Lafzullah

Tafsir Al-Razi — القلم 68:1 – الحاقة 69:52

المؤلف / المصدر: Tafsir Al-Razi

المحتويات
  1. القلم 68:1
  2. القلم 68:2
  3. القلم 68:3
  4. القلم 68:4
  5. القلم 68:5
  6. القلم 68:6
  7. القلم 68:7
  8. القلم 68:8
  9. القلم 68:9
  10. القلم 68:10
  11. القلم 68:11
  12. القلم 68:12
  13. القلم 68:13
  14. القلم 68:14
  15. القلم 68:15
  16. القلم 68:16
  17. القلم 68:17
  18. القلم 68:18
  19. القلم 68:19
  20. القلم 68:20
  21. القلم 68:21
  22. القلم 68:22
  23. القلم 68:23
  24. القلم 68:24
  25. القلم 68:25
  26. القلم 68:26
  27. القلم 68:27
  28. القلم 68:28
  29. القلم 68:29
  30. القلم 68:30
  31. القلم 68:31
  32. القلم 68:32
  33. القلم 68:33
  34. القلم 68:34
  35. القلم 68:35
  36. القلم 68:36
  37. القلم 68:37
  38. القلم 68:38
  39. القلم 68:39
  40. القلم 68:40
  41. القلم 68:41
  42. القلم 68:42
  43. القلم 68:43
  44. القلم 68:44
  45. القلم 68:45
  46. القلم 68:46
  47. القلم 68:47
  48. القلم 68:48
  49. القلم 68:49
  50. القلم 68:50
  51. القلم 68:51
  52. القلم 68:52
  53. الحاقة 69:1
  54. الحاقة 69:2
  55. الحاقة 69:3
  56. الحاقة 69:4
  57. الحاقة 69:5
  58. الحاقة 69:6
  59. الحاقة 69:7
  60. الحاقة 69:8
  61. الحاقة 69:9
  62. الحاقة 69:10
  63. الحاقة 69:11
  64. الحاقة 69:12
  65. الحاقة 69:13
  66. الحاقة 69:14
  67. الحاقة 69:15
  68. الحاقة 69:16
  69. الحاقة 69:17
  70. الحاقة 69:18
  71. الحاقة 69:19
  72. الحاقة 69:20
  73. الحاقة 69:21
  74. الحاقة 69:22
  75. الحاقة 69:23
  76. الحاقة 69:24
  77. الحاقة 69:25
  78. الحاقة 69:26
  79. الحاقة 69:27
  80. الحاقة 69:28
  81. الحاقة 69:29
  82. الحاقة 69:30
  83. الحاقة 69:31
  84. الحاقة 69:32
  85. الحاقة 69:33
  86. الحاقة 69:34
  87. الحاقة 69:35
  88. الحاقة 69:36
  89. الحاقة 69:37
  90. الحاقة 69:38
  91. الحاقة 69:39
  92. الحاقة 69:40
  93. الحاقة 69:41
  94. الحاقة 69:42
  95. الحاقة 69:43
  96. الحاقة 69:44
  97. الحاقة 69:45
  98. الحاقة 69:46
  99. الحاقة 69:47
  100. الحاقة 69:48
  101. الحاقة 69:49
  102. الحاقة 69:50
  103. الحاقة 69:51
  104. الحاقة 69:52

القلم 68:1

صفحة ٦٨ (سُورَةُ القَلَمِ) وهِيَ اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ن﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الأقْوالُ المَذْكُورَةُ في هَذا الجِنْسِ قَدْ شَرَحْناها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ والوُجُوهُ الزّائِدَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها هَذا المَوْضِعُ: أوَّلُها: أنَّ النُّونَ هو السَّمَكَةُ، ومِنهُ في ذِكْرِ يُونُسَ ﴿وذا النُّونِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ قَسَمٌ بِالحُوتِ الَّذِي عَلى ظَهْرِهِ الأرْضُ وهو في بَحْرٍ تَحْتَ الأرْضِ السُّفْلى، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ قَسَمٌ بِالحُوتِ الَّذِي احْتَبَسَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَطْنِهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ قَسَمٌ بِالحُوتِ الَّذِي لُطِّخَ سَهْمُ نَمْرُوذَ بِدَمِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ الضَّحّاكِ والحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ النُّونَ هو الدَّواةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا ما الشَّوْقُ يَرْجِعُ بِي إلَيْهِمُ ألْقَتِ النُّونُ بِالدَّمْعِ السَّجُومِ فَيَكُونُ هَذا قَسَمًا بِالدَّواةِ والقَلَمِ، فَإنَّ المَنفَعَةَ بِهِما بِسَبَبِ الكِتابَةِ عَظِيمَةٌ، فَإنَّ التَّفاهُمَ تارَةً يَحْصُلُ بِالنُّطْقِ و(تارَةً) يُتَحَرّى بِالكِتابَةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ النُّونَ لَوْحٌ تَكْتُبُ المَلائِكَةُ ما يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ فِيهِ، رَواهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ مَرْفُوعًا. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ النُّونَ هو المِدادُ الَّذِي تَكْتُبُ بِهِ المَلائِكَةُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ لِأنّا إذا جَعَلْناهُ مُقْسَمًا بِهِ وجَبَ إنْ كانَ جِنْسًا أنْ نَجُرَّهُ ونُنَوِّنَهُ، فَإنَّ القَسَمَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ بِدَواةٍ مُنْكَرَةٍ أوْ بِسَمَكَةٍ مُنْكَرَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَمَكَةٍ والقَلَمِ، أوْ قِيلَ: ودَواةٍ والقَلَمِ، وإنْ كانَ عَلَمًا أنْ نَصْرِفَهُ ونَجُرَّهُ أوْ لا نَصْرِفَهُ ونَفْتَحَهُ إنْ جَعَلْناهُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ. والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ نُونَ هَهُنا آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ مِنَ الرَّحْمَنِ ن اسْمُ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ اللَّهُ هَذا الحَرْفَ الأخِيرَ مِن هَذا الِاسْمِ، والمَقْصُودُ القَسَمُ بِتَمامِ هَذا الِاسْمِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَهُ يَفْتَحُ بابَ تُرَّهاتِ الباطِنِيَّةِ، بَلِ الحَقُّ أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوْ يَكُونَ الغَرَضُ مِنهُ التَّحَدِّيَ أوْ سائِرَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٦٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرّاءُ مُخْتَلِفُونَ في إظْهارِ النُّونِ وإخْفائِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ن والقَلَمِ﴾ فَمَن أظْهَرَها فَلِأنَّهُ يَنْوِي بِها الوَقْفَ بِدَلالَةِ اجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ فِيها، وإذا كانَتْ مَوْقُوفَةً كانَتْ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ مِمّا بَعْدَها، وإذا انْفَصَلَتْ مِمّا بَعْدَها وجَبَ التَّبْيِينُ؛ لِأنَّها إنَّما تُخْفى في حُرُوفِ الفَمِ عِنْدَ الِاتِّصالِ، ووَجْهُ الإخْفاءِ أنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ لَمْ تُقْطَعْ مَعَ هَذِهِ الحُرُوفِ في نَحْوِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١) وقَوْلِهِمْ في العَدَدِ: واحِدٌ اثْنانِ فَمِن حَيْثُ لَمْ تُقْطَعِ الهَمْزَةُ مَعَها عَلِمْنا أنَّها في تَقْدِيرِ الوَصْلِ وإذا وصَلْتَها أخْفَيْتَ النُّونَ وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في (طس) و(يس)، وقالَ الفَرّاءُ: وإظْهارُها أعْجَبُ إلَيَّ؛ لِأنَّها هِجاءٌ والهِجاءُ كالمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وإنِ اتَّصَلَ. * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَلَمِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَسَمَ بِهِ هو الجِنْسُ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يَكْتُبُ بِهِ مَن في السَّماءِ ومَن في الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العَلَقِ: ٣-٥) فَمَنَّ بِتَيْسِيرِ الكِتابَةِ بِالقَلَمِ كَما مَنَّ بِالنُّطْقِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٣، ٤) ووَجْهُ الِانْتِفاعِ بِهِ أنْ يُنْزِلَ الغائِبَ مَنزِلَةَ المُخاطَبِ فَيَتَمَكَّنَ المَرْءُ مِن تَعْرِيفِ البَعِيدِ بِهِ ما يَتَمَكَّنُ بِاللِّسانِ مِن تَعْرِيفِ القَرِيبِ. والثّانِي: أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو القَلَمُ المَعْهُودُ الَّذِي جاءَ في الخَبَرِ ”«أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ» “، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ ثُمَّ قالَ لَهُ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ مِنَ الآجالِ والأعْمالِ، قالَ: وهو قَلَمٌ مِن نُورٍ طُولُهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ قالَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ فَقالَ: اكْتُبِ القَدَرَ فَكَتَبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّما يَجْرِي النّاسُ عَلى أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ. قالَ القاضِي: هَذا الخَبَرُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ؛ لِأنَّ القَلَمَ الَّذِي هو آلَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الكِتابَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَيًّا عاقِلًا فَيُؤْمَرُ ويُنْهى، فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَيَوانًا مُكَلَّفًا وبَيْنَ كَوْنِهِ آلَةً لِلْكِتابَةِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى أجْراهُ بِكُلِّ ما يَكُونُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (غافِرٍ: ٦٨) فَإنَّهُ لَيْسَ هُناكَ أمْرٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلْ هو مُجَرَّدُ نَفاذِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ مِن غَيْرِ مُنازَعَةٍ ولا مُدافَعَةٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ القَلَمَ المَذْكُورَ هَهُنا هو العَقْلُ، وأنَّهُ شَيْءٌ هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، وفي خَبَرٍ آخَرَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَذابَتْ وتَسَخَّنَتْ فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ وزَبَدٌ فَخَلَقَ مِنَ الدُّخانِ السَّماواتِ ومِنَ الزَّبَدِ الأرْضَ، قالُوا: فَهَذِهِ الأخْبارُ بِمَجْمُوعِها تَدُلُّ عَلى أنَّ القَلَمَ والعَقْلَ وتِلْكَ الجَوْهَرَةَ الَّتِي هي أصْلُ المَخْلُوقاتِ شَيْءٌ واحِدٌ وإلّا حَصَلَ التَّناقُضُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وسَطْرِهِمْ، فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِنَفْسِ الكِتابَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المَسْطُورَ والمَكْتُوبَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنْ حَمَلْنا القَلَمَ عَلى كُلِّ قَلَمٍ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ كانَ المَعْنى ظاهِرًا، وكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِكُلِّ قَلَمٍ، وبِكُلِّ ما يُكْتَبُ بِكُلِّ قَلَمٍ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ ما يَسْطُرُهُ الحَفَظَةُ والكِرامُ الكاتِبُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلَمِ أصْحابُهُ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: وأصْحابِ القَلَمِ وسَطْرِهِمْ، أيْ ومَسْطُوراتِهِمْ. وأمّا إنْ حَمَلْنا القَلَمَ عَلى ذَلِكَ القَلَمِ المُعَيَّنِ، صفحة ٧٠ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ وما يَسْطُرُونَ فِيهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ولَفْظُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الجَمْعَ بَلِ التَّعْظِيمَ، أوْ يَكُونَ المُرادُ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سُطِرَتْ فِيهِ مِنَ الأعْمالِ والأعْمارِ، وجَمِيعِ الأُمُورِ الكائِنَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

القلم 68:2

صفحة ٦٨ (سُورَةُ القَلَمِ) وهِيَ اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿ن﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: الأقْوالُ المَذْكُورَةُ في هَذا الجِنْسِ قَدْ شَرَحْناها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ والوُجُوهُ الزّائِدَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها هَذا المَوْضِعُ: أوَّلُها: أنَّ النُّونَ هو السَّمَكَةُ، ومِنهُ في ذِكْرِ يُونُسَ ﴿وذا النُّونِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧) وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ قَسَمٌ بِالحُوتِ الَّذِي عَلى ظَهْرِهِ الأرْضُ وهو في بَحْرٍ تَحْتَ الأرْضِ السُّفْلى، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ قَسَمٌ بِالحُوتِ الَّذِي احْتَبَسَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بَطْنِهِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ قَسَمٌ بِالحُوتِ الَّذِي لُطِّخَ سَهْمُ نَمْرُوذَ بِدَمِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: وهو أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ الضَّحّاكِ والحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ النُّونَ هو الدَّواةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا ما الشَّوْقُ يَرْجِعُ بِي إلَيْهِمُ ألْقَتِ النُّونُ بِالدَّمْعِ السَّجُومِ فَيَكُونُ هَذا قَسَمًا بِالدَّواةِ والقَلَمِ، فَإنَّ المَنفَعَةَ بِهِما بِسَبَبِ الكِتابَةِ عَظِيمَةٌ، فَإنَّ التَّفاهُمَ تارَةً يَحْصُلُ بِالنُّطْقِ و(تارَةً) يُتَحَرّى بِالكِتابَةِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ النُّونَ لَوْحٌ تَكْتُبُ المَلائِكَةُ ما يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ فِيهِ، رَواهُ مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ مَرْفُوعًا. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ النُّونَ هو المِدادُ الَّذِي تَكْتُبُ بِهِ المَلائِكَةُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ ضَعِيفَةٌ لِأنّا إذا جَعَلْناهُ مُقْسَمًا بِهِ وجَبَ إنْ كانَ جِنْسًا أنْ نَجُرَّهُ ونُنَوِّنَهُ، فَإنَّ القَسَمَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ بِدَواةٍ مُنْكَرَةٍ أوْ بِسَمَكَةٍ مُنْكَرَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وسَمَكَةٍ والقَلَمِ، أوْ قِيلَ: ودَواةٍ والقَلَمِ، وإنْ كانَ عَلَمًا أنْ نَصْرِفَهُ ونَجُرَّهُ أوْ لا نَصْرِفَهُ ونَفْتَحَهُ إنْ جَعَلْناهُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ. والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ نُونَ هَهُنا آخِرُ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ مِنَ الرَّحْمَنِ ن اسْمُ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ اللَّهُ هَذا الحَرْفَ الأخِيرَ مِن هَذا الِاسْمِ، والمَقْصُودُ القَسَمُ بِتَمامِ هَذا الِاسْمِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَهُ يَفْتَحُ بابَ تُرَّهاتِ الباطِنِيَّةِ، بَلِ الحَقُّ أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أوْ يَكُونَ الغَرَضُ مِنهُ التَّحَدِّيَ أوْ سائِرَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٦٩ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرّاءُ مُخْتَلِفُونَ في إظْهارِ النُّونِ وإخْفائِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ن والقَلَمِ﴾ فَمَن أظْهَرَها فَلِأنَّهُ يَنْوِي بِها الوَقْفَ بِدَلالَةِ اجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ فِيها، وإذا كانَتْ مَوْقُوفَةً كانَتْ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ مِمّا بَعْدَها، وإذا انْفَصَلَتْ مِمّا بَعْدَها وجَبَ التَّبْيِينُ؛ لِأنَّها إنَّما تُخْفى في حُرُوفِ الفَمِ عِنْدَ الِاتِّصالِ، ووَجْهُ الإخْفاءِ أنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ لَمْ تُقْطَعْ مَعَ هَذِهِ الحُرُوفِ في نَحْوِ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١) وقَوْلِهِمْ في العَدَدِ: واحِدٌ اثْنانِ فَمِن حَيْثُ لَمْ تُقْطَعِ الهَمْزَةُ مَعَها عَلِمْنا أنَّها في تَقْدِيرِ الوَصْلِ وإذا وصَلْتَها أخْفَيْتَ النُّونَ وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في (طس) و(يس)، وقالَ الفَرّاءُ: وإظْهارُها أعْجَبُ إلَيَّ؛ لِأنَّها هِجاءٌ والهِجاءُ كالمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وإنِ اتَّصَلَ. * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَلَمِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَسَمَ بِهِ هو الجِنْسُ وهو واقِعٌ عَلى كُلِّ قَلَمٍ يَكْتُبُ بِهِ مَن في السَّماءِ ومَن في الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العَلَقِ: ٣-٥) فَمَنَّ بِتَيْسِيرِ الكِتابَةِ بِالقَلَمِ كَما مَنَّ بِالنُّطْقِ فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٣، ٤) ووَجْهُ الِانْتِفاعِ بِهِ أنْ يُنْزِلَ الغائِبَ مَنزِلَةَ المُخاطَبِ فَيَتَمَكَّنَ المَرْءُ مِن تَعْرِيفِ البَعِيدِ بِهِ ما يَتَمَكَّنُ بِاللِّسانِ مِن تَعْرِيفِ القَرِيبِ. والثّانِي: أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هو القَلَمُ المَعْهُودُ الَّذِي جاءَ في الخَبَرِ ”«أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ» “، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ ثُمَّ قالَ لَهُ: اكْتُبْ ما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ مِنَ الآجالِ والأعْمالِ، قالَ: وهو قَلَمٌ مِن نُورٍ طُولُهُ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ قالَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ فَقالَ: اكْتُبِ القَدَرَ فَكَتَبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّما يَجْرِي النّاسُ عَلى أمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنهُ. قالَ القاضِي: هَذا الخَبَرُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ؛ لِأنَّ القَلَمَ الَّذِي هو آلَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الكِتابَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَيًّا عاقِلًا فَيُؤْمَرُ ويُنْهى، فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَيَوانًا مُكَلَّفًا وبَيْنَ كَوْنِهِ آلَةً لِلْكِتابَةِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى أجْراهُ بِكُلِّ ما يَكُونُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (غافِرٍ: ٦٨) فَإنَّهُ لَيْسَ هُناكَ أمْرٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلْ هو مُجَرَّدُ نَفاذِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ مِن غَيْرِ مُنازَعَةٍ ولا مُدافَعَةٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ القَلَمَ المَذْكُورَ هَهُنا هو العَقْلُ، وأنَّهُ شَيْءٌ هو كالأصْلِ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ رُوِيَ في الأخْبارِ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ، وفي خَبَرٍ آخَرَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَذابَتْ وتَسَخَّنَتْ فارْتَفَعَ مِنها دُخانٌ وزَبَدٌ فَخَلَقَ مِنَ الدُّخانِ السَّماواتِ ومِنَ الزَّبَدِ الأرْضَ، قالُوا: فَهَذِهِ الأخْبارُ بِمَجْمُوعِها تَدُلُّ عَلى أنَّ القَلَمَ والعَقْلَ وتِلْكَ الجَوْهَرَةَ الَّتِي هي أصْلُ المَخْلُوقاتِ شَيْءٌ واحِدٌ وإلّا حَصَلَ التَّناقُضُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ ”ما“ مَعَ ما بَعْدَها في تَقْدِيرِ المَصْدَرِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وسَطْرِهِمْ، فَيَكُونُ القَسَمُ واقِعًا بِنَفْسِ الكِتابَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المَسْطُورَ والمَكْتُوبَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإنْ حَمَلْنا القَلَمَ عَلى كُلِّ قَلَمٍ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ كانَ المَعْنى ظاهِرًا، وكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِكُلِّ قَلَمٍ، وبِكُلِّ ما يُكْتَبُ بِكُلِّ قَلَمٍ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ ما يَسْطُرُهُ الحَفَظَةُ والكِرامُ الكاتِبُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقَلَمِ أصْحابُهُ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: وأصْحابِ القَلَمِ وسَطْرِهِمْ، أيْ ومَسْطُوراتِهِمْ. وأمّا إنْ حَمَلْنا القَلَمَ عَلى ذَلِكَ القَلَمِ المُعَيَّنِ، صفحة ٧٠ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ وما يَسْطُرُونَ فِيهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ولَفْظُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْطُرُونَ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الجَمْعَ بَلِ التَّعْظِيمَ، أوْ يَكُونَ المُرادُ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سُطِرَتْ فِيهِ مِنَ الأعْمالِ والأعْمارِ، وجَمِيعِ الأُمُورِ الكائِنَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

القلم 68:3

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غابَ عَنْ خَدِيجَةَ إلى حِراءٍ، فَطَلَبَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَإذا بِهِ وجْهُهُ مُتَغَيِّرٌ بِلا غُبارٍ، فَقالَتْ لَهُ: ما لَكَ ؟ فَذَكَرَ نُزُولَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (العَلَقِ: ١) فَهو أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، قالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِي إلى قَرارِ الأرْضِ فَتَوَضَّأ وتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ صَلّى وصَلَّيْتُ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ، وقالَ: هَكَذا الصَّلاةُ يا مُحَمَّدُ، فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ لِخَدِيجَةَ، فَذَهَبَتْ خَدِيجَةُ إلى ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وهو ابْنُ عَمِّها، وكانَ قَدْ خالَفَ دِينَ قَوْمِهِ، ودَخَلَ في النَّصْرانِيَّةِ، فَسَألَتْهُ فَقالَ: أرْسِلِي إلَيَّ مُحَمَّدًا، فَأرْسَلَتْهُ فَأتاهُ فَقالَ لَهُ: هَلْ أمَرَكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَدْعُوَ إلى اللَّهِ أحَدًا ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ: واللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ إلى دَعْوَتِكَ لَأنْصُرَنَّكَ نَصْرًا عَزِيزًا، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ دُعاءِ الرَّسُولِ، ووَقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ في ألْسِنَةِ كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقالُوا: إنَّهُ لَمَجْنُونٌ، فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، وهو خَمْسُ آياتٍ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ»، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأوَّلُ ما نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (الأعْلى: ١) وهَذِهِ الآيَةُ هي الثّانِيَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: (أنْتَ) هو اسْمُ (ما) و(بِمَجْنُونٍ) الخَبَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ والمَعْنى انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ كَما يُقالُ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ لَسْتَ بِمَجْنُونٍ، وأنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَهِمٌ، وأنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لَسْتَ بِفَقِيرٍ، ومَعْناهُ أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ المَحْمُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ، والصِّفَةُ المَذْمُومَةُ إنَّما زالَتْ بِواسِطَةِ إنْعامِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وإكْرامِهِ، وقالَ عَطاءٌ وابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحِجْرِ: ٦) واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ هَهُنا بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ. الصِّفَةُ الأُولى: نَفْيُ الجُنُونِ عَنْهُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَرَنَ بِهَذِهِ الدَّعْوى ما يَكُونُ كالدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كانَتْ ظاهِرَةً في حَقِّهِ مِنَ الفَصاحَةِ التّامَّةِ والعَقْلِ الكامِلِ والسِّيرَةِ المَرْضِيَّةِ، والبَراءَةِ مِن كُلِّ عَيْبِ، والِاتِّصافِ بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، وإذا كانَتْ هَذِهِ النِّعَمُ مَحْسُوسَةً ظاهِرَةً فَوُجُودُها يُنافِي حُصُولَ الجُنُونِ، فاللَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ لِتَكُونَ جارِيَةً مَجْرى الدَّلالَةِ اليَقِينِيَّةِ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في قَوْلِهِمْ لَهُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ وفي المَمْنُونِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، أنَّ المَعْنى غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ يُقالُ: مَنَّهُ السَّيْرُ أيْ أضْعَفَهُ، والمَنِينُ الضَّعِيفُ ومَنَّ الشَّيْءَ إذا قَطَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: صفحة ٧١ غُبْسٌ كَواسِبُ ما يُمَنُّ طَعامُها يَصِفُ كِلابًا ضارِيَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هُودٍ: ١٠٨) . والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: إنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ عَلَيْكَ بِسَبَبِ المِنَّةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ: إنَّهُ غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ؛ لِأنَّهُ ثَوابٌ تَسْتَوْجِبُهُ عَلى عَمَلِكَ، ولَيْسَ بِتَفَضُّلٍ ابْتِداءً، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ؛ لِأنَّ وصْفَهُ بِأنَّهُ أجْرٌ يُفِيدُ أنَّهُ لا مِنَّةَ فِيهِ، فالحَمْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ كالتَّكْرِيرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الأجْرَ عَلى أيِّ شَيْءٍ حَصَلَ ؟ قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ إنَّ لَكَ عَلى احْتِمالِ هَذا الطَّعْنِ والقَوْلِ القَبِيحِ أجْرًا عَظِيمًا دائِمًا، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ إنَّ لَكَ في إظْهارِ النُّبُوَّةِ والمُعْجِزاتِ في دُعاءِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ وفي بَيانِ الشَّرْعِ لَهم، هَذا الأجْرَ الخالِصَ الدّائِمَ، فَلا تَمْنَعْكَ نِسْبَتُها إيّاكَ إلى الجُنُونِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهَذا المُهِمِّ العَظِيمِ، فَإنَّ لَكَ بِسَبَبِهِ المَنزِلَةَ العالِيَةَ عِنْدَ اللَّهِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا كالتَّفْسِيرِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتَعْرِيفٌ لِمَن رَماهُ بِالجُنُونِ بِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وخَطَأٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ والأفْعالَ المَرْضِيَّةَ كانَتْ ظاهِرَةً مِنهُ، ومَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الأخْلاقِ والأفْعالِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ الجُنُونِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ أخْلاقَ المَجانِينِ سَيِّئَةٌ، ولَمّا كانَتْ أخْلاقُهُ الحَمِيدَةُ كامِلَةً لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها عَظِيمَةٌ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: ٨٦) أيْ لَسْتُ مُتَكَلِّفًا فِيما يَظْهَرُ لَكم مِن أخْلاقِي؛ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ لا يَدُومُ أمْرُهُ طَوِيلًا بَلْ يَرْجِعُ إلى الطَّبْعِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما وصَفَ خُلُقَهُ بِأنَّهُ عَظِيمٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنْعامِ: ٩٠) وهَذا الهُدى الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِالِاقْتِداءِ بِهِ لَيْسَ هو مَعْرِفَةَ اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالرَّسُولِ، ولَيْسَ هو الشَّرائِعَ؛ لِأنَّ شَرِيعَتَهُ مُخالِفَةٌ لِشَرائِعِهِمْ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ فِيما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الخُلُقِ الكَرِيمِ، فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ واحِدٍ، فَلَمّا أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِالكُلِّ فَكَأنَّهُ أُمِرَ بِمَجْمُوعِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ دَرَجَةً عالِيَةً لَمْ تَتَيَسَّرْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، لا جَرَمَ وصَفَ اللَّهُ خُلُقَهُ بِأنَّهُ عَظِيمٌ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وكَلِمَةُ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ، فَدَلَّ اللَّفْظُ عَلى أنَّهُ مُسْتَعْلٍ عَلى هَذِهِ الأخْلاقِ ومُسْتَوْلٍ عَلَيْها، وأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ كالمَوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ وكالأمِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَأْمُورِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخُلُقُ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ يَسْهُلُ عَلى المُتَّصِفِ بِها الإتْيانُ بِالأفْعالِ الجَمِيلَةِ. واعْلَمْ أنَّ الإتْيانَ بِالأفْعالِ الجَمِيلَةِ غَيْرٌ، وسُهُولَةَ الإتْيانِ بِها غَيْرٌ، فالحالَةُ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَحْصُلُ تِلْكَ السُّهُولَةُ هي الخُلُقُ، ويَدْخُلُ في حُسْنِ الخُلُقِ التَّحَرُّزُ مِنَ الشُّحِّ والبُخْلِ والغَضَبِ والتَّشْدِيدِ في المُعامَلاتِ، والتَّحَبُّبُ إلى النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ، وتَرْكُ التَّقاطُعِ والهِجْرانِ، والتَّساهُلُ في العُقُودِ كالبَيْعِ وغَيْرِهِ، والتَّسامُحُ بِما يَلْزَمُ مِن حُقُوقِ مَن لَهُ نَسَبٌ أوْ كانَ صِهْرًا لَهُ وحَصَلَ لَهُ حَقٌّ آخَرُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: وإنَّكَ لَعَلى دِينٍ عَظِيمٍ، ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ: ”«لَمْ أخْلُقْ دِينًا أحَبَّ إلَيَّ ولا أرْضى عِنْدِي مِن هَذا الدِّينِ الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ لَكَ ولِأُمَّتِكَ» “ يَعْنِي الإسْلامَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ، قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ، صفحة ٧٢ والدِّينُ يَرْجِعُ إلى كَمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، والخُلُقُ يَرْجِعُ إلى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الخُلُقَ في اللُّغَةِ هو العادَةُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في إدْراكٍ أوْ في فِعْلٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ الخُلُقَ هو الأمْرُ الَّذِي بِاعْتِبارِهِ يَكُونُ الإتْيانُ بِالأفْعالِ الجَمِيلَةِ سَهْلًا، فَلَمّا كانَتِ الرُّوحُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي لَهُ شَدِيدَةَ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ الحَقَّةِ وعَدِيمَةَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، كانَتْ تِلْكَ السُّهُولَةُ حاصِلَةً في قَبُولِ المَعارِفِ الحَقَّةِ، فَلا يَبْعُدُ تَسْمِيَةُ تِلْكَ السُّهُولَةِ بِالخُلُقِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «قالَ سَعِيدُ بْنُ هِشامٍ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: ”أخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّهُ كانَ خُلُقَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ“ وسُئِلَتْ مَرَّةً أُخْرى فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ثُمَّ قَرَأتْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١) إلى عَشَرَةِ آياتٍ»، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ كانَتْ بِالطَّبْعِ مُنْجَذِبَةً إلى عالَمِ الغَيْبِ، وإلى كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِها، وكانَتْ شَدِيدَةَ النَّفْرَةِ عَنِ اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ والسَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالطَّبْعِ ومُقْتَضى الفِطْرَةِ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنا شَيْئًا مِن هَذِهِ الحالَةِ. ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”«ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ: لَبَّيْكَ“ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»﴾ وقالَ أنَسٌ: ”«خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَما قالَ لِي في شَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ ؟ ولا في شَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: هَلّا فَعَلْتَ» “ وأقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ ما يَرْجِعُ إلى قُوَّتِهِ النَّظَرِيَّةِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ، فَقالَ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ١١٣) ووَصَفَ ما يَرْجِعُ إلى قُوَّتِهِ العَمَلِيَّةِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَلَمْ يَبْقَ لِلْإنْسانِ بَعْدَ هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ شَيْءٌ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ رُوحَهُ فِيما بَيْنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ كانَتْ عَظِيمَةً عالِيَةَ الدَّرَجَةِ، كَأنَّها لِقُوَّتِها وشَدَّةِ كَمالِها كانَتْ مِن جِنْسِ أرْواحِ المَلائِكَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهُ بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قالَ:

القلم 68:4

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُقْسَمَ بِهِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غابَ عَنْ خَدِيجَةَ إلى حِراءٍ، فَطَلَبَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَإذا بِهِ وجْهُهُ مُتَغَيِّرٌ بِلا غُبارٍ، فَقالَتْ لَهُ: ما لَكَ ؟ فَذَكَرَ نُزُولَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (العَلَقِ: ١) فَهو أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، قالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِي إلى قَرارِ الأرْضِ فَتَوَضَّأ وتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ صَلّى وصَلَّيْتُ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ، وقالَ: هَكَذا الصَّلاةُ يا مُحَمَّدُ، فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ لِخَدِيجَةَ، فَذَهَبَتْ خَدِيجَةُ إلى ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وهو ابْنُ عَمِّها، وكانَ قَدْ خالَفَ دِينَ قَوْمِهِ، ودَخَلَ في النَّصْرانِيَّةِ، فَسَألَتْهُ فَقالَ: أرْسِلِي إلَيَّ مُحَمَّدًا، فَأرْسَلَتْهُ فَأتاهُ فَقالَ لَهُ: هَلْ أمَرَكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَدْعُوَ إلى اللَّهِ أحَدًا ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ: واللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ إلى دَعْوَتِكَ لَأنْصُرَنَّكَ نَصْرًا عَزِيزًا، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ دُعاءِ الرَّسُولِ، ووَقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ في ألْسِنَةِ كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقالُوا: إنَّهُ لَمَجْنُونٌ، فَأقْسَمَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، وهو خَمْسُ آياتٍ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ»، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأوَّلُ ما نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ (الأعْلى: ١) وهَذِهِ الآيَةُ هي الثّانِيَةُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: (أنْتَ) هو اسْمُ (ما) و(بِمَجْنُونٍ) الخَبَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ والمَعْنى انْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ كَما يُقالُ: أنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عاقِلٌ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ لَسْتَ بِمَجْنُونٍ، وأنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَهِمٌ، وأنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لَسْتَ بِفَقِيرٍ، ومَعْناهُ أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ المَحْمُودَةَ إنَّما حَصَلَتْ، والصِّفَةُ المَذْمُومَةُ إنَّما زالَتْ بِواسِطَةِ إنْعامِ اللَّهِ ولُطْفِهِ وإكْرامِهِ، وقالَ عَطاءٌ وابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحِجْرِ: ٦) واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ هَهُنا بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ. الصِّفَةُ الأُولى: نَفْيُ الجُنُونِ عَنْهُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَرَنَ بِهَذِهِ الدَّعْوى ما يَكُونُ كالدَّلالَةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كانَتْ ظاهِرَةً في حَقِّهِ مِنَ الفَصاحَةِ التّامَّةِ والعَقْلِ الكامِلِ والسِّيرَةِ المَرْضِيَّةِ، والبَراءَةِ مِن كُلِّ عَيْبِ، والِاتِّصافِ بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ، وإذا كانَتْ هَذِهِ النِّعَمُ مَحْسُوسَةً ظاهِرَةً فَوُجُودُها يُنافِي حُصُولَ الجُنُونِ، فاللَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ لِتَكُونَ جارِيَةً مَجْرى الدَّلالَةِ اليَقِينِيَّةِ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في قَوْلِهِمْ لَهُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ وفي المَمْنُونِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، أنَّ المَعْنى غَيْرُ مَنقُوصٍ ولا مَقْطُوعٍ يُقالُ: مَنَّهُ السَّيْرُ أيْ أضْعَفَهُ، والمَنِينُ الضَّعِيفُ ومَنَّ الشَّيْءَ إذا قَطَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: صفحة ٧١ غُبْسٌ كَواسِبُ ما يُمَنُّ طَعامُها يَصِفُ كِلابًا ضارِيَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هُودٍ: ١٠٨) . والقَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ: إنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ عَلَيْكَ بِسَبَبِ المِنَّةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ في تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ: إنَّهُ غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ؛ لِأنَّهُ ثَوابٌ تَسْتَوْجِبُهُ عَلى عَمَلِكَ، ولَيْسَ بِتَفَضُّلٍ ابْتِداءً، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ؛ لِأنَّ وصْفَهُ بِأنَّهُ أجْرٌ يُفِيدُ أنَّهُ لا مِنَّةَ فِيهِ، فالحَمْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ كالتَّكْرِيرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الأجْرَ عَلى أيِّ شَيْءٍ حَصَلَ ؟ قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ إنَّ لَكَ عَلى احْتِمالِ هَذا الطَّعْنِ والقَوْلِ القَبِيحِ أجْرًا عَظِيمًا دائِمًا، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ إنَّ لَكَ في إظْهارِ النُّبُوَّةِ والمُعْجِزاتِ في دُعاءِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ وفي بَيانِ الشَّرْعِ لَهم، هَذا الأجْرَ الخالِصَ الدّائِمَ، فَلا تَمْنَعْكَ نِسْبَتُها إيّاكَ إلى الجُنُونِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهَذا المُهِمِّ العَظِيمِ، فَإنَّ لَكَ بِسَبَبِهِ المَنزِلَةَ العالِيَةَ عِنْدَ اللَّهِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا كالتَّفْسِيرِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وتَعْرِيفٌ لِمَن رَماهُ بِالجُنُونِ بِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وخَطَأٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ والأفْعالَ المَرْضِيَّةَ كانَتْ ظاهِرَةً مِنهُ، ومَن كانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الأخْلاقِ والأفْعالِ لَمْ يَجُزْ إضافَةُ الجُنُونِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ أخْلاقَ المَجانِينِ سَيِّئَةٌ، ولَمّا كانَتْ أخْلاقُهُ الحَمِيدَةُ كامِلَةً لا جَرَمَ وصَفَها اللَّهُ بِأنَّها عَظِيمَةٌ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: ٨٦) أيْ لَسْتُ مُتَكَلِّفًا فِيما يَظْهَرُ لَكم مِن أخْلاقِي؛ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ لا يَدُومُ أمْرُهُ طَوِيلًا بَلْ يَرْجِعُ إلى الطَّبْعِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما وصَفَ خُلُقَهُ بِأنَّهُ عَظِيمٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنْعامِ: ٩٠) وهَذا الهُدى الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا بِالِاقْتِداءِ بِهِ لَيْسَ هو مَعْرِفَةَ اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالرَّسُولِ، ولَيْسَ هو الشَّرائِعَ؛ لِأنَّ شَرِيعَتَهُ مُخالِفَةٌ لِشَرائِعِهِمْ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ فِيما اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الخُلُقِ الكَرِيمِ، فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ واحِدٍ، فَلَمّا أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقْتَدِيَ بِالكُلِّ فَكَأنَّهُ أُمِرَ بِمَجْمُوعِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ دَرَجَةً عالِيَةً لَمْ تَتَيَسَّرْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، لا جَرَمَ وصَفَ اللَّهُ خُلُقَهُ بِأنَّهُ عَظِيمٌ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وكَلِمَةُ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ، فَدَلَّ اللَّفْظُ عَلى أنَّهُ مُسْتَعْلٍ عَلى هَذِهِ الأخْلاقِ ومُسْتَوْلٍ عَلَيْها، وأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الأخْلاقِ الجَمِيلَةِ كالمَوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ وكالأمِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَأْمُورِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخُلُقُ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ يَسْهُلُ عَلى المُتَّصِفِ بِها الإتْيانُ بِالأفْعالِ الجَمِيلَةِ. واعْلَمْ أنَّ الإتْيانَ بِالأفْعالِ الجَمِيلَةِ غَيْرٌ، وسُهُولَةَ الإتْيانِ بِها غَيْرٌ، فالحالَةُ الَّتِي بِاعْتِبارِها تَحْصُلُ تِلْكَ السُّهُولَةُ هي الخُلُقُ، ويَدْخُلُ في حُسْنِ الخُلُقِ التَّحَرُّزُ مِنَ الشُّحِّ والبُخْلِ والغَضَبِ والتَّشْدِيدِ في المُعامَلاتِ، والتَّحَبُّبُ إلى النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ، وتَرْكُ التَّقاطُعِ والهِجْرانِ، والتَّساهُلُ في العُقُودِ كالبَيْعِ وغَيْرِهِ، والتَّسامُحُ بِما يَلْزَمُ مِن حُقُوقِ مَن لَهُ نَسَبٌ أوْ كانَ صِهْرًا لَهُ وحَصَلَ لَهُ حَقٌّ آخَرُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: وإنَّكَ لَعَلى دِينٍ عَظِيمٍ، ورُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ: ”«لَمْ أخْلُقْ دِينًا أحَبَّ إلَيَّ ولا أرْضى عِنْدِي مِن هَذا الدِّينِ الَّذِي اصْطَفَيْتُهُ لَكَ ولِأُمَّتِكَ» “ يَعْنِي الإسْلامَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ، قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ، صفحة ٧٢ والدِّينُ يَرْجِعُ إلى كَمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، والخُلُقُ يَرْجِعُ إلى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الخُلُقَ في اللُّغَةِ هو العادَةُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في إدْراكٍ أوْ في فِعْلٍ. الوَجْهُ الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ الخُلُقَ هو الأمْرُ الَّذِي بِاعْتِبارِهِ يَكُونُ الإتْيانُ بِالأفْعالِ الجَمِيلَةِ سَهْلًا، فَلَمّا كانَتِ الرُّوحُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي لَهُ شَدِيدَةَ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ الحَقَّةِ وعَدِيمَةَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، كانَتْ تِلْكَ السُّهُولَةُ حاصِلَةً في قَبُولِ المَعارِفِ الحَقَّةِ، فَلا يَبْعُدُ تَسْمِيَةُ تِلْكَ السُّهُولَةِ بِالخُلُقِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «قالَ سَعِيدُ بْنُ هِشامٍ: قُلْتُ لِعائِشَةَ: ”أخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَتْ: ألَسْتَ تَقْرَأُ القُرْآنَ ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّهُ كانَ خُلُقَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ“ وسُئِلَتْ مَرَّةً أُخْرى فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ثُمَّ قَرَأتْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١) إلى عَشَرَةِ آياتٍ»، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ كانَتْ بِالطَّبْعِ مُنْجَذِبَةً إلى عالَمِ الغَيْبِ، وإلى كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِها، وكانَتْ شَدِيدَةَ النَّفْرَةِ عَنِ اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ والسَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالطَّبْعِ ومُقْتَضى الفِطْرَةِ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنا شَيْئًا مِن هَذِهِ الحالَةِ. ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ”«ما كانَ أحَدٌ أحْسَنَ خُلُقًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما دَعاهُ أحَدٌ مِن أصْحابِهِ ولا مِن أهْلِ بَيْتِهِ إلّا قالَ: لَبَّيْكَ“ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»﴾ وقالَ أنَسٌ: ”«خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَما قالَ لِي في شَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ ؟ ولا في شَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: هَلّا فَعَلْتَ» “ وأقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ ما يَرْجِعُ إلى قُوَّتِهِ النَّظَرِيَّةِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ، فَقالَ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النِّساءِ: ١١٣) ووَصَفَ ما يَرْجِعُ إلى قُوَّتِهِ العَمَلِيَّةِ بِأنَّهُ عَظِيمٌ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَلَمْ يَبْقَ لِلْإنْسانِ بَعْدَ هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ شَيْءٌ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ رُوحَهُ فِيما بَيْنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ كانَتْ عَظِيمَةً عالِيَةَ الدَّرَجَةِ، كَأنَّها لِقُوَّتِها وشَدَّةِ كَمالِها كانَتْ مِن جِنْسِ أرْواحِ المَلائِكَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهُ بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قالَ:

القلم 68:5

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ فَسَتَرى يا مُحَمَّدُ ويَرَوْنَ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وفِيهِ قَوْلانِ: مِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى أحْوالِ الدُّنْيا، يَعْنِي فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ الدُّنْيا أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عاقِبَةُ أمْرِكَ وعاقِبَةُ أمْرِهِمْ، فَإنَّكَ تَصِيرُ مُعَظَّمًا في القُلُوبِ، ويَصِيرُونَ ذَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، وتَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا وعِيدٌ بِالعَذابِ بِبَدْرٍ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ (القَمَرِ: ٢٦) . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ قُتَيْبَةَ: أنَّ الباءَ صِلَةٌ زائِدَةٌ والمَعْنى أيُّكُمُ المَفْتُونُ وهو الَّذِي فُتِنَ بِالجُنُونِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (المُؤْمِنِينَ: ٢٠) أيْ تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: صفحة ٧٣ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ والفَرّاءُ طَعَنَ في هَذا الجَوابِ، وقالَ: إذا أمْكَنَ فِيهِ بَيانُ المَعْنى الصَّحِيحِ مِن دُونِ طَرْحِ الباءِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، وأمّا البَيْتُ فَمَعْناهُ نَرْجُو كَشْفَ ما نَحْنُ فِيهِ بِالفَرَجِ، أوْ نَرْجُو النَّصْرَ بِالفَرَجِ. وثانِيها: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ، أنَّ المَفْتُونَ هَهُنا بِمَعْنى الفُتُونِ وهو الجُنُونُ، والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ نَحْوَ المَعْقُودِ والمَيْسُورِ بِمَعْنى العَقْدِ واليُسْرِ، يُقالُ: لَيْسَ لَهُ مَعْقُودُ رَأْيٍ أيْ عَقْدُ رَأْيٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ ورِوايَةُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وثالِثُها: أنَّ الباءَ بِمَعْنى في ومَعْنى الآيَةِ: فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ في أيِّ الفَرِيقَيْنِ المَجْنُونُ، أفِي فِرْقَةِ الإسْلامِ أمْ في فِرْقَةِ الكُفّارِ. ورابِعُها: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، وهم لَمّا قالُوا: إنَّهُ مَجْنُونٌ فَقَدْ قالُوا: إنَّ بِهِ شَيْطانًا، فَقالَ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ (القَمَرِ: ٢٦) بِأيِّهِمْ شَيْطانٌ الَّذِي يَحْصُلُ مِن مَسِّهِ الجُنُونُ واخْتِلاطُ العَقْلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: هو أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمَجانِينِ عَلى الحَقِيقَةِ، وهُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، وهو أعْلَمُ بِالعُقَلاءِ وهُمُ المُهْتَدُونَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّهم رَمَوْكَ بِالجُنُونِ ووَصَفُوا أنْفُسَهم بِالعَقْلِ وهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالضَّلالِ، وأنْتَ مَوْصُوفٌ بِالهِدايَةِ، والِامْتِيازُ الحاصِلُ بِالهِدايَةِ والضَّلالِ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِنَ الِامْتِيازِ الحاصِلِ بِسَبَبِ العَقْلِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ ذاكَ ثَمَرَتُهُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ (أ) والشَّقاوَةُ، وهَذا ثَمَرَتُهُ السَّعادَةُ (أ) والشَّقاوَةُ في الدُّنْيا.

القلم 68:6

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ فَسَتَرى يا مُحَمَّدُ ويَرَوْنَ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وفِيهِ قَوْلانِ: مِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى أحْوالِ الدُّنْيا، يَعْنِي فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ الدُّنْيا أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عاقِبَةُ أمْرِكَ وعاقِبَةُ أمْرِهِمْ، فَإنَّكَ تَصِيرُ مُعَظَّمًا في القُلُوبِ، ويَصِيرُونَ ذَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، وتَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا وعِيدٌ بِالعَذابِ بِبَدْرٍ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ (القَمَرِ: ٢٦) . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ قُتَيْبَةَ: أنَّ الباءَ صِلَةٌ زائِدَةٌ والمَعْنى أيُّكُمُ المَفْتُونُ وهو الَّذِي فُتِنَ بِالجُنُونِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (المُؤْمِنِينَ: ٢٠) أيْ تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: صفحة ٧٣ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ والفَرّاءُ طَعَنَ في هَذا الجَوابِ، وقالَ: إذا أمْكَنَ فِيهِ بَيانُ المَعْنى الصَّحِيحِ مِن دُونِ طَرْحِ الباءِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، وأمّا البَيْتُ فَمَعْناهُ نَرْجُو كَشْفَ ما نَحْنُ فِيهِ بِالفَرَجِ، أوْ نَرْجُو النَّصْرَ بِالفَرَجِ. وثانِيها: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ، أنَّ المَفْتُونَ هَهُنا بِمَعْنى الفُتُونِ وهو الجُنُونُ، والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ نَحْوَ المَعْقُودِ والمَيْسُورِ بِمَعْنى العَقْدِ واليُسْرِ، يُقالُ: لَيْسَ لَهُ مَعْقُودُ رَأْيٍ أيْ عَقْدُ رَأْيٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ ورِوايَةُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وثالِثُها: أنَّ الباءَ بِمَعْنى في ومَعْنى الآيَةِ: فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ في أيِّ الفَرِيقَيْنِ المَجْنُونُ، أفِي فِرْقَةِ الإسْلامِ أمْ في فِرْقَةِ الكُفّارِ. ورابِعُها: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، وهم لَمّا قالُوا: إنَّهُ مَجْنُونٌ فَقَدْ قالُوا: إنَّ بِهِ شَيْطانًا، فَقالَ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ (القَمَرِ: ٢٦) بِأيِّهِمْ شَيْطانٌ الَّذِي يَحْصُلُ مِن مَسِّهِ الجُنُونُ واخْتِلاطُ العَقْلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: هو أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمَجانِينِ عَلى الحَقِيقَةِ، وهُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، وهو أعْلَمُ بِالعُقَلاءِ وهُمُ المُهْتَدُونَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّهم رَمَوْكَ بِالجُنُونِ ووَصَفُوا أنْفُسَهم بِالعَقْلِ وهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالضَّلالِ، وأنْتَ مَوْصُوفٌ بِالهِدايَةِ، والِامْتِيازُ الحاصِلُ بِالهِدايَةِ والضَّلالِ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِنَ الِامْتِيازِ الحاصِلِ بِسَبَبِ العَقْلِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ ذاكَ ثَمَرَتُهُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ (أ) والشَّقاوَةُ، وهَذا ثَمَرَتُهُ السَّعادَةُ (أ) والشَّقاوَةُ في الدُّنْيا.

القلم 68:7

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ فَسَتَرى يا مُحَمَّدُ ويَرَوْنَ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وفِيهِ قَوْلانِ: مِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى أحْوالِ الدُّنْيا، يَعْنِي فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ الدُّنْيا أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عاقِبَةُ أمْرِكَ وعاقِبَةُ أمْرِهِمْ، فَإنَّكَ تَصِيرُ مُعَظَّمًا في القُلُوبِ، ويَصِيرُونَ ذَلِيلِينَ مَلْعُونِينَ، وتَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا وعِيدٌ بِالعَذابِ بِبَدْرٍ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أحْوالِ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ (القَمَرِ: ٢٦) . * * * وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ قُتَيْبَةَ: أنَّ الباءَ صِلَةٌ زائِدَةٌ والمَعْنى أيُّكُمُ المَفْتُونُ وهو الَّذِي فُتِنَ بِالجُنُونِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (المُؤْمِنِينَ: ٢٠) أيْ تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: صفحة ٧٣ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجْ والفَرّاءُ طَعَنَ في هَذا الجَوابِ، وقالَ: إذا أمْكَنَ فِيهِ بَيانُ المَعْنى الصَّحِيحِ مِن دُونِ طَرْحِ الباءِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، وأمّا البَيْتُ فَمَعْناهُ نَرْجُو كَشْفَ ما نَحْنُ فِيهِ بِالفَرَجِ، أوْ نَرْجُو النَّصْرَ بِالفَرَجِ. وثانِيها: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ، أنَّ المَفْتُونَ هَهُنا بِمَعْنى الفُتُونِ وهو الجُنُونُ، والمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ نَحْوَ المَعْقُودِ والمَيْسُورِ بِمَعْنى العَقْدِ واليُسْرِ، يُقالُ: لَيْسَ لَهُ مَعْقُودُ رَأْيٍ أيْ عَقْدُ رَأْيٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ ورِوايَةُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وثالِثُها: أنَّ الباءَ بِمَعْنى في ومَعْنى الآيَةِ: فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ في أيِّ الفَرِيقَيْنِ المَجْنُونُ، أفِي فِرْقَةِ الإسْلامِ أمْ في فِرْقَةِ الكُفّارِ. ورابِعُها: المَفْتُونُ هو الشَّيْطانُ إذْ لا شَكَّ أنَّهُ مَفْتُونٌ في دِينِهِ، وهم لَمّا قالُوا: إنَّهُ مَجْنُونٌ فَقَدْ قالُوا: إنَّ بِهِ شَيْطانًا، فَقالَ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ (القَمَرِ: ٢٦) بِأيِّهِمْ شَيْطانٌ الَّذِي يَحْصُلُ مِن مَسِّهِ الجُنُونُ واخْتِلاطُ العَقْلِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: هو أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمَجانِينِ عَلى الحَقِيقَةِ، وهُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، وهو أعْلَمُ بِالعُقَلاءِ وهُمُ المُهْتَدُونَ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّهم رَمَوْكَ بِالجُنُونِ ووَصَفُوا أنْفُسَهم بِالعَقْلِ وهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مَوْصُوفُونَ بِالضَّلالِ، وأنْتَ مَوْصُوفٌ بِالهِدايَةِ، والِامْتِيازُ الحاصِلُ بِالهِدايَةِ والضَّلالِ أوْلى بِالرِّعايَةِ مِنَ الِامْتِيازِ الحاصِلِ بِسَبَبِ العَقْلِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ ذاكَ ثَمَرَتُهُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ (أ) والشَّقاوَةُ، وهَذا ثَمَرَتُهُ السَّعادَةُ (أ) والشَّقاوَةُ في الدُّنْيا.

القلم 68:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ في أمْرِ الرَّسُولِ ونِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ مَعَ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ في أمْرِ الدِّينِ والخُلُقِ، أتْبَعَهُ بِما يَدْعُوهُ إلى التَّشَدُّدِ مَعَ قَوْمِهِ، وقَوّى قَلْبَهُ بِذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وكَثْرَةِ الكُفّارِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ فَقالَ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ يَعْنِي رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم، وهَذا مِنَ اللَّهِ إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ لِلتَّشَدُّدِ في مُخالَفَتِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الإدْهانُ اللِّينُ والمُصانَعَةُ والمُقارَبَةُ في الكَلامِ، قالَ المُبَرِّدُ: داهَنَ الرَّجُلُ في دِينِهِ، وداهَنَ في أمْرِهِ إذا خانَ فِيهِ وأظْهَرَ خِلافَ ما يُضْمِرُ، والمَعْنى تَتْرُكُ بَعْضَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَرْضَوْنَهُ مُصانَعَةً لَهم، فَيَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ ويَتْرُكُوا بَعْضَ ما لا تَرْضى فَتَلِينَ لَهم ويَلِينُونَ لَكَ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما رُفِعَ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ ولَمْ يُنْصَبْ بِإضْمارِ أنْ وهو جَوابُ التَّمَنِّي؛ لِأنَّهُ قَدْ عُدِلَ بِهِ إلى صفحة ٧٤ طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنْ جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ (الجِنِّ: ١٣) عَلى مَعْنى ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ هارُونُ وكانَ مِنَ القُرّاءِ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ: (ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِينَ، وهَذا يَتَناوَلُ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ جَمِيعِ الكُفّارِ إلّا أنَّهُ أعادَ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ مَذْمُومَةٍ وراءَ الكُفْرِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ هي هَذِهِ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ حَلّافًا، والحَلّافُ مَن كانَ كَثِيرَ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ، وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٤) . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مَهِينًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَهانَةَ هي القِلَّةُ والحَقارَةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما كانَ مَهِينًا لِأنَّ المُرادَ الحَلّافُ في الكَذِبِ، والكَذّابُ حَقِيرٌ عِنْدَ النّاسِ. وأقُولُ: كَوْنُهُ حَلّافًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْرِفُ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وجَلالَهُ، إذْ لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما أقْدَمَ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِسَبَبِ كُلِّ باطِلٍ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِاسْمِهِ وصِفَتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِعَظَمَةِ اللَّهِ وكانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا كانَ مَهِينًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عِزَّةَ النَّفْسِ لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأنَّ مَهانَتَها لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن غَفَلَ عَنْ سِرِّ العُبُودِيَّةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ هَمّازًا وهو العَيّابُ الطَّعّانُ، قالَ المُبَرِّدُ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ أيْ يُذَكِّرُهم بِالمَكْرُوهِ، وأثَرُ ذَلِكَ يُظْهِرُ العَيْبَ، وعَنِ الحَسَنِ: يَلْوِي شِدْقَيْهِ في أقْفِيَةِ النّاسِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا (القَوْلَ) فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ (الهُمَزَةِ: ١) . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ مَشّاءً بِنَمِيمٍ أيْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ: نَمَّ يَنِمُّ ويَنُمُّ نَمًّا ونَمِيمًا ونَمِيمَةً. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهُ مَنّاعًا لِلْخَيْرِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أنَّهُ بَخِيلٌ، والخَيْرُ المالُ. والثّانِي: كانَ يَمْنَعُ أهْلَهُ مِنَ الخَيْرِ وهو الإسْلامُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ البَنِينَ وكانَ يَقُولُ لَهم وما قارَبَهم: لَئِنْ تَبِعَ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنكم أحَدٌ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، فَمَنَعَهُمُ الإسْلامَ، فَهو الخَيْرُ الَّذِي مَنَعَهم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَلُومٌ يَتَعَدّى الحَقَّ ويَتَجاوَزُهُ فَيَأْتِي بِالظُّلْمِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ يَعْنِي أنَّهُ نِهايَةٌ في جَمِيعِ القَبائِحِ والفَضائِحِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهُ أثِيمًا، وهو مُبالَغَةٌ في الإثْمِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: العُتُلُّ وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ كَثِيرَةٌ، وهي مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمٌّ في الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ ذَمٌّ في الخُلُقِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٧) أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَمِّ الخَلْقِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: يُرِيدُ: قَوِيٌّ ضَخْمٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: واسِعُ البَطْنِ، وثِيقُ الخَلْقِ، وقالَ الحَسَنُ: الفاحِشُ الخُلُقِ، اللَّئِيمُ النَّفْسِ، وقالَ عُبَيْدَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: هو الأكُولُ الشَّرُوبُ، القَوِيُّ الشَّدِيدُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ صفحة ٧٥ عَلى ذَمِّ الأخْلاقِ، فَقالُوا: إنَّهُ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، الفَظُّ العَنِيفُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الزَّنِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ مِنهم، قالَ حَسّانٌ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والزَّنَمَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الزِّيادَةُ، وزَنَمَتِ الشّاةُ أيْضًا إذا شُقَّتْ أُذُنُها فاسْتَرْخَتْ ويَبِسَتْ وبَقِيَتْ كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فالحاصِلُ أنَّ الزَّنِيمَ هو ولَدُ الزِّنا المُلْحَقُ بِالقَوْمِ في النَّسَبِ ولَيْسَ مِنهم، وكانَ الوَلِيدُ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ (لَيْلَةً) مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ: بَغَتْ أُمُّهُ ولَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الشَّعْبِيُّ هو الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ واللُّؤْمِ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ زَنِيمًا أنَّهُ كانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ في أصْلِ أُذُنِهِ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَعْناهُ أنَّهُ بَعْدَما عُدَّ لَهُ مِنَ المَثالِبِ والنَّقائِصِ فَهو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهو كَوْنُهُ عُتُلًّا زَنِيمًا أشَدُّ مَعايِبِهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جافِيًا غَلِيظَ الطَّبْعِ قَسا قَلْبُهُ واجْتَرَأ عَلى كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ ولِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ الوَلَدُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولَدُ الزِّنا ولا ولَدُهُ ولا ولَدُ ولَدِهِ» “ وقِيلَ: هَهُنا (بَعْدَ ذَلِكَ) نَظِيرُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَلَدِ: ١٧) وقَرَأ الحَسَنُ (عُتُلٌّ) رَفْعًا عَلى الذَّمِّ.

القلم 68:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ في أمْرِ الرَّسُولِ ونِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ مَعَ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ في أمْرِ الدِّينِ والخُلُقِ، أتْبَعَهُ بِما يَدْعُوهُ إلى التَّشَدُّدِ مَعَ قَوْمِهِ، وقَوّى قَلْبَهُ بِذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وكَثْرَةِ الكُفّارِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ فَقالَ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ يَعْنِي رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم، وهَذا مِنَ اللَّهِ إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ لِلتَّشَدُّدِ في مُخالَفَتِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الإدْهانُ اللِّينُ والمُصانَعَةُ والمُقارَبَةُ في الكَلامِ، قالَ المُبَرِّدُ: داهَنَ الرَّجُلُ في دِينِهِ، وداهَنَ في أمْرِهِ إذا خانَ فِيهِ وأظْهَرَ خِلافَ ما يُضْمِرُ، والمَعْنى تَتْرُكُ بَعْضَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَرْضَوْنَهُ مُصانَعَةً لَهم، فَيَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ ويَتْرُكُوا بَعْضَ ما لا تَرْضى فَتَلِينَ لَهم ويَلِينُونَ لَكَ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما رُفِعَ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ ولَمْ يُنْصَبْ بِإضْمارِ أنْ وهو جَوابُ التَّمَنِّي؛ لِأنَّهُ قَدْ عُدِلَ بِهِ إلى صفحة ٧٤ طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنْ جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ (الجِنِّ: ١٣) عَلى مَعْنى ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ هارُونُ وكانَ مِنَ القُرّاءِ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ: (ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِينَ، وهَذا يَتَناوَلُ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ جَمِيعِ الكُفّارِ إلّا أنَّهُ أعادَ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ مَذْمُومَةٍ وراءَ الكُفْرِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ هي هَذِهِ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ حَلّافًا، والحَلّافُ مَن كانَ كَثِيرَ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ، وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٤) . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مَهِينًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَهانَةَ هي القِلَّةُ والحَقارَةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما كانَ مَهِينًا لِأنَّ المُرادَ الحَلّافُ في الكَذِبِ، والكَذّابُ حَقِيرٌ عِنْدَ النّاسِ. وأقُولُ: كَوْنُهُ حَلّافًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْرِفُ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وجَلالَهُ، إذْ لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما أقْدَمَ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِسَبَبِ كُلِّ باطِلٍ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِاسْمِهِ وصِفَتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِعَظَمَةِ اللَّهِ وكانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا كانَ مَهِينًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عِزَّةَ النَّفْسِ لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأنَّ مَهانَتَها لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن غَفَلَ عَنْ سِرِّ العُبُودِيَّةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ هَمّازًا وهو العَيّابُ الطَّعّانُ، قالَ المُبَرِّدُ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ أيْ يُذَكِّرُهم بِالمَكْرُوهِ، وأثَرُ ذَلِكَ يُظْهِرُ العَيْبَ، وعَنِ الحَسَنِ: يَلْوِي شِدْقَيْهِ في أقْفِيَةِ النّاسِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا (القَوْلَ) فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ (الهُمَزَةِ: ١) . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ مَشّاءً بِنَمِيمٍ أيْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ: نَمَّ يَنِمُّ ويَنُمُّ نَمًّا ونَمِيمًا ونَمِيمَةً. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهُ مَنّاعًا لِلْخَيْرِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أنَّهُ بَخِيلٌ، والخَيْرُ المالُ. والثّانِي: كانَ يَمْنَعُ أهْلَهُ مِنَ الخَيْرِ وهو الإسْلامُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ البَنِينَ وكانَ يَقُولُ لَهم وما قارَبَهم: لَئِنْ تَبِعَ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنكم أحَدٌ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، فَمَنَعَهُمُ الإسْلامَ، فَهو الخَيْرُ الَّذِي مَنَعَهم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَلُومٌ يَتَعَدّى الحَقَّ ويَتَجاوَزُهُ فَيَأْتِي بِالظُّلْمِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ يَعْنِي أنَّهُ نِهايَةٌ في جَمِيعِ القَبائِحِ والفَضائِحِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهُ أثِيمًا، وهو مُبالَغَةٌ في الإثْمِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: العُتُلُّ وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ كَثِيرَةٌ، وهي مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمٌّ في الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ ذَمٌّ في الخُلُقِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٧) أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَمِّ الخَلْقِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: يُرِيدُ: قَوِيٌّ ضَخْمٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: واسِعُ البَطْنِ، وثِيقُ الخَلْقِ، وقالَ الحَسَنُ: الفاحِشُ الخُلُقِ، اللَّئِيمُ النَّفْسِ، وقالَ عُبَيْدَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: هو الأكُولُ الشَّرُوبُ، القَوِيُّ الشَّدِيدُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ صفحة ٧٥ عَلى ذَمِّ الأخْلاقِ، فَقالُوا: إنَّهُ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، الفَظُّ العَنِيفُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الزَّنِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ مِنهم، قالَ حَسّانٌ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والزَّنَمَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الزِّيادَةُ، وزَنَمَتِ الشّاةُ أيْضًا إذا شُقَّتْ أُذُنُها فاسْتَرْخَتْ ويَبِسَتْ وبَقِيَتْ كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فالحاصِلُ أنَّ الزَّنِيمَ هو ولَدُ الزِّنا المُلْحَقُ بِالقَوْمِ في النَّسَبِ ولَيْسَ مِنهم، وكانَ الوَلِيدُ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ (لَيْلَةً) مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ: بَغَتْ أُمُّهُ ولَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الشَّعْبِيُّ هو الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ واللُّؤْمِ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ زَنِيمًا أنَّهُ كانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ في أصْلِ أُذُنِهِ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَعْناهُ أنَّهُ بَعْدَما عُدَّ لَهُ مِنَ المَثالِبِ والنَّقائِصِ فَهو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهو كَوْنُهُ عُتُلًّا زَنِيمًا أشَدُّ مَعايِبِهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جافِيًا غَلِيظَ الطَّبْعِ قَسا قَلْبُهُ واجْتَرَأ عَلى كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ ولِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ الوَلَدُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولَدُ الزِّنا ولا ولَدُهُ ولا ولَدُ ولَدِهِ» “ وقِيلَ: هَهُنا (بَعْدَ ذَلِكَ) نَظِيرُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَلَدِ: ١٧) وقَرَأ الحَسَنُ (عُتُلٌّ) رَفْعًا عَلى الذَّمِّ.

القلم 68:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ في أمْرِ الرَّسُولِ ونِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ مَعَ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ في أمْرِ الدِّينِ والخُلُقِ، أتْبَعَهُ بِما يَدْعُوهُ إلى التَّشَدُّدِ مَعَ قَوْمِهِ، وقَوّى قَلْبَهُ بِذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وكَثْرَةِ الكُفّارِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ فَقالَ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ يَعْنِي رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم، وهَذا مِنَ اللَّهِ إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ لِلتَّشَدُّدِ في مُخالَفَتِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الإدْهانُ اللِّينُ والمُصانَعَةُ والمُقارَبَةُ في الكَلامِ، قالَ المُبَرِّدُ: داهَنَ الرَّجُلُ في دِينِهِ، وداهَنَ في أمْرِهِ إذا خانَ فِيهِ وأظْهَرَ خِلافَ ما يُضْمِرُ، والمَعْنى تَتْرُكُ بَعْضَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَرْضَوْنَهُ مُصانَعَةً لَهم، فَيَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ ويَتْرُكُوا بَعْضَ ما لا تَرْضى فَتَلِينَ لَهم ويَلِينُونَ لَكَ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما رُفِعَ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ ولَمْ يُنْصَبْ بِإضْمارِ أنْ وهو جَوابُ التَّمَنِّي؛ لِأنَّهُ قَدْ عُدِلَ بِهِ إلى صفحة ٧٤ طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنْ جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ (الجِنِّ: ١٣) عَلى مَعْنى ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ هارُونُ وكانَ مِنَ القُرّاءِ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ: (ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِينَ، وهَذا يَتَناوَلُ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ جَمِيعِ الكُفّارِ إلّا أنَّهُ أعادَ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ مَذْمُومَةٍ وراءَ الكُفْرِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ هي هَذِهِ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ حَلّافًا، والحَلّافُ مَن كانَ كَثِيرَ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ، وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٤) . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مَهِينًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَهانَةَ هي القِلَّةُ والحَقارَةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما كانَ مَهِينًا لِأنَّ المُرادَ الحَلّافُ في الكَذِبِ، والكَذّابُ حَقِيرٌ عِنْدَ النّاسِ. وأقُولُ: كَوْنُهُ حَلّافًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْرِفُ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وجَلالَهُ، إذْ لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما أقْدَمَ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِسَبَبِ كُلِّ باطِلٍ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِاسْمِهِ وصِفَتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِعَظَمَةِ اللَّهِ وكانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا كانَ مَهِينًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عِزَّةَ النَّفْسِ لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأنَّ مَهانَتَها لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن غَفَلَ عَنْ سِرِّ العُبُودِيَّةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ هَمّازًا وهو العَيّابُ الطَّعّانُ، قالَ المُبَرِّدُ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ أيْ يُذَكِّرُهم بِالمَكْرُوهِ، وأثَرُ ذَلِكَ يُظْهِرُ العَيْبَ، وعَنِ الحَسَنِ: يَلْوِي شِدْقَيْهِ في أقْفِيَةِ النّاسِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا (القَوْلَ) فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ (الهُمَزَةِ: ١) . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ مَشّاءً بِنَمِيمٍ أيْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ: نَمَّ يَنِمُّ ويَنُمُّ نَمًّا ونَمِيمًا ونَمِيمَةً. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهُ مَنّاعًا لِلْخَيْرِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أنَّهُ بَخِيلٌ، والخَيْرُ المالُ. والثّانِي: كانَ يَمْنَعُ أهْلَهُ مِنَ الخَيْرِ وهو الإسْلامُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ البَنِينَ وكانَ يَقُولُ لَهم وما قارَبَهم: لَئِنْ تَبِعَ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنكم أحَدٌ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، فَمَنَعَهُمُ الإسْلامَ، فَهو الخَيْرُ الَّذِي مَنَعَهم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَلُومٌ يَتَعَدّى الحَقَّ ويَتَجاوَزُهُ فَيَأْتِي بِالظُّلْمِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ يَعْنِي أنَّهُ نِهايَةٌ في جَمِيعِ القَبائِحِ والفَضائِحِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهُ أثِيمًا، وهو مُبالَغَةٌ في الإثْمِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: العُتُلُّ وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ كَثِيرَةٌ، وهي مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمٌّ في الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ ذَمٌّ في الخُلُقِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٧) أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَمِّ الخَلْقِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: يُرِيدُ: قَوِيٌّ ضَخْمٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: واسِعُ البَطْنِ، وثِيقُ الخَلْقِ، وقالَ الحَسَنُ: الفاحِشُ الخُلُقِ، اللَّئِيمُ النَّفْسِ، وقالَ عُبَيْدَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: هو الأكُولُ الشَّرُوبُ، القَوِيُّ الشَّدِيدُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ صفحة ٧٥ عَلى ذَمِّ الأخْلاقِ، فَقالُوا: إنَّهُ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، الفَظُّ العَنِيفُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الزَّنِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ مِنهم، قالَ حَسّانٌ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والزَّنَمَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الزِّيادَةُ، وزَنَمَتِ الشّاةُ أيْضًا إذا شُقَّتْ أُذُنُها فاسْتَرْخَتْ ويَبِسَتْ وبَقِيَتْ كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فالحاصِلُ أنَّ الزَّنِيمَ هو ولَدُ الزِّنا المُلْحَقُ بِالقَوْمِ في النَّسَبِ ولَيْسَ مِنهم، وكانَ الوَلِيدُ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ (لَيْلَةً) مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ: بَغَتْ أُمُّهُ ولَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الشَّعْبِيُّ هو الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ واللُّؤْمِ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ زَنِيمًا أنَّهُ كانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ في أصْلِ أُذُنِهِ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَعْناهُ أنَّهُ بَعْدَما عُدَّ لَهُ مِنَ المَثالِبِ والنَّقائِصِ فَهو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهو كَوْنُهُ عُتُلًّا زَنِيمًا أشَدُّ مَعايِبِهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جافِيًا غَلِيظَ الطَّبْعِ قَسا قَلْبُهُ واجْتَرَأ عَلى كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ ولِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ الوَلَدُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولَدُ الزِّنا ولا ولَدُهُ ولا ولَدُ ولَدِهِ» “ وقِيلَ: هَهُنا (بَعْدَ ذَلِكَ) نَظِيرُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَلَدِ: ١٧) وقَرَأ الحَسَنُ (عُتُلٌّ) رَفْعًا عَلى الذَّمِّ.

القلم 68:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ في أمْرِ الرَّسُولِ ونِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ مَعَ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ في أمْرِ الدِّينِ والخُلُقِ، أتْبَعَهُ بِما يَدْعُوهُ إلى التَّشَدُّدِ مَعَ قَوْمِهِ، وقَوّى قَلْبَهُ بِذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وكَثْرَةِ الكُفّارِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ فَقالَ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ يَعْنِي رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم، وهَذا مِنَ اللَّهِ إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ لِلتَّشَدُّدِ في مُخالَفَتِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الإدْهانُ اللِّينُ والمُصانَعَةُ والمُقارَبَةُ في الكَلامِ، قالَ المُبَرِّدُ: داهَنَ الرَّجُلُ في دِينِهِ، وداهَنَ في أمْرِهِ إذا خانَ فِيهِ وأظْهَرَ خِلافَ ما يُضْمِرُ، والمَعْنى تَتْرُكُ بَعْضَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَرْضَوْنَهُ مُصانَعَةً لَهم، فَيَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ ويَتْرُكُوا بَعْضَ ما لا تَرْضى فَتَلِينَ لَهم ويَلِينُونَ لَكَ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما رُفِعَ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ ولَمْ يُنْصَبْ بِإضْمارِ أنْ وهو جَوابُ التَّمَنِّي؛ لِأنَّهُ قَدْ عُدِلَ بِهِ إلى صفحة ٧٤ طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنْ جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ (الجِنِّ: ١٣) عَلى مَعْنى ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ هارُونُ وكانَ مِنَ القُرّاءِ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ: (ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِينَ، وهَذا يَتَناوَلُ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ جَمِيعِ الكُفّارِ إلّا أنَّهُ أعادَ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ مَذْمُومَةٍ وراءَ الكُفْرِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ هي هَذِهِ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ حَلّافًا، والحَلّافُ مَن كانَ كَثِيرَ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ، وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٤) . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مَهِينًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَهانَةَ هي القِلَّةُ والحَقارَةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما كانَ مَهِينًا لِأنَّ المُرادَ الحَلّافُ في الكَذِبِ، والكَذّابُ حَقِيرٌ عِنْدَ النّاسِ. وأقُولُ: كَوْنُهُ حَلّافًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْرِفُ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وجَلالَهُ، إذْ لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما أقْدَمَ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِسَبَبِ كُلِّ باطِلٍ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِاسْمِهِ وصِفَتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِعَظَمَةِ اللَّهِ وكانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا كانَ مَهِينًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عِزَّةَ النَّفْسِ لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأنَّ مَهانَتَها لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن غَفَلَ عَنْ سِرِّ العُبُودِيَّةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ هَمّازًا وهو العَيّابُ الطَّعّانُ، قالَ المُبَرِّدُ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ أيْ يُذَكِّرُهم بِالمَكْرُوهِ، وأثَرُ ذَلِكَ يُظْهِرُ العَيْبَ، وعَنِ الحَسَنِ: يَلْوِي شِدْقَيْهِ في أقْفِيَةِ النّاسِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا (القَوْلَ) فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ (الهُمَزَةِ: ١) . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ مَشّاءً بِنَمِيمٍ أيْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ: نَمَّ يَنِمُّ ويَنُمُّ نَمًّا ونَمِيمًا ونَمِيمَةً. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهُ مَنّاعًا لِلْخَيْرِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أنَّهُ بَخِيلٌ، والخَيْرُ المالُ. والثّانِي: كانَ يَمْنَعُ أهْلَهُ مِنَ الخَيْرِ وهو الإسْلامُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ البَنِينَ وكانَ يَقُولُ لَهم وما قارَبَهم: لَئِنْ تَبِعَ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنكم أحَدٌ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، فَمَنَعَهُمُ الإسْلامَ، فَهو الخَيْرُ الَّذِي مَنَعَهم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَلُومٌ يَتَعَدّى الحَقَّ ويَتَجاوَزُهُ فَيَأْتِي بِالظُّلْمِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ يَعْنِي أنَّهُ نِهايَةٌ في جَمِيعِ القَبائِحِ والفَضائِحِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهُ أثِيمًا، وهو مُبالَغَةٌ في الإثْمِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: العُتُلُّ وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ كَثِيرَةٌ، وهي مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمٌّ في الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ ذَمٌّ في الخُلُقِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٧) أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَمِّ الخَلْقِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: يُرِيدُ: قَوِيٌّ ضَخْمٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: واسِعُ البَطْنِ، وثِيقُ الخَلْقِ، وقالَ الحَسَنُ: الفاحِشُ الخُلُقِ، اللَّئِيمُ النَّفْسِ، وقالَ عُبَيْدَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: هو الأكُولُ الشَّرُوبُ، القَوِيُّ الشَّدِيدُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ صفحة ٧٥ عَلى ذَمِّ الأخْلاقِ، فَقالُوا: إنَّهُ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، الفَظُّ العَنِيفُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الزَّنِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ مِنهم، قالَ حَسّانٌ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والزَّنَمَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الزِّيادَةُ، وزَنَمَتِ الشّاةُ أيْضًا إذا شُقَّتْ أُذُنُها فاسْتَرْخَتْ ويَبِسَتْ وبَقِيَتْ كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فالحاصِلُ أنَّ الزَّنِيمَ هو ولَدُ الزِّنا المُلْحَقُ بِالقَوْمِ في النَّسَبِ ولَيْسَ مِنهم، وكانَ الوَلِيدُ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ (لَيْلَةً) مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ: بَغَتْ أُمُّهُ ولَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الشَّعْبِيُّ هو الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ واللُّؤْمِ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ زَنِيمًا أنَّهُ كانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ في أصْلِ أُذُنِهِ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَعْناهُ أنَّهُ بَعْدَما عُدَّ لَهُ مِنَ المَثالِبِ والنَّقائِصِ فَهو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهو كَوْنُهُ عُتُلًّا زَنِيمًا أشَدُّ مَعايِبِهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جافِيًا غَلِيظَ الطَّبْعِ قَسا قَلْبُهُ واجْتَرَأ عَلى كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ ولِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ الوَلَدُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولَدُ الزِّنا ولا ولَدُهُ ولا ولَدُ ولَدِهِ» “ وقِيلَ: هَهُنا (بَعْدَ ذَلِكَ) نَظِيرُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَلَدِ: ١٧) وقَرَأ الحَسَنُ (عُتُلٌّ) رَفْعًا عَلى الذَّمِّ.

القلم 68:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ في أمْرِ الرَّسُولِ ونِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ مَعَ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ في أمْرِ الدِّينِ والخُلُقِ، أتْبَعَهُ بِما يَدْعُوهُ إلى التَّشَدُّدِ مَعَ قَوْمِهِ، وقَوّى قَلْبَهُ بِذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وكَثْرَةِ الكُفّارِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ فَقالَ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ يَعْنِي رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم، وهَذا مِنَ اللَّهِ إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ لِلتَّشَدُّدِ في مُخالَفَتِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الإدْهانُ اللِّينُ والمُصانَعَةُ والمُقارَبَةُ في الكَلامِ، قالَ المُبَرِّدُ: داهَنَ الرَّجُلُ في دِينِهِ، وداهَنَ في أمْرِهِ إذا خانَ فِيهِ وأظْهَرَ خِلافَ ما يُضْمِرُ، والمَعْنى تَتْرُكُ بَعْضَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَرْضَوْنَهُ مُصانَعَةً لَهم، فَيَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ ويَتْرُكُوا بَعْضَ ما لا تَرْضى فَتَلِينَ لَهم ويَلِينُونَ لَكَ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما رُفِعَ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ ولَمْ يُنْصَبْ بِإضْمارِ أنْ وهو جَوابُ التَّمَنِّي؛ لِأنَّهُ قَدْ عُدِلَ بِهِ إلى صفحة ٧٤ طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنْ جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ (الجِنِّ: ١٣) عَلى مَعْنى ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ هارُونُ وكانَ مِنَ القُرّاءِ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ: (ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِينَ، وهَذا يَتَناوَلُ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ جَمِيعِ الكُفّارِ إلّا أنَّهُ أعادَ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ مَذْمُومَةٍ وراءَ الكُفْرِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ هي هَذِهِ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ حَلّافًا، والحَلّافُ مَن كانَ كَثِيرَ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ، وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٤) . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مَهِينًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَهانَةَ هي القِلَّةُ والحَقارَةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما كانَ مَهِينًا لِأنَّ المُرادَ الحَلّافُ في الكَذِبِ، والكَذّابُ حَقِيرٌ عِنْدَ النّاسِ. وأقُولُ: كَوْنُهُ حَلّافًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْرِفُ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وجَلالَهُ، إذْ لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما أقْدَمَ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِسَبَبِ كُلِّ باطِلٍ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِاسْمِهِ وصِفَتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِعَظَمَةِ اللَّهِ وكانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا كانَ مَهِينًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عِزَّةَ النَّفْسِ لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأنَّ مَهانَتَها لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن غَفَلَ عَنْ سِرِّ العُبُودِيَّةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ هَمّازًا وهو العَيّابُ الطَّعّانُ، قالَ المُبَرِّدُ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ أيْ يُذَكِّرُهم بِالمَكْرُوهِ، وأثَرُ ذَلِكَ يُظْهِرُ العَيْبَ، وعَنِ الحَسَنِ: يَلْوِي شِدْقَيْهِ في أقْفِيَةِ النّاسِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا (القَوْلَ) فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ (الهُمَزَةِ: ١) . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ مَشّاءً بِنَمِيمٍ أيْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ: نَمَّ يَنِمُّ ويَنُمُّ نَمًّا ونَمِيمًا ونَمِيمَةً. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهُ مَنّاعًا لِلْخَيْرِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أنَّهُ بَخِيلٌ، والخَيْرُ المالُ. والثّانِي: كانَ يَمْنَعُ أهْلَهُ مِنَ الخَيْرِ وهو الإسْلامُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ البَنِينَ وكانَ يَقُولُ لَهم وما قارَبَهم: لَئِنْ تَبِعَ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنكم أحَدٌ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، فَمَنَعَهُمُ الإسْلامَ، فَهو الخَيْرُ الَّذِي مَنَعَهم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَلُومٌ يَتَعَدّى الحَقَّ ويَتَجاوَزُهُ فَيَأْتِي بِالظُّلْمِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ يَعْنِي أنَّهُ نِهايَةٌ في جَمِيعِ القَبائِحِ والفَضائِحِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهُ أثِيمًا، وهو مُبالَغَةٌ في الإثْمِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: العُتُلُّ وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ كَثِيرَةٌ، وهي مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمٌّ في الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ ذَمٌّ في الخُلُقِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٧) أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَمِّ الخَلْقِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: يُرِيدُ: قَوِيٌّ ضَخْمٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: واسِعُ البَطْنِ، وثِيقُ الخَلْقِ، وقالَ الحَسَنُ: الفاحِشُ الخُلُقِ، اللَّئِيمُ النَّفْسِ، وقالَ عُبَيْدَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: هو الأكُولُ الشَّرُوبُ، القَوِيُّ الشَّدِيدُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ صفحة ٧٥ عَلى ذَمِّ الأخْلاقِ، فَقالُوا: إنَّهُ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، الفَظُّ العَنِيفُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الزَّنِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ مِنهم، قالَ حَسّانٌ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والزَّنَمَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الزِّيادَةُ، وزَنَمَتِ الشّاةُ أيْضًا إذا شُقَّتْ أُذُنُها فاسْتَرْخَتْ ويَبِسَتْ وبَقِيَتْ كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فالحاصِلُ أنَّ الزَّنِيمَ هو ولَدُ الزِّنا المُلْحَقُ بِالقَوْمِ في النَّسَبِ ولَيْسَ مِنهم، وكانَ الوَلِيدُ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ (لَيْلَةً) مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ: بَغَتْ أُمُّهُ ولَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الشَّعْبِيُّ هو الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ واللُّؤْمِ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ زَنِيمًا أنَّهُ كانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ في أصْلِ أُذُنِهِ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَعْناهُ أنَّهُ بَعْدَما عُدَّ لَهُ مِنَ المَثالِبِ والنَّقائِصِ فَهو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهو كَوْنُهُ عُتُلًّا زَنِيمًا أشَدُّ مَعايِبِهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جافِيًا غَلِيظَ الطَّبْعِ قَسا قَلْبُهُ واجْتَرَأ عَلى كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ ولِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ الوَلَدُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولَدُ الزِّنا ولا ولَدُهُ ولا ولَدُ ولَدِهِ» “ وقِيلَ: هَهُنا (بَعْدَ ذَلِكَ) نَظِيرُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَلَدِ: ١٧) وقَرَأ الحَسَنُ (عُتُلٌّ) رَفْعًا عَلى الذَّمِّ.

القلم 68:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ في أمْرِ الرَّسُولِ ونِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ مَعَ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ في أمْرِ الدِّينِ والخُلُقِ، أتْبَعَهُ بِما يَدْعُوهُ إلى التَّشَدُّدِ مَعَ قَوْمِهِ، وقَوّى قَلْبَهُ بِذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وكَثْرَةِ الكُفّارِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ فَقالَ: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ يَعْنِي رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم، وهَذا مِنَ اللَّهِ إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ لِلتَّشَدُّدِ في مُخالَفَتِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: الإدْهانُ اللِّينُ والمُصانَعَةُ والمُقارَبَةُ في الكَلامِ، قالَ المُبَرِّدُ: داهَنَ الرَّجُلُ في دِينِهِ، وداهَنَ في أمْرِهِ إذا خانَ فِيهِ وأظْهَرَ خِلافَ ما يُضْمِرُ، والمَعْنى تَتْرُكُ بَعْضَ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَرْضَوْنَهُ مُصانَعَةً لَهم، فَيَفْعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ ويَتْرُكُوا بَعْضَ ما لا تَرْضى فَتَلِينَ لَهم ويَلِينُونَ لَكَ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما رُفِعَ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ ولَمْ يُنْصَبْ بِإضْمارِ أنْ وهو جَوابُ التَّمَنِّي؛ لِأنَّهُ قَدْ عُدِلَ بِهِ إلى صفحة ٧٤ طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنْ جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَهم يُدْهِنُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ (الجِنِّ: ١٣) عَلى مَعْنى ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وزَعَمَ هارُونُ وكانَ مِنَ القُرّاءِ أنَّها في بَعْضِ المَصاحِفِ: (ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ طاعَةِ المُكَذِّبِينَ، وهَذا يَتَناوَلُ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ جَمِيعِ الكُفّارِ إلّا أنَّهُ أعادَ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ مَوْصُوفًا بِصِفاتٍ مَذْمُومَةٍ وراءَ الكُفْرِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ هي هَذِهِ: الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ حَلّافًا، والحَلّافُ مَن كانَ كَثِيرَ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ، وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٢٤) . الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مَهِينًا، قالَ الزَّجّاجُ: هو فَعِيلٌ مِنَ المَهانَةِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَهانَةَ هي القِلَّةُ والحَقارَةُ في الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ. والثّانِي: أنَّهُ إنَّما كانَ مَهِينًا لِأنَّ المُرادَ الحَلّافُ في الكَذِبِ، والكَذّابُ حَقِيرٌ عِنْدَ النّاسِ. وأقُولُ: كَوْنُهُ حَلّافًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْرِفُ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وجَلالَهُ، إذْ لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ لَما أقْدَمَ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ بِسَبَبِ كُلِّ باطِلٍ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِاسْمِهِ وصِفَتِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِعَظَمَةِ اللَّهِ وكانَ مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا كانَ مَهِينًا، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عِزَّةَ النَّفْسِ لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأنَّ مَهانَتَها لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن غَفَلَ عَنْ سِرِّ العُبُودِيَّةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ هَمّازًا وهو العَيّابُ الطَّعّانُ، قالَ المُبَرِّدُ: الَّذِي يَهْمِزُ النّاسَ أيْ يُذَكِّرُهم بِالمَكْرُوهِ، وأثَرُ ذَلِكَ يُظْهِرُ العَيْبَ، وعَنِ الحَسَنِ: يَلْوِي شِدْقَيْهِ في أقْفِيَةِ النّاسِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا (القَوْلَ) فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ (الهُمَزَةِ: ١) . الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهُ مَشّاءً بِنَمِيمٍ أيْ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم، يُقالُ: نَمَّ يَنِمُّ ويَنُمُّ نَمًّا ونَمِيمًا ونَمِيمَةً. الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهُ مَنّاعًا لِلْخَيْرِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ أنَّهُ بَخِيلٌ، والخَيْرُ المالُ. والثّانِي: كانَ يَمْنَعُ أهْلَهُ مِنَ الخَيْرِ وهو الإسْلامُ. وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وكانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ البَنِينَ وكانَ يَقُولُ لَهم وما قارَبَهم: لَئِنْ تَبِعَ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنكم أحَدٌ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، فَمَنَعَهُمُ الإسْلامَ، فَهو الخَيْرُ الَّذِي مَنَعَهم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وعَنِ السُّدِّيِّ: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ. الصِّفَةُ السّادِسَةُ: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ أنَّهُ ظَلُومٌ يَتَعَدّى الحَقَّ ويَتَجاوَزُهُ فَيَأْتِي بِالظُّلْمِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ يَعْنِي أنَّهُ نِهايَةٌ في جَمِيعِ القَبائِحِ والفَضائِحِ. الصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهُ أثِيمًا، وهو مُبالَغَةٌ في الإثْمِ. الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: العُتُلُّ وأقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ كَثِيرَةٌ، وهي مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمٌّ في الخَلْقِ. والثّانِي: أنَّهُ ذَمٌّ في الخُلُقِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِكَ: عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٧) أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَمِّ الخَلْقِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: يُرِيدُ: قَوِيٌّ ضَخْمٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: واسِعُ البَطْنِ، وثِيقُ الخَلْقِ، وقالَ الحَسَنُ: الفاحِشُ الخُلُقِ، اللَّئِيمُ النَّفْسِ، وقالَ عُبَيْدَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: هو الأكُولُ الشَّرُوبُ، القَوِيُّ الشَّدِيدُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الغَلِيظُ الجافِي. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ صفحة ٧٥ عَلى ذَمِّ الأخْلاقِ، فَقالُوا: إنَّهُ الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، الفَظُّ العَنِيفُ. الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿زَنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الزَّنِيمِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: الزَّنِيمُ هو الدَّعِيُّ المُلْصَقُ بِالقَوْمِ ولَيْسَ مِنهم، قالَ حَسّانٌ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والزَّنَمَةُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الزِّيادَةُ، وزَنَمَتِ الشّاةُ أيْضًا إذا شُقَّتْ أُذُنُها فاسْتَرْخَتْ ويَبِسَتْ وبَقِيَتْ كالشَّيْءِ المُعَلَّقِ، فالحاصِلُ أنَّ الزَّنِيمَ هو ولَدُ الزِّنا المُلْحَقُ بِالقَوْمِ في النَّسَبِ ولَيْسَ مِنهم، وكانَ الوَلِيدُ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ (لَيْلَةً) مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ: بَغَتْ أُمُّهُ ولَمْ يُعْرَفْ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الشَّعْبِيُّ هو الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ واللُّؤْمِ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَعْنى كَوْنِهِ زَنِيمًا أنَّهُ كانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ في أصْلِ أُذُنِهِ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَعْناهُ أنَّهُ بَعْدَما عُدَّ لَهُ مِنَ المَثالِبِ والنَّقائِصِ فَهو عُتُلٌّ زَنِيمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهو كَوْنُهُ عُتُلًّا زَنِيمًا أشَدُّ مَعايِبِهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جافِيًا غَلِيظَ الطَّبْعِ قَسا قَلْبُهُ واجْتَرَأ عَلى كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ ولِأنَّ الغالِبَ أنَّ النُّطْفَةَ إذا خَبُثَتْ خَبُثَ الوَلَدُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولَدُ الزِّنا ولا ولَدُهُ ولا ولَدُ ولَدِهِ» “ وقِيلَ: هَهُنا (بَعْدَ ذَلِكَ) نَظِيرُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البَلَدِ: ١٧) وقَرَأ الحَسَنُ (عُتُلٌّ) رَفْعًا عَلى الذَّمِّ.

القلم 68:14

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَعْدِيدِ هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ كانَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ. أمّا الأوَّلُ: فَتَقْدِيرُهُ: ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ، أيْ لا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ لِيَسارِهِ وأوْلادِهِ وكَثْرَتِهِ. وأمّا الثّانِي: فَتَقْدِيرُهُ لِأجْلِ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والمَعْنى لِأجْلِ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ جَعَلَ مُجازاةَ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَها اللَّهُ لَهُ الكُفْرَ بِآياتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ كانَ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ هو قَوْلَهُ: (تُتْلى) أوْ قَوْلَهُ (قالَ) أوْ شَيْئًا ثالِثًا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ (تُتْلى) قَدْ أُضِيفَتْ (إذا) إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، ألا تَرى أنَّكَ لا تَقُولُ: القِتالُ زَيْدًا حِينَ يَأْتِي، تُرِيدُ حِينَ يَأْتِي زَيْدًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ أيْضًا، قالَ لِأنَّ (قالَ) جَوابُ (إذا)، وحُكْمُ الجَوابِ أنْ يَكُونَ بَعْدَ ما هو جَوابٌ لَهُ، ولا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ عَلِمْنا أنَّ العامِلَ فِيهِ شَيْءٌ ثالِثٌ دَلَّ ما في الكَلامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ هو يَجْحَدُ أوْ يَكْفُرُ، أوْ يُمْسِكُ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وإنَّما جازَ أنْ يَعْمَلَ المَعْنى فِيهِ، وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لِشَبَهِهِ بِالظَّرْفِ، والظَّرْفُ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ المَعانِي وإنْ تَقَدَّمَ عَلَيْها، ويَدُلُّكَ عَلى مُشابَهَتِهِ لِلظَّرْفِ تَقْدِيرُ اللّامِ مَعَهُ، فَإنَّ صفحة ٧٦ تَقْدِيرَ الآيَةِ: لِأنْ كانَ ذا مالٍ وإذا صارَ كالظَّرْفِ لَمْ يَمْتَنِعِ المَعْنى مِن أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، كَما لَمْ يَمْتَنِعْ مِن أنْ يَعْمَلَ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سَبَأٍ: ٧) لَمّا كانَ ظَرْفًا، والعامِلُ فِيهِ القَسَمُ الدّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ تَقْدِيرُهُ: أنَّهُ جَحَدَ آياتِنا؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ أوْ كَفَرَ بِآياتِنا؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (أأنْ كانَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ كَذَّبَ، أوِ التَّقْدِيرُ: أتُطِيعُهُ لِأنْ كانَ ذا مالٍ. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ نافِعٍ: إنْ كانَ بِالكَسْرِ، والشَّرْطُ لِلْمُخاطَبِ، أيْ لا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ شارِطًا يَسارَهُ، لِأنَّهُ إذا أطاعَ الكافِرَ لِغِناهُ فَكَأنَّهُ اشْتَرَطَ في الطّاعَةِ الغِنى، ونَظِيرُ صَرْفِ الشَّرْطِ إلى المُخاطَبِ صَرْفُ التَّرَجِّي إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ (طه: ٤٤) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ قَبائِحَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ قالَ مُتَوَعِّدًا لَهُ:

القلم 68:15

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَعْدِيدِ هَذِهِ الصِّفاتِ قالَ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ كانَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ. أمّا الأوَّلُ: فَتَقْدِيرُهُ: ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ، أيْ لا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ لِيَسارِهِ وأوْلادِهِ وكَثْرَتِهِ. وأمّا الثّانِي: فَتَقْدِيرُهُ لِأجْلِ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، والمَعْنى لِأجْلِ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ جَعَلَ مُجازاةَ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَها اللَّهُ لَهُ الكُفْرَ بِآياتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ كانَ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ هو قَوْلَهُ: (تُتْلى) أوْ قَوْلَهُ (قالَ) أوْ شَيْئًا ثالِثًا، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ (تُتْلى) قَدْ أُضِيفَتْ (إذا) إلَيْهِ، والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، ألا تَرى أنَّكَ لا تَقُولُ: القِتالُ زَيْدًا حِينَ يَأْتِي، تُرِيدُ حِينَ يَأْتِي زَيْدًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ أيْضًا، قالَ لِأنَّ (قالَ) جَوابُ (إذا)، وحُكْمُ الجَوابِ أنْ يَكُونَ بَعْدَ ما هو جَوابٌ لَهُ، ولا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ولَمّا بَطَلَ هَذانِ القِسْمانِ عَلِمْنا أنَّ العامِلَ فِيهِ شَيْءٌ ثالِثٌ دَلَّ ما في الكَلامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ هو يَجْحَدُ أوْ يَكْفُرُ، أوْ يُمْسِكُ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وإنَّما جازَ أنْ يَعْمَلَ المَعْنى فِيهِ، وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لِشَبَهِهِ بِالظَّرْفِ، والظَّرْفُ قَدْ تَعْمَلُ فِيهِ المَعانِي وإنْ تَقَدَّمَ عَلَيْها، ويَدُلُّكَ عَلى مُشابَهَتِهِ لِلظَّرْفِ تَقْدِيرُ اللّامِ مَعَهُ، فَإنَّ صفحة ٧٦ تَقْدِيرَ الآيَةِ: لِأنْ كانَ ذا مالٍ وإذا صارَ كالظَّرْفِ لَمْ يَمْتَنِعِ المَعْنى مِن أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، كَما لَمْ يَمْتَنِعْ مِن أنْ يَعْمَلَ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سَبَأٍ: ٧) لَمّا كانَ ظَرْفًا، والعامِلُ فِيهِ القَسَمُ الدّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ تَقْدِيرُهُ: أنَّهُ جَحَدَ آياتِنا؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ أوْ كَفَرَ بِآياتِنا؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (أأنْ كانَ) عَلى الِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ كَذَّبَ، أوِ التَّقْدِيرُ: أتُطِيعُهُ لِأنْ كانَ ذا مالٍ. ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ نافِعٍ: إنْ كانَ بِالكَسْرِ، والشَّرْطُ لِلْمُخاطَبِ، أيْ لا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ شارِطًا يَسارَهُ، لِأنَّهُ إذا أطاعَ الكافِرَ لِغِناهُ فَكَأنَّهُ اشْتَرَطَ في الطّاعَةِ الغِنى، ونَظِيرُ صَرْفِ الشَّرْطِ إلى المُخاطَبِ صَرْفُ التَّرَجِّي إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ (طه: ٤٤) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهُ قَبائِحَ أفْعالِهِ وأقْوالِهِ قالَ مُتَوَعِّدًا لَهُ:

القلم 68:16

﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: الوَسْمُ أثَرُ الكَيَّةِ وما يُشْبِهُها، يُقالُ: وسَمْتُهُ فَهو مَوْسُومٌ بِسِمَةٍ يُعْرَفُ بِها إمّا كَيَّةٌ، وإمّا قَطْعٌ في أُذُنٍ عَلامَةً لَهُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُبَرِّدُ: الخُرْطُومُ هَهُنا الأنْفُ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا اللَّفْظَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ؛ لِأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ أعْضاءِ النّاسِ بِالأسْماءِ المَوْضُوعَةِ لِأشْباهِ تِلْكَ الأعْضاءِ مِنَ الحَيَواناتِ يَكُونُ اسْتِخْفافًا، كَما يُعَبَّرُ عَنْ شِفاهِ النّاسِ بِالمَشافِرِ، وعَنْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِالأظْلافِ والحَوافِرِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الوَجْهُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ في الجَسَدِ، والأنْفُ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ لِارْتِفاعِهِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَعَلُوهُ مَكانَ العِزِّ والحَمِيَّةِ، واشْتَقُّوا مِنهُ الأنَفَةَ، وقالُوا: الأنَفُ في الأنْفِ وحَمى أنْفَهُ، وفُلانٌ شامِخُ العِرْنِينِ، وقالُوا في الذَّلِيلِ: جُدِعَ أنْفُهُ، ورَغِمَ أنْفُهُ، فَعَبَّرَ بِالوَسْمِ عَلى الخُرْطُومِ عَنْ غايَةِ الإذْلالِ والإهانَةِ، لِأنَّ السِّمَةَ عَلى الوَجْهِ شَيْنٌ، فَكَيْفَ عَلى أكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنَ الوَجْهِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنهم مَن قالَ: هَذا الوَسْمُ يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، ومِنهم مَن قالَ: يَحْصُلُ في الدُّنْيا. أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فَفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ وأبِي العالِيَةِ واخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ المُرادَ أنَّهُ يُسَوَّدُ وجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، والخُرْطُومُ وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّ المُرادَ هو الوَجْهُ؛ لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنْ بَعْضٍ. وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ أهْلُ القِيامَةِ أنَّهُ كانَ غالِيًا في عَداوَةِ الرَّسُولِ، وفي إنْكارِ الدِّينِ الحَقِّ. وثالِثُها: أنَّ في الآيَةِ احْتِمالًا آخَرَ عِنْدِي، وهو أنَّ ذَلِكَ الكافِرَ إنَّما بالَغَ في عَداوَةِ الرَّسُولِ وفي الطَّعْنِ في الدِّينِ الحَقِّ بِسَبَبِ الأنَفَةِ والحَمِيَّةِ، فَلَمّا كانَ مَنشَأُ هَذا الإنْكارِ هو الأنَفَةُ والحَمِيَّةُ كانَ مَنشَأُ عَذابِ الآخِرَةِ هو هَذِهِ الأنَفَةُ والحَمِيَّةُ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا الِاخْتِصاصِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ . وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي: وهو أنَّ هَذا الوَسْمَ إنَّما يَحْصُلُ في الدُّنْيا فَفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: صفحة ٧٧ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَنَخْطِمُهُ بِالسَّيْفِ فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً باقِيَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ. ورُوِيَ أنَّهُ قاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ في القِتالِ. وثانِيها: أنَّ مَعْنى هَذا الوَسْمِ أنَّهُ يَصِيرُ مَشْهُورًا بِالذِّكْرِ الرَّدِيءِ والوَصْفِ القَبِيحِ في العالَمِ، والمَعْنى سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ ونُبِينُ أمْرَهُ بَيانًا واضِحًا حَتّى لا يَخْفى كَما لا تَخْفى السِّمَةُ عَلى الخَراطِيمِ، تَقُولُ العَرَبُ لِلرَّجُلِ الَّذِي تَسُبُّهُ في مَسَبَّةٍ قَبِيحَةٍ باقِيَةٍ فاحِشَةٍ: قَدْ وسَمَهُ مِيسَمَ سُوءٍ، والمُرادُ أنَّهُ ألْصَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ كَما أنَّ السِّمَةَ لا تَنْمَحِي ولا تَزُولُ ألْبَتَّةَ، قالَ جَرِيرٌ: لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي وعَلى البَعِيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ يُرِيدُ أنَّهُ وسَمَ الفَرَزْدَقَ (والبَعِيثَ) وجَدَعَ أنْفَ الأخْطَلِ بِالهِجاءِ أيْ ألْقى عَلَيْهِ عارًا لا يَزُولُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ المُبالَغَةَ العَظِيمَةَ في مَذَمَّةِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ بَقِيَتْ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ فَكانَ ذَلِكَ كالمِيسَمِ عَلى الخُرْطُومِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُ مَن قالَ في (زَنِيمٍ) إنَّهُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها. وثالِثُها: يُرْوى عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أنَّ الخُرْطُومَ هو الخَمْرُ وأنْشَدَ: تَظَلُّ يَوْمَكَ في لَهْوٍ وفي طَرَبٍ ∗∗∗ وأنْتَ بِاللَّيْلِ شَرّابُ الخَراطِيمِ فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ: سَنَحُدُّهُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وهو تَعَسُّفٌ، وقِيلَ لِلْخَمْرِ: الخُرْطُومُ كَما يُقالُ لَها: السُّلافَةُ، وهي ما سَلَفَ مِن عَصِيرِ العِنَبِ، أوْ لِأنَّها تَطِيرُ في الخَياشِيمِ.

القلم 68:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: لِأجْلِ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ، جَحَدَ وكَفَرَ وعَصى وتَمَرَّدَ، وكانَ هَذا اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطاهُ المالَ والبَنِينَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ولِيَصْرِفَهُ إلى طاعَةِ اللَّهِ، ولِيُواظِبَ عَلى شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى يَقْطَعُ عَنْهُ تِلْكَ النِّعَمَ، ويَصُبُّ عَلَيْهِ أنْواعَ البَلاءِ والآفاتِ فَقالَ: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ أيْ كَلَّفْنا هَؤُلاءِ أنْ يَشْكُرُوا عَلى النِّعَمِ، كَما كَلَّفْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ذاتِ الثِّمارِ، أنْ يَشْكُرُوا ويُعْطُوا الفُقَراءَ حُقُوقَهم، رُوِيَ أنَّ واحِدًا مِن ثَقِيفٍ وكانَ مُسْلِمًا، كانَ يَمْلِكُ ضَيْعَةً فِيها نَخْلٌ وزَرْعٌ بِقُرْبِ صَنْعاءَ، وكانَ يَجْعَلُ مِن كُلِّ ما فِيها عِنْدَ الحَصادِ نَصِيبًا وافِرًا لِلْفُقَراءِ، فَلَمّا ماتَ ورِثَها مِنهُ بَنُوهُ، ثُمَّ قالُوا: عِيالُنا كَثِيرٌ، والمالُ قَلِيلٌ، ولا يُمْكِنُنا أنْ نُعْطِيَ المَساكِينَ، مِثْلَ ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، فَأحْرَقَ اللَّهُ جَنَّتَهم، وقِيلَ: كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أقْسَمُوا﴾ إذْ حَلَفُوا: ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ لَيَقْطَعَنَّ ثَمَرَ نَخِيلِهِمْ ﴿مُصْبِحِينَ﴾، أيْ في وقْتِ الصَّباحِ، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ اغْدُوا سِرًّا إلى جَنَّتِكم، فاصْرِمُوها، ولا تُخْبِرُوا المَساكِينَ، وكانَ أبُوهم يُخْبِرُ المَساكِينَ، فَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صِرامِ جَنَّتِهِمْ، يُقالُ: قَدْ صَرَمَ العِذْقَ عَنِ النَّخْلَةِ، وأصْرَمَ النَّخْلُ إذا حانَ وقْتُ صِرامِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي ولَمْ يَقُولُوا: إنْ شاءَ اللَّهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، يُقالُ: حَلَفَ فُلانٌ يَمِينًا لَيْسَ فِيها ثُنْيا ولا ثَنْوى، ولا ثَنِيَّةٌ ولا مَثْنَوِيَّةٌ ولا اسْتِثْناءٌ وكُلُّهُ واحِدٌ، وأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الثَّنْيِ وهو الكَفُّ والرَّدُّ، وذَلِكَ أنَّ الحالِفَ إذا قالَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ غَيْرَهُ، فَقَدْ رَدَّ انْعِقادَ ذَلِكَ اليَمِينِ، واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: (﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ فالأكْثَرُونَ أنَّهم إنَّما لَمْ صفحة ٧٨ يَسْتَثْنُوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم كانُوا كالواثِقِينَ بِأنَّهم يَتَمَكَّنُونَ مِن ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ أنَّهم يَصْرِمُونَ كُلَّ ذَلِكَ ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلى المَساكِينِ.

القلم 68:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: لِأجْلِ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ، جَحَدَ وكَفَرَ وعَصى وتَمَرَّدَ، وكانَ هَذا اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطاهُ المالَ والبَنِينَ عَلى سَبِيلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ولِيَصْرِفَهُ إلى طاعَةِ اللَّهِ، ولِيُواظِبَ عَلى شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى يَقْطَعُ عَنْهُ تِلْكَ النِّعَمَ، ويَصُبُّ عَلَيْهِ أنْواعَ البَلاءِ والآفاتِ فَقالَ: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ أيْ كَلَّفْنا هَؤُلاءِ أنْ يَشْكُرُوا عَلى النِّعَمِ، كَما كَلَّفْنا أصْحابَ الجَنَّةِ ذاتِ الثِّمارِ، أنْ يَشْكُرُوا ويُعْطُوا الفُقَراءَ حُقُوقَهم، رُوِيَ أنَّ واحِدًا مِن ثَقِيفٍ وكانَ مُسْلِمًا، كانَ يَمْلِكُ ضَيْعَةً فِيها نَخْلٌ وزَرْعٌ بِقُرْبِ صَنْعاءَ، وكانَ يَجْعَلُ مِن كُلِّ ما فِيها عِنْدَ الحَصادِ نَصِيبًا وافِرًا لِلْفُقَراءِ، فَلَمّا ماتَ ورِثَها مِنهُ بَنُوهُ، ثُمَّ قالُوا: عِيالُنا كَثِيرٌ، والمالُ قَلِيلٌ، ولا يُمْكِنُنا أنْ نُعْطِيَ المَساكِينَ، مِثْلَ ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا، فَأحْرَقَ اللَّهُ جَنَّتَهم، وقِيلَ: كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ أقْسَمُوا﴾ إذْ حَلَفُوا: ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ لَيَقْطَعَنَّ ثَمَرَ نَخِيلِهِمْ ﴿مُصْبِحِينَ﴾، أيْ في وقْتِ الصَّباحِ، قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ اغْدُوا سِرًّا إلى جَنَّتِكم، فاصْرِمُوها، ولا تُخْبِرُوا المَساكِينَ، وكانَ أبُوهم يُخْبِرُ المَساكِينَ، فَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صِرامِ جَنَّتِهِمْ، يُقالُ: قَدْ صَرَمَ العِذْقَ عَنِ النَّخْلَةِ، وأصْرَمَ النَّخْلُ إذا حانَ وقْتُ صِرامِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ يَعْنِي ولَمْ يَقُولُوا: إنْ شاءَ اللَّهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، يُقالُ: حَلَفَ فُلانٌ يَمِينًا لَيْسَ فِيها ثُنْيا ولا ثَنْوى، ولا ثَنِيَّةٌ ولا مَثْنَوِيَّةٌ ولا اسْتِثْناءٌ وكُلُّهُ واحِدٌ، وأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الثَّنْيِ وهو الكَفُّ والرَّدُّ، وذَلِكَ أنَّ الحالِفَ إذا قالَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ غَيْرَهُ، فَقَدْ رَدَّ انْعِقادَ ذَلِكَ اليَمِينِ، واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: (﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ فالأكْثَرُونَ أنَّهم إنَّما لَمْ صفحة ٧٨ يَسْتَثْنُوا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم كانُوا كالواثِقِينَ بِأنَّهم يَتَمَكَّنُونَ مِن ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ أنَّهم يَصْرِمُونَ كُلَّ ذَلِكَ ولا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَساكِينِ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي كانَ يَدْفَعُهُ أبُوهم إلى المَساكِينِ.

القلم 68:19

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ طائِفٌ مِن رَبِّكَ: أيْ عَذابٌ مِن رَبِّكَ، والطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا لَيْلًا أيْ طَرَقَها طارِقٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الكَلْبِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا مِنَ السَّماءِ فاحْتَرَقَتْ وهم نائِمُونَ فَأصْبَحَتِ الجَنَّةُ كالصَّرِيمِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّرِيمَ فَعِيلٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ وهَهُنا احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ كانَتْ شَبِيهَةً بِالمَصْرُومَةِ في هَلاكِ الثَّمَرِ، وإنْ حَصَلَ الِاخْتِلافُ في أُمُورٍ أُخَرَ، فَإنَّ الأشْجارَ إذا احْتَرَقَتْ فَإنَّها لا تُشْبِهُ الأشْجارَ الَّتِي قُطِعَتْ ثِمارُها، إلّا أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ وإنْ حَصَلَ مِن هَذا الوَجْهِ، لَكِنَّ المُشابَهَةَ في هَلاكِ الثَّمَرِ حاصِلَةٌ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أيْ صُرِمَ عَنْها الخَيْرُ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الصَّرِيمُ بِمَعْنى المَصْرُومِ. وثالِثُها: الصَّرِيمُ مِنَ الرَّمْلِ قِطْعَةٌ ضَخْمَةٌ تَنْصَرِمُ عَنْ سائِرِ الرِّمالِ وجَمْعُهُ الصَّرائِمُ، وعَلى هَذا شُبِّهَتِ الجَنَّةُ وهي مُحْتَرِقَةٌ لا ثَمَرَ فِيها ولا خَيْرَ بِالرَّمْلَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ الرِّمالِ، وهي لا تُنْبِتُ شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ. ورابِعُها: الصُّبْحُ يُسَمّى صَرِيمًا؛ لِأنَّهُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ يَبِسَتْ وذَهَبَتْ خُضْرَتُها ولَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ، مِن قَوْلِهِمْ: بَيَّضَ الإناءَ إذا فَرَّغَهُ. وخامِسُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ صارَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، واللَّيْلُ يُسَمّى صَرِيمًا وكَذا النَّهارُ يُسَمّى أيْضًا صَرِيمًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ بِالآخَرِ، وعَلى هَذا الصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا، لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ وعَلى هَذا هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَتِ اللَّيْلَةُ بِالصَّرِيمِ؛ لِأنَّها تَصْرُمُ نُورَ البَصَرِ وتَقْطَعُهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ﴾ ويَعْنِي بِالحَرْثِ الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ، ولِذَلِكَ قالَ: صارِمِينَ؛ لِأنَّهم أرادُوا قَطْعَ الثِّمارِ مِن هَذِهِ الأشْجارِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ اغْدُوا إلى حَرْثِكم، وما مَعْنى (عَلى) ؟ قُلْنا: لَمّا كانَ الغُدُوُّ إلَيْهِ لِيَصْرِمُوهُ ويَقْطَعُوهُ كانَ غُدُوًّا عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: غَدا عَلَيْهِمُ العَدُوُّ، ويَجُوزُ أنْ تُضَمِّنَ الغُدُوَّ مَعْنى الإقْبالِ، كَقَوْلِهِمْ: يُغْدى عَلَيْهِمْ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، أيْ فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ.

القلم 68:20

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ طائِفٌ مِن رَبِّكَ: أيْ عَذابٌ مِن رَبِّكَ، والطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا لَيْلًا أيْ طَرَقَها طارِقٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الكَلْبِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا مِنَ السَّماءِ فاحْتَرَقَتْ وهم نائِمُونَ فَأصْبَحَتِ الجَنَّةُ كالصَّرِيمِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّرِيمَ فَعِيلٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ وهَهُنا احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ كانَتْ شَبِيهَةً بِالمَصْرُومَةِ في هَلاكِ الثَّمَرِ، وإنْ حَصَلَ الِاخْتِلافُ في أُمُورٍ أُخَرَ، فَإنَّ الأشْجارَ إذا احْتَرَقَتْ فَإنَّها لا تُشْبِهُ الأشْجارَ الَّتِي قُطِعَتْ ثِمارُها، إلّا أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ وإنْ حَصَلَ مِن هَذا الوَجْهِ، لَكِنَّ المُشابَهَةَ في هَلاكِ الثَّمَرِ حاصِلَةٌ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أيْ صُرِمَ عَنْها الخَيْرُ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الصَّرِيمُ بِمَعْنى المَصْرُومِ. وثالِثُها: الصَّرِيمُ مِنَ الرَّمْلِ قِطْعَةٌ ضَخْمَةٌ تَنْصَرِمُ عَنْ سائِرِ الرِّمالِ وجَمْعُهُ الصَّرائِمُ، وعَلى هَذا شُبِّهَتِ الجَنَّةُ وهي مُحْتَرِقَةٌ لا ثَمَرَ فِيها ولا خَيْرَ بِالرَّمْلَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ الرِّمالِ، وهي لا تُنْبِتُ شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ. ورابِعُها: الصُّبْحُ يُسَمّى صَرِيمًا؛ لِأنَّهُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ يَبِسَتْ وذَهَبَتْ خُضْرَتُها ولَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ، مِن قَوْلِهِمْ: بَيَّضَ الإناءَ إذا فَرَّغَهُ. وخامِسُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ صارَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، واللَّيْلُ يُسَمّى صَرِيمًا وكَذا النَّهارُ يُسَمّى أيْضًا صَرِيمًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ بِالآخَرِ، وعَلى هَذا الصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا، لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ وعَلى هَذا هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَتِ اللَّيْلَةُ بِالصَّرِيمِ؛ لِأنَّها تَصْرُمُ نُورَ البَصَرِ وتَقْطَعُهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ﴾ ويَعْنِي بِالحَرْثِ الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ، ولِذَلِكَ قالَ: صارِمِينَ؛ لِأنَّهم أرادُوا قَطْعَ الثِّمارِ مِن هَذِهِ الأشْجارِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ اغْدُوا إلى حَرْثِكم، وما مَعْنى (عَلى) ؟ قُلْنا: لَمّا كانَ الغُدُوُّ إلَيْهِ لِيَصْرِمُوهُ ويَقْطَعُوهُ كانَ غُدُوًّا عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: غَدا عَلَيْهِمُ العَدُوُّ، ويَجُوزُ أنْ تُضَمِّنَ الغُدُوَّ مَعْنى الإقْبالِ، كَقَوْلِهِمْ: يُغْدى عَلَيْهِمْ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، أيْ فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ.

القلم 68:21

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ طائِفٌ مِن رَبِّكَ: أيْ عَذابٌ مِن رَبِّكَ، والطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا لَيْلًا أيْ طَرَقَها طارِقٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الكَلْبِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا مِنَ السَّماءِ فاحْتَرَقَتْ وهم نائِمُونَ فَأصْبَحَتِ الجَنَّةُ كالصَّرِيمِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّرِيمَ فَعِيلٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ وهَهُنا احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ كانَتْ شَبِيهَةً بِالمَصْرُومَةِ في هَلاكِ الثَّمَرِ، وإنْ حَصَلَ الِاخْتِلافُ في أُمُورٍ أُخَرَ، فَإنَّ الأشْجارَ إذا احْتَرَقَتْ فَإنَّها لا تُشْبِهُ الأشْجارَ الَّتِي قُطِعَتْ ثِمارُها، إلّا أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ وإنْ حَصَلَ مِن هَذا الوَجْهِ، لَكِنَّ المُشابَهَةَ في هَلاكِ الثَّمَرِ حاصِلَةٌ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أيْ صُرِمَ عَنْها الخَيْرُ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الصَّرِيمُ بِمَعْنى المَصْرُومِ. وثالِثُها: الصَّرِيمُ مِنَ الرَّمْلِ قِطْعَةٌ ضَخْمَةٌ تَنْصَرِمُ عَنْ سائِرِ الرِّمالِ وجَمْعُهُ الصَّرائِمُ، وعَلى هَذا شُبِّهَتِ الجَنَّةُ وهي مُحْتَرِقَةٌ لا ثَمَرَ فِيها ولا خَيْرَ بِالرَّمْلَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ الرِّمالِ، وهي لا تُنْبِتُ شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ. ورابِعُها: الصُّبْحُ يُسَمّى صَرِيمًا؛ لِأنَّهُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ يَبِسَتْ وذَهَبَتْ خُضْرَتُها ولَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ، مِن قَوْلِهِمْ: بَيَّضَ الإناءَ إذا فَرَّغَهُ. وخامِسُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ صارَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، واللَّيْلُ يُسَمّى صَرِيمًا وكَذا النَّهارُ يُسَمّى أيْضًا صَرِيمًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ بِالآخَرِ، وعَلى هَذا الصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا، لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ وعَلى هَذا هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَتِ اللَّيْلَةُ بِالصَّرِيمِ؛ لِأنَّها تَصْرُمُ نُورَ البَصَرِ وتَقْطَعُهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ﴾ ويَعْنِي بِالحَرْثِ الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ، ولِذَلِكَ قالَ: صارِمِينَ؛ لِأنَّهم أرادُوا قَطْعَ الثِّمارِ مِن هَذِهِ الأشْجارِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ اغْدُوا إلى حَرْثِكم، وما مَعْنى (عَلى) ؟ قُلْنا: لَمّا كانَ الغُدُوُّ إلَيْهِ لِيَصْرِمُوهُ ويَقْطَعُوهُ كانَ غُدُوًّا عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: غَدا عَلَيْهِمُ العَدُوُّ، ويَجُوزُ أنْ تُضَمِّنَ الغُدُوَّ مَعْنى الإقْبالِ، كَقَوْلِهِمْ: يُغْدى عَلَيْهِمْ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، أيْ فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ.

القلم 68:22

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ طائِفٌ مِن رَبِّكَ: أيْ عَذابٌ مِن رَبِّكَ، والطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا لَيْلًا أيْ طَرَقَها طارِقٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الكَلْبِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا مِنَ السَّماءِ فاحْتَرَقَتْ وهم نائِمُونَ فَأصْبَحَتِ الجَنَّةُ كالصَّرِيمِ. واعْلَمْ أنَّ الصَّرِيمَ فَعِيلٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ وهَهُنا احْتِمالاتٌ: أحَدُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ كانَتْ شَبِيهَةً بِالمَصْرُومَةِ في هَلاكِ الثَّمَرِ، وإنْ حَصَلَ الِاخْتِلافُ في أُمُورٍ أُخَرَ، فَإنَّ الأشْجارَ إذا احْتَرَقَتْ فَإنَّها لا تُشْبِهُ الأشْجارَ الَّتِي قُطِعَتْ ثِمارُها، إلّا أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ وإنْ حَصَلَ مِن هَذا الوَجْهِ، لَكِنَّ المُشابَهَةَ في هَلاكِ الثَّمَرِ حاصِلَةٌ. وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أيْ صُرِمَ عَنْها الخَيْرُ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الصَّرِيمُ بِمَعْنى المَصْرُومِ. وثالِثُها: الصَّرِيمُ مِنَ الرَّمْلِ قِطْعَةٌ ضَخْمَةٌ تَنْصَرِمُ عَنْ سائِرِ الرِّمالِ وجَمْعُهُ الصَّرائِمُ، وعَلى هَذا شُبِّهَتِ الجَنَّةُ وهي مُحْتَرِقَةٌ لا ثَمَرَ فِيها ولا خَيْرَ بِالرَّمْلَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ الرِّمالِ، وهي لا تُنْبِتُ شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ. ورابِعُها: الصُّبْحُ يُسَمّى صَرِيمًا؛ لِأنَّهُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ يَبِسَتْ وذَهَبَتْ خُضْرَتُها ولَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ، مِن قَوْلِهِمْ: بَيَّضَ الإناءَ إذا فَرَّغَهُ. وخامِسُها: أنَّها لَمّا احْتَرَقَتْ صارَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ، واللَّيْلُ يُسَمّى صَرِيمًا وكَذا النَّهارُ يُسَمّى أيْضًا صَرِيمًا؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ بِالآخَرِ، وعَلى هَذا الصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا، لِأنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ وعَلى هَذا هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَتِ اللَّيْلَةُ بِالصَّرِيمِ؛ لِأنَّها تَصْرُمُ نُورَ البَصَرِ وتَقْطَعُهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أصْبَحُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ﴾ ويَعْنِي بِالحَرْثِ الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ، ولِذَلِكَ قالَ: صارِمِينَ؛ لِأنَّهم أرادُوا قَطْعَ الثِّمارِ مِن هَذِهِ الأشْجارِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلِ اغْدُوا إلى حَرْثِكم، وما مَعْنى (عَلى) ؟ قُلْنا: لَمّا كانَ الغُدُوُّ إلَيْهِ لِيَصْرِمُوهُ ويَقْطَعُوهُ كانَ غُدُوًّا عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: غَدا عَلَيْهِمُ العَدُوُّ، ويَجُوزُ أنْ تُضَمِّنَ الغُدُوَّ مَعْنى الإقْبالِ، كَقَوْلِهِمْ: يُغْدى عَلَيْهِمْ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، أيْ فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ.

القلم 68:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم، وخَفِيَ وخَفَتَ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى صفحة ٧٩ كَتَمَ، ومِنهُ الخُفْدُودُ لِلْخُفّاشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَدَوْا إلَيْها بِسُدْفَةٍ يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ الكَلامَ؛ لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِطَرْحِها بِإضْمارْ أيْ يَتَخافَتُونَ يَقُولُونَ: لا يَدْخُلُها، النَّهْيُ لِلْمِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ، أيْ لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، كَقَوْلِكَ لا أرَيَنَّكَ هَهُنا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: الحَرْدُ المَنعُ يُقالُ: حارَدَتِ السَّنَةُ إذا قَلَّ مَطَرُها ومَنَعَتْ رِيعَها، وحارَدَتِ النّاقَةُ إذا مَنَعَتْ لَبَنَها فَقَلَّ اللَّبَنُ، والحَرْدُ الغَضَبُ، وهُما لُغَتانِ الحَرَدُ والحَرْدُ والتَّحْرِيكُ أكْثَرُ، وإنَّما سُمِّيَ الغَضَبُ بِالحَرْدِ لِأنَّهُ كالمانِعِ مِن أنْ يَدْخُلَ المَغْضُوبُ مِنهُ في الوُجُودِ، والمَعْنى وغَدَوْا وكانُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وفي ظَنِّهِمْ قادِرِينَ عَلى مَنعِ المَساكِينِ. الثّانِي: قِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ، يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ قالَ الشّاعِرُ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقَطًا حِرادٌ أيْ سِراعٌ، يَعْنِي وغَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى صِرامِها، ومَنعِ مَنفَعَتِها عَنِ المَساكِينِ. والثّالِثُ: قِيلَ: حَرْدٌ عَلَمٌ لِتِلْكَ الجَنَّةِ أيْ غَدَوْا عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ قادِرِينَ عَلى صِرامِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَتِمَّ لَهم مُرادُهم مِنَ الصِّرامِ والحِرْمانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم ظَنُّوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ فَقالُوا: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَرَفُوا أنَّها هي قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرُها بِشُؤْمِ عَزْمِنا عَلى البُخْلِ ومَنعِ الفُقَراءِ. وثانِيها: يَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم مُحْتَرِقَةً قالُوا: إنّا لَضالُّونَ حَيْثُ كُنّا عازِمِينَ عَلى مَنعِ الفُقَراءِ، وحَيْثُ كُنّا نَعْتَقِدُ كَوْنَنا قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ بِها، بَلِ الأمْرُ انْقَلَبَ عَلَيْنا فَصِرْنا نَحْنُ المَحْرُومِينَ.

القلم 68:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم، وخَفِيَ وخَفَتَ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى صفحة ٧٩ كَتَمَ، ومِنهُ الخُفْدُودُ لِلْخُفّاشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَدَوْا إلَيْها بِسُدْفَةٍ يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ الكَلامَ؛ لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِطَرْحِها بِإضْمارْ أيْ يَتَخافَتُونَ يَقُولُونَ: لا يَدْخُلُها، النَّهْيُ لِلْمِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ، أيْ لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، كَقَوْلِكَ لا أرَيَنَّكَ هَهُنا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: الحَرْدُ المَنعُ يُقالُ: حارَدَتِ السَّنَةُ إذا قَلَّ مَطَرُها ومَنَعَتْ رِيعَها، وحارَدَتِ النّاقَةُ إذا مَنَعَتْ لَبَنَها فَقَلَّ اللَّبَنُ، والحَرْدُ الغَضَبُ، وهُما لُغَتانِ الحَرَدُ والحَرْدُ والتَّحْرِيكُ أكْثَرُ، وإنَّما سُمِّيَ الغَضَبُ بِالحَرْدِ لِأنَّهُ كالمانِعِ مِن أنْ يَدْخُلَ المَغْضُوبُ مِنهُ في الوُجُودِ، والمَعْنى وغَدَوْا وكانُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وفي ظَنِّهِمْ قادِرِينَ عَلى مَنعِ المَساكِينِ. الثّانِي: قِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ، يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ قالَ الشّاعِرُ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقَطًا حِرادٌ أيْ سِراعٌ، يَعْنِي وغَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى صِرامِها، ومَنعِ مَنفَعَتِها عَنِ المَساكِينِ. والثّالِثُ: قِيلَ: حَرْدٌ عَلَمٌ لِتِلْكَ الجَنَّةِ أيْ غَدَوْا عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ قادِرِينَ عَلى صِرامِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَتِمَّ لَهم مُرادُهم مِنَ الصِّرامِ والحِرْمانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم ظَنُّوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ فَقالُوا: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَرَفُوا أنَّها هي قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرُها بِشُؤْمِ عَزْمِنا عَلى البُخْلِ ومَنعِ الفُقَراءِ. وثانِيها: يَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم مُحْتَرِقَةً قالُوا: إنّا لَضالُّونَ حَيْثُ كُنّا عازِمِينَ عَلى مَنعِ الفُقَراءِ، وحَيْثُ كُنّا نَعْتَقِدُ كَوْنَنا قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ بِها، بَلِ الأمْرُ انْقَلَبَ عَلَيْنا فَصِرْنا نَحْنُ المَحْرُومِينَ.

القلم 68:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم، وخَفِيَ وخَفَتَ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى صفحة ٧٩ كَتَمَ، ومِنهُ الخُفْدُودُ لِلْخُفّاشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَدَوْا إلَيْها بِسُدْفَةٍ يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ الكَلامَ؛ لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِطَرْحِها بِإضْمارْ أيْ يَتَخافَتُونَ يَقُولُونَ: لا يَدْخُلُها، النَّهْيُ لِلْمِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ، أيْ لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، كَقَوْلِكَ لا أرَيَنَّكَ هَهُنا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: الحَرْدُ المَنعُ يُقالُ: حارَدَتِ السَّنَةُ إذا قَلَّ مَطَرُها ومَنَعَتْ رِيعَها، وحارَدَتِ النّاقَةُ إذا مَنَعَتْ لَبَنَها فَقَلَّ اللَّبَنُ، والحَرْدُ الغَضَبُ، وهُما لُغَتانِ الحَرَدُ والحَرْدُ والتَّحْرِيكُ أكْثَرُ، وإنَّما سُمِّيَ الغَضَبُ بِالحَرْدِ لِأنَّهُ كالمانِعِ مِن أنْ يَدْخُلَ المَغْضُوبُ مِنهُ في الوُجُودِ، والمَعْنى وغَدَوْا وكانُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وفي ظَنِّهِمْ قادِرِينَ عَلى مَنعِ المَساكِينِ. الثّانِي: قِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ، يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ قالَ الشّاعِرُ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقَطًا حِرادٌ أيْ سِراعٌ، يَعْنِي وغَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى صِرامِها، ومَنعِ مَنفَعَتِها عَنِ المَساكِينِ. والثّالِثُ: قِيلَ: حَرْدٌ عَلَمٌ لِتِلْكَ الجَنَّةِ أيْ غَدَوْا عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ قادِرِينَ عَلى صِرامِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَتِمَّ لَهم مُرادُهم مِنَ الصِّرامِ والحِرْمانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم ظَنُّوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ فَقالُوا: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَرَفُوا أنَّها هي قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرُها بِشُؤْمِ عَزْمِنا عَلى البُخْلِ ومَنعِ الفُقَراءِ. وثانِيها: يَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم مُحْتَرِقَةً قالُوا: إنّا لَضالُّونَ حَيْثُ كُنّا عازِمِينَ عَلى مَنعِ الفُقَراءِ، وحَيْثُ كُنّا نَعْتَقِدُ كَوْنَنا قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ بِها، بَلِ الأمْرُ انْقَلَبَ عَلَيْنا فَصِرْنا نَحْنُ المَحْرُومِينَ.

القلم 68:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم، وخَفِيَ وخَفَتَ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى صفحة ٧٩ كَتَمَ، ومِنهُ الخُفْدُودُ لِلْخُفّاشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَدَوْا إلَيْها بِسُدْفَةٍ يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ الكَلامَ؛ لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِطَرْحِها بِإضْمارْ أيْ يَتَخافَتُونَ يَقُولُونَ: لا يَدْخُلُها، النَّهْيُ لِلْمِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ، أيْ لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، كَقَوْلِكَ لا أرَيَنَّكَ هَهُنا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: الحَرْدُ المَنعُ يُقالُ: حارَدَتِ السَّنَةُ إذا قَلَّ مَطَرُها ومَنَعَتْ رِيعَها، وحارَدَتِ النّاقَةُ إذا مَنَعَتْ لَبَنَها فَقَلَّ اللَّبَنُ، والحَرْدُ الغَضَبُ، وهُما لُغَتانِ الحَرَدُ والحَرْدُ والتَّحْرِيكُ أكْثَرُ، وإنَّما سُمِّيَ الغَضَبُ بِالحَرْدِ لِأنَّهُ كالمانِعِ مِن أنْ يَدْخُلَ المَغْضُوبُ مِنهُ في الوُجُودِ، والمَعْنى وغَدَوْا وكانُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وفي ظَنِّهِمْ قادِرِينَ عَلى مَنعِ المَساكِينِ. الثّانِي: قِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ، يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ قالَ الشّاعِرُ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقَطًا حِرادٌ أيْ سِراعٌ، يَعْنِي وغَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى صِرامِها، ومَنعِ مَنفَعَتِها عَنِ المَساكِينِ. والثّالِثُ: قِيلَ: حَرْدٌ عَلَمٌ لِتِلْكَ الجَنَّةِ أيْ غَدَوْا عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ قادِرِينَ عَلى صِرامِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَتِمَّ لَهم مُرادُهم مِنَ الصِّرامِ والحِرْمانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم ظَنُّوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ فَقالُوا: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَرَفُوا أنَّها هي قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرُها بِشُؤْمِ عَزْمِنا عَلى البُخْلِ ومَنعِ الفُقَراءِ. وثانِيها: يَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم مُحْتَرِقَةً قالُوا: إنّا لَضالُّونَ حَيْثُ كُنّا عازِمِينَ عَلى مَنعِ الفُقَراءِ، وحَيْثُ كُنّا نَعْتَقِدُ كَوْنَنا قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ بِها، بَلِ الأمْرُ انْقَلَبَ عَلَيْنا فَصِرْنا نَحْنُ المَحْرُومِينَ.

القلم 68:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ يَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهم، وخَفِيَ وخَفَتَ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى صفحة ٧٩ كَتَمَ، ومِنهُ الخُفْدُودُ لِلْخُفّاشِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَدَوْا إلَيْها بِسُدْفَةٍ يُسِرُّ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ الكَلامَ؛ لِئَلّا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِطَرْحِها بِإضْمارْ أيْ يَتَخافَتُونَ يَقُولُونَ: لا يَدْخُلُها، النَّهْيُ لِلْمِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ نَهْيٌ لَهم عَنْ تَمْكِينِهِ مِنهُ، أيْ لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُّخُولِ، كَقَوْلِكَ لا أرَيَنَّكَ هَهُنا. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ وفِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: الحَرْدُ المَنعُ يُقالُ: حارَدَتِ السَّنَةُ إذا قَلَّ مَطَرُها ومَنَعَتْ رِيعَها، وحارَدَتِ النّاقَةُ إذا مَنَعَتْ لَبَنَها فَقَلَّ اللَّبَنُ، والحَرْدُ الغَضَبُ، وهُما لُغَتانِ الحَرَدُ والحَرْدُ والتَّحْرِيكُ أكْثَرُ، وإنَّما سُمِّيَ الغَضَبُ بِالحَرْدِ لِأنَّهُ كالمانِعِ مِن أنْ يَدْخُلَ المَغْضُوبُ مِنهُ في الوُجُودِ، والمَعْنى وغَدَوْا وكانُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وفي ظَنِّهِمْ قادِرِينَ عَلى مَنعِ المَساكِينِ. الثّانِي: قِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ، يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ قالَ الشّاعِرُ: أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهْ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ وقَطًا حِرادٌ أيْ سِراعٌ، يَعْنِي وغَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى صِرامِها، ومَنعِ مَنفَعَتِها عَنِ المَساكِينِ. والثّالِثُ: قِيلَ: حَرْدٌ عَلَمٌ لِتِلْكَ الجَنَّةِ أيْ غَدَوْا عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ قادِرِينَ عَلى صِرامِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، أوْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَتِمَّ لَهم مُرادُهم مِنَ الصِّرامِ والحِرْمانِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم ظَنُّوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ فَقالُوا: ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وعَرَفُوا أنَّها هي قالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا خَيْرُها بِشُؤْمِ عَزْمِنا عَلى البُخْلِ ومَنعِ الفُقَراءِ. وثانِيها: يَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا رَأوْا جَنَّتَهم مُحْتَرِقَةً قالُوا: إنّا لَضالُّونَ حَيْثُ كُنّا عازِمِينَ عَلى مَنعِ الفُقَراءِ، وحَيْثُ كُنّا نَعْتَقِدُ كَوْنَنا قادِرِينَ عَلى الِانْتِفاعِ بِها، بَلِ الأمْرُ انْقَلَبَ عَلَيْنا فَصِرْنا نَحْنُ المَحْرُومِينَ.

القلم 68:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ يَعْنِي أعْدَلُهم وأفْضَلُهم، وبَيَّنّا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ . ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ يَعْنِي هَلّا تُسَبِّحُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: مَعْناهُ هَلّا تَسْتَثْنُونَ فَتَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عابَهم بِأنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ، وإنَّما جازَ تَسْمِيَةُ قَوْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، فَلَوْ دَخَلَ شَيْءٌ في الوُجُودِ عَلى خِلافِ إرادَةِ اللَّهِ، لَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ عَوْدَةَ نَقْصٍ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُكَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، يُزِيلُ هَذا النَّقْصَ، فَكانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا. واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يَحْلِفُونَ ويَتْرُكُونَ الِاسْتِثْناءَ، وكانَ أوْسَطُهم يَنْهاهم عَنْ تَرْكِ الِاسْتِثْناءِ ويُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ، فَلِهَذا حَكى عَنْ ذَلِكَ الأوْسَطِ أنَّهُ قالَ بَعْدَ وُقُوعِ الواقِعَةِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ صفحة ٨٠ ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ . الثّانِي: أنَّ القَوْمَ حِينَ عَزَمُوا عَلى مَنعِ الزَّكاةِ واغْتَرُّوا بِمالِهِمْ وقُوَّتِهِمْ قالَ الأوْسَطُ لَهم: تُوبُوا عَنْ هَذِهِ المَعْصِيَةِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا رَأوُا العَذابَ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الكَلامَ الأوَّلَ، وقالَ: ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ فَلا جَرَمَ اشْتَغَلَ القَوْمُ في الحالِ بِالتَّوْبَةِ. ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَتَكَلَّمُوا بِما كانَ يَدْعُوهم إلى التَّكَلُّمِ بِهِ لَكِنْ بَعْدَ خَرابِ البَصْرَةِ. الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: هَذا التَّسْبِيحُ هو الصَّلاةُ كَأنَّهم كانُوا يَتَكاسَلُونَ في الصَّلاةِ وإلّا لَكانَتْ ناهِيَةً لَهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَكانَتْ داعِيَةً لَهم إلى أنْ يُواظِبُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وعَلى قَوْلِ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ ذَلِكَ الأوْسَطِ أنَّهُ أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ وبِالتَّسْبِيحِ حَكى عَنْهم أشْياءَ: أوَّلُها: أنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِالتَّسْبِيحِ وقالُوا في الحالِ: سُبْحانَ رَبِّنا عَنْ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ شَيْءٌ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ولَمّا وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِالتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ اعْتَرَفُوا بِسُوءِ أفْعالِهِمْ وقالُوا: ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . وثانِيها: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا يَقُولُ هَذا لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا بِهَذا الرَّأْيِ، ويَقُولُ ذاكَ لِهَذا: أنْتَ خَوَّفْتَنا بِالفَقْرِ، ويَقُولُ الثّالِثُ لِغَيْرِهِ: أنْتَ الَّذِي رَغَّبْتَنِي في جَمْعِ المالِ، فَهَذا هو التَّلاوُمُ.

القلم 68:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ يَعْنِي أعْدَلُهم وأفْضَلُهم، وبَيَّنّا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ . ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ يَعْنِي هَلّا تُسَبِّحُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: مَعْناهُ هَلّا تَسْتَثْنُونَ فَتَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عابَهم بِأنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ، وإنَّما جازَ تَسْمِيَةُ قَوْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، فَلَوْ دَخَلَ شَيْءٌ في الوُجُودِ عَلى خِلافِ إرادَةِ اللَّهِ، لَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ عَوْدَةَ نَقْصٍ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُكَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، يُزِيلُ هَذا النَّقْصَ، فَكانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا. واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يَحْلِفُونَ ويَتْرُكُونَ الِاسْتِثْناءَ، وكانَ أوْسَطُهم يَنْهاهم عَنْ تَرْكِ الِاسْتِثْناءِ ويُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ، فَلِهَذا حَكى عَنْ ذَلِكَ الأوْسَطِ أنَّهُ قالَ بَعْدَ وُقُوعِ الواقِعَةِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ صفحة ٨٠ ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ . الثّانِي: أنَّ القَوْمَ حِينَ عَزَمُوا عَلى مَنعِ الزَّكاةِ واغْتَرُّوا بِمالِهِمْ وقُوَّتِهِمْ قالَ الأوْسَطُ لَهم: تُوبُوا عَنْ هَذِهِ المَعْصِيَةِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا رَأوُا العَذابَ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الكَلامَ الأوَّلَ، وقالَ: ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ فَلا جَرَمَ اشْتَغَلَ القَوْمُ في الحالِ بِالتَّوْبَةِ. ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَتَكَلَّمُوا بِما كانَ يَدْعُوهم إلى التَّكَلُّمِ بِهِ لَكِنْ بَعْدَ خَرابِ البَصْرَةِ. الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: هَذا التَّسْبِيحُ هو الصَّلاةُ كَأنَّهم كانُوا يَتَكاسَلُونَ في الصَّلاةِ وإلّا لَكانَتْ ناهِيَةً لَهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَكانَتْ داعِيَةً لَهم إلى أنْ يُواظِبُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وعَلى قَوْلِ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ ذَلِكَ الأوْسَطِ أنَّهُ أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ وبِالتَّسْبِيحِ حَكى عَنْهم أشْياءَ: أوَّلُها: أنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِالتَّسْبِيحِ وقالُوا في الحالِ: سُبْحانَ رَبِّنا عَنْ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ شَيْءٌ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ولَمّا وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِالتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ اعْتَرَفُوا بِسُوءِ أفْعالِهِمْ وقالُوا: ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . وثانِيها: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا يَقُولُ هَذا لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا بِهَذا الرَّأْيِ، ويَقُولُ ذاكَ لِهَذا: أنْتَ خَوَّفْتَنا بِالفَقْرِ، ويَقُولُ الثّالِثُ لِغَيْرِهِ: أنْتَ الَّذِي رَغَّبْتَنِي في جَمْعِ المالِ، فَهَذا هو التَّلاوُمُ.

القلم 68:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ يَعْنِي أعْدَلُهم وأفْضَلُهم، وبَيَّنّا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ . ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ يَعْنِي هَلّا تُسَبِّحُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: مَعْناهُ هَلّا تَسْتَثْنُونَ فَتَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عابَهم بِأنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ، وإنَّما جازَ تَسْمِيَةُ قَوْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، فَلَوْ دَخَلَ شَيْءٌ في الوُجُودِ عَلى خِلافِ إرادَةِ اللَّهِ، لَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ عَوْدَةَ نَقْصٍ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُكَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، يُزِيلُ هَذا النَّقْصَ، فَكانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا. واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يَحْلِفُونَ ويَتْرُكُونَ الِاسْتِثْناءَ، وكانَ أوْسَطُهم يَنْهاهم عَنْ تَرْكِ الِاسْتِثْناءِ ويُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ، فَلِهَذا حَكى عَنْ ذَلِكَ الأوْسَطِ أنَّهُ قالَ بَعْدَ وُقُوعِ الواقِعَةِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ صفحة ٨٠ ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ . الثّانِي: أنَّ القَوْمَ حِينَ عَزَمُوا عَلى مَنعِ الزَّكاةِ واغْتَرُّوا بِمالِهِمْ وقُوَّتِهِمْ قالَ الأوْسَطُ لَهم: تُوبُوا عَنْ هَذِهِ المَعْصِيَةِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا رَأوُا العَذابَ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الكَلامَ الأوَّلَ، وقالَ: ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ فَلا جَرَمَ اشْتَغَلَ القَوْمُ في الحالِ بِالتَّوْبَةِ. ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَتَكَلَّمُوا بِما كانَ يَدْعُوهم إلى التَّكَلُّمِ بِهِ لَكِنْ بَعْدَ خَرابِ البَصْرَةِ. الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: هَذا التَّسْبِيحُ هو الصَّلاةُ كَأنَّهم كانُوا يَتَكاسَلُونَ في الصَّلاةِ وإلّا لَكانَتْ ناهِيَةً لَهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَكانَتْ داعِيَةً لَهم إلى أنْ يُواظِبُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وعَلى قَوْلِ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ ذَلِكَ الأوْسَطِ أنَّهُ أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ وبِالتَّسْبِيحِ حَكى عَنْهم أشْياءَ: أوَّلُها: أنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِالتَّسْبِيحِ وقالُوا في الحالِ: سُبْحانَ رَبِّنا عَنْ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ شَيْءٌ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ولَمّا وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِالتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ اعْتَرَفُوا بِسُوءِ أفْعالِهِمْ وقالُوا: ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . وثانِيها: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا يَقُولُ هَذا لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا بِهَذا الرَّأْيِ، ويَقُولُ ذاكَ لِهَذا: أنْتَ خَوَّفْتَنا بِالفَقْرِ، ويَقُولُ الثّالِثُ لِغَيْرِهِ: أنْتَ الَّذِي رَغَّبْتَنِي في جَمْعِ المالِ، فَهَذا هو التَّلاوُمُ.

القلم 68:31

ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ والمُرادُ أنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا جُرْمَهم. ثُمَّ قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ قُرِئَ (يُبْدِلَنا) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَهُنا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ تَوْبَةً مِنهم، وتَوَقَّفَ بَعْضُهم في ذَلِكَ قالُوا: لِأنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ أنَّهم إنَّما قالُوهُ رَغْبَةً مِنهم في الدُّنْيا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ يَعْنِي كَما ذَكَرْنا مِن إحْراقِها بِالنّارِ، وهَهُنا تَمَّ الكَلامُ في قِصَّةِ أصْحابِ الجَنَّةِ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مَن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى: لِأجْلِ أنْ أعْطاهُ المالَ والبَنِينَ كَفَرَ بِاللَّهِ، كَلّا بَلِ اللَّهُ تَعالى إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِلِابْتِلاءِ، فَإذا صَرَفَهُ إلى الكُفْرِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ لَمّا أتَوْا بِهَذا القَدْرِ اليَسِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلى جَنَّتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ الحالُ في حَقِّ مَن عانَدَ الرَّسُولَ وأصَرَّ عَلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. والثّانِي: أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ خَرَجُوا لِيَنْتَفِعُوا بِالجَنَّةِ ويَمْنَعُوا الفُقَراءَ عَنْها فَقَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَضِيَّةَ، فَكَذا أهْلُ مَكَّةَ لَمّا خَرَجُوا إلى بَدْرٍ حَلَفُوا عَلى أنْ يَقْتُلُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، وإذا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ طافُوا بِالكَعْبَةِ وشَرِبُوا الخُمُورَ، فَأخْلَفَ اللَّهُ ظَنَّهم فَقُتِلُوا وأُسِرُوا كَأهْلِ هَذِهِ الجَنَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَذابِ الدُّنْيا قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وهو ظاهِرٌ لا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ. صفحة ٨١ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ السُّعَداءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أيْ في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ جَنّاتٍ لَيْسَ لَهم فِيها إلّا التَّنَعُّمُ الخالِصُ لا يَشُوبُهُ ما يُنَغِّصُهُ، كَما يَشُوبُ جَنّاتِ الدُّنْيا، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَنا عَلَيْكم في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يُفَضِّلَنا عَلَيْكم في الآخِرَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلِ التَّفْضِيلُ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ.

القلم 68:32

ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ والمُرادُ أنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا جُرْمَهم. ثُمَّ قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ قُرِئَ (يُبْدِلَنا) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَهُنا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ تَوْبَةً مِنهم، وتَوَقَّفَ بَعْضُهم في ذَلِكَ قالُوا: لِأنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ أنَّهم إنَّما قالُوهُ رَغْبَةً مِنهم في الدُّنْيا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ يَعْنِي كَما ذَكَرْنا مِن إحْراقِها بِالنّارِ، وهَهُنا تَمَّ الكَلامُ في قِصَّةِ أصْحابِ الجَنَّةِ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مَن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى: لِأجْلِ أنْ أعْطاهُ المالَ والبَنِينَ كَفَرَ بِاللَّهِ، كَلّا بَلِ اللَّهُ تَعالى إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِلِابْتِلاءِ، فَإذا صَرَفَهُ إلى الكُفْرِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ لَمّا أتَوْا بِهَذا القَدْرِ اليَسِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلى جَنَّتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ الحالُ في حَقِّ مَن عانَدَ الرَّسُولَ وأصَرَّ عَلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. والثّانِي: أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ خَرَجُوا لِيَنْتَفِعُوا بِالجَنَّةِ ويَمْنَعُوا الفُقَراءَ عَنْها فَقَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَضِيَّةَ، فَكَذا أهْلُ مَكَّةَ لَمّا خَرَجُوا إلى بَدْرٍ حَلَفُوا عَلى أنْ يَقْتُلُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، وإذا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ طافُوا بِالكَعْبَةِ وشَرِبُوا الخُمُورَ، فَأخْلَفَ اللَّهُ ظَنَّهم فَقُتِلُوا وأُسِرُوا كَأهْلِ هَذِهِ الجَنَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَذابِ الدُّنْيا قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وهو ظاهِرٌ لا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ. صفحة ٨١ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ السُّعَداءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أيْ في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ جَنّاتٍ لَيْسَ لَهم فِيها إلّا التَّنَعُّمُ الخالِصُ لا يَشُوبُهُ ما يُنَغِّصُهُ، كَما يَشُوبُ جَنّاتِ الدُّنْيا، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَنا عَلَيْكم في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يُفَضِّلَنا عَلَيْكم في الآخِرَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلِ التَّفْضِيلُ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ.

القلم 68:33

ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ والمُرادُ أنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا جُرْمَهم. ثُمَّ قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ قُرِئَ (يُبْدِلَنا) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَهُنا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ تَوْبَةً مِنهم، وتَوَقَّفَ بَعْضُهم في ذَلِكَ قالُوا: لِأنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ أنَّهم إنَّما قالُوهُ رَغْبَةً مِنهم في الدُّنْيا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ يَعْنِي كَما ذَكَرْنا مِن إحْراقِها بِالنّارِ، وهَهُنا تَمَّ الكَلامُ في قِصَّةِ أصْحابِ الجَنَّةِ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مَن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى: لِأجْلِ أنْ أعْطاهُ المالَ والبَنِينَ كَفَرَ بِاللَّهِ، كَلّا بَلِ اللَّهُ تَعالى إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِلِابْتِلاءِ، فَإذا صَرَفَهُ إلى الكُفْرِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ لَمّا أتَوْا بِهَذا القَدْرِ اليَسِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلى جَنَّتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ الحالُ في حَقِّ مَن عانَدَ الرَّسُولَ وأصَرَّ عَلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. والثّانِي: أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ خَرَجُوا لِيَنْتَفِعُوا بِالجَنَّةِ ويَمْنَعُوا الفُقَراءَ عَنْها فَقَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَضِيَّةَ، فَكَذا أهْلُ مَكَّةَ لَمّا خَرَجُوا إلى بَدْرٍ حَلَفُوا عَلى أنْ يَقْتُلُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، وإذا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ طافُوا بِالكَعْبَةِ وشَرِبُوا الخُمُورَ، فَأخْلَفَ اللَّهُ ظَنَّهم فَقُتِلُوا وأُسِرُوا كَأهْلِ هَذِهِ الجَنَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَذابِ الدُّنْيا قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وهو ظاهِرٌ لا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ. صفحة ٨١ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ السُّعَداءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أيْ في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ جَنّاتٍ لَيْسَ لَهم فِيها إلّا التَّنَعُّمُ الخالِصُ لا يَشُوبُهُ ما يُنَغِّصُهُ، كَما يَشُوبُ جَنّاتِ الدُّنْيا، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَنا عَلَيْكم في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يُفَضِّلَنا عَلَيْكم في الآخِرَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلِ التَّفْضِيلُ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ.

القلم 68:34

ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ والمُرادُ أنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا جُرْمَهم. ثُمَّ قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ قُرِئَ (يُبْدِلَنا) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَهُنا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ تَوْبَةً مِنهم، وتَوَقَّفَ بَعْضُهم في ذَلِكَ قالُوا: لِأنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ أنَّهم إنَّما قالُوهُ رَغْبَةً مِنهم في الدُّنْيا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ يَعْنِي كَما ذَكَرْنا مِن إحْراقِها بِالنّارِ، وهَهُنا تَمَّ الكَلامُ في قِصَّةِ أصْحابِ الجَنَّةِ. واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مَن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى: لِأجْلِ أنْ أعْطاهُ المالَ والبَنِينَ كَفَرَ بِاللَّهِ، كَلّا بَلِ اللَّهُ تَعالى إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِلِابْتِلاءِ، فَإذا صَرَفَهُ إلى الكُفْرِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ لَمّا أتَوْا بِهَذا القَدْرِ اليَسِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلى جَنَّتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ الحالُ في حَقِّ مَن عانَدَ الرَّسُولَ وأصَرَّ عَلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. والثّانِي: أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ خَرَجُوا لِيَنْتَفِعُوا بِالجَنَّةِ ويَمْنَعُوا الفُقَراءَ عَنْها فَقَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَضِيَّةَ، فَكَذا أهْلُ مَكَّةَ لَمّا خَرَجُوا إلى بَدْرٍ حَلَفُوا عَلى أنْ يَقْتُلُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، وإذا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ طافُوا بِالكَعْبَةِ وشَرِبُوا الخُمُورَ، فَأخْلَفَ اللَّهُ ظَنَّهم فَقُتِلُوا وأُسِرُوا كَأهْلِ هَذِهِ الجَنَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَذابِ الدُّنْيا قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وهو ظاهِرٌ لا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ. صفحة ٨١ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ السُّعَداءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أيْ في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ جَنّاتٍ لَيْسَ لَهم فِيها إلّا التَّنَعُّمُ الخالِصُ لا يَشُوبُهُ ما يُنَغِّصُهُ، كَما يَشُوبُ جَنّاتِ الدُّنْيا، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَنا عَلَيْكم في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يُفَضِّلَنا عَلَيْكم في الآخِرَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلِ التَّفْضِيلُ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ.

القلم 68:35

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي غَيْرُ جائِزَةٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ ومُجْرِمٌ كالمُتَنافِي، فالفاسِقُ لَمّا كانَ مُجْرِمًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْلِمًا، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ جَعْلَ المُسْلِمِ مَثَلًا لِلْمُجْرِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْكارَ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَإنَّهُما يَتَماثَلانِ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والحُدُوثِ والحَيَوانِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ، بَلِ المُرادُ إنْكارُ اسْتِوائِهِما في الإسْلامِ والجُرْمِ، أوْ في آثارِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أوِ المُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أثَرُ إسْلامِ المُسْلِمِ مُساوِيًا لِأثَرِ جُرْمِ المُجْرِمِ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ، فَمِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ومُجْرِمًا ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجْرِمَ لا يَكُونُ ألْبَتَّةَ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْكَرَ حُصُولَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ حَصَلا في الجَنَّةِ، لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الثَّوابِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَكُونُ ثَوابُ المُجْرِمِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ المُسْلِمِ إذا كانَ المُجْرِمُ أطْوَلَ عُمْرًا مِنَ المُسْلِمِ، وكانَتْ طاعاتُهُ غَيْرَ مُحْبَطَةٍ. الجَوابُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في شَيْءٍ أصْلًا بَلْ تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، ولَعَلَّهُما يَسْتَوِيانِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَوابُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ أكْثَرَ مِن ثَوابِ مَن عَصى، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجْرِمِينَ هُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الواقِعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ الجَمْعِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ في الثَّوابِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ عَقْلًا ما يُحْكى عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ الكُفّارُ في الجَنَّةِ والمُطِيعُونَ في النّارِ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ قَرَّرَ هَذا الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمُ المُعْوَجُّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٦) والأصْلُ تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَتَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ أنَّ لِأنَّهُ مُدَرَّسٌ، فَلَمّا جاءَتِ اللّامُ كُسِرَتْ، وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ، أيْ أخَذَ خَيْرَهُ ونَحْوَهُ تَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ إذا أخَذَ مَنخُولَهُ.

القلم 68:36

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي غَيْرُ جائِزَةٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ ومُجْرِمٌ كالمُتَنافِي، فالفاسِقُ لَمّا كانَ مُجْرِمًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْلِمًا، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ جَعْلَ المُسْلِمِ مَثَلًا لِلْمُجْرِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْكارَ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَإنَّهُما يَتَماثَلانِ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والحُدُوثِ والحَيَوانِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ، بَلِ المُرادُ إنْكارُ اسْتِوائِهِما في الإسْلامِ والجُرْمِ، أوْ في آثارِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أوِ المُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أثَرُ إسْلامِ المُسْلِمِ مُساوِيًا لِأثَرِ جُرْمِ المُجْرِمِ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ، فَمِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ومُجْرِمًا ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجْرِمَ لا يَكُونُ ألْبَتَّةَ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْكَرَ حُصُولَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ حَصَلا في الجَنَّةِ، لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الثَّوابِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَكُونُ ثَوابُ المُجْرِمِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ المُسْلِمِ إذا كانَ المُجْرِمُ أطْوَلَ عُمْرًا مِنَ المُسْلِمِ، وكانَتْ طاعاتُهُ غَيْرَ مُحْبَطَةٍ. الجَوابُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في شَيْءٍ أصْلًا بَلْ تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، ولَعَلَّهُما يَسْتَوِيانِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَوابُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ أكْثَرَ مِن ثَوابِ مَن عَصى، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجْرِمِينَ هُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الواقِعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ الجَمْعِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ في الثَّوابِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ عَقْلًا ما يُحْكى عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ الكُفّارُ في الجَنَّةِ والمُطِيعُونَ في النّارِ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ قَرَّرَ هَذا الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمُ المُعْوَجُّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٦) والأصْلُ تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَتَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ أنَّ لِأنَّهُ مُدَرَّسٌ، فَلَمّا جاءَتِ اللّامُ كُسِرَتْ، وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ، أيْ أخَذَ خَيْرَهُ ونَحْوَهُ تَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ إذا أخَذَ مَنخُولَهُ.

القلم 68:37

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي غَيْرُ جائِزَةٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ ومُجْرِمٌ كالمُتَنافِي، فالفاسِقُ لَمّا كانَ مُجْرِمًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْلِمًا، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ جَعْلَ المُسْلِمِ مَثَلًا لِلْمُجْرِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْكارَ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَإنَّهُما يَتَماثَلانِ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والحُدُوثِ والحَيَوانِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ، بَلِ المُرادُ إنْكارُ اسْتِوائِهِما في الإسْلامِ والجُرْمِ، أوْ في آثارِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أوِ المُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أثَرُ إسْلامِ المُسْلِمِ مُساوِيًا لِأثَرِ جُرْمِ المُجْرِمِ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ، فَمِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ومُجْرِمًا ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجْرِمَ لا يَكُونُ ألْبَتَّةَ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْكَرَ حُصُولَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ حَصَلا في الجَنَّةِ، لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الثَّوابِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَكُونُ ثَوابُ المُجْرِمِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ المُسْلِمِ إذا كانَ المُجْرِمُ أطْوَلَ عُمْرًا مِنَ المُسْلِمِ، وكانَتْ طاعاتُهُ غَيْرَ مُحْبَطَةٍ. الجَوابُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في شَيْءٍ أصْلًا بَلْ تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، ولَعَلَّهُما يَسْتَوِيانِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَوابُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ أكْثَرَ مِن ثَوابِ مَن عَصى، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجْرِمِينَ هُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الواقِعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ الجَمْعِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ في الثَّوابِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ عَقْلًا ما يُحْكى عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ الكُفّارُ في الجَنَّةِ والمُطِيعُونَ في النّارِ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ قَرَّرَ هَذا الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمُ المُعْوَجُّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٦) والأصْلُ تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَتَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ أنَّ لِأنَّهُ مُدَرَّسٌ، فَلَمّا جاءَتِ اللّامُ كُسِرَتْ، وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ، أيْ أخَذَ خَيْرَهُ ونَحْوَهُ تَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ إذا أخَذَ مَنخُولَهُ.

القلم 68:38

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي غَيْرُ جائِزَةٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ ومُجْرِمٌ كالمُتَنافِي، فالفاسِقُ لَمّا كانَ مُجْرِمًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْلِمًا، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ جَعْلَ المُسْلِمِ مَثَلًا لِلْمُجْرِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْكارَ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَإنَّهُما يَتَماثَلانِ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والحُدُوثِ والحَيَوانِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ، بَلِ المُرادُ إنْكارُ اسْتِوائِهِما في الإسْلامِ والجُرْمِ، أوْ في آثارِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أوِ المُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أثَرُ إسْلامِ المُسْلِمِ مُساوِيًا لِأثَرِ جُرْمِ المُجْرِمِ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ، فَمِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ومُجْرِمًا ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجْرِمَ لا يَكُونُ ألْبَتَّةَ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْكَرَ حُصُولَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ حَصَلا في الجَنَّةِ، لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الثَّوابِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَكُونُ ثَوابُ المُجْرِمِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ المُسْلِمِ إذا كانَ المُجْرِمُ أطْوَلَ عُمْرًا مِنَ المُسْلِمِ، وكانَتْ طاعاتُهُ غَيْرَ مُحْبَطَةٍ. الجَوابُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في شَيْءٍ أصْلًا بَلْ تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، ولَعَلَّهُما يَسْتَوِيانِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَوابُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ أكْثَرَ مِن ثَوابِ مَن عَصى، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجْرِمِينَ هُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الواقِعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ الجَمْعِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ في الثَّوابِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ عَقْلًا ما يُحْكى عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ الكُفّارُ في الجَنَّةِ والمُطِيعُونَ في النّارِ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ قَرَّرَ هَذا الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمُ المُعْوَجُّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٦) والأصْلُ تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَتَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ أنَّ لِأنَّهُ مُدَرَّسٌ، فَلَمّا جاءَتِ اللّامُ كُسِرَتْ، وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ، أيْ أخَذَ خَيْرَهُ ونَحْوَهُ تَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ إذا أخَذَ مَنخُولَهُ.

القلم 68:39

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي غَيْرُ جائِزَةٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ ومُجْرِمٌ كالمُتَنافِي، فالفاسِقُ لَمّا كانَ مُجْرِمًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْلِمًا، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ جَعْلَ المُسْلِمِ مَثَلًا لِلْمُجْرِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْكارَ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَإنَّهُما يَتَماثَلانِ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والحُدُوثِ والحَيَوانِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ، بَلِ المُرادُ إنْكارُ اسْتِوائِهِما في الإسْلامِ والجُرْمِ، أوْ في آثارِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أوِ المُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أثَرُ إسْلامِ المُسْلِمِ مُساوِيًا لِأثَرِ جُرْمِ المُجْرِمِ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ، فَمِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ومُجْرِمًا ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجْرِمَ لا يَكُونُ ألْبَتَّةَ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْكَرَ حُصُولَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ حَصَلا في الجَنَّةِ، لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الثَّوابِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَكُونُ ثَوابُ المُجْرِمِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ المُسْلِمِ إذا كانَ المُجْرِمُ أطْوَلَ عُمْرًا مِنَ المُسْلِمِ، وكانَتْ طاعاتُهُ غَيْرَ مُحْبَطَةٍ. الجَوابُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في شَيْءٍ أصْلًا بَلْ تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، ولَعَلَّهُما يَسْتَوِيانِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَوابُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ أكْثَرَ مِن ثَوابِ مَن عَصى، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجْرِمِينَ هُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الواقِعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ الجَمْعِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ في الثَّوابِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ عَقْلًا ما يُحْكى عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ الكُفّارُ في الجَنَّةِ والمُطِيعُونَ في النّارِ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ قَرَّرَ هَذا الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمُ المُعْوَجُّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٦) والأصْلُ تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَتَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ أنَّ لِأنَّهُ مُدَرَّسٌ، فَلَمّا جاءَتِ اللّامُ كُسِرَتْ، وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ، أيْ أخَذَ خَيْرَهُ ونَحْوَهُ تَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ إذا أخَذَ مَنخُولَهُ.

القلم 68:40

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي غَيْرُ جائِزَةٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ ومُجْرِمٌ كالمُتَنافِي، فالفاسِقُ لَمّا كانَ مُجْرِمًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْلِمًا، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ جَعْلَ المُسْلِمِ مَثَلًا لِلْمُجْرِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْكارَ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَإنَّهُما يَتَماثَلانِ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والحُدُوثِ والحَيَوانِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ، بَلِ المُرادُ إنْكارُ اسْتِوائِهِما في الإسْلامِ والجُرْمِ، أوْ في آثارِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أوِ المُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أثَرُ إسْلامِ المُسْلِمِ مُساوِيًا لِأثَرِ جُرْمِ المُجْرِمِ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ، فَمِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ومُجْرِمًا ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجْرِمَ لا يَكُونُ ألْبَتَّةَ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْكَرَ حُصُولَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ حَصَلا في الجَنَّةِ، لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الثَّوابِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَكُونُ ثَوابُ المُجْرِمِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ المُسْلِمِ إذا كانَ المُجْرِمُ أطْوَلَ عُمْرًا مِنَ المُسْلِمِ، وكانَتْ طاعاتُهُ غَيْرَ مُحْبَطَةٍ. الجَوابُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في شَيْءٍ أصْلًا بَلْ تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، ولَعَلَّهُما يَسْتَوِيانِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَوابُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ أكْثَرَ مِن ثَوابِ مَن عَصى، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجْرِمِينَ هُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الواقِعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ الجَمْعِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ في الثَّوابِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ عَقْلًا ما يُحْكى عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ الكُفّارُ في الجَنَّةِ والمُطِيعُونَ في النّارِ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ قَرَّرَ هَذا الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمُ المُعْوَجُّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٦) والأصْلُ تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَتَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ أنَّ لِأنَّهُ مُدَرَّسٌ، فَلَمّا جاءَتِ اللّامُ كُسِرَتْ، وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ، أيْ أخَذَ خَيْرَهُ ونَحْوَهُ تَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ إذا أخَذَ مَنخُولَهُ.

القلم 68:41

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي غَيْرُ جائِزَةٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ. المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ ومُجْرِمٌ كالمُتَنافِي، فالفاسِقُ لَمّا كانَ مُجْرِمًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْلِمًا، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ جَعْلَ المُسْلِمِ مَثَلًا لِلْمُجْرِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْكارَ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَإنَّهُما يَتَماثَلانِ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والحُدُوثِ والحَيَوانِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ، بَلِ المُرادُ إنْكارُ اسْتِوائِهِما في الإسْلامِ والجُرْمِ، أوْ في آثارِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أوِ المُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أثَرُ إسْلامِ المُسْلِمِ مُساوِيًا لِأثَرِ جُرْمِ المُجْرِمِ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ، فَمِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ومُجْرِمًا ؟ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجْرِمَ لا يَكُونُ ألْبَتَّةَ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْكَرَ حُصُولَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ حَصَلا في الجَنَّةِ، لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الثَّوابِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَكُونُ ثَوابُ المُجْرِمِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ المُسْلِمِ إذا كانَ المُجْرِمُ أطْوَلَ عُمْرًا مِنَ المُسْلِمِ، وكانَتْ طاعاتُهُ غَيْرَ مُحْبَطَةٍ. الجَوابُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في شَيْءٍ أصْلًا بَلْ تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، ولَعَلَّهُما يَسْتَوِيانِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَوابُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ أكْثَرَ مِن ثَوابِ مَن عَصى، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجْرِمِينَ هُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الواقِعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ الجَمْعِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ في الثَّوابِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ عَقْلًا ما يُحْكى عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ الكُفّارُ في الجَنَّةِ والمُطِيعُونَ في النّارِ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ قَرَّرَ هَذا الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمُ المُعْوَجُّ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٦) والأصْلُ تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَتَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ أنَّ لِأنَّهُ مُدَرَّسٌ، فَلَمّا جاءَتِ اللّامُ كُسِرَتْ، وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ، أيْ أخَذَ خَيْرَهُ ونَحْوَهُ تَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ إذا أخَذَ مَنخُولَهُ.

القلم 68:42

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ يَعْنِي أمْ ضِمْنًا مِنكم، وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ. فَإنْ قِيلَ: إلى في قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِمَ يَتَعَلَّقُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ هَذِهِ الأيْمانُ في قُوَّتِها وكَمالِها بِحَيْثُ تَبْلُغُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أيْمانٌ ثابِتَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ويَكُونُ مَعْنى (بالِغَةٌ) مُؤَكَّدَةً كَما تَقُولُ: جَيِّدَةٌ بالِغَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الصِّحَّةِ والجَوْدَةِ فَهو بالِغٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ فَهو جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أمْ أقْسَمْنا لَكم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (بالِغَةً) بِالنَّصْبِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ والمَعْنى أيُّهم بِذَلِكَ الحُكْمِ زَعِيمٌ، أيْ قائِمٌ بِهِ وبِالِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّتِهِ، كَما يَقُومُ زَعِيمُ القَوْمِ بِإصْلاحِ أُمُورِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ وفِي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أمْ لَهم أشْياءُ يَعْتَقِدُونَ أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ، فَيَعْتَقِدُونَ أنَّ أُولَئِكَ الشُّرَكاءَ يَجْعَلُونَهم في الآخِرَةِ مِثْلَ المُؤْمِنِينَ في الثَّوابِ والخَلاصِ مِنَ العِقابِ، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ (الرُّومِ: ٤٠) . الوَجْهُ الثّانِي: في المَعْنى أمْ لَهم ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا المَذْهَبِ وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ، فَلْيَأْتُوا بِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ في دَعْواهم، والمُرادُ بَيانُ أنَّهُ كَما لَيْسَ لَهم دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ في إثْباتِ هَذا المَذْهَبِ، ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وهو كِتابٌ يَدْرُسُونَهُ، فَلَيْسَ لَهم مَن يُوافِقُهم مِنَ العُقَلاءِ عَلى هَذا القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ باطِلٌ مِن كُلِّ الوُجُوهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ قَوْلَهم، وأفْسَدَ مَقالَتَهم شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَقالَ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ، بِقَوْلِهِ: (فَلْيَأْتُوا) في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ وذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ شَدِيدٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّها شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، لِتَنْفَعَهم وتَشْفَعَ لَهم. وثانِيها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، كانَ كَيْتَ وكَيْتَ فَحُذِفَ لِلتَّهْوِيلِ البَلِيغِ، وأنَّ ثَمَّ مِنَ الكَوائِنِ ما لا يُوصَفُ لِعَظَمَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ، أهُوَ يَوْمُ القِيامَةِ أوْ في الدُّنْيا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ السّاقِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الشِّدَّةُ، ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ ابْنُ صفحة ٨٣ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إذا خُفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ، فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: سَنَّ لَنا قَوْمُكَ ضَرْبَ الأعْناقِ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ ثُمَّ قالَ: وهو كَرْبٌ وشِدَّةٌ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ قالَ: هو أشَدُّ ساعَةٍ في القِيامَةِ، وأنْشَدَ أهْلُ اللُّغَةِ أبْياتًا كَثِيرَةً (مِنها): فَإنْ شَمَّرَتْ لَكَ عَنْ ساقِها ∗∗∗ فَوَيْهًا رَبِيعَ ولا تَسْأمِ ومِنها: كَشَفَتْ لَكم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ الصُّراحْ وقالَ جَرِيرٌ: ألا رُبَّ سامِ الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا وقالَ آخَرُ: فِي سَنَةٍ قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها ∗∗∗ حَمْراءُ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها وقالَ آخَرُ: قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا ثُمَّ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ، يُشَمِّرُ عَنْ ساقِهِ، فَلا جَرَمَ يُقالُ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ: كَشَفَ عَنْ ساقِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا اعْتِرافٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ بِأنَّ اسْتِعْمالَ السّاقِ في الشِّدَّةِ مَجازٌ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الكَلامِ إلى المَجازِ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإذا أقَمْنا الدَّلائِلَ القاطِعَةَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى المَجازِ، واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلَ في مَعْرِضٍ آخَرَ، فَقالَ: الكَشْفُ عَنِ السّاقِ مَثَلٌ في شِدَّةِ الأمْرِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ ويَتَفاقَمُ، ولا كَشْفَ ثَمَّ، ولا ساقَ، كَما تَقُولُ لِلْأقْطَعِ الشَّحِيحِ: يَدُهُ مَغْلُولَةٌ، ولا يَدَ ثَمَّ ولا غُلَّ وإنَّما هو مَثَلٌ في البُخْلِ، ثُمَّ أخَذَ يُعَظِّمُ عِلْمَ البَيانِ، ويَقُولُ: لَوْلاهُ لَما وقَفْنا عَلى هَذِهِ الأسْرارِ، وأقُولُ: إمّا أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ صَرَفَ اللَّفْظَ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ يَقُولُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ امْتِناعِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، ولِأنّا إنْ جَوَّزْنا ذَلِكَ انْفَتَحَتْ أبْوابُ تَأْوِيلاتِ الفَلاسِفَةِ في أمْرِ المَعادِ فَإنَّهم يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ (البُرُوجِ: ١١) لَيْسَ هُناكَ لا أنْهارٌ ولا أشْجارٌ، وإنَّما هو مَثَلٌ لِلَّذَّةِ والسَّعادَةِ، ويَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ (الحَجِّ: ٧٧) لَيْسَ هُناكَ لا سُجُودٌ ولا رُكُوعٌ. وإنَّما هو مَثَلٌ لِلتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى رَفْعِ الشَّرائِعِ وفَسادِ الدِّينِ، وأمّا إنْ قالَ: بِأنَّهُ لا يُصارُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَهَذا هو الَّذِي لَمْ يَزَلْ كُلُّ أحَدٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ (إلّا) قالَ بِهِ وعَوَّلَ عَلَيْهِ، فَأيْنَ هَذِهِ الدَّقائِقُ الَّتِي اسْتَبَدَّ هو بِمَعْرِفَتِها والِاطِّلاعِ عَلَيْها بِواسِطَةِ عِلْمِ البَيانِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَهُ، وما تَجاوَزَ طَوْرَهُ. القَوْلُ الثّانِي: وهو صفحة ٨٤ قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الضَّرِيرِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، أيْ عَنْ أصْلِ الأمْرِ، وساقُ الشَّيْءِ أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ يَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. القَوْلُ الثّالِثُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقِ جَهَنَّمَ، أوْ عَنْ ساقِ العَرْشِ، أوْ عَنْ ساقِ مَلَكٍ مَهِيبٍ عَظِيمٍ، واللَّفْظُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى ساقٍ، فَإمّا أنَّ ذَلِكَ السّاقَ ساقُ أيِّ شَيْءٍ هو فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ المُشَبِّهَةِ، أنَّهُ ساقُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أنَّهُ تَعالى يَتَمَثَّلُ لِلْخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَمُرُّ المُسْلِمُونَ، فَيَقُولُ: مَن تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعْبُدُ اللَّهَ فَيُشْهِدُهم مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ثُمَّ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكم، فَيَقُولُونَ: سُبْحانَهُ إذا عَرَّفَنا نَفْسَهُ عَرَفْناهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ ساقٍ، فَلا يَبْقى مُؤْمِنٌ إلّا خَرَّ ساجِدًا، ويَبْقى المُنافِقُونَ ظُهُورُهم كالطَّبَقِ الواحِدِ كَأنَّما فِيها السَّفافِيدُ» “ . واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَناهٍ، وكُلَّ مُتَناهٍ مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُمْكِنٌ، وكُلَّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَ مِن حَقِّ السّاقِ أنْ يُعْرَفَ، لِأنَّها ساقٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْهُودَةٌ عِنْدَهُ وهي ساقُ الرَّحْمَنِ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الشِّدَّةِ، فَفائِدَةُ التَّنْكِيرِ الدَّلالَةُ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ، وأيِّ شِدَّةٍ، أيْ شِدَّةٍ لا يُمْكِنُ وصْفُها. وثالِثُها: أنَّ التَّعْرِيفَ لا يَحْصُلُ بِالكَشْفِ عَنِ السّاقِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِكَشْفِ الوَجْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ، بَلْ هو في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ (القَلَمِ: ٤٢) ويَوْمُ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ، إمّا آخِرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ (الفَرْقانِ: ٢٢) ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالُ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ (الواقِعَةِ: ٨٣) واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هَهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: (يَوْمَ نَكْشِفُ) بِالنُّونِ و(تَكْشِفُ) بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ جَمِيعًا، والفِعْلُ لِلسّاعَةِ أوْ لِلْحالِ، أيْ يَوْمَ يَشْتَدُّ الحالُ أوِ السّاعَةُ، كَما تَقُولُ: كَشَفَ الحَرْبُ عَنْ ساقِها عَلى المَجازِ. وقُرِئَ (تُكْشِفُ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أكْشَفَ إذا دَخَلَ في الكَشَفِ، ومِنهُ أكْشَفَ الرَّجُلُ فَهو مُكْشِفٌ إذا انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ العُلْيا. * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ﴾ صفحة ٨٥ ﴿إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهم لا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ تَعَبُّدًا وتَكْلِيفًا، ولَكِنْ تَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلى تَرْكِهِمُ السُّجُودَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حالَ ما يَدْعُوهم إلى السُّجُودِ يَسْلُبُ عَنْهُمُ القُدْرَةَ عَلى السُّجُودِ، ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الِاسْتِطاعَةِ حَتّى تَزْدادَ حَسْرَتُهم ونَدامَتُهم عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ، حِينَ دُعُوا إلى السُّجُودِ وهم سالِمُو الأطْرافِ والمَفاصِلِ. قالَ الجُبّائِيُّ: لَمّا خَصَّصَ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ بِالآخِرَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ، فَبَطَلَ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: الكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ، وإنَّ القُدْرَةَ عَلى الإيمانِ لا تَحْصُلُ إلّا حالَ وُجُودِ الإيمانِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُنافٍ لِوُجُودِ الإيمانِ والجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ مُحالٌ، فالِاسْتِطاعَةُ في الدُّنْيا أيْضًا غَيْرُ حاصِلَةٍ عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ فَهو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ( لا يَسْتَطِيعُونَ. . . . ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ يَعْنِي يَلْحَقُهم ذُلٌّ بِسَبَبِ أنَّهم ما كانُوا مُواظِبِينَ عَلى خِدْمَةِ مَوْلاهم مِثْلُ العَبْدِ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ مَوْلاهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِيلًا فِيما بَيْنَ النّاسِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ يَعْنِي حِينَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ بِالأذانِ والإقامَةِ وكانُوا سالِمِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّلاةِ، وفي هَذا وعِيدٌ لِمَن قَعَدَ عَنِ الجَماعَةِ ولَمْ يُجِبِ المُؤَذِّنَ إلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ زادَ في التَّخْوِيفِ فَخَوَّفَهم بِما عِنْدَهُ، وفي قُدْرَتِهِ مِنَ القَهْرِ، فَقالَ: ذَرْنِي وإيّاهُ، يُرِيدُ كِلْهُ إلَيَّ، فَإنِّي أكْفِيكَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ حَسْبُكَ انْتِقامًا مِنهُ أنْ تَكِلَ أمْرَهُ إلَيَّ، وتُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَإنِّي عالِمٌ بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ يُقالُ: اسْتَدْرَجَهُ إلى كَذا إذا اسْتَنْزَلَهُ إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، حَتّى يُوَرِّطَهُ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ أبُو رَوْقٍ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ كُلَّما أذْنَبُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً وأنْسَيْناهُمُ الِاسْتِغْفارَ، فالِاسْتِدْراجُ إنَّما حَصَلَ في الِاغْتِناءِ الَّذِي لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ، وهو الإنْعامُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ تَفْضِيلًا لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ.

القلم 68:43

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ يَعْنِي أمْ ضِمْنًا مِنكم، وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ. فَإنْ قِيلَ: إلى في قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِمَ يَتَعَلَّقُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ هَذِهِ الأيْمانُ في قُوَّتِها وكَمالِها بِحَيْثُ تَبْلُغُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أيْمانٌ ثابِتَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ويَكُونُ مَعْنى (بالِغَةٌ) مُؤَكَّدَةً كَما تَقُولُ: جَيِّدَةٌ بالِغَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الصِّحَّةِ والجَوْدَةِ فَهو بالِغٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ فَهو جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أمْ أقْسَمْنا لَكم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (بالِغَةً) بِالنَّصْبِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ والمَعْنى أيُّهم بِذَلِكَ الحُكْمِ زَعِيمٌ، أيْ قائِمٌ بِهِ وبِالِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّتِهِ، كَما يَقُومُ زَعِيمُ القَوْمِ بِإصْلاحِ أُمُورِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ وفِي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أمْ لَهم أشْياءُ يَعْتَقِدُونَ أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ، فَيَعْتَقِدُونَ أنَّ أُولَئِكَ الشُّرَكاءَ يَجْعَلُونَهم في الآخِرَةِ مِثْلَ المُؤْمِنِينَ في الثَّوابِ والخَلاصِ مِنَ العِقابِ، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ (الرُّومِ: ٤٠) . الوَجْهُ الثّانِي: في المَعْنى أمْ لَهم ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا المَذْهَبِ وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ، فَلْيَأْتُوا بِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ في دَعْواهم، والمُرادُ بَيانُ أنَّهُ كَما لَيْسَ لَهم دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ في إثْباتِ هَذا المَذْهَبِ، ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وهو كِتابٌ يَدْرُسُونَهُ، فَلَيْسَ لَهم مَن يُوافِقُهم مِنَ العُقَلاءِ عَلى هَذا القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ باطِلٌ مِن كُلِّ الوُجُوهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ قَوْلَهم، وأفْسَدَ مَقالَتَهم شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَقالَ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ، بِقَوْلِهِ: (فَلْيَأْتُوا) في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ وذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ شَدِيدٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّها شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، لِتَنْفَعَهم وتَشْفَعَ لَهم. وثانِيها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، كانَ كَيْتَ وكَيْتَ فَحُذِفَ لِلتَّهْوِيلِ البَلِيغِ، وأنَّ ثَمَّ مِنَ الكَوائِنِ ما لا يُوصَفُ لِعَظَمَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ، أهُوَ يَوْمُ القِيامَةِ أوْ في الدُّنْيا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ السّاقِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الشِّدَّةُ، ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ ابْنُ صفحة ٨٣ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إذا خُفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ، فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: سَنَّ لَنا قَوْمُكَ ضَرْبَ الأعْناقِ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ ثُمَّ قالَ: وهو كَرْبٌ وشِدَّةٌ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ قالَ: هو أشَدُّ ساعَةٍ في القِيامَةِ، وأنْشَدَ أهْلُ اللُّغَةِ أبْياتًا كَثِيرَةً (مِنها): فَإنْ شَمَّرَتْ لَكَ عَنْ ساقِها ∗∗∗ فَوَيْهًا رَبِيعَ ولا تَسْأمِ ومِنها: كَشَفَتْ لَكم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ الصُّراحْ وقالَ جَرِيرٌ: ألا رُبَّ سامِ الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا وقالَ آخَرُ: فِي سَنَةٍ قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها ∗∗∗ حَمْراءُ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها وقالَ آخَرُ: قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا ثُمَّ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ، يُشَمِّرُ عَنْ ساقِهِ، فَلا جَرَمَ يُقالُ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ: كَشَفَ عَنْ ساقِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا اعْتِرافٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ بِأنَّ اسْتِعْمالَ السّاقِ في الشِّدَّةِ مَجازٌ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الكَلامِ إلى المَجازِ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإذا أقَمْنا الدَّلائِلَ القاطِعَةَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى المَجازِ، واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلَ في مَعْرِضٍ آخَرَ، فَقالَ: الكَشْفُ عَنِ السّاقِ مَثَلٌ في شِدَّةِ الأمْرِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ ويَتَفاقَمُ، ولا كَشْفَ ثَمَّ، ولا ساقَ، كَما تَقُولُ لِلْأقْطَعِ الشَّحِيحِ: يَدُهُ مَغْلُولَةٌ، ولا يَدَ ثَمَّ ولا غُلَّ وإنَّما هو مَثَلٌ في البُخْلِ، ثُمَّ أخَذَ يُعَظِّمُ عِلْمَ البَيانِ، ويَقُولُ: لَوْلاهُ لَما وقَفْنا عَلى هَذِهِ الأسْرارِ، وأقُولُ: إمّا أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ صَرَفَ اللَّفْظَ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ يَقُولُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ امْتِناعِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، ولِأنّا إنْ جَوَّزْنا ذَلِكَ انْفَتَحَتْ أبْوابُ تَأْوِيلاتِ الفَلاسِفَةِ في أمْرِ المَعادِ فَإنَّهم يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ (البُرُوجِ: ١١) لَيْسَ هُناكَ لا أنْهارٌ ولا أشْجارٌ، وإنَّما هو مَثَلٌ لِلَّذَّةِ والسَّعادَةِ، ويَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ (الحَجِّ: ٧٧) لَيْسَ هُناكَ لا سُجُودٌ ولا رُكُوعٌ. وإنَّما هو مَثَلٌ لِلتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى رَفْعِ الشَّرائِعِ وفَسادِ الدِّينِ، وأمّا إنْ قالَ: بِأنَّهُ لا يُصارُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَهَذا هو الَّذِي لَمْ يَزَلْ كُلُّ أحَدٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ (إلّا) قالَ بِهِ وعَوَّلَ عَلَيْهِ، فَأيْنَ هَذِهِ الدَّقائِقُ الَّتِي اسْتَبَدَّ هو بِمَعْرِفَتِها والِاطِّلاعِ عَلَيْها بِواسِطَةِ عِلْمِ البَيانِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَهُ، وما تَجاوَزَ طَوْرَهُ. القَوْلُ الثّانِي: وهو صفحة ٨٤ قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الضَّرِيرِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، أيْ عَنْ أصْلِ الأمْرِ، وساقُ الشَّيْءِ أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ يَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. القَوْلُ الثّالِثُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقِ جَهَنَّمَ، أوْ عَنْ ساقِ العَرْشِ، أوْ عَنْ ساقِ مَلَكٍ مَهِيبٍ عَظِيمٍ، واللَّفْظُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى ساقٍ، فَإمّا أنَّ ذَلِكَ السّاقَ ساقُ أيِّ شَيْءٍ هو فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ المُشَبِّهَةِ، أنَّهُ ساقُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أنَّهُ تَعالى يَتَمَثَّلُ لِلْخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَمُرُّ المُسْلِمُونَ، فَيَقُولُ: مَن تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعْبُدُ اللَّهَ فَيُشْهِدُهم مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ثُمَّ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكم، فَيَقُولُونَ: سُبْحانَهُ إذا عَرَّفَنا نَفْسَهُ عَرَفْناهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ ساقٍ، فَلا يَبْقى مُؤْمِنٌ إلّا خَرَّ ساجِدًا، ويَبْقى المُنافِقُونَ ظُهُورُهم كالطَّبَقِ الواحِدِ كَأنَّما فِيها السَّفافِيدُ» “ . واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَناهٍ، وكُلَّ مُتَناهٍ مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُمْكِنٌ، وكُلَّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَ مِن حَقِّ السّاقِ أنْ يُعْرَفَ، لِأنَّها ساقٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْهُودَةٌ عِنْدَهُ وهي ساقُ الرَّحْمَنِ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الشِّدَّةِ، فَفائِدَةُ التَّنْكِيرِ الدَّلالَةُ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ، وأيِّ شِدَّةٍ، أيْ شِدَّةٍ لا يُمْكِنُ وصْفُها. وثالِثُها: أنَّ التَّعْرِيفَ لا يَحْصُلُ بِالكَشْفِ عَنِ السّاقِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِكَشْفِ الوَجْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ، بَلْ هو في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ (القَلَمِ: ٤٢) ويَوْمُ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ، إمّا آخِرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ (الفَرْقانِ: ٢٢) ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالُ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ (الواقِعَةِ: ٨٣) واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هَهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: (يَوْمَ نَكْشِفُ) بِالنُّونِ و(تَكْشِفُ) بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ جَمِيعًا، والفِعْلُ لِلسّاعَةِ أوْ لِلْحالِ، أيْ يَوْمَ يَشْتَدُّ الحالُ أوِ السّاعَةُ، كَما تَقُولُ: كَشَفَ الحَرْبُ عَنْ ساقِها عَلى المَجازِ. وقُرِئَ (تُكْشِفُ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أكْشَفَ إذا دَخَلَ في الكَشَفِ، ومِنهُ أكْشَفَ الرَّجُلُ فَهو مُكْشِفٌ إذا انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ العُلْيا. * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ﴾ صفحة ٨٥ ﴿إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهم لا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ تَعَبُّدًا وتَكْلِيفًا، ولَكِنْ تَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلى تَرْكِهِمُ السُّجُودَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حالَ ما يَدْعُوهم إلى السُّجُودِ يَسْلُبُ عَنْهُمُ القُدْرَةَ عَلى السُّجُودِ، ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الِاسْتِطاعَةِ حَتّى تَزْدادَ حَسْرَتُهم ونَدامَتُهم عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ، حِينَ دُعُوا إلى السُّجُودِ وهم سالِمُو الأطْرافِ والمَفاصِلِ. قالَ الجُبّائِيُّ: لَمّا خَصَّصَ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ بِالآخِرَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ، فَبَطَلَ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: الكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ، وإنَّ القُدْرَةَ عَلى الإيمانِ لا تَحْصُلُ إلّا حالَ وُجُودِ الإيمانِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُنافٍ لِوُجُودِ الإيمانِ والجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ مُحالٌ، فالِاسْتِطاعَةُ في الدُّنْيا أيْضًا غَيْرُ حاصِلَةٍ عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ فَهو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ( لا يَسْتَطِيعُونَ. . . . ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ يَعْنِي يَلْحَقُهم ذُلٌّ بِسَبَبِ أنَّهم ما كانُوا مُواظِبِينَ عَلى خِدْمَةِ مَوْلاهم مِثْلُ العَبْدِ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ مَوْلاهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِيلًا فِيما بَيْنَ النّاسِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ يَعْنِي حِينَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ بِالأذانِ والإقامَةِ وكانُوا سالِمِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّلاةِ، وفي هَذا وعِيدٌ لِمَن قَعَدَ عَنِ الجَماعَةِ ولَمْ يُجِبِ المُؤَذِّنَ إلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ زادَ في التَّخْوِيفِ فَخَوَّفَهم بِما عِنْدَهُ، وفي قُدْرَتِهِ مِنَ القَهْرِ، فَقالَ: ذَرْنِي وإيّاهُ، يُرِيدُ كِلْهُ إلَيَّ، فَإنِّي أكْفِيكَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ حَسْبُكَ انْتِقامًا مِنهُ أنْ تَكِلَ أمْرَهُ إلَيَّ، وتُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَإنِّي عالِمٌ بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ يُقالُ: اسْتَدْرَجَهُ إلى كَذا إذا اسْتَنْزَلَهُ إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، حَتّى يُوَرِّطَهُ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ أبُو رَوْقٍ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ كُلَّما أذْنَبُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً وأنْسَيْناهُمُ الِاسْتِغْفارَ، فالِاسْتِدْراجُ إنَّما حَصَلَ في الِاغْتِناءِ الَّذِي لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ، وهو الإنْعامُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ تَفْضِيلًا لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ.

القلم 68:44

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ يَعْنِي أمْ ضِمْنًا مِنكم، وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ. فَإنْ قِيلَ: إلى في قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِمَ يَتَعَلَّقُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ هَذِهِ الأيْمانُ في قُوَّتِها وكَمالِها بِحَيْثُ تَبْلُغُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أيْمانٌ ثابِتَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ويَكُونُ مَعْنى (بالِغَةٌ) مُؤَكَّدَةً كَما تَقُولُ: جَيِّدَةٌ بالِغَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الصِّحَّةِ والجَوْدَةِ فَهو بالِغٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ فَهو جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أمْ أقْسَمْنا لَكم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (بالِغَةً) بِالنَّصْبِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ والمَعْنى أيُّهم بِذَلِكَ الحُكْمِ زَعِيمٌ، أيْ قائِمٌ بِهِ وبِالِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّتِهِ، كَما يَقُومُ زَعِيمُ القَوْمِ بِإصْلاحِ أُمُورِهِمْ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ وفِي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أمْ لَهم أشْياءُ يَعْتَقِدُونَ أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ، فَيَعْتَقِدُونَ أنَّ أُولَئِكَ الشُّرَكاءَ يَجْعَلُونَهم في الآخِرَةِ مِثْلَ المُؤْمِنِينَ في الثَّوابِ والخَلاصِ مِنَ العِقابِ، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ (الرُّومِ: ٤٠) . الوَجْهُ الثّانِي: في المَعْنى أمْ لَهم ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا المَذْهَبِ وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ، فَلْيَأْتُوا بِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ في دَعْواهم، والمُرادُ بَيانُ أنَّهُ كَما لَيْسَ لَهم دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ في إثْباتِ هَذا المَذْهَبِ، ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وهو كِتابٌ يَدْرُسُونَهُ، فَلَيْسَ لَهم مَن يُوافِقُهم مِنَ العُقَلاءِ عَلى هَذا القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ باطِلٌ مِن كُلِّ الوُجُوهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ قَوْلَهم، وأفْسَدَ مَقالَتَهم شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَقالَ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ، بِقَوْلِهِ: (فَلْيَأْتُوا) في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ وذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ شَدِيدٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّها شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، لِتَنْفَعَهم وتَشْفَعَ لَهم. وثانِيها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، كانَ كَيْتَ وكَيْتَ فَحُذِفَ لِلتَّهْوِيلِ البَلِيغِ، وأنَّ ثَمَّ مِنَ الكَوائِنِ ما لا يُوصَفُ لِعَظَمَتِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ، أهُوَ يَوْمُ القِيامَةِ أوْ في الدُّنْيا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ السّاقِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ الشِّدَّةُ، ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ ابْنُ صفحة ٨٣ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إذا خُفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ، فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: سَنَّ لَنا قَوْمُكَ ضَرْبَ الأعْناقِ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ ثُمَّ قالَ: وهو كَرْبٌ وشِدَّةٌ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ قالَ: هو أشَدُّ ساعَةٍ في القِيامَةِ، وأنْشَدَ أهْلُ اللُّغَةِ أبْياتًا كَثِيرَةً (مِنها): فَإنْ شَمَّرَتْ لَكَ عَنْ ساقِها ∗∗∗ فَوَيْهًا رَبِيعَ ولا تَسْأمِ ومِنها: كَشَفَتْ لَكم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ الصُّراحْ وقالَ جَرِيرٌ: ألا رُبَّ سامِ الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا وقالَ آخَرُ: فِي سَنَةٍ قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها ∗∗∗ حَمْراءُ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها وقالَ آخَرُ: قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا ثُمَّ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ، يُشَمِّرُ عَنْ ساقِهِ، فَلا جَرَمَ يُقالُ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ: كَشَفَ عَنْ ساقِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا اعْتِرافٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ بِأنَّ اسْتِعْمالَ السّاقِ في الشِّدَّةِ مَجازٌ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الكَلامِ إلى المَجازِ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإذا أقَمْنا الدَّلائِلَ القاطِعَةَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى المَجازِ، واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلَ في مَعْرِضٍ آخَرَ، فَقالَ: الكَشْفُ عَنِ السّاقِ مَثَلٌ في شِدَّةِ الأمْرِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ ويَتَفاقَمُ، ولا كَشْفَ ثَمَّ، ولا ساقَ، كَما تَقُولُ لِلْأقْطَعِ الشَّحِيحِ: يَدُهُ مَغْلُولَةٌ، ولا يَدَ ثَمَّ ولا غُلَّ وإنَّما هو مَثَلٌ في البُخْلِ، ثُمَّ أخَذَ يُعَظِّمُ عِلْمَ البَيانِ، ويَقُولُ: لَوْلاهُ لَما وقَفْنا عَلى هَذِهِ الأسْرارِ، وأقُولُ: إمّا أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ صَرَفَ اللَّفْظَ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ يَقُولُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ امْتِناعِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، ولِأنّا إنْ جَوَّزْنا ذَلِكَ انْفَتَحَتْ أبْوابُ تَأْوِيلاتِ الفَلاسِفَةِ في أمْرِ المَعادِ فَإنَّهم يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ (البُرُوجِ: ١١) لَيْسَ هُناكَ لا أنْهارٌ ولا أشْجارٌ، وإنَّما هو مَثَلٌ لِلَّذَّةِ والسَّعادَةِ، ويَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ (الحَجِّ: ٧٧) لَيْسَ هُناكَ لا سُجُودٌ ولا رُكُوعٌ. وإنَّما هو مَثَلٌ لِلتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى رَفْعِ الشَّرائِعِ وفَسادِ الدِّينِ، وأمّا إنْ قالَ: بِأنَّهُ لا يُصارُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَهَذا هو الَّذِي لَمْ يَزَلْ كُلُّ أحَدٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ (إلّا) قالَ بِهِ وعَوَّلَ عَلَيْهِ، فَأيْنَ هَذِهِ الدَّقائِقُ الَّتِي اسْتَبَدَّ هو بِمَعْرِفَتِها والِاطِّلاعِ عَلَيْها بِواسِطَةِ عِلْمِ البَيانِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَهُ، وما تَجاوَزَ طَوْرَهُ. القَوْلُ الثّانِي: وهو صفحة ٨٤ قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الضَّرِيرِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، أيْ عَنْ أصْلِ الأمْرِ، وساقُ الشَّيْءِ أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ يَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها. القَوْلُ الثّالِثُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقِ جَهَنَّمَ، أوْ عَنْ ساقِ العَرْشِ، أوْ عَنْ ساقِ مَلَكٍ مَهِيبٍ عَظِيمٍ، واللَّفْظُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى ساقٍ، فَإمّا أنَّ ذَلِكَ السّاقَ ساقُ أيِّ شَيْءٍ هو فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ. والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ المُشَبِّهَةِ، أنَّهُ ساقُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أنَّهُ تَعالى يَتَمَثَّلُ لِلْخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَمُرُّ المُسْلِمُونَ، فَيَقُولُ: مَن تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعْبُدُ اللَّهَ فَيُشْهِدُهم مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ثُمَّ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكم، فَيَقُولُونَ: سُبْحانَهُ إذا عَرَّفَنا نَفْسَهُ عَرَفْناهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ ساقٍ، فَلا يَبْقى مُؤْمِنٌ إلّا خَرَّ ساجِدًا، ويَبْقى المُنافِقُونَ ظُهُورُهم كالطَّبَقِ الواحِدِ كَأنَّما فِيها السَّفافِيدُ» “ . واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَناهٍ، وكُلَّ مُتَناهٍ مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُمْكِنٌ، وكُلَّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ. وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَ مِن حَقِّ السّاقِ أنْ يُعْرَفَ، لِأنَّها ساقٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْهُودَةٌ عِنْدَهُ وهي ساقُ الرَّحْمَنِ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الشِّدَّةِ، فَفائِدَةُ التَّنْكِيرِ الدَّلالَةُ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ، وأيِّ شِدَّةٍ، أيْ شِدَّةٍ لا يُمْكِنُ وصْفُها. وثالِثُها: أنَّ التَّعْرِيفَ لا يَحْصُلُ بِالكَشْفِ عَنِ السّاقِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِكَشْفِ الوَجْهِ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ، بَلْ هو في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ (القَلَمِ: ٤٢) ويَوْمُ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ، إمّا آخِرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ (الفَرْقانِ: ٢٢) ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالُ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ (الواقِعَةِ: ٨٣) واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هَهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ ؟ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: (يَوْمَ نَكْشِفُ) بِالنُّونِ و(تَكْشِفُ) بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ جَمِيعًا، والفِعْلُ لِلسّاعَةِ أوْ لِلْحالِ، أيْ يَوْمَ يَشْتَدُّ الحالُ أوِ السّاعَةُ، كَما تَقُولُ: كَشَفَ الحَرْبُ عَنْ ساقِها عَلى المَجازِ. وقُرِئَ (تُكْشِفُ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أكْشَفَ إذا دَخَلَ في الكَشَفِ، ومِنهُ أكْشَفَ الرَّجُلُ فَهو مُكْشِفٌ إذا انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ العُلْيا. * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ﴾ صفحة ٨٥ ﴿إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ . اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهم لا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ تَعَبُّدًا وتَكْلِيفًا، ولَكِنْ تَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلى تَرْكِهِمُ السُّجُودَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حالَ ما يَدْعُوهم إلى السُّجُودِ يَسْلُبُ عَنْهُمُ القُدْرَةَ عَلى السُّجُودِ، ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الِاسْتِطاعَةِ حَتّى تَزْدادَ حَسْرَتُهم ونَدامَتُهم عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ، حِينَ دُعُوا إلى السُّجُودِ وهم سالِمُو الأطْرافِ والمَفاصِلِ. قالَ الجُبّائِيُّ: لَمّا خَصَّصَ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ بِالآخِرَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ، فَبَطَلَ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: الكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ، وإنَّ القُدْرَةَ عَلى الإيمانِ لا تَحْصُلُ إلّا حالَ وُجُودِ الإيمانِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُنافٍ لِوُجُودِ الإيمانِ والجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ مُحالٌ، فالِاسْتِطاعَةُ في الدُّنْيا أيْضًا غَيْرُ حاصِلَةٍ عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ فَهو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ( لا يَسْتَطِيعُونَ. . . . ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ يَعْنِي يَلْحَقُهم ذُلٌّ بِسَبَبِ أنَّهم ما كانُوا مُواظِبِينَ عَلى خِدْمَةِ مَوْلاهم مِثْلُ العَبْدِ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ مَوْلاهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِيلًا فِيما بَيْنَ النّاسِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ يَعْنِي حِينَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ بِالأذانِ والإقامَةِ وكانُوا سالِمِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّلاةِ، وفي هَذا وعِيدٌ لِمَن قَعَدَ عَنِ الجَماعَةِ ولَمْ يُجِبِ المُؤَذِّنَ إلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ زادَ في التَّخْوِيفِ فَخَوَّفَهم بِما عِنْدَهُ، وفي قُدْرَتِهِ مِنَ القَهْرِ، فَقالَ: ذَرْنِي وإيّاهُ، يُرِيدُ كِلْهُ إلَيَّ، فَإنِّي أكْفِيكَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ حَسْبُكَ انْتِقامًا مِنهُ أنْ تَكِلَ أمْرَهُ إلَيَّ، وتُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَإنِّي عالِمٌ بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ يُقالُ: اسْتَدْرَجَهُ إلى كَذا إذا اسْتَنْزَلَهُ إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، حَتّى يُوَرِّطَهُ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ أبُو رَوْقٍ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ كُلَّما أذْنَبُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً وأنْسَيْناهُمُ الِاسْتِغْفارَ، فالِاسْتِدْراجُ إنَّما حَصَلَ في الِاغْتِناءِ الَّذِي لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ، وهو الإنْعامُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ تَفْضِيلًا لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ.

القلم 68:45

ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ أُمْهِلُهم كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٧٨) وأُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ، والمُلاوَةُ المُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، يُقالُ: أمْلى اللَّهُ لَهُ أيْ: أطالَ اللَّهُ لَهُ المُلاوَةَ، والمَلَوانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ، والمَلا مَقْصُورًا الأرْضُ الواسِعَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ لِامْتِدادِها. وقِيلَ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ بِالمَوْتِ فَلا أُعاجِلُهم بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ إنَّما سَمّى إحْسانَهُ كَيْدًا كَما سَمّاهُ اسْتِدْراجًا؛ لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ، ووَصَفَهُ بِالمَتانَةِ؛ لِقُوَّةِ أثَرِ إحْسانِهِ في التَّسَبُّبِ لِلْهَلاكِ، واعْلَمْ أنَّ الأصْحابَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي سَمّاهُ بِالِاسْتِدْراجِ وذَلِكَ الكَيْدُ، إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أثَرٌ في تَرْجِيحِ جانِبِ الفِعْلِ عَلى جانِبِ التَّرْكِ، أوْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ أثَرٌ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَكانَ هو وسائِرُ الأشْياءِ الأجْنَبِيَّةِ بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، فَلا يَكُونُ اسْتِدْراجًا ألْبَتَّةَ ولا كَيْدًا، وأمّا الثّانِي فَهو يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُرِيدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْتِدْراجُ وذَلِكَ الكَيْدُ؛ لِأنَّهُ إذا صفحة ٨٦ كانَ تَعالى لا يَزالُ يُؤَكِّدُ هَذا الجانِبَ، ويُفَتِّرُ ذَلِكَ الجانِبَ الآخَرَ، واعْلَمْ أنَّ تَأْكِيدَ هَذا الجانِبِ لا بُدَّ وأنْ يَنْساقَ بِالآخِرَةِ إلى فِعْلِهِ ودُخُولِهِ في الوُجُودِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِدُخُولِ ذَلِكَ الفِعْلِ في الوُجُودِ وهو المَطْلُوبُ، أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ فَقالَ: المُرادُ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى المَوْتِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا الوَقْتَ الَّذِي يَمُوتُونَ فِيهِ لَصارُوا آمِنِينَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ ولَأقْدَمُوا عَلى المَعاصِي. وفي ذَلِكَ إغْراءٌ بِالمَعاصِي، وأجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ إلى العَذابِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ، ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ في الدُّنْيا تَوْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ فَأُمْهِلُهُ وأُزِيحُ الأعْذارَ عَنْهُ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (الأنْفالِ: ٤٢)، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكَيْدِ المَتِينِ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ (القَلَمِ: ٤٤) ولا شَكَّ أنَّ هَذا التَّهْدِيدَ إنَّما وقَعَ بِعِقابِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِدْراجِ والكَيْدِ المَذْكُورَيْنِ عَقِيبَهُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، أوِ العَذابُ الحاصِلُ عِنْدَ المَوْتِ، واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا الحَرْفَ الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو: أنَّ هَذا الإمْهالَ إذا كانَ مُتَأدِّيًا إلى الطُّغْيانِ كانَ الرّاضِي بِالإمْهالِ العالِمِ بِتَأدِّيهِ إلى الطُّغْيانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راضِيًا بِذَلِكَ الطُّغْيانِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ الأعْرافِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما بَعْدَها مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ الطُّورِ، وأقُولُ: إنَّهُ أعادَ الكَلامَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ (القَلَمِ: ٤١) والمَغْرَمُ الغَرامَةُ أيْ لَمْ يَطْلُبْ مِنهم عَلى الهِدايَةِ والتَّعْلِيمِ أجْرًا فَيَثْقُلَ عَلَيْهِمْ حَمْلُ الغَراماتِ في أمْوالِهِمْ فَيُثَبِّطَهم ذَلِكَ عَنِ الإيمانِ.

القلم 68:46

ثُمَّ قالَ: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ أُمْهِلُهم كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٧٨) وأُطِيلُ لَهُمُ المُدَّةَ، والمُلاوَةُ المُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، يُقالُ: أمْلى اللَّهُ لَهُ أيْ: أطالَ اللَّهُ لَهُ المُلاوَةَ، والمَلَوانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ، والمَلا مَقْصُورًا الأرْضُ الواسِعَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ لِامْتِدادِها. وقِيلَ: ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ بِالمَوْتِ فَلا أُعاجِلُهم بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ إنَّما سَمّى إحْسانَهُ كَيْدًا كَما سَمّاهُ اسْتِدْراجًا؛ لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ، ووَصَفَهُ بِالمَتانَةِ؛ لِقُوَّةِ أثَرِ إحْسانِهِ في التَّسَبُّبِ لِلْهَلاكِ، واعْلَمْ أنَّ الأصْحابَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي سَمّاهُ بِالِاسْتِدْراجِ وذَلِكَ الكَيْدُ، إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ أثَرٌ في تَرْجِيحِ جانِبِ الفِعْلِ عَلى جانِبِ التَّرْكِ، أوْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ أثَرٌ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَكانَ هو وسائِرُ الأشْياءِ الأجْنَبِيَّةِ بِمَثابَةٍ واحِدَةٍ، فَلا يَكُونُ اسْتِدْراجًا ألْبَتَّةَ ولا كَيْدًا، وأمّا الثّانِي فَهو يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى مُرِيدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْتِدْراجُ وذَلِكَ الكَيْدُ؛ لِأنَّهُ إذا صفحة ٨٦ كانَ تَعالى لا يَزالُ يُؤَكِّدُ هَذا الجانِبَ، ويُفَتِّرُ ذَلِكَ الجانِبَ الآخَرَ، واعْلَمْ أنَّ تَأْكِيدَ هَذا الجانِبِ لا بُدَّ وأنْ يَنْساقَ بِالآخِرَةِ إلى فِعْلِهِ ودُخُولِهِ في الوُجُودِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِدُخُولِ ذَلِكَ الفِعْلِ في الوُجُودِ وهو المَطْلُوبُ، أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ فَقالَ: المُرادُ سَنَسْتَدْرِجُهم إلى المَوْتِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَإنَّهم لَوْ عَرَفُوا الوَقْتَ الَّذِي يَمُوتُونَ فِيهِ لَصارُوا آمِنِينَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ ولَأقْدَمُوا عَلى المَعاصِي. وفي ذَلِكَ إغْراءٌ بِالمَعاصِي، وأجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ إلى العَذابِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ في الآخِرَةِ، ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ في الدُّنْيا تَوْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ فَأُمْهِلُهُ وأُزِيحُ الأعْذارَ عَنْهُ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (الأنْفالِ: ٤٢)، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكَيْدِ المَتِينِ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ (القَلَمِ: ٤٤) ولا شَكَّ أنَّ هَذا التَّهْدِيدَ إنَّما وقَعَ بِعِقابِ الآخِرَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِدْراجِ والكَيْدِ المَذْكُورَيْنِ عَقِيبَهُ هو عَذابُ الآخِرَةِ، أوِ العَذابُ الحاصِلُ عِنْدَ المَوْتِ، واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا الحَرْفَ الَّذِي ذَكَرْناهُ وهو: أنَّ هَذا الإمْهالَ إذا كانَ مُتَأدِّيًا إلى الطُّغْيانِ كانَ الرّاضِي بِالإمْهالِ العالِمِ بِتَأدِّيهِ إلى الطُّغْيانِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راضِيًا بِذَلِكَ الطُّغْيانِ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ الأعْرافِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما بَعْدَها مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ الطُّورِ، وأقُولُ: إنَّهُ أعادَ الكَلامَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ (القَلَمِ: ٤١) والمَغْرَمُ الغَرامَةُ أيْ لَمْ يَطْلُبْ مِنهم عَلى الهِدايَةِ والتَّعْلِيمِ أجْرًا فَيَثْقُلَ عَلَيْهِمْ حَمْلُ الغَراماتِ في أمْوالِهِمْ فَيُثَبِّطَهم ذَلِكَ عَنِ الإيمانِ.

القلم 68:47

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ عِنْدَهُمُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ مِنهُ ثَوابَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ، فَلِذَلِكَ أصَرُّوا عَلَيْهِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. الثّانِي: أنَّ الأشْياءَ الغائِبَةَ كَأنَّها حَضَرَتْ في عُقُولِهِمْ حَتّى إنَّهم يَكْتُبُونَ عَلى اللَّهِ أيْ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِما شاءُوا وأرادُوا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ الكُفّارِ وفي زَجْرِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ في إمْهالِهِمْ وتَأْخِيرِ نَصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. والثّانِي: فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ في أنْ أوْجَبَ عَلَيْكَ التَّبْلِيغَ والوَحْيَ وأداءَ الرِّسالَةِ، وتَحَمَّلْ ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الأذى والمِحْنَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في (إذْ) مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يُرِيدُ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ حالَ نِدائِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مَكْظُومًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُنْ مَكْظُومًا. صفحة ٨٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: صاحِبُ الحُوتِ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ نادى في بَطْنِ الحُوتِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧)، ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مَمْلُوءٌ غَيْظًا مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا مَلَأهُ، والمَعْنى لا يُوجَدُ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والمُغاضَبَةِ، فَتَبْلى بِبَلائِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ وقُرِئَ (رَحْمَةٌ مِن رَبِّهِ)، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: لَوْلا أنْ تَدارَكَتْهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ الجَوابُ: إنَّما حَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِفَصْلِ الضَّمِيرِ في (تَدارَكَهُ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ (تَدارَكَتْهُ)، وقَرَأ الحَسَنُ: (تَدارَكَهُ)، أيْ تَتَدارَكُهُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، بِمَعْنى لَوْلا أنْ كانَ، يُقالُ فِيهِ: تَتَدارَكُهُ، كَما يُقالُ: كانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ فَمَنَعَهُ فُلانٌ، أيْ كانَ يُقالُ فِيهِ: سَيَقُومُ، والمَعْنى كانَ مُتَوَقَّعًا مِنهُ القِيامُ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ؟ الجَوابُ: المُرادُ مِن تِلْكَ النِّعْمَةِ، هو أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالتَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الصّالِحاتِ والطّاعاتِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أيْنَ جَوابُ لَوْلا ؟ الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَوْلا هَذِهِ النِّعْمَةُ لَنُبِذَ بِالعَراءِ مَعَ وصْفِ المَذْمُومِيَّةِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ لا جَرَمَ لَمْ يُوجَدِ النَّبْذُ بِالعَراءِ مَعَ هَذا الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا فَقَدَ هَذا الوَصْفَ فَقَدْ فَقَدَ ذَلِكَ المَجْمُوعَ. الثّانِي: لَوْلا هَذِهِ النِّعْمَةُ لَبَقِيَ في بَطْنِ الحُوتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ نُبِذَ بِعَراءِ القِيامَةِ مَذْمُومًا، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٤٣، ١٤٤) وهَذا كَما يُقالُ: عَرْصَةُ القِيامَةِ؛ وعَراءُ القِيامَةِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ عَلى كَوْنِهِ فاعِلًا لِلذَّنْبِ ؟ الجَوابُ: مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (لَوْلا) دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ المَذْمُومِيَّةَ لَمْ تَحْصُلْ. الثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ مِنَ المَذْمُومِيَّةِ تَرْكُ الأفْضَلِ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. الثّالِثُ: لَعَلَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ. السُّؤالُ الخامِسُ: ما سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ؟ الجَوابُ: يُرْوى أنَّها نَزَلَتْ بِأُحُدٍ حِينَ حَلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ما حَلَّ، فَأرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وقِيلَ: حِينَ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى ثَقِيفٍ.

القلم 68:48

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ عِنْدَهُمُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ مِنهُ ثَوابَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ، فَلِذَلِكَ أصَرُّوا عَلَيْهِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. الثّانِي: أنَّ الأشْياءَ الغائِبَةَ كَأنَّها حَضَرَتْ في عُقُولِهِمْ حَتّى إنَّهم يَكْتُبُونَ عَلى اللَّهِ أيْ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِما شاءُوا وأرادُوا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ الكُفّارِ وفي زَجْرِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ في إمْهالِهِمْ وتَأْخِيرِ نَصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. والثّانِي: فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ في أنْ أوْجَبَ عَلَيْكَ التَّبْلِيغَ والوَحْيَ وأداءَ الرِّسالَةِ، وتَحَمَّلْ ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الأذى والمِحْنَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في (إذْ) مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يُرِيدُ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ حالَ نِدائِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مَكْظُومًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُنْ مَكْظُومًا. صفحة ٨٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: صاحِبُ الحُوتِ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ نادى في بَطْنِ الحُوتِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧)، ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مَمْلُوءٌ غَيْظًا مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا مَلَأهُ، والمَعْنى لا يُوجَدُ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والمُغاضَبَةِ، فَتَبْلى بِبَلائِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ وقُرِئَ (رَحْمَةٌ مِن رَبِّهِ)، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: لَوْلا أنْ تَدارَكَتْهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ الجَوابُ: إنَّما حَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِفَصْلِ الضَّمِيرِ في (تَدارَكَهُ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ (تَدارَكَتْهُ)، وقَرَأ الحَسَنُ: (تَدارَكَهُ)، أيْ تَتَدارَكُهُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، بِمَعْنى لَوْلا أنْ كانَ، يُقالُ فِيهِ: تَتَدارَكُهُ، كَما يُقالُ: كانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ فَمَنَعَهُ فُلانٌ، أيْ كانَ يُقالُ فِيهِ: سَيَقُومُ، والمَعْنى كانَ مُتَوَقَّعًا مِنهُ القِيامُ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ؟ الجَوابُ: المُرادُ مِن تِلْكَ النِّعْمَةِ، هو أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالتَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الصّالِحاتِ والطّاعاتِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أيْنَ جَوابُ لَوْلا ؟ الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَوْلا هَذِهِ النِّعْمَةُ لَنُبِذَ بِالعَراءِ مَعَ وصْفِ المَذْمُومِيَّةِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ لا جَرَمَ لَمْ يُوجَدِ النَّبْذُ بِالعَراءِ مَعَ هَذا الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا فَقَدَ هَذا الوَصْفَ فَقَدْ فَقَدَ ذَلِكَ المَجْمُوعَ. الثّانِي: لَوْلا هَذِهِ النِّعْمَةُ لَبَقِيَ في بَطْنِ الحُوتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ نُبِذَ بِعَراءِ القِيامَةِ مَذْمُومًا، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٤٣، ١٤٤) وهَذا كَما يُقالُ: عَرْصَةُ القِيامَةِ؛ وعَراءُ القِيامَةِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ عَلى كَوْنِهِ فاعِلًا لِلذَّنْبِ ؟ الجَوابُ: مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (لَوْلا) دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ المَذْمُومِيَّةَ لَمْ تَحْصُلْ. الثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ مِنَ المَذْمُومِيَّةِ تَرْكُ الأفْضَلِ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. الثّالِثُ: لَعَلَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ. السُّؤالُ الخامِسُ: ما سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ؟ الجَوابُ: يُرْوى أنَّها نَزَلَتْ بِأُحُدٍ حِينَ حَلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ما حَلَّ، فَأرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وقِيلَ: حِينَ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى ثَقِيفٍ.

القلم 68:49

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ عِنْدَهُمُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ مِنهُ ثَوابَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ، فَلِذَلِكَ أصَرُّوا عَلَيْهِ، وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ. الثّانِي: أنَّ الأشْياءَ الغائِبَةَ كَأنَّها حَضَرَتْ في عُقُولِهِمْ حَتّى إنَّهم يَكْتُبُونَ عَلى اللَّهِ أيْ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِما شاءُوا وأرادُوا. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ الكُفّارِ وفي زَجْرِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ في إمْهالِهِمْ وتَأْخِيرِ نَصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ. والثّانِي: فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ في أنْ أوْجَبَ عَلَيْكَ التَّبْلِيغَ والوَحْيَ وأداءَ الرِّسالَةِ، وتَحَمَّلْ ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الأذى والمِحْنَةِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في (إذْ) مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يُرِيدُ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ حالَ نِدائِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مَكْظُومًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُنْ مَكْظُومًا. صفحة ٨٧ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: صاحِبُ الحُوتِ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ نادى في بَطْنِ الحُوتِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٧)، ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مَمْلُوءٌ غَيْظًا مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا مَلَأهُ، والمَعْنى لا يُوجَدُ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والمُغاضَبَةِ، فَتَبْلى بِبَلائِهِ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ وقُرِئَ (رَحْمَةٌ مِن رَبِّهِ)، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: لَوْلا أنْ تَدارَكَتْهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ ؟ الجَوابُ: إنَّما حَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِفَصْلِ الضَّمِيرِ في (تَدارَكَهُ)، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ (تَدارَكَتْهُ)، وقَرَأ الحَسَنُ: (تَدارَكَهُ)، أيْ تَتَدارَكُهُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، بِمَعْنى لَوْلا أنْ كانَ، يُقالُ فِيهِ: تَتَدارَكُهُ، كَما يُقالُ: كانَ زَيْدٌ سَيَقُومُ فَمَنَعَهُ فُلانٌ، أيْ كانَ يُقالُ فِيهِ: سَيَقُومُ، والمَعْنى كانَ مُتَوَقَّعًا مِنهُ القِيامُ. السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ؟ الجَوابُ: المُرادُ مِن تِلْكَ النِّعْمَةِ، هو أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالتَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الصّالِحاتِ والطّاعاتِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: أيْنَ جَوابُ لَوْلا ؟ الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: لَوْلا هَذِهِ النِّعْمَةُ لَنُبِذَ بِالعَراءِ مَعَ وصْفِ المَذْمُومِيَّةِ، فَلَمّا حَصَلَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ لا جَرَمَ لَمْ يُوجَدِ النَّبْذُ بِالعَراءِ مَعَ هَذا الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا فَقَدَ هَذا الوَصْفَ فَقَدْ فَقَدَ ذَلِكَ المَجْمُوعَ. الثّانِي: لَوْلا هَذِهِ النِّعْمَةُ لَبَقِيَ في بَطْنِ الحُوتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ نُبِذَ بِعَراءِ القِيامَةِ مَذْمُومًا، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٤٣، ١٤٤) وهَذا كَما يُقالُ: عَرْصَةُ القِيامَةِ؛ وعَراءُ القِيامَةِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ عَلى كَوْنِهِ فاعِلًا لِلذَّنْبِ ؟ الجَوابُ: مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (لَوْلا) دَلَّتْ عَلى أنَّ هَذِهِ المَذْمُومِيَّةَ لَمْ تَحْصُلْ. الثّانِي: لَعَلَّ المُرادَ مِنَ المَذْمُومِيَّةِ تَرْكُ الأفْضَلِ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. الثّالِثُ: لَعَلَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ. السُّؤالُ الخامِسُ: ما سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ ؟ الجَوابُ: يُرْوى أنَّها نَزَلَتْ بِأُحُدٍ حِينَ حَلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ما حَلَّ، فَأرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وقِيلَ: حِينَ أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى ثَقِيفٍ.

القلم 68:50

فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ الوَحْيَ وشَفَّعَهُ في قَوْمِهِ. والثّانِي: قالَ قَوْمٌ: ولَعَلَّهُ ما كانَ رَسُولًا صاحِبَ وحْيٍ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ والَّذِينَ أنْكَرُوا الكَراماتِ والإرْهاصَ لا بُدَّ وأنْ يَخْتارُوا القَوْلَ الأوَّلَ؛ لِأنَّ احْتِباسَهُ في بَطْنِ الحُوتِ وعَدَمَ مَوْتِهِ هُناكَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إرْهاصًا ولا كَرامَةً فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ رَسُولًا في تِلْكَ الحالَةِ. صفحة ٨٨ المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الصَّلاحَ إنَّما حَصَلَ بِجَعْلِ اللَّهِ وخَلْقِهِ، قالَ الجُبّائِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (جَعَلَهُ) أنَّهُ أخْبَرَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَطَفَ بِهِ حَتّى صَلَحَ إذِ الجَعْلُ يُسْتَعْمَلُ في اللُّغَةِ في هَذِهِ المَعانِي. والجَوابُ: أنَّ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُمْ مَجازٌ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ عَلَمُها. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها، وزَلَقَهُ وأزْلَقَهُ بِمَعْنًى ويُقالُ: زَلَقَ الرَّأْسَ وأزْلَقَهُ حَلَقَهُ، وقُرِئَ (لَيُزْهِقُونَكَ) مِن زَهَقَتْ نَفْسُهُ وأزْهَقَها، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهم مِن شِدَّةِ تَحْدِيقِهِمْ ونَظَرِهِمْ إلَيْكَ شَزْرًا بِعُيُونِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ يَكادُونَ يُزِلُّونَ قَدَمَكَ مِن قَوْلِهِمْ: نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي، ويَكادُ يَأْكُلُنِي، أيْ لَوْ أمْكَنَهُ بِنَظَرِهِ الصَّرْعُ أوِ الأكْلُ لَفَعَلَهُ، قالَ الشّاعِرُ: يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَوْطِنٍ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا مَرَّ بِأقْوامٍ حَدَّدُوا النَّظَرَ إلَيْهِ: نَظَرُوا إلَيَّ بِأعْيُنٍ مُحَمَّرَةٍ ∗∗∗ نَظَرَ التُّيُوسِ إلى شِفارِ الجازِرِ وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا النَّظَرَ كانَ يَشْتَدُّ مِنهم في حالِ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْقُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ . الثّانِي: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الإصابَةِ بِالعَيْنِ، وهَهُنا مَقامانِ: أحَدُهُما: الإصابَةُ بِالعَيْنِ، هَلْ لَها في الجُمْلَةِ حَقِيقَةٌ أمْ لا ؟ الثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِها صَحِيحَةً، فَهَلِ الآيَةُ هَهُنا مُفَسَّرَةٌ بِها أمْ لا ؟ المَقامُ الأوَّلُ: مِنَ النّاسِ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ، وقالَ: تَأْثِيرُ الجِسْمِ في الجِسْمِ لا يُعْقَلُ إلّا بِواسِطَةِ المُماسَّةِ، وهَهُنا لا مُماسَّةَ، فامْتَنَعَ حُصُولُ التَّأْثِيرِ. واعْلَمْ أنَّ المُقَدِّمَةَ الأُولى ضَعِيفَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ النَّفْسِ أوْ عَنِ البَدَنِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَمْتَنِعِ اخْتِلافُ النُّفُوسِ في جَواهِرِها وماهِيّاتِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا اخْتِلافُها في لَوازِمِها وآثارِها، فَلا يُسْتَبْعَدُ أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ النُّفُوسِ خاصِّيَّةٌ في التَّأْثِيرِ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَمْتَنِعْ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِزاجُ إنْسانٍ واقِعًا عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ يَكُونُ لَهُ أثَرٌ خاصٌّ، وبِالجُمْلَةِ فالِاحْتِمالُ العَقْلِيُّ قائِمٌ، ولَيْسَ في بُطْلانِهِ شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ، والدَّلائِلُ السَّمْعِيَّةُ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، كَما يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«العَيْنُ حَقٌّ» “ وقالَ: ”«العَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ» “ . والمَقامُ الثّانِي: مِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الآيَةَ بِهَذا المَعْنى قالُوا: كانَتِ العَيْنُ في بَنِي أسَدٍ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَتَجَوَّعُ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلا يَمُرُّ بِهِ شَيْءٌ، فَيَقُولُ فِيهِ: لَمْ أرَ كاليَوْمِ مِثْلَهُ، إلّا عانَهُ، فالتَمَسَ الكُفّارُ مِن بَعْضِ مَن كانَتْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ أنْ يَقُولَ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وطَعَنَ الجُبّائِيُّ في هَذا التَّأْوِيلِ، وقالَ: الإصابَةُ بِالعَيْنِ تَنْشَأُ عَنِ اسْتِحْسانِ الشَّيْءِ، والقَوْمُ ما كانُوا يَنْظُرُونَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ، بَلْ كانُوا يَمْقُتُونَهُ ويُبْغِضُونَهُ، والنَّظَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَقْتَضِي الإصابَةَ بِالعَيْنِ. صفحة ٨٩ واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهم وإنْ كانُوا يُبْغِضُونَهُ مِن حَيْثُ الدِّينِ لَعَلَّهم كانُوا يَسْتَحْسِنُونَ فَصاحَتَهُ، وإيرادَهُ لِلدَّلائِلِ. وعَنِ الحَسَنِ: دَواءُ الإصابَةِ بِالعَيْنِ قِراءَةُ هَذِهِ الآيَةِ.

القلم 68:51

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وهو عَلى ما افْتُتِحَ بِهِ السُّورَةُ. ﴿وما هُوَ﴾ أيْ وما هَذا القُرْآنُ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ دَلالَةُ جُنُونِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ لَهم، وبَيانٌ لَهم، وأدِلَّةٌ لَهم، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى ما في عُقُولِهِمْ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وفِيهِ مِنَ الآدابِ والحِكَمِ، وسائِرِ العُلُومِ ما لا حَدَّ لَهُ ولا حَصْرَ، فَكَيْفَ يُدْعى مَن يَتْلُوهُ مَجْنُونًا، ونَظِيرَهُ مِمّا يَذْكُرُونَ، مَعَ أنَّهُ مِن أدِلَّةِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ الفَضْلِ والعَقْلِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

القلم 68:52

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ وهو عَلى ما افْتُتِحَ بِهِ السُّورَةُ. ﴿وما هُوَ﴾ أيْ وما هَذا القُرْآنُ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ دَلالَةُ جُنُونِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ لَهم، وبَيانٌ لَهم، وأدِلَّةٌ لَهم، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى ما في عُقُولِهِمْ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وفِيهِ مِنَ الآدابِ والحِكَمِ، وسائِرِ العُلُومِ ما لا حَدَّ لَهُ ولا حَصْرَ، فَكَيْفَ يُدْعى مَن يَتْلُوهُ مَجْنُونًا، ونَظِيرَهُ مِمّا يَذْكُرُونَ، مَعَ أنَّهُ مِن أدِلَّةِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ الفَضْلِ والعَقْلِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

الحاقة 69:1

صفحة ٩٠ (سُورَةُ الحاقَّةِ) خَمْسُونَ وآيَتانِ، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ الحاقَّةَ هي القِيامَةُ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الحاقَّةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الكائِنُ، فالحاقَّةُ السّاعَةُ الواجِبَةُ الوُقُوعِ الثّابِتَةُ المَجِيءِ الَّتِي هي آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها. وثانِيها: أنَّها الَّتِي تَحُقُّ فِيها الأُمُورُ أيْ تُعْرَفُ عَلى الحَقِيقَةِ مِن قَوْلِكَ: لا أحُقُّ هَذا أيْ لا أعْرِفُ حَقِيقَتَهُ، جُعِلَ الفِعْلُ لَها وهو لِأهْلِها. وثالِثُها: أنَّها ذَواتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، والثَّوابُ والعِقابُ وغَيْرُهُما مِن أحْوالِ القِيامَةِ أُمُورٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ، فَهي كُلُّها حَواقُّ. ورابِعُها: أنَّ ﴿الحاقَّةُ﴾ بِمَعْنى الحَقَّةِ، والحَقَّةُ أخَصُّ مِنَ الحَقِّ وأوْجَبُ تَقُولُ: هَذِهِ حَقَّتِي أيْ حَقِّي، وعَلى هَذا ﴿الحاقَّةُ﴾ بِمَعْنى الحَقِّ، وهَذا الوَجْهُ قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ. وخامِسُها: قالَ اللَّيْثُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ النّازِلَةُ الَّتِي حَقَّتْ بِالجارِيَةِ فَلا كاذِبَةَ لَها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾، (الواقِعَةِ: ٢) . وسادِسُها: ﴿الحاقَّةُ﴾ السّاعَةُ الَّتِي يَحِقُّ فِيها الجَزاءُ عَلى كُلِّ ضَلالٍ وهُدًى، وهي القِيامَةُ. وسابِعُها: ﴿الحاقَّةُ﴾ هو الوَقْتُ الَّذِي يَحِقُّ عَلى القَوْمِ أنْ يَقَعَ بِهِمْ. وثامِنُها: أنَّها الحَقُّ بِأنْ يَكُونَ فِيها جَمِيعُ آثارِ أعْمالِ المُكَلَّفِينَ، فَإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ يَحْصُلُ الثَّوابُ والعِقابُ، ويَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الِانْتِظارِ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وتاسِعُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: والَّذِي عِنْدِي في ﴿الحاقَّةُ﴾ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَحُقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ أيْ تُخاصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ وتَغْلِبُهُ مِن قَوْلِكَ: حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أيْ غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ وفَلَجْتُ عَلَيْهِ. وعاشِرُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿الحاقَّةُ﴾ الفاعِلَةُ مِن حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحاقَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿ما الحاقَّةُ﴾ والأصْلُ ﴿الحاقَّةُ﴾ ما هي أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وتَعْظِيمًا لِهَوْلِها فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ لِأنَّهُ أهْوَلُ لَها ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ صفحة ٩١ (القارِعَةُ: ١، ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أُعَلِّمُكَ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ يَعْنِي إنَّكَ لا عِلْمَ لَكَ بِكُنْهِها ومَدى عِظَمِها، يَعْنِي أنَّهُ في العِظَمِ والشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ ولا وهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَ حالَها فَهي أعْظَمُ مِن ذَلِكَ ﴿وما﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، و﴿أدْراكَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنْهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.

الحاقة 69:2

صفحة ٩٠ (سُورَةُ الحاقَّةِ) خَمْسُونَ وآيَتانِ، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ الحاقَّةَ هي القِيامَةُ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الحاقَّةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الكائِنُ، فالحاقَّةُ السّاعَةُ الواجِبَةُ الوُقُوعِ الثّابِتَةُ المَجِيءِ الَّتِي هي آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها. وثانِيها: أنَّها الَّتِي تَحُقُّ فِيها الأُمُورُ أيْ تُعْرَفُ عَلى الحَقِيقَةِ مِن قَوْلِكَ: لا أحُقُّ هَذا أيْ لا أعْرِفُ حَقِيقَتَهُ، جُعِلَ الفِعْلُ لَها وهو لِأهْلِها. وثالِثُها: أنَّها ذَواتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، والثَّوابُ والعِقابُ وغَيْرُهُما مِن أحْوالِ القِيامَةِ أُمُورٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ، فَهي كُلُّها حَواقُّ. ورابِعُها: أنَّ ﴿الحاقَّةُ﴾ بِمَعْنى الحَقَّةِ، والحَقَّةُ أخَصُّ مِنَ الحَقِّ وأوْجَبُ تَقُولُ: هَذِهِ حَقَّتِي أيْ حَقِّي، وعَلى هَذا ﴿الحاقَّةُ﴾ بِمَعْنى الحَقِّ، وهَذا الوَجْهُ قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ. وخامِسُها: قالَ اللَّيْثُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ النّازِلَةُ الَّتِي حَقَّتْ بِالجارِيَةِ فَلا كاذِبَةَ لَها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾، (الواقِعَةِ: ٢) . وسادِسُها: ﴿الحاقَّةُ﴾ السّاعَةُ الَّتِي يَحِقُّ فِيها الجَزاءُ عَلى كُلِّ ضَلالٍ وهُدًى، وهي القِيامَةُ. وسابِعُها: ﴿الحاقَّةُ﴾ هو الوَقْتُ الَّذِي يَحِقُّ عَلى القَوْمِ أنْ يَقَعَ بِهِمْ. وثامِنُها: أنَّها الحَقُّ بِأنْ يَكُونَ فِيها جَمِيعُ آثارِ أعْمالِ المُكَلَّفِينَ، فَإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ يَحْصُلُ الثَّوابُ والعِقابُ، ويَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الِانْتِظارِ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وتاسِعُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: والَّذِي عِنْدِي في ﴿الحاقَّةُ﴾ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَحُقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ أيْ تُخاصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ وتَغْلِبُهُ مِن قَوْلِكَ: حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أيْ غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ وفَلَجْتُ عَلَيْهِ. وعاشِرُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿الحاقَّةُ﴾ الفاعِلَةُ مِن حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحاقَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿ما الحاقَّةُ﴾ والأصْلُ ﴿الحاقَّةُ﴾ ما هي أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وتَعْظِيمًا لِهَوْلِها فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ لِأنَّهُ أهْوَلُ لَها ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ صفحة ٩١ (القارِعَةُ: ١، ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أُعَلِّمُكَ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ يَعْنِي إنَّكَ لا عِلْمَ لَكَ بِكُنْهِها ومَدى عِظَمِها، يَعْنِي أنَّهُ في العِظَمِ والشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ ولا وهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَ حالَها فَهي أعْظَمُ مِن ذَلِكَ ﴿وما﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، و﴿أدْراكَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنْهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.

الحاقة 69:3

صفحة ٩٠ (سُورَةُ الحاقَّةِ) خَمْسُونَ وآيَتانِ، مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ الحاقَّةَ هي القِيامَةُ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الحاقَّةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الكائِنُ، فالحاقَّةُ السّاعَةُ الواجِبَةُ الوُقُوعِ الثّابِتَةُ المَجِيءِ الَّتِي هي آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها. وثانِيها: أنَّها الَّتِي تَحُقُّ فِيها الأُمُورُ أيْ تُعْرَفُ عَلى الحَقِيقَةِ مِن قَوْلِكَ: لا أحُقُّ هَذا أيْ لا أعْرِفُ حَقِيقَتَهُ، جُعِلَ الفِعْلُ لَها وهو لِأهْلِها. وثالِثُها: أنَّها ذَواتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، والثَّوابُ والعِقابُ وغَيْرُهُما مِن أحْوالِ القِيامَةِ أُمُورٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ، فَهي كُلُّها حَواقُّ. ورابِعُها: أنَّ ﴿الحاقَّةُ﴾ بِمَعْنى الحَقَّةِ، والحَقَّةُ أخَصُّ مِنَ الحَقِّ وأوْجَبُ تَقُولُ: هَذِهِ حَقَّتِي أيْ حَقِّي، وعَلى هَذا ﴿الحاقَّةُ﴾ بِمَعْنى الحَقِّ، وهَذا الوَجْهُ قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ. وخامِسُها: قالَ اللَّيْثُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ النّازِلَةُ الَّتِي حَقَّتْ بِالجارِيَةِ فَلا كاذِبَةَ لَها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾، (الواقِعَةِ: ٢) . وسادِسُها: ﴿الحاقَّةُ﴾ السّاعَةُ الَّتِي يَحِقُّ فِيها الجَزاءُ عَلى كُلِّ ضَلالٍ وهُدًى، وهي القِيامَةُ. وسابِعُها: ﴿الحاقَّةُ﴾ هو الوَقْتُ الَّذِي يَحِقُّ عَلى القَوْمِ أنْ يَقَعَ بِهِمْ. وثامِنُها: أنَّها الحَقُّ بِأنْ يَكُونَ فِيها جَمِيعُ آثارِ أعْمالِ المُكَلَّفِينَ، فَإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ يَحْصُلُ الثَّوابُ والعِقابُ، ويَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الِانْتِظارِ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. وتاسِعُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: والَّذِي عِنْدِي في ﴿الحاقَّةُ﴾ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَحُقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ أيْ تُخاصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ وتَغْلِبُهُ مِن قَوْلِكَ: حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أيْ غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ وفَلَجْتُ عَلَيْهِ. وعاشِرُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿الحاقَّةُ﴾ الفاعِلَةُ مِن حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحاقَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿ما الحاقَّةُ﴾ والأصْلُ ﴿الحاقَّةُ﴾ ما هي أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وتَعْظِيمًا لِهَوْلِها فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ لِأنَّهُ أهْوَلُ لَها ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ صفحة ٩١ (القارِعَةُ: ١، ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أُعَلِّمُكَ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ يَعْنِي إنَّكَ لا عِلْمَ لَكَ بِكُنْهِها ومَدى عِظَمِها، يَعْنِي أنَّهُ في العِظَمِ والشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ ولا وهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَ حالَها فَهي أعْظَمُ مِن ذَلِكَ ﴿وما﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، و﴿أدْراكَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنْهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.

الحاقة 69:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ . ﴿القارِعَةُ﴾ هي الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِالأفْزاعِ والأهْوالِ، والسَّماءَ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والِانْكِدارِ، وإنَّما قالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَعْنى القَرْعِ حاصِلٌ في الحاقَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً عَلى وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الطّاغِيَةِ أقْوالًا: الأوَّلُ: أنَّ الطّاغِيَةَ هي الواقِعَةُ المُجاوِزَةُ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ (الحاقَّةِ: ١١) أيْ جاوَزَ الحَدَّ، وقالَ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ (النَّجْمِ: ١٧) فَعَلى هَذا القَوْلِ: الطّاغِيَةُ نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها الصَّيْحَةُ المُجاوِزَةُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ لِلصَّيْحاتِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ (القَمَرِ: ٣١) وقالَ بَعْضُهم: إنَّها الرَّجْفَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها الصّاعِقَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الطّاغِيَةَ هَهُنا الطُّغْيانُ، فَهي مَصْدَرٌ كالكاذِبَةِ والباقِيَةِ والعاقِبَةِ والعافِيَةِ، أيْ أُهْلِكُوا بِطُغْيانِهِمْ عَلى اللَّهِ؛ إذْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وكَفَرُوا بِهِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُتَأخِّرُونَ طَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ نَوْعَ الشَّيْءِ الَّذِي وقَعَ بِهِ العَذابُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الجُمْلَةِ الأُولى كَذَلِكَ حَتّى تَكُونَ المُناسِبَةُ حاصِلَةً. والثّانِي: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي: وهو أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ما قالُوهُ، لَكانَ مِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أُهْلِكُوا لَها ولِأجْلِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ أيْ بِالفِرْقَةِ الَّتِي طَغَتْ مِن جُمْلَةِ ثَمُودَ، فَتَآمَرُوا بِعَقْرِ النّاقَةِ فَعَقَرُوها، أيْ أُهْلِكُوا بِشُؤْمِ فِرْقَتِهِمُ الطّاغِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطّاغِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الواحِدُ الَّذِي أقْدَمَ عَلى عَقْرِ النّاقَةِ وأهْلَكَ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِفِعْلِهِ وقِيلَ لَهُ: طاغِيَةٌ، كَما يَقُولُ: فُلانٌ راوِيَةُ الشِّعْرِ، وداهِيَةٌ وعَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ الصَّرْصَرُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ لَها صَرْصَرَةٌ وقِيلَ: البارِدَةُ مِنَ الصِّرِّ كَأنَّها الَّتِي كُرِّرَ فِيها البَرْدُ وكَثُرَ، فَهي تَحْرِقُ بِشِدَّةِ بَرْدِها، وأمّا العاتِيَةُ فَفِيها أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: عَتَتْ عَلى خَزَنَتِها يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَحْفَظُوا كَمْ خَرَجَ مِنها، ولَمْ يَخْرُجْ قَبْلَ ذَلِكَ، ولا بَعْدَهُ مِنها شَيْءٌ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ يَوْمَ نُوحٍ، وعَتَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها يَوْمَ عادٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَها عَلَيْها سَبِيلٌ»، فَعَلى هَذا القَوْلِ: هي عاتِيَةٌ عَلى الخُزّانِ. الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ صفحة ٩٢ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى عادٍ فَما قَدَرُوا عَلى رَدِّها بِحِيلَةٍ مِنَ اسْتِتارٍ بِبِناءٍ أوِ اسْتِنادٍ إلى جَبَلٍ، فَإنَّها كانَتْ تَنْزِعُهم مِن مَكامِنِهِمْ وتُهْلِكُهم. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ العُتُوِّ الَّذِي هو عِصْيانٌ، إنَّما هو بُلُوغُ الشَّيْءِ وانْتِهاؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: عَتا النَّبْتُ، أيْ بَلَغَ مُنْتَهاهُ وجَفَّ، قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مَرْيَمَ: ٨) فَعاتِيَةٌ أيْ بالِغَةٌ مُنْتَهاها في القُوَّةِ والشِّدَّةِ.

الحاقة 69:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ . ﴿القارِعَةُ﴾ هي الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِالأفْزاعِ والأهْوالِ، والسَّماءَ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والِانْكِدارِ، وإنَّما قالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَعْنى القَرْعِ حاصِلٌ في الحاقَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً عَلى وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الطّاغِيَةِ أقْوالًا: الأوَّلُ: أنَّ الطّاغِيَةَ هي الواقِعَةُ المُجاوِزَةُ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ (الحاقَّةِ: ١١) أيْ جاوَزَ الحَدَّ، وقالَ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ (النَّجْمِ: ١٧) فَعَلى هَذا القَوْلِ: الطّاغِيَةُ نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها الصَّيْحَةُ المُجاوِزَةُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ لِلصَّيْحاتِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ (القَمَرِ: ٣١) وقالَ بَعْضُهم: إنَّها الرَّجْفَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها الصّاعِقَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الطّاغِيَةَ هَهُنا الطُّغْيانُ، فَهي مَصْدَرٌ كالكاذِبَةِ والباقِيَةِ والعاقِبَةِ والعافِيَةِ، أيْ أُهْلِكُوا بِطُغْيانِهِمْ عَلى اللَّهِ؛ إذْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وكَفَرُوا بِهِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُتَأخِّرُونَ طَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ نَوْعَ الشَّيْءِ الَّذِي وقَعَ بِهِ العَذابُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الجُمْلَةِ الأُولى كَذَلِكَ حَتّى تَكُونَ المُناسِبَةُ حاصِلَةً. والثّانِي: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي: وهو أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ما قالُوهُ، لَكانَ مِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أُهْلِكُوا لَها ولِأجْلِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ أيْ بِالفِرْقَةِ الَّتِي طَغَتْ مِن جُمْلَةِ ثَمُودَ، فَتَآمَرُوا بِعَقْرِ النّاقَةِ فَعَقَرُوها، أيْ أُهْلِكُوا بِشُؤْمِ فِرْقَتِهِمُ الطّاغِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطّاغِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الواحِدُ الَّذِي أقْدَمَ عَلى عَقْرِ النّاقَةِ وأهْلَكَ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِفِعْلِهِ وقِيلَ لَهُ: طاغِيَةٌ، كَما يَقُولُ: فُلانٌ راوِيَةُ الشِّعْرِ، وداهِيَةٌ وعَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ الصَّرْصَرُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ لَها صَرْصَرَةٌ وقِيلَ: البارِدَةُ مِنَ الصِّرِّ كَأنَّها الَّتِي كُرِّرَ فِيها البَرْدُ وكَثُرَ، فَهي تَحْرِقُ بِشِدَّةِ بَرْدِها، وأمّا العاتِيَةُ فَفِيها أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: عَتَتْ عَلى خَزَنَتِها يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَحْفَظُوا كَمْ خَرَجَ مِنها، ولَمْ يَخْرُجْ قَبْلَ ذَلِكَ، ولا بَعْدَهُ مِنها شَيْءٌ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ يَوْمَ نُوحٍ، وعَتَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها يَوْمَ عادٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَها عَلَيْها سَبِيلٌ»، فَعَلى هَذا القَوْلِ: هي عاتِيَةٌ عَلى الخُزّانِ. الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ صفحة ٩٢ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى عادٍ فَما قَدَرُوا عَلى رَدِّها بِحِيلَةٍ مِنَ اسْتِتارٍ بِبِناءٍ أوِ اسْتِنادٍ إلى جَبَلٍ، فَإنَّها كانَتْ تَنْزِعُهم مِن مَكامِنِهِمْ وتُهْلِكُهم. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ العُتُوِّ الَّذِي هو عِصْيانٌ، إنَّما هو بُلُوغُ الشَّيْءِ وانْتِهاؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: عَتا النَّبْتُ، أيْ بَلَغَ مُنْتَهاهُ وجَفَّ، قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مَرْيَمَ: ٨) فَعاتِيَةٌ أيْ بالِغَةٌ مُنْتَهاها في القُوَّةِ والشِّدَّةِ.

الحاقة 69:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ . ﴿القارِعَةُ﴾ هي الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِالأفْزاعِ والأهْوالِ، والسَّماءَ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والِانْكِدارِ، وإنَّما قالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَعْنى القَرْعِ حاصِلٌ في الحاقَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً عَلى وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الطّاغِيَةِ أقْوالًا: الأوَّلُ: أنَّ الطّاغِيَةَ هي الواقِعَةُ المُجاوِزَةُ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ (الحاقَّةِ: ١١) أيْ جاوَزَ الحَدَّ، وقالَ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ (النَّجْمِ: ١٧) فَعَلى هَذا القَوْلِ: الطّاغِيَةُ نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها الصَّيْحَةُ المُجاوِزَةُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ لِلصَّيْحاتِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ (القَمَرِ: ٣١) وقالَ بَعْضُهم: إنَّها الرَّجْفَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها الصّاعِقَةُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الطّاغِيَةَ هَهُنا الطُّغْيانُ، فَهي مَصْدَرٌ كالكاذِبَةِ والباقِيَةِ والعاقِبَةِ والعافِيَةِ، أيْ أُهْلِكُوا بِطُغْيانِهِمْ عَلى اللَّهِ؛ إذْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وكَفَرُوا بِهِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُتَأخِّرُونَ طَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: وهو الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ نَوْعَ الشَّيْءِ الَّذِي وقَعَ بِهِ العَذابُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الجُمْلَةِ الأُولى كَذَلِكَ حَتّى تَكُونَ المُناسِبَةُ حاصِلَةً. والثّانِي: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي: وهو أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ما قالُوهُ، لَكانَ مِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أُهْلِكُوا لَها ولِأجْلِها. والقَوْلُ الثّالِثُ: ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ أيْ بِالفِرْقَةِ الَّتِي طَغَتْ مِن جُمْلَةِ ثَمُودَ، فَتَآمَرُوا بِعَقْرِ النّاقَةِ فَعَقَرُوها، أيْ أُهْلِكُوا بِشُؤْمِ فِرْقَتِهِمُ الطّاغِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطّاغِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الواحِدُ الَّذِي أقْدَمَ عَلى عَقْرِ النّاقَةِ وأهْلَكَ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِفِعْلِهِ وقِيلَ لَهُ: طاغِيَةٌ، كَما يَقُولُ: فُلانٌ راوِيَةُ الشِّعْرِ، وداهِيَةٌ وعَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ الصَّرْصَرُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ لَها صَرْصَرَةٌ وقِيلَ: البارِدَةُ مِنَ الصِّرِّ كَأنَّها الَّتِي كُرِّرَ فِيها البَرْدُ وكَثُرَ، فَهي تَحْرِقُ بِشِدَّةِ بَرْدِها، وأمّا العاتِيَةُ فَفِيها أقْوالٌ: الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: عَتَتْ عَلى خَزَنَتِها يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَحْفَظُوا كَمْ خَرَجَ مِنها، ولَمْ يَخْرُجْ قَبْلَ ذَلِكَ، ولا بَعْدَهُ مِنها شَيْءٌ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ يَوْمَ نُوحٍ، وعَتَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها يَوْمَ عادٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَها عَلَيْها سَبِيلٌ»، فَعَلى هَذا القَوْلِ: هي عاتِيَةٌ عَلى الخُزّانِ. الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ صفحة ٩٢ الرِّيحَ عَتَتْ عَلى عادٍ فَما قَدَرُوا عَلى رَدِّها بِحِيلَةٍ مِنَ اسْتِتارٍ بِبِناءٍ أوِ اسْتِنادٍ إلى جَبَلٍ، فَإنَّها كانَتْ تَنْزِعُهم مِن مَكامِنِهِمْ وتُهْلِكُهم. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ العُتُوِّ الَّذِي هو عِصْيانٌ، إنَّما هو بُلُوغُ الشَّيْءِ وانْتِهاؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: عَتا النَّبْتُ، أيْ بَلَغَ مُنْتَهاهُ وجَفَّ، قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مَرْيَمَ: ٨) فَعاتِيَةٌ أيْ بالِغَةٌ مُنْتَهاها في القُوَّةِ والشِّدَّةِ.

الحاقة 69:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَلَّطَها عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْلَعَها عَلَيْهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَها عَلَيْهِمْ، هَذِهِ هي الألْفاظُ المَنقُولَةُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، وعِنْدِي أنَّ فِيهِ لَطِيفَةً؛ وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ تِلْكَ الرِّياحَ إنَّما اشْتَدَّتْ؛ لِأنَّ اتِّصالًا فَلَكِيًّا نُجُومِيًّا اقْتَضى ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿سَخَّرَها﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ ذَلِكَ المَذْهَبِ، وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ لَوْلا هَذِهِ الدَّقِيقَةُ لَما حَصَلَ مِنهُ التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ عَنِ العِقابِ. وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَما كانَ مِقْدارُ زَمانِ هَذا العَذابِ مَعْلُومًا، فَلَمّا قالَ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ صارَ مِقْدارُ هَذا الزَّمانِ مَعْلُومًا، ثُمَّ لَمّا كانَ يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُتَفَرِّقًا في هَذِهِ المُدَّةِ أزالَ هَذا الظَّنَّ، بِقَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ أيْ مُتَتابِعَةً مُتَوالِيَةً، واخْتَلَفُوا في الحُسُومِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ ﴿حُسُومًا﴾، أيْ مُتَتابِعَةً، أيْ هَذِهِ الأيّامُ تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ بِالرِّيحِ المُهْلِكَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيها فُتُورٌ ولا انْقِطاعٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ: حُسُومٌ جَمْعُ حاسِمٍ. كَشُهُودٍ وقُعُودٍ، ومَعْنى هَذا الحَسْمِ في اللُّغَةِ القَطْعُ بِالِاسْتِئْصالِ، وسُمِّيَ السَّيْفُ حُسامًا؛ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوُّ عَمّا يُرِيدُ، مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّياحُ مُتَتابِعَةً ما سَكَنَتْ ساعَةً حَتّى أتَتْ عَلَيْهِمْ أشْبَهَ تَتابُعُها عَلَيْهِمْ تَتابُعَ فِعْلِ الحاسِمِ في إعادَةِ الكَيِّ عَلى الدّاءِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، حَتّى يَنْحَسِمَ. وثانِيها: أنَّ الرِّياحَ حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ، واسْتَأْصَلَتْ كُلَّ بَرَكَةٍ، فَكانَتْ حُسُومًا، أوْ حَسَمَتْهم، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ، فالحُسُومُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ جَمْعُ حاسِمٍ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الحُسُومُ مَصْدَرًا كالشُّكُورِ والكُفُورِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلِهِ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: يَحْسِمُ حُسُومًا، يَعْنِي اسْتَأْصَلَ اسْتِئْصالًا، أوْ يَكُونُ صِفَةً، كَقَوْلِكَ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ يَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِئْصالِ، وقَرَأ السُّدِّيُّ: (حَسُومًا) بِالفَتْحِ حالًا مِنَ الرِّيحِ، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ مُسْتَأْصِلَةً، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجُوزِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِأيّامِ العَجُوزِ؛ لِأنَّ عَجُوزًا مِن عادٍ تَوارَتْ في سِرْبٍ، فانْتَزَعَتْها الرِّيحُ في اليَوْمِ الثّامِنِ فَأهْلَكَتْها، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجُزِ وهي آخِرُ الشِّتاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ أيْ في مَهابِّها، وقالَ آخَرُونَ: أيْ في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ: ﴿صَرْعى﴾ جَمْعُ صَرِيعٍ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَوْتى يُرِيدُ أنَّهم صُرِعُوا بِمَوْتِهِمْ، فَهم مُصْرَعُونَ صَرْعَ المَوْتِ. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ صفحة ٩٣ * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ خالِيَةِ الأجْوافِ لا شَيْءَ فِيها، والنَّخْلُ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٠) وقُرِئَ: (أعْجازُ نَخِيلٍ)، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم شُبِّهُوا بِالنَّخِيلِ الَّتِي قُلِعَتْ مِن أصْلِها، وهو إخْبارٌ عَنْ عَظِيمِ خَلْقِهِمْ وأجْسامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الأُصُولَ دُونَ الجُذُوعِ، أيْ أنَّ الرِّيحَ قَدْ قَطَّعَتْهم حَتّى صارُوا قِطَعًا ضِخامًا كَأُصُولِ النَّخْلِ. وأمّا وصْفُ النَّخْلِ بِالخَواءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْقَوْمِ، فَإنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ أجْوافَهم فَتَصْرَعُهم كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ الجَوْفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الخالِيَةُ بِمَعْنى البالِيَةِ؛ لِأنَّها إذا بَلِيَتْ خَلَتْ أجْوافُها، فَشُبِّهُوا بَعْدَ أنْ أُهْلِكُوا بِالنَّخِيلِ البالِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الباقِيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها البَقِيَّةُ. وثانِيها: المُرادُ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ. وثالِثُها: المُرادُ بِالباقِيَةِ البَقاءَ، كالطّاغِيَةِ بِمَعْنى الطُّغْيانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن نَسْلِ أُولَئِكَ القَوْمِ أحَدٌ، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عِقابِ اللَّهِ مِنَ الرِّيحِ، فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا، فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ، فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ (الأحْقافِ: ٢٥) . القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ فِرْعَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَفَرَتْ كَما كَفَرَ هو، و(مَن) لَفْظٌ عامٌّ ومَعْناهُ خاصٌّ في الكُفّارِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ، (ومَن قِبَلِهِ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قِبَلُ لِما ولِيَ الشَّيْءَ تَقُولُ: ذَهَبَ قِبَلَ السُّوقِ، ولِي قِبَلَكَ حَقٌّ، أيْ فِيما يَلِيكَ، واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ لِي عَلَيْكَ، فَمَعْنى (مَن قِبَلِهِ) أيْ مَن عِنْدَهُ مِن أتْباعِهِ وجُنُودِهِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وأُبَيًّا وأبا مُوسى قَرَءُوا: (ومَن تِلْقاءَهُ) رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وحْدَهُ أنَّهُ قَرَأ: (ومَن مَعَهُ) أمّا قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا مِن قَوْمِ لُوطٍ، عَلى مَعْنى: والجَماعاتُ المُؤْتَفِكاتُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الخاطِئَةَ مَصْدَرٌ كالخَطَأِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفِعْلَةِ أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ العَظِيمِ.

الحاقة 69:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَلَّطَها عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْلَعَها عَلَيْهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَها عَلَيْهِمْ، هَذِهِ هي الألْفاظُ المَنقُولَةُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، وعِنْدِي أنَّ فِيهِ لَطِيفَةً؛ وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ تِلْكَ الرِّياحَ إنَّما اشْتَدَّتْ؛ لِأنَّ اتِّصالًا فَلَكِيًّا نُجُومِيًّا اقْتَضى ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿سَخَّرَها﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ ذَلِكَ المَذْهَبِ، وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ لَوْلا هَذِهِ الدَّقِيقَةُ لَما حَصَلَ مِنهُ التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ عَنِ العِقابِ. وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَما كانَ مِقْدارُ زَمانِ هَذا العَذابِ مَعْلُومًا، فَلَمّا قالَ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ صارَ مِقْدارُ هَذا الزَّمانِ مَعْلُومًا، ثُمَّ لَمّا كانَ يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُتَفَرِّقًا في هَذِهِ المُدَّةِ أزالَ هَذا الظَّنَّ، بِقَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ أيْ مُتَتابِعَةً مُتَوالِيَةً، واخْتَلَفُوا في الحُسُومِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ ﴿حُسُومًا﴾، أيْ مُتَتابِعَةً، أيْ هَذِهِ الأيّامُ تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ بِالرِّيحِ المُهْلِكَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيها فُتُورٌ ولا انْقِطاعٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ: حُسُومٌ جَمْعُ حاسِمٍ. كَشُهُودٍ وقُعُودٍ، ومَعْنى هَذا الحَسْمِ في اللُّغَةِ القَطْعُ بِالِاسْتِئْصالِ، وسُمِّيَ السَّيْفُ حُسامًا؛ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوُّ عَمّا يُرِيدُ، مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّياحُ مُتَتابِعَةً ما سَكَنَتْ ساعَةً حَتّى أتَتْ عَلَيْهِمْ أشْبَهَ تَتابُعُها عَلَيْهِمْ تَتابُعَ فِعْلِ الحاسِمِ في إعادَةِ الكَيِّ عَلى الدّاءِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، حَتّى يَنْحَسِمَ. وثانِيها: أنَّ الرِّياحَ حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ، واسْتَأْصَلَتْ كُلَّ بَرَكَةٍ، فَكانَتْ حُسُومًا، أوْ حَسَمَتْهم، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ، فالحُسُومُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ جَمْعُ حاسِمٍ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الحُسُومُ مَصْدَرًا كالشُّكُورِ والكُفُورِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلِهِ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: يَحْسِمُ حُسُومًا، يَعْنِي اسْتَأْصَلَ اسْتِئْصالًا، أوْ يَكُونُ صِفَةً، كَقَوْلِكَ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ يَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِئْصالِ، وقَرَأ السُّدِّيُّ: (حَسُومًا) بِالفَتْحِ حالًا مِنَ الرِّيحِ، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ مُسْتَأْصِلَةً، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجُوزِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِأيّامِ العَجُوزِ؛ لِأنَّ عَجُوزًا مِن عادٍ تَوارَتْ في سِرْبٍ، فانْتَزَعَتْها الرِّيحُ في اليَوْمِ الثّامِنِ فَأهْلَكَتْها، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجُزِ وهي آخِرُ الشِّتاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ أيْ في مَهابِّها، وقالَ آخَرُونَ: أيْ في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ: ﴿صَرْعى﴾ جَمْعُ صَرِيعٍ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَوْتى يُرِيدُ أنَّهم صُرِعُوا بِمَوْتِهِمْ، فَهم مُصْرَعُونَ صَرْعَ المَوْتِ. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ صفحة ٩٣ * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ خالِيَةِ الأجْوافِ لا شَيْءَ فِيها، والنَّخْلُ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٠) وقُرِئَ: (أعْجازُ نَخِيلٍ)، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم شُبِّهُوا بِالنَّخِيلِ الَّتِي قُلِعَتْ مِن أصْلِها، وهو إخْبارٌ عَنْ عَظِيمِ خَلْقِهِمْ وأجْسامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الأُصُولَ دُونَ الجُذُوعِ، أيْ أنَّ الرِّيحَ قَدْ قَطَّعَتْهم حَتّى صارُوا قِطَعًا ضِخامًا كَأُصُولِ النَّخْلِ. وأمّا وصْفُ النَّخْلِ بِالخَواءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْقَوْمِ، فَإنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ أجْوافَهم فَتَصْرَعُهم كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ الجَوْفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الخالِيَةُ بِمَعْنى البالِيَةِ؛ لِأنَّها إذا بَلِيَتْ خَلَتْ أجْوافُها، فَشُبِّهُوا بَعْدَ أنْ أُهْلِكُوا بِالنَّخِيلِ البالِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الباقِيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها البَقِيَّةُ. وثانِيها: المُرادُ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ. وثالِثُها: المُرادُ بِالباقِيَةِ البَقاءَ، كالطّاغِيَةِ بِمَعْنى الطُّغْيانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن نَسْلِ أُولَئِكَ القَوْمِ أحَدٌ، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عِقابِ اللَّهِ مِنَ الرِّيحِ، فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا، فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ، فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ (الأحْقافِ: ٢٥) . القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ فِرْعَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَفَرَتْ كَما كَفَرَ هو، و(مَن) لَفْظٌ عامٌّ ومَعْناهُ خاصٌّ في الكُفّارِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ، (ومَن قِبَلِهِ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قِبَلُ لِما ولِيَ الشَّيْءَ تَقُولُ: ذَهَبَ قِبَلَ السُّوقِ، ولِي قِبَلَكَ حَقٌّ، أيْ فِيما يَلِيكَ، واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ لِي عَلَيْكَ، فَمَعْنى (مَن قِبَلِهِ) أيْ مَن عِنْدَهُ مِن أتْباعِهِ وجُنُودِهِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وأُبَيًّا وأبا مُوسى قَرَءُوا: (ومَن تِلْقاءَهُ) رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وحْدَهُ أنَّهُ قَرَأ: (ومَن مَعَهُ) أمّا قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا مِن قَوْمِ لُوطٍ، عَلى مَعْنى: والجَماعاتُ المُؤْتَفِكاتُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الخاطِئَةَ مَصْدَرٌ كالخَطَأِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفِعْلَةِ أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ العَظِيمِ.

الحاقة 69:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَلَّطَها عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْلَعَها عَلَيْهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَها عَلَيْهِمْ، هَذِهِ هي الألْفاظُ المَنقُولَةُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، وعِنْدِي أنَّ فِيهِ لَطِيفَةً؛ وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ تِلْكَ الرِّياحَ إنَّما اشْتَدَّتْ؛ لِأنَّ اتِّصالًا فَلَكِيًّا نُجُومِيًّا اقْتَضى ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿سَخَّرَها﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ ذَلِكَ المَذْهَبِ، وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ لَوْلا هَذِهِ الدَّقِيقَةُ لَما حَصَلَ مِنهُ التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ عَنِ العِقابِ. وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَما كانَ مِقْدارُ زَمانِ هَذا العَذابِ مَعْلُومًا، فَلَمّا قالَ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ صارَ مِقْدارُ هَذا الزَّمانِ مَعْلُومًا، ثُمَّ لَمّا كانَ يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُتَفَرِّقًا في هَذِهِ المُدَّةِ أزالَ هَذا الظَّنَّ، بِقَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ أيْ مُتَتابِعَةً مُتَوالِيَةً، واخْتَلَفُوا في الحُسُومِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ ﴿حُسُومًا﴾، أيْ مُتَتابِعَةً، أيْ هَذِهِ الأيّامُ تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ بِالرِّيحِ المُهْلِكَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيها فُتُورٌ ولا انْقِطاعٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ: حُسُومٌ جَمْعُ حاسِمٍ. كَشُهُودٍ وقُعُودٍ، ومَعْنى هَذا الحَسْمِ في اللُّغَةِ القَطْعُ بِالِاسْتِئْصالِ، وسُمِّيَ السَّيْفُ حُسامًا؛ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوُّ عَمّا يُرِيدُ، مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّياحُ مُتَتابِعَةً ما سَكَنَتْ ساعَةً حَتّى أتَتْ عَلَيْهِمْ أشْبَهَ تَتابُعُها عَلَيْهِمْ تَتابُعَ فِعْلِ الحاسِمِ في إعادَةِ الكَيِّ عَلى الدّاءِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، حَتّى يَنْحَسِمَ. وثانِيها: أنَّ الرِّياحَ حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ، واسْتَأْصَلَتْ كُلَّ بَرَكَةٍ، فَكانَتْ حُسُومًا، أوْ حَسَمَتْهم، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ، فالحُسُومُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ جَمْعُ حاسِمٍ. وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الحُسُومُ مَصْدَرًا كالشُّكُورِ والكُفُورِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلِهِ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: يَحْسِمُ حُسُومًا، يَعْنِي اسْتَأْصَلَ اسْتِئْصالًا، أوْ يَكُونُ صِفَةً، كَقَوْلِكَ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ يَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِئْصالِ، وقَرَأ السُّدِّيُّ: (حَسُومًا) بِالفَتْحِ حالًا مِنَ الرِّيحِ، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ مُسْتَأْصِلَةً، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجُوزِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِأيّامِ العَجُوزِ؛ لِأنَّ عَجُوزًا مِن عادٍ تَوارَتْ في سِرْبٍ، فانْتَزَعَتْها الرِّيحُ في اليَوْمِ الثّامِنِ فَأهْلَكَتْها، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجُزِ وهي آخِرُ الشِّتاءِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ أيْ في مَهابِّها، وقالَ آخَرُونَ: أيْ في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ: ﴿صَرْعى﴾ جَمْعُ صَرِيعٍ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَوْتى يُرِيدُ أنَّهم صُرِعُوا بِمَوْتِهِمْ، فَهم مُصْرَعُونَ صَرْعَ المَوْتِ. ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ صفحة ٩٣ * * * ثُمَّ قالَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ خالِيَةِ الأجْوافِ لا شَيْءَ فِيها، والنَّخْلُ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٠) وقُرِئَ: (أعْجازُ نَخِيلٍ)، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم شُبِّهُوا بِالنَّخِيلِ الَّتِي قُلِعَتْ مِن أصْلِها، وهو إخْبارٌ عَنْ عَظِيمِ خَلْقِهِمْ وأجْسامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الأُصُولَ دُونَ الجُذُوعِ، أيْ أنَّ الرِّيحَ قَدْ قَطَّعَتْهم حَتّى صارُوا قِطَعًا ضِخامًا كَأُصُولِ النَّخْلِ. وأمّا وصْفُ النَّخْلِ بِالخَواءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْقَوْمِ، فَإنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ أجْوافَهم فَتَصْرَعُهم كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ الجَوْفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الخالِيَةُ بِمَعْنى البالِيَةِ؛ لِأنَّها إذا بَلِيَتْ خَلَتْ أجْوافُها، فَشُبِّهُوا بَعْدَ أنْ أُهْلِكُوا بِالنَّخِيلِ البالِيَةِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الباقِيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها البَقِيَّةُ. وثانِيها: المُرادُ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ. وثالِثُها: المُرادُ بِالباقِيَةِ البَقاءَ، كالطّاغِيَةِ بِمَعْنى الطُّغْيانِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن نَسْلِ أُولَئِكَ القَوْمِ أحَدٌ، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عِقابِ اللَّهِ مِنَ الرِّيحِ، فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا، فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ، فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ (الأحْقافِ: ٢٥) . القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ فِرْعَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَفَرَتْ كَما كَفَرَ هو، و(مَن) لَفْظٌ عامٌّ ومَعْناهُ خاصٌّ في الكُفّارِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ، (ومَن قِبَلِهِ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قِبَلُ لِما ولِيَ الشَّيْءَ تَقُولُ: ذَهَبَ قِبَلَ السُّوقِ، ولِي قِبَلَكَ حَقٌّ، أيْ فِيما يَلِيكَ، واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ لِي عَلَيْكَ، فَمَعْنى (مَن قِبَلِهِ) أيْ مَن عِنْدَهُ مِن أتْباعِهِ وجُنُودِهِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وأُبَيًّا وأبا مُوسى قَرَءُوا: (ومَن تِلْقاءَهُ) رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وحْدَهُ أنَّهُ قَرَأ: (ومَن مَعَهُ) أمّا قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا مِن قَوْمِ لُوطٍ، عَلى مَعْنى: والجَماعاتُ المُؤْتَفِكاتُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الخاطِئَةَ مَصْدَرٌ كالخَطَأِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفِعْلَةِ أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ العَظِيمِ.

الحاقة 69:10

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ الضَّمِيرُ إنْ كانَ عائِدًا إلى ﴿فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾، فَرَسُولُ رَبِّهِمْ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانَ عائِدًا إلى أهْلِ المُؤْتَفِكاتِ فَرَسُولُ رَبِّهِمْ هو لُوطٌ، قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ كِلاهُما لِلْخَبَرِ عَنِ الأُمَّتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِهِما بِقَوْلِهِ، ﴿فَعَصَوْا﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: صفحة ٩٤ الأوَّلُ: أنَّها كانَتْ زائِدَةً في الشِّدَّةِ عَلى عُقُوباتِ سائِرِ الكُفّارِ كَما أنَّ أفْعالَهم كانَتْ زائِدَةً في القُبْحِ عَلى أفْعالِ سائِرِ الكُفّارِ. الثّانِي: أنَّ عُقُوبَةَ آلِ فِرْعَوْنَ في الدُّنْيا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِعَذابِ الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وعُقُوبَةُ الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عُقُوبَةِ الدُّنْيا، فَتِلْكَ العُقُوبَةُ كَأنَّها كانَتْ تَنْمُو وتَرْبُو. القِصَّةُ الثّالِثَةُ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَدْرُوا كَمْ خَرَجَ، ولَيْسَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةٌ قَبْلَ تِلْكَ الواقِعَةِ ولا بَعْدَها إلّا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ، وسائِرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: ﴿طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ حَتّى عَلا كُلَّ شَيْءٍ وارْتَفَعَ فَوْقَهُ، و﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ حَمَلْنا آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذا هم أوْلادُ الَّذِينَ كانُوا في السَّفِينَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الجارِيَةِ﴾ يَعْنِي في السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ، وهي سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجارِيَةُ مِن أسْماءِ السَّفِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الجَوارِي﴾ (الرَّحْمَنِ: ٢٤) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِنَجْعَلَها﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى الواقِعَةِ الَّتِي هي مَعْلُومَةٌ، وإنْ كانَتْ هَهُنا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ، والتَّقْدِيرُ لِنَجْعَلَ نَجاةَ المُؤْمِنِينَ وإغْراقَ الكَفَرَةِ عِظَةً وعِبْرَةً. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لِنَجْعَلَ السَّفِينَةَ، وهَذا ضَعِيفٌ والأوَّلُ هو الصَّوابُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها﴾ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الأوَّلُ، لَكِنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها﴾ لا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلى السَّفِينَةِ فَكَذا الضَّمِيرُ الأوَّلُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ: وعَيْتُهُ، ووَعَيْتُ العِلْمَ، ووَعَيْتُ ما قُلْتَ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما حَفِظْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ: أوْعَيْتُهُ يُقالُ: أوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ التَّذْكِيرِ في هَذا أنَّ نَجاةَ قَوْمٍ مِنَ الغَرَقِ بِالسَّفِينَةِ وتَغْرِيقَ مَن سِواهم يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ مُدَبِّرِ العالَمِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ، ونِهايَةِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وشِدَّةِ قَهْرِهِ وسَطْوَتِهِ، «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ”سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، قالَ عَلِيٌّ: فَما نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ، وما كانَ لِي أنْ أنْسى“» فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْكِيرِ ؟ قُلْنا: لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُعاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، ولِتَوْبِيخِ النّاسِ بِقِلَّةِ مَن يَعِي مِنهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وعَتْ وعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ ما سِواها لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، وإنِ امْتَلَأ العالَمُ مِنهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ: ﴿وتَعِيَها﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (وتَعْيَها) ساكِنَةَ العَيْنِ كَأنَّهُ جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ فَخْذٍ، فَأُسْكِنَ كَما أُسْكِنَ الحَرْفُ المُتَوَسِّطُ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ المُضارَعَةِ لا يَنْفَصِلُ مِنَ الفِعْلِ، فَأشْبَهَ ما هو مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، وصارَ كَقَوْلِ مَن قالَ: وهْوَ وهْيَ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ القافَ. صفحة ٩٥ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ القِصَصَ الثَّلاثَ ونَبَّهَ بِها عَنْ ثُبُوتِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِلصّانِعِ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ بِثُبُوتِ القُدْرَةِ إمْكانُ القِيامَةِ، وثَبَتَ بِثُبُوتِ الحِكْمَةِ إمْكانُ وُقُوعِ القِيامَةِ. ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفاصِيلِ أحْوالِ القِيامَةِ فَذَكَرَ أوَّلًا مُقَدِّماتِها.

الحاقة 69:11

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ الضَّمِيرُ إنْ كانَ عائِدًا إلى ﴿فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾، فَرَسُولُ رَبِّهِمْ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانَ عائِدًا إلى أهْلِ المُؤْتَفِكاتِ فَرَسُولُ رَبِّهِمْ هو لُوطٌ، قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ كِلاهُما لِلْخَبَرِ عَنِ الأُمَّتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِهِما بِقَوْلِهِ، ﴿فَعَصَوْا﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: صفحة ٩٤ الأوَّلُ: أنَّها كانَتْ زائِدَةً في الشِّدَّةِ عَلى عُقُوباتِ سائِرِ الكُفّارِ كَما أنَّ أفْعالَهم كانَتْ زائِدَةً في القُبْحِ عَلى أفْعالِ سائِرِ الكُفّارِ. الثّانِي: أنَّ عُقُوبَةَ آلِ فِرْعَوْنَ في الدُّنْيا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِعَذابِ الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وعُقُوبَةُ الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عُقُوبَةِ الدُّنْيا، فَتِلْكَ العُقُوبَةُ كَأنَّها كانَتْ تَنْمُو وتَرْبُو. القِصَّةُ الثّالِثَةُ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَدْرُوا كَمْ خَرَجَ، ولَيْسَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةٌ قَبْلَ تِلْكَ الواقِعَةِ ولا بَعْدَها إلّا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ، وسائِرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: ﴿طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ حَتّى عَلا كُلَّ شَيْءٍ وارْتَفَعَ فَوْقَهُ، و﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ حَمَلْنا آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذا هم أوْلادُ الَّذِينَ كانُوا في السَّفِينَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الجارِيَةِ﴾ يَعْنِي في السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ، وهي سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجارِيَةُ مِن أسْماءِ السَّفِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الجَوارِي﴾ (الرَّحْمَنِ: ٢٤) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِنَجْعَلَها﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى الواقِعَةِ الَّتِي هي مَعْلُومَةٌ، وإنْ كانَتْ هَهُنا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ، والتَّقْدِيرُ لِنَجْعَلَ نَجاةَ المُؤْمِنِينَ وإغْراقَ الكَفَرَةِ عِظَةً وعِبْرَةً. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لِنَجْعَلَ السَّفِينَةَ، وهَذا ضَعِيفٌ والأوَّلُ هو الصَّوابُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها﴾ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الأوَّلُ، لَكِنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها﴾ لا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلى السَّفِينَةِ فَكَذا الضَّمِيرُ الأوَّلُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ: وعَيْتُهُ، ووَعَيْتُ العِلْمَ، ووَعَيْتُ ما قُلْتَ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما حَفِظْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ: أوْعَيْتُهُ يُقالُ: أوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ التَّذْكِيرِ في هَذا أنَّ نَجاةَ قَوْمٍ مِنَ الغَرَقِ بِالسَّفِينَةِ وتَغْرِيقَ مَن سِواهم يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ مُدَبِّرِ العالَمِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ، ونِهايَةِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وشِدَّةِ قَهْرِهِ وسَطْوَتِهِ، «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ”سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، قالَ عَلِيٌّ: فَما نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ، وما كانَ لِي أنْ أنْسى“» فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْكِيرِ ؟ قُلْنا: لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُعاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، ولِتَوْبِيخِ النّاسِ بِقِلَّةِ مَن يَعِي مِنهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وعَتْ وعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ ما سِواها لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، وإنِ امْتَلَأ العالَمُ مِنهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ: ﴿وتَعِيَها﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (وتَعْيَها) ساكِنَةَ العَيْنِ كَأنَّهُ جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ فَخْذٍ، فَأُسْكِنَ كَما أُسْكِنَ الحَرْفُ المُتَوَسِّطُ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ المُضارَعَةِ لا يَنْفَصِلُ مِنَ الفِعْلِ، فَأشْبَهَ ما هو مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، وصارَ كَقَوْلِ مَن قالَ: وهْوَ وهْيَ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ القافَ. صفحة ٩٥ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ القِصَصَ الثَّلاثَ ونَبَّهَ بِها عَنْ ثُبُوتِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِلصّانِعِ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ بِثُبُوتِ القُدْرَةِ إمْكانُ القِيامَةِ، وثَبَتَ بِثُبُوتِ الحِكْمَةِ إمْكانُ وُقُوعِ القِيامَةِ. ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفاصِيلِ أحْوالِ القِيامَةِ فَذَكَرَ أوَّلًا مُقَدِّماتِها.

الحاقة 69:12

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ الضَّمِيرُ إنْ كانَ عائِدًا إلى ﴿فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾، فَرَسُولُ رَبِّهِمْ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانَ عائِدًا إلى أهْلِ المُؤْتَفِكاتِ فَرَسُولُ رَبِّهِمْ هو لُوطٌ، قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ كِلاهُما لِلْخَبَرِ عَنِ الأُمَّتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِهِما بِقَوْلِهِ، ﴿فَعَصَوْا﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: صفحة ٩٤ الأوَّلُ: أنَّها كانَتْ زائِدَةً في الشِّدَّةِ عَلى عُقُوباتِ سائِرِ الكُفّارِ كَما أنَّ أفْعالَهم كانَتْ زائِدَةً في القُبْحِ عَلى أفْعالِ سائِرِ الكُفّارِ. الثّانِي: أنَّ عُقُوبَةَ آلِ فِرْعَوْنَ في الدُّنْيا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِعَذابِ الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وعُقُوبَةُ الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عُقُوبَةِ الدُّنْيا، فَتِلْكَ العُقُوبَةُ كَأنَّها كانَتْ تَنْمُو وتَرْبُو. القِصَّةُ الثّالِثَةُ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَدْرُوا كَمْ خَرَجَ، ولَيْسَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةٌ قَبْلَ تِلْكَ الواقِعَةِ ولا بَعْدَها إلّا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ، وسائِرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: ﴿طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ حَتّى عَلا كُلَّ شَيْءٍ وارْتَفَعَ فَوْقَهُ، و﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ حَمَلْنا آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذا هم أوْلادُ الَّذِينَ كانُوا في السَّفِينَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الجارِيَةِ﴾ يَعْنِي في السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ، وهي سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجارِيَةُ مِن أسْماءِ السَّفِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الجَوارِي﴾ (الرَّحْمَنِ: ٢٤) . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِنَجْعَلَها﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى الواقِعَةِ الَّتِي هي مَعْلُومَةٌ، وإنْ كانَتْ هَهُنا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ، والتَّقْدِيرُ لِنَجْعَلَ نَجاةَ المُؤْمِنِينَ وإغْراقَ الكَفَرَةِ عِظَةً وعِبْرَةً. الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لِنَجْعَلَ السَّفِينَةَ، وهَذا ضَعِيفٌ والأوَّلُ هو الصَّوابُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها﴾ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الأوَّلُ، لَكِنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها﴾ لا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلى السَّفِينَةِ فَكَذا الضَّمِيرُ الأوَّلُ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ: وعَيْتُهُ، ووَعَيْتُ العِلْمَ، ووَعَيْتُ ما قُلْتَ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما حَفِظْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ: أوْعَيْتُهُ يُقالُ: أوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ واعْلَمْ أنَّ وجْهَ التَّذْكِيرِ في هَذا أنَّ نَجاةَ قَوْمٍ مِنَ الغَرَقِ بِالسَّفِينَةِ وتَغْرِيقَ مَن سِواهم يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ مُدَبِّرِ العالَمِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ، ونِهايَةِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وشِدَّةِ قَهْرِهِ وسَطْوَتِهِ، «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ”سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، قالَ عَلِيٌّ: فَما نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ، وما كانَ لِي أنْ أنْسى“» فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْكِيرِ ؟ قُلْنا: لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُعاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، ولِتَوْبِيخِ النّاسِ بِقِلَّةِ مَن يَعِي مِنهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وعَتْ وعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ ما سِواها لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، وإنِ امْتَلَأ العالَمُ مِنهم. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ: ﴿وتَعِيَها﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (وتَعْيَها) ساكِنَةَ العَيْنِ كَأنَّهُ جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ فَخْذٍ، فَأُسْكِنَ كَما أُسْكِنَ الحَرْفُ المُتَوَسِّطُ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ المُضارَعَةِ لا يَنْفَصِلُ مِنَ الفِعْلِ، فَأشْبَهَ ما هو مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، وصارَ كَقَوْلِ مَن قالَ: وهْوَ وهْيَ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ القافَ. صفحة ٩٥ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ القِصَصَ الثَّلاثَ ونَبَّهَ بِها عَنْ ثُبُوتِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِلصّانِعِ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ بِثُبُوتِ القُدْرَةِ إمْكانُ القِيامَةِ، وثَبَتَ بِثُبُوتِ الحِكْمَةِ إمْكانُ وُقُوعِ القِيامَةِ. ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفاصِيلِ أحْوالِ القِيامَةِ فَذَكَرَ أوَّلًا مُقَدِّماتِها.

الحاقة 69:13

فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”﴿نَفْخَةٌ﴾“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، وجْهُ الرَّفْعِ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلَيْها، وإنَّما حَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ نُصِبَ نَفْخَةٌ عَلى المَصْدَرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذِهِ النَّفْخَةِ الواحِدَةِ، هي النَّفْخَةُ الأُولى؛ لِأنَّ عِنْدَها يَحْصُلُ خَرابُ العالَمِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ، والعَرْضُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ؟ قُلْنا: جَعَلَ اليَوْمَ اسْمًا لِلْحِينِ الواسِعِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، والصَّعْقَةُ والنُّشُورُ، والوُقُوفُ والحِسابُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ كَما تَقُولُ: جِئْتُهُ عامَ كَذا، وإنَّما كانَ مَجِيئُكَ في وقْتٍ واحِدٍ مِن أوْقاتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: رُفِعَتِ الأرْضُ والجِبالُ، إمّا بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي تَكُونُ في القِيامَةِ، وإمّا بِرِيحٍ بَلَغَتْ مِن قُوَّةِ عَصْفِها أنَّها تَحْمِلُ الأرْضَ والجِبالَ، أوْ بِمَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ فَدُكَّتا، أيْ: فَدُكَّتِ الجُمْلَتانِ -جُمْلَةُ الأرْضِ وجُمْلَةُ الجِبالِ-، فَضُرِبَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، حَتّى تَنْدَقَّ وتَصِيرَ ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] والدَّكُّ أبْلَغُ مِنَ الدَّقِّ، وقِيلَ: فَبُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً فَصارَتا أرْضًا ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [ طه: ١٠٧] مِن قَوْلِكَ: انْدَكَّ السَّنامُ إذا انْفَرَشَ، وبَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ ومِنهُ الدُّكّانُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ في ”دَكَّةً“ هَهُنا إلّا النَّصْبُ؛ لِارْتِفاعِ الضَّمِيرِ في ”دُكَّتا“، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالواحِدَةِ والأرْضَ كالواحِدَةِ، كَما قالَ: ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٠] ولَمْ يَقُلْ: كُنَّ.

الحاقة 69:14

فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”﴿نَفْخَةٌ﴾“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، وجْهُ الرَّفْعِ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلَيْها، وإنَّما حَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ نُصِبَ نَفْخَةٌ عَلى المَصْدَرِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذِهِ النَّفْخَةِ الواحِدَةِ، هي النَّفْخَةُ الأُولى؛ لِأنَّ عِنْدَها يَحْصُلُ خَرابُ العالَمِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ، والعَرْضُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ؟ قُلْنا: جَعَلَ اليَوْمَ اسْمًا لِلْحِينِ الواسِعِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، والصَّعْقَةُ والنُّشُورُ، والوُقُوفُ والحِسابُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ كَما تَقُولُ: جِئْتُهُ عامَ كَذا، وإنَّما كانَ مَجِيئُكَ في وقْتٍ واحِدٍ مِن أوْقاتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: رُفِعَتِ الأرْضُ والجِبالُ، إمّا بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي تَكُونُ في القِيامَةِ، وإمّا بِرِيحٍ بَلَغَتْ مِن قُوَّةِ عَصْفِها أنَّها تَحْمِلُ الأرْضَ والجِبالَ، أوْ بِمَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ فَدُكَّتا، أيْ: فَدُكَّتِ الجُمْلَتانِ -جُمْلَةُ الأرْضِ وجُمْلَةُ الجِبالِ-، فَضُرِبَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، حَتّى تَنْدَقَّ وتَصِيرَ ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] والدَّكُّ أبْلَغُ مِنَ الدَّقِّ، وقِيلَ: فَبُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً فَصارَتا أرْضًا ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [ طه: ١٠٧] مِن قَوْلِكَ: انْدَكَّ السَّنامُ إذا انْفَرَشَ، وبَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ ومِنهُ الدُّكّانُ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ في ”دَكَّةً“ هَهُنا إلّا النَّصْبُ؛ لِارْتِفاعِ الضَّمِيرِ في ”دُكَّتا“، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالواحِدَةِ والأرْضَ كالواحِدَةِ، كَما قالَ: ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٠] ولَمْ يَقُلْ: كُنَّ.

الحاقة 69:15

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ . أيْ: فَيَوْمَئِذٍ قامَتِ القِيامَةُ الكُبْرى، وانْشَقَّتِ السَّماءُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيْ: مُسْتَرْخِيَةٌ ساقِطَةُ القُوَّةِ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٥] بَعْدَما كانَتْ مُحْكَمَةً شَدِيدَةً. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٦ المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَلَكًا واحِدًا، بَلْ أرادَ الجِنْسَ والجَمْعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْجاءُ في اللُّغَةِ النَّواحِي، يُقالُ: رَجًا ورَجَوانِ والجَمْعُ الأرْجاءُ، ويُقالُ ذَلِكَ لِحَرْفِ البِئْرِ وحَرْفِ القَبْرِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، والمَعْنى أنَّ السَّماءَ إذا انْشَقَّتْ عَدَلَتِ المَلائِكَةُ عَنْ مَواضِعِ الشَّقِّ إلى جَوانِبِ السَّماءِ، فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ في الصَّعْقَةِ الأُولى، لِقَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهم يَقِفُونَ عَلى أرْجاءِ السَّماءِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَقِفُونَ لَحْظَةً عَلى أرْجاءِ السَّماءِ ثُمَّ يَمُوتُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا العَرْشُ هو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى الأرْجاءِ، والمَقْصُودُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهم وبَيْنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم حَمَلَةُ العَرْشِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّ الحَمَلَةَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ. و[مَجِيءُ] الضَّمِيرِ قَبْلَ الذِّكْرِ جائِزٌ كَقَوْلِهِ: في بَيْتِهِ يُؤْتى الحَكَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي ثَمانِيَةَ أشْخاصٍ أوْ ثَمانِيَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةَ صُفُوفٍ أوْ ثَمانِيَةَ آلافِ صَفٍّ. واعْلَمْ أنَّ حَمْلَهُ عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فَيَكُونُونَ ثَمانِيَةً» “ ويُرْوى: ”«ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ أرْجُلُهم في تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ، والعَرْشُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ وهم مُطْرِقُونَ مُسَبِّحُونَ» “ وقِيلَ: بَعْضُهم عَلى صُورَةِ الأسَدِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ النَّسْرِ، ورُوِيَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ في صُورَةِ الأوْعالِ، ما بَيْنَ أظْلافِها إلى رُكَبِها مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عامًا، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: أرْبَعَةٌ مِنهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، وأرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ الحَمْلَ عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى ثَمانِيَةِ آلافٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الثَّمانِيَةَ أشْخاصٍ لا بُدَّ مِنهم في صِدْقِ اللَّفْظِ، ولا حاجَةَ في صِدْقِ اللَّفْظِ إلى ثَمانِيَةِ آلافٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّفْظُ دالًّا عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ، ولا دَلالَةَ عَلى ثَمانِيَةِ آلافٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الأوَّلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، أوْ ثَمانِيَةَ صُفُوفٍ لَوَجَبَ ذِكْرُهُ لِيَزْدادَ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ، فَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إلّا ثَمانِيَةَ أشْخاصٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ في العَرْشِ لَكانَ حَمْلُ العَرْشِ عَبَثًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، ولا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ والعَرْضُ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَ الإلَهُ حاصِلًا في العَرْشِ، أجابَ أهْلُ التَّوْحِيدِ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ جالِسٌ في العَرْشِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ حامِلًا لِلْعَرْشِ كانَ حامِلًا لِكُلِّ ما كانَ في العَرْشِ، فَلَوْ كانَ الإلَهُ في العَرْشِ لَلَزِمَ المَلائِكَةُ أنْ يَكُونُوا حامِلِينَ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي احْتِياجَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، وأنْ يَكُونُوا أعْظَمَ قُدْرَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ذَلِكَ كُفْرٌ صفحة ٩٧ صَرِيحٌ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَنَقُولُ: السَّبَبُ في هَذا الكَلامِ هو أنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِما يَتَعارَفُونَهُ، فَخَلَقَ لِنَفْسِهِ بَيْتًا يَزُورُونَهُ، ولَيْسَ أنَّهُ يَسْكُنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، وجَعَلَ في رُكْنِ البَيْتِ حَجَرًا هو يَمِينُهُ في الأرْضِ؛ إذْ كانَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُعَظِّمُوا رُؤَساءَهم بِتَقْبِيلِ أيْمانِهِمْ، وجَعَلَ عَلى العِبادِ حَفَظَةً لَيْسَ لِأنَّ النِّسْيانَ يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، لَكِنْ هَذا هو المُتَعارَفُ فَكَذَلِكَ لَمّا كانَ مِن شَأْنِ المَلِكِ إذا أرادَ مُحاسَبَةَ عُمّالِهِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عَلى سَرِيرٍ، ووَقَفَ الأعْوانُ حَوْلَهُ أحْضَرَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَرْشًا وحَضَرَتِ المَلائِكَةُ وحَفَّتْ بِهِ، لا لِأنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهِ أوْ يَحْتاجُ إلَيْهِ بَلْ لِمِثْلِ ما قُلْناهُ في البَيْتِ والطَّوافِ.

الحاقة 69:16

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ . أيْ: فَيَوْمَئِذٍ قامَتِ القِيامَةُ الكُبْرى، وانْشَقَّتِ السَّماءُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيْ: مُسْتَرْخِيَةٌ ساقِطَةُ القُوَّةِ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٥] بَعْدَما كانَتْ مُحْكَمَةً شَدِيدَةً. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٦ المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَلَكًا واحِدًا، بَلْ أرادَ الجِنْسَ والجَمْعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْجاءُ في اللُّغَةِ النَّواحِي، يُقالُ: رَجًا ورَجَوانِ والجَمْعُ الأرْجاءُ، ويُقالُ ذَلِكَ لِحَرْفِ البِئْرِ وحَرْفِ القَبْرِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، والمَعْنى أنَّ السَّماءَ إذا انْشَقَّتْ عَدَلَتِ المَلائِكَةُ عَنْ مَواضِعِ الشَّقِّ إلى جَوانِبِ السَّماءِ، فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ في الصَّعْقَةِ الأُولى، لِقَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهم يَقِفُونَ عَلى أرْجاءِ السَّماءِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَقِفُونَ لَحْظَةً عَلى أرْجاءِ السَّماءِ ثُمَّ يَمُوتُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا العَرْشُ هو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى الأرْجاءِ، والمَقْصُودُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهم وبَيْنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم حَمَلَةُ العَرْشِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّ الحَمَلَةَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ. و[مَجِيءُ] الضَّمِيرِ قَبْلَ الذِّكْرِ جائِزٌ كَقَوْلِهِ: في بَيْتِهِ يُؤْتى الحَكَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي ثَمانِيَةَ أشْخاصٍ أوْ ثَمانِيَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةَ صُفُوفٍ أوْ ثَمانِيَةَ آلافِ صَفٍّ. واعْلَمْ أنَّ حَمْلَهُ عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فَيَكُونُونَ ثَمانِيَةً» “ ويُرْوى: ”«ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ أرْجُلُهم في تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ، والعَرْشُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ وهم مُطْرِقُونَ مُسَبِّحُونَ» “ وقِيلَ: بَعْضُهم عَلى صُورَةِ الأسَدِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ النَّسْرِ، ورُوِيَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ في صُورَةِ الأوْعالِ، ما بَيْنَ أظْلافِها إلى رُكَبِها مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عامًا، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: أرْبَعَةٌ مِنهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، وأرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ الحَمْلَ عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى ثَمانِيَةِ آلافٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الثَّمانِيَةَ أشْخاصٍ لا بُدَّ مِنهم في صِدْقِ اللَّفْظِ، ولا حاجَةَ في صِدْقِ اللَّفْظِ إلى ثَمانِيَةِ آلافٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّفْظُ دالًّا عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ، ولا دَلالَةَ عَلى ثَمانِيَةِ آلافٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الأوَّلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، أوْ ثَمانِيَةَ صُفُوفٍ لَوَجَبَ ذِكْرُهُ لِيَزْدادَ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ، فَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إلّا ثَمانِيَةَ أشْخاصٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ في العَرْشِ لَكانَ حَمْلُ العَرْشِ عَبَثًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، ولا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ والعَرْضُ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَ الإلَهُ حاصِلًا في العَرْشِ، أجابَ أهْلُ التَّوْحِيدِ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ جالِسٌ في العَرْشِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ حامِلًا لِلْعَرْشِ كانَ حامِلًا لِكُلِّ ما كانَ في العَرْشِ، فَلَوْ كانَ الإلَهُ في العَرْشِ لَلَزِمَ المَلائِكَةُ أنْ يَكُونُوا حامِلِينَ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي احْتِياجَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، وأنْ يَكُونُوا أعْظَمَ قُدْرَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ذَلِكَ كُفْرٌ صفحة ٩٧ صَرِيحٌ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَنَقُولُ: السَّبَبُ في هَذا الكَلامِ هو أنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِما يَتَعارَفُونَهُ، فَخَلَقَ لِنَفْسِهِ بَيْتًا يَزُورُونَهُ، ولَيْسَ أنَّهُ يَسْكُنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، وجَعَلَ في رُكْنِ البَيْتِ حَجَرًا هو يَمِينُهُ في الأرْضِ؛ إذْ كانَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُعَظِّمُوا رُؤَساءَهم بِتَقْبِيلِ أيْمانِهِمْ، وجَعَلَ عَلى العِبادِ حَفَظَةً لَيْسَ لِأنَّ النِّسْيانَ يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، لَكِنْ هَذا هو المُتَعارَفُ فَكَذَلِكَ لَمّا كانَ مِن شَأْنِ المَلِكِ إذا أرادَ مُحاسَبَةَ عُمّالِهِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عَلى سَرِيرٍ، ووَقَفَ الأعْوانُ حَوْلَهُ أحْضَرَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَرْشًا وحَضَرَتِ المَلائِكَةُ وحَفَّتْ بِهِ، لا لِأنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهِ أوْ يَحْتاجُ إلَيْهِ بَلْ لِمِثْلِ ما قُلْناهُ في البَيْتِ والطَّوافِ.

الحاقة 69:17

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ . أيْ: فَيَوْمَئِذٍ قامَتِ القِيامَةُ الكُبْرى، وانْشَقَّتِ السَّماءُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيْ: مُسْتَرْخِيَةٌ ساقِطَةُ القُوَّةِ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٥] بَعْدَما كانَتْ مُحْكَمَةً شَدِيدَةً. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ: صفحة ٩٦ المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَلَكًا واحِدًا، بَلْ أرادَ الجِنْسَ والجَمْعَ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْجاءُ في اللُّغَةِ النَّواحِي، يُقالُ: رَجًا ورَجَوانِ والجَمْعُ الأرْجاءُ، ويُقالُ ذَلِكَ لِحَرْفِ البِئْرِ وحَرْفِ القَبْرِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، والمَعْنى أنَّ السَّماءَ إذا انْشَقَّتْ عَدَلَتِ المَلائِكَةُ عَنْ مَواضِعِ الشَّقِّ إلى جَوانِبِ السَّماءِ، فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ في الصَّعْقَةِ الأُولى، لِقَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهم يَقِفُونَ عَلى أرْجاءِ السَّماءِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم يَقِفُونَ لَحْظَةً عَلى أرْجاءِ السَّماءِ ثُمَّ يَمُوتُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: هَذا العَرْشُ هو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى الأرْجاءِ، والمَقْصُودُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهم وبَيْنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم حَمَلَةُ العَرْشِ. الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّ الحَمَلَةَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ. و[مَجِيءُ] الضَّمِيرِ قَبْلَ الذِّكْرِ جائِزٌ كَقَوْلِهِ: في بَيْتِهِ يُؤْتى الحَكَمُ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي ثَمانِيَةَ أشْخاصٍ أوْ ثَمانِيَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةَ صُفُوفٍ أوْ ثَمانِيَةَ آلافِ صَفٍّ. واعْلَمْ أنَّ حَمْلَهُ عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ أوْلى لِوُجُوهٍ: أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فَيَكُونُونَ ثَمانِيَةً» “ ويُرْوى: ”«ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ أرْجُلُهم في تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ، والعَرْشُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ وهم مُطْرِقُونَ مُسَبِّحُونَ» “ وقِيلَ: بَعْضُهم عَلى صُورَةِ الأسَدِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ النَّسْرِ، ورُوِيَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ في صُورَةِ الأوْعالِ، ما بَيْنَ أظْلافِها إلى رُكَبِها مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عامًا، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: أرْبَعَةٌ مِنهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، وأرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ الحَمْلَ عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى ثَمانِيَةِ آلافٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الثَّمانِيَةَ أشْخاصٍ لا بُدَّ مِنهم في صِدْقِ اللَّفْظِ، ولا حاجَةَ في صِدْقِ اللَّفْظِ إلى ثَمانِيَةِ آلافٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّفْظُ دالًّا عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ، ولا دَلالَةَ عَلى ثَمانِيَةِ آلافٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الأوَّلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، أوْ ثَمانِيَةَ صُفُوفٍ لَوَجَبَ ذِكْرُهُ لِيَزْدادَ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ، فَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إلّا ثَمانِيَةَ أشْخاصٍ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ في العَرْشِ لَكانَ حَمْلُ العَرْشِ عَبَثًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، ولا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ والعَرْضُ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَ الإلَهُ حاصِلًا في العَرْشِ، أجابَ أهْلُ التَّوْحِيدِ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ جالِسٌ في العَرْشِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ حامِلًا لِلْعَرْشِ كانَ حامِلًا لِكُلِّ ما كانَ في العَرْشِ، فَلَوْ كانَ الإلَهُ في العَرْشِ لَلَزِمَ المَلائِكَةُ أنْ يَكُونُوا حامِلِينَ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي احْتِياجَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، وأنْ يَكُونُوا أعْظَمَ قُدْرَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ذَلِكَ كُفْرٌ صفحة ٩٧ صَرِيحٌ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَنَقُولُ: السَّبَبُ في هَذا الكَلامِ هو أنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِما يَتَعارَفُونَهُ، فَخَلَقَ لِنَفْسِهِ بَيْتًا يَزُورُونَهُ، ولَيْسَ أنَّهُ يَسْكُنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، وجَعَلَ في رُكْنِ البَيْتِ حَجَرًا هو يَمِينُهُ في الأرْضِ؛ إذْ كانَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُعَظِّمُوا رُؤَساءَهم بِتَقْبِيلِ أيْمانِهِمْ، وجَعَلَ عَلى العِبادِ حَفَظَةً لَيْسَ لِأنَّ النِّسْيانَ يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، لَكِنْ هَذا هو المُتَعارَفُ فَكَذَلِكَ لَمّا كانَ مِن شَأْنِ المَلِكِ إذا أرادَ مُحاسَبَةَ عُمّالِهِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عَلى سَرِيرٍ، ووَقَفَ الأعْوانُ حَوْلَهُ أحْضَرَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَرْشًا وحَضَرَتِ المَلائِكَةُ وحَفَّتْ بِهِ، لا لِأنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهِ أوْ يَحْتاجُ إلَيْهِ بَلْ لِمِثْلِ ما قُلْناهُ في البَيْتِ والطَّوافِ.

الحاقة 69:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ العَرْضُ عِبارَةٌ عَنِ المُحاسَبَةِ والمُساءَلَةِ، شَبَّهَ ذَلِكَ بِعَرْضِ السُّلْطانِ العَسْكَرَ لِتَعَرُّفِ أحْوالِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] ورُوِيَ «”أنَّ في القِيامَةِ ثَلاثَ عَرْضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فاعْتِذارٌ واحْتِجاجٌ وتَوْبِيخٌ، وأمّا الثّالِثَةُ فَفِيها تُنْثَرُ الكُتُبُ فَيَأْخُذُ السَّعِيدُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والهالِكُ كِتابَهُ بِشَمالِهِ“» . ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ الآيَةِ: تُعْرَضُونَ لا يَخْفى أمْرُكم فَإنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ مِنكم خافِيَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ: ١٦] فَيَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةَ في التَّهْدِيدِ، يَعْنِي تُعْرَضُونَ عَلى مَن لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ أصْلًا. الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ لا يَخْفى يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ مَخْفِيًّا مِنكم في الدُّنْيا، فَإنَّهُ تَظْهَرُ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ فَيَتَكامَلُ بِذَلِكَ سُرُورُهم، وتَظْهَرُ أحْوالُ أهْلِ العَذابِ؛ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ حُزْنُهم وفَضِيحَتُهم، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطّارِقِ: ٩] وفي هَذا أعْظَمُ الزَّجْرِ والوَعِيدِ وهو خَوْفُ الفَضِيحَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ ”لا تَخْفى“ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقِها، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ الياءَ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ قالَ: لِأنَّ الياءَ تَجُوزُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، والتّاءَ لا تَجُوزُ إلّا لِلْأُنْثى، وهَهُنا يَجُوزُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى المُذَكَّرِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخافِيَةِ شَيْءٌ ذُو خَفاءٍ. وأيْضًا فَقَدْ وقَعَ الفَصْلُ هَهُنا بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ بِقَوْلِهِ: مِنكم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَنْتَهِي هَذا العَرْضُ إلَيْهِ قالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هاءَ صَوْتٌ يُصَوَّتُ بِهِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ مَعْنى خُذْ كَأُفٍّ وحَسِّ، وقالَ أبُو القاسِمِ الزَّجّاجِيُّ: وفِيهِ لُغاتٌ وأجْوَدُها ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ فَقالَ: ومِمّا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ المَبْيِّناتِ قَوْلُهم: هاءَ يا فَتى، ومَعْناهُ تَناوَلْ، ويَفْتَحُونَ الهَمْزَةَ ويَجْعَلُونَ فَتْحَها عَلَمَ المُذَكَّرِ، كَما قالُوا: هاكَ يا فَتى، فَتُجْعَلُ فَتْحَةُ الكافِ عَلامَةَ المُذَكَّرِ صفحة ٩٨ ويُقالُ لِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما، ولِلْجَمْعِ هاؤُما، وهاؤُمُ، والمِيمُ في هَذا المَوْضِعِ كالمِيمِ في أنْتُما وأنْتُمْ وهَذِهِ الضَّمَّةُ الَّتِي تَوَلَّدَتْ في هَمْزَةِ هاؤُمُ إنَّما هي ضَمَّةُ مِيمِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الأصْلَ فِيهِ هاؤُمُوا وأنْتُمُوا، فَأشْبَعُوا الضَّمَّةَ وحَكَمُوا لِلِاثْنَيْنِ بِحُكْمِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ عِنْدَهم في حُكْمِ الجَمْعِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا اجْتَمَعَ عامِلانِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ، فَإعْمالُ الأقْرَبِ جائِزٌ بِالِاتِّفاقِ، وإعْمالُ الأبْعَدِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى جَوازِهِ والبَصْرِيُّونَ مَنَعُوهُ، واحْتَجَّ البَصْرِيُّونَ عَلى قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هاؤُمُ﴾ ناصِبٌ، وقَوْلُهُ: ﴿اقْرَءُوا﴾ ناصِبٌ أيْضًا، فَلَوْ كانَ النّاصِبُ هو الأبْعَدُ، لَكانَ التَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: اقْرَءُوهُ، ونَظِيرُهُ: (﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكَهْفِ: ٩٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الواقِعَ هَهُنا إعْمالُ الأقْرَبِ، وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ إنَّما النِّزاعُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ إعْمالُ الأبْعَدِ أمْ لا، ولَيْسَ في الآيَةِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ، وأيْضًا قَدْ يُحْذَفُ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ ظُهُورَهُ يُغْنِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥] فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَهُنا كَذَلِكَ ؟ ثُمَّ احْتَجَّ الكُوفِيُّونَ بِأنَّ العامِلَ الأوَّلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى العامِلِ الثّانِي، والعامِلُ الأوَّلُ حِينَ وُجِدَ اقْتَضى مَعْمُولًا؛ لِامْتِناعِ حُصُولِ العِلَّةِ دُونَ المَعْمُولِ، فَصَيْرُورَةُ المَعْمُولِ مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الأوَّلِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِ العامِلِ الثّانِي، والعامِلُ الثّانِي إنَّما وُجِدَ بَعْدَ أنْ صارَ مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الأوَّلِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَصِيرَ أيْضًا مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الثّانِي؛ لِامْتِناعِ تَعْلِيلِ الحُكْمِ الواحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، ولِامْتِناعِ تَعْلِيلِ ما وُجِدَ قَبْلُ بِما يُوجَدُ بَعْدُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن لَطائِفِ النَّحْوِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الهاءُ لِلسَّكْتِ في ”كِتابِيَهْ“ وكَذا في ”حِسابِيَهْ، ومالِيَهْ، وسُلْطانِيَهْ“ وحَقُّ هَذِهِ الهاءاتِ أنْ تَثْبُتَ في الوَقْفِ وتَسْقُطَ في الوَصْلِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الهاءاتُ مُثْبَتَةً في المُصْحَفِ والمُثْبَتَةُ في المُصْحَفِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُثْبَتَةً في اللَّفْظِ، ولَمْ يَحْسُنْ إثْباتُها في اللَّفْظِ إلّا عِنْدَ الوَقْفِ، لا جَرَمَ اسْتَحَبُّوا الوَقْفَ لِهَذا السَّبَبِ. وتَجاسَرَ بَعْضُهم فَأسْقَطَ هَذِهِ الهاءاتِ عِنْدَ الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإسْكانِ الياءِ بِغَيْرِها. وقَرَأ جَماعَةٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ جَمِيعًا لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في السُّرُورِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ عَلِمَ أنَّهُ مِنَ النّاجِينَ ومِنَ الفائِزِينَ بِالنَّعِيمِ، فَأحَبَّ أنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ حَتّى يَفْرَحُوا بِما نالَهُ. وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ لِأهْلِ بَيْتِهِ وقَرابَتِهِ.

الحاقة 69:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ العَرْضُ عِبارَةٌ عَنِ المُحاسَبَةِ والمُساءَلَةِ، شَبَّهَ ذَلِكَ بِعَرْضِ السُّلْطانِ العَسْكَرَ لِتَعَرُّفِ أحْوالِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] ورُوِيَ «”أنَّ في القِيامَةِ ثَلاثَ عَرْضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فاعْتِذارٌ واحْتِجاجٌ وتَوْبِيخٌ، وأمّا الثّالِثَةُ فَفِيها تُنْثَرُ الكُتُبُ فَيَأْخُذُ السَّعِيدُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والهالِكُ كِتابَهُ بِشَمالِهِ“» . ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ: الأوَّلُ: تَقْرِيرُ الآيَةِ: تُعْرَضُونَ لا يَخْفى أمْرُكم فَإنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ مِنكم خافِيَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ: ١٦] فَيَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةَ في التَّهْدِيدِ، يَعْنِي تُعْرَضُونَ عَلى مَن لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ أصْلًا. الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ لا يَخْفى يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ مَخْفِيًّا مِنكم في الدُّنْيا، فَإنَّهُ تَظْهَرُ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ فَيَتَكامَلُ بِذَلِكَ سُرُورُهم، وتَظْهَرُ أحْوالُ أهْلِ العَذابِ؛ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ حُزْنُهم وفَضِيحَتُهم، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطّارِقِ: ٩] وفي هَذا أعْظَمُ الزَّجْرِ والوَعِيدِ وهو خَوْفُ الفَضِيحَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ ”لا تَخْفى“ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقِها، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ الياءَ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ قالَ: لِأنَّ الياءَ تَجُوزُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، والتّاءَ لا تَجُوزُ إلّا لِلْأُنْثى، وهَهُنا يَجُوزُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى المُذَكَّرِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخافِيَةِ شَيْءٌ ذُو خَفاءٍ. وأيْضًا فَقَدْ وقَعَ الفَصْلُ هَهُنا بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ بِقَوْلِهِ: مِنكم. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَنْتَهِي هَذا العَرْضُ إلَيْهِ قالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: هاءَ صَوْتٌ يُصَوَّتُ بِهِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ مَعْنى خُذْ كَأُفٍّ وحَسِّ، وقالَ أبُو القاسِمِ الزَّجّاجِيُّ: وفِيهِ لُغاتٌ وأجْوَدُها ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ فَقالَ: ومِمّا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ المَبْيِّناتِ قَوْلُهم: هاءَ يا فَتى، ومَعْناهُ تَناوَلْ، ويَفْتَحُونَ الهَمْزَةَ ويَجْعَلُونَ فَتْحَها عَلَمَ المُذَكَّرِ، كَما قالُوا: هاكَ يا فَتى، فَتُجْعَلُ فَتْحَةُ الكافِ عَلامَةَ المُذَكَّرِ صفحة ٩٨ ويُقالُ لِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما، ولِلْجَمْعِ هاؤُما، وهاؤُمُ، والمِيمُ في هَذا المَوْضِعِ كالمِيمِ في أنْتُما وأنْتُمْ وهَذِهِ الضَّمَّةُ الَّتِي تَوَلَّدَتْ في هَمْزَةِ هاؤُمُ إنَّما هي ضَمَّةُ مِيمِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الأصْلَ فِيهِ هاؤُمُوا وأنْتُمُوا، فَأشْبَعُوا الضَّمَّةَ وحَكَمُوا لِلِاثْنَيْنِ بِحُكْمِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ عِنْدَهم في حُكْمِ الجَمْعِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا اجْتَمَعَ عامِلانِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ، فَإعْمالُ الأقْرَبِ جائِزٌ بِالِاتِّفاقِ، وإعْمالُ الأبْعَدِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى جَوازِهِ والبَصْرِيُّونَ مَنَعُوهُ، واحْتَجَّ البَصْرِيُّونَ عَلى قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هاؤُمُ﴾ ناصِبٌ، وقَوْلُهُ: ﴿اقْرَءُوا﴾ ناصِبٌ أيْضًا، فَلَوْ كانَ النّاصِبُ هو الأبْعَدُ، لَكانَ التَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: اقْرَءُوهُ، ونَظِيرُهُ: (﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكَهْفِ: ٩٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الواقِعَ هَهُنا إعْمالُ الأقْرَبِ، وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ إنَّما النِّزاعُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ إعْمالُ الأبْعَدِ أمْ لا، ولَيْسَ في الآيَةِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ، وأيْضًا قَدْ يُحْذَفُ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ ظُهُورَهُ يُغْنِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥] فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَهُنا كَذَلِكَ ؟ ثُمَّ احْتَجَّ الكُوفِيُّونَ بِأنَّ العامِلَ الأوَّلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى العامِلِ الثّانِي، والعامِلُ الأوَّلُ حِينَ وُجِدَ اقْتَضى مَعْمُولًا؛ لِامْتِناعِ حُصُولِ العِلَّةِ دُونَ المَعْمُولِ، فَصَيْرُورَةُ المَعْمُولِ مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الأوَّلِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِ العامِلِ الثّانِي، والعامِلُ الثّانِي إنَّما وُجِدَ بَعْدَ أنْ صارَ مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الأوَّلِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَصِيرَ أيْضًا مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الثّانِي؛ لِامْتِناعِ تَعْلِيلِ الحُكْمِ الواحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، ولِامْتِناعِ تَعْلِيلِ ما وُجِدَ قَبْلُ بِما يُوجَدُ بَعْدُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن لَطائِفِ النَّحْوِ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الهاءُ لِلسَّكْتِ في ”كِتابِيَهْ“ وكَذا في ”حِسابِيَهْ، ومالِيَهْ، وسُلْطانِيَهْ“ وحَقُّ هَذِهِ الهاءاتِ أنْ تَثْبُتَ في الوَقْفِ وتَسْقُطَ في الوَصْلِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الهاءاتُ مُثْبَتَةً في المُصْحَفِ والمُثْبَتَةُ في المُصْحَفِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُثْبَتَةً في اللَّفْظِ، ولَمْ يَحْسُنْ إثْباتُها في اللَّفْظِ إلّا عِنْدَ الوَقْفِ، لا جَرَمَ اسْتَحَبُّوا الوَقْفَ لِهَذا السَّبَبِ. وتَجاسَرَ بَعْضُهم فَأسْقَطَ هَذِهِ الهاءاتِ عِنْدَ الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإسْكانِ الياءِ بِغَيْرِها. وقَرَأ جَماعَةٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ جَمِيعًا لِاتِّباعِ المُصْحَفِ. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في السُّرُورِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ عَلِمَ أنَّهُ مِنَ النّاجِينَ ومِنَ الفائِزِينَ بِالنَّعِيمِ، فَأحَبَّ أنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ حَتّى يَفْرَحُوا بِما نالَهُ. وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ لِأهْلِ بَيْتِهِ وقَرابَتِهِ.

الحاقة 69:20

ثُمَّ إنَّهُ حَكى عَنْهُ أنَّهُ يَقُولُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ . وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ اليَقِينُ الِاسْتِدْلالِيُّ، وكُلُّ ما ثَبَتَ بِالِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ مِنَ الخَواطِرِ المُخْتَلِفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالظَّنِّ. الثّانِي: التَّقْدِيرُ: إنِّي كُنْتُ أظُنُّ أنِّي أُلاقِي حِسابِي فَيُؤاخِذُنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي، فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِالعَفْوِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي بِها فَهاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ. وثالِثُها: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «"إنَّ الرَّجُلَ يُؤْتى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويُؤْتى كِتابَهُ فَتَظْهَرُ حَسَناتُهُ في ظَهْرِ كَفِّهِ، وتُكْتَبُ سَيِّئاتُهُ في بَطْنِ كَفِّهِ فَيَنْظُرُ إلى سَيِّئاتِهِ فَيَحْزَنُ، فَيُقالُ لَهُ: اقْلِبْ كَفَّكَ فَيَنْظُرُ فِيهِ فَيَرى حَسَناتِهِ فَيَفْرَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ عِنْدَ النَّظْرَةِ الأُولى ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ صفحة ٩٩ عَلى سَبِيلِ الشِّدَّةِ، وأمّا الآنَ فَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي ذَلِكَ الغَمَّ»، وأمّا في حَقِّ الأشْقِياءِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى الضِّدِّ مِمّا ذَكَرْنا. ورابِعُها: ظَنَنْتُ أيْ: عَلِمْتُ، وإنَّما أُجْرِيَ مَجْرى العِلْمِ؛ لِأنَّ الظَّنَّ الغالِبَ يُقامُ مَقامَ العِلْمِ في العاداتِ والأحْكامِ، يُقالُ: أظُنُّ ظَنًّا كاليَقِينِ أنَّ الأمْرَ كَيْتَ وكَيْتَ. وخامِسُها: المُرادُ إنِّي ظَنَنْتُ في الدُّنْيا أنَّ بِسَبَبِ الأعْمالِ الَّتِي كُنْتُ أعْمَلُها في الدُّنْيا سَأصِلُ في القِيامَةِ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، وقَدْ حَصَلَتِ الآنَ عَلى اليَقِينِ فَيَكُونُ الظَّنُّ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا لا يَقْطَعُونَ بِذَلِكَ.

الحاقة 69:21

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عاقِبَةَ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: وصْفُ العِيشَةِ بِأنَّها راضِيَةٌ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنَّها مَنسُوبَةٌ إلى الرِّضا كالدّارِعِ والنّابِلِ، والنِّسْبَةُ نِسْبَتانِ؛ نِسْبَةٌ بِالحُرُوفِ ونِسْبَةٌ بِالصِّيغَةِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الرِّضا لِلْعِيشَةِ مَجازًا مَعَ أنَّهُ صاحِبُ العِيشَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في حَدِّ الثَّوابِ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَنفَعَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ دائِمَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَعْنى إنَّما يَكُونُ مَرْضِيًّا بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لَوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ كَلِمَةٌ حاوِيَةٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ الَّتِي ذَكَرْناها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ وهو أنَّ مَن صارَ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: يَعِيشُ عَيْشًا مَرْضِيًّا في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، والعُلُوُّ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُلُوُّ في المَكانِ فَهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مَنازِلَ البَعْضِ فَوْقَ مَنازِلِ الآخَرِينَ، فَهَؤُلاءِ السّافِلُونَ لا يَكُونُونَ في الجَنَّةِ العالِيَةِ، قُلْنا: إنَّ كَوْنَ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عالِيَةً وفَوْقَ السَّماواتِ، وإنْ أُرِيدَ العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُ تِلْكَ الأبْنِيَةِ عالِيَةً مُشْرِفَةً فالأمْرُ أيْضًا كَذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ أيْ: ثِمارُها قَرِيبَةُ التَّناوُلِ، يَأْخُذُها الرَّجُلُ كَما يُرِيدُ إنْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَها بِيَدِهِ انْقادَتْ لَهُ، قائِمًا كانَ أوْ جالِسًا أوْ مُضْطَجِعًا. وإنْ أحَبَّ أنْ تَدْنُوَ إلى فِيهِ دَنَتْ، والقُطُوفُ جَمْعُ قِطْفٍ وهو المَقْطُوفُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ والمَعْنى يُقالُ لَهم ذَلِكَ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ بِأمْرِ إيجابٍ ولا نَدْبٍ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ نَدْبًا، إذا كانَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الإنْسانِ وإدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما جَمَعَ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ”كُلُوا“ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَهو في عِيشَةٍ“؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ﴾ ومَن مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَمْعِ. صفحة ١٠٠ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ، ومَعْنى الإسْلافِ في اللُّغَةِ تَقْدِيمُ ما تَرْجُو أنْ يَعُودَ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، فَهو كالإقْراضِ. ومِنهُ يُقالُ: أسْلَفَ في كَذا إذا قَدَّمَ فِيهِ مالَهُ، والمَعْنى بِما عَمِلْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. و﴿الأيّامِ الخالِيَةِ﴾، المُرادُ مِنها أيّامُ الدُّنْيا، والخالِيَةُ الماضِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ [الأحْقافِ: ١٧] و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٤] وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَعْنِي الصَّوْمَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لِمَنِ امْتَنَعَ في الدُّنْيا عَنْهُ بِالصَّوْمِ؛ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ قَدْ أعْطى الإنْسانَ ثَوابًا لا عَلى فِعْلٍ فَعَلَهُ الإنْسانُ، وذَلِكَ مُحالٌ وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.

الحاقة 69:22

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عاقِبَةَ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: وصْفُ العِيشَةِ بِأنَّها راضِيَةٌ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنَّها مَنسُوبَةٌ إلى الرِّضا كالدّارِعِ والنّابِلِ، والنِّسْبَةُ نِسْبَتانِ؛ نِسْبَةٌ بِالحُرُوفِ ونِسْبَةٌ بِالصِّيغَةِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الرِّضا لِلْعِيشَةِ مَجازًا مَعَ أنَّهُ صاحِبُ العِيشَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في حَدِّ الثَّوابِ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَنفَعَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ دائِمَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَعْنى إنَّما يَكُونُ مَرْضِيًّا بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لَوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ كَلِمَةٌ حاوِيَةٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ الَّتِي ذَكَرْناها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ وهو أنَّ مَن صارَ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: يَعِيشُ عَيْشًا مَرْضِيًّا في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، والعُلُوُّ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُلُوُّ في المَكانِ فَهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مَنازِلَ البَعْضِ فَوْقَ مَنازِلِ الآخَرِينَ، فَهَؤُلاءِ السّافِلُونَ لا يَكُونُونَ في الجَنَّةِ العالِيَةِ، قُلْنا: إنَّ كَوْنَ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عالِيَةً وفَوْقَ السَّماواتِ، وإنْ أُرِيدَ العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُ تِلْكَ الأبْنِيَةِ عالِيَةً مُشْرِفَةً فالأمْرُ أيْضًا كَذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ أيْ: ثِمارُها قَرِيبَةُ التَّناوُلِ، يَأْخُذُها الرَّجُلُ كَما يُرِيدُ إنْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَها بِيَدِهِ انْقادَتْ لَهُ، قائِمًا كانَ أوْ جالِسًا أوْ مُضْطَجِعًا. وإنْ أحَبَّ أنْ تَدْنُوَ إلى فِيهِ دَنَتْ، والقُطُوفُ جَمْعُ قِطْفٍ وهو المَقْطُوفُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ والمَعْنى يُقالُ لَهم ذَلِكَ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ بِأمْرِ إيجابٍ ولا نَدْبٍ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ نَدْبًا، إذا كانَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الإنْسانِ وإدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما جَمَعَ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ”كُلُوا“ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَهو في عِيشَةٍ“؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ﴾ ومَن مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَمْعِ. صفحة ١٠٠ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ، ومَعْنى الإسْلافِ في اللُّغَةِ تَقْدِيمُ ما تَرْجُو أنْ يَعُودَ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، فَهو كالإقْراضِ. ومِنهُ يُقالُ: أسْلَفَ في كَذا إذا قَدَّمَ فِيهِ مالَهُ، والمَعْنى بِما عَمِلْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. و﴿الأيّامِ الخالِيَةِ﴾، المُرادُ مِنها أيّامُ الدُّنْيا، والخالِيَةُ الماضِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ [الأحْقافِ: ١٧] و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٤] وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَعْنِي الصَّوْمَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لِمَنِ امْتَنَعَ في الدُّنْيا عَنْهُ بِالصَّوْمِ؛ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ قَدْ أعْطى الإنْسانَ ثَوابًا لا عَلى فِعْلٍ فَعَلَهُ الإنْسانُ، وذَلِكَ مُحالٌ وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.

الحاقة 69:23

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عاقِبَةَ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: وصْفُ العِيشَةِ بِأنَّها راضِيَةٌ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنَّها مَنسُوبَةٌ إلى الرِّضا كالدّارِعِ والنّابِلِ، والنِّسْبَةُ نِسْبَتانِ؛ نِسْبَةٌ بِالحُرُوفِ ونِسْبَةٌ بِالصِّيغَةِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الرِّضا لِلْعِيشَةِ مَجازًا مَعَ أنَّهُ صاحِبُ العِيشَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في حَدِّ الثَّوابِ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَنفَعَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ دائِمَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَعْنى إنَّما يَكُونُ مَرْضِيًّا بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لَوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ كَلِمَةٌ حاوِيَةٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ الَّتِي ذَكَرْناها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ وهو أنَّ مَن صارَ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: يَعِيشُ عَيْشًا مَرْضِيًّا في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، والعُلُوُّ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُلُوُّ في المَكانِ فَهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مَنازِلَ البَعْضِ فَوْقَ مَنازِلِ الآخَرِينَ، فَهَؤُلاءِ السّافِلُونَ لا يَكُونُونَ في الجَنَّةِ العالِيَةِ، قُلْنا: إنَّ كَوْنَ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عالِيَةً وفَوْقَ السَّماواتِ، وإنْ أُرِيدَ العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُ تِلْكَ الأبْنِيَةِ عالِيَةً مُشْرِفَةً فالأمْرُ أيْضًا كَذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ أيْ: ثِمارُها قَرِيبَةُ التَّناوُلِ، يَأْخُذُها الرَّجُلُ كَما يُرِيدُ إنْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَها بِيَدِهِ انْقادَتْ لَهُ، قائِمًا كانَ أوْ جالِسًا أوْ مُضْطَجِعًا. وإنْ أحَبَّ أنْ تَدْنُوَ إلى فِيهِ دَنَتْ، والقُطُوفُ جَمْعُ قِطْفٍ وهو المَقْطُوفُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ والمَعْنى يُقالُ لَهم ذَلِكَ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ بِأمْرِ إيجابٍ ولا نَدْبٍ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ نَدْبًا، إذا كانَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الإنْسانِ وإدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما جَمَعَ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ”كُلُوا“ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَهو في عِيشَةٍ“؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ﴾ ومَن مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَمْعِ. صفحة ١٠٠ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ، ومَعْنى الإسْلافِ في اللُّغَةِ تَقْدِيمُ ما تَرْجُو أنْ يَعُودَ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، فَهو كالإقْراضِ. ومِنهُ يُقالُ: أسْلَفَ في كَذا إذا قَدَّمَ فِيهِ مالَهُ، والمَعْنى بِما عَمِلْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. و﴿الأيّامِ الخالِيَةِ﴾، المُرادُ مِنها أيّامُ الدُّنْيا، والخالِيَةُ الماضِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ [الأحْقافِ: ١٧] و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٤] وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَعْنِي الصَّوْمَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لِمَنِ امْتَنَعَ في الدُّنْيا عَنْهُ بِالصَّوْمِ؛ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ قَدْ أعْطى الإنْسانَ ثَوابًا لا عَلى فِعْلٍ فَعَلَهُ الإنْسانُ، وذَلِكَ مُحالٌ وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.

الحاقة 69:24

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عاقِبَةَ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: وصْفُ العِيشَةِ بِأنَّها راضِيَةٌ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المَعْنى أنَّها مَنسُوبَةٌ إلى الرِّضا كالدّارِعِ والنّابِلِ، والنِّسْبَةُ نِسْبَتانِ؛ نِسْبَةٌ بِالحُرُوفِ ونِسْبَةٌ بِالصِّيغَةِ. والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الرِّضا لِلْعِيشَةِ مَجازًا مَعَ أنَّهُ صاحِبُ العِيشَةِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في حَدِّ الثَّوابِ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَنفَعَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ دائِمَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَعْنى إنَّما يَكُونُ مَرْضِيًّا بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لَوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ كَلِمَةٌ حاوِيَةٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ الَّتِي ذَكَرْناها. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ وهو أنَّ مَن صارَ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: يَعِيشُ عَيْشًا مَرْضِيًّا في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، والعُلُوُّ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُلُوُّ في المَكانِ فَهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مَنازِلَ البَعْضِ فَوْقَ مَنازِلِ الآخَرِينَ، فَهَؤُلاءِ السّافِلُونَ لا يَكُونُونَ في الجَنَّةِ العالِيَةِ، قُلْنا: إنَّ كَوْنَ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عالِيَةً وفَوْقَ السَّماواتِ، وإنْ أُرِيدَ العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُ تِلْكَ الأبْنِيَةِ عالِيَةً مُشْرِفَةً فالأمْرُ أيْضًا كَذَلِكَ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ أيْ: ثِمارُها قَرِيبَةُ التَّناوُلِ، يَأْخُذُها الرَّجُلُ كَما يُرِيدُ إنْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَها بِيَدِهِ انْقادَتْ لَهُ، قائِمًا كانَ أوْ جالِسًا أوْ مُضْطَجِعًا. وإنْ أحَبَّ أنْ تَدْنُوَ إلى فِيهِ دَنَتْ، والقُطُوفُ جَمْعُ قِطْفٍ وهو المَقْطُوفُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ والمَعْنى يُقالُ لَهم ذَلِكَ وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ بِأمْرِ إيجابٍ ولا نَدْبٍ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ نَدْبًا، إذا كانَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الإنْسانِ وإدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِهِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما جَمَعَ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ”كُلُوا“ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَهو في عِيشَةٍ“؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ﴾ ومَن مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَمْعِ. صفحة ١٠٠ المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ، ومَعْنى الإسْلافِ في اللُّغَةِ تَقْدِيمُ ما تَرْجُو أنْ يَعُودَ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، فَهو كالإقْراضِ. ومِنهُ يُقالُ: أسْلَفَ في كَذا إذا قَدَّمَ فِيهِ مالَهُ، والمَعْنى بِما عَمِلْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. و﴿الأيّامِ الخالِيَةِ﴾، المُرادُ مِنها أيّامُ الدُّنْيا، والخالِيَةُ الماضِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ [الأحْقافِ: ١٧] و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٤] وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَعْنِي الصَّوْمَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لِمَنِ امْتَنَعَ في الدُّنْيا عَنْهُ بِالصَّوْمِ؛ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى. المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ قَدْ أعْطى الإنْسانَ ثَوابًا لا عَلى فِعْلٍ فَعَلَهُ الإنْسانُ، وذَلِكَ مُحالٌ وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.

الحاقة 69:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا نَظَرَ في كِتابِهِ وتَذَكَّرَ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَجَلَ مِنها، وصارَ العَذابُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الخَجالَةِ أزْيَدَ مِن عَذابِ النّارِ، فَقالَ: لَيْتَهم عَذَّبُونِي بِالنّارِ، وما عَرَضُوا هَذا الكِتابَ الَّذِي ذَكَّرَنِي قَبائِحَ أفْعالِي حَتّى لا أقَعَ في هَذِهِ الخَجالَةِ، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: ولَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِيَهْ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ ولا طائِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، وإنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يا‎لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ الضَّمِيرُ في ”يا لَيْتَها“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: إلى المَوْتَةِ الأُولى، وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً إلّا أنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ و”القاضِيَةَ“ القاطِعَةُ عَنِ الحَياةِ. وفِيها إشارَةٌ إلى الِانْتِهاءِ والفَراغِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] ويُقالُ: قُضِيَ عَلى فُلانٍ، أيْ ماتَ فالمَعْنى يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها كانَتِ القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها، ولَمْ ألْقَ ما وصَلْتُ إلَيْهِ، قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا عِنْدَهُ شَيْءٌ أكْرَهُ مِنَ المَوْتِ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ لَهُ المَوْتُ، قالَ الشّاعِرُ: وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ الَّذِي إنْ لَقِيتَهُ تَمَنَّيْتَ مِنهُ المَوْتَ والمَوْتُ أعْظَمُ والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ؛ لِأنَّهُ رَأى تِلْكَ الحالَةَ أبْشَعَ وأمَرَّ مِمّا ذاقَهُ مِن مَرارَةِ المَوْتِ وشِدَّتِهِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها.

الحاقة 69:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا نَظَرَ في كِتابِهِ وتَذَكَّرَ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَجَلَ مِنها، وصارَ العَذابُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الخَجالَةِ أزْيَدَ مِن عَذابِ النّارِ، فَقالَ: لَيْتَهم عَذَّبُونِي بِالنّارِ، وما عَرَضُوا هَذا الكِتابَ الَّذِي ذَكَّرَنِي قَبائِحَ أفْعالِي حَتّى لا أقَعَ في هَذِهِ الخَجالَةِ، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: ولَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِيَهْ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ ولا طائِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، وإنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يا‎لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ الضَّمِيرُ في ”يا لَيْتَها“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: إلى المَوْتَةِ الأُولى، وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً إلّا أنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ و”القاضِيَةَ“ القاطِعَةُ عَنِ الحَياةِ. وفِيها إشارَةٌ إلى الِانْتِهاءِ والفَراغِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] ويُقالُ: قُضِيَ عَلى فُلانٍ، أيْ ماتَ فالمَعْنى يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها كانَتِ القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها، ولَمْ ألْقَ ما وصَلْتُ إلَيْهِ، قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا عِنْدَهُ شَيْءٌ أكْرَهُ مِنَ المَوْتِ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ لَهُ المَوْتُ، قالَ الشّاعِرُ: وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ الَّذِي إنْ لَقِيتَهُ تَمَنَّيْتَ مِنهُ المَوْتَ والمَوْتُ أعْظَمُ والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ؛ لِأنَّهُ رَأى تِلْكَ الحالَةَ أبْشَعَ وأمَرَّ مِمّا ذاقَهُ مِن مَرارَةِ المَوْتِ وشِدَّتِهِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها.

الحاقة 69:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا نَظَرَ في كِتابِهِ وتَذَكَّرَ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَجَلَ مِنها، وصارَ العَذابُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الخَجالَةِ أزْيَدَ مِن عَذابِ النّارِ، فَقالَ: لَيْتَهم عَذَّبُونِي بِالنّارِ، وما عَرَضُوا هَذا الكِتابَ الَّذِي ذَكَّرَنِي قَبائِحَ أفْعالِي حَتّى لا أقَعَ في هَذِهِ الخَجالَةِ، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: ولَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِيَهْ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ ولا طائِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، وإنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿يا‎لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ الضَّمِيرُ في ”يا لَيْتَها“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: إلى المَوْتَةِ الأُولى، وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً إلّا أنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ و”القاضِيَةَ“ القاطِعَةُ عَنِ الحَياةِ. وفِيها إشارَةٌ إلى الِانْتِهاءِ والفَراغِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] ويُقالُ: قُضِيَ عَلى فُلانٍ، أيْ ماتَ فالمَعْنى يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها كانَتِ القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها، ولَمْ ألْقَ ما وصَلْتُ إلَيْهِ، قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا عِنْدَهُ شَيْءٌ أكْرَهُ مِنَ المَوْتِ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ لَهُ المَوْتُ، قالَ الشّاعِرُ: وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ الَّذِي إنْ لَقِيتَهُ تَمَنَّيْتَ مِنهُ المَوْتَ والمَوْتُ أعْظَمُ والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ؛ لِأنَّهُ رَأى تِلْكَ الحالَةَ أبْشَعَ وأمَرَّ مِمّا ذاقَهُ مِن مَرارَةِ المَوْتِ وشِدَّتِهِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها.

الحاقة 69:28

ثُمَّ قالَ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ صفحة ١٠١ ﴿ما أغْنى﴾ نَفْيٌ واسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٠] وقَوْلُهُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ في المُرادِ بِ ”سُلْطانِيَهْ“ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها عَلى مُحَمَّدٍ في الدُّنْيا. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. والثّانِي: ذَهَبَ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ وبَقِيتُ فَقِيرًا ذَلِيلًا، وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّنِي إنَّما كُنْتُ أُنازِعُ المُحِقِّينَ بِسَبَبِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، فالآنَ ذَهَبَ ذَلِكَ المُلْكُ وبَقِيَ الوَبالُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سُرُورَ السُّعَداءِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في العَيْشِ الطَّيِّبِ وفي الأكْلِ والشُّرْبِ، كَذا هَهُنا ذَكَرَ غَمَّ الأشْقِياءِ وحُزْنَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في الغُلِّ والقَيْدِ وطَعامِ الغِسْلِينِ، فَأوَّلُها أنْ تَقُولَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: خُذُوهُ، فَيَبْتَدِرُ إلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ، وتُجْمَعُ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: أصْلَيْتُهُ النّارَ إذا أوْرَدْتُهُ إيّاها وصَلَّيْتُهُ أيْضًا كَما يُقالُ أكْرَمْتُهُ وكَرَّمْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ مَعْناهُ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ؛ كُلُّ حَلْقَةٍ مِنها في حَلْقَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ شَيْءٍ عَلى الوَلاءِ والنِّظامِ فَهو مُسَلْسَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَرْعُها﴾ مَعْنى الذَّرْعِ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ بِالذِّراعِ مِنَ اليَدِ، يُقالُ: ذَرَعَ الثَّوْبَ يَذْرَعُهُ ذَرْعًا إذا قَدَّرَهُ بِذِراعِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ التَّقْدِيرَ بِهَذا المِقْدارِ بَلِ الوَصْفُ بِالطُّولِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ يُرِيدُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً. والثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَذا المِقْدارِ ثُمَّ قالُوا: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، وكُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: سَلَكَهُ في الطَّرِيقِ وفي القَيْدِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وأسْلَكْتُهُ مَعْناهُ أدْخَلْتُهُ، ولُغَةُ القُرْآنِ سَلَكْتُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] وقالَ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٠٠] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَدْخُلُ السِّلْسِلَةُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن حَلْقِهِ، ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَ ناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ في اللُّؤْلُؤِ ثُمَّ يُجْعَلُ في عُنُقِهِ سائِرُها، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في تَطْوِيلِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ ؟ (الجَوابُ): قالَ سُوَيْدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وإذا كانَ الجَمْعُ مِنَ النّاسِ مُقَيَّدِينَ بِالسَّلِسَةِ الواحِدَةِ كانَ العَذابُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِذَلِكَ السَّبَبِ أشَدَّ. السُّؤالُ الثّانِي: سَلْكُ السِّلْسِلَةِ فِيهِمْ مَعْقُولٌ، أمّا سَلْكُهم في السِّلْسِلَةِ فَما مَعْناهُ ؟ (الجَوابُ): سَلْكُهُ في السِّلْسِلَةِ أنْ تُلْوى عَلى جَسَدِهِ حَتّى تَلْتَفَّ عَلَيْهِ أجْزاؤُها وهو فِيما بَيْنَها مُزْهَقٌ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ كَما يُقالُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ وأدْخَلْتُها في رَأْسِي، ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في إصْبَعِي، والإصْبَعُ هو الَّذِي يَدْخُلُ في الخاتَمِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ في سِلْسِلَةٍ: فاسْلُكُوهُ، ولَمْ يَقُلْ: فاسْلُكُوهُ في سِلْسِلَةٍ ؟ (الجَوابُ): المَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ؛ لِأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ السَّلاسِلِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ذَكَرَ الأغْلالَ والتَّصْلِيَةَ بِالفاءِ وذَكَرَ السَّلْكَ في هَذِهِ السَّلِسَةِ بِلَفْظِ ثُمَّ، فَما الفَرْقُ ؟ (الجَوابُ): لَيْسَ المُرادُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ تَراخِيَ المُدَّةِ بَلِ التَّفاوُتَ في مَراتِبِ العَذابِ.

الحاقة 69:29

ثُمَّ قالَ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ صفحة ١٠١ ﴿ما أغْنى﴾ نَفْيٌ واسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٠] وقَوْلُهُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ في المُرادِ بِ ”سُلْطانِيَهْ“ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها عَلى مُحَمَّدٍ في الدُّنْيا. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. والثّانِي: ذَهَبَ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ وبَقِيتُ فَقِيرًا ذَلِيلًا، وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّنِي إنَّما كُنْتُ أُنازِعُ المُحِقِّينَ بِسَبَبِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، فالآنَ ذَهَبَ ذَلِكَ المُلْكُ وبَقِيَ الوَبالُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سُرُورَ السُّعَداءِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في العَيْشِ الطَّيِّبِ وفي الأكْلِ والشُّرْبِ، كَذا هَهُنا ذَكَرَ غَمَّ الأشْقِياءِ وحُزْنَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في الغُلِّ والقَيْدِ وطَعامِ الغِسْلِينِ، فَأوَّلُها أنْ تَقُولَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: خُذُوهُ، فَيَبْتَدِرُ إلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ، وتُجْمَعُ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: أصْلَيْتُهُ النّارَ إذا أوْرَدْتُهُ إيّاها وصَلَّيْتُهُ أيْضًا كَما يُقالُ أكْرَمْتُهُ وكَرَّمْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ مَعْناهُ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ؛ كُلُّ حَلْقَةٍ مِنها في حَلْقَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ شَيْءٍ عَلى الوَلاءِ والنِّظامِ فَهو مُسَلْسَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَرْعُها﴾ مَعْنى الذَّرْعِ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ بِالذِّراعِ مِنَ اليَدِ، يُقالُ: ذَرَعَ الثَّوْبَ يَذْرَعُهُ ذَرْعًا إذا قَدَّرَهُ بِذِراعِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ التَّقْدِيرَ بِهَذا المِقْدارِ بَلِ الوَصْفُ بِالطُّولِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ يُرِيدُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً. والثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَذا المِقْدارِ ثُمَّ قالُوا: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، وكُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: سَلَكَهُ في الطَّرِيقِ وفي القَيْدِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وأسْلَكْتُهُ مَعْناهُ أدْخَلْتُهُ، ولُغَةُ القُرْآنِ سَلَكْتُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] وقالَ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٠٠] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَدْخُلُ السِّلْسِلَةُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن حَلْقِهِ، ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَ ناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ في اللُّؤْلُؤِ ثُمَّ يُجْعَلُ في عُنُقِهِ سائِرُها، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في تَطْوِيلِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ ؟ (الجَوابُ): قالَ سُوَيْدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وإذا كانَ الجَمْعُ مِنَ النّاسِ مُقَيَّدِينَ بِالسَّلِسَةِ الواحِدَةِ كانَ العَذابُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِذَلِكَ السَّبَبِ أشَدَّ. السُّؤالُ الثّانِي: سَلْكُ السِّلْسِلَةِ فِيهِمْ مَعْقُولٌ، أمّا سَلْكُهم في السِّلْسِلَةِ فَما مَعْناهُ ؟ (الجَوابُ): سَلْكُهُ في السِّلْسِلَةِ أنْ تُلْوى عَلى جَسَدِهِ حَتّى تَلْتَفَّ عَلَيْهِ أجْزاؤُها وهو فِيما بَيْنَها مُزْهَقٌ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ كَما يُقالُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ وأدْخَلْتُها في رَأْسِي، ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في إصْبَعِي، والإصْبَعُ هو الَّذِي يَدْخُلُ في الخاتَمِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ في سِلْسِلَةٍ: فاسْلُكُوهُ، ولَمْ يَقُلْ: فاسْلُكُوهُ في سِلْسِلَةٍ ؟ (الجَوابُ): المَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ؛ لِأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ السَّلاسِلِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ذَكَرَ الأغْلالَ والتَّصْلِيَةَ بِالفاءِ وذَكَرَ السَّلْكَ في هَذِهِ السَّلِسَةِ بِلَفْظِ ثُمَّ، فَما الفَرْقُ ؟ (الجَوابُ): لَيْسَ المُرادُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ تَراخِيَ المُدَّةِ بَلِ التَّفاوُتَ في مَراتِبِ العَذابِ.

الحاقة 69:30

ثُمَّ قالَ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ صفحة ١٠١ ﴿ما أغْنى﴾ نَفْيٌ واسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٠] وقَوْلُهُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ في المُرادِ بِ ”سُلْطانِيَهْ“ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها عَلى مُحَمَّدٍ في الدُّنْيا. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. والثّانِي: ذَهَبَ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ وبَقِيتُ فَقِيرًا ذَلِيلًا، وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّنِي إنَّما كُنْتُ أُنازِعُ المُحِقِّينَ بِسَبَبِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، فالآنَ ذَهَبَ ذَلِكَ المُلْكُ وبَقِيَ الوَبالُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سُرُورَ السُّعَداءِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في العَيْشِ الطَّيِّبِ وفي الأكْلِ والشُّرْبِ، كَذا هَهُنا ذَكَرَ غَمَّ الأشْقِياءِ وحُزْنَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في الغُلِّ والقَيْدِ وطَعامِ الغِسْلِينِ، فَأوَّلُها أنْ تَقُولَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: خُذُوهُ، فَيَبْتَدِرُ إلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ، وتُجْمَعُ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: أصْلَيْتُهُ النّارَ إذا أوْرَدْتُهُ إيّاها وصَلَّيْتُهُ أيْضًا كَما يُقالُ أكْرَمْتُهُ وكَرَّمْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ مَعْناهُ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ؛ كُلُّ حَلْقَةٍ مِنها في حَلْقَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ شَيْءٍ عَلى الوَلاءِ والنِّظامِ فَهو مُسَلْسَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَرْعُها﴾ مَعْنى الذَّرْعِ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ بِالذِّراعِ مِنَ اليَدِ، يُقالُ: ذَرَعَ الثَّوْبَ يَذْرَعُهُ ذَرْعًا إذا قَدَّرَهُ بِذِراعِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ التَّقْدِيرَ بِهَذا المِقْدارِ بَلِ الوَصْفُ بِالطُّولِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ يُرِيدُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً. والثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَذا المِقْدارِ ثُمَّ قالُوا: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، وكُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: سَلَكَهُ في الطَّرِيقِ وفي القَيْدِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وأسْلَكْتُهُ مَعْناهُ أدْخَلْتُهُ، ولُغَةُ القُرْآنِ سَلَكْتُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] وقالَ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٠٠] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَدْخُلُ السِّلْسِلَةُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن حَلْقِهِ، ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَ ناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ في اللُّؤْلُؤِ ثُمَّ يُجْعَلُ في عُنُقِهِ سائِرُها، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في تَطْوِيلِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ ؟ (الجَوابُ): قالَ سُوَيْدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وإذا كانَ الجَمْعُ مِنَ النّاسِ مُقَيَّدِينَ بِالسَّلِسَةِ الواحِدَةِ كانَ العَذابُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِذَلِكَ السَّبَبِ أشَدَّ. السُّؤالُ الثّانِي: سَلْكُ السِّلْسِلَةِ فِيهِمْ مَعْقُولٌ، أمّا سَلْكُهم في السِّلْسِلَةِ فَما مَعْناهُ ؟ (الجَوابُ): سَلْكُهُ في السِّلْسِلَةِ أنْ تُلْوى عَلى جَسَدِهِ حَتّى تَلْتَفَّ عَلَيْهِ أجْزاؤُها وهو فِيما بَيْنَها مُزْهَقٌ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ كَما يُقالُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ وأدْخَلْتُها في رَأْسِي، ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في إصْبَعِي، والإصْبَعُ هو الَّذِي يَدْخُلُ في الخاتَمِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ في سِلْسِلَةٍ: فاسْلُكُوهُ، ولَمْ يَقُلْ: فاسْلُكُوهُ في سِلْسِلَةٍ ؟ (الجَوابُ): المَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ؛ لِأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ السَّلاسِلِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ذَكَرَ الأغْلالَ والتَّصْلِيَةَ بِالفاءِ وذَكَرَ السَّلْكَ في هَذِهِ السَّلِسَةِ بِلَفْظِ ثُمَّ، فَما الفَرْقُ ؟ (الجَوابُ): لَيْسَ المُرادُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ تَراخِيَ المُدَّةِ بَلِ التَّفاوُتَ في مَراتِبِ العَذابِ.

الحاقة 69:31

ثُمَّ قالَ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ صفحة ١٠١ ﴿ما أغْنى﴾ نَفْيٌ واسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٠] وقَوْلُهُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ في المُرادِ بِ ”سُلْطانِيَهْ“ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها عَلى مُحَمَّدٍ في الدُّنْيا. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. والثّانِي: ذَهَبَ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ وبَقِيتُ فَقِيرًا ذَلِيلًا، وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّنِي إنَّما كُنْتُ أُنازِعُ المُحِقِّينَ بِسَبَبِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، فالآنَ ذَهَبَ ذَلِكَ المُلْكُ وبَقِيَ الوَبالُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سُرُورَ السُّعَداءِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في العَيْشِ الطَّيِّبِ وفي الأكْلِ والشُّرْبِ، كَذا هَهُنا ذَكَرَ غَمَّ الأشْقِياءِ وحُزْنَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في الغُلِّ والقَيْدِ وطَعامِ الغِسْلِينِ، فَأوَّلُها أنْ تَقُولَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: خُذُوهُ، فَيَبْتَدِرُ إلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ، وتُجْمَعُ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: أصْلَيْتُهُ النّارَ إذا أوْرَدْتُهُ إيّاها وصَلَّيْتُهُ أيْضًا كَما يُقالُ أكْرَمْتُهُ وكَرَّمْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ مَعْناهُ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ؛ كُلُّ حَلْقَةٍ مِنها في حَلْقَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ شَيْءٍ عَلى الوَلاءِ والنِّظامِ فَهو مُسَلْسَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَرْعُها﴾ مَعْنى الذَّرْعِ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ بِالذِّراعِ مِنَ اليَدِ، يُقالُ: ذَرَعَ الثَّوْبَ يَذْرَعُهُ ذَرْعًا إذا قَدَّرَهُ بِذِراعِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ التَّقْدِيرَ بِهَذا المِقْدارِ بَلِ الوَصْفُ بِالطُّولِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ يُرِيدُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً. والثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَذا المِقْدارِ ثُمَّ قالُوا: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، وكُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: سَلَكَهُ في الطَّرِيقِ وفي القَيْدِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وأسْلَكْتُهُ مَعْناهُ أدْخَلْتُهُ، ولُغَةُ القُرْآنِ سَلَكْتُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] وقالَ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٠٠] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَدْخُلُ السِّلْسِلَةُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن حَلْقِهِ، ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَ ناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ في اللُّؤْلُؤِ ثُمَّ يُجْعَلُ في عُنُقِهِ سائِرُها، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في تَطْوِيلِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ ؟ (الجَوابُ): قالَ سُوَيْدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وإذا كانَ الجَمْعُ مِنَ النّاسِ مُقَيَّدِينَ بِالسَّلِسَةِ الواحِدَةِ كانَ العَذابُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِذَلِكَ السَّبَبِ أشَدَّ. السُّؤالُ الثّانِي: سَلْكُ السِّلْسِلَةِ فِيهِمْ مَعْقُولٌ، أمّا سَلْكُهم في السِّلْسِلَةِ فَما مَعْناهُ ؟ (الجَوابُ): سَلْكُهُ في السِّلْسِلَةِ أنْ تُلْوى عَلى جَسَدِهِ حَتّى تَلْتَفَّ عَلَيْهِ أجْزاؤُها وهو فِيما بَيْنَها مُزْهَقٌ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ كَما يُقالُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ وأدْخَلْتُها في رَأْسِي، ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في إصْبَعِي، والإصْبَعُ هو الَّذِي يَدْخُلُ في الخاتَمِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ في سِلْسِلَةٍ: فاسْلُكُوهُ، ولَمْ يَقُلْ: فاسْلُكُوهُ في سِلْسِلَةٍ ؟ (الجَوابُ): المَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ؛ لِأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ السَّلاسِلِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ذَكَرَ الأغْلالَ والتَّصْلِيَةَ بِالفاءِ وذَكَرَ السَّلْكَ في هَذِهِ السَّلِسَةِ بِلَفْظِ ثُمَّ، فَما الفَرْقُ ؟ (الجَوابُ): لَيْسَ المُرادُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ تَراخِيَ المُدَّةِ بَلِ التَّفاوُتَ في مَراتِبِ العَذابِ.

الحاقة 69:32

ثُمَّ قالَ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ صفحة ١٠١ ﴿ما أغْنى﴾ نَفْيٌ واسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٠] وقَوْلُهُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ في المُرادِ بِ ”سُلْطانِيَهْ“ وجْهانِ: أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها عَلى مُحَمَّدٍ في الدُّنْيا. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ. والثّانِي: ذَهَبَ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ وبَقِيتُ فَقِيرًا ذَلِيلًا، وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّنِي إنَّما كُنْتُ أُنازِعُ المُحِقِّينَ بِسَبَبِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، فالآنَ ذَهَبَ ذَلِكَ المُلْكُ وبَقِيَ الوَبالُ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سُرُورَ السُّعَداءِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في العَيْشِ الطَّيِّبِ وفي الأكْلِ والشُّرْبِ، كَذا هَهُنا ذَكَرَ غَمَّ الأشْقِياءِ وحُزْنَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في الغُلِّ والقَيْدِ وطَعامِ الغِسْلِينِ، فَأوَّلُها أنْ تَقُولَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: خُذُوهُ، فَيَبْتَدِرُ إلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ، وتُجْمَعُ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: أصْلَيْتُهُ النّارَ إذا أوْرَدْتُهُ إيّاها وصَلَّيْتُهُ أيْضًا كَما يُقالُ أكْرَمْتُهُ وكَرَّمْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ مَعْناهُ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ؛ كُلُّ حَلْقَةٍ مِنها في حَلْقَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ شَيْءٍ عَلى الوَلاءِ والنِّظامِ فَهو مُسَلْسَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَرْعُها﴾ مَعْنى الذَّرْعِ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ بِالذِّراعِ مِنَ اليَدِ، يُقالُ: ذَرَعَ الثَّوْبَ يَذْرَعُهُ ذَرْعًا إذا قَدَّرَهُ بِذِراعِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ التَّقْدِيرَ بِهَذا المِقْدارِ بَلِ الوَصْفُ بِالطُّولِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ يُرِيدُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً. والثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَذا المِقْدارِ ثُمَّ قالُوا: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، وكُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: سَلَكَهُ في الطَّرِيقِ وفي القَيْدِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وأسْلَكْتُهُ مَعْناهُ أدْخَلْتُهُ، ولُغَةُ القُرْآنِ سَلَكْتُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] وقالَ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٠٠] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَدْخُلُ السِّلْسِلَةُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن حَلْقِهِ، ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَ ناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ في اللُّؤْلُؤِ ثُمَّ يُجْعَلُ في عُنُقِهِ سائِرُها، وهَهُنا سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في تَطْوِيلِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ ؟ (الجَوابُ): قالَ سُوَيْدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وإذا كانَ الجَمْعُ مِنَ النّاسِ مُقَيَّدِينَ بِالسَّلِسَةِ الواحِدَةِ كانَ العَذابُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِذَلِكَ السَّبَبِ أشَدَّ. السُّؤالُ الثّانِي: سَلْكُ السِّلْسِلَةِ فِيهِمْ مَعْقُولٌ، أمّا سَلْكُهم في السِّلْسِلَةِ فَما مَعْناهُ ؟ (الجَوابُ): سَلْكُهُ في السِّلْسِلَةِ أنْ تُلْوى عَلى جَسَدِهِ حَتّى تَلْتَفَّ عَلَيْهِ أجْزاؤُها وهو فِيما بَيْنَها مُزْهَقٌ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ كَما يُقالُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ وأدْخَلْتُها في رَأْسِي، ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في إصْبَعِي، والإصْبَعُ هو الَّذِي يَدْخُلُ في الخاتَمِ. السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ في سِلْسِلَةٍ: فاسْلُكُوهُ، ولَمْ يَقُلْ: فاسْلُكُوهُ في سِلْسِلَةٍ ؟ (الجَوابُ): المَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ؛ لِأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ السَّلاسِلِ. السُّؤالُ الرّابِعُ: ذَكَرَ الأغْلالَ والتَّصْلِيَةَ بِالفاءِ وذَكَرَ السَّلْكَ في هَذِهِ السَّلِسَةِ بِلَفْظِ ثُمَّ، فَما الفَرْقُ ؟ (الجَوابُ): لَيْسَ المُرادُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ تَراخِيَ المُدَّةِ بَلِ التَّفاوُتَ في مَراتِبِ العَذابِ.

الحاقة 69:33

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ . فالأوَّلُ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العاقِلَةِ. والثّانِي إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولا يَحُضُّ عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ. والثّانِي: أنَّ الطَّعامَ هَهُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الإطْعامِ كَما وُضِعَ العَطاءُ مَقامَ الإعْطاءِ في قَوْلِهِ: وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتّاعا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ دَلِيلانِ قَوِيّانِ عَلى عِظَمِ الجُرْمِ في حِرْمانِ المَساكِينِ: أحَدُهُما: عَطَفَهُ عَلى الكُفْرِ وجَعَلَهُ قَرِينَةً لَهُ. والثّانِي: ذَكَرَ الحَضَّ دُونَ الفِعْلِ لِيُعْلَمَ أنَّ تارِكَ الحَضِّ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتْرُكُ الفِعْلَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعاقَبُونَ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِنا: إنَّهم مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ كانَ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ المَرَقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ أفَلا نَخْلَعُ النِّصْفَ الباقِيَ ! وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ مَنعُ الكُفّارِ، وقَوْلُهم: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ في الآخِرَةِ حَمِيمٌ أيْ قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم يَتَحامَوْنَ ويَفِرُّونَ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافِرٍ: ١٨] .

الحاقة 69:34

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ . فالأوَّلُ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العاقِلَةِ. والثّانِي إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولا يَحُضُّ عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ. والثّانِي: أنَّ الطَّعامَ هَهُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الإطْعامِ كَما وُضِعَ العَطاءُ مَقامَ الإعْطاءِ في قَوْلِهِ: وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتّاعا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ دَلِيلانِ قَوِيّانِ عَلى عِظَمِ الجُرْمِ في حِرْمانِ المَساكِينِ: أحَدُهُما: عَطَفَهُ عَلى الكُفْرِ وجَعَلَهُ قَرِينَةً لَهُ. والثّانِي: ذَكَرَ الحَضَّ دُونَ الفِعْلِ لِيُعْلَمَ أنَّ تارِكَ الحَضِّ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتْرُكُ الفِعْلَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعاقَبُونَ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِنا: إنَّهم مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ كانَ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ المَرَقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ أفَلا نَخْلَعُ النِّصْفَ الباقِيَ ! وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ مَنعُ الكُفّارِ، وقَوْلُهم: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ في الآخِرَةِ حَمِيمٌ أيْ قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم يَتَحامَوْنَ ويَفِرُّونَ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافِرٍ: ١٨] .

الحاقة 69:35

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ . فالأوَّلُ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العاقِلَةِ. والثّانِي إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولا يَحُضُّ عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ. والثّانِي: أنَّ الطَّعامَ هَهُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الإطْعامِ كَما وُضِعَ العَطاءُ مَقامَ الإعْطاءِ في قَوْلِهِ: وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتّاعا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ دَلِيلانِ قَوِيّانِ عَلى عِظَمِ الجُرْمِ في حِرْمانِ المَساكِينِ: أحَدُهُما: عَطَفَهُ عَلى الكُفْرِ وجَعَلَهُ قَرِينَةً لَهُ. والثّانِي: ذَكَرَ الحَضَّ دُونَ الفِعْلِ لِيُعْلَمَ أنَّ تارِكَ الحَضِّ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتْرُكُ الفِعْلَ. المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعاقَبُونَ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِنا: إنَّهم مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ كانَ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ المَرَقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ أفَلا نَخْلَعُ النِّصْفَ الباقِيَ ! وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ مَنعُ الكُفّارِ، وقَوْلُهم: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] . * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ في الآخِرَةِ حَمِيمٌ أيْ قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم يَتَحامَوْنَ ويَفِرُّونَ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافِرٍ: ١٨] .

الحاقة 69:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنِ الغِسْلِينِ، فَقالَ: لا أدْرِي ما الغِسْلِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ماءٌ يَسِيلُ مِنَ أهْلِ النّارِ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ والدَّمِ إذا عُذِّبُوا فَهو ﴿غِسْلِينٍ﴾ فِعْلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ ما هُيِّءَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّءَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ كانَ طَعامًا لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ لَهم مَقامَ الطَّعامِ فَسُمِّيَ طَعامًا، كَما قالَ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ والتَّحِيَّةُ لا تَكُونُ ضَرْبًا إلّا أنَّهُ لَمّا أُقِيمَ مَقامَهُ جازَ أنْ يُسَمّى بِهِ. صفحة ١٠٣ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الغِسْلِينَ أكْلُ مَن هو ؟ فَقالَ: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، وخَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وقُرِئَ ”الخاطِيُونَ“ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً والخاطُونَ بِطَرْحِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: ما الخاطِيُونَ كُلُّنا نَخْطُو إنَّما هو الخاطِئُونَ، ما الصّابُونَ، إنَّما هو الصّابِئُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى إمْكانِ القِيامَةِ، ثُمَّ عَلى وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، خَتَمَ الكَلامَ بِتَعْظِيمِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أقْسِمُ و”لا“ صِلَةٌ، أوْ يَكُونُ رَدُّ الكَلامِ سَبَقَ، ومِنهم مَن قالَ: ”لا“ هَهُنا نافِيَةٌ لِلْقَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ، عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لِوُضُوحِهِ يَسْتَغْنِي عَنِ القَسَمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ سَنَذْكُرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القِيامَةِ: ١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصِرٍ وغَيْرِ مُبْصِرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والأجْسامَ والأرْواحَ، والإنْسَ والجِنَّ، والنِّعَمَ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] مِثْلَ هَذا الكَلامِ، والأكْثَرُونَ هُناكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأكْثَرُونَ هَهُنا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، واحْتَجُّوا عَلى الفَرْقِ بِأنَّ هَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، ولا كاهِنٍ، والقَوْمُ ما كانُوا يَصِفُونَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشِّعْرِ والكِهانَةِ، بَلْ كانُوا يَصِفُونَ مُحَمَّدًا بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ. وأمّا في سُورَةِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٥] كانَ المَعْنى: إنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، لا قَوْلُ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَصَحَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ هَهُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي تِلْكَ السُّورَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ولِجِبْرِيلَ ولِمُحَمَّدٍ، وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ (والجَوابُ): أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذِي رَتَّبَهُ ونَظَّمَهُ، وهو كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ، وهو كَلامُ مُحَمَّدٍ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَهُ لِلْخَلْقِ، ودَعا النّاسَ إلى الإيمانِ بِهِ، وجَعَلَهُ حُجَّةً لِنُبُوَّتِهِ.

الحاقة 69:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنِ الغِسْلِينِ، فَقالَ: لا أدْرِي ما الغِسْلِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ماءٌ يَسِيلُ مِنَ أهْلِ النّارِ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ والدَّمِ إذا عُذِّبُوا فَهو ﴿غِسْلِينٍ﴾ فِعْلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ ما هُيِّءَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّءَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ كانَ طَعامًا لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ لَهم مَقامَ الطَّعامِ فَسُمِّيَ طَعامًا، كَما قالَ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ والتَّحِيَّةُ لا تَكُونُ ضَرْبًا إلّا أنَّهُ لَمّا أُقِيمَ مَقامَهُ جازَ أنْ يُسَمّى بِهِ. صفحة ١٠٣ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الغِسْلِينَ أكْلُ مَن هو ؟ فَقالَ: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، وخَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وقُرِئَ ”الخاطِيُونَ“ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً والخاطُونَ بِطَرْحِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: ما الخاطِيُونَ كُلُّنا نَخْطُو إنَّما هو الخاطِئُونَ، ما الصّابُونَ، إنَّما هو الصّابِئُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى إمْكانِ القِيامَةِ، ثُمَّ عَلى وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، خَتَمَ الكَلامَ بِتَعْظِيمِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أقْسِمُ و”لا“ صِلَةٌ، أوْ يَكُونُ رَدُّ الكَلامِ سَبَقَ، ومِنهم مَن قالَ: ”لا“ هَهُنا نافِيَةٌ لِلْقَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ، عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لِوُضُوحِهِ يَسْتَغْنِي عَنِ القَسَمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ سَنَذْكُرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القِيامَةِ: ١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصِرٍ وغَيْرِ مُبْصِرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والأجْسامَ والأرْواحَ، والإنْسَ والجِنَّ، والنِّعَمَ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] مِثْلَ هَذا الكَلامِ، والأكْثَرُونَ هُناكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأكْثَرُونَ هَهُنا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، واحْتَجُّوا عَلى الفَرْقِ بِأنَّ هَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، ولا كاهِنٍ، والقَوْمُ ما كانُوا يَصِفُونَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشِّعْرِ والكِهانَةِ، بَلْ كانُوا يَصِفُونَ مُحَمَّدًا بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ. وأمّا في سُورَةِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٥] كانَ المَعْنى: إنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، لا قَوْلُ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَصَحَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ هَهُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي تِلْكَ السُّورَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ولِجِبْرِيلَ ولِمُحَمَّدٍ، وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ (والجَوابُ): أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذِي رَتَّبَهُ ونَظَّمَهُ، وهو كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ، وهو كَلامُ مُحَمَّدٍ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَهُ لِلْخَلْقِ، ودَعا النّاسَ إلى الإيمانِ بِهِ، وجَعَلَهُ حُجَّةً لِنُبُوَّتِهِ.

الحاقة 69:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنِ الغِسْلِينِ، فَقالَ: لا أدْرِي ما الغِسْلِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ماءٌ يَسِيلُ مِنَ أهْلِ النّارِ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ والدَّمِ إذا عُذِّبُوا فَهو ﴿غِسْلِينٍ﴾ فِعْلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ ما هُيِّءَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّءَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ كانَ طَعامًا لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ لَهم مَقامَ الطَّعامِ فَسُمِّيَ طَعامًا، كَما قالَ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ والتَّحِيَّةُ لا تَكُونُ ضَرْبًا إلّا أنَّهُ لَمّا أُقِيمَ مَقامَهُ جازَ أنْ يُسَمّى بِهِ. صفحة ١٠٣ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الغِسْلِينَ أكْلُ مَن هو ؟ فَقالَ: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، وخَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وقُرِئَ ”الخاطِيُونَ“ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً والخاطُونَ بِطَرْحِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: ما الخاطِيُونَ كُلُّنا نَخْطُو إنَّما هو الخاطِئُونَ، ما الصّابُونَ، إنَّما هو الصّابِئُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى إمْكانِ القِيامَةِ، ثُمَّ عَلى وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، خَتَمَ الكَلامَ بِتَعْظِيمِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أقْسِمُ و”لا“ صِلَةٌ، أوْ يَكُونُ رَدُّ الكَلامِ سَبَقَ، ومِنهم مَن قالَ: ”لا“ هَهُنا نافِيَةٌ لِلْقَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ، عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لِوُضُوحِهِ يَسْتَغْنِي عَنِ القَسَمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ سَنَذْكُرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القِيامَةِ: ١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصِرٍ وغَيْرِ مُبْصِرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والأجْسامَ والأرْواحَ، والإنْسَ والجِنَّ، والنِّعَمَ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] مِثْلَ هَذا الكَلامِ، والأكْثَرُونَ هُناكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأكْثَرُونَ هَهُنا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، واحْتَجُّوا عَلى الفَرْقِ بِأنَّ هَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، ولا كاهِنٍ، والقَوْمُ ما كانُوا يَصِفُونَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشِّعْرِ والكِهانَةِ، بَلْ كانُوا يَصِفُونَ مُحَمَّدًا بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ. وأمّا في سُورَةِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٥] كانَ المَعْنى: إنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، لا قَوْلُ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَصَحَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ هَهُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي تِلْكَ السُّورَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ولِجِبْرِيلَ ولِمُحَمَّدٍ، وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ (والجَوابُ): أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذِي رَتَّبَهُ ونَظَّمَهُ، وهو كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ، وهو كَلامُ مُحَمَّدٍ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَهُ لِلْخَلْقِ، ودَعا النّاسَ إلى الإيمانِ بِهِ، وجَعَلَهُ حُجَّةً لِنُبُوَّتِهِ.

الحاقة 69:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنِ الغِسْلِينِ، فَقالَ: لا أدْرِي ما الغِسْلِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ماءٌ يَسِيلُ مِنَ أهْلِ النّارِ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ والدَّمِ إذا عُذِّبُوا فَهو ﴿غِسْلِينٍ﴾ فِعْلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ ما هُيِّءَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّءَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ كانَ طَعامًا لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ لَهم مَقامَ الطَّعامِ فَسُمِّيَ طَعامًا، كَما قالَ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ والتَّحِيَّةُ لا تَكُونُ ضَرْبًا إلّا أنَّهُ لَمّا أُقِيمَ مَقامَهُ جازَ أنْ يُسَمّى بِهِ. صفحة ١٠٣ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الغِسْلِينَ أكْلُ مَن هو ؟ فَقالَ: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، وخَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وقُرِئَ ”الخاطِيُونَ“ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً والخاطُونَ بِطَرْحِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: ما الخاطِيُونَ كُلُّنا نَخْطُو إنَّما هو الخاطِئُونَ، ما الصّابُونَ، إنَّما هو الصّابِئُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى إمْكانِ القِيامَةِ، ثُمَّ عَلى وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، خَتَمَ الكَلامَ بِتَعْظِيمِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أقْسِمُ و”لا“ صِلَةٌ، أوْ يَكُونُ رَدُّ الكَلامِ سَبَقَ، ومِنهم مَن قالَ: ”لا“ هَهُنا نافِيَةٌ لِلْقَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ، عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لِوُضُوحِهِ يَسْتَغْنِي عَنِ القَسَمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ سَنَذْكُرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القِيامَةِ: ١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصِرٍ وغَيْرِ مُبْصِرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والأجْسامَ والأرْواحَ، والإنْسَ والجِنَّ، والنِّعَمَ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] مِثْلَ هَذا الكَلامِ، والأكْثَرُونَ هُناكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأكْثَرُونَ هَهُنا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، واحْتَجُّوا عَلى الفَرْقِ بِأنَّ هَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، ولا كاهِنٍ، والقَوْمُ ما كانُوا يَصِفُونَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشِّعْرِ والكِهانَةِ، بَلْ كانُوا يَصِفُونَ مُحَمَّدًا بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ. وأمّا في سُورَةِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٥] كانَ المَعْنى: إنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، لا قَوْلُ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَصَحَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ هَهُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي تِلْكَ السُّورَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ولِجِبْرِيلَ ولِمُحَمَّدٍ، وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ (والجَوابُ): أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذِي رَتَّبَهُ ونَظَّمَهُ، وهو كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ، وهو كَلامُ مُحَمَّدٍ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَهُ لِلْخَلْقِ، ودَعا النّاسَ إلى الإيمانِ بِهِ، وجَعَلَهُ حُجَّةً لِنُبُوَّتِهِ.

الحاقة 69:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنِ الغِسْلِينِ، فَقالَ: لا أدْرِي ما الغِسْلِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ماءٌ يَسِيلُ مِنَ أهْلِ النّارِ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ والدَّمِ إذا عُذِّبُوا فَهو ﴿غِسْلِينٍ﴾ فِعْلِينٌ مِنَ الغَسْلِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ ما هُيِّءَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّءَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ كانَ طَعامًا لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ لَهم مَقامَ الطَّعامِ فَسُمِّيَ طَعامًا، كَما قالَ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ والتَّحِيَّةُ لا تَكُونُ ضَرْبًا إلّا أنَّهُ لَمّا أُقِيمَ مَقامَهُ جازَ أنْ يُسَمّى بِهِ. صفحة ١٠٣ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الغِسْلِينَ أكْلُ مَن هو ؟ فَقالَ: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، وخَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وقُرِئَ ”الخاطِيُونَ“ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً والخاطُونَ بِطَرْحِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: ما الخاطِيُونَ كُلُّنا نَخْطُو إنَّما هو الخاطِئُونَ، ما الصّابُونَ، إنَّما هو الصّابِئُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى إمْكانِ القِيامَةِ، ثُمَّ عَلى وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، خَتَمَ الكَلامَ بِتَعْظِيمِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أقْسِمُ و”لا“ صِلَةٌ، أوْ يَكُونُ رَدُّ الكَلامِ سَبَقَ، ومِنهم مَن قالَ: ”لا“ هَهُنا نافِيَةٌ لِلْقَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ، عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لِوُضُوحِهِ يَسْتَغْنِي عَنِ القَسَمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ سَنَذْكُرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القِيامَةِ: ١] . المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصِرٍ وغَيْرِ مُبْصِرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والأجْسامَ والأرْواحَ، والإنْسَ والجِنَّ، والنِّعَمَ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] مِثْلَ هَذا الكَلامِ، والأكْثَرُونَ هُناكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأكْثَرُونَ هَهُنا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، واحْتَجُّوا عَلى الفَرْقِ بِأنَّ هَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، ولا كاهِنٍ، والقَوْمُ ما كانُوا يَصِفُونَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشِّعْرِ والكِهانَةِ، بَلْ كانُوا يَصِفُونَ مُحَمَّدًا بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ. وأمّا في سُورَةِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٥] كانَ المَعْنى: إنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، لا قَوْلُ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَصَحَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ هَهُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي تِلْكَ السُّورَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ولِجِبْرِيلَ ولِمُحَمَّدٍ، وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ (والجَوابُ): أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذِي رَتَّبَهُ ونَظَّمَهُ، وهو كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ، وهو كَلامُ مُحَمَّدٍ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَهُ لِلْخَلْقِ، ودَعا النّاسَ إلى الإيمانِ بِهِ، وجَعَلَهُ حُجَّةً لِنُبُوَّتِهِ.

الحاقة 69:41

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ: تُؤْمِنُونَ وتَذَكَّرُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ عَلى الخِطابِ إلّا ابْنَ كَثِيرٍ، صفحة ١٠٤ فَإنَّهُ قَرَأهُما بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، فَمَن قَرَأ عَلى الخِطابِ، فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ومَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الِالتِفاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ لَغْوٌ وهي مُؤَكِّدَةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مِنَ اللَّهِ، والمَعْنى لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا، والعَرَبُ يَقُولُونَ: قَلَّما يَأْتِينا يُرِيدُونَ لا يَأْتِينا. الثّانِي: أنَّهم قَدْ يُؤْمِنُونَ في قُلُوبِهِمْ، إلّا أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنْهُ سَرِيعًا ولا يُتِمُّونَ الِاسْتِدْلالَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٨] إلّا أنَّهُ في آخِرِ الأمْرِ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٢٤] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في نَفْيِ الشّاعِرِيَّةِ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ وفي نَفْيِ الكاهِنِيَّةِ ﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ هَذا القُرْآنُ قَوْلًا مِن رَجُلٍ شاعِرٍ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مُبايِنٌ لِصُنُوفِ الشِّعْرِ كُلِّها إلّا أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ، أيْ: لا تَقْصِدُونَ الإيمانَ، فَلِذَلِكَ تُعْرِضُونَ عَنِ التَّدَبُّرِ، ولَوْ قَصَدْتُمُ الإيمانَ لَعَلِمْتُمْ كَذِبَ قَوْلِكم: إنَّهُ شاعِرٌ، لِمُفارَقَةِ هَذا التَّرْكِيبِ ضُرُوبَ الشِّعْرِ، ولا أيْضًا بِقَوْلِ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ بِسَبِ الشَّياطِينِ وشَتْمِهِمْ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإلْهامِ الشَّياطِينِ، إلّا أنَّكم لا تَتَذَكَّرُونَ كَيْفِيَّةَ نَظْمِ القُرْآنِ، واشْتِمالَهُ عَلى شَتْمِ الشَّياطِينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَقُولُونَ: إنَّهُ مِن بابِ الكِهانَةِ.

الحاقة 69:42

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ: تُؤْمِنُونَ وتَذَكَّرُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ عَلى الخِطابِ إلّا ابْنَ كَثِيرٍ، صفحة ١٠٤ فَإنَّهُ قَرَأهُما بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، فَمَن قَرَأ عَلى الخِطابِ، فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ومَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الِالتِفاتِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ لَغْوٌ وهي مُؤَكِّدَةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مِنَ اللَّهِ، والمَعْنى لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا، والعَرَبُ يَقُولُونَ: قَلَّما يَأْتِينا يُرِيدُونَ لا يَأْتِينا. الثّانِي: أنَّهم قَدْ يُؤْمِنُونَ في قُلُوبِهِمْ، إلّا أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنْهُ سَرِيعًا ولا يُتِمُّونَ الِاسْتِدْلالَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٨] إلّا أنَّهُ في آخِرِ الأمْرِ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٢٤] . المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في نَفْيِ الشّاعِرِيَّةِ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ وفي نَفْيِ الكاهِنِيَّةِ ﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ هَذا القُرْآنُ قَوْلًا مِن رَجُلٍ شاعِرٍ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مُبايِنٌ لِصُنُوفِ الشِّعْرِ كُلِّها إلّا أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ، أيْ: لا تَقْصِدُونَ الإيمانَ، فَلِذَلِكَ تُعْرِضُونَ عَنِ التَّدَبُّرِ، ولَوْ قَصَدْتُمُ الإيمانَ لَعَلِمْتُمْ كَذِبَ قَوْلِكم: إنَّهُ شاعِرٌ، لِمُفارَقَةِ هَذا التَّرْكِيبِ ضُرُوبَ الشِّعْرِ، ولا أيْضًا بِقَوْلِ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ بِسَبِ الشَّياطِينِ وشَتْمِهِمْ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإلْهامِ الشَّياطِينِ، إلّا أنَّكم لا تَتَذَكَّرُونَ كَيْفِيَّةَ نَظْمِ القُرْآنِ، واشْتِمالَهُ عَلى شَتْمِ الشَّياطِينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَقُولُونَ: إنَّهُ مِن بابِ الكِهانَةِ.

الحاقة 69:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الشُّعَراءِ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] فَهو كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيلُهُ، وهو قَوْلُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ بِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ أنْذَرَ الخَلْقَ بِهِ، فَهَهُنا أيْضًا لَمّا قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى يَزُولَ الإشْكالُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا، أيْ نَزَلَ تَنْزِيلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ قُرِئَ ”ولَوْ تُقُوِّلَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، التَّقَوُّلُ افْتِعالُ القَوْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا مِنَ المُفْتَعِلِ، وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، والمَعْنى ولَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ لَأخَذْنا بِيَدِهِ، ثُمَّ لَضَرَبْنا رَقَبَتَهُ، وهَذا ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم لا يُمْهِلُونَهُ، بَلْ يَضْرِبُونَ رَقَبَتَهُ في الحالِ، وإنَّما خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِقَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَعْمُولِ بِهِ ذَلِكَ العَمَلُ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ أخَذَ بِيَمِينِهِ، ومَعْناهُ: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، صفحة ١٠٥ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ لَقَطَعْنا وتِينَهُ وهَذا تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ وهو مَنقُولٌ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى القُوَّةِ والقُدْرَةِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشَّمّاخِ: إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ والمَعْنى لَأخَذَ مِنهُ اليَمِينَ، أيْ سَلَبْنا عَنْهُ القُوَّةَ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قامَ اليَمِينُ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] يَعْنِي انْتَقَمْنا مِنهُ بِالحَقِّ، واليَمِينُ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] أيْ: مِن قِبَلِ الحَقِّ. اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ لَمَنَعْناهُ عَنْ ذَلِكَ. إمّا بِواسِطَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ فَإنّا كُنّا نُقَيِّضُ لَهُ مَن يُعارِضُهُ فِيهِ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلنّاسِ كَذِبُهُ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْطالًا لِدَعْواهُ وهَدْمًا لِكَلامِهِ، وإمّا بِأنْ نَسْلُبَ عِنْدَهُ القُدْرَةَ عَلى التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ القَوْلِ، وهَذا هو الواجِبُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِئَلّا يَشْتَبِهَ الصّادِقُ بِالكاذِبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَتِينُ هو العِرْقُ المُتَّصِلُ مِنَ القَلْبِ بِالرَّأْسِ الَّذِي إذا قُطِعَ ماتَ الحَيَوانُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: وجَمْعُهُ الوُتْنُ و[يُقالُ] ثَلاثَةُ أوْتِنَةٌ والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدْ أنّا نَقْطَعُهُ بِعَيْنِهِ بَلِ المُرادُ أنَّهُ لَوْ كَذَبَ لَأمْتَناهُ، فَكانَ كَمَن قُطِعَ وتِينُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» “ والأبْهَرُ عِرْقٌ يَتَّصِلُ بِالقَلْبِ، فَإذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا، أوْ أنْ يَقْتُلَنِي السُّمُّ وحِينَئِذٍ صِرْتُ كَمَنِ انْقَطَعَ أبْهَرُهُ.

الحاقة 69:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الشُّعَراءِ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] فَهو كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيلُهُ، وهو قَوْلُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ بِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ أنْذَرَ الخَلْقَ بِهِ، فَهَهُنا أيْضًا لَمّا قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى يَزُولَ الإشْكالُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا، أيْ نَزَلَ تَنْزِيلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ قُرِئَ ”ولَوْ تُقُوِّلَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، التَّقَوُّلُ افْتِعالُ القَوْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا مِنَ المُفْتَعِلِ، وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، والمَعْنى ولَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ لَأخَذْنا بِيَدِهِ، ثُمَّ لَضَرَبْنا رَقَبَتَهُ، وهَذا ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم لا يُمْهِلُونَهُ، بَلْ يَضْرِبُونَ رَقَبَتَهُ في الحالِ، وإنَّما خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِقَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَعْمُولِ بِهِ ذَلِكَ العَمَلُ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ أخَذَ بِيَمِينِهِ، ومَعْناهُ: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، صفحة ١٠٥ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ لَقَطَعْنا وتِينَهُ وهَذا تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ وهو مَنقُولٌ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى القُوَّةِ والقُدْرَةِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشَّمّاخِ: إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ والمَعْنى لَأخَذَ مِنهُ اليَمِينَ، أيْ سَلَبْنا عَنْهُ القُوَّةَ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قامَ اليَمِينُ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] يَعْنِي انْتَقَمْنا مِنهُ بِالحَقِّ، واليَمِينُ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] أيْ: مِن قِبَلِ الحَقِّ. اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ لَمَنَعْناهُ عَنْ ذَلِكَ. إمّا بِواسِطَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ فَإنّا كُنّا نُقَيِّضُ لَهُ مَن يُعارِضُهُ فِيهِ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلنّاسِ كَذِبُهُ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْطالًا لِدَعْواهُ وهَدْمًا لِكَلامِهِ، وإمّا بِأنْ نَسْلُبَ عِنْدَهُ القُدْرَةَ عَلى التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ القَوْلِ، وهَذا هو الواجِبُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِئَلّا يَشْتَبِهَ الصّادِقُ بِالكاذِبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَتِينُ هو العِرْقُ المُتَّصِلُ مِنَ القَلْبِ بِالرَّأْسِ الَّذِي إذا قُطِعَ ماتَ الحَيَوانُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: وجَمْعُهُ الوُتْنُ و[يُقالُ] ثَلاثَةُ أوْتِنَةٌ والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدْ أنّا نَقْطَعُهُ بِعَيْنِهِ بَلِ المُرادُ أنَّهُ لَوْ كَذَبَ لَأمْتَناهُ، فَكانَ كَمَن قُطِعَ وتِينُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» “ والأبْهَرُ عِرْقٌ يَتَّصِلُ بِالقَلْبِ، فَإذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا، أوْ أنْ يَقْتُلَنِي السُّمُّ وحِينَئِذٍ صِرْتُ كَمَنِ انْقَطَعَ أبْهَرُهُ.

الحاقة 69:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الشُّعَراءِ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] فَهو كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيلُهُ، وهو قَوْلُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ بِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ أنْذَرَ الخَلْقَ بِهِ، فَهَهُنا أيْضًا لَمّا قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى يَزُولَ الإشْكالُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا، أيْ نَزَلَ تَنْزِيلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ قُرِئَ ”ولَوْ تُقُوِّلَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، التَّقَوُّلُ افْتِعالُ القَوْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا مِنَ المُفْتَعِلِ، وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، والمَعْنى ولَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ لَأخَذْنا بِيَدِهِ، ثُمَّ لَضَرَبْنا رَقَبَتَهُ، وهَذا ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم لا يُمْهِلُونَهُ، بَلْ يَضْرِبُونَ رَقَبَتَهُ في الحالِ، وإنَّما خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِقَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَعْمُولِ بِهِ ذَلِكَ العَمَلُ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ أخَذَ بِيَمِينِهِ، ومَعْناهُ: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، صفحة ١٠٥ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ لَقَطَعْنا وتِينَهُ وهَذا تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ وهو مَنقُولٌ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى القُوَّةِ والقُدْرَةِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشَّمّاخِ: إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ والمَعْنى لَأخَذَ مِنهُ اليَمِينَ، أيْ سَلَبْنا عَنْهُ القُوَّةَ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قامَ اليَمِينُ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] يَعْنِي انْتَقَمْنا مِنهُ بِالحَقِّ، واليَمِينُ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] أيْ: مِن قِبَلِ الحَقِّ. اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ لَمَنَعْناهُ عَنْ ذَلِكَ. إمّا بِواسِطَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ فَإنّا كُنّا نُقَيِّضُ لَهُ مَن يُعارِضُهُ فِيهِ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلنّاسِ كَذِبُهُ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْطالًا لِدَعْواهُ وهَدْمًا لِكَلامِهِ، وإمّا بِأنْ نَسْلُبَ عِنْدَهُ القُدْرَةَ عَلى التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ القَوْلِ، وهَذا هو الواجِبُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِئَلّا يَشْتَبِهَ الصّادِقُ بِالكاذِبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَتِينُ هو العِرْقُ المُتَّصِلُ مِنَ القَلْبِ بِالرَّأْسِ الَّذِي إذا قُطِعَ ماتَ الحَيَوانُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: وجَمْعُهُ الوُتْنُ و[يُقالُ] ثَلاثَةُ أوْتِنَةٌ والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدْ أنّا نَقْطَعُهُ بِعَيْنِهِ بَلِ المُرادُ أنَّهُ لَوْ كَذَبَ لَأمْتَناهُ، فَكانَ كَمَن قُطِعَ وتِينُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» “ والأبْهَرُ عِرْقٌ يَتَّصِلُ بِالقَلْبِ، فَإذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا، أوْ أنْ يَقْتُلَنِي السُّمُّ وحِينَئِذٍ صِرْتُ كَمَنِ انْقَطَعَ أبْهَرُهُ.

الحاقة 69:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ . اعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الشُّعَراءِ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] فَهو كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيلُهُ، وهو قَوْلُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ بِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ أنْذَرَ الخَلْقَ بِهِ، فَهَهُنا أيْضًا لَمّا قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى يَزُولَ الإشْكالُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا، أيْ نَزَلَ تَنْزِيلًا. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ قُرِئَ ”ولَوْ تُقُوِّلَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، التَّقَوُّلُ افْتِعالُ القَوْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا مِنَ المُفْتَعِلِ، وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، والمَعْنى ولَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ. * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: مَعْناهُ لَأخَذْنا بِيَدِهِ، ثُمَّ لَضَرَبْنا رَقَبَتَهُ، وهَذا ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم لا يُمْهِلُونَهُ، بَلْ يَضْرِبُونَ رَقَبَتَهُ في الحالِ، وإنَّما خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِقَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَعْمُولِ بِهِ ذَلِكَ العَمَلُ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ أخَذَ بِيَمِينِهِ، ومَعْناهُ: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، صفحة ١٠٥ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ لَقَطَعْنا وتِينَهُ وهَذا تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ وهو مَنقُولٌ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى القُوَّةِ والقُدْرَةِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشَّمّاخِ: إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ والمَعْنى لَأخَذَ مِنهُ اليَمِينَ، أيْ سَلَبْنا عَنْهُ القُوَّةَ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قامَ اليَمِينُ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ. والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] يَعْنِي انْتَقَمْنا مِنهُ بِالحَقِّ، واليَمِينُ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] أيْ: مِن قِبَلِ الحَقِّ. اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ لَمَنَعْناهُ عَنْ ذَلِكَ. إمّا بِواسِطَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ فَإنّا كُنّا نُقَيِّضُ لَهُ مَن يُعارِضُهُ فِيهِ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلنّاسِ كَذِبُهُ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْطالًا لِدَعْواهُ وهَدْمًا لِكَلامِهِ، وإمّا بِأنْ نَسْلُبَ عِنْدَهُ القُدْرَةَ عَلى التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ القَوْلِ، وهَذا هو الواجِبُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِئَلّا يَشْتَبِهَ الصّادِقُ بِالكاذِبِ. المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَتِينُ هو العِرْقُ المُتَّصِلُ مِنَ القَلْبِ بِالرَّأْسِ الَّذِي إذا قُطِعَ ماتَ الحَيَوانُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: وجَمْعُهُ الوُتْنُ و[يُقالُ] ثَلاثَةُ أوْتِنَةٌ والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدْ أنّا نَقْطَعُهُ بِعَيْنِهِ بَلِ المُرادُ أنَّهُ لَوْ كَذَبَ لَأمْتَناهُ، فَكانَ كَمَن قُطِعَ وتِينُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» “ والأبْهَرُ عِرْقٌ يَتَّصِلُ بِالقَلْبِ، فَإذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا، أوْ أنْ يَقْتُلَنِي السُّمُّ وحِينَئِذٍ صِرْتُ كَمَنِ انْقَطَعَ أبْهَرُهُ.

الحاقة 69:47

ثُمَّ قالَ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما قالَ: حاجِزِينَ في صِفَةِ أحَدٍ؛ لِأنَّ أحَدًا هُنا في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٢] واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكُمْ﴾ لِلنّاسِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ الحَقِّ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ الَّذِي مِن صِفَتِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِشاعِرٍ ولا كاهِنٍ، بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ ما هو ؟ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ما فِيهِ مِنَ البَحْثِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ لَهُ بِسَبَبِ حُبِّ الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمّا مَنِ اتَّقى حُبَّ الدُّنْيا فَهو يَتَذَكَّرُ بِهَذا القُرْآنِ ويَنْتَفِعُ. وأمّا مَن مالَ إلَيْها فَإنَّهُ يُكَذِّبُ بِهَذا القُرْآنِ ولا يَقْرَبُهُ. صفحة ١٠٦ وأقُولُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، ولَمْ يَقُلْ بِأنَّهُ إضْلالٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، بَلْ ذَلِكَ الضَّلالُ نَسَبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها﴾ [النَّحْلِ: ٩] واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ.

الحاقة 69:48

ثُمَّ قالَ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما قالَ: حاجِزِينَ في صِفَةِ أحَدٍ؛ لِأنَّ أحَدًا هُنا في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٢] واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكُمْ﴾ لِلنّاسِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ الحَقِّ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ الَّذِي مِن صِفَتِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِشاعِرٍ ولا كاهِنٍ، بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ ما هو ؟ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ما فِيهِ مِنَ البَحْثِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ لَهُ بِسَبَبِ حُبِّ الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمّا مَنِ اتَّقى حُبَّ الدُّنْيا فَهو يَتَذَكَّرُ بِهَذا القُرْآنِ ويَنْتَفِعُ. وأمّا مَن مالَ إلَيْها فَإنَّهُ يُكَذِّبُ بِهَذا القُرْآنِ ولا يَقْرَبُهُ. صفحة ١٠٦ وأقُولُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، ولَمْ يَقُلْ بِأنَّهُ إضْلالٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، بَلْ ذَلِكَ الضَّلالُ نَسَبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها﴾ [النَّحْلِ: ٩] واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ.

الحاقة 69:49

ثُمَّ قالَ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ . قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما قالَ: حاجِزِينَ في صِفَةِ أحَدٍ؛ لِأنَّ أحَدًا هُنا في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٢] واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكُمْ﴾ لِلنّاسِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ الحَقِّ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ الَّذِي مِن صِفَتِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِشاعِرٍ ولا كاهِنٍ، بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ ما هو ؟ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ما فِيهِ مِنَ البَحْثِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ لَهُ بِسَبَبِ حُبِّ الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمّا مَنِ اتَّقى حُبَّ الدُّنْيا فَهو يَتَذَكَّرُ بِهَذا القُرْآنِ ويَنْتَفِعُ. وأمّا مَن مالَ إلَيْها فَإنَّهُ يُكَذِّبُ بِهَذا القُرْآنِ ولا يَقْرَبُهُ. صفحة ١٠٦ وأقُولُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، ولَمْ يَقُلْ بِأنَّهُ إضْلالٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، بَلْ ذَلِكَ الضَّلالُ نَسَبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها﴾ [النَّحْلِ: ٩] واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ.

الحاقة 69:50

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ( إنَّهُ) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ. إمّا يَوْمُ القِيامَةِ إذا رَأوْا ثَوابَ المُصَدِّقِينَ بِهِ، أوْ في دارِ الدُّنْيا إذا رَأوْا دَوْلَةَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ حَقٌّ يَقِينٌ، أيْ حَقٌّ لا بُطْلانَ فِيهِ، ويَقِينٌ لا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ أُضِيفَ أحَدُ الوَصْفَيْنِ إلى الآخَرِ لِلتَّأْكِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ إمّا شُكْرًا عَلى ما جَعَلَكَ أهْلًا لِإيحائِهِ إلَيْكَ، وإمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرِّضا بِأنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ الكاذِبُ مِنَ الوَحْيِ ما هو بَرِيءٌ عَنْهُ. وأمّا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فَمَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعْلى: ١] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

الحاقة 69:51

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ( إنَّهُ) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ. إمّا يَوْمُ القِيامَةِ إذا رَأوْا ثَوابَ المُصَدِّقِينَ بِهِ، أوْ في دارِ الدُّنْيا إذا رَأوْا دَوْلَةَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ حَقٌّ يَقِينٌ، أيْ حَقٌّ لا بُطْلانَ فِيهِ، ويَقِينٌ لا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ أُضِيفَ أحَدُ الوَصْفَيْنِ إلى الآخَرِ لِلتَّأْكِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ إمّا شُكْرًا عَلى ما جَعَلَكَ أهْلًا لِإيحائِهِ إلَيْكَ، وإمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرِّضا بِأنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ الكاذِبُ مِنَ الوَحْيِ ما هو بَرِيءٌ عَنْهُ. وأمّا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فَمَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعْلى: ١] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

الحاقة 69:52

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ( إنَّهُ) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ. إمّا يَوْمُ القِيامَةِ إذا رَأوْا ثَوابَ المُصَدِّقِينَ بِهِ، أوْ في دارِ الدُّنْيا إذا رَأوْا دَوْلَةَ المُؤْمِنِينَ. والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ . * * * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ حَقٌّ يَقِينٌ، أيْ حَقٌّ لا بُطْلانَ فِيهِ، ويَقِينٌ لا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ أُضِيفَ أحَدُ الوَصْفَيْنِ إلى الآخَرِ لِلتَّأْكِيدِ. * * * ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ إمّا شُكْرًا عَلى ما جَعَلَكَ أهْلًا لِإيحائِهِ إلَيْكَ، وإمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرِّضا بِأنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ الكاذِبُ مِنَ الوَحْيِ ما هو بَرِيءٌ عَنْهُ. وأمّا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فَمَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعْلى: ١] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.