Tafsir Al-Razi — المعارج 70:1 – الجن 72:28
المحتويات
- المعارج 70:1
- المعارج 70:2
- المعارج 70:3
- المعارج 70:4
- المعارج 70:5
- المعارج 70:6
- المعارج 70:7
- المعارج 70:8
- المعارج 70:9
- المعارج 70:10
- المعارج 70:11
- المعارج 70:12
- المعارج 70:13
- المعارج 70:14
- المعارج 70:15
- المعارج 70:16
- المعارج 70:17
- المعارج 70:18
- المعارج 70:19
- المعارج 70:20
- المعارج 70:21
- المعارج 70:22
- المعارج 70:23
- المعارج 70:24
- المعارج 70:25
- المعارج 70:26
- المعارج 70:27
- المعارج 70:28
- المعارج 70:29
- المعارج 70:30
- المعارج 70:31
- المعارج 70:32
- المعارج 70:33
- المعارج 70:34
- المعارج 70:35
- المعارج 70:36
- المعارج 70:37
- المعارج 70:38
- المعارج 70:39
- المعارج 70:40
- المعارج 70:41
- المعارج 70:42
- المعارج 70:43
- المعارج 70:44
- نوح 71:1
- نوح 71:2
- نوح 71:3
- نوح 71:4
- نوح 71:5
- نوح 71:6
- نوح 71:7
- نوح 71:8
- نوح 71:9
- نوح 71:10
- نوح 71:11
- نوح 71:12
- نوح 71:13
- نوح 71:14
- نوح 71:15
- نوح 71:16
- نوح 71:17
- نوح 71:18
- نوح 71:19
- نوح 71:20
- نوح 71:21
- نوح 71:22
- نوح 71:23
- نوح 71:24
- نوح 71:25
- نوح 71:26
- نوح 71:27
- نوح 71:28
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:3
- الجن 72:4
- الجن 72:5
- الجن 72:6
- الجن 72:7
- الجن 72:8
- الجن 72:9
- الجن 72:10
- الجن 72:11
- الجن 72:12
- الجن 72:13
- الجن 72:14
- الجن 72:15
- الجن 72:16
- الجن 72:17
- الجن 72:18
- الجن 72:19
- الجن 72:20
- الجن 72:21
- الجن 72:22
- الجن 72:23
- الجن 72:24
- الجن 72:25
- الجن 72:26
- الجن 72:27
- الجن 72:28
المعارج 70:1
صفحة ١٠٧
سُورَةُ المَعارِجِ
أرْبَعُونَ وأرْبَعُ آياتٍ
﷽
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ .
﷽
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَألَ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ مِنهم مَن قَرَأهُ بِالهَمْزَةِ، ومِنهم مَن قَرَأهُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، أمّا الأوَّلُونَ وهُمُ الجُمْهُورُ فَهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ لَمّا قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ أيْ: دَعا داعٍ ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ مِن قَوْلِكَ دَعا بِكَذا إذا اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وعَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُ الباءِ الإسْقاطُ، وتَأْوِيلُ الآيَةِ: سَألَ سائِلٌ عَذابًا واقِعًا، فَأكَّدَ بِالباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مَرَيْمَ: ٢٥] وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَمّا كانَ ﴿سَألَ﴾ مَعْناهُ هَهُنا دَعا لا جَرَمَ عُدِّيَ تَعْدِيَتُهُ، كَأنَّهُ قالَ: دَعا داعٍ بِعَذابٍ مِنَ اللَّهِ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وخَوَّفَ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ قالَ المُشْرِكُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَن هَذا العَذابُ وبِمَن يَقَعُ، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والتَّأْوِيلُ عَلى هَذا القَوْلِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ عَنْ عَذابٍ والباءُ بِمَعْنى عَنْ، كَقَوْلِهِ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
وقالَ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٩] وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿سَألَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ في تَقْدِيرِ عَنى واهْتَمَّ كَأنَّهُ قِيلَ: اهْتَمَّ مُهْتَمٌّ بِعَذابٍ واقِعٍ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا السّائِلُ هو رَسُولُ اللَّهِ اسْتَعْجَلَ بِعَذابِ الكافِرِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ هَذا العَذابَ واقِعٌ بِهِمْ، فَلا دافِعَ لَهُ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المَعارِجِ: ٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ هو الَّذِي أمَرَهُ بِالصَّبْرِ
صفحة ١٠٨
الجَمِيلِ.
أمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي ”سالَ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَلَها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ ﴿سَألَ﴾ بِالهَمْزَةِ فَخَفَّفَ وقَلَبَ قالَ:
سالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ∗∗∗ ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِما سَألَتْ ولَمْ تُصِبِ
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ السَّيَلانِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ”سالَ سَيْلٌ“ والسَّيْلُ مَصْدَرٌ في مَعْنى السّائِلِ، كالغَوْرِ بِمَعْنى الغائِرِ، والمَعْنى انْدَفَعَ وادٍ بِعَذابٍ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قالا: سالَ وادٍ مِنَ أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ . أمّا سائِلٌ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ الهَمْزِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن سَألَ المَهْمُوزِ، فَهو بِالهَمْزِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَهْمُوزِ كانَ بِالهَمْزِ أيْضًا نَحْوَ قائِلٍ وخائِفٍ، إلّا أنَّكَ إنْ شِئْتَ خَفَّفْتَ الهَمْزَةَ فَجَعَلْتَها بَيْنَ بَيْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: سَألَ بِما ذَكَرْنا مِنَ أنَّ النَّضْرَ طَلَبَ العَذابَ، كانَ المَعْنى أنَّهُ طَلَبَ طالِبٌ عَذابًا هو واقِعٌ لا مَحالَةَ سَواءٌ طَلَبَ أوْ لَمْ يَطْلُبْ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ نازِلٌ لِلْكافِرِينَ في الآخِرَةِ واقِعٌ بِهِمْ لا يَدْفَعُهُ عَنْهم أحَدٌ، وقَدْ وقَعَ بِالنَّضْرِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ، وأمّا إذا فَسَّرْناهُ بِالوَجْهِ الثّانِي وهو أنَّهم سَألُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ هَذا العَذابَ بِمَن يَنْزِلُ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ واقِعٌ لِلْكافِرِينَ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو السَّدِيدُ.
وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الآيَةِ بِعَذابٍ واقِعٍ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: لَيْسَ لِذَلِكَ العَذابِ الصّادِرِ مِنَ اللَّهِ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ، فَإنَّهُ إذا أوْجَبَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ وقَوْلُهُ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ المَعارِجُ: جَمْعُ مِعْرَجٍ وهو المَصْعَدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ ذِي المَعارِجِ، أيْ: ذِي السَّماواتِ، وسَمّاها مَعارِجَ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْرُجُونَ فِيها.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: ذِي الفَواضِلِ والنِّعَمِ وذَلِكَ لِأنَّ لِأيادِيهِ ووُجُوهِ إنْعامِهِ مَراتِبَ، وهي تَصِلُ إلى النّاسِ عَلى مَراتِبَ مُخْتَلِفَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ المَعارِجَ هي الدَّرَجاتُ الَّتِي يُعْطِيها أوْلِياءَهُ في الجَنَّةِ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ هَذِهِ السَّماواتِ كَما أنَّها مُتَفاوِتَةٌ في الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ والكِبَرِ والصِّغَرِ، فَكَذا الأرْواحُ المَلَكِيَّةُ مُخْتَلِفَةٌ في القُوَّةِ والضَّعْفِ والكَمالِ والنَّقْصِ، وكَثْرَةِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وقُوَّتِها وشِدَّةِ القُوَّةِ عَلى تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وضَعْفِ تِلْكَ القُوَّةِ، ولَعَلَّ نُورَ إنْعامِ اللَّهِ وأثَرَ فَيْضِ رَحْمَتِهِ لا يَصِلُ إلى هَذا العالَمِ بِواسِطَةِ تِلْكَ الأرْواحِ، إمّا عَلى سَبِيلِ العادَةِ أوْ لا كَذَلِكَ عَلى ما قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤]، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النّازِعاتِ: ٥] فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ الإشارَةُ إلى تِلْكَ الأرْواحِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي كالمَصاعِدِ لِارْتِفاعِ مَراتِبِ الحاجاتِ مِن هَذا العالَمِ إلَيْها، وكالمَنازِلِ لِنُزُولِ أثَرِ الرَّحْمَةِ مِن ذَلِكَ العالَمِ إلى هَهُنا.
المعارج 70:2
صفحة ١٠٧
سُورَةُ المَعارِجِ
أرْبَعُونَ وأرْبَعُ آياتٍ
﷽
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ .
﷽
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَألَ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ مِنهم مَن قَرَأهُ بِالهَمْزَةِ، ومِنهم مَن قَرَأهُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، أمّا الأوَّلُونَ وهُمُ الجُمْهُورُ فَهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ لَمّا قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ أيْ: دَعا داعٍ ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ مِن قَوْلِكَ دَعا بِكَذا إذا اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وعَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُ الباءِ الإسْقاطُ، وتَأْوِيلُ الآيَةِ: سَألَ سائِلٌ عَذابًا واقِعًا، فَأكَّدَ بِالباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مَرَيْمَ: ٢٥] وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَمّا كانَ ﴿سَألَ﴾ مَعْناهُ هَهُنا دَعا لا جَرَمَ عُدِّيَ تَعْدِيَتُهُ، كَأنَّهُ قالَ: دَعا داعٍ بِعَذابٍ مِنَ اللَّهِ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وخَوَّفَ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ قالَ المُشْرِكُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَن هَذا العَذابُ وبِمَن يَقَعُ، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والتَّأْوِيلُ عَلى هَذا القَوْلِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ عَنْ عَذابٍ والباءُ بِمَعْنى عَنْ، كَقَوْلِهِ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
وقالَ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٩] وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿سَألَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ في تَقْدِيرِ عَنى واهْتَمَّ كَأنَّهُ قِيلَ: اهْتَمَّ مُهْتَمٌّ بِعَذابٍ واقِعٍ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا السّائِلُ هو رَسُولُ اللَّهِ اسْتَعْجَلَ بِعَذابِ الكافِرِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ هَذا العَذابَ واقِعٌ بِهِمْ، فَلا دافِعَ لَهُ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المَعارِجِ: ٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ هو الَّذِي أمَرَهُ بِالصَّبْرِ
صفحة ١٠٨
الجَمِيلِ.
أمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي ”سالَ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَلَها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ ﴿سَألَ﴾ بِالهَمْزَةِ فَخَفَّفَ وقَلَبَ قالَ:
سالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ∗∗∗ ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِما سَألَتْ ولَمْ تُصِبِ
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ السَّيَلانِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ”سالَ سَيْلٌ“ والسَّيْلُ مَصْدَرٌ في مَعْنى السّائِلِ، كالغَوْرِ بِمَعْنى الغائِرِ، والمَعْنى انْدَفَعَ وادٍ بِعَذابٍ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قالا: سالَ وادٍ مِنَ أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ . أمّا سائِلٌ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ الهَمْزِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن سَألَ المَهْمُوزِ، فَهو بِالهَمْزِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَهْمُوزِ كانَ بِالهَمْزِ أيْضًا نَحْوَ قائِلٍ وخائِفٍ، إلّا أنَّكَ إنْ شِئْتَ خَفَّفْتَ الهَمْزَةَ فَجَعَلْتَها بَيْنَ بَيْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: سَألَ بِما ذَكَرْنا مِنَ أنَّ النَّضْرَ طَلَبَ العَذابَ، كانَ المَعْنى أنَّهُ طَلَبَ طالِبٌ عَذابًا هو واقِعٌ لا مَحالَةَ سَواءٌ طَلَبَ أوْ لَمْ يَطْلُبْ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ نازِلٌ لِلْكافِرِينَ في الآخِرَةِ واقِعٌ بِهِمْ لا يَدْفَعُهُ عَنْهم أحَدٌ، وقَدْ وقَعَ بِالنَّضْرِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ، وأمّا إذا فَسَّرْناهُ بِالوَجْهِ الثّانِي وهو أنَّهم سَألُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ هَذا العَذابَ بِمَن يَنْزِلُ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ واقِعٌ لِلْكافِرِينَ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو السَّدِيدُ.
وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الآيَةِ بِعَذابٍ واقِعٍ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: لَيْسَ لِذَلِكَ العَذابِ الصّادِرِ مِنَ اللَّهِ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ، فَإنَّهُ إذا أوْجَبَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ وقَوْلُهُ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ المَعارِجُ: جَمْعُ مِعْرَجٍ وهو المَصْعَدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ ذِي المَعارِجِ، أيْ: ذِي السَّماواتِ، وسَمّاها مَعارِجَ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْرُجُونَ فِيها.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: ذِي الفَواضِلِ والنِّعَمِ وذَلِكَ لِأنَّ لِأيادِيهِ ووُجُوهِ إنْعامِهِ مَراتِبَ، وهي تَصِلُ إلى النّاسِ عَلى مَراتِبَ مُخْتَلِفَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ المَعارِجَ هي الدَّرَجاتُ الَّتِي يُعْطِيها أوْلِياءَهُ في الجَنَّةِ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ هَذِهِ السَّماواتِ كَما أنَّها مُتَفاوِتَةٌ في الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ والكِبَرِ والصِّغَرِ، فَكَذا الأرْواحُ المَلَكِيَّةُ مُخْتَلِفَةٌ في القُوَّةِ والضَّعْفِ والكَمالِ والنَّقْصِ، وكَثْرَةِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وقُوَّتِها وشِدَّةِ القُوَّةِ عَلى تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وضَعْفِ تِلْكَ القُوَّةِ، ولَعَلَّ نُورَ إنْعامِ اللَّهِ وأثَرَ فَيْضِ رَحْمَتِهِ لا يَصِلُ إلى هَذا العالَمِ بِواسِطَةِ تِلْكَ الأرْواحِ، إمّا عَلى سَبِيلِ العادَةِ أوْ لا كَذَلِكَ عَلى ما قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤]، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النّازِعاتِ: ٥] فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ الإشارَةُ إلى تِلْكَ الأرْواحِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي كالمَصاعِدِ لِارْتِفاعِ مَراتِبِ الحاجاتِ مِن هَذا العالَمِ إلَيْها، وكالمَنازِلِ لِنُزُولِ أثَرِ الرَّحْمَةِ مِن ذَلِكَ العالَمِ إلى هَهُنا.
المعارج 70:3
صفحة ١٠٧
سُورَةُ المَعارِجِ
أرْبَعُونَ وأرْبَعُ آياتٍ
﷽
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ .
﷽
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَألَ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ مِنهم مَن قَرَأهُ بِالهَمْزَةِ، ومِنهم مَن قَرَأهُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، أمّا الأوَّلُونَ وهُمُ الجُمْهُورُ فَهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ لَمّا قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ أيْ: دَعا داعٍ ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ مِن قَوْلِكَ دَعا بِكَذا إذا اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وعَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُ الباءِ الإسْقاطُ، وتَأْوِيلُ الآيَةِ: سَألَ سائِلٌ عَذابًا واقِعًا، فَأكَّدَ بِالباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مَرَيْمَ: ٢٥] وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَمّا كانَ ﴿سَألَ﴾ مَعْناهُ هَهُنا دَعا لا جَرَمَ عُدِّيَ تَعْدِيَتُهُ، كَأنَّهُ قالَ: دَعا داعٍ بِعَذابٍ مِنَ اللَّهِ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وخَوَّفَ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ قالَ المُشْرِكُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَن هَذا العَذابُ وبِمَن يَقَعُ، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والتَّأْوِيلُ عَلى هَذا القَوْلِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ عَنْ عَذابٍ والباءُ بِمَعْنى عَنْ، كَقَوْلِهِ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
وقالَ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٩] وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿سَألَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ في تَقْدِيرِ عَنى واهْتَمَّ كَأنَّهُ قِيلَ: اهْتَمَّ مُهْتَمٌّ بِعَذابٍ واقِعٍ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا السّائِلُ هو رَسُولُ اللَّهِ اسْتَعْجَلَ بِعَذابِ الكافِرِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ هَذا العَذابَ واقِعٌ بِهِمْ، فَلا دافِعَ لَهُ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المَعارِجِ: ٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ هو الَّذِي أمَرَهُ بِالصَّبْرِ
صفحة ١٠٨
الجَمِيلِ.
أمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي ”سالَ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَلَها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ ﴿سَألَ﴾ بِالهَمْزَةِ فَخَفَّفَ وقَلَبَ قالَ:
سالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ∗∗∗ ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِما سَألَتْ ولَمْ تُصِبِ
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ السَّيَلانِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ”سالَ سَيْلٌ“ والسَّيْلُ مَصْدَرٌ في مَعْنى السّائِلِ، كالغَوْرِ بِمَعْنى الغائِرِ، والمَعْنى انْدَفَعَ وادٍ بِعَذابٍ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قالا: سالَ وادٍ مِنَ أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ . أمّا سائِلٌ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ الهَمْزِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن سَألَ المَهْمُوزِ، فَهو بِالهَمْزِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَهْمُوزِ كانَ بِالهَمْزِ أيْضًا نَحْوَ قائِلٍ وخائِفٍ، إلّا أنَّكَ إنْ شِئْتَ خَفَّفْتَ الهَمْزَةَ فَجَعَلْتَها بَيْنَ بَيْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: سَألَ بِما ذَكَرْنا مِنَ أنَّ النَّضْرَ طَلَبَ العَذابَ، كانَ المَعْنى أنَّهُ طَلَبَ طالِبٌ عَذابًا هو واقِعٌ لا مَحالَةَ سَواءٌ طَلَبَ أوْ لَمْ يَطْلُبْ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ نازِلٌ لِلْكافِرِينَ في الآخِرَةِ واقِعٌ بِهِمْ لا يَدْفَعُهُ عَنْهم أحَدٌ، وقَدْ وقَعَ بِالنَّضْرِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ، وأمّا إذا فَسَّرْناهُ بِالوَجْهِ الثّانِي وهو أنَّهم سَألُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ هَذا العَذابَ بِمَن يَنْزِلُ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ واقِعٌ لِلْكافِرِينَ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو السَّدِيدُ.
وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الآيَةِ بِعَذابٍ واقِعٍ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: لَيْسَ لِذَلِكَ العَذابِ الصّادِرِ مِنَ اللَّهِ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ، فَإنَّهُ إذا أوْجَبَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ وقَوْلُهُ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ المَعارِجُ: جَمْعُ مِعْرَجٍ وهو المَصْعَدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ ذِي المَعارِجِ، أيْ: ذِي السَّماواتِ، وسَمّاها مَعارِجَ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْرُجُونَ فِيها.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: ذِي الفَواضِلِ والنِّعَمِ وذَلِكَ لِأنَّ لِأيادِيهِ ووُجُوهِ إنْعامِهِ مَراتِبَ، وهي تَصِلُ إلى النّاسِ عَلى مَراتِبَ مُخْتَلِفَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ المَعارِجَ هي الدَّرَجاتُ الَّتِي يُعْطِيها أوْلِياءَهُ في الجَنَّةِ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ هَذِهِ السَّماواتِ كَما أنَّها مُتَفاوِتَةٌ في الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ والكِبَرِ والصِّغَرِ، فَكَذا الأرْواحُ المَلَكِيَّةُ مُخْتَلِفَةٌ في القُوَّةِ والضَّعْفِ والكَمالِ والنَّقْصِ، وكَثْرَةِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وقُوَّتِها وشِدَّةِ القُوَّةِ عَلى تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وضَعْفِ تِلْكَ القُوَّةِ، ولَعَلَّ نُورَ إنْعامِ اللَّهِ وأثَرَ فَيْضِ رَحْمَتِهِ لا يَصِلُ إلى هَذا العالَمِ بِواسِطَةِ تِلْكَ الأرْواحِ، إمّا عَلى سَبِيلِ العادَةِ أوْ لا كَذَلِكَ عَلى ما قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤]، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النّازِعاتِ: ٥] فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ الإشارَةُ إلى تِلْكَ الأرْواحِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي كالمَصاعِدِ لِارْتِفاعِ مَراتِبِ الحاجاتِ مِن هَذا العالَمِ إلَيْها، وكالمَنازِلِ لِنُزُولِ أثَرِ الرَّحْمَةِ مِن ذَلِكَ العالَمِ إلى هَهُنا.
المعارج 70:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى في القُرْآنِ أنَّهُ مَتى ذَكَرَ المَلائِكَةَ في مَعْرِضِ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ أفْرَدَ الرُّوحَ بَعْدَهم بِالذِّكْرِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرُّوحَ أعْظَمُ [مِنَ] المَلائِكَةِ قَدْرًا، ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عِنْدَ العُرُوجِ
صفحة ١٠٩
المَلائِكَةَ أوَّلًا والرُّوحَ ثانِيًا، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ عِنْدَ القِيامِ الرُّوحَ أوَّلًا والمَلائِكَةَ ثانِيًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الرُّوحِ أوَّلًا في دَرَجَةِ النُّزُولِ وآخِرًا في دَرَجَةِ الصُّعُودِ، وعِنْدَ هَذا قالَ بَعْضُ المُكاشِفِينَ: إنَّ الرُّوحَ نُورٌ عَظِيمٌ هو أقْرَبُ الأنْوارِ إلى جَلالِ اللَّهِ، ومِنهُ تَتَشَعَّبُ أرْواحُ سائِرِ المَلائِكَةِ والبَشَرِ في آخِرِ دَرَجاتِ مَنازِلِ الأرْواحِ، وبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَعارِجُ مَراتِبِ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ ومَدارِجُ مَنازِلِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ، ولا يَعْلَمُ كَمِّيَّتَها إلّا اللَّهُ، وأمّا ظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ وهو أنَّ الرُّوحَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ قَرَّرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ في مَكانٍ، إمّا في العَرْشِ أوْ فَوْقَهُ، بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ ذُو المَعارِجِ وهو إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ في جِهَةِ فَوْقٍ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عُرُوجَ المَلائِكَةِ وصُعُودَهم إلَيْهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى في جِهَةِ فَوْقٍ (والجَوابُ) لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى امْتِناعِ كَوْنِهِ في المَكانِ والجِهَةِ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَأمّا وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ ”ذُو المَعارِجِ“ فَقَدْ ذَكَرْنا الوُجُوهَ فِيهِ، وأمّا حَرْفُ إلى في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ المَكانَ، بَلِ المُرادُ انْتِهاءُ الأُمُورِ إلى مُرادِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هُودٍ: ١٢٣] المُرادُ الِانْتِهاءُ إلى مَوْضِعِ العِزِّ والكَرامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصّافّاتِ: ٩٩] ويَكُونُ هَذا إشارَةً إلى أنَّ دارَ الثَّوابِ أعْلى الأمْكِنَةِ وأرْفَعُها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ مِن صِلَةِ تَعْرُجُ، أيْ يَحْصُلُ العُرُوجُ في مِثْلِ هَذا اليَوْمِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ هَذا مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، فَذَلِكَ اليَوْمُ إمّا أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، فَذَلِكَ الطُّولُ إمّا أنْ يَكُونَ واقِعًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الَّتِي تَحْمِلُها هَذِهِ الآيَةُ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَفْصِيلَها.
القَوْلُ الأوَّلُ: هو أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ العُرُوجَ يَقَعُ في يَوْمٍ مِنَ أيّامِ الآخِرَةِ؛ طُولُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ قالَ: ولَيْسَ يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ طُولِهِ هَذا فَقَطْ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَحَصَلَتْ لَهُ غايَةٌ ولَفَنِيَتِ الجَنَّةُ والنّارُ عِنْدَ تِلْكَ الغايَةِ وهَذا غَيْرُ جائِزٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ مَوْقِفَهم لِلْحِسابِ حَتّى يُفْصَلَ بَيْنَ النّاسِ، خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ مِن سِنِيِّ الدُّنْيا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَقِرُّ أهْلُ النّارِ في دَرَكاتِ النِّيرانِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها. واعْلَمْ أنَّ هَذا الطُّولَ إنَّما يَكُونُ في حَقِّ الكافِرِ، أمّا في حَقِّ المُؤْمِنِ فَلا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٤] واتَّفَقُوا عَلى [أنَّ] ذَلِكَ [المَقِيلَ والمُسْتَقَرَّ] هو الجَنَّةُ، وأمّا الخَبَرُ فَما رُوِيَ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما طُولُ هَذا اليَوْمِ ؟ فَقالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ عَلَيْهِ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» “ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ وإنْ طالَ فَهو يَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ السُّرُورِ والرّاحَةِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، ويَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ الحُزْنِ والغَمِّ لِأهْلِ النّارِ. (الجَوابُ) عَنْهُ أنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ، فَلا بُدَّ مِنَ أنْ يُعَجَّلَ لِلْمُثابِينَ ثَوابُهم، ودارُ الثَّوابِ هي الجَنَّةُ لا المَوْقِفُ، فَإذَنْ لا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ طُولِ المَوْقِفِ بِالكُفّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: هو أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ واقِعَةٌ في الآخِرَةِ، لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ لا عَلى سَبِيلِ التَّحَقُّقِ، والمَعْنى أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ القَضاءِ
صفحة ١١٠
والحُكُومَةِ أعْقَلُ الخَلْقِ وأذْكاهم لَبَقِيَ فِيهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُتَمِّمُ ذَلِكَ القَضاءَ والحُكُومَةَ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنَ أيّامِ الدُّنْيا، وأيْضًا المَلائِكَةُ يَعْرُجُونَ إلى مَواضِعَ لَوْ أرادَ واحِدٌ مِنَ أهْلِ الدُّنْيا أنْ يَصْعَدَ إلَيْها لَبَقِيَ في ذَلِكَ الصُّعُودِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهم يَصْعَدُونَ إلَيْها في ساعَةٍ قَلِيلَةٍ، وهَذا قَوْلُ وهْبٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
القَوْلُ الثّالِثُ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ هَذا اليَوْمَ هو يَوْمُ الدُّنْيا كُلِّها مِنَ أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ إلى آخِرِ الفَناءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا بُدَّ في يَوْمِ الدُّنْيا مِن عُرُوجِ المَلائِكَةِ ونُزُولِهِمْ، وهَذا اليَوْمُ مُقَدَّرٌ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ لا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَصِيرَ وقْتُ القِيامَةِ مَعْلُومًا؛ لِأنّا لا نَدْرِي كَمْ مَضى وكَمْ بَقِيَ.
القَوْلُ الرّابِعُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ مِنَ اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اسْتِطالَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ لِشِدَّتِهِ عَلى الكُفّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَقْدِيرَ مُدَّتِهِ، وعَلى هَذا فَلَيْسَ المُرادُ تَقْدِيرَ العَذابِ بِهَذا المِقْدارِ، بَلِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى طُولِ مُدَّةِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّ العَذابَ الَّذِي سَألَهُ ذَلِكَ السّائِلُ يَكُونُ مُقَدَّرًا بِهَذِهِ المُدَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْقُلُهُ إلى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السَّجْدَةِ: ٥] فَقالَ: أيّامٌ سَمّاها اللَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِها كَيْفَ تَكُونُ، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ فِيها ما لا أعْلَمُ، فَإنْ قِيلَ: فَما قَوْلُكم في التَّوْفِيقِ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ؟ قُلْنا: قالَ وهْبٌ في الجَوابِ عَنْ هَذا: ما بَيْنَ أسْفَلِ العالَمِ إلى أعْلى شُرُفاتِ العَرْشِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنَ أعْلى السَّماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ عَرْضَ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمِائَةٌ أُخْرى، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ يُرِيدُ مِنَ أيّامِ الدُّنْيا وهو مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ لَوْ صَعَدُوا فِيهِ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ومِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ لَوْ صَعَدُوا إلى أعالِي العَرْشِ.
المعارج 70:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِ ”﴿سَألَ سائِلٌ﴾“ لِأنَّ اسْتِعْجالَ النَّضْرِ بِالعَذابِ إنَّما كانَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ والتَّكْذِيبِ بِالوَحْيِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُضْجِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَن يَسْألُ عَنِ العَذابِ لِمَن هو فَإنَّما يَسْألُ عَلى طَرِيقِ التَّعَنُّتِ مِن كُفّارِ مَكَّةَ، ومَن قَرَأ: ”سالَ سائِلٌ“ فَمَعْناهُ جاءَ العَذابُ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ فاصْبِرْ فَقَدْ جاءَ وقْتُ الِانْتِقامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ الرَّسُولُ بِالقِتالِ.
المعارج 70:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى العَذابِ الواقِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى: ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أيْ: يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الإحالَةِ ونَحْنُ نَراهُ قَرِيبًا هَيِّنًا في
صفحة ١١١
قُدْرَتِنا غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ. فالمُرادُ بِالبَعِيدِ البَعِيدُ مِنَ الإمْكانِ، وبِالقَرِيبِ القَرِيبُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”يَوْمَ تَكُونُ“ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: بِقَرِيبًا، والتَّقْدِيرُ: ونَراهُ قَرِيبًا، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ، أيْ يُمْكِنُ ولا يَتَعَذَّرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ كانَ كَذا وكَذا.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ذَكَرَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّ السَّماءَ تَكُونُ فِيهِ كالمُهْلِ وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المُهْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ: كَعَكَرِ القَطْرانِ، وقالَ الحَسَنُ: مِثْلُ الفِضَّةِ إذا أُذِيبَتْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَكُونَ الجِبالُ فِيهِ كالعِهْنِ، ومَعْنى العِهْنِ في اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ؛ لِأنَّ الجِبالَ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٍ. فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي يَعْصِبُ لَهُ، وعَدَمُ السُّؤالِ إنَّما كانَ لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] ثُمَّ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمِهِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ.
الثّانِي: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمَهُ كَيْفَ حالُكَ ولا يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَشْغَلُهُ عَنْ هَذا الكَلامِ.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا شَفاعَةً، ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا إحْسانًا إلَيْهِ ولا رِفْقًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”ولا يُسْألُ“ بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى لا يُسْألُ عَنْ حَمِيمِهِ لِيُتَعَرَّفَ شَأْنُهُ مِن جِهَتِهِ، كَما يُتَعَرَّفُ خَبَرُ الصَّدِيقِ مِن جِهَةِ صَدِيقِهِ، وهَذا أيْضًا عَلى حَذْفِ الجارِّ. قالَ الفَرّاءُ: أيْ لا يُقالُ لِحَمِيمٍ: أيْنَ حَمِيمُكَ. ولَسْتُ أُحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.
المعارج 70:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى العَذابِ الواقِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى: ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أيْ: يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الإحالَةِ ونَحْنُ نَراهُ قَرِيبًا هَيِّنًا في
صفحة ١١١
قُدْرَتِنا غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ. فالمُرادُ بِالبَعِيدِ البَعِيدُ مِنَ الإمْكانِ، وبِالقَرِيبِ القَرِيبُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”يَوْمَ تَكُونُ“ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: بِقَرِيبًا، والتَّقْدِيرُ: ونَراهُ قَرِيبًا، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ، أيْ يُمْكِنُ ولا يَتَعَذَّرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ كانَ كَذا وكَذا.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ذَكَرَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّ السَّماءَ تَكُونُ فِيهِ كالمُهْلِ وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المُهْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ: كَعَكَرِ القَطْرانِ، وقالَ الحَسَنُ: مِثْلُ الفِضَّةِ إذا أُذِيبَتْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَكُونَ الجِبالُ فِيهِ كالعِهْنِ، ومَعْنى العِهْنِ في اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ؛ لِأنَّ الجِبالَ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٍ. فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي يَعْصِبُ لَهُ، وعَدَمُ السُّؤالِ إنَّما كانَ لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] ثُمَّ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمِهِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ.
الثّانِي: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمَهُ كَيْفَ حالُكَ ولا يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَشْغَلُهُ عَنْ هَذا الكَلامِ.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا شَفاعَةً، ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا إحْسانًا إلَيْهِ ولا رِفْقًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”ولا يُسْألُ“ بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى لا يُسْألُ عَنْ حَمِيمِهِ لِيُتَعَرَّفَ شَأْنُهُ مِن جِهَتِهِ، كَما يُتَعَرَّفُ خَبَرُ الصَّدِيقِ مِن جِهَةِ صَدِيقِهِ، وهَذا أيْضًا عَلى حَذْفِ الجارِّ. قالَ الفَرّاءُ: أيْ لا يُقالُ لِحَمِيمٍ: أيْنَ حَمِيمُكَ. ولَسْتُ أُحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.
المعارج 70:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى العَذابِ الواقِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى: ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أيْ: يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الإحالَةِ ونَحْنُ نَراهُ قَرِيبًا هَيِّنًا في
صفحة ١١١
قُدْرَتِنا غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ. فالمُرادُ بِالبَعِيدِ البَعِيدُ مِنَ الإمْكانِ، وبِالقَرِيبِ القَرِيبُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”يَوْمَ تَكُونُ“ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: بِقَرِيبًا، والتَّقْدِيرُ: ونَراهُ قَرِيبًا، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ، أيْ يُمْكِنُ ولا يَتَعَذَّرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ كانَ كَذا وكَذا.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ذَكَرَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّ السَّماءَ تَكُونُ فِيهِ كالمُهْلِ وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المُهْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ: كَعَكَرِ القَطْرانِ، وقالَ الحَسَنُ: مِثْلُ الفِضَّةِ إذا أُذِيبَتْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَكُونَ الجِبالُ فِيهِ كالعِهْنِ، ومَعْنى العِهْنِ في اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ؛ لِأنَّ الجِبالَ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٍ. فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي يَعْصِبُ لَهُ، وعَدَمُ السُّؤالِ إنَّما كانَ لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] ثُمَّ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمِهِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ.
الثّانِي: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمَهُ كَيْفَ حالُكَ ولا يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَشْغَلُهُ عَنْ هَذا الكَلامِ.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا شَفاعَةً، ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا إحْسانًا إلَيْهِ ولا رِفْقًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”ولا يُسْألُ“ بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى لا يُسْألُ عَنْ حَمِيمِهِ لِيُتَعَرَّفَ شَأْنُهُ مِن جِهَتِهِ، كَما يُتَعَرَّفُ خَبَرُ الصَّدِيقِ مِن جِهَةِ صَدِيقِهِ، وهَذا أيْضًا عَلى حَذْفِ الجارِّ. قالَ الفَرّاءُ: أيْ لا يُقالُ لِحَمِيمٍ: أيْنَ حَمِيمُكَ. ولَسْتُ أُحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.
المعارج 70:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى العَذابِ الواقِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى: ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أيْ: يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الإحالَةِ ونَحْنُ نَراهُ قَرِيبًا هَيِّنًا في
صفحة ١١١
قُدْرَتِنا غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ. فالمُرادُ بِالبَعِيدِ البَعِيدُ مِنَ الإمْكانِ، وبِالقَرِيبِ القَرِيبُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”يَوْمَ تَكُونُ“ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: بِقَرِيبًا، والتَّقْدِيرُ: ونَراهُ قَرِيبًا، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ، أيْ يُمْكِنُ ولا يَتَعَذَّرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ كانَ كَذا وكَذا.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ذَكَرَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّ السَّماءَ تَكُونُ فِيهِ كالمُهْلِ وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المُهْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ: كَعَكَرِ القَطْرانِ، وقالَ الحَسَنُ: مِثْلُ الفِضَّةِ إذا أُذِيبَتْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَكُونَ الجِبالُ فِيهِ كالعِهْنِ، ومَعْنى العِهْنِ في اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ؛ لِأنَّ الجِبالَ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٍ. فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي يَعْصِبُ لَهُ، وعَدَمُ السُّؤالِ إنَّما كانَ لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] ثُمَّ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمِهِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ.
الثّانِي: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمَهُ كَيْفَ حالُكَ ولا يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَشْغَلُهُ عَنْ هَذا الكَلامِ.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا شَفاعَةً، ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا إحْسانًا إلَيْهِ ولا رِفْقًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”ولا يُسْألُ“ بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى لا يُسْألُ عَنْ حَمِيمِهِ لِيُتَعَرَّفَ شَأْنُهُ مِن جِهَتِهِ، كَما يُتَعَرَّفُ خَبَرُ الصَّدِيقِ مِن جِهَةِ صَدِيقِهِ، وهَذا أيْضًا عَلى حَذْفِ الجارِّ. قالَ الفَرّاءُ: أيْ لا يُقالُ لِحَمِيمٍ: أيْنَ حَمِيمُكَ. ولَسْتُ أُحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.
المعارج 70:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى العَذابِ الواقِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى: ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أيْ: يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الإحالَةِ ونَحْنُ نَراهُ قَرِيبًا هَيِّنًا في
صفحة ١١١
قُدْرَتِنا غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ. فالمُرادُ بِالبَعِيدِ البَعِيدُ مِنَ الإمْكانِ، وبِالقَرِيبِ القَرِيبُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”يَوْمَ تَكُونُ“ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: بِقَرِيبًا، والتَّقْدِيرُ: ونَراهُ قَرِيبًا، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ، أيْ يُمْكِنُ ولا يَتَعَذَّرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ كانَ كَذا وكَذا.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ذَكَرَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّ السَّماءَ تَكُونُ فِيهِ كالمُهْلِ وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المُهْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ: كَعَكَرِ القَطْرانِ، وقالَ الحَسَنُ: مِثْلُ الفِضَّةِ إذا أُذِيبَتْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَكُونَ الجِبالُ فِيهِ كالعِهْنِ، ومَعْنى العِهْنِ في اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ؛ لِأنَّ الجِبالَ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٍ. فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي يَعْصِبُ لَهُ، وعَدَمُ السُّؤالِ إنَّما كانَ لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] ثُمَّ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمِهِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ.
الثّانِي: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمَهُ كَيْفَ حالُكَ ولا يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَشْغَلُهُ عَنْ هَذا الكَلامِ.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا شَفاعَةً، ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا إحْسانًا إلَيْهِ ولا رِفْقًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”ولا يُسْألُ“ بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى لا يُسْألُ عَنْ حَمِيمِهِ لِيُتَعَرَّفَ شَأْنُهُ مِن جِهَتِهِ، كَما يُتَعَرَّفُ خَبَرُ الصَّدِيقِ مِن جِهَةِ صَدِيقِهِ، وهَذا أيْضًا عَلى حَذْفِ الجارِّ. قالَ الفَرّاءُ: أيْ لا يُقالُ لِحَمِيمٍ: أيْنَ حَمِيمُكَ. ولَسْتُ أُحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.
المعارج 70:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يُقالُ: بَصُرْتُ بِهِ أُبْصِرُ، قالَ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] ويُقالُ: بَصَّرْتُ زَيْدًا بِكَذا فَإذا حَذَفْتَ الجارَّ قُلْتَ: بَصَّرَنِي زَيْدٌ كَذا فَإذا أثْبَتَ الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ بِهِ وقَدْ حَذَفْتَ الجارَّ
صفحة ١١٢
قُلْتَ: بَصِّرْنِي زَيْدًا، فَهَذا هو مَعْنى يُبَصَّرُونَهم، وإنَّما جُمِعَ فَقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم لِأنَّ الحَمِيمَ وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ فالمُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ والجَمِيعُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٠] ومَعْنى يُبَصَّرُونَهم يُعَرَّفُونَهم، أيْ يُعَرَّفُ الحَمِيمُ الحَمِيمَ حَتّى يَعْرِفَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَسْألُهُ عَنْ شَأْنِهِ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما مَوْضِعُ يُبَصَّرُونَهم ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ قِيلَ: لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ يُبَصَّرُونَهم ولَكِنَّهم لِاشْتِغالِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن تَساؤُلِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والمَعْنى أنَّ المُجْرِمِينَ يُبْصَّرُونَ المُؤْمِنِينَ حالَ ما يَوَدُّ أحَدُهم أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِكُلِّ ما يَمْلِكُهُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في البِلاءِ الشَّدِيدِ ثُمَّ رَآهُ عَدُوُّهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ كانَ ذَلِكَ في نِهايَةِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُجْرِمُ هو الكافِرُ، وقِيلَ: يَتَناوَلُ كُلَّ مُذْنِبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَوْمِئِذٍ“ بِالجَرِّ والفَتْحِ عَلى البِناءِ، لِسَبَبِ الإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وقُرِئَ أيْضًا: ”مِن عَذابٍ يَوْمَئِذٍ“ بِتَنْوِينِ ”عَذابٍ“ ونَصْبِ ”يَوْمَئِذٍ“ وانْتِصابُهُ بِعَذابٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ.
﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ فَصِيلَةُ الرَّجُلِ، أقارِبُهُ الأقْرَبُونَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم ويَنْتَهِي إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الفَصِيلَةِ المَفْصُولَةُ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مُنْفَصِلًا مِنَ الأبَوَيْنِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي“» فَلَمّا كانَ هو مَفْصُولًا مِنهُما، كانا أيْضًا مَفْصُولَيْنِ مِنهُ، فَسُمِّيا فَصِيلَةً لِهَذا السَّبَبِ، وكانَ يُقالُ لِلْعَبّاسِ فَصِيلَةُ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ العَمَّ قائِمٌ مَقامَ الأبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُؤْوِيهِ﴾ فالمَعْنى تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها في النَّسَبِ، أوْ تَمَسُّكًا بِها في النَّوائِبِ.
المعارج 70:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يُقالُ: بَصُرْتُ بِهِ أُبْصِرُ، قالَ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] ويُقالُ: بَصَّرْتُ زَيْدًا بِكَذا فَإذا حَذَفْتَ الجارَّ قُلْتَ: بَصَّرَنِي زَيْدٌ كَذا فَإذا أثْبَتَ الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ بِهِ وقَدْ حَذَفْتَ الجارَّ
صفحة ١١٢
قُلْتَ: بَصِّرْنِي زَيْدًا، فَهَذا هو مَعْنى يُبَصَّرُونَهم، وإنَّما جُمِعَ فَقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم لِأنَّ الحَمِيمَ وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ فالمُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ والجَمِيعُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٠] ومَعْنى يُبَصَّرُونَهم يُعَرَّفُونَهم، أيْ يُعَرَّفُ الحَمِيمُ الحَمِيمَ حَتّى يَعْرِفَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَسْألُهُ عَنْ شَأْنِهِ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما مَوْضِعُ يُبَصَّرُونَهم ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ قِيلَ: لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ يُبَصَّرُونَهم ولَكِنَّهم لِاشْتِغالِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن تَساؤُلِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والمَعْنى أنَّ المُجْرِمِينَ يُبْصَّرُونَ المُؤْمِنِينَ حالَ ما يَوَدُّ أحَدُهم أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِكُلِّ ما يَمْلِكُهُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في البِلاءِ الشَّدِيدِ ثُمَّ رَآهُ عَدُوُّهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ كانَ ذَلِكَ في نِهايَةِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُجْرِمُ هو الكافِرُ، وقِيلَ: يَتَناوَلُ كُلَّ مُذْنِبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَوْمِئِذٍ“ بِالجَرِّ والفَتْحِ عَلى البِناءِ، لِسَبَبِ الإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وقُرِئَ أيْضًا: ”مِن عَذابٍ يَوْمَئِذٍ“ بِتَنْوِينِ ”عَذابٍ“ ونَصْبِ ”يَوْمَئِذٍ“ وانْتِصابُهُ بِعَذابٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ.
﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ فَصِيلَةُ الرَّجُلِ، أقارِبُهُ الأقْرَبُونَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم ويَنْتَهِي إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الفَصِيلَةِ المَفْصُولَةُ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مُنْفَصِلًا مِنَ الأبَوَيْنِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي“» فَلَمّا كانَ هو مَفْصُولًا مِنهُما، كانا أيْضًا مَفْصُولَيْنِ مِنهُ، فَسُمِّيا فَصِيلَةً لِهَذا السَّبَبِ، وكانَ يُقالُ لِلْعَبّاسِ فَصِيلَةُ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ العَمَّ قائِمٌ مَقامَ الأبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُؤْوِيهِ﴾ فالمَعْنى تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها في النَّسَبِ، أوْ تَمَسُّكًا بِها في النَّوائِبِ.
المعارج 70:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يُقالُ: بَصُرْتُ بِهِ أُبْصِرُ، قالَ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] ويُقالُ: بَصَّرْتُ زَيْدًا بِكَذا فَإذا حَذَفْتَ الجارَّ قُلْتَ: بَصَّرَنِي زَيْدٌ كَذا فَإذا أثْبَتَ الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ بِهِ وقَدْ حَذَفْتَ الجارَّ
صفحة ١١٢
قُلْتَ: بَصِّرْنِي زَيْدًا، فَهَذا هو مَعْنى يُبَصَّرُونَهم، وإنَّما جُمِعَ فَقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم لِأنَّ الحَمِيمَ وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ فالمُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ والجَمِيعُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٠] ومَعْنى يُبَصَّرُونَهم يُعَرَّفُونَهم، أيْ يُعَرَّفُ الحَمِيمُ الحَمِيمَ حَتّى يَعْرِفَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَسْألُهُ عَنْ شَأْنِهِ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما مَوْضِعُ يُبَصَّرُونَهم ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ قِيلَ: لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ يُبَصَّرُونَهم ولَكِنَّهم لِاشْتِغالِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن تَساؤُلِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والمَعْنى أنَّ المُجْرِمِينَ يُبْصَّرُونَ المُؤْمِنِينَ حالَ ما يَوَدُّ أحَدُهم أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِكُلِّ ما يَمْلِكُهُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في البِلاءِ الشَّدِيدِ ثُمَّ رَآهُ عَدُوُّهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ كانَ ذَلِكَ في نِهايَةِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُجْرِمُ هو الكافِرُ، وقِيلَ: يَتَناوَلُ كُلَّ مُذْنِبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَوْمِئِذٍ“ بِالجَرِّ والفَتْحِ عَلى البِناءِ، لِسَبَبِ الإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وقُرِئَ أيْضًا: ”مِن عَذابٍ يَوْمَئِذٍ“ بِتَنْوِينِ ”عَذابٍ“ ونَصْبِ ”يَوْمَئِذٍ“ وانْتِصابُهُ بِعَذابٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ.
﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ فَصِيلَةُ الرَّجُلِ، أقارِبُهُ الأقْرَبُونَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم ويَنْتَهِي إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الفَصِيلَةِ المَفْصُولَةُ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مُنْفَصِلًا مِنَ الأبَوَيْنِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي“» فَلَمّا كانَ هو مَفْصُولًا مِنهُما، كانا أيْضًا مَفْصُولَيْنِ مِنهُ، فَسُمِّيا فَصِيلَةً لِهَذا السَّبَبِ، وكانَ يُقالُ لِلْعَبّاسِ فَصِيلَةُ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ العَمَّ قائِمٌ مَقامَ الأبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُؤْوِيهِ﴾ فالمَعْنى تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها في النَّسَبِ، أوْ تَمَسُّكًا بِها في النَّوائِبِ.
المعارج 70:14
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، والمَعْنى: يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي بِهَذِهِ الأشْياءِ ثُمَّ يُنْجِيهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ والتَّقْدِيرُ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي بِمَن في الأرْضِ ثُمَّ يُنْجِيهِ، و”ثُمَّ“ لِاسْتِبْعادِ الإنْجاءِ، يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ، وبَذَلُهم في فِداءِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ، وهَيْهاتَ أنْ يُنْجِيَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ ”كَلّا“ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَوَدُّ الِافْتِداءَ بِبَنِيهِ، وعَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ الِافْتِداءُ، ولا يُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّمِيرَ لِلنّارِ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَ العَذابِ دَلَّ عَلَيْها.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مِن أسْماءِ النّارِ. قالَ اللَّيْثُ: اللَّظى، اللَّهَبُ الخالِصُ، يُقالُ: لَظَّتِ النّارُ تَلَظّى لَظًى، وتَلَظَّتْ تَلَظِّيًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿نارًا تَلَظّى﴾ [اللَّيْلِ: ١٤] ولَظى عَلَمٌ لِلنّارِ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى، وهو مَعْرِفَةٌ لا يَنْصَرِفُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنَوَّنْ، وقَوْلُهُ: ﴿نَزّاعَةً﴾ مَرْفُوعَةٌ، وفي سَبَبِ هَذا الِارْتِفاعِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ في أنَّها عِمادٌ، أوْ تَجْعَلَ لَظى اسْمَ إنَّ، ونَزّاعَةً خَبَرَ إنَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَظى نَزّاعَةٌ.
والثّانِي: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مُبْتَدَأً، ونَزّاعَةً خَبَرًا، وتَجْعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ القِصَّةِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ القِصَّةَ لَظى نَزّاعَةٌ لِلشَّوى.
والثّالِثُ: أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى وهي نَزّاعَةٌ لِلشَّوى، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ
صفحة ١١٣
فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّها حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَما قالَ: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطِرٍ: ٣١] وكَما يَقُولُ: أنا زَيْدٌ مَعْرُوفًا، اعْتَرَضَ أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ عَلى هَذا وقالَ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، فَإنْ قُلْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لَظى﴾ مَعْنى التَّلَظِّي والتَّلَهُّبِ، فَهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ لَظى اسْمُ عَلَمٍ لِماهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، والماهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْيِيدُها بِالأحْوالِ، إنَّما الَّذِي يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالأحْوالِ هو الأفْعالُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَأيْتُ رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَظى اسْمًا لِنارٍ تَتَلَظّى تَلَظِّيًا شَدِيدًا، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ ناصِبًا، لِقَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً﴾ .
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً عَلى الِاخْتِصاصِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى أعْنِيها نَزّاعَةً لِلشَّوى، ولَمْ تُمْنَعْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿لِلشَّوى﴾ الأطْرافُ، وهي اليَدانِ والرِّجْلانِ، ويُقالُ لِلرّامِي إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ أشْوى، أيْ أصابَ الشَّوى، والشَّوى أيْضًا جِلْدُ الرَّأْسِ، واحِدَتُها شَواةٌ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ
هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: تَنْزِعُ النّارُ الهامَةَ والأطْرافَ فَلا تَتْرُكُ لَحْمًا ولا جِلْدًا إلّا أحْرَقَتْهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: العَصَبُ والعَقِبُ ولَحْمُ السّاقَيْنِ واليَدَيْنِ، وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: لِمَكارِمِ وجْهِ بَنِي آدَمَ. واعْلَمْ أنَّ النّارَ إذا أفْنَتْ هَذِهِ الأعْضاءَ، فاللَّهُ تَعالى يُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى، كَما قالَ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النِّساءِ: ٥٦] .
المعارج 70:15
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، والمَعْنى: يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي بِهَذِهِ الأشْياءِ ثُمَّ يُنْجِيهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ والتَّقْدِيرُ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي بِمَن في الأرْضِ ثُمَّ يُنْجِيهِ، و”ثُمَّ“ لِاسْتِبْعادِ الإنْجاءِ، يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ، وبَذَلُهم في فِداءِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ، وهَيْهاتَ أنْ يُنْجِيَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ ”كَلّا“ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَوَدُّ الِافْتِداءَ بِبَنِيهِ، وعَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ الِافْتِداءُ، ولا يُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّمِيرَ لِلنّارِ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَ العَذابِ دَلَّ عَلَيْها.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مِن أسْماءِ النّارِ. قالَ اللَّيْثُ: اللَّظى، اللَّهَبُ الخالِصُ، يُقالُ: لَظَّتِ النّارُ تَلَظّى لَظًى، وتَلَظَّتْ تَلَظِّيًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿نارًا تَلَظّى﴾ [اللَّيْلِ: ١٤] ولَظى عَلَمٌ لِلنّارِ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى، وهو مَعْرِفَةٌ لا يَنْصَرِفُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنَوَّنْ، وقَوْلُهُ: ﴿نَزّاعَةً﴾ مَرْفُوعَةٌ، وفي سَبَبِ هَذا الِارْتِفاعِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ في أنَّها عِمادٌ، أوْ تَجْعَلَ لَظى اسْمَ إنَّ، ونَزّاعَةً خَبَرَ إنَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَظى نَزّاعَةٌ.
والثّانِي: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مُبْتَدَأً، ونَزّاعَةً خَبَرًا، وتَجْعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ القِصَّةِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ القِصَّةَ لَظى نَزّاعَةٌ لِلشَّوى.
والثّالِثُ: أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى وهي نَزّاعَةٌ لِلشَّوى، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ
صفحة ١١٣
فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّها حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَما قالَ: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطِرٍ: ٣١] وكَما يَقُولُ: أنا زَيْدٌ مَعْرُوفًا، اعْتَرَضَ أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ عَلى هَذا وقالَ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، فَإنْ قُلْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لَظى﴾ مَعْنى التَّلَظِّي والتَّلَهُّبِ، فَهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ لَظى اسْمُ عَلَمٍ لِماهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، والماهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْيِيدُها بِالأحْوالِ، إنَّما الَّذِي يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالأحْوالِ هو الأفْعالُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَأيْتُ رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَظى اسْمًا لِنارٍ تَتَلَظّى تَلَظِّيًا شَدِيدًا، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ ناصِبًا، لِقَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً﴾ .
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً عَلى الِاخْتِصاصِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى أعْنِيها نَزّاعَةً لِلشَّوى، ولَمْ تُمْنَعْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿لِلشَّوى﴾ الأطْرافُ، وهي اليَدانِ والرِّجْلانِ، ويُقالُ لِلرّامِي إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ أشْوى، أيْ أصابَ الشَّوى، والشَّوى أيْضًا جِلْدُ الرَّأْسِ، واحِدَتُها شَواةٌ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ
هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: تَنْزِعُ النّارُ الهامَةَ والأطْرافَ فَلا تَتْرُكُ لَحْمًا ولا جِلْدًا إلّا أحْرَقَتْهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: العَصَبُ والعَقِبُ ولَحْمُ السّاقَيْنِ واليَدَيْنِ، وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: لِمَكارِمِ وجْهِ بَنِي آدَمَ. واعْلَمْ أنَّ النّارَ إذا أفْنَتْ هَذِهِ الأعْضاءَ، فاللَّهُ تَعالى يُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى، كَما قالَ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النِّساءِ: ٥٦] .
المعارج 70:16
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، والمَعْنى: يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي بِهَذِهِ الأشْياءِ ثُمَّ يُنْجِيهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ والتَّقْدِيرُ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي بِمَن في الأرْضِ ثُمَّ يُنْجِيهِ، و”ثُمَّ“ لِاسْتِبْعادِ الإنْجاءِ، يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ، وبَذَلُهم في فِداءِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ، وهَيْهاتَ أنْ يُنْجِيَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ ”كَلّا“ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَوَدُّ الِافْتِداءَ بِبَنِيهِ، وعَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ الِافْتِداءُ، ولا يُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّمِيرَ لِلنّارِ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَ العَذابِ دَلَّ عَلَيْها.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مِن أسْماءِ النّارِ. قالَ اللَّيْثُ: اللَّظى، اللَّهَبُ الخالِصُ، يُقالُ: لَظَّتِ النّارُ تَلَظّى لَظًى، وتَلَظَّتْ تَلَظِّيًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿نارًا تَلَظّى﴾ [اللَّيْلِ: ١٤] ولَظى عَلَمٌ لِلنّارِ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى، وهو مَعْرِفَةٌ لا يَنْصَرِفُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنَوَّنْ، وقَوْلُهُ: ﴿نَزّاعَةً﴾ مَرْفُوعَةٌ، وفي سَبَبِ هَذا الِارْتِفاعِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ في أنَّها عِمادٌ، أوْ تَجْعَلَ لَظى اسْمَ إنَّ، ونَزّاعَةً خَبَرَ إنَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَظى نَزّاعَةٌ.
والثّانِي: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مُبْتَدَأً، ونَزّاعَةً خَبَرًا، وتَجْعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ القِصَّةِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ القِصَّةَ لَظى نَزّاعَةٌ لِلشَّوى.
والثّالِثُ: أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى وهي نَزّاعَةٌ لِلشَّوى، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ
صفحة ١١٣
فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّها حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَما قالَ: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطِرٍ: ٣١] وكَما يَقُولُ: أنا زَيْدٌ مَعْرُوفًا، اعْتَرَضَ أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ عَلى هَذا وقالَ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، فَإنْ قُلْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لَظى﴾ مَعْنى التَّلَظِّي والتَّلَهُّبِ، فَهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ لَظى اسْمُ عَلَمٍ لِماهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، والماهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْيِيدُها بِالأحْوالِ، إنَّما الَّذِي يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالأحْوالِ هو الأفْعالُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَأيْتُ رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَظى اسْمًا لِنارٍ تَتَلَظّى تَلَظِّيًا شَدِيدًا، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ ناصِبًا، لِقَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً﴾ .
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً عَلى الِاخْتِصاصِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى أعْنِيها نَزّاعَةً لِلشَّوى، ولَمْ تُمْنَعْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿لِلشَّوى﴾ الأطْرافُ، وهي اليَدانِ والرِّجْلانِ، ويُقالُ لِلرّامِي إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ أشْوى، أيْ أصابَ الشَّوى، والشَّوى أيْضًا جِلْدُ الرَّأْسِ، واحِدَتُها شَواةٌ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ
هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: تَنْزِعُ النّارُ الهامَةَ والأطْرافَ فَلا تَتْرُكُ لَحْمًا ولا جِلْدًا إلّا أحْرَقَتْهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: العَصَبُ والعَقِبُ ولَحْمُ السّاقَيْنِ واليَدَيْنِ، وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: لِمَكارِمِ وجْهِ بَنِي آدَمَ. واعْلَمْ أنَّ النّارَ إذا أفْنَتْ هَذِهِ الأعْضاءَ، فاللَّهُ تَعالى يُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى، كَما قالَ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النِّساءِ: ٥٦] .
المعارج 70:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ لَظى كَيْفَ تَدْعُو الكافِرَ، فَذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها تَدْعُوهم بِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ ؟ فَإنْ لَمْ تُجِبْكَ جُؤارًا، أجابَتْكَ اعْتِبارًا. فَهَهُنا لَمّا كانَ مَرْجِعُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ إلى زاوِيَةٍ مِن زَوايا جَهَنَّمَ، كَأنَّ تِلْكَ المَواضِعَ تَدْعُوهم وتُحْضِرُهم.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ الكَلامَ في جِرْمِ النّارِ حَتّى تَقُولَ صَرِيحًا: إلَيَّ يا كافِرُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ التِقاطَ الحَبِّ.
وثالِثُها: المُرادُ أنَّ زَبانِيَةَ النّارِ يَدْعُونَ فَأُضِيفَ ذَلِكَ الدُّعاءُ إلى النّارِ بِحَذْفِ المُضافِ.
ورابِعُها: تَدْعُو تُهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ أيْ أهْلَكَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي مَن أدْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ ﴿وجَمَعَ﴾ المالَ ﴿فَأوْعى﴾ أيْ: جَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ، ولَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ والحُقُوقَ الواجِبَةَ فِيها فَقَوْلُهُ: ﴿أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ إشارَةٌ إلى حُبِّ الدُّنْيا، فَجَمَعَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ، وأوْعى إشارَةٌ إلى الأمَلِ، ولا شَكَّ أنَّ مَجامِعَ آفاتِ الدِّينِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالإنْسانِ هَهُنا الكافِرُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عَلى عُمُومِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ اسْتَثْنى مِنهُ إلّا المُصَلِّينَ.
صفحة ١١٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ هَلَعُ الرَّجُلُ يَهْلَعُ هَلَعًا وهَلاعًا فَهو هالِعٌ وهَلُوعٌ، وهو شِدَّةُ الحِرْصِ وقِلَّةُ الصَّبْرِ، يُقالُ: جاعَ فَهَلَعَ، وقالَ الفَرّاءُ: الهَلُوعُ الضَّجُورُ، وقالَ المُبَرِّدُ: الهَلَعُ الضَّجَرُ، يُقالُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الهَلَعِ عِنْدَ مُنازَلَةِ الأقْرانِ، وعَنْ أحْمَدَ بْنِ يَحْيى، قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ، ولا تَفْسِيرَ أبْيَنُ مِن تَفْسِيرِهِ، هو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ ومَنَعَهُ النّاسَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلى هَذا الوَصْفِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى لا يَذُمُّ فِعْلَهُ، ولِأنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا أنْفُسَهم في تَرْكِ هَذِهِ الخَصْلَةِ المَذْمُومَةِ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الخَصْلَةُ ضَرُورِيَّةً حاصِلَةً بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما قَدَرُوا عَلى تَرْكِها. واعْلَمْ أنَّ الهَلَعَ لَفْظٌ واقِعٌ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي لِأجْلِها يَقْدُمُ الإنْسانُ عَلى إظْهارِ الجَزَعِ والتَّضَرُّعِ.
والثّانِي: تِلْكَ الأفْعالُ الظّاهِرَةُ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ الدّالَّةُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ النَّفْسانِيَّةِ، أمّا تِلْكَ الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ فَلا شَكَّ أنَّها تَحْدُثُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن خُلِقَتْ نَفْسُهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ تِلْكَ الحالَةِ مِن نَفْسِهِ، ومَن خُلِقَ شُجاعًا بَطَلًا لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ تِلْكَ الحالَةِ عَنْ نَفْسِهِ بَلِ الأفْعالُ الظّاهِرَةُ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ يُمْكِنُهُ تَرْكُها والإقْدامُ عَلَيْها فَهي أُمُورٌ اخْتِيارِيَّةٌ، أمّا الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي هي الهَلَعُ في الحَقِيقَةِ فَهي مَخْلُوقَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ.
المعارج 70:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ لَظى كَيْفَ تَدْعُو الكافِرَ، فَذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها تَدْعُوهم بِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ ؟ فَإنْ لَمْ تُجِبْكَ جُؤارًا، أجابَتْكَ اعْتِبارًا. فَهَهُنا لَمّا كانَ مَرْجِعُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ إلى زاوِيَةٍ مِن زَوايا جَهَنَّمَ، كَأنَّ تِلْكَ المَواضِعَ تَدْعُوهم وتُحْضِرُهم.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ الكَلامَ في جِرْمِ النّارِ حَتّى تَقُولَ صَرِيحًا: إلَيَّ يا كافِرُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ التِقاطَ الحَبِّ.
وثالِثُها: المُرادُ أنَّ زَبانِيَةَ النّارِ يَدْعُونَ فَأُضِيفَ ذَلِكَ الدُّعاءُ إلى النّارِ بِحَذْفِ المُضافِ.
ورابِعُها: تَدْعُو تُهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ أيْ أهْلَكَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي مَن أدْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ ﴿وجَمَعَ﴾ المالَ ﴿فَأوْعى﴾ أيْ: جَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ، ولَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ والحُقُوقَ الواجِبَةَ فِيها فَقَوْلُهُ: ﴿أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ إشارَةٌ إلى حُبِّ الدُّنْيا، فَجَمَعَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ، وأوْعى إشارَةٌ إلى الأمَلِ، ولا شَكَّ أنَّ مَجامِعَ آفاتِ الدِّينِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالإنْسانِ هَهُنا الكافِرُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عَلى عُمُومِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ اسْتَثْنى مِنهُ إلّا المُصَلِّينَ.
صفحة ١١٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ هَلَعُ الرَّجُلُ يَهْلَعُ هَلَعًا وهَلاعًا فَهو هالِعٌ وهَلُوعٌ، وهو شِدَّةُ الحِرْصِ وقِلَّةُ الصَّبْرِ، يُقالُ: جاعَ فَهَلَعَ، وقالَ الفَرّاءُ: الهَلُوعُ الضَّجُورُ، وقالَ المُبَرِّدُ: الهَلَعُ الضَّجَرُ، يُقالُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الهَلَعِ عِنْدَ مُنازَلَةِ الأقْرانِ، وعَنْ أحْمَدَ بْنِ يَحْيى، قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ، ولا تَفْسِيرَ أبْيَنُ مِن تَفْسِيرِهِ، هو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ ومَنَعَهُ النّاسَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلى هَذا الوَصْفِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى لا يَذُمُّ فِعْلَهُ، ولِأنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا أنْفُسَهم في تَرْكِ هَذِهِ الخَصْلَةِ المَذْمُومَةِ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الخَصْلَةُ ضَرُورِيَّةً حاصِلَةً بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما قَدَرُوا عَلى تَرْكِها. واعْلَمْ أنَّ الهَلَعَ لَفْظٌ واقِعٌ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي لِأجْلِها يَقْدُمُ الإنْسانُ عَلى إظْهارِ الجَزَعِ والتَّضَرُّعِ.
والثّانِي: تِلْكَ الأفْعالُ الظّاهِرَةُ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ الدّالَّةُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ النَّفْسانِيَّةِ، أمّا تِلْكَ الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ فَلا شَكَّ أنَّها تَحْدُثُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن خُلِقَتْ نَفْسُهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ تِلْكَ الحالَةِ مِن نَفْسِهِ، ومَن خُلِقَ شُجاعًا بَطَلًا لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ تِلْكَ الحالَةِ عَنْ نَفْسِهِ بَلِ الأفْعالُ الظّاهِرَةُ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ يُمْكِنُهُ تَرْكُها والإقْدامُ عَلَيْها فَهي أُمُورٌ اخْتِيارِيَّةٌ، أمّا الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي هي الهَلَعُ في الحَقِيقَةِ فَهي مَخْلُوقَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ.
المعارج 70:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُوا مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ لَظى كَيْفَ تَدْعُو الكافِرَ، فَذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها تَدْعُوهم بِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ: سَلِ الأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ، وغَرَسَ أشْجارَكِ ؟ فَإنْ لَمْ تُجِبْكَ جُؤارًا، أجابَتْكَ اعْتِبارًا. فَهَهُنا لَمّا كانَ مَرْجِعُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكُفّارِ إلى زاوِيَةٍ مِن زَوايا جَهَنَّمَ، كَأنَّ تِلْكَ المَواضِعَ تَدْعُوهم وتُحْضِرُهم.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ الكَلامَ في جِرْمِ النّارِ حَتّى تَقُولَ صَرِيحًا: إلَيَّ يا كافِرُ، إلَيَّ يا مُنافِقُ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ التِقاطَ الحَبِّ.
وثالِثُها: المُرادُ أنَّ زَبانِيَةَ النّارِ يَدْعُونَ فَأُضِيفَ ذَلِكَ الدُّعاءُ إلى النّارِ بِحَذْفِ المُضافِ.
ورابِعُها: تَدْعُو تُهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ أيْ أهْلَكَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ يَعْنِي مَن أدْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ وتَوَلّى عَنِ الإيمانِ ﴿وجَمَعَ﴾ المالَ ﴿فَأوْعى﴾ أيْ: جَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنَزَهُ، ولَمْ يُؤَدِّ الزَّكاةَ والحُقُوقَ الواجِبَةَ فِيها فَقَوْلُهُ: ﴿أدْبَرَ وتَوَلّى﴾ إشارَةٌ إلى الإعْراضِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ إشارَةٌ إلى حُبِّ الدُّنْيا، فَجَمَعَ إشارَةٌ إلى الحِرْصِ، وأوْعى إشارَةٌ إلى الأمَلِ، ولا شَكَّ أنَّ مَجامِعَ آفاتِ الدِّينِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالإنْسانِ هَهُنا الكافِرُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو عَلى عُمُومِهِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ اسْتَثْنى مِنهُ إلّا المُصَلِّينَ.
صفحة ١١٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ هَلَعُ الرَّجُلُ يَهْلَعُ هَلَعًا وهَلاعًا فَهو هالِعٌ وهَلُوعٌ، وهو شِدَّةُ الحِرْصِ وقِلَّةُ الصَّبْرِ، يُقالُ: جاعَ فَهَلَعَ، وقالَ الفَرّاءُ: الهَلُوعُ الضَّجُورُ، وقالَ المُبَرِّدُ: الهَلَعُ الضَّجَرُ، يُقالُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الهَلَعِ عِنْدَ مُنازَلَةِ الأقْرانِ، وعَنْ أحْمَدَ بْنِ يَحْيى، قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ، ولا تَفْسِيرَ أبْيَنُ مِن تَفْسِيرِهِ، هو الَّذِي إذا نالَهُ شَرٌّ أظْهَرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا نالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ ومَنَعَهُ النّاسَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلى هَذا الوَصْفِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى لا يَذُمُّ فِعْلَهُ، ولِأنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا أنْفُسَهم في تَرْكِ هَذِهِ الخَصْلَةِ المَذْمُومَةِ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الخَصْلَةُ ضَرُورِيَّةً حاصِلَةً بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما قَدَرُوا عَلى تَرْكِها. واعْلَمْ أنَّ الهَلَعَ لَفْظٌ واقِعٌ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي لِأجْلِها يَقْدُمُ الإنْسانُ عَلى إظْهارِ الجَزَعِ والتَّضَرُّعِ.
والثّانِي: تِلْكَ الأفْعالُ الظّاهِرَةُ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ الدّالَّةُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ النَّفْسانِيَّةِ، أمّا تِلْكَ الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ فَلا شَكَّ أنَّها تَحْدُثُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن خُلِقَتْ نَفْسُهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ تِلْكَ الحالَةِ مِن نَفْسِهِ، ومَن خُلِقَ شُجاعًا بَطَلًا لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ تِلْكَ الحالَةِ عَنْ نَفْسِهِ بَلِ الأفْعالُ الظّاهِرَةُ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ يُمْكِنُهُ تَرْكُها والإقْدامُ عَلَيْها فَهي أُمُورٌ اخْتِيارِيَّةٌ، أمّا الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي هي الهَلَعُ في الحَقِيقَةِ فَهي مَخْلُوقَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ.
المعارج 70:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ .
المُرادُ مِنَ الشَّرِّ والخَيْرِ الفَقْرُ والغِنى أوِ المَرَضُ والصِّحَّةُ، فالمَعْنى أنَّهُ إذا صارَ فَقِيرًا أوْ مَرِيضًا أخَذَ في الجَزَعِ والشِّكايَةِ، وإذا صارَ غَنِيًّا أوْ صَحِيحًا أخَذَ في مَنعِ المَعْرُوفِ وشَحَّ بِمالِهِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى النّاسِ، فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ نَفُورٌ عَنِ المَضارِّ طالِبٌ لِلرّاحَةِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِالعَقْلِ فَلِمَ ذَمَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ؟ قُلْنا: إنَّما ذَمَّهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قاصِرُ النَّظَرِ عَلى الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ العاجِلَةِ، وكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإذا وقَعَ في مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ وعَلِمَ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى كانَ راضِيًا بِهِ، لِعِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويُحْكِمُ ما يُرِيدُ، وإذا وجَدَ المالَ والصِّحَّةَ صَرَفَهُما إلى طَلَبِ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّهُ اسْتَثْنى مِن هَذِهِ الحالَةِ المَذْكُورَةِ المَذْمُومَةِ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِثَمانِيَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٣٤] قُلْنا: مَعْنى دَوامِهِمْ عَلَيْها أنْ لا يَتْرُكُوها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها تَرْجِعُ إلى الِاهْتِمامِ بِحالِها حَتّى يُؤْتى بِها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وهَذا الِاهْتِمامُ إنَّما يَحْصُلُ تارَةً بِأُمُورٍ سابِقَةٍ عَلى الصَّلاةِ، وتارَةً بِأُمُورٍ لاحِقَةٍ بِها، وتارَةً بِأُمُورٍ مُتَراخِيَةٍ عَنْها، أمّا الأُمُورُ السّابِقَةُ فَهو أنْ يَكُونَ قَبْلَ دُخُولِ وقْتِها مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِدُخُولِ أوْقاتِها، ومُتَعَلِّقٌ بِالوُضُوءِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ وطَلَبِ القِبْلَةِ، ووِجْدانِ الثَّوْبِ
صفحة ١١٥
والمَكانِ الطّاهِرَيْنِ، والإتْيانِ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، وفي المَساجِدِ المُبارَكَةِ، وأنْ يَجْتَهِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ في الصَّلاةِ في تَفْرِيغِ القَلْبِ عَنِ الوَساوِسِ والِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وأنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وأمّا الأُمُورُ المُقارِنَةُ فَهو أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شِمالًا، وأنْ يَكُونَ حاضِرَ القَلْبِ عِنْدَ القِراءَةِ، فاهِمًا لِلْأذْكارِ، مُطَّلِعًا عَلى حُكْمِ الصَّلاةِ، وأمّا الأُمُورُ المُتَراخِيَةُ فَهي أنْ لا يَشْتَغِلَ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ بِاللَّغْوِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ، وأنْ يَحْتَرِزَ كُلَّ الِاحْتِرازِ عَنِ الإتْيانِ بَعْدَها بِشَيْءٍ مِنَ المَعاصِي.
المعارج 70:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ .
المُرادُ مِنَ الشَّرِّ والخَيْرِ الفَقْرُ والغِنى أوِ المَرَضُ والصِّحَّةُ، فالمَعْنى أنَّهُ إذا صارَ فَقِيرًا أوْ مَرِيضًا أخَذَ في الجَزَعِ والشِّكايَةِ، وإذا صارَ غَنِيًّا أوْ صَحِيحًا أخَذَ في مَنعِ المَعْرُوفِ وشَحَّ بِمالِهِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى النّاسِ، فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ نَفُورٌ عَنِ المَضارِّ طالِبٌ لِلرّاحَةِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِالعَقْلِ فَلِمَ ذَمَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ؟ قُلْنا: إنَّما ذَمَّهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قاصِرُ النَّظَرِ عَلى الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ العاجِلَةِ، وكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإذا وقَعَ في مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ وعَلِمَ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى كانَ راضِيًا بِهِ، لِعِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويُحْكِمُ ما يُرِيدُ، وإذا وجَدَ المالَ والصِّحَّةَ صَرَفَهُما إلى طَلَبِ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّهُ اسْتَثْنى مِن هَذِهِ الحالَةِ المَذْكُورَةِ المَذْمُومَةِ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِثَمانِيَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٣٤] قُلْنا: مَعْنى دَوامِهِمْ عَلَيْها أنْ لا يَتْرُكُوها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها تَرْجِعُ إلى الِاهْتِمامِ بِحالِها حَتّى يُؤْتى بِها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وهَذا الِاهْتِمامُ إنَّما يَحْصُلُ تارَةً بِأُمُورٍ سابِقَةٍ عَلى الصَّلاةِ، وتارَةً بِأُمُورٍ لاحِقَةٍ بِها، وتارَةً بِأُمُورٍ مُتَراخِيَةٍ عَنْها، أمّا الأُمُورُ السّابِقَةُ فَهو أنْ يَكُونَ قَبْلَ دُخُولِ وقْتِها مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِدُخُولِ أوْقاتِها، ومُتَعَلِّقٌ بِالوُضُوءِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ وطَلَبِ القِبْلَةِ، ووِجْدانِ الثَّوْبِ
صفحة ١١٥
والمَكانِ الطّاهِرَيْنِ، والإتْيانِ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، وفي المَساجِدِ المُبارَكَةِ، وأنْ يَجْتَهِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ في الصَّلاةِ في تَفْرِيغِ القَلْبِ عَنِ الوَساوِسِ والِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وأنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وأمّا الأُمُورُ المُقارِنَةُ فَهو أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شِمالًا، وأنْ يَكُونَ حاضِرَ القَلْبِ عِنْدَ القِراءَةِ، فاهِمًا لِلْأذْكارِ، مُطَّلِعًا عَلى حُكْمِ الصَّلاةِ، وأمّا الأُمُورُ المُتَراخِيَةُ فَهي أنْ لا يَشْتَغِلَ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ بِاللَّغْوِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ، وأنْ يَحْتَرِزَ كُلَّ الِاحْتِرازِ عَنِ الإتْيانِ بَعْدَها بِشَيْءٍ مِنَ المَعاصِي.
المعارج 70:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ .
المُرادُ مِنَ الشَّرِّ والخَيْرِ الفَقْرُ والغِنى أوِ المَرَضُ والصِّحَّةُ، فالمَعْنى أنَّهُ إذا صارَ فَقِيرًا أوْ مَرِيضًا أخَذَ في الجَزَعِ والشِّكايَةِ، وإذا صارَ غَنِيًّا أوْ صَحِيحًا أخَذَ في مَنعِ المَعْرُوفِ وشَحَّ بِمالِهِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى النّاسِ، فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ نَفُورٌ عَنِ المَضارِّ طالِبٌ لِلرّاحَةِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِالعَقْلِ فَلِمَ ذَمَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ؟ قُلْنا: إنَّما ذَمَّهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قاصِرُ النَّظَرِ عَلى الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ العاجِلَةِ، وكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإذا وقَعَ في مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ وعَلِمَ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى كانَ راضِيًا بِهِ، لِعِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويُحْكِمُ ما يُرِيدُ، وإذا وجَدَ المالَ والصِّحَّةَ صَرَفَهُما إلى طَلَبِ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّهُ اسْتَثْنى مِن هَذِهِ الحالَةِ المَذْكُورَةِ المَذْمُومَةِ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِثَمانِيَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٣٤] قُلْنا: مَعْنى دَوامِهِمْ عَلَيْها أنْ لا يَتْرُكُوها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها تَرْجِعُ إلى الِاهْتِمامِ بِحالِها حَتّى يُؤْتى بِها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وهَذا الِاهْتِمامُ إنَّما يَحْصُلُ تارَةً بِأُمُورٍ سابِقَةٍ عَلى الصَّلاةِ، وتارَةً بِأُمُورٍ لاحِقَةٍ بِها، وتارَةً بِأُمُورٍ مُتَراخِيَةٍ عَنْها، أمّا الأُمُورُ السّابِقَةُ فَهو أنْ يَكُونَ قَبْلَ دُخُولِ وقْتِها مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِدُخُولِ أوْقاتِها، ومُتَعَلِّقٌ بِالوُضُوءِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ وطَلَبِ القِبْلَةِ، ووِجْدانِ الثَّوْبِ
صفحة ١١٥
والمَكانِ الطّاهِرَيْنِ، والإتْيانِ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، وفي المَساجِدِ المُبارَكَةِ، وأنْ يَجْتَهِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ في الصَّلاةِ في تَفْرِيغِ القَلْبِ عَنِ الوَساوِسِ والِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وأنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وأمّا الأُمُورُ المُقارِنَةُ فَهو أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شِمالًا، وأنْ يَكُونَ حاضِرَ القَلْبِ عِنْدَ القِراءَةِ، فاهِمًا لِلْأذْكارِ، مُطَّلِعًا عَلى حُكْمِ الصَّلاةِ، وأمّا الأُمُورُ المُتَراخِيَةُ فَهي أنْ لا يَشْتَغِلَ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ بِاللَّغْوِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ، وأنْ يَحْتَرِزَ كُلَّ الِاحْتِرازِ عَنِ الإتْيانِ بَعْدَها بِشَيْءٍ مِنَ المَعاصِي.
المعارج 70:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ .
المُرادُ مِنَ الشَّرِّ والخَيْرِ الفَقْرُ والغِنى أوِ المَرَضُ والصِّحَّةُ، فالمَعْنى أنَّهُ إذا صارَ فَقِيرًا أوْ مَرِيضًا أخَذَ في الجَزَعِ والشِّكايَةِ، وإذا صارَ غَنِيًّا أوْ صَحِيحًا أخَذَ في مَنعِ المَعْرُوفِ وشَحَّ بِمالِهِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى النّاسِ، فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ نَفُورٌ عَنِ المَضارِّ طالِبٌ لِلرّاحَةِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِالعَقْلِ فَلِمَ ذَمَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ؟ قُلْنا: إنَّما ذَمَّهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قاصِرُ النَّظَرِ عَلى الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ العاجِلَةِ، وكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِأحْوالِ الآخِرَةِ، فَإذا وقَعَ في مَرَضٍ أوْ فَقْرٍ وعَلِمَ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى كانَ راضِيًا بِهِ، لِعِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويُحْكِمُ ما يُرِيدُ، وإذا وجَدَ المالَ والصِّحَّةَ صَرَفَهُما إلى طَلَبِ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّهُ اسْتَثْنى مِن هَذِهِ الحالَةِ المَذْكُورَةِ المَذْمُومَةِ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِثَمانِيَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: قالَ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثُمَّ: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٣٤] قُلْنا: مَعْنى دَوامِهِمْ عَلَيْها أنْ لا يَتْرُكُوها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، ومُحافَظَتُهم عَلَيْها تَرْجِعُ إلى الِاهْتِمامِ بِحالِها حَتّى يُؤْتى بِها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وهَذا الِاهْتِمامُ إنَّما يَحْصُلُ تارَةً بِأُمُورٍ سابِقَةٍ عَلى الصَّلاةِ، وتارَةً بِأُمُورٍ لاحِقَةٍ بِها، وتارَةً بِأُمُورٍ مُتَراخِيَةٍ عَنْها، أمّا الأُمُورُ السّابِقَةُ فَهو أنْ يَكُونَ قَبْلَ دُخُولِ وقْتِها مُتَعَلِّقَ القَلْبِ بِدُخُولِ أوْقاتِها، ومُتَعَلِّقٌ بِالوُضُوءِ، وسَتْرِ العَوْرَةِ وطَلَبِ القِبْلَةِ، ووِجْدانِ الثَّوْبِ
صفحة ١١٥
والمَكانِ الطّاهِرَيْنِ، والإتْيانِ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ، وفي المَساجِدِ المُبارَكَةِ، وأنْ يَجْتَهِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ في الصَّلاةِ في تَفْرِيغِ القَلْبِ عَنِ الوَساوِسِ والِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وأنْ يُبالِغَ في الِاحْتِرازِ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وأمّا الأُمُورُ المُقارِنَةُ فَهو أنْ لا يَلْتَفِتَ يَمِينًا ولا شِمالًا، وأنْ يَكُونَ حاضِرَ القَلْبِ عِنْدَ القِراءَةِ، فاهِمًا لِلْأذْكارِ، مُطَّلِعًا عَلى حُكْمِ الصَّلاةِ، وأمّا الأُمُورُ المُتَراخِيَةُ فَهي أنْ لا يَشْتَغِلَ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ بِاللَّغْوِ واللَّهْوِ واللَّعِبِ، وأنْ يَحْتَرِزَ كُلَّ الِاحْتِرازِ عَنِ الإتْيانِ بَعْدَها بِشَيْءٍ مِنَ المَعاصِي.
المعارج 70:24
وثانِيها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
المعارج 70:25
وثانِيها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
المعارج 70:26
وثانِيها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
المعارج 70:27
وثانِيها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
المعارج 70:28
وثانِيها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
المعارج 70:29
وثانِيها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
المعارج 70:30
وثانِيها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
المعارج 70:31
وثانِيها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ المَعْلُومِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: إنَّهُ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن أدّى زَكاةَ مالِهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَتَصَدَّقَ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَقَّ المَعْلُومَ المُقَدَّرَ هو الزَّكاةُ، أمّا الصَّدَقَةُ فَهي غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ.
الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِثْناءِ مِمَّنْ ذَمَّهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الَّذِي لا يُعْطِي هَذا الحَقَّ يَكُونُ مَذْمُومًا، ولا حَقَّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا الزَّكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الحَقُّ سِوى الزَّكاةِ، وهو يَكُونُ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ يَعْنِي الَّذِي يَسْألُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي يَتَعَفَّفُ عَنِ السُّؤالِ فَيُحْسَبُ غَنِيًّا فَيُحْرَمُ.
وثالِثُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
ورابِعُها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ والإشْفاقُ يَكُونُ مِن أمْرَيْنِ، إمّا الخَوْفُ مِن تَرْكِ الواجِباتِ أوِ الخَوْفُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَحْظُوراتِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحَجِّ: ٣٥] ومَن يَدُومُ بِهِ الخَوْفُ والإشْفاقُ فِيما كُلِّفَ يَكُونُ حَذِرًا مِنَ التَّقْصِيرِ حَرِيصًا عَلى القِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الخَوْفَ فَقالَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ .
والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ بِأنَّهُ أدّى الواجِباتِ كَما يَنْبَغِي، واحْتَرَزَ عَنِ المَحْظُوراتِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ وقَعَ مِنهُ تَقْصِيرٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ يَكُونُ خائِفًا أبَدًا.
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ .
المعارج 70:32
صفحة ١١٦
﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾
وسادِسُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا.
وسابِعُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ قُرِئَ بِشَهادَتِهِمْ وبِشَهاداتِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيُفْرَدُ كَما تُفْرَدُ المُصادِرُ وإنْ أُضِيفَ لِجَمْعٍ كَقَوْلِهِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ. ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ، وكَثُرَتْ ضُرُوبُها فَحَسُنَ الجَمْعُ مِن جِهَةِ الِاخْتِلافِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: يَعْنِي الشَّهاداتِ عِنْدَ الحُكّامِ يَقُومُونَ بِها بِالحَقِّ، ولا يَكْتُمُونَها، وهَذِهِ الشَّهاداتُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّها مِن بَيْنِها إبانَةً لِفَضْلِها؛ لِأنَّ في إقامَتِها إحْياءَ الحُقُوقِ، وفي تَرْكِها إبْطالَها وتَضْيِيعَها، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ الشَّهادَةَ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثامِنُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
ثُمَّ وعَدَ هَؤُلاءِ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ المُهْطِعُ المُسْرِعُ وقِيلَ: المادُّ عُنُقَهُ، وأنْشَدُوا فِيهِ:
بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْتَفُّونَ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا فِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ، ويَقُولُونَ: إذا دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّينَ أعْناقَهم إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ، وإسْراعُهُمُ المَذْكُورُ هو الإسْراعُ في الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ . [المائِدَةِ: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ مُجْتَمِعِينَ، ومَعْنى: ﴿عِزِينَ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، واحِدُها عِزَةٌ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ عَزا فُلانٌ نَفْسَهُ إلى بَنِي فُلانٍ يَعْزُوها عَزْوًا إذا انْتَهى إلَيْهِمْ، والِاسْمُ العِزْوَةُ وكانَ العِزَةُ كُلُّ جَماعَةٍ اعْتَزُّوها إلى أمْرٍ واحِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ المَنقُوصِ الَّذِي جازَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وأصْلُها عِزْوَةٌ، والكَلامُ في هَذِهِ كالكَلامِ في عِضِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ، وقِيلَ كانَ المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةَ أرْهُطٍ.
المعارج 70:33
صفحة ١١٦
﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾
وسادِسُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا.
وسابِعُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ قُرِئَ بِشَهادَتِهِمْ وبِشَهاداتِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيُفْرَدُ كَما تُفْرَدُ المُصادِرُ وإنْ أُضِيفَ لِجَمْعٍ كَقَوْلِهِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ. ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ، وكَثُرَتْ ضُرُوبُها فَحَسُنَ الجَمْعُ مِن جِهَةِ الِاخْتِلافِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: يَعْنِي الشَّهاداتِ عِنْدَ الحُكّامِ يَقُومُونَ بِها بِالحَقِّ، ولا يَكْتُمُونَها، وهَذِهِ الشَّهاداتُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّها مِن بَيْنِها إبانَةً لِفَضْلِها؛ لِأنَّ في إقامَتِها إحْياءَ الحُقُوقِ، وفي تَرْكِها إبْطالَها وتَضْيِيعَها، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ الشَّهادَةَ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثامِنُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
ثُمَّ وعَدَ هَؤُلاءِ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ المُهْطِعُ المُسْرِعُ وقِيلَ: المادُّ عُنُقَهُ، وأنْشَدُوا فِيهِ:
بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْتَفُّونَ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا فِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ، ويَقُولُونَ: إذا دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّينَ أعْناقَهم إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ، وإسْراعُهُمُ المَذْكُورُ هو الإسْراعُ في الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ . [المائِدَةِ: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ مُجْتَمِعِينَ، ومَعْنى: ﴿عِزِينَ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، واحِدُها عِزَةٌ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ عَزا فُلانٌ نَفْسَهُ إلى بَنِي فُلانٍ يَعْزُوها عَزْوًا إذا انْتَهى إلَيْهِمْ، والِاسْمُ العِزْوَةُ وكانَ العِزَةُ كُلُّ جَماعَةٍ اعْتَزُّوها إلى أمْرٍ واحِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ المَنقُوصِ الَّذِي جازَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وأصْلُها عِزْوَةٌ، والكَلامُ في هَذِهِ كالكَلامِ في عِضِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ، وقِيلَ كانَ المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةَ أرْهُطٍ.
المعارج 70:34
صفحة ١١٦
﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾
وسادِسُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا.
وسابِعُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ قُرِئَ بِشَهادَتِهِمْ وبِشَهاداتِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيُفْرَدُ كَما تُفْرَدُ المُصادِرُ وإنْ أُضِيفَ لِجَمْعٍ كَقَوْلِهِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ. ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ، وكَثُرَتْ ضُرُوبُها فَحَسُنَ الجَمْعُ مِن جِهَةِ الِاخْتِلافِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: يَعْنِي الشَّهاداتِ عِنْدَ الحُكّامِ يَقُومُونَ بِها بِالحَقِّ، ولا يَكْتُمُونَها، وهَذِهِ الشَّهاداتُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّها مِن بَيْنِها إبانَةً لِفَضْلِها؛ لِأنَّ في إقامَتِها إحْياءَ الحُقُوقِ، وفي تَرْكِها إبْطالَها وتَضْيِيعَها، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ الشَّهادَةَ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثامِنُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
ثُمَّ وعَدَ هَؤُلاءِ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ المُهْطِعُ المُسْرِعُ وقِيلَ: المادُّ عُنُقَهُ، وأنْشَدُوا فِيهِ:
بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْتَفُّونَ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا فِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ، ويَقُولُونَ: إذا دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّينَ أعْناقَهم إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ، وإسْراعُهُمُ المَذْكُورُ هو الإسْراعُ في الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ . [المائِدَةِ: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ مُجْتَمِعِينَ، ومَعْنى: ﴿عِزِينَ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، واحِدُها عِزَةٌ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ عَزا فُلانٌ نَفْسَهُ إلى بَنِي فُلانٍ يَعْزُوها عَزْوًا إذا انْتَهى إلَيْهِمْ، والِاسْمُ العِزْوَةُ وكانَ العِزَةُ كُلُّ جَماعَةٍ اعْتَزُّوها إلى أمْرٍ واحِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ المَنقُوصِ الَّذِي جازَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وأصْلُها عِزْوَةٌ، والكَلامُ في هَذِهِ كالكَلامِ في عِضِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ، وقِيلَ كانَ المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةَ أرْهُطٍ.
المعارج 70:35
صفحة ١١٦
﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾
وسادِسُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا.
وسابِعُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ قُرِئَ بِشَهادَتِهِمْ وبِشَهاداتِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيُفْرَدُ كَما تُفْرَدُ المُصادِرُ وإنْ أُضِيفَ لِجَمْعٍ كَقَوْلِهِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ. ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ، وكَثُرَتْ ضُرُوبُها فَحَسُنَ الجَمْعُ مِن جِهَةِ الِاخْتِلافِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: يَعْنِي الشَّهاداتِ عِنْدَ الحُكّامِ يَقُومُونَ بِها بِالحَقِّ، ولا يَكْتُمُونَها، وهَذِهِ الشَّهاداتُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّها مِن بَيْنِها إبانَةً لِفَضْلِها؛ لِأنَّ في إقامَتِها إحْياءَ الحُقُوقِ، وفي تَرْكِها إبْطالَها وتَضْيِيعَها، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ الشَّهادَةَ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثامِنُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
ثُمَّ وعَدَ هَؤُلاءِ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ المُهْطِعُ المُسْرِعُ وقِيلَ: المادُّ عُنُقَهُ، وأنْشَدُوا فِيهِ:
بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْتَفُّونَ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا فِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ، ويَقُولُونَ: إذا دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّينَ أعْناقَهم إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ، وإسْراعُهُمُ المَذْكُورُ هو الإسْراعُ في الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ . [المائِدَةِ: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ مُجْتَمِعِينَ، ومَعْنى: ﴿عِزِينَ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، واحِدُها عِزَةٌ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ عَزا فُلانٌ نَفْسَهُ إلى بَنِي فُلانٍ يَعْزُوها عَزْوًا إذا انْتَهى إلَيْهِمْ، والِاسْمُ العِزْوَةُ وكانَ العِزَةُ كُلُّ جَماعَةٍ اعْتَزُّوها إلى أمْرٍ واحِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ المَنقُوصِ الَّذِي جازَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وأصْلُها عِزْوَةٌ، والكَلامُ في هَذِهِ كالكَلامِ في عِضِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ، وقِيلَ كانَ المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةَ أرْهُطٍ.
المعارج 70:36
صفحة ١١٦
﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾
وسادِسُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا.
وسابِعُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ قُرِئَ بِشَهادَتِهِمْ وبِشَهاداتِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيُفْرَدُ كَما تُفْرَدُ المُصادِرُ وإنْ أُضِيفَ لِجَمْعٍ كَقَوْلِهِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ. ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ، وكَثُرَتْ ضُرُوبُها فَحَسُنَ الجَمْعُ مِن جِهَةِ الِاخْتِلافِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: يَعْنِي الشَّهاداتِ عِنْدَ الحُكّامِ يَقُومُونَ بِها بِالحَقِّ، ولا يَكْتُمُونَها، وهَذِهِ الشَّهاداتُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّها مِن بَيْنِها إبانَةً لِفَضْلِها؛ لِأنَّ في إقامَتِها إحْياءَ الحُقُوقِ، وفي تَرْكِها إبْطالَها وتَضْيِيعَها، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ الشَّهادَةَ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثامِنُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
ثُمَّ وعَدَ هَؤُلاءِ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ المُهْطِعُ المُسْرِعُ وقِيلَ: المادُّ عُنُقَهُ، وأنْشَدُوا فِيهِ:
بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْتَفُّونَ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا فِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ، ويَقُولُونَ: إذا دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّينَ أعْناقَهم إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ، وإسْراعُهُمُ المَذْكُورُ هو الإسْراعُ في الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ . [المائِدَةِ: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ مُجْتَمِعِينَ، ومَعْنى: ﴿عِزِينَ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، واحِدُها عِزَةٌ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ عَزا فُلانٌ نَفْسَهُ إلى بَنِي فُلانٍ يَعْزُوها عَزْوًا إذا انْتَهى إلَيْهِمْ، والِاسْمُ العِزْوَةُ وكانَ العِزَةُ كُلُّ جَماعَةٍ اعْتَزُّوها إلى أمْرٍ واحِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ المَنقُوصِ الَّذِي جازَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وأصْلُها عِزْوَةٌ، والكَلامُ في هَذِهِ كالكَلامِ في عِضِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ، وقِيلَ كانَ المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةَ أرْهُطٍ.
المعارج 70:37
صفحة ١١٦
﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾
وسادِسُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا.
وسابِعُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ قُرِئَ بِشَهادَتِهِمْ وبِشَهاداتِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: والإفْرادُ أوْلى لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيُفْرَدُ كَما تُفْرَدُ المُصادِرُ وإنْ أُضِيفَ لِجَمْعٍ كَقَوْلِهِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ. ومَن جَمَعَ ذَهَبَ إلى اخْتِلافِ الشَّهاداتِ، وكَثُرَتْ ضُرُوبُها فَحَسُنَ الجَمْعُ مِن جِهَةِ الِاخْتِلافِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: يَعْنِي الشَّهاداتِ عِنْدَ الحُكّامِ يَقُومُونَ بِها بِالحَقِّ، ولا يَكْتُمُونَها، وهَذِهِ الشَّهاداتُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَصَّها مِن بَيْنِها إبانَةً لِفَضْلِها؛ لِأنَّ في إقامَتِها إحْياءَ الحُقُوقِ، وفي تَرْكِها إبْطالَها وتَضْيِيعَها، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُرِيدُ الشَّهادَةَ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وثامِنُها - قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
ثُمَّ وعَدَ هَؤُلاءِ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالكُفّارِ فَقالَ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ المُهْطِعُ المُسْرِعُ وقِيلَ: المادُّ عُنُقَهُ، وأنْشَدُوا فِيهِ:
بِمَكَّةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم بِمَكَّةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَحْتَفُّونَ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا فِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ، ويَقُولُونَ: إذا دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّينَ أعْناقَهم إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَهُ، وإسْراعُهُمُ المَذْكُورُ هو الإسْراعُ في الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ . [المائِدَةِ: ٤١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ مُجْتَمِعِينَ، ومَعْنى: ﴿عِزِينَ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، واحِدُها عِزَةٌ، وهي العُصْبَةُ مِنَ النّاسِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وأصْلُها مِن قَوْلِهِمْ عَزا فُلانٌ نَفْسَهُ إلى بَنِي فُلانٍ يَعْزُوها عَزْوًا إذا انْتَهى إلَيْهِمْ، والِاسْمُ العِزْوَةُ وكانَ العِزَةُ كُلُّ جَماعَةٍ اعْتَزُّوها إلى أمْرٍ واحِدٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ المَنقُوصِ الَّذِي جازَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وأصْلُها عِزْوَةٌ، والكَلامُ في هَذِهِ كالكَلامِ في عِضِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ، وقِيلَ كانَ المُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةَ أرْهُطٍ.
المعارج 70:38
ثُمَّ قالَ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ والنَّعِيمُ ضِدُّ البُؤْسِ، والمَعْنى أيَطْمَعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ جَنَّتِي كَما يَدْخُلُها المُسْلِمُونَ.
صفحة ١١٧
ثُمَّ قالَ: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الغَرَضُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، كَأنَّهُ قالَ لَمّا قَدَرْتُ عَلى أنْ أخْلُقَكم مِنَ النُّطْفَةِ، وجَبَ أنْ أكُونَ قادِرًا عَلى بَعْثِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كَلّا إنَّكم مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، فَمِن أيْنَ تَطْمَعُونَ في دُخُولِ الجَنَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا يَسْتَحْقِرُونَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئُونَ مَخْلُوقُونَ مِمّا خُلِقُوا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ هَذا الِاحْتِقارُ.
وثالِثُها: أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المُسْتَقْذَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفُوا بِالإيمانِ والمَعْرِفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
يَعْنِي مَشْرِقَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ ومَغْرِبَهُ أوْ مَشْرِقَ كُلِّ كَوْكَبٍ ومَغْرِبَهُ، أوِ المُرادُ بِالمَشْرِقِ ظُهُورُ دَعْوَةِ كُلِّ نَبِيٍّ وبِالمَغْرِبِ مَوْتُهُ، أوِ المُرادُ أنْواعُ الهِداياتِ والخِذْلاناتِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا﴾ مُفَسَّرٌ في آخِرِ سُورَةِ والطُّورِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ ما وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ هَلْ خَرَجَ إلى الفِعْلِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: بَدَّلَ اللَّهُ بِهِمُ الأنْصارَ والمُهاجِرِينَ فَإنَّ حالَتَهم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ بَدَّلَ اللَّهُ كُفْرَ بَعْضِهِمْ بِالإيمانِ، وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَقَعْ هَذا التَّبْدِيلُ، فَإنَّهم أوْ أكْثَرَهم بَقُوا عَلى جُمْلَةِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ ماتُوا، وإنَّما كانَ يَصِحُّ وُقُوعُ التَّبْدِيلِ بِهِمْ لَوْ أُهْلِكُوا؛ لَأنَّ مُرادَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الإهْلاكِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وإنَّما هَدَّدَ تَعالى القَوْمَ بِذَلِكَ لِكَيْ يُؤْمِنُوا.
المعارج 70:39
ثُمَّ قالَ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ والنَّعِيمُ ضِدُّ البُؤْسِ، والمَعْنى أيَطْمَعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ جَنَّتِي كَما يَدْخُلُها المُسْلِمُونَ.
صفحة ١١٧
ثُمَّ قالَ: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الغَرَضُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، كَأنَّهُ قالَ لَمّا قَدَرْتُ عَلى أنْ أخْلُقَكم مِنَ النُّطْفَةِ، وجَبَ أنْ أكُونَ قادِرًا عَلى بَعْثِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كَلّا إنَّكم مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، فَمِن أيْنَ تَطْمَعُونَ في دُخُولِ الجَنَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا يَسْتَحْقِرُونَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئُونَ مَخْلُوقُونَ مِمّا خُلِقُوا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ هَذا الِاحْتِقارُ.
وثالِثُها: أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المُسْتَقْذَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفُوا بِالإيمانِ والمَعْرِفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
يَعْنِي مَشْرِقَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ ومَغْرِبَهُ أوْ مَشْرِقَ كُلِّ كَوْكَبٍ ومَغْرِبَهُ، أوِ المُرادُ بِالمَشْرِقِ ظُهُورُ دَعْوَةِ كُلِّ نَبِيٍّ وبِالمَغْرِبِ مَوْتُهُ، أوِ المُرادُ أنْواعُ الهِداياتِ والخِذْلاناتِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا﴾ مُفَسَّرٌ في آخِرِ سُورَةِ والطُّورِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ ما وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ هَلْ خَرَجَ إلى الفِعْلِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: بَدَّلَ اللَّهُ بِهِمُ الأنْصارَ والمُهاجِرِينَ فَإنَّ حالَتَهم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ بَدَّلَ اللَّهُ كُفْرَ بَعْضِهِمْ بِالإيمانِ، وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَقَعْ هَذا التَّبْدِيلُ، فَإنَّهم أوْ أكْثَرَهم بَقُوا عَلى جُمْلَةِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ ماتُوا، وإنَّما كانَ يَصِحُّ وُقُوعُ التَّبْدِيلِ بِهِمْ لَوْ أُهْلِكُوا؛ لَأنَّ مُرادَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الإهْلاكِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وإنَّما هَدَّدَ تَعالى القَوْمَ بِذَلِكَ لِكَيْ يُؤْمِنُوا.
المعارج 70:40
ثُمَّ قالَ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ والنَّعِيمُ ضِدُّ البُؤْسِ، والمَعْنى أيَطْمَعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ جَنَّتِي كَما يَدْخُلُها المُسْلِمُونَ.
صفحة ١١٧
ثُمَّ قالَ: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الغَرَضُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، كَأنَّهُ قالَ لَمّا قَدَرْتُ عَلى أنْ أخْلُقَكم مِنَ النُّطْفَةِ، وجَبَ أنْ أكُونَ قادِرًا عَلى بَعْثِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كَلّا إنَّكم مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، فَمِن أيْنَ تَطْمَعُونَ في دُخُولِ الجَنَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا يَسْتَحْقِرُونَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئُونَ مَخْلُوقُونَ مِمّا خُلِقُوا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ هَذا الِاحْتِقارُ.
وثالِثُها: أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المُسْتَقْذَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفُوا بِالإيمانِ والمَعْرِفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
يَعْنِي مَشْرِقَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ ومَغْرِبَهُ أوْ مَشْرِقَ كُلِّ كَوْكَبٍ ومَغْرِبَهُ، أوِ المُرادُ بِالمَشْرِقِ ظُهُورُ دَعْوَةِ كُلِّ نَبِيٍّ وبِالمَغْرِبِ مَوْتُهُ، أوِ المُرادُ أنْواعُ الهِداياتِ والخِذْلاناتِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا﴾ مُفَسَّرٌ في آخِرِ سُورَةِ والطُّورِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ ما وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ هَلْ خَرَجَ إلى الفِعْلِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: بَدَّلَ اللَّهُ بِهِمُ الأنْصارَ والمُهاجِرِينَ فَإنَّ حالَتَهم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ بَدَّلَ اللَّهُ كُفْرَ بَعْضِهِمْ بِالإيمانِ، وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَقَعْ هَذا التَّبْدِيلُ، فَإنَّهم أوْ أكْثَرَهم بَقُوا عَلى جُمْلَةِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ ماتُوا، وإنَّما كانَ يَصِحُّ وُقُوعُ التَّبْدِيلِ بِهِمْ لَوْ أُهْلِكُوا؛ لَأنَّ مُرادَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الإهْلاكِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وإنَّما هَدَّدَ تَعالى القَوْمَ بِذَلِكَ لِكَيْ يُؤْمِنُوا.
المعارج 70:41
ثُمَّ قالَ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ والنَّعِيمُ ضِدُّ البُؤْسِ، والمَعْنى أيَطْمَعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ جَنَّتِي كَما يَدْخُلُها المُسْلِمُونَ.
صفحة ١١٧
ثُمَّ قالَ: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الغَرَضُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، كَأنَّهُ قالَ لَمّا قَدَرْتُ عَلى أنْ أخْلُقَكم مِنَ النُّطْفَةِ، وجَبَ أنْ أكُونَ قادِرًا عَلى بَعْثِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كَلّا إنَّكم مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، فَمِن أيْنَ تَطْمَعُونَ في دُخُولِ الجَنَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا يَسْتَحْقِرُونَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئُونَ مَخْلُوقُونَ مِمّا خُلِقُوا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ هَذا الِاحْتِقارُ.
وثالِثُها: أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المُسْتَقْذَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفُوا بِالإيمانِ والمَعْرِفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
يَعْنِي مَشْرِقَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ ومَغْرِبَهُ أوْ مَشْرِقَ كُلِّ كَوْكَبٍ ومَغْرِبَهُ، أوِ المُرادُ بِالمَشْرِقِ ظُهُورُ دَعْوَةِ كُلِّ نَبِيٍّ وبِالمَغْرِبِ مَوْتُهُ، أوِ المُرادُ أنْواعُ الهِداياتِ والخِذْلاناتِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا﴾ مُفَسَّرٌ في آخِرِ سُورَةِ والطُّورِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ ما وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ هَلْ خَرَجَ إلى الفِعْلِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: بَدَّلَ اللَّهُ بِهِمُ الأنْصارَ والمُهاجِرِينَ فَإنَّ حالَتَهم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ بَدَّلَ اللَّهُ كُفْرَ بَعْضِهِمْ بِالإيمانِ، وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَقَعْ هَذا التَّبْدِيلُ، فَإنَّهم أوْ أكْثَرَهم بَقُوا عَلى جُمْلَةِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ ماتُوا، وإنَّما كانَ يَصِحُّ وُقُوعُ التَّبْدِيلِ بِهِمْ لَوْ أُهْلِكُوا؛ لَأنَّ مُرادَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الإهْلاكِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وإنَّما هَدَّدَ تَعالى القَوْمَ بِذَلِكَ لِكَيْ يُؤْمِنُوا.
المعارج 70:42
ثُمَّ قالَ: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ والنَّعِيمُ ضِدُّ البُؤْسِ، والمَعْنى أيَطْمَعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ جَنَّتِي كَما يَدْخُلُها المُسْلِمُونَ.
صفحة ١١٧
ثُمَّ قالَ: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفاسِدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الغَرَضُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، كَأنَّهُ قالَ لَمّا قَدَرْتُ عَلى أنْ أخْلُقَكم مِنَ النُّطْفَةِ، وجَبَ أنْ أكُونَ قادِرًا عَلى بَعْثِكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ دَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كَلّا إنَّكم مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ، فَمِن أيْنَ تَطْمَعُونَ في دُخُولِ الجَنَّةِ.
وثانِيها: أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا يَسْتَحْقِرُونَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ تَعالى: هَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئُونَ مَخْلُوقُونَ مِمّا خُلِقُوا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِمْ هَذا الِاحْتِقارُ.
وثالِثُها: أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المُسْتَقْذَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَتَّصِفُوا بِالإيمانِ والمَعْرِفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
يَعْنِي مَشْرِقَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ ومَغْرِبَهُ أوْ مَشْرِقَ كُلِّ كَوْكَبٍ ومَغْرِبَهُ، أوِ المُرادُ بِالمَشْرِقِ ظُهُورُ دَعْوَةِ كُلِّ نَبِيٍّ وبِالمَغْرِبِ مَوْتُهُ، أوِ المُرادُ أنْواعُ الهِداياتِ والخِذْلاناتِ ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ وهو مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا﴾ مُفَسَّرٌ في آخِرِ سُورَةِ والطُّورِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ ما وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ هَلْ خَرَجَ إلى الفِعْلِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: بَدَّلَ اللَّهُ بِهِمُ الأنْصارَ والمُهاجِرِينَ فَإنَّ حالَتَهم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ بَدَّلَ اللَّهُ كُفْرَ بَعْضِهِمْ بِالإيمانِ، وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَقَعْ هَذا التَّبْدِيلُ، فَإنَّهم أوْ أكْثَرَهم بَقُوا عَلى جُمْلَةِ كُفْرِهِمْ إلى أنْ ماتُوا، وإنَّما كانَ يَصِحُّ وُقُوعُ التَّبْدِيلِ بِهِمْ لَوْ أُهْلِكُوا؛ لَأنَّ مُرادَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الإهْلاكِ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ، وإنَّما هَدَّدَ تَعالى القَوْمَ بِذَلِكَ لِكَيْ يُؤْمِنُوا.
المعارج 70:43
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في ”نُصُبٍ“ ثَلاثَ قِراءاتٍ:
أحَدُها: وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ ”نَصَبٍ“ بِفَتْحِ النُّونِ، والنَّصَبُ كُلُّ شَيْءٍ نُصِبَ، والمَعْنى كَأنَّهم إلى عَلَمٍ لَهم يَسْتَبِقُونَ (والقِراءَةُ الثّانِيَةُ) ”نُصْبٍ“ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: النَّصْبُ والنُّصْبُ لُغَتانِ مِثْلُ الضَّعْفِ والضُّعْفِ.
وثانِيهُما: أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَصَبٍ كَشُقْفٍ
صفحة ١١٨
جَمْعُ شَقَفٍ (والقِراءَةُ الثّالِثَةُ): ”نُصُبٍ“ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ النُّصُبُ والنُّصْبُ كِلاهُما يَكُونانِ جَمْعَ نَصَبٍ كَأُسُدٍ وأُسْدٍ جَمْعُ أسَدٍ.
وثانِيهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النُّصُبِ الأنْصابَ وهي الأشْياءُ الَّتِي تُنْصَبُ فَتُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائِدَةِ: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُوفِضُونَ﴾ يُسْرِعُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهم يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ يُسْرِعُونَ إلى الدّاعِي مُسْتَبِقِينَ كَما كانُوا يَسْتَبِقُونَ إلى أنْصارِهِمْ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ مَعْلُومَةٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
المعارج 70:44
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في ”نُصُبٍ“ ثَلاثَ قِراءاتٍ:
أحَدُها: وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ ”نَصَبٍ“ بِفَتْحِ النُّونِ، والنَّصَبُ كُلُّ شَيْءٍ نُصِبَ، والمَعْنى كَأنَّهم إلى عَلَمٍ لَهم يَسْتَبِقُونَ (والقِراءَةُ الثّانِيَةُ) ”نُصْبٍ“ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: النَّصْبُ والنُّصْبُ لُغَتانِ مِثْلُ الضَّعْفِ والضُّعْفِ.
وثانِيهُما: أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَصَبٍ كَشُقْفٍ
صفحة ١١٨
جَمْعُ شَقَفٍ (والقِراءَةُ الثّالِثَةُ): ”نُصُبٍ“ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ النُّصُبُ والنُّصْبُ كِلاهُما يَكُونانِ جَمْعَ نَصَبٍ كَأُسُدٍ وأُسْدٍ جَمْعُ أسَدٍ.
وثانِيهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النُّصُبِ الأنْصابَ وهي الأشْياءُ الَّتِي تُنْصَبُ فَتُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائِدَةِ: ٣] وقَوْلُهُ: ﴿يُوفِضُونَ﴾ يُسْرِعُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهم يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ يُسْرِعُونَ إلى الدّاعِي مُسْتَبِقِينَ كَما كانُوا يَسْتَبِقُونَ إلى أنْصارِهِمْ، وبَقِيَّةُ السُّورَةِ مَعْلُومَةٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
نوح 71:1
صفحة ١١٩
(سُورَةُ نُوحٍ)
عِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ في قَوْلِهِ ”أنْ“ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أصْلُهُ بِأنْ أنْذِرْ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، والمَعْنى أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ: أنْذِرْ أيْ أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْدارِ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، والتَّقْدِيرُ: إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ”أنْذِرْ“ بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الغَرَقَ بِالطُّوفانِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ امْتَثَلَ ذَلِكَ الأمْرَ، و﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . أنِ اعْبُدُوا هو نَظِيرُ أنْ أنْذِرْ في الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَ القَوْمَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ وطاعَةِ نَفْسِهِ، فالأمْرُ بِالعِبادَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الواجِباتِ والمَندُوباتِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ وأفْعالِ الجَوارِحِ، والأمْرُ بِتَقْواهُ يَتَناوَلُ الزَّجْرَ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ والمَكْرُوهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأطِيعُونِ﴾ يَتَناوَلُ أمْرَهم بِطاعَتِهِ وجَمِيعَ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ، وهَذا وإنْ كانَ داخِلًا في الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ ومُبالَغَةً في تَقْرِيرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا كَلَّفَهم بِهَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ وعَدَهم عَلَيْها
صفحة ١٢٠
بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُزِيلَ مَضارَّ الآخِرَةِ عَنْهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ .
الثّانِي: يُزِيلُ عَنْهم مَضارَّ الدُّنْيا بِقَدْرِ الإمْكانِ، وذَلِكَ بِأنْ يُؤَخِّرَ أجَلَهم إلى أقْصى الإمْكانِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ؟ (والجَوابُ) مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم.
والثّانِي: أنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ هو أنْ لا يُؤاخَذَ بِهِ، فَلَوْ قالَ: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم، لَكانَ مَعْناهُ أنْ لا يُؤاخِذَكم بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكم، وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِالمَجْمُوعِ لا يُوجِبُ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِكُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَجْمُوعِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أُطالِبُكَ بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكَ، ولَكِنِّي أُطالِبُكَ بِهَذا الذَّنْبِ الواحِدِ فَقَطْ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ كانَ تَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ كُلَّ ما كانَ مِن ذُنُوبِكم، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ المُؤاخَذَةِ عَلى مَجْمُوعِ الذُّنُوبِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ أيْضًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَجْمُوعِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هَبْ أنَّهُ يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ لَكِنَّهُ حَتّى لِأنَّ مَن آمَنَ فَإنَّهُ يَصِيرُ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِ عَلى إيمانِهِ مَغْفُورًا، أمّا ما تَأخَّرَ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مَغْفُورًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن حَرْفِ التَّبْعِيضِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿ويُؤَخِّرْكُمْ﴾ مَعَ إخْبارِهِ بِامْتِناعِ تَأْخِيرِ الأجَلِ، وهَلْ هَذا إلّا تَناقُضٌ ؟ (الجَوابُ) قَضى اللَّهُ مَثَلًا أنَّ قَوْمَ نُوحٍ إنْ آمَنُوا عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ بَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ أهْلَكَهم عَلى رَأْسِ تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ لَهم: آمِنُوا ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ غايَةَ الطُّولِ في العُمْرِ، وهو تَمامُ الألْفِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ إذا انْقَضى ذَلِكَ الأجَلُ الأطْوَلُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (( الجَوابُ) الغَرَضُ الزَّجْرُ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وعَنِ التَّهالُكِ عَلَيْها والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ بِسَبَبِ حُبِّها، يَعْنِي أنَّ غُلُوَّهم في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها بَلَغَ إلى حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم شاكُّونَ في المَوْتِ.
نوح 71:2
صفحة ١١٩
(سُورَةُ نُوحٍ)
عِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ في قَوْلِهِ ”أنْ“ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أصْلُهُ بِأنْ أنْذِرْ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، والمَعْنى أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ: أنْذِرْ أيْ أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْدارِ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، والتَّقْدِيرُ: إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ”أنْذِرْ“ بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الغَرَقَ بِالطُّوفانِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ امْتَثَلَ ذَلِكَ الأمْرَ، و﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . أنِ اعْبُدُوا هو نَظِيرُ أنْ أنْذِرْ في الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَ القَوْمَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ وطاعَةِ نَفْسِهِ، فالأمْرُ بِالعِبادَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الواجِباتِ والمَندُوباتِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ وأفْعالِ الجَوارِحِ، والأمْرُ بِتَقْواهُ يَتَناوَلُ الزَّجْرَ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ والمَكْرُوهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأطِيعُونِ﴾ يَتَناوَلُ أمْرَهم بِطاعَتِهِ وجَمِيعَ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ، وهَذا وإنْ كانَ داخِلًا في الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ ومُبالَغَةً في تَقْرِيرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا كَلَّفَهم بِهَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ وعَدَهم عَلَيْها
صفحة ١٢٠
بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُزِيلَ مَضارَّ الآخِرَةِ عَنْهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ .
الثّانِي: يُزِيلُ عَنْهم مَضارَّ الدُّنْيا بِقَدْرِ الإمْكانِ، وذَلِكَ بِأنْ يُؤَخِّرَ أجَلَهم إلى أقْصى الإمْكانِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ؟ (والجَوابُ) مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم.
والثّانِي: أنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ هو أنْ لا يُؤاخَذَ بِهِ، فَلَوْ قالَ: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم، لَكانَ مَعْناهُ أنْ لا يُؤاخِذَكم بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكم، وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِالمَجْمُوعِ لا يُوجِبُ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِكُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَجْمُوعِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أُطالِبُكَ بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكَ، ولَكِنِّي أُطالِبُكَ بِهَذا الذَّنْبِ الواحِدِ فَقَطْ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ كانَ تَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ كُلَّ ما كانَ مِن ذُنُوبِكم، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ المُؤاخَذَةِ عَلى مَجْمُوعِ الذُّنُوبِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ أيْضًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَجْمُوعِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هَبْ أنَّهُ يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ لَكِنَّهُ حَتّى لِأنَّ مَن آمَنَ فَإنَّهُ يَصِيرُ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِ عَلى إيمانِهِ مَغْفُورًا، أمّا ما تَأخَّرَ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مَغْفُورًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن حَرْفِ التَّبْعِيضِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿ويُؤَخِّرْكُمْ﴾ مَعَ إخْبارِهِ بِامْتِناعِ تَأْخِيرِ الأجَلِ، وهَلْ هَذا إلّا تَناقُضٌ ؟ (الجَوابُ) قَضى اللَّهُ مَثَلًا أنَّ قَوْمَ نُوحٍ إنْ آمَنُوا عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ بَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ أهْلَكَهم عَلى رَأْسِ تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ لَهم: آمِنُوا ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ غايَةَ الطُّولِ في العُمْرِ، وهو تَمامُ الألْفِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ إذا انْقَضى ذَلِكَ الأجَلُ الأطْوَلُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (( الجَوابُ) الغَرَضُ الزَّجْرُ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وعَنِ التَّهالُكِ عَلَيْها والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ بِسَبَبِ حُبِّها، يَعْنِي أنَّ غُلُوَّهم في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها بَلَغَ إلى حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم شاكُّونَ في المَوْتِ.
نوح 71:3
صفحة ١١٩
(سُورَةُ نُوحٍ)
عِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ في قَوْلِهِ ”أنْ“ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أصْلُهُ بِأنْ أنْذِرْ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، والمَعْنى أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ: أنْذِرْ أيْ أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْدارِ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، والتَّقْدِيرُ: إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ”أنْذِرْ“ بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الغَرَقَ بِالطُّوفانِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ امْتَثَلَ ذَلِكَ الأمْرَ، و﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . أنِ اعْبُدُوا هو نَظِيرُ أنْ أنْذِرْ في الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَ القَوْمَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ وطاعَةِ نَفْسِهِ، فالأمْرُ بِالعِبادَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الواجِباتِ والمَندُوباتِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ وأفْعالِ الجَوارِحِ، والأمْرُ بِتَقْواهُ يَتَناوَلُ الزَّجْرَ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ والمَكْرُوهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأطِيعُونِ﴾ يَتَناوَلُ أمْرَهم بِطاعَتِهِ وجَمِيعَ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ، وهَذا وإنْ كانَ داخِلًا في الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ ومُبالَغَةً في تَقْرِيرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا كَلَّفَهم بِهَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ وعَدَهم عَلَيْها
صفحة ١٢٠
بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُزِيلَ مَضارَّ الآخِرَةِ عَنْهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ .
الثّانِي: يُزِيلُ عَنْهم مَضارَّ الدُّنْيا بِقَدْرِ الإمْكانِ، وذَلِكَ بِأنْ يُؤَخِّرَ أجَلَهم إلى أقْصى الإمْكانِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ؟ (والجَوابُ) مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم.
والثّانِي: أنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ هو أنْ لا يُؤاخَذَ بِهِ، فَلَوْ قالَ: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم، لَكانَ مَعْناهُ أنْ لا يُؤاخِذَكم بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكم، وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِالمَجْمُوعِ لا يُوجِبُ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِكُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَجْمُوعِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أُطالِبُكَ بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكَ، ولَكِنِّي أُطالِبُكَ بِهَذا الذَّنْبِ الواحِدِ فَقَطْ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ كانَ تَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ كُلَّ ما كانَ مِن ذُنُوبِكم، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ المُؤاخَذَةِ عَلى مَجْمُوعِ الذُّنُوبِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ أيْضًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَجْمُوعِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هَبْ أنَّهُ يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ لَكِنَّهُ حَتّى لِأنَّ مَن آمَنَ فَإنَّهُ يَصِيرُ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِ عَلى إيمانِهِ مَغْفُورًا، أمّا ما تَأخَّرَ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مَغْفُورًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن حَرْفِ التَّبْعِيضِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿ويُؤَخِّرْكُمْ﴾ مَعَ إخْبارِهِ بِامْتِناعِ تَأْخِيرِ الأجَلِ، وهَلْ هَذا إلّا تَناقُضٌ ؟ (الجَوابُ) قَضى اللَّهُ مَثَلًا أنَّ قَوْمَ نُوحٍ إنْ آمَنُوا عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ بَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ أهْلَكَهم عَلى رَأْسِ تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ لَهم: آمِنُوا ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ غايَةَ الطُّولِ في العُمْرِ، وهو تَمامُ الألْفِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ إذا انْقَضى ذَلِكَ الأجَلُ الأطْوَلُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (( الجَوابُ) الغَرَضُ الزَّجْرُ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وعَنِ التَّهالُكِ عَلَيْها والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ بِسَبَبِ حُبِّها، يَعْنِي أنَّ غُلُوَّهم في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها بَلَغَ إلى حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم شاكُّونَ في المَوْتِ.
نوح 71:4
صفحة ١١٩
(سُورَةُ نُوحٍ)
عِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ في قَوْلِهِ ”أنْ“ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أصْلُهُ بِأنْ أنْذِرْ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، والمَعْنى أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ: أنْذِرْ أيْ أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْدارِ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، والتَّقْدِيرُ: إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ”أنْذِرْ“ بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الغَرَقَ بِالطُّوفانِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ امْتَثَلَ ذَلِكَ الأمْرَ، و﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . أنِ اعْبُدُوا هو نَظِيرُ أنْ أنْذِرْ في الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَ القَوْمَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ وطاعَةِ نَفْسِهِ، فالأمْرُ بِالعِبادَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الواجِباتِ والمَندُوباتِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ وأفْعالِ الجَوارِحِ، والأمْرُ بِتَقْواهُ يَتَناوَلُ الزَّجْرَ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ والمَكْرُوهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأطِيعُونِ﴾ يَتَناوَلُ أمْرَهم بِطاعَتِهِ وجَمِيعَ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ، وهَذا وإنْ كانَ داخِلًا في الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ ومُبالَغَةً في تَقْرِيرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا كَلَّفَهم بِهَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ وعَدَهم عَلَيْها
صفحة ١٢٠
بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُزِيلَ مَضارَّ الآخِرَةِ عَنْهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ .
الثّانِي: يُزِيلُ عَنْهم مَضارَّ الدُّنْيا بِقَدْرِ الإمْكانِ، وذَلِكَ بِأنْ يُؤَخِّرَ أجَلَهم إلى أقْصى الإمْكانِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ؟ (والجَوابُ) مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم.
والثّانِي: أنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ هو أنْ لا يُؤاخَذَ بِهِ، فَلَوْ قالَ: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم، لَكانَ مَعْناهُ أنْ لا يُؤاخِذَكم بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكم، وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِالمَجْمُوعِ لا يُوجِبُ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِكُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَجْمُوعِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أُطالِبُكَ بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكَ، ولَكِنِّي أُطالِبُكَ بِهَذا الذَّنْبِ الواحِدِ فَقَطْ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ كانَ تَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ كُلَّ ما كانَ مِن ذُنُوبِكم، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ المُؤاخَذَةِ عَلى مَجْمُوعِ الذُّنُوبِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ أيْضًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَجْمُوعِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هَبْ أنَّهُ يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ لَكِنَّهُ حَتّى لِأنَّ مَن آمَنَ فَإنَّهُ يَصِيرُ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِ عَلى إيمانِهِ مَغْفُورًا، أمّا ما تَأخَّرَ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مَغْفُورًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن حَرْفِ التَّبْعِيضِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿ويُؤَخِّرْكُمْ﴾ مَعَ إخْبارِهِ بِامْتِناعِ تَأْخِيرِ الأجَلِ، وهَلْ هَذا إلّا تَناقُضٌ ؟ (الجَوابُ) قَضى اللَّهُ مَثَلًا أنَّ قَوْمَ نُوحٍ إنْ آمَنُوا عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ بَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ أهْلَكَهم عَلى رَأْسِ تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ لَهم: آمِنُوا ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ غايَةَ الطُّولِ في العُمْرِ، وهو تَمامُ الألْفِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ إذا انْقَضى ذَلِكَ الأجَلُ الأطْوَلُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (( الجَوابُ) الغَرَضُ الزَّجْرُ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وعَنِ التَّهالُكِ عَلَيْها والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ بِسَبَبِ حُبِّها، يَعْنِي أنَّ غُلُوَّهم في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها بَلَغَ إلى حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم شاكُّونَ في المَوْتِ.
نوح 71:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى إنْسانَيْنِ يَسْمَعانِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ الكَلامُ في حَقِّ أحَدِهِما سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ، والمَيْلِ والرَّغْبَةِ، وفي حَقِّ الثّانِي سَبَبًا لِمَزِيدِ العُتُوِّ والتَّكَبُّرِ، ونِهايَةِ النَّفْرَةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ تِلْكَ النَّفْرَةَ والرَّغْبَةَ حَصَلَتا بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ، فَإنَّ هَذا مُكابَرَةٌ في المَحْسُوسِ، فَإنَّ صاحِبَ النَّفْرَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ النَّفْرَةِ، وصاحِبُ الرَّغْبَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ الرَّغْبَةِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ التَّمَرُّدُ والإعْراضُ، وإنْ حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ، فَعَلِمْنا أنَّ إفْضاءَ سَماعِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في حَقِّ أحَدِهِما إلى الرَّغْبَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وفي حَقِّ الثّانِي إلى النَّفْرَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ حُصُولَ النَّفْرَةِ والرَّغْبَةِ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِ، لَكِنْ حُصُولُ العِصْيانِ عِنْدَ النَّفْرَةِ يَكُونُ بِاخْتِيارِهِ، فَإنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مَعَ تِلْكَ النَّفْرَةِ أنْ يَنْقادَ ويُطِيعَ، قُلْنا: إنَّهُ لَوْ حَصَلَتِ النَّفْرَةُ غَيْرَ مُعارَضَةٍ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الرَّغْبَةِ بَلْ خالِصَةً عَنْ جَمِيعِ
صفحة ١٢١
شَوائِبِ الرَّغْبَةِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ مَعَهُ الفِعْلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عِنْدَما تَحْصُلُ النَّفْرَةُ والرَّغْبَةُ لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ البَتَّةَ، فَعِنْدَ حُصُولِ النَّفْرَةِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ المُقْتَضِي وُجُودُ المانِعِ، فَبِأنْ يَصِيرَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ.
نوح 71:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى إنْسانَيْنِ يَسْمَعانِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ الكَلامُ في حَقِّ أحَدِهِما سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ، والمَيْلِ والرَّغْبَةِ، وفي حَقِّ الثّانِي سَبَبًا لِمَزِيدِ العُتُوِّ والتَّكَبُّرِ، ونِهايَةِ النَّفْرَةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ تِلْكَ النَّفْرَةَ والرَّغْبَةَ حَصَلَتا بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ، فَإنَّ هَذا مُكابَرَةٌ في المَحْسُوسِ، فَإنَّ صاحِبَ النَّفْرَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ النَّفْرَةِ، وصاحِبُ الرَّغْبَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ الرَّغْبَةِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ التَّمَرُّدُ والإعْراضُ، وإنْ حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ، فَعَلِمْنا أنَّ إفْضاءَ سَماعِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في حَقِّ أحَدِهِما إلى الرَّغْبَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وفي حَقِّ الثّانِي إلى النَّفْرَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ حُصُولَ النَّفْرَةِ والرَّغْبَةِ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِ، لَكِنْ حُصُولُ العِصْيانِ عِنْدَ النَّفْرَةِ يَكُونُ بِاخْتِيارِهِ، فَإنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مَعَ تِلْكَ النَّفْرَةِ أنْ يَنْقادَ ويُطِيعَ، قُلْنا: إنَّهُ لَوْ حَصَلَتِ النَّفْرَةُ غَيْرَ مُعارَضَةٍ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الرَّغْبَةِ بَلْ خالِصَةً عَنْ جَمِيعِ
صفحة ١٢١
شَوائِبِ الرَّغْبَةِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ مَعَهُ الفِعْلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عِنْدَما تَحْصُلُ النَّفْرَةُ والرَّغْبَةُ لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ البَتَّةَ، فَعِنْدَ حُصُولِ النَّفْرَةِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ المُقْتَضِي وُجُودُ المانِعِ، فَبِأنْ يَصِيرَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ.
نوح 71:7
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعاهم إلى العِبادَةِ والتَّقْوى والطّاعَةِ، لِأجْلِ أنْ يُغْفَرَ لَهم، فَإنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ هو حُصُولُ المَغْفِرَةِ، وأمّا الطّاعَةُ فَهي إنَّما طُلِبَتْ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ لَمّا أمَرَهم بِالعِبادَةِ قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ فَلَمّا كانَ المَطْلُوبُ الأوَّلُ مِنَ الدَّعْوَةِ حُصُولَ المَغْفِرَةِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم عامَلُوهُ بِأشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم بَلَغُوا في التَّقْلِيدِ إلى حَيْثُ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ؛ لِئَلّا يَسْمَعُوا الحُجَّةَ والبَيِّنَةَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: تَغَطَّوْا بِها، إمّا لِأجْلِ أنْ لا يُبْصِرُوا وجْهَهُ، كَأنَّهم لَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ، ولا أنْ يَرَوْا وجْهَهُ. وإمّا لِأجْلِ المُبالَغَةِ في أنْ لا يَسْمَعُوا، فَإنَّهم إذا جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ، ثُمَّ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهم مَعَ ذَلِكَ، صارَ المانِعُ مِنَ السَّماعِ أقْوى.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأصَرُّوا﴾ والمَعْنى أنَّهم أصَرُّوا عَلى مَذْهَبِهِمْ، أوْ عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ أيْ عَظِيمًا بالِغًا إلى النِّهايَةِ القُصْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَراتِبَ دَعْوَتِهِ كانَتْ ثَلاثَةً، فَبَدَأ بِالمُناصَحَةِ في السِّرِّ، فَعامَلُوهُ بِالأُمُورِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ ثَنى بِالمُجاهَرَةِ، فَلَمّا لَمْ يُؤَثِّرْ جَمَعَ بَيْنَ الإعْلانِ والإسْرارِ، وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ دالَّةٌ عَلى تَراخِي بَعْضِ هَذِهِ المَراتِبِ عَنْ بَعْضٍ إمّا بِحَسَبِ الزَّمانِ، أوْ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ؛ لِأنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَ الإسْرارِ والجِهارِ أغْلَظُ مِنَ الجِهارِ وحْدَهُ، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ جِهارًا ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ أحَدُ نَوْعَيْهِ الجِهارُ، فَنُصِبَ بِهِ نَصْبَ القُرْفُصاءِ بِقَعَدَ لِكَوْنِها أحَدَ أنْواعِ القُعُودِ.
وثانِيها: أنَّهُ أُرِيدَ بِدَعَوْتُهم جاهَرْتُهم.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ دَعا بِمَعْنى دُعاءً جِهارًا، أيْ مُجاهِرًا بِهِ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُجاهَرًا.
نوح 71:8
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعاهم إلى العِبادَةِ والتَّقْوى والطّاعَةِ، لِأجْلِ أنْ يُغْفَرَ لَهم، فَإنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ هو حُصُولُ المَغْفِرَةِ، وأمّا الطّاعَةُ فَهي إنَّما طُلِبَتْ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ لَمّا أمَرَهم بِالعِبادَةِ قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ فَلَمّا كانَ المَطْلُوبُ الأوَّلُ مِنَ الدَّعْوَةِ حُصُولَ المَغْفِرَةِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم عامَلُوهُ بِأشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم بَلَغُوا في التَّقْلِيدِ إلى حَيْثُ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ؛ لِئَلّا يَسْمَعُوا الحُجَّةَ والبَيِّنَةَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: تَغَطَّوْا بِها، إمّا لِأجْلِ أنْ لا يُبْصِرُوا وجْهَهُ، كَأنَّهم لَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ، ولا أنْ يَرَوْا وجْهَهُ. وإمّا لِأجْلِ المُبالَغَةِ في أنْ لا يَسْمَعُوا، فَإنَّهم إذا جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ، ثُمَّ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهم مَعَ ذَلِكَ، صارَ المانِعُ مِنَ السَّماعِ أقْوى.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأصَرُّوا﴾ والمَعْنى أنَّهم أصَرُّوا عَلى مَذْهَبِهِمْ، أوْ عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ أيْ عَظِيمًا بالِغًا إلى النِّهايَةِ القُصْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَراتِبَ دَعْوَتِهِ كانَتْ ثَلاثَةً، فَبَدَأ بِالمُناصَحَةِ في السِّرِّ، فَعامَلُوهُ بِالأُمُورِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ ثَنى بِالمُجاهَرَةِ، فَلَمّا لَمْ يُؤَثِّرْ جَمَعَ بَيْنَ الإعْلانِ والإسْرارِ، وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ دالَّةٌ عَلى تَراخِي بَعْضِ هَذِهِ المَراتِبِ عَنْ بَعْضٍ إمّا بِحَسَبِ الزَّمانِ، أوْ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ؛ لِأنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَ الإسْرارِ والجِهارِ أغْلَظُ مِنَ الجِهارِ وحْدَهُ، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ جِهارًا ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ أحَدُ نَوْعَيْهِ الجِهارُ، فَنُصِبَ بِهِ نَصْبَ القُرْفُصاءِ بِقَعَدَ لِكَوْنِها أحَدَ أنْواعِ القُعُودِ.
وثانِيها: أنَّهُ أُرِيدَ بِدَعَوْتُهم جاهَرْتُهم.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ دَعا بِمَعْنى دُعاءً جِهارًا، أيْ مُجاهِرًا بِهِ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُجاهَرًا.
نوح 71:9
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعاهم إلى العِبادَةِ والتَّقْوى والطّاعَةِ، لِأجْلِ أنْ يُغْفَرَ لَهم، فَإنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ هو حُصُولُ المَغْفِرَةِ، وأمّا الطّاعَةُ فَهي إنَّما طُلِبَتْ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ لَمّا أمَرَهم بِالعِبادَةِ قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ فَلَمّا كانَ المَطْلُوبُ الأوَّلُ مِنَ الدَّعْوَةِ حُصُولَ المَغْفِرَةِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم عامَلُوهُ بِأشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم بَلَغُوا في التَّقْلِيدِ إلى حَيْثُ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ؛ لِئَلّا يَسْمَعُوا الحُجَّةَ والبَيِّنَةَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: تَغَطَّوْا بِها، إمّا لِأجْلِ أنْ لا يُبْصِرُوا وجْهَهُ، كَأنَّهم لَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ، ولا أنْ يَرَوْا وجْهَهُ. وإمّا لِأجْلِ المُبالَغَةِ في أنْ لا يَسْمَعُوا، فَإنَّهم إذا جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ، ثُمَّ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهم مَعَ ذَلِكَ، صارَ المانِعُ مِنَ السَّماعِ أقْوى.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأصَرُّوا﴾ والمَعْنى أنَّهم أصَرُّوا عَلى مَذْهَبِهِمْ، أوْ عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ أيْ عَظِيمًا بالِغًا إلى النِّهايَةِ القُصْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَراتِبَ دَعْوَتِهِ كانَتْ ثَلاثَةً، فَبَدَأ بِالمُناصَحَةِ في السِّرِّ، فَعامَلُوهُ بِالأُمُورِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ ثَنى بِالمُجاهَرَةِ، فَلَمّا لَمْ يُؤَثِّرْ جَمَعَ بَيْنَ الإعْلانِ والإسْرارِ، وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ دالَّةٌ عَلى تَراخِي بَعْضِ هَذِهِ المَراتِبِ عَنْ بَعْضٍ إمّا بِحَسَبِ الزَّمانِ، أوْ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ؛ لِأنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَ الإسْرارِ والجِهارِ أغْلَظُ مِنَ الجِهارِ وحْدَهُ، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ جِهارًا ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ أحَدُ نَوْعَيْهِ الجِهارُ، فَنُصِبَ بِهِ نَصْبَ القُرْفُصاءِ بِقَعَدَ لِكَوْنِها أحَدَ أنْواعِ القُعُودِ.
وثانِيها: أنَّهُ أُرِيدَ بِدَعَوْتُهم جاهَرْتُهم.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ دَعا بِمَعْنى دُعاءً جِهارًا، أيْ مُجاهِرًا بِهِ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُجاهَرًا.
نوح 71:10
صفحة ١٢٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوهُ زَمانًا طَوِيلًا حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ، وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَرَجَعُوا فِيهِ إلى نُوحٍ، فَقالَ نُوحٌ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم مِنَ الشِّرْكِ حَتّى يَفْتَحَ عَلَيْكم أبْوابَ نِعَمِهِ.
واعْلَمْ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالطّاعَةِ سَبَبٌ لِانْفِتاحِ أبْوابِ الخَيْراتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفْرَ سَبَبٌ لِخَرابِ العالَمِ عَلى ما قالَ في كُفْرِ النَّصارى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٠] فَلَمّا كانَ الكُفْرُ سَبَبًا لِخَرابِ العالَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ سَبَبًا لِعِمارَةِ العالَمِ.
وثانِيها: الآياتُ مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] فَإذا اشْتَغَلُوا بِتَحْصِيلِ المَقْصُودِ حَصَلَ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ.
ورابِعُها: أنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَما زادَ عَلى الِاسْتِغْفارِ، فَقِيلَ لَهُ: ما رَأيْناكَ اسْتَسْقَيْتَ، فَقالَ: لَقَدِ اسْتَسْقَيْتُ بِمَجادِيحِ السَّماءِ. المِجْدَحُ ثَلاثَةُ كَواكِبَ مَخْصُوصَةٍ، ونَوْؤُهُ يَكُونُ عَزِيزًا، شَبَّهَ عُمَرُ الِاسْتِغْفارَ بِالأنْواءِ الصّادِقَةِ الَّتِي لا تُخْطِئُ، وعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ أكْثَرَ النّاسِ ذُنُوبًا أقَلُّهُمُ اسْتِغْفارًا، وأكْثَرَهُمُ اسْتِغْفارًا أقَلُّهم ذُنُوبًا، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ رَجُلًا شَكا إلَيْهِ الجَدْبَ، فَقالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وشَكا إلَيْهِ آخَرُ الفَقْرَ، وآخَرُ قِلَّةَ النَّسْلِ، وآخَرُ قِلَّةَ رَيْعِ أرْضِهِ، فَأمَرَهم كُلَّهم بِالِاسْتِغْفارِ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ القَوْمِ: أتاكَ رِجالٌ يَشْكُونَ إلَيْكَ أنْواعًا مِنَ الحاجَةِ، فَأمَرْتَهم كُلَّهم بِالِاسْتِغْفارِ، فَتَلا لَهُ الآيَةَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ الكُفّارَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِالعِبادَةِ والتَّقْوى والطّاعَةِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في أنْ أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفارِ ؟ (الجَوابُ) أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالعِبادَةِ قالُوا لَهُ: إنْ كانَ الدِّينُ القَدِيمُ الَّذِي كُنّا عَلَيْهِ حَقًّا فَلِمَ تَأْمُرُنا بِتَرْكِهِ، وإنْ كانَ باطِلًا فَكَيْفَ يَقْبَلُنا بَعْدَ أنْ عَصَيْناهُ، فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّكم وإنْ كُنْتُمْ عَصَيْتُمُوهُ ولَكِنِ اسْتَغْفِرُوهُ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ غَفّارًا.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّهُ غَفّارٌ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ كانَ غَفّارًا في حَقِّ كُلِّ مَنِ اسْتَغْفَرُوهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا تَظُنُّوا أنَّ غَفّارِيَّتَهُ إنَّما حَدَثَتِ الآنَ، بَلْ هو أبَدًا هَكَذا كانَ، فَكَأنَّ هَذا هو حِرْفَتُهُ وصَنْعَتُهُ.
نوح 71:11
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ مَجْبُولُونَ عَلى مَحَبَّةِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصَّفِّ: ١٣]
صفحة ١٢٣
فَلا جَرَمَ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهم مَعَ الحَظِّ الوافِرِ في الآخِرَةِ الخِصْبَ والغِنى في الدُّنْيا.
والأشْياءُ الَّتِي وعَدَهم مِن مَنافِعِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ وفي السَّماءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَطَرَ مِنها يَنْزِلُ إلى السَّحابِ.
وثانِيها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ السَّحابُ.
وثالِثُها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ المَطَرُ مِن قَوْلِهِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ [رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا]
والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرُورُ، ومِفْعالٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ مِعْطارٌ ومِثْقالٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ﴾ وهَذا لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ المالِ بَلْ يَعُمُّ الكُلَّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وبَنِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّجاءَ هَهُنا بِمَعْنى الخَوْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرُجُ لَسْعَها
والوَقارُ العَظَمَةُ والتَّوْقِيرُ التَّعْظِيمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ بِمَعْنى ما بالُكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وهَذا القَوْلُ عِنْدِي غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ ضِدُّ الخَوْفِ في اللُّغَةِ المُتَواتِرَةِ الظّاهِرَةِ، فَلَوْ قُلْنا: إنَّ لَفْظَةَ الرَّجاءِ في اللُّغَةِ مَوْضُوعَةٌ بِمَعْنى الخَوْفِ لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلرِّوايَةِ الثّابِتَةِ بِالآحادِ عَلى الرِّوايَةِ المَنقُولَةِ بِالتَّواتُرِ وهَذا يُفْضِي إلى القَدْحِ في القُرْآنِ، فَإنَّهُ لا لَفْظَ فِيهِ إلّا ويُمْكِنُ جَعْلُ نَفْيِهِ إثْباتًا وإثْباتِهِ نَفْيًا بِهَذا الطَّرِيقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أنَّ المَعْنى ”ما لَكم“ لا تَأْمَلُونَ لِلَّهِ تَوْقِيرًا أيْ تَعْظِيمًا، والمَعْنى ”ما لَكُمْ“ لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمَلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاكم و”لِلَّهِ“ بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: ما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، والحالُ هَذِهِ وهي حالٌ مُوجِبَةٌ لِلْإيمانِ بِهِ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ تاراتٍ خَلَقَكم أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ خَلَقَكم نُطَفًا، ثُمَّ خَلَقَكم عَلَقًا، ثُمَّ خَلَقَكم مُضَغًا، ثُمَّ خَلَقَكم عِظامًا ولَحْمًا، ثُمَّ أنْشَأكم خَلْقًا آخَرَ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في الِاسْتِخْفافِ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وتَرْكِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهم: إنَّكم إذا وقَّرْتُمْ نُوحًا وتَرَكْتُمُ الِاسْتِخْفافَ بِهِ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ اللَّهِ، فَما لَكَمَ لا تَرْجُونَ وقارًا وتَأْتُونَ بِهِ لِأجْلِ اللَّهِ ولِأجْلِ أمْرِهِ وطاعَتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما يَأْتِي بِهِ الإنْسانُ لِأجْلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَرْجُو مِنهُ خَيْرًا.
ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الوَقارَ وهو الثَّباتُ مِن وقَرَ إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ ﴿لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ أيْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَباتًا وبَقاءً، فَإنَّكم لَوْ رَجَوْتُمْ ثَباتَهُ وبَقاءَهُ لَخِفْتُمُوهُ، ولَما أقْدَمْتُمْ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِ وأوامِرِهِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرْجُونَ﴾ أيْ تَعْتَقِدُونَ لِأنَّ الرّاجِيَ لِلشَّيْءِ مُعْتَقِدٌ لَهُ.
نوح 71:12
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ مَجْبُولُونَ عَلى مَحَبَّةِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصَّفِّ: ١٣]
صفحة ١٢٣
فَلا جَرَمَ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهم مَعَ الحَظِّ الوافِرِ في الآخِرَةِ الخِصْبَ والغِنى في الدُّنْيا.
والأشْياءُ الَّتِي وعَدَهم مِن مَنافِعِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ وفي السَّماءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَطَرَ مِنها يَنْزِلُ إلى السَّحابِ.
وثانِيها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ السَّحابُ.
وثالِثُها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ المَطَرُ مِن قَوْلِهِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ [رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا]
والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرُورُ، ومِفْعالٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ مِعْطارٌ ومِثْقالٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ﴾ وهَذا لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ المالِ بَلْ يَعُمُّ الكُلَّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وبَنِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّجاءَ هَهُنا بِمَعْنى الخَوْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرُجُ لَسْعَها
والوَقارُ العَظَمَةُ والتَّوْقِيرُ التَّعْظِيمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ بِمَعْنى ما بالُكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وهَذا القَوْلُ عِنْدِي غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ ضِدُّ الخَوْفِ في اللُّغَةِ المُتَواتِرَةِ الظّاهِرَةِ، فَلَوْ قُلْنا: إنَّ لَفْظَةَ الرَّجاءِ في اللُّغَةِ مَوْضُوعَةٌ بِمَعْنى الخَوْفِ لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلرِّوايَةِ الثّابِتَةِ بِالآحادِ عَلى الرِّوايَةِ المَنقُولَةِ بِالتَّواتُرِ وهَذا يُفْضِي إلى القَدْحِ في القُرْآنِ، فَإنَّهُ لا لَفْظَ فِيهِ إلّا ويُمْكِنُ جَعْلُ نَفْيِهِ إثْباتًا وإثْباتِهِ نَفْيًا بِهَذا الطَّرِيقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أنَّ المَعْنى ”ما لَكم“ لا تَأْمَلُونَ لِلَّهِ تَوْقِيرًا أيْ تَعْظِيمًا، والمَعْنى ”ما لَكُمْ“ لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمَلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاكم و”لِلَّهِ“ بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: ما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، والحالُ هَذِهِ وهي حالٌ مُوجِبَةٌ لِلْإيمانِ بِهِ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ تاراتٍ خَلَقَكم أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ خَلَقَكم نُطَفًا، ثُمَّ خَلَقَكم عَلَقًا، ثُمَّ خَلَقَكم مُضَغًا، ثُمَّ خَلَقَكم عِظامًا ولَحْمًا، ثُمَّ أنْشَأكم خَلْقًا آخَرَ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في الِاسْتِخْفافِ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وتَرْكِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهم: إنَّكم إذا وقَّرْتُمْ نُوحًا وتَرَكْتُمُ الِاسْتِخْفافَ بِهِ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ اللَّهِ، فَما لَكَمَ لا تَرْجُونَ وقارًا وتَأْتُونَ بِهِ لِأجْلِ اللَّهِ ولِأجْلِ أمْرِهِ وطاعَتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما يَأْتِي بِهِ الإنْسانُ لِأجْلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَرْجُو مِنهُ خَيْرًا.
ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الوَقارَ وهو الثَّباتُ مِن وقَرَ إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ ﴿لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ أيْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَباتًا وبَقاءً، فَإنَّكم لَوْ رَجَوْتُمْ ثَباتَهُ وبَقاءَهُ لَخِفْتُمُوهُ، ولَما أقْدَمْتُمْ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِ وأوامِرِهِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرْجُونَ﴾ أيْ تَعْتَقِدُونَ لِأنَّ الرّاجِيَ لِلشَّيْءِ مُعْتَقِدٌ لَهُ.
نوح 71:13
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ مَجْبُولُونَ عَلى مَحَبَّةِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصَّفِّ: ١٣]
صفحة ١٢٣
فَلا جَرَمَ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهم مَعَ الحَظِّ الوافِرِ في الآخِرَةِ الخِصْبَ والغِنى في الدُّنْيا.
والأشْياءُ الَّتِي وعَدَهم مِن مَنافِعِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ وفي السَّماءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَطَرَ مِنها يَنْزِلُ إلى السَّحابِ.
وثانِيها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ السَّحابُ.
وثالِثُها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ المَطَرُ مِن قَوْلِهِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ [رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا]
والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرُورُ، ومِفْعالٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ مِعْطارٌ ومِثْقالٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ﴾ وهَذا لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ المالِ بَلْ يَعُمُّ الكُلَّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وبَنِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّجاءَ هَهُنا بِمَعْنى الخَوْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرُجُ لَسْعَها
والوَقارُ العَظَمَةُ والتَّوْقِيرُ التَّعْظِيمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ بِمَعْنى ما بالُكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وهَذا القَوْلُ عِنْدِي غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ ضِدُّ الخَوْفِ في اللُّغَةِ المُتَواتِرَةِ الظّاهِرَةِ، فَلَوْ قُلْنا: إنَّ لَفْظَةَ الرَّجاءِ في اللُّغَةِ مَوْضُوعَةٌ بِمَعْنى الخَوْفِ لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلرِّوايَةِ الثّابِتَةِ بِالآحادِ عَلى الرِّوايَةِ المَنقُولَةِ بِالتَّواتُرِ وهَذا يُفْضِي إلى القَدْحِ في القُرْآنِ، فَإنَّهُ لا لَفْظَ فِيهِ إلّا ويُمْكِنُ جَعْلُ نَفْيِهِ إثْباتًا وإثْباتِهِ نَفْيًا بِهَذا الطَّرِيقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أنَّ المَعْنى ”ما لَكم“ لا تَأْمَلُونَ لِلَّهِ تَوْقِيرًا أيْ تَعْظِيمًا، والمَعْنى ”ما لَكُمْ“ لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمَلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاكم و”لِلَّهِ“ بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: ما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، والحالُ هَذِهِ وهي حالٌ مُوجِبَةٌ لِلْإيمانِ بِهِ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ تاراتٍ خَلَقَكم أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ خَلَقَكم نُطَفًا، ثُمَّ خَلَقَكم عَلَقًا، ثُمَّ خَلَقَكم مُضَغًا، ثُمَّ خَلَقَكم عِظامًا ولَحْمًا، ثُمَّ أنْشَأكم خَلْقًا آخَرَ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في الِاسْتِخْفافِ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وتَرْكِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهم: إنَّكم إذا وقَّرْتُمْ نُوحًا وتَرَكْتُمُ الِاسْتِخْفافَ بِهِ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ اللَّهِ، فَما لَكَمَ لا تَرْجُونَ وقارًا وتَأْتُونَ بِهِ لِأجْلِ اللَّهِ ولِأجْلِ أمْرِهِ وطاعَتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما يَأْتِي بِهِ الإنْسانُ لِأجْلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَرْجُو مِنهُ خَيْرًا.
ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الوَقارَ وهو الثَّباتُ مِن وقَرَ إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ ﴿لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ أيْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَباتًا وبَقاءً، فَإنَّكم لَوْ رَجَوْتُمْ ثَباتَهُ وبَقاءَهُ لَخِفْتُمُوهُ، ولَما أقْدَمْتُمْ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِ وأوامِرِهِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرْجُونَ﴾ أيْ تَعْتَقِدُونَ لِأنَّ الرّاجِيَ لِلشَّيْءِ مُعْتَقِدٌ لَهُ.
نوح 71:14
صفحة ١٢٤
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ اسْتَدَلَّ عَلى التَّوْحِيدِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الطَّوْرَةُ التّارَةُ يَعْنِي حالًا بَعْدَ حالٍ كَما ذَكَرْنا أنَّهُ كانَ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ التّاراتِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ الحالُ، والمَعْنى خَلَقَكم أصْنافًا مُخْتَلِفِينَ لا يُشْبِهُ بَعْضُكم بَعْضًا، ولَمّا ذَكَرَ هَذا الدَّلِيلَ مِنَ الأنْفُسِ عَلى التَّوْحِيدِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ مِنَ الآفاقِ عَلى العادَةِ المَعْهُودَةِ في كُلِّ القُرْآنِ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: عَلى التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يَبْدَأُ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ، وبَعْدَها بِدَلائِلِ الآفاقِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ الإنْسانِ أقْرَبُ الأشْياءِ إلَيْهِ، فَلا جَرَمَ بَدَأ بِالأقْرَبِ، وتارَةً يَبْدَأُ بِدَلائِلِ الآفاقِ، ثُمَّ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ إمّا لِأنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أبْهَرُ وأعْظَمُ، فَوَقَعَتِ البِدايَةُ بِها لِهَذا السَّبَبِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ دَلائِلَ الأنْفُسِ حاضِرَةٌ، لا حاجَةَ بِالعاقِلِ إلى التَّأمُّلِ فِيها، إنَّما الَّذِي يَحْتاجُ إلى التَّأمُّلِ فِيهِ دَلائِلُ الآفاقِ؛ لِأنَّ الشُّبَهَ فِيها أكْثَرُ، فَلا جَرَمَ تَقَعُ البِدايَةُ بِها، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ بَعْضِها مُنْطَبِقًا عَلى البَعْضِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ بَيْنَها فُرَجٌ، فالمَلائِكَةُ كَيْفَ يَسْكُنُونَ فِيها ؟ (الجَوابُ): المَلائِكَةُ أرْواحٌ فَلَعَلَّ المُرادَ مِن كَوْنِها طِباقًا كَوْنُها مُتَوازِيَةً لا أنَّها مُتَماسَّةٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ والقَمَرُ لَيْسَ فِيها بِأسْرِها بَلْ في السَّماءِ الدُّنْيا ؟ (والجَوابُ): هَذا كَما يُقالُ: السُّلْطانُ في العِراقِ لَيْسَ المُرادُ أنَّ ذاتَهُ حاصِلَةٌ في جَمِيعِ أحْيازِ العِراقِ بَلْ إنَّ ذاتَهُ في حَيِّزٍ مِن جُمْلَةِ أحْيازِ العِراقِ فَكَذا هَهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: السِّراجُ ضَوْءُهُ عَرَضِيٌّ وضَوْءُ القَمَرِ عَرَضِيٌّ مُتَبَدِّلٌ فَتَشْبِيهُ القَمَرِ بِالسِّراجِ أوْلى مِن تَشْبِيهِ الشَّمْسِ بِهِ (الجَوابُ): اللَّيْلُ عِبارَةٌ عَنْ ظِلِّ الأرْضِ، والشَّمْسُ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِزَوالِ ظِلِّ الأرْضِ كانَتْ شَبِيهَةً بِالسِّراجِ، وأيْضًا فالسِّراجُ لَهُ ضَوْءٌ والضَّوْءُ أقْوى مِنَ النُّورِ فَجَعَلَ الأضْعَفَ لِلْقَمَرِ والأقْوى لِلشَّمْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسَ: ٥] .
نوح 71:15
صفحة ١٢٤
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ اسْتَدَلَّ عَلى التَّوْحِيدِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الطَّوْرَةُ التّارَةُ يَعْنِي حالًا بَعْدَ حالٍ كَما ذَكَرْنا أنَّهُ كانَ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ التّاراتِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ الحالُ، والمَعْنى خَلَقَكم أصْنافًا مُخْتَلِفِينَ لا يُشْبِهُ بَعْضُكم بَعْضًا، ولَمّا ذَكَرَ هَذا الدَّلِيلَ مِنَ الأنْفُسِ عَلى التَّوْحِيدِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ مِنَ الآفاقِ عَلى العادَةِ المَعْهُودَةِ في كُلِّ القُرْآنِ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: عَلى التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يَبْدَأُ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ، وبَعْدَها بِدَلائِلِ الآفاقِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ الإنْسانِ أقْرَبُ الأشْياءِ إلَيْهِ، فَلا جَرَمَ بَدَأ بِالأقْرَبِ، وتارَةً يَبْدَأُ بِدَلائِلِ الآفاقِ، ثُمَّ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ إمّا لِأنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أبْهَرُ وأعْظَمُ، فَوَقَعَتِ البِدايَةُ بِها لِهَذا السَّبَبِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ دَلائِلَ الأنْفُسِ حاضِرَةٌ، لا حاجَةَ بِالعاقِلِ إلى التَّأمُّلِ فِيها، إنَّما الَّذِي يَحْتاجُ إلى التَّأمُّلِ فِيهِ دَلائِلُ الآفاقِ؛ لِأنَّ الشُّبَهَ فِيها أكْثَرُ، فَلا جَرَمَ تَقَعُ البِدايَةُ بِها، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ بَعْضِها مُنْطَبِقًا عَلى البَعْضِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ بَيْنَها فُرَجٌ، فالمَلائِكَةُ كَيْفَ يَسْكُنُونَ فِيها ؟ (الجَوابُ): المَلائِكَةُ أرْواحٌ فَلَعَلَّ المُرادَ مِن كَوْنِها طِباقًا كَوْنُها مُتَوازِيَةً لا أنَّها مُتَماسَّةٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ والقَمَرُ لَيْسَ فِيها بِأسْرِها بَلْ في السَّماءِ الدُّنْيا ؟ (والجَوابُ): هَذا كَما يُقالُ: السُّلْطانُ في العِراقِ لَيْسَ المُرادُ أنَّ ذاتَهُ حاصِلَةٌ في جَمِيعِ أحْيازِ العِراقِ بَلْ إنَّ ذاتَهُ في حَيِّزٍ مِن جُمْلَةِ أحْيازِ العِراقِ فَكَذا هَهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: السِّراجُ ضَوْءُهُ عَرَضِيٌّ وضَوْءُ القَمَرِ عَرَضِيٌّ مُتَبَدِّلٌ فَتَشْبِيهُ القَمَرِ بِالسِّراجِ أوْلى مِن تَشْبِيهِ الشَّمْسِ بِهِ (الجَوابُ): اللَّيْلُ عِبارَةٌ عَنْ ظِلِّ الأرْضِ، والشَّمْسُ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِزَوالِ ظِلِّ الأرْضِ كانَتْ شَبِيهَةً بِالسِّراجِ، وأيْضًا فالسِّراجُ لَهُ ضَوْءٌ والضَّوْءُ أقْوى مِنَ النُّورِ فَجَعَلَ الأضْعَفَ لِلْقَمَرِ والأقْوى لِلشَّمْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسَ: ٥] .
نوح 71:16
صفحة ١٢٤
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ اسْتَدَلَّ عَلى التَّوْحِيدِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الطَّوْرَةُ التّارَةُ يَعْنِي حالًا بَعْدَ حالٍ كَما ذَكَرْنا أنَّهُ كانَ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ التّاراتِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ الحالُ، والمَعْنى خَلَقَكم أصْنافًا مُخْتَلِفِينَ لا يُشْبِهُ بَعْضُكم بَعْضًا، ولَمّا ذَكَرَ هَذا الدَّلِيلَ مِنَ الأنْفُسِ عَلى التَّوْحِيدِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ مِنَ الآفاقِ عَلى العادَةِ المَعْهُودَةِ في كُلِّ القُرْآنِ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: عَلى التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يَبْدَأُ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ، وبَعْدَها بِدَلائِلِ الآفاقِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ الإنْسانِ أقْرَبُ الأشْياءِ إلَيْهِ، فَلا جَرَمَ بَدَأ بِالأقْرَبِ، وتارَةً يَبْدَأُ بِدَلائِلِ الآفاقِ، ثُمَّ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ إمّا لِأنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أبْهَرُ وأعْظَمُ، فَوَقَعَتِ البِدايَةُ بِها لِهَذا السَّبَبِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ دَلائِلَ الأنْفُسِ حاضِرَةٌ، لا حاجَةَ بِالعاقِلِ إلى التَّأمُّلِ فِيها، إنَّما الَّذِي يَحْتاجُ إلى التَّأمُّلِ فِيهِ دَلائِلُ الآفاقِ؛ لِأنَّ الشُّبَهَ فِيها أكْثَرُ، فَلا جَرَمَ تَقَعُ البِدايَةُ بِها، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ بَعْضِها مُنْطَبِقًا عَلى البَعْضِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ بَيْنَها فُرَجٌ، فالمَلائِكَةُ كَيْفَ يَسْكُنُونَ فِيها ؟ (الجَوابُ): المَلائِكَةُ أرْواحٌ فَلَعَلَّ المُرادَ مِن كَوْنِها طِباقًا كَوْنُها مُتَوازِيَةً لا أنَّها مُتَماسَّةٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ والقَمَرُ لَيْسَ فِيها بِأسْرِها بَلْ في السَّماءِ الدُّنْيا ؟ (والجَوابُ): هَذا كَما يُقالُ: السُّلْطانُ في العِراقِ لَيْسَ المُرادُ أنَّ ذاتَهُ حاصِلَةٌ في جَمِيعِ أحْيازِ العِراقِ بَلْ إنَّ ذاتَهُ في حَيِّزٍ مِن جُمْلَةِ أحْيازِ العِراقِ فَكَذا هَهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: السِّراجُ ضَوْءُهُ عَرَضِيٌّ وضَوْءُ القَمَرِ عَرَضِيٌّ مُتَبَدِّلٌ فَتَشْبِيهُ القَمَرِ بِالسِّراجِ أوْلى مِن تَشْبِيهِ الشَّمْسِ بِهِ (الجَوابُ): اللَّيْلُ عِبارَةٌ عَنْ ظِلِّ الأرْضِ، والشَّمْسُ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِزَوالِ ظِلِّ الأرْضِ كانَتْ شَبِيهَةً بِالسِّراجِ، وأيْضًا فالسِّراجُ لَهُ ضَوْءٌ والضَّوْءُ أقْوى مِنَ النُّورِ فَجَعَلَ الأضْعَفَ لِلْقَمَرِ والأقْوى لِلشَّمْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسَ: ٥] .
نوح 71:17
الدَّلِيلُ الثّالِثُ: عَلى التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ هَهُنا إلى دَلائِلِ الأنْفُسِ وهو كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم أطْوارًا﴾ فَإنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى
صفحة ١٢٥
خَلَقَهم مِنَ الأرْضِ ثُمَّ يَرُدُّهم إلَيْها ثُمَّ يُخْرِجُهم مِنها مَرَّةً أُخْرى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أنْبَتْ أباكم مِنَ الأرْضِ كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] .
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أنْبَتَ الكُلَّ مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخْلُقُنا مِنَ النُّطَفِ وهي مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ النَّباتِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْبَتَكم إنْباتًا إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قالَ: أنْبَتَكم نَباتًا، والتَّقْدِيرُ أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا، وفِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ لَوْ قالَ: أنْبَتَكم إنْباتًا كانَ المَعْنى أنْبَتَكم إنْباتًا غَرِيبًا، ولَمّا قالَ: أنْبَتْكم نَباتًا كانَ المَعْنى أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا عَجِيبًا، وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الإنْباتَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وصِفَةُ اللَّهِ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ لَنا، فَلا نَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ الإنْباتَ إنْباتٌ عَجِيبٌ كامِلٌ إلّا بِواسِطَةِ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا المَقامُ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ، أمّا لَمّا قالَ: ”أنْبَتَكم نَباتًا“ عَلى مَعْنى أنَبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا عَجِيبًا كامِلًا، كانَ ذَلِكَ وصْفًا لِلنَّباتِ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا كامِلًا، وكَوْنُ النَّباتِ كَذَلِكَ أمْرٌ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ، فَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا مُوافِقًا لِهَذا المَقامِ.
فَظَهَرَ أنَّ العُدُولَ مِن تِلْكَ الحَقِيقَةِ إلى هَذا المَجازِ كانَ لِهَذا السِّرِّ اللَّطِيفِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ المَعْهُودَةِ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الِابْتِداءِ كانَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: يُخْرِجُكم حَقًّا لا مَحالَةَ.
نوح 71:18
الدَّلِيلُ الثّالِثُ: عَلى التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ هَهُنا إلى دَلائِلِ الأنْفُسِ وهو كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم أطْوارًا﴾ فَإنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى
صفحة ١٢٥
خَلَقَهم مِنَ الأرْضِ ثُمَّ يَرُدُّهم إلَيْها ثُمَّ يُخْرِجُهم مِنها مَرَّةً أُخْرى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أنْبَتْ أباكم مِنَ الأرْضِ كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] .
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أنْبَتَ الكُلَّ مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخْلُقُنا مِنَ النُّطَفِ وهي مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ النَّباتِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْبَتَكم إنْباتًا إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قالَ: أنْبَتَكم نَباتًا، والتَّقْدِيرُ أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا، وفِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ لَوْ قالَ: أنْبَتَكم إنْباتًا كانَ المَعْنى أنْبَتَكم إنْباتًا غَرِيبًا، ولَمّا قالَ: أنْبَتْكم نَباتًا كانَ المَعْنى أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا عَجِيبًا، وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الإنْباتَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وصِفَةُ اللَّهِ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ لَنا، فَلا نَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ الإنْباتَ إنْباتٌ عَجِيبٌ كامِلٌ إلّا بِواسِطَةِ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا المَقامُ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ، أمّا لَمّا قالَ: ”أنْبَتَكم نَباتًا“ عَلى مَعْنى أنَبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا عَجِيبًا كامِلًا، كانَ ذَلِكَ وصْفًا لِلنَّباتِ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا كامِلًا، وكَوْنُ النَّباتِ كَذَلِكَ أمْرٌ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ، فَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا مُوافِقًا لِهَذا المَقامِ.
فَظَهَرَ أنَّ العُدُولَ مِن تِلْكَ الحَقِيقَةِ إلى هَذا المَجازِ كانَ لِهَذا السِّرِّ اللَّطِيفِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ المَعْهُودَةِ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الِابْتِداءِ كانَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: يُخْرِجُكم حَقًّا لا مَحالَةَ.
نوح 71:19
الدَّلِيلُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ أيْ: طُرُقًا واسِعَةً واحِدُها فَجٌّ وهو مُفَسَّرٌ فِيما تَقَدَّمَ.
واعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ ونَبَّهَهم عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ حَكى عَنْهم أنْواعَ قَبائِحِهِمْ وأقْوالَهم وأفْعالَهم.
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، فَكَأنَّهُ قالَ قُلْتُ لَهم: أطِيعُونِ فَهم عَصَوْنِي.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم عَصَوْهُ وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم ضَمُّوا إلى عِصْيانِهِ مَعْصِيَةً أُخْرى وهي طاعَةُ رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ يَعْنِي هَذانِ وإنْ كانا مِن جُمْلَةِ المَنافِعِ في الدُّنْيا إلّا أنَّهُما لَمّا صارا سَبَبًا لِلْخَسارَةِ في الآخِرَةِ فَكَأنَّهُما صارا مَحْضَ الخَسارِ،
صفحة ١٢٦
والأمْرُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا في جَنْبِ الآخِرَةِ كالعَدَمِ فَإذا صارَتِ المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ أسْبابًا لِلْخَسارَةِ في الآخِرَةِ صارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى اللُّقْمَةِ الواحِدَةِ مِنَ الحُلْوِ إذا كانَتْ مَسْمُومَةً سُمَّ الوَقْتِ، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ النِّعَمَ اسْتِدْراجاتٌ ووَسائِلُ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ فَكانَتْ كالعَدَمِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”ووُلْدُهُ“ بِضَمِّ الواوِ واعْلَمْ أنَّ الوُلْدَ بِالضَّمِّ لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا؛ إمّا جَمْعُ ولَدٍ كالفُلْكِ، وهَهُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا.
نوح 71:20
الدَّلِيلُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ أيْ: طُرُقًا واسِعَةً واحِدُها فَجٌّ وهو مُفَسَّرٌ فِيما تَقَدَّمَ.
واعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ ونَبَّهَهم عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ حَكى عَنْهم أنْواعَ قَبائِحِهِمْ وأقْوالَهم وأفْعالَهم.
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، فَكَأنَّهُ قالَ قُلْتُ لَهم: أطِيعُونِ فَهم عَصَوْنِي.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم عَصَوْهُ وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم ضَمُّوا إلى عِصْيانِهِ مَعْصِيَةً أُخْرى وهي طاعَةُ رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ يَعْنِي هَذانِ وإنْ كانا مِن جُمْلَةِ المَنافِعِ في الدُّنْيا إلّا أنَّهُما لَمّا صارا سَبَبًا لِلْخَسارَةِ في الآخِرَةِ فَكَأنَّهُما صارا مَحْضَ الخَسارِ،
صفحة ١٢٦
والأمْرُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا في جَنْبِ الآخِرَةِ كالعَدَمِ فَإذا صارَتِ المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ أسْبابًا لِلْخَسارَةِ في الآخِرَةِ صارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى اللُّقْمَةِ الواحِدَةِ مِنَ الحُلْوِ إذا كانَتْ مَسْمُومَةً سُمَّ الوَقْتِ، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ النِّعَمَ اسْتِدْراجاتٌ ووَسائِلُ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ فَكانَتْ كالعَدَمِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”ووُلْدُهُ“ بِضَمِّ الواوِ واعْلَمْ أنَّ الوُلْدَ بِالضَّمِّ لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا؛ إمّا جَمْعُ ولَدٍ كالفُلْكِ، وهَهُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا.
نوح 71:21
الدَّلِيلُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ أيْ: طُرُقًا واسِعَةً واحِدُها فَجٌّ وهو مُفَسَّرٌ فِيما تَقَدَّمَ.
واعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ ونَبَّهَهم عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ حَكى عَنْهم أنْواعَ قَبائِحِهِمْ وأقْوالَهم وأفْعالَهم.
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، فَكَأنَّهُ قالَ قُلْتُ لَهم: أطِيعُونِ فَهم عَصَوْنِي.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم عَصَوْهُ وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم ضَمُّوا إلى عِصْيانِهِ مَعْصِيَةً أُخْرى وهي طاعَةُ رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ يَعْنِي هَذانِ وإنْ كانا مِن جُمْلَةِ المَنافِعِ في الدُّنْيا إلّا أنَّهُما لَمّا صارا سَبَبًا لِلْخَسارَةِ في الآخِرَةِ فَكَأنَّهُما صارا مَحْضَ الخَسارِ،
صفحة ١٢٦
والأمْرُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا في جَنْبِ الآخِرَةِ كالعَدَمِ فَإذا صارَتِ المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ أسْبابًا لِلْخَسارَةِ في الآخِرَةِ صارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى اللُّقْمَةِ الواحِدَةِ مِنَ الحُلْوِ إذا كانَتْ مَسْمُومَةً سُمَّ الوَقْتِ، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ النِّعَمَ اسْتِدْراجاتٌ ووَسائِلُ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ فَكانَتْ كالعَدَمِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”ووُلْدُهُ“ بِضَمِّ الواوِ واعْلَمْ أنَّ الوُلْدَ بِالضَّمِّ لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا؛ إمّا جَمْعُ ولَدٍ كالفُلْكِ، وهَهُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا.
نوح 71:22
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ومَكَرُوا، مَعْطُوفٌ عَلى مَن لَمْ يَزِدْهُ؛ لِأنَّ المَتْبُوعِينَ هُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا، وقالُوا لِلْأتْباعِ لا تَذْرُنَّ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ وهو راجِعٌ إلى مَن؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”كُبّارًا“ و”كُبارًا“ بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وهو مُبالَغَةٌ في الكَبِيرِ، فَأوَّلُ المَراتِبِ الكَبِيرُ، والأوْسَطُ الكُبارُ بِالتَّخْفِيفِ، والنِّهايَةُ الكُبّارُ بِالتَّثْقِيلِ، ونَظِيرُهُ: جَمِيلٌ وجُمالٌ وجُمّالٌ، وعَظِيمٌ وعُظامٌ وعُظّامٌ، وطَوِيلٌ وطُوالٌ وطُوّالٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَكْرُ الكُبّارُ هو أنَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا﴾ فَهم مَنَعُوا القَوْمَ عَنِ التَّوْحِيدِ، وأمَرُوهم بِالشِّرْكِ، ولَمّا كانَ التَّوْحِيدُ أعْظَمَ المَراتِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَنعُ مِنهُ أعْظَمَ الكَبائِرِ، فَلِهَذا وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ كُبّارٌ، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن فَضَّلَ عِلْمَ الكَلامِ عَلى سائِرِ العُلُومِ، فَقالَ: الأمْرُ بِالشِّرْكِ كُبّارٌ في القُبْحِ والخِزْيِ، فالأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ والإرْشادِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُبّارًا في الخَيْرِ والدِّينِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما سَمّاهُ ﴿مَكْرًا﴾ لِما في إضافَةِ الإلَهِيَّةِ إلَيْهِمْ مِنَ الحِيلَةِ المُوجِبَةِ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى عِبادَتِها، كَأنَّهم قالُوا: هَذِهِ الأصْنامُ آلِهَةٌ لَكم، وكانَتْ آلِهَةً لِآبائِكم، فَلَوْ قَبِلْتُمْ قَوْلَ نُوحٍ لاعْتَرَفْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِأنَّكم كُنْتُمْ جاهِلِينَ ضالِّينَ كافِرِينَ، وعَلى آبائِكم بِأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ اعْتِرافُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ، وعَلى جَمِيعِ أسْلافِهِ بِالقُصُورِ والنَّقْصِ والجَهْلِ شاقًّا شَدِيدًا، صارَتِ الإشارَةُ إلى هَذِهِ المَعانِي بِلَفْظِ آلِهَتِكم صارِفًا لَهم عَنِ الدِّينِ، فَلِأجْلِ اشْتِمالِ هَذا الكَلامِ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ الخَفِيَّةِ سَمّى اللَّهُ كَلامَهم ”مَكْرًا“ .
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ المَتْبُوعِينَ أنَّهم كانَ لَهم مالٌ ووَلَدٌ، فَلَعَلَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: إنَّ آلِهَتَكم خَيْرٌ مِن إلَهِ نُوحٍ؛ لِأنَّ آلِهَتَكم يُعْطُونَكُمُ المالَ والوَلَدَ، وإلَهُ نُوحٍ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا لِأنَّهُ فَقِيرٌ، فَبِهَذا المَكْرِ صَرَفُوهم عَنْ طاعَةِ نُوحٍ، وهَذا مِثْلُ مَكْرِ فِرْعَوْنَ إذْ قالَ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥١] وقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٣] .
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرَ أبُو زَيْدٍ البَلْخِيُّ في كِتابِهِ في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ: أنَّ العِلْمَ بِأنَّ هَذِهِ الخَشَبَةَ
صفحة ١٢٧
المَنحُوتَةَ في هَذِهِ السّاعَةِ لَيْسَتْ خالِقَةً لِلسَّماواتِ والأرْضِ والنَّباتِ والحَيَوانِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، والعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ لا يَجُوزُ وُقُوعُ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ العُقَلاءِ، وعِبادَةُ الأوْثانِ دِينٌ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مَجِيءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الدِّينُ إلى هَذا الزَّمانِ، وأكْثَرُ سُكّانِ أطْرافِ المَعْمُورَةِ عَلى هَذا الدِّينِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُعْرَفُ فَسادُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وإلّا لَما بَقِيَ هَذِهِ المُدَّةَ المُتَطاوِلَةَ في أكْثَرِ أطْرافِ العالَمِ، فَإذًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلذّاهِبِينَ إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ تَأْوِيلاتٌ:
أحَدُها: قالَ أبُو مَعْشَرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمُ: هَذِهِ المَقالَةُ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن مَذْهَبِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وفي مَكانٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ نُورٌ هو أعْظَمُ الأنْوارِ، والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ الَّذِي هو مَكانُهُ، هم أنْوارٌ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ النُّورِ الأعْظَمِ، فالَّذِينَ اعْتَقَدُوا هَذا المَذْهَبَ اتَّخَذُوا صَنَمًا هو أعْظَمُ الأصْنامِ عَلى صُورَةِ إلَهِهِمُ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ، واتَّخَذُوا أصْنامًا مُتَفاوِتَةً، بِالكِبَرِ والصِّغَرِ والشَّرَفِ والخِسَّةِ عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، واشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ الإلَهَ والمَلائِكَةَ، فَدِينُ عِبادَةِ الأوْثانِ إنَّما ظَهَرَ مِنَ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ جَماعَةَ الصّابِئَةِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإلَهَ الأعْظَمَ خَلَقَ هَذِهِ الكَواكِبَ الثّابِتَةَ والسَّيّارَةَ، وفَوَّضَ تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ إلَيْها، فالبَشَرُ عَبِيدُ هَذِهِ الكَواكِبِ، والكَواكِبُ عَبِيدُ الإلَهِ الأعْظَمِ، فالبَشَرُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عِبادَةُ الكَواكِبِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ كانَتْ تَطْلُعُ مَرَّةً وتَغِيبُ أُخْرى، فاتَّخَذُوا أصْنامًا عَلى صُوَرِها واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها، وغَرَضُهم عِبادَةُ الكَواكِبِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ، كانُوا مُنَجِّمِينَ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الأحْكامِ، في إضافاتِ سَعاداتِ هَذا العالَمِ ونُحُوساتِها إلى الكَواكِبِ، فَإذا اتَّفَقَ في الفَلَكِ شَكْلٌ عَجِيبٌ صالِحٌ لِطَلْسَمٍ عَجِيبٍ، فَكانُوا يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ الطَّلْسَمَ، وكانَ يَظْهَرُ مِنهُ أحْوالٌ عَجِيبَةٌ وآثارٌ عَظِيمَةٌ، وكانُوا يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الطَّلْسَمَ ويُكْرِمُونَهُ ويَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كُلَّ طَلْسَمٍ عَلى شَكْلٍ مُوافِقٍ لِكَوْكَبٍ خاصٍّ ولِبُرْجٍ خاصٍّ، فَقِيلَ: كانَ ودٌّ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وسُواعٌ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، ويَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ، ويَعُوقُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، ونَسْرٌ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ يَمُوتُ أقْوامٌ صالِحُونَ فَكانُوا يَتَّخِذُونَ تَماثِيلَ عَلى صُوَرِهِمْ ويَشْتَغِلُونَ بِتَعْظِيمِها، وغَرَضُهم تَعْظِيمُ أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ ماتُوا حَتّى يَكُونُوا شافِعِينَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمَرِ: ٣] .
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ رُبَّما ماتَ مَلِكٌ عَظِيمٌ، أوْ شَخْصٌ عَظِيمٌ، فَكانُوا يَتَّخِذُونَ تِمْثالًا عَلى صُورَتِهِ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فالَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوا أنَّ آباءَهم كانُوا يَعْبُدُونَها فاشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها لِتَقْلِيدِ الآباءِ، أوْ لَعَلَّ هَذِهِ الأسْماءَ الخَمْسَةَ وهي: ودٌّ، وسُواعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، ونَسْرٌ، أسْماءُ خَمْسَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ، فَلَمّا ماتُوا قالَ إبْلِيسُ لِمَن بَعْدَهم: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم فَكُنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمّا ماتَ أُولَئِكَ قالَ لِمَن بَعْدَهم: إنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم فَعَبَدُوهم، ولِهَذا السَّبَبِ نَهى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ أوَّلًا، ثُمَّ أذِنَ فِيها عَلى ما يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ألا فَزُورُوها فَإنَّ في زِيارَتِها تَذْكِرَةً» .
السّادِسُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وإنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ والحُلُولُ، لا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَحِلَّ تَعالى في شَخْصِ إنْسانٍ، أوْ في شَخْصِ صَنَمٍ، فَإذا أحَسُّوا مِن ذَلِكَ الصَّنَمِ المُتَّخَذِ عَلى وجْهِ الطَّلْسَمِ حالَةً عَجِيبَةً، خَطَرَ بِبالِهِمْ أنَّ الإلَهَ حَصَلَ في ذَلِكَ الصَّنَمِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ جَمْعًا مِن قُدَماءِ الرَّوافِضِ، لَمّا رَأوْا أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قَلَعَ بابَ خَيْبَرَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ المُعْتادِ، قالُوا: إنَّ الإلَهَ حَلَّ في بَدَنِهِ وإنَّهُ هو الإلَهُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: لَعَلَّهُمُ اتَّخَذُوا تِلْكَ الأصْنامَ كالمِحْرابِ ومَقْصُودُهم بِالعِبادَةِ هو اللَّهُ، فَهَذا
صفحة ١٢٨
جُمْلَةُ ما في هَذا البابِ، وبَعْضُها باطِلَةٌ بِدَلِيلِ العَقْلِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ بَطَلَ اتِّخاذُ الصَّنَمِ عَلى صُورَةِ الإلَهِ، وبَطَلَ القَوْلُ أيْضًا بِالحُلُولِ والنُّزُولِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، بَطَلَ القَوْلُ بِالوَسايِطِ والطَّلْسَماتِ، ولَمّا جاءَ الشَّرْعُ بِالمَنعِ مِنَ اتِّخاذِ الصَّنَمِ، بَطَلَ القَوْلُ بِاتِّخاذِها مَحارِيبَ وشُفَعاءَ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَذِهِ الأصْنامُ الخَمْسَةُ كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ إنَّها انْتَقَلَتْ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ إلى العَرَبِ، فَكانَ ودٌّ لِكَلْبٍ، وسُواعٌ لِهَمْدانَ، ويَغُوثُ لِمَذْحِجٍ، ويَعُوقُ لِمُرادٍ، ونَسْرٌ لِحِمْيَرَ. ولِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ بِعَبْدِ ودٍّ، وعَبْدِ يَغُوثَ، هَكَذا قِيلَ في الكُتُبِ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ خَرِبَتْ في زَمانِ الطُّوفانِ، فَكَيْفَ بَقِيَتْ تِلْكَ الأصْنامُ، وكَيْفَ انْتَقَلَتْ إلى العَرَبِ ؟ ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وضَعَها في السَّفِينَةِ وأمْسَكَها لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إنَّما جاءَ لِنَفْيِها وكَسْرِها فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وضَعَها في السَّفِينَةِ سَعْيًا مِنهُ في حِفْظِها.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قُرِئَ: ”لا تَذَرُنَّ وُدًّا“ بِفَتْحِ الواوِ وبِضَمِّ الواوِ، قالَ اللَّيْثُ: ودٌّ بِفَتْحِ الواوِ صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وُدٌّ بِالضَّمِّ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، وأقُولُ: عَلى قَوْلِ اللَّيْثِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ هَهُنا قِراءَةُ وُدٍّ بِالضَّمِّ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ في قِصَّةِ نُوحٍ لا في أحْوالِ قُرَيْشٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا“ بِالصَّرْفِ. وهَذِهِ قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ؛ لِأنَّهُما إنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ أوْ عَجَمِيَّيْنِ فَفِيهِما سَبَبا مَنعِ الصَّرْفِ، إمّا التَّعْرِيفُ ووَزْنُ الفِعْلِ، وإمّا التَّعْرِيفُ والعُجْمَةُ، فَلَعَلَّهُ صَرَفَهُما لِأجْلِ أنَّهُ وجَدَ أخَواتِهِما مُنْصَرِفَةً ودًّا وسُواعًا ونَسْرًا.
واعْلَمْ أنَّ نُوحًا لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ قالَ: ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أُولَئِكَ الرُّؤَساءُ (قَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا) قَبْلَ هَؤُلاءِ المُوصِينَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ولَيْسَ هَذا أوَّلَ مَرَّةٍ اشْتَغَلُوا بِالإضْلالِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الأصْنامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] وأجْرى الأصْنامَ عَلى هَذا القَوْلِ مَجْرى الآدَمِيِّينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٥]، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ﴾ ؟ (الجَوابُ) كَأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أطْنَبَ في تَعْدِيدِ أفْعالِهِمُ المُنْكَرَةِ وأقْوالِهِمُ القَبِيحَةِ امْتَلَأ قَلْبُهُ غَيْظًا وغَضَبًا عَلَيْهِمْ فَخَتَمَ كَلامَهُ بِأنْ دَعا عَلَيْهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: إنَّما بُعِثَ لِيَصْرِفَهم عَنِ الضَّلالِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ في أنْ يَزِيدَ في ضَلالِهِمْ ؟ (الجَوابُ) مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَعَلَّهُ لَيْسَ المُرادُ الضَّلالَ في أمْرِ الدِّينِ، بَلِ الضَّلالُ في أمْرِ دُنْياهم، وفي تَرْوِيجِ مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ.
الثّانِي: الضَّلالُ العَذابُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٧] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى كَلامَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ما) صِلَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النِّساءِ: ١٥٥] ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] والمَعْنى مِن خَطاياهم أيْ مِن أجْلِها وبِسَبَبِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”مِن خَطِيآتِهِمْ ما أُغْرِقُوا“ فَأخَّرَ كَلِمَةَ ما، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا تَكُونُ ما صِلَةً زائِدَةً؛ لِأنَّ ما مَعَ ما بَعْدَهُ في تَقْرِيرِ المَصْدَرِ.
نوح 71:23
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ومَكَرُوا، مَعْطُوفٌ عَلى مَن لَمْ يَزِدْهُ؛ لِأنَّ المَتْبُوعِينَ هُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا، وقالُوا لِلْأتْباعِ لا تَذْرُنَّ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ وهو راجِعٌ إلى مَن؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”كُبّارًا“ و”كُبارًا“ بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وهو مُبالَغَةٌ في الكَبِيرِ، فَأوَّلُ المَراتِبِ الكَبِيرُ، والأوْسَطُ الكُبارُ بِالتَّخْفِيفِ، والنِّهايَةُ الكُبّارُ بِالتَّثْقِيلِ، ونَظِيرُهُ: جَمِيلٌ وجُمالٌ وجُمّالٌ، وعَظِيمٌ وعُظامٌ وعُظّامٌ، وطَوِيلٌ وطُوالٌ وطُوّالٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَكْرُ الكُبّارُ هو أنَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا﴾ فَهم مَنَعُوا القَوْمَ عَنِ التَّوْحِيدِ، وأمَرُوهم بِالشِّرْكِ، ولَمّا كانَ التَّوْحِيدُ أعْظَمَ المَراتِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَنعُ مِنهُ أعْظَمَ الكَبائِرِ، فَلِهَذا وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ كُبّارٌ، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن فَضَّلَ عِلْمَ الكَلامِ عَلى سائِرِ العُلُومِ، فَقالَ: الأمْرُ بِالشِّرْكِ كُبّارٌ في القُبْحِ والخِزْيِ، فالأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ والإرْشادِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُبّارًا في الخَيْرِ والدِّينِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما سَمّاهُ ﴿مَكْرًا﴾ لِما في إضافَةِ الإلَهِيَّةِ إلَيْهِمْ مِنَ الحِيلَةِ المُوجِبَةِ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى عِبادَتِها، كَأنَّهم قالُوا: هَذِهِ الأصْنامُ آلِهَةٌ لَكم، وكانَتْ آلِهَةً لِآبائِكم، فَلَوْ قَبِلْتُمْ قَوْلَ نُوحٍ لاعْتَرَفْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِأنَّكم كُنْتُمْ جاهِلِينَ ضالِّينَ كافِرِينَ، وعَلى آبائِكم بِأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ اعْتِرافُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ، وعَلى جَمِيعِ أسْلافِهِ بِالقُصُورِ والنَّقْصِ والجَهْلِ شاقًّا شَدِيدًا، صارَتِ الإشارَةُ إلى هَذِهِ المَعانِي بِلَفْظِ آلِهَتِكم صارِفًا لَهم عَنِ الدِّينِ، فَلِأجْلِ اشْتِمالِ هَذا الكَلامِ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ الخَفِيَّةِ سَمّى اللَّهُ كَلامَهم ”مَكْرًا“ .
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ المَتْبُوعِينَ أنَّهم كانَ لَهم مالٌ ووَلَدٌ، فَلَعَلَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: إنَّ آلِهَتَكم خَيْرٌ مِن إلَهِ نُوحٍ؛ لِأنَّ آلِهَتَكم يُعْطُونَكُمُ المالَ والوَلَدَ، وإلَهُ نُوحٍ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا لِأنَّهُ فَقِيرٌ، فَبِهَذا المَكْرِ صَرَفُوهم عَنْ طاعَةِ نُوحٍ، وهَذا مِثْلُ مَكْرِ فِرْعَوْنَ إذْ قالَ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥١] وقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٣] .
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرَ أبُو زَيْدٍ البَلْخِيُّ في كِتابِهِ في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ: أنَّ العِلْمَ بِأنَّ هَذِهِ الخَشَبَةَ
صفحة ١٢٧
المَنحُوتَةَ في هَذِهِ السّاعَةِ لَيْسَتْ خالِقَةً لِلسَّماواتِ والأرْضِ والنَّباتِ والحَيَوانِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، والعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ لا يَجُوزُ وُقُوعُ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ العُقَلاءِ، وعِبادَةُ الأوْثانِ دِينٌ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مَجِيءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الدِّينُ إلى هَذا الزَّمانِ، وأكْثَرُ سُكّانِ أطْرافِ المَعْمُورَةِ عَلى هَذا الدِّينِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُعْرَفُ فَسادُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وإلّا لَما بَقِيَ هَذِهِ المُدَّةَ المُتَطاوِلَةَ في أكْثَرِ أطْرافِ العالَمِ، فَإذًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلذّاهِبِينَ إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ تَأْوِيلاتٌ:
أحَدُها: قالَ أبُو مَعْشَرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمُ: هَذِهِ المَقالَةُ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن مَذْهَبِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وفي مَكانٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ نُورٌ هو أعْظَمُ الأنْوارِ، والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ الَّذِي هو مَكانُهُ، هم أنْوارٌ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ النُّورِ الأعْظَمِ، فالَّذِينَ اعْتَقَدُوا هَذا المَذْهَبَ اتَّخَذُوا صَنَمًا هو أعْظَمُ الأصْنامِ عَلى صُورَةِ إلَهِهِمُ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ، واتَّخَذُوا أصْنامًا مُتَفاوِتَةً، بِالكِبَرِ والصِّغَرِ والشَّرَفِ والخِسَّةِ عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، واشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ الإلَهَ والمَلائِكَةَ، فَدِينُ عِبادَةِ الأوْثانِ إنَّما ظَهَرَ مِنَ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ جَماعَةَ الصّابِئَةِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإلَهَ الأعْظَمَ خَلَقَ هَذِهِ الكَواكِبَ الثّابِتَةَ والسَّيّارَةَ، وفَوَّضَ تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ إلَيْها، فالبَشَرُ عَبِيدُ هَذِهِ الكَواكِبِ، والكَواكِبُ عَبِيدُ الإلَهِ الأعْظَمِ، فالبَشَرُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عِبادَةُ الكَواكِبِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ كانَتْ تَطْلُعُ مَرَّةً وتَغِيبُ أُخْرى، فاتَّخَذُوا أصْنامًا عَلى صُوَرِها واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها، وغَرَضُهم عِبادَةُ الكَواكِبِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ، كانُوا مُنَجِّمِينَ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الأحْكامِ، في إضافاتِ سَعاداتِ هَذا العالَمِ ونُحُوساتِها إلى الكَواكِبِ، فَإذا اتَّفَقَ في الفَلَكِ شَكْلٌ عَجِيبٌ صالِحٌ لِطَلْسَمٍ عَجِيبٍ، فَكانُوا يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ الطَّلْسَمَ، وكانَ يَظْهَرُ مِنهُ أحْوالٌ عَجِيبَةٌ وآثارٌ عَظِيمَةٌ، وكانُوا يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الطَّلْسَمَ ويُكْرِمُونَهُ ويَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كُلَّ طَلْسَمٍ عَلى شَكْلٍ مُوافِقٍ لِكَوْكَبٍ خاصٍّ ولِبُرْجٍ خاصٍّ، فَقِيلَ: كانَ ودٌّ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وسُواعٌ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، ويَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ، ويَعُوقُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، ونَسْرٌ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ يَمُوتُ أقْوامٌ صالِحُونَ فَكانُوا يَتَّخِذُونَ تَماثِيلَ عَلى صُوَرِهِمْ ويَشْتَغِلُونَ بِتَعْظِيمِها، وغَرَضُهم تَعْظِيمُ أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ ماتُوا حَتّى يَكُونُوا شافِعِينَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمَرِ: ٣] .
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ رُبَّما ماتَ مَلِكٌ عَظِيمٌ، أوْ شَخْصٌ عَظِيمٌ، فَكانُوا يَتَّخِذُونَ تِمْثالًا عَلى صُورَتِهِ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فالَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوا أنَّ آباءَهم كانُوا يَعْبُدُونَها فاشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها لِتَقْلِيدِ الآباءِ، أوْ لَعَلَّ هَذِهِ الأسْماءَ الخَمْسَةَ وهي: ودٌّ، وسُواعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، ونَسْرٌ، أسْماءُ خَمْسَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ، فَلَمّا ماتُوا قالَ إبْلِيسُ لِمَن بَعْدَهم: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم فَكُنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمّا ماتَ أُولَئِكَ قالَ لِمَن بَعْدَهم: إنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم فَعَبَدُوهم، ولِهَذا السَّبَبِ نَهى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ أوَّلًا، ثُمَّ أذِنَ فِيها عَلى ما يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ألا فَزُورُوها فَإنَّ في زِيارَتِها تَذْكِرَةً» .
السّادِسُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وإنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ والحُلُولُ، لا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَحِلَّ تَعالى في شَخْصِ إنْسانٍ، أوْ في شَخْصِ صَنَمٍ، فَإذا أحَسُّوا مِن ذَلِكَ الصَّنَمِ المُتَّخَذِ عَلى وجْهِ الطَّلْسَمِ حالَةً عَجِيبَةً، خَطَرَ بِبالِهِمْ أنَّ الإلَهَ حَصَلَ في ذَلِكَ الصَّنَمِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ جَمْعًا مِن قُدَماءِ الرَّوافِضِ، لَمّا رَأوْا أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قَلَعَ بابَ خَيْبَرَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ المُعْتادِ، قالُوا: إنَّ الإلَهَ حَلَّ في بَدَنِهِ وإنَّهُ هو الإلَهُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: لَعَلَّهُمُ اتَّخَذُوا تِلْكَ الأصْنامَ كالمِحْرابِ ومَقْصُودُهم بِالعِبادَةِ هو اللَّهُ، فَهَذا
صفحة ١٢٨
جُمْلَةُ ما في هَذا البابِ، وبَعْضُها باطِلَةٌ بِدَلِيلِ العَقْلِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ بَطَلَ اتِّخاذُ الصَّنَمِ عَلى صُورَةِ الإلَهِ، وبَطَلَ القَوْلُ أيْضًا بِالحُلُولِ والنُّزُولِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، بَطَلَ القَوْلُ بِالوَسايِطِ والطَّلْسَماتِ، ولَمّا جاءَ الشَّرْعُ بِالمَنعِ مِنَ اتِّخاذِ الصَّنَمِ، بَطَلَ القَوْلُ بِاتِّخاذِها مَحارِيبَ وشُفَعاءَ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَذِهِ الأصْنامُ الخَمْسَةُ كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ إنَّها انْتَقَلَتْ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ إلى العَرَبِ، فَكانَ ودٌّ لِكَلْبٍ، وسُواعٌ لِهَمْدانَ، ويَغُوثُ لِمَذْحِجٍ، ويَعُوقُ لِمُرادٍ، ونَسْرٌ لِحِمْيَرَ. ولِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ بِعَبْدِ ودٍّ، وعَبْدِ يَغُوثَ، هَكَذا قِيلَ في الكُتُبِ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ خَرِبَتْ في زَمانِ الطُّوفانِ، فَكَيْفَ بَقِيَتْ تِلْكَ الأصْنامُ، وكَيْفَ انْتَقَلَتْ إلى العَرَبِ ؟ ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وضَعَها في السَّفِينَةِ وأمْسَكَها لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إنَّما جاءَ لِنَفْيِها وكَسْرِها فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وضَعَها في السَّفِينَةِ سَعْيًا مِنهُ في حِفْظِها.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قُرِئَ: ”لا تَذَرُنَّ وُدًّا“ بِفَتْحِ الواوِ وبِضَمِّ الواوِ، قالَ اللَّيْثُ: ودٌّ بِفَتْحِ الواوِ صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وُدٌّ بِالضَّمِّ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، وأقُولُ: عَلى قَوْلِ اللَّيْثِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ هَهُنا قِراءَةُ وُدٍّ بِالضَّمِّ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ في قِصَّةِ نُوحٍ لا في أحْوالِ قُرَيْشٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا“ بِالصَّرْفِ. وهَذِهِ قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ؛ لِأنَّهُما إنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ أوْ عَجَمِيَّيْنِ فَفِيهِما سَبَبا مَنعِ الصَّرْفِ، إمّا التَّعْرِيفُ ووَزْنُ الفِعْلِ، وإمّا التَّعْرِيفُ والعُجْمَةُ، فَلَعَلَّهُ صَرَفَهُما لِأجْلِ أنَّهُ وجَدَ أخَواتِهِما مُنْصَرِفَةً ودًّا وسُواعًا ونَسْرًا.
واعْلَمْ أنَّ نُوحًا لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ قالَ: ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أُولَئِكَ الرُّؤَساءُ (قَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا) قَبْلَ هَؤُلاءِ المُوصِينَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ولَيْسَ هَذا أوَّلَ مَرَّةٍ اشْتَغَلُوا بِالإضْلالِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الأصْنامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] وأجْرى الأصْنامَ عَلى هَذا القَوْلِ مَجْرى الآدَمِيِّينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٥]، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ﴾ ؟ (الجَوابُ) كَأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أطْنَبَ في تَعْدِيدِ أفْعالِهِمُ المُنْكَرَةِ وأقْوالِهِمُ القَبِيحَةِ امْتَلَأ قَلْبُهُ غَيْظًا وغَضَبًا عَلَيْهِمْ فَخَتَمَ كَلامَهُ بِأنْ دَعا عَلَيْهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: إنَّما بُعِثَ لِيَصْرِفَهم عَنِ الضَّلالِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ في أنْ يَزِيدَ في ضَلالِهِمْ ؟ (الجَوابُ) مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَعَلَّهُ لَيْسَ المُرادُ الضَّلالَ في أمْرِ الدِّينِ، بَلِ الضَّلالُ في أمْرِ دُنْياهم، وفي تَرْوِيجِ مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ.
الثّانِي: الضَّلالُ العَذابُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٧] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى كَلامَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ما) صِلَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النِّساءِ: ١٥٥] ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] والمَعْنى مِن خَطاياهم أيْ مِن أجْلِها وبِسَبَبِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”مِن خَطِيآتِهِمْ ما أُغْرِقُوا“ فَأخَّرَ كَلِمَةَ ما، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا تَكُونُ ما صِلَةً زائِدَةً؛ لِأنَّ ما مَعَ ما بَعْدَهُ في تَقْرِيرِ المَصْدَرِ.
نوح 71:24
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ومَكَرُوا، مَعْطُوفٌ عَلى مَن لَمْ يَزِدْهُ؛ لِأنَّ المَتْبُوعِينَ هُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا، وقالُوا لِلْأتْباعِ لا تَذْرُنَّ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ وهو راجِعٌ إلى مَن؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”كُبّارًا“ و”كُبارًا“ بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ، وهو مُبالَغَةٌ في الكَبِيرِ، فَأوَّلُ المَراتِبِ الكَبِيرُ، والأوْسَطُ الكُبارُ بِالتَّخْفِيفِ، والنِّهايَةُ الكُبّارُ بِالتَّثْقِيلِ، ونَظِيرُهُ: جَمِيلٌ وجُمالٌ وجُمّالٌ، وعَظِيمٌ وعُظامٌ وعُظّامٌ، وطَوِيلٌ وطُوالٌ وطُوّالٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المَكْرُ الكُبّارُ هو أنَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا﴾ فَهم مَنَعُوا القَوْمَ عَنِ التَّوْحِيدِ، وأمَرُوهم بِالشِّرْكِ، ولَمّا كانَ التَّوْحِيدُ أعْظَمَ المَراتِبِ، لا جَرَمَ كانَ المَنعُ مِنهُ أعْظَمَ الكَبائِرِ، فَلِهَذا وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ كُبّارٌ، واسْتَدَلَّ بِهَذا مَن فَضَّلَ عِلْمَ الكَلامِ عَلى سائِرِ العُلُومِ، فَقالَ: الأمْرُ بِالشِّرْكِ كُبّارٌ في القُبْحِ والخِزْيِ، فالأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ والإرْشادِ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُبّارًا في الخَيْرِ والدِّينِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما سَمّاهُ ﴿مَكْرًا﴾ لِما في إضافَةِ الإلَهِيَّةِ إلَيْهِمْ مِنَ الحِيلَةِ المُوجِبَةِ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى عِبادَتِها، كَأنَّهم قالُوا: هَذِهِ الأصْنامُ آلِهَةٌ لَكم، وكانَتْ آلِهَةً لِآبائِكم، فَلَوْ قَبِلْتُمْ قَوْلَ نُوحٍ لاعْتَرَفْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِأنَّكم كُنْتُمْ جاهِلِينَ ضالِّينَ كافِرِينَ، وعَلى آبائِكم بِأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ اعْتِرافُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ، وعَلى جَمِيعِ أسْلافِهِ بِالقُصُورِ والنَّقْصِ والجَهْلِ شاقًّا شَدِيدًا، صارَتِ الإشارَةُ إلى هَذِهِ المَعانِي بِلَفْظِ آلِهَتِكم صارِفًا لَهم عَنِ الدِّينِ، فَلِأجْلِ اشْتِمالِ هَذا الكَلامِ عَلى هَذِهِ الحِيلَةِ الخَفِيَّةِ سَمّى اللَّهُ كَلامَهم ”مَكْرًا“ .
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أُولَئِكَ المَتْبُوعِينَ أنَّهم كانَ لَهم مالٌ ووَلَدٌ، فَلَعَلَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: إنَّ آلِهَتَكم خَيْرٌ مِن إلَهِ نُوحٍ؛ لِأنَّ آلِهَتَكم يُعْطُونَكُمُ المالَ والوَلَدَ، وإلَهُ نُوحٍ لا يُعْطِيهِ شَيْئًا لِأنَّهُ فَقِيرٌ، فَبِهَذا المَكْرِ صَرَفُوهم عَنْ طاعَةِ نُوحٍ، وهَذا مِثْلُ مَكْرِ فِرْعَوْنَ إذْ قالَ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥١] وقالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٣] .
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرَ أبُو زَيْدٍ البَلْخِيُّ في كِتابِهِ في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ: أنَّ العِلْمَ بِأنَّ هَذِهِ الخَشَبَةَ
صفحة ١٢٧
المَنحُوتَةَ في هَذِهِ السّاعَةِ لَيْسَتْ خالِقَةً لِلسَّماواتِ والأرْضِ والنَّباتِ والحَيَوانِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، والعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ لا يَجُوزُ وُقُوعُ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ العُقَلاءِ، وعِبادَةُ الأوْثانِ دِينٌ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مَجِيءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الدِّينُ إلى هَذا الزَّمانِ، وأكْثَرُ سُكّانِ أطْرافِ المَعْمُورَةِ عَلى هَذا الدِّينِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُعْرَفُ فَسادُهُ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وإلّا لَما بَقِيَ هَذِهِ المُدَّةَ المُتَطاوِلَةَ في أكْثَرِ أطْرافِ العالَمِ، فَإذًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلذّاهِبِينَ إلى ذَلِكَ المَذْهَبِ تَأْوِيلاتٌ:
أحَدُها: قالَ أبُو مَعْشَرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُنَجِّمُ: هَذِهِ المَقالَةُ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن مَذْهَبِ القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ جِسْمٌ، وفي مَكانٍ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ اللَّهَ نُورٌ هو أعْظَمُ الأنْوارِ، والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم حافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ الَّذِي هو مَكانُهُ، هم أنْوارٌ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ النُّورِ الأعْظَمِ، فالَّذِينَ اعْتَقَدُوا هَذا المَذْهَبَ اتَّخَذُوا صَنَمًا هو أعْظَمُ الأصْنامِ عَلى صُورَةِ إلَهِهِمُ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ، واتَّخَذُوا أصْنامًا مُتَفاوِتَةً، بِالكِبَرِ والصِّغَرِ والشَّرَفِ والخِسَّةِ عَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، واشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ عَلى اعْتِقادِ أنَّهم يَعْبُدُونَ الإلَهَ والمَلائِكَةَ، فَدِينُ عِبادَةِ الأوْثانِ إنَّما ظَهَرَ مِنَ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ جَماعَةَ الصّابِئَةِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الإلَهَ الأعْظَمَ خَلَقَ هَذِهِ الكَواكِبَ الثّابِتَةَ والسَّيّارَةَ، وفَوَّضَ تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ إلَيْها، فالبَشَرُ عَبِيدُ هَذِهِ الكَواكِبِ، والكَواكِبُ عَبِيدُ الإلَهِ الأعْظَمِ، فالبَشَرُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عِبادَةُ الكَواكِبِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ كانَتْ تَطْلُعُ مَرَّةً وتَغِيبُ أُخْرى، فاتَّخَذُوا أصْنامًا عَلى صُوَرِها واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها، وغَرَضُهم عِبادَةُ الكَواكِبِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ، كانُوا مُنَجِّمِينَ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الأحْكامِ، في إضافاتِ سَعاداتِ هَذا العالَمِ ونُحُوساتِها إلى الكَواكِبِ، فَإذا اتَّفَقَ في الفَلَكِ شَكْلٌ عَجِيبٌ صالِحٌ لِطَلْسَمٍ عَجِيبٍ، فَكانُوا يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ الطَّلْسَمَ، وكانَ يَظْهَرُ مِنهُ أحْوالٌ عَجِيبَةٌ وآثارٌ عَظِيمَةٌ، وكانُوا يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الطَّلْسَمَ ويُكْرِمُونَهُ ويَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ كُلَّ طَلْسَمٍ عَلى شَكْلٍ مُوافِقٍ لِكَوْكَبٍ خاصٍّ ولِبُرْجٍ خاصٍّ، فَقِيلَ: كانَ ودٌّ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وسُواعٌ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، ويَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ، ويَعُوقُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، ونَسْرٌ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ يَمُوتُ أقْوامٌ صالِحُونَ فَكانُوا يَتَّخِذُونَ تَماثِيلَ عَلى صُوَرِهِمْ ويَشْتَغِلُونَ بِتَعْظِيمِها، وغَرَضُهم تَعْظِيمُ أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ ماتُوا حَتّى يَكُونُوا شافِعِينَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزُّمَرِ: ٣] .
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ رُبَّما ماتَ مَلِكٌ عَظِيمٌ، أوْ شَخْصٌ عَظِيمٌ، فَكانُوا يَتَّخِذُونَ تِمْثالًا عَلى صُورَتِهِ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فالَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوا أنَّ آباءَهم كانُوا يَعْبُدُونَها فاشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها لِتَقْلِيدِ الآباءِ، أوْ لَعَلَّ هَذِهِ الأسْماءَ الخَمْسَةَ وهي: ودٌّ، وسُواعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، ونَسْرٌ، أسْماءُ خَمْسَةٍ مِن أوْلادِ آدَمَ، فَلَمّا ماتُوا قالَ إبْلِيسُ لِمَن بَعْدَهم: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم فَكُنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمّا ماتَ أُولَئِكَ قالَ لِمَن بَعْدَهم: إنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم فَعَبَدُوهم، ولِهَذا السَّبَبِ نَهى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ أوَّلًا، ثُمَّ أذِنَ فِيها عَلى ما يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ زِيارَةِ القُبُورِ ألا فَزُورُوها فَإنَّ في زِيارَتِها تَذْكِرَةً» .
السّادِسُ: الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى جِسْمٌ، وإنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِقالُ والحُلُولُ، لا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَحِلَّ تَعالى في شَخْصِ إنْسانٍ، أوْ في شَخْصِ صَنَمٍ، فَإذا أحَسُّوا مِن ذَلِكَ الصَّنَمِ المُتَّخَذِ عَلى وجْهِ الطَّلْسَمِ حالَةً عَجِيبَةً، خَطَرَ بِبالِهِمْ أنَّ الإلَهَ حَصَلَ في ذَلِكَ الصَّنَمِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ جَمْعًا مِن قُدَماءِ الرَّوافِضِ، لَمّا رَأوْا أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قَلَعَ بابَ خَيْبَرَ، وكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ المُعْتادِ، قالُوا: إنَّ الإلَهَ حَلَّ في بَدَنِهِ وإنَّهُ هو الإلَهُ.
الوَجْهُ السّابِعُ: لَعَلَّهُمُ اتَّخَذُوا تِلْكَ الأصْنامَ كالمِحْرابِ ومَقْصُودُهم بِالعِبادَةِ هو اللَّهُ، فَهَذا
صفحة ١٢٨
جُمْلَةُ ما في هَذا البابِ، وبَعْضُها باطِلَةٌ بِدَلِيلِ العَقْلِ، فَإنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ بَطَلَ اتِّخاذُ الصَّنَمِ عَلى صُورَةِ الإلَهِ، وبَطَلَ القَوْلُ أيْضًا بِالحُلُولِ والنُّزُولِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، بَطَلَ القَوْلُ بِالوَسايِطِ والطَّلْسَماتِ، ولَمّا جاءَ الشَّرْعُ بِالمَنعِ مِنَ اتِّخاذِ الصَّنَمِ، بَطَلَ القَوْلُ بِاتِّخاذِها مَحارِيبَ وشُفَعاءَ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَذِهِ الأصْنامُ الخَمْسَةُ كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ إنَّها انْتَقَلَتْ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ إلى العَرَبِ، فَكانَ ودٌّ لِكَلْبٍ، وسُواعٌ لِهَمْدانَ، ويَغُوثُ لِمَذْحِجٍ، ويَعُوقُ لِمُرادٍ، ونَسْرٌ لِحِمْيَرَ. ولِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ بِعَبْدِ ودٍّ، وعَبْدِ يَغُوثَ، هَكَذا قِيلَ في الكُتُبِ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا قَدْ خَرِبَتْ في زَمانِ الطُّوفانِ، فَكَيْفَ بَقِيَتْ تِلْكَ الأصْنامُ، وكَيْفَ انْتَقَلَتْ إلى العَرَبِ ؟ ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وضَعَها في السَّفِينَةِ وأمْسَكَها لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إنَّما جاءَ لِنَفْيِها وكَسْرِها فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وضَعَها في السَّفِينَةِ سَعْيًا مِنهُ في حِفْظِها.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قُرِئَ: ”لا تَذَرُنَّ وُدًّا“ بِفَتْحِ الواوِ وبِضَمِّ الواوِ، قالَ اللَّيْثُ: ودٌّ بِفَتْحِ الواوِ صَنَمٌ كانَ لِقَوْمِ نُوحٍ، وُدٌّ بِالضَّمِّ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ، وبِهِ سُمِّيَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، وأقُولُ: عَلى قَوْلِ اللَّيْثِ وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ هَهُنا قِراءَةُ وُدٍّ بِالضَّمِّ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ في قِصَّةِ نُوحٍ لا في أحْوالِ قُرَيْشٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: ”ولا يَغُوثًا ويَعُوقًا“ بِالصَّرْفِ. وهَذِهِ قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ؛ لِأنَّهُما إنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ أوْ عَجَمِيَّيْنِ فَفِيهِما سَبَبا مَنعِ الصَّرْفِ، إمّا التَّعْرِيفُ ووَزْنُ الفِعْلِ، وإمّا التَّعْرِيفُ والعُجْمَةُ، فَلَعَلَّهُ صَرَفَهُما لِأجْلِ أنَّهُ وجَدَ أخَواتِهِما مُنْصَرِفَةً ودًّا وسُواعًا ونَسْرًا.
واعْلَمْ أنَّ نُوحًا لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا لِأتْباعِهِمْ: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ قالَ: ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أُولَئِكَ الرُّؤَساءُ (قَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا) قَبْلَ هَؤُلاءِ المُوصِينَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ولَيْسَ هَذا أوَّلَ مَرَّةٍ اشْتَغَلُوا بِالإضْلالِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الأصْنامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] وأجْرى الأصْنامَ عَلى هَذا القَوْلِ مَجْرى الآدَمِيِّينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٥]، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ﴾ ؟ (الجَوابُ) كَأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أطْنَبَ في تَعْدِيدِ أفْعالِهِمُ المُنْكَرَةِ وأقْوالِهِمُ القَبِيحَةِ امْتَلَأ قَلْبُهُ غَيْظًا وغَضَبًا عَلَيْهِمْ فَخَتَمَ كَلامَهُ بِأنْ دَعا عَلَيْهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: إنَّما بُعِثَ لِيَصْرِفَهم عَنِ الضَّلالِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ في أنْ يَزِيدَ في ضَلالِهِمْ ؟ (الجَوابُ) مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَعَلَّهُ لَيْسَ المُرادُ الضَّلالَ في أمْرِ الدِّينِ، بَلِ الضَّلالُ في أمْرِ دُنْياهم، وفي تَرْوِيجِ مَكْرِهِمْ وحِيَلِهِمْ.
الثّانِي: الضَّلالُ العَذابُ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٧] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى كَلامَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (ما) صِلَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النِّساءِ: ١٥٥] ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] والمَعْنى مِن خَطاياهم أيْ مِن أجْلِها وبِسَبَبِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”مِن خَطِيآتِهِمْ ما أُغْرِقُوا“ فَأخَّرَ كَلِمَةَ ما، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا تَكُونُ ما صِلَةً زائِدَةً؛ لِأنَّ ما مَعَ ما بَعْدَهُ في تَقْرِيرِ المَصْدَرِ.
نوح 71:25
واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ لِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ إلّا مِن أجْلِ خَطِيئاتِهِمْ، فَمَن قالَ مِنَ المُنَجِّمِينَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ انْقَضى في ذَلِكَ الوَقْتِ نِصْفُ الدَّوْرِ الأعْظَمِ، وما يَجْرِي مَجْرى هَذِهِ الكَلِماتِ كانَ مُكَذِّبًا لِصَرِيحِ هَذِهِ الآيَةِ فَيَجِبُ تَكْفِيرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ خَطِيئاتِهِمْ بِالهَمْزَةِ وخَطِيّاتِهِمْ بِقَلْبِها ياءً وإدْغامِها، وخَطاياهم وخَطِيئَتِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكُفْرُ. واعْلَمْ أنَّ الخَطايا والخَطِيئاتِ كِلاهُما جَمْعُ خَطِيئَةٍ، إلّا أنَّ الأوَّلَ جَمْعُ تَكْسِيرٍ والثّانِيَ جَمْعُ سَلامَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٨] وفي الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا في إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ الحالَةُ عَقِيبَ الإغْراقِ، فَلا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، وإلّا بَطَلَتْ دَلالَةُ هَذِهِ الفاءِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿فَأُدْخِلُوا﴾ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ عَنِ الماضِي. وهَذا إنَّما يَصْدُقُ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ، قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ أنَّهم سَيَدْخُلُونَ في الآخِرَةِ نارًا، ثُمَّ عَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِصِحَّةِ كَوْنِهِ وصِدْقِ الوَعْدِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٤٤] واعْلَمْ أنَّ الَّذِي قالُوهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما تَرَكْنا هَذا الظّاهِرَ لِدَلِيلٍ، وهو أنَّ مَن ماتَ في الماءِ فَإنّا نُشاهِدُهُ هُناكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم في تِلْكَ السّاعَةِ أُدْخِلُوا نارًا ؟ (والجَوابُ) هَذا الإشْكالُ إنَّما جاءَ لِاعْتِقادِ أنَّ الإنْسانَ هو مَجْمُوعُ هَذا الهَيْكَلِ، وهَذا خَطَأٌ لِما بَيَّنّا أنَّ هَذا الإنْسانَ هو الَّذِي كانَ مَوْجُودًا مِن أوَّلِ عُمُرِهِ، مَعَ أنَّهُ كانَ صَغِيرَ الجُثَّةِ في أوَّلِ عُمُرِهِ، ثُمَّ إنَّ أجْزاءَهُ دائِمًا في التَّحَلُّلِ والذَّوَبانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الباقِيَ غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَهَذا الإنْسانُ عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هو باقٍ مِنَ أوَّلِ عُمُرِهِ إلى الآنِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ بَقِيَتْ هَذِهِ الجُثَّةُ في الماءِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى نَقَلَ تِلْكَ الأجْزاءَ الأصْلِيَّةَ الباقِيَةَ الَّتِي كانَ الإنْسانُ المُعَيَّنُ عِبارَةً عَنْها إلى النّارِ والعَذابِ.
﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم إنَّما واظَبُوا عَلى عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ؛ لِتَكُونَ دافِعَةً لِلْآفاتِ عَنْهم جالِبَةً لِلْمَنافِعِ إلَيْهِمْ، فَلَمّا جاءَهم عَذابُ اللَّهِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الأصْنامِ، وما قَدَرَتْ تِلْكَ الأصْنامُ عَلى دَفْعِ عَذابِ اللَّهِ عَنْهم، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٣] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ عَلى كُلِّ مَن عَوَّلَ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
نوح 71:26
قالَ المُبَرِّدُ: ”دَيّارًا“ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ العامِّ، يُقالُ: ما بِالدّارِ دَيّارٌ. ولا تُسْتَعْمَلُ في جانِبِ الإثْباتِ، قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: هو فَيْعالٌ مِنَ الدَّوْرِ،
صفحة ١٣٠
وأصْلُهُ دَيْوارٌ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما بِها دَيّارٌ أيْ نازِلُ دارٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: لِلنَّصِّ والِاسْتِقْراءِ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هُودٍ: ٣٦] وأمّا الِاسْتِقْراءُ، فَهو أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَعَرَفَ طِباعَهم وجَرَّبَهم، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَنْطَلِقُ بِابْنِهِ إلَيْهِ، ويَقُولُ: احْذَرْ هَذا فَإنَّهُ كَذّابٌ، وإنَّ أبِي أوْصانِي بِمِثْلِ هَذِهِ الوَصِيَّةِ، فَيَمُوتُ الكَبِيرُ ويَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم يَكُونُونَ في عِلْمِكَ كَذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم سَيَصِيرُونَ كَذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا عَلى الكُفّارِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أيْ: فِيما صَدَرَ عَنِّي مِن تَرْكِ الأفْضَلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ حِينَ دَعا عَلى الكُفّارِ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ تَأذِّيهِ مِنهم، فَكانَ ذَلِكَ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ كالِانْتِقامِ، فاسْتَغْفَرَ عَنْ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن طَلَبِ حَظِّ النَّفْسِ.
ثُمَّ قالَ: (ولِوالِدَيَّ) أبُوهُ لَمْكُ بْنُ مَتُّوشَلَخَ وأُمُّهُ شَمْخاءُ بِنْتُ أنُوشَ، وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وقالَ عَطاءٌ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وآدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن آَبائِهِ كافِرٌ، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَشَرَةُ آباءٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ولِوَلِدَيَّ يُرِيدُ سامًا وحامًا.
نوح 71:27
قالَ المُبَرِّدُ: ”دَيّارًا“ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ العامِّ، يُقالُ: ما بِالدّارِ دَيّارٌ. ولا تُسْتَعْمَلُ في جانِبِ الإثْباتِ، قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: هو فَيْعالٌ مِنَ الدَّوْرِ،
صفحة ١٣٠
وأصْلُهُ دَيْوارٌ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما بِها دَيّارٌ أيْ نازِلُ دارٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَرَفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ ؟ قُلْنا: لِلنَّصِّ والِاسْتِقْراءِ، أمّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هُودٍ: ٣٦] وأمّا الِاسْتِقْراءُ، فَهو أنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَعَرَفَ طِباعَهم وجَرَّبَهم، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَنْطَلِقُ بِابْنِهِ إلَيْهِ، ويَقُولُ: احْذَرْ هَذا فَإنَّهُ كَذّابٌ، وإنَّ أبِي أوْصانِي بِمِثْلِ هَذِهِ الوَصِيَّةِ، فَيَمُوتُ الكَبِيرُ ويَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم يَكُونُونَ في عِلْمِكَ كَذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم سَيَصِيرُونَ كَذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا عَلى الكُفّارِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ أيْ: فِيما صَدَرَ عَنِّي مِن تَرْكِ الأفْضَلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ حِينَ دَعا عَلى الكُفّارِ إنَّما دَعا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ تَأذِّيهِ مِنهم، فَكانَ ذَلِكَ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ كالِانْتِقامِ، فاسْتَغْفَرَ عَنْ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن طَلَبِ حَظِّ النَّفْسِ.
ثُمَّ قالَ: (ولِوالِدَيَّ) أبُوهُ لَمْكُ بْنُ مَتُّوشَلَخَ وأُمُّهُ شَمْخاءُ بِنْتُ أنُوشَ، وكانا مُؤْمِنَيْنِ، وقالَ عَطاءٌ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وآدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن آَبائِهِ كافِرٌ، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَشَرَةُ آباءٍ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ولِوَلِدَيَّ يُرِيدُ سامًا وحامًا.
نوح 71:28
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قِيلَ: مَسْجِدِي، وقِيلَ: سَفِينَتِي، وقِيلَ: لِمَن دَخَلَ في دِينِي، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَصِيرُ قَوْلُهُ (مُؤْمِنًا) مُكَرَّرًا، قُلْنا: إنَّ مَن دَخَلَ في دِينِهِ ظاهِرًا، قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ، وقَدْ لا يَكُونُ، والمَعْنى ولِمَن دَخَلَ في دِينِي دُخُولًا مَعَ تَصْدِيقِ القَلْبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ إنَّما خَصَّ نَفْسَهُ أوَّلًا بِالدُّعاءِ ثُمَّ المُتَّصِلِينَ بِهِ؛ لِأنَّهم أوْلى وأحَقُّ بِدُعائِهِ، ثُمَّ عَمَّ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ مَرَّةً أُخْرى بِالدُّعاءِ عَلى الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ أيْ: هَلاكًا ودَمارًا، وكُلُّ شَيْءِ أُهْلِكَ فَقَدْ تَبَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ [الأعْرافِ: ١٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٧] فاسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فَأهْلَكَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: ما جُرْمُ الصِّبْيانِ حِينَ أُغْرِقُوا ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أيْبَسَ أصْلابَ آبائِهِمْ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ قَبْلَ الطُّوفانِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً أوْ تِسْعِينَ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهم صَبِيٌّ حِينَ أُغْرِقُوا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ بِحَسَبِ المَفْهُومِ عَلى أنَّهم إذا لَمْ يَسْتَغْفِرُوا فَإنَّهُ تَعالى لا يُمْدِدْهم بِالبَنِينَ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: عَلِمَ اللَّهُ بَراءَةَ الصِّبْيانِ فَأهْلَكَهم بِغَيْرِ عَذابٍ.
الثّالِثُ: غَرِقُوا مَعَهم لا عَلى وجْهِ العِقابِ بَلْ كَما يَمُوتُونَ بِالغَرَقِ والحَرْقِ، وكانَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِ الآباءِ والأُمَّهاتِ إذا أبْصَرُوا أطْفالَهم يَغْرَقُونَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
الجن 72:1
صفحة ١٣١
(سُورَةُ الجِنِّ)
وهِيَ عِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ .
﷽
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النّاسُ قَدِيمًا وحَدِيثًا في ثُبُوتِ الجِنِّ ونَفْيِهِ، فالنَّقْلُ الظّاهِرُ عَنْ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ إنْكارُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ أبا عَلِيِّ بْنَ سِينا قالَ في رِسالَتِهِ في حُدُودِ الأشْياءِ: الجِنُّ حَيَوانٌ هَوائِيٌّ مُتَشَكِّلٌ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ قالَ: وهَذا شَرْحٌ لِلِاسْمِ. فَقَوْلُهُ: وهَذا شَرْحٌ لِلِاسْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الحَدَّ شَرْحٌ لِلْمُرادِ مِن هَذا اللَّفْظِ، ولَيْسَ لِهَذِهِ الحَقِيقَةِ وُجُودٌ في الخارِجِ، وأمّا جُمْهُورُ أرْبابِ المِلَلِ والمُصَدِّقِينَ لِلْأنْبِياءِ فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِوُجُودِ الجِنِّ، واعْتَرَفَ بِهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِن قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الرُّوحانِيّاتِ، ويُسَمُّونَها بِالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ، وزَعَمُوا أنَّ الأرْواحَ السُّفْلِيَّةَ أسْرَعُ إجابَةً إلّا أنَّها أضْعَفُ، وأمّا الأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ فَهي أبْطَأُ إجابَةً إلّا أنَّها أقْوى.
واخْتَلَفَ المُثْبِتُونَ عَلى قَوْلَيْنِ: فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا حالَّةً في الأجْسامِ، بَلْ هي جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها، قالُوا: ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها تَكُونُ مُساوِيَةً لِذاتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَوْنَها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا جُسْمانِيَّةَ سَلُوبٍ والمُشارَكَةُ في السَّلُوبِ لا تَقْتَضِي المُساواةَ في الماهِيَّةِ، قالُوا: ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الذَّواتِ بَعْدَ اشْتِراكِها في هَذا السَّلْبِ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ كاخْتِلافِ ماهِيّاتِ الأعْراضِ بَعْدَ اسْتِوائِها في الحاجَةِ إلى المَحَلِّ فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ، وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ، وبَعْضُها كَرِيمَةٌ مُحِبَّةٌ لِلْخَيْراتِ، وبَعْضُها دَنِيئَةٌ خَسِيسَةٌ مُحِبَّةٌ لِلشُّرُورِ والآفاتِ، ولا يَعْرِفُ عَدَدَ أنْواعِهِمْ وأصْنافِهِمْ إلّا اللَّهُ، قالُوا: وكَوْنُها مَوْجُوداتٍ مُجَرَّدَةً لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِها عالِمَةً بِالخَبَرِيّاتِ قادِرَةً عَلى الأفْعالِ، فَهَذِهِ الأرْواحُ يُمْكِنُها أنْ تَسْمَعَ وتُبْصِرَ وتَعْلَمَ الأحْوالَ الخَبَرِيَّةَ وتَفْعَلَ الأفْعالَ المَخْصُوصَةَ، ولَمّا ذَكَرْنا أنَّ ماهِيّاتِها مُخْتَلِفَةٌ لا جَرَمَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ في أنْواعِها ما يَقْدِرُ عَلى أفْعالٍ شاقَّةٍ عَظِيمَةٍ تَعْجَزُ عَنْها قُدْرَةُ البَشَرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها تَعَلُّقٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكَما أنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الطِّبِّيَّةُ عَلى أنَّ المُتَعَلِّقَ الأوَّلَ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لَيْسَ الإنْسانُ إلّا هي، هي الأرْواحُ وهي أجْسامٌ
صفحة ١٣٢
بُخارِيَّةٌ لَطِيفَةٌ تَتَوَلَّدُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الدَّمِ وتَتَكَوَّنُ في الجانِبِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ، ثُمَّ بِواسِطَةِ تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِهَذِهِ الأرْواحِ تَصِيرُ مُتَعَلِّقَةً بِالأعْضاءِ الَّتِي تَسْرِي فِيها هَذِهِ الأرْواحُ، لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الجِنِّ تَعَلُّقٌ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَواءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الجُزْءُ مِنَ الهَواءِ هو المُتَعَلِّقَ الأوَّلَ لِذَلِكَ الرُّوحِ، ثُمَّ بِواسِطَةِ سَيَرانِ ذَلِكَ الهَواءِ في جِسْمٍ آخَرَ كَثِيفٍ يَحْصُلُ لِتِلْكَ الأرْواحِ تَعَلُّقٌ وتَصَرُّفٌ في تِلْكَ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في الجِنِّ طَرِيقَةً أُخْرى فَقالَ: هَذِهِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ والنُّفُوسُ النّاطِقَةُ إذا فارَقَتْ أبْدانَها وازْدادَتْ قُوَّةً وكَمالًا بِسَبَبِ ما في ذَلِكَ العالَمِ الرُّوحانِيِّ مِنَ انْكِشافِ الأسْرارِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإذا اتَّفَقَ أنْ حَدَثَ بَدَنٌ آخَرُ مُشابِهٌ لِما كانَ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ مِنَ البَدَنِ، فَبِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ يَحْصُلُ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ ما لِهَذا البَدَنِ، فَإنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، فَإنِ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الحالَةُ في النُّفُوسِ الخَيِّرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعَيَّنُ مَلَكًا وتِلْكَ الإعانَةُ إلْهامًا، وإنِ اتَّفَقَتْ في النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعَيَّنُ شَيْطانًا وتِلْكَ الإعانَةُ وسْوَسَةً.
والقَوْلُ الثّانِي: في الجِنِّ أنَّهم أجْسامٌ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ، مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الأجْسامَ مُخْتَلِفَةٌ في ماهِيّاتِها، إنَّما المُشْتَرَكُ بَيْنَها صِفَةٌ واحِدَةٌ، وهي كَوْنُها بِأسْرِها حاصِلَةً في الحَيِّزِ والمَكانِ والجِهَةِ، وكَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ، وهَذِهِ كُلُّها إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ، والِاشْتِراكُ في الصِّفاتِ لا يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في تَمامِ الماهِيَّةِ لِما ثَبَتَ أنَّ الأشْياءَ المُخْتَلِفَةَ في تَمامِ الماهِيَّةِ لا يَمْتَنِعُ اشْتِراكُها في لازِمٍ واحِدٍ.
قالُوا: ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْتَجَّ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ بِأنْ يُقالَ: الجِسْمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ جِسْمٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ، وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَحْصُلَ التَّفاوُتُ في ماهِيَّةِ الجِسْمِ مِن حَيْثُ هو جِسْمٌ، بَلْ إنْ حَصَلَ التَّفاوُتُ حَصَلَ في مَفْهُومٍ زائِدٍ عَلى ذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ يُمْكِنُنا تَقْسِيمُ الجِسْمِ إلى اللَّطِيفِ والكَثِيفِ، والعُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأقْسامِ، فالأقْسامُ كُلُّها مُشْتَرِكَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، والتَّفاوُتُ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهي اللَّطافَةُ والكَثافَةُ، وكَوْنُها عُلْوِيَّةً وسُفْلِيَّةً. قالُوا: وهاتانِ الحُجَّتانِ ضَعِيفَتانِ.
أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَلِأنّا نَقُولُ: كَما أنَّ الجِسْمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ جِسْمٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ، وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَكَذا العَرَضُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَضٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَكُونَ الأعْراضُ كُلُّها مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ، وهَذا مِمّا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، بَلِ الحَقُّ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْأعْراضِ ألْبَتَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَها مِنَ الذّاتِيّاتِ، إذا لَوْ حَصَلَ بَيْنَها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، لَكانَ ذَلِكَ المُشْتَرَكُ جِنْسًا لَها، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَتِ التِّسْعَةُ أجْناسًا عالِيَةً بَلْ كانَتْ أنْواعَ جِنْسٍ واحِدٍ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الأعْراضُ مِن حَيْثُ إنَّها أعْراضٌ لَها حَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَيْنَها ذاتِيٌّ مُشْتَرَكٌ أصْلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ في الجِسْمِ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ كَما أنَّ الأعْراضَ مُخْتَلِفَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ المُخْتَلِفاتِ مُتَساوِيَةٌ في وصْفِ عارِضٍ، وهو كَوْنُها عارِضَةً لِمَوْضُوعاتِها، فَكَذا مِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ ماهِيّاتُ الأجْسامِ مُخْتَلِفَةً في تَمامِ ماهِيّاتِها، ثُمَّ إنَّها تَكُونُ مُتَساوِيَةً في وصْفٍ عارِضٍ، وهو كَوْنُها مُشارًا إلَيْها بِالحِسِّ وحاصِلَةً في الحَيِّزِ والمَكانِ، ومَوْصُوفَةً بِالأبْعادِ الثَّلاثَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ لا دافِعَ لَهُ أصْلًا.
وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: إنَّهُ يُمْكِنُ تَقْسِيمُ الجِسْمِ إلى اللَّطِيفِ والكَثِيفِ فَهي أيْضًا مَنقُوضَةٌ بِالعَرَضِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَقْسِيمُ العَرَضِ إلى الكَيْفِ والكَمِّ ولَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنَ الذّاتِيِّ فَضْلًا
صفحة ١٣٣
عَنِ التَّساوِي في كُلِّ الذّاتِيّاتِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا أيْضًا كَذَلِكَ إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في كَوْنِ الأجْسامِ مُخْتَلِفَةً ولَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَحِينَئِذٍ قالُوا: لا يَمْتَنِعُ في بَعْضِ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ الهَوائِيَّةِ أنْ تَكُونَ مُخالِفَةً لِسائِرِ أنْواعِ الهَواءِ في الماهِيَّةِ، ثُمَّ تَكُونَ تِلْكَ الماهِيَّةُ تَقْتَضِي لِذاتِها عِلْمًا مَخْصُوصًا وقُدْرَةً مَخْصُوصَةً عَلى أفْعالٍ عَجِيبَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَوْلُ بِالجِنِّ ظاهِرَ الِاحْتِمالِ، وتَكُونُ قُدْرَتُها عَلى التَّشَكُّلِ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ ظاهِرَةَ الِاحْتِمالِ.
القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن قالَ: الأجْسامُ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والقائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ أيْضًا فِرْقَتانِ.
الفِرْقَةُ الأُولى: الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، وهَذا قَوْلُ الأشْعَرِيِّ وجُمْهُورِ أتْباعِهِ، وأدِلَّتُهم في هَذا البابِ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ، قالُوا: ولَوْ كانَتِ البِنْيَةُ شَرْطًا لِلْحَياةِ لَكانَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ الحَياةَ الواحِدَةَ قامَتْ بِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ أوْ يُقالَ: قامَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ حَياةٌ عَلى حِدَةٍ، والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّ حُلُولَ العَرَضِ الواحِدِ في المَحالِّ الكَثِيرَةِ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرُ مَعْقُولٍ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ الَّتِي مِنها تَألَّفَ الجِسْمُ مُتَساوِيَةٌ، والحَياةَ القائِمَةَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها مُساوِيَةٌ لِلْحَياةِ القائِمَةِ بِالجُزْءِ الآخَرِ، وحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَلَوِ افْتَقَرَ قِيامُ الحَياةِ بِهَذا الجُزْءِ إلى قِيامِ تِلْكَ الحَياةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ لَحَصَلَ هَذا الِافْتِقارُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِافْتِقارُ فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّ قِيامَ الحَياةِ بِهَذا الجُزْءِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى قِيامِ الحَياةِ الثّانِيَةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ الثّانِي، وإذا بَطَلَ هَذا التَّوَقُّفُ ثَبَتَ أنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُ الجُزْءِ الواحِدِ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، وبَطَلَ القَوْلُ بِأنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ، قالُوا: وأمّا دَلِيلُ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البِنْيَةِ فَلَيْسَ إلّا الِاسْتِقْراءَ، وهو أنّا رَأيْنا أنَّهُ مَتى فَسَدَتِ البِنْيَةُ بَطَلَتِ الحَياةُ ومَتى لَمْ تَفْسُدْ بَقِيَتِ الحَياةُ، فَوَجَبَ تَوَقُّفُ الحَياةِ عَلى حُصُولِ البِنْيَةِ، إلّا أنَّ هَذا رَكِيكٌ، فَإنَّ الِاسْتِقْراءَ لا يُفِيدُ القَطْعَ بِالوُجُوبِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حالَ مَن لَمْ يُشاهَدْ كَحالِ ما شُوهِدَ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ مَن يُنْكِرُ خَرْقَ العاداتِ، أمّا مَن يُجَوِّزُها فَهَذا لا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما في جَعْلِ بَعْضِها عَلى سَبِيلِ العادَةِ، وجَعْلِ بَعْضِها عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الجَوْهَرِ الفَرْدِ عِلْمًا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وقُدْرَةً عَلى أشْياءَ شاقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ القَوْلُ بِإمْكانِ وُجُودِ الجِنِّ، سَواءٌ كانَتْ أجْسامُهم لَطِيفَةً أوْ كَثِيفَةً، وسَواءٌ كانَتْ أجَزاؤُهم كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ البِنْيَةَ شَرْطُ الحَياةِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن صَلابَةٍ في البِنْيَةِ حَتّى يَكُونَ قادِرًا عَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ فَهَهُنا مَسْألَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَرْئِيُّ حاضِرًا والمَوانِعُ مُرْتَفِعَةً والشَّرائِطُ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ حاصِلَةً، وتَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً، ثُمَّ مَعَ هَذا لا يَحْصُلُ الإدْراكُ، أوْ يَكُونَ هَذا مُمْتَنِعًا عَقْلًا ؟ أمّا الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ فَقَدْ جَوَّزُوهُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ حَكَمُوا بِامْتِناعِهِ عَقْلًا، والأشْعَرِيُّ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ ونَقْلِيَّةٍ؛ أمّا العَقْلِيَّةُ فَأمْرانِ:
الأوَّلُ: أنّا نَرى الكَبِيرَ مِنَ البُعْدِ صَغِيرًا، وما ذاكَ إلّا أنّا نَرى بَعْضَ أجْزاءِ ذَلِكَ البَعِيدِ دُونَ البَعْضِ مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الحاسَّةِ وجَمِيعَ الشَّرائِطِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ المَرْئِيَّةِ كَهي بِالنِّسْبَةِ إلى الأجْزاءِ الَّتِي هي غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، فَعَلِمْنا أنَّ مَعَ حُصُولِ سَلامَةِ الحاسَّةِ وحُضُورِ المَرْئِيِّ وحُصُولِ الشَّرائِطِ وانْتِفاءِ المَوانِعِ لا يَكُونُ الإدْراكُ واجِبًا.
الثّانِي: أنَّ الجِسْمَ الكَبِيرَ لا مَعْنى لَهُ إلّا مَجْمُوعُ تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَألِّفَةِ، فَإذا رَأيْنا ذَلِكَ الجِسْمَ الكَبِيرَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ البُعْدِ فَقَدْ رَأيْنا تِلْكَ الأجْزاءَ، فَإمّا أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ هَذا الجُزْءِ مَشْرُوطَةً بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الجُزْءِ الآخَرِ
صفحة ١٣٤
أوْ لا تَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ يَلْزَمُ الدَّوْرُ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ مُتَساوِيَةٌ فَلَوِ افْتَقَرَتْ رُؤْيَةُ هَذا الجُزْءِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الجُزْءِ لافْتَقَرَتْ أيْضًا رُؤْيَةُ ذَلِكَ الجُزْءِ إلى رُؤْيَةِ هَذا الجُزْءِ، فَيَقَعُ الدَّوْرُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِافْتِقارُ فَحِينَئِذٍ رُؤْيَةُ الجَوْهَرِ الفَرْدِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ المَسافَةِ تَكُونُ مُمْكِنَةً، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ الجَوْهَرَ الفَرْدَ لَوْ حَصَلَ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ سائِرُ الجَواهِرِ فَإنَّهُ لا يُرى، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ لا يَكُونُ واجِبًا بَلْ جائِزًا، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ عَوَّلُوا عَلى أنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنا طَبْلاتٌ وبُوقاتٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، فَإذا عارَضْناهم بِسائِرِ الأُمُورِ العادِيَّةِ وقُلْنا لَهم فَجَوَّزُوا أنْ يُقالَ: انْقَلَبَتْ مِياهُ البِحارِ ذَهَبًا وفِضَّةً، والجِبالُ ياقُوتًا وزَبَرْجَدًا، أوْ حَصَلَتْ في السَّماءِ حالُ ما غَمَضَتِ العَيْنُ ألْفَ شَمْسٍ وقَمَرٍ، ثُمَّ لَمّا فُتِحَتِ العَيْنُ أعْدَمَها اللَّهُ، عَجَزُوا عَنِ الفَرْقِ.
والسَّبَبُ في هَذا التَّشَوُّشِ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ نَظَرُوا إلى هَذِهِ الأُمُورِ المُطَّرِدَةِ في مَناهِجِ العاداتِ، فَوَهِمُوا أنَّ بَعْضَها واجِبَةٌ، وبَعْضَها غَيْرُ واجِبَةٍ، ولَمْ يَجِدُوا قانُونًا مُسْتَقِيمًا، ومَأْخَذًا سَلِيمًا في الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ، فَتَشَوَّشَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُسَوّى بَيْنَ الكُلِّ، فَيُحْكَمَ عَلى الكُلِّ بِالوُجُوبِ، كَما هو قَوْلُ الفَلاسِفَةِ، أوْ عَلى الكُلِّ بِعَدَمِ الوُجُوبِ، كَما هو قَوْلُ الأشْعَرِيِّ.
فَأمّا التَّحَكُّمُ في الفَرْقِ فَهو بَعِيدٌ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ جَوازُ القَوْلِ بِالجِنِّ، فَإنَّ أجْسامَهم وإنْ كانَتْ كَثِيفَةً قَوِيَّةً إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ لا تَراها، وإنْ كانُوا حاضِرِينَ هَذا عَلى قَوْلِ الأشْعَرِيِّ فَهَذا هو تَفْصِيلُ هَذِهِ الوُجُوهِ، وأنا مُتَعَجِّبٌ مِن هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ أنَّهم كَيْفَ يُصَدِّقُونَ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن إثْباتِ المَلَكِ والجِنِّ مَعَ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى مَذاهِبِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ لِلْمَلائِكَةِ قُوَّةً عَظِيمَةً عَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ، والجِنُّ أيْضًا كَذَلِكَ، وهَذِهِ القُدْرَةُ لا تَثْبُتُ إلّا في الأعْضاءِ الكَثِيفَةِ الصُّلْبَةِ، فَإذًا يَجِبُ في المَلَكِ والجِنِّ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ حاضِرُونَ عِنْدَنا أبَدًا، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ والحَفَظَةُ، ويَحْضُرُونَ أيْضًا عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ، وقَدْ كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ، وأنَّ أحَدًا مِنَ القَوْمِ ما كانَ يَراهم، وكَذَلِكَ النّاسُ الجالِسُونَ عِنْدَ مَن يَكُونُ في النَّزْعِ لا يَرَوْنَ أحَدًا، فَإنْ وجَبَتْ رُؤْيَةُ الكَثِيفِ عِنْدَ الحُضُورِ فَلِمَ لا نَراها ؟ وإنْ لَمْ تَجِبِ الرُّؤْيَةُ فَقَدْ بَطَلَ مَذْهَبُهم، وإنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ مَعَ عَدَمِ الكَثافَةِ والصَّلابَةِ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُهم: إنَّ البِنْيَةَ شَرْطُ الحَياةِ، وإنْ قالُوا: إنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ وحَيَّةٌ، ولَكِنَّها لِلَطافَتِها لا تَقْدِرُ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ، فَهَذا إنْكارٌ لِصَرِيحِ القُرْآنِ، وبِالجُمْلَةِ فَحالُهم في الإقْرارِ بِالمَلَكِ والجِنِّ مَعَ هَذِهِ المَذاهِبِ عَجِيبٌ، ولَيْتَهم ذَكَرُوا عَلى صِحَّةِ مَذاهِبِهِمْ شُبْهَةً مُخَيَّلَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ مُبِينَةٍ، فَهَذا هو التَّنْبِيهُ عَلى ما في هَذا البابِ مِنَ الدَّقائِقِ والمُشْكِلاتِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَلْ رَأى الجِنَّ أمْ لا ؟ .
فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رَآهم، قالَ: «إنَّ الجِنَّ كانُوا يَقْصِدُونَ السَّماءَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ فَيَسْتَمِعُونَ أخْبارَ السَّماءِ ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ حُرِسَتِ السَّماءُ، وحِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتِ الشُّهُبُ عَلَيْهِمْ فَرَجَعُوا إلى إبْلِيسَ وأخْبَرُوهُ بِالقِصَّةِ فَقالَ: لا بُدَّ لِهَذا مِن سَبَبٍ فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها واطْلُبُوا السَّبَبَ، فَوَصَلَ جَمْعٌ مِنَ أُولَئِكَ الطّالِبِينَ إلى تِهامَةَ فَرَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في سُوقِ عُكاظٍ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وقالُوا: هَذا واللَّهِ هو الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ وقالُوا: يا قَوْمَنا (إنّا)
صفحة ١٣٥
﴿سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الغَيْبِ وقالَ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ كَذا وكَذا»، قالَ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرَ الجِنَّ؛ إذْ لَوْ رَآهم لَما أسْنَدَ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الواقِعَةِ إلى الوَحْيِ، فَإنَّ ما عُرِفَ وُجُودُهُ بِالمُشاهَدَةِ لا يُسْنَدُ إثْباتُهُ إلى الوَحْيِ، فَإنْ قِيلَ: الَّذِينَ رُمُوا بِالشُّهُبِ هُمُ الشَّياطِينُ، والَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ هُمُ الجِنُّ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الجِنَّ كانُوا مَعَ الشَّياطِينِ فَلَمّا رُمِيَ الشَّياطِينُ أخَذَ الجِنُّ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في تَجَسُّسِ الخَبَرِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ رُمُوا بِالشُّهُبِ كانُوا مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّهُ قِيلَ لَهم شَياطِينُ كَما قِيلَ شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ، فَإنَّ الشَّيْطانَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ بَعِيدٍ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ الجِنَّ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ مَن هم ؟ فَرَوى عاصِمٌ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قَدِمَ رَهْطُ زَوْبَعَةَ وأصْحابِهِ مَكَّةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعُوا قِراءَةَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ [الأحْقافِ: ٢٩] وقِيلَ: كانُوا مِنَ الشَّيْصَبانِ وهم أكْثَرُ الجِنِّ عَدَدًا، وعامَّةُ جُنُودِ إبْلِيسَ مِنهم.
القَوْلُ الثّانِي: وهو مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالمَسِيرِ إلَيْهِمْ لِيَقْرَأ القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، ويَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُمِرْتُ أنْ أتْلُوَ القُرْآنَ عَلى الجِنِّ فَمَن يَذْهَبُ مَعِي ؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ الثّانِيَةَ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ الثّالِثَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ قُلْتُ: أنا أذْهَبُ مَعَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: فانْطَلَقَ حَتّى إذا جاءَ الحَجُونَ عِنْدَ شِعْبِ ابْنِ أبِي دُبٍّ، خَطَّ عَلَيَّ خَطًّا فَقالَ: لا تُجاوِزْهُ، ثُمَّ مَضى إلى الحَجُونِ فانْحَدَرُوا عَلَيْهِ أمْثالَ الحَجَلِ كَأنَّهم رِجالُ الزُّطِّ يَقْرَعُونَ في دَفُوفِهِمْ كَما تَقْرَعُ النِّسْوَةُ في دَفُوفِها حَتّى غَشَوْهُ، فَغابَ عَنْ بَصَرِي فَقُمْتُ، فَأوْمَأ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ اجْلِسْ، ثُمَّ تَلا القُرْآنَ، فَلَمْ يَزَلْ صَوْتُهُ يَرْتَفِعُ، ولَصِقُوا بِالأرْضِ حَتّى صِرْتُ أسْمَعُ صَوْتَهم ولا أراهم» “ .
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى ”«فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما أنْتَ ؟ قالَ: أنا نَبِيُّ اللَّهِ، قالُوا: فَمَن يَشْهَدُ لَكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: هَذِهِ الشَّجَرَةُ، تَعالِي يا شَجَرَةُ، فَجاءَتْ تَجُرُّ عُرُوقَها لَها قَعاقِعُ حَتّى انْصَبَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ عَلى ماذا تَشْهَدِينَ لِي ؟ قالَتْ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبِي، فَرَجَعَتْ كَما جاءَتْ حَتّى صارَتْ كَما كانَتْ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَلَمّا عادَ إلَيَّ، قالَ: أرَدْتَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: ما كانَ ذَلِكَ لَكَ، هَؤُلاءِ الجِنُّ أتَوْا يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ، ثُمَّ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، فَسَألُونِي الزّادَ فَزَوَّدْتُهُمُ العَظْمَ والبَعْرَ، فَلا يَسْتَطْيِبَنَّ أحَدٌ بِعَظْمٍ ولا بَعْرٍ» .
واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَكْذِيبِ الرِّواياتِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَذْهَبِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: لَعَلَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَعَ أوَّلًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، كَما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ.
وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ واقِعَةُ الجِنِّ مَرَّةً واحِدَةً، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِالذَّهابِ إلَيْهِمْ، وقِراءَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَرَفَ أنَّهم ماذا قالُوا، وأيُّ شَيْءٍ فَعَلُوا، فاللَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّهُ كانَ كَذا وقالُوا كَذا.
وثالِثُها: أنَّ الواقِعَةَ كانَتْ مَرَّةً واحِدَةً، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ رَآهم وسَمِعَ كَلامَهم، وهم آمَنُوا بِهِ، ثُمَّ لَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ وكانَ كَذا وكَذا، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما قالُوهُ لِأقْوامِهِمْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ مُحْتَمَلَةً فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْذِيبِ.
صفحة ١٣٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (قُلُ) أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِرَسُولِهِ أنْ يُظْهِرَ لِأصْحابِهِ ما أوْحى اللَّهُ في واقِعَةِ الجِنِّ، وفِيهِ فَوائِدُ:
إحْداها: أنْ يَعْرِفُوا بِذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما بُعِثَ إلى الإنْسِ، فَقَدْ بُعِثَ إلى الجِنِّ.
وثانِيها: أنْ يَعْلَمَ قُرَيْشٌ أنَّ الجِنَّ مَعَ تَمَرُّدِهِمْ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ عَرَفُوا إعْجازَهُ، فَآمَنُوا بِالرَّسُولِ.
وثالِثُها: أنْ يَعْلَمَ القَوْمُ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ كالإنْسِ.
ورابِعُها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ الجِنَّ يَسْتَمِعُونَ كَلامَنا ويَفْهَمُونَ لُغاتِنا.
وخامِسُها: أنْ يُظْهِرَ أنَّ المُؤْمِنَ مِنهم يَدْعُو غَيْرَهُ مِن قَبِيلَتِهِ إلى الإيمانِ، وفي كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ مَصالِحُ كَثِيرَةٌ إذا عَرَفَها النّاسُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الإيحاءُ إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ كالإلْهامِ وإنْزالِ المَلَكِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في سُرْعَةٍ مِن قَوْلِهِمْ: الوَحْيُ الوَحْيُ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: أُوحِيَ بِالألِفِ، وفي رِوايَةِ يُونُسَ وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو“وُحِيَ”بِضَمِّ الواوِ بِغَيْرِ ألِفٍ وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: وُحِيَ إلَيْهِ وأُوحِيَ إلَيْهِ، وقُرِئَ أُحِيَ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ واوٍ، وأصْلُهُ وُحِيَ، فَقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً كَما يُقالُ أُعِدَ وأُذِنَ ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المُرْسَلاتِ: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ بِالفَتْحِ وذَلِكَ لِأنَّهُ نائِبُ فاعِلِ أُوحِيَ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ [الأنْعامِ: ١٩] وأجْمَعُوا عَلى كَسْرِ إنّا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْكِيٌّ بَعْدَ القَوْلِ، ثُمَّ هَهُنا قِراءَتانِ:
إحْداهُما: أنْ نَحْمِلَ البَواقِيَ عَلى المَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيَّنّا أنَّهم أجْمَعُوا عَلَيْهِما فَما كانَ مِنَ الوَحْيِ فُتِحَ، وما كانَ مِن قَوْلِ الجِنِّ كُسِرَ، وكُلُّها مِن قَوْلِ الجِنِّ إلّا الآخَرَيْنِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجِنِّ: ١٨] ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ﴾ [الجِنِّ: ١٩] .
وثانِيهِما: فَتْحُ الكُلِّ، والتَّقْدِيرُ: ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ وآمَنّا بِأنَّهُ تَعالى ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ وبِأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا وكَذا البَواقِي، فَإنْ قِيلَ: هَهُنا إشْكالٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَقْبُحُ إضافَةُ الإيمانِ إلى بَعْضِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ يَقْبُحُ أنْ يُقالَ: وآمَنّا بِأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الهاءِ المَخْفُوضَةِ إلّا بِإظْهارِ الخافِضِ، لا يُقالُ: آمَنّا بِهِ وزَيْدٍ، بَلْ يُقالُ: آمَنّا بِهِ وبِزَيْدٍ (والجَوابُ) عَنِ الإشْكالَيْنِ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ آمَنّا عَلى مَعْنى صَدَّقْنا وشَهِدْنا زالَ الإشْكالانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ جَماعَةٌ مِنهم ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النَّفَرَ كانُوا يَهُودًا، وذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ فِيهِمْ يَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا ومُشْرِكِينَ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الجِنَّ حَكَوْا أشْياءَ:
* *
النَّوْعُ الأوَّلُ مِمّا حَكَوْهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ حِينَ رَجَعُوا إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحْقافِ: ٢٩]، ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ خارِجًا عَنْ حَدِّ أشْكالِهِ ونَظائِرِهِ، و(عَجَبًا) مَصْدَرٌ يُوضَعُ مَوْضِعَ العَجِيبِ ولا شَكَّ أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ، ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى الصَّوابِ، وقِيلَ: إلى التَّوْحِيدِ (فَآمَنّا بِهِ) أيْ بِالقُرْآنِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَآمَنّا بِالرُّشْدِ الَّذِي في القُرْآنِ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ أيْ ولَنْ نَعُودَ إلى ما كُنّا
صفحة ١٣٧
عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الجِنَّ كانُوا مِنَ المُشْرِكِينَ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ الجِنُّ أنَّهم كَما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الشِّرْكَ نَزَّهُوا رَبَّهم عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. فَقالُوا: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الجَدِّ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: الجَدُّ في اللُّغَةِ العَظَمَةُ يُقالُ: جَدَّ فُلانٌ أيْ عَظُمَ ومِنهُ الحَدِيثُ:“كانَ الرَّجُلُ إذا قَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ جَدَّ فِينا”أيْ جَدَّ قَدْرُهُ وعَظُمَ؛ لِأنَّ الصّاحِبَةَ تُتَّخَذُ لِلْحاجَةِ إلَيْها، والوَلَدَ لِلتَّكَثُّرِ بِهِ والِاسْتِئْناسِ، وهَذِهِ مِن سِماتِ الحُدُوثِ وهو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
القَوْلُ الثّانِي: الجَدُّ الغِنى ومِنهُ الحَدِيثُ:“لا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ”قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ غِناهُ، وكَذَلِكَ الحَدِيثُ الآخَرُ“قُمْتُ عَلى بابِ الجَنَّةِ فَإذا عامَّةُ مَن يَدْخُلُها الفُقَراءُ، وإذا أصْحابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ" يَعْنِي أصْحابَ الغِنى في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى وأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى الصّاحِبَةِ والِاسْتِئْناسِ بِالوَلَدِ.
وعِنْدِي فِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ جَدَّ الإنْسانِ أصْلُهُ الَّذِي مِنهُ وُجُودُهُ، فَجُعِلَ الجَدُّ مَجازًا عَنِ الأصْلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: (جَدُّ رَبِّنا) مَعْناهُ تَعالى أصْلُ رَبِّنا وأصْلُهُ حَقِيقَتُهُ المَخْصُوصَةُ الَّتِي لِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ إنَّها هي تَكُونُ واجِبَةَ الوُجُودِ، فَيَصِيرُ المَعْنى أنَّ حَقِيقَتَهُ المَخْصُوصَةَ مُتَعالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ التَّعَلُّقِ بِالغَيْرِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ ووَلَدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ جَدًّا رَبُّنا بِالنَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وجِدُّ رَبِّنا بِالكَسْرِ أيْ صِدْقُ رُبُوبِيَّتِهِ وحَقُّ إلَهِيَّتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، وكَأنَّ هَؤُلاءِ الجِنَّ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَنَبَّهُوا لِفَسادِ ما عَلَيْهِ كَفَرَةُ الجِنِّ، فَرَجَعُوا أوَّلًا عَنِ الشِّرْكِ وثانِيًا عَنْ دِينِ النَّصارى.
الجن 72:2
صفحة ١٣١
(سُورَةُ الجِنِّ)
وهِيَ عِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ .
﷽
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النّاسُ قَدِيمًا وحَدِيثًا في ثُبُوتِ الجِنِّ ونَفْيِهِ، فالنَّقْلُ الظّاهِرُ عَنْ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ إنْكارُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ أبا عَلِيِّ بْنَ سِينا قالَ في رِسالَتِهِ في حُدُودِ الأشْياءِ: الجِنُّ حَيَوانٌ هَوائِيٌّ مُتَشَكِّلٌ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ قالَ: وهَذا شَرْحٌ لِلِاسْمِ. فَقَوْلُهُ: وهَذا شَرْحٌ لِلِاسْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الحَدَّ شَرْحٌ لِلْمُرادِ مِن هَذا اللَّفْظِ، ولَيْسَ لِهَذِهِ الحَقِيقَةِ وُجُودٌ في الخارِجِ، وأمّا جُمْهُورُ أرْبابِ المِلَلِ والمُصَدِّقِينَ لِلْأنْبِياءِ فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِوُجُودِ الجِنِّ، واعْتَرَفَ بِهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِن قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الرُّوحانِيّاتِ، ويُسَمُّونَها بِالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ، وزَعَمُوا أنَّ الأرْواحَ السُّفْلِيَّةَ أسْرَعُ إجابَةً إلّا أنَّها أضْعَفُ، وأمّا الأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ فَهي أبْطَأُ إجابَةً إلّا أنَّها أقْوى.
واخْتَلَفَ المُثْبِتُونَ عَلى قَوْلَيْنِ: فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا حالَّةً في الأجْسامِ، بَلْ هي جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها، قالُوا: ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها تَكُونُ مُساوِيَةً لِذاتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَوْنَها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا جُسْمانِيَّةَ سَلُوبٍ والمُشارَكَةُ في السَّلُوبِ لا تَقْتَضِي المُساواةَ في الماهِيَّةِ، قالُوا: ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الذَّواتِ بَعْدَ اشْتِراكِها في هَذا السَّلْبِ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ كاخْتِلافِ ماهِيّاتِ الأعْراضِ بَعْدَ اسْتِوائِها في الحاجَةِ إلى المَحَلِّ فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ، وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ، وبَعْضُها كَرِيمَةٌ مُحِبَّةٌ لِلْخَيْراتِ، وبَعْضُها دَنِيئَةٌ خَسِيسَةٌ مُحِبَّةٌ لِلشُّرُورِ والآفاتِ، ولا يَعْرِفُ عَدَدَ أنْواعِهِمْ وأصْنافِهِمْ إلّا اللَّهُ، قالُوا: وكَوْنُها مَوْجُوداتٍ مُجَرَّدَةً لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِها عالِمَةً بِالخَبَرِيّاتِ قادِرَةً عَلى الأفْعالِ، فَهَذِهِ الأرْواحُ يُمْكِنُها أنْ تَسْمَعَ وتُبْصِرَ وتَعْلَمَ الأحْوالَ الخَبَرِيَّةَ وتَفْعَلَ الأفْعالَ المَخْصُوصَةَ، ولَمّا ذَكَرْنا أنَّ ماهِيّاتِها مُخْتَلِفَةٌ لا جَرَمَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ في أنْواعِها ما يَقْدِرُ عَلى أفْعالٍ شاقَّةٍ عَظِيمَةٍ تَعْجَزُ عَنْها قُدْرَةُ البَشَرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها تَعَلُّقٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكَما أنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الطِّبِّيَّةُ عَلى أنَّ المُتَعَلِّقَ الأوَّلَ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لَيْسَ الإنْسانُ إلّا هي، هي الأرْواحُ وهي أجْسامٌ
صفحة ١٣٢
بُخارِيَّةٌ لَطِيفَةٌ تَتَوَلَّدُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الدَّمِ وتَتَكَوَّنُ في الجانِبِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ، ثُمَّ بِواسِطَةِ تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِهَذِهِ الأرْواحِ تَصِيرُ مُتَعَلِّقَةً بِالأعْضاءِ الَّتِي تَسْرِي فِيها هَذِهِ الأرْواحُ، لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الجِنِّ تَعَلُّقٌ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَواءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الجُزْءُ مِنَ الهَواءِ هو المُتَعَلِّقَ الأوَّلَ لِذَلِكَ الرُّوحِ، ثُمَّ بِواسِطَةِ سَيَرانِ ذَلِكَ الهَواءِ في جِسْمٍ آخَرَ كَثِيفٍ يَحْصُلُ لِتِلْكَ الأرْواحِ تَعَلُّقٌ وتَصَرُّفٌ في تِلْكَ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في الجِنِّ طَرِيقَةً أُخْرى فَقالَ: هَذِهِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ والنُّفُوسُ النّاطِقَةُ إذا فارَقَتْ أبْدانَها وازْدادَتْ قُوَّةً وكَمالًا بِسَبَبِ ما في ذَلِكَ العالَمِ الرُّوحانِيِّ مِنَ انْكِشافِ الأسْرارِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإذا اتَّفَقَ أنْ حَدَثَ بَدَنٌ آخَرُ مُشابِهٌ لِما كانَ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ مِنَ البَدَنِ، فَبِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ يَحْصُلُ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ ما لِهَذا البَدَنِ، فَإنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، فَإنِ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الحالَةُ في النُّفُوسِ الخَيِّرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعَيَّنُ مَلَكًا وتِلْكَ الإعانَةُ إلْهامًا، وإنِ اتَّفَقَتْ في النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعَيَّنُ شَيْطانًا وتِلْكَ الإعانَةُ وسْوَسَةً.
والقَوْلُ الثّانِي: في الجِنِّ أنَّهم أجْسامٌ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ، مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الأجْسامَ مُخْتَلِفَةٌ في ماهِيّاتِها، إنَّما المُشْتَرَكُ بَيْنَها صِفَةٌ واحِدَةٌ، وهي كَوْنُها بِأسْرِها حاصِلَةً في الحَيِّزِ والمَكانِ والجِهَةِ، وكَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ، وهَذِهِ كُلُّها إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ، والِاشْتِراكُ في الصِّفاتِ لا يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في تَمامِ الماهِيَّةِ لِما ثَبَتَ أنَّ الأشْياءَ المُخْتَلِفَةَ في تَمامِ الماهِيَّةِ لا يَمْتَنِعُ اشْتِراكُها في لازِمٍ واحِدٍ.
قالُوا: ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْتَجَّ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ بِأنْ يُقالَ: الجِسْمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ جِسْمٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ، وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَحْصُلَ التَّفاوُتُ في ماهِيَّةِ الجِسْمِ مِن حَيْثُ هو جِسْمٌ، بَلْ إنْ حَصَلَ التَّفاوُتُ حَصَلَ في مَفْهُومٍ زائِدٍ عَلى ذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ يُمْكِنُنا تَقْسِيمُ الجِسْمِ إلى اللَّطِيفِ والكَثِيفِ، والعُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأقْسامِ، فالأقْسامُ كُلُّها مُشْتَرِكَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، والتَّفاوُتُ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهي اللَّطافَةُ والكَثافَةُ، وكَوْنُها عُلْوِيَّةً وسُفْلِيَّةً. قالُوا: وهاتانِ الحُجَّتانِ ضَعِيفَتانِ.
أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَلِأنّا نَقُولُ: كَما أنَّ الجِسْمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ جِسْمٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ، وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَكَذا العَرَضُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَضٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَكُونَ الأعْراضُ كُلُّها مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ، وهَذا مِمّا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، بَلِ الحَقُّ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْأعْراضِ ألْبَتَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَها مِنَ الذّاتِيّاتِ، إذا لَوْ حَصَلَ بَيْنَها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، لَكانَ ذَلِكَ المُشْتَرَكُ جِنْسًا لَها، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَتِ التِّسْعَةُ أجْناسًا عالِيَةً بَلْ كانَتْ أنْواعَ جِنْسٍ واحِدٍ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الأعْراضُ مِن حَيْثُ إنَّها أعْراضٌ لَها حَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَيْنَها ذاتِيٌّ مُشْتَرَكٌ أصْلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ في الجِسْمِ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ كَما أنَّ الأعْراضَ مُخْتَلِفَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ المُخْتَلِفاتِ مُتَساوِيَةٌ في وصْفِ عارِضٍ، وهو كَوْنُها عارِضَةً لِمَوْضُوعاتِها، فَكَذا مِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ ماهِيّاتُ الأجْسامِ مُخْتَلِفَةً في تَمامِ ماهِيّاتِها، ثُمَّ إنَّها تَكُونُ مُتَساوِيَةً في وصْفٍ عارِضٍ، وهو كَوْنُها مُشارًا إلَيْها بِالحِسِّ وحاصِلَةً في الحَيِّزِ والمَكانِ، ومَوْصُوفَةً بِالأبْعادِ الثَّلاثَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ لا دافِعَ لَهُ أصْلًا.
وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: إنَّهُ يُمْكِنُ تَقْسِيمُ الجِسْمِ إلى اللَّطِيفِ والكَثِيفِ فَهي أيْضًا مَنقُوضَةٌ بِالعَرَضِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَقْسِيمُ العَرَضِ إلى الكَيْفِ والكَمِّ ولَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنَ الذّاتِيِّ فَضْلًا
صفحة ١٣٣
عَنِ التَّساوِي في كُلِّ الذّاتِيّاتِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا أيْضًا كَذَلِكَ إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في كَوْنِ الأجْسامِ مُخْتَلِفَةً ولَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَحِينَئِذٍ قالُوا: لا يَمْتَنِعُ في بَعْضِ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ الهَوائِيَّةِ أنْ تَكُونَ مُخالِفَةً لِسائِرِ أنْواعِ الهَواءِ في الماهِيَّةِ، ثُمَّ تَكُونَ تِلْكَ الماهِيَّةُ تَقْتَضِي لِذاتِها عِلْمًا مَخْصُوصًا وقُدْرَةً مَخْصُوصَةً عَلى أفْعالٍ عَجِيبَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَوْلُ بِالجِنِّ ظاهِرَ الِاحْتِمالِ، وتَكُونُ قُدْرَتُها عَلى التَّشَكُّلِ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ ظاهِرَةَ الِاحْتِمالِ.
القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن قالَ: الأجْسامُ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والقائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ أيْضًا فِرْقَتانِ.
الفِرْقَةُ الأُولى: الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، وهَذا قَوْلُ الأشْعَرِيِّ وجُمْهُورِ أتْباعِهِ، وأدِلَّتُهم في هَذا البابِ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ، قالُوا: ولَوْ كانَتِ البِنْيَةُ شَرْطًا لِلْحَياةِ لَكانَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ الحَياةَ الواحِدَةَ قامَتْ بِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ أوْ يُقالَ: قامَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ حَياةٌ عَلى حِدَةٍ، والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّ حُلُولَ العَرَضِ الواحِدِ في المَحالِّ الكَثِيرَةِ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرُ مَعْقُولٍ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ الَّتِي مِنها تَألَّفَ الجِسْمُ مُتَساوِيَةٌ، والحَياةَ القائِمَةَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها مُساوِيَةٌ لِلْحَياةِ القائِمَةِ بِالجُزْءِ الآخَرِ، وحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَلَوِ افْتَقَرَ قِيامُ الحَياةِ بِهَذا الجُزْءِ إلى قِيامِ تِلْكَ الحَياةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ لَحَصَلَ هَذا الِافْتِقارُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِافْتِقارُ فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّ قِيامَ الحَياةِ بِهَذا الجُزْءِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى قِيامِ الحَياةِ الثّانِيَةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ الثّانِي، وإذا بَطَلَ هَذا التَّوَقُّفُ ثَبَتَ أنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُ الجُزْءِ الواحِدِ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، وبَطَلَ القَوْلُ بِأنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ، قالُوا: وأمّا دَلِيلُ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البِنْيَةِ فَلَيْسَ إلّا الِاسْتِقْراءَ، وهو أنّا رَأيْنا أنَّهُ مَتى فَسَدَتِ البِنْيَةُ بَطَلَتِ الحَياةُ ومَتى لَمْ تَفْسُدْ بَقِيَتِ الحَياةُ، فَوَجَبَ تَوَقُّفُ الحَياةِ عَلى حُصُولِ البِنْيَةِ، إلّا أنَّ هَذا رَكِيكٌ، فَإنَّ الِاسْتِقْراءَ لا يُفِيدُ القَطْعَ بِالوُجُوبِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حالَ مَن لَمْ يُشاهَدْ كَحالِ ما شُوهِدَ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ مَن يُنْكِرُ خَرْقَ العاداتِ، أمّا مَن يُجَوِّزُها فَهَذا لا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما في جَعْلِ بَعْضِها عَلى سَبِيلِ العادَةِ، وجَعْلِ بَعْضِها عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الجَوْهَرِ الفَرْدِ عِلْمًا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وقُدْرَةً عَلى أشْياءَ شاقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ القَوْلُ بِإمْكانِ وُجُودِ الجِنِّ، سَواءٌ كانَتْ أجْسامُهم لَطِيفَةً أوْ كَثِيفَةً، وسَواءٌ كانَتْ أجَزاؤُهم كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ البِنْيَةَ شَرْطُ الحَياةِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن صَلابَةٍ في البِنْيَةِ حَتّى يَكُونَ قادِرًا عَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ فَهَهُنا مَسْألَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَرْئِيُّ حاضِرًا والمَوانِعُ مُرْتَفِعَةً والشَّرائِطُ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ حاصِلَةً، وتَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً، ثُمَّ مَعَ هَذا لا يَحْصُلُ الإدْراكُ، أوْ يَكُونَ هَذا مُمْتَنِعًا عَقْلًا ؟ أمّا الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ فَقَدْ جَوَّزُوهُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ حَكَمُوا بِامْتِناعِهِ عَقْلًا، والأشْعَرِيُّ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ ونَقْلِيَّةٍ؛ أمّا العَقْلِيَّةُ فَأمْرانِ:
الأوَّلُ: أنّا نَرى الكَبِيرَ مِنَ البُعْدِ صَغِيرًا، وما ذاكَ إلّا أنّا نَرى بَعْضَ أجْزاءِ ذَلِكَ البَعِيدِ دُونَ البَعْضِ مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الحاسَّةِ وجَمِيعَ الشَّرائِطِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ المَرْئِيَّةِ كَهي بِالنِّسْبَةِ إلى الأجْزاءِ الَّتِي هي غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، فَعَلِمْنا أنَّ مَعَ حُصُولِ سَلامَةِ الحاسَّةِ وحُضُورِ المَرْئِيِّ وحُصُولِ الشَّرائِطِ وانْتِفاءِ المَوانِعِ لا يَكُونُ الإدْراكُ واجِبًا.
الثّانِي: أنَّ الجِسْمَ الكَبِيرَ لا مَعْنى لَهُ إلّا مَجْمُوعُ تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَألِّفَةِ، فَإذا رَأيْنا ذَلِكَ الجِسْمَ الكَبِيرَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ البُعْدِ فَقَدْ رَأيْنا تِلْكَ الأجْزاءَ، فَإمّا أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ هَذا الجُزْءِ مَشْرُوطَةً بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الجُزْءِ الآخَرِ
صفحة ١٣٤
أوْ لا تَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ يَلْزَمُ الدَّوْرُ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ مُتَساوِيَةٌ فَلَوِ افْتَقَرَتْ رُؤْيَةُ هَذا الجُزْءِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الجُزْءِ لافْتَقَرَتْ أيْضًا رُؤْيَةُ ذَلِكَ الجُزْءِ إلى رُؤْيَةِ هَذا الجُزْءِ، فَيَقَعُ الدَّوْرُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِافْتِقارُ فَحِينَئِذٍ رُؤْيَةُ الجَوْهَرِ الفَرْدِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ المَسافَةِ تَكُونُ مُمْكِنَةً، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ الجَوْهَرَ الفَرْدَ لَوْ حَصَلَ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ سائِرُ الجَواهِرِ فَإنَّهُ لا يُرى، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ لا يَكُونُ واجِبًا بَلْ جائِزًا، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ عَوَّلُوا عَلى أنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنا طَبْلاتٌ وبُوقاتٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، فَإذا عارَضْناهم بِسائِرِ الأُمُورِ العادِيَّةِ وقُلْنا لَهم فَجَوَّزُوا أنْ يُقالَ: انْقَلَبَتْ مِياهُ البِحارِ ذَهَبًا وفِضَّةً، والجِبالُ ياقُوتًا وزَبَرْجَدًا، أوْ حَصَلَتْ في السَّماءِ حالُ ما غَمَضَتِ العَيْنُ ألْفَ شَمْسٍ وقَمَرٍ، ثُمَّ لَمّا فُتِحَتِ العَيْنُ أعْدَمَها اللَّهُ، عَجَزُوا عَنِ الفَرْقِ.
والسَّبَبُ في هَذا التَّشَوُّشِ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ نَظَرُوا إلى هَذِهِ الأُمُورِ المُطَّرِدَةِ في مَناهِجِ العاداتِ، فَوَهِمُوا أنَّ بَعْضَها واجِبَةٌ، وبَعْضَها غَيْرُ واجِبَةٍ، ولَمْ يَجِدُوا قانُونًا مُسْتَقِيمًا، ومَأْخَذًا سَلِيمًا في الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ، فَتَشَوَّشَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُسَوّى بَيْنَ الكُلِّ، فَيُحْكَمَ عَلى الكُلِّ بِالوُجُوبِ، كَما هو قَوْلُ الفَلاسِفَةِ، أوْ عَلى الكُلِّ بِعَدَمِ الوُجُوبِ، كَما هو قَوْلُ الأشْعَرِيِّ.
فَأمّا التَّحَكُّمُ في الفَرْقِ فَهو بَعِيدٌ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ جَوازُ القَوْلِ بِالجِنِّ، فَإنَّ أجْسامَهم وإنْ كانَتْ كَثِيفَةً قَوِيَّةً إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ لا تَراها، وإنْ كانُوا حاضِرِينَ هَذا عَلى قَوْلِ الأشْعَرِيِّ فَهَذا هو تَفْصِيلُ هَذِهِ الوُجُوهِ، وأنا مُتَعَجِّبٌ مِن هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ أنَّهم كَيْفَ يُصَدِّقُونَ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن إثْباتِ المَلَكِ والجِنِّ مَعَ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى مَذاهِبِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ لِلْمَلائِكَةِ قُوَّةً عَظِيمَةً عَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ، والجِنُّ أيْضًا كَذَلِكَ، وهَذِهِ القُدْرَةُ لا تَثْبُتُ إلّا في الأعْضاءِ الكَثِيفَةِ الصُّلْبَةِ، فَإذًا يَجِبُ في المَلَكِ والجِنِّ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ حاضِرُونَ عِنْدَنا أبَدًا، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ والحَفَظَةُ، ويَحْضُرُونَ أيْضًا عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ، وقَدْ كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ، وأنَّ أحَدًا مِنَ القَوْمِ ما كانَ يَراهم، وكَذَلِكَ النّاسُ الجالِسُونَ عِنْدَ مَن يَكُونُ في النَّزْعِ لا يَرَوْنَ أحَدًا، فَإنْ وجَبَتْ رُؤْيَةُ الكَثِيفِ عِنْدَ الحُضُورِ فَلِمَ لا نَراها ؟ وإنْ لَمْ تَجِبِ الرُّؤْيَةُ فَقَدْ بَطَلَ مَذْهَبُهم، وإنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ مَعَ عَدَمِ الكَثافَةِ والصَّلابَةِ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُهم: إنَّ البِنْيَةَ شَرْطُ الحَياةِ، وإنْ قالُوا: إنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ وحَيَّةٌ، ولَكِنَّها لِلَطافَتِها لا تَقْدِرُ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ، فَهَذا إنْكارٌ لِصَرِيحِ القُرْآنِ، وبِالجُمْلَةِ فَحالُهم في الإقْرارِ بِالمَلَكِ والجِنِّ مَعَ هَذِهِ المَذاهِبِ عَجِيبٌ، ولَيْتَهم ذَكَرُوا عَلى صِحَّةِ مَذاهِبِهِمْ شُبْهَةً مُخَيَّلَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ مُبِينَةٍ، فَهَذا هو التَّنْبِيهُ عَلى ما في هَذا البابِ مِنَ الدَّقائِقِ والمُشْكِلاتِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَلْ رَأى الجِنَّ أمْ لا ؟ .
فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رَآهم، قالَ: «إنَّ الجِنَّ كانُوا يَقْصِدُونَ السَّماءَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ فَيَسْتَمِعُونَ أخْبارَ السَّماءِ ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ حُرِسَتِ السَّماءُ، وحِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتِ الشُّهُبُ عَلَيْهِمْ فَرَجَعُوا إلى إبْلِيسَ وأخْبَرُوهُ بِالقِصَّةِ فَقالَ: لا بُدَّ لِهَذا مِن سَبَبٍ فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها واطْلُبُوا السَّبَبَ، فَوَصَلَ جَمْعٌ مِنَ أُولَئِكَ الطّالِبِينَ إلى تِهامَةَ فَرَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في سُوقِ عُكاظٍ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وقالُوا: هَذا واللَّهِ هو الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ وقالُوا: يا قَوْمَنا (إنّا)
صفحة ١٣٥
﴿سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الغَيْبِ وقالَ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ كَذا وكَذا»، قالَ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرَ الجِنَّ؛ إذْ لَوْ رَآهم لَما أسْنَدَ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الواقِعَةِ إلى الوَحْيِ، فَإنَّ ما عُرِفَ وُجُودُهُ بِالمُشاهَدَةِ لا يُسْنَدُ إثْباتُهُ إلى الوَحْيِ، فَإنْ قِيلَ: الَّذِينَ رُمُوا بِالشُّهُبِ هُمُ الشَّياطِينُ، والَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ هُمُ الجِنُّ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الجِنَّ كانُوا مَعَ الشَّياطِينِ فَلَمّا رُمِيَ الشَّياطِينُ أخَذَ الجِنُّ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في تَجَسُّسِ الخَبَرِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ رُمُوا بِالشُّهُبِ كانُوا مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّهُ قِيلَ لَهم شَياطِينُ كَما قِيلَ شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ، فَإنَّ الشَّيْطانَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ بَعِيدٍ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ الجِنَّ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ مَن هم ؟ فَرَوى عاصِمٌ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قَدِمَ رَهْطُ زَوْبَعَةَ وأصْحابِهِ مَكَّةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعُوا قِراءَةَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ [الأحْقافِ: ٢٩] وقِيلَ: كانُوا مِنَ الشَّيْصَبانِ وهم أكْثَرُ الجِنِّ عَدَدًا، وعامَّةُ جُنُودِ إبْلِيسَ مِنهم.
القَوْلُ الثّانِي: وهو مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالمَسِيرِ إلَيْهِمْ لِيَقْرَأ القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، ويَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُمِرْتُ أنْ أتْلُوَ القُرْآنَ عَلى الجِنِّ فَمَن يَذْهَبُ مَعِي ؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ الثّانِيَةَ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ الثّالِثَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ قُلْتُ: أنا أذْهَبُ مَعَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: فانْطَلَقَ حَتّى إذا جاءَ الحَجُونَ عِنْدَ شِعْبِ ابْنِ أبِي دُبٍّ، خَطَّ عَلَيَّ خَطًّا فَقالَ: لا تُجاوِزْهُ، ثُمَّ مَضى إلى الحَجُونِ فانْحَدَرُوا عَلَيْهِ أمْثالَ الحَجَلِ كَأنَّهم رِجالُ الزُّطِّ يَقْرَعُونَ في دَفُوفِهِمْ كَما تَقْرَعُ النِّسْوَةُ في دَفُوفِها حَتّى غَشَوْهُ، فَغابَ عَنْ بَصَرِي فَقُمْتُ، فَأوْمَأ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ اجْلِسْ، ثُمَّ تَلا القُرْآنَ، فَلَمْ يَزَلْ صَوْتُهُ يَرْتَفِعُ، ولَصِقُوا بِالأرْضِ حَتّى صِرْتُ أسْمَعُ صَوْتَهم ولا أراهم» “ .
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى ”«فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما أنْتَ ؟ قالَ: أنا نَبِيُّ اللَّهِ، قالُوا: فَمَن يَشْهَدُ لَكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: هَذِهِ الشَّجَرَةُ، تَعالِي يا شَجَرَةُ، فَجاءَتْ تَجُرُّ عُرُوقَها لَها قَعاقِعُ حَتّى انْصَبَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ عَلى ماذا تَشْهَدِينَ لِي ؟ قالَتْ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبِي، فَرَجَعَتْ كَما جاءَتْ حَتّى صارَتْ كَما كانَتْ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَلَمّا عادَ إلَيَّ، قالَ: أرَدْتَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: ما كانَ ذَلِكَ لَكَ، هَؤُلاءِ الجِنُّ أتَوْا يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ، ثُمَّ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، فَسَألُونِي الزّادَ فَزَوَّدْتُهُمُ العَظْمَ والبَعْرَ، فَلا يَسْتَطْيِبَنَّ أحَدٌ بِعَظْمٍ ولا بَعْرٍ» .
واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَكْذِيبِ الرِّواياتِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَذْهَبِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: لَعَلَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَعَ أوَّلًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، كَما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ.
وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ واقِعَةُ الجِنِّ مَرَّةً واحِدَةً، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِالذَّهابِ إلَيْهِمْ، وقِراءَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَرَفَ أنَّهم ماذا قالُوا، وأيُّ شَيْءٍ فَعَلُوا، فاللَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّهُ كانَ كَذا وقالُوا كَذا.
وثالِثُها: أنَّ الواقِعَةَ كانَتْ مَرَّةً واحِدَةً، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ رَآهم وسَمِعَ كَلامَهم، وهم آمَنُوا بِهِ، ثُمَّ لَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ وكانَ كَذا وكَذا، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما قالُوهُ لِأقْوامِهِمْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ مُحْتَمَلَةً فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْذِيبِ.
صفحة ١٣٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (قُلُ) أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِرَسُولِهِ أنْ يُظْهِرَ لِأصْحابِهِ ما أوْحى اللَّهُ في واقِعَةِ الجِنِّ، وفِيهِ فَوائِدُ:
إحْداها: أنْ يَعْرِفُوا بِذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما بُعِثَ إلى الإنْسِ، فَقَدْ بُعِثَ إلى الجِنِّ.
وثانِيها: أنْ يَعْلَمَ قُرَيْشٌ أنَّ الجِنَّ مَعَ تَمَرُّدِهِمْ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ عَرَفُوا إعْجازَهُ، فَآمَنُوا بِالرَّسُولِ.
وثالِثُها: أنْ يَعْلَمَ القَوْمُ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ كالإنْسِ.
ورابِعُها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ الجِنَّ يَسْتَمِعُونَ كَلامَنا ويَفْهَمُونَ لُغاتِنا.
وخامِسُها: أنْ يُظْهِرَ أنَّ المُؤْمِنَ مِنهم يَدْعُو غَيْرَهُ مِن قَبِيلَتِهِ إلى الإيمانِ، وفي كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ مَصالِحُ كَثِيرَةٌ إذا عَرَفَها النّاسُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الإيحاءُ إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ كالإلْهامِ وإنْزالِ المَلَكِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في سُرْعَةٍ مِن قَوْلِهِمْ: الوَحْيُ الوَحْيُ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: أُوحِيَ بِالألِفِ، وفي رِوايَةِ يُونُسَ وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو“وُحِيَ”بِضَمِّ الواوِ بِغَيْرِ ألِفٍ وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: وُحِيَ إلَيْهِ وأُوحِيَ إلَيْهِ، وقُرِئَ أُحِيَ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ واوٍ، وأصْلُهُ وُحِيَ، فَقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً كَما يُقالُ أُعِدَ وأُذِنَ ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المُرْسَلاتِ: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ بِالفَتْحِ وذَلِكَ لِأنَّهُ نائِبُ فاعِلِ أُوحِيَ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ [الأنْعامِ: ١٩] وأجْمَعُوا عَلى كَسْرِ إنّا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْكِيٌّ بَعْدَ القَوْلِ، ثُمَّ هَهُنا قِراءَتانِ:
إحْداهُما: أنْ نَحْمِلَ البَواقِيَ عَلى المَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيَّنّا أنَّهم أجْمَعُوا عَلَيْهِما فَما كانَ مِنَ الوَحْيِ فُتِحَ، وما كانَ مِن قَوْلِ الجِنِّ كُسِرَ، وكُلُّها مِن قَوْلِ الجِنِّ إلّا الآخَرَيْنِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجِنِّ: ١٨] ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ﴾ [الجِنِّ: ١٩] .
وثانِيهِما: فَتْحُ الكُلِّ، والتَّقْدِيرُ: ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ وآمَنّا بِأنَّهُ تَعالى ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ وبِأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا وكَذا البَواقِي، فَإنْ قِيلَ: هَهُنا إشْكالٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَقْبُحُ إضافَةُ الإيمانِ إلى بَعْضِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ يَقْبُحُ أنْ يُقالَ: وآمَنّا بِأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الهاءِ المَخْفُوضَةِ إلّا بِإظْهارِ الخافِضِ، لا يُقالُ: آمَنّا بِهِ وزَيْدٍ، بَلْ يُقالُ: آمَنّا بِهِ وبِزَيْدٍ (والجَوابُ) عَنِ الإشْكالَيْنِ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ آمَنّا عَلى مَعْنى صَدَّقْنا وشَهِدْنا زالَ الإشْكالانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ جَماعَةٌ مِنهم ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النَّفَرَ كانُوا يَهُودًا، وذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ فِيهِمْ يَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا ومُشْرِكِينَ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الجِنَّ حَكَوْا أشْياءَ:
* *
النَّوْعُ الأوَّلُ مِمّا حَكَوْهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ حِينَ رَجَعُوا إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحْقافِ: ٢٩]، ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ خارِجًا عَنْ حَدِّ أشْكالِهِ ونَظائِرِهِ، و(عَجَبًا) مَصْدَرٌ يُوضَعُ مَوْضِعَ العَجِيبِ ولا شَكَّ أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ، ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى الصَّوابِ، وقِيلَ: إلى التَّوْحِيدِ (فَآمَنّا بِهِ) أيْ بِالقُرْآنِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَآمَنّا بِالرُّشْدِ الَّذِي في القُرْآنِ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ أيْ ولَنْ نَعُودَ إلى ما كُنّا
صفحة ١٣٧
عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الجِنَّ كانُوا مِنَ المُشْرِكِينَ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ الجِنُّ أنَّهم كَما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الشِّرْكَ نَزَّهُوا رَبَّهم عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. فَقالُوا: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الجَدِّ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: الجَدُّ في اللُّغَةِ العَظَمَةُ يُقالُ: جَدَّ فُلانٌ أيْ عَظُمَ ومِنهُ الحَدِيثُ:“كانَ الرَّجُلُ إذا قَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ جَدَّ فِينا”أيْ جَدَّ قَدْرُهُ وعَظُمَ؛ لِأنَّ الصّاحِبَةَ تُتَّخَذُ لِلْحاجَةِ إلَيْها، والوَلَدَ لِلتَّكَثُّرِ بِهِ والِاسْتِئْناسِ، وهَذِهِ مِن سِماتِ الحُدُوثِ وهو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
القَوْلُ الثّانِي: الجَدُّ الغِنى ومِنهُ الحَدِيثُ:“لا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ”قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ غِناهُ، وكَذَلِكَ الحَدِيثُ الآخَرُ“قُمْتُ عَلى بابِ الجَنَّةِ فَإذا عامَّةُ مَن يَدْخُلُها الفُقَراءُ، وإذا أصْحابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ" يَعْنِي أصْحابَ الغِنى في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى وأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى الصّاحِبَةِ والِاسْتِئْناسِ بِالوَلَدِ.
وعِنْدِي فِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ جَدَّ الإنْسانِ أصْلُهُ الَّذِي مِنهُ وُجُودُهُ، فَجُعِلَ الجَدُّ مَجازًا عَنِ الأصْلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: (جَدُّ رَبِّنا) مَعْناهُ تَعالى أصْلُ رَبِّنا وأصْلُهُ حَقِيقَتُهُ المَخْصُوصَةُ الَّتِي لِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ إنَّها هي تَكُونُ واجِبَةَ الوُجُودِ، فَيَصِيرُ المَعْنى أنَّ حَقِيقَتَهُ المَخْصُوصَةَ مُتَعالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ التَّعَلُّقِ بِالغَيْرِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ ووَلَدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ جَدًّا رَبُّنا بِالنَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وجِدُّ رَبِّنا بِالكَسْرِ أيْ صِدْقُ رُبُوبِيَّتِهِ وحَقُّ إلَهِيَّتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، وكَأنَّ هَؤُلاءِ الجِنَّ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَنَبَّهُوا لِفَسادِ ما عَلَيْهِ كَفَرَةُ الجِنِّ، فَرَجَعُوا أوَّلًا عَنِ الشِّرْكِ وثانِيًا عَنْ دِينِ النَّصارى.
الجن 72:3
صفحة ١٣١
(سُورَةُ الجِنِّ)
وهِيَ عِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ .
﷽
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ النّاسُ قَدِيمًا وحَدِيثًا في ثُبُوتِ الجِنِّ ونَفْيِهِ، فالنَّقْلُ الظّاهِرُ عَنْ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ إنْكارُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ أبا عَلِيِّ بْنَ سِينا قالَ في رِسالَتِهِ في حُدُودِ الأشْياءِ: الجِنُّ حَيَوانٌ هَوائِيٌّ مُتَشَكِّلٌ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ قالَ: وهَذا شَرْحٌ لِلِاسْمِ. فَقَوْلُهُ: وهَذا شَرْحٌ لِلِاسْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الحَدَّ شَرْحٌ لِلْمُرادِ مِن هَذا اللَّفْظِ، ولَيْسَ لِهَذِهِ الحَقِيقَةِ وُجُودٌ في الخارِجِ، وأمّا جُمْهُورُ أرْبابِ المِلَلِ والمُصَدِّقِينَ لِلْأنْبِياءِ فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِوُجُودِ الجِنِّ، واعْتَرَفَ بِهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِن قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الرُّوحانِيّاتِ، ويُسَمُّونَها بِالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ، وزَعَمُوا أنَّ الأرْواحَ السُّفْلِيَّةَ أسْرَعُ إجابَةً إلّا أنَّها أضْعَفُ، وأمّا الأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ فَهي أبْطَأُ إجابَةً إلّا أنَّها أقْوى.
واخْتَلَفَ المُثْبِتُونَ عَلى قَوْلَيْنِ: فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا حالَّةً في الأجْسامِ، بَلْ هي جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها، قالُوا: ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها تَكُونُ مُساوِيَةً لِذاتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَوْنَها لَيْسَتْ أجْسامًا ولا جُسْمانِيَّةَ سَلُوبٍ والمُشارَكَةُ في السَّلُوبِ لا تَقْتَضِي المُساواةَ في الماهِيَّةِ، قالُوا: ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الذَّواتِ بَعْدَ اشْتِراكِها في هَذا السَّلْبِ أنْواعٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ كاخْتِلافِ ماهِيّاتِ الأعْراضِ بَعْدَ اسْتِوائِها في الحاجَةِ إلى المَحَلِّ فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ، وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ، وبَعْضُها كَرِيمَةٌ مُحِبَّةٌ لِلْخَيْراتِ، وبَعْضُها دَنِيئَةٌ خَسِيسَةٌ مُحِبَّةٌ لِلشُّرُورِ والآفاتِ، ولا يَعْرِفُ عَدَدَ أنْواعِهِمْ وأصْنافِهِمْ إلّا اللَّهُ، قالُوا: وكَوْنُها مَوْجُوداتٍ مُجَرَّدَةً لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِها عالِمَةً بِالخَبَرِيّاتِ قادِرَةً عَلى الأفْعالِ، فَهَذِهِ الأرْواحُ يُمْكِنُها أنْ تَسْمَعَ وتُبْصِرَ وتَعْلَمَ الأحْوالَ الخَبَرِيَّةَ وتَفْعَلَ الأفْعالَ المَخْصُوصَةَ، ولَمّا ذَكَرْنا أنَّ ماهِيّاتِها مُخْتَلِفَةٌ لا جَرَمَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ في أنْواعِها ما يَقْدِرُ عَلى أفْعالٍ شاقَّةٍ عَظِيمَةٍ تَعْجَزُ عَنْها قُدْرَةُ البَشَرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها تَعَلُّقٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ، وكَما أنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ الطِّبِّيَّةُ عَلى أنَّ المُتَعَلِّقَ الأوَّلَ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لَيْسَ الإنْسانُ إلّا هي، هي الأرْواحُ وهي أجْسامٌ
صفحة ١٣٢
بُخارِيَّةٌ لَطِيفَةٌ تَتَوَلَّدُ مِن ألْطَفِ أجْزاءِ الدَّمِ وتَتَكَوَّنُ في الجانِبِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ، ثُمَّ بِواسِطَةِ تَعَلُّقِ النَّفْسِ بِهَذِهِ الأرْواحِ تَصِيرُ مُتَعَلِّقَةً بِالأعْضاءِ الَّتِي تَسْرِي فِيها هَذِهِ الأرْواحُ، لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الجِنِّ تَعَلُّقٌ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَواءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الجُزْءُ مِنَ الهَواءِ هو المُتَعَلِّقَ الأوَّلَ لِذَلِكَ الرُّوحِ، ثُمَّ بِواسِطَةِ سَيَرانِ ذَلِكَ الهَواءِ في جِسْمٍ آخَرَ كَثِيفٍ يَحْصُلُ لِتِلْكَ الأرْواحِ تَعَلُّقٌ وتَصَرُّفٌ في تِلْكَ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في الجِنِّ طَرِيقَةً أُخْرى فَقالَ: هَذِهِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ والنُّفُوسُ النّاطِقَةُ إذا فارَقَتْ أبْدانَها وازْدادَتْ قُوَّةً وكَمالًا بِسَبَبِ ما في ذَلِكَ العالَمِ الرُّوحانِيِّ مِنَ انْكِشافِ الأسْرارِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإذا اتَّفَقَ أنْ حَدَثَ بَدَنٌ آخَرُ مُشابِهٌ لِما كانَ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ مِنَ البَدَنِ، فَبِسَبَبِ تِلْكَ المُشاكَلَةِ يَحْصُلُ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ ما لِهَذا البَدَنِ، فَإنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، فَإنِ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الحالَةُ في النُّفُوسِ الخَيِّرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعَيَّنُ مَلَكًا وتِلْكَ الإعانَةُ إلْهامًا، وإنِ اتَّفَقَتْ في النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ المُعَيَّنُ شَيْطانًا وتِلْكَ الإعانَةُ وسْوَسَةً.
والقَوْلُ الثّانِي: في الجِنِّ أنَّهم أجْسامٌ. ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ، مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الأجْسامَ مُخْتَلِفَةٌ في ماهِيّاتِها، إنَّما المُشْتَرَكُ بَيْنَها صِفَةٌ واحِدَةٌ، وهي كَوْنُها بِأسْرِها حاصِلَةً في الحَيِّزِ والمَكانِ والجِهَةِ، وكَوْنُها مَوْصُوفَةً بِالطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ، وهَذِهِ كُلُّها إشارَةٌ إلى الصِّفاتِ، والِاشْتِراكُ في الصِّفاتِ لا يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في تَمامِ الماهِيَّةِ لِما ثَبَتَ أنَّ الأشْياءَ المُخْتَلِفَةَ في تَمامِ الماهِيَّةِ لا يَمْتَنِعُ اشْتِراكُها في لازِمٍ واحِدٍ.
قالُوا: ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْتَجَّ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ بِأنْ يُقالَ: الجِسْمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ جِسْمٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ، وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَحْصُلَ التَّفاوُتُ في ماهِيَّةِ الجِسْمِ مِن حَيْثُ هو جِسْمٌ، بَلْ إنْ حَصَلَ التَّفاوُتُ حَصَلَ في مَفْهُومٍ زائِدٍ عَلى ذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ يُمْكِنُنا تَقْسِيمُ الجِسْمِ إلى اللَّطِيفِ والكَثِيفِ، والعُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأقْسامِ، فالأقْسامُ كُلُّها مُشْتَرِكَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، والتَّفاوُتُ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، وهي اللَّطافَةُ والكَثافَةُ، وكَوْنُها عُلْوِيَّةً وسُفْلِيَّةً. قالُوا: وهاتانِ الحُجَّتانِ ضَعِيفَتانِ.
أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَلِأنّا نَقُولُ: كَما أنَّ الجِسْمَ مِن حَيْثُ إنَّهُ جِسْمٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ، وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَكَذا العَرَضُ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَضٌ لَهُ حَدٌّ واحِدٌ وحَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ تَكُونَ الأعْراضُ كُلُّها مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ، وهَذا مِمّا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، بَلِ الحَقُّ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْأعْراضِ ألْبَتَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَها مِنَ الذّاتِيّاتِ، إذا لَوْ حَصَلَ بَيْنَها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، لَكانَ ذَلِكَ المُشْتَرَكُ جِنْسًا لَها، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَتِ التِّسْعَةُ أجْناسًا عالِيَةً بَلْ كانَتْ أنْواعَ جِنْسٍ واحِدٍ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الأعْراضُ مِن حَيْثُ إنَّها أعْراضٌ لَها حَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَيْنَها ذاتِيٌّ مُشْتَرَكٌ أصْلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ في الجِسْمِ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ كَما أنَّ الأعْراضَ مُخْتَلِفَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ المُخْتَلِفاتِ مُتَساوِيَةٌ في وصْفِ عارِضٍ، وهو كَوْنُها عارِضَةً لِمَوْضُوعاتِها، فَكَذا مِنَ الجائِزِ أنْ تَكُونَ ماهِيّاتُ الأجْسامِ مُخْتَلِفَةً في تَمامِ ماهِيّاتِها، ثُمَّ إنَّها تَكُونُ مُتَساوِيَةً في وصْفٍ عارِضٍ، وهو كَوْنُها مُشارًا إلَيْها بِالحِسِّ وحاصِلَةً في الحَيِّزِ والمَكانِ، ومَوْصُوفَةً بِالأبْعادِ الثَّلاثَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ لا دافِعَ لَهُ أصْلًا.
وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: إنَّهُ يُمْكِنُ تَقْسِيمُ الجِسْمِ إلى اللَّطِيفِ والكَثِيفِ فَهي أيْضًا مَنقُوضَةٌ بِالعَرَضِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَقْسِيمُ العَرَضِ إلى الكَيْفِ والكَمِّ ولَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنَ الذّاتِيِّ فَضْلًا
صفحة ١٣٣
عَنِ التَّساوِي في كُلِّ الذّاتِيّاتِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا أيْضًا كَذَلِكَ إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في كَوْنِ الأجْسامِ مُخْتَلِفَةً ولَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ هَذا الِاحْتِمالِ، فَحِينَئِذٍ قالُوا: لا يَمْتَنِعُ في بَعْضِ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ الهَوائِيَّةِ أنْ تَكُونَ مُخالِفَةً لِسائِرِ أنْواعِ الهَواءِ في الماهِيَّةِ، ثُمَّ تَكُونَ تِلْكَ الماهِيَّةُ تَقْتَضِي لِذاتِها عِلْمًا مَخْصُوصًا وقُدْرَةً مَخْصُوصَةً عَلى أفْعالٍ عَجِيبَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ القَوْلُ بِالجِنِّ ظاهِرَ الِاحْتِمالِ، وتَكُونُ قُدْرَتُها عَلى التَّشَكُّلِ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ ظاهِرَةَ الِاحْتِمالِ.
القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن قالَ: الأجْسامُ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والقائِلُونَ بِهَذا المَذْهَبِ أيْضًا فِرْقَتانِ.
الفِرْقَةُ الأُولى: الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ، وهَذا قَوْلُ الأشْعَرِيِّ وجُمْهُورِ أتْباعِهِ، وأدِلَّتُهم في هَذا البابِ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ، قالُوا: ولَوْ كانَتِ البِنْيَةُ شَرْطًا لِلْحَياةِ لَكانَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ الحَياةَ الواحِدَةَ قامَتْ بِمَجْمُوعِ الأجْزاءِ أوْ يُقالَ: قامَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأجْزاءِ حَياةٌ عَلى حِدَةٍ، والأوَّلُ مُحالٌ؛ لِأنَّ حُلُولَ العَرَضِ الواحِدِ في المَحالِّ الكَثِيرَةِ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرُ مَعْقُولٍ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ الَّتِي مِنها تَألَّفَ الجِسْمُ مُتَساوِيَةٌ، والحَياةَ القائِمَةَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها مُساوِيَةٌ لِلْحَياةِ القائِمَةِ بِالجُزْءِ الآخَرِ، وحُكْمُ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَلَوِ افْتَقَرَ قِيامُ الحَياةِ بِهَذا الجُزْءِ إلى قِيامِ تِلْكَ الحَياةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ لَحَصَلَ هَذا الِافْتِقارُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الدَّوْرِ وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِافْتِقارُ فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّ قِيامَ الحَياةِ بِهَذا الجُزْءِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى قِيامِ الحَياةِ الثّانِيَةِ بِذَلِكَ الجُزْءِ الثّانِي، وإذا بَطَلَ هَذا التَّوَقُّفُ ثَبَتَ أنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُ الجُزْءِ الواحِدِ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، وبَطَلَ القَوْلُ بِأنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ، قالُوا: وأمّا دَلِيلُ المُعْتَزِلَةِ وهو أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البِنْيَةِ فَلَيْسَ إلّا الِاسْتِقْراءَ، وهو أنّا رَأيْنا أنَّهُ مَتى فَسَدَتِ البِنْيَةُ بَطَلَتِ الحَياةُ ومَتى لَمْ تَفْسُدْ بَقِيَتِ الحَياةُ، فَوَجَبَ تَوَقُّفُ الحَياةِ عَلى حُصُولِ البِنْيَةِ، إلّا أنَّ هَذا رَكِيكٌ، فَإنَّ الِاسْتِقْراءَ لا يُفِيدُ القَطْعَ بِالوُجُوبِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حالَ مَن لَمْ يُشاهَدْ كَحالِ ما شُوهِدَ، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِ مَن يُنْكِرُ خَرْقَ العاداتِ، أمّا مَن يُجَوِّزُها فَهَذا لا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما في جَعْلِ بَعْضِها عَلى سَبِيلِ العادَةِ، وجَعْلِ بَعْضِها عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الجَوْهَرِ الفَرْدِ عِلْمًا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وقُدْرَةً عَلى أشْياءَ شاقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ القَوْلُ بِإمْكانِ وُجُودِ الجِنِّ، سَواءٌ كانَتْ أجْسامُهم لَطِيفَةً أوْ كَثِيفَةً، وسَواءٌ كانَتْ أجَزاؤُهم كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ البِنْيَةَ شَرْطُ الحَياةِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن صَلابَةٍ في البِنْيَةِ حَتّى يَكُونَ قادِرًا عَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ فَهَهُنا مَسْألَةٌ أُخْرى، وهي أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَرْئِيُّ حاضِرًا والمَوانِعُ مُرْتَفِعَةً والشَّرائِطُ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ حاصِلَةً، وتَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً، ثُمَّ مَعَ هَذا لا يَحْصُلُ الإدْراكُ، أوْ يَكُونَ هَذا مُمْتَنِعًا عَقْلًا ؟ أمّا الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ فَقَدْ جَوَّزُوهُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ حَكَمُوا بِامْتِناعِهِ عَقْلًا، والأشْعَرِيُّ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ ونَقْلِيَّةٍ؛ أمّا العَقْلِيَّةُ فَأمْرانِ:
الأوَّلُ: أنّا نَرى الكَبِيرَ مِنَ البُعْدِ صَغِيرًا، وما ذاكَ إلّا أنّا نَرى بَعْضَ أجْزاءِ ذَلِكَ البَعِيدِ دُونَ البَعْضِ مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الحاسَّةِ وجَمِيعَ الشَّرائِطِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ المَرْئِيَّةِ كَهي بِالنِّسْبَةِ إلى الأجْزاءِ الَّتِي هي غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، فَعَلِمْنا أنَّ مَعَ حُصُولِ سَلامَةِ الحاسَّةِ وحُضُورِ المَرْئِيِّ وحُصُولِ الشَّرائِطِ وانْتِفاءِ المَوانِعِ لا يَكُونُ الإدْراكُ واجِبًا.
الثّانِي: أنَّ الجِسْمَ الكَبِيرَ لا مَعْنى لَهُ إلّا مَجْمُوعُ تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَألِّفَةِ، فَإذا رَأيْنا ذَلِكَ الجِسْمَ الكَبِيرَ عَلى مِقْدارٍ مِنَ البُعْدِ فَقَدْ رَأيْنا تِلْكَ الأجْزاءَ، فَإمّا أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ هَذا الجُزْءِ مَشْرُوطَةً بِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الجُزْءِ الآخَرِ
صفحة ١٣٤
أوْ لا تَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ يَلْزَمُ الدَّوْرُ؛ لِأنَّ الأجْزاءَ مُتَساوِيَةٌ فَلَوِ افْتَقَرَتْ رُؤْيَةُ هَذا الجُزْءِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الجُزْءِ لافْتَقَرَتْ أيْضًا رُؤْيَةُ ذَلِكَ الجُزْءِ إلى رُؤْيَةِ هَذا الجُزْءِ، فَيَقَعُ الدَّوْرُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الِافْتِقارُ فَحِينَئِذٍ رُؤْيَةُ الجَوْهَرِ الفَرْدِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ المَسافَةِ تَكُونُ مُمْكِنَةً، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ الجَوْهَرَ الفَرْدَ لَوْ حَصَلَ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ سائِرُ الجَواهِرِ فَإنَّهُ لا يُرى، فَعَلِمْنا أنَّ حُصُولَ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ اجْتِماعِ الشَّرائِطِ لا يَكُونُ واجِبًا بَلْ جائِزًا، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ عَوَّلُوا عَلى أنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنا طَبْلاتٌ وبُوقاتٌ ولا نَراها ولا نَسْمَعُها، فَإذا عارَضْناهم بِسائِرِ الأُمُورِ العادِيَّةِ وقُلْنا لَهم فَجَوَّزُوا أنْ يُقالَ: انْقَلَبَتْ مِياهُ البِحارِ ذَهَبًا وفِضَّةً، والجِبالُ ياقُوتًا وزَبَرْجَدًا، أوْ حَصَلَتْ في السَّماءِ حالُ ما غَمَضَتِ العَيْنُ ألْفَ شَمْسٍ وقَمَرٍ، ثُمَّ لَمّا فُتِحَتِ العَيْنُ أعْدَمَها اللَّهُ، عَجَزُوا عَنِ الفَرْقِ.
والسَّبَبُ في هَذا التَّشَوُّشِ أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ نَظَرُوا إلى هَذِهِ الأُمُورِ المُطَّرِدَةِ في مَناهِجِ العاداتِ، فَوَهِمُوا أنَّ بَعْضَها واجِبَةٌ، وبَعْضَها غَيْرُ واجِبَةٍ، ولَمْ يَجِدُوا قانُونًا مُسْتَقِيمًا، ومَأْخَذًا سَلِيمًا في الفَرْقِ بَيْنَ البابَيْنِ، فَتَشَوَّشَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، بَلِ الواجِبُ أنْ يُسَوّى بَيْنَ الكُلِّ، فَيُحْكَمَ عَلى الكُلِّ بِالوُجُوبِ، كَما هو قَوْلُ الفَلاسِفَةِ، أوْ عَلى الكُلِّ بِعَدَمِ الوُجُوبِ، كَما هو قَوْلُ الأشْعَرِيِّ.
فَأمّا التَّحَكُّمُ في الفَرْقِ فَهو بَعِيدٌ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ جَوازُ القَوْلِ بِالجِنِّ، فَإنَّ أجْسامَهم وإنْ كانَتْ كَثِيفَةً قَوِيَّةً إلّا أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ لا تَراها، وإنْ كانُوا حاضِرِينَ هَذا عَلى قَوْلِ الأشْعَرِيِّ فَهَذا هو تَفْصِيلُ هَذِهِ الوُجُوهِ، وأنا مُتَعَجِّبٌ مِن هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةِ أنَّهم كَيْفَ يُصَدِّقُونَ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن إثْباتِ المَلَكِ والجِنِّ مَعَ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى مَذاهِبِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ لِلْمَلائِكَةِ قُوَّةً عَظِيمَةً عَلى الأفْعالِ الشّاقَّةِ، والجِنُّ أيْضًا كَذَلِكَ، وهَذِهِ القُدْرَةُ لا تَثْبُتُ إلّا في الأعْضاءِ الكَثِيفَةِ الصُّلْبَةِ، فَإذًا يَجِبُ في المَلَكِ والجِنِّ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ حاضِرُونَ عِنْدَنا أبَدًا، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ والحَفَظَةُ، ويَحْضُرُونَ أيْضًا عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ، وقَدْ كانُوا يَحْضُرُونَ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ، وأنَّ أحَدًا مِنَ القَوْمِ ما كانَ يَراهم، وكَذَلِكَ النّاسُ الجالِسُونَ عِنْدَ مَن يَكُونُ في النَّزْعِ لا يَرَوْنَ أحَدًا، فَإنْ وجَبَتْ رُؤْيَةُ الكَثِيفِ عِنْدَ الحُضُورِ فَلِمَ لا نَراها ؟ وإنْ لَمْ تَجِبِ الرُّؤْيَةُ فَقَدْ بَطَلَ مَذْهَبُهم، وإنْ كانُوا مَوْصُوفِينَ بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ مَعَ عَدَمِ الكَثافَةِ والصَّلابَةِ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُهم: إنَّ البِنْيَةَ شَرْطُ الحَياةِ، وإنْ قالُوا: إنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ وحَيَّةٌ، ولَكِنَّها لِلَطافَتِها لا تَقْدِرُ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ، فَهَذا إنْكارٌ لِصَرِيحِ القُرْآنِ، وبِالجُمْلَةِ فَحالُهم في الإقْرارِ بِالمَلَكِ والجِنِّ مَعَ هَذِهِ المَذاهِبِ عَجِيبٌ، ولَيْتَهم ذَكَرُوا عَلى صِحَّةِ مَذاهِبِهِمْ شُبْهَةً مُخَيَّلَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ مُبِينَةٍ، فَهَذا هو التَّنْبِيهُ عَلى ما في هَذا البابِ مِنَ الدَّقائِقِ والمُشْكِلاتِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَلْ رَأى الجِنَّ أمْ لا ؟ .
فالقَوْلُ الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رَآهم، قالَ: «إنَّ الجِنَّ كانُوا يَقْصِدُونَ السَّماءَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ فَيَسْتَمِعُونَ أخْبارَ السَّماءِ ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ حُرِسَتِ السَّماءُ، وحِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتِ الشُّهُبُ عَلَيْهِمْ فَرَجَعُوا إلى إبْلِيسَ وأخْبَرُوهُ بِالقِصَّةِ فَقالَ: لا بُدَّ لِهَذا مِن سَبَبٍ فاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها واطْلُبُوا السَّبَبَ، فَوَصَلَ جَمْعٌ مِنَ أُولَئِكَ الطّالِبِينَ إلى تِهامَةَ فَرَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في سُوقِ عُكاظٍ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وقالُوا: هَذا واللَّهِ هو الَّذِي حالَ بَيْنَكم وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُناكَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ وقالُوا: يا قَوْمَنا (إنّا)
صفحة ١٣٥
﴿سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الغَيْبِ وقالَ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ كَذا وكَذا»، قالَ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرَ الجِنَّ؛ إذْ لَوْ رَآهم لَما أسْنَدَ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الواقِعَةِ إلى الوَحْيِ، فَإنَّ ما عُرِفَ وُجُودُهُ بِالمُشاهَدَةِ لا يُسْنَدُ إثْباتُهُ إلى الوَحْيِ، فَإنْ قِيلَ: الَّذِينَ رُمُوا بِالشُّهُبِ هُمُ الشَّياطِينُ، والَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ هُمُ الجِنُّ فَكَيْفَ وجْهُ الجَمْعِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الجِنَّ كانُوا مَعَ الشَّياطِينِ فَلَمّا رُمِيَ الشَّياطِينُ أخَذَ الجِنُّ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في تَجَسُّسِ الخَبَرِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِينَ رُمُوا بِالشُّهُبِ كانُوا مِنَ الجِنِّ إلّا أنَّهُ قِيلَ لَهم شَياطِينُ كَما قِيلَ شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ، فَإنَّ الشَّيْطانَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ بَعِيدٍ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ أُولَئِكَ الجِنَّ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ مَن هم ؟ فَرَوى عاصِمٌ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قَدِمَ رَهْطُ زَوْبَعَةَ وأصْحابِهِ مَكَّةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعُوا قِراءَةَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ [الأحْقافِ: ٢٩] وقِيلَ: كانُوا مِنَ الشَّيْصَبانِ وهم أكْثَرُ الجِنِّ عَدَدًا، وعامَّةُ جُنُودِ إبْلِيسَ مِنهم.
القَوْلُ الثّانِي: وهو مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالمَسِيرِ إلَيْهِمْ لِيَقْرَأ القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، ويَدْعُوَهم إلى الإسْلامِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أُمِرْتُ أنْ أتْلُوَ القُرْآنَ عَلى الجِنِّ فَمَن يَذْهَبُ مَعِي ؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ الثّانِيَةَ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ الثّالِثَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ قُلْتُ: أنا أذْهَبُ مَعَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: فانْطَلَقَ حَتّى إذا جاءَ الحَجُونَ عِنْدَ شِعْبِ ابْنِ أبِي دُبٍّ، خَطَّ عَلَيَّ خَطًّا فَقالَ: لا تُجاوِزْهُ، ثُمَّ مَضى إلى الحَجُونِ فانْحَدَرُوا عَلَيْهِ أمْثالَ الحَجَلِ كَأنَّهم رِجالُ الزُّطِّ يَقْرَعُونَ في دَفُوفِهِمْ كَما تَقْرَعُ النِّسْوَةُ في دَفُوفِها حَتّى غَشَوْهُ، فَغابَ عَنْ بَصَرِي فَقُمْتُ، فَأوْمَأ إلَيَّ بِيَدِهِ أنِ اجْلِسْ، ثُمَّ تَلا القُرْآنَ، فَلَمْ يَزَلْ صَوْتُهُ يَرْتَفِعُ، ولَصِقُوا بِالأرْضِ حَتّى صِرْتُ أسْمَعُ صَوْتَهم ولا أراهم» “ .
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى ”«فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما أنْتَ ؟ قالَ: أنا نَبِيُّ اللَّهِ، قالُوا: فَمَن يَشْهَدُ لَكَ عَلى ذَلِكَ ؟ قالَ: هَذِهِ الشَّجَرَةُ، تَعالِي يا شَجَرَةُ، فَجاءَتْ تَجُرُّ عُرُوقَها لَها قَعاقِعُ حَتّى انْصَبَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ عَلى ماذا تَشْهَدِينَ لِي ؟ قالَتْ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبِي، فَرَجَعَتْ كَما جاءَتْ حَتّى صارَتْ كَما كانَتْ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَلَمّا عادَ إلَيَّ، قالَ: أرَدْتَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟ قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: ما كانَ ذَلِكَ لَكَ، هَؤُلاءِ الجِنُّ أتَوْا يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ، ثُمَّ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، فَسَألُونِي الزّادَ فَزَوَّدْتُهُمُ العَظْمَ والبَعْرَ، فَلا يَسْتَطْيِبَنَّ أحَدٌ بِعَظْمٍ ولا بَعْرٍ» .
واعْلَمْ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَكْذِيبِ الرِّواياتِ، وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَذْهَبِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: لَعَلَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَعَ أوَّلًا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، كَما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ.
وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ واقِعَةُ الجِنِّ مَرَّةً واحِدَةً، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ بِالذَّهابِ إلَيْهِمْ، وقِراءَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما عَرَفَ أنَّهم ماذا قالُوا، وأيُّ شَيْءٍ فَعَلُوا، فاللَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّهُ كانَ كَذا وقالُوا كَذا.
وثالِثُها: أنَّ الواقِعَةَ كانَتْ مَرَّةً واحِدَةً، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ رَآهم وسَمِعَ كَلامَهم، وهم آمَنُوا بِهِ، ثُمَّ لَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ وكانَ كَذا وكَذا، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما قالُوهُ لِأقْوامِهِمْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ مُحْتَمَلَةً فَلا سَبِيلَ إلى التَّكْذِيبِ.
صفحة ١٣٦
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (قُلُ) أمْرٌ مِنهُ تَعالى لِرَسُولِهِ أنْ يُظْهِرَ لِأصْحابِهِ ما أوْحى اللَّهُ في واقِعَةِ الجِنِّ، وفِيهِ فَوائِدُ:
إحْداها: أنْ يَعْرِفُوا بِذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما بُعِثَ إلى الإنْسِ، فَقَدْ بُعِثَ إلى الجِنِّ.
وثانِيها: أنْ يَعْلَمَ قُرَيْشٌ أنَّ الجِنَّ مَعَ تَمَرُّدِهِمْ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ عَرَفُوا إعْجازَهُ، فَآمَنُوا بِالرَّسُولِ.
وثالِثُها: أنْ يَعْلَمَ القَوْمُ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ كالإنْسِ.
ورابِعُها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ الجِنَّ يَسْتَمِعُونَ كَلامَنا ويَفْهَمُونَ لُغاتِنا.
وخامِسُها: أنْ يُظْهِرَ أنَّ المُؤْمِنَ مِنهم يَدْعُو غَيْرَهُ مِن قَبِيلَتِهِ إلى الإيمانِ، وفي كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ مَصالِحُ كَثِيرَةٌ إذا عَرَفَها النّاسُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الإيحاءُ إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ كالإلْهامِ وإنْزالِ المَلَكِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في سُرْعَةٍ مِن قَوْلِهِمْ: الوَحْيُ الوَحْيُ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: أُوحِيَ بِالألِفِ، وفي رِوايَةِ يُونُسَ وهارُونَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو“وُحِيَ”بِضَمِّ الواوِ بِغَيْرِ ألِفٍ وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: وُحِيَ إلَيْهِ وأُوحِيَ إلَيْهِ، وقُرِئَ أُحِيَ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ واوٍ، وأصْلُهُ وُحِيَ، فَقُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً كَما يُقالُ أُعِدَ وأُذِنَ ﴿وإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المُرْسَلاتِ: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ بِالفَتْحِ وذَلِكَ لِأنَّهُ نائِبُ فاعِلِ أُوحِيَ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ [الأنْعامِ: ١٩] وأجْمَعُوا عَلى كَسْرِ إنّا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْكِيٌّ بَعْدَ القَوْلِ، ثُمَّ هَهُنا قِراءَتانِ:
إحْداهُما: أنْ نَحْمِلَ البَواقِيَ عَلى المَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيَّنّا أنَّهم أجْمَعُوا عَلَيْهِما فَما كانَ مِنَ الوَحْيِ فُتِحَ، وما كانَ مِن قَوْلِ الجِنِّ كُسِرَ، وكُلُّها مِن قَوْلِ الجِنِّ إلّا الآخَرَيْنِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجِنِّ: ١٨] ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ﴾ [الجِنِّ: ١٩] .
وثانِيهِما: فَتْحُ الكُلِّ، والتَّقْدِيرُ: ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ وآمَنّا بِأنَّهُ تَعالى ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ وبِأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا وكَذا البَواقِي، فَإنْ قِيلَ: هَهُنا إشْكالٌ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَقْبُحُ إضافَةُ الإيمانِ إلى بَعْضِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ يَقْبُحُ أنْ يُقالَ: وآمَنّا بِأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا.
والثّانِي: وهو أنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الهاءِ المَخْفُوضَةِ إلّا بِإظْهارِ الخافِضِ، لا يُقالُ: آمَنّا بِهِ وزَيْدٍ، بَلْ يُقالُ: آمَنّا بِهِ وبِزَيْدٍ (والجَوابُ) عَنِ الإشْكالَيْنِ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ آمَنّا عَلى مَعْنى صَدَّقْنا وشَهِدْنا زالَ الإشْكالانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ جَماعَةٌ مِنهم ما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ النَّفَرَ كانُوا يَهُودًا، وذَكَرَ الحَسَنُ أنَّ فِيهِمْ يَهُودًا ونَصارى ومَجُوسًا ومُشْرِكِينَ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الجِنَّ حَكَوْا أشْياءَ:
* *
النَّوْعُ الأوَّلُ مِمّا حَكَوْهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ أيْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ حِينَ رَجَعُوا إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحْقافِ: ٢٩]، ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أيْ خارِجًا عَنْ حَدِّ أشْكالِهِ ونَظائِرِهِ، و(عَجَبًا) مَصْدَرٌ يُوضَعُ مَوْضِعَ العَجِيبِ ولا شَكَّ أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ العَجِيبِ، ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ أيْ إلى الصَّوابِ، وقِيلَ: إلى التَّوْحِيدِ (فَآمَنّا بِهِ) أيْ بِالقُرْآنِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَآمَنّا بِالرُّشْدِ الَّذِي في القُرْآنِ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ أيْ ولَنْ نَعُودَ إلى ما كُنّا
صفحة ١٣٧
عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الجِنَّ كانُوا مِنَ المُشْرِكِينَ.
النَّوْعُ الثّانِي: مِمّا ذَكَرَهُ الجِنُّ أنَّهم كَما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الشِّرْكَ نَزَّهُوا رَبَّهم عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. فَقالُوا: ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الجَدِّ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: الجَدُّ في اللُّغَةِ العَظَمَةُ يُقالُ: جَدَّ فُلانٌ أيْ عَظُمَ ومِنهُ الحَدِيثُ:“كانَ الرَّجُلُ إذا قَرَأ سُورَةَ البَقَرَةِ جَدَّ فِينا”أيْ جَدَّ قَدْرُهُ وعَظُمَ؛ لِأنَّ الصّاحِبَةَ تُتَّخَذُ لِلْحاجَةِ إلَيْها، والوَلَدَ لِلتَّكَثُّرِ بِهِ والِاسْتِئْناسِ، وهَذِهِ مِن سِماتِ الحُدُوثِ وهو سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
القَوْلُ الثّانِي: الجَدُّ الغِنى ومِنهُ الحَدِيثُ:“لا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ”قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ لا يَنْفَعُ ذا الغِنى مِنكَ غِناهُ، وكَذَلِكَ الحَدِيثُ الآخَرُ“قُمْتُ عَلى بابِ الجَنَّةِ فَإذا عامَّةُ مَن يَدْخُلُها الفُقَراءُ، وإذا أصْحابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ" يَعْنِي أصْحابَ الغِنى في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى وأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الِاحْتِياجِ إلى الصّاحِبَةِ والِاسْتِئْناسِ بِالوَلَدِ.
وعِنْدِي فِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ جَدَّ الإنْسانِ أصْلُهُ الَّذِي مِنهُ وُجُودُهُ، فَجُعِلَ الجَدُّ مَجازًا عَنِ الأصْلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: (جَدُّ رَبِّنا) مَعْناهُ تَعالى أصْلُ رَبِّنا وأصْلُهُ حَقِيقَتُهُ المَخْصُوصَةُ الَّتِي لِنَفْسِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ إنَّها هي تَكُونُ واجِبَةَ الوُجُودِ، فَيَصِيرُ المَعْنى أنَّ حَقِيقَتَهُ المَخْصُوصَةَ مُتَعالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ التَّعَلُّقِ بِالغَيْرِ؛ لِأنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ ووَلَدٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ جَدًّا رَبُّنا بِالنَّصْبِ عَلى التَّمْيِيزِ وجِدُّ رَبِّنا بِالكَسْرِ أيْ صِدْقُ رُبُوبِيَّتِهِ وحَقُّ إلَهِيَّتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، وكَأنَّ هَؤُلاءِ الجِنَّ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ تَنَبَّهُوا لِفَسادِ ما عَلَيْهِ كَفَرَةُ الجِنِّ، فَرَجَعُوا أوَّلًا عَنِ الشِّرْكِ وثانِيًا عَنْ دِينِ النَّصارى.
الجن 72:4
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ الجِنُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ السَّفَهُ خِفَّةُ العَقْلِ، والشَّطَطُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الظُّلْمِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ أشَطَّ في الصَّوْمِ إذا أبْعَدَ فِيهِ، أيْ يَقُولُ قَوْلًا هو في نَفْسِهِ شَطَطٌ لِفَرْطِ ما أشَطَّ فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّطَطُ هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في جانِبِ النَّفْيِ أوْ في جانِبِ الإثْباتِ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مَذْمُومٌ، فَمُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفْيِ تُفْضِي إلى التَّعْطِيلِ، ومُجاوَزَةُ الحَدِّ في الإثْباتِ تُفْضِي إلى التَّشْبِيهِ وإثْباتِ الشَّرِيكِ والصّاحِبَةِ والوَلَدِ. وكِلا الأمْرَيْنِ شَطَطٌ ومَذْمُومٌ.
النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنّا إنَّما أخَذْنا قَوْلَ الغَيْرِ لِأنّا ظَنَنّا أنَّهُ لا يُقالُ الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، فَلَمّا
صفحة ١٣٨
سَمِعْنا القُرْآنَ عَلِمْنا أنَّهم قَدْ يَكْذِبُونَ، وهَذا مِنهم إقْرارٌ بِأنَّهم إنَّما وقَعُوا في تِلْكَ الجَهالاتِ، بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهم إنَّما تَخَلَّصُوا عَنْ تِلْكَ الظُّلُماتِ بِبَرَكَةِ الِاسْتِدْلالِ والِاحْتِجاجِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: كَذِبًا بِمَ نُصِبَ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ قَوْلًا كَذِبًا.
وثانِيها: أنَّهُ نُصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ.
وثالِثُها: أنَّ مَن قَرَأ: ”أنْ لَنْ تَقُولَ“ وضَعَ كَذِبًا مَوْضِعَ تَقَوُّلًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ صِفَةً؛ لِأنَّ التَّقَوُّلَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا.
الجن 72:5
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ الجِنُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ السَّفَهُ خِفَّةُ العَقْلِ، والشَّطَطُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الظُّلْمِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ أشَطَّ في الصَّوْمِ إذا أبْعَدَ فِيهِ، أيْ يَقُولُ قَوْلًا هو في نَفْسِهِ شَطَطٌ لِفَرْطِ ما أشَطَّ فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّطَطُ هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في جانِبِ النَّفْيِ أوْ في جانِبِ الإثْباتِ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مَذْمُومٌ، فَمُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفْيِ تُفْضِي إلى التَّعْطِيلِ، ومُجاوَزَةُ الحَدِّ في الإثْباتِ تُفْضِي إلى التَّشْبِيهِ وإثْباتِ الشَّرِيكِ والصّاحِبَةِ والوَلَدِ. وكِلا الأمْرَيْنِ شَطَطٌ ومَذْمُومٌ.
النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنّا إنَّما أخَذْنا قَوْلَ الغَيْرِ لِأنّا ظَنَنّا أنَّهُ لا يُقالُ الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، فَلَمّا
صفحة ١٣٨
سَمِعْنا القُرْآنَ عَلِمْنا أنَّهم قَدْ يَكْذِبُونَ، وهَذا مِنهم إقْرارٌ بِأنَّهم إنَّما وقَعُوا في تِلْكَ الجَهالاتِ، بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهم إنَّما تَخَلَّصُوا عَنْ تِلْكَ الظُّلُماتِ بِبَرَكَةِ الِاسْتِدْلالِ والِاحْتِجاجِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: كَذِبًا بِمَ نُصِبَ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ قَوْلًا كَذِبًا.
وثانِيها: أنَّهُ نُصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ.
وثالِثُها: أنَّ مَن قَرَأ: ”أنْ لَنْ تَقُولَ“ وضَعَ كَذِبًا مَوْضِعَ تَقَوُّلًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ صِفَةً؛ لِأنَّ التَّقَوُّلَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا.
الجن 72:6
النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ إذا سافَرَ فَأمْسى في قَفْرٍ مِنَ الأرْضِ، قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي أوْ بِعَزِيزِ هَذا المَكانِ مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ في جِوارٍ مِنهم حَتّى يُصْبِحَ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا قُحِطُوا بَعَثُوا رائِدَهم، فَإذا وجَدَ مَكانًا فِيهِ كَلَأٌ وماءٌ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَيُنادِيهِمْ، فَإذا انْتَهَوْا إلى تِلْكَ الأرْضِ نادَوْا نَعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِنَ أنْ يُصِيبَنا آفَةٌ يَعْنُونَ الجِنَّ، فَإنْ لَمْ يُفْزِعْهم أحَدٌ نَزَلُوا، ورُبَّما تُفْزِعُهُمُ الجِنُّ فَيَهْرُبُونَ.
القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ أيْضًا، لَكِنْ مِن شَرِّ الجِنِّ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِن شَرِّ جِنِّ هَذا الوادِي، وأصْحابُ هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ اسْمُ الإنْسِ لا اسْمُ الجِنِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذَّكَرَ مِنَ الجِنِّ لا يُسَمّى رَجُلًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ زادُوهم إثْمًا وجُرْأةً وطُغْيانًا وخَطِيئَةً وغَيًّا وشَرًّا، كُلُّ هَذا مِن ألْفاظِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: الرَّهَقُ غَشَيانُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ [يُونُسَ: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عَبَسَ: ٤١] ورَجُلٌ مُرْهَقٌ أيْ يَغْشاهُ السّائِلُونَ.
ويُقالُ: رَهَقَتْنا الشَّمْسُ إذا قَرُبَتْ، والمَعْنى أنَّ رِجالَ الإنْسِ إنَّما اسْتَعاذُوا بِالجِنِّ خَوْفًا مِن أنْ يَغْشاهُمُ الجِنُّ، ثُمَّ إنَّهم زادُوا في ذَلِكَ الغَشَيانِ، فَإنَّهم لَمّا تَعَوَّذُوا بِهِمْ، ولَمْ يَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ، اسْتَذَلُّوهم واجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ فَزادُوهم ظُلْمًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ عَطاءٍ خَبَطُوهم وخَنَقُوهم، وعَلى هَذا القَوْلِ زادُوا مِن فِعْلِ الجِنِّ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ وهو أنَّ زادُوا مِن فِعْلِ الإنْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسَ لَمّا اسْتَعاذُوا بِالجِنِّ، فالجِنُّ يَزْدادُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعَوُّذِ طُغْيانًا فَيَقُولُونَ: سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو اللّائِقُ بِمَساقِ الآيَةِ والمُوافِقُ لِنَظْمِها.
النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ والَّتِي قَبْلَها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مِن كَلامِ الجِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مِن جُمْلَةِ الوَحْيِ، فَإنْ كانا مِن كَلامِ الجِنِّ وهو الَّذِي قالَهُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، كانَ التَّقْدِيرُ وأنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، وإنْ كانا مِنَ الوَحْيِ كانَ التَّقْدِيرُ: وأنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يا كُفّارَ قُرَيْشٍ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الجِنَّ كَما أنَّهم كانَ فِيهِمْ مُشْرِكٌ ويَهُودِيٌّ ونَصْرانِيٌّ فَفِيهِمْ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لا يَبْعَثُ أحَدًا لِلرِّسالَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ البَراهِمَةِ، واعْلَمْ أنَّ حَمْلَهُ عَلى كَلامِ الجِنِّ أوْلى؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ كَلامُ الجِنِّ، فَإلْقاءُ كَلامٍ أجْنَبِيٍّ عَنْ كَلامِ الجِنِّ في البَيْنِ غَيْرُ لائِقٍ.
الجن 72:7
النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ إذا سافَرَ فَأمْسى في قَفْرٍ مِنَ الأرْضِ، قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي أوْ بِعَزِيزِ هَذا المَكانِ مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ في جِوارٍ مِنهم حَتّى يُصْبِحَ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا قُحِطُوا بَعَثُوا رائِدَهم، فَإذا وجَدَ مَكانًا فِيهِ كَلَأٌ وماءٌ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَيُنادِيهِمْ، فَإذا انْتَهَوْا إلى تِلْكَ الأرْضِ نادَوْا نَعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِنَ أنْ يُصِيبَنا آفَةٌ يَعْنُونَ الجِنَّ، فَإنْ لَمْ يُفْزِعْهم أحَدٌ نَزَلُوا، ورُبَّما تُفْزِعُهُمُ الجِنُّ فَيَهْرُبُونَ.
القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ أيْضًا، لَكِنْ مِن شَرِّ الجِنِّ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِن شَرِّ جِنِّ هَذا الوادِي، وأصْحابُ هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ اسْمُ الإنْسِ لا اسْمُ الجِنِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذَّكَرَ مِنَ الجِنِّ لا يُسَمّى رَجُلًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ زادُوهم إثْمًا وجُرْأةً وطُغْيانًا وخَطِيئَةً وغَيًّا وشَرًّا، كُلُّ هَذا مِن ألْفاظِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: الرَّهَقُ غَشَيانُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ [يُونُسَ: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عَبَسَ: ٤١] ورَجُلٌ مُرْهَقٌ أيْ يَغْشاهُ السّائِلُونَ.
ويُقالُ: رَهَقَتْنا الشَّمْسُ إذا قَرُبَتْ، والمَعْنى أنَّ رِجالَ الإنْسِ إنَّما اسْتَعاذُوا بِالجِنِّ خَوْفًا مِن أنْ يَغْشاهُمُ الجِنُّ، ثُمَّ إنَّهم زادُوا في ذَلِكَ الغَشَيانِ، فَإنَّهم لَمّا تَعَوَّذُوا بِهِمْ، ولَمْ يَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ، اسْتَذَلُّوهم واجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ فَزادُوهم ظُلْمًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ عَطاءٍ خَبَطُوهم وخَنَقُوهم، وعَلى هَذا القَوْلِ زادُوا مِن فِعْلِ الجِنِّ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ وهو أنَّ زادُوا مِن فِعْلِ الإنْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسَ لَمّا اسْتَعاذُوا بِالجِنِّ، فالجِنُّ يَزْدادُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعَوُّذِ طُغْيانًا فَيَقُولُونَ: سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو اللّائِقُ بِمَساقِ الآيَةِ والمُوافِقُ لِنَظْمِها.
النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ والَّتِي قَبْلَها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مِن كَلامِ الجِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مِن جُمْلَةِ الوَحْيِ، فَإنْ كانا مِن كَلامِ الجِنِّ وهو الَّذِي قالَهُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، كانَ التَّقْدِيرُ وأنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، وإنْ كانا مِنَ الوَحْيِ كانَ التَّقْدِيرُ: وأنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يا كُفّارَ قُرَيْشٍ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الجِنَّ كَما أنَّهم كانَ فِيهِمْ مُشْرِكٌ ويَهُودِيٌّ ونَصْرانِيٌّ فَفِيهِمْ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لا يَبْعَثُ أحَدًا لِلرِّسالَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ البَراهِمَةِ، واعْلَمْ أنَّ حَمْلَهُ عَلى كَلامِ الجِنِّ أوْلى؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ كَلامُ الجِنِّ، فَإلْقاءُ كَلامٍ أجْنَبِيٍّ عَنْ كَلامِ الجِنِّ في البَيْنِ غَيْرُ لائِقٍ.
الجن 72:8
النَّوْعُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ اللَّمْسُ المَسُّ فاسْتُعِيرَ لِلطَّلَبِ؛ لِأنَّ الماسَّ طالِبٌ مُتَعَرِّفٌ يُقالُ: لَمَسَهُ والتَمَسَهُ، ومِثْلُهُ الجَسُّ يُقالُ: جَسُّوهُ بِأعْيُنِهِمْ وتَجَسَّسُوهُ، والمَعْنى طَلَبْنا بُلُوغَ السَّماءِ واسْتِماعَ كَلامِ أهْلِها، والحَرَسُ اسْمٌ مُفْرَدٌ في مَعْنى الحُرّاسِ كالخَدَمِ في مَعْنى الخُدّامِ؛ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِشَدِيدٍ ولَوْ ذَهَبَ إلى مَعْناهُ لَقِيلَ شِدادًا.
النَّوْعُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ كُنّا نَسْتَمِعُ فالآنَ مَتى حاوَلْنا الِاسْتِماعَ رُمِينا بِالشُّهُبِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿شِهابًا رَصَدًا﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي رَمْيًا مِنَ الشُّهُبِ ورَصَدًا مِنَ المَلائِكَةِ، وعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ شِهابًا ورَصَدًا؛ لِأنَّ الرَّصَدَ غَيْرُ الشِّهابِ وهو جَمْعُ راصِدٍ.
وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: أيْ شِهابًا قَدْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْجَمَ بِهِ، وعَلى هَذا الرَّصَدُ نَعْتٌ لِلشِّهابِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَصَدًا أيْ راصِدًا، وذَلِكَ لِأنَّ الشِّهابَ لَمّا كانَ مُعَدًّا لَهُ، فَكَأنَّ الشِّهابَ راصِدٌ لَهُ ومُتَرَصِّدٌ لَهُ، واعْلَمْ أنّا قَدِ اسْتَقْصَيْنا في هَذِهِ المَسْألَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [المُلْكِ: ٥] فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الشُّهُبُ، كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ جَمِيعَ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ تَكَلَّمُوا في أسْبابِ انْقِضاضِ هَذِهِ الشُّهُبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ ذَكَرَ في خَلْقِ الكَواكِبِ فائِدَتَيْنِ، التَّزْيِينُ ورَجْمُ الشَّياطِينِ.
وثالِثُها: أنَّ وصْفَ هَذا الِانْقِضاضِ جاءَ في شِعْرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
فانْقَضَّ كالدَّرِّيِّ يَتْبَعُهُ نَقْعٌ يَثُورُ نَخالُهُ طُنُبا
وقالَ عَوْفُ بْنُ الخَرْعِ:
يَرُدُّ عَلَيْنا العِيرَ مِن دُونِ إلْفِهِ ∗∗∗ أوِ الثَّوْرَ كالدَّرِّيِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”«بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فاسْتَنارَ فَقالَ: ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا في الجاهِلِيَّةِ ؟ فَقالُوا كُنّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ» “ الحَدِيثَ إلى آخِرِهِ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ، أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، فَما مَعْنى تَخْصِيصِها بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ و(الجَوابُ): مَبْنِيٌّ عَلى مَقامَيْنِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ ما كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «كانَ الجِنُّ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ فَإذا سَمِعُوا
صفحة ١٤٠
الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، أمّا الكَلِمَةُ فَإنَّها تَكُونُ حَقَّةً، وأمّا الزِّياداتُ فَتَكُونُ باطِلَةً، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ مُنِعُوا مَقاعِدَهم، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي»، الحَدِيثَ إلى آخِرِهِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَمْ يُرْمَ بِنَجْمٍ مُنْذُ رُفِعَ عِيسى حَتّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ فَرُمِيَ بِها، فَرَأتْ قُرَيْشٌ أمْرًا ما رَأوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَجَعَلُوا يُسَيِّبُونَ أنْعامَهم ويَعْتِقُونَ رِقابَهم، يَظُنُّونَ أنَّهُ الفَناءُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَعْضَ أكابِرِهِمْ، فَقالَ: لِمَ فَعَلْتُمْ ما أرى ؟ قالُوا: رُمِيَ بِالنُّجُومِ فَرَأيْناها تَتَهافَتُ مِنَ السَّماءِ، فَقالَ: اصْبِرُوا فَإنْ تَكُنْ نُجُومًا مَعْرُوفَةً فَهو وقْتُ فَناءِ النّاسِ، وإنْ كانَتْ نُجُومًا لا تُعْرَفُ فَهو أمْرٌ قَدْ حَدَثَ فَنَظَرُوا، فَإذا هي لا تُعْرَفُ، فَأخْبَرُوهُ فَقالَ: في الأمْرِ مُهْلَةٌ، وهَذا عِنْدَ ظُهُورِ نَبِيٍّ فَما مَكَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى قَدِمَ أبُو سُفْيانَ عَلى أمْوالِهِ وأخْبَرَ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِأنَّهُ ظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ويَدَّعِي أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وهَؤُلاءِ زَعَمُوا أنَّ كُتُبَ الأوائِلِ قَدْ تَوالَتْ عَلَيْها التَّحْرِيفاتُ فَلَعَلَّ المُتَأخِّرِينَ ألْحَقُوا هَذِهِ المَسْألَةَ بِها؛ طَعْنًا مِنهم في هَذِهِ المُعْجِزَةِ، وكَذا الأشْعارُ المَنسُوبَةُ إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ لَعَلَّها مُخْتَلَقَةٌ عَلَيْهِمْ ومَنحُولَةٌ.
المَقامُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى الصَّوابِ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ إلّا أنَّها زِيدَتْ بَعْدَ المَبْعَثِ وجُعِلَتْ أكْمَلَ وأقْوى، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحادِثَ هو المَلْءُ والكَثْرَةُ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ أيْ كُنّا نَجِدُ فِيها بَعْضَ المَقاعِدِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ والشُّهُبِ والآنَ مُلِئَتِ المَقاعِدُ كُلُّها، فَعَلى هَذا الَّذِي حَمَلَ الجِنَّ عَلى الضَّرْبِ في البِلادِ وطَلَبِ السَّبَبِ، إنَّما هو كَثْرَةُ الرَّجْمِ ومَنعُ الِاسْتِراقِ بِالكُلِّيَّةِ.
الجن 72:9
النَّوْعُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ اللَّمْسُ المَسُّ فاسْتُعِيرَ لِلطَّلَبِ؛ لِأنَّ الماسَّ طالِبٌ مُتَعَرِّفٌ يُقالُ: لَمَسَهُ والتَمَسَهُ، ومِثْلُهُ الجَسُّ يُقالُ: جَسُّوهُ بِأعْيُنِهِمْ وتَجَسَّسُوهُ، والمَعْنى طَلَبْنا بُلُوغَ السَّماءِ واسْتِماعَ كَلامِ أهْلِها، والحَرَسُ اسْمٌ مُفْرَدٌ في مَعْنى الحُرّاسِ كالخَدَمِ في مَعْنى الخُدّامِ؛ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِشَدِيدٍ ولَوْ ذَهَبَ إلى مَعْناهُ لَقِيلَ شِدادًا.
النَّوْعُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ كُنّا نَسْتَمِعُ فالآنَ مَتى حاوَلْنا الِاسْتِماعَ رُمِينا بِالشُّهُبِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿شِهابًا رَصَدًا﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي رَمْيًا مِنَ الشُّهُبِ ورَصَدًا مِنَ المَلائِكَةِ، وعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ شِهابًا ورَصَدًا؛ لِأنَّ الرَّصَدَ غَيْرُ الشِّهابِ وهو جَمْعُ راصِدٍ.
وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: أيْ شِهابًا قَدْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْجَمَ بِهِ، وعَلى هَذا الرَّصَدُ نَعْتٌ لِلشِّهابِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَصَدًا أيْ راصِدًا، وذَلِكَ لِأنَّ الشِّهابَ لَمّا كانَ مُعَدًّا لَهُ، فَكَأنَّ الشِّهابَ راصِدٌ لَهُ ومُتَرَصِّدٌ لَهُ، واعْلَمْ أنّا قَدِ اسْتَقْصَيْنا في هَذِهِ المَسْألَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [المُلْكِ: ٥] فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الشُّهُبُ، كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ جَمِيعَ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ تَكَلَّمُوا في أسْبابِ انْقِضاضِ هَذِهِ الشُّهُبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ ذَكَرَ في خَلْقِ الكَواكِبِ فائِدَتَيْنِ، التَّزْيِينُ ورَجْمُ الشَّياطِينِ.
وثالِثُها: أنَّ وصْفَ هَذا الِانْقِضاضِ جاءَ في شِعْرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
فانْقَضَّ كالدَّرِّيِّ يَتْبَعُهُ نَقْعٌ يَثُورُ نَخالُهُ طُنُبا
وقالَ عَوْفُ بْنُ الخَرْعِ:
يَرُدُّ عَلَيْنا العِيرَ مِن دُونِ إلْفِهِ ∗∗∗ أوِ الثَّوْرَ كالدَّرِّيِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ
ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”«بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فاسْتَنارَ فَقالَ: ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا في الجاهِلِيَّةِ ؟ فَقالُوا كُنّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ» “ الحَدِيثَ إلى آخِرِهِ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ، أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، فَما مَعْنى تَخْصِيصِها بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ و(الجَوابُ): مَبْنِيٌّ عَلى مَقامَيْنِ:
المَقامُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ ما كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «كانَ الجِنُّ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ فَإذا سَمِعُوا
صفحة ١٤٠
الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، أمّا الكَلِمَةُ فَإنَّها تَكُونُ حَقَّةً، وأمّا الزِّياداتُ فَتَكُونُ باطِلَةً، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ مُنِعُوا مَقاعِدَهم، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي»، الحَدِيثَ إلى آخِرِهِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَمْ يُرْمَ بِنَجْمٍ مُنْذُ رُفِعَ عِيسى حَتّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ فَرُمِيَ بِها، فَرَأتْ قُرَيْشٌ أمْرًا ما رَأوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَجَعَلُوا يُسَيِّبُونَ أنْعامَهم ويَعْتِقُونَ رِقابَهم، يَظُنُّونَ أنَّهُ الفَناءُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَعْضَ أكابِرِهِمْ، فَقالَ: لِمَ فَعَلْتُمْ ما أرى ؟ قالُوا: رُمِيَ بِالنُّجُومِ فَرَأيْناها تَتَهافَتُ مِنَ السَّماءِ، فَقالَ: اصْبِرُوا فَإنْ تَكُنْ نُجُومًا مَعْرُوفَةً فَهو وقْتُ فَناءِ النّاسِ، وإنْ كانَتْ نُجُومًا لا تُعْرَفُ فَهو أمْرٌ قَدْ حَدَثَ فَنَظَرُوا، فَإذا هي لا تُعْرَفُ، فَأخْبَرُوهُ فَقالَ: في الأمْرِ مُهْلَةٌ، وهَذا عِنْدَ ظُهُورِ نَبِيٍّ فَما مَكَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى قَدِمَ أبُو سُفْيانَ عَلى أمْوالِهِ وأخْبَرَ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِأنَّهُ ظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ويَدَّعِي أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وهَؤُلاءِ زَعَمُوا أنَّ كُتُبَ الأوائِلِ قَدْ تَوالَتْ عَلَيْها التَّحْرِيفاتُ فَلَعَلَّ المُتَأخِّرِينَ ألْحَقُوا هَذِهِ المَسْألَةَ بِها؛ طَعْنًا مِنهم في هَذِهِ المُعْجِزَةِ، وكَذا الأشْعارُ المَنسُوبَةُ إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ لَعَلَّها مُخْتَلَقَةٌ عَلَيْهِمْ ومَنحُولَةٌ.
المَقامُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى الصَّوابِ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ إلّا أنَّها زِيدَتْ بَعْدَ المَبْعَثِ وجُعِلَتْ أكْمَلَ وأقْوى، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحادِثَ هو المَلْءُ والكَثْرَةُ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ أيْ كُنّا نَجِدُ فِيها بَعْضَ المَقاعِدِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ والشُّهُبِ والآنَ مُلِئَتِ المَقاعِدُ كُلُّها، فَعَلى هَذا الَّذِي حَمَلَ الجِنَّ عَلى الضَّرْبِ في البِلادِ وطَلَبِ السَّبَبِ، إنَّما هو كَثْرَةُ الرَّجْمِ ومَنعُ الِاسْتِراقِ بِالكُلِّيَّةِ.
الجن 72:10
النَّوْعُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنّا لا نَدْرِي أنَّ المَقْصُودَ مِنَ المَنعِ مِنَ الِاسْتِراقِ هو أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ أمْ صَلاحٌ وخَيْرٌ.
والثّانِي: لا نَدْرِي أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ مُحَمَّدٍ الَّذِي عِنْدَهُ مَنعٌ مِنَ الِاسْتِراقِ هو أنْ يُكَذِّبُوهُ فَيَهْلَكُوا كَما هَلَكَ مَن كَذَّبَ مِنَ الأُمَمِ، أمْ أرادَ أنْ يُؤْمِنُوا فَيَهْتَدُوا.
الجن 72:11
النَّوْعُ العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ .
أيْ مِنّا الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ أيْ ومِنّا قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] ثُمَّ المُرادُ بِالَّذِينِ هم دُونَ الصّالِحِينَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ المُقْتَصِدُونَ الَّذِينَ يَكُونُونَ في الصَّلاحِ غَيْرَ كامِلَيْنِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مَن لا يَكُونُ كامِلًا في الصَّلاحِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُقْتَصِدُونَ والكافِرُونَ، والقِدَةُ مِن قَدَدَ، كالقِطْعَةِ مِن قَطَعَ. ووُصِفَتِ الطَّرائِقُ بِالقِدَدِ لِدَلالَتِها عَلى مَعْنى التَّقَطُّعِ والتَّفَرُّقِ، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ كُنّا ذَوِي ﴿طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ ذَوِي مَذاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ السُّدِّيُّ:
صفحة ١٤١
الجِنُّ أمْثالُكم، فِيهِمْ مُرْجِئَةٌ وقَدَرِيَّةٌ ورَوافِضُ وخَوارِجُ.
وثانِيها: كُنّا في اخْتِلافِ أحْوالِنا مِثْلَ الطَّرائِقِ المُخْتَلِفَةِ.
وثالِثُها: كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ الَّذِي هو الطَّرائِقُ، وإقامَةِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.
النَّوْعُ الحادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ الظَّنُّ، بِمَعْنى اليَقِينِ، و﴿فِي الأرْضِ﴾ و(هَرَبًا) فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُما حالانِ، أيْ لَنْ نُعْجِزَهُ كائِنِينَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نُعْجِزَهُ هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ.
والثّانِي: لَنْ نُعْجِزَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا، ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا إنْ طَلَبَنا.
النَّوْعُ الثّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ ﴿لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ أيِ القُرْآنُ، قالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] (آمَنّا بِهِ) [القَصَصِ: ٥٣] أيْ آمَنّا بِالقُرْآنِ ﴿فَلا يَخافُ﴾ فَهو لا يَخافُ، أيْ فَهو غَيْرُ خائِفٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ في تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أُدْخِلَ عَلَيْها لِتَصِيرَ جَزاءً لِلشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمُها، ولَوْلا ذاكَ لِقِيلَ لا يَخَفْ، فَإنْ قِيلَ أيُّ فائِدَةٍ في رَفْعِ الفِعْلِ، وتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَهُ حَتّى يَقَعَ خَبَرًا لَهُ ووُجُوبِ إدْخالِ الفاءِ، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِأنْ لا يُقالَ: لا يَخَفْ ؟ قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ فَهو لا يَخافُ، فَكانَ دالًّا عَلى تَحْقِيقِ أنَّ المُؤْمِنَ ناجٍ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ هو المُخْتَصُّ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ فَهو لا يَخافُ مَعْناهُ أنَّ غَيْرَهُ يَكُونُ خائِفًا، وقَرَأ الأعْمَشُ: فَلا يَخَفْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ البَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ الظُّلْمُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لا يَخافُ جَزاءَ بَخْسٍ ولا رَهَقٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا، ولا ظَلَمَ أحَدًا، فَلا يَخافُ جَزاءَهُما.
الثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُبْخَسَ، بَلْ يَقْطَعُ بِأنَّهُ يُجْزى الجَزاءَ الأوْفى، ولا يَخافُ أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ . [يُونُسَ: ٢٧]
الجن 72:12
النَّوْعُ العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ .
أيْ مِنّا الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ أيْ ومِنّا قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] ثُمَّ المُرادُ بِالَّذِينِ هم دُونَ الصّالِحِينَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ المُقْتَصِدُونَ الَّذِينَ يَكُونُونَ في الصَّلاحِ غَيْرَ كامِلَيْنِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مَن لا يَكُونُ كامِلًا في الصَّلاحِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُقْتَصِدُونَ والكافِرُونَ، والقِدَةُ مِن قَدَدَ، كالقِطْعَةِ مِن قَطَعَ. ووُصِفَتِ الطَّرائِقُ بِالقِدَدِ لِدَلالَتِها عَلى مَعْنى التَّقَطُّعِ والتَّفَرُّقِ، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ كُنّا ذَوِي ﴿طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ ذَوِي مَذاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ السُّدِّيُّ:
صفحة ١٤١
الجِنُّ أمْثالُكم، فِيهِمْ مُرْجِئَةٌ وقَدَرِيَّةٌ ورَوافِضُ وخَوارِجُ.
وثانِيها: كُنّا في اخْتِلافِ أحْوالِنا مِثْلَ الطَّرائِقِ المُخْتَلِفَةِ.
وثالِثُها: كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ الَّذِي هو الطَّرائِقُ، وإقامَةِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.
النَّوْعُ الحادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ الظَّنُّ، بِمَعْنى اليَقِينِ، و﴿فِي الأرْضِ﴾ و(هَرَبًا) فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُما حالانِ، أيْ لَنْ نُعْجِزَهُ كائِنِينَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نُعْجِزَهُ هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ.
والثّانِي: لَنْ نُعْجِزَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا، ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا إنْ طَلَبَنا.
النَّوْعُ الثّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ ﴿لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ أيِ القُرْآنُ، قالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] (آمَنّا بِهِ) [القَصَصِ: ٥٣] أيْ آمَنّا بِالقُرْآنِ ﴿فَلا يَخافُ﴾ فَهو لا يَخافُ، أيْ فَهو غَيْرُ خائِفٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ في تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أُدْخِلَ عَلَيْها لِتَصِيرَ جَزاءً لِلشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمُها، ولَوْلا ذاكَ لِقِيلَ لا يَخَفْ، فَإنْ قِيلَ أيُّ فائِدَةٍ في رَفْعِ الفِعْلِ، وتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَهُ حَتّى يَقَعَ خَبَرًا لَهُ ووُجُوبِ إدْخالِ الفاءِ، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِأنْ لا يُقالَ: لا يَخَفْ ؟ قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ فَهو لا يَخافُ، فَكانَ دالًّا عَلى تَحْقِيقِ أنَّ المُؤْمِنَ ناجٍ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ هو المُخْتَصُّ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ فَهو لا يَخافُ مَعْناهُ أنَّ غَيْرَهُ يَكُونُ خائِفًا، وقَرَأ الأعْمَشُ: فَلا يَخَفْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ البَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ الظُّلْمُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لا يَخافُ جَزاءَ بَخْسٍ ولا رَهَقٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا، ولا ظَلَمَ أحَدًا، فَلا يَخافُ جَزاءَهُما.
الثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُبْخَسَ، بَلْ يَقْطَعُ بِأنَّهُ يُجْزى الجَزاءَ الأوْفى، ولا يَخافُ أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ . [يُونُسَ: ٢٧]
الجن 72:13
النَّوْعُ العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ .
أيْ مِنّا الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ أيْ ومِنّا قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] ثُمَّ المُرادُ بِالَّذِينِ هم دُونَ الصّالِحِينَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُمُ المُقْتَصِدُونَ الَّذِينَ يَكُونُونَ في الصَّلاحِ غَيْرَ كامِلَيْنِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مَن لا يَكُونُ كامِلًا في الصَّلاحِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُقْتَصِدُونَ والكافِرُونَ، والقِدَةُ مِن قَدَدَ، كالقِطْعَةِ مِن قَطَعَ. ووُصِفَتِ الطَّرائِقُ بِالقِدَدِ لِدَلالَتِها عَلى مَعْنى التَّقَطُّعِ والتَّفَرُّقِ، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ كُنّا ذَوِي ﴿طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ ذَوِي مَذاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ السُّدِّيُّ:
صفحة ١٤١
الجِنُّ أمْثالُكم، فِيهِمْ مُرْجِئَةٌ وقَدَرِيَّةٌ ورَوافِضُ وخَوارِجُ.
وثانِيها: كُنّا في اخْتِلافِ أحْوالِنا مِثْلَ الطَّرائِقِ المُخْتَلِفَةِ.
وثالِثُها: كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ الَّذِي هو الطَّرائِقُ، وإقامَةِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.
النَّوْعُ الحادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ الظَّنُّ، بِمَعْنى اليَقِينِ، و﴿فِي الأرْضِ﴾ و(هَرَبًا) فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُما حالانِ، أيْ لَنْ نُعْجِزَهُ كائِنِينَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نُعْجِزَهُ هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ.
والثّانِي: لَنْ نُعْجِزَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا، ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا إنْ طَلَبَنا.
النَّوْعُ الثّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ ﴿لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ أيِ القُرْآنُ، قالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] (آمَنّا بِهِ) [القَصَصِ: ٥٣] أيْ آمَنّا بِالقُرْآنِ ﴿فَلا يَخافُ﴾ فَهو لا يَخافُ، أيْ فَهو غَيْرُ خائِفٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ في تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أُدْخِلَ عَلَيْها لِتَصِيرَ جَزاءً لِلشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمُها، ولَوْلا ذاكَ لِقِيلَ لا يَخَفْ، فَإنْ قِيلَ أيُّ فائِدَةٍ في رَفْعِ الفِعْلِ، وتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَهُ حَتّى يَقَعَ خَبَرًا لَهُ ووُجُوبِ إدْخالِ الفاءِ، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِأنْ لا يُقالَ: لا يَخَفْ ؟ قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ فَهو لا يَخافُ، فَكانَ دالًّا عَلى تَحْقِيقِ أنَّ المُؤْمِنَ ناجٍ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ هو المُخْتَصُّ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ فَهو لا يَخافُ مَعْناهُ أنَّ غَيْرَهُ يَكُونُ خائِفًا، وقَرَأ الأعْمَشُ: فَلا يَخَفْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ البَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ الظُّلْمُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لا يَخافُ جَزاءَ بَخْسٍ ولا رَهَقٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا، ولا ظَلَمَ أحَدًا، فَلا يَخافُ جَزاءَهُما.
الثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُبْخَسَ، بَلْ يَقْطَعُ بِأنَّهُ يُجْزى الجَزاءَ الأوْفى، ولا يَخافُ أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ . [يُونُسَ: ٢٧]
الجن 72:14
النَّوْعُ الثّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ القاسِطُ الجائِرُ، والمُقْسِطُ العادِلُ، وذَكَرْنا مَعْنى قَسَطَ وأقْسَطَ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ، فالقاسِطُونَ الكافِرُونَ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ لَهُ حِينَ أرادَ قَتْلَهُ ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَقالَ القَوْمُ: ما أحْسَنَ ما قالَ، حَسِبُوا أنَّهُ يَصِفُهُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، فَقالَ الحَجّاجُ: يا جَهَلَةُ إنَّهُ سَمّانِي ظالِمًا مُشْرِكًا، وتَلا لَهم قَوْلَهُ: ﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١]، ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَحَرَّوْا تَوَخَّوْا، قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّحَرِّي مِن قَوْلِهِمْ: ذَلِكَ أحْرى، أيْ أحَقُّ وأقْرَبُ، وبِالحَرِيِّ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ يَجِبُ عَلَيْكَ.
ثُمَّ إنَّ الجِنَّ ذَمُّوا الكافِرِينَ فَقالُوا: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٤٢
الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ عِقابَ القاسِطِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ثَوابَ المُسْلِمِينَ ؟ (الجَوابُ) بَلْ ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ تَوَخَّوْا رَشَدًا عَظِيمًا لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا في الثَّوابِ.
السُّؤالُ الثّانِي: الجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ حَطَبًا لِلنّارِ ؟ (الجَوابُ) أنَّهم وإنْ خُلِقُوا مِنَ النّارِ، لَكِنَّهم تَغَيَّرُوا عَنْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وصارُوا لَحْمًا ودَمًا هَكَذا، قِيلَ وهَهُنا آخِرُ كَلامِ الحَسَنِ.
﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجِنِّ: ١] ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ فَيَكُونُ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ لَوِ اسْتَقامُوا لَكانَ كَذا وكَذا. قالَ الواحِدِيُّ: وفَصْلُ لَوْ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ كَفَصْلِ لا والسِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] و﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) إلى مَن يَرْجِعُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهم: إلى الجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ووَصْفُهم، أيْ هَؤُلاءِ القاسِطُونَ لَوْ آمَنّا لَفَعَلْنا بِهِمْ كَذا وكَذا.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الإنْسُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّرْغِيبَ بِالِانْتِفاعِ بِالماءِ الغَدَقِ إنَّما يَلِيقُ بِالإنْسِ لا بِالجِنِّ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَما حَبَسَ اللَّهُ المَطَرَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ سِنِينَ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الإنْسِ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا جَرى مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وقالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّ الكُلَّ يَدْخُلُونَ فِيهِ. وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ لِصِحَّةِ قَوْلِ القاضِي بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ حُكْمًا مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ وهو الِاسْتِقامَةُ، وجَبَ أنْ يُعَمَّ الحُكْمُ بِعُمُومِ العِلَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الغَدَقُ بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها: الماءُ الكَثِيرُ، وقُرِئَ بِهِما، يُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ بِالكَسْرِ فَهي غَدِقَةٌ، ورَوْضَةٌ مُغْدِقَةٌ أيْ كَثِيرَةُ الماءِ، ومَطَرٌ مَغْدُوقٌ وغَيْداقٌ وغَيْدَقٌ إذا كانَ كَثِيرَ الماءِ، وفي المُرادِ بِالماءِ الغَدَقِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الغَيْثُ والمَطَرُ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ كَما قالَ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البُرُوجِ: ١٢] .
وثالِثُها: أنَّهُ المَنافِعُ والخَيْراتُ جُعِلَ الماءُ كِنايَةً عَنْها؛ لِأنَّ الماءَ أصْلُ الخَيْراتِ كُلِّها في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قُلْنا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) راجِعٌ إلى الجِنِّ كانَ في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى أيْ: لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ ولَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ، وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائِدَةِ: ٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ ١٠ - ١٢] وإنَّما ذَكَرَ الماءَ كِنايَةً عَنْ طِيبِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ، فَإنَّ اللّائِقَ بِالجِنِّ هو هَذا الماءُ المَشْرُوبُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى وأنْ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ عَلى طَرِيقَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ الِاسْتِماعِ ولَمْ يَنْتَقِلُوا عَنْها إلى الإسْلامِ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (ولَوْلا أنْ)
صفحة ١٤٣
﴿يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] واخْتارَ الزَّجّاجُ الوَجْهَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّرِيقَةَ مُعَرَّفَةً بِالألِفِ واللّامِ فَتَكُونُ راجِعَةً إلى الطَّرِيقَةِ المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، وهي طَرِيقَةُ الهُدى، والذّاهِبُونَ إلى التَّأْوِيلِ الثّانِي اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨] ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ أنَّ مَن آمَنَ فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أيْضًا ابْتِلاءً واخْتِبارًا حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ هَلْ يَشْتَغِلُ بِالشُّكْرِ أمْ لا، وهَلْ يُنْفِقُهُ في طَلَبِ مَراضِي اللَّهِ، أوْ في مَراضِي الشَّهْوَةِ والشَّيْطانِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسِ، فالوَجْهانِ عائِدانِ فِيهِ بِعَيْنِهِ وهَهُنا يَكُونُ إجْراءُ قَوْلِهِ: ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى؛ لِأنَّ انْتِفاعَ الإنْسِ بِذَلِكَ أتَمُّ وأكْمَلُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ عِبادَهُ، والمُعْتَزِلَةُ أجابُوا بِأنَّ الفِتْنَةَ هي الِاخْتِبارُ كَما يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ، لا خَلْقُ الضَّلالِ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ لِغَرَضٍ، وأصْحابُنا أجابُوا أنَّ الفِتْنَةَ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ لِلْغَرَضِ في حَقِّ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ، أوْ عَنْ وحْيِهِ. (يَسْلُكْهُ)، وقُرِئَ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً ومَضْمُومَةً أيْ نُدْخِلْهُ عَذابًا، والأصْلُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] إلّا أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أيْضًا مُسْتَقِيمَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْنى نَسْلُكْهُ أيْ نُدْخِلْهُ، يُقالُ: سَلَكَهُ وأسْلَكَهُ، والصَّعَدُ مَصْدَرُ صَعَدَ، يُقالُ: صَعَدَ صَعَدًا وصُعُودًا، فَوُصِفَ بِهِ العَذابُ لِأنَّهُ يَصْعَدُ [فَوْقَ] طاقَةِ المُعَذَّبِ أيْ يَعْلُوهُ، ويَغْلِبُهُ فَلا يُطِيقُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ ما تَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِّكاحِ، يُرِيدُ ما شَقَّ عَلَيَّ ولا غَلَبَنِي، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ صَعَدًا جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، وهو صَخْرَةٌ مَلْساءُ، فَيُكَلَّفُ الكافِرُ صُعُودَها ثُمَّ يُجْذَبُ مِن أمامِهِ بِسَلاسِلَ ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعَ حَتّى يَبْلُغَ أعْلاها في أرْبَعِينَ سَنَةً، فَإذا بَلَغَ أعْلاها جُذِبَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ الصُّعُودَ مَرَّةً أُخْرى، فَهَذا دَأْبُهُ أبَدًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٧] .
الجن 72:15
النَّوْعُ الثّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ القاسِطُ الجائِرُ، والمُقْسِطُ العادِلُ، وذَكَرْنا مَعْنى قَسَطَ وأقْسَطَ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ، فالقاسِطُونَ الكافِرُونَ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ لَهُ حِينَ أرادَ قَتْلَهُ ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَقالَ القَوْمُ: ما أحْسَنَ ما قالَ، حَسِبُوا أنَّهُ يَصِفُهُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، فَقالَ الحَجّاجُ: يا جَهَلَةُ إنَّهُ سَمّانِي ظالِمًا مُشْرِكًا، وتَلا لَهم قَوْلَهُ: ﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١]، ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَحَرَّوْا تَوَخَّوْا، قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّحَرِّي مِن قَوْلِهِمْ: ذَلِكَ أحْرى، أيْ أحَقُّ وأقْرَبُ، وبِالحَرِيِّ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ يَجِبُ عَلَيْكَ.
ثُمَّ إنَّ الجِنَّ ذَمُّوا الكافِرِينَ فَقالُوا: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٤٢
الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ عِقابَ القاسِطِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ثَوابَ المُسْلِمِينَ ؟ (الجَوابُ) بَلْ ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ تَوَخَّوْا رَشَدًا عَظِيمًا لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا في الثَّوابِ.
السُّؤالُ الثّانِي: الجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ حَطَبًا لِلنّارِ ؟ (الجَوابُ) أنَّهم وإنْ خُلِقُوا مِنَ النّارِ، لَكِنَّهم تَغَيَّرُوا عَنْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وصارُوا لَحْمًا ودَمًا هَكَذا، قِيلَ وهَهُنا آخِرُ كَلامِ الحَسَنِ.
﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجِنِّ: ١] ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ فَيَكُونُ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ لَوِ اسْتَقامُوا لَكانَ كَذا وكَذا. قالَ الواحِدِيُّ: وفَصْلُ لَوْ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ كَفَصْلِ لا والسِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] و﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) إلى مَن يَرْجِعُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهم: إلى الجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ووَصْفُهم، أيْ هَؤُلاءِ القاسِطُونَ لَوْ آمَنّا لَفَعَلْنا بِهِمْ كَذا وكَذا.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الإنْسُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّرْغِيبَ بِالِانْتِفاعِ بِالماءِ الغَدَقِ إنَّما يَلِيقُ بِالإنْسِ لا بِالجِنِّ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَما حَبَسَ اللَّهُ المَطَرَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ سِنِينَ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الإنْسِ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا جَرى مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وقالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّ الكُلَّ يَدْخُلُونَ فِيهِ. وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ لِصِحَّةِ قَوْلِ القاضِي بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ حُكْمًا مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ وهو الِاسْتِقامَةُ، وجَبَ أنْ يُعَمَّ الحُكْمُ بِعُمُومِ العِلَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الغَدَقُ بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها: الماءُ الكَثِيرُ، وقُرِئَ بِهِما، يُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ بِالكَسْرِ فَهي غَدِقَةٌ، ورَوْضَةٌ مُغْدِقَةٌ أيْ كَثِيرَةُ الماءِ، ومَطَرٌ مَغْدُوقٌ وغَيْداقٌ وغَيْدَقٌ إذا كانَ كَثِيرَ الماءِ، وفي المُرادِ بِالماءِ الغَدَقِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الغَيْثُ والمَطَرُ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ كَما قالَ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البُرُوجِ: ١٢] .
وثالِثُها: أنَّهُ المَنافِعُ والخَيْراتُ جُعِلَ الماءُ كِنايَةً عَنْها؛ لِأنَّ الماءَ أصْلُ الخَيْراتِ كُلِّها في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قُلْنا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) راجِعٌ إلى الجِنِّ كانَ في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى أيْ: لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ ولَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ، وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائِدَةِ: ٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ ١٠ - ١٢] وإنَّما ذَكَرَ الماءَ كِنايَةً عَنْ طِيبِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ، فَإنَّ اللّائِقَ بِالجِنِّ هو هَذا الماءُ المَشْرُوبُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى وأنْ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ عَلى طَرِيقَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ الِاسْتِماعِ ولَمْ يَنْتَقِلُوا عَنْها إلى الإسْلامِ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (ولَوْلا أنْ)
صفحة ١٤٣
﴿يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] واخْتارَ الزَّجّاجُ الوَجْهَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّرِيقَةَ مُعَرَّفَةً بِالألِفِ واللّامِ فَتَكُونُ راجِعَةً إلى الطَّرِيقَةِ المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، وهي طَرِيقَةُ الهُدى، والذّاهِبُونَ إلى التَّأْوِيلِ الثّانِي اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨] ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ أنَّ مَن آمَنَ فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أيْضًا ابْتِلاءً واخْتِبارًا حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ هَلْ يَشْتَغِلُ بِالشُّكْرِ أمْ لا، وهَلْ يُنْفِقُهُ في طَلَبِ مَراضِي اللَّهِ، أوْ في مَراضِي الشَّهْوَةِ والشَّيْطانِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسِ، فالوَجْهانِ عائِدانِ فِيهِ بِعَيْنِهِ وهَهُنا يَكُونُ إجْراءُ قَوْلِهِ: ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى؛ لِأنَّ انْتِفاعَ الإنْسِ بِذَلِكَ أتَمُّ وأكْمَلُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ عِبادَهُ، والمُعْتَزِلَةُ أجابُوا بِأنَّ الفِتْنَةَ هي الِاخْتِبارُ كَما يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ، لا خَلْقُ الضَّلالِ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ لِغَرَضٍ، وأصْحابُنا أجابُوا أنَّ الفِتْنَةَ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ لِلْغَرَضِ في حَقِّ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ، أوْ عَنْ وحْيِهِ. (يَسْلُكْهُ)، وقُرِئَ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً ومَضْمُومَةً أيْ نُدْخِلْهُ عَذابًا، والأصْلُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] إلّا أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أيْضًا مُسْتَقِيمَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْنى نَسْلُكْهُ أيْ نُدْخِلْهُ، يُقالُ: سَلَكَهُ وأسْلَكَهُ، والصَّعَدُ مَصْدَرُ صَعَدَ، يُقالُ: صَعَدَ صَعَدًا وصُعُودًا، فَوُصِفَ بِهِ العَذابُ لِأنَّهُ يَصْعَدُ [فَوْقَ] طاقَةِ المُعَذَّبِ أيْ يَعْلُوهُ، ويَغْلِبُهُ فَلا يُطِيقُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ ما تَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِّكاحِ، يُرِيدُ ما شَقَّ عَلَيَّ ولا غَلَبَنِي، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ صَعَدًا جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، وهو صَخْرَةٌ مَلْساءُ، فَيُكَلَّفُ الكافِرُ صُعُودَها ثُمَّ يُجْذَبُ مِن أمامِهِ بِسَلاسِلَ ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعَ حَتّى يَبْلُغَ أعْلاها في أرْبَعِينَ سَنَةً، فَإذا بَلَغَ أعْلاها جُذِبَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ الصُّعُودَ مَرَّةً أُخْرى، فَهَذا دَأْبُهُ أبَدًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٧] .
الجن 72:16
النَّوْعُ الثّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ القاسِطُ الجائِرُ، والمُقْسِطُ العادِلُ، وذَكَرْنا مَعْنى قَسَطَ وأقْسَطَ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ، فالقاسِطُونَ الكافِرُونَ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ لَهُ حِينَ أرادَ قَتْلَهُ ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَقالَ القَوْمُ: ما أحْسَنَ ما قالَ، حَسِبُوا أنَّهُ يَصِفُهُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، فَقالَ الحَجّاجُ: يا جَهَلَةُ إنَّهُ سَمّانِي ظالِمًا مُشْرِكًا، وتَلا لَهم قَوْلَهُ: ﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١]، ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَحَرَّوْا تَوَخَّوْا، قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّحَرِّي مِن قَوْلِهِمْ: ذَلِكَ أحْرى، أيْ أحَقُّ وأقْرَبُ، وبِالحَرِيِّ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ يَجِبُ عَلَيْكَ.
ثُمَّ إنَّ الجِنَّ ذَمُّوا الكافِرِينَ فَقالُوا: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٤٢
الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ عِقابَ القاسِطِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ثَوابَ المُسْلِمِينَ ؟ (الجَوابُ) بَلْ ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ تَوَخَّوْا رَشَدًا عَظِيمًا لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا في الثَّوابِ.
السُّؤالُ الثّانِي: الجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ حَطَبًا لِلنّارِ ؟ (الجَوابُ) أنَّهم وإنْ خُلِقُوا مِنَ النّارِ، لَكِنَّهم تَغَيَّرُوا عَنْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وصارُوا لَحْمًا ودَمًا هَكَذا، قِيلَ وهَهُنا آخِرُ كَلامِ الحَسَنِ.
﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجِنِّ: ١] ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ فَيَكُونُ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ لَوِ اسْتَقامُوا لَكانَ كَذا وكَذا. قالَ الواحِدِيُّ: وفَصْلُ لَوْ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ كَفَصْلِ لا والسِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] و﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) إلى مَن يَرْجِعُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهم: إلى الجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ووَصْفُهم، أيْ هَؤُلاءِ القاسِطُونَ لَوْ آمَنّا لَفَعَلْنا بِهِمْ كَذا وكَذا.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الإنْسُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّرْغِيبَ بِالِانْتِفاعِ بِالماءِ الغَدَقِ إنَّما يَلِيقُ بِالإنْسِ لا بِالجِنِّ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَما حَبَسَ اللَّهُ المَطَرَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ سِنِينَ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الإنْسِ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا جَرى مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وقالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّ الكُلَّ يَدْخُلُونَ فِيهِ. وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ لِصِحَّةِ قَوْلِ القاضِي بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ حُكْمًا مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ وهو الِاسْتِقامَةُ، وجَبَ أنْ يُعَمَّ الحُكْمُ بِعُمُومِ العِلَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الغَدَقُ بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها: الماءُ الكَثِيرُ، وقُرِئَ بِهِما، يُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ بِالكَسْرِ فَهي غَدِقَةٌ، ورَوْضَةٌ مُغْدِقَةٌ أيْ كَثِيرَةُ الماءِ، ومَطَرٌ مَغْدُوقٌ وغَيْداقٌ وغَيْدَقٌ إذا كانَ كَثِيرَ الماءِ، وفي المُرادِ بِالماءِ الغَدَقِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الغَيْثُ والمَطَرُ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ كَما قالَ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البُرُوجِ: ١٢] .
وثالِثُها: أنَّهُ المَنافِعُ والخَيْراتُ جُعِلَ الماءُ كِنايَةً عَنْها؛ لِأنَّ الماءَ أصْلُ الخَيْراتِ كُلِّها في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قُلْنا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) راجِعٌ إلى الجِنِّ كانَ في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى أيْ: لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ ولَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ، وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائِدَةِ: ٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ ١٠ - ١٢] وإنَّما ذَكَرَ الماءَ كِنايَةً عَنْ طِيبِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ، فَإنَّ اللّائِقَ بِالجِنِّ هو هَذا الماءُ المَشْرُوبُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى وأنْ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ عَلى طَرِيقَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ الِاسْتِماعِ ولَمْ يَنْتَقِلُوا عَنْها إلى الإسْلامِ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (ولَوْلا أنْ)
صفحة ١٤٣
﴿يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] واخْتارَ الزَّجّاجُ الوَجْهَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّرِيقَةَ مُعَرَّفَةً بِالألِفِ واللّامِ فَتَكُونُ راجِعَةً إلى الطَّرِيقَةِ المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، وهي طَرِيقَةُ الهُدى، والذّاهِبُونَ إلى التَّأْوِيلِ الثّانِي اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨] ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ أنَّ مَن آمَنَ فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أيْضًا ابْتِلاءً واخْتِبارًا حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ هَلْ يَشْتَغِلُ بِالشُّكْرِ أمْ لا، وهَلْ يُنْفِقُهُ في طَلَبِ مَراضِي اللَّهِ، أوْ في مَراضِي الشَّهْوَةِ والشَّيْطانِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسِ، فالوَجْهانِ عائِدانِ فِيهِ بِعَيْنِهِ وهَهُنا يَكُونُ إجْراءُ قَوْلِهِ: ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى؛ لِأنَّ انْتِفاعَ الإنْسِ بِذَلِكَ أتَمُّ وأكْمَلُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ عِبادَهُ، والمُعْتَزِلَةُ أجابُوا بِأنَّ الفِتْنَةَ هي الِاخْتِبارُ كَما يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ، لا خَلْقُ الضَّلالِ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ لِغَرَضٍ، وأصْحابُنا أجابُوا أنَّ الفِتْنَةَ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ لِلْغَرَضِ في حَقِّ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ، أوْ عَنْ وحْيِهِ. (يَسْلُكْهُ)، وقُرِئَ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً ومَضْمُومَةً أيْ نُدْخِلْهُ عَذابًا، والأصْلُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] إلّا أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أيْضًا مُسْتَقِيمَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْنى نَسْلُكْهُ أيْ نُدْخِلْهُ، يُقالُ: سَلَكَهُ وأسْلَكَهُ، والصَّعَدُ مَصْدَرُ صَعَدَ، يُقالُ: صَعَدَ صَعَدًا وصُعُودًا، فَوُصِفَ بِهِ العَذابُ لِأنَّهُ يَصْعَدُ [فَوْقَ] طاقَةِ المُعَذَّبِ أيْ يَعْلُوهُ، ويَغْلِبُهُ فَلا يُطِيقُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ ما تَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِّكاحِ، يُرِيدُ ما شَقَّ عَلَيَّ ولا غَلَبَنِي، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ صَعَدًا جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، وهو صَخْرَةٌ مَلْساءُ، فَيُكَلَّفُ الكافِرُ صُعُودَها ثُمَّ يُجْذَبُ مِن أمامِهِ بِسَلاسِلَ ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعَ حَتّى يَبْلُغَ أعْلاها في أرْبَعِينَ سَنَةً، فَإذا بَلَغَ أعْلاها جُذِبَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ الصُّعُودَ مَرَّةً أُخْرى، فَهَذا دَأْبُهُ أبَدًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٧] .
الجن 72:17
النَّوْعُ الثّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ القاسِطُ الجائِرُ، والمُقْسِطُ العادِلُ، وذَكَرْنا مَعْنى قَسَطَ وأقْسَطَ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ، فالقاسِطُونَ الكافِرُونَ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ لَهُ حِينَ أرادَ قَتْلَهُ ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَقالَ القَوْمُ: ما أحْسَنَ ما قالَ، حَسِبُوا أنَّهُ يَصِفُهُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، فَقالَ الحَجّاجُ: يا جَهَلَةُ إنَّهُ سَمّانِي ظالِمًا مُشْرِكًا، وتَلا لَهم قَوْلَهُ: ﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١]، ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَحَرَّوْا تَوَخَّوْا، قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّحَرِّي مِن قَوْلِهِمْ: ذَلِكَ أحْرى، أيْ أحَقُّ وأقْرَبُ، وبِالحَرِيِّ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ يَجِبُ عَلَيْكَ.
ثُمَّ إنَّ الجِنَّ ذَمُّوا الكافِرِينَ فَقالُوا: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٤٢
الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ عِقابَ القاسِطِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ثَوابَ المُسْلِمِينَ ؟ (الجَوابُ) بَلْ ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ تَوَخَّوْا رَشَدًا عَظِيمًا لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا في الثَّوابِ.
السُّؤالُ الثّانِي: الجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ حَطَبًا لِلنّارِ ؟ (الجَوابُ) أنَّهم وإنْ خُلِقُوا مِنَ النّارِ، لَكِنَّهم تَغَيَّرُوا عَنْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وصارُوا لَحْمًا ودَمًا هَكَذا، قِيلَ وهَهُنا آخِرُ كَلامِ الحَسَنِ.
﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجِنِّ: ١] ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ فَيَكُونُ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ لَوِ اسْتَقامُوا لَكانَ كَذا وكَذا. قالَ الواحِدِيُّ: وفَصْلُ لَوْ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ كَفَصْلِ لا والسِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] و﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) إلى مَن يَرْجِعُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهم: إلى الجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ووَصْفُهم، أيْ هَؤُلاءِ القاسِطُونَ لَوْ آمَنّا لَفَعَلْنا بِهِمْ كَذا وكَذا.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الإنْسُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّرْغِيبَ بِالِانْتِفاعِ بِالماءِ الغَدَقِ إنَّما يَلِيقُ بِالإنْسِ لا بِالجِنِّ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَما حَبَسَ اللَّهُ المَطَرَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ سِنِينَ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الإنْسِ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا جَرى مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وقالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّ الكُلَّ يَدْخُلُونَ فِيهِ. وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ لِصِحَّةِ قَوْلِ القاضِي بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ حُكْمًا مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ وهو الِاسْتِقامَةُ، وجَبَ أنْ يُعَمَّ الحُكْمُ بِعُمُومِ العِلَّةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الغَدَقُ بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها: الماءُ الكَثِيرُ، وقُرِئَ بِهِما، يُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ بِالكَسْرِ فَهي غَدِقَةٌ، ورَوْضَةٌ مُغْدِقَةٌ أيْ كَثِيرَةُ الماءِ، ومَطَرٌ مَغْدُوقٌ وغَيْداقٌ وغَيْدَقٌ إذا كانَ كَثِيرَ الماءِ، وفي المُرادِ بِالماءِ الغَدَقِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الغَيْثُ والمَطَرُ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ كَما قالَ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البُرُوجِ: ١٢] .
وثالِثُها: أنَّهُ المَنافِعُ والخَيْراتُ جُعِلَ الماءُ كِنايَةً عَنْها؛ لِأنَّ الماءَ أصْلُ الخَيْراتِ كُلِّها في الدُّنْيا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قُلْنا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) راجِعٌ إلى الجِنِّ كانَ في الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى أيْ: لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ ولَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ، وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائِدَةِ: ٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ ١٠ - ١٢] وإنَّما ذَكَرَ الماءَ كِنايَةً عَنْ طِيبِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ، فَإنَّ اللّائِقَ بِالجِنِّ هو هَذا الماءُ المَشْرُوبُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى وأنْ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ عَلى طَرِيقَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ الِاسْتِماعِ ولَمْ يَنْتَقِلُوا عَنْها إلى الإسْلامِ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (ولَوْلا أنْ)
صفحة ١٤٣
﴿يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] واخْتارَ الزَّجّاجُ الوَجْهَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّرِيقَةَ مُعَرَّفَةً بِالألِفِ واللّامِ فَتَكُونُ راجِعَةً إلى الطَّرِيقَةِ المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، وهي طَرِيقَةُ الهُدى، والذّاهِبُونَ إلى التَّأْوِيلِ الثّانِي اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨] ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ أنَّ مَن آمَنَ فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أيْضًا ابْتِلاءً واخْتِبارًا حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ هَلْ يَشْتَغِلُ بِالشُّكْرِ أمْ لا، وهَلْ يُنْفِقُهُ في طَلَبِ مَراضِي اللَّهِ، أوْ في مَراضِي الشَّهْوَةِ والشَّيْطانِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسِ، فالوَجْهانِ عائِدانِ فِيهِ بِعَيْنِهِ وهَهُنا يَكُونُ إجْراءُ قَوْلِهِ: ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى؛ لِأنَّ انْتِفاعَ الإنْسِ بِذَلِكَ أتَمُّ وأكْمَلُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ عِبادَهُ، والمُعْتَزِلَةُ أجابُوا بِأنَّ الفِتْنَةَ هي الِاخْتِبارُ كَما يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ، لا خَلْقُ الضَّلالِ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ لِغَرَضٍ، وأصْحابُنا أجابُوا أنَّ الفِتْنَةَ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ لِلْغَرَضِ في حَقِّ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ، أوْ عَنْ وحْيِهِ. (يَسْلُكْهُ)، وقُرِئَ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً ومَضْمُومَةً أيْ نُدْخِلْهُ عَذابًا، والأصْلُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] إلّا أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أيْضًا مُسْتَقِيمَةٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْنى نَسْلُكْهُ أيْ نُدْخِلْهُ، يُقالُ: سَلَكَهُ وأسْلَكَهُ، والصَّعَدُ مَصْدَرُ صَعَدَ، يُقالُ: صَعَدَ صَعَدًا وصُعُودًا، فَوُصِفَ بِهِ العَذابُ لِأنَّهُ يَصْعَدُ [فَوْقَ] طاقَةِ المُعَذَّبِ أيْ يَعْلُوهُ، ويَغْلِبُهُ فَلا يُطِيقُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ ما تَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِّكاحِ، يُرِيدُ ما شَقَّ عَلَيَّ ولا غَلَبَنِي، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ صَعَدًا جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، وهو صَخْرَةٌ مَلْساءُ، فَيُكَلَّفُ الكافِرُ صُعُودَها ثُمَّ يُجْذَبُ مِن أمامِهِ بِسَلاسِلَ ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعَ حَتّى يَبْلُغَ أعْلاها في أرْبَعِينَ سَنَةً، فَإذا بَلَغَ أعْلاها جُذِبَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ الصُّعُودَ مَرَّةً أُخْرى، فَهَذا دَأْبُهُ أبَدًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٧] .
الجن 72:18
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن جُمْلَةِ المُوحى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ: قُلْ أُوحِي إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّ التَّقْدِيرَ ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا، فَعَلى هَذا اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ، فَلا تَدْعُوا، أيْ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٥٢] عَلى مَعْنى، ولِأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ، أيْ لِأجْلِ هَذا المَعْنى فاعْبُدُونِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المَساجِدِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّها المَواضِعُ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلاةِ وذِكْرِ اللَّهِ، ويَدْخُلُ فِيها الكَنائِسُ والبِيَعُ ومَساجِدُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يُشْرِكُونَ في صَلاتِهِمْ في البِيَعِ والكَنائِسِ، فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أرادَ بِالمَساجِدِ البِقاعَ كُلَّها قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا» “ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: الأرْضُ كُلُّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ
صفحة ١٤٤
تَعالى فَلا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِ خالِقِها.
وثالِثُها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المَساجِدُ هي الصَّلَواتُ. فالمَساجِدُ عَلى هَذا القَوْلِ جَمْعُ مَسْجَدٍ بِفَتْحِ الجِيمِ، والمَسْجَدُ عَلى هَذا القَوْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السُّجُودِ.
ورابِعُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَساجِدُ الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ العَبْدُ عَلَيْها وهي سَبْعَةٌ؛ القَدَمانِ والرُّكْبَتانِ واليَدانِ والوَجْهُ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ ابْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ: لِأنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ هي الَّتِي يَقَعُ السُّجُودُ عَلَيْها وهي مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَسْجُدَ العاقِلُ عَلَيْها لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ مَعْنى المَساجِدِ مَواضِعُ السُّجُودِ مِنَ الجَسَدِ واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ.
وخامِسُها: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ بِالمَساجِدِ مَكَّةَ بِجَمِيعِ ما فِيها مِنَ المَساجِدِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَكَّةَ قِبْلَةُ الدُّنْيا وكُلُّ أحَدٍ يَسْجُدُ إلَيْها، قالَ الواحِدِيُّ: وواحِدُ المَساجِدِ عَلى الأقْوالِ كُلِّها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها المَواضِعُ الَّتِي بُنَيَتْ لِلصَّلاةِ فَإنَّ واحِدَها بِكَسْرِ الجِيمِ لِأنَّ المَواضِعَ والمَصادِرَ كُلَّها مِن هَذا البابِ بِفَتْحِ العَيْنِ إلّا في أحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ وهي: المَسْجِدُ والمَطْلِعُ والمَنسِكُ والمَسْكِنُ والمَنبِتُ والمَفْرِقُ والمَسْقِطُ والمَجْزِرُ والمَحْشِرُ والمَشْرِقُ والمَغْرِبُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِها الفَتْحُ وهو المَنسَكُ والمَسْكَنُ والمَفْرَقُ والمَطْلَعُ، وهو جائِزٌ في كُلِّها وإنْ لَمْ يُسْمَعْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ: مِنَ السُّنَّةِ إذا دَخَلَ الرَّجُلُ المَسْجِدَ أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ في ضِمْنِهِ أمْرٌ بِذِكْرِ اللَّهِ وبِدُعائِهِ.
الجن 72:19
النَّوْعُ الرّابِعُ: مِن جُمْلَةِ المُوحى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ هو النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِ الجَمِيعِ، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ هَذا مِن كَلامِ الجِنِّ لا مِن جُمْلَةِ المُوحى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يَلِيقُ أنْ يَحْكِيَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٥] والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المُوحى؛ إذْ لَوْ كانَ مِن كَلامِ الجِنِّ لَكانَ ما لَيْسَ مِن كَلامِ الجِنِّ. وفي خَلَلِ ما هو كَلامُ الجِنِّ مُخْتَلًّا بَعِيدًا عَنْ سَلامَةِ النَّظْمِ، وفائِدَةُ هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مَن جَعَلَهُ مِن جُمْلَةِ المُوحى فَتَحَ الهَمْزَةَ في أنَّ، ومَن جَعَلَهُ مِن كَلامِ الجِنِّ كَسَرَها، ونَحْنُ نُفَسِّرُ الآيَةَ عَلى القَوْلَيْنِ، أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِن جُمْلَةِ المُوحى فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ كادُوا إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: إلى الجِنِّ، ومَعْنى قامَ يَدْعُوهُ أيْ قامَ يَعْبُدُهُ يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا القِراءَةَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا، أيْ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا، وساجِدًا. وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا ما لَمْ يَسْمَعُوا مِثْلَهُ.
والثّانِي: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ مُخالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ، كادَ المُشْرِكُونَ لِتَظاهُرِهِمْ عَلَيْهِ وتَعاوُنِهِمْ عَلى عَداوَتِهِ، يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: وهو قَوْلُ قَتادَةَ، لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ، وتَظاهَرُوا عَلَيْهِ لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ ويُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُظْهِرَهُ عَلى مَن عاداهُ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ، فالوَجْهانِ أيْضًا عائِدانِ فِيهِ، وقَوْلُهُ: (لِبَدًا) فَهو جَمْعُ لِبْدَةٍ وهو ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ وارْتَكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وكُلُّ شَيْءٍ ألْصَقْتَهُ بِشَيْءٍ إلْصاقًا شَدِيدًا فَقَدْ لَبَّدْتَهُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ هَذِهِ اللُّبُودِ الَّتِي تُفْرَشُ. ويُقالُ: لِبْدَةُ الأسَدِ لِما يَتَلَبَّدُ مِنَ الشَّعْرِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
صفحة ١٤٥
[لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ] لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
وقُرِئَ: ”لُبَدًا“ بِضَمِّ اللّامِ واللُّبْدَةُ في مَعْنى اللِّبْدَةِ، وقُرِئَ لُبَّدًا جَمْعَ لابِدٍ كَسُجَّدٍ وساجِدٍ. وقُرِئَ أيْضًا: ”لُبُدًا“ بِضَمِّ اللّامِ والباءِ جَمْعُ لَبُودٍ كَصُبُرٍ جَمْعِ صَبُورٍ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ سُمِّي مُحَمَّدٌ بِعَبْدِ اللَّهِ، وما ذَكَرَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ أوْ نَبِيِّ اللَّهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ إنْ كانَ هَذا الكَلامُ مِن جُمْلَةِ المُوحى، فاللّائِقُ بِتَواضُعِ الرَّسُولِ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ الجِنِّ كانَ المَعْنى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمّا اشْتَغَلَ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لِمَ اجْتَمَعُوا ولِمَ حاوَلُوا مَنعَهُ مِنهُ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ هو المُوافِقُ لِقانُونِ العَقْلِ ؟ .
الجن 72:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ قَرَأ العامَّةُ قالَ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: قُلْ حَتّى يَكُونَ نَظِيرًا لِما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ عادَيْتَ النّاسَ كُلَّهم، فارْجِعْ عَنْ هَذا“ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ وهَذا حُجَّةٌ لِعاصِمٍ وحَمْزَةَ، ومَن قَرَأ ”قالَ“ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ، أجابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ فَحَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ”قالَ“ . أوْ يَكُونُ ذاكَ مِن بَقِيَّةِ حِكايَةِ الجِنِّ أحْوالَ الرَّسُولِ لِقَوْمِهِمْ.
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ إمّا أنْ يُفَسَّرَ الرَّشَدُ بِالنَّفْعِ حَتّى يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رَشَدًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ غَيًّا ولا رَشَدًا، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ النّافِعَ والضّارَّ، والمُرْشِدَ والمُغْوِيَ هو اللَّهُ، وإنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهم قالُوا: اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مَلْجَأً وحِرْزًا، قالَ المُبَرِّدُ: مُلْتَحَدًا مِثْلُ قَوْلِكَ مُنْعَرَجًا، والتَحَدَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ مالَ، فالمُلْتَحَدُ المَدْخَلُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ السِّرْبِ الذّاهِبِ في الأرْضِ.
الجن 72:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ قَرَأ العامَّةُ قالَ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: قُلْ حَتّى يَكُونَ نَظِيرًا لِما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ عادَيْتَ النّاسَ كُلَّهم، فارْجِعْ عَنْ هَذا“ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ وهَذا حُجَّةٌ لِعاصِمٍ وحَمْزَةَ، ومَن قَرَأ ”قالَ“ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ، أجابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ فَحَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ”قالَ“ . أوْ يَكُونُ ذاكَ مِن بَقِيَّةِ حِكايَةِ الجِنِّ أحْوالَ الرَّسُولِ لِقَوْمِهِمْ.
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ إمّا أنْ يُفَسَّرَ الرَّشَدُ بِالنَّفْعِ حَتّى يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رَشَدًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ غَيًّا ولا رَشَدًا، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ النّافِعَ والضّارَّ، والمُرْشِدَ والمُغْوِيَ هو اللَّهُ، وإنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهم قالُوا: اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مَلْجَأً وحِرْزًا، قالَ المُبَرِّدُ: مُلْتَحَدًا مِثْلُ قَوْلِكَ مُنْعَرَجًا، والتَحَدَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ مالَ، فالمُلْتَحَدُ المَدْخَلُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ السِّرْبِ الذّاهِبِ في الأرْضِ.
الجن 72:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ قَرَأ العامَّةُ قالَ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: قُلْ حَتّى يَكُونَ نَظِيرًا لِما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ عادَيْتَ النّاسَ كُلَّهم، فارْجِعْ عَنْ هَذا“ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ وهَذا حُجَّةٌ لِعاصِمٍ وحَمْزَةَ، ومَن قَرَأ ”قالَ“ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ، أجابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ فَحَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ”قالَ“ . أوْ يَكُونُ ذاكَ مِن بَقِيَّةِ حِكايَةِ الجِنِّ أحْوالَ الرَّسُولِ لِقَوْمِهِمْ.
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ إمّا أنْ يُفَسَّرَ الرَّشَدُ بِالنَّفْعِ حَتّى يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رَشَدًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ غَيًّا ولا رَشَدًا، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ النّافِعَ والضّارَّ، والمُرْشِدَ والمُغْوِيَ هو اللَّهُ، وإنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهم قالُوا: اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مَلْجَأً وحِرْزًا، قالَ المُبَرِّدُ: مُلْتَحَدًا مِثْلُ قَوْلِكَ مُنْعَرَجًا، والتَحَدَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ مالَ، فالمُلْتَحَدُ المَدْخَلُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ السِّرْبِ الذّاهِبِ في الأرْضِ.
الجن 72:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ ذَكَرُوا في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: (لا أمْلِكُ) أيْ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وقَعَتْ في البَيْنِ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ وبَيانِ عَجْزِهِ، عَلى مَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ أرادَ بِهِ سُوءًا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
وثانِيها: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: (مُلْتَحَدًا) والمَعْنى: ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مَلْجَأً إلّا بَلاغًا، أيْ لا يُنْجِينِي إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما أُرْسِلْتُ بِهِ، وأقُولُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَقُلْ: ولَنْ أجِدَ مُلْتَحَدًا، بَلْ قالَ: ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا،
صفحة ١٤٦
والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّ البَلاغَ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.
ثالِثُها: قالَ بَعْضُهم: (إلّا) مَعْناهُ إنْ، ومَعْناهُ: إنْ لا أُبَلِّغْ بَلاغًا كَقَوْلِكَ: (إلّا) قِيامًا فَقُعُودًا، والمَعْنى: إنْ لا أُبَلِّغْ، لَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا، فَإنْ قِيلَ: المَشْهُورُ أنَّهُ يُقالُ: بَلَّغَ عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«بَلِّغُوا عَنِّي، بَلِّغُوا عَنِّي» “ فَلِمَ قالَ هَهُنا: ﴿بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ قُلْنا مِن لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لِلتَّبَلُّغِ إنَّما هي بِمَنزِلَةِ مِن في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١] بِمَعْنى بَلاغًا كائِنًا مِنَ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ورِسالاتِهِ) فَهو عَطْفٌ عَلى بَلاغًا كَأنَّهُ قالَ: لا أمْلِكُ لَكم إلّا التَّبْلِيغَ والرِّسالاتِ، والمَعْنى إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، فَأقُولُ قالَ اللَّهُ كَذا ناسِبًا القَوْلَ إلَيْهِ، وأنْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ مَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ لِأنَّ ما بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ مَوْضِعُ ابْتِداءٍ ولِذَلِكَ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ عَلى أنَّ المُبْتَدَأ فِيها مُضْمَرٌ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وقُرِئَ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، كَقَوْلِكَ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] أيْ فَحُكْمُهُ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حَمْلًا عَلى مَعْنى الجَمْعِ في مَن وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ مُخَلَّدُونَ في النّارِ، وأنَّ هَذا العُمُومَ يَشْمَلُهم كَشُمُولِهِ الكُفّارَ، قالُوا: وهَذا الوَعِيدُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ تَوْبَةٌ ولا طاعَةٌ أعْظَمَ مِنها، قالُوا: وهَذا العُمُومُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ مِن سائِرِ العُمُوماتِ؛ لِأنَّ سائِرَ العُمُوماتِ ما جاءَ فِيها قَوْلُهُ: (أبَدًا) فالمُخالِفُ يَحْمِلُ الخُلُودَ عَلى المُكْثِ الطَّوِيلِ، أمّا هَهُنا [فَقَدْ] جاءَ لَفْظُ الأبَدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ صَرِيحًا في إسْقاطِ الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُخالِفُ (والجَوابُ) أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ وُجُوهَ الأجْوِبَةِ عَلى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ العُمُوماتِ، ونُزِيدُ هَهُنا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ تَخْصِيصَ العُمُومِ بِالواقِعَةِ الَّتِي لِأجْلِها ورَدَ ذَلِكَ العُمُومُ عُرْفٌ مَشْهُورٌ، فَإنَّ المَرْأةَ إذا أرادَتْ أنْ تَخْرُجَ مِنَ الدّارِ ساعَةً، فَقالَ الزَّوْجُ: إنْ خَرَجْتِ فَأنْتِ طالِقٌ يُفِيدُ ذَلِكَ اليَمِينَ بِتِلْكَ السّاعَةِ المُعَيَّنَةِ حَتّى إنَّها لَوْ خَرَجَتْ في يَوْمٍ آخَرَ لَمْ تُطَلَّقْ، فَهَهُنا أجْرى الحَدِيثَ في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ مَن يَعْصِ اللَّهَ في تَبْلِيغِ رِسالاتِهِ وأداءِ وحْيِهِ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، وإذا كانَ ما ذَكَرْنا مُحْتَمَلًا سَقَطَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ هَذا الوَعِيدَ لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ هَذِهِ الصُّورَةَ؛ لِأنَّ مِنَ القَبِيحِ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ هَذِهِ الواقِعَةِ حُكْمًا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِها، فَيَكُونُ هَذا الوَعِيدُ وعِيدًا عَلى تَرْكِ التَّبْلِيغِ مِنَ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ التَّبْلِيغِ مِنَ اللَّهِ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، والعُقُوبَةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى أعْظَمِ الذُّنُوبِ، لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُرَتَّبَةً عَلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ المُتَفاوِتَةَ في الصِّغَرِ والكِبَرِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً في العُقُوبَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ عَلى هَذا الذَّنْبِ، وثَبَتَ أنَّ ما كانَ عُقُوبَةً عَلى هَذا الذَّنْبِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى سائِرِ الذُّنُوبِ، عَلِمْنا أنَّ هَذا الحَكَمَ مُخْتَصٌّ بِهَذا الذَّنْبِ وغَيْرُ مُتَعَدٍّ إلى سائِرِ الذُّنُوبِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عُمُوماتِ الوَعِيدِ في سائِرِ آياتِ القُرْآنِ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِقَيْدِ الأبَدِ، وذَكَرَها هَهُنا بِقَيْدِ الأبَدِ، فَلا بُدَّ في هَذا التَّخْصِيصِ مِن سَبَبٍ، ولا سَبَبَ إلّا أنَّ هَذا الذَّنْبَ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، وإذا كانَ السَّبَبُ في هَذا التَّخْصِيصِ هَذا المَعْنى، عَلِمْنا أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِهَذا الذَّنْبِ وغَيْرُ مُتَعَدٍّ إلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِفاعِلِ هَذا
صفحة ١٤٧
الذَّنْبِ، صارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ حالَ سائِرِ المُذْنِبِينَ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافِرُونَ: ٦] أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم. وإذا ثَبَتَ أنَّ لَهم هَذِهِ الحالَةَ لا لِغَيْرِهِمْ، وجَبَ في سائِرِ المُذْنِبِينَ أنْ لا يَكُونَ لَهم نارُ جَهَنَّمَ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ لَنا عَلَيْهِمْ. وعَلى تَمَسُّكِهِمْ بِالآيَةِ سُؤالٌ آخَرُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي، وذَلِكَ هو الكافِرُ، ونَحْنُ نَقُولُ بِأنَّ الكافِرَ يَبْقى في النّارِ مُؤَبَّدًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن عَصى اللَّهَ بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ جَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي عَنْهُ، مِثْلُ أنْ يُقالَ: ومَن يَعْصِ اللَّهَ إلّا في الكُفْرِ وإلّا في الزِّنا، وإلّا في شُرْبِ الخَمْرِ، ومِن مَذْهَبِ القائِلِينَ بِالوَعِيدِ أنَّ حُكْمَ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَكانَ داخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ مُتَناوِلًا لِمَن أتى بِكُلِّ المَعاصِي، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ هو الكافِرُ، فالآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَسَقَطَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها. فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ الإنْسانِ الواحِدِ آتِيًا لِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي مُحالٌ؛ لِأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ قائِلًا بِالتَّجْسِيمِ، وأنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ قائِلًا بِالتَّعْطِيلِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مُحالًا فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ جائِزٍ، قُلْنا: تَخْصِيصُ العامِّ بِدَلِيلِ العَقْلِ جائِزٌ، فَقَوْلُنا: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي، تَرَكَ العَمَلَ بِهِ في القَدْرِ الَّذِي امْتَنَعَ عَقْلًا حُصُولُهُ فَيَبْقى مُتَناوِلًا لِلْآتِي بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَها. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الكُفْرِ وغَيْرِهِ مُمْكِنٌ فَتَكُونُ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ القائِلُونَ بِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: تارِكُ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦]، ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٩] والعاصِي مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ .
الجن 72:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: ما الشَّيْءُ الَّذِي جَعَلَ ما بَعْدَ حَتّى غايَةً لَهُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ والتَّقْدِيرُ أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهُ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، فَسَيَعْلَمُونَ أيُّهم أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا.
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، حَتّى إذا كانَ كَذا كانَ كَذا، واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في مَرْيَمَ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾ [مَرْيَمَ: ٧٥] واعْلَمْ أنَّ الكافِرَ لا ناصِرَ لَهُ ولا شَفِيعَ يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى ما قالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافِرٍ: ١٨] ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] ويَفِرُّ كُلُّ أحَدٍ مِنهم مِن صاحِبِهِ، عَلى ما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] إلى آخِرِهِ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلَهُمُ العِزَّةُ والكَرامَةُ والكَثْرَةُ قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾
صفحة ١٤٨
[الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] والمَلِكُ القُدُّوسُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَهُناكَ يَظْهَرُ أنَّ القُوَّةَ والعَدَدَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ أوْ في جانِبِ الكُفّارِ.
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: مَتى يَكُونُ هَذا الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ إلى آخِرِهِ والمَعْنى أنَّ وُقُوعَهُ مُتَيَقَّنٌ، أمّا وقْتُ وُقُوعِهِ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ أيْ: غايَةً وبُعْدًا وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٩] فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ: ”بُعِثْتُ أنا والسّاعَةَ كَهاتَيْنِ“ فَكانَ عالِمًا بِقُرْبِ وُقُوعِ القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: هَهُنا لا أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ قُلْنا: المُرادُ بِقُرْبِ وُقُوعِهِ هو أنَّ ما بَقِيَ مِنَ الدُّنْيا أقَلُّ مِمّا انْقَضى، فَهَذا القَدْرُ مِنَ القُرْبِ مَعْلُومٌ، وأمّا مَعْنى مَعْرِفَةِ القُرْبِ القَرِيبِ وعَدَمِ ذَلِكَ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ.
الجن 72:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: ما الشَّيْءُ الَّذِي جَعَلَ ما بَعْدَ حَتّى غايَةً لَهُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ والتَّقْدِيرُ أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهُ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، فَسَيَعْلَمُونَ أيُّهم أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا.
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، حَتّى إذا كانَ كَذا كانَ كَذا، واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في مَرْيَمَ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾ [مَرْيَمَ: ٧٥] واعْلَمْ أنَّ الكافِرَ لا ناصِرَ لَهُ ولا شَفِيعَ يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى ما قالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافِرٍ: ١٨] ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] ويَفِرُّ كُلُّ أحَدٍ مِنهم مِن صاحِبِهِ، عَلى ما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] إلى آخِرِهِ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلَهُمُ العِزَّةُ والكَرامَةُ والكَثْرَةُ قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾
صفحة ١٤٨
[الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] والمَلِكُ القُدُّوسُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَهُناكَ يَظْهَرُ أنَّ القُوَّةَ والعَدَدَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ أوْ في جانِبِ الكُفّارِ.
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: مَتى يَكُونُ هَذا الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ إلى آخِرِهِ والمَعْنى أنَّ وُقُوعَهُ مُتَيَقَّنٌ، أمّا وقْتُ وُقُوعِهِ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ أيْ: غايَةً وبُعْدًا وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٩] فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ: ”بُعِثْتُ أنا والسّاعَةَ كَهاتَيْنِ“ فَكانَ عالِمًا بِقُرْبِ وُقُوعِ القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: هَهُنا لا أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ قُلْنا: المُرادُ بِقُرْبِ وُقُوعِهِ هو أنَّ ما بَقِيَ مِنَ الدُّنْيا أقَلُّ مِمّا انْقَضى، فَهَذا القَدْرُ مِنَ القُرْبِ مَعْلُومٌ، وأمّا مَعْنى مَعْرِفَةِ القُرْبِ القَرِيبِ وعَدَمِ ذَلِكَ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ.
الجن 72:26
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ لَفْظَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: مِن رَسُولٍ تَبْيِينٌ لِمَنِ ارْتَضى يَعْنِي أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى الغَيْبِ إلّا المُرْتَضى الَّذِي يَكُونُ رَسُولًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي هَذا إبْطالُ الكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ الكَراماتُ إلَيْهِمْ وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ، وفِيها أيْضًا إبْطالُ الكِهانَةِ والسِّحْرِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَها أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السَّخَطِ، قالَ الواحِدِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّهُ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ.
واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ يُجَوِّزُ الكَراماتِ، وأنْ يُلْهِمَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ وُقُوعَ بَعْضِ الوَقائِعِ في المُسْتَقْبَلِ. ونِسْبَةُ الآيَةِ إلى الصُّورَتَيْنِ واحِدَةٌ فَإنْ جَعَلَ الآيَةَ دالَّةً عَلى المَنعِ مِنَ أحْكامِ النُّجُومِ فَيَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَها دالَّةً عَلى المَنعِ مِنَ الكَراماتِ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وإنْ زَعَمَ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الإلْهاماتِ الحاصِلَةِ لِلْأوْلِياءِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها دالَّةً عَلى المَنعِ مِنَ الدَّلائِلِ النُّجُومِيَّةِ، فَأمّا التَّحَكُّمُ بِدَلالَتِها عَلى المَنعِ مِنَ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ وعَدَمِ دَلالَتِها عَلى الإلْهاماتِ الحاصِلَةِ لِلْأوْلِياءِ فَمُجَرَّدُ التَّشَهِّي، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ تَعالى خَلْقَهُ عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ فَنَحْمِلَهُ عَلى وقْتِ وُقُوعِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُظْهِرُ هَذا الغَيْبَ لِأحَدٍ، فَلا يَبْقى في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ يَعْنِي لا أدْرِي وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ أيْ وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُظْهِرُهُ اللَّهُ لِأحَدٍ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُضافٌ، فَيَكْفِي في العَمَلِ بِهِ حَمْلُهُ عَلى غَيْبٍ واحِدٍ، فَأمّا العُمُومُ فَلَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: فَإذا حَمَلْتُمْ ذَلِكَ عَلى القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يُظْهِرُ هَذا الغَيْبَ لِأحَدٍ مِن رُسُلِهِ ؟ قُلْنا: بَلْ يُظْهِرُهُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ إقامَةِ القِيامَةِ، وكَيْفَ لا وقَدْ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٥] ولا شَكَّ أنَّ المَلائِكَةَ
صفحة ١٤٩
يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِيامَ القِيامَةِ، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، كَأنَّهُ قالَ: عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المَخْصُوصِ وهو قِيامُ القِيامَةِ أحَدًا، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: لَكِنْ مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ جَوابًا لِسُؤالِ مَن سَألَهُ عَنْ وقْتِ وُقُوعِ القِيامَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، والِاسْتِحْقارِ لِدِينِهِ ومَقالَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُطْلِعَ أحَدًا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ إلّا الرُّسُلَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّواتُرِ أنَّ شَقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ يُخْبِرانِ بِظُهُورِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ، حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُطْلِعُ غَيْرَ الرُّسُلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغَيْبِ.
وثانِيها: أنَّ جَمِيعَ أرْبابِ المِلَلِ والأدْيانِ مُطْبِقُونَ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وأنَّ المُعَبِّرَ قَدْ يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِ الوَقائِعِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَكُونُ صادِقًا فِيهِ.
وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مُلْكِ شاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ، وسَألَها عَنِ الأحْوالِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ فَذَكَرَتْ أشْياءَ، ثُمَّ إنَّها وقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها.
(قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ) خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالحُسْنى: وأنا قَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ، حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ إخْبارًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وجاءَتْ تِلْكَ الوَقائِعُ عَلى وفْقِ خَبَرِها، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ في كِتابِ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها، وقالَ: لَقَدْ تَفَحَّصْتُ عَنْ حالِها مُدَّةَ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ إخْبارًا مُطابِقًا.
ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ [ذَلِكَ] في أصْحابِ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، ولَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ بَلْ قَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ أيْضًا مَن يَكُونُ كَذَلِكَ، نَرى الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ سَهْمُ الغَيْبِ عَلى دَرَجَةِ طالِعِهِ يَكُونُ كَذَلِكَ في كَثِيرٍ مِن أخْبارِهِ وإنْ كانَ قَدْ يَكْذِبُ أيْضًا في أكْثَرِ تِلْكَ الأخْبارِ، ونَرى الأحْكامَ النُّجُومِيَّةَ قَدْ تَكُونُ مُطابِقَةً ومُوافِقَةً لِلْأُمُورِ، وإنْ كانُوا قَدْ يَكْذِبُونَ في كَثِيرٍ مِنها، وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنَ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ فَعَلِمْنا أنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الجن 72:27
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْ مَنِ ارْتَضى لِلرِّسالَةِ، ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا أيْ حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ مِن وساوِسِ شَياطِينِ الجِنِّ وتَخالِيطِهِمْ، حَتّى يَبْلُغَ ما أوْحى بِهِ إلَيْهِ، ومِن زَحْمَةِ شَياطِينِ الإنْسِ حَتّى لا يُؤْذُونَهُ ولا يَضُرُّونَهُ وعَنِ الضَّحّاكِ ما بُعِثَ نَبِيٌّ إلّا ومَعَهُ مَلائِكَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِصُورَةِ المَلَكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وحَّدَ الرَّسُولُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ ثُمَّ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾ .
صفحة ١٥٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِحُدُوثِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا الرِّسالَةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] (والجَوابُ) مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: لِيَعْلَمَ مُحَمَّدٌ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ أبْلَغُوا الرِّسالَةَ كَما بَلَّغَ هو الرِّسالَةَ، وعَلى هَذا، اللّامُ في قَوْلِهِ: (لَيَعْلَمَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبَرْناهُ بِحِفْظِ الوَحْيِ لِيَعْلَمَ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ كانُوا عَلى مِثْلِ حالَتِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا أيْ جِبْرِيلُ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ يُبْعَثُونَ إلى الرُّسُلِ رِسالاتِ رَبِّهِمْ، فَلا يَشُكُّ فِيها ويَعْلَمُ أنَّها حَقٌّ مِنَ اللَّهِ.
الثّانِي: وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ المُحَقِّقِينَ أنَّ المَعْنى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغَ الأنْبِياءُ رِسالاتِ رَبِّهِمْ، والعِلْمُ هَهُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٢] والمَعْنى لِيُبَلِّغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ، فَيَعْلَمَ ذَلِكَ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ لِيُعْلَمَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
الجن 72:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، فَإنْ قِيلَ: إحْصاءُ العَدَدِ إنَّما يَكُونُ في المُتَناهِي، وقَوْلُهُ: (كُلَّ شَيْءٍ) يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَناهٍ، فَلَزِمَ وُقُوعُ التَّناقُضِ في الآيَةِ، قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ إحْصاءَ العَدَدِ إنَّما يَكُونُ في المُتَناهِي، فَأمّا لَفْظَةُ ”كُلَّ شَيْءٍ“ فَإنَّها لا تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَناهٍ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ عِنْدَنا هو المَوْجُوداتُ، والمَوْجُوداتُ مُتَناهِيَةٌ في العَدَدِ، وهَذِهِ الآيَةُ أحَدُ ما يُحْتَجُّ بِهِ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْدُومَ لَوْ كانَ شَيْئًا، لَكانَتِ الأشْياءُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ المُحْصَياتِ مُتَناهِيَةً، فَيَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِها مُتَناهِيَةً وغَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ مُحالٌ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتّى يَنْدَفِعَ هَذا التَّناقُضُ.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وخاتَمِ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.