَّحَ لِلَّهِ) بِلَفْظِ الماضِي وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ في المُسْتَقْبَلِ، فَقالَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِيَدُلَّ عَلى التَّسْبِيحِ في زَمانَيِ الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، وأمّا تَعَلُّقُ الأوَّلِ بِالآخِرِ، فَلِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ أنَّهُ كانَ يُؤَيِّدُ أهْلَ الإيمانِ حَتّى صارُوا عالِينَ عَلى الكُفّارِ، وذَلِكَ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ لا لِلْحاجَةٍ إلَيْهِ إذْ هو غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، ومُنَزَّهٌ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ الجَهَلَةِ في الآفاقِ، وفي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُقَدَّسًا ومُنَزَّهًا عَمّا لا يَلِيقُ بِحَضْرَتِهِ العالِيَةِ بِالِاتِّفاقِ، ثُمَّ إذا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِأجْمَعِهِمْ في تَسْبِيحِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ المُلْكُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ﴾ ولا مُلْكَ أعْظَمُ مِن هَذا، وهو أنَّهُ خالِقُهم ومالِكُهم وكُلُّهم في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ، يُسَبِّحُونَ لَهُ آناءَ اللَّيْلِ وأطْرافَ النَّهارِ بَلْ في سائِرِ الأزْمانِ، كَما مَرَّ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ، ولَمّا كانَ المُلْكُ كُلُّهُ لَهُ فَهو المَلِكُ عَلى الإطْلاقِ، ولَمّا كانَ الكُلُّ بِخَلْقِهِ فَهو المالِكُ، والمالِكُ والمَلِكُ أشْرَفُ مِنَ المَمْلُوكِ، فَيَكُونُ مُتَّصِفًا بِصِفاتٍ يَحْصُلُ مِنها الشَّرَفُ، فَلا مَجالَ لِما يُنافِيهِ مِنَ الصِّفاتِ فَيَكُونُ قُدُّوسًا، فَلَفْظُ ”المَلِكِ“ إشارَةٌ إلى إثْباتِ ما يَكُونُ مِنَ الصِّفاتِ العالِيَةِ، ولَفْظُ ﴿القُدُّوسِ﴾ هو إشارَةٌ إلى نَفْيِ ما لا يَكُونُ مِنها، وعَنِ الغَزالِيِّ ”القُدُّوسُ“ المُنَزَّهُ عَمّا يَخْطُرُ بِبالِ أوْلِيائِهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ وكَذَلِكَ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ثُمَّ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ، أيْ هو المَلِكُ القُدُّوسُ، ولَوْ قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ لَكانَ وجْهًا، كَقَوْلِ العَرَبِ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، كَذا ذَكَرَهُ في الكَشّافِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يُسَبِّحُ اللَّهَ، فَما الفائِدَةُ ؟ نَقُولُ: هَذا مِن جُمْلَةِ ما يَجْرِي فِيهِ
صفحة ٤
اللَّفْظانِ: كَشَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ، ونَصَحَهُ ونَصَحَ لَهُ.
الثّانِي: ﴿القُدُّوسِ﴾ مِنَ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُبارَكُ.
الثّالِثُ: لَفْظُ ”الحَكِيمِ“ يُطْلَقُ عَلى الغَيْرِ أيْضًا، كَما قِيلَ في لُقْمانَ: إنَّهُ حَكِيمٌ، نَقُولُ: الحَكِيمُ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ هو الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ [ في ] مَواضِعِها، واللَّهُ تَعالى حَكِيمٌ بِهَذا المَعْنى.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَما فَرَغَ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ شَرَعَ في النُّبُوَّةِ فَقالَ:
الجمعة 62:2
﴿هو الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
الأُمِّيُّ مَنسُوبٌ إلى أُمَّةِ العَرَبِ، لِما أنَّهم أُمَّةٌ أُمِّيُّونَ لا كِتابَ لَهم، ولا يَقْرَءُونَ كِتابًا ولا يَكْتُبُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ ولا نَبِيٌّ بُعِثَ فِيهِمْ، وقِيلَ: الأُمِّيُّونَ الَّذِينَ هم عَلى ما خُلِقُوا عَلَيْهِ وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ، وقُرِئَ الأُمِّينَ بِحَذْفِ ياءِ النَّسَبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ نَسَبُهُ مِن نَسَبِهِمْ، وهو مِن جِنْسِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] قالَ أهْلُ المَعانِي: وكانَ هو ﷺ أيْضًا أُمِّيًّا مِثْلَ الأُمَّةِ الَّتِي بُعِثَ فِيهِمْ، وكانَتِ البِشارَةُ بِهِ في الكُتُبِ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِأنَّهُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، وكَوْنُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أبْعَدَ مِن تَوَهُّمِ الِاسْتِعانَةِ عَلى ما أتى بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ بِالكِتابَةِ، فَكانَتْ حالُهُ مُشاكَلَةً لِحالِ الأُمَّةِ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمْ، وذَلِكَ أقْرَبُ إلى صِدْقِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ أيْ بَيِّناتِهِ الَّتِي تُبَيِّنُ رِسالَتَهُ وتُظْهِرُ نُبُوَّتَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الآياتُ هي الآياتِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنها الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ، والَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِن خَبَثِ الشِّرْكِ، وخَبَثِ ما عَداهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وعِنْدَ البَعْضِ (يُزَكِّيهِمْ) أيْ يُصْلِحُهم، يَعْنِي يَدْعُوهم إلى اتِّباعِ ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ أتْقِياءَ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ والكِتابُ: ما يُتْلى مِنَ الآياتِ، والحِكْمَةُ: هي الفَرائِضُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ السُّنَّةُ، لِأنَّهُ كانَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُعَلِّمُهم سُنَنَهُ، وقِيلَ: الكِتابُ الآياتُ نَصًّا، والحِكْمَةُ ما أُودِعَ فِيها مِنَ المَعانِي، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الكِتابُ آياتُ القُرْآنِ والحِكْمَةُ وجْهُ التَّمَسُّكِ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ظاهِرٌ لِأنَّهم كانُوا عَبَدَةَ الأصْنامِ وكانُوا في ضَلالٍ مُبِينٍ وهو الشِّرْكُ، فَدَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلى التَّوْحِيدِ والإعْراضِ عَمّا كانُوا فِيهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَباحِثُ:
أحَدُها: احْتِجاجُ أهْلِ الكِتابِ بِها. قالُوا قَوْلُهُ: ﴿بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى الأُمِّيِّينَ وهُمُ العَرَبُ خاصَّةً، غَيْرَ أنَّهُ ضَعِيفٌ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ نَفْيُ ما عَداهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَخُطُّهُ بِشِمالِهِ، ولِأنَّهُ
صفحة ٥
لَوْ كانَ رَسُولًا إلى العَرَبِ خاصَّةً كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] لا يُناسِبُ ذَلِكَ، ولا مَجالَ لِهَذا لِما اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ، وهو صِدْقُ الرِّسالَةِ المَخْصُوصَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كافَّةً لِلنّاسِ﴾ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى الكُلِّ.
الجمعة 62:3
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿وآخَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأُمِّيِّينَ. يَعْنِي بَعَثَ في آخَرِينَ مِنهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الأعاجِمُ يَعْنُونَ بِهِمْ غَيْرَ العَرَبِ أيَّ طائِفَةٍ كانَتْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي التّابِعِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِأوائِلِهِمْ، وفي الجُمْلَةِ مَعْنى جَمِيعِ الأقْوالِ فِيهِ كُلُّ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فالمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ العَرَبُ. وبِالآخَرِينَ سِواهم مِنَ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ﴾ مَجْرُورٌ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى المَجْرُورِ يَعْنِي الأُمِّيِّينَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ في ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهم ويُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهم، أيْ مِنَ الأُمِّيِّينَ، وجَعَلَهم مِنهم، لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهم، فالمُسْلِمُونَ كُلُّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ أجْناسُهم، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٧١] وأمّا مَن لَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَدْخُلْ في دِينِهِ فَإنَّهم كانُوا بِمَعْزِلٍ عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ وإنْ كانَ النَّبِيُّ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ بِالدَّعْوَةِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ وغَيْرُ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ مَن يُعَلِّمُهُ الكُتّابَ والحِكْمَةَ (وهو العَزِيزُ) مِن حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البَشَرِ أثَرَ الذُّلِّ لَهُ والفَقْرِ إلَيْهِ، والحَكِيمُ حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ ما يَشْهَدُ بِوَحْدانِيَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ ألْحَقَ العَجَمَ وأبْناءَهم بِقُرَيْشٍ، يَعْنِي إذا آمَنُوا أُلْحِقُوا في دَرَجَةِ الفَضْلِ بِمَن شاهَدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشارَكُوهم في ذَلِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: ”ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ“ يَعْنِي الإسْلامَ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: يَعْنِي: النُّبُوَّةُ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فاخْتَصَّ بِها مُحَمَّدًا ﷺ . واللَّهُ ذُو المَنِّ العَظِيمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ في الدُّنْيا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ كَما مَرَّ، وفي الآخِرَةِ بِتَفْخِيمِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَثَلًا فَقالَ:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ، وبَيَّنَ في النُّبُوَّةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الأُمِّيِّينَ واليَهُودِ لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وهي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، ولَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ بِمَفْهُومِ الآيَةِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ لِلَّذِينِ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم لَمّا
صفحة ٦
لَمْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ شُبِّهُوا بِالحِمارِ، لِأنَّهم لَوْ عَمِلُوا بِمُقْتَضاها لانْتَفَعُوا بِها، ولَمْ يُورِدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وذَلِكَ لَأنَّ فِيها نَعْتَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والبِشارَةَ بِمَقْدَمِهِ، والدُّخُولَ في دِينِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ حُمِّلُوا العَمَلَ بِما فِيها، وكُلِّفُوا القِيامَ بِها، وحُمِّلُوا (وقُرِئَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لَيْسَ هو مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ، وإنَّما هو مِنَ الحَمالَةِ بِمَعْنى الكَفالَةِ والضَّمانِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَفِيلِ: الحَمِيلُ، والمَعْنى: ضُمِّنُوا أحْكامَ التَّوْراةِ ثُمَّ لَمْ يَضْمَنُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيها. قالَ الأصْمَعِيُّ: الحَمِيلُ، الكَفِيلُ، وقالَ الكِسائِيُّ: حَمَلْتُ لَهُ حَمالَةً، أيْ كَفَلْتُ بِهِ، والأسْفارُ جَمْعُ سِفْرٍ وهو الكِتابُ الكَبِيرُ، لِأنَّهُ يُسْفِرُ عَنِ المَعْنى إذا قُرِئَ، ونَظِيرُهُ شِبْرٌ وأشْبارٌ، شَبَّهَ اليَهُودَ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ، وهي دالَّةٌ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالحِمارِ الَّذِي يَحْمِلُ الكُتُبَ العِلْمِيَّةَ ولا يَدْرِي ما فِيها.
وقالَ أهْلُ المَعانِي: هَذا المَثَلُ مَثَلُ مَن يَفْهَمُ مَعانِيَ القُرْآنِ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وأعْرَضَ عَنْهُ إعْراضَ مَن لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولِهَذا قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يا أهْلَ القُرْآنِ اتَّبِعُوا القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَتْبَعَكم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَحْمِلُوها﴾ أيْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ولَمْ يَحْمِلُوها حَقَّ حَمْلِها عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَشَبَّهَهم والتَّوْراةُ في أيْدِيهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ بِها بِحِمارٍ يَحْمِلُ كُتُبًا، ولَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا ثِقَلُ الحِمْلِ مِن غَيْرِ انْتِفاعٍ مِمّا يَحْمِلُهُ، كَذَلِكَ اليَهُودُ لَيْسَ لَهم مِن كِتابِهِمْ إلّا وبالُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّ المَثَلَ، والمُرادُ مِنهُ ذَمُّهم فَقالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِئْسَ القَوْمُ مَثَلًا الَّذِينَ كَذَّبُوا، كَما قالَ: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ومَوْضِعُ الَّذِينَ رَفْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَرًّا، وبِالجُمْلَةِ لَمّا بَلَغَ كَذِبُهم مَبْلَغًا وهو أنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ تَعالى كانَ في غايَةِ الشَّرِّ والفَسادِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والمُرادُ بِالآياتِ هَهُنا الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ: الآياتُ التَّوْراةُ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِها حِينَ تَرَكُوا الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا أشْبَهُ هُنا ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وهَهُنا مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في تَعْيِينِ الحِمارِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ ؟
نَقُولُ: لِوُجُوهٍ:
مِنها أنَّهُ تَعالى خَلَقَ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] والزِّينَةُ في الخَيْلِ أكْثَرُ وأظْهَرُ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّكُوبِ، وحَمْلِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، وفي البِغالِ دُونَ الخَيْلِ، وفي الحِمارِ دُونَ البِغالِ، فالبِغالُ كالمُتَوَسِّطِ في المَعانِي الثَّلاثَةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الحِمارُ في مَعْنى الحَمْلِ أظْهَرَ وأغْلَبَ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْلِ والبِغالِ، وغَيْرِهِما مِنَ الحَيَواناتِ.
ومِنها: أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ لِإظْهارِ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وذَلِكَ في الحِمارِ أظْهَرُ.
ومِنها: أنَّ في الحِمارِ مِنَ الذُّلِّ والحَقارَةِ ما لا يَكُونُ في الغَيْرِ، والغَرَضُ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَعْيِيرُ القَوْمِ بِذَلِكَ وتَحْقِيرُهم، فَيَكُونُ تَعْيِينُ الحِمارِ ألْيَقَ وأوْلى، ومِنها أنَّ حَمْلَ الأسْفارِ عَلى الحِمارِ أتَمُّ وأعَمُّ وأسْهَلُ وأسْلَمُ، لِكَوْنِهِ ذَلُولًا، سَلِسَ القِيادِ، لَيِّنَ الِانْقِيادِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ الصَّبِيُّ الغَبِيُّ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يُوجِبُ حُسْنَ الذِّكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ.
ومِنها: أنَّ رِعايَةَ الألْفاظِ والمُناسَبَةِ بَيْنَها مِنَ اللَّوازِمِ في الكَلامِ، وبَيْنَ لَفْظَيِ الأسْفارِ والحِمارِ لَفْظِيَّةٌ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ مِنَ الحَيَواناتِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ أوْلى.
الثّانِي: (يَحْمِلُ) ما مَحَلُّهُ ؟ نَقُولُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الجَرُّ عَلى الوَصْفِ كَما قالَ في الكَشّافِ إذِ الحِمارُ كاللَّئِيمِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٧
ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَرَرْتُ ثَمَّةَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ كَيْفَ وُصِفَ المَثَلُ بِهَذا الوَصْفِ ؟ نَقُولُ: الوَصْفُ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلْمَثَلِ فَهو راجِعٌ إلى القَوْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بِئْسَ القَوْمُ قَوْمًا مَثَلُهم هَكَذا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا الخِطابِ لَهم وهو:
الجمعة 62:4
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿وآخَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأُمِّيِّينَ. يَعْنِي بَعَثَ في آخَرِينَ مِنهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الأعاجِمُ يَعْنُونَ بِهِمْ غَيْرَ العَرَبِ أيَّ طائِفَةٍ كانَتْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي التّابِعِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِأوائِلِهِمْ، وفي الجُمْلَةِ مَعْنى جَمِيعِ الأقْوالِ فِيهِ كُلُّ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فالمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ العَرَبُ. وبِالآخَرِينَ سِواهم مِنَ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ﴾ مَجْرُورٌ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى المَجْرُورِ يَعْنِي الأُمِّيِّينَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ في ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهم ويُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهم، أيْ مِنَ الأُمِّيِّينَ، وجَعَلَهم مِنهم، لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهم، فالمُسْلِمُونَ كُلُّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ أجْناسُهم، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٧١] وأمّا مَن لَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَدْخُلْ في دِينِهِ فَإنَّهم كانُوا بِمَعْزِلٍ عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ وإنْ كانَ النَّبِيُّ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ بِالدَّعْوَةِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ وغَيْرُ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ مَن يُعَلِّمُهُ الكُتّابَ والحِكْمَةَ (وهو العَزِيزُ) مِن حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البَشَرِ أثَرَ الذُّلِّ لَهُ والفَقْرِ إلَيْهِ، والحَكِيمُ حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ ما يَشْهَدُ بِوَحْدانِيَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ ألْحَقَ العَجَمَ وأبْناءَهم بِقُرَيْشٍ، يَعْنِي إذا آمَنُوا أُلْحِقُوا في دَرَجَةِ الفَضْلِ بِمَن شاهَدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشارَكُوهم في ذَلِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: ”ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ“ يَعْنِي الإسْلامَ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: يَعْنِي: النُّبُوَّةُ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فاخْتَصَّ بِها مُحَمَّدًا ﷺ . واللَّهُ ذُو المَنِّ العَظِيمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ في الدُّنْيا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ كَما مَرَّ، وفي الآخِرَةِ بِتَفْخِيمِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَثَلًا فَقالَ:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ، وبَيَّنَ في النُّبُوَّةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الأُمِّيِّينَ واليَهُودِ لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وهي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، ولَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ بِمَفْهُومِ الآيَةِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ لِلَّذِينِ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم لَمّا
صفحة ٦
لَمْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ شُبِّهُوا بِالحِمارِ، لِأنَّهم لَوْ عَمِلُوا بِمُقْتَضاها لانْتَفَعُوا بِها، ولَمْ يُورِدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وذَلِكَ لَأنَّ فِيها نَعْتَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والبِشارَةَ بِمَقْدَمِهِ، والدُّخُولَ في دِينِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ حُمِّلُوا العَمَلَ بِما فِيها، وكُلِّفُوا القِيامَ بِها، وحُمِّلُوا (وقُرِئَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لَيْسَ هو مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ، وإنَّما هو مِنَ الحَمالَةِ بِمَعْنى الكَفالَةِ والضَّمانِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَفِيلِ: الحَمِيلُ، والمَعْنى: ضُمِّنُوا أحْكامَ التَّوْراةِ ثُمَّ لَمْ يَضْمَنُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيها. قالَ الأصْمَعِيُّ: الحَمِيلُ، الكَفِيلُ، وقالَ الكِسائِيُّ: حَمَلْتُ لَهُ حَمالَةً، أيْ كَفَلْتُ بِهِ، والأسْفارُ جَمْعُ سِفْرٍ وهو الكِتابُ الكَبِيرُ، لِأنَّهُ يُسْفِرُ عَنِ المَعْنى إذا قُرِئَ، ونَظِيرُهُ شِبْرٌ وأشْبارٌ، شَبَّهَ اليَهُودَ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ، وهي دالَّةٌ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالحِمارِ الَّذِي يَحْمِلُ الكُتُبَ العِلْمِيَّةَ ولا يَدْرِي ما فِيها.
وقالَ أهْلُ المَعانِي: هَذا المَثَلُ مَثَلُ مَن يَفْهَمُ مَعانِيَ القُرْآنِ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وأعْرَضَ عَنْهُ إعْراضَ مَن لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولِهَذا قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يا أهْلَ القُرْآنِ اتَّبِعُوا القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَتْبَعَكم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَحْمِلُوها﴾ أيْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ولَمْ يَحْمِلُوها حَقَّ حَمْلِها عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَشَبَّهَهم والتَّوْراةُ في أيْدِيهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ بِها بِحِمارٍ يَحْمِلُ كُتُبًا، ولَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا ثِقَلُ الحِمْلِ مِن غَيْرِ انْتِفاعٍ مِمّا يَحْمِلُهُ، كَذَلِكَ اليَهُودُ لَيْسَ لَهم مِن كِتابِهِمْ إلّا وبالُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّ المَثَلَ، والمُرادُ مِنهُ ذَمُّهم فَقالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِئْسَ القَوْمُ مَثَلًا الَّذِينَ كَذَّبُوا، كَما قالَ: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ومَوْضِعُ الَّذِينَ رَفْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَرًّا، وبِالجُمْلَةِ لَمّا بَلَغَ كَذِبُهم مَبْلَغًا وهو أنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ تَعالى كانَ في غايَةِ الشَّرِّ والفَسادِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والمُرادُ بِالآياتِ هَهُنا الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ: الآياتُ التَّوْراةُ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِها حِينَ تَرَكُوا الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا أشْبَهُ هُنا ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وهَهُنا مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في تَعْيِينِ الحِمارِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ ؟
نَقُولُ: لِوُجُوهٍ:
مِنها أنَّهُ تَعالى خَلَقَ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] والزِّينَةُ في الخَيْلِ أكْثَرُ وأظْهَرُ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّكُوبِ، وحَمْلِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، وفي البِغالِ دُونَ الخَيْلِ، وفي الحِمارِ دُونَ البِغالِ، فالبِغالُ كالمُتَوَسِّطِ في المَعانِي الثَّلاثَةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الحِمارُ في مَعْنى الحَمْلِ أظْهَرَ وأغْلَبَ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْلِ والبِغالِ، وغَيْرِهِما مِنَ الحَيَواناتِ.
ومِنها: أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ لِإظْهارِ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وذَلِكَ في الحِمارِ أظْهَرُ.
ومِنها: أنَّ في الحِمارِ مِنَ الذُّلِّ والحَقارَةِ ما لا يَكُونُ في الغَيْرِ، والغَرَضُ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَعْيِيرُ القَوْمِ بِذَلِكَ وتَحْقِيرُهم، فَيَكُونُ تَعْيِينُ الحِمارِ ألْيَقَ وأوْلى، ومِنها أنَّ حَمْلَ الأسْفارِ عَلى الحِمارِ أتَمُّ وأعَمُّ وأسْهَلُ وأسْلَمُ، لِكَوْنِهِ ذَلُولًا، سَلِسَ القِيادِ، لَيِّنَ الِانْقِيادِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ الصَّبِيُّ الغَبِيُّ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يُوجِبُ حُسْنَ الذِّكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ.
ومِنها: أنَّ رِعايَةَ الألْفاظِ والمُناسَبَةِ بَيْنَها مِنَ اللَّوازِمِ في الكَلامِ، وبَيْنَ لَفْظَيِ الأسْفارِ والحِمارِ لَفْظِيَّةٌ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ مِنَ الحَيَواناتِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ أوْلى.
الثّانِي: (يَحْمِلُ) ما مَحَلُّهُ ؟ نَقُولُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الجَرُّ عَلى الوَصْفِ كَما قالَ في الكَشّافِ إذِ الحِمارُ كاللَّئِيمِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٧
ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَرَرْتُ ثَمَّةَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ كَيْفَ وُصِفَ المَثَلُ بِهَذا الوَصْفِ ؟ نَقُولُ: الوَصْفُ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلْمَثَلِ فَهو راجِعٌ إلى القَوْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بِئْسَ القَوْمُ قَوْمًا مَثَلُهم هَكَذا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا الخِطابِ لَهم وهو:
الجمعة 62:5
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾
﴿وآخَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الأُمِّيِّينَ. يَعْنِي بَعَثَ في آخَرِينَ مِنهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الأعاجِمُ يَعْنُونَ بِهِمْ غَيْرَ العَرَبِ أيَّ طائِفَةٍ كانَتْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي التّابِعِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِأوائِلِهِمْ، وفي الجُمْلَةِ مَعْنى جَمِيعِ الأقْوالِ فِيهِ كُلُّ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فالمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ العَرَبُ. وبِالآخَرِينَ سِواهم مِنَ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآخَرِينَ﴾ مَجْرُورٌ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى المَجْرُورِ يَعْنِي الأُمِّيِّينَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ في ﴿ويُعَلِّمُهُمُ﴾ أيْ ويُعَلِّمُهم ويُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهم، أيْ مِنَ الأُمِّيِّينَ، وجَعَلَهم مِنهم، لِأنَّهم إذا أسْلَمُوا صارُوا مِنهم، فالمُسْلِمُونَ كُلُّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ أجْناسُهم، قالَ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٧١] وأمّا مَن لَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَدْخُلْ في دِينِهِ فَإنَّهم كانُوا بِمَعْزِلٍ عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ وإنْ كانَ النَّبِيُّ مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ بِالدَّعْوَةِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ وغَيْرُ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِن جُمْلَةِ مَن يُعَلِّمُهُ الكُتّابَ والحِكْمَةَ (وهو العَزِيزُ) مِن حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ البَشَرِ أثَرَ الذُّلِّ لَهُ والفَقْرِ إلَيْهِ، والحَكِيمُ حَيْثُ جَعَلَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ ما يَشْهَدُ بِوَحْدانِيَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ ألْحَقَ العَجَمَ وأبْناءَهم بِقُرَيْشٍ، يَعْنِي إذا آمَنُوا أُلْحِقُوا في دَرَجَةِ الفَضْلِ بِمَن شاهَدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشارَكُوهم في ذَلِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: ”ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ“ يَعْنِي الإسْلامَ ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: يَعْنِي: النُّبُوَّةُ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فاخْتَصَّ بِها مُحَمَّدًا ﷺ . واللَّهُ ذُو المَنِّ العَظِيمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ في الدُّنْيا بِتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ كَما مَرَّ، وفي الآخِرَةِ بِتَفْخِيمِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ضَرَبَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَثَلًا فَقالَ:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ، وبَيَّنَ في النُّبُوَّةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى الأُمِّيِّينَ واليَهُودِ لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وهي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى العَرَبِ خاصَّةً، ولَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ بِمَفْهُومِ الآيَةِ أتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ لِلَّذِينِ أعْرَضُوا عَنِ العَمَلِ بِالتَّوْراةِ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّهم لَمّا
صفحة ٦
لَمْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ شُبِّهُوا بِالحِمارِ، لِأنَّهم لَوْ عَمِلُوا بِمُقْتَضاها لانْتَفَعُوا بِها، ولَمْ يُورِدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وذَلِكَ لَأنَّ فِيها نَعْتَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والبِشارَةَ بِمَقْدَمِهِ، والدُّخُولَ في دِينِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ حُمِّلُوا العَمَلَ بِما فِيها، وكُلِّفُوا القِيامَ بِها، وحُمِّلُوا (وقُرِئَ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: لَيْسَ هو مِنَ الحَمْلِ عَلى الظَّهْرِ، وإنَّما هو مِنَ الحَمالَةِ بِمَعْنى الكَفالَةِ والضَّمانِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَفِيلِ: الحَمِيلُ، والمَعْنى: ضُمِّنُوا أحْكامَ التَّوْراةِ ثُمَّ لَمْ يَضْمَنُوها ولَمْ يَعْمَلُوا بِما فِيها. قالَ الأصْمَعِيُّ: الحَمِيلُ، الكَفِيلُ، وقالَ الكِسائِيُّ: حَمَلْتُ لَهُ حَمالَةً، أيْ كَفَلْتُ بِهِ، والأسْفارُ جَمْعُ سِفْرٍ وهو الكِتابُ الكَبِيرُ، لِأنَّهُ يُسْفِرُ عَنِ المَعْنى إذا قُرِئَ، ونَظِيرُهُ شِبْرٌ وأشْبارٌ، شَبَّهَ اليَهُودَ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما في التَّوْراةِ، وهي دالَّةٌ عَلى الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِالحِمارِ الَّذِي يَحْمِلُ الكُتُبَ العِلْمِيَّةَ ولا يَدْرِي ما فِيها.
وقالَ أهْلُ المَعانِي: هَذا المَثَلُ مَثَلُ مَن يَفْهَمُ مَعانِيَ القُرْآنِ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وأعْرَضَ عَنْهُ إعْراضَ مَن لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولِهَذا قالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: يا أهْلَ القُرْآنِ اتَّبِعُوا القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَتْبَعَكم ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَحْمِلُوها﴾ أيْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّها ولَمْ يَحْمِلُوها حَقَّ حَمْلِها عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَشَبَّهَهم والتَّوْراةُ في أيْدِيهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ بِها بِحِمارٍ يَحْمِلُ كُتُبًا، ولَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا ثِقَلُ الحِمْلِ مِن غَيْرِ انْتِفاعٍ مِمّا يَحْمِلُهُ، كَذَلِكَ اليَهُودُ لَيْسَ لَهم مِن كِتابِهِمْ إلّا وبالُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ ذَمَّ المَثَلَ، والمُرادُ مِنهُ ذَمُّهم فَقالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِئْسَ القَوْمُ مَثَلًا الَّذِينَ كَذَّبُوا، كَما قالَ: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ومَوْضِعُ الَّذِينَ رَفْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَرًّا، وبِالجُمْلَةِ لَمّا بَلَغَ كَذِبُهم مَبْلَغًا وهو أنَّهم كَذَبُوا عَلى اللَّهِ تَعالى كانَ في غايَةِ الشَّرِّ والفَسادِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ والمُرادُ بِالآياتِ هَهُنا الآياتُ الدّالَّةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ: الآياتُ التَّوْراةُ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِها حِينَ تَرَكُوا الإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا أشْبَهُ هُنا ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، وهَهُنا مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في تَعْيِينِ الحِمارِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَواناتِ ؟
نَقُولُ: لِوُجُوهٍ:
مِنها أنَّهُ تَعالى خَلَقَ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] والزِّينَةُ في الخَيْلِ أكْثَرُ وأظْهَرُ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّكُوبِ، وحَمْلِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، وفي البِغالِ دُونَ الخَيْلِ، وفي الحِمارِ دُونَ البِغالِ، فالبِغالُ كالمُتَوَسِّطِ في المَعانِي الثَّلاثَةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الحِمارُ في مَعْنى الحَمْلِ أظْهَرَ وأغْلَبَ بِالنِّسْبَةِ إلى الخَيْلِ والبِغالِ، وغَيْرِهِما مِنَ الحَيَواناتِ.
ومِنها: أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ لِإظْهارِ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وذَلِكَ في الحِمارِ أظْهَرُ.
ومِنها: أنَّ في الحِمارِ مِنَ الذُّلِّ والحَقارَةِ ما لا يَكُونُ في الغَيْرِ، والغَرَضُ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَعْيِيرُ القَوْمِ بِذَلِكَ وتَحْقِيرُهم، فَيَكُونُ تَعْيِينُ الحِمارِ ألْيَقَ وأوْلى، ومِنها أنَّ حَمْلَ الأسْفارِ عَلى الحِمارِ أتَمُّ وأعَمُّ وأسْهَلُ وأسْلَمُ، لِكَوْنِهِ ذَلُولًا، سَلِسَ القِيادِ، لَيِّنَ الِانْقِيادِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ الصَّبِيُّ الغَبِيُّ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما يُوجِبُ حُسْنَ الذِّكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ.
ومِنها: أنَّ رِعايَةَ الألْفاظِ والمُناسَبَةِ بَيْنَها مِنَ اللَّوازِمِ في الكَلامِ، وبَيْنَ لَفْظَيِ الأسْفارِ والحِمارِ لَفْظِيَّةٌ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ مِنَ الحَيَواناتِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ أوْلى.
الثّانِي: (يَحْمِلُ) ما مَحَلُّهُ ؟ نَقُولُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ، أوِ الجَرُّ عَلى الوَصْفِ كَما قالَ في الكَشّافِ إذِ الحِمارُ كاللَّئِيمِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٧
ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَرَرْتُ ثَمَّةَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ كَيْفَ وُصِفَ المَثَلُ بِهَذا الوَصْفِ ؟ نَقُولُ: الوَصْفُ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلْمَثَلِ فَهو راجِعٌ إلى القَوْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بِئْسَ القَوْمُ قَوْمًا مَثَلُهم هَكَذا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا الخِطابِ لَهم وهو:
الجمعة 62:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما مَرَّ بَيانُهُ، وقُرِئَ: ”فَتَمَنَّوُا المَوِتِ“ بِكَسْرِ الواوِ، و”هادُوا“ أيْ تَهَوَّدُوا، وكانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُكم حَقًّا وأنْتُمْ عَلى ثِقَةٍ فَتَمَنَّوْا عَلى اللَّهِ أنْ يُمِيتَكم ويَنْقُلَكم سَرِيعًا إلى دارِ كَرامَتِهِ الَّتِي أعَدَّها لِأوْلِيائِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
فَهم يَطْلُبُونَ المَوْتَ لا مَحالَةَ إذا كانَتِ الحالَةُ هَذِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمُوا مِنَ الكُفْرِ وتَحْرِيفِ الآياتِ، وذُكِرَ مَرَّةً بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ومَرَّةً بِدُونِ لَفْظِ التَّأْكِيدِ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ بِظُلْمِهِمْ مِن تَحْرِيفِ الآياتِ وعِنادِهِمْ لَها، ومُكابَرَتِهِمْ إيّاها.
الجمعة 62:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما مَرَّ بَيانُهُ، وقُرِئَ: ”فَتَمَنَّوُا المَوِتِ“ بِكَسْرِ الواوِ، و”هادُوا“ أيْ تَهَوَّدُوا، وكانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُكم حَقًّا وأنْتُمْ عَلى ثِقَةٍ فَتَمَنَّوْا عَلى اللَّهِ أنْ يُمِيتَكم ويَنْقُلَكم سَرِيعًا إلى دارِ كَرامَتِهِ الَّتِي أعَدَّها لِأوْلِيائِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
فَهم يَطْلُبُونَ المَوْتَ لا مَحالَةَ إذا كانَتِ الحالَةُ هَذِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما قَدَّمُوا مِنَ الكُفْرِ وتَحْرِيفِ الآياتِ، وذُكِرَ مَرَّةً بِلَفْظِ التَّأْكِيدِ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ومَرَّةً بِدُونِ لَفْظِ التَّأْكِيدِ ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ بِظُلْمِهِمْ مِن تَحْرِيفِ الآياتِ وعِنادِهِمْ لَها، ومُكابَرَتِهِمْ إيّاها.
الجمعة 62:8
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
يَعْنِي أنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم مِن تَحْرِيفِ الآياتِ وغَيْرِهِ مُلاقِيكم لا مَحالَةَ، ولا يَنْفَعُكُمُ الفِرارُ ثُمَّ تَرُدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ يَعْنِي ما أشْهَدْتُمُ الخَلْقَ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وعالِمٌ بِما غَيَّبْتُمْ عَنِ الخَلْقِ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما أسْرَرْتُمْ في أنْفُسِكم مِن تَكْذِيبِكم رِسالَتَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إمّا عِيانًا مَقْرُونًا بِلِقائِكم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ بِالجَزاءِ إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ. وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ هو التَّنْبِيهُ عَلى السَّعْيِ فِيما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هو الوَعِيدُ البَلِيغُ والتَّهْدِيدُ الشَّدِيدُ. ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أدْخَلَ الفاءَ لِما أنَّهُ في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”مُلاقِيكم“ مِن غَيْرِ (فَإنَّهُ) .
صفحة ٨
الثّانِي: أنْ يُقالَ: المَوْتُ مُلاقِيهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، فَرُّوا أوْ لَمْ يَفِرُّوا، فَما مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ ؟ قِيلَ: إنَّ هَذا عَلى جِهَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إذْ ظَنُّوا أنَّ الفِرارَ يُنْجِيهِمْ، وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى، وأفْصَحَ عَنْهُ بِالشَّرْطِ الحَقِيقِيِّ في قَوْلِهِ:
ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا تَنالُهُ ولَوْ نالَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
الجمعة 62:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وجْهُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَها هو أنَّ الَّذِينَ هادُوا يَفِرُّونَ مِنَ المَوْتِ لِمَتاعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها والَّذِينَ آمَنُوا يَبِيعُونَ ويَشْرُونَ لِمَتاعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها كَذَلِكَ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ إلى ما يَنْفَعُكم في الآخِرَةِ، وهو حُضُورُ الجُمُعَةِ، لِأنَّ الدُّنْيا ومَتاعَها فانِيَةٌ والآخِرَةَ وما فِيها باقِيَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ووَجْهٌ آخَرُ في التَّعَلُّقِ، قالَ بَعْضُهم: قَدْ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَ اليَهُودِ في ثَلاثٍ: افْتَخَرُوا بِأنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَكَذَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وبِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبَ لا كِتابَ لَهم، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا، وبِالسَّبْتِ ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ فَشَرَعَ اللَّهِ تَعالى لَهُمُ الجُمُعَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ﴾ يَعْنِي النِّداءَ إذا جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وأنَّهُ كَما قالَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِداءٌ سَواءٌ كانَ إذا جَلَسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ بِلالٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وكَذا عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلصَّلاةِ﴾ أيْ لِوَقْتِ الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ ولا تَكُونُ الصَّلاةُ مِنَ اليَوْمِ، وإنَّما يَكُونُ وقْتُها مِنَ اليَوْمِ، قالَ اللَّيْثُ: الجُمُعَةُ يَوْمٌ خُصَّ بِهِ لِاجْتِماعِ النّاسِ في ذَلِكَ، ويُجْمَعُ عَلى الجُمُعاتِ والجُمَعِ، وعَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«سُمِّيَتِ الجُمُعَةُ جُمُعَةً لِأنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُهُ» “ وقِيلَ: لِما أنَّهُ تَعالى فَرَغَ فِيها مِن خَلْقِ الأشْياءِ، فاجْتَمَعَتْ فِيها المَخْلُوقاتُ.
قالَ الفَرّاءُ: وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ التَّخْفِيفُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ والتَّثْقِيلُ، وهي قِراءَةُ العامَّةِ، ولُغَةٌ لِبَنِي عُقَيْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ فامْضُوا، وقِيلَ: فامْشُوا وعَلى هَذا مَعْنى السَّعْيِ: المَشْيُ لا العَدْوُ، وقالَ الفَرّاءُ: المُضِيُّ والسَّعْيُ والذَّهابُ في مَعْنًى واحِدٍ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ”فاسْعَوْا“ قالَ مَن أقْرَأكَ هَذا ؟ قالَ: أُبَيٌّ، قالَ: لا يَزالُ يَقْرَأُ بِالمَنسُوخِ، لَوْ كانَتْ فاسْعَوْا لَسَعَيْتُ حَتّى يَسْقُطَ رِدائِي، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّعْيِ القَصْدُ دُونَ العَدْوِ، والسَّعْيُ التَّصَرُّفُ في كُلِّ عَمَلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما هو سَعْيٌ عَلى الأقْدامِ ولَكِنَّهُ سَعْيٌ بِالقُلُوبِ، وسَعْيٌ بِالنِّيَّةِ، وسَعْيٌ بِالرَّغْبَةِ، ونَحْوَ هَذا، والسَّعْيُ هَهُنا هو العَمَلُ عِنْدَ قَوْمٍ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، إذِ السَّعْيُ
صفحة ٩
فِي كِتابِ اللَّهِ العَمَلُ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] أيِ العَمَلُ، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: ”«إذا أتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَلا تَأْتُوها وأنْتُمْ تَسْعَوْنَ، ولَكِنِ ائْتُوها وعَلَيْكُمُ السِّكِّينَةُ» “ واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى: ”أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [ كانَ ] مَتى أتى الجُمُعَةَ أتى عَلى هَيِّنَةٍ“ وقَوْلُهُ: ﴿إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الذِّكْرُ هو الخُطْبَةُ عِنْدَ الأكْثَرِ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وقِيلَ: هو الصَّلاةُ، وأمّا الأحْكامُ المُتَعَلِّقَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّها تُعْرَفُ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ قالَ الحَسَنُ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ لَمْ يَحِلَّ الشِّراءُ والبَيْعُ، وقالَ عَطاءٌ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ حَرُمَ البَيْعُ والشِّراءُ، وقالَ الفَرّاءُ إنَّما حَرُمَ البَيْعُ والشِّراءُ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ لِمَكانِ الِاجْتِماعِ ولِنُدْرِكَ لَهُ كافَّةَ الحَسَناتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم وأصْلُحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ أيْ إذا صَلَّيْتُمُ الفَرِيضَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ هَذا صِيغَةُ الأمْرِ بِمَعْنى الإباحَةِ لِما أنَّ إباحَةَ الِانْتِشارِ زائِلَةٌ بِفَرْضِيَّةِ أداءِ الصَّلاةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ عادَتِ الإباحَةُ فَيُباحُ لَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الأرْضِ ويَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ، وهو الرِّزْقُ، ونَظِيرُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فَإنْ شِئْتَ فاخْرُجْ، وإنْ شِئْتَ فَصَلِّ إلى العَصْرِ، وإنْ شِئْتَ فاقْعُدْ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ صِيغَةُ أمْرٍ بِمَعْنى الإباحَةِ أيْضًا لِجَلْبِ الرِّزْقِ بِالتِّجارَةِ بَعْدَ المَنعِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ وعَنْ مُقاتِلٍ: أحَلَّ لَهُمُ ابْتِغاءَ الرِّزْقِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَمَن شاءَ خَرَجَ، ومَن شاءَ لَمْ يَخْرُجْ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وقالَ الضَّحّاكٌ، هو إذْنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذا فَرَغَ، فَإنْ شاءَ خَرَجَ، وإنْ شاءَ قَعَدَ، والأفْضَلُ في الِابْتِغاءِ مِن فَضْلِ اللَّهِ أنْ يَطْلُبَ الرِّزْقَ، أوِ الوَلَدَ الصّالِحَ أوِ العِلْمَ النّافِعَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، وعَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ كانَ إذا صَلّى الجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلى بابِ المَسْجِدِ [ و] قالَ: اللَّهُمَّ أجَبْتُ دَعْوَتَكَ، وصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وانْتَشَرْتُ كَما أمَرْتَنِي، فارْزُقْنِي مِن فَضْلِكَ وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: بِاللِّسانِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بِالطّاعَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَكُونُ مِنَ الذّاكِرِينَ كَثِيرًا حَتّى يَذْكُرَهُ قائِمًا وقاعِدًا ومُضْطَجِعًا، والمَعْنى إذا رَجَعْتُمْ إلى التِّجارَةِ وانْصَرَفْتُمْ إلى البَيْعِ والشِّراءِ مَرَّةً أُخْرى فاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] .
وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إذا أتَيْتُمُ السُّوقَ فَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإنَّ مَن قالَها كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ وحَطَّ عَنْهُ ألْفَ ألْفِ خَطِيئَةٍ ورَفَعَ لَهُ ألْفَ ألْفِ دَرَجَةٍ» “ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما قَدْ مَرَّ مِرارًا، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في أنْ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى في يَوْمِ الجُمُعَةِ هَذا التَّكْلِيفَ ؟ فَنَقُولُ: قالَ القَفّالُ: هي أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الخَلْقَ فَأخْرَجَهم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ وجَعَلَ مِنهم جَمادًا ونامِيًا وحَيَوانًا، فَكانَ ما سِوى الجَمادِ أصْنافًا، مِنها بَهائِمُ ومَلائِكَةٌ وجِنٌّ وإنْسٌ، ثُمَّ هي مُخْتَلِفَةُ المَساكِنِ مِنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ فَكانَ أشْرَفُ العالَمِ السُّفْلِيِّ هُمُ النّاسَ لِعَجِيبِ تَرْكِيبِهِمْ، ولِما كَرَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ النُّطْقِ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ والطِّباعِ الَّتِي بِها غايَةُ التَّعَبُّدِ بِالشَّرائِعِ، ولَمْ يُخْفِ مَوْضِعَ عِظَمِ المِنَّةِ وجَلالَةِ قَدْرِ المَوْهِبَةِ لَهم فَأُمِرُوا بِالشُّكْرِ عَلى هَذِهِ الكَرامَةِ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ السَّبْعَةِ الَّتِي فِيها أُنْشِئَتِ الخَلائِقُ وتَمَّ وُجُودُها، لِيَكُونَ في اجْتِماعِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ، وإذا كانَ شَأْنُهم لَمْ يَخْلُ مِن حِينِ ابْتُدِئُوا مِن نِعْمَةٍ تَتَخَلَّلُهم، وإنَّ مِنَّةَ اللَّهِ مُثْبَتَةٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَها، ولِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ المَعْرُوفَةِ
صفحة ١٠
يَوْمٌ مِنها مُعَظَّمٌ، فَلِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ ولِلنَّصارى يَوْمُ الأحَدِ، ولِلْمُسْلِمِينَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«يَوْمُ الجُمُعَةِ هَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فَلِلْيَهُودِ غَدًا ولِلنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» “ ولَمّا جُعِلَ يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمَ شُكْرٍ وإظْهارِ سُرُورٍ وتَعْظِيمِ نِعْمَةٍ، احْتِيجَ فِيهِ إلى الِاجْتِماعِ الَّذِي بِهِ تَقَعُ شُهْرَتُهُ فَجُمِعَتِ الجَماعاتُ لَهُ كالسُّنَّةِ في الأعْيادِ، واحْتِيجَ فِيهِ إلى الخُطْبَةِ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ وحَثًّا عَلى اسْتَدامَتِها بِإقامَةِ ما يَعُودُ بِآلاءِ الشُّكْرِ، ولَمّا كانَ مَدارُ التَّعْظِيمِ، إنَّما هو عَلى الصَّلاةِ جُعِلَتِ الصَّلاةُ لِهَذا اليَوْمِ وسَطَ النَّهارِ لِيَتِمَّ الِاجْتِماعُ ولَمْ تَجُزْ هَذِهِ الصَّلاةُ إلّا في مَسْجِدٍ واحِدٍ لِيَكُونَ أدْعى إلى الِاجْتِماعِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: كَيْفَ خُصَّ ذِكْرُ اللَّهِ بِالخُطْبَةِ، وفِيها ذِكْرُ اللَّهِ وغَيْرِ اللَّهِ ؟ نَقُولُ: المُرادُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ الخُطْبَةُ والصَّلاةُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ مِن ذِكْرِ الظَّلَمَةِ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ والدُّعاءِ لَهم فَذَلِكَ ذِكْرُ الشَّيْطانِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ لِمَ خَصَّ البَيْعَ مِن جَمِيعِ الأفْعالِ ؟ نَقُولُ: لِأنَّهُ مِن أهَمِّ ما يَشْتَغِلُ بِهِ المَرْءُ في النَّهارِ مِن أسْبابِ المَعاشِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَرْكِ التِّجارَةِ، ولِأنَّ البَيْعَ والشِّراءَ في الأسْواقِ غالِبًا، والغَفْلَةُ عَلى أهْلِ السُّوقِ أغْلَبُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، فالبَيْعُ أوْلى بِالذِّكْرِ ولَمْ يَحْرُمْ لِعَيْنِهِ، ولَكِنْ لِما فِيهِ مِنَ الذُّهُولِ عَنِ الواجِبِ فَهو كالصَّلاةِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ.
الرّابِعُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ أوَّلًا وذِكْرِ اللَّهِ ثانِيًا ؟ فَنَقُولُ: الأوَّلُ مِن جُمْلَةِ ما لا يَجْتَمِعُ مَعَ التِّجارَةِ أصْلًا إذِ المُرادُ مِنهُ الخُطْبَةُ والصَّلاةُ كَما مَرَّ، والثّانِي مِن جُمْلَةِ ما يَجْتَمِعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
الجمعة 62:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وجْهُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَها هو أنَّ الَّذِينَ هادُوا يَفِرُّونَ مِنَ المَوْتِ لِمَتاعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها والَّذِينَ آمَنُوا يَبِيعُونَ ويَشْرُونَ لِمَتاعِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها كَذَلِكَ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ إلى ما يَنْفَعُكم في الآخِرَةِ، وهو حُضُورُ الجُمُعَةِ، لِأنَّ الدُّنْيا ومَتاعَها فانِيَةٌ والآخِرَةَ وما فِيها باقِيَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ووَجْهٌ آخَرُ في التَّعَلُّقِ، قالَ بَعْضُهم: قَدْ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَ اليَهُودِ في ثَلاثٍ: افْتَخَرُوا بِأنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَكَذَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وبِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبَ لا كِتابَ لَهم، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا، وبِالسَّبْتِ ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ فَشَرَعَ اللَّهِ تَعالى لَهُمُ الجُمُعَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ﴾ يَعْنِي النِّداءَ إذا جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وأنَّهُ كَما قالَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِداءٌ سَواءٌ كانَ إذا جَلَسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى المِنبَرِ أذَّنَ بِلالٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وكَذا عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلصَّلاةِ﴾ أيْ لِوَقْتِ الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ ولا تَكُونُ الصَّلاةُ مِنَ اليَوْمِ، وإنَّما يَكُونُ وقْتُها مِنَ اليَوْمِ، قالَ اللَّيْثُ: الجُمُعَةُ يَوْمٌ خُصَّ بِهِ لِاجْتِماعِ النّاسِ في ذَلِكَ، ويُجْمَعُ عَلى الجُمُعاتِ والجُمَعِ، وعَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«سُمِّيَتِ الجُمُعَةُ جُمُعَةً لِأنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُهُ» “ وقِيلَ: لِما أنَّهُ تَعالى فَرَغَ فِيها مِن خَلْقِ الأشْياءِ، فاجْتَمَعَتْ فِيها المَخْلُوقاتُ.
قالَ الفَرّاءُ: وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ التَّخْفِيفُ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ والتَّثْقِيلُ، وهي قِراءَةُ العامَّةِ، ولُغَةٌ لِبَنِي عُقَيْلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ فامْضُوا، وقِيلَ: فامْشُوا وعَلى هَذا مَعْنى السَّعْيِ: المَشْيُ لا العَدْوُ، وقالَ الفَرّاءُ: المُضِيُّ والسَّعْيُ والذَّهابُ في مَعْنًى واحِدٍ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ”فاسْعَوْا“ قالَ مَن أقْرَأكَ هَذا ؟ قالَ: أُبَيٌّ، قالَ: لا يَزالُ يَقْرَأُ بِالمَنسُوخِ، لَوْ كانَتْ فاسْعَوْا لَسَعَيْتُ حَتّى يَسْقُطَ رِدائِي، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّعْيِ القَصْدُ دُونَ العَدْوِ، والسَّعْيُ التَّصَرُّفُ في كُلِّ عَمَلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما هو سَعْيٌ عَلى الأقْدامِ ولَكِنَّهُ سَعْيٌ بِالقُلُوبِ، وسَعْيٌ بِالنِّيَّةِ، وسَعْيٌ بِالرَّغْبَةِ، ونَحْوَ هَذا، والسَّعْيُ هَهُنا هو العَمَلُ عِنْدَ قَوْمٍ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، إذِ السَّعْيُ
صفحة ٩
فِي كِتابِ اللَّهِ العَمَلُ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] أيِ العَمَلُ، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ: ”«إذا أتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَلا تَأْتُوها وأنْتُمْ تَسْعَوْنَ، ولَكِنِ ائْتُوها وعَلَيْكُمُ السِّكِّينَةُ» “ واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى: ”أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [ كانَ ] مَتى أتى الجُمُعَةَ أتى عَلى هَيِّنَةٍ“ وقَوْلُهُ: ﴿إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الذِّكْرُ هو الخُطْبَةُ عِنْدَ الأكْثَرِ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وقِيلَ: هو الصَّلاةُ، وأمّا الأحْكامُ المُتَعَلِّقَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّها تُعْرَفُ مِنَ الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ قالَ الحَسَنُ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ لَمْ يَحِلَّ الشِّراءُ والبَيْعُ، وقالَ عَطاءٌ: إذا زالَتِ الشَّمْسُ حَرُمَ البَيْعُ والشِّراءُ، وقالَ الفَرّاءُ إنَّما حَرُمَ البَيْعُ والشِّراءُ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ لِمَكانِ الِاجْتِماعِ ولِنُدْرِكَ لَهُ كافَّةَ الحَسَناتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكم وأصْلُحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ أيْ إذا صَلَّيْتُمُ الفَرِيضَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ هَذا صِيغَةُ الأمْرِ بِمَعْنى الإباحَةِ لِما أنَّ إباحَةَ الِانْتِشارِ زائِلَةٌ بِفَرْضِيَّةِ أداءِ الصَّلاةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ عادَتِ الإباحَةُ فَيُباحُ لَهم أنْ يَتَفَرَّقُوا في الأرْضِ ويَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ، وهو الرِّزْقُ، ونَظِيرُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فَإنْ شِئْتَ فاخْرُجْ، وإنْ شِئْتَ فَصَلِّ إلى العَصْرِ، وإنْ شِئْتَ فاقْعُدْ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ صِيغَةُ أمْرٍ بِمَعْنى الإباحَةِ أيْضًا لِجَلْبِ الرِّزْقِ بِالتِّجارَةِ بَعْدَ المَنعِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ وعَنْ مُقاتِلٍ: أحَلَّ لَهُمُ ابْتِغاءَ الرِّزْقِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَمَن شاءَ خَرَجَ، ومَن شاءَ لَمْ يَخْرُجْ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وقالَ الضَّحّاكٌ، هو إذْنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذا فَرَغَ، فَإنْ شاءَ خَرَجَ، وإنْ شاءَ قَعَدَ، والأفْضَلُ في الِابْتِغاءِ مِن فَضْلِ اللَّهِ أنْ يَطْلُبَ الرِّزْقَ، أوِ الوَلَدَ الصّالِحَ أوِ العِلْمَ النّافِعَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، وعَنْ عِراكِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ كانَ إذا صَلّى الجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلى بابِ المَسْجِدِ [ و] قالَ: اللَّهُمَّ أجَبْتُ دَعْوَتَكَ، وصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وانْتَشَرْتُ كَما أمَرْتَنِي، فارْزُقْنِي مِن فَضْلِكَ وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: بِاللِّسانِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بِالطّاعَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَكُونُ مِنَ الذّاكِرِينَ كَثِيرًا حَتّى يَذْكُرَهُ قائِمًا وقاعِدًا ومُضْطَجِعًا، والمَعْنى إذا رَجَعْتُمْ إلى التِّجارَةِ وانْصَرَفْتُمْ إلى البَيْعِ والشِّراءِ مَرَّةً أُخْرى فاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، قالَ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] .
وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إذا أتَيْتُمُ السُّوقَ فَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإنَّ مَن قالَها كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ألْفَ ألْفِ حَسَنَةٍ وحَطَّ عَنْهُ ألْفَ ألْفِ خَطِيئَةٍ ورَفَعَ لَهُ ألْفَ ألْفِ دَرَجَةٍ» “ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما قَدْ مَرَّ مِرارًا، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في أنْ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى في يَوْمِ الجُمُعَةِ هَذا التَّكْلِيفَ ؟ فَنَقُولُ: قالَ القَفّالُ: هي أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الخَلْقَ فَأخْرَجَهم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ وجَعَلَ مِنهم جَمادًا ونامِيًا وحَيَوانًا، فَكانَ ما سِوى الجَمادِ أصْنافًا، مِنها بَهائِمُ ومَلائِكَةٌ وجِنٌّ وإنْسٌ، ثُمَّ هي مُخْتَلِفَةُ المَساكِنِ مِنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ فَكانَ أشْرَفُ العالَمِ السُّفْلِيِّ هُمُ النّاسَ لِعَجِيبِ تَرْكِيبِهِمْ، ولِما كَرَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ النُّطْقِ، ورَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ والطِّباعِ الَّتِي بِها غايَةُ التَّعَبُّدِ بِالشَّرائِعِ، ولَمْ يُخْفِ مَوْضِعَ عِظَمِ المِنَّةِ وجَلالَةِ قَدْرِ المَوْهِبَةِ لَهم فَأُمِرُوا بِالشُّكْرِ عَلى هَذِهِ الكَرامَةِ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ السَّبْعَةِ الَّتِي فِيها أُنْشِئَتِ الخَلائِقُ وتَمَّ وُجُودُها، لِيَكُونَ في اجْتِماعِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ ما أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ، وإذا كانَ شَأْنُهم لَمْ يَخْلُ مِن حِينِ ابْتُدِئُوا مِن نِعْمَةٍ تَتَخَلَّلُهم، وإنَّ مِنَّةَ اللَّهِ مُثْبَتَةٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَها، ولِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ المَعْرُوفَةِ
صفحة ١٠
يَوْمٌ مِنها مُعَظَّمٌ، فَلِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ ولِلنَّصارى يَوْمُ الأحَدِ، ولِلْمُسْلِمِينَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«يَوْمُ الجُمُعَةِ هَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فَلِلْيَهُودِ غَدًا ولِلنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» “ ولَمّا جُعِلَ يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمَ شُكْرٍ وإظْهارِ سُرُورٍ وتَعْظِيمِ نِعْمَةٍ، احْتِيجَ فِيهِ إلى الِاجْتِماعِ الَّذِي بِهِ تَقَعُ شُهْرَتُهُ فَجُمِعَتِ الجَماعاتُ لَهُ كالسُّنَّةِ في الأعْيادِ، واحْتِيجَ فِيهِ إلى الخُطْبَةِ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ وحَثًّا عَلى اسْتَدامَتِها بِإقامَةِ ما يَعُودُ بِآلاءِ الشُّكْرِ، ولَمّا كانَ مَدارُ التَّعْظِيمِ، إنَّما هو عَلى الصَّلاةِ جُعِلَتِ الصَّلاةُ لِهَذا اليَوْمِ وسَطَ النَّهارِ لِيَتِمَّ الِاجْتِماعُ ولَمْ تَجُزْ هَذِهِ الصَّلاةُ إلّا في مَسْجِدٍ واحِدٍ لِيَكُونَ أدْعى إلى الِاجْتِماعِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: كَيْفَ خُصَّ ذِكْرُ اللَّهِ بِالخُطْبَةِ، وفِيها ذِكْرُ اللَّهِ وغَيْرِ اللَّهِ ؟ نَقُولُ: المُرادُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ الخُطْبَةُ والصَّلاةُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ مِن ذِكْرِ الظَّلَمَةِ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ والدُّعاءِ لَهم فَذَلِكَ ذِكْرُ الشَّيْطانِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ لِمَ خَصَّ البَيْعَ مِن جَمِيعِ الأفْعالِ ؟ نَقُولُ: لِأنَّهُ مِن أهَمِّ ما يَشْتَغِلُ بِهِ المَرْءُ في النَّهارِ مِن أسْبابِ المَعاشِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَرْكِ التِّجارَةِ، ولِأنَّ البَيْعَ والشِّراءَ في الأسْواقِ غالِبًا، والغَفْلَةُ عَلى أهْلِ السُّوقِ أغْلَبُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وذَرُوا البَيْعَ﴾ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، فالبَيْعُ أوْلى بِالذِّكْرِ ولَمْ يَحْرُمْ لِعَيْنِهِ، ولَكِنْ لِما فِيهِ مِنَ الذُّهُولِ عَنِ الواجِبِ فَهو كالصَّلاةِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ.
الرّابِعُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ أوَّلًا وذِكْرِ اللَّهِ ثانِيًا ؟ فَنَقُولُ: الأوَّلُ مِن جُمْلَةِ ما لا يَجْتَمِعُ مَعَ التِّجارَةِ أصْلًا إذِ المُرادُ مِنهُ الخُطْبَةُ والصَّلاةُ كَما مَرَّ، والثّانِي مِن جُمْلَةِ ما يَجْتَمِعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
الجمعة 62:11
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
قالَ مُقاتِلٌ: «إنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الكَلْبِيَّ أقْبَلَ بِتِجارَةٍ مِنَ الشّامِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ وكانَ مَعَهُ مِن أنْواعِ التِّجارَةِ، وكانَ يَتَلَقّاهُ أهْلُ المَدِينَةِ بِالطَّبْلِ والصَّفْقِ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ والنَّبِيُّ ﷺ قائِمٌ عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ فَخَرَجَ إلَيْهِ النّاسُ وتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ، ولَمْ يَبْقَ إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا أوْ أقَلُّ كَثَمانِيَةٍ أوْ أكْثَرُ كَأرْبَعِينَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لَوْلا هَؤُلاءِ لَسَوَّمْتُ لَهُمُ الحِجارَةَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ: وكانَ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ» . وقالَ الحَسَنُ: «أصابَ أهْلَ المَدِينَةِ جُوعٌ وغَلاءُ سِعْرٍ فَقَدِمَتْ عِيرٌ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَسَمِعُوا بِها وخَرَجُوا إلَيْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَوِ اتَّبَعَ آخِرُهم أوَّلَهم لالتَهَبَ الوادِي عَلَيْهِمْ نارًا“ قالَ قَتادَةُ: فَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ لَهْوًا﴾ وهو الطَّبْلُ، وكانُوا إذا أنْكَحُوا الجَوارِيَ يَضْرِبُونَ المَزامِيرَ، فَمَرُّوا يَضْرِبُونَ، فَتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ أيْ تَفَرَّقُوا وقالَ المُبَرِّدُ: مالُوا إلَيْها وعَدَلُوا نَحْوَها، والضَّمِيرُ في إلَيْها لِلتِّجارَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: انْفَضُّوا إلَيْهِ وإلَيْها، ومَعْناهُما واحِدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [ البَقَرَةِ:
صفحة ١١
٤٥ ] واعْتُبِرَ هُنا الرُّجُوعُ إلى التِّجارَةِ لِما أنَّها أهَمُّ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا القِيامَ كانَ في الخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ، «قالَ جابِرٌ: ما رَأيْتُ رَسُولَ الَّهِ ﷺ في الخُطْبَةِ إلّا وهو قائِمٌ»، «وسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ أكانَ النَّبِيُّ يَخْطُبُ قائِمًا أوْ قاعِدًا فَقَرَأ: ﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا»﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أيْ ثَوابُ الصَّلاةِ والثَّباتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ مِنَ اللَّهْوِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ، والتِّجارَةِ الَّتِي جاءَ بِها دِحْيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ هو مِن قَبِيلِ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأحْسَنِ الخالِقِينَ، والمَعْنى إنْ أمْكَنَ وُجُودُ الرّازِقِينَ فَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ، وقِيلَ: لَفْظُ الرّازِقِ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ إلّا بِطَرِيقِ المَجازِ، ولا يُرْتابُ في أنَّ الرّازِقَ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ خَيْرٌ مِنَ الرّازِقِ بِطَرِيقِ المَجازِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ التِّجارَةَ واللَّهْوَ مِن قَبِيلِ ما لا يُرى أصْلًا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَصِحُّ ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا﴾ نَقُولُ: لَيْسَ المُرادُ إلّا ما يَقْرُبُ مِنهُ اللَّهْوُ والتِّجارَةُ، ومِثْلُهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، إذِ الكَلامُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، بَلِ المَسْمُوعُ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: تَقْدِيرُهُ إذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها، أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ، فَحُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مُناسِبٌ لِلتِّجارَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها لا لِلَّهْوِ، نَقُولُ: بَلْ هو مُناسِبٌ لِلْمَجْمُوعِ لِما أنَّ اللَّهْوَ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ كالتَّبَعِ لِلتِّجارَةِ، لِما أنَّهم أظْهَرُوا ذَلِكَ فَرَحًا بِوُجُودِ التِّجارَةِ كَما مَرَّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.