Lafzullah

Tafsir Al-Razi — المنافقون 63:1 – الملك 67:30

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. المنافقون 63:1
  2. المنافقون 63:2
  3. المنافقون 63:3
  4. المنافقون 63:4
  5. المنافقون 63:5
  6. المنافقون 63:6
  7. المنافقون 63:7
  8. المنافقون 63:8
  9. المنافقون 63:9
  10. المنافقون 63:10
  11. المنافقون 63:11
  12. التغابن 64:1
  13. التغابن 64:2
  14. التغابن 64:3
  15. التغابن 64:4
  16. التغابن 64:5
  17. التغابن 64:6
  18. التغابن 64:7
  19. التغابن 64:8
  20. التغابن 64:9
  21. التغابن 64:10
  22. التغابن 64:11
  23. التغابن 64:12
  24. التغابن 64:13
  25. التغابن 64:14
  26. التغابن 64:15
  27. التغابن 64:16
  28. التغابن 64:17
  29. التغابن 64:18
  30. الطلاق 65:1
  31. الطلاق 65:2
  32. الطلاق 65:3
  33. الطلاق 65:4
  34. الطلاق 65:5
  35. الطلاق 65:6
  36. الطلاق 65:7
  37. الطلاق 65:8
  38. الطلاق 65:9
  39. الطلاق 65:10
  40. الطلاق 65:11
  41. الطلاق 65:12
  42. التحريم 66:1
  43. التحريم 66:2
  44. التحريم 66:3
  45. التحريم 66:4
  46. التحريم 66:5
  47. التحريم 66:6
  48. التحريم 66:7
  49. التحريم 66:8
  50. التحريم 66:9
  51. التحريم 66:10
  52. التحريم 66:11
  53. التحريم 66:12
  54. الملك 67:1
  55. الملك 67:2
  56. الملك 67:3
  57. الملك 67:4
  58. الملك 67:5
  59. الملك 67:6
  60. الملك 67:7
  61. الملك 67:8
  62. الملك 67:9
  63. الملك 67:10
  64. الملك 67:11
  65. الملك 67:12
  66. الملك 67:13
  67. الملك 67:14
  68. الملك 67:15
  69. الملك 67:16
  70. الملك 67:17
  71. الملك 67:18
  72. الملك 67:19
  73. الملك 67:20
  74. الملك 67:21
  75. الملك 67:22
  76. الملك 67:23
  77. الملك 67:24
  78. الملك 67:25
  79. الملك 67:26
  80. الملك 67:27
  81. الملك 67:28
  82. الملك 67:29
  83. الملك 67:30

المنافقون 63:1

صفحة ١٢ (سُورَةُ المُنافِقُونَ) إحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً ﷽ ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ ﷽ ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها، هو أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ بِعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وذِكْرِ مَن كانَ يُكَذِّبُهُ قَلْبًا ولِسانًا بِضَرْبِ المَثَلِ كَما قالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ [الجمعة: ٥] وهَذِهِ السُّورَةُ عَلى ذِكْرِ مَن كانَ يُكَذِّبُهُ قَلْبًا دُونَ اللِّسانِ ويُصَدِّقُهُ لِسانًا دُونَ القَلْبِ، وأمّا الأوَّلُ بِالآخِرِ، فَذَلِكَ أنَّ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ تَنْبِيهًا لِأهْلِ الإيمانِ عَلى تَعْظِيمِ الرَّسُولِ ﷺ ورِعايَةِ حَقِّهِ بَعْدَ النِّداءِ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ وتَقْدِيمِ مُتابَعَتِهِ في الأداءِ عَلى غَيْرِهِ وأنَّ تَرْكَ التَّعْظِيمِ والمُتابَعَةِ مِن شِيَمِ المُنافِقِينَ، والمُنافِقُونَ هُمُ الكاذِبُونَ، كَما قالَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ وأصْحابَهُ ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وتَمَّ الخَبَرُ عَنْهم ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أيْ أنَّهُ أرْسَلَكَ فَهو يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ﴾ أنَّهم أضْمَرُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا، وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ بِالقَلْبِ، وحَقِيقَةَ كُلِّ كَلامٍ كَذَلِكَ، فَإنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ واعْتَقَدَ بِخِلافِهِ فَهو كاذِبٌ، لِما أنَّ الكَذِبَ بِاعْتِبارِ المُخالَفَةِ بَيْنَ الوُجُودِ اللَّفْظِيِّ والوُجُودِ الذِّهْنِيِّ، كَما أنَّ الجَهْلَ بِاعْتِبارِ المُخالَفَةِ بَيْنَ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ، والوُجُودِ الخارِجِيِّ، ألا تَرى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، وسَمّاهُمُ اللَّهُ كاذِبِينَ لِما أنَّ قَوْلَهم يُخالِفُ اعْتِقادَهم، وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يُكَذِّبْهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِمْ: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إنَّما كَذَّبَهم بِغَيْرِ هَذا مِنَ الأكاذِيبِ الصّادِرَةِ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] الآيَةَ. و﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] وجَوابُ إذا ﴿قالُوا نَشْهَدُ﴾ أيْ صفحة ١٣ أنَّهم إذا أتَوْكَ شَهِدُوا لَكَ بِالرِّسالَةِ، فَهم كاذِبُونَ في تِلْكَ الشَّهادَةِ، لِما مَرَّ أنَّ قَوْلَهم يُخالِفُ اعْتِقادَهم، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهم قالُوا: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، فَلَوْ قالُوا: نَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، أفادَ مِثْلَ ما أفادَ هَذا، أمْ لا ؟ نَقُولُ: ما أفادَ، لِأنَّ قَوْلَهم: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، صَرِيحٌ في الشَّهادَةِ عَلى إثْباتِ الرِّسالَةِ، وقَوْلَهم: نَعْلَمُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في إثْباتِ العِلْمِ، لِما أنَّ عِلْمَهم في الغَيْبِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.

المنافقون 63:2

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ أيْ سِتْرًا لِيَسْتَتِرُوا بِهِ عَمّا خافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ القَتْلِ. قالَ في الكَشّافِ: ”اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً“ يَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ قَوْلَهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يَمِينٌ مِن أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ تَجْرِي مَجْرى الحَلِفِ في التَّأْكِيدِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: أشْهَدُ وأشْهَدُ بِاللَّهِ، وأعْزِمُ وأعْزِمُ بِاللَّهِ في مَوْضِعِ أُقْسِمُ وأُولِي. وبِهِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ أشْهَدُ يَمِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْمُنافِقِينَ في اسْتِخْفافِهِمْ بِالأيْمانِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالُوا نَشْهَدُ، ولَمْ يَقُولُوا: نَشْهَدُ بِاللَّهِ كَما قُلْتُمْ ؟ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذا بِأنَّهُ في مَعْنى الحَلِفِ مِنَ المُؤْمِنِ وهو في المُتَعارَفِ إنَّما يَكُونُ بِاللَّهِ، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: نَشْهَدُ عَنْ قَوْلِهِ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ أعْرَضُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وطاعَةِ رَسُولِهِ، وقِيلَ: صَدُّوا، أيْ صَرَفُوا ومَنَعُوا الضَّعَفَةَ عَنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (ساءَ) أيْ بِئْسَ (ما كانُوا يَعْمَلُونَ) حَيْثُ آثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وأظْهَرُوا خِلافَ ما أضْمَرُوا مُشاكَلَةً لِلْمُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: ذَلِكَ الكَذِبُ بِأنَّهم آمَنُوا في الظّاهِرِ، ثُمَّ كَفَرُوا في السِّرِّ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يَتَدَبَّرُونَ، ولا يَسْتَدِلُّونَ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُتِمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالكُفْرِ فَهم لا يَفْقَهُونَ القُرْآنَ، وصِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم لا يَفْقَهُونَ أنَّهُ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أفْعالَ الكَفَرَةِ مِن قَبْلُ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَلِمَ قالَ هُنا ؟ نَقُولُ: إنَّ أفْعالَهم مَقْرُونَةٌ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ الَّتِي جَعَلُوها جُنَّةً، أيْ سُتْرَةً لِأمْوالِهِمْ ودِمائِهِمْ عَنْ أنْ يَسْتَبِيحَها المُسْلِمُونَ كَما مَرَّ. الثّانِي: المُنافِقُونَ لَمْ يَكُونُوا إلّا عَلى الكُفْرِ الثّابِتِ الدّائِمِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ؟ صفحة ١٤ نَقُولُ: قالَ في الكَشّافِ: ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: (آمَنُوا) نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، وفَعَلُوا كَما يَفْعَلُ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ (ثُمَّ كَفَرُوا) ثُمَّ ظَهَرَ كُفْرُهم بَعْدَ ذَلِكَ. وثانِيها: (آمَنُوا) نَطَقُوا بِالإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ (ثُمَّ كَفَرُوا) نَطَقُوا بِالكُفْرِ عِنْدَ شَياطِينِهِمِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] . وثالِثُها: أنْ يُرادَ أهْلُ الذِّمَّةِ مِنهم. الثّالِثُ: الطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يُمْكِنُهم أنْ يَتَدَبَّرُوا ويَسْتَدِلُّوا بِالدَّلائِلِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ هَذا حُجَّةً لَهم عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَقُولُونَ: إعْراضُنا عَنِ الحَقِّ لِغَفْلَتِنا، وغَفْلَتُنا بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلى قُلُوبِنا، فَنَقُولُ: هَذا الطَّبْعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، وقَصْدِهِمُ الإعْراضَ عَنِ الحَقِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى تَرَكَهم في أنْفُسِهِمُ الجاهِلِيَّةِ وأهْوائِهِمُ الباطِلَةِ.

المنافقون 63:3

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ أيْ سِتْرًا لِيَسْتَتِرُوا بِهِ عَمّا خافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ القَتْلِ. قالَ في الكَشّافِ: ”اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً“ يَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ قَوْلَهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يَمِينٌ مِن أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ تَجْرِي مَجْرى الحَلِفِ في التَّأْكِيدِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: أشْهَدُ وأشْهَدُ بِاللَّهِ، وأعْزِمُ وأعْزِمُ بِاللَّهِ في مَوْضِعِ أُقْسِمُ وأُولِي. وبِهِ اسْتَشْهَدَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ أشْهَدُ يَمِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْمُنافِقِينَ في اسْتِخْفافِهِمْ بِالأيْمانِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالُوا نَشْهَدُ، ولَمْ يَقُولُوا: نَشْهَدُ بِاللَّهِ كَما قُلْتُمْ ؟ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذا بِأنَّهُ في مَعْنى الحَلِفِ مِنَ المُؤْمِنِ وهو في المُتَعارَفِ إنَّما يَكُونُ بِاللَّهِ، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: نَشْهَدُ عَنْ قَوْلِهِ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ أعْرَضُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وطاعَةِ رَسُولِهِ، وقِيلَ: صَدُّوا، أيْ صَرَفُوا ومَنَعُوا الضَّعَفَةَ عَنِ اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (ساءَ) أيْ بِئْسَ (ما كانُوا يَعْمَلُونَ) حَيْثُ آثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وأظْهَرُوا خِلافَ ما أضْمَرُوا مُشاكَلَةً لِلْمُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: ذَلِكَ الكَذِبُ بِأنَّهم آمَنُوا في الظّاهِرِ، ثُمَّ كَفَرُوا في السِّرِّ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يَتَدَبَّرُونَ، ولا يَسْتَدِلُّونَ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُتِمَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالكُفْرِ فَهم لا يَفْقَهُونَ القُرْآنَ، وصِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم لا يَفْقَهُونَ أنَّهُ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أفْعالَ الكَفَرَةِ مِن قَبْلُ، ولَمْ يَقُلْ: إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَلِمَ قالَ هُنا ؟ نَقُولُ: إنَّ أفْعالَهم مَقْرُونَةٌ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ الَّتِي جَعَلُوها جُنَّةً، أيْ سُتْرَةً لِأمْوالِهِمْ ودِمائِهِمْ عَنْ أنْ يَسْتَبِيحَها المُسْلِمُونَ كَما مَرَّ. الثّانِي: المُنافِقُونَ لَمْ يَكُونُوا إلّا عَلى الكُفْرِ الثّابِتِ الدّائِمِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ؟ صفحة ١٤ نَقُولُ: قالَ في الكَشّافِ: ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: (آمَنُوا) نَطَقُوا بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، وفَعَلُوا كَما يَفْعَلُ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ (ثُمَّ كَفَرُوا) ثُمَّ ظَهَرَ كُفْرُهم بَعْدَ ذَلِكَ. وثانِيها: (آمَنُوا) نَطَقُوا بِالإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ (ثُمَّ كَفَرُوا) نَطَقُوا بِالكُفْرِ عِنْدَ شَياطِينِهِمِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ [البقرة: ١٤] . وثالِثُها: أنْ يُرادَ أهْلُ الذِّمَّةِ مِنهم. الثّالِثُ: الطَّبْعُ عَلى القُلُوبِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يُمْكِنُهم أنْ يَتَدَبَّرُوا ويَسْتَدِلُّوا بِالدَّلائِلِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ هَذا حُجَّةً لَهم عَلى اللَّهِ تَعالى، فَيَقُولُونَ: إعْراضُنا عَنِ الحَقِّ لِغَفْلَتِنا، وغَفْلَتُنا بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى طَبَعَ عَلى قُلُوبِنا، فَنَقُولُ: هَذا الطَّبْعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، وقَصْدِهِمُ الإعْراضَ عَنِ الحَقِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى تَرَكَهم في أنْفُسِهِمُ الجاهِلِيَّةِ وأهْوائِهِمُ الباطِلَةِ.

المنافقون 63:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومُغِيثَ بْنَ قَيْسٍ، وجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، كانَتْ لَهم أجْسامٌ ومَنظَرٌ، تُعْجِبُكَ أجْسامُهم لِحُسْنِها وجَمالِها، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا صَبِيحًا فَصِيحًا، وإذا قالَ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أيْ ويَقُولُوا: إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ تَسْمَعُ لِقَوْلِهِمْ، وقُرِئَ يُسْمَعْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وفي الخُشُبِ التَّخْفِيفُ كَبَدَنَةٍ وبُدْنٍ وأسَدٍ وأُسْدٍ، والتَّثْقِيلُ كَذَلِكَ كَثَمَرَةٍ وثُمُرٍ، وخَشَبَةٍ وخُشُبٍ، ومَدَرَةٍ ومُدُرٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والتَّثْقِيلُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والخُشُبُ لا تَعْقِلُ ولا تَفْهَمُ، فَكَذَلِكَ أهِلُ النِّفاقِ كَأنَّهم في تَرْكِ التَّفَهُّمِ، والِاسْتِبْصارِ بِمَنزِلَةِ الخُشُبِ. وأمّا المُسَنَّدَةُ يُقالُ: سَنَدَ إلى شَيْءٍ، أيْ مالَ إلَيْهِ، وأسْنَدَهُ إلى الشَّيْءِ، أيْ أمالَهُ فَهو مُسْنَدٌ، والتَّشْدِيدُ لِلْمُبالَغَةِ، وإنَّما وُصِفَ الخُشُبُ بِها، لِأنَّها تُشْبِهُ الأشْجارَ القائِمَةَ الَّتِي تَنْمُو وتُثْمِرُ بِوَجْهٍ ما، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجُبْنِ وعابَهم بِهِ، فَقالَ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: إذا نادى مُنادٍ في العَسْكَرِ، وانْفَلَتَتْ دابَّةٌ، أوْ نُشِدَتْ ضالَّةٌ مَثَلًا ظَنُّوا أنَّهم يُرادُونَ بِذَلِكَ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم عَلى وجَلٍ مِن أنْ يَهْتِكَ اللَّهُ أسْتارَهم، ويَكْشِفَ أسْرارَهم، يَتَوَقَّعُونَ الإيقاعَ بِهِمْ ساعَةً فَساعَةً، ثُمَّ أعْلَمَ [ اللَّهُ ] رَسُولَهُ بِعَداوَتِهِمْ فَقالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ أنْ تَأْمَنَهم عَلى السِّرِّ ولا تَلْتَفِتَ إلى ظاهِرِهِمْ فَإنَّهُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ مُفَسِّرٌ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ صفحة ١٥ وطَلَبٌ مِن ذاتِهِ أنْ يَلْعَنَهم ويُخْزِيَهم وتَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوا بِذَلِكَ، و﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ تَعَجُّبًا مِن جَهْلِهِمْ وضَلالَتِهِمْ وظَنِّهِمُ الفاسِدِ أنَّهم عَلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِصِفَةِ المُنافِقِينَ مَشى إلَيْهِ عَشائِرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ وقالُوا: لَهم ويَلْكُمُ افْتَضَحْتُمْ بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمْ أنْفُسَكم، فَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ وتُوبُوا إلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ واسْألُوهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكم، فَأبَوْا ذَلِكَ وزَهِدُوا في الِاسْتِغْفارِ فَنَزَلَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ «لَمّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مِن أُحُدٍ بِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مَقَتَهُ المُسْلِمُونَ وعَنَّفُوهُ وأسْمَعُوهُ المَكْرُوهَ، فَقالَ لَهُ بَنُو أبِيهِ: لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ ﷺ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ ويَرْضى عَنْكَ، فَقالَ: لا أذْهَبُ إلَيْهِ، ولا أُرِيدُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِي، وجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ فَنَزَلَتْ» . وعِنْدَ الأكْثَرِينَ، إنَّما دُعِيَ إلى الِاسْتِغْفارِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وقالَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فَقِيلَ لَهُ: تَعالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: ماذا قُلْتُ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ وقُرِئَ: ”لَوَوْا“ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ لِلْكَثْرَةِ، والكِنايَةُ قَدْ تُجْعَلُ جَمْعًا والمَقْصُودُ واحِدٌ وهو كَثِيرٌ في أشْعارِ العَرَبِ قالَ جَرِيرٌ: لا بارَكَ اللَّهُ فِيمَن كانَ يَحْسَبُكم إلّا عَلى العَهْدِ حَتّى كانَ ما كانا وإنَّما خاطَبَ بِهَذا امْرَأةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ عَنِ اسْتِغْفارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ تَعالى أنَّ اسْتِغْفارَهُ لا يَنْفَعُهم فَقالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«خَيَّرَنِي رَبِّي فَلَأزِيدَنَّهم عَلى السَّبْعِينَ» “ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقِينَ، وقالَ قَوْمٌ: فِيهِ بَيانٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْلِكُ هِدايَةً وراءَ هِدايَةِ البَيانِ، وهي خَلْقُ فِعْلِ الِاهْتِداءِ فِيمَن عَلِمَ مِنهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَهْدِيهِمْ لِفِسْقِهِمْ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ لا يُسَمِّيهِمُ المُهْتَدِينَ إذا فَسَقُوا وضَلُّوا وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: لِمَ شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لا بِغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفِعِ بِها ؟ نَقُولُ لِاشْتِمالِ هَذا التَّشْبِيهِ عَلى فَوائِدَ كَثِيرَةٍ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ: الأُولى: قالَ في الكَشّافِ: شُبِّهُوا في اسْتِنادِهِمْ وما هم إلّا أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ، بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ، ولِأنَّ الخَشَبَ إذا انْتُفِعَ بِهِ كانَ في سَقْفٍ أوْ جِدارٍ أوْ غَيْرِهِما مِن مَظانِّ الِانْتِفاعِ، وما دامَ مَتْرُوكًا فارِغًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ أُسْنِدَ إلى الحائِطِ، فَشُبِّهُوا بِهِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الأصْنامُ المَنحُوتَةُ مِنَ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ شُبِّهُوا بِها في حُسْنِ صُوَرِهِمْ، وقِلَّةِ جَدْواهم. الثّانِيَةُ: الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ في الأصْلِ كانَتْ غُصْنًا طَرِيًّا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفَعِ بِها، ثُمَّ تَصِيرُ غَلِيظَةً يابِسَةً، والكافِرُ والمُنافِقُ كَذَلِكَ كانَ في الأصْلِ صالِحًا لِكَذا وكَذا، ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ تِلْكَ الصَّلاحِيَّةِ. الثّالِثَةُ: الكَفَرَةُ مِن جِنْسِ الإنْسِ حَطَبٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والخُشُبُ المُسَنَّدَةُ حَطَبٌ. أيْضًا. الرّابِعَةُ: أنَّ الخُشُبَ المُسَنَّدَةَ إلى الحائِطِ أحَدُ طَرَفَيْها إلى جِهَةٍ، والآخَرُ إلى جِهَةٍ أُخْرى، والمُنافِقُونَ كَذَلِكَ، لِأنَّ المُنافِقَ أحَدُ طَرَفَيْهِ وهو الباطِنُ إلى جِهَةِ أهْلِ الكُفْرِ، والطَّرَفُ الآخَرُ وهو الظّاهِرُ إلى جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ. الخامِسَةُ: المُعْتَمِدُ عَلَيْهِ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ ما يَكُونُ مِنَ الجَماداتِ والنَّباتاتِ، والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لِلْمُنافِقِينَ كَذَلِكَ، وإذا كانُوا مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ هو الأصْنامُ، إنَّها مِنَ الجَماداتِ أوِ النَّباتاتِ. الثّانِي مِنَ المَباحِثِ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، ثُمَّ قالَ مِن بَعْدُ ما يُنافِي هَذا التَّشْبِيهَ وهو صفحة ١٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ والخُشُبُ المُسَنَّدَةُ لا يَحْسَبُونَ أصْلًا، نَقُولُ: لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ يَشْتَرِكانِ في جَمِيعِ الأوْصافِ، فَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِانْتِفاعِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ، ولَيْسُوا كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ وعَدَمِ الِاسْتِماعِ لِلصَّيْحَةِ وغَيْرِها. الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: القَوْمَ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ أوِ المُسْتَكْبِرِينَ مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِن جُمْلَةِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ. نَقُولُ: كُلُّ أحَدٍ مِن تِلْكَ الأقْوامِ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (الفاسِقِينَ) أيِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وهُمُ الكافِرُونَ والمُنافِقُونَ والمُسْتَكْبِرُونَ.

المنافقون 63:5

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومُغِيثَ بْنَ قَيْسٍ، وجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، كانَتْ لَهم أجْسامٌ ومَنظَرٌ، تُعْجِبُكَ أجْسامُهم لِحُسْنِها وجَمالِها، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا صَبِيحًا فَصِيحًا، وإذا قالَ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أيْ ويَقُولُوا: إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ تَسْمَعُ لِقَوْلِهِمْ، وقُرِئَ يُسْمَعْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وفي الخُشُبِ التَّخْفِيفُ كَبَدَنَةٍ وبُدْنٍ وأسَدٍ وأُسْدٍ، والتَّثْقِيلُ كَذَلِكَ كَثَمَرَةٍ وثُمُرٍ، وخَشَبَةٍ وخُشُبٍ، ومَدَرَةٍ ومُدُرٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والتَّثْقِيلُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والخُشُبُ لا تَعْقِلُ ولا تَفْهَمُ، فَكَذَلِكَ أهِلُ النِّفاقِ كَأنَّهم في تَرْكِ التَّفَهُّمِ، والِاسْتِبْصارِ بِمَنزِلَةِ الخُشُبِ. وأمّا المُسَنَّدَةُ يُقالُ: سَنَدَ إلى شَيْءٍ، أيْ مالَ إلَيْهِ، وأسْنَدَهُ إلى الشَّيْءِ، أيْ أمالَهُ فَهو مُسْنَدٌ، والتَّشْدِيدُ لِلْمُبالَغَةِ، وإنَّما وُصِفَ الخُشُبُ بِها، لِأنَّها تُشْبِهُ الأشْجارَ القائِمَةَ الَّتِي تَنْمُو وتُثْمِرُ بِوَجْهٍ ما، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجُبْنِ وعابَهم بِهِ، فَقالَ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: إذا نادى مُنادٍ في العَسْكَرِ، وانْفَلَتَتْ دابَّةٌ، أوْ نُشِدَتْ ضالَّةٌ مَثَلًا ظَنُّوا أنَّهم يُرادُونَ بِذَلِكَ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم عَلى وجَلٍ مِن أنْ يَهْتِكَ اللَّهُ أسْتارَهم، ويَكْشِفَ أسْرارَهم، يَتَوَقَّعُونَ الإيقاعَ بِهِمْ ساعَةً فَساعَةً، ثُمَّ أعْلَمَ [ اللَّهُ ] رَسُولَهُ بِعَداوَتِهِمْ فَقالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ أنْ تَأْمَنَهم عَلى السِّرِّ ولا تَلْتَفِتَ إلى ظاهِرِهِمْ فَإنَّهُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ مُفَسِّرٌ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ صفحة ١٥ وطَلَبٌ مِن ذاتِهِ أنْ يَلْعَنَهم ويُخْزِيَهم وتَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوا بِذَلِكَ، و﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ تَعَجُّبًا مِن جَهْلِهِمْ وضَلالَتِهِمْ وظَنِّهِمُ الفاسِدِ أنَّهم عَلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِصِفَةِ المُنافِقِينَ مَشى إلَيْهِ عَشائِرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ وقالُوا: لَهم ويَلْكُمُ افْتَضَحْتُمْ بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمْ أنْفُسَكم، فَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ وتُوبُوا إلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ واسْألُوهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكم، فَأبَوْا ذَلِكَ وزَهِدُوا في الِاسْتِغْفارِ فَنَزَلَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ «لَمّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مِن أُحُدٍ بِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مَقَتَهُ المُسْلِمُونَ وعَنَّفُوهُ وأسْمَعُوهُ المَكْرُوهَ، فَقالَ لَهُ بَنُو أبِيهِ: لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ ﷺ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ ويَرْضى عَنْكَ، فَقالَ: لا أذْهَبُ إلَيْهِ، ولا أُرِيدُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِي، وجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ فَنَزَلَتْ» . وعِنْدَ الأكْثَرِينَ، إنَّما دُعِيَ إلى الِاسْتِغْفارِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وقالَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فَقِيلَ لَهُ: تَعالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: ماذا قُلْتُ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ وقُرِئَ: ”لَوَوْا“ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ لِلْكَثْرَةِ، والكِنايَةُ قَدْ تُجْعَلُ جَمْعًا والمَقْصُودُ واحِدٌ وهو كَثِيرٌ في أشْعارِ العَرَبِ قالَ جَرِيرٌ: لا بارَكَ اللَّهُ فِيمَن كانَ يَحْسَبُكم إلّا عَلى العَهْدِ حَتّى كانَ ما كانا وإنَّما خاطَبَ بِهَذا امْرَأةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ عَنِ اسْتِغْفارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ تَعالى أنَّ اسْتِغْفارَهُ لا يَنْفَعُهم فَقالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«خَيَّرَنِي رَبِّي فَلَأزِيدَنَّهم عَلى السَّبْعِينَ» “ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقِينَ، وقالَ قَوْمٌ: فِيهِ بَيانٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْلِكُ هِدايَةً وراءَ هِدايَةِ البَيانِ، وهي خَلْقُ فِعْلِ الِاهْتِداءِ فِيمَن عَلِمَ مِنهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَهْدِيهِمْ لِفِسْقِهِمْ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ لا يُسَمِّيهِمُ المُهْتَدِينَ إذا فَسَقُوا وضَلُّوا وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: لِمَ شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لا بِغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفِعِ بِها ؟ نَقُولُ لِاشْتِمالِ هَذا التَّشْبِيهِ عَلى فَوائِدَ كَثِيرَةٍ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ: الأُولى: قالَ في الكَشّافِ: شُبِّهُوا في اسْتِنادِهِمْ وما هم إلّا أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ، بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ، ولِأنَّ الخَشَبَ إذا انْتُفِعَ بِهِ كانَ في سَقْفٍ أوْ جِدارٍ أوْ غَيْرِهِما مِن مَظانِّ الِانْتِفاعِ، وما دامَ مَتْرُوكًا فارِغًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ أُسْنِدَ إلى الحائِطِ، فَشُبِّهُوا بِهِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الأصْنامُ المَنحُوتَةُ مِنَ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ شُبِّهُوا بِها في حُسْنِ صُوَرِهِمْ، وقِلَّةِ جَدْواهم. الثّانِيَةُ: الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ في الأصْلِ كانَتْ غُصْنًا طَرِيًّا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفَعِ بِها، ثُمَّ تَصِيرُ غَلِيظَةً يابِسَةً، والكافِرُ والمُنافِقُ كَذَلِكَ كانَ في الأصْلِ صالِحًا لِكَذا وكَذا، ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ تِلْكَ الصَّلاحِيَّةِ. الثّالِثَةُ: الكَفَرَةُ مِن جِنْسِ الإنْسِ حَطَبٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والخُشُبُ المُسَنَّدَةُ حَطَبٌ. أيْضًا. الرّابِعَةُ: أنَّ الخُشُبَ المُسَنَّدَةَ إلى الحائِطِ أحَدُ طَرَفَيْها إلى جِهَةٍ، والآخَرُ إلى جِهَةٍ أُخْرى، والمُنافِقُونَ كَذَلِكَ، لِأنَّ المُنافِقَ أحَدُ طَرَفَيْهِ وهو الباطِنُ إلى جِهَةِ أهْلِ الكُفْرِ، والطَّرَفُ الآخَرُ وهو الظّاهِرُ إلى جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ. الخامِسَةُ: المُعْتَمِدُ عَلَيْهِ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ ما يَكُونُ مِنَ الجَماداتِ والنَّباتاتِ، والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لِلْمُنافِقِينَ كَذَلِكَ، وإذا كانُوا مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ هو الأصْنامُ، إنَّها مِنَ الجَماداتِ أوِ النَّباتاتِ. الثّانِي مِنَ المَباحِثِ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، ثُمَّ قالَ مِن بَعْدُ ما يُنافِي هَذا التَّشْبِيهَ وهو صفحة ١٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ والخُشُبُ المُسَنَّدَةُ لا يَحْسَبُونَ أصْلًا، نَقُولُ: لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ يَشْتَرِكانِ في جَمِيعِ الأوْصافِ، فَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِانْتِفاعِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ، ولَيْسُوا كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ وعَدَمِ الِاسْتِماعِ لِلصَّيْحَةِ وغَيْرِها. الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: القَوْمَ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ أوِ المُسْتَكْبِرِينَ مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِن جُمْلَةِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ. نَقُولُ: كُلُّ أحَدٍ مِن تِلْكَ الأقْوامِ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (الفاسِقِينَ) أيِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وهُمُ الكافِرُونَ والمُنافِقُونَ والمُسْتَكْبِرُونَ.

المنافقون 63:6

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومُغِيثَ بْنَ قَيْسٍ، وجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، كانَتْ لَهم أجْسامٌ ومَنظَرٌ، تُعْجِبُكَ أجْسامُهم لِحُسْنِها وجَمالِها، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا صَبِيحًا فَصِيحًا، وإذا قالَ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أيْ ويَقُولُوا: إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ تَسْمَعُ لِقَوْلِهِمْ، وقُرِئَ يُسْمَعْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وفي الخُشُبِ التَّخْفِيفُ كَبَدَنَةٍ وبُدْنٍ وأسَدٍ وأُسْدٍ، والتَّثْقِيلُ كَذَلِكَ كَثَمَرَةٍ وثُمُرٍ، وخَشَبَةٍ وخُشُبٍ، ومَدَرَةٍ ومُدُرٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والتَّثْقِيلُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والخُشُبُ لا تَعْقِلُ ولا تَفْهَمُ، فَكَذَلِكَ أهِلُ النِّفاقِ كَأنَّهم في تَرْكِ التَّفَهُّمِ، والِاسْتِبْصارِ بِمَنزِلَةِ الخُشُبِ. وأمّا المُسَنَّدَةُ يُقالُ: سَنَدَ إلى شَيْءٍ، أيْ مالَ إلَيْهِ، وأسْنَدَهُ إلى الشَّيْءِ، أيْ أمالَهُ فَهو مُسْنَدٌ، والتَّشْدِيدُ لِلْمُبالَغَةِ، وإنَّما وُصِفَ الخُشُبُ بِها، لِأنَّها تُشْبِهُ الأشْجارَ القائِمَةَ الَّتِي تَنْمُو وتُثْمِرُ بِوَجْهٍ ما، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجُبْنِ وعابَهم بِهِ، فَقالَ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: إذا نادى مُنادٍ في العَسْكَرِ، وانْفَلَتَتْ دابَّةٌ، أوْ نُشِدَتْ ضالَّةٌ مَثَلًا ظَنُّوا أنَّهم يُرادُونَ بِذَلِكَ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم عَلى وجَلٍ مِن أنْ يَهْتِكَ اللَّهُ أسْتارَهم، ويَكْشِفَ أسْرارَهم، يَتَوَقَّعُونَ الإيقاعَ بِهِمْ ساعَةً فَساعَةً، ثُمَّ أعْلَمَ [ اللَّهُ ] رَسُولَهُ بِعَداوَتِهِمْ فَقالَ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ أنْ تَأْمَنَهم عَلى السِّرِّ ولا تَلْتَفِتَ إلى ظاهِرِهِمْ فَإنَّهُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ مُفَسِّرٌ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ صفحة ١٥ وطَلَبٌ مِن ذاتِهِ أنْ يَلْعَنَهم ويُخْزِيَهم وتَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوا بِذَلِكَ، و﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ تَعَجُّبًا مِن جَهْلِهِمْ وضَلالَتِهِمْ وظَنِّهِمُ الفاسِدِ أنَّهم عَلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِصِفَةِ المُنافِقِينَ مَشى إلَيْهِ عَشائِرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ وقالُوا: لَهم ويَلْكُمُ افْتَضَحْتُمْ بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمْ أنْفُسَكم، فَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ وتُوبُوا إلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ واسْألُوهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكم، فَأبَوْا ذَلِكَ وزَهِدُوا في الِاسْتِغْفارِ فَنَزَلَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ «لَمّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مِن أُحُدٍ بِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مَقَتَهُ المُسْلِمُونَ وعَنَّفُوهُ وأسْمَعُوهُ المَكْرُوهَ، فَقالَ لَهُ بَنُو أبِيهِ: لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ ﷺ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ ويَرْضى عَنْكَ، فَقالَ: لا أذْهَبُ إلَيْهِ، ولا أُرِيدُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِي، وجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ فَنَزَلَتْ» . وعِنْدَ الأكْثَرِينَ، إنَّما دُعِيَ إلى الِاسْتِغْفارِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وقالَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ فَقِيلَ لَهُ: تَعالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: ماذا قُلْتُ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ وقُرِئَ: ”لَوَوْا“ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ لِلْكَثْرَةِ، والكِنايَةُ قَدْ تُجْعَلُ جَمْعًا والمَقْصُودُ واحِدٌ وهو كَثِيرٌ في أشْعارِ العَرَبِ قالَ جَرِيرٌ: لا بارَكَ اللَّهُ فِيمَن كانَ يَحْسَبُكم إلّا عَلى العَهْدِ حَتّى كانَ ما كانا وإنَّما خاطَبَ بِهَذا امْرَأةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ عَنِ اسْتِغْفارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ تَعالى أنَّ اسْتِغْفارَهُ لا يَنْفَعُهم فَقالَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«خَيَّرَنِي رَبِّي فَلَأزِيدَنَّهم عَلى السَّبْعِينَ» “ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقِينَ، وقالَ قَوْمٌ: فِيهِ بَيانٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْلِكُ هِدايَةً وراءَ هِدايَةِ البَيانِ، وهي خَلْقُ فِعْلِ الِاهْتِداءِ فِيمَن عَلِمَ مِنهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَهْدِيهِمْ لِفِسْقِهِمْ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ لا يُسَمِّيهِمُ المُهْتَدِينَ إذا فَسَقُوا وضَلُّوا وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: لِمَ شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لا بِغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفِعِ بِها ؟ نَقُولُ لِاشْتِمالِ هَذا التَّشْبِيهِ عَلى فَوائِدَ كَثِيرَةٍ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ: الأُولى: قالَ في الكَشّافِ: شُبِّهُوا في اسْتِنادِهِمْ وما هم إلّا أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ، بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ، ولِأنَّ الخَشَبَ إذا انْتُفِعَ بِهِ كانَ في سَقْفٍ أوْ جِدارٍ أوْ غَيْرِهِما مِن مَظانِّ الِانْتِفاعِ، وما دامَ مَتْرُوكًا فارِغًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ أُسْنِدَ إلى الحائِطِ، فَشُبِّهُوا بِهِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الأصْنامُ المَنحُوتَةُ مِنَ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ شُبِّهُوا بِها في حُسْنِ صُوَرِهِمْ، وقِلَّةِ جَدْواهم. الثّانِيَةُ: الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ في الأصْلِ كانَتْ غُصْنًا طَرِيًّا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفَعِ بِها، ثُمَّ تَصِيرُ غَلِيظَةً يابِسَةً، والكافِرُ والمُنافِقُ كَذَلِكَ كانَ في الأصْلِ صالِحًا لِكَذا وكَذا، ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ تِلْكَ الصَّلاحِيَّةِ. الثّالِثَةُ: الكَفَرَةُ مِن جِنْسِ الإنْسِ حَطَبٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والخُشُبُ المُسَنَّدَةُ حَطَبٌ. أيْضًا. الرّابِعَةُ: أنَّ الخُشُبَ المُسَنَّدَةَ إلى الحائِطِ أحَدُ طَرَفَيْها إلى جِهَةٍ، والآخَرُ إلى جِهَةٍ أُخْرى، والمُنافِقُونَ كَذَلِكَ، لِأنَّ المُنافِقَ أحَدُ طَرَفَيْهِ وهو الباطِنُ إلى جِهَةِ أهْلِ الكُفْرِ، والطَّرَفُ الآخَرُ وهو الظّاهِرُ إلى جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ. الخامِسَةُ: المُعْتَمِدُ عَلَيْهِ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ ما يَكُونُ مِنَ الجَماداتِ والنَّباتاتِ، والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لِلْمُنافِقِينَ كَذَلِكَ، وإذا كانُوا مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ هو الأصْنامُ، إنَّها مِنَ الجَماداتِ أوِ النَّباتاتِ. الثّانِي مِنَ المَباحِثِ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، ثُمَّ قالَ مِن بَعْدُ ما يُنافِي هَذا التَّشْبِيهَ وهو صفحة ١٦ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ﴾ والخُشُبُ المُسَنَّدَةُ لا يَحْسَبُونَ أصْلًا، نَقُولُ: لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ يَشْتَرِكانِ في جَمِيعِ الأوْصافِ، فَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِانْتِفاعِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ، ولَيْسُوا كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ وعَدَمِ الِاسْتِماعِ لِلصَّيْحَةِ وغَيْرِها. الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: القَوْمَ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ أوِ المُسْتَكْبِرِينَ مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِن جُمْلَةِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ. نَقُولُ: كُلُّ أحَدٍ مِن تِلْكَ الأقْوامِ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (الفاسِقِينَ) أيِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وهُمُ الكافِرُونَ والمُنافِقُونَ والمُسْتَكْبِرُونَ.

المنافقون 63:7

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِشَنِيعِ مَقالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ كَذا وكَذا و(يَنْفَضُّوا) أيْ يَتَفَرَّقُوا، وقُرِئَ: ”يَنْفَضُّوا“ مِن أنْفَضَ القَوْمُ إذا فَنِيَتْ أزْوادُهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: «اقْتَتَلَ أجِيرُ عُمَرَ مَعَ أجِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في بَعْضِ الغَزَواتِ فَأسْمَعَ أجِيرُ عُمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ المَكْرُوهَ واشْتَدَّ عَلَيْهِ لِسانُهُ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ وعِنْدَهُ رَهْطٌ مِن قَوْمِهِ فَقالَ: أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، يَعْنِي بِالأعَزِّ نَفْسَهُ وبِالأذَلِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى قَوْمِهِ فَقالَ: لَوْ أمْسَكْتُمُ النَّفَقَةَ عَنْ هَؤُلاءِ يَعْنِي المُهاجِرِينَ لَأوْشَكُوا أنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِيارِكم وبِلادِكم فَلا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ»، وقُرِئَ: ”لَيَخْرُجَنَّ“ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَيْلَةَ: ”لَنُخْرِجَنَّ“ بِالنُّونِ ونَصَبَ الأعَزَّ والأذَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَفاتِيحَ الرِّزْقِ والمَطَرِ والنَّباتِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقالَ أهْلُ المَعانِي: خَزائِنُ اللَّهِ تَعالى مَقْدُوراتُهُ لِأنَّ فِيها كُلَّ ما يَشاءُ مِمّا يُرِيدُ إخْراجَهُ، وقالَ الجُنَيْدُ: خَزائِنُ اللَّهِ تَعالى في السَّماواتِ الغُيُوبُ وفي الأرْضِ القُلُوبُ وهو عَلّامُ الغُيُوبِ ومُقَلِّبُ القُلُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْقَهُونَ أنَّ ﴿أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقَوْلُهُ يَقُولُونَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا﴾ أيْ مِن تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ إلى المَدِينَةِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ اللَّهُ وأيَّدَهُ مِن رَسُولِهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ وعَزَّهم بِنُصْرَتِهِ إيّاهم وإظْهارِ دِينِهِمْ عَلى سائِرِ الأدْيانِ وأعْلَمَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوهُ ما قالُوا مَقالَتَهم هَذِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهُمُ الأخِصّاءُ بِذَلِكَ كَما أنَّ المَذَلَّةَ والهَوانَ لِلشَّيْطانِ وذَوِيهِ مِنَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وعَنْ بَعْضِ الصّالِحاتِ وكانَتْ في هَيْئَةٍ رَثَّةٍ: ألَسْتُ عَلى الإسْلامِ وهو العِزُّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ، والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ صفحة ١٧ فِيكَ تِيهًا قالَ: لَيْسَ بِتِيهٍ، ولَكِنَّهُ عِزَّةٌ، فَإنَّ هَذا العِزَّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ في تَحْقِيقِ هَذا المَعْنى: العِزَّةُ غَيْرُ الكِبْرِ ولا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فالعِزَّةُ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ وإكْرامُها عَنْ أنْ يَضَعَها لِأقْسامٍ عاجِلَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَما أنَّ الكِبْرَ جَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وإنْزالُها فَوْقَ مَنزِلِها فالعِزَّةُ تُشْبِهُ الكِبْرَ مِن حَيْثُ الصُّورَةِ، وتَخْتَلِفُ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةِ كاشْتِباهِ التَّواضُعِ بِالضِّعَةِ والتَّواضُعُ مَحْمُودٌ، والضِّعَةُ مَذْمُومَةٌ، والكِبْرِ مَذْمُومٌ، والعِزَّةُ مَحْمُودَةٌ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَذْمُومَةٍ وفِيها مُشاكَلَةٌ لِلْكِبْرِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وفِيهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ لِإثْباتِ العِزَّةِ بِالحَقِّ، والوُقُوفُ عَلى حَدِّ التَّواضُعِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الضِّعَةِ وُقُوفٌ عَلى صِراطِ العِزَّةِ المَنصُوبِ عَلى مَتْنِ نارِ الكِبْرِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ وفي الأُخْرى ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: لِيُعْلَمَ بِالأوَّلِ قِلَّةُ كِياسَتِهِمْ وفَهْمِهِمْ، وبِالثّانِي كَثْرَةُ حَماقَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، ولا يَفْقَهُونَ مِن فَقِهَ يَفْقَهُ، كَعَلِمَ يَعْلَمُ، ومِن فَقُهَ يَفْقُهُ: كَعَظُمَ يَعْظُمُ، والأوَّلُ لِحُصُولِ الفِقْهِ بِالتَّكَلُّفِ والثّانِي لا بِالتَّكَلُّفِ، فالأوَّلُ عِلاجِيٌّ، والثّانِي مِزاجِيٌّ.

المنافقون 63:8

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِشَنِيعِ مَقالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ كَذا وكَذا و(يَنْفَضُّوا) أيْ يَتَفَرَّقُوا، وقُرِئَ: ”يَنْفَضُّوا“ مِن أنْفَضَ القَوْمُ إذا فَنِيَتْ أزْوادُهم، قالَ المُفَسِّرُونَ: «اقْتَتَلَ أجِيرُ عُمَرَ مَعَ أجِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في بَعْضِ الغَزَواتِ فَأسْمَعَ أجِيرُ عُمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ المَكْرُوهَ واشْتَدَّ عَلَيْهِ لِسانُهُ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ وعِنْدَهُ رَهْطٌ مِن قَوْمِهِ فَقالَ: أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، يَعْنِي بِالأعَزِّ نَفْسَهُ وبِالأذَلِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى قَوْمِهِ فَقالَ: لَوْ أمْسَكْتُمُ النَّفَقَةَ عَنْ هَؤُلاءِ يَعْنِي المُهاجِرِينَ لَأوْشَكُوا أنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ دِيارِكم وبِلادِكم فَلا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ»، وقُرِئَ: ”لَيَخْرُجَنَّ“ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي عَيْلَةَ: ”لَنُخْرِجَنَّ“ بِالنُّونِ ونَصَبَ الأعَزَّ والأذَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَفاتِيحَ الرِّزْقِ والمَطَرِ والنَّباتِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ وقالَ أهْلُ المَعانِي: خَزائِنُ اللَّهِ تَعالى مَقْدُوراتُهُ لِأنَّ فِيها كُلَّ ما يَشاءُ مِمّا يُرِيدُ إخْراجَهُ، وقالَ الجُنَيْدُ: خَزائِنُ اللَّهِ تَعالى في السَّماواتِ الغُيُوبُ وفي الأرْضِ القُلُوبُ وهو عَلّامُ الغُيُوبِ ومُقَلِّبُ القُلُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْقَهُونَ أنَّ ﴿أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقَوْلُهُ يَقُولُونَ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا﴾ أيْ مِن تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ إلى المَدِينَةِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وقالَ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ ولِمَن أعَزَّهُ اللَّهُ وأيَّدَهُ مِن رَسُولِهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ وعَزَّهم بِنُصْرَتِهِ إيّاهم وإظْهارِ دِينِهِمْ عَلى سائِرِ الأدْيانِ وأعْلَمَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوهُ ما قالُوا مَقالَتَهم هَذِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهُمُ الأخِصّاءُ بِذَلِكَ كَما أنَّ المَذَلَّةَ والهَوانَ لِلشَّيْطانِ وذَوِيهِ مِنَ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وعَنْ بَعْضِ الصّالِحاتِ وكانَتْ في هَيْئَةٍ رَثَّةٍ: ألَسْتُ عَلى الإسْلامِ وهو العِزُّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ، والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ، وعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَزْعُمُونَ أنَّ صفحة ١٧ فِيكَ تِيهًا قالَ: لَيْسَ بِتِيهٍ، ولَكِنَّهُ عِزَّةٌ، فَإنَّ هَذا العِزَّ الَّذِي لا ذُلَّ مَعَهُ والغِنى الَّذِي لا فَقْرَ مَعَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ العارِفِينَ في تَحْقِيقِ هَذا المَعْنى: العِزَّةُ غَيْرُ الكِبْرِ ولا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فالعِزَّةُ مَعْرِفَةُ الإنْسانِ بِحَقِيقَةِ نَفْسِهِ وإكْرامُها عَنْ أنْ يَضَعَها لِأقْسامٍ عاجِلَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَما أنَّ الكِبْرَ جَهْلُ الإنْسانِ بِنَفْسِهِ وإنْزالُها فَوْقَ مَنزِلِها فالعِزَّةُ تُشْبِهُ الكِبْرَ مِن حَيْثُ الصُّورَةِ، وتَخْتَلِفُ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةِ كاشْتِباهِ التَّواضُعِ بِالضِّعَةِ والتَّواضُعُ مَحْمُودٌ، والضِّعَةُ مَذْمُومَةٌ، والكِبْرِ مَذْمُومٌ، والعِزَّةُ مَحْمُودَةٌ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَذْمُومَةٍ وفِيها مُشاكَلَةٌ لِلْكِبْرِ، قالَ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠] وفِيهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ لِإثْباتِ العِزَّةِ بِالحَقِّ، والوُقُوفُ عَلى حَدِّ التَّواضُعِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ إلى الضِّعَةِ وُقُوفٌ عَلى صِراطِ العِزَّةِ المَنصُوبِ عَلى مَتْنِ نارِ الكِبْرِ، فَإنْ قِيلَ: قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ وفي الأُخْرى ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: لِيُعْلَمَ بِالأوَّلِ قِلَّةُ كِياسَتِهِمْ وفَهْمِهِمْ، وبِالثّانِي كَثْرَةُ حَماقَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ، ولا يَفْقَهُونَ مِن فَقِهَ يَفْقَهُ، كَعَلِمَ يَعْلَمُ، ومِن فَقُهَ يَفْقُهُ: كَعَظُمَ يَعْظُمُ، والأوَّلُ لِحُصُولِ الفِقْهِ بِالتَّكَلُّفِ والثّانِي لا بِالتَّكَلُّفِ، فالأوَّلُ عِلاجِيٌّ، والثّانِي مِزاجِيٌّ.

المنافقون 63:9

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (لا تُلْهِكم) لا تَشْغَلْكم كَما شَغَلَتِ المُنافِقِينَ، وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مِنهم مَن قالَ: نَزَلَتْ في حَقِّ المُنافِقِينَ، ومِنهم مَن قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ عَنْ فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى نَحْوَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ أوْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وقالَ الضَّحّاكُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وعِنْدَ مُقاتِلٍ: هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ ألْهاهُ مالُهُ ووَلَدُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ في تِجارَتِهِمْ حَيْثُ باعُوا الشَّرِيفَ الباقِيَ بِالخَسِيسِ الفانِي، وقِيلَ: هُمُ الخاسِرُونَ في إنْكارِ ما قالَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِهادُ، وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو النَّظَرُ في القُرْآنِ والتَّفَكُّرُ والتَّأمُّلُ فِيهِ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ زَكاةَ المالِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: المُرادُ هو الإنْفاقُ الواجِبُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ دَلائِلُ المَوْتِ وعَلاماتُهُ فَيَسْألُ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقِيلَ: حَضُّهم عَلى إدامَةِ الذِّكْرِ، وأنْ لا يَضِنُّوا بِالأمْوالِ، أيْ هَلّا أمْهَلْتَنِي وأخَّرْتَ أجْلِي إلى زَمانٍ صفحة ١٨ قَلِيلٍ، وهو الزِّيادَةُ في أجْلِهِ حَتّى يَتَصَدَّقَ ويَتَزَكّى وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إذِ المُؤْمِنُ لا يَسْألُ الرَّجْعَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَنْزِلُ بِأحَدٍ لَمْ يَحُجَّ ولَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ المَوْتُ إلّا وسَألَ الرَّجْعَةَ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مِن قَبْلِ أنْ يُعايِنَ ما يَيْأسُ مَعَهُ مِنَ الإمْهالِ ويَضِيقَ بِهِ الخِناقُ ويَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإنْفاقُ، ويَفُوتَ وقْتُ القَبُولِ فَيَتَحَسَّرَ عَلى المَنعِ ويَعَضَّ أنامِلَهُ عَلى فَقْدِ ما كانَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَصَدَّقُوا قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم سُلْطانُ المَوْتِ فَلا تُقْبَلُ تَوْبَةٌ ولا يَنْفَعُ عَمَلٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحُجُّ، وقُرِئَ فَأكُونَ وهو عَلى لَفْظِ فَأصَدَّقَ وأكُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: و”أكُونَ“ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَأصَّدَّقَ) جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي فِيهِ التَّمَنِّي والجَزْمُ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ، وقَرَأ أُبَيٌّ فَأتَصَدَّقَ عَلى الأصْلِ وأكُنْ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ فَأصَدَّقَ. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ أبْياتًا كَثِيرَةً في الحَمْلِ عَلى المَوْضِعِ مِنها: [ مُعاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فَأسْجِحْ ] فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا فَنَصَبَ الحَدِيدَ عَطْفًا عَلى المَحَلِّ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِالجِبالِ، لِلتَّأْكِيدِ لا لِمَعْنًى مُسْتَقْبَلٍ يَجُوزُ حَذْفُهُ وعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ أبِي سُلْمى: بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقٍ شَيْئًا إذا كانَ جائِيا تَوَهَّمَ أنَّهُ قالَ بِمُدْرِكٍ فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ سابِقٍ، عَطْفًا عَلى المَفْهُومِ، وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو ”وأكُونَ“ فَإنَّهُ حَمَلَهُ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُؤَخِّرُ مَنِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ وحَضَرَ أجْلُهُ فَقالَ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ يَعْنِي عَنِ المَوْتِ إذا جاءَ أجَلُها، قالَ في الكَشّافِ: هَذا نَفْيٌ لِلتَّأْخِيرِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الَّذِي مَعْناهُ مُنافاةُ المَنفِيِّ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الذِّكْرِ قَبْلَ المَوْتِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الشُّكْرِ لِذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لَوْ رُدَّ إلى الدُّنْيا ما زَكّى ولا حَجَّ، ويَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا خَطّابٌ جامِعٌ لِكُلِّ عَمَلٍ خَيْرًا أوْ شَرًّا وقَرَأ عاصِمٌ يَعْمَلُونَ بِالياءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ لِأنَّ النَّفْسَ وإنْ كانَ واحِدًا في اللَّفْظِ، فالمُرادُ بِهِ الكَثِيرُ فَحُمِلَ عَلى المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

المنافقون 63:10

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (لا تُلْهِكم) لا تَشْغَلْكم كَما شَغَلَتِ المُنافِقِينَ، وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مِنهم مَن قالَ: نَزَلَتْ في حَقِّ المُنافِقِينَ، ومِنهم مَن قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ عَنْ فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى نَحْوَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ أوْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وقالَ الضَّحّاكُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وعِنْدَ مُقاتِلٍ: هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ ألْهاهُ مالُهُ ووَلَدُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ في تِجارَتِهِمْ حَيْثُ باعُوا الشَّرِيفَ الباقِيَ بِالخَسِيسِ الفانِي، وقِيلَ: هُمُ الخاسِرُونَ في إنْكارِ ما قالَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِهادُ، وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو النَّظَرُ في القُرْآنِ والتَّفَكُّرُ والتَّأمُّلُ فِيهِ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ زَكاةَ المالِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: المُرادُ هو الإنْفاقُ الواجِبُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ دَلائِلُ المَوْتِ وعَلاماتُهُ فَيَسْألُ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقِيلَ: حَضُّهم عَلى إدامَةِ الذِّكْرِ، وأنْ لا يَضِنُّوا بِالأمْوالِ، أيْ هَلّا أمْهَلْتَنِي وأخَّرْتَ أجْلِي إلى زَمانٍ صفحة ١٨ قَلِيلٍ، وهو الزِّيادَةُ في أجْلِهِ حَتّى يَتَصَدَّقَ ويَتَزَكّى وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إذِ المُؤْمِنُ لا يَسْألُ الرَّجْعَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَنْزِلُ بِأحَدٍ لَمْ يَحُجَّ ولَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ المَوْتُ إلّا وسَألَ الرَّجْعَةَ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مِن قَبْلِ أنْ يُعايِنَ ما يَيْأسُ مَعَهُ مِنَ الإمْهالِ ويَضِيقَ بِهِ الخِناقُ ويَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإنْفاقُ، ويَفُوتَ وقْتُ القَبُولِ فَيَتَحَسَّرَ عَلى المَنعِ ويَعَضَّ أنامِلَهُ عَلى فَقْدِ ما كانَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَصَدَّقُوا قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم سُلْطانُ المَوْتِ فَلا تُقْبَلُ تَوْبَةٌ ولا يَنْفَعُ عَمَلٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحُجُّ، وقُرِئَ فَأكُونَ وهو عَلى لَفْظِ فَأصَدَّقَ وأكُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: و”أكُونَ“ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَأصَّدَّقَ) جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي فِيهِ التَّمَنِّي والجَزْمُ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ، وقَرَأ أُبَيٌّ فَأتَصَدَّقَ عَلى الأصْلِ وأكُنْ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ فَأصَدَّقَ. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ أبْياتًا كَثِيرَةً في الحَمْلِ عَلى المَوْضِعِ مِنها: [ مُعاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فَأسْجِحْ ] فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا فَنَصَبَ الحَدِيدَ عَطْفًا عَلى المَحَلِّ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِالجِبالِ، لِلتَّأْكِيدِ لا لِمَعْنًى مُسْتَقْبَلٍ يَجُوزُ حَذْفُهُ وعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ أبِي سُلْمى: بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقٍ شَيْئًا إذا كانَ جائِيا تَوَهَّمَ أنَّهُ قالَ بِمُدْرِكٍ فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ سابِقٍ، عَطْفًا عَلى المَفْهُومِ، وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو ”وأكُونَ“ فَإنَّهُ حَمَلَهُ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُؤَخِّرُ مَنِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ وحَضَرَ أجْلُهُ فَقالَ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ يَعْنِي عَنِ المَوْتِ إذا جاءَ أجَلُها، قالَ في الكَشّافِ: هَذا نَفْيٌ لِلتَّأْخِيرِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الَّذِي مَعْناهُ مُنافاةُ المَنفِيِّ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الذِّكْرِ قَبْلَ المَوْتِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الشُّكْرِ لِذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لَوْ رُدَّ إلى الدُّنْيا ما زَكّى ولا حَجَّ، ويَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا خَطّابٌ جامِعٌ لِكُلِّ عَمَلٍ خَيْرًا أوْ شَرًّا وقَرَأ عاصِمٌ يَعْمَلُونَ بِالياءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ لِأنَّ النَّفْسَ وإنْ كانَ واحِدًا في اللَّفْظِ، فالمُرادُ بِهِ الكَثِيرُ فَحُمِلَ عَلى المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

المنافقون 63:11

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (لا تُلْهِكم) لا تَشْغَلْكم كَما شَغَلَتِ المُنافِقِينَ، وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مِنهم مَن قالَ: نَزَلَتْ في حَقِّ المُنافِقِينَ، ومِنهم مَن قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ عَنْ فَرائِضِ اللَّهِ تَعالى نَحْوَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ أوْ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وقالَ الضَّحّاكُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وعِنْدَ مُقاتِلٍ: هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيْ ألْهاهُ مالُهُ ووَلَدُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ في تِجارَتِهِمْ حَيْثُ باعُوا الشَّرِيفَ الباقِيَ بِالخَسِيسِ الفانِي، وقِيلَ: هُمُ الخاسِرُونَ في إنْكارِ ما قالَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِهادُ، وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو النَّظَرُ في القُرْآنِ والتَّفَكُّرُ والتَّأمُّلُ فِيهِ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يُرِيدُ زَكاةَ المالِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: المُرادُ هو الإنْفاقُ الواجِبُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ دَلائِلُ المَوْتِ وعَلاماتُهُ فَيَسْألُ الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقِيلَ: حَضُّهم عَلى إدامَةِ الذِّكْرِ، وأنْ لا يَضِنُّوا بِالأمْوالِ، أيْ هَلّا أمْهَلْتَنِي وأخَّرْتَ أجْلِي إلى زَمانٍ صفحة ١٨ قَلِيلٍ، وهو الزِّيادَةُ في أجْلِهِ حَتّى يَتَصَدَّقَ ويَتَزَكّى وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إذِ المُؤْمِنُ لا يَسْألُ الرَّجْعَةَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لا يَنْزِلُ بِأحَدٍ لَمْ يَحُجَّ ولَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ المَوْتُ إلّا وسَألَ الرَّجْعَةَ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مِن قَبْلِ أنْ يُعايِنَ ما يَيْأسُ مَعَهُ مِنَ الإمْهالِ ويَضِيقَ بِهِ الخِناقُ ويَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الإنْفاقُ، ويَفُوتَ وقْتُ القَبُولِ فَيَتَحَسَّرَ عَلى المَنعِ ويَعَضَّ أنامِلَهُ عَلى فَقْدِ ما كانَ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَصَدَّقُوا قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم سُلْطانُ المَوْتِ فَلا تُقْبَلُ تَوْبَةٌ ولا يَنْفَعُ عَمَلٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحُجُّ، وقُرِئَ فَأكُونَ وهو عَلى لَفْظِ فَأصَدَّقَ وأكُونَ، قالَ المُبَرِّدُ: و”أكُونَ“ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَأصَّدَّقَ) جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي فِيهِ التَّمَنِّي والجَزْمُ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ، وقَرَأ أُبَيٌّ فَأتَصَدَّقَ عَلى الأصْلِ وأكُنْ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ فَأصَدَّقَ. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ أبْياتًا كَثِيرَةً في الحَمْلِ عَلى المَوْضِعِ مِنها: [ مُعاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فَأسْجِحْ ] فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا فَنَصَبَ الحَدِيدَ عَطْفًا عَلى المَحَلِّ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِالجِبالِ، لِلتَّأْكِيدِ لا لِمَعْنًى مُسْتَقْبَلٍ يَجُوزُ حَذْفُهُ وعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ أبِي سُلْمى: بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقٍ شَيْئًا إذا كانَ جائِيا تَوَهَّمَ أنَّهُ قالَ بِمُدْرِكٍ فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ سابِقٍ، عَطْفًا عَلى المَفْهُومِ، وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو ”وأكُونَ“ فَإنَّهُ حَمَلَهُ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُؤَخِّرُ مَنِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ وحَضَرَ أجْلُهُ فَقالَ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ يَعْنِي عَنِ المَوْتِ إذا جاءَ أجَلُها، قالَ في الكَشّافِ: هَذا نَفْيٌ لِلتَّأْخِيرِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ الَّذِي مَعْناهُ مُنافاةُ المَنفِيِّ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الذِّكْرِ قَبْلَ المَوْتِ: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الشُّكْرِ لِذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ لَوْ رُدَّ إلى الدُّنْيا ما زَكّى ولا حَجَّ، ويَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا خَطّابٌ جامِعٌ لِكُلِّ عَمَلٍ خَيْرًا أوْ شَرًّا وقَرَأ عاصِمٌ يَعْمَلُونَ بِالياءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ لِأنَّ النَّفْسَ وإنْ كانَ واحِدًا في اللَّفْظِ، فالمُرادُ بِهِ الكَثِيرُ فَحُمِلَ عَلى المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

التغابن 64:1

صفحة ١٩ (سُورَةُ التَّغابُنِ) ثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةً ﷽ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﷽ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وجْهُ التَّعَلُّقِ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ لِما أنَّ تِلْكَ السُّورَةَ لِلْمُنافِقِينَ الكاذِبِينَ وهَذِهِ السُّورَةُ لِلْمُنافِقِينَ الصّادِقِينَ، وأيْضًا تِلْكَ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَطالَةِ أهْلِ النِّفاقِ سِرًّا وعَلانِيَةً، وهَذِهِ السُّورَةُ عَلى ما هو التَّهْدِيدُ البالِغُ لَهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وأمّا الأوَّلُ بِالآخِرِ فَلِأنَّ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ التَّنْبِيهَ عَلى الذِّكْرِ والشُّكْرِ كَما مَرَّ، وفي أوَّلِ هَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم إنْ أعْرَضُوا عَنِ الذِّكْرِ والشُّكْرِ، قُلْنا: مِنَ الخَلْقِ قَوْمٌ يُواظِبُونَ عَلى الذِّكْرِ والشُّكْرِ دائِمًا، وهُمُ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ﴾ مَعْناهُ إذا سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَلَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، ولَمّا كانَ لَهُ المُلْكُ فَهو مُتَصَرِّفٌ في مُلْكِهِ والتَّصَرُّفُ مُفْتَقِرٌ إلى القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقالَ في الكَشّافِ: قُدِّمَ الظَّرْفانِ لِيَدُلَّ بِتَقْدِيمِهِما عَلى مَعْنى اخْتِصاصِ المُلْكِ والحَمْدِ بِاللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لِأنَّ المُلْكَ في الحَقِيقَةِ لَهُ لِأنَّهُ مُبْدِئٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ومُبْدِعُهُ والقائِمُ بِهِ والمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ الحَمْدُ فَإنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَها مِنهُ، وأمّا مُلْكُ غَيْرِهِ فَتَسْلِيطٌ مِنهُ واسْتِرْعاءٌ، وحَمْدُهُ اعْتِدادٌ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ أرادَهُ قَدِيرٌ، وقِيلَ: قَدِيرٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ بِقَدْرِ ما يَشاءُ لا يَزِيدُ عَلَيْهِ ولا يَنْقُصُ. وقَدْ مَرَّ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الحَدِيدِ: ﴿سَبَّحَ﴾ والحَشْرِ والصَّفِّ كَذَلِكَ، وفي الجُمُعَةِ والتَّغابُنِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ. البَحْثُ الثّانِي: قالَ في مَوْضِعٍ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الحشر: ١] وفي مَوْضِعٍ صفحة ٢٠ آخَرَ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ؟ قُلْنا: الحِكْمَةُ لا بُدَّ مِنها، ولا نَعْلَمُها كَما هي، لَكِنْ نَقُولُ: ما يَخْطُرُ بِالبالِ، وهو أنَّ مَجْمُوعَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهو عالَمٌ مُؤَلَّفٌ مِنَ الأجْسامِ الفَلَكِيَّةِ والعُنْصُرِيَّةِ، ثُمَّ الأرْضُ مِن هَذا المَجْمُوعِ شَيْءٌ والباقِي مِنهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا الجُزْءِ مِنَ المَجْمُوعِ وبِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ الجُزْءِ مِنهُ كَذَلِكَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: قالَ تَعالى في بَعْضِ السُّورِ كَذا وفي البَعْضِ هَذا لِيُعْلَمَ أنَّ هَذا العالَمَ الجُسْمانِيَّ مِن وجْهٍ شَيْءٌ واحِدٌ، ومِن وجْهٍ شَيْئانِ بَلْ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، والخَلْقُ في المَجْمُوعِ غَيْرُ ما في هَذا الجُزْءِ، وغَيْرُ ما في ذَلِكَ أيْضًا ولا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الشَّيْءِ في المَجْمُوعِ أنْ يُوجَدَ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِما أنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَسْبِيحِ ما في السَّماواتِ، وعَلى تَسْبِيحِ ما في الأرْضِ، كَذَلِكَ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

التغابن 64:2

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ بَنِي آدَمَ مُؤْمِنًا وكافِرًا، ثُمَّ يُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما خَلَقَهم مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقالَ عَطاءٌ: إنَّهُ يُرِيدُ فَمِنكم مُصَدِّقٌ، ومِنكم جاحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: مُؤْمِنٌ في العَلانِيَةِ كافِرٌ في السِّرِّ كالمُنافِقِ، وكافِرٌ في العَلانِيَةِ مُؤْمِنٌ في السِّرِّ كَعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقالَ الزَّجّاجُ: فَمِنكم كافِرٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ، وهو مِن أهْلِ الطَّبائِعِ والدَّهْرِيَّةِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ كَما قالَ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧] وقالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧] وقالَ أبُو إسْحاقَ: خَلَقَكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم كُفّارًا ومُؤْمِنِينَ، وجاءَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ يَحْيى خُلِقَ في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا، وفِرْعَوْنَ خُلِقَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ مِن أعْمالِكم، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّتِي هي الخَلْقُ فانْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ وكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ، فَما فَعَلْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم بَلْ تَفَرَّقْتُمْ فِرَقًا فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالإرادَةِ القَدِيمَةِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، ومِنهم مَن قالَ بِالحَقِّ، أيْ لِلْحَقِّ، وهو البَعْثُ، وقَوْلُهُ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أحْسَنَ أيْ أتْقَنَ وأحْكَمَ عَلى وجْهٍ لا يُوجَدُ بِذَلِكَ الوَجْهِ في الغَيْرِ، وكَيْفَ يُوجَدُ وقَدْ وُجِدَ في أنْفُسِهِمْ مِنَ القُوى الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ورُبُوبِيَّتِهِ دَلالَةً مَخْصُوصَةً لِحُسْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وثانِيهِما: أنْ نَصْرِفَ الحُسْنَ إلى حُسْنِ المَنظَرِ، فَإنَّ مَن نَظَرَ في قَدِّ الإنْسانِ وقامَتِهِ وبِالنِّسْبَةِ بَيْنَ أعْضائِهِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّ صُورَتَهُ أحْسَنُ صُورَةٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ البَعْثُ وإنَّما أضافَهُ صفحة ٢١ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ هو النِّهايَةُ في خَلْقِهِمْ والمَقْصُودُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ مُصَوَّرًا بِالصُّورَةِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الصُّورَةِ أنْ تَكُونَ عَلى أحْسَنِ الصُّوَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ المَرْجِعُ لَيْسَ إلّا لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ نَبَّهَ بِعِلْمِهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ما يُسِرُّهُ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ما في الصُّدُورِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ عَلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لِما أنَّهُ تَعالى لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ البَتَّةَ أزَلًا وأبَدًا، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ إذا خَلَقَهم لَمْ يَفْعَلُوا إلّا الكُفْرَ، والإصْرارَ عَلَيْهِ فَأيُّ حِكْمَةٍ دَعَتْهُ إلى خَلْقِهِمْ ؟ نَقُولُ: إذا عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، عَلِمْنا أنَّ أفْعالَهُ كُلَّها عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، وخَلْقُ هَذِهِ الطّائِفَةِ فِعْلُهُ، فَيَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ عِلْمِنا بِذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ بَلِ اللّازِمُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهم عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ. الثّانِي: قالَ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وقَدْ كانَ مِن أفْرادِ هَذا النَّوْعِ مَن كانَ مُشَوَّهَ الصُّورَةِ سَمِجَ الخِلْقَةِ ؟ نَقُولُ: لا سَماجَةَ ثَمَّةَ لَكِنَّ الحُسْنَ كَغَيْرِهِ مِنَ المَعانِي عَلى طَبَقاتٍ ومَراتِبَ فانْحِطاطُ بَعْضِ الصُّوَرِ عَنْ مَراتِبِ ما فَوْقَها انْحِطاطًا بَيِّنًا لا يَظْهَرُ حُسْنُهُ، وإلّا فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الحُسْنِ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ حَدِّهِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ يُوهِمُ الِانْتِقالَ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ في جانِبٍ، فَكَيْفَ هو ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ الوَهْمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا وإلى زَمانِنا لا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ، فَإنَّ نَفْسَ الأمْرِ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَقِيقَةِ الِانْتِقالِ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ إذا كانَ المُنْتَقِلُ إلَيْهِ مُنَزَّهًا عَنِ الجانِبِ وعَنِ الجِهَةِ.

التغابن 64:3

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ بَنِي آدَمَ مُؤْمِنًا وكافِرًا، ثُمَّ يُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما خَلَقَهم مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقالَ عَطاءٌ: إنَّهُ يُرِيدُ فَمِنكم مُصَدِّقٌ، ومِنكم جاحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: مُؤْمِنٌ في العَلانِيَةِ كافِرٌ في السِّرِّ كالمُنافِقِ، وكافِرٌ في العَلانِيَةِ مُؤْمِنٌ في السِّرِّ كَعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقالَ الزَّجّاجُ: فَمِنكم كافِرٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ، وهو مِن أهْلِ الطَّبائِعِ والدَّهْرِيَّةِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ كَما قالَ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧] وقالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧] وقالَ أبُو إسْحاقَ: خَلَقَكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم كُفّارًا ومُؤْمِنِينَ، وجاءَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ يَحْيى خُلِقَ في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا، وفِرْعَوْنَ خُلِقَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ مِن أعْمالِكم، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّتِي هي الخَلْقُ فانْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ وكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ، فَما فَعَلْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم بَلْ تَفَرَّقْتُمْ فِرَقًا فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالإرادَةِ القَدِيمَةِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، ومِنهم مَن قالَ بِالحَقِّ، أيْ لِلْحَقِّ، وهو البَعْثُ، وقَوْلُهُ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أحْسَنَ أيْ أتْقَنَ وأحْكَمَ عَلى وجْهٍ لا يُوجَدُ بِذَلِكَ الوَجْهِ في الغَيْرِ، وكَيْفَ يُوجَدُ وقَدْ وُجِدَ في أنْفُسِهِمْ مِنَ القُوى الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ورُبُوبِيَّتِهِ دَلالَةً مَخْصُوصَةً لِحُسْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وثانِيهِما: أنْ نَصْرِفَ الحُسْنَ إلى حُسْنِ المَنظَرِ، فَإنَّ مَن نَظَرَ في قَدِّ الإنْسانِ وقامَتِهِ وبِالنِّسْبَةِ بَيْنَ أعْضائِهِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّ صُورَتَهُ أحْسَنُ صُورَةٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ البَعْثُ وإنَّما أضافَهُ صفحة ٢١ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ هو النِّهايَةُ في خَلْقِهِمْ والمَقْصُودُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ مُصَوَّرًا بِالصُّورَةِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الصُّورَةِ أنْ تَكُونَ عَلى أحْسَنِ الصُّوَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ المَرْجِعُ لَيْسَ إلّا لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ نَبَّهَ بِعِلْمِهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ما يُسِرُّهُ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ما في الصُّدُورِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ عَلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لِما أنَّهُ تَعالى لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ البَتَّةَ أزَلًا وأبَدًا، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ إذا خَلَقَهم لَمْ يَفْعَلُوا إلّا الكُفْرَ، والإصْرارَ عَلَيْهِ فَأيُّ حِكْمَةٍ دَعَتْهُ إلى خَلْقِهِمْ ؟ نَقُولُ: إذا عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، عَلِمْنا أنَّ أفْعالَهُ كُلَّها عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، وخَلْقُ هَذِهِ الطّائِفَةِ فِعْلُهُ، فَيَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ عِلْمِنا بِذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ بَلِ اللّازِمُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهم عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ. الثّانِي: قالَ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وقَدْ كانَ مِن أفْرادِ هَذا النَّوْعِ مَن كانَ مُشَوَّهَ الصُّورَةِ سَمِجَ الخِلْقَةِ ؟ نَقُولُ: لا سَماجَةَ ثَمَّةَ لَكِنَّ الحُسْنَ كَغَيْرِهِ مِنَ المَعانِي عَلى طَبَقاتٍ ومَراتِبَ فانْحِطاطُ بَعْضِ الصُّوَرِ عَنْ مَراتِبِ ما فَوْقَها انْحِطاطًا بَيِّنًا لا يَظْهَرُ حُسْنُهُ، وإلّا فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الحُسْنِ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ حَدِّهِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ يُوهِمُ الِانْتِقالَ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ في جانِبٍ، فَكَيْفَ هو ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ الوَهْمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا وإلى زَمانِنا لا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ، فَإنَّ نَفْسَ الأمْرِ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَقِيقَةِ الِانْتِقالِ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ إذا كانَ المُنْتَقِلُ إلَيْهِ مُنَزَّهًا عَنِ الجانِبِ وعَنِ الجِهَةِ.

التغابن 64:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ بَنِي آدَمَ مُؤْمِنًا وكافِرًا، ثُمَّ يُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما خَلَقَهم مُؤْمِنًا وكافِرًا، وقالَ عَطاءٌ: إنَّهُ يُرِيدُ فَمِنكم مُصَدِّقٌ، ومِنكم جاحِدٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: مُؤْمِنٌ في العَلانِيَةِ كافِرٌ في السِّرِّ كالمُنافِقِ، وكافِرٌ في العَلانِيَةِ مُؤْمِنٌ في السِّرِّ كَعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقالَ الزَّجّاجُ: فَمِنكم كافِرٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ، وهو مِن أهْلِ الطَّبائِعِ والدَّهْرِيَّةِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ كَما قالَ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٧] وقالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧] وقالَ أبُو إسْحاقَ: خَلَقَكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم كُفّارًا ومُؤْمِنِينَ، وجاءَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ يَحْيى خُلِقَ في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا، وفِرْعَوْنَ خُلِقَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ عالِمٌ بِكُفْرِكم وإيمانِكُمُ اللَّذَيْنِ مِن أعْمالِكم، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْكم بِأصْلِ النِّعَمِ الَّتِي هي الخَلْقُ فانْظُرُوا النَّظَرَ الصَّحِيحَ وكُونُوا بِأجْمَعِكم عِبادًا شاكِرِينَ، فَما فَعَلْتُمْ مَعَ تَمَكُّنِكم بَلْ تَفَرَّقْتُمْ فِرَقًا فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالإرادَةِ القَدِيمَةِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، ومِنهم مَن قالَ بِالحَقِّ، أيْ لِلْحَقِّ، وهو البَعْثُ، وقَوْلُهُ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أحْسَنَ أيْ أتْقَنَ وأحْكَمَ عَلى وجْهٍ لا يُوجَدُ بِذَلِكَ الوَجْهِ في الغَيْرِ، وكَيْفَ يُوجَدُ وقَدْ وُجِدَ في أنْفُسِهِمْ مِنَ القُوى الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ورُبُوبِيَّتِهِ دَلالَةً مَخْصُوصَةً لِحُسْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وثانِيهِما: أنْ نَصْرِفَ الحُسْنَ إلى حُسْنِ المَنظَرِ، فَإنَّ مَن نَظَرَ في قَدِّ الإنْسانِ وقامَتِهِ وبِالنِّسْبَةِ بَيْنَ أعْضائِهِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّ صُورَتَهُ أحْسَنُ صُورَةٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ البَعْثُ وإنَّما أضافَهُ صفحة ٢١ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ هو النِّهايَةُ في خَلْقِهِمْ والمَقْصُودُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ مُصَوَّرًا بِالصُّورَةِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الصُّورَةِ أنْ تَكُونَ عَلى أحْسَنِ الصُّوَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ أيِ المَرْجِعُ لَيْسَ إلّا لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ نَبَّهَ بِعِلْمِهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ما يُسِرُّهُ العِبادُ وما يُعْلِنُونَهُ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ما في الصُّدُورِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ عَلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لِما أنَّهُ تَعالى لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ البَتَّةَ أزَلًا وأبَدًا، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، وقَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ إذا خَلَقَهم لَمْ يَفْعَلُوا إلّا الكُفْرَ، والإصْرارَ عَلَيْهِ فَأيُّ حِكْمَةٍ دَعَتْهُ إلى خَلْقِهِمْ ؟ نَقُولُ: إذا عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، عَلِمْنا أنَّ أفْعالَهُ كُلَّها عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، وخَلْقُ هَذِهِ الطّائِفَةِ فِعْلُهُ، فَيَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ عِلْمِنا بِذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ بَلِ اللّازِمُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهم عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ. الثّانِي: قالَ: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وقَدْ كانَ مِن أفْرادِ هَذا النَّوْعِ مَن كانَ مُشَوَّهَ الصُّورَةِ سَمِجَ الخِلْقَةِ ؟ نَقُولُ: لا سَماجَةَ ثَمَّةَ لَكِنَّ الحُسْنَ كَغَيْرِهِ مِنَ المَعانِي عَلى طَبَقاتٍ ومَراتِبَ فانْحِطاطُ بَعْضِ الصُّوَرِ عَنْ مَراتِبِ ما فَوْقَها انْحِطاطًا بَيِّنًا لا يَظْهَرُ حُسْنُهُ، وإلّا فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الحُسْنِ غَيْرُ خارِجٍ عَنْ حَدِّهِ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ يُوهِمُ الِانْتِقالَ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ في جانِبٍ، فَكَيْفَ هو ؟ قُلْتُ: ذَلِكَ الوَهْمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا وإلى زَمانِنا لا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ، فَإنَّ نَفْسَ الأمْرِ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَقِيقَةِ الِانْتِقالِ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ إذا كانَ المُنْتَقِلُ إلَيْهِ مُنَزَّهًا عَنِ الجانِبِ وعَنِ الجِهَةِ.

التغابن 64:5

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الوَيْلِ الَّذِي ذاقُوهُ في الدُّنْيا، وإلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ شِدَّةَ أمْرِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ﴾ أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا. ولَمْ يُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ مَعْبُودُهم حَجَرًا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا، وكَفَرُوا بِالرُّسُلِ وأعْرَضُوا واسْتَغْنى اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ مِنَ الأزَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ مِن جُمْلَةِ ما سَبَقَ، والحَمِيدُ بِمَعْنى المَحْمُودِ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ في الكَشّافِ: الزَّعْمُ صفحة ٢٢ ادِّعاءُ العِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«زَعَمُوا مَطِيَّةَ الكَذِبِ» “ وعَنْ شُرَيْحٍ لِكُلِّ شَيْءٍ كُنْيَةٌ وكُنْيَةُ الكَذِبِ زَعَمُوا، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَعَدِّي العِلْمِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَمْ أزْعُمْكَ عَنْ ذَلِكَ مَعْزُولا والَّذِينَ كَفَرُوا هم أهْلُ مَكَّةَ (بَلى) إثْباتٌ لِما بَعْدَ أنْ وهو البَعْثُ وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ يُعَلِّمُهُ القَسَمَ تَأْكِيدًا لَمّا كانَ يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ وكَذَلِكَ جَمِيعُ القَسَمِ في القُرْآنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ لا يَصْرِفُهُ صارِفٌ، وقِيلَ: إنَّ أمْرَ البَعْثِ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا، فَأخْبَرَ أنَّ إعادَتَهم أهْوَنُ في العُقُولِ مِن إنْشائِهِمْ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (فَكَفَرُوا) يَتَضَمَّنُ قَوْلَهُ: (وتَوَلَّوْا) فَما الحاجَةُ إلى ذِكْرِهِ ؟ نَقُولُ: إنَّهم كَفَرُوا وقالُوا: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وهَذا في مَعْنى الإنْكارِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ، وذَلِكَ هو التَّوَلِّي، فَكَأنَّهم كَفَرُوا وقالُوا قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّوَلِّي، ولِهَذا قالَ: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾ . الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ يُوهِمُ وُجُودَ التَّوَلِّي والِاسْتِغْناءِ مَعًا، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ غَنِيًّا، قالَ في الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. الثّالِثُ: كَيْفَ يُفِيدُ القَسَمُ في إخْبارِهِ عَنِ البَعْثِ وهم قَدْ أنْكَرُوا رِسالَتَهُ ؟ نَقُولُ: إنَّهم وإنْ أنْكَرُوا الرِّسالَةَ لَكِنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ رَبَّهُ اعْتِقادًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى القَسَمِ بِرَبِّهِ إلّا وأنْ يَكُونَ صِدْقُ هَذا الإخْبارِ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ عِنْدَهُ وفي اعْتِقادِهِ، والفائِدَةُ في الإخْبارِ مَعَ القَسَمِ لَيْسَ إلّا هَذا، ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ الخَبَرَ بِاللّامِ والنُّونِ فَكَأنَّهُ قَسَمٌ بَعْدَ قَسَمٍ. ولَمّا بالَغَ في الإخْبارِ عَنِ البَعْثِ، والِاعْتِرافُ بِالبَعْثِ مِن لَوازِمَ الإيمانِ قالَ:

التغابن 64:6

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الوَيْلِ الَّذِي ذاقُوهُ في الدُّنْيا، وإلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ شِدَّةَ أمْرِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ﴾ أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا. ولَمْ يُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ مَعْبُودُهم حَجَرًا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا، وكَفَرُوا بِالرُّسُلِ وأعْرَضُوا واسْتَغْنى اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ مِنَ الأزَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ مِن جُمْلَةِ ما سَبَقَ، والحَمِيدُ بِمَعْنى المَحْمُودِ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ في الكَشّافِ: الزَّعْمُ صفحة ٢٢ ادِّعاءُ العِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«زَعَمُوا مَطِيَّةَ الكَذِبِ» “ وعَنْ شُرَيْحٍ لِكُلِّ شَيْءٍ كُنْيَةٌ وكُنْيَةُ الكَذِبِ زَعَمُوا، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَعَدِّي العِلْمِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَمْ أزْعُمْكَ عَنْ ذَلِكَ مَعْزُولا والَّذِينَ كَفَرُوا هم أهْلُ مَكَّةَ (بَلى) إثْباتٌ لِما بَعْدَ أنْ وهو البَعْثُ وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ يُعَلِّمُهُ القَسَمَ تَأْكِيدًا لَمّا كانَ يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ وكَذَلِكَ جَمِيعُ القَسَمِ في القُرْآنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ لا يَصْرِفُهُ صارِفٌ، وقِيلَ: إنَّ أمْرَ البَعْثِ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا، فَأخْبَرَ أنَّ إعادَتَهم أهْوَنُ في العُقُولِ مِن إنْشائِهِمْ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (فَكَفَرُوا) يَتَضَمَّنُ قَوْلَهُ: (وتَوَلَّوْا) فَما الحاجَةُ إلى ذِكْرِهِ ؟ نَقُولُ: إنَّهم كَفَرُوا وقالُوا: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وهَذا في مَعْنى الإنْكارِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ، وذَلِكَ هو التَّوَلِّي، فَكَأنَّهم كَفَرُوا وقالُوا قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّوَلِّي، ولِهَذا قالَ: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾ . الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ يُوهِمُ وُجُودَ التَّوَلِّي والِاسْتِغْناءِ مَعًا، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ غَنِيًّا، قالَ في الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. الثّالِثُ: كَيْفَ يُفِيدُ القَسَمُ في إخْبارِهِ عَنِ البَعْثِ وهم قَدْ أنْكَرُوا رِسالَتَهُ ؟ نَقُولُ: إنَّهم وإنْ أنْكَرُوا الرِّسالَةَ لَكِنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ رَبَّهُ اعْتِقادًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى القَسَمِ بِرَبِّهِ إلّا وأنْ يَكُونَ صِدْقُ هَذا الإخْبارِ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ عِنْدَهُ وفي اعْتِقادِهِ، والفائِدَةُ في الإخْبارِ مَعَ القَسَمِ لَيْسَ إلّا هَذا، ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ الخَبَرَ بِاللّامِ والنُّونِ فَكَأنَّهُ قَسَمٌ بَعْدَ قَسَمٍ. ولَمّا بالَغَ في الإخْبارِ عَنِ البَعْثِ، والِاعْتِرافُ بِالبَعْثِ مِن لَوازِمَ الإيمانِ قالَ:

التغابن 64:7

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الوَيْلِ الَّذِي ذاقُوهُ في الدُّنْيا، وإلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ شِدَّةَ أمْرِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ﴾ أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا. ولَمْ يُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ مَعْبُودُهم حَجَرًا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا، وكَفَرُوا بِالرُّسُلِ وأعْرَضُوا واسْتَغْنى اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ مِنَ الأزَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ مِن جُمْلَةِ ما سَبَقَ، والحَمِيدُ بِمَعْنى المَحْمُودِ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ في الكَشّافِ: الزَّعْمُ صفحة ٢٢ ادِّعاءُ العِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«زَعَمُوا مَطِيَّةَ الكَذِبِ» “ وعَنْ شُرَيْحٍ لِكُلِّ شَيْءٍ كُنْيَةٌ وكُنْيَةُ الكَذِبِ زَعَمُوا، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَعَدِّي العِلْمِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَمْ أزْعُمْكَ عَنْ ذَلِكَ مَعْزُولا والَّذِينَ كَفَرُوا هم أهْلُ مَكَّةَ (بَلى) إثْباتٌ لِما بَعْدَ أنْ وهو البَعْثُ وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ يُعَلِّمُهُ القَسَمَ تَأْكِيدًا لَمّا كانَ يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ وكَذَلِكَ جَمِيعُ القَسَمِ في القُرْآنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ لا يَصْرِفُهُ صارِفٌ، وقِيلَ: إنَّ أمْرَ البَعْثِ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا، فَأخْبَرَ أنَّ إعادَتَهم أهْوَنُ في العُقُولِ مِن إنْشائِهِمْ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (فَكَفَرُوا) يَتَضَمَّنُ قَوْلَهُ: (وتَوَلَّوْا) فَما الحاجَةُ إلى ذِكْرِهِ ؟ نَقُولُ: إنَّهم كَفَرُوا وقالُوا: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وهَذا في مَعْنى الإنْكارِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ، وذَلِكَ هو التَّوَلِّي، فَكَأنَّهم كَفَرُوا وقالُوا قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّوَلِّي، ولِهَذا قالَ: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾ . الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ يُوهِمُ وُجُودَ التَّوَلِّي والِاسْتِغْناءِ مَعًا، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ غَنِيًّا، قالَ في الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. الثّالِثُ: كَيْفَ يُفِيدُ القَسَمُ في إخْبارِهِ عَنِ البَعْثِ وهم قَدْ أنْكَرُوا رِسالَتَهُ ؟ نَقُولُ: إنَّهم وإنْ أنْكَرُوا الرِّسالَةَ لَكِنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ رَبَّهُ اعْتِقادًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى القَسَمِ بِرَبِّهِ إلّا وأنْ يَكُونَ صِدْقُ هَذا الإخْبارِ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ عِنْدَهُ وفي اعْتِقادِهِ، والفائِدَةُ في الإخْبارِ مَعَ القَسَمِ لَيْسَ إلّا هَذا، ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ الخَبَرَ بِاللّامِ والنُّونِ فَكَأنَّهُ قَسَمٌ بَعْدَ قَسَمٍ. ولَمّا بالَغَ في الإخْبارِ عَنِ البَعْثِ، والِاعْتِرافُ بِالبَعْثِ مِن لَوازِمَ الإيمانِ قالَ:

التغابن 64:8

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خِطابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الوَيْلِ الَّذِي ذاقُوهُ في الدُّنْيا، وإلى ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ شِدَّةَ أمْرِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ﴾ أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا. ولَمْ يُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ مَعْبُودُهم حَجَرًا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا، وكَفَرُوا بِالرُّسُلِ وأعْرَضُوا واسْتَغْنى اللَّهُ عَنْ طاعَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ مِنَ الأزَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ مِن جُمْلَةِ ما سَبَقَ، والحَمِيدُ بِمَعْنى المَحْمُودِ أيِ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى الحامِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ في الكَشّافِ: الزَّعْمُ صفحة ٢٢ ادِّعاءُ العِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ”«زَعَمُوا مَطِيَّةَ الكَذِبِ» “ وعَنْ شُرَيْحٍ لِكُلِّ شَيْءٍ كُنْيَةٌ وكُنْيَةُ الكَذِبِ زَعَمُوا، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، تَعَدِّي العِلْمِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَمْ أزْعُمْكَ عَنْ ذَلِكَ مَعْزُولا والَّذِينَ كَفَرُوا هم أهْلُ مَكَّةَ (بَلى) إثْباتٌ لِما بَعْدَ أنْ وهو البَعْثُ وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ يُعَلِّمُهُ القَسَمَ تَأْكِيدًا لَمّا كانَ يُخْبِرُ عَنِ البَعْثِ وكَذَلِكَ جَمِيعُ القَسَمِ في القُرْآنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيْ لا يَصْرِفُهُ صارِفٌ، وقِيلَ: إنَّ أمْرَ البَعْثِ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ بَعْدَ أنْ صارُوا تُرابًا، فَأخْبَرَ أنَّ إعادَتَهم أهْوَنُ في العُقُولِ مِن إنْشائِهِمْ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ: (فَكَفَرُوا) يَتَضَمَّنُ قَوْلَهُ: (وتَوَلَّوْا) فَما الحاجَةُ إلى ذِكْرِهِ ؟ نَقُولُ: إنَّهم كَفَرُوا وقالُوا: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ وهَذا في مَعْنى الإنْكارِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ، وذَلِكَ هو التَّوَلِّي، فَكَأنَّهم كَفَرُوا وقالُوا قَوْلًا يَدُلُّ عَلى التَّوَلِّي، ولِهَذا قالَ: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾ . الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ يُوهِمُ وُجُودَ التَّوَلِّي والِاسْتِغْناءِ مَعًا، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ غَنِيًّا، قالَ في الكَشّافِ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَهَرَ اسْتِغْناءُ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يُلْجِئْهم إلى الإيمانِ، ولَمْ يَضْطَرَّهم إلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ. الثّالِثُ: كَيْفَ يُفِيدُ القَسَمُ في إخْبارِهِ عَنِ البَعْثِ وهم قَدْ أنْكَرُوا رِسالَتَهُ ؟ نَقُولُ: إنَّهم وإنْ أنْكَرُوا الرِّسالَةَ لَكِنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ يَعْتَقِدُ رَبَّهُ اعْتِقادًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى القَسَمِ بِرَبِّهِ إلّا وأنْ يَكُونَ صِدْقُ هَذا الإخْبارِ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ عِنْدَهُ وفي اعْتِقادِهِ، والفائِدَةُ في الإخْبارِ مَعَ القَسَمِ لَيْسَ إلّا هَذا، ثُمَّ إنَّهُ أكَّدَ الخَبَرَ بِاللّامِ والنُّونِ فَكَأنَّهُ قَسَمٌ بَعْدَ قَسَمٍ. ولَمّا بالَغَ في الإخْبارِ عَنِ البَعْثِ، والِاعْتِرافُ بِالبَعْثِ مِن لَوازِمَ الإيمانِ قالَ:

التغابن 64:9

﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ قَوْلُهُ: (فَآمِنُوا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما نَزَلَ مِنَ العُقُوبَةِ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ قالَ: (فَآمِنُوا) أنْتُمْ (بِاللَّهِ ورَسُولِهِ) لِئَلّا يَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ وهو القُرْآنُ فَإنَّهُ يُهْتَدى بِهِ في الشُّبَهاتِ كَما يُهْتَدى بِالنُّورِ في الظُّلُماتِ، وإنَّما ذَكَرَ النُّورَ الَّذِي هو القُرْآنُ لِما أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الدَّلالاتِ الظّاهِرَةِ عَلى البَعْثِ، ثُمَّ ذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّهُ عَنى بِرَسُولِهِ صفحة ٢٣ والنُّورِ مُحَمَّدًا ﷺ والقُرْآنَ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أيْ بِما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ فَراقِبُوهُ وخافُوهُ في الحالَيْنِ جَمِيعًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ جَمَعَ فِيهِ أهْلَ السَّماواتِ وأهْلَ الأرْضِ، و﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ والتَّغابُنُ تَفاعُلُ مِنَ الغَبْنِ في المُجازاةِ والتِّجاراتِ، يُقالُ: غَبَنَهُ يَغْبِنُهُ غَبْنًا إذا أخَذَ الشَّيْءَ مِنهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ قَوْمًا في النّارِ يُعَذَّبُونَ وقَوْمًا في الجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ، وقِيلَ: هو يَوْمٌ يَغْبِنُ فِيهِ أهْلُ الحَقِّ، أهْلَ الباطِلِ، وأهْلُ الهُدى أهْلَ الضَّلالَةِ، وأهْلُ الإيمانِ أهْلَ الكُفْرِ، فَلا غَبْنَ أبْيَنُ مِن هَذا، وفي الجُمْلَةِ فالغَبْنُ في البَيْعِ والشِّراءِ وقَدْ ذَكَرَ تَعالى في حَقِّ الكافِرِينَ أنَّهُمُ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ واشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم ما رَبِحَتْ تِجارَتُهم ودَلَّ المُؤْمِنِينَ عَلى تِجارَةٍ رابِحَةٍ، فَقالَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ، وذَكَرَ أنَّهم باعُوا أنْفُسَهم بِالجَنَّةِ فَخَسِرَتْ صَفْقَةُ الكُفّارِ ورَبِحَتْ صَفْقَةُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الحَشْرِ والنَّشْرِ والجَنَّةِ والنّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَعْمَلُ صالِحًا أيْ يَعْمَلُ في إيمانِهِ صالِحًا إلى أنْ يَمُوتَ، قُرِئَ يَجْمَعُكم ويُكَفِّرُ ويُدْخِلُ بِالياءِ والنُّونِ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وبِقُدْرَتِهِ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ بِآياتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِطَرِيقِ الإضافَةِ، ولَمْ يَقُلْ ونُورِهِ الَّذِي أنْزَلْنا بِطَرِيقِ الإضافَةِ مَعَ أنَّ النُّورَ هَهُنا هو القُرْآنُ والقُرْآنُ كَلامُهُ ومُضافٌ إلَيْهِ ؟ نَقُولُ: الألِفُ واللّامُ في النُّورِ بِمَعْنى الإضافَةِ كَأنَّهُ قالَ: ورَسُولِهِ ونُورِهِ الَّذِي أنْزَلْنا. الثّانِي: بِمَ انْتَصَبَ الظَّرْفُ ؟ نَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ: بِقَوْلِهِ: ”لَتُبْعَثُنَّ“ وفي الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: ”لَتُنَبَّؤُنَّ“ أوْ بِخَبِيرٍ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ. كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ مُعاقِبُكم يَوْمَ يَجْمَعُكم أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ. الثّالِثُ: قالَ تَعالى في الإيمانِ: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وفي الكُفْرِ وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي، فَنَقُولُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ومَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ومَن لَمْ يُؤْمَن مِنهم فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ. الرّابِعُ: قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ بِلَفْظِ الواحِدِ و﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بِلَفْظِ الجَمْعِ، نَقُولُ: ذَلِكَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وهَذا بِحَسَبِ المَعْنى. الخامِسُ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وذَلِكَ بِئْسَ المَصِيرُ فَنَقُولُ: ذَلِكَ وإنْ كانَ في مَعْناهُ فَلا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ فالتَّصْرِيحُ مِمّا يُؤَكِّدُهُ.

التغابن 64:10

﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ قَوْلُهُ: (فَآمِنُوا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما نَزَلَ مِنَ العُقُوبَةِ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، وذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وتَكْذِيبِ الرُّسُلِ قالَ: (فَآمِنُوا) أنْتُمْ (بِاللَّهِ ورَسُولِهِ) لِئَلّا يَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ ﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ وهو القُرْآنُ فَإنَّهُ يُهْتَدى بِهِ في الشُّبَهاتِ كَما يُهْتَدى بِالنُّورِ في الظُّلُماتِ، وإنَّما ذَكَرَ النُّورَ الَّذِي هو القُرْآنُ لِما أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الدَّلالاتِ الظّاهِرَةِ عَلى البَعْثِ، ثُمَّ ذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّهُ عَنى بِرَسُولِهِ صفحة ٢٣ والنُّورِ مُحَمَّدًا ﷺ والقُرْآنَ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أيْ بِما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ فَراقِبُوهُ وخافُوهُ في الحالَيْنِ جَمِيعًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ جَمَعَ فِيهِ أهْلَ السَّماواتِ وأهْلَ الأرْضِ، و﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ والتَّغابُنُ تَفاعُلُ مِنَ الغَبْنِ في المُجازاةِ والتِّجاراتِ، يُقالُ: غَبَنَهُ يَغْبِنُهُ غَبْنًا إذا أخَذَ الشَّيْءَ مِنهُ بِدُونِ قِيمَتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ قَوْمًا في النّارِ يُعَذَّبُونَ وقَوْمًا في الجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ، وقِيلَ: هو يَوْمٌ يَغْبِنُ فِيهِ أهْلُ الحَقِّ، أهْلَ الباطِلِ، وأهْلُ الهُدى أهْلَ الضَّلالَةِ، وأهْلُ الإيمانِ أهْلَ الكُفْرِ، فَلا غَبْنَ أبْيَنُ مِن هَذا، وفي الجُمْلَةِ فالغَبْنُ في البَيْعِ والشِّراءِ وقَدْ ذَكَرَ تَعالى في حَقِّ الكافِرِينَ أنَّهُمُ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ واشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم ما رَبِحَتْ تِجارَتُهم ودَلَّ المُؤْمِنِينَ عَلى تِجارَةٍ رابِحَةٍ، فَقالَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ، وذَكَرَ أنَّهم باعُوا أنْفُسَهم بِالجَنَّةِ فَخَسِرَتْ صَفْقَةُ الكُفّارِ ورَبِحَتْ صَفْقَةُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الحَشْرِ والنَّشْرِ والجَنَّةِ والنّارِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَعْمَلُ صالِحًا أيْ يَعْمَلُ في إيمانِهِ صالِحًا إلى أنْ يَمُوتَ، قُرِئَ يَجْمَعُكم ويُكَفِّرُ ويُدْخِلُ بِالياءِ والنُّونِ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وبِقُدْرَتِهِ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ بِآياتِهِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِطَرِيقِ الإضافَةِ، ولَمْ يَقُلْ ونُورِهِ الَّذِي أنْزَلْنا بِطَرِيقِ الإضافَةِ مَعَ أنَّ النُّورَ هَهُنا هو القُرْآنُ والقُرْآنُ كَلامُهُ ومُضافٌ إلَيْهِ ؟ نَقُولُ: الألِفُ واللّامُ في النُّورِ بِمَعْنى الإضافَةِ كَأنَّهُ قالَ: ورَسُولِهِ ونُورِهِ الَّذِي أنْزَلْنا. الثّانِي: بِمَ انْتَصَبَ الظَّرْفُ ؟ نَقُولُ: قالَ الزَّجّاجُ: بِقَوْلِهِ: ”لَتُبْعَثُنَّ“ وفي الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: ”لَتُنَبَّؤُنَّ“ أوْ بِخَبِيرٍ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَعِيدِ. كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ مُعاقِبُكم يَوْمَ يَجْمَعُكم أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ. الثّالِثُ: قالَ تَعالى في الإيمانِ: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وفي الكُفْرِ وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي، فَنَقُولُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ومَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ومَن لَمْ يُؤْمَن مِنهم فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ. الرّابِعُ: قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن﴾ بِلَفْظِ الواحِدِ و﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بِلَفْظِ الجَمْعِ، نَقُولُ: ذَلِكَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وهَذا بِحَسَبِ المَعْنى. الخامِسُ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وذَلِكَ بِئْسَ المَصِيرُ فَنَقُولُ: ذَلِكَ وإنْ كانَ في مَعْناهُ فَلا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ فالتَّصْرِيحُ مِمّا يُؤَكِّدُهُ.

التغابن 64:11

صفحة ٢٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِأمْرِ اللَّهِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وقِيلَ: بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ عِنْدِ المُصِيبَةِ أوْ عِنْدَ المَوْتِ أوِ المَرَضِ أوِ الفَقْرِ أوِ القَحْطِ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَيَعْلَمُ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيُسَلِّمُ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ويَسْتَرْجِعُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ لِلتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾، قالَ أهْلُ المَعانِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخاءِ والصَّبْرِ عِنْدَ البَلاءِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَهْدِ قَلْبَهُ إلى ما يُحِبُّ ويَرْضى وقُرِئَ ”نَهْدِ قَلْبَهُ“ بِالنُّونِ وعَنْ عِكْرِمَةَ ”يُهْدَ قَلْبُهُ“ بِفَتْحِ الدّالِ وضَمِّ الياءِ، وقُرِئَ ”يَهْدَأُ“ قالَ الزَّجّاجُ: هَدَأ قَلْبُهُ يَهْدَأُ إذا سَكَنَ، والقَلْبُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اطْمِئْنانِ القَلْبِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، وقِيلَ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِتَصْدِيقِ مَن صَدَّقَ رَسُولَهُ فَمَن صَدَّقَهُ فَقَدْ هَدى قَلْبَهُ ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَعْنِي هَوِّنُوا المَصائِبَ والنَّوازِلَ واتَّبِعُوا الأوامِرَ الصّادِرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ الرَّسُولِ فِيما دَعاكم إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ فِيما دَعاكم إلَيْهِ ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [النور: ٥٤] الظّاهِرُ والبَيانُ البائِنُ، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ لِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَإنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ ونَحْوِها فَهو الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أيْ لا مَعْبُودَ إلّا هو ولا مَقْصُودَ إلّا هو عَلَيْهِ التَّوَكُّلُ في كُلِّ بابٍ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ بَيانُ أنَّ المُؤْمِنَ لا يَعْتَمِدُ إلّا عَلَيْهِ، ولا يَتَقَوّى إلّا بِهِ لِما أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ القادِرَ بِالحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا هو، وقالَ في الكَشّافِ: هَذا بَعْثٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّقَوِّي بِهِ في أمْرِهِ حَتّى يَنْصُرَهُ عَلى مَن كَذَّبَهُ وتَوَلّى عَنْهُ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِما قَبْلَهُ ويَتَّصِلُ بِهِ ؟ نَقُولُ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ لِما أنَّ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ يَعْلَمُ ألّا تُصِيبَهُ مُصِيبَةٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.

التغابن 64:12

صفحة ٢٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِأمْرِ اللَّهِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وقِيلَ: بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ عِنْدِ المُصِيبَةِ أوْ عِنْدَ المَوْتِ أوِ المَرَضِ أوِ الفَقْرِ أوِ القَحْطِ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَيَعْلَمُ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيُسَلِّمُ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ويَسْتَرْجِعُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ لِلتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾، قالَ أهْلُ المَعانِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخاءِ والصَّبْرِ عِنْدَ البَلاءِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَهْدِ قَلْبَهُ إلى ما يُحِبُّ ويَرْضى وقُرِئَ ”نَهْدِ قَلْبَهُ“ بِالنُّونِ وعَنْ عِكْرِمَةَ ”يُهْدَ قَلْبُهُ“ بِفَتْحِ الدّالِ وضَمِّ الياءِ، وقُرِئَ ”يَهْدَأُ“ قالَ الزَّجّاجُ: هَدَأ قَلْبُهُ يَهْدَأُ إذا سَكَنَ، والقَلْبُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اطْمِئْنانِ القَلْبِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، وقِيلَ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِتَصْدِيقِ مَن صَدَّقَ رَسُولَهُ فَمَن صَدَّقَهُ فَقَدْ هَدى قَلْبَهُ ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَعْنِي هَوِّنُوا المَصائِبَ والنَّوازِلَ واتَّبِعُوا الأوامِرَ الصّادِرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ الرَّسُولِ فِيما دَعاكم إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ فِيما دَعاكم إلَيْهِ ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [النور: ٥٤] الظّاهِرُ والبَيانُ البائِنُ، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ لِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَإنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ ونَحْوِها فَهو الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أيْ لا مَعْبُودَ إلّا هو ولا مَقْصُودَ إلّا هو عَلَيْهِ التَّوَكُّلُ في كُلِّ بابٍ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ بَيانُ أنَّ المُؤْمِنَ لا يَعْتَمِدُ إلّا عَلَيْهِ، ولا يَتَقَوّى إلّا بِهِ لِما أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ القادِرَ بِالحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا هو، وقالَ في الكَشّافِ: هَذا بَعْثٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّقَوِّي بِهِ في أمْرِهِ حَتّى يَنْصُرَهُ عَلى مَن كَذَّبَهُ وتَوَلّى عَنْهُ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِما قَبْلَهُ ويَتَّصِلُ بِهِ ؟ نَقُولُ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ لِما أنَّ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ يَعْلَمُ ألّا تُصِيبَهُ مُصِيبَةٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.

التغابن 64:13

صفحة ٢٤ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِأمْرِ اللَّهِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وقِيلَ: بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِعِلْمِهِ وقَضائِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ عِنْدِ المُصِيبَةِ أوْ عِنْدَ المَوْتِ أوِ المَرَضِ أوِ الفَقْرِ أوِ القَحْطِ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَيَعْلَمُ أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيُسَلِّمُ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ويَسْتَرْجِعُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ أيْ لِلتَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾، قالَ أهْلُ المَعانِي: يَهْدِ قَلْبَهُ لِلشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخاءِ والصَّبْرِ عِنْدَ البَلاءِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَهْدِ قَلْبَهُ إلى ما يُحِبُّ ويَرْضى وقُرِئَ ”نَهْدِ قَلْبَهُ“ بِالنُّونِ وعَنْ عِكْرِمَةَ ”يُهْدَ قَلْبُهُ“ بِفَتْحِ الدّالِ وضَمِّ الياءِ، وقُرِئَ ”يَهْدَأُ“ قالَ الزَّجّاجُ: هَدَأ قَلْبُهُ يَهْدَأُ إذا سَكَنَ، والقَلْبُ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ ووَجْهُ النَّصْبِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى اطْمِئْنانِ القَلْبِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، وقِيلَ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِتَصْدِيقِ مَن صَدَّقَ رَسُولَهُ فَمَن صَدَّقَهُ فَقَدْ هَدى قَلْبَهُ ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَعْنِي هَوِّنُوا المَصائِبَ والنَّوازِلَ واتَّبِعُوا الأوامِرَ الصّادِرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِنَ الرَّسُولِ فِيما دَعاكم إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ عَنْ إجابَةِ الرَّسُولِ فِيما دَعاكم إلَيْهِ ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [النور: ٥٤] الظّاهِرُ والبَيانُ البائِنُ، وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ لِحَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَإنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ ونَحْوِها فَهو الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أيْ لا مَعْبُودَ إلّا هو ولا مَقْصُودَ إلّا هو عَلَيْهِ التَّوَكُّلُ في كُلِّ بابٍ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ بَيانُ أنَّ المُؤْمِنَ لا يَعْتَمِدُ إلّا عَلَيْهِ، ولا يَتَقَوّى إلّا بِهِ لِما أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ القادِرَ بِالحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا هو، وقالَ في الكَشّافِ: هَذا بَعْثٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّقَوِّي بِهِ في أمْرِهِ حَتّى يَنْصُرَهُ عَلى مَن كَذَّبَهُ وتَوَلّى عَنْهُ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِما قَبْلَهُ ويَتَّصِلُ بِهِ ؟ نَقُولُ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ لِما أنَّ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَيُصَدِّقُهُ يَعْلَمُ ألّا تُصِيبَهُ مُصِيبَةٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.

التغابن 64:14

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ قالَ صفحة ٢٥ الكَلْبِيُّ: كانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ الهِجْرَةَ تَعَلَّقَ بِهِ بَنُوهُ وزَوْجَتُهُ، فَقالُوا: أنْتَ تَذْهَبُ وتَذَرُنا ضائِعِينَ فَمِنهم مَن يُطِيعُ أهْلَهُ ويُقِيمُ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ طاعَةَ نِسائِهِمْ وأوْلادِهِمْ، ومِنهم مَن لا يُطِيعُ ويَقُولُ: أما واللَّهِ لَوْ لَمْ نُهاجِرْ ويَجْمَعِ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَكم في دارِ الهِجْرَةِ لا نَنْفَعُكم شَيْئًا أبَدًا، فَلَمّا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم أمَرَهم أنْ يُنْفِقُوا ويُحْسِنُوا ويَتَفَضَّلُوا، وقالَ مُسْلِمٌ الخُراسانِيُّ: نَزَلَتْ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ كانَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ يُثَبِّطُونَهُ عَنِ الهِجْرَةِ والجِهادِ، وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ رِجالٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وأرادُوا أنْ يَأْتُوا المَدِينَةَ فَلَمْ يَدَعْهم أزْواجُهم وأوْلادُهم فَهو قَوْلُهُ: ﴿عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ أنْ تُطِيعُوا وتَدَعُوا الهِجْرَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا﴾ قالَ هو أنَّ الرَّجُلَ مِن هَؤُلاءِ إذا هاجَرَ ورَأى النّاسَ قَدْ سَبَقُوا بِالهِجْرَةِ وفَقِهُوا في الدِّينِ هَمَّ أنْ يُعاقِبَ زَوْجَتَهُ ووَلَدَهُ الَّذِينَ مَنَعُوهُ الهِجْرَةَ. وإنْ لَحِقُوا بِهِ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُصِبْهم بِخَيْرٍ فَنَزَلَ: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ، يَعْنِي أنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم، يَنْهَوْنَ عَنِ الإسْلامِ ويُثَبِّطُونَ عَنْهُ وهم مِنَ الكُفّارِ فاحْذَرُوهم، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ العَداوَةَ إنَّما هي لِلْكُفْرِ والنَّهْيِ عَنِ الإيمانِ، ولا تَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَأزْواجُهم وأوْلادُهُمُ المُؤْمِنُونَ لا يَكُونُونَ عَدُوًّا لَهم، وفي هَؤُلاءِ الأزْواجِ والأوْلادِ الَّذِينَ مَنَعُوا عَنِ الهِجْرَةِ نَزَلَ: ﴿أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تُطِيعُوهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى (فِتْنَةٌ) أيْ بَلاءٌ وشُغْلٌ عَنِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ مِن جَمِيعِ ما يَقَعُ بِهِمْ في الفِتْنَةِ وهَذا عامٌّ يَعُمُّ جَمِيعَ الأوْلادِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَفْتُونٌ بِوَلَدِهِ لِأنَّهُ رُبَّما عَصى اللَّهَ تَعالى بِسَبَبِهِ وباشَرَ الفِعْلَ الحَرامَ لِأجْلِهِ، كَغَصْبِ مالِ الغَيْرِ وغَيْرِهِ: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ جَزِيلٌ، وهو الجَنَّةُ أخْبَرَ أنَّ عِنْدَهُ أجْرًا عَظِيمًا لِيَتَحَمَّلُوا المَؤُونَةَ العَظِيمَةَ، والمَعْنى لا تُباشِرُوا المَعاصِيَ بِسَبَبِ الأوْلادِ ولا تُؤْثِرُوهم عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ ما أطَقْتُمْ يَجْتَهِدُ المُؤْمِنُ في تَقْوى اللَّهِ ما اسْتَطاعَ، قالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ومِنهم مَن طَعَنَ فِيهِ وقالَ: لا يَصِحُّ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ لا يُرادُ بِهِ الِاتِّقاءُ فِيما لا يَسْتَطِيعُونَ لِأنَّهُ فَوْقَ الطّاقَةِ والِاسْتِطاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿واسْمَعُوا﴾ أيْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِكِتابِهِ وقِيلَ: لِما أمَرَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِهِ ﴿وأطِيعُوا﴾ اللَّهَ فِيما يَأْمُرُكم ﴿وأنْفِقُوا﴾ مِن أمْوالِكم في حَقِّ اللَّهِ خَيْرًا لِأنْفُسِكم، والنَّصْبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وقَدِّمُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الشُّحُّ هو البُخْلُ، وإنَّهُ يَعُمُّ المالَ وغَيْرَهُ، يُقالُ: فُلانٌ شَحِيحٌ بِالمالِ وشَحِيحٌ بِالجاهِ وشَحِيحٌ بِالمَعْرُوفِ، وقِيلَ: يُوقَ ظُلْمَ نَفْسِهِ فالشُّحُّ هو الظُّلْمُ، ومَن كانَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الشُّحِّ فَذَلِكَ مِن أهْلِ الفَلاحِ فَإنْ قِيلَ: إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ كُلَّها مِنَ الأعْداءِ و﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَهم مِنَ الأعْداءِ دُونَ البَعْضِ، فَنَقُولُ: هَذا في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنَ المَجْمُوعُ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ مِنَ الأوْلادِ يَعْنِي مِنَ الأوْلادِ مَن يَمْنَعُ ومِنهم مَن لا يَمْنَعُ، فَيَكُونُ البَعْضُ مِنهم عَدُوًّا دُونَ البَعْضِ.

التغابن 64:15

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ قالَ صفحة ٢٥ الكَلْبِيُّ: كانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ الهِجْرَةَ تَعَلَّقَ بِهِ بَنُوهُ وزَوْجَتُهُ، فَقالُوا: أنْتَ تَذْهَبُ وتَذَرُنا ضائِعِينَ فَمِنهم مَن يُطِيعُ أهْلَهُ ويُقِيمُ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ طاعَةَ نِسائِهِمْ وأوْلادِهِمْ، ومِنهم مَن لا يُطِيعُ ويَقُولُ: أما واللَّهِ لَوْ لَمْ نُهاجِرْ ويَجْمَعِ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَكم في دارِ الهِجْرَةِ لا نَنْفَعُكم شَيْئًا أبَدًا، فَلَمّا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم أمَرَهم أنْ يُنْفِقُوا ويُحْسِنُوا ويَتَفَضَّلُوا، وقالَ مُسْلِمٌ الخُراسانِيُّ: نَزَلَتْ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ كانَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ يُثَبِّطُونَهُ عَنِ الهِجْرَةِ والجِهادِ، وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ رِجالٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وأرادُوا أنْ يَأْتُوا المَدِينَةَ فَلَمْ يَدَعْهم أزْواجُهم وأوْلادُهم فَهو قَوْلُهُ: ﴿عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ أنْ تُطِيعُوا وتَدَعُوا الهِجْرَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا﴾ قالَ هو أنَّ الرَّجُلَ مِن هَؤُلاءِ إذا هاجَرَ ورَأى النّاسَ قَدْ سَبَقُوا بِالهِجْرَةِ وفَقِهُوا في الدِّينِ هَمَّ أنْ يُعاقِبَ زَوْجَتَهُ ووَلَدَهُ الَّذِينَ مَنَعُوهُ الهِجْرَةَ. وإنْ لَحِقُوا بِهِ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُصِبْهم بِخَيْرٍ فَنَزَلَ: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ، يَعْنِي أنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم، يَنْهَوْنَ عَنِ الإسْلامِ ويُثَبِّطُونَ عَنْهُ وهم مِنَ الكُفّارِ فاحْذَرُوهم، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ العَداوَةَ إنَّما هي لِلْكُفْرِ والنَّهْيِ عَنِ الإيمانِ، ولا تَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَأزْواجُهم وأوْلادُهُمُ المُؤْمِنُونَ لا يَكُونُونَ عَدُوًّا لَهم، وفي هَؤُلاءِ الأزْواجِ والأوْلادِ الَّذِينَ مَنَعُوا عَنِ الهِجْرَةِ نَزَلَ: ﴿أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تُطِيعُوهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى (فِتْنَةٌ) أيْ بَلاءٌ وشُغْلٌ عَنِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ مِن جَمِيعِ ما يَقَعُ بِهِمْ في الفِتْنَةِ وهَذا عامٌّ يَعُمُّ جَمِيعَ الأوْلادِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَفْتُونٌ بِوَلَدِهِ لِأنَّهُ رُبَّما عَصى اللَّهَ تَعالى بِسَبَبِهِ وباشَرَ الفِعْلَ الحَرامَ لِأجْلِهِ، كَغَصْبِ مالِ الغَيْرِ وغَيْرِهِ: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ جَزِيلٌ، وهو الجَنَّةُ أخْبَرَ أنَّ عِنْدَهُ أجْرًا عَظِيمًا لِيَتَحَمَّلُوا المَؤُونَةَ العَظِيمَةَ، والمَعْنى لا تُباشِرُوا المَعاصِيَ بِسَبَبِ الأوْلادِ ولا تُؤْثِرُوهم عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ ما أطَقْتُمْ يَجْتَهِدُ المُؤْمِنُ في تَقْوى اللَّهِ ما اسْتَطاعَ، قالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ومِنهم مَن طَعَنَ فِيهِ وقالَ: لا يَصِحُّ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ لا يُرادُ بِهِ الِاتِّقاءُ فِيما لا يَسْتَطِيعُونَ لِأنَّهُ فَوْقَ الطّاقَةِ والِاسْتِطاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿واسْمَعُوا﴾ أيْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِكِتابِهِ وقِيلَ: لِما أمَرَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِهِ ﴿وأطِيعُوا﴾ اللَّهَ فِيما يَأْمُرُكم ﴿وأنْفِقُوا﴾ مِن أمْوالِكم في حَقِّ اللَّهِ خَيْرًا لِأنْفُسِكم، والنَّصْبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وقَدِّمُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الشُّحُّ هو البُخْلُ، وإنَّهُ يَعُمُّ المالَ وغَيْرَهُ، يُقالُ: فُلانٌ شَحِيحٌ بِالمالِ وشَحِيحٌ بِالجاهِ وشَحِيحٌ بِالمَعْرُوفِ، وقِيلَ: يُوقَ ظُلْمَ نَفْسِهِ فالشُّحُّ هو الظُّلْمُ، ومَن كانَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الشُّحِّ فَذَلِكَ مِن أهْلِ الفَلاحِ فَإنْ قِيلَ: إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ كُلَّها مِنَ الأعْداءِ و﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَهم مِنَ الأعْداءِ دُونَ البَعْضِ، فَنَقُولُ: هَذا في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنَ المَجْمُوعُ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ مِنَ الأوْلادِ يَعْنِي مِنَ الأوْلادِ مَن يَمْنَعُ ومِنهم مَن لا يَمْنَعُ، فَيَكُونُ البَعْضُ مِنهم عَدُوًّا دُونَ البَعْضِ.

التغابن 64:16

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ قالَ صفحة ٢٥ الكَلْبِيُّ: كانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ الهِجْرَةَ تَعَلَّقَ بِهِ بَنُوهُ وزَوْجَتُهُ، فَقالُوا: أنْتَ تَذْهَبُ وتَذَرُنا ضائِعِينَ فَمِنهم مَن يُطِيعُ أهْلَهُ ويُقِيمُ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ طاعَةَ نِسائِهِمْ وأوْلادِهِمْ، ومِنهم مَن لا يُطِيعُ ويَقُولُ: أما واللَّهِ لَوْ لَمْ نُهاجِرْ ويَجْمَعِ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَكم في دارِ الهِجْرَةِ لا نَنْفَعُكم شَيْئًا أبَدًا، فَلَمّا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم أمَرَهم أنْ يُنْفِقُوا ويُحْسِنُوا ويَتَفَضَّلُوا، وقالَ مُسْلِمٌ الخُراسانِيُّ: نَزَلَتْ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ كانَ أهْلُهُ ووَلَدُهُ يُثَبِّطُونَهُ عَنِ الهِجْرَةِ والجِهادِ، وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ رِجالٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وأرادُوا أنْ يَأْتُوا المَدِينَةَ فَلَمْ يَدَعْهم أزْواجُهم وأوْلادُهم فَهو قَوْلُهُ: ﴿عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ أنْ تُطِيعُوا وتَدَعُوا الهِجْرَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا﴾ قالَ هو أنَّ الرَّجُلَ مِن هَؤُلاءِ إذا هاجَرَ ورَأى النّاسَ قَدْ سَبَقُوا بِالهِجْرَةِ وفَقِهُوا في الدِّينِ هَمَّ أنْ يُعاقِبَ زَوْجَتَهُ ووَلَدَهُ الَّذِينَ مَنَعُوهُ الهِجْرَةَ. وإنْ لَحِقُوا بِهِ في دارِ الهِجْرَةِ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُصِبْهم بِخَيْرٍ فَنَزَلَ: ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾ الآيَةَ، يَعْنِي أنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم، يَنْهَوْنَ عَنِ الإسْلامِ ويُثَبِّطُونَ عَنْهُ وهم مِنَ الكُفّارِ فاحْذَرُوهم، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ العَداوَةَ إنَّما هي لِلْكُفْرِ والنَّهْيِ عَنِ الإيمانِ، ولا تَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ فَأزْواجُهم وأوْلادُهُمُ المُؤْمِنُونَ لا يَكُونُونَ عَدُوًّا لَهم، وفي هَؤُلاءِ الأزْواجِ والأوْلادِ الَّذِينَ مَنَعُوا عَنِ الهِجْرَةِ نَزَلَ: ﴿أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تُطِيعُوهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى (فِتْنَةٌ) أيْ بَلاءٌ وشُغْلٌ عَنِ الآخِرَةِ، وقِيلَ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ مِن جَمِيعِ ما يَقَعُ بِهِمْ في الفِتْنَةِ وهَذا عامٌّ يَعُمُّ جَمِيعَ الأوْلادِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَفْتُونٌ بِوَلَدِهِ لِأنَّهُ رُبَّما عَصى اللَّهَ تَعالى بِسَبَبِهِ وباشَرَ الفِعْلَ الحَرامَ لِأجْلِهِ، كَغَصْبِ مالِ الغَيْرِ وغَيْرِهِ: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ جَزِيلٌ، وهو الجَنَّةُ أخْبَرَ أنَّ عِنْدَهُ أجْرًا عَظِيمًا لِيَتَحَمَّلُوا المَؤُونَةَ العَظِيمَةَ، والمَعْنى لا تُباشِرُوا المَعاصِيَ بِسَبَبِ الأوْلادِ ولا تُؤْثِرُوهم عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أيْ ما أطَقْتُمْ يَجْتَهِدُ المُؤْمِنُ في تَقْوى اللَّهِ ما اسْتَطاعَ، قالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ومِنهم مَن طَعَنَ فِيهِ وقالَ: لا يَصِحُّ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ لا يُرادُ بِهِ الِاتِّقاءُ فِيما لا يَسْتَطِيعُونَ لِأنَّهُ فَوْقَ الطّاقَةِ والِاسْتِطاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿واسْمَعُوا﴾ أيْ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِكِتابِهِ وقِيلَ: لِما أمَرَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِهِ ﴿وأطِيعُوا﴾ اللَّهَ فِيما يَأْمُرُكم ﴿وأنْفِقُوا﴾ مِن أمْوالِكم في حَقِّ اللَّهِ خَيْرًا لِأنْفُسِكم، والنَّصْبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وقَدِّمُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الشُّحُّ هو البُخْلُ، وإنَّهُ يَعُمُّ المالَ وغَيْرَهُ، يُقالُ: فُلانٌ شَحِيحٌ بِالمالِ وشَحِيحٌ بِالجاهِ وشَحِيحٌ بِالمَعْرُوفِ، وقِيلَ: يُوقَ ظُلْمَ نَفْسِهِ فالشُّحُّ هو الظُّلْمُ، ومَن كانَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الشُّحِّ فَذَلِكَ مِن أهْلِ الفَلاحِ فَإنْ قِيلَ: إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ كُلَّها مِنَ الأعْداءِ و﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَهم مِنَ الأعْداءِ دُونَ البَعْضِ، فَنَقُولُ: هَذا في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنَ المَجْمُوعُ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ مِنَ الأوْلادِ يَعْنِي مِنَ الأوْلادِ مَن يَمْنَعُ ومِنهم مَن لا يَمْنَعُ، فَيَكُونُ البَعْضُ مِنهم عَدُوًّا دُونَ البَعْضِ.

التغابن 64:17

صفحة ٢٦ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ إنْ تُنْفِقُوا في طاعَةِ اللَّهِ مُتَقارِبِينَ إلَيْهِ يَجْزِكم بِالضِّعْفِ لِما أنَّهُ (شَكُورٌ) يُحِبُّ المُتَقَرِّبِينَ إلى حَضْرَتِهِ (حَلِيمٌ) لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ (غَفُورٌ) يَغْفِرُ لَكم، والقَرْضُ الحَسَنُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ هو التَّصَدُّقُ مِنَ الحَلالِ، وقِيلَ: هو التَّصَدُّقُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ، والقَرْضُ هو الَّذِي يُرْجى مِثْلُهُ وهو الثَّوابُ مِثْلُ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ في الكَشّافِ: ذِكْرُ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ وقَوْلُهُ: ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ أيْ يَكْتُبْ لَكم بِالواحِدَةِ عَشَرَةً وسَبْعَمِائَةٍ إلى ما شاءَ مِنَ الزِّيادَةِ وقُرِئَ (يُضْعِفْهُ) شَكُورٌ ) مُجازٍ أيْ يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ المُبالِغُ في الشُّكْرِ مِن عَظِيمِ الثَّوابِ وكَذَلِكَ (حَلِيمٌ) يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مَن يَحْلُمُ عَنِ المُسِيءِ فَلا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِكم، ثُمَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذِهِ الأفْعالُ مُفْتَقِرَةٌ إلى العِلْمِ والقُدْرَةِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ العِلْمَ دُونَ القُدْرَةِ فَقالَ عالِمُ الغَيْبِ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿العَزِيزُ﴾ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ مِن عَزَّ إذا غَلَبَ و﴿الحَكِيمُ﴾ عَلى الحِكْمَةِ، وقِيلَ: العَزِيزُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، والحَكِيمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ الخَطَأُ في التَّدْبِيرِ، واللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ فَيَكُونُ عالِمًا قادِرًا حَكِيمًا جَلَّ ثَناؤُهُ وعَظُمَ كِبْرِياؤُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

التغابن 64:18

صفحة ٢٦ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أيْ إنْ تُنْفِقُوا في طاعَةِ اللَّهِ مُتَقارِبِينَ إلَيْهِ يَجْزِكم بِالضِّعْفِ لِما أنَّهُ (شَكُورٌ) يُحِبُّ المُتَقَرِّبِينَ إلى حَضْرَتِهِ (حَلِيمٌ) لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ (غَفُورٌ) يَغْفِرُ لَكم، والقَرْضُ الحَسَنُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ هو التَّصَدُّقُ مِنَ الحَلالِ، وقِيلَ: هو التَّصَدُّقُ بِطِيبَةِ نَفْسِهِ، والقَرْضُ هو الَّذِي يُرْجى مِثْلُهُ وهو الثَّوابُ مِثْلُ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ في الكَشّافِ: ذِكْرُ القَرْضِ تَلَطُّفٌ في الِاسْتِدْعاءِ وقَوْلُهُ: ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ أيْ يَكْتُبْ لَكم بِالواحِدَةِ عَشَرَةً وسَبْعَمِائَةٍ إلى ما شاءَ مِنَ الزِّيادَةِ وقُرِئَ (يُضْعِفْهُ) شَكُورٌ ) مُجازٍ أيْ يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ المُبالِغُ في الشُّكْرِ مِن عَظِيمِ الثَّوابِ وكَذَلِكَ (حَلِيمٌ) يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مَن يَحْلُمُ عَنِ المُسِيءِ فَلا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِكم، ثُمَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذِهِ الأفْعالُ مُفْتَقِرَةٌ إلى العِلْمِ والقُدْرَةِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ العِلْمَ دُونَ القُدْرَةِ فَقالَ عالِمُ الغَيْبِ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿العَزِيزُ﴾ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ مِن عَزَّ إذا غَلَبَ و﴿الحَكِيمُ﴾ عَلى الحِكْمَةِ، وقِيلَ: العَزِيزُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، والحَكِيمُ الَّذِي لا يَلْحَقُهُ الخَطَأُ في التَّدْبِيرِ، واللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ فَيَكُونُ عالِمًا قادِرًا حَكِيمًا جَلَّ ثَناؤُهُ وعَظُمَ كِبْرِياؤُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

الطلاق 65:1

صفحة ٢٧ (سُورَةُ الطَّلاقِ) اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً ﷽ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ أمّا التَّعَلُّقُ بِما قَبْلَها فَذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] والمُلْكُ يَفْتَقِرُ إلى التَّصَرُّفِ عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ مِنهُ نِظامُ المُلْكِ، والحَمْدُ يَفْتَقِرُ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ بِطَرِيقِ العَدْلِ والإحْسانِ في حَقِّ المُتَصَرِّفِ فِيهِ وبِالقُدْرَةِ عَلى مَن يَمْنَعُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ وتَقْرِيرُ الأحْكامِ في هَذِهِ السُّورَةِ مُتَضَمِّنٌ لِهَذِهِ الأُمُورِ المُفْتَقَرَةِ إلَيْها تَضَمُّنًا لا يَفْتَقِرُ إلى التَّأمُّلِ فِيهِ، فَيَكُونُ لِهَذِهِ السُّورَةِ نِسْبَةً إلى تِلْكَ السُّورَةِ، وأمّا الأوَّلُ بِالآخِرِ فَلِأنَّهُ تَعالى أشارَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ إلى كَمالِ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ [التغابن: ١٨] وفي أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى كَمالِ عِلْمِهِ بِمَصالِحِ النِّساءِ والأحْكامِ المَخْصُوصَةِ بِطَلاقِهِنَّ، فَكَأنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ الكُلِّيَّ بِهَذِهِ الجُزْئِيّاتِ، وقَوْلُهُ: «﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ فَأتَتْ إلى أهْلِها فَنَزَلَتْ»، وقِيلَ: راجَعَها فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ. وعَلى هَذا إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ خُرُوجِها إلى أهْلِها لَمّا طَلَّقَها النَّبِيُّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ: (ولا يَخْرُجْنَ) مِن بُيُوتِهِنَّ، وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَضِبَ عَلى حَفْصَةَ لَمّا أسَرَّ إلَيْها حَدِيثًا فَأظْهَرَتْهُ لِعائِشَةَ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً فَنَزَلَتْ، وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا والقِصَّةُ في ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رِجالًا فَعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ، وهم عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نادى النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ خاطَبَ أُمَّتَهُ لِما أنَّهُ سَيِّدُهم وقُدْوَتُهم، فَإذا خُوطِبَ خِطابَ الجَمْعِ كانَتْ أُمَّتُهُ داخِلَةً في ذَلِكَ الخِطابِ. قالَ أبُو إسْحاقَ: هَذا خِطابُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ مَعَهُ في الخِطابِ. وثانِيهِما: أنَّ المَعْنى يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لَهم: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَأضْمَرَ القَوْلَ، وقالَ الفَرّاءُ: خاطَبَهُ وجَعَلَ الحُكْمَ لِلْجَمِيعِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: ويْحَكَ أما تَتَّقُونَ اللَّهَ أما صفحة ٢٨ تَسْتَحْيُونَ، تَذْهَبُ إلَيْهِ وإلى أهْلِ بَيْتِهِ و﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ أيْ إذا أرَدْتُمُ التَّطْلِيقَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أيْ إذا أرَدْتُمُ الصَّلاةَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ، فَيُطَلِّقُها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ ومُقاتِلٍ والحَسَنِ، قالُوا: أمَرَ اللَّهُ تَعالى الزَّوْجَ بِتَطْلِيقِ امْرَأتِهِ إذا شاءَ الطَّلاقَ في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْها فِيهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أيْ لِزَمانِ عِدَّتِهِنَّ، وهو الطُّهْرُ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: لِإظْهارِ عِدَّتِهِنَّ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرَةً مِن غَيْرِ جِماعٍ، وبِالجُمْلَةِ، فالطَّلاقُ في حالِ الطُّهْرِ لازِمٌ، وإلّا لا يَكُونُ الطَّلاقُ سُنِّيًّا، والطَّلاقُ في السُّنَّةِ إنَّما يُتَصَوَّرُ في البالِغَةِ المَدْخُولِ بِها غَيْرِ الآيِسَةِ والحامِلِ، إذْ لا سُنَّةَ في الصَّغِيرَةِ وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها، والآيِسَةِ والحامِلِ، ولا بِدْعَةَ أيْضًا لِعَدَمِ العِدَّةِ بِالأقْراءِ، ولَيْسَ في عَدَدِ الطَّلاقِ سُنَّةٌ وبِدْعَةٌ، عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ حَتّى لَوْ طَلَّقَها ثَلاثًا في طُهْرٍ صَحِيحٍ لَمْ يَكُنْ هَذا بِدْعِيًّا بِخِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ العِراقِ، فَإنَّهم قالُوا: السُّنَّةُ في عَدَدِ الطَّلاقِ أنْ يُطَلِّقَ كُلَّ طَلْقَةٍ في طُهْرٍ صَحِيحٍ. وقالَ صاحِبُ النَّظْمِ: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ صِفَةٌ لِلطَّلاقِ كَيْفَ يَكُونُ، وهَذِهِ اللّامُ تَجِيءُ لِمَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلْإضافَةِ وهي أصْلُها، ولِبَيانِ السَّبَبِ والعِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] وبِمَنزِلَةِ عِنْدَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أيْ عِنْدَهُ، وبِمَنزِلَةِ في مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] وفي هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى فَطَلِّقُوهُنَّ في عِدَّتِهِنَّ، أيْ في الزَّمانِ الَّذِي يَصْلُحُ لِعِدَّتِهِنَّ، فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”فَطَلِّقُوهُنَّ“ مُسْتَقْبِلاتٍ ”لِعِدَّتِهِنَّ“ كَقَوْلِهِ: أتَيْتُهُ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ المُحَرَّمِ أيْ مُسْتَقْبِلًا لَها، «وفِي قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ: مِن قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ» فَإذا طُلِّقَتِ المَرْأةُ في الطُّهْرِ المُتَقَدِّمِ لِلْقُرْءِ الأوَّلِ مِن أقْرائِها فَقَدْ طُلِّقَتْ مُسْتَقْبِلَةً العِدَّةَ، المُرادُ أنْ يُطَلِّقَهُنَّ في طُهْرٍ لَمْ يُجامَعْنَ فِيهِ، يُخَلَّيْنَ إلى أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتَهُنَّ، وهَذا أحْسَنُ الطَّلاقِ وأدْخَلُهُ في السُّنَّةِ وأبْعَدُهُ مِنَ النَّدَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ لا يُطَلِّقُوا أزْواجَهم لِلسُّنَّةِ إلّا واحِدَةً ثُمَّ لا يُطَلِّقُوا غَيْرَ ذَلِكَ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ وكانَ أخَسُّ عِنْدَهم مِن أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ ثَلاثَ تَطْلِيقاتٍ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: لا أعْرِفُ طَلاقًا إلّا واحِدَةً، وكانَ يَكْرَهُ الثَّلاثَ مَجْمُوعَةً كانَتْ أوْ مُتَفَرِّقَةً، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ فَإنَّما كَرِهُوا ما زادَ عَلى الواحِدَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ: ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى إنَّما السُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبالًا، وتُطَلِّقَها لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً» . وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا بَأْسَ بِإرْسالِ الثَّلاثِ، وقالَ: لا أعْرِفُ في عَدَدِ الطَّلاقِ سُنَّةً ولا بِدْعَةً وهو مُباحٌ. فَمالِكٌ يُراعِي في طَلاقِ السُّنَّةِ الواحِدَةَ والوَقْتَ، وأبُو حَنِيفَةَ يُراعِي التَّفْرِيقَ والوَقْتَ، والشّافِعِيُّ يُراعِي الوَقْتَ وحْدَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ أيْ أقَراءَها فاحْتَفِظُوا لَها واحْفَظُوا الحُقُوقَ والأحْكامَ الَّتِي تَجِبُ في العِدَّةِ واحْفَظُوا نَفْسَ ما تَعْتَدُّونَ بِهِ وهو عَدَدُ الحَيْضِ، ثُمَّ جَعْلُ الإحْصاءِ إلى الأزْواجِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَلْزَمُهُمُ الحُقُوقُ والمُؤَنُ. وثانِيهِما: لِيَقَعَ تَحْصِينُ الأوْلادِ في العِدَّةِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في إطْلاقِ السُّنَّةِ وإطْلاقِ البِدْعَةِ ؟ نَقُولُ: إنَّما سُمِّيَ بِدْعَةً لِأنَّها إذا كانَتْ حائِضًا لَمْ تَعْتَدَّ بِأيّامِ حَيْضِها عَنْ عِدَّتِها بَلْ تَزِيدُ عَلى ثَلاثَةِ أقْراءٍ فَتَطُولُ العِدَّةُ عَلَيْها حَتّى تَصِيرَ كَأنَّها أرْبَعَةُ أقْراءٍ وهي في الحَيْضِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ في صُورَةِ المُعَلَّقَةِ الَّتِي لا هي مُعْتَدَّةٌ ولا ذاتَ بَعْلٍ والعُقُولُ تَسْتَقْبِحُ الإضْرارَ، وإذا كانَتْ طاهِرَةً مُجامَعَةً لَمْ يُؤْمَن أنْ قَدْ عَلَقَتْ مِن ذَلِكَ الجَمْعِ بِوَلَدٍ ولَوْ عَلِمَ الزَّوْجُ لَمْ يُطَلِّقْها، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ صفحة ٢٩ قَدْ يَرْغَبُ في طَلاقِ امْرَأتِهِ إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما ولَدٌ ولا يَرْغَبُ في ذَلِكَ إذا كانَتْ حامِلًا مِنهُ بِوَلَدٍ، فَإذا طَلَّقَها وهي مُجامَعَةٌ وعِنْدَهُ أنَّها حائِلٌ في ظاهِرِ الحالِ ثُمَّ ظَهَرَ بِها حَمْلٌ نَدِمَ عَلى طَلاقِها، فَفي طَلاقِهِ إيّاها في الحَيْضِ سُوءُ نَظَرٍ لِلْمَرْأةِ، وفي الطَّلاقِ في الطُّهْرِ الَّذِي جامَعَها فِيهِ وقَدْ حَمَلَتْ فِيهِ سُوءُ نَظَرٍ لِلزَّوْجِ، فَإذا طُلِّقَتْ وهي طاهِرٌ غَيْرُ مُجامَعَةٍ أُمِنَ هَذانِ الأمْرانِ، لِأنَّها تَعْتَدُّ عَقِبَ طَلاقِهِ إيّاها، فَتَجْرِي في الثَّلاثَةِ قُرُوءٍ، والرَّجُلُ أيْضًا في الظّاهِرِ عَلى أمانٍ مِنِ اشْتِمالِها عَلى ولَدٍ مِنهُ. الثّانِي: هَلْ يَقَعُ الطَّلاقُ المُخالِفُ لِلسُّنَّةِ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ، وهو آثِمٌ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَهُ: ”أوَتَلْعَبُونَ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم» “ . الثّالِثُ: كَيْفَ تُطَلَّقُ لِلسُّنَّةِ الَّتِي لا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أوْ كِبَرٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: الصَّغِيرَةُ والآيِسَةُ والحامِلُ كُلُّهُنَّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ عَلَيْهِنَّ الثَّلاثُ في الأشْهُرِ، وقالَ مُحَمَّدٌ وزُفَرُ: لا يُطَلِّقُ لِلسُّنَّةِ إلّا واحِدَةً؛ وأمّا غَيْرُ المَدْخُولِ بِها فَلا تَطْلُقُ لِلسُّنَّةِ إلّا واحِدَةً، ولا يُراعى الوَقْتُ. الرّابِعُ: هَلْ يُكْرَهُ أنْ تُطَلَّقَ المَدْخُولُ بِها واحِدَةً بائِنَةً ؟ نَقُولُ: اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِيهِ عَنْ أصْحابِنا، والظّاهِرُ الكَراهَةُ. الخامِسُ: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ عامٌّ يَتَناوَلُ المَدْخُولَ بِهِنَّ، وغَيْرَ المَدْخُولِ بِهِنَّ مِن ذَواتِ الأقْراءِ، والآيِساتِ والصِّغارَ والحَوامِلَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِذَواتِ الأقْراءِ والمَدْخُولِ بِهِنَّ ؟ نَقُولُ: لا عُمُومَ ثَمَّةَ ولا خُصُوصَ أيْضًا، لَكِنَّ النِّساءَ اسْمُ جِنْسٍ لِلْإناثِ مِنَ الإنْسِ، وهَذِهِ الجِنْسِيَّةُ مَعْنًى قائِمٌ في كُلِّهِنَّ، وفي بِعَضِّهِنَّ، فَجازَ أنْ يُرادَ بِالنِّساءِ هَذا وذاكَ فَلَمّا قِيلَ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ عُلِمَ أنَّهُ أُطْلِقَ عَلى بَعْضِهِنَّ، وهُنَّ المَدْخُولُ بِهِنَّ مِنَ المُعْتَدّاتِ بِالحَيْضِ، كَذا ذَكَرَهُ في الكَشّافِ. * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: اخْشَوُا اللَّهَ فَلا تَعْصُوهُ فِيما أمَرَكم و﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ أيْ لا تُخْرِجُوا المُعْتَدّاتِ مِنَ المَساكِنِ الَّتِي كُنْتُمْ تُساكِنُونَهُنَّ فِيها قَبْلَ الطَّلاقِ، فَإنْ كانَتِ المَساكِنُ عارِيَةً فارْتُجِعَتْ كانَ عَلى الأزْواجِ أنْ يُعَيِّنُوا مَساكِنَ أُخْرى بِطَرِيقِ الشِّراءِ، أوْ بِطَرِيقِ الكِراءِ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وعَلى الزَّوْجاتِ أيْضًا أنْ لا يَخْرُجْنَ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى إلّا لِضَرُورَةٍ ظاهِرَةٍ، فَإنْ خَرَجَتْ لَيْلًا أوْ نَهارًا كانَ ذَلِكَ الخُرُوجُ حَرامًا، ولا تَنْقَطِعُ العِدَّةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو أنْ يَزْنِينَ فَيَخْرُجْنَ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ، صفحة ٣٠ قالَ الضَّحّاكُ والأكْثَرُونَ: فالفاحِشَةُ عَلى هَذا القَوْلِ هي الزِّنا، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: الفاحِشَةُ خُرُوجُهُنَّ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، قالَ السُّدِّيُّ والباقُونَ: الفاحِشَةُ المُبَيِّنَةُ هي العِصْيانُ المُبِينُ، وهو النُّشُوزُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا أنْ يَبْذُونَ فَيَحِلُّ إخْراجُهُنَّ لِبَذائِهِنَّ وسُوءِ خُلُقِهِنَّ، فَيَحِلُّ لِلْأزْواجِ إخْراجُهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: هَلْ لِلزَّوْجَيْنِ التَّراضِي عَلى إسْقاطِها ؟ نَقُولُ: السُّكْنى الواجِبَةُ في حالِ قِيامِ الزَّوْجِيَّةِ حَقٌّ لِلْمَرْأةِ وحْدَها فَلَها إبْطالُها، ووَجْهُ هَذا أنَّ الزَّوْجَيْنِ ما داما ثابِتَيْنِ عَلى النِّكاحِ فَإنَّما مَقْصُودُهُما المُعاشَرَةُ والِاسْتِمْتاعُ، ثُمَّ لا بُدَّ في تَمامِ ذَلِكَ مِن أنْ تَكُونَ المَرْأةُ مُسْتَعِدَّةً لَهُ لِأوْقاتِ حاجَتِهِ إلَيْها، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِأنَّهُ يَكْفِيها في نَفَقَتِها، كَطَعامِها وشَرابِها وأُدْمِها ولِباسِها وسُكْناها، وهَذِهِ كُلُّها داخِلَةٌ في إحْصاءِ الأسْبابِ الَّتِي بِها يَتِمُّ كُلُّ ما ذَكَرْنا مِنَ الِاسْتِمْتاعِ، ثُمَّ ما وراءَ ذَلِكَ مِن حَقِّ صِيانَةِ الماءِ ونَحْوِها، فَإنْ وقَعَتِ الفُرْقَةُ زالَ الأصْلُ الَّذِي هو الِانْتِفاعُ وزَوالُهُ بِزَوالِ الأسْبابِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَيْها، واحْتِيجَ إلى صِيانَةِ الماءِ فَصارَتِ السُّكْنى في هَذِهِ الحالَةِ بِوُجُوبِها الإحْصاءَ لِأسْبابِها، لِأنَّ أصْلَها السُّكْنى، لِأنَّ بِها تَحْصِينَها، فَصارَتِ السُّكْنى في هَذِهِ الحالَةِ لا اخْتِصاصَ لَها بِالزَّوْجِ، وصِيانَةُ الماءِ مِن حُقُوقِ اللَّهِ، ومِمّا لا يَجُوزُ التَّراضِي مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلى إسْقاطِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَها الخُرُوجُ وإنْ رَضِيَ الزَّوْجُ، ولا إخْراجُها وإنْ رَضِيَتْ إلّا عَنْ ضَرُورَةٍ مِثْلَ انْهِدامِ المَنزِلِ، وإخْراجِ غاصِبٍ إيّاها أوْ نُقْلَةٍ مِن دارٍ بِكِراءٍ قَدِ انْقَضَتْ إجارَتُها أوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ، أوْ سَيْلٍ أوْ حَرِيقٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن طَرِيقِ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، فَإذا انْقَضى ما أُخْرِجَتْ لَهُ رَجَعَتْ إلى مَوْضِعِها حَيْثُ كانَ. الثّانِي: قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: واتَّقُوا اللَّهَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ. فَنَقُولُ: فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذَلِكَ فَإنَّ لَفْظَ الرَّبِّ يُنَبِّهُهم عَلى أنَّ التَّرْبِيَةَ الَّتِي هي الإنْعامُ والإكْرامُ بِوُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ غايَةُ التَّعْدادِ فَيُبالِغُونَ في التَّقْوى حِينَئِذٍ خَوْفًا مِن فَوْتِ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ. الثّانِي: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ إخْراجِهِمْ وخُرُوجِهِنَّ ؟ نَقُولُ: مَعْنى الإخْراجِ أنْ لا يُخْرِجَهُنَّ البُعُولَةُ غَضَبًا عَلَيْهِنَّ وكَراهَةً لِمُساكَنَتِهِنَّ أوْ لِحاجَةٍ لَهم إلى المَساكِنِ وأنْ لا يَأْذَنُوا لَهُنَّ في الخُرُوجِ إذا طَلَبْنَ ذَلِكَ، إيذانًا بِأنَّ إذْنَهم لا أثَرَ لَهُ في رَفْعِ الحَظْرِ، ولا يَخْرُجْنَ بِأنْفُسِهِنَّ إنْ أرَدْنَ ذَلِكَ. الثّالِثُ: قُرِئَ: ”بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ“ و”مُبَيَّنَةٍ“ فَمَن قَرَأ مُبَيِّنَةٍ بِالخَفْضِ فَمَعْناهُ: أنَّ نَفْسَ الفاحِشَةِ إذا تَفَكَّرَ فِيها تَبَيَّنَ أنَّها فاحِشَةٌ، ومَن قَرَأ مُبَيَّنَةٍ بِالفَتْحِ فَمَعْناهُ أنَّها مُبَرْهَنَةٌ بِالبَراهِينِ، ومُبَيَّنَةٌ بِالحُجَجِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ والحُدُودُ هي المَوانِعُ عَنِ المُجاوَزَةِ نَحْوَ النَّواهِي، والحَدُّ في الحَقِيقَةِ هو النِّهايَةُ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْها الشَّيْءُ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعُودُ ما ذُكِرَ مِن طَلاقِ السُّنَّةِ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْكامِ ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ وهَذا تَشْدِيدٌ فِيمَن يَتَعَدّى طَلاقَ السُّنَّةِ، ومَن يُطَلِّقُ لِغَيْرِ العِدَّةِ ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ ضَرَّ نَفْسَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ومَن يَتَجاوَزِ الحَدَّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ وضَعَ نَفْسَهُ مَوْضِعًا لَمْ يَضَعْهُ فِيهِ رَبُّهُ، والظُّلْمُ هو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّدَمَ عَلى طَلاقِها والمَحَبَّةَ لَرَجْعَتِها في العِدَّةِ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ في التَّطْلِيقِ أنْ يُوقَعَ مُتَفَرِّقًا، قالَ أبُو إسْحاقَ: إذا طَلَّقَها ثَلاثًا في وقْتٍ واحِدٍ فَلا مَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ .

الطلاق 65:2

صفحة ٣١ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ قارَبْنَ انْقِضاءَ أجَلِ العِدَّةِ لا انْقِضاءَ أجَلِهِنَّ، والمُرادُ مِن بُلُوغِ الأجَلِ هُنا مُقارَبَةُ البُلُوغِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو آخِرُ العِدَّةِ ومُشارَفَتُهُ، فَأنْتُمْ بِالخِيارِ إنْ شِئْتُمْ فالرَّجْعَةُ والإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ شِئْتُمْ فَتَرْكُ الرَّجْعَةِ والمُفارَقَةُ، وإبْقاءُ الضِّرارِ، وهو أنْ يُراجِعَها في آخِرِ العِدَّةِ، ثُمَّ يُطَلِّقَها تَطْوِيلًا لِلْعِدَّةِ وتَعْذِيبًا لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ أُمِرُوا أنْ يُشْهِدُوا عِنْدَ الطَّلاقِ وعِنْدَ الرَّجْعَةِ ذَوَيْ عَدْلٍ، وهَذا الإشْهادُ مَندُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٢) وعِنْدَ الشّافِعِيِّ هو واجِبٌ في الرَّجْعَةِ مَندُوبٌ إلَيْهِ في الفُرْقَةِ، وقِيلَ: فائِدَةُ الإشْهادِ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما التَّجاحُدُ، وأنْ لا يُتَّهَمَ في إمْساكِها، ولِئَلّا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِيَ الباقِي ثُبُوتَ الزَّوْجِيَّةِ لِيَرِثَ، وقِيلَ: الإشْهادُ إنَّما أُمِرُوا بِهِ لِلِاحْتِياطِ مَخافَةَ أنْ تُنْكِرَ المَرْأةُ المُراجَعَةَ فَتَنْقَضِيَ العِدَّةُ فَتَنْكِحَ زَوْجًا. ثُمَّ خاطَبَ الشُّهَداءَ فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾ وهَذا أيْضًا مَرَّ تَفْسِيرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: مَن يُطَلِّقْ لِلْعِدَّةِ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلى الرَّجْعَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ أمْرٍ ضاقَ عَلى النّاسِ، قالَ الكَلْبِيُّ: ومَن يَصْبِرْ عَلى المُصِيبَةِ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، «وقَرَأها النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: مَخْرَجًا مِن شُبُهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ، ومِن شَدائِدِ يَوْمِ القِيامَةِ»، وقالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: «أُنْزِلَ هَذا وما بَعْدَهُ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ أسَرَ العَدُوُّ ابْنًا لَهُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ، وذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وشَكا إلَيْهِ الفاقَةَ، فَقالَ لَهُ: ”اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ وأكْثِرْ مِن قَوْلِ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ“ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَبَيْنَما هو في بَيْتِهِ إذْ أتاهُ ابْنُهُ، وقَدْ غَفَلَ عَنْهُ العَدُوُّ، فَأصابَ إبِلًا وجاءَ بِها إلى أبِيهِ»، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَبَيْنا هو في بَيْتِهِ، إذْ قَرَعَ ابْنُهُ البابَ ومَعَهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ غَفَلَ عَنْها العَدُوُّ فاسْتاقَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ويَجُوزُ أنَّهُ إنِ اتَّقى اللَّهَ وآثَرَ الحَلالَ والصَّبْرَ عَلى أهْلِهِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ إنْ كانَ ذا ضِيقٍ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وقالَ في ”الكَشّافِ“: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ مِن إجْراءِ أمْرِ الطَّلاقِ عَلى السُّنَّةِ كَما مَرَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ مَن وثِقَ بِهِ فِيما نالَهُ كَفاهُ اللَّهُ ما أهَمَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ» “ وقُرِئَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ بِالإضافَةِ (وبالِغٌ أمْرَهُ) أيْ نافِذٌ أمْرَهُ، وقَرَأ المُفَضَّلُ: (بالِغًا أمْرَهُ)، عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (قَدْ جَعَلَ) خَبَرُ (إنَّ)، و(بالِغًا) حالٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ في جَمِيعِ خَلْقِهِ. والمَعْنى سَيُبْلِغُ اللَّهُ أمْرَهُ فِيما يُرِيدُ مِنكم، و﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ تَقْدِيرًا وتَوْقِيتًا، وهَذا بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ أجَلٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ، قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ لا يُقَدَّمُ صفحة ٣٢ ولا يُؤَخَّرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ قَدَّرْتُ ما خَلَقْتُ بِمَشِيئَتِي، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مَخْرَجًا﴾ آيَةٌ، ومِنهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْرًا﴾ آيَةٌ أُخْرى عِنْدَ الأكْثَرِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّ والمَدَنِيِّ المَجْمُوعُ آيَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ التَّقْوى في رِعايَةِ أحْوالِ النِّساءِ مُفْتَقِرَةٌ إلى المالِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النُّورِ: ٣٢) فَإنْ قِيلَ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاحْتِياجِ لِلْكَسْبِ في طَلَبِ الرِّزْقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجُمُعَةِ: ١٠) يَدُلُّ عَلى الِاحْتِياجِ فَكَيْفَ هو ؟ نَقُولُ: لا يَدُلُّ عَلى الِاحْتِياجِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ لِلْإباحَةِ كَما مَرَّ، والإباحَةُ مِمّا يُنافِي الِاحْتِياجَ إلى الكَسْبِ لِما أنَّ الِاحْتِياجَ مُنافٍ لِلتَّخْيِيرِ.

الطلاق 65:3

صفحة ٣١ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ قارَبْنَ انْقِضاءَ أجَلِ العِدَّةِ لا انْقِضاءَ أجَلِهِنَّ، والمُرادُ مِن بُلُوغِ الأجَلِ هُنا مُقارَبَةُ البُلُوغِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هو آخِرُ العِدَّةِ ومُشارَفَتُهُ، فَأنْتُمْ بِالخِيارِ إنْ شِئْتُمْ فالرَّجْعَةُ والإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ شِئْتُمْ فَتَرْكُ الرَّجْعَةِ والمُفارَقَةُ، وإبْقاءُ الضِّرارِ، وهو أنْ يُراجِعَها في آخِرِ العِدَّةِ، ثُمَّ يُطَلِّقَها تَطْوِيلًا لِلْعِدَّةِ وتَعْذِيبًا لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ أُمِرُوا أنْ يُشْهِدُوا عِنْدَ الطَّلاقِ وعِنْدَ الرَّجْعَةِ ذَوَيْ عَدْلٍ، وهَذا الإشْهادُ مَندُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٨٢) وعِنْدَ الشّافِعِيِّ هو واجِبٌ في الرَّجْعَةِ مَندُوبٌ إلَيْهِ في الفُرْقَةِ، وقِيلَ: فائِدَةُ الإشْهادِ أنْ لا يَقَعَ بَيْنَهُما التَّجاحُدُ، وأنْ لا يُتَّهَمَ في إمْساكِها، ولِئَلّا يَمُوتَ أحَدُهُما فَيَدَّعِيَ الباقِي ثُبُوتَ الزَّوْجِيَّةِ لِيَرِثَ، وقِيلَ: الإشْهادُ إنَّما أُمِرُوا بِهِ لِلِاحْتِياطِ مَخافَةَ أنْ تُنْكِرَ المَرْأةُ المُراجَعَةَ فَتَنْقَضِيَ العِدَّةُ فَتَنْكِحَ زَوْجًا. ثُمَّ خاطَبَ الشُّهَداءَ فَقالَ: ﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾ وهَذا أيْضًا مَرَّ تَفْسِيرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: مَن يُطَلِّقْ لِلْعِدَّةِ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلى الرَّجْعَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ أمْرٍ ضاقَ عَلى النّاسِ، قالَ الكَلْبِيُّ: ومَن يَصْبِرْ عَلى المُصِيبَةِ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، «وقَرَأها النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: مَخْرَجًا مِن شُبُهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ، ومِن شَدائِدِ يَوْمِ القِيامَةِ»، وقالَ أكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: «أُنْزِلَ هَذا وما بَعْدَهُ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ أسَرَ العَدُوُّ ابْنًا لَهُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ، وذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وشَكا إلَيْهِ الفاقَةَ، فَقالَ لَهُ: ”اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ وأكْثِرْ مِن قَوْلِ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ“ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَبَيْنَما هو في بَيْتِهِ إذْ أتاهُ ابْنُهُ، وقَدْ غَفَلَ عَنْهُ العَدُوُّ، فَأصابَ إبِلًا وجاءَ بِها إلى أبِيهِ»، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَبَيْنا هو في بَيْتِهِ، إذْ قَرَعَ ابْنُهُ البابَ ومَعَهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ غَفَلَ عَنْها العَدُوُّ فاسْتاقَها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ويَجُوزُ أنَّهُ إنِ اتَّقى اللَّهَ وآثَرَ الحَلالَ والصَّبْرَ عَلى أهْلِهِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ إنْ كانَ ذا ضِيقٍ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وقالَ في ”الكَشّافِ“: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ مِن إجْراءِ أمْرِ الطَّلاقِ عَلى السُّنَّةِ كَما مَرَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ مَن وثِقَ بِهِ فِيما نالَهُ كَفاهُ اللَّهُ ما أهَمَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ» “ وقُرِئَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ بِالإضافَةِ (وبالِغٌ أمْرَهُ) أيْ نافِذٌ أمْرَهُ، وقَرَأ المُفَضَّلُ: (بالِغًا أمْرَهُ)، عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (قَدْ جَعَلَ) خَبَرُ (إنَّ)، و(بالِغًا) حالٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ في جَمِيعِ خَلْقِهِ. والمَعْنى سَيُبْلِغُ اللَّهُ أمْرَهُ فِيما يُرِيدُ مِنكم، و﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ تَقْدِيرًا وتَوْقِيتًا، وهَذا بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ أجَلٌ يَنْتَهِي إلَيْهِ، قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ لا يُقَدَّمُ صفحة ٣٢ ولا يُؤَخَّرُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ قَدَّرْتُ ما خَلَقْتُ بِمَشِيئَتِي، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مَخْرَجًا﴾ آيَةٌ، ومِنهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْرًا﴾ آيَةٌ أُخْرى عِنْدَ الأكْثَرِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّ والمَدَنِيِّ المَجْمُوعُ آيَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ التَّقْوى في رِعايَةِ أحْوالِ النِّساءِ مُفْتَقِرَةٌ إلى المالِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النُّورِ: ٣٢) فَإنْ قِيلَ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاحْتِياجِ لِلْكَسْبِ في طَلَبِ الرِّزْقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجُمُعَةِ: ١٠) يَدُلُّ عَلى الِاحْتِياجِ فَكَيْفَ هو ؟ نَقُولُ: لا يَدُلُّ عَلى الِاحْتِياجِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ لِلْإباحَةِ كَما مَرَّ، والإباحَةُ مِمّا يُنافِي الِاحْتِياجَ إلى الكَسْبِ لِما أنَّ الِاحْتِياجَ مُنافٍ لِلتَّخْيِيرِ.

الطلاق 65:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ قَوْلُهُ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِدَّةَ ذَواتِ الأقْراءِ والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وذَكَرَ عِدَّةَ سائِرِ النِّسْوَةِ اللّائِي لَمْ يُذْكَرْنَ هُناكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ورُوِيَ «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا عِدَّةَ الَّتِي تَحِيضُ، فَما عِدَّةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ فَنَزَلَ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ»﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ إنْ أشْكَلَ عَلَيْكم حَمْلُهُنَّ في عِدَّةِ الَّتِي لا تَحِيضُ، فَهَذا حُكْمُهُنَّ، وقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ الإياسِ - وقَدْ قَدَّرُوهُ بِسِتِّينَ سَنَةً وبِخَمْسٍ وخَمْسِينَ - أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ «فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما عِدَّةُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ ؟ فَنَزَلَ: ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ»﴾ أيْ هي بِمَنزِلَةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي قَدْ يَئِسَتْ عِدَّتُها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، «فَقامَ آخَرُ وقالَ: وما عِدَّةُ الحَوامِلِ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»﴾ مَعْناهُ أجَلُهُنَّ في انْقِطاعِ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الأزْواجِ وضْعُ الحَمْلِ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حامِلٍ، وكانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْتَبِرُ أبْعَدَ الأجَلَيْنِ، ويَقُولُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٤) لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أُولاتِ الأحْمالِ إنَّما هو في عِدَّةِ الطَّلاقِ، وهي لا تَنْقُضُ عِدَّةَ الوَفاةِ إذا كانَتْ بِالحَيْضِ، وعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ عِدَّةُ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها أبْعَدُ الأجَلَيْنِ. وأمّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ مُبْتَدَأ خِطابٍ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ ولَمّا كانَ مُبْتَدَأً يَتَناوَلُ العِدَدَ كُلَّها، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ «سَبِيعَةَ بِنْتِ الحارِثِ أنَّها وضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تَتَزَوَّجَ»، فَدَلَّ عَلى إباحَةِ النِّكاحِ قَبْلَ مُضِيِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، عَلى أنَّ عِدَّةَ الحامِلِ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الحَمْلِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. وقالَ الحَسَنُ: إنْ وضَعَتْ صفحة ٣٣ أحَدَ الوَلَدَيْنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أحْمالَهُنَّ، لَكِنْ لا يَصِحُّ، وقُرِئَ (أحْمالَهُنَّ)، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ أيْ يُيَسِّرِ اللَّهُ عَلَيْهِ في أمْرِهِ، ويُوَفِّقْهُ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ. وقالَ عَطاءٌ: يُسَهِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ أمْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم، ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِطاعَتِهِ، ويَعْمَلْ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ مِنَ الصَّلاةِ إلى الصَّلاةِ، ومِنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ، ويُعْظِمْ لَهُ في الآخِرَةِ أجْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: قالَ تَعالى: ﴿أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أنْ يَلِدْنَ، نَقُولُ: الحَمْلُ اسْمٌ لِجَمِيعِ ما في بَطْنِهِنَّ، ولَوْ كانَ كَما قالَهُ، لَكانَتْ عِدَّتُهُنَّ بِوَضْعِ بَعْضِ حَمْلِهِنَّ، ولَيْسَ كَذَلِكَ.

الطلاق 65:5

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ قَوْلُهُ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِدَّةَ ذَواتِ الأقْراءِ والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، وذَكَرَ عِدَّةَ سائِرِ النِّسْوَةِ اللّائِي لَمْ يُذْكَرْنَ هُناكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، ورُوِيَ «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا عِدَّةَ الَّتِي تَحِيضُ، فَما عِدَّةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ فَنَزَلَ: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ»﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ إنْ أشْكَلَ عَلَيْكم حَمْلُهُنَّ في عِدَّةِ الَّتِي لا تَحِيضُ، فَهَذا حُكْمُهُنَّ، وقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في دَمِ البالِغاتِ مَبْلَغَ الإياسِ - وقَدْ قَدَّرُوهُ بِسِتِّينَ سَنَةً وبِخَمْسٍ وخَمْسِينَ - أهُوَ دَمُ حَيْضٍ أوِ اسْتِحاضَةٍ: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ «فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما عِدَّةُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ ؟ فَنَزَلَ: ﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ»﴾ أيْ هي بِمَنزِلَةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي قَدْ يَئِسَتْ عِدَّتُها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، «فَقامَ آخَرُ وقالَ: وما عِدَّةُ الحَوامِلِ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»﴾ مَعْناهُ أجَلُهُنَّ في انْقِطاعِ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الأزْواجِ وضْعُ الحَمْلِ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حامِلٍ، وكانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْتَبِرُ أبْعَدَ الأجَلَيْنِ، ويَقُولُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٤) لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أُولاتِ الأحْمالِ إنَّما هو في عِدَّةِ الطَّلاقِ، وهي لا تَنْقُضُ عِدَّةَ الوَفاةِ إذا كانَتْ بِالحَيْضِ، وعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ عِدَّةُ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها أبْعَدُ الأجَلَيْنِ. وأمّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾ مُبْتَدَأ خِطابٍ لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾ ولَمّا كانَ مُبْتَدَأً يَتَناوَلُ العِدَدَ كُلَّها، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ «سَبِيعَةَ بِنْتِ الحارِثِ أنَّها وضَعَتْ حَمْلَها بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تَتَزَوَّجَ»، فَدَلَّ عَلى إباحَةِ النِّكاحِ قَبْلَ مُضِيِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، عَلى أنَّ عِدَّةَ الحامِلِ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الحَمْلِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. وقالَ الحَسَنُ: إنْ وضَعَتْ صفحة ٣٣ أحَدَ الوَلَدَيْنِ انْقَضَتْ عِدَّتُها، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أحْمالَهُنَّ، لَكِنْ لا يَصِحُّ، وقُرِئَ (أحْمالَهُنَّ)، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ أيْ يُيَسِّرِ اللَّهُ عَلَيْهِ في أمْرِهِ، ويُوَفِّقْهُ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ. وقالَ عَطاءٌ: يُسَهِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ أمْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم، ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِطاعَتِهِ، ويَعْمَلْ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ مِنَ الصَّلاةِ إلى الصَّلاةِ، ومِنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ، ويُعْظِمْ لَهُ في الآخِرَةِ أجْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَإنْ قِيلَ: قالَ تَعالى: ﴿أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أنْ يَلِدْنَ، نَقُولُ: الحَمْلُ اسْمٌ لِجَمِيعِ ما في بَطْنِهِنَّ، ولَوْ كانَ كَما قالَهُ، لَكانَتْ عِدَّتُهُنَّ بِوَضْعِ بَعْضِ حَمْلِهِنَّ، ولَيْسَ كَذَلِكَ.

الطلاق 65:6

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِما شَرَطَ مِنَ التَّقْوى في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ، فَقِيلَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (مَن) صِلَةٌ، والمَعْنى أسْكِنُوهُنَّ حَيْثُ سَكَنْتُمْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ وُسْعِكم وسَعَتِكم، وقالَ الفَرّاءُ: عَلى قَدْرِ طاقَتِكم، وقالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ: وجِدْتُ في المالِ وُجْدًا، أيْ صِرْتُ ذا مالٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ أيْضًا وبِخَفْضِها، والوُجْدُ الوُسْعُ والطّاقَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُضارَّتِهِنَّ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ في السُّكْنى والنَّفَقَةِ ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهَذا بَيانُ حُكْمِ المُطَلَّقَةِ البائِنَةِ؛ لِأنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حامِلًا، وإنْ كانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلاثًا أوْ مُخْتَلِعَةً فَلا نَفَقَةَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا، وعِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، لَيْسَ لِلْمَبْتُوتَةِ إلّا السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها، وعَنِ الحَسَنِ وحَمّادٍ لا نَفَقَةَ لَها ولا سُكْنى، لِحَدِيثِ «فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّ زَوْجَها بَتَّ طَلاقَها، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا سُكْنى لَكِ ولا نَفَقَةَ» . وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي حَقَّ الرَّضاعِ وأُجْرَتَهُ وقَدْ مَرَّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّبَنَ وإنْ خُلِقَ لِمَكانِ الوَلَدِ فَهو مِلْكٌ لَها وإلّا لَمْ يَكُنْ لَها أنْ تَأْخُذَ الأجْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَقَّ الرَّضاعِ والنَّفَقَةِ عَلى الأزْواجِ في حَقِّ الأوْلادِ وحَقَّ الإمْساكِ والحَضانَةِ والكَفالَةِ عَلى الزَّوْجاتِ وإلّا لَكانَ لَها بَعْضُ الأجْرِ دُونَ الكُلِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ بِفَضْلٍ؛ مَعْرُوفًا مِنكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِتَراضِي الأبِ والأُمِّ، وقالَ المُبَرِّدُ: لِيَأْمُرْ صفحة ٣٤ بَعْضُكم بَعْضًا بِالمَعْرُوفِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ، والمَعْرُوفُ هَهُنا أنْ لا يُقَصِّرَ الرَّجُلُ في حَقِّ المَرْأةِ ونَفَقَتِها ولا هي في حَقِّ الوَلَدِ ورَضاعِهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الِائْتِمارِ، وقِيلَ: الِائْتِمارُ التَّشاوُرُ في إرْضاعِهِ إذا تَعاسَرَتْ هي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ في الأُجْرَةِ: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ غَيْرَ الأُمِّ، ثُمَّ بَيَّنَ قَدْرَ الإنْفاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ أمَرَ أهْلَ التَّوْسِعَةِ أنْ يُوَسِّعُوا عَلى نِسائِهِمُ المُرْضِعاتِ عَلى قَدْرِ سَعَتِهِمْ، ومَن كانَ رِزْقُهُ بِمِقْدارِ القُوتِ فَلْيُنْفِقْ عَلى مِقْدارِ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٦) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ أيْ ما أعْطاها مِنَ الرِّزْقِ، قالَ السُّدِّيُّ: لا يُكَلَّفُ الفَقِيرُ مِثْلَ ما يُكَلَّفُ الغَنِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أيْ بَعْدِ ضِيقٍ وشِدَّةٍ غِنًى وسِعَةً ورَخاءً، وكانَ الغالِبُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الفَقْرَ والفاقَةَ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا، وهَذا كالبِشارَةِ لَهم بِمَطْلُوبِهِمْ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: إذا قِيلَ: (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ ما هي ؟ نَقُولُ: هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ بَعْضُ مَكانِ سُكْناكم إنْ لَمْ يَكُنْ (لَكم) غَيْرُ بَيْتٍ واحِدٍ فَأسْكِنُوها في بَعْضِ جَوانِبِهِ. الثّانِي: ما مَوْقِعُ ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ ؟ نَقُولُ: عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، أيْ مَكانًا مِن مَسْكَنِكم عَلى قَدْرِ طاقَتِكم. الثّالِثُ: فَإذا كانَتْ كُلُّ مُطَلَّقَةٍ عِنْدَكم يَجِبُ لَها النَّفَقَةُ، فَما فائِدَةُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ نَقُولُ: فائِدَتُهُ أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ رُبَّما طالَ وقْتُها، فَيُظَنُّ أنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ إذا مَضى مِقْدارُ مُدَّةِ الحَمْلِ، فَنَفى ذَلِكَ الظَّنَّ.

الطلاق 65:7

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِما شَرَطَ مِنَ التَّقْوى في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ، فَقِيلَ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (مَن) صِلَةٌ، والمَعْنى أسْكِنُوهُنَّ حَيْثُ سَكَنْتُمْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ وُسْعِكم وسَعَتِكم، وقالَ الفَرّاءُ: عَلى قَدْرِ طاقَتِكم، وقالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ: وجِدْتُ في المالِ وُجْدًا، أيْ صِرْتُ ذا مالٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ أيْضًا وبِخَفْضِها، والوُجْدُ الوُسْعُ والطّاقَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُضارُّوهُنَّ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُضارَّتِهِنَّ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ في السُّكْنى والنَّفَقَةِ ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهَذا بَيانُ حُكْمِ المُطَلَّقَةِ البائِنَةِ؛ لِأنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حامِلًا، وإنْ كانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلاثًا أوْ مُخْتَلِعَةً فَلا نَفَقَةَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا، وعِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، لَيْسَ لِلْمَبْتُوتَةِ إلّا السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها، وعَنِ الحَسَنِ وحَمّادٍ لا نَفَقَةَ لَها ولا سُكْنى، لِحَدِيثِ «فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّ زَوْجَها بَتَّ طَلاقَها، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا سُكْنى لَكِ ولا نَفَقَةَ» . وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي حَقَّ الرَّضاعِ وأُجْرَتَهُ وقَدْ مَرَّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّبَنَ وإنْ خُلِقَ لِمَكانِ الوَلَدِ فَهو مِلْكٌ لَها وإلّا لَمْ يَكُنْ لَها أنْ تَأْخُذَ الأجْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَقَّ الرَّضاعِ والنَّفَقَةِ عَلى الأزْواجِ في حَقِّ الأوْلادِ وحَقَّ الإمْساكِ والحَضانَةِ والكَفالَةِ عَلى الزَّوْجاتِ وإلّا لَكانَ لَها بَعْضُ الأجْرِ دُونَ الكُلِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ بِفَضْلٍ؛ مَعْرُوفًا مِنكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِتَراضِي الأبِ والأُمِّ، وقالَ المُبَرِّدُ: لِيَأْمُرْ صفحة ٣٤ بَعْضُكم بَعْضًا بِالمَعْرُوفِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ، والمَعْرُوفُ هَهُنا أنْ لا يُقَصِّرَ الرَّجُلُ في حَقِّ المَرْأةِ ونَفَقَتِها ولا هي في حَقِّ الوَلَدِ ورَضاعِهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الِائْتِمارِ، وقِيلَ: الِائْتِمارُ التَّشاوُرُ في إرْضاعِهِ إذا تَعاسَرَتْ هي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ في الأُجْرَةِ: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ غَيْرَ الأُمِّ، ثُمَّ بَيَّنَ قَدْرَ الإنْفاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ أمَرَ أهْلَ التَّوْسِعَةِ أنْ يُوَسِّعُوا عَلى نِسائِهِمُ المُرْضِعاتِ عَلى قَدْرِ سَعَتِهِمْ، ومَن كانَ رِزْقُهُ بِمِقْدارِ القُوتِ فَلْيُنْفِقْ عَلى مِقْدارِ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٦) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ أيْ ما أعْطاها مِنَ الرِّزْقِ، قالَ السُّدِّيُّ: لا يُكَلَّفُ الفَقِيرُ مِثْلَ ما يُكَلَّفُ الغَنِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أيْ بَعْدِ ضِيقٍ وشِدَّةٍ غِنًى وسِعَةً ورَخاءً، وكانَ الغالِبُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الفَقْرَ والفاقَةَ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا، وهَذا كالبِشارَةِ لَهم بِمَطْلُوبِهِمْ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: إذا قِيلَ: (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ ما هي ؟ نَقُولُ: هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ بَعْضُ مَكانِ سُكْناكم إنْ لَمْ يَكُنْ (لَكم) غَيْرُ بَيْتٍ واحِدٍ فَأسْكِنُوها في بَعْضِ جَوانِبِهِ. الثّانِي: ما مَوْقِعُ ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ ؟ نَقُولُ: عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، أيْ مَكانًا مِن مَسْكَنِكم عَلى قَدْرِ طاقَتِكم. الثّالِثُ: فَإذا كانَتْ كُلُّ مُطَلَّقَةٍ عِنْدَكم يَجِبُ لَها النَّفَقَةُ، فَما فائِدَةُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ نَقُولُ: فائِدَتُهُ أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ رُبَّما طالَ وقْتُها، فَيُظَنُّ أنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ إذا مَضى مِقْدارُ مُدَّةِ الحَمْلِ، فَنَفى ذَلِكَ الظَّنَّ.

الطلاق 65:8

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ الكَلامُ في كَأيِّنْ قَدْ مَرَّ، وقَوْلُهُ: ﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ وصَفَ القَرْيَةَ بِالعُتُوِّ والمُرادُ أهْلُها، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٢) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أيْ أعْرَضَتْ عَنْهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: خالَفَتْ أمْرَ رَبِّها، وخالَفَتْ رُسُلَهُ، فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا، فَحاسَبَها اللَّهُ بِعَمَلِها في الدُّنْيا فَجازاها العَذابَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ عَذابًا مُنْكَرًا عَظِيمًا، فَسَّرَ المُحاسَبَةَ بِالتَّعْذِيبِ. وقالَ صفحة ٣٥ الكَلْبِيُّ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، يَعْنِي فَعَذَّبْناها في الدُّنْيا وحاسَبْناها في الآخِرَةِ حِسابًا شَدِيدًا، والمُرادُ حِسابُ الآخِرَةِ وعَذابُها ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾ أيْ شِدَّةَ أمْرِها وعُقُوبَةَ كُفْرِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاقِبَةَ كُفْرِها ﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ أيْ عاقِبَةُ عُتُوِّها خَسارًا في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ يُخَوِّفُ كَفّارَ مَكَّةَ أنْ يُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا فَيَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الإيمانِ، أيْ فاتَّقُوا اللَّهَ عَنْ أنْ تَكْفُرُوا بِهِ وبِرَسُولِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا﴾ هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا، هو الرَّسُولُ، وإنَّما سَمّاهُ ذِكْرًا؛ لِأنَّهُ يَذْكُرُ ما يَرْجِعُ إلى دِينِهِمْ وعُقْباهم. وثانِيهِما: أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا، وأرْسَلَ رَسُولًا. وقالَ في ”الكَشّافِ“: (رَسُولًا) هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أُبْدِلَ مِن (ذِكْرًا) لِأنَّهُ وُصِفَ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ، فَكانَ إنْزالُهُ في مَعْنى إنْزالِ الذِّكْرِ، والذِّكْرُ قَدْ يُرادُ بِهِ الشَّرَفُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٤٤) وقَدْ يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ (النَّحْلِ: ٤٤) وقُرِئَ (رَسُولٌ) عَلى هو رَسُولٌ، و﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ بِالخَفْضِ والنَّصْبِ، والآياتُ هي الحُجَجُ فَبِالخَفْضِ؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الأمْرَ والنَّهْيَ والحَلالَ والحَرامَ، ومَن نَصَبَ يُرِيدُ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ آياتِهِ وبَيَّنَها أنَّها مِن عِنْدِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يَعْنِي مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ ومِن ظُلْمَةِ الشُّبْهَةِ إلى نُورِ الحُجَّةِ، ومِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ. وفِي الآيَةِ مَباحِثُ: الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أمْ لا ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: المُرادُ مِن ﴿قَرْيَةٍ﴾ أهْلُها، لِما أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ خِطابَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا لِذَوِي العُقُولِ فَمَن لا عَقْلَ لَهُ فَلا خِطابَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ. الثّانِي: الإيمانُ هو التَّقْوى في الحَقِيقَةِ، وأُولُو الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ بِالضَّرُورَةِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ؟ نَقُولُ: لِلتَّقْوى دَرَجاتٌ ومَراتِبُ، فالدَّرَجَةُ الأُولى هي التَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ والبَواقِي هي التَّقْوى مِنَ المَعاصِي الَّتِي هي غَيْرُ الشِّرْكِ، فَأهْلُ الإيمانِ إذا أُمِرُوا بِالتَّقْوى كانَ ذَلِكَ الأمْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَبائِرِ والصَّغائِرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى الشِّرْكِ. الثّالِثُ: كُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحَقُّ هَذا الكَلامِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أنْ يُقالَ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ كَفَرُوا ؟ نَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ عَلى ما جازَ أنْ يُرادَ مِنَ الماضِي المُسْتَقْبَلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ (المائِدَةِ: ١١٠) أيْ وإذْ يَقُولُ اللَّهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن ظُلُماتٍ تَحْدُثُ لَهم بَعْدَ إيمانِهِمْ.

الطلاق 65:9

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ الكَلامُ في كَأيِّنْ قَدْ مَرَّ، وقَوْلُهُ: ﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ وصَفَ القَرْيَةَ بِالعُتُوِّ والمُرادُ أهْلُها، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٢) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أيْ أعْرَضَتْ عَنْهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: خالَفَتْ أمْرَ رَبِّها، وخالَفَتْ رُسُلَهُ، فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا، فَحاسَبَها اللَّهُ بِعَمَلِها في الدُّنْيا فَجازاها العَذابَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ عَذابًا مُنْكَرًا عَظِيمًا، فَسَّرَ المُحاسَبَةَ بِالتَّعْذِيبِ. وقالَ صفحة ٣٥ الكَلْبِيُّ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، يَعْنِي فَعَذَّبْناها في الدُّنْيا وحاسَبْناها في الآخِرَةِ حِسابًا شَدِيدًا، والمُرادُ حِسابُ الآخِرَةِ وعَذابُها ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾ أيْ شِدَّةَ أمْرِها وعُقُوبَةَ كُفْرِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاقِبَةَ كُفْرِها ﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ أيْ عاقِبَةُ عُتُوِّها خَسارًا في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ يُخَوِّفُ كَفّارَ مَكَّةَ أنْ يُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا فَيَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الإيمانِ، أيْ فاتَّقُوا اللَّهَ عَنْ أنْ تَكْفُرُوا بِهِ وبِرَسُولِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا﴾ هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا، هو الرَّسُولُ، وإنَّما سَمّاهُ ذِكْرًا؛ لِأنَّهُ يَذْكُرُ ما يَرْجِعُ إلى دِينِهِمْ وعُقْباهم. وثانِيهِما: أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا، وأرْسَلَ رَسُولًا. وقالَ في ”الكَشّافِ“: (رَسُولًا) هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أُبْدِلَ مِن (ذِكْرًا) لِأنَّهُ وُصِفَ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ، فَكانَ إنْزالُهُ في مَعْنى إنْزالِ الذِّكْرِ، والذِّكْرُ قَدْ يُرادُ بِهِ الشَّرَفُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٤٤) وقَدْ يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ (النَّحْلِ: ٤٤) وقُرِئَ (رَسُولٌ) عَلى هو رَسُولٌ، و﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ بِالخَفْضِ والنَّصْبِ، والآياتُ هي الحُجَجُ فَبِالخَفْضِ؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الأمْرَ والنَّهْيَ والحَلالَ والحَرامَ، ومَن نَصَبَ يُرِيدُ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ آياتِهِ وبَيَّنَها أنَّها مِن عِنْدِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يَعْنِي مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ ومِن ظُلْمَةِ الشُّبْهَةِ إلى نُورِ الحُجَّةِ، ومِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ. وفِي الآيَةِ مَباحِثُ: الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أمْ لا ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: المُرادُ مِن ﴿قَرْيَةٍ﴾ أهْلُها، لِما أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ خِطابَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا لِذَوِي العُقُولِ فَمَن لا عَقْلَ لَهُ فَلا خِطابَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ. الثّانِي: الإيمانُ هو التَّقْوى في الحَقِيقَةِ، وأُولُو الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ بِالضَّرُورَةِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ؟ نَقُولُ: لِلتَّقْوى دَرَجاتٌ ومَراتِبُ، فالدَّرَجَةُ الأُولى هي التَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ والبَواقِي هي التَّقْوى مِنَ المَعاصِي الَّتِي هي غَيْرُ الشِّرْكِ، فَأهْلُ الإيمانِ إذا أُمِرُوا بِالتَّقْوى كانَ ذَلِكَ الأمْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَبائِرِ والصَّغائِرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى الشِّرْكِ. الثّالِثُ: كُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحَقُّ هَذا الكَلامِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أنْ يُقالَ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ كَفَرُوا ؟ نَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ عَلى ما جازَ أنْ يُرادَ مِنَ الماضِي المُسْتَقْبَلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ (المائِدَةِ: ١١٠) أيْ وإذْ يَقُولُ اللَّهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن ظُلُماتٍ تَحْدُثُ لَهم بَعْدَ إيمانِهِمْ.

الطلاق 65:10

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ الكَلامُ في كَأيِّنْ قَدْ مَرَّ، وقَوْلُهُ: ﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ وصَفَ القَرْيَةَ بِالعُتُوِّ والمُرادُ أهْلُها، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ (يُوسُفَ: ٨٢) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أيْ أعْرَضَتْ عَنْهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: خالَفَتْ أمْرَ رَبِّها، وخالَفَتْ رُسُلَهُ، فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا، فَحاسَبَها اللَّهُ بِعَمَلِها في الدُّنْيا فَجازاها العَذابَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ عَذابًا مُنْكَرًا عَظِيمًا، فَسَّرَ المُحاسَبَةَ بِالتَّعْذِيبِ. وقالَ صفحة ٣٥ الكَلْبِيُّ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، يَعْنِي فَعَذَّبْناها في الدُّنْيا وحاسَبْناها في الآخِرَةِ حِسابًا شَدِيدًا، والمُرادُ حِسابُ الآخِرَةِ وعَذابُها ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾ أيْ شِدَّةَ أمْرِها وعُقُوبَةَ كُفْرِها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عاقِبَةَ كُفْرِها ﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ أيْ عاقِبَةُ عُتُوِّها خَسارًا في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ يُخَوِّفُ كَفّارَ مَكَّةَ أنْ يُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا فَيَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الإيمانِ، أيْ فاتَّقُوا اللَّهَ عَنْ أنْ تَكْفُرُوا بِهِ وبِرَسُولِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا﴾ هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا، هو الرَّسُولُ، وإنَّما سَمّاهُ ذِكْرًا؛ لِأنَّهُ يَذْكُرُ ما يَرْجِعُ إلى دِينِهِمْ وعُقْباهم. وثانِيهِما: أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا، وأرْسَلَ رَسُولًا. وقالَ في ”الكَشّافِ“: (رَسُولًا) هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، أُبْدِلَ مِن (ذِكْرًا) لِأنَّهُ وُصِفَ بِتِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ، فَكانَ إنْزالُهُ في مَعْنى إنْزالِ الذِّكْرِ، والذِّكْرُ قَدْ يُرادُ بِهِ الشَّرَفُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٤٤) وقَدْ يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ (النَّحْلِ: ٤٤) وقُرِئَ (رَسُولٌ) عَلى هو رَسُولٌ، و﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ بِالخَفْضِ والنَّصْبِ، والآياتُ هي الحُجَجُ فَبِالخَفْضِ؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الأمْرَ والنَّهْيَ والحَلالَ والحَرامَ، ومَن نَصَبَ يُرِيدُ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ آياتِهِ وبَيَّنَها أنَّها مِن عِنْدِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يَعْنِي مِن ظُلْمَةِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ ومِن ظُلْمَةِ الشُّبْهَةِ إلى نُورِ الحُجَّةِ، ومِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ إلى نُورِ العِلْمِ. وفِي الآيَةِ مَباحِثُ: الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾ أمْ لا ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: المُرادُ مِن ﴿قَرْيَةٍ﴾ أهْلُها، لِما أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ خِطابَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا لِذَوِي العُقُولِ فَمَن لا عَقْلَ لَهُ فَلا خِطابَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ. الثّانِي: الإيمانُ هو التَّقْوى في الحَقِيقَةِ، وأُولُو الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا مِنَ المُتَقَدِّمِينَ بِالضَّرُورَةِ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ؟ نَقُولُ: لِلتَّقْوى دَرَجاتٌ ومَراتِبُ، فالدَّرَجَةُ الأُولى هي التَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ والبَواقِي هي التَّقْوى مِنَ المَعاصِي الَّتِي هي غَيْرُ الشِّرْكِ، فَأهْلُ الإيمانِ إذا أُمِرُوا بِالتَّقْوى كانَ ذَلِكَ الأمْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَبائِرِ والصَّغائِرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى الشِّرْكِ. الثّالِثُ: كُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحَقُّ هَذا الكَلامِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أنْ يُقالَ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ كَفَرُوا ؟ نَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ عَلى ما جازَ أنْ يُرادَ مِنَ الماضِي المُسْتَقْبَلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ (المائِدَةِ: ١١٠) أيْ وإذْ يَقُولُ اللَّهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ: لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن ظُلُماتٍ تَحْدُثُ لَهم بَعْدَ إيمانِهِمْ.

الطلاق 65:11

صفحة ٣٦ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ والتَّعْظِيمِ لِما رَزَقَ اللَّهُ المُؤْمِنَ مِنَ الثَّوابِ، وقُرِئَ (يُدْخِلْهُ) بِالياءِ والنُّونِ، و﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: رَزَقَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ الَّتِي لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها، وقِيلَ: (رِزْقًا) أيْ طاعَةً في الدُّنْيا وثَوابًا في الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٠١) . قالَ الكَلْبِيُّ: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مِثْلَ القُبَّةِ، ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ في كَوْنِها طِباقًا مُتَلاصِقَةً كَما هو المَشْهُورُ أنَّ الأرْضَ ثَلاثُ طَبَقاتٍ: طَبَقَةٌ أرْضِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وطَبَقَةٌ طِينِيَّةٌ، وهي غَيْرُ مَحْضَةٍ، وطَبَقَةٌ مُنْكَشِفَةٌ بَعْضُها في البَحْرِ وبَعْضُها في البَرِّ، وهي المَعْمُورَةُ، ولا بَعُدَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ مِن كَوْنِها سَبْعَةَ أقالِيمَ عَلى حَسَبِ سَبْعِ سَماواتٍ، وسَبْعِ كَواكِبَ فِيها وهي السَّيّارَةُ، فَإنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ خَواصَّ تَظْهَرُ آثارُ تِلْكَ الخَواصِّ في كُلِّ إقْلِيمٍ مِن أقالِيمِ الأرْضِ، فَتَصِيرُ سَبْعَةً بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الَّتِي لا يَأْباها العَقْلُ، وما عَداها مِنَ الوُجُوهِ المَنقُولَةِ عَنْ أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما يَأْباها العَقْلُ مِثْلَ ما يُقالُ: السَّماواتُ السَّبْعُ أوَّلُها: مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وثانِيها: صَخْرٌ، وثالِثُها: حَدِيدٌ، ورابِعُها: نُحاسٌ، وخامِسُها: فِضَّةٌ، وسادِسُها: ذَهَبٌ، وسابِعُها: ياقُوتٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وغِلَظُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها كَذَلِكَ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ نُقِلَ مُتَواتِرًا، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ بِأنَّهُ ما هو وكَيْفَ هو، فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقُرِئَ (مِثْلَهُنَّ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ الوَحْيَ بَيْنَهُنَّ إلى خَلْقِهِ في كُلِّ أرْضٍ وفي كُلِّ سَماءٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى الأرْضِ السُّفْلى، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بِحَياةِ بَعْضٍ ومَوْتِ بَعْضٍ وسَلامَةِ هَذا وهَلاكِ ذاكَ مَثَلًا، وقالَ قَتادَةُ: في كُلِّ سَماءٍ مِن سَماواتِهِ وأرْضٍ مِن أرْضِهِ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ، وأمْرٌ مِن أمْرِهِ، وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ، وقُرِئَ (يَنْزِلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قُرِئَ (لِيَعْلَمُوا) بِالياءِ والتّاءِ أيْ لِكَيْ تَعْلَمُوا إذا تَفَكَّرْتُمْ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما جَرى مِنَ التَّدْبِيرِ فِيها أنَّ مَن بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ هَذا المَبْلَغَ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ كانَتْ قُدْرَتُهُ ذاتِيَّةً لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ عَمّا أرادَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِن قِبَلِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَعْنِي بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وقادِرٌ عَلى الإنْشاءِ بَعْدَ الإفْناءِ، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وإمامِ المُتَّقِينَ، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

الطلاق 65:12

صفحة ٣٦ * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ والتَّعْظِيمِ لِما رَزَقَ اللَّهُ المُؤْمِنَ مِنَ الثَّوابِ، وقُرِئَ (يُدْخِلْهُ) بِالياءِ والنُّونِ، و﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: رَزَقَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ الَّتِي لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها، وقِيلَ: (رِزْقًا) أيْ طاعَةً في الدُّنْيا وثَوابًا في الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٠١) . قالَ الكَلْبِيُّ: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مِثْلَ القُبَّةِ، ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ في كَوْنِها طِباقًا مُتَلاصِقَةً كَما هو المَشْهُورُ أنَّ الأرْضَ ثَلاثُ طَبَقاتٍ: طَبَقَةٌ أرْضِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وطَبَقَةٌ طِينِيَّةٌ، وهي غَيْرُ مَحْضَةٍ، وطَبَقَةٌ مُنْكَشِفَةٌ بَعْضُها في البَحْرِ وبَعْضُها في البَرِّ، وهي المَعْمُورَةُ، ولا بَعُدَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ مِن كَوْنِها سَبْعَةَ أقالِيمَ عَلى حَسَبِ سَبْعِ سَماواتٍ، وسَبْعِ كَواكِبَ فِيها وهي السَّيّارَةُ، فَإنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الكَواكِبِ خَواصَّ تَظْهَرُ آثارُ تِلْكَ الخَواصِّ في كُلِّ إقْلِيمٍ مِن أقالِيمِ الأرْضِ، فَتَصِيرُ سَبْعَةً بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الَّتِي لا يَأْباها العَقْلُ، وما عَداها مِنَ الوُجُوهِ المَنقُولَةِ عَنْ أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما يَأْباها العَقْلُ مِثْلَ ما يُقالُ: السَّماواتُ السَّبْعُ أوَّلُها: مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وثانِيها: صَخْرٌ، وثالِثُها: حَدِيدٌ، ورابِعُها: نُحاسٌ، وخامِسُها: فِضَّةٌ، وسادِسُها: ذَهَبٌ، وسابِعُها: ياقُوتٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وغِلَظُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها كَذَلِكَ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ نُقِلَ مُتَواتِرًا، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ بِأنَّهُ ما هو وكَيْفَ هو، فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقُرِئَ (مِثْلَهُنَّ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ﴿ومِنَ الأرْضِ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ الوَحْيَ بَيْنَهُنَّ إلى خَلْقِهِ في كُلِّ أرْضٍ وفي كُلِّ سَماءٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الوَحْيَ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى الأرْضِ السُّفْلى، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بِحَياةِ بَعْضٍ ومَوْتِ بَعْضٍ وسَلامَةِ هَذا وهَلاكِ ذاكَ مَثَلًا، وقالَ قَتادَةُ: في كُلِّ سَماءٍ مِن سَماواتِهِ وأرْضٍ مِن أرْضِهِ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ، وأمْرٌ مِن أمْرِهِ، وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ، وقُرِئَ (يَنْزِلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قُرِئَ (لِيَعْلَمُوا) بِالياءِ والتّاءِ أيْ لِكَيْ تَعْلَمُوا إذا تَفَكَّرْتُمْ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما جَرى مِنَ التَّدْبِيرِ فِيها أنَّ مَن بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ هَذا المَبْلَغَ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ كانَتْ قُدْرَتُهُ ذاتِيَّةً لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ عَمّا أرادَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِن قِبَلِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَعْنِي بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وقادِرٌ عَلى الإنْشاءِ بَعْدَ الإفْناءِ، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وإمامِ المُتَّقِينَ، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

التحريم 66:1

صفحة ٣٧ (سُورَةُ التَّحْرِيمِ) اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً مَدَنِيَّةً ﷽ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﷽ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أمّا التَّعَلُّقُ بِما قَبْلَها، فَذَلِكَ لِاشْتِراكِهِما في الأحْكامِ المَخْصُوصَةِ بِالنِّساءِ، واشْتِراكُ الخِطابِ بِالطَّلاقِ في أوَّلِ تِلْكَ السُّورَةِ مَعَ الخِطابِ بِالتَّحْرِيمِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِما كانَ الطَّلاقُ - في الأكْثَرِ مِنَ الصُّوَرِ أوْ في الكُلِّ كَما هو مَذْهَبُ البَعْضِ - مُشْتَمِلًا عَلى تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ، وأمّا الأوَّلُ بِالآخَرِ، فَلِأنَّ المَذْكُورَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما أنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ، لِما كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما مِنَ الغَرائِبِ والعَجائِبِ مُفْتَقِرًا إلَيْهِما وعَظَمَةُ الحَضْرَةِ مِمّا يُنافِي القُدْرَةَ عَلى تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ واخْتَلَفُوا في الَّذِي حَرَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى نَفْسِهِ، قالَ في ”الكَشّافِ“: رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلا بِمارِيَةَ في يَوْمِ عائِشَةَ وعَلِمَتْ بِذَلِكَ حَفْصَةُ، فَقالَ لَها: اكْتُمِي عَلَيَّ وقَدْ حَرَّمْتُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِي وأُبَشِّرُكِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ بَعْدِي أمْرَ أُمَّتِي، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ، وكانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ»، وقِيلَ: خَلا بِها في يَوْمِ حَفْصَةَ، فَأرْضاها بِذَلِكَ واسْتَكْتَمَها، فَلَمْ تَكْتُمْ فَطَلَّقَها واعْتَزَلَ نِساءَهُ، ومَكَثَ تِسْعًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً في بَيْتِ مارِيَةَ، ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ قالَ لَها: لَوْ كانَ في آلِ الخَطّابِ خَيْرٌ لَما طَلَّقَكِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: راجِعْها فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ وإنَّها مِن نِسائِكَ في الجَنَّةِ»، ورُوِيَ أنَّهُ ما طَلَّقَها وإنَّما نَوَّهَ بِطَلاقِها، ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَرِبَ عَسَلًا في بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَتَواطَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ، فَقالَتا لَهُ: إنّا نَشُمُّ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ التَّفَلَ فَحَرَّمَ العَسَلَ»، فَمَعْناهُ: لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِن مِلْكِ اليَمِينِ أوْ مِنَ العَسَلِ، والأوَّلُ قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والشَّعْبِيِّ ومَسْرُوقٍ ورِوايَةُ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ قالَ مَسْرُوقٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ ولَدِهِ وحَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ لَهُ: أمّا الحَرامُ فَحَلالٌ، وأمّا اليَمِينُ الَّتِي حَلَفْتَ عَلَيْها، فَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم. وقالَ صفحة ٣٨ الشَّعْبِيُّ: كانَ مَعَ الحَرامِ يَمِينٌ فَعُوتِبَ في الحَرامِ، وإنَّما يُكَفَّرُ اليَمِينُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: قَوْلُهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ والإنْكارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى نَهْيٌ، وتَحْرِيمُ الحَلالِ مَكْرُوهٌ، والحَلالُ لا يُحَرَّمُ إلّا بِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ﴾ و(تَبْتَغِي) حالٌ خَرَجَتْ مَخْرَجَ المُضارِعِ والمَعْنى: لِمَ تُحَرِّمُ مُبْتَغِيًا مَرْضاتَ أزْواجِكَ، قالَ في ”الكَشّافِ“: (تَبْتَغِي)، إمّا تَفْسِيرٌ لِـ (تُحَرِّمُ)، أوْ حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ، وهَذا زَلَّةٌ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما أحَلَّ اللَّهُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَدْ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الزَّلَّةِ، (رَحِيمٌ) قَدْ رَحِمَكَ لَمْ يُؤاخِذْكَ بِهِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ يُوهِمُ أنَّ هَذا الخِطابَ بِطَرِيقِ العِتابِ وخِطابِ الوَصْفِ، وهو النَّبِيُّ يُنافِي ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ، فَكَيْفَ هو ؟ نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّ هَذا الخِطابَ لَيْسَ بِطَرِيقِ العِتابِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما صَدَرَ مِنهُ لَمْ يَكُنْ كَما يَنْبَغِي. البَحْثُ الثّانِي: تَحْرِيمُ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِما أنَّ الإحْلالَ تَرْجِيحُ جانِبِ الحِلِّ والتَّحْرِيمَ تَرْجِيحُ جانِبِ الحُرْمَةِ، ولا مَجالَ لِلِاجْتِماعِ بَيْنَ التَّرْجِيحَيْنِ فَكَيْفَ يُقالُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ﴾ ؟ نَقُولُ: المُرادُ مِن هَذا التَّحْرِيمِ هو الِامْتِناعُ عَنِ الِانْتِفاعِ بِالأزْواجِ لا اعْتِقادُ كَوْنِهِ حَرامًا بَعْدَما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى، فالنَّبِيُّ ﷺ امْتَنَعَ عَنِ الِانْتِفاعِ مَعَها مَعَ اعْتِقادِهِ بِكَوْنِهِ حَلالًا، ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ هو تَحْرِيمُ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى بِعَيْنِهِ فَقَدْ كَفَرَ، فَكَيْفَ يُضافُ إلى الرَّسُولِ ﷺ مِثْلُ هَذا ؟ البَحْثُ الثّالِثُ: إذا قِيلَ: ما حُكْمُ تَحْرِيمِ الحَلالِ ؟ نَقُولُ: اخْتَلَفَتِ الأئِمَّةُ فِيهِ فَأبُو حَنِيفَةَ يَراهُ يَمِينًا في كُلِّ شَيْءٍ، ويَعْتَبِرُ الِانْتِفاعَ المَقْصُودَ فِيما يُحَرِّمُهُ فَإذا حَرَّمَ طَعامًا فَقَدْ حَلَفَ عَلى أكْلِهِ أوْ أمَةً فَعَلى وطْئِها أوْ زَوْجَةً فَعَلى الإيلاءِ مِنها إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وإنْ نَوى الظِّهارَ فَظِهارٌ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَطَلاقٌ بائِنٌ، وكَذَلِكَ إنْ نَوى اثْنَتَيْنِ، وإنْ نَوى ثَلاثًا فَكَما نَوى، فَإنْ قالَ: نَوَيْتُ الكَذِبَ دِينَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ ولا يَدِينُ في القَضاءِ بِإبْطالِ الإيلاءِ، وإنْ قالَ: كُلُّ حَلالٍ عَلَيْهِ حَرامٌ فَعَلى الطَّعامِ والشَّرابِ إذا لَمْ يَنْوِ وإلّا فَعَلى ما نَوى ولا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا، ولَكِنْ سَبَبًا (في الكَفّارَةِ) في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَهو رَجْعِيٌّ عِنْدَهُ، وأمّا اخْتِلافُ الصَّحابَةِ فِيهِ فَكَما هو في ”الكَشّافِ“، فَلا حاجَةَ بِنا إلى ذِكْرِ ذَلِكَ.

التحريم 66:2

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها﴾ (النُّورِ: ١) وقالَ الباقُونَ: قَدْ أوْجَبَ، قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: إذا وصَلَ بِعَلى لَمْ يَحْتَمِلْ غَيْرَ الإيجابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٣٩ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ (الأحْزابِ: ٥٠) وإذا وصَلَ بِاللّامِ احْتَمَلَ الوَجْهَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أيْ تَحْلِيلَها بِالكَفّارَةِ و(تَحِلَّةَ) عَلى وزْنِ: تَفِعْلَةٍ، وأصْلُهُ تَحْلِلَةٌ، وتَحِلَّةُ القَسَمِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْلِيلُهُ بِالكَفّارَةِ كالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيهِما: أنْ يُسْتَعْمَلَ بِمَعْنى الشَّيْءِ القَلِيلِ، وهَذا هو الأكْثَرُ كَما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«لَنْ يَلِجَ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» “ يَعْنِي زَمانًا يَسِيرًا، وقُرِئَ (كَفّارَةَ أيْمانِكم)، ونَقَلَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أنْ لا يَطَأ جارِيَتَهُ فَذَكَرَ اللَّهُ لَهُ ما أوْجَبَ مِن كَفّارَةِ اليَمِينِ، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَرامَ يَمِينٌ، يَعْنِي إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ ولَمْ يَنْوِ طَلاقًا ولا ظِهارًا كانَ هَذا اللَّفْظُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ يَمِينٍ ﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾، أيْ ولِيُّكم وناصِرُكم وهو العَلِيمُ بِخَلْقِهِ، الحَكِيمُ فِيما فَرَضَ مِن حُكْمِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ يَعْنِي ما أسَرَّ إلى حَفْصَةَ مِن تَحْرِيمِ الجارِيَةِ عَلى نَفْسِهِ واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ وقِيلَ: لَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ الغَيْرَةَ في وجْهِ حَفْصَةَ أرادَ أنْ يَتَرَضّاها فَأسَرَّ إلَيْها بِشَيْئَيْنِ: تَحْرِيمُ الأمَةِ عَلى نَفْسِهِ، والبِشارَةُ بِأنَّ الخِلافَةَ بَعْدَهُ في أبِي بَكْرٍ وأبِيها عُمَرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾ أيْ أخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِ حَفْصَةَ لِعائِشَةَ، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ حَفْصَةَ عِنْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ ما قالَتْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ حَفْصَةَ: ﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ لَمْ يُخْبِرْها أنَّكِ أخْبَرْتِ عائِشَةَ عَلى وجْهِ التَّكَرُّمِ والإغْضاءِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ذِكْرُ خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وقُرِئَ (عَرَفَ) مُخَفَّفًا أيْ جازى عَلَيْهِ مِن قَوْلِكَ لِلْمُسِيءِ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ وقَدْ عَرَفْتُ ما صَنَعْتَ، قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ (النِّساءِ: ٦٣) أيْ يُجازِيهِمْ وهو يَعْلَمُ ما في قُلُوبِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ﴾ حَفْصَةُ: ﴿مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَبِيرًا بَعْدَما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَلِيمًا لِما أنَّ في الخَبِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في العَلِيمِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: كَيْفَ يُناسِبُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التَّحْرِيمِ: ١) ؟ نَقُولُ: يُناسِبُهُ لِما كانَ تَحْرِيمُ المَرْأةِ يَمِينًا حَتّى إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ فَهو يَمِينٌ ويَصِيرُ مُولِيًا بِذِكْرِهِ مِن بَعْدُ ويُكَفِّرُ. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أنَّهُ كانَتْ مِنهُ يَمِينٌ، فَهَلْ كَفَّرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِذَلِكَ ؟ نَقُولُ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ؛ لِأنَّهُ كانَ مَغْفُورًا لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وإنَّما هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ.

التحريم 66:3

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها﴾ (النُّورِ: ١) وقالَ الباقُونَ: قَدْ أوْجَبَ، قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: إذا وصَلَ بِعَلى لَمْ يَحْتَمِلْ غَيْرَ الإيجابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٣٩ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ (الأحْزابِ: ٥٠) وإذا وصَلَ بِاللّامِ احْتَمَلَ الوَجْهَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أيْ تَحْلِيلَها بِالكَفّارَةِ و(تَحِلَّةَ) عَلى وزْنِ: تَفِعْلَةٍ، وأصْلُهُ تَحْلِلَةٌ، وتَحِلَّةُ القَسَمِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْلِيلُهُ بِالكَفّارَةِ كالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ. وثانِيهِما: أنْ يُسْتَعْمَلَ بِمَعْنى الشَّيْءِ القَلِيلِ، وهَذا هو الأكْثَرُ كَما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«لَنْ يَلِجَ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» “ يَعْنِي زَمانًا يَسِيرًا، وقُرِئَ (كَفّارَةَ أيْمانِكم)، ونَقَلَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أنْ لا يَطَأ جارِيَتَهُ فَذَكَرَ اللَّهُ لَهُ ما أوْجَبَ مِن كَفّارَةِ اليَمِينِ، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحَرامَ يَمِينٌ، يَعْنِي إذا قالَ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ ولَمْ يَنْوِ طَلاقًا ولا ظِهارًا كانَ هَذا اللَّفْظُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ يَمِينٍ ﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾، أيْ ولِيُّكم وناصِرُكم وهو العَلِيمُ بِخَلْقِهِ، الحَكِيمُ فِيما فَرَضَ مِن حُكْمِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ يَعْنِي ما أسَرَّ إلى حَفْصَةَ مِن تَحْرِيمِ الجارِيَةِ عَلى نَفْسِهِ واسْتَكْتَمَها ذَلِكَ وقِيلَ: لَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ الغَيْرَةَ في وجْهِ حَفْصَةَ أرادَ أنْ يَتَرَضّاها فَأسَرَّ إلَيْها بِشَيْئَيْنِ: تَحْرِيمُ الأمَةِ عَلى نَفْسِهِ، والبِشارَةُ بِأنَّ الخِلافَةَ بَعْدَهُ في أبِي بَكْرٍ وأبِيها عُمَرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾ أيْ أخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِ حَفْصَةَ لِعائِشَةَ، فَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ حَفْصَةَ عِنْدَ ذَلِكَ بِبَعْضِ ما قالَتْ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ حَفْصَةَ: ﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ لَمْ يُخْبِرْها أنَّكِ أخْبَرْتِ عائِشَةَ عَلى وجْهِ التَّكَرُّمِ والإغْضاءِ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ذِكْرُ خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وقُرِئَ (عَرَفَ) مُخَفَّفًا أيْ جازى عَلَيْهِ مِن قَوْلِكَ لِلْمُسِيءِ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ ذَلِكَ وقَدْ عَرَفْتُ ما صَنَعْتَ، قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ (النِّساءِ: ٦٣) أيْ يُجازِيهِمْ وهو يَعْلَمُ ما في قُلُوبِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ﴾ حَفْصَةُ: ﴿مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَبِيرًا بَعْدَما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَلِيمًا لِما أنَّ في الخَبِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في العَلِيمِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: كَيْفَ يُناسِبُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (التَّحْرِيمِ: ١) ؟ نَقُولُ: يُناسِبُهُ لِما كانَ تَحْرِيمُ المَرْأةِ يَمِينًا حَتّى إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ فَهو يَمِينٌ ويَصِيرُ مُولِيًا بِذِكْرِهِ مِن بَعْدُ ويُكَفِّرُ. البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أنَّهُ كانَتْ مِنهُ يَمِينٌ، فَهَلْ كَفَّرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِذَلِكَ ؟ نَقُولُ: عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ؛ لِأنَّهُ كانَ مَغْفُورًا لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وإنَّما هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ.

التحريم 66:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ صفحة ٤٠ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِعائِشَةَ وحَفْصَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في مُعاتَبَتِهِما والتَّوْبَةِ مِنَ التَّعاوُنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالإيذاءِ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أيْ عَدَلَتْ ومالَتْ عَنِ الحَقِّ، وهو حَقُّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ حَقٌّ عَظِيمٌ يُوجَدُ فِيهِ اسْتِحْقاقُ العِتابِ بِأدْنى تَقْصِيرٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ: كانَ خَيْرًا لَكُما، والمُرادُ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلُوبُكُما﴾ التَّثْنِيَةُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اخْتِيرَ الجَمْعُ عَلى التَّثْنِيَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الجَوارِحُ اثْنانِ اثْنانِ في الإنْسانِ كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والعَيْنَيْنِ، فَلَمّا جَرى أكْثَرُهُ عَلى ذَلِكَ ذُهِبَ بِالواحِدِ مِنهُ إذا أُضِيفَ إلى اثْنَيْنِ مَذْهَبُ الِاثْنَيْنِ، وقَدْ مَرَّ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ أيْ وإنْ تَعاوَنا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالإيذاءِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ أيْ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ التَّظاهُرُ مِنكُما و(مَوْلاهُ) أيْ ولِيُّهُ وناصِرُهُ (وجِبْرِيلُ) رَأْسُ الكَرُوبِيِّينَ، قَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِهِ مُفْرِدًا لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مُوالِيَيْنِ النَّبِيَّ ﷺ عَلى مَن عاداهُ، وناصِرَيْنِ لَهُ، وهو قَوْلُ المُقاتِلِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: خِيارُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: مَن صَلَحَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ كُلُّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، وقِيلَ: مَن بَرِئَ مِنهم مِنَ النِّفاقِ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ كُلُّهم، وقِيلَ: الخُلَفاءُ وقِيلَ: الصَّحابَةُ، وصالِحُ هَهُنا يَنُوبُ عَنِ الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدَ حَضْرَةِ اللَّهِ وجِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ (ظَهِيرٌ) أيْ فَوْجٌ مَظاهِرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأعْوانٌ لَهُ وظَهِيرٌ في مَعْنى الظُّهَراءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) قالَ الفَرّاءُ: والمَلائِكَةُ بَعْدَ نُصْرَةِ هَؤُلاءِ ظَهِيرٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ جاءَ فَعِيلٌ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (المَعارِجِ: ١٠، ١١) ثُمَّ خَوَّفَ نِساءَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ﴿أنْ يُبْدِلَهُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا أنَّهُ لا يُطَلِّقُهُنَّ لَكِنْ أخْبَرَ عَنْ قُدْرَتِهِ أنَّهُ إنْ طَلَّقَهُنَّ أبْدَلَهُ خَيْرًا مِنهُنَّ تَخْوِيفًا لَهُنَّ، والأكْثَرُ في قَوْلِهِ: ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ الإظْهارُ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو إدْغامُ القافِ في الكافِ؛ لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الفَمِ، ثُمَّ وصَفَ الأزْواجَ اللّاتِي كانَ يُبْدِلُهُ فَقالَ: ﴿مُسْلِماتٍ﴾ أيْ خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ مُصَدِّقاتٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصاتٍ ﴿قانِتاتٍ﴾ طائِعاتٍ، وقِيلَ: قائِماتٍ بِاللَّيْلِ لِلصَّلاةِ، وهَذا أشْبَهُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ السّائِحاتِ بَعْدَ هَذا والسّائِحاتُ الصّائِماتُ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قِيامُ اللَّيْلِ مَعَ صِيامِ النَّهارِ، وقُرِئَ (سَيِّحاتٍ)، وهي أبْلَغُ وقِيلَ لِلصّائِمِ: سائِحٌ لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، فَلا يَزالُ مُمْسِكًا إلى أنْ يَجِدَ مَن يُطْعِمُهُ فَشُبِّهَ بِالصّائِمِ الَّذِي يُمْسِكُ إلى أنْ يَجِيءَ وقْتُ إفْطارِهِ، وقِيلَ: سائِحاتٍ: مُهاجِراتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾؛ لِأنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْضُها مِنَ الثَّيِّبِ وبَعْضُها مِنَ الأبْكارِ، فالذِّكْرُ عَلى حَسَبِ ما وقَعَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَزَوُّجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ عَلى حَسَبِ الشَّهْوَةِ والرَّغْبَةِ، بَلْ عَلى حَسَبِ ابْتِغاءِ مَرْضاتِ اللَّهِ تَعالى وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِلْمَلائِكَةِ ومُظاهَرَتِهِمْ، وقُرِئَ (تَظاهَرا) و(تَتَظاهَرا) و(تَظْهَرا) . البَحْثُ الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ المُبْدَلاتُ خَيْرًا مِنهُنَّ، ولَمْ يَكُنْ عَلى وجْهِ الأرْضِ نِساءٌ خَيْرٌ مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ؟ نَقُولُ: إذا طَلَّقَهُنَّ الرَّسُولُ لِعِصْيانِهِنَّ لَهُ، وإيذائِهِنَّ إيّاهُ لَمْ يَبْقِينَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، وكانَ غَيْرُهُنَّ مِنَ المَوْصُوفاتِ بِهَذِهِ الأوْصافِ مَعَ الطّاعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ خَيْرًا مِنهُنَّ. صفحة ٤١ البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ يُوهِمُ التَّكْرارَ، والمُسْلِماتُ والمُؤْمِناتُ عَلى السَّواءِ ؟ نَقُولُ: الإسْلامُ هو التَّصْدِيقُ بِاللِّسانِ والإيمانُ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، وقَدْ لا يَتَوافَقانِ فَقَوْلُهُ: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ تَحْقِيقٌ لِلتَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ. البَحْثُ الرّابِعُ: قالَ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ بِواوِ العَطْفِ، ولَمْ يَقُلْ: فِيما عَداهُما بِواوِ العَطْفِ، نَقُولُ: قالَ في ”الكَشّافِ“: إنَّها صِفَتانِ مُتَنافِيَتانِ، لا يَجْتَمِعْنَ فِيهِما اجْتِماعَهُنَّ في سائِرِ الصِّفاتِ. البَحْثُ الخامِسُ: ذَكَرَ الثَّيِّباتِ في مَقامِ المَدْحِ وهي مِن جُمْلَةِ ما يُقَلِّلُ رَغْبَةَ الرِّجالِ إلَيْهِنَّ. نَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنَ الثَّيِّبِ خَيْرًا بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ مِنَ الأبْكارِ عِنْدَ الرَّسُولِ لِاخْتِصاصِهِنَّ بِالمالِ والجَمالِ، أوِ النَّسَبِ، أوِ المَجْمُوعِ مَثَلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَقْدَحُ ذِكْرُ الثَّيِّبِ في المَدْحِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِثْلَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الثَّيِّبِ.

التحريم 66:5

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ صفحة ٤٠ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِعائِشَةَ وحَفْصَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في مُعاتَبَتِهِما والتَّوْبَةِ مِنَ التَّعاوُنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالإيذاءِ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أيْ عَدَلَتْ ومالَتْ عَنِ الحَقِّ، وهو حَقُّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ حَقٌّ عَظِيمٌ يُوجَدُ فِيهِ اسْتِحْقاقُ العِتابِ بِأدْنى تَقْصِيرٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ: كانَ خَيْرًا لَكُما، والمُرادُ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلُوبُكُما﴾ التَّثْنِيَةُ، قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما اخْتِيرَ الجَمْعُ عَلى التَّثْنِيَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الجَوارِحُ اثْنانِ اثْنانِ في الإنْسانِ كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والعَيْنَيْنِ، فَلَمّا جَرى أكْثَرُهُ عَلى ذَلِكَ ذُهِبَ بِالواحِدِ مِنهُ إذا أُضِيفَ إلى اثْنَيْنِ مَذْهَبُ الِاثْنَيْنِ، وقَدْ مَرَّ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ أيْ وإنْ تَعاوَنا عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالإيذاءِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ أيْ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ التَّظاهُرُ مِنكُما و(مَوْلاهُ) أيْ ولِيُّهُ وناصِرُهُ (وجِبْرِيلُ) رَأْسُ الكَرُوبِيِّينَ، قَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِهِ مُفْرِدًا لَهُ مِنَ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لَهُ وإظْهارًا لِمَكانَتِهِ ﴿وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ مُوالِيَيْنِ النَّبِيَّ ﷺ عَلى مَن عاداهُ، وناصِرَيْنِ لَهُ، وهو قَوْلُ المُقاتِلِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: خِيارُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: مَن صَلَحَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ كُلُّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، وقِيلَ: مَن بَرِئَ مِنهم مِنَ النِّفاقِ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ كُلُّهم، وقِيلَ: الخُلَفاءُ وقِيلَ: الصَّحابَةُ، وصالِحُ هَهُنا يَنُوبُ عَنِ الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدَ حَضْرَةِ اللَّهِ وجِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ (ظَهِيرٌ) أيْ فَوْجٌ مَظاهِرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأعْوانٌ لَهُ وظَهِيرٌ في مَعْنى الظُّهَراءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) قالَ الفَرّاءُ: والمَلائِكَةُ بَعْدَ نُصْرَةِ هَؤُلاءِ ظَهِيرٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ جاءَ فَعِيلٌ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (المَعارِجِ: ١٠، ١١) ثُمَّ خَوَّفَ نِساءَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ﴿أنْ يُبْدِلَهُ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا أنَّهُ لا يُطَلِّقُهُنَّ لَكِنْ أخْبَرَ عَنْ قُدْرَتِهِ أنَّهُ إنْ طَلَّقَهُنَّ أبْدَلَهُ خَيْرًا مِنهُنَّ تَخْوِيفًا لَهُنَّ، والأكْثَرُ في قَوْلِهِ: ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ الإظْهارُ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو إدْغامُ القافِ في الكافِ؛ لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ الفَمِ، ثُمَّ وصَفَ الأزْواجَ اللّاتِي كانَ يُبْدِلُهُ فَقالَ: ﴿مُسْلِماتٍ﴾ أيْ خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿مُؤْمِناتٍ﴾ مُصَدِّقاتٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصاتٍ ﴿قانِتاتٍ﴾ طائِعاتٍ، وقِيلَ: قائِماتٍ بِاللَّيْلِ لِلصَّلاةِ، وهَذا أشْبَهُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ السّائِحاتِ بَعْدَ هَذا والسّائِحاتُ الصّائِماتُ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قِيامُ اللَّيْلِ مَعَ صِيامِ النَّهارِ، وقُرِئَ (سَيِّحاتٍ)، وهي أبْلَغُ وقِيلَ لِلصّائِمِ: سائِحٌ لِأنَّ السّائِحَ لا زادَ مَعَهُ، فَلا يَزالُ مُمْسِكًا إلى أنْ يَجِدَ مَن يُطْعِمُهُ فَشُبِّهَ بِالصّائِمِ الَّذِي يُمْسِكُ إلى أنْ يَجِيءَ وقْتُ إفْطارِهِ، وقِيلَ: سائِحاتٍ: مُهاجِراتٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾؛ لِأنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْضُها مِنَ الثَّيِّبِ وبَعْضُها مِنَ الأبْكارِ، فالذِّكْرُ عَلى حَسَبِ ما وقَعَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَزَوُّجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ عَلى حَسَبِ الشَّهْوَةِ والرَّغْبَةِ، بَلْ عَلى حَسَبِ ابْتِغاءِ مَرْضاتِ اللَّهِ تَعالى وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ تَعْظِيمٌ لِلْمَلائِكَةِ ومُظاهَرَتِهِمْ، وقُرِئَ (تَظاهَرا) و(تَتَظاهَرا) و(تَظْهَرا) . البَحْثُ الثّانِي: كَيْفَ يَكُونُ المُبْدَلاتُ خَيْرًا مِنهُنَّ، ولَمْ يَكُنْ عَلى وجْهِ الأرْضِ نِساءٌ خَيْرٌ مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ؟ نَقُولُ: إذا طَلَّقَهُنَّ الرَّسُولُ لِعِصْيانِهِنَّ لَهُ، وإيذائِهِنَّ إيّاهُ لَمْ يَبْقِينَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، وكانَ غَيْرُهُنَّ مِنَ المَوْصُوفاتِ بِهَذِهِ الأوْصافِ مَعَ الطّاعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ خَيْرًا مِنهُنَّ. صفحة ٤١ البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ يُوهِمُ التَّكْرارَ، والمُسْلِماتُ والمُؤْمِناتُ عَلى السَّواءِ ؟ نَقُولُ: الإسْلامُ هو التَّصْدِيقُ بِاللِّسانِ والإيمانُ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ، وقَدْ لا يَتَوافَقانِ فَقَوْلُهُ: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ تَحْقِيقٌ لِلتَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ. البَحْثُ الرّابِعُ: قالَ تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ بِواوِ العَطْفِ، ولَمْ يَقُلْ: فِيما عَداهُما بِواوِ العَطْفِ، نَقُولُ: قالَ في ”الكَشّافِ“: إنَّها صِفَتانِ مُتَنافِيَتانِ، لا يَجْتَمِعْنَ فِيهِما اجْتِماعَهُنَّ في سائِرِ الصِّفاتِ. البَحْثُ الخامِسُ: ذَكَرَ الثَّيِّباتِ في مَقامِ المَدْحِ وهي مِن جُمْلَةِ ما يُقَلِّلُ رَغْبَةَ الرِّجالِ إلَيْهِنَّ. نَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنَ الثَّيِّبِ خَيْرًا بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ مِنَ الأبْكارِ عِنْدَ الرَّسُولِ لِاخْتِصاصِهِنَّ بِالمالِ والجَمالِ، أوِ النَّسَبِ، أوِ المَجْمُوعِ مَثَلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَقْدَحُ ذِكْرُ الثَّيِّبِ في المَدْحِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِثْلَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الثَّيِّبِ.

التحريم 66:6

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالِانْتِهاءِ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ يُؤَدِّبَ المُسْلِمُ نَفْسَهُ وأهْلَهُ، فَيَأْمُرَهم بِالخَيْرِ ويَنْهاهم عَنِ الشَّرِّ، وقالَ في ”الكَشّافِ“: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ، ﴿وأهْلِيكُمْ﴾ بِأنْ تُؤاخِذُوهم بِما تُؤاخِذُونَ بِهِ أنْفُسَكم، وقِيلَ: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ أنْفُسُكم؛ إذِ الأنْفُسُ تَأْمُرُهم بِالشَّرِّ وقُرِئَ: (وأهْلُوكم) عَطْفًا عَلى واوِ (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفاصِلِ، و﴿نارًا﴾ نَوْعًا مِنَ النّارِ لا يَتَّقِدُ إلّا بِالنّاسِ والحِجارَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ؛ لِأنَّها أشَدُّ الأشْياءِ حَرًّا إذا أُوقِدَ عَلَيْها، وقُرِئَ: (وُقُودُها) بِالضَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ يَعْنِي الزَّبانِيَةَ التِّسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانَهم ﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ في أجْرامِهِمْ غِلْظَةٌ وشِدَّةٌ أيْ جَفاءٌ وقُوَّةٌ، أوْ في أفْعالِهِمْ جَفاءٌ وخُشُونَةٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ في خَلْقِهِمْ، أوْ في أفْعالِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا أشِدّاءَ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، رُحَماءَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفَتْحِ: ٢٩) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى اشْتِدادِهِمْ لِمَكانِ الأمْرِ، لا تَأْخُذُهم رَأْفَةٌ في تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى والِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ في الآخِرَةِ بِما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وبِما يَنْهاهم عَنْهُ والعِصْيانُ مِنهم مُخالَفَةٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ لَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ العَذابِ بِالنّارِ، واشْتِدادَ المَلائِكَةِ في صفحة ٤٢ انْتِقامِ الأعْداءِ، فَقالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم: لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ؛ إذِ الِاعْتِذارُ هو التَّوْبَةُ، والتَّوْبَةُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ في النّارِ، فَلا يَنْفَعُكُمُ الِاعْتِذارُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي إنَّما أعْمالُكُمُ السَّيِّئَةُ ألْزَمَتْكُمُ العَذابَ في الحِكْمَةِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ وقالَ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٤) جَعَلَها مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، فَما مَعْنى مُخاطَبَتِهِ بِهِ المُؤْمِنِينَ ؟ نَقُولُ: الفُسّاقُ وإنْ كانَتْ دَرَكاتُهم فَوْقَ دَرَكاتِ الكُفّارِ، فَإنَّهم مَعَ الكُفّارِ في دارٍ واحِدَةٍ فَقِيلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِاجْتِنابِ الفِسْقِ ومُجاوَرَةِ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهم هَذِهِ النّارُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَهم بِالتَّوَقِّي مِنَ الِارْتِدادِ. البَحْثُ الثّانِي: كَيْفَ تَكُونُ المَلائِكَةُ غِلاظًا شِدادًا وهم مِنَ الأرْواحِ، فَنَقُولُ: الغِلْظَةُ والشِّدَّةُ بِحَسَبِ الصِّفاتِ لَمّا كانُوا مِنَ الأرْواحِ لا بِحَسَبِ الذّاتِ، وهَذا أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ مِنَ الأقْوالِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ في الذِّكْرِ فَنَقُولُ: لَيْسَ هَذا في مَعْنى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِي أنَّهم (يُؤَدُّونَ) ما يُؤْمَرُونَ بِهِ كَذا ذَكَرَهُ في ”الكَشّافِ“ .

التحريم 66:7

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالِانْتِهاءِ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ يُؤَدِّبَ المُسْلِمُ نَفْسَهُ وأهْلَهُ، فَيَأْمُرَهم بِالخَيْرِ ويَنْهاهم عَنِ الشَّرِّ، وقالَ في ”الكَشّافِ“: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ، ﴿وأهْلِيكُمْ﴾ بِأنْ تُؤاخِذُوهم بِما تُؤاخِذُونَ بِهِ أنْفُسَكم، وقِيلَ: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ أنْفُسُكم؛ إذِ الأنْفُسُ تَأْمُرُهم بِالشَّرِّ وقُرِئَ: (وأهْلُوكم) عَطْفًا عَلى واوِ (قُوا) وحَسُنَ العَطْفُ لِلْفاصِلِ، و﴿نارًا﴾ نَوْعًا مِنَ النّارِ لا يَتَّقِدُ إلّا بِالنّاسِ والحِجارَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ؛ لِأنَّها أشَدُّ الأشْياءِ حَرًّا إذا أُوقِدَ عَلَيْها، وقُرِئَ: (وُقُودُها) بِالضَّمِّ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ يَعْنِي الزَّبانِيَةَ التِّسْعَةَ عَشَرَ وأعْوانَهم ﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ في أجْرامِهِمْ غِلْظَةٌ وشِدَّةٌ أيْ جَفاءٌ وقُوَّةٌ، أوْ في أفْعالِهِمْ جَفاءٌ وخُشُونَةٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ في خَلْقِهِمْ، أوْ في أفْعالِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا أشِدّاءَ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، رُحَماءَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفَتْحِ: ٢٩) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى اشْتِدادِهِمْ لِمَكانِ الأمْرِ، لا تَأْخُذُهم رَأْفَةٌ في تَنْفِيذِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى والِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ في الآخِرَةِ بِما أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وبِما يَنْهاهم عَنْهُ والعِصْيانُ مِنهم مُخالَفَةٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ لَمّا ذَكَرَ شِدَّةَ العَذابِ بِالنّارِ، واشْتِدادَ المَلائِكَةِ في صفحة ٤٢ انْتِقامِ الأعْداءِ، فَقالَ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ أيْ يُقالُ لَهم: لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ؛ إذِ الِاعْتِذارُ هو التَّوْبَةُ، والتَّوْبَةُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ في النّارِ، فَلا يَنْفَعُكُمُ الِاعْتِذارُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي إنَّما أعْمالُكُمُ السَّيِّئَةُ ألْزَمَتْكُمُ العَذابَ في الحِكْمَةِ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ وقالَ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٤) جَعَلَها مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، فَما مَعْنى مُخاطَبَتِهِ بِهِ المُؤْمِنِينَ ؟ نَقُولُ: الفُسّاقُ وإنْ كانَتْ دَرَكاتُهم فَوْقَ دَرَكاتِ الكُفّارِ، فَإنَّهم مَعَ الكُفّارِ في دارٍ واحِدَةٍ فَقِيلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا: ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِاجْتِنابِ الفِسْقِ ومُجاوَرَةِ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهم هَذِهِ النّارُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَهم بِالتَّوَقِّي مِنَ الِارْتِدادِ. البَحْثُ الثّانِي: كَيْفَ تَكُونُ المَلائِكَةُ غِلاظًا شِدادًا وهم مِنَ الأرْواحِ، فَنَقُولُ: الغِلْظَةُ والشِّدَّةُ بِحَسَبِ الصِّفاتِ لَمّا كانُوا مِنَ الأرْواحِ لا بِحَسَبِ الذّاتِ، وهَذا أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ مِنَ الأقْوالِ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فَما الفائِدَةُ في الذِّكْرِ فَنَقُولُ: لَيْسَ هَذا في مَعْنى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ أنَّهم يَتَقَبَّلُونَ أوامِرَهُ ويَلْتَزِمُونَها ولا يُنْكِرُونَها، ومَعْنى الثّانِي أنَّهم (يُؤَدُّونَ) ما يُؤْمَرُونَ بِهِ كَذا ذَكَرَهُ في ”الكَشّافِ“ .

التحريم 66:8

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ قَوْلُهُ: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أيْ تَوْبَةً بالِغَةً في النُّصْحِ، وقالَ الفَرّاءُ: نَصُوحًا مِن صِفَةِ التَّوْبَةِ، والمَعْنى تَوْبَةً تَنْصَحُ صاحِبَها بِتَرْكِ العَوْدِ إلى ما تابَ مِنهُ، وهو أنَّها الصّادِقَةُ النّاصِحَةُ يَنْصَحُونَ بِها أنْفُسَهم، وعَنْ عاصِمٍ، (نُصُوحًا) بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ نَحْوَ العُقُودِ، يُقالُ: نَصَحْتُ لَهُ نُصْحًا ونَصاحَةً ونُصُوحًا، وقالَ في ”الكَشّافِ“: وُصِفَتِ التَّوْبَةُ بِالنُّصْحِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وهو أنْ يَتُوبُوا عَنِ القَبائِحِ نادِمِينَ عَلَيْها غايَةَ النَّدامَةِ لا يَعُودُونَ، وقِيلَ: مِن نَصاحَةِ الثَّوْبِ، أيْ خِياطَتِهِ و﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ إطْماعٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ نُصِبَ بِـ (يُدْخِلَكم)، و(لا يُخْزِي) تَعْرِيضٌ لِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ والفِسْقِ، واسْتِحْمادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ عَصَمَهم مِن مِثْلِ حالِهِمْ، ثُمَّ المُعْتَزِلَةُ تَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٤٣ ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ وقالُوا: الإخْزاءُ يَقَعُ بِالعَذابِ، فَقَدْ وعَدَ بِأنْ لا يُعَذِّبَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَوْ كانَ أصْحابُ الكَبائِرِ مِنَ الإيمانِ لَمْ نَخَفْ عَلَيْهِمُ العَذابَ، وأهْلُ السُّنَّةِ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى وعَدَ أهْلَ الإيمانِ بِأنْ لا يُخْزِيَهم، (والَّذِينَ آمَنُوا) ابْتِداءُ كَلامٍ وخَبَرُهُ (يَسْعى)، أوْ (لا يُخْزِي)، ثُمَّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ مَن يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ أيْ لا يُخْزِيهِ في رَدِّ الشَّفاعَةِ، والإخْزاءُ الفَضِيحَةُ، أيْ لا يَفْضَحُهم بَيْنَ يَدَيِ الكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَهم عَلى وجْهٍ لا يَقِفُ عَلَيْهِ الكَفَرَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ عِنْدَ المَشْيِ ﴿وبِأيْمانِهِمْ﴾ عِنْدَ الحِسابِ؛ لِأنَّهم يُؤْتَوْنَ الكِتابَ بِأيْمانِهِمْ وفِيهِ نُورٌ وخَيْرٌ، ويَسْعى النُّورُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ في مَوْضِعِ وضْعِ الأقْدامِ وبِأيْمانِهِمْ؛ لِأنَّ خَلْفَهم وشِمالَهم طَرِيقُ الكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ إطْفاءِ نُورِ المُنافِقِينَ إشْفاقًا، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ تَعالى مُتَمِّمٌ لَهم نُورَهم، ولَكِنَّهم يَدْعُونَ تَقَرُّبًا إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (مُحَمَّدٍ: ١٩) وهو مَغْفُورٌ، وقِيلَ: أدْناهم مَنزِلَةً مَن نُورُهُ بِقَدْرِ ما يُبْصِرُ مَواطِئَ قَدَمِهِ؛ لِأنَّ النُّورَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ فَيَسْألُونَ إتْمامَهُ، وقِيلَ: السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ يَمُرُّونَ مِثْلَ البَرْقِ عَلى الصِّراطِ، وبَعْضُهم كالرِّيحِ، وبَعْضُهم حَبْوًا وزَحْفًا، فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ قالَهُ في ”الكَشّافِ“، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ ذَكَرَ المُنافِقِينَ مَعَ أنَّ لَفْظَ الكُفّارِ يَتَناوَلُ المُنافِقِينَ ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ شَدِّدْ عَلَيْهِمْ، والمُجاهَدَةُ قَدْ تَكُونُ بِالقِتالِ، وقَدْ تَكُونُ بِالحُجَّةِ تارَةً بِاللِّسانِ، وتارَةً بِالسِّنانِ، وقِيلَ: جاهِدْهم بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ المُرْتَكِبُونَ الكَبائِرَ؛ لِأنَّ أصْحابَ الرَّسُولِ عُصِمُوا مِنها ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَعَلَّقَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما سَبَقَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (التَّحْرِيمِ: ٧) ؟ فَنَقُولُ: نَبَّهَهم تَعالى عَلى دَفْعِ العَذابِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالتَّوْبَةِ في هَذا اليَوْمِ؛ إذْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تُفِيدُ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ التَّنْبِيهَ عَلى الدَّفْعِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ فِيما مَضى يُفِيدُ التَّرْغِيبَ بِذِكْرِ أحْوالِهِمْ والإنْعامِ في حَقِّهِمْ وإكْرامِهِمْ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لا يُخْزِي النَّبِيَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا الَّذِينَ آمَنُوا، فَما الحاجَةُ إلى قَوْلِهِ: (مَعَهُ) ؟ فَنَقُولُ: هي إفادَةُ الِاجْتِماعِ، يَعْنِي لا يُخْزِي اللَّهُ المَجْمُوعَ الَّذِي يَسْعى نُورُهم، وهَذِهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ؛ إذِ الِاجْتِماعُ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ تَشْرِيفٌ في حَقِّهِمْ وتَعْظِيمٌ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ يُوهِمُ أنَّ الذَّنْبَ لازِمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والذَّنْبُ لا يَكُونُ لازِمًا، فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِما هو اللّازِمُ لِكُلِّ ذَنْبٍ، وهو التَّقْصِيرُ في الخِدْمَةِ، والتَّقْصِيرُ لازِمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. البَحْثُ الرّابِعُ: قالَ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (التَّحْرِيمِ: ١) ومِن بَعْدِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ خاطَبَهُ بِوَصْفِهِ وهو النَّبِيُّ لا بِاسْمِهِ كَقَوْلِهِ لِآدَمَ: يا آدَمُ، ولِمُوسى: يا مُوسى، ولِعِيسى: يا عِيسى، نَقُولُ: خاطَبَهُ بِهَذا الوَصْفِ، لِيَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، وهَذا ظاهِرٌ. البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَصِيرَهم بِئْسَ المَصِيرُ مُطْلَقًا؛ إذِ المُطْلَقُ يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، وغَيْرُ المُطْلَقِ لا يَدُلُّ لِما أنَّهُ يُطَهِّرُهم عَنِ الآثامِ.

التحريم 66:9

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ قَوْلُهُ: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أيْ تَوْبَةً بالِغَةً في النُّصْحِ، وقالَ الفَرّاءُ: نَصُوحًا مِن صِفَةِ التَّوْبَةِ، والمَعْنى تَوْبَةً تَنْصَحُ صاحِبَها بِتَرْكِ العَوْدِ إلى ما تابَ مِنهُ، وهو أنَّها الصّادِقَةُ النّاصِحَةُ يَنْصَحُونَ بِها أنْفُسَهم، وعَنْ عاصِمٍ، (نُصُوحًا) بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ نَحْوَ العُقُودِ، يُقالُ: نَصَحْتُ لَهُ نُصْحًا ونَصاحَةً ونُصُوحًا، وقالَ في ”الكَشّافِ“: وُصِفَتِ التَّوْبَةُ بِالنُّصْحِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وهو أنْ يَتُوبُوا عَنِ القَبائِحِ نادِمِينَ عَلَيْها غايَةَ النَّدامَةِ لا يَعُودُونَ، وقِيلَ: مِن نَصاحَةِ الثَّوْبِ، أيْ خِياطَتِهِ و﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ إطْماعٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ نُصِبَ بِـ (يُدْخِلَكم)، و(لا يُخْزِي) تَعْرِيضٌ لِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ والفِسْقِ، واسْتِحْمادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ عَصَمَهم مِن مِثْلِ حالِهِمْ، ثُمَّ المُعْتَزِلَةُ تَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٤٣ ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ وقالُوا: الإخْزاءُ يَقَعُ بِالعَذابِ، فَقَدْ وعَدَ بِأنْ لا يُعَذِّبَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَوْ كانَ أصْحابُ الكَبائِرِ مِنَ الإيمانِ لَمْ نَخَفْ عَلَيْهِمُ العَذابَ، وأهْلُ السُّنَّةِ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى وعَدَ أهْلَ الإيمانِ بِأنْ لا يُخْزِيَهم، (والَّذِينَ آمَنُوا) ابْتِداءُ كَلامٍ وخَبَرُهُ (يَسْعى)، أوْ (لا يُخْزِي)، ثُمَّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ مَن يَقِفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ أيْ لا يُخْزِيهِ في رَدِّ الشَّفاعَةِ، والإخْزاءُ الفَضِيحَةُ، أيْ لا يَفْضَحُهم بَيْنَ يَدَيِ الكُفّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَهم عَلى وجْهٍ لا يَقِفُ عَلَيْهِ الكَفَرَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ عِنْدَ المَشْيِ ﴿وبِأيْمانِهِمْ﴾ عِنْدَ الحِسابِ؛ لِأنَّهم يُؤْتَوْنَ الكِتابَ بِأيْمانِهِمْ وفِيهِ نُورٌ وخَيْرٌ، ويَسْعى النُّورُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ في مَوْضِعِ وضْعِ الأقْدامِ وبِأيْمانِهِمْ؛ لِأنَّ خَلْفَهم وشِمالَهم طَرِيقُ الكَفَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ إطْفاءِ نُورِ المُنافِقِينَ إشْفاقًا، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ تَعالى مُتَمِّمٌ لَهم نُورَهم، ولَكِنَّهم يَدْعُونَ تَقَرُّبًا إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (مُحَمَّدٍ: ١٩) وهو مَغْفُورٌ، وقِيلَ: أدْناهم مَنزِلَةً مَن نُورُهُ بِقَدْرِ ما يُبْصِرُ مَواطِئَ قَدَمِهِ؛ لِأنَّ النُّورَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ فَيَسْألُونَ إتْمامَهُ، وقِيلَ: السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ يَمُرُّونَ مِثْلَ البَرْقِ عَلى الصِّراطِ، وبَعْضُهم كالرِّيحِ، وبَعْضُهم حَبْوًا وزَحْفًا، فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ قالَهُ في ”الكَشّافِ“، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ ذَكَرَ المُنافِقِينَ مَعَ أنَّ لَفْظَ الكُفّارِ يَتَناوَلُ المُنافِقِينَ ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ شَدِّدْ عَلَيْهِمْ، والمُجاهَدَةُ قَدْ تَكُونُ بِالقِتالِ، وقَدْ تَكُونُ بِالحُجَّةِ تارَةً بِاللِّسانِ، وتارَةً بِالسِّنانِ، وقِيلَ: جاهِدْهم بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ المُرْتَكِبُونَ الكَبائِرَ؛ لِأنَّ أصْحابَ الرَّسُولِ عُصِمُوا مِنها ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: كَيْفَ تَعَلَّقَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما سَبَقَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (التَّحْرِيمِ: ٧) ؟ فَنَقُولُ: نَبَّهَهم تَعالى عَلى دَفْعِ العَذابِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالتَّوْبَةِ في هَذا اليَوْمِ؛ إذْ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تُفِيدُ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ التَّنْبِيهَ عَلى الدَّفْعِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ فِيما مَضى يُفِيدُ التَّرْغِيبَ بِذِكْرِ أحْوالِهِمْ والإنْعامِ في حَقِّهِمْ وإكْرامِهِمْ. البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لا يُخْزِي النَّبِيَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا الَّذِينَ آمَنُوا، فَما الحاجَةُ إلى قَوْلِهِ: (مَعَهُ) ؟ فَنَقُولُ: هي إفادَةُ الِاجْتِماعِ، يَعْنِي لا يُخْزِي اللَّهُ المَجْمُوعَ الَّذِي يَسْعى نُورُهم، وهَذِهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ؛ إذِ الِاجْتِماعُ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ تَشْرِيفٌ في حَقِّهِمْ وتَعْظِيمٌ. البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ يُوهِمُ أنَّ الذَّنْبَ لازِمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والذَّنْبُ لا يَكُونُ لازِمًا، فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِما هو اللّازِمُ لِكُلِّ ذَنْبٍ، وهو التَّقْصِيرُ في الخِدْمَةِ، والتَّقْصِيرُ لازِمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. البَحْثُ الرّابِعُ: قالَ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (التَّحْرِيمِ: ١) ومِن بَعْدِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ خاطَبَهُ بِوَصْفِهِ وهو النَّبِيُّ لا بِاسْمِهِ كَقَوْلِهِ لِآدَمَ: يا آدَمُ، ولِمُوسى: يا مُوسى، ولِعِيسى: يا عِيسى، نَقُولُ: خاطَبَهُ بِهَذا الوَصْفِ، لِيَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، وهَذا ظاهِرٌ. البَحْثُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَصِيرَهم بِئْسَ المَصِيرُ مُطْلَقًا؛ إذِ المُطْلَقُ يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، وغَيْرُ المُطْلَقِ لا يَدُلُّ لِما أنَّهُ يُطَهِّرُهم عَنِ الآثامِ.

التحريم 66:10

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ بَيَّنَ حالَهم بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ أنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعاقَبَةَ مِثْلِهِمْ مِن غَيْرِ اتِّقاءٍ ولا مُحاباةٍ، ولا يَنْفَعُهم مَعَ عَداوَتِهِمْ لَهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ القَرابَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ وإنْكارِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ، فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ، وقَطْعِ العَلائِقِ، وجَعَلَ الأقارِبَ مِن جُمْلَةِ الأجانِبِ بَلْ أبْعَدَ مِنهم وإنْ كانَ المُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الكافِرُ نَبِيًّا كَحالِ امْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ لَمّا خانَتاهُما لَمْ يُغْنِ هَذانِ الرَّسُولانِ، وقِيلَ لَهُما في اليَوْمِ الآخِرِ: ادْخُلا النّارَ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُسْلِمِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكافِرِينَ لا تَضُرُّهم كَحالِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَنزِلَتِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ كَوْنِها زَوْجَةَ ظالِمٍ مِن أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، ومَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كَفّارًا، وفي ضِمْنِ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ، وهُما حَفْصَةُ وعائِشَةُ لِما فَرَطَ مِنهُما وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشُدِّهِ لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ، وضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ في امْرَأةِ فِرْعَوْنَ آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ، وقِيلَ: هي عَمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ آمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَصاهُ، وتَلَقُّفِ العَصا، فَعَذَّبَها فِرْعَوْنُ عَذابًا شَدِيدًا بِسَبَبِ الإيمانِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ وتَدَها بِأرْبَعَةِ أوْتادٍ، واسْتَقْبَلَ بِها الشَّمْسَ، وألْقى عَلَيْها صَخْرَةً عَظِيمَةً، فَقالَتْ: رَبِّ نَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ، فَرَقى بِرُوحِها إلى الجَنَّةِ، فَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلى جَسَدٍ لا رُوحَ فِيهِ، قالَ الحَسَنُ: رَفَعَها إلى الجَنَّةِ تَأْكُلُ فِيها وتَشْرَبُ، وقِيلَ: لَمّا قالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ رَأتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ يُبْنى لِأجْلِها، وهو مِن دُرَّةٍ واحِدَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ كَيْفَ هو وما هو ؟ وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عِبادِنا﴾ ؟ نَقُولُ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْظِيمًا لَهم كَما مَرَّ. الثّانِي: إظْهارًا لِلْعَبْدِ بِأنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ عَلى الآخَرِ عِنْدَهُ إلّا بِالصَّلاحِ. البَحْثُ الثّانِي: ما كانَتْ خِيانَتُهُما ؟ نَقُولُ: نِفاقُهُما وإخْفاؤُهُما الكُفْرَ، وتَظاهُرُهُما عَلى الرَّسُولَيْنِ، فامْرَأةُ نُوحٍ قالَتْ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ لَمَجْنُونٌ، وامْرَأةُ لُوطٍ كانَتْ تُدِلُّ عَلى نُزُولِ ضَيْفِ إبْراهِيمَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خِيانَتُهُما بِالفُجُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ“، وقِيلَ: خِيانَتُهُما في الدِّينِ. البَحْثُ الثّالِثُ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ (عِنْدَكَ) و(في الجَنَّةِ) ؟ نَقُولُ: طَلَبَتِ القُرْبَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ثُمَّ بَيَّنَتْ مَكانَ القُرْبِ بِقَوْلِها: (في الجَنَّةِ) أوْ أرادَتِ ارْتِفاعَ دَرَجَتِها في جَنَّةِ المَأْوى الَّتِي هي أقْرَبُ إلى العَرْشِ. صفحة ٤٥

التحريم 66:11

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ أيْ بَيَّنَ حالَهم بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ أنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعاقَبَةَ مِثْلِهِمْ مِن غَيْرِ اتِّقاءٍ ولا مُحاباةٍ، ولا يَنْفَعُهم مَعَ عَداوَتِهِمْ لَهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ القَرابَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّهِمْ وإنْكارِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ، فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ، وقَطْعِ العَلائِقِ، وجَعَلَ الأقارِبَ مِن جُمْلَةِ الأجانِبِ بَلْ أبْعَدَ مِنهم وإنْ كانَ المُؤْمِنُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الكافِرُ نَبِيًّا كَحالِ امْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ لَمّا خانَتاهُما لَمْ يُغْنِ هَذانِ الرَّسُولانِ، وقِيلَ لَهُما في اليَوْمِ الآخِرِ: ادْخُلا النّارَ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ المُسْلِمِينَ في أنَّ وصْلَةَ الكافِرِينَ لا تَضُرُّهم كَحالِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَنزِلَتِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ كَوْنِها زَوْجَةَ ظالِمٍ مِن أعْداءِ اللَّهِ تَعالى، ومَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ مَعَ أنَّ قَوْمَها كانُوا كَفّارًا، وفي ضِمْنِ هَذَيْنِ التَّمْثِيلَيْنِ تَعْرِيضٌ بِأُمَّيِ المُؤْمِنِينَ، وهُما حَفْصَةُ وعائِشَةُ لِما فَرَطَ مِنهُما وتَحْذِيرٌ لَهُما عَلى أغْلَظِ وجْهٍ وأشُدِّهِ لِما في التَّمْثِيلِ مِن ذِكْرِ الكُفْرِ، وضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ في امْرَأةِ فِرْعَوْنَ آسِيَةَ بِنْتِ مُزاحِمٍ، وقِيلَ: هي عَمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ آمَنَتْ حِينَ سَمِعَتْ قِصَّةَ إلْقاءِ مُوسى عَصاهُ، وتَلَقُّفِ العَصا، فَعَذَّبَها فِرْعَوْنُ عَذابًا شَدِيدًا بِسَبَبِ الإيمانِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ وتَدَها بِأرْبَعَةِ أوْتادٍ، واسْتَقْبَلَ بِها الشَّمْسَ، وألْقى عَلَيْها صَخْرَةً عَظِيمَةً، فَقالَتْ: رَبِّ نَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ، فَرَقى بِرُوحِها إلى الجَنَّةِ، فَأُلْقِيَتِ الصَّخْرَةُ عَلى جَسَدٍ لا رُوحَ فِيهِ، قالَ الحَسَنُ: رَفَعَها إلى الجَنَّةِ تَأْكُلُ فِيها وتَشْرَبُ، وقِيلَ: لَمّا قالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ رَأتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ يُبْنى لِأجْلِها، وهو مِن دُرَّةٍ واحِدَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ كَيْفَ هو وما هو ؟ وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عِبادِنا﴾ ؟ نَقُولُ: هو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْظِيمًا لَهم كَما مَرَّ. الثّانِي: إظْهارًا لِلْعَبْدِ بِأنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ عَلى الآخَرِ عِنْدَهُ إلّا بِالصَّلاحِ. البَحْثُ الثّانِي: ما كانَتْ خِيانَتُهُما ؟ نَقُولُ: نِفاقُهُما وإخْفاؤُهُما الكُفْرَ، وتَظاهُرُهُما عَلى الرَّسُولَيْنِ، فامْرَأةُ نُوحٍ قالَتْ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ لَمَجْنُونٌ، وامْرَأةُ لُوطٍ كانَتْ تُدِلُّ عَلى نُزُولِ ضَيْفِ إبْراهِيمَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خِيانَتُهُما بِالفُجُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ“، وقِيلَ: خِيانَتُهُما في الدِّينِ. البَحْثُ الثّالِثُ: ما مَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ (عِنْدَكَ) و(في الجَنَّةِ) ؟ نَقُولُ: طَلَبَتِ القُرْبَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ثُمَّ بَيَّنَتْ مَكانَ القُرْبِ بِقَوْلِها: (في الجَنَّةِ) أوْ أرادَتِ ارْتِفاعَ دَرَجَتِها في جَنَّةِ المَأْوى الَّتِي هي أقْرَبُ إلى العَرْشِ. صفحة ٤٥

التحريم 66:12

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ أحْصَنَتْ أيْ عَنِ الفَواحِشِ؛ لِأنَّها قُذِفَتْ بِالزِّنا. والفَرْجُ حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَفَخَ جِبْرِيلُ في جَيْبِ الدِّرْعِ ومَدَّهُ بِأُصْبُعَيْهِ ونَفَخَ فِيهِ، وكُلُّ ما في الدِّرْعِ مِن خَرْقٍ ونَحْوِهِ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الفَرْجِ، وقِيلَ: (أحْصَنَتْ) تَكَلَّفَتْ في عِفَّتِها، والمُحْصَنَةُ العَفِيفَةُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ أيْ فَرْجِ ثَوْبِها، وقِيلَ: خَلَقْنا فِيهِ ما يَظْهَرُ بِهِ الحَياةُ في الأبْدانِ. وقَوْلُهُ: (فِيهِ) أيْ في عِيسى، ومَن قَرَأ (فِيها) أيْ في نَفْسِ عِيسى والنَّفْثُ مُؤَنَّثٌ، وأمّا التَّشْبِيهُ بِالنَّفْخِ فَذَلِكَ أنَّ الرُّوحَ إذا خُلِقَ فِيهِ انْتَشَرَ في تَمامِ الجَسَدِ كالرِّيحِ إذا نُفِخَتْ في شَيْءٍ، وقِيلَ: بِالنَّفْخِ لِسُرْعَةِ دُخُولِهِ فِيهِ نَحْوَ الرِّيحِ. ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِعِيسى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ الحَسَنِ (بِكَلِمَةِ رَبِّها) وسُمِّيَ عِيسى كَلِمَةَ اللَّهِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ. وجُمِعَتْ تِلْكَ الكَلِمَةُ هُنا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الكَلِماتُ الشَّرائِعُ الَّتِي شَرَعَ لَها دُونَ القَوْلِ، فَكَأنَّ المَعْنى صَدَّقَتِ الشَّرائِعَ وأخَذَتْ بِها وصَدَّقَتِ الكُتُبَ فَلَمْ تُكَذِّبْ، والشَّرائِعُ سُمِّيَتْ بِكَلِماتٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ (البَقَرَةِ: ١٢٤) . وقَوْلُهُ تَعالى: (صَدَّقَتْ) قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ عَلى أنَّها جَعَلَتِ الكَلِماتِ والكُتُبَ صادِقَةً يَعْنِي وصَفَتْها بِالصِّدْقِ، وهو مَعْنى التَّصْدِيقِ بِعَيْنِهِ، وقُرِئَ (كَلِمَةِ) و(كَلِماتِ)، و(كُتُبِهِ) و(كِتابِهِ)، والمُرادُ بِالكِتابِ هو الكَثْرَةُ والشِّياعُ أيْضًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ الطّائِعِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ عَطاءٌ: مِنَ المُصَلِّينَ، وفي الآيَةِ مَباحِثُ: البَحْثُ الأوَّلُ: ما كَلِماتُ اللَّهِ وكُتُبُهُ ؟ نَقُولُ: المُرادُ بِكَلِماتِ اللَّهِ الصُّحُفُ المُنَزَّلَةُ عَلى إدْرِيسَ وغَيْرِهِ، وبِكُتُبِهِ الكُتُبُ الأرْبَعَةُ، وأنْ يُرادَ جَمِيعُ ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مَلائِكَتَهُ وما كَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وغَيْرِهِ، وقُرِئَ: (بِكَلِمَةِ اللَّهِ وكِتابِهِ) أيْ بِعِيسى وكِتابِهِ وهو الإنْجِيلُ، فَإنْ قِيلَ: ﴿مِنَ القانِتِينَ﴾ عَلى التَّذْكِيرِ، نَقُولُ: لِأنَّ القُنُوتَ صِفَةٌ تَشْمَلُ مَن قَنَتَ مِنَ القَبِيلَيْنِ، فَغَلَبَ ذُكُورُهُ عَلى إناثِهِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، قالَهُ في ”الكَشّافِ“، وقِيلَ: مِنَ القانِتِينَ؛ لِأنَّ المُرادَ هو القَوْمُ، وأنَّهُ عامٌّ، كَـ ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٣) أيْ كُونِي مِنَ المُقِيمِينَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ ولِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وأمّا ضَرْبُ المَثَلِ بِامْرَأةِ نُوحٍ المُسَمّاةِ بِواعِلَةَ، وامْرَأةِ لُوطٍ المُسَمّاةِ بِواهِلَةَ، فَمُشْتَمِلٌ عَلى فَوائِدَ مُتَعَدِّدَةٍ لا يَعْرِفُها بِتَمامِها إلّا اللَّهُ تَعالى، مِنها التَّنْبِيهُ لِلرِّجالِ والنِّساءِ عَلى الثَّوابِ العَظِيمِ، والعَذابِ الألِيمِ، ومِنها العِلْمُ بِأنَّ صَلاحَ الغَيْرِ لا يَنْفَعُ المُفْسِدَ، وفَسادُ الغَيْرِ لا يَضُرُّ المُصْلِحَ، ومِنها أنَّ الرَّجُلَ وإنْ كانَ في غايَةِ الصَّلاحِ فَلا يَأْمَنُ المَرْأةَ، ولا يَأْمَنُ نَفْسَهُ، كالصّادِرِ مِنِ امْرَأتَيْ نُوحٍ ولُوطٍ، ومِنها العِلْمُ بِأنَّ إحْصانَ المَرْأةِ وعِفَّتَها مُفِيدَةٌ غايَةَ الإفادَةِ، كَما أفادَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٤٢) ومِنها التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ التَّضَرُّعَ بِالصِّدْقِ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى وسِيلَةٌ إلى الخَلاصِ مِنَ العِقابِ، وإلى الثَّوابِ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأنَّ الرُّجُوعَ إلى الحَضْرَةِ الأزَلِيَّةِ لازِمٌ في كُلِّ بابٍ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وعَلَتْ كَلِمَتُهُ، لا إلَهَ إلّا هو وإلَيْهِ المَصِيرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الملك 67:1

صفحة ٤٦ (سُورَةُ المُلْكِ) ثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سُورَةُ المُلْكِ) وتُسَمّى المُنْجِيَةُ؛ لِأنَّها تُنْجِي قارِئَها مِن عَذابِ القَبْرِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُسَمِّيها المُجادِلَةَ؛ لِأنَّها تُجادِلُ عَنْ قارِئِها في القَبْرِ، وهي ثَلاثُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ. ﷽ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ﴾ فَقَدْ فَسَّرْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ الفُرْقانِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إنَّما تُسْتَعْمَلُ لِتَأْكِيدِ كَوْنِهِ تَعالى مَلِكًا ومالِكًا، كَما يُقالُ: بِيَدِ فُلانٍ الأمْرُ والنَّهْيُ والحَلُّ والعَقْدُ ولا مَدْخَلَ لِلْجارِحَةِ في ذَلِكَ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: بِيَدِهِ المُلْكُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، وهو عَلى كُلِّ ما لَمْ يُوجَدْ مِنَ المُمْكَناتِ قَدِيرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ احْتَجَّ بِها مَن زَعَمَ أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ، فَقالَ: قَوْلُهُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ مَقْدُورِهِ شَيْئًا، فَذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي هو مَقْدُورُ اللَّهِ تَعالى، إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أوْ مَعْدُومًا، لا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، لِأنَّهُ لَوْ كانَ قادِرًا عَلى المَوْجُودِ، لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيجادِهِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ إيجادَ المَوْجُودِ مُحالٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعْدامِهِ وهو مُحالٌ، لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ الإعْدامِ بِالفاعِلِ، وذَلِكَ لِأنَّ القُدْرَةَ صِفَةٌ مُؤَثِّرَةٌ فَلا بُدَّ لَها مِن تَأْثِيرٍ، والعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ، فَيَسْتَحِيلُ جَعْلُ العَدَمِ أثَرَ القُدْرَةِ، فَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الإعْدامِ بِالفاعِلِ فَثَبَتَ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي هو مَقْدُورُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْدُومًا، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَعْدُومُ شَيْئًا، واحْتَجَّ أصْحابُنا النّافُونَ لِكَوْنِ المَعْدُومِ شَيْئًا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: لا شَكَّ أنَّ الجَوْهَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ جَوْهَرٌ شَيْءٌ، والسَّوادَ مِن حَيْثُ هو سَوادٌ شَيْءٌ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. فَبِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الجَوْهَرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ جَوْهَرٌ، وعَلى السَّوادِ مِن حَيْثُ هو سَوادٌ، وإذا كانَ صفحة ٤٧ كَذَلِكَ كانَ كَوْنُ الجَوْهَرِ جَوْهَرًا، والسَّوادِ سَوادًا واقِعًا بِالفاعِلِ، والفاعِلُ المُخْتارُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى فِعْلِهِ، فَإذًا وُجُودُ اللَّهِ وذاتِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلى كَوْنِ الجَوْهَرِ جَوْهَرًا، أوِ السَّوادِ سَوادًا، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ المَعْدُومُ شَيْئًا وهو المَطْلُوبُ، ثُمَّ أجابُوا عَنْ شُبْهَةِ الخَصْمِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الإعْدامَ لا يَقَعُ بِالفاعِلِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المَقْدُورُ الَّذِي هو مَعْدُومٌ سُمِّيَ شَيْئًا؛ لِأجْلِ أنَّهُ سَيَصِيرُ شَيْئًا ؟ وهَذا وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِقِيامِ سائِرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: زَعَمَ القاضِي أبُو بَكْرٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ أنَّ إعْدامَ الأجْسامِ إنَّما يَقَعُ بِالفاعِلِ، وهَذا اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ الخَيّاطِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومَحْمُودٍ الخَوارِزْمِيِّ، وزَعَمَ الجُمْهُورُ مِنّا ومِنَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ الإعْدامِ بِالفاعِلِ، احْتَجَّ القاضِي بِأنَّ المَوْجُوداتِ أشْياءُ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو إذًا قادِرٌ عَلى المَوْجُوداتِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيجادِها وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ إيجادَ المَوْجُودِ مُحالٌ، أوْ عَلى إعْدامِها، وذَلِكَ يَقْتَضِي إمْكانَ وُقُوعِ الإعْدامِ بِالفاعِلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ الكَعْبِيُّ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى مِثْلِ مَقْدُورِ العَبْدِ، وزَعَمَ أبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ قادِرٍ عَلى مَقْدُورِ العَبْدِ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى مِثْلِ مَقْدُورِ العَبْدِ وعَلى غَيْرِ مَقْدُورِهِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ عَيْنَ مَقْدُورِ العَبْدِ ومِثْلَ مَقْدُورِهِ شَيْءٌ، واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَثَبَتَ بِهَذا صِحَّةُ وُجُودِ مَقْدُورٍ واحِدٍ بَيْنَ قادِرَيْنِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: زَعَمَ أصْحابُنا أنَّهُ لا مُؤَثِّرَ إلّا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى، وأبْطَلُوا القَوْلَ بِالطَّبائِعِ عَلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ، وأبْطَلُوا القَوْلَ بِالمُتَوَلِّداتِ عَلى ما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، وأبْطَلُوا القَوْلَ بِكَوْنِ العَبْدِ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ، واحْتَجُّوا عَلى الكُلِّ بِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَوْ وقَعَ شَيْءٌ مِنَ المُمْكِناتِ لا بِقُدْرَةِ اللَّهِ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ، لَكانَ ذَلِكَ الآخَرُ قَدْ مَنَعَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَنِ التَّأْثِيرِ فِيما كانَ مَقْدُورًا لَهُ وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ مُمْكِنٌ مُحْدَثٌ، فَيَكُونُ أضْعَفَ قُوَّةً مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، والأضْعَفُ لا يُمْكِنُ أنْ يَدْفَعَ الأقْوى. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإلَهَ تَعالى واحِدٌ؛ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا إلَهًا ثانِيًا، فَإمّا أنْ يَقْدِرَ عَلى إيجادِ شَيْءٍ أوْ لا يَقْدِرَ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ ألْبَتَّةَ عَلى إيجادِ شَيْءٍ أصْلًا لَمْ يَكُنْ إلَهًا، وإنْ قَدَرَ كانَ مَقْدُورُ ذَلِكَ الإلَهِ الثّانِي شَيْئًا، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لِلْإلَهِ الأوَّلِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ مَخْلُوقٍ بَيْنَ خالِقَيْنِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ واحِدٌ مِنهُما مُسْتَقِلًّا بِالإيجادِ، يَلْزَمُ أنْ يَسْتَغْنِيَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِما، وغَنِيًّا عَنْهُما، وذَلِكَ مُحالٌ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ جَهْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقالَ: لَوْ كانَ شَيْئًا لَكانَ قادِرًا عَلى نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لَكِنَّ كَوْنَهُ قادِرًا عَلى نَفْسِهِ مُحالٌ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ شَيْئًا، وقالَ أصْحابُنا: لَمّا دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ (الأنْعامِ: ١٩) عَلى أنَّهُ تَعالى شَيْءٌ وجَبَ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ، فَإذًا هَذِهِ الآيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العامَّ المَخْصُوصَ وارِدٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ودَلَّتْ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العامِّ بِدَلِيلِ العَقْلِ جائِزٌ بَلْ واقِعٌ. المَسْألَةُ السّابِعَةُ: زَعَمَ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ الكَذِبِ والجَهْلِ والعَبَثِ والظُّلْمِ، صفحة ٤٨ وزَعَمَ النَّظّامُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِأنَّ الجَهْلَ والكَذِبَ أشْياءُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلَيْها. المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّوْحِيدِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، فَإنَّهُ تَعالى لَوْ حَصَلَ في حَيِّزٍ دُونَ حَيِّزٍ لَكانَ ذَلِكَ الحَيِّزُ الَّذِي حَكَمَ بِحُصُولِهِ فِيهِ مُتَمَيِّزًا عَنِ الحَيِّزِ الَّذِي حَكَمَ بِأنَّهُ غَيْرُ حاصِلٍ فِيهِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْ أحَدُ الحَيِّزَيْنِ عَنِ الآخَرِ لاسْتَحالَ الحُكْمُ بِأنَّهُ تَعالى حَصَلَ فِيهِ ولَمْ يَحْصُلْ في الآخَرِ، ثُمَّ إنَّ امْتِيازَ أحَدِ الحَيِّزَيْنِ عَنِ الآخَرِ في نَفْسِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الحَيِّزِ أمْرًا مَوْجُودًا؛ لِأنَّ العَدَمَ المَحْضَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُشارًا إلَيْهِ بِالحِسِّ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مُتَمَيِّزًا عَنِ البَعْضِ في الحِسِّ، وأنْ يَكُونَ مَقْصِدًا لِلْمُتَحَرِّكِ، فَإذَنْ لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى حاصِلًا في حَيِّزٍ لَكانَ ذَلِكَ الحَيِّزُ مَوْجُودًا، ولَوْ كانَ ذَلِكَ الحَيِّزُ مَوْجُودًا لَكانَ شَيْئًا ولَكانَ مَقْدُورًا لِلَّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وإذا كانَ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الحَيِّزِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وبِإيجادِهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَقَدِّمًا في الوُجُودِ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ الحَيِّزِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ كانَ وُجُودُ اللَّهِ في الأزَلِ مُحَقَّقًا مِن غَيْرِ حَيِّزٍ ولَهُ جِهَةٌ أصْلًا، والأزَلِيُّ لا يَزُولُ ألْبَتَّةَ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَيِّزِ والمَكانِ أزَلًا وأبَدًا. المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بِيَدِهِ المُلْكُ لَوْ ثَبَتَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهَذا هو الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا مِن أنَّهُ لَوْ وقَعَ مُرادُ العَبْدِ ولا يَقَعُ مُرادُ اللَّهِ، لَكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِالعَجْزِ والضَّعْفِ، وبِأنْ لا يَكُونَ مالِكَ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ مالِكَ المُلْكِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ. المَسْألَةُ العاشِرَةُ: القَدِيرُ مُبالَغَةٌ في القادِرِ، فَلَمّا كانَ قَدِيرًا عَلى كُلِّ الأشْياءِ وجَبَ أنْ لا يَمْنَعَهُ ألْبَتَّةَ مانِعٌ عَنْ إيجادِ شَيْءٍ مِن مَقْدُوراتِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَجِبَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وإلّا لَكانَ ذَلِكَ الوُجُوبُ مانِعًا لَهُ مِنَ التَّرْكِ وأنْ لا يَقْبُحَ مِنهُ شَيْءٌ وإلّا لَكانَ ذَلِكَ القُبْحُ مانِعًا لَهُ مِنَ الفِعْلِ، فَلا يَكُونُ كامِلًا في القُدْرَةِ، فَلا يَكُونُ قَدِيرًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

الملك 67:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: لْمَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: الحَياةُ هي الصِّفَةُ الَّتِي يَكُونُ المَوْصُوفُ بِها بِحَيْثُ يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ، واخْتَلَفُوا في المَوْتِ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ مُضادَّةٌ لِلْحَياةِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ﴾ والعَدَمُ لا يَكُونُ مَخْلُوقًا، هَذا هو التَّحْقِيقُ، ورَوى الكَلْبِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ، ولا يَجِدُ رائِحَتَهُ شَيْءٌ إلّا ماتَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فارِسٍ يَلْقاهُ فَوْقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ ولا يَجِدُ رِيحَتَها شَيْءٌ إلّا حَيِيَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَقُولًا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ والتَّصْوِيرِ، وإلّا فالتَّحْقِيقُ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ المَوْتِ عَلى ذِكْرِ الحَياةِ مَعَ أنَّ الحَياةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى المَوْتِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالمَوْتِ نُطْفَةً وعَلَقَةً ومُضْغَةً والحَياةُ نَفْخُ الرُّوحِ. وثانِيها: رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ صفحة ٤٩ المَوْتَ في الدُّنْيا، والحَياةَ في الآخِرَةِ دارِ الحَيَوانِ. وثالِثُها: أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أنَّ مُنادِيًا يُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ؟ قالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ يُؤْتى بِالمَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ ويُذْبَحُ، ثُمَّ يُنادى: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إلى فَرَحٍ، ويَزْدادُ أهْلُ النّارِ حُزْنًا إلى حُزْنٍ» “ . واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ المَوْتَ عَرَضٌ مِنَ الأعْراضِ كالسُّكُونِ والحَرَكَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ كَبْشًا بَلِ المُرادُ مِنهُ التَّمْثِيلُ لِيُعْلَمَ أنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ قَدِ انْقَضى أمْرُ المَوْتِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ أيّامَ المَوْتِ هي أيّامُ الدُّنْيا وهي مُنْقَضِيَةٌ، وأمّا أيّامُ الآخِرَةِ فَهي أيّامُ الحَياةِ وهي مُتَأخِّرَةٌ؛ فَلَمّا كانَتْ أيّامُ المَوْتِ مُتَقَدِّمَةً عَلى أيّامِ الحَياةِ لا جَرَمَ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ المَوْتِ عَلى ذِكْرِ الحَياةِ. ورابِعُها: إنَّما قَدَّمَ المَوْتَ عَلى الحَياةِ؛ لِأنَّ أقْوى النّاسِ داعِيًا إلى العَمَلِ مَن نَصَبَ مَوْتَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقُدِّمَ لِأنَّهُ فِيما يَرْجِعُ إلى الغَرَضِ لَهُ أهَمُّ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَياةَ هي الأصْلُ في النِّعَمِ ولَوْلاها لَمْ يَتَنَعَّمْ أحَدٌ في الدُّنْيا وهي الأصْلُ أيْضًا في نِعَمِ الآخِرَةِ ولَوْلاها لَمْ يَثْبُتِ الثَّوابُ الدّائِمُ، والمَوْتُ أيْضًا نِعْمَةٌ عَلى ما شَرَحْنا الحالَ فِيهِ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ، وكَيْفَ لا وهو الفاصِلُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ وحالِ المُجازاةِ وهو نِعْمَةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أكْثِرُوا مِن ذِكْرِ هاذِمِ اللَّذّاتِ» “ وقالَ لِقَوْمٍ: ”«لَوْ أكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذّاتِ لَشَغَلَكم عَمّا أرى» “ «وسَألَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ رَجُلٍ فَأثْنَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ: ”كَيْفَ ذِكْرُهُ المَوْتَ ؟ قالُوا: قَلِيلٌ، قالَ: فَلَيْسَ كَما تَقُولُونَ» “ . * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الِابْتِلاءُ هو التَّجْرِبَةُ والِامْتِحانُ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ هَلْ يُطِيعُ أوْ يَعْصِي، وذَلِكَ في حَقِّ مَن وجَبَ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ أزَلًا وأبَدًا مُحالٌ، إلّا أنّا قَدْ حَقَّقْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ (البَقَرَةِ: ١٢٤) والحاصِلُ أنَّ الِابْتِلاءَ مِنَ اللَّهِ هو أنْ يُعامِلَ عَبْدَهُ مُعامَلَةً تُشْبِهُ (الِابْتِلاءَ) عَلى المُخْتَبَرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ الفِعْلَ لِغَرَضٍ بِقَوْلِهِ: (لِيَبْلُوَكم) قالُوا: هَذِهِ اللّامُ لِلْغَرَضِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذّارِياتِ: ٥٦) وجَوابُهُ أنَّ الفِعْلَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِابْتِلاءٍ إلّا أنَّهُ لَمّا أشْبَهَ الِابْتِلاءَ سُمِّيَ مَجازًا، فَكَذا هَهُنا، فَإنَّهُ يُشْبِهُ الغَرَضَ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ غَرَضًا، فَذَكَرَ فِيهِ حَرْفَ الغَرَضِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنّا فَسَّرْنا المَوْتَ والحَياةَ بِالمَوْتِ حالَ كَوْنِهِ نُطْفَةً وعَلَقَةً ومُضْغَةً، والحَياةُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَوَجْهُ الِابْتِلاءِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي نَقَلَهُ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ، وكَما فَعَلَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يَنْقُلَهُ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ فَيَحْذَرُ مَجِيءَ المَوْتِ الَّذِي بِهِ يَنْقَطِعُ اسْتِدْراكُ ما فاتَ ويَسْتَوِي فِيهِ الفَقِيرُ والغَنِيُّ والمَوْلى والعَبْدُ، وأمّا إنْ فَسَّرْناهُما بِالمَوْتِ في الدُّنْيا وبِالحَياةِ في القِيامَةِ فالِابْتِلاءُ فِيهِما أتَمُّ؛ لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَوْتِ في الدُّنْيا حاصِلٌ، وأشَدُّ مِنهُ الخَوْفُ مِن تَبِعاتِ الحَياةِ في القِيامَةِ، والمُرادُ مِنَ الِابْتِلاءِ أنَّهُ هَلْ يَنْزَجِرُ عَنِ القَبائِحِ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ أمْ لا ؟ صفحة ٥٠ المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: (لِيَبْلُوَكم) بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ: إنَّ المُتَعَلِّقَ بِـ”أيُّكُمْ“ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: لِيَبْلُوَكم فَيَعْلَمَ أوْ فَيَنْظُرَ أيَّكم أحْسَنَ عَمَلًا. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ارْتَفَعَتْ (أيُّ) بِالِابْتِداءِ، ولا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها؛ لِأنَّها عَلى أصْلِ الِاسْتِفْهامِ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: لا أعْلَمُ أيُّكم أفْضَلُ كانَ المَعْنى لا أعْلَمُ أزَيْدٌ أفْضَلُ أمْ عَمْرٌو. واعْلَمْ أنَّ ما لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الألِفِ فَكَذَلِكَ لا يَعْمَلُ في (أيٍّ)؛ لِأنَّ المَعْنى واحِدٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ (القَلَمِ: ٤٠) وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ﴿أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ أخْلَصَ الأعْمالِ وأصْوَبَها؛ لِأنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا غَيْرَ صَوابٍ لَمْ يُقْبَلْ، وكَذَلِكَ إذا كانَ صَوابًا غَيْرَ خالِصٍ، فالخالِصُ أنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ، والصَّوابُ أنْ يَكُونَ عَلى السُّنَّةِ. وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”يَقُولُ أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا“ ثُمَّ قالَ: أتَمُّكم عَقْلًا أشَدُّكم لِلَّهِ خَوْفًا وأحْسَنُكم فِيما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ نَظَرًا»، وإنَّما جازَ أنْ يُفَسَّرَ حُسْنُ العَمَلِ بِتَمامِ العَقْلِ؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى العَقْلِ، فَمَن كانَ أتَمَّ عَقْلًا كانَ أحْسَنَ عَمَلًا عَلى ما ذُكِرَ في حَدِيثِ قَتادَةَ. وثالِثُها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: أيُّكم أزْهَدُ في الدُّنْيا وأشَدُّ تَرْكًا لَها، واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حَدِيثَ الِابْتِلاءِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ أيْ وهو العَزِيزُ الغالِبُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ مَن أساءَ العَمَلَ، الغَفُورُ لِمَن تابَ مِن أهْلِ الإساءَةِ. واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا غَفُورًا لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، أمّا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ، فَلِأجْلِ أنْ يَتَمَكَّنَ مِن إيصالِ جَزاءِ كُلِّ أحَدٍ بِتَمامِهِ إلَيْهِ سَواءٌ كانَ عِقابًا أوْ ثَوابًا، وأمّا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ العِلْمِ التّامِّ فَلِأجْلِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ المُطِيعَ مَن هو والعاصِيَ مَن هو، فَلا يَقَعُ الخَطَأُ في إيصالِ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّهِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا غَفُورًا لا يُمْكِنُ ثُبُوتُها إلّا بَعْدَ ثُبُوتِ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ التّامِّ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ الدَّلِيلَ عَلى ثُبُوتِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في هَذا المَقامِ، ولَمّا كانَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا مُتَقَدِّمًا عَلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ عالِمًا، لا جَرَمَ ذَكَرَ أوَّلًا دَلائِلَ القُدْرَةِ، وثانِيًا دَلائِلَ العِلْمِ.

الملك 67:3

أمّا دَلِيلُ القُدْرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في (طِباقًا) ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أوَّلُها: طِباقًا أيْ مُطابَقَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مِن طابَقَ النَّعْلَ إذا خَصَفَها طَبَقًا عَلى طَبَقٍ، وهَذا وصْفٌ بِالمَصْدَرِ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذاتَ طِباقٍ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: طُوبِقَتْ طِباقًا. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلالَةُ هَذِهِ السَّماواتِ عَلى القُدْرَةِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: مِن حَيْثُ إنَّها بَقِيَتْ في جَوِّ الهَواءِ مُعَلَّقَةً بِلا عِمادٍ ولا سِلْسِلَةٍ. وثانِيها: مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها اخْتُصَّ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ ما هو أزْيَدُ مِنهُ وأنْقَصُ. وثالِثُها: أنَّهُ اخْتَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها بِحَرَكَةٍ خاصَّةٍ مُقَدَّرَةٍ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنَ السُّرْعَةِ والبُطْءِ إلى جِهَةٍ صفحة ٥١ مُعَيَّنَةٍ. ورابِعُها: كَوْنُها في ذَواتِها مُحْدَثَةً، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اسْتِنادِها إلى قادِرٍ تامِّ القُدْرَةِ. وأمّا دَلِيلُ العِلْمِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (مِن تَفَوُّتٍ) والباقُونَ ﴿مِن تَفاوُتٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ مِثْلُ تَظَهُّرٍ وتَظاهُرٍ، وتَعَهُّدٍ وتَعاهُدٍ، وقالَ الأخْفَشُ: ﴿تَفاوُتٍ﴾ أجْوَدُ لِأنَّهم يَقُولُونَ: تَفاوَتَ الأمْرُ ولا يَكادُونَ يَقُولُونَ: تَفَوَّتَ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ: (تَفَوُّتٍ)، وقالَ: يُقالُ: تَفَوَّتَ الشَّيْءُ إذا فاتَ، واحْتَجَّ بِما رُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ رَجُلًا تَفَوَّتَ عَلى أبِيهِ في مالِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَقِيقَةُ التَّفاوُتِ عَدَمُ التَّناسُبِ كَأنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ يَفُوتُ بَعْضَهُ ولا يُلائِمُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: (تَعَلَّقَ مُتَعَلِّقٌ مُتَفاوِتٌ ونَقِيضُهُ مُتَناسِبٌ)، وأمّا ألْفاظُ المُفَسِّرِينَ فَقالَ السُّدِّيُّ: ﴿مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ مِنَ اخْتِلافِ عَيْبٍ، يَقُولُ النّاظِرُ: لَوْ كانَ كَذا كانَ أحْسَنَ، وقالَ آخَرُونَ: التَّفاوُتُ الفُطُورُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: (﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ (ق: ٦) قالَ القَفّالُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ في الدَّلالَةِ عَلى حِكْمَةِ صانِعِها وأنَّهُ لَمْ يَخْلُقْها عَبَثًا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَرى﴾ إمّا لِلرَّسُولِ أوْ لِكُلِّ مُخاطَبٍ وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿طِباقًا﴾ صِفَةٌ لِلسَّمَواتِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِلسَّمَواتِ والتَّقْدِيرُ خَلَقَ سَبْعَ سَمَواتٍ طِباقًا ما تَرى فِيهِنَّ مِن تَفاوُتٍ إلّا أنَّهُ وضَعَ مَكانَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ تَعْظِيمًا لِخَلْقِهِنَّ وتَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ سَلامَتِهِنَّ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ وأنَّهُ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ هو الَّذِي يَخْلُقُ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المُتَناسِبِ. المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذا عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى هو أنَّ الحِسَّ دَلَّ أنَّ هَذِهِ السَّماواتِ السَّبْعَ أجْسامٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى وجْهِ الإحْكامِ والإتْقانِ، وكُلُّ فاعِلٍ كانَ فِعْلُهُ مُحْكَمًا مُتْقَنًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا، فَدَلَّ هَذِهِ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً. المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَعاصِيَ لَيْسَتْ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، قالَ: لِأنَّهُ تَعالى نَفى التَّفاوُتَ في خَلْقِهِ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ التَّفاوُتِ في الصِّغَرِ والكِبَرِ والنَّقْصِ والعَيْبِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى نَفْيِ التَّفاوُتِ في خَلْقِهِ مِن حَيْثُ الحِكْمَةِ، فَيَدُلُّ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ عَلى ما فِيها مِنَ التَّفاوُتِ الَّذِي بَعْضُهُ جَهْلٌ وبَعْضُهُ كَذِبٌ وبَعْضُهُ سَفَهٌ، الجَوابُ: بَلْ نَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ لا تَفَوُّتَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، مِن حَيْثُ إنَّ الكُلَّ يَصِحُّ مِنهُ بِحَسَبِ القُدْرَةِ والإرادَةِ والدّاعِيَةِ، وإنَّهُ لا يُقَبَّحُ مِنهُ شَيْءٌ أصْلًا، فَلِمَ كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى التَّفاوُتِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى نَفْيِ التَّفاوُتِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ بَيانَ كَوْنِها مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً، وقالَ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ كَأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ولَعَلَّكَ لا تَحْكُمُ بِمُقْتَضى ذَلِكَ بِالبَصَرِ صفحة ٥٢ الواحِدِ، ولا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ الغَلَطُ في النَّظْرَةِ الواحِدَةِ، ولَكِنِ ارْجِعِ البَصَرَ وارْدُدِ النَّظْرَةَ مَرَّةً أُخْرى، حَتّى تَتَيَقَّنَ أنَّهُ لَيْسَ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ ألْبَتَّةَ. والفُطُورُ جَمْعُ فَطْرٍ، وهو الشَّقُّ يُقالُ: فَطَرَهُ فانْفَطَرَ ومِنهُ فَطَرَ نابُ البَعِيرِ، كَما يُقالُ: شَقَّ ومَعْناهُ شَقَّ اللَّحْمَ فَطَلَعَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ أيْ مِن فُرُوجٍ وصُدُوعٍ وشُقُوقٍ، وفُتُوقٍ، وخُرُوقٍ، كُلُّ هَذا ألْفاظُهم.

الملك 67:4

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ أُمِرَ بِتَكْرِيرِ البَصَرِ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ عَلى سَبِيلِ التَّصَفُّحِ والتَّتَبُّعِ، هَلْ يَجِدُ فِيهِ عَيْبًا وخَلَلًا، يَعْنِي أنَّكَ إذا كَرَّرْتَ نَظَرَكَ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْكَ بَصَرُكَ بِما طَلَبْتَهُ مِن وِجْدانِ الخَلَلِ والعَيْبِ، بَلْ يَرْجِعُ إلَيْكَ خاسِئًا أيْ مُبْعَدًا مِن قَوْلِكَ: خَسَأْتُ الكَلْبَ إذا باعَدْتَهُ، قالَ المُبَرِّدُ: الخاسِئُ المُبْعَدُ المُصَغَّرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخاسِئُ الَّذِي لَمْ يَرَ ما يَهْوى، وأمّا الحَسِيرُ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الكَلِيلُ، قالَ اللَّيْثُ: الحَسْرُ والحُسُورُ الإعْياءُ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ هَهُنا احْتِمالَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الحَسِيرُ مَفْعُولًا مِن حَسَرَ العَيْنَ بُعْدُ المَرْئِيِّ، قالَ رُؤْبَةُ: يَحْسُرُ طَرْفَ عَيْنِهِ فَضاؤُهُ الثّانِي: قَوْلُ الفَرّاءِ: أنْ يَكُونَ فاعِلًا مِنَ الحُسُورِ الَّذِي هو الإعْياءُ، والمَعْنى أنَّهُ وإنْ كَرَّرَ النَّظَرَ وأعادَهُ فَإنَّهُ لا يَجِدُ عَيْبًا ولا فُطُورًا، بَلِ البَصَرُ يَرْجِعُ خاسِئًا مِنَ الكَلالِ والإعْياءِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَنْقَلِبُ البَصَرُ خاسِئًا حَسِيرًا بِرَجْعِهِ كَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ ؟ الجَوابُ: التَّثْنِيَةُ لِلتَّكْرارِ بِكَثْرَةٍ كَقَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ يُرِيدُ إجاباتٍ مُتَوالِيَةً. السُّؤالُ الثّانِي: فَما مَعْنى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ﴾ الجَوابُ: أمَرَهُ بِرَجْعِ البَصَرِ ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ لا يَقْنَعَ بِالرَّجْعَةِ الأُولى، بَلْ أنْ يَتَوَقَّفَ بَعْدَها ويَجُمَّ بَصَرَهُ ثُمَّ يُعِيدَهُ ويُعاوِدَهُ إلى أنْ يَحْسِرَ بَصَرُهُ مِن طُولِ المُعاوَدَةِ فَإنَّهُ لا يَعْثُرُ عَلى شَيْءٍ مِن فُطُورٍ.

الملك 67:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الدَّلِيلُ الثّانِي عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عالِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ نَظَرًا إلى أنَّها مُحْدَثَةٌ ومُخْتَصَّةٌ بِمِقْدارٍ خاصٍّ، ومَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وسَيْرٍ مُعَيَّنٍ، تَدُلُّ عَلى أنَّ صانِعَها قادِرٌ، ونَظَرًا إلى كَوْنِها مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُوافِقَةً لِمَصالِحِ العِبادِ مِن كَوْنِها زِينَةً لِأهْلِ الدُّنْيا، وسَبَبًا لِانْتِفاعِهِمْ بِها، تَدُلُّ عَلى أنَّ صانِعَها عالِمٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ (الصّافّاتِ: ٧) وهَهُنا مَسائِلُ: صفحة ٥٣ المَسْألَةُ الأُولى: ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ القُرْبى؛ وذَلِكَ لِأنَّها أقْرَبُ السَّماواتِ إلى النّاسِ ومَعْناها السَّماءُ الدُّنْيا مِنَ النّاسِ، والمَصابِيحُ السُّرُجُ سُمِّيَتْ بِها الكَواكِبُ، والنّاسُ يُزَيِّنُونَ مَساجِدَهم ودُورَهم بِالمَصابِيحِ، فَقِيلَ: ولَقَدْ زَيَّنّا سَقْفَ الدّارِ الَّتِي اجْتَمَعْتُمْ فِيها بِمَصابِيحَ أيْ بِمَصابِيحَ لا تُوازِيها مَصابِيحُكم إضاءَةً، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الرُّجُومَ جَمْعُ رَجْمٍ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُرْجَمُ بِهِ، وذَكَرُوا في مَعْرِضِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّياطِينَ إذا أرادُوا اسْتِراقَ السَّمْعِ رُجِمُوا بِها، فَإنْ قِيلَ: جَعْلُ الكَواكِبِ زِينَةً لِلسَّماءِ يَقْتَضِي بَقاءَها واسْتِمْرارَها، وجَعْلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ورَمْيُهم بِها يَقْتَضِي زَوالَها والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ، قُلْنا: لَيْسَ مَعْنى رَجْمِ الشَّياطِينِ هو أنَّهم يُرْمَوْنَ بِأجْرامِ الكَواكِبِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَنْفَصِلَ مِنَ الكَواكِبِ شُعَلٌ تُرْمى الشَّياطِينُ بِها، وتِلْكَ الشُّعَلُ هي الشُّهُبُ، وما ذاكَ إلّا قَبَسٌ يُؤْخَذُ مِن نارٍ، والنّارُ باقِيَةٌ. الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ كَوْنِ الكَواكِبِ رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أنّا جَعَلْناها ظُنُونًا ورُجُومًا بِالغَيْبِ لِشَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ مَرْكُوزَةٌ في السَّماءِ الدُّنْيا؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماواتِ إذا كانَتْ شَفّافَةً فالكَواكِبُ سَواءٌ كانَتْ في السَّماءِ الدُّنْيا أوْ كانَتْ في سَمَواتٍ أُخْرى فَوْقَها، فَهي لا بُدَّ وأنْ تَظْهَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا وتَلُوحُ مِنها، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَكُونُ السَّماءُ الدُّنْيا مُزَيَّنَةً بِهَذِهِ المَصابِيحِ. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَ الهَيْئَةِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الثَّوابِتَ مَرْكُوزَةٌ في الفَلَكِ الثّامِنِ الَّذِي هو فَوْقَ كُراتِ السَّيّاراتِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ بَعْضَ هَذِهِ الثَّوابِتِ في الفَلَكِ الثّامِنِ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ كُلُّها هُناكَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ بَعْضَها في الفَلَكِ الثّامِنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الثَّوابِتَ الَّتِي تَكُونُ قَرِيبَةً مِنَ المِنطَقَةِ تَنْكَسِفُ بِهَذِهِ السَّيّاراتِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الثَّوابِتُ المُنْكَسِفَةُ فَوْقَ السَّيّاراتِ الكاسِفَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الثَّوابِتَ لَمّا كانَتْ في الفَلَكِ الثّامِنِ وجَبَ أنْ تَكُونَ كُلُّها هُناكَ؛ لِأنَّها بِأسْرِها مُتَحَرِّكَةٌ حَرَكَةً واحِدَةً بَطِيئَةً في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةً واحِدَةً، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ بَعْضِ الثَّوابِتِ فَوْقَ السَّيّاراتِ كَوْنُ كُلِّها هُناكَ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ وُجُودُ كُرَةٍ تَحْتَ القَمَرِ، وتَكُونُ في البُطْءِ مُساوِيَةً لِكُرَةِ الثَّوابِتِ، وتَكُونُ الكَواكِبُ المَرْكُوزَةُ فِيما يُقارِنُ القُطْبَيْنِ مَرْكُوزَةً في هَذِهِ الكُرَةِ السُّفْلِيَّةِ، إذْ لا يَبْعُدُ وُجُودُ كُرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ مَعَ كَوْنِهِما مُتَشابِهَتَيْنِ في الحَرَكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَصابِيحُ مَرْكُوزَةً في السَّماءِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ مَذْهَبَ الفَلاسِفَةِ في هَذا البابِ ضَعِيفٌ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَنافِعَ النُّجُومِ كَثِيرَةٌ، مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَ السَّماءَ بِها، ومِنها أنَّهُ يَحْصُلُ بِسَبَبِها في اللَّيْلِ قَدْرٌ مِنَ الضَّوْءِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ إذا تَكاثَفَ السَّحابُ في اللَّيْلِ عَظُمَتِ الظُّلْمَةُ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ السَّحابَ يَحْجُبُ أنْوارَها، ومِنها أنَّهُ يَحْصُلُ بِسَبَبِها تَفاوُتٌ في أحْوالِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، فَإنَّها أجْسامٌ عَظِيمَةٌ نُورانِيَّةٌ، فَإذا قارَنَتِ الشَّمْسُ كَوْكَبًا مُسَخَّنًا في الصَّيْفِ، صارَ الصَّيْفُ أقْوى حَرًّا، وهو مِثْلُ نارٍ تُضَمُّ إلى نارٍ أُخْرى، فَإنَّهُ لا شَكَّ أنْ يَكُونَ الأثَرُ الحاصِلُ مِنَ المَجْمُوعِ أقْوى، ومِنها أنَّهُ تَعالى جَعَلَها عَلاماتٍ يُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ (النَّحْلِ: ١٦) ومِنها أنَّهُ تَعالى جَعَلَها رُجُومًا صفحة ٥٤ لِلشَّياطِينِ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ النّاسَ مِن نُورِ الإيمانِ إلى ظُلُماتِ الكُفْرِ، يُرْوى أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَتَسَمَّعُ لِخَبَرِ السَّماءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُصِدَتِ الشَّياطِينُ، فَمَن جاءَ مِنهم مُسْتَرِقًا لِلسَّمْعِ رُمِيَ بِشِهابٍ فَأحْرَقَهُ لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ إلى الأرْضِ فَيُلْقِيَهُ إلى النّاسِ فَيَخْلِطَ عَلى النَّبِيِّ أمْرَهُ ويَرْتابَ النّاسُ بِخَبَرِهِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في انْقِضاضِ الشُّهُبِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا مِن وُجُوهِ: أحَدُها: أنَّ انْقِضاضَ الكَواكِبِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ، قالُوا: إنَّ الأرْضَ إذا سُخِّنَتْ بِالشَّمْسِ ارْتَفَعَ مِنها بُخارٌ يابِسٌ، وإذا بَلَغَ النّارَ الَّتِي دُونَ الفَلَكِ احْتَرَقَ بِها، فَتِلْكَ الشُّعْلَةُ هي الشِّهابُ. وثانِيها: أنَّ هَؤُلاءِ الجِنَّ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُشاهِدُوا واحِدًا وألْفًا مِن جِنْسِهِمْ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ فَيَحْتَرِقُونَ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ ذَلِكَ يَعُودُونَ لِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ فَإنَّ العاقِلَ إذا رَأى الهَلاكَ في شَيْءٍ مَرَّةً ومِرارًا وألْفًا امْتَنَعَ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ. وثالِثُها: أنَّهُ يُقالُ في ثِخَنِ السَّماءِ فَإنَّهُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَهَؤُلاءِ الجِنُّ إنْ نَفَذُوا في جِرْمِ السَّماءِ وخَرَقُوا اتِّصالَهُ، فَهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ فِيها فُطُورٌ عَلى ما قالَ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ وإنْ كانُوا لا يَنْفُذُونَ في جِرْمِ السَّماءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَسْمَعُوا أسْرارَ المَلائِكَةِ مِن ذَلِكَ البُعْدِ العَظِيمِ، ثُمَّ إنْ جازَ أنْ يَسْمَعُوا كَلامَهم مِن ذَلِكَ البُعْدِ العَظِيمِ، فَلا يَسْمَعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ حالَ كَوْنِهِمْ في الأرْضِ. ورابِعُها: أنَّ المَلائِكَةَ إنَّما اطَّلَعُوا عَلى الأحْوالِ المُسْتَقْبِلَةِ، إمّا لِأنَّهم طالَعُوها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ لِأنَّهم تَلَقَّفُوها مِن وحْيِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلِمَ لَمْ يَسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِها حَتّى لا يَتَمَكَّنَ الجِنُّ مِنَ الوُقُوفِ عَلَيْها. وخامِسُها: أنَّ الشَّياطِينَ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، والنّارُ لا تَحْرِقُ النّارَ بَلْ تُقَوِّيها، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّياطِينَ زُجِرُوا عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِهَذِهِ الشُّهُبِ. وسادِسُها: أنَّهُ كانَ هَذا الحَذْفُ لِأجْلِ النُّبُوَّةِ فَلِمَ دامَ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وسابِعُها: أنَّ هَذِهِ الرُّجُومَ إنَّما تَحْدُثُ بِالقُرْبِ مِنَ الأرْضِ، بِدَلِيلِ أنّا نُشاهِدُ حَرَكَتَها بِالعَيْنِ ولَوْ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الفَلَكِ لَما شاهَدْنا حَرَكَتَها كَما لَمْ نُشاهِدْ حَرَكاتِ الكَواكِبِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ إنَّما تَحْدُثُ بِالقُرْبِ مِنَ الأرْضِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها تَمْنَعُ الشَّياطِينَ مِنَ الوُصُولِ إلى الفَلَكِ. وثامِنُها: أنَّ هَؤُلاءِ الشَّياطِينَ لَوْ كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَنْقُلُوا أخْبارَ المَلائِكَةِ مِنَ المُغَيَّباتِ إلى الكَهَنَةِ، فَلِمَ لا يَنْقُلُونَ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفّارِ، حَتّى يَتَوَصَّلَ الكُفّارُ بِواسِطَةِ وُقُوفِهِمْ عَلى أسْرارِهِمْ إلى إلْحاقِ الضَّرَرِ بِهِمْ ؟ وتاسِعُها: لِمَ لَمْ يَمْنَعْهُمُ اللَّهُ ابْتِداءً مِنَ الصُّعُودِ إلى السَّماءِ حَتّى لا يَحْتاجَ في دَفْعِهِمْ عَنِ السَّماءِ إلى هَذِهِ الشُّهُبِ ؟ والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنّا لا نُنْكِرُ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ لِأسْبابٍ أُخَرَ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي أنَّها بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تُوجَدُ بِسَبَبٍ آخَرَ وهو دَفْعُ الجِنِّ وزَجْرُهم. يُرْوى أنَّهُ قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ (الجِنِّ: ٩) قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إذا جاءَ القَدَرُ عَمِيَ البَصَرُ، فَإذا قَضى اللَّهُ عَلى طائِفَةٍ مِنها الحَرْقَ لِطُغْيانِها وضَلالَتِها، قَيَّضَ لَها مِنَ الدَّواعِي المُطَمِّعَةِ في دَرْكِ المَقْصُودِ ما عِنْدَها تُقْدِمُ عَلى العَمَلِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ والبَوارِ. صفحة ٥٥ والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ: أنَّ البُعْدَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَأمّا ثِخَنُ الفَلَكِ فَلَعَلَّهُ لا يَكُونُ عَظِيمًا. وأمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الرّابِعِ: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فاسْتَنارَ، فَقالَ: ”ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في الجاهِلِيَّةِ إذا حَدَثَ مِثْلُ هَذا، قالُوا: كُنّا نَقُولُ يُولَدُ عَظِيمٌ أوْ يَمُوتُ عَظِيمٌ“ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "فَإنَّها لا تُرْمى لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنَّ رَبَّنا تَعالى إذا قَضى الأمْرَ في السَّماءِ سَبَّحَتْ حَمَلَةُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ، وسَبَّحَ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ حَتّى يَنْتَهِيَ التَّسْبِيحُ إلى هَذِهِ السَّماءِ، ويَسْتَخْبِرُ أهْلُ السَّماءِ حَمَلَةَ العَرْشِ: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ فَيُخْبِرُونَهم، ولا يَزالُ ذَلِكَ الخَبَرُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ إلى أنْ يَنْتَهِيَ الخَبَرُ إلى هَذِهِ السَّماءِ، ويَتَخَطَّفُ الجِنُّ فَيُرْمَوْنَ، فَما جاءُوا بِهِ فَهو حَقٌّ، ولَكِنَّهم يَزِيدُونَ فِيهِ» . والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الخامِسِ: أنَّ النّارَ قَدْ تَكُونُ أقْوى مِن نارٍ أُخْرى، فالأقْوى يُبْطِلُ الأضْعَفَ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ السّادِسِ: أنَّهُ إنَّما دامَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ بِبُطْلانِ الكَهانَةِ، فَلَوْ لَمْ يَدُمْ هَذا العَذابُ لَعادَتِ الكَهانَةُ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في خَبَرِ الرَّسُولِ عَنْ بُطْلانِ الكَهانَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ السّابِعِ: أنَّ البُعْدَ عَلى مَذْهَبِنا غَيْرُ مانِعٍ مِنَ السَّماعِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنَّهم إذا وقَفُوا في تِلْكَ المَوْضِعِ سَمِعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّامِنِ: لَعَلَّهُ تَعالى أقْدَرَهم عَلى اسْتِماعِ الغُيُوبِ عَنِ المَلائِكَةِ وأعْجَزَهم عَنْ إيصالِ أسْرارِ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ. والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ التّاسِعِ: أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويُحْكِمُ ما يُرِيدُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا البابِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَنافِعَ الكَواكِبِ وذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ المَنافِعِ أنَّها رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أيْ أعْتَدْنا لِلشَّياطِينِ بَعْدَ الإحْراقِ بِالشُّهُبِ في الدُّنْيا عَذابَ السَّعِيرِ في الآخِرَةِ، قالَ المُبَرِّدُ: سُعِرَتِ النّارُ فَهي مَسْعُورَةٌ وسَعِيرٌ، كَقَوْلِكَ: مَقْبُولَةٌ وقَبِيلٌ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي.

الملك 67:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكَناتِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ إنَّما خَلَقَ ما خَلَقَ لا لِلْعَبَثِ والباطِلِ بَلْ لِأجْلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وبَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ الِابْتِلاءِ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا في حَقِّ المُصِرِّينَ عَلى الإساءَةِ غَفُورًا في حَقِّ التّائِبِينَ، ومِن ذَلِكَ كانَ كَوْنُهُ عَزِيزًا وغَفُورًا لا يَثْبُتانِ إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى كامِلًا في القُدْرَةِ والعِلْمِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ، وحِينَئِذٍ ثَبَتَ كَوْنُهُ قادِرًا عَلى تَعْذِيبِ العُصاةِ فَقالَ: ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنَ صفحة ٥٦ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ، لَيْسَ الشَّياطِينُ المَرْجُومُونَ مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ، وقُرِئَ: (عَذابَ جَهَنَّمَ) بِالنَّصْبِ عَطْفَ بَيانٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (الحَجِّ: ٤) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ.

الملك 67:7

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ . ﴿أُلْقُوا﴾ طُرِحُوا كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ فِيها، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٨) وفي قَوْلِهِ: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: سَمِعُوا لِجَهَنَّمَ شَهِيقًا، ولَعَلَّ المُرادَ تَشْبِيهُ صَوْتِ لَهَبِ النّارِ بِالشَّهِيقِ، قالَ الزَّجّاجُ: سَمِعَ الكُفّارُ لِلنّارِ شَهِيقًا، وهو أقْبَحُ الأصْواتِ، وهو كَصَوْتِ الحِمارِ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو واللَّهُ أعْلَمُ تَنَفُّسٌ كَتَنَفُّسِ المُتَغَيِّظِ. وثانِيها: قالَ عَطاءٌ: سَمِعُوا لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها شَهِيقًا. وثالِثُها: سَمِعُوا مِن أنْفُسِهِمْ شَهِيقًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ (هُودٍ: ١٠٦) والقَوْلُ هو الأوَّلُ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ قالَ اللَّيْثُ: كُلُّ شَيْءٍ جاشَ فَقَدْ فارَ، وهو فَوْرُ القِدْرِ والدُّخانِ والغَضَبِ والماءِ مِنَ العَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَغْلِي بِهِمْ كَغَلْيِ المِرْجَلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَفُورُ بِهِمْ كَما يَفُورُ الماءُ الكَثِيرُ بِالحَبِّ القَلِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن فَوْرِ الغَضَبِ، قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: تَرَكْتُ فَلانًا يَفُورُ غَضَبًا، ويَتَأكَّدُ هَذا القَوْلُ بِالآيَةِ الآتِيَةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ غَيْظًا، ويَتَعَصَّفُ غَيْظًا، وغَضِبَ فَطارَتْ مِنهُ شُعْلَةٌ في الأرْضِ وشُعْلَةٌ في السَّماءِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ فِيهِ. وأقُولُ: لَعَلَّ السَّبَبَ في هَذا المَجازِ أنَّ الغَضَبَ حالَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ غَلَيانِ دَمِ القَلْبِ، والدَّمُ عِنْدَ الغَلَيانِ يَصِيرُ أعْظَمَ حَجْمًا ومِقْدارًا، فَتَتَمَدَّدُ تِلْكَ الأوْعِيَةُ عِنْدَ ازْدِيادِ مَقادِيرِ الرُّطُوباتِ في البَدَنِ، فَكُلَّما كانَ الغَضَبُ أشَدَّ كانَ الغَلَيانُ أشَدَّ، فَكانَ الِازْدِيادُ أكْثَرَ، وكانَ تَمَدُّدُ الأوْعِيَةِ وانْشِقاقُها وتَمَيُّزُها أكْثَرَ، فَجُعِلَ ذِكْرُ هَذِهِ المُلازَمَةِ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، فَإنْ قِيلَ: النّارُ لَيْسَتْ مِنَ الأحْياءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُها بِالغَيْظِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ البِنْيَةَ عِنْدَنا لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيها وهي نارٌ حَياةً. وثانِيها: أنَّهُ شَبَّهَ صَوْتَ لَهَبِها وسُرْعَةِ تَبادُرِها بِصَوْتِ الغَضْبانِ وحَرَكَتِهِ. وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ.

الملك 67:8

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ . الفَوْجُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ والأفْواجُ الجَماعاتُ في تَعَرُّفِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ (النَّبَأِ: ١٨) و(خَزَنَتُها) مالِكٌ وأعْوانُهُ مِنَ الزَّبانِيَةِ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا التَّوْبِيخُ زِيادَةٌ لَهم في العَذابِ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ: صفحة ٥٧ المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّتِ المُرْجِئَةُ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ إلّا الكُفّارُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّ مَن أُلْقِيَ في النّارِ أنَّهم قالُوا: كَذَّبْنا النَّذِيرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يُكَذِّبِ اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ الفاسِقَ المُصِرَّ لا يَدْخُلُ النّارَ، وأجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ النَّذِيرَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما في العُقُولِ مِنَ الأدِلَّةِ المُحَذِّرَةِ المُخَوِّفَةِ، ولا أحَدَ يَدْخُلُ النّارَ إلّا وهو مُخالِفٌ لِلدَّلِيلِ غَيْرُ مُتَمَسِّكٍ بِمُوجَبِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وشُكْرَهُ لا يَجِبانِ إلّا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما عَذَّبَهم؛ لِأنَّهُ أتاهُمُ النَّذِيرُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِهِمُ النَّذِيرُ لَما عَذَّبَهم. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾ اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّ اللَّهَ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ، ولَكِنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وقالُوا: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ الكُفّارِ وخِطابِهِمْ لِلْمُنْذِرِينَ. الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ، والتَّقْدِيرُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ الكَلامَ قالَتِ الخَزَنَةُ لَهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الضَّلالِ الكَبِيرِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّلالِ الهَلاكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُمِّيَ عِقابُ الضَّلالِ بِاسْمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ هَذا هو الكَلامُ الثّانِي مِمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ جَوابًا لِلْخَزَنَةِ حِينَ قالُوا: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ والمَعْنى لَوْ كُنّا نَسْمَعُ الإنْذارَ سَماعَ مَن كانَ طالِبًا لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُهُ عَقْلَ مَن كانَ مُتَأمِّلًا مُتَفَكِّرًا لَما كُنّا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ، وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والإضْلالِ بِأنْ قالُوا: لَفْظَةُ لَوْ تُفِيدُ امْتِناعَ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعٌ ولا عَقْلٌ، لَكِنْ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا ذَوِي أسْماعٍ وعُقُولٍ صَحِيحَةٍ، وأنَّهم ما كانُوا صُمَّ الأسْماعِ ولا مَجانِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعُ الهِدايَةِ ولا عَقْلُ الهِدايَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: الدِّينُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَقالَ: إنَّهُ قَدَّمَ السَّمْعَ عَلى العَقْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ أوَّلًا مِن إرْشادِ المُرْشِدِ وهِدايَةِ الهادِي، ثُمَّ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَهْمُ المُسْتَجِيبِ وتَأمُّلُهُ فِيما يُلْقِيهِ المُعَلِّمُ، والجَوابُ: أنَّهُ إنَّما قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَدْعُوَّ إذا لَقِيَ الرَّسُولَ فَأوَّلُ المَراتِبِ أنَّهُ يَسْمَعُ كَلامَهُ ثُمَّ إنَّهُ يَتَفَكَّرُ فِيهِ، فَلَمّا كانَ السَّمْعُ مُقَدَّمًا بِهَذا السَّبَبِ عَلى التَّعَقُّلِ والتَّفَهُّمِ لا جَرَمَ قُدِّمَ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ. صفحة ٥٨ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ المُرادَ لَوْ كُنّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الحَدِيثِ أوْ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الرَّأْيِ، ثُمَّ قالَ: كَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ظُهُورِ هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، وكَأنَّ سائِرَ أصْحابِ المَذاهِبِ والمُجْتَهِدِينَ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ وعِيدَهم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن فَضَّلَ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلسَّمْعِ مَدْخَلًا في الخَلاصِ عَنِ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، والبَصَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ.

الملك 67:9

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ . الفَوْجُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ والأفْواجُ الجَماعاتُ في تَعَرُّفِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ (النَّبَأِ: ١٨) و(خَزَنَتُها) مالِكٌ وأعْوانُهُ مِنَ الزَّبانِيَةِ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا التَّوْبِيخُ زِيادَةٌ لَهم في العَذابِ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ: صفحة ٥٧ المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّتِ المُرْجِئَةُ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ إلّا الكُفّارُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّ مَن أُلْقِيَ في النّارِ أنَّهم قالُوا: كَذَّبْنا النَّذِيرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يُكَذِّبِ اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ الفاسِقَ المُصِرَّ لا يَدْخُلُ النّارَ، وأجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ النَّذِيرَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما في العُقُولِ مِنَ الأدِلَّةِ المُحَذِّرَةِ المُخَوِّفَةِ، ولا أحَدَ يَدْخُلُ النّارَ إلّا وهو مُخالِفٌ لِلدَّلِيلِ غَيْرُ مُتَمَسِّكٍ بِمُوجَبِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وشُكْرَهُ لا يَجِبانِ إلّا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما عَذَّبَهم؛ لِأنَّهُ أتاهُمُ النَّذِيرُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِهِمُ النَّذِيرُ لَما عَذَّبَهم. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾ اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّ اللَّهَ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ، ولَكِنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وقالُوا: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ الكُفّارِ وخِطابِهِمْ لِلْمُنْذِرِينَ. الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ، والتَّقْدِيرُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ الكَلامَ قالَتِ الخَزَنَةُ لَهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الضَّلالِ الكَبِيرِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّلالِ الهَلاكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُمِّيَ عِقابُ الضَّلالِ بِاسْمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ هَذا هو الكَلامُ الثّانِي مِمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ جَوابًا لِلْخَزَنَةِ حِينَ قالُوا: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ والمَعْنى لَوْ كُنّا نَسْمَعُ الإنْذارَ سَماعَ مَن كانَ طالِبًا لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُهُ عَقْلَ مَن كانَ مُتَأمِّلًا مُتَفَكِّرًا لَما كُنّا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ، وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والإضْلالِ بِأنْ قالُوا: لَفْظَةُ لَوْ تُفِيدُ امْتِناعَ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعٌ ولا عَقْلٌ، لَكِنْ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا ذَوِي أسْماعٍ وعُقُولٍ صَحِيحَةٍ، وأنَّهم ما كانُوا صُمَّ الأسْماعِ ولا مَجانِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعُ الهِدايَةِ ولا عَقْلُ الهِدايَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: الدِّينُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَقالَ: إنَّهُ قَدَّمَ السَّمْعَ عَلى العَقْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ أوَّلًا مِن إرْشادِ المُرْشِدِ وهِدايَةِ الهادِي، ثُمَّ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَهْمُ المُسْتَجِيبِ وتَأمُّلُهُ فِيما يُلْقِيهِ المُعَلِّمُ، والجَوابُ: أنَّهُ إنَّما قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَدْعُوَّ إذا لَقِيَ الرَّسُولَ فَأوَّلُ المَراتِبِ أنَّهُ يَسْمَعُ كَلامَهُ ثُمَّ إنَّهُ يَتَفَكَّرُ فِيهِ، فَلَمّا كانَ السَّمْعُ مُقَدَّمًا بِهَذا السَّبَبِ عَلى التَّعَقُّلِ والتَّفَهُّمِ لا جَرَمَ قُدِّمَ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ. صفحة ٥٨ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ المُرادَ لَوْ كُنّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الحَدِيثِ أوْ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الرَّأْيِ، ثُمَّ قالَ: كَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ظُهُورِ هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، وكَأنَّ سائِرَ أصْحابِ المَذاهِبِ والمُجْتَهِدِينَ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ وعِيدَهم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن فَضَّلَ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلسَّمْعِ مَدْخَلًا في الخَلاصِ عَنِ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، والبَصَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ.

الملك 67:10

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ . الفَوْجُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ والأفْواجُ الجَماعاتُ في تَعَرُّفِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ (النَّبَأِ: ١٨) و(خَزَنَتُها) مالِكٌ وأعْوانُهُ مِنَ الزَّبانِيَةِ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا التَّوْبِيخُ زِيادَةٌ لَهم في العَذابِ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ: صفحة ٥٧ المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّتِ المُرْجِئَةُ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ إلّا الكُفّارُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّ مَن أُلْقِيَ في النّارِ أنَّهم قالُوا: كَذَّبْنا النَّذِيرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يُكَذِّبِ اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ الفاسِقَ المُصِرَّ لا يَدْخُلُ النّارَ، وأجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ النَّذِيرَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما في العُقُولِ مِنَ الأدِلَّةِ المُحَذِّرَةِ المُخَوِّفَةِ، ولا أحَدَ يَدْخُلُ النّارَ إلّا وهو مُخالِفٌ لِلدَّلِيلِ غَيْرُ مُتَمَسِّكٍ بِمُوجَبِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وشُكْرَهُ لا يَجِبانِ إلّا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما عَذَّبَهم؛ لِأنَّهُ أتاهُمُ النَّذِيرُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِهِمُ النَّذِيرُ لَما عَذَّبَهم. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾ اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّ اللَّهَ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ، ولَكِنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وقالُوا: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ الكُفّارِ وخِطابِهِمْ لِلْمُنْذِرِينَ. الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ، والتَّقْدِيرُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ الكَلامَ قالَتِ الخَزَنَةُ لَهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الضَّلالِ الكَبِيرِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّلالِ الهَلاكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُمِّيَ عِقابُ الضَّلالِ بِاسْمِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ هَذا هو الكَلامُ الثّانِي مِمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ جَوابًا لِلْخَزَنَةِ حِينَ قالُوا: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ والمَعْنى لَوْ كُنّا نَسْمَعُ الإنْذارَ سَماعَ مَن كانَ طالِبًا لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُهُ عَقْلَ مَن كانَ مُتَأمِّلًا مُتَفَكِّرًا لَما كُنّا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ، وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والإضْلالِ بِأنْ قالُوا: لَفْظَةُ لَوْ تُفِيدُ امْتِناعَ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعٌ ولا عَقْلٌ، لَكِنْ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا ذَوِي أسْماعٍ وعُقُولٍ صَحِيحَةٍ، وأنَّهم ما كانُوا صُمَّ الأسْماعِ ولا مَجانِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعُ الهِدايَةِ ولا عَقْلُ الهِدايَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: الدِّينُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَقالَ: إنَّهُ قَدَّمَ السَّمْعَ عَلى العَقْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ أوَّلًا مِن إرْشادِ المُرْشِدِ وهِدايَةِ الهادِي، ثُمَّ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَهْمُ المُسْتَجِيبِ وتَأمُّلُهُ فِيما يُلْقِيهِ المُعَلِّمُ، والجَوابُ: أنَّهُ إنَّما قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَدْعُوَّ إذا لَقِيَ الرَّسُولَ فَأوَّلُ المَراتِبِ أنَّهُ يَسْمَعُ كَلامَهُ ثُمَّ إنَّهُ يَتَفَكَّرُ فِيهِ، فَلَمّا كانَ السَّمْعُ مُقَدَّمًا بِهَذا السَّبَبِ عَلى التَّعَقُّلِ والتَّفَهُّمِ لا جَرَمَ قُدِّمَ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ. صفحة ٥٨ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ المُرادَ لَوْ كُنّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الحَدِيثِ أوْ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الرَّأْيِ، ثُمَّ قالَ: كَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ظُهُورِ هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، وكَأنَّ سائِرَ أصْحابِ المَذاهِبِ والمُجْتَهِدِينَ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ وعِيدَهم. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن فَضَّلَ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلسَّمْعِ مَدْخَلًا في الخَلاصِ عَنِ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، والبَصَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ.

الملك 67:11

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ هَذا القَوْلَ قالَ: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِتَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ وهو قَوْلُهم: ﴿فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الذَّنْبَ هَهُنا في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ، كَما يُقالُ: خَرَجَ عَطاءُ النّاسِ، أيْ عَطِيّاتِهِمْ هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالواحِدِ المُضافِ الشّائِعَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٣٤) . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: فَبُعْدًا لَهُمُ اعْتَرَفُوا أوْ جَحَدُوا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم، والسُّحْقُ البُعْدُ، وفِيهِ لُغَتانِ: التَّخْفِيفُ والتَّثْقِيلُ، كَما تَقُولُ في العُنُقِ والطُّنُبِ، قالَ الزَّجّاجُ: سُحْقًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كانَ القِياسُ سِحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ كَقَوْلِهِمْ: عَمْرَكَ اللَّهَ.

الملك 67:12

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم وهم في دارِ التَّكْلِيفِ والمَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ وبِهِمْ حاجَةٌ إلى مُجاهَدَةِ الشَّيْطانِ ودَفْعِ الشُّبَهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُتَّقِيًا مِن جَمِيعِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَن يَتَّقِي مَعاصِيَ اللَّهِ في الخَلْوَةِ اتَّقاها حَيْثُ يَراهُ النّاسُ لا مَحالَةَ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الفُسّاقِ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخَشْيَةِ فَلَهُ الأجْرُ العَظِيمُ، فَإذا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الفِسْقِ ومَعَ هَذِهِ الخَشْيَةِ، فَقَدْ حَصَلَ الأمْرانِ فَإمّا أنْ يُثابَ ثُمَّ يُعاقَبَ وهو بِالإجْماعِ باطِلٌ، أوْ يُعاقَبَ ثُمَّ يُنْقَلَ إلى دارِ الثَّوابِ وهو المَطْلُوبُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ ووَعْدَ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى خِطابِ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَنالُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ فَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لِئَلّا يَسْمَعَ إلَهُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الخَلْقِ في جَمِيعِ الأعْمالِ، والمُرادُ أنَّ قَوْلَكم وعَمَلَكم عَلى أيِّ سَبِيلٍ وُجِدَ، فالحالُ واحِدٌ في عِلْمِهِ تَعالى بِهَذا، فاحْذَرُوا مِنَ المَعاصِي سِرًّا كَما تَحْتَرِزُونَ عَنْها جَهْرًا صفحة ٥٩ فَإنَّهُ لا يَتَفاوَتُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَما بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالجَهْرِ وبِالسِّرِّ بَيَّنَ أنَّهُ عالِمٌ بِخَواطِرِ القُلُوبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَوْنَهُ عالِمًا بِالجَهْرِ وبِالسِّرِّ وبِما في الصُّدُورِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِهَذِهِ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن خَلَقَ شَيْئًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِمَخْلُوقِهِ، وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ كَما أنَّها مُقَرَّرَةٌ بِهَذا النَّصِّ فَهي أيْضًا مُقَرَّرَةٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والتَّكْوِينِ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ، والقاصِدُ إلى الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإنَّ الغافِلَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قاصِدًا إلَيْهِ، وكَما أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الخالِقَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِماهِيَّةِ المَخْلُوقِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكَمِّيَّتِهِ؛ لِأنَّ وُقُوعَهُ عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ دُونَ ما هو أزْيَدُ مِنهُ أوْ أنْقَصُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَصْدِ الفاعِلِ واخْتِيارِهِ، والقَصْدُ مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ المِقْدارَ، وأرادَ إيجادَ ذَلِكَ المِقْدارِ حَتّى يَكُونَ وُقُوعُ ذَلِكَ المِقْدارِ أوْلى مِن وُقُوعِ ما هو أزْيَدُ مِنهُ أوْ أنْقَصُ مِنهُ، وإلّا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ أوِ الأنْقَصِ تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ مَن خَلَقَ شَيْئًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ المَخْلُوقِ وبِكَمِّيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فَنَقُولُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالُوا: لَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَكانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِها، لَكِنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِها فَهو غَيْرُ مُوجِدٍ لَها، بَيانُ المُلازِمَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ. الثّانِي: أنَّ وُقُوعَ عَشَرَةِ أجْزاءٍ مِنَ الحَرَكَةِ مَثَلًا مُمْكِنٌ ووُقُوعَ الأزْيَدِ مِنهُ والأنْقَصِ مِنهُ أيْضًا مُمْكِنٌ، فاخْتِصاصُ العَشَرَةِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ ودُونَ الأنْقَصِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ القادِرَ المُخْتارَ خَصَّهُ بِالإيقاعِ، وإلّا لَكانَ وُقُوعُهُ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ وُقُوعًا لِلْمُمْكِنِ المُحْدَثِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؛ لِأنَّ القادِرَ المُخْتارَ إذا خَصَّ تِلْكَ العَشَرَةَ بِالإيقاعِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِأنَّ الواقِعَ عَشَرَةٌ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لَوْ كانَ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَكانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِها، وأمّا أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِها فَلِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُتَكَلِّمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ والبَطِيئَةِ لِأجْلِ تَخَلُّلِ السَّكَناتِ، فالفاعِلُ لِلْحَرَكَةِ البَطِيئَةِ قَدْ فَعَلَ في بَعْضِ الأحْيازِ حَرَكَةً وفي بَعْضِها سُكُونًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ ألْبَتَّةَ بِبالِهِ أنَّهُ فَعَلَ هَهُنا حَرَكَةً وهَهُنا سُكُونًا. وثانِيها: أنَّ فاعِلَ حَرَكَةٍ لا يَعْرِفُ عَدَدَ أجْزاءِ تِلْكَ الحَرَكاتِ إلّا إذا عَرَفَ عَدَدَ الأحْيازِ الَّتِي بَيْنَ مَبْدَأِ المَسْكَنَةِ ومُنْتَهاها، وذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِهِ بِأنَّ الجَواهِرَ الفَرْدِيَّةَ الَّتِي تَتَّسِعُ لَها تِلْكَ المَسافَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَمْ هي ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وثالِثُها: أنَّ النّائِمَ والمُغْمى عَلَيْهِ قَدْ يَتَحَرَّكُ مِن جَنْبٍ إلى جَنْبٍ مَعَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ ماهِيَّةَ تِلْكَ الحَرَكَةِ ولا كَمِّيَّتَها. ورابِعُها: أنَّ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ، وأبِي هاشِمٍ، الفاعِلُ إنَّما يَفْعَلُ مَعْنًى يَقْتَضِي الحُصُولَ في الحَيِّزِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَعْنى المُوجِبَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أكْثَرِ الخَلْقِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالسِّرِّ والجَهْرِ وبِكُلِّ ما في الصُّدُورِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ وهَذا الكَلامُ إنَّما يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ لَوْ كانَ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ ما يَفْعَلُونَهُ في السِّرِّ والجَهْرِ، وفي الصُّدُورِ والقُلُوبِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خالِقًا لَها لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ مُقْتَضِيًا كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِتِلْكَ الأشْياءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ ما يَفْعَلُونَهُ في السِّرِّ والجَهْرِ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ ومِن أفْعالِ القُلُوبِ، صفحة ٦٠ فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الأجْسامَ والعالِمُ الَّذِي خَلَقَ الأجْسامَ هو العالِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خالِقًا لِغَيْرِ هَذِهِ الأشْياءِ كَوْنُهُ عالِمًا بِها؛ لِأنَّ مَن يَكُونُ فاعِلًا لِشَيْءٍ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِشَيْءٍ آخَرَ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خالِقًا لَها كَوْنُهُ عالِمًا بِها؛ لِأنَّ خالِقَ الشَّيْءِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ والمَنصُوبُ يَكُونُ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ مَخْلُوقَهُ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) في مَحَلِّ النَّصْبِ ويَكُونُ المَرْفُوعُ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَن خَلَقَ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِذاتِ مَن هو مَخْلُوقُهُ، ولا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عالِمًا بِأحْوالِ مَن هو مَخْلُوقُهُ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ هَذا لا الأوَّلُ. وثالِثُها: أنْ تَكُونَ (مَن) في تَقْدِيرِ ما كَما تَكُونُ ما في تَقْدِيرِ مَن في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ (الشَّمْسِ: ٥) وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ (ما) إشارَةً إلى ما يُسِرُّهُ الخَلْقُ وما يَجْهَرُونَهُ ويُضْمِرُونَهُ في صُدُورِهِمْ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في (اللَّطِيفِ) فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ العالِمُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مَن يَكُونُ فاعِلًا لِلْأشْياءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَخْفى كَيْفِيَّةُ عَمَلِها عَلى أكْثَرِ الفاعِلِينَ، ولِهَذا يُقالُ: إنَّ لُطْفَ اللَّهِ بِعِبادِهِ عَجِيبٌ، ويُرادُ بِهِ دَقائِقُ تَدْبِيرِهِ لَهم وفِيهِمْ، وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ وإلّا لَكانَ ذِكْرُ الخَبِيرِ بَعْدَهُ تَكْرارًا.

الملك 67:13

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم وهم في دارِ التَّكْلِيفِ والمَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ وبِهِمْ حاجَةٌ إلى مُجاهَدَةِ الشَّيْطانِ ودَفْعِ الشُّبَهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُتَّقِيًا مِن جَمِيعِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَن يَتَّقِي مَعاصِيَ اللَّهِ في الخَلْوَةِ اتَّقاها حَيْثُ يَراهُ النّاسُ لا مَحالَةَ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الفُسّاقِ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخَشْيَةِ فَلَهُ الأجْرُ العَظِيمُ، فَإذا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الفِسْقِ ومَعَ هَذِهِ الخَشْيَةِ، فَقَدْ حَصَلَ الأمْرانِ فَإمّا أنْ يُثابَ ثُمَّ يُعاقَبَ وهو بِالإجْماعِ باطِلٌ، أوْ يُعاقَبَ ثُمَّ يُنْقَلَ إلى دارِ الثَّوابِ وهو المَطْلُوبُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ ووَعْدَ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى خِطابِ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَنالُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ فَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لِئَلّا يَسْمَعَ إلَهُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الخَلْقِ في جَمِيعِ الأعْمالِ، والمُرادُ أنَّ قَوْلَكم وعَمَلَكم عَلى أيِّ سَبِيلٍ وُجِدَ، فالحالُ واحِدٌ في عِلْمِهِ تَعالى بِهَذا، فاحْذَرُوا مِنَ المَعاصِي سِرًّا كَما تَحْتَرِزُونَ عَنْها جَهْرًا صفحة ٥٩ فَإنَّهُ لا يَتَفاوَتُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَما بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالجَهْرِ وبِالسِّرِّ بَيَّنَ أنَّهُ عالِمٌ بِخَواطِرِ القُلُوبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَوْنَهُ عالِمًا بِالجَهْرِ وبِالسِّرِّ وبِما في الصُّدُورِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِهَذِهِ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن خَلَقَ شَيْئًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِمَخْلُوقِهِ، وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ كَما أنَّها مُقَرَّرَةٌ بِهَذا النَّصِّ فَهي أيْضًا مُقَرَّرَةٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والتَّكْوِينِ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ، والقاصِدُ إلى الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإنَّ الغافِلَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قاصِدًا إلَيْهِ، وكَما أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الخالِقَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِماهِيَّةِ المَخْلُوقِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكَمِّيَّتِهِ؛ لِأنَّ وُقُوعَهُ عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ دُونَ ما هو أزْيَدُ مِنهُ أوْ أنْقَصُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَصْدِ الفاعِلِ واخْتِيارِهِ، والقَصْدُ مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ المِقْدارَ، وأرادَ إيجادَ ذَلِكَ المِقْدارِ حَتّى يَكُونَ وُقُوعُ ذَلِكَ المِقْدارِ أوْلى مِن وُقُوعِ ما هو أزْيَدُ مِنهُ أوْ أنْقَصُ مِنهُ، وإلّا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ أوِ الأنْقَصِ تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ مَن خَلَقَ شَيْئًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ المَخْلُوقِ وبِكَمِّيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فَنَقُولُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالُوا: لَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَكانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِها، لَكِنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِها فَهو غَيْرُ مُوجِدٍ لَها، بَيانُ المُلازِمَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ. الثّانِي: أنَّ وُقُوعَ عَشَرَةِ أجْزاءٍ مِنَ الحَرَكَةِ مَثَلًا مُمْكِنٌ ووُقُوعَ الأزْيَدِ مِنهُ والأنْقَصِ مِنهُ أيْضًا مُمْكِنٌ، فاخْتِصاصُ العَشَرَةِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ ودُونَ الأنْقَصِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ القادِرَ المُخْتارَ خَصَّهُ بِالإيقاعِ، وإلّا لَكانَ وُقُوعُهُ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ وُقُوعًا لِلْمُمْكِنِ المُحْدَثِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؛ لِأنَّ القادِرَ المُخْتارَ إذا خَصَّ تِلْكَ العَشَرَةَ بِالإيقاعِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِأنَّ الواقِعَ عَشَرَةٌ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لَوْ كانَ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَكانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِها، وأمّا أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِها فَلِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُتَكَلِّمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ والبَطِيئَةِ لِأجْلِ تَخَلُّلِ السَّكَناتِ، فالفاعِلُ لِلْحَرَكَةِ البَطِيئَةِ قَدْ فَعَلَ في بَعْضِ الأحْيازِ حَرَكَةً وفي بَعْضِها سُكُونًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ ألْبَتَّةَ بِبالِهِ أنَّهُ فَعَلَ هَهُنا حَرَكَةً وهَهُنا سُكُونًا. وثانِيها: أنَّ فاعِلَ حَرَكَةٍ لا يَعْرِفُ عَدَدَ أجْزاءِ تِلْكَ الحَرَكاتِ إلّا إذا عَرَفَ عَدَدَ الأحْيازِ الَّتِي بَيْنَ مَبْدَأِ المَسْكَنَةِ ومُنْتَهاها، وذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِهِ بِأنَّ الجَواهِرَ الفَرْدِيَّةَ الَّتِي تَتَّسِعُ لَها تِلْكَ المَسافَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَمْ هي ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وثالِثُها: أنَّ النّائِمَ والمُغْمى عَلَيْهِ قَدْ يَتَحَرَّكُ مِن جَنْبٍ إلى جَنْبٍ مَعَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ ماهِيَّةَ تِلْكَ الحَرَكَةِ ولا كَمِّيَّتَها. ورابِعُها: أنَّ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ، وأبِي هاشِمٍ، الفاعِلُ إنَّما يَفْعَلُ مَعْنًى يَقْتَضِي الحُصُولَ في الحَيِّزِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَعْنى المُوجِبَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أكْثَرِ الخَلْقِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالسِّرِّ والجَهْرِ وبِكُلِّ ما في الصُّدُورِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ وهَذا الكَلامُ إنَّما يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ لَوْ كانَ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ ما يَفْعَلُونَهُ في السِّرِّ والجَهْرِ، وفي الصُّدُورِ والقُلُوبِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خالِقًا لَها لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ مُقْتَضِيًا كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِتِلْكَ الأشْياءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ ما يَفْعَلُونَهُ في السِّرِّ والجَهْرِ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ ومِن أفْعالِ القُلُوبِ، صفحة ٦٠ فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الأجْسامَ والعالِمُ الَّذِي خَلَقَ الأجْسامَ هو العالِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خالِقًا لِغَيْرِ هَذِهِ الأشْياءِ كَوْنُهُ عالِمًا بِها؛ لِأنَّ مَن يَكُونُ فاعِلًا لِشَيْءٍ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِشَيْءٍ آخَرَ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خالِقًا لَها كَوْنُهُ عالِمًا بِها؛ لِأنَّ خالِقَ الشَّيْءِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ والمَنصُوبُ يَكُونُ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ مَخْلُوقَهُ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) في مَحَلِّ النَّصْبِ ويَكُونُ المَرْفُوعُ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَن خَلَقَ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِذاتِ مَن هو مَخْلُوقُهُ، ولا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عالِمًا بِأحْوالِ مَن هو مَخْلُوقُهُ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ هَذا لا الأوَّلُ. وثالِثُها: أنْ تَكُونَ (مَن) في تَقْدِيرِ ما كَما تَكُونُ ما في تَقْدِيرِ مَن في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ (الشَّمْسِ: ٥) وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ (ما) إشارَةً إلى ما يُسِرُّهُ الخَلْقُ وما يَجْهَرُونَهُ ويُضْمِرُونَهُ في صُدُورِهِمْ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في (اللَّطِيفِ) فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ العالِمُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مَن يَكُونُ فاعِلًا لِلْأشْياءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَخْفى كَيْفِيَّةُ عَمَلِها عَلى أكْثَرِ الفاعِلِينَ، ولِهَذا يُقالُ: إنَّ لُطْفَ اللَّهِ بِعِبادِهِ عَجِيبٌ، ويُرادُ بِهِ دَقائِقُ تَدْبِيرِهِ لَهم وفِيهِمْ، وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ وإلّا لَكانَ ذِكْرُ الخَبِيرِ بَعْدَهُ تَكْرارًا.

الملك 67:14

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ أتْبَعَهُ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم وهم في دارِ التَّكْلِيفِ والمَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ وبِهِمْ حاجَةٌ إلى مُجاهَدَةِ الشَّيْطانِ ودَفْعِ الشُّبَهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُتَّقِيًا مِن جَمِيعِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَن يَتَّقِي مَعاصِيَ اللَّهِ في الخَلْوَةِ اتَّقاها حَيْثُ يَراهُ النّاسُ لا مَحالَةَ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى انْقِطاعِ وعِيدِ الفُسّاقِ، فَقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الخَشْيَةِ فَلَهُ الأجْرُ العَظِيمُ، فَإذا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الفِسْقِ ومَعَ هَذِهِ الخَشْيَةِ، فَقَدْ حَصَلَ الأمْرانِ فَإمّا أنْ يُثابَ ثُمَّ يُعاقَبَ وهو بِالإجْماعِ باطِلٌ، أوْ يُعاقَبَ ثُمَّ يُنْقَلَ إلى دارِ الثَّوابِ وهو المَطْلُوبُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ ووَعْدَ المُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى خِطابِ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَنالُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ فَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكم لِئَلّا يَسْمَعَ إلَهُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الخَلْقِ في جَمِيعِ الأعْمالِ، والمُرادُ أنَّ قَوْلَكم وعَمَلَكم عَلى أيِّ سَبِيلٍ وُجِدَ، فالحالُ واحِدٌ في عِلْمِهِ تَعالى بِهَذا، فاحْذَرُوا مِنَ المَعاصِي سِرًّا كَما تَحْتَرِزُونَ عَنْها جَهْرًا صفحة ٥٩ فَإنَّهُ لا يَتَفاوَتُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَما بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالجَهْرِ وبِالسِّرِّ بَيَّنَ أنَّهُ عالِمٌ بِخَواطِرِ القُلُوبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَوْنَهُ عالِمًا بِالجَهْرِ وبِالسِّرِّ وبِما في الصُّدُورِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِهَذِهِ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن خَلَقَ شَيْئًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِمَخْلُوقِهِ، وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ كَما أنَّها مُقَرَّرَةٌ بِهَذا النَّصِّ فَهي أيْضًا مُقَرَّرَةٌ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والتَّكْوِينِ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ، والقاصِدُ إلى الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإنَّ الغافِلَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قاصِدًا إلَيْهِ، وكَما أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الخالِقَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِماهِيَّةِ المَخْلُوقِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِكَمِّيَّتِهِ؛ لِأنَّ وُقُوعَهُ عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ دُونَ ما هو أزْيَدُ مِنهُ أوْ أنْقَصُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَصْدِ الفاعِلِ واخْتِيارِهِ، والقَصْدُ مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ المِقْدارَ، وأرادَ إيجادَ ذَلِكَ المِقْدارِ حَتّى يَكُونَ وُقُوعُ ذَلِكَ المِقْدارِ أوْلى مِن وُقُوعِ ما هو أزْيَدُ مِنهُ أوْ أنْقَصُ مِنهُ، وإلّا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ أوِ الأنْقَصِ تَرْجِيحًا لِأحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ مَن خَلَقَ شَيْئًا فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ المَخْلُوقِ وبِكَمِّيَّتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ، وإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ المُقَدِّمَةُ فَنَقُولُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قالُوا: لَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَكانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِها، لَكِنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِها فَهو غَيْرُ مُوجِدٍ لَها، بَيانُ المُلازِمَةِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ. الثّانِي: أنَّ وُقُوعَ عَشَرَةِ أجْزاءٍ مِنَ الحَرَكَةِ مَثَلًا مُمْكِنٌ ووُقُوعَ الأزْيَدِ مِنهُ والأنْقَصِ مِنهُ أيْضًا مُمْكِنٌ، فاخْتِصاصُ العَشَرَةِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ ودُونَ الأنْقَصِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ القادِرَ المُخْتارَ خَصَّهُ بِالإيقاعِ، وإلّا لَكانَ وُقُوعُهُ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ وُقُوعًا لِلْمُمْكِنِ المُحْدَثِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؛ لِأنَّ القادِرَ المُخْتارَ إذا خَصَّ تِلْكَ العَشَرَةَ بِالإيقاعِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِأنَّ الواقِعَ عَشَرَةٌ لا أزْيَدَ ولا أنْقَصَ، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لَوْ كانَ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَكانَ عالِمًا بِتَفاصِيلِها، وأمّا أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِها فَلِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ المُتَكَلِّمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ والبَطِيئَةِ لِأجْلِ تَخَلُّلِ السَّكَناتِ، فالفاعِلُ لِلْحَرَكَةِ البَطِيئَةِ قَدْ فَعَلَ في بَعْضِ الأحْيازِ حَرَكَةً وفي بَعْضِها سُكُونًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ ألْبَتَّةَ بِبالِهِ أنَّهُ فَعَلَ هَهُنا حَرَكَةً وهَهُنا سُكُونًا. وثانِيها: أنَّ فاعِلَ حَرَكَةٍ لا يَعْرِفُ عَدَدَ أجْزاءِ تِلْكَ الحَرَكاتِ إلّا إذا عَرَفَ عَدَدَ الأحْيازِ الَّتِي بَيْنَ مَبْدَأِ المَسْكَنَةِ ومُنْتَهاها، وذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى عِلْمِهِ بِأنَّ الجَواهِرَ الفَرْدِيَّةَ الَّتِي تَتَّسِعُ لَها تِلْكَ المَسافَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَمْ هي ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وثالِثُها: أنَّ النّائِمَ والمُغْمى عَلَيْهِ قَدْ يَتَحَرَّكُ مِن جَنْبٍ إلى جَنْبٍ مَعَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ ماهِيَّةَ تِلْكَ الحَرَكَةِ ولا كَمِّيَّتَها. ورابِعُها: أنَّ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ، وأبِي هاشِمٍ، الفاعِلُ إنَّما يَفْعَلُ مَعْنًى يَقْتَضِي الحُصُولَ في الحَيِّزِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَعْنى المُوجِبَ مِمّا لا يَخْطُرُ بِبالِ أكْثَرِ الخَلْقِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ عالِمٌ بِالسِّرِّ والجَهْرِ وبِكُلِّ ما في الصُّدُورِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ وهَذا الكَلامُ إنَّما يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ لَوْ كانَ تَعالى خالِقًا لِكُلِّ ما يَفْعَلُونَهُ في السِّرِّ والجَهْرِ، وفي الصُّدُورِ والقُلُوبِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ خالِقًا لَها لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ مُقْتَضِيًا كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِتِلْكَ الأشْياءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِجَمِيعِ ما يَفْعَلُونَهُ في السِّرِّ والجَهْرِ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ ومِن أفْعالِ القُلُوبِ، صفحة ٦٠ فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ الأجْسامَ والعالِمُ الَّذِي خَلَقَ الأجْسامَ هو العالِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خالِقًا لِغَيْرِ هَذِهِ الأشْياءِ كَوْنُهُ عالِمًا بِها؛ لِأنَّ مَن يَكُونُ فاعِلًا لِشَيْءٍ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِشَيْءٍ آخَرَ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ خالِقًا لَها كَوْنُهُ عالِمًا بِها؛ لِأنَّ خالِقَ الشَّيْءِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ والمَنصُوبُ يَكُونُ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ مَخْلُوقَهُ. وثانِيها: أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) في مَحَلِّ النَّصْبِ ويَكُونُ المَرْفُوعُ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَن خَلَقَ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ يُفِيدُ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِذاتِ مَن هو مَخْلُوقُهُ، ولا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عالِمًا بِأحْوالِ مَن هو مَخْلُوقُهُ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ هَذا لا الأوَّلُ. وثالِثُها: أنْ تَكُونَ (مَن) في تَقْدِيرِ ما كَما تَكُونُ ما في تَقْدِيرِ مَن في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ (الشَّمْسِ: ٥) وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ (ما) إشارَةً إلى ما يُسِرُّهُ الخَلْقُ وما يَجْهَرُونَهُ ويُضْمِرُونَهُ في صُدُورِهِمْ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أفْعالُ العِبادِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في (اللَّطِيفِ) فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ العالِمُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مَن يَكُونُ فاعِلًا لِلْأشْياءِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَخْفى كَيْفِيَّةُ عَمَلِها عَلى أكْثَرِ الفاعِلِينَ، ولِهَذا يُقالُ: إنَّ لُطْفَ اللَّهِ بِعِبادِهِ عَجِيبٌ، ويُرادُ بِهِ دَقائِقُ تَدْبِيرِهِ لَهم وفِيهِمْ، وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ وإلّا لَكانَ ذِكْرُ الخَبِيرِ بَعْدَهُ تَكْرارًا.

الملك 67:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ كَوْنَهُ عالِمًا بِما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ مَن قالَ لِعَبْدِهِ الَّذِي أساءَ إلى مَوْلاهُ في السِّرِّ: يا فُلانُ أنا أعْرِفُ سِرَّكَ وعَلانِيَتَكَ فاجْلِسْ في هَذِهِ الدّارِ الَّتِي وهَبْتُها مِنكَ، كُلُّ هَذا الخَيْرِ الَّذِي هَيَّأْتُهُ لَكَ ولا تَأْمَنُ تَأْدِيبِي، فَإنِّي إنْ شِئْتُ جَعَلْتُ هَذِهِ الدّارَ الَّتِي هي مَنزِلُ أمْنِكَ ومَرْكَزُ سَلامَتِكَ مَنشَأً لِلْآفاتِ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيها ومَنبَعًا لِلْمِحَنِ الَّتِي تَهْلِكُ بِسَبَبِها، فَكَذا هَهُنا، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أيُّها الكُفّارُ اعْلَمُوا أنِّي عالِمٌ بِسِرِّكم وجَهْرِكم، فَكُونُوا خائِفِينَ مِنِّي مُحْتَرِزِينَ مِن عِقابِي، فَهَذِهِ الأرْضُ الَّتِي تَمْشُونَ في مَناكِبِها، وتَعْتَقِدُونَ أنَّها أبْعَدُ الأشْياءِ عَنِ الإضْرارِ بِكم، أنا الَّذِي ذَلَّلْتُها إلَيْكم وجَعَلْتُها سَبَبًا لِنَفْعِكم، فامْشُوا في مَناكِبِها، فَإنَّنِي إنْ شِئْتُ خَسَفْتُ بِكم هَذِهِ الأرْضَ، وأنْزَلْتُ عَلَيْها مِنَ السَّماءِ أنْواعَ المِحَنِ، فَهَذا هو الوَجْهُ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الذَّلُولُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: المُنْقادُ الَّذِي يَذِلُّ لَكَ، ومَصْدَرُهُ الذُّلُّ، وهو الِانْقِيادُ واللِّينُ، ومِنهُ يُقالُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ، وفي وصْفِ الأرْضِ بِالذَّلُولِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ما جَعَلَها صَخْرِيَّةً خَشِنَةً بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ المَشْيُ عَلَيْها، كَما يَمْتَنِعُ المَشْيُ عَلى وُجُوهِ الصَّخْرَةِ الخَشِنَةِ. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَها لَيِّنَةً بِحَيْثُ يُمْكِنُ حَفْرُها، وبِناءُ الأبْنِيَةِ مِنها كَما يُرادُ، ولَوْ كانَتْ حَجَرِيَّةً صُلْبَةً لَتَعَذَّرَ ذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّها لَوْ كانَتْ حَجَرِيَّةً، أوْ صفحة ٦١ كانَتْ مِثْلَ الذَّهَبِ أوِ الحَدِيدِ، لَكانَتْ تَسْخُنُ جِدًّا في الصَّيْفِ، وكانَتْ تَبْرُدُ جِدًّا في الشِّتاءِ، ولَكانَتِ الزِّراعَةُ فِيها مُمْتَنِعَةً، والغِراسَةُ فِيها مُتَعَذِّرَةً، ولَما كانَتْ كِفاتًا لِلْأمْواتِ والأحْياءِ. ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى سَخَّرَها لَنا بِأنْ أمْسَكَها في جَوِّ الهَواءِ، ولَوْ كانَتْ مُتَحَرِّكَةً عَلى الِاسْتِقامَةِ، أوْ عَلى الِاسْتِدارَةِ لَمْ تَكُنْ مُنْقادَةً لَنا. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ أمْرُ إباحَةٍ، وكَذا القَوْلُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ . المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرُوا في مَناكِبِ الأرْضِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَشْيُ في مَناكِبِها مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ؛ لِأنَّ المَنكِبَيْنِ ومُلْتَقاهُما مِنَ الغارِبِ أرَقُّ شَيْءٍ مِنَ البَعِيرِ، وأبْعَدُهُ مِن إمْكانِ المَشْيِ عَلَيْهِ، فَإذا صارَ البَعِيرُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ المَشْيُ عَلى مَنكِبِهِ، فَقَدْ صارَ نِهايَةً في الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِها نِهايَةً في الذُّلُولِيَّةِ. وثانِيها: قَوْلُ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ مَناكِبَ الأرْضِ جِبالُها وآكامُها، وسُمِّيَتِ الجِبالُ مَناكِبَ؛ لِأنَّ مَناكِبَ الإنْسانِ شاخِصَةٌ والجِبالُ أيْضًا شاخِصَةٌ، والمَعْنى أنِّي سَهَّلْتُ عَلَيْكُمُ المَشْيَ في مَناكِبِها، وهي أبْعَدُ أجْزائِها عَنِ التَّذْلِيلِ، فَكَيْفَ الحالُ في سائِرِ أجْزائِها. وثالِثُها: أنَّ مَناكِبَها هي الطُّرُقُ، والفِجاجُ والأطْرافُ والجَوانِبُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ورِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، قالَ: مَناكِبُها جَوانِبُها، ومَنكِبا الرَّجُلِ جانِباهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ (نُوحٍ: ١٩، ٢٠) أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ أيْ مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا لَكم في الأرْضِ: ﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ يَعْنِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُكْثُكم في الأرْضِ وأكْلُكم مِن رِزْقِ اللَّهِ مُكْثَ مَن يَعْلَمُ أنَّ مَرْجِعَهُ إلى اللَّهِ، وأكْلَ مَن يَتَيَقَّنُ أنَّ مَصِيرَهُ إلى اللَّهِ، والمُرادُ تَحْذِيرُهم عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي في السِّرِّ والجَهْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ بَقاءَهم مَعَ هَذِهِ السَّلامَةِ في الأرْضِ إنَّما كانَ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَقَلَبَ الأمْرَ عَلَيْهِمْ، ولَأمْطَرَ عَلَيْهِمْ مِن سَحابِ القَهْرِ مَطَرَ الآفاتِ.

الملك 67:16

فَقالَ تَقْرِيرًا لِهَذا المَعْنى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٦٥) وقالَ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ (القَصَصِ: ٨١) . واعْلَمْ أنَّ المُشَبِّهَةَ احْتَجُّوا عَلى إثْباتِ المَكانِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾، والجَوابُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ في السَّماءِ يَقْتَضِي كَوْنَ السَّماءِ مُحِيطًا بِهِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، فَيَكُونُ أصْغَرَ مِنَ السَّماءِ، والسَّماءُ أصْغَرُ مِنَ العَرْشِ بِكَثِيرٍ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا حَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى العَرْشِ، وذَلِكَ بِاتِّفاقِ أهْلِ الإسْلامِ مُحالٌ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ (الأنْعامِ: ١٢) فَلَوْ كانَ اللَّهُ في السَّماءِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مالِكًا لِنَفْسِهِ وهَذا مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَجِبُ صَرْفُها عَنْ ظاهِرِها إلى التَّأْوِيلِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ عَذابُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ بِأنَّهُ إنَّما يَنْزِلُ البَلاءُ عَلى مَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ ويَعْصِيهِ مِنَ السَّماءِ، فالسَّماءُ مَوْضِعُ عَذابِهِ تَعالى، كَما أنَّهُ مَوْضِعُ نُزُولِ رَحْمَتِهِ ونِعْمَتِهِ. وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: كانَتِ العَرَبُ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ، لَكِنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ في السَّماءِ عَلى وفْقِ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى صفحة ٦٢ قالَ لَهم: أتَأْمَنُونَ مَن قَدْ أقْرَرْتُمْ بِأنَّهُ في السَّماءِ، واعْتَرَفْتُمْ لَهُ بِالقُدْرَةِ عَلى ما يَشاءُ، أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ. وثالِثُها: تَقْدِيرُ الآيَةِ: مَن في السَّماءِ سُلْطانُهُ ومُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ السَّماءِ تَفْخِيمُ سُلْطانِ اللَّهِ وتَعْظِيمُ قُدْرَتِهِ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ (الأنْعامِ: ٣) فَإنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ لا يَكُونُ دُفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ نَفاذَ أمْرِهِ وقُدْرَتِهِ، وجَرَيانَ مَشِيئَتِهِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، فَكَذا هَهُنا. ورابِعُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن في السَّماءِ﴾ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالعَذابِ، وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنْ يَخْسِفَ بِهِمُ الأرْضَ بِأمْرِ اللَّهِ وإذْنِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ قالُوا مَعْناهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَرِّكُ الأرْضَ عِنْدَ الخَسْفِ بِهِمْ حَتّى تَضْطَرِبَ وتَتَحَرَّكَ، فَتَعْلُوَ عَلَيْهِمْ وهم يُخْسَفُونَ فِيها، فَيَذْهَبُونَ والأرْضُ فَوْقَهم تَمُورُ، فَتُلْقِيهِمْ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ المَوْرِ فِيما تَقَدَّمَ.

الملك 67:17

ثُمَّ زادَ في التَّخْوِيفِ فَقالَ: ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَما أرْسَلَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا﴾ (القَمَرِ: ٣٤) والحاصِبُ رِيحٌ فِيها حِجارَةٌ وحَصْباءُ، كَأنَّها تَقْلَعُ الحَصْباءَ لِشِدَّتِها، وقِيلَ: هو سَحابٌ فِيها حِجارَةٌ. ثُمَّ هَدَّدَ وأوْعَدَ فَقالَ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . قِيلَ في النَّذِيرِ هَهُنا إنَّهُ المُنْذِرُ، يَعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ، والمَعْنى فَسَتَعْلَمُونَ رَسُولِي وصِدْقَهُ، لَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُكم ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى الإنْذارِ، والمَعْنى فَسَتَعْلَمُونَ عاقِبَةَ إنْذارِي إيّاكم بِالكِتابِ والرَّسُولِ، و(كَيْفَ) في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ يُنْبِئُ عَمّا ذَكَرْنا مِن صِدْقِ الرَّسُولِ وعُقُوبَةِ الإنْذارِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِهَذِهِ التَّخْوِيفاتِ أكَّدَ ذَلِكَ التَّخْوِيفَ بِالمِثالِ والبُرْهانِ، أمّا المِثالُ فَهو أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم شاهَدُوا أمْثالَ هَذِهِ العُقُوباتِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ فَقالَ:

الملك 67:18

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ يَعْنِي عادًا وثَمُودَ وكُفّارَ الأُمَمِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ الواحِدِيُّ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي وتَغْيِيرِي، ألَيْسَ وجَدُوا العَذابَ حَقًّا. والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّكِيرُ عِقابُ المُنْكِرِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما سَقَطَ الياءُ مِن نَذِيرِي، ومِن نَكِيرِي حَتّى تَكُونَ مُشابِهَةً لِرُءُوسِ الآيِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْها، والمُتَأخِّرَةِ عَنْها. وأمّا البُرْهانُ فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى إيصالِ جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ إلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ البُرْهانُ مِن وُجُوهٍ: البُرْهانُ الأوَّلُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ . صفحة ٦٣ ﴿صافّاتٍ﴾ أيْ باسِطاتٍ أجْنِحَتِهِنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جُنُوبَهُنَّ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وقابِضاتٍ، قُلْنا: لِأنَّ الطَّيَرانَ في الهَواءِ كالسِّباحَةِ في الماءِ، والأصْلُ في السِّباحَةِ مَدُّ الأطْرافِ وبَسْطُها، وأمّا القَبْضُ فَطارِئٌ عَلى البَسْطِ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحَرُّكِ، فَجِيءَ بِما هو طارِئٌ غَيْرُ أصْلِيٍّ بِلَفْظِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى أنَّهُنَّ صافّاتٍ، ويَكُونُ مِنهُنَّ القَبْضُ تارَةً بَعْدَ تارَةٍ، كَما يَكُونُ مِنَ السّابِحِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها مَعَ ثِقَلِها وضَخامَةِ أجْسامِها لَمْ يَكُنْ بَقاؤُها في جَوِّ الهَواءِ إلّا بِإمْساكِ اللَّهِ وحِفْظِهِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ لِلْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، قُلْنا: نَعَمْ، وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِمْساكَ الطَّيْرِ في الهَواءِ فِعْلٌ اخْتِيارِيٌّ لِلطَّيْرِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ (النَّحْلِ: ٧٩) وقالَ هَهُنا: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: ذَكَرَ في النَّحْلِ أنَّ الطَّيْرَ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ فَلا جَرَمَ كانَ إمْساكُها هُناكَ مَحْضَ الإلَهِيَّةِ، وذَكَرَ هَهُنا أنَّها صافّاتٌ وقابِضاتٌ، فَكانَ إلْهامُها إلى كَيْفِيَّةِ البَسْطِ والقَبْضِ عَلى الوَجْهِ المُطابِقِ لِلْمَنفَعَةِ مِن رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ البَصِيرِ، كَوْنُهُ عالِمًا بِالأشْياءِ الدَّقِيقَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ بَصُرَ في هَذا الأمْرِ، أيْ حَذَقَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نُجْرِيَ اللَّفْظَ عَلى ظاهِرِهِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى شَيْءٌ، واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ، فَيَكُونُ رائِيًا لِنَفْسِهِ ولِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، وهَذا هو الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا مِن أنَّهُ تَعالى يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا وأنَّ كُلَّ المَوْجُوداتِ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: البَصِيرُ إذا عُدِّيَ بِالباءِ يَكُونُ بِمَعْنى العالِمِ، يُقالُ: فُلانٌ بَصِيرٌ بِكَذا إنْ كانَ عالِمًا بِهِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بِالمَسْمُوعاتِ، بَصِيرٌ بِالمُبْصَراتِ.

الملك 67:19

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ يَعْنِي عادًا وثَمُودَ وكُفّارَ الأُمَمِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ الواحِدِيُّ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي وتَغْيِيرِي، ألَيْسَ وجَدُوا العَذابَ حَقًّا. والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّكِيرُ عِقابُ المُنْكِرِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما سَقَطَ الياءُ مِن نَذِيرِي، ومِن نَكِيرِي حَتّى تَكُونَ مُشابِهَةً لِرُءُوسِ الآيِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْها، والمُتَأخِّرَةِ عَنْها. وأمّا البُرْهانُ فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى إيصالِ جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ إلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ البُرْهانُ مِن وُجُوهٍ: البُرْهانُ الأوَّلُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ . صفحة ٦٣ ﴿صافّاتٍ﴾ أيْ باسِطاتٍ أجْنِحَتِهِنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جُنُوبَهُنَّ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وقابِضاتٍ، قُلْنا: لِأنَّ الطَّيَرانَ في الهَواءِ كالسِّباحَةِ في الماءِ، والأصْلُ في السِّباحَةِ مَدُّ الأطْرافِ وبَسْطُها، وأمّا القَبْضُ فَطارِئٌ عَلى البَسْطِ لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحَرُّكِ، فَجِيءَ بِما هو طارِئٌ غَيْرُ أصْلِيٍّ بِلَفْظِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى أنَّهُنَّ صافّاتٍ، ويَكُونُ مِنهُنَّ القَبْضُ تارَةً بَعْدَ تارَةٍ، كَما يَكُونُ مِنَ السّابِحِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّها مَعَ ثِقَلِها وضَخامَةِ أجْسامِها لَمْ يَكُنْ بَقاؤُها في جَوِّ الهَواءِ إلّا بِإمْساكِ اللَّهِ وحِفْظِهِ، وهَهُنا سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ لِلْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، قُلْنا: نَعَمْ، وذَلِكَ لِأنَّ اسْتِمْساكَ الطَّيْرِ في الهَواءِ فِعْلٌ اخْتِيارِيٌّ لِلطَّيْرِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ (النَّحْلِ: ٧٩) وقالَ هَهُنا: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: ذَكَرَ في النَّحْلِ أنَّ الطَّيْرَ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ فَلا جَرَمَ كانَ إمْساكُها هُناكَ مَحْضَ الإلَهِيَّةِ، وذَكَرَ هَهُنا أنَّها صافّاتٌ وقابِضاتٌ، فَكانَ إلْهامُها إلى كَيْفِيَّةِ البَسْطِ والقَبْضِ عَلى الوَجْهِ المُطابِقِ لِلْمَنفَعَةِ مِن رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنَ البَصِيرِ، كَوْنُهُ عالِمًا بِالأشْياءِ الدَّقِيقَةِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ بَصُرَ في هَذا الأمْرِ، أيْ حَذَقَ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ نُجْرِيَ اللَّفْظَ عَلى ظاهِرِهِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى شَيْءٌ، واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ، فَيَكُونُ رائِيًا لِنَفْسِهِ ولِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، وهَذا هو الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا مِن أنَّهُ تَعالى يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا وأنَّ كُلَّ المَوْجُوداتِ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: البَصِيرُ إذا عُدِّيَ بِالباءِ يَكُونُ بِمَعْنى العالِمِ، يُقالُ: فُلانٌ بَصِيرٌ بِكَذا إنْ كانَ عالِمًا بِهِ، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بِالمَسْمُوعاتِ، بَصِيرٌ بِالمُبْصَراتِ.

الملك 67:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الكافِرِينَ كانُوا يَمْتَنِعُونَ عَنِ الإيمانِ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى دَعْوَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ تَعْوِيلُهم عَلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: القُوَّةُ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً لَهم بِسَبَبِ مالِهِمْ وجُنْدِهِمْ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الأوْثانُ تُوصِلُ إلَيْنا جَمِيعَ الخَيْراتِ، وتَدْفَعُ عَنّا كُلَّ الآفاتِ. وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، أمّا الأوَّلُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ وهَذا نَسَقٌ صفحة ٦٤ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ (المُلْكِ: ١٦) والمَعْنى أمْ مَن يُشارُ إلَيْهِ مِنَ المَجْمُوعِ، ويُقالُ: هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرْسَلَ عَذابَهُ عَلَيْكم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ أيْ مِنَ الشَّيْطانِ يَغُرُّهم بِأنَّ العَذابَ لا يَنْزِلُ بِهِمْ. أمّا الثّانِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ . والمَعْنى: مَنِ الَّذِي يَرْزُقُكم مِن آلِهَتِكم إنْ أمْسَكَ اللَّهُ الرِّزْقَ عَنْكم، وهَذا أيْضًا مِمّا لا يُنْكِرُهُ ذُو عَقْلٍ، وهَذا أنَّهُ تَعالى لَوْ أمْسَكَ أسْبابَ الرِّزْقِ كالمَطَرِ والنَّباتِ وغَيْرِهِما لَما وُجِدَ رازِقٌ سِواهُ فَعِنْدَ وُضُوحِ هَذا الأمْرِ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ والمُرادُ أصَرُّوا وتَشَدَّدُوا مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ، في عُتُوٍّ أيْ في تَمَرُّدٍ وتَكَبُّرٍ ونُفُورٍ، أيْ تَباعُدٍ عَنِ الحَقِّ وإعْراضٍ عَنْهُ، فالعُتُوُّ بِسَبَبِ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وهو إشارَةٌ إلى فَسادِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، والنُّفُورُ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ، وهَذا إشارَةٌ إلى فَسادِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعُتُوِّ والنُّفُورِ، نَبَّهَ عَلى ما يَدُلُّ عَلى قُبْحِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أكَبَّ مُطاوِعُ كَبَّهُ، يُقالُ: كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ، ونَظِيرُهُ قَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ فَأقْشَعَ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجاءَ شَيْءٌ مِن بِناءِ أفْعَلَ مُطاوِعًا ؟ بَلْ قَوْلُكَ: أكَبَّ مَعْناهُ دَخَلَ في الكَبِّ وصارَ ذا كَبٍّ، وكَذَلِكَ أقْشَعَ السَّحابُ دَخَلَ في القَشْعِ، وأنْفَضَ أيْ دَخَلَ في النَّفْضِ، وهو نَفْضُ الوِعاءِ، فَصارَ عِبارَةً عَنِ الفَقْرِ، وألامَ دَخَلَ في اللَّوْمِ، وأمّا مُطاوِعُ كَبَّ وقَشَعَ فَهو انْكَبَّ وانْقَشَعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يَمْشِي في مَكانٍ غَيْرِ مُسْتَوٍ، بَلْ فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ فَيَعْثُرُ كُلَّ ساعَةٍ ويَخِرُّ عَلى وجْهِهِ مُكِبًّا، فَحالُهُ نَقِيضُ حالِ مَن يَمْشِي سَوِيًّا أيْ قائِمًا سالِمًا مِنَ العُثُورِ والخُرُورِ. وثانِيها: أنَّ المُتَعَسِّفَ الَّذِي يَمْشِي هَكَذا وهَكَذا عَلى الجَهالَةِ والحَيْرَةِ لا يَكُونُ كَمَن يَمْشِي إلى جِهَةٍ مَعْلُومَةٍ مَعَ العِلْمِ واليَقِينِ. وثالِثُها: أنَّ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَيَتَعَسَّفُ ولا يَزالُ يَنْكَبُّ عَلى وجْهِهِ لا يَكُونُ كالرَّجُلِ السَّوِيِّ الصَّحِيحِ البَصَرِ الماشِي في الطَّرِيقِ المَعْلُومِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هَذا حِكايَةُ حالِ الكافِرِ في الآخِرَةِ، قالَ قَتادَةُ: الكافِرُ أكَبَّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ فَحَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ، والمُؤْمِنُ كانَ عَلى الدِّينِ الواضِحِ فَحَشَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا حِكايَةُ حالِ المُؤْمِنِ والكافِرِ والعالِمِ والجاهِلِ في الدُّنْيا، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَمِنهم مَن قالَ: هَذا عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ.

الملك 67:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الكافِرِينَ كانُوا يَمْتَنِعُونَ عَنِ الإيمانِ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى دَعْوَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ تَعْوِيلُهم عَلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: القُوَّةُ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً لَهم بِسَبَبِ مالِهِمْ وجُنْدِهِمْ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الأوْثانُ تُوصِلُ إلَيْنا جَمِيعَ الخَيْراتِ، وتَدْفَعُ عَنّا كُلَّ الآفاتِ. وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، أمّا الأوَّلُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ وهَذا نَسَقٌ صفحة ٦٤ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ (المُلْكِ: ١٦) والمَعْنى أمْ مَن يُشارُ إلَيْهِ مِنَ المَجْمُوعِ، ويُقالُ: هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرْسَلَ عَذابَهُ عَلَيْكم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ أيْ مِنَ الشَّيْطانِ يَغُرُّهم بِأنَّ العَذابَ لا يَنْزِلُ بِهِمْ. أمّا الثّانِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ . والمَعْنى: مَنِ الَّذِي يَرْزُقُكم مِن آلِهَتِكم إنْ أمْسَكَ اللَّهُ الرِّزْقَ عَنْكم، وهَذا أيْضًا مِمّا لا يُنْكِرُهُ ذُو عَقْلٍ، وهَذا أنَّهُ تَعالى لَوْ أمْسَكَ أسْبابَ الرِّزْقِ كالمَطَرِ والنَّباتِ وغَيْرِهِما لَما وُجِدَ رازِقٌ سِواهُ فَعِنْدَ وُضُوحِ هَذا الأمْرِ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ والمُرادُ أصَرُّوا وتَشَدَّدُوا مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ، في عُتُوٍّ أيْ في تَمَرُّدٍ وتَكَبُّرٍ ونُفُورٍ، أيْ تَباعُدٍ عَنِ الحَقِّ وإعْراضٍ عَنْهُ، فالعُتُوُّ بِسَبَبِ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وهو إشارَةٌ إلى فَسادِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، والنُّفُورُ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ، وهَذا إشارَةٌ إلى فَسادِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعُتُوِّ والنُّفُورِ، نَبَّهَ عَلى ما يَدُلُّ عَلى قُبْحِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أكَبَّ مُطاوِعُ كَبَّهُ، يُقالُ: كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ، ونَظِيرُهُ قَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ فَأقْشَعَ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجاءَ شَيْءٌ مِن بِناءِ أفْعَلَ مُطاوِعًا ؟ بَلْ قَوْلُكَ: أكَبَّ مَعْناهُ دَخَلَ في الكَبِّ وصارَ ذا كَبٍّ، وكَذَلِكَ أقْشَعَ السَّحابُ دَخَلَ في القَشْعِ، وأنْفَضَ أيْ دَخَلَ في النَّفْضِ، وهو نَفْضُ الوِعاءِ، فَصارَ عِبارَةً عَنِ الفَقْرِ، وألامَ دَخَلَ في اللَّوْمِ، وأمّا مُطاوِعُ كَبَّ وقَشَعَ فَهو انْكَبَّ وانْقَشَعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يَمْشِي في مَكانٍ غَيْرِ مُسْتَوٍ، بَلْ فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ فَيَعْثُرُ كُلَّ ساعَةٍ ويَخِرُّ عَلى وجْهِهِ مُكِبًّا، فَحالُهُ نَقِيضُ حالِ مَن يَمْشِي سَوِيًّا أيْ قائِمًا سالِمًا مِنَ العُثُورِ والخُرُورِ. وثانِيها: أنَّ المُتَعَسِّفَ الَّذِي يَمْشِي هَكَذا وهَكَذا عَلى الجَهالَةِ والحَيْرَةِ لا يَكُونُ كَمَن يَمْشِي إلى جِهَةٍ مَعْلُومَةٍ مَعَ العِلْمِ واليَقِينِ. وثالِثُها: أنَّ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَيَتَعَسَّفُ ولا يَزالُ يَنْكَبُّ عَلى وجْهِهِ لا يَكُونُ كالرَّجُلِ السَّوِيِّ الصَّحِيحِ البَصَرِ الماشِي في الطَّرِيقِ المَعْلُومِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هَذا حِكايَةُ حالِ الكافِرِ في الآخِرَةِ، قالَ قَتادَةُ: الكافِرُ أكَبَّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ فَحَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ، والمُؤْمِنُ كانَ عَلى الدِّينِ الواضِحِ فَحَشَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا حِكايَةُ حالِ المُؤْمِنِ والكافِرِ والعالِمِ والجاهِلِ في الدُّنْيا، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَمِنهم مَن قالَ: هَذا عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ.

الملك 67:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ الكافِرِينَ كانُوا يَمْتَنِعُونَ عَنِ الإيمانِ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى دَعْوَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ تَعْوِيلُهم عَلى شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: القُوَّةُ الَّتِي كانَتْ حاصِلَةً لَهم بِسَبَبِ مالِهِمْ وجُنْدِهِمْ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الأوْثانُ تُوصِلُ إلَيْنا جَمِيعَ الخَيْراتِ، وتَدْفَعُ عَنّا كُلَّ الآفاتِ. وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، أمّا الأوَّلُ فَبِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ وهَذا نَسَقٌ صفحة ٦٤ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ (المُلْكِ: ١٦) والمَعْنى أمْ مَن يُشارُ إلَيْهِ مِنَ المَجْمُوعِ، ويُقالُ: هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرْسَلَ عَذابَهُ عَلَيْكم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ أيْ مِنَ الشَّيْطانِ يَغُرُّهم بِأنَّ العَذابَ لا يَنْزِلُ بِهِمْ. أمّا الثّانِي فَهو قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ . والمَعْنى: مَنِ الَّذِي يَرْزُقُكم مِن آلِهَتِكم إنْ أمْسَكَ اللَّهُ الرِّزْقَ عَنْكم، وهَذا أيْضًا مِمّا لا يُنْكِرُهُ ذُو عَقْلٍ، وهَذا أنَّهُ تَعالى لَوْ أمْسَكَ أسْبابَ الرِّزْقِ كالمَطَرِ والنَّباتِ وغَيْرِهِما لَما وُجِدَ رازِقٌ سِواهُ فَعِنْدَ وُضُوحِ هَذا الأمْرِ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ والمُرادُ أصَرُّوا وتَشَدَّدُوا مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ، في عُتُوٍّ أيْ في تَمَرُّدٍ وتَكَبُّرٍ ونُفُورٍ، أيْ تَباعُدٍ عَنِ الحَقِّ وإعْراضٍ عَنْهُ، فالعُتُوُّ بِسَبَبِ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا وهو إشارَةٌ إلى فَسادِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، والنُّفُورُ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ، وهَذا إشارَةٌ إلى فَسادِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعُتُوِّ والنُّفُورِ، نَبَّهَ عَلى ما يَدُلُّ عَلى قُبْحِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ؛ فَقالَ تَعالى: ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أكَبَّ مُطاوِعُ كَبَّهُ، يُقالُ: كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ، ونَظِيرُهُ قَشَعَتِ الرِّيحُ السَّحابَ فَأقْشَعَ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجاءَ شَيْءٌ مِن بِناءِ أفْعَلَ مُطاوِعًا ؟ بَلْ قَوْلُكَ: أكَبَّ مَعْناهُ دَخَلَ في الكَبِّ وصارَ ذا كَبٍّ، وكَذَلِكَ أقْشَعَ السَّحابُ دَخَلَ في القَشْعِ، وأنْفَضَ أيْ دَخَلَ في النَّفْضِ، وهو نَفْضُ الوِعاءِ، فَصارَ عِبارَةً عَنِ الفَقْرِ، وألامَ دَخَلَ في اللَّوْمِ، وأمّا مُطاوِعُ كَبَّ وقَشَعَ فَهو انْكَبَّ وانْقَشَعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يَمْشِي في مَكانٍ غَيْرِ مُسْتَوٍ، بَلْ فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ فَيَعْثُرُ كُلَّ ساعَةٍ ويَخِرُّ عَلى وجْهِهِ مُكِبًّا، فَحالُهُ نَقِيضُ حالِ مَن يَمْشِي سَوِيًّا أيْ قائِمًا سالِمًا مِنَ العُثُورِ والخُرُورِ. وثانِيها: أنَّ المُتَعَسِّفَ الَّذِي يَمْشِي هَكَذا وهَكَذا عَلى الجَهالَةِ والحَيْرَةِ لا يَكُونُ كَمَن يَمْشِي إلى جِهَةٍ مَعْلُومَةٍ مَعَ العِلْمِ واليَقِينِ. وثالِثُها: أنَّ الأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ فَيَتَعَسَّفُ ولا يَزالُ يَنْكَبُّ عَلى وجْهِهِ لا يَكُونُ كالرَّجُلِ السَّوِيِّ الصَّحِيحِ البَصَرِ الماشِي في الطَّرِيقِ المَعْلُومِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: هَذا حِكايَةُ حالِ الكافِرِ في الآخِرَةِ، قالَ قَتادَةُ: الكافِرُ أكَبَّ عَلى مَعاصِي اللَّهِ فَحَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وجْهِهِ، والمُؤْمِنُ كانَ عَلى الدِّينِ الواضِحِ فَحَشَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا حِكايَةُ حالِ المُؤْمِنِ والكافِرِ والعالِمِ والجاهِلِ في الدُّنْيا، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَمِنهم مَن قالَ: هَذا عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، فَقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو أبُو جَهْلٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ.

الملك 67:23

البُرْهانُ الثّانِي عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ صفحة ٦٥ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْرَدَ البُرْهانَ أوَّلًا مِن حالِ سائِرِ الحَيَواناتِ، وهو وُقُوفُ الطَّيْرِ في الهَواءِ، أوْرَدَ البُرْهانَ بَعْدَهُ مِن أحْوالِ النّاسِ وهو هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ مِن عَجائِبِ ما فِيهِ حالَ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، ولَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ أحْوالِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، واعْلَمْ أنَّ في ذِكْرِها هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى دَقِيقَةٍ لَطِيفَةٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أعْطَيْتُكم هَذِهِ الإعْطاءاتِ الثَّلاثَةَ مَعَ ما فِيها مِنَ القُوى الشَّرِيفَةِ، لَكِنَّكم ضَيَّعْتُمُوها فَلَمْ تَقْبَلُوا ما سَمِعْتُمُوهُ ولا اعْتَبَرْتُمْ بِما أبْصَرْتُمُوهُ، ولا تَأمَّلْتُمْ في عاقِبَةِ ما عَقَلْتُمُوهُ، فَكَأنَّكم ضَيَّعْتُمْ هَذِهِ النِّعَمَ وأفْسَدْتُمْ هَذِهِ المَواهِبَ، فَلِهَذا قالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى هو أنْ يَصْرِفَ تِلْكَ النِّعْمَةَ إلى وجْهِ رِضاهُ، وأنْتُمْ لَمّا صَرَفْتُمُ السَّمْعَ والبَصَرَ والعَقْلَ لا إلى طَلَبِ مَرْضاتِهِ فَأنْتُمْ ما شَكَرْتُمْ نِعْمَتَهُ ألْبَتَّةَ.

الملك 67:24

البُرْهانُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ أوَّلًا ثُمَّ بِصِفاتِ الإنْسانِ ثانِيًا وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، ثُمَّ بِحُدُوثِ ذاتِهِ ثالِثًا وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ واحْتَجَّ المُتَكَلِّمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ هو الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ عَنِ التَّحَيُّزِ والكَمِّيَّةِ عَلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ ذَرَأ الإنْسانَ في الأرْضِ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الإنْسانِ مُتَحَيِّزًا جِسْمًا، واعْلَمْ أنَّ الشُّرُوعَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِبَيانِ صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِيُثْبِتَ ما ادَّعاهُ مِنَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ (المُلْكِ: ٢) ثُمَّ لِأجْلِ إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، ذَكَرَ وُجُوهًا مِنَ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ، ثُمَّ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الخَلْقِ ابْتِداءً تُوجِبُ القُدْرَةَ عَلى الإعادَةِ لا جَرَمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِإثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يُخَوِّفَهم بِعَذابِ اللَّهِ حَكى عَنِ الكُفّارِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم طالَبُوهُ بِتَعْيِينِ الوَقْتِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى قالَ: يَقُولُ، بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ فَهَذا يَحْتَمِلُ ما يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ مِن هَذا القَوْلِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَحْتَمِلُ الماضِيَ، والتَّقْدِيرُ: فَكانُوا يَقُولُونَ هَذا الوَعْدَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، ولَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَها إبْهامًا لِلضَّعَفَةِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَعَجَّلْ فَلا أصْلَ لَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوَعْدُ المَسْؤُولُ عَنْهُ ما هو ؟ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامَةُ. والثّانِي: أنَّهُ مُطْلَقُ العَذابِ. وفائِدَةُ هَذا الِاخْتِلافِ تَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. صفحة ٦٦ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ والمُرادُ أنَّ العِلْمَ بِالوُقُوعِ غَيْرُ العِلْمِ بِوَقْتِ الوُقُوعِ، فالعِلْمُ الأوَّلُ حاصِلٌ عِنْدِي، وهو كافٍ في الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ، أمّا العِلْمُ الثّانِي فَلَيْسَ إلّا لِلَّهِ، ولا حاجَةَ في كَوْنِي نَذِيرًا مُبِينًا إلَيْهِ.

الملك 67:25

البُرْهانُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ أوَّلًا ثُمَّ بِصِفاتِ الإنْسانِ ثانِيًا وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، ثُمَّ بِحُدُوثِ ذاتِهِ ثالِثًا وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ واحْتَجَّ المُتَكَلِّمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ هو الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ عَنِ التَّحَيُّزِ والكَمِّيَّةِ عَلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ ذَرَأ الإنْسانَ في الأرْضِ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الإنْسانِ مُتَحَيِّزًا جِسْمًا، واعْلَمْ أنَّ الشُّرُوعَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِبَيانِ صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِيُثْبِتَ ما ادَّعاهُ مِنَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ (المُلْكِ: ٢) ثُمَّ لِأجْلِ إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، ذَكَرَ وُجُوهًا مِنَ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ، ثُمَّ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الخَلْقِ ابْتِداءً تُوجِبُ القُدْرَةَ عَلى الإعادَةِ لا جَرَمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِإثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يُخَوِّفَهم بِعَذابِ اللَّهِ حَكى عَنِ الكُفّارِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم طالَبُوهُ بِتَعْيِينِ الوَقْتِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى قالَ: يَقُولُ، بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ فَهَذا يَحْتَمِلُ ما يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ مِن هَذا القَوْلِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَحْتَمِلُ الماضِيَ، والتَّقْدِيرُ: فَكانُوا يَقُولُونَ هَذا الوَعْدَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، ولَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَها إبْهامًا لِلضَّعَفَةِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَعَجَّلْ فَلا أصْلَ لَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوَعْدُ المَسْؤُولُ عَنْهُ ما هو ؟ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامَةُ. والثّانِي: أنَّهُ مُطْلَقُ العَذابِ. وفائِدَةُ هَذا الِاخْتِلافِ تَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. صفحة ٦٦ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ والمُرادُ أنَّ العِلْمَ بِالوُقُوعِ غَيْرُ العِلْمِ بِوَقْتِ الوُقُوعِ، فالعِلْمُ الأوَّلُ حاصِلٌ عِنْدِي، وهو كافٍ في الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ، أمّا العِلْمُ الثّانِي فَلَيْسَ إلّا لِلَّهِ، ولا حاجَةَ في كَوْنِي نَذِيرًا مُبِينًا إلَيْهِ.

الملك 67:26

البُرْهانُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ أوَّلًا ثُمَّ بِصِفاتِ الإنْسانِ ثانِيًا وهي السَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، ثُمَّ بِحُدُوثِ ذاتِهِ ثالِثًا وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ واحْتَجَّ المُتَكَلِّمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ هو الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ عَنِ التَّحَيُّزِ والكَمِّيَّةِ عَلى ما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ وجَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ ذَرَأ الإنْسانَ في الأرْضِ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الإنْسانِ مُتَحَيِّزًا جِسْمًا، واعْلَمْ أنَّ الشُّرُوعَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِبَيانِ صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ لِيُثْبِتَ ما ادَّعاهُ مِنَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ (المُلْكِ: ٢) ثُمَّ لِأجْلِ إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، ذَكَرَ وُجُوهًا مِنَ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ، ثُمَّ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الخَلْقِ ابْتِداءً تُوجِبُ القُدْرَةَ عَلى الإعادَةِ لا جَرَمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الدَّلائِلِ إنَّما كانَ لِإثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يُخَوِّفَهم بِعَذابِ اللَّهِ حَكى عَنِ الكُفّارِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم طالَبُوهُ بِتَعْيِينِ الوَقْتِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ تَعالى قالَ: يَقُولُ، بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ فَهَذا يَحْتَمِلُ ما يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ مِن هَذا القَوْلِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَحْتَمِلُ الماضِيَ، والتَّقْدِيرُ: فَكانُوا يَقُولُونَ هَذا الوَعْدَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ، ولَعَلَّهم كانُوا يَقُولُونَها إبْهامًا لِلضَّعَفَةِ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَتَعَجَّلْ فَلا أصْلَ لَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوَعْدُ المَسْؤُولُ عَنْهُ ما هو ؟ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامَةُ. والثّانِي: أنَّهُ مُطْلَقُ العَذابِ. وفائِدَةُ هَذا الِاخْتِلافِ تَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. صفحة ٦٦ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ والمُرادُ أنَّ العِلْمَ بِالوُقُوعِ غَيْرُ العِلْمِ بِوَقْتِ الوُقُوعِ، فالعِلْمُ الأوَّلُ حاصِلٌ عِنْدِي، وهو كافٍ في الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ، أمّا العِلْمُ الثّانِي فَلَيْسَ إلّا لِلَّهِ، ولا حاجَةَ في كَوْنِي نَذِيرًا مُبِينًا إلَيْهِ.

الملك 67:27

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ حالَهم عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ الوَعْدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأوْهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْوَعْدِ، والزُّلْفَةُ القُرْبُ والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا رَأوْهُ قُرْبًا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ قُرْبُهُ، جَعَلَ كَأنَّهُ في نَفْسِ القُرْبِ. وقالَ الحَسَنُ: مُعايَنَةً، وهَذا مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما قَرُبَ مِنَ الإنْسانِ رَآهُ مُعايَنَةً. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْوَدَّتْ وعَلَتْها الكَآبَةُ والقَتَرَةُ، وقالَ الزَّجّاجُ: تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، وأصْلُ السُّوءِ القُبْحُ، والسَّيِّئَةُ ضِدُّ الحَسَنَةِ، يُقالُ: ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ إذا قَبُحَ، وسِيءَ يُساءُ إذا قَبُحَ، وهو فِعْلٌ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ فَمَعْنى سِيئَتْ وُجُوهُهم قَبُحَتْ بِأنْ عَلَتْها الكَآبَةُ وغَشِيَها الكُسُوفُ والقَتَرَةُ وكَلَحُوا، وصارَتْ وُجُوهُهم كَوَجْهِ مَن يُقادُ إلى القَتْلِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي، فَمَن حَمَلَ الوَعْدَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ عَلى مُطْلَقِ العَذابِ سَهُلَ تَفْسِيرُ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ فَلِهَذا قالَ أبُو مُسْلِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَمّا أتاهم عَذابُ اللَّهِ المُهْلِكُ لَهم كالَّذِي نَزَلَ بِعادٍ وثَمُودَ سِيئَتْ وُجُوهُهم عِنْدَ قُرْبِهِ مِنهم، وأمّا مَن فَسَّرَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِالقِيامَةِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ مَعْناهُ فَمَتى ما رَأوْهُ زُلْفَةً، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي وأحْوالُ القِيامَةِ مُسْتَقْبِلَةٌ لا ماضِيَةٌ فَوَجَبَ تَفْسِيرُ اللَّفْظِ بِما قُلْناهُ، قالَ مُقاتِلٌ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً﴾ أيْ لَمّا رَأوُا العَذابَ في الآخِرَةِ قَرِيبًا. * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: القائِلُونَ هُمُ الزَّبانِيَةُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ذَلِكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿تَدَّعُونَ﴾ وُجُوهٌ: أحَدُها: قالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ تَدَّعُونَ مِنَ الدُّعاءِ أيْ تَطْلُبُونَ وتَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، وتَدْعُونَ وتَدَّعُونَ واحِدٌ في اللُّغَةِ مِثْلُ تَذْكُرُونَ وتَذَّكَّرُونَ وتَدْخَرُونَ وتَدَّخِرُونَ. وثانِيها: أنَّهُ مِنَ الدَّعْوى مَعْناهُ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ تُبْطِلُونَهُ أيْ تَدَّعُونَ أنَّهُ باطِلٌ لا يَأْتِيكم أوْ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِسَبَبِهِ تَدَّعُونَ أنَّكم لا تُبْعَثُونَ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَعْنى أهَذا الَّذِي تَدَّعُونَ، لا بَلْ كُنْتُمْ تَدَّعُونَ عَدَمَهُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: (تَدْعُونَ) خَفِيفَةً مِنَ الدُّعاءِ، وقَرَأ السَّبْعَةُ (تَدَّعُونَ) مُثَقَّلَةً مِنَ الِادِّعاءِ. صفحة ٦٧

الملك 67:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ هو مِنَ النَّوْعِ الثّانِي مِمّا قالَهُ الكُفّارُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ خَوَّفَهم بِعَذابِ اللَّهِ، يُرْوى أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَدْعُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُؤْمِنِينَ بِالهَلاكِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ (الطُّورِ: ٣٠) وقالَ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ (الفَتْحِ: ١٢) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: هو هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى سَواءٌ أهْلَكَنِي بِالإماتَةِ أوْ رَحِمَنِي بِتَأْخِيرِ الأجَلِ، فَأيُّ راحَةٍ لَكم في ذَلِكَ، وأيُّ مَنفَعَةٍ لَكم فِيهِ، ومَنِ الَّذِي يُجِيرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ إذا نَزَلَ بِكم، أتَظُنُّونَ أنَّ الأصْنامَ تُجِيرُكم أوْ غَيْرَها، فَإذا عَلِمْتُمْ أنْ لا مُجِيرَ لَكم فَهَلّا تَمَسَّكْتُمْ بِما يُخَلِّصُكم مِنَ العَذابِ وهو العِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْبَلُ دُعاءَكم وأنْتُمْ أهْلُ الكُفْرِ والعِنادِ في حَقِّنا، مَعَ أنّا آمَنّا بِهِ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ كَما كَفَرْتُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ تَوَكَّلْتُمْ عَلى رِجالِكم وأمْوالِكم، وقُرِئَ (فَسَتَعْلَمُونَ) عَلى المُخاطَبَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ لِيَكُونَ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ، وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ والمَقْصُودُ أنْ يَجْعَلَهم مُقِرِّينَ بِبَعْضِ نِعَمِهِ لِيُرِيَهم قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، أيْ أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم ذاهِبًا في الأرْضِ فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا: هو اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ: فَلِمَ تَجْعَلُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا شَرِيكًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ (الواقِعَةِ: ٦٨، ٦٩)، وقَوْلُهُ: ﴿غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا ذاهِبًا في الأرْضِ يُقالُ: غارَ الماءُ يَغُورُ غَوْرًا، إذا نَضَبَ وذَهَبَ في الأرْضِ، والغَوْرُ هَهُنا بِمَعْنى الغائِرِ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضًا، والمَعِينُ الظّاهِرُ الَّذِي تَراهُ العُيُونُ فَهو مِن مَفْعُولِ العَيْنِ كَمَبِيعٍ، وقِيلَ: المَعِينُ الجارِي مِنَ العُيُونِ مِنَ الإمْعانِ في الجَرْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُمْعِنٌ في الجَرْيِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الملك 67:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ هو مِنَ النَّوْعِ الثّانِي مِمّا قالَهُ الكُفّارُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ خَوَّفَهم بِعَذابِ اللَّهِ، يُرْوى أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَدْعُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُؤْمِنِينَ بِالهَلاكِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ (الطُّورِ: ٣٠) وقالَ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ (الفَتْحِ: ١٢) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: هو هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى سَواءٌ أهْلَكَنِي بِالإماتَةِ أوْ رَحِمَنِي بِتَأْخِيرِ الأجَلِ، فَأيُّ راحَةٍ لَكم في ذَلِكَ، وأيُّ مَنفَعَةٍ لَكم فِيهِ، ومَنِ الَّذِي يُجِيرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ إذا نَزَلَ بِكم، أتَظُنُّونَ أنَّ الأصْنامَ تُجِيرُكم أوْ غَيْرَها، فَإذا عَلِمْتُمْ أنْ لا مُجِيرَ لَكم فَهَلّا تَمَسَّكْتُمْ بِما يُخَلِّصُكم مِنَ العَذابِ وهو العِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْبَلُ دُعاءَكم وأنْتُمْ أهْلُ الكُفْرِ والعِنادِ في حَقِّنا، مَعَ أنّا آمَنّا بِهِ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ كَما كَفَرْتُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ تَوَكَّلْتُمْ عَلى رِجالِكم وأمْوالِكم، وقُرِئَ (فَسَتَعْلَمُونَ) عَلى المُخاطَبَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ لِيَكُونَ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ، وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ والمَقْصُودُ أنْ يَجْعَلَهم مُقِرِّينَ بِبَعْضِ نِعَمِهِ لِيُرِيَهم قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، أيْ أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم ذاهِبًا في الأرْضِ فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا: هو اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ: فَلِمَ تَجْعَلُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا شَرِيكًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ (الواقِعَةِ: ٦٨، ٦٩)، وقَوْلُهُ: ﴿غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا ذاهِبًا في الأرْضِ يُقالُ: غارَ الماءُ يَغُورُ غَوْرًا، إذا نَضَبَ وذَهَبَ في الأرْضِ، والغَوْرُ هَهُنا بِمَعْنى الغائِرِ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضًا، والمَعِينُ الظّاهِرُ الَّذِي تَراهُ العُيُونُ فَهو مِن مَفْعُولِ العَيْنِ كَمَبِيعٍ، وقِيلَ: المَعِينُ الجارِي مِنَ العُيُونِ مِنَ الإمْعانِ في الجَرْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُمْعِنٌ في الجَرْيِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الملك 67:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ . اعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ هو مِنَ النَّوْعِ الثّانِي مِمّا قالَهُ الكُفّارُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ خَوَّفَهم بِعَذابِ اللَّهِ، يُرْوى أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَدْعُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُؤْمِنِينَ بِالهَلاكِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ (الطُّورِ: ٣٠) وقالَ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ (الفَتْحِ: ١٢) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: هو هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى سَواءٌ أهْلَكَنِي بِالإماتَةِ أوْ رَحِمَنِي بِتَأْخِيرِ الأجَلِ، فَأيُّ راحَةٍ لَكم في ذَلِكَ، وأيُّ مَنفَعَةٍ لَكم فِيهِ، ومَنِ الَّذِي يُجِيرُكم مِن عَذابِ اللَّهِ إذا نَزَلَ بِكم، أتَظُنُّونَ أنَّ الأصْنامَ تُجِيرُكم أوْ غَيْرَها، فَإذا عَلِمْتُمْ أنْ لا مُجِيرَ لَكم فَهَلّا تَمَسَّكْتُمْ بِما يُخَلِّصُكم مِنَ العَذابِ وهو العِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ. الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ والمَعْنى أنَّهُ الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْبَلُ دُعاءَكم وأنْتُمْ أهْلُ الكُفْرِ والعِنادِ في حَقِّنا، مَعَ أنّا آمَنّا بِهِ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ كَما كَفَرْتُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ لا عَلى غَيْرِهِ كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ تَوَكَّلْتُمْ عَلى رِجالِكم وأمْوالِكم، وقُرِئَ (فَسَتَعْلَمُونَ) عَلى المُخاطَبَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ لِيَكُونَ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ، وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ والمَقْصُودُ أنْ يَجْعَلَهم مُقِرِّينَ بِبَعْضِ نِعَمِهِ لِيُرِيَهم قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، أيْ أخْبِرُونِي إنْ صارَ ماؤُكم ذاهِبًا في الأرْضِ فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا: هو اللَّهُ، فَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ: فَلِمَ تَجْعَلُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا شَرِيكًا لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ (الواقِعَةِ: ٦٨، ٦٩)، وقَوْلُهُ: ﴿غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا ذاهِبًا في الأرْضِ يُقالُ: غارَ الماءُ يَغُورُ غَوْرًا، إذا نَضَبَ وذَهَبَ في الأرْضِ، والغَوْرُ هَهُنا بِمَعْنى الغائِرِ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضًا، والمَعِينُ الظّاهِرُ الَّذِي تَراهُ العُيُونُ فَهو مِن مَفْعُولِ العَيْنِ كَمَبِيعٍ، وقِيلَ: المَعِينُ الجارِي مِنَ العُيُونِ مِنَ الإمْعانِ في الجَرْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: مُمْعِنٌ في الجَرْيِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.