Tafsir Al-Razi — الانفطار 82:1 – المطففين 83:26
المحتويات
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:16
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
- المطففين 83:1
- المطففين 83:2
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:9
- المطففين 83:10
- المطففين 83:11
- المطففين 83:12
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:18
- المطففين 83:19
- المطففين 83:20
- المطففين 83:21
- المطففين 83:22
- المطففين 83:23
- المطففين 83:24
- المطففين 83:25
- المطففين 83:26
الانفطار 82:1
صفحة ٧٠
[ سُورَةُ الِانْفِطارِ ]
تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةًبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
﷽
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ إذا وقَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ، فَهُناكَ يَحْصُلُ الحَشْرُ والنَّشْرُ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ مَقاماتٌ.
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ وهي هاهُنا أرْبَعَةٌ؛ اثْنانِ مِنها تَتَعَلَّقُ بِالعُلْوِيّاتِ، واثْنانِ آخَرانِ تَتَعَلَّقُ بِالسُّفْلِيّاتِ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] و﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ يَأْتِ هَذا عَلى الفِعْلِ، بَلْ هو كَقَوْلِهِمْ: مُرْضِعٌ وحائِضٌ، ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ لَكانَ مُنْفَطِرَةً، كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أمّا الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّ عِنْدَ انْتِقاضِ تَرْكِيبِ السَّماءِ لا بُدَّ مِنَ انْتِثارِ الكَواكِبِ عَلى الأرْضِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في بَعْضِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ، ودَلِيلُنا عَلى إمْكانِ ذَلِكَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في كَوْنِها أجْسامًا، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ، إنَّما قُلْنا: إنَّها مُتَماثِلَةٌ لِأنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُها إلى السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فالعُلْوِيّاتُ والسُّفْلِيّاتُ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها أجْسامٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى العُلْوِيّاتِ ما يَصِحُّ عَلى السُّفْلِيّاتِ، لِأنَّ المُتَماثِلاتِ حُكْمُها واحِدٌ فَمَتى يَصِحُّ حُكْمٌ عَلى واحِدٍ مِنها، وجَبَ أنْ
صفحة ٧١
يَصِحَّ عَلى الباقِي، وأمّا الِاثْنانِ السُّفْلِيّانِ: فَأحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ يَنْفُذُ بَعْضُ البَحّارِ في البَعْضِ بِارْتِفاعِ الحاجِزِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَرْزَخًا، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ الكُلُّ بَحْرًا واحِدًا، وإنَّما يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الحاجِزُ لِتَزَلْزُلِ الأرْضِ وتَصَدُّعِها.
وثانِيها: أنَّ مِياهَ البِحارِ الآنَ راكِدَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فَإذا فُجِّرَتْ تَفَرَّقَتْ وذَهَبَ ماؤُها.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: فُجِّرَتْ أيْ يَبَسَتْ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فالمُرادُ أنَّهُ تَتَغَيَّرُ البِحارُ عَنْ صُورَتِها الأصْلِيَّةِ وصِفَتِها، وهو كَما ذُكِرَ أنَّهُ تَغَيَّرُ الأرْضِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وتَغَيُّرُ الجِبالِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ورابِعُها: قَرَأ بَعْضُهم: ”فُجِرَتْ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”فَجَرَتْ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والتَّخْفِيفِ، بِمَعْنى بَغَتْ لِزَوالِ البَرْزَخِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] لِأنَّ البَغْيَ والفُجُورَ أخَوانِ.
وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فاعْلَمْ أنْ بُعْثِرَ وبُحْثِرَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومُرَكَّبانِ مِنَ البَعْثِ والبَحْثِ مَعَ راءٍ مَضْمُومَةٍ إلَيْهِما، والمَعْنى أُثِيرَتْ، وقُلِبَ أسْفَلُها أعْلاها وباطِنُها ظاهِرُها، ثُمَّ هاهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُبُورَ تُبَعْثَرُ بِأنْ يَخْرُجَ ما فِيها مِنَ المَوْتى أحْياءً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
والثّانِي: أنَّها تُبَعْثَرُ لِإخْراجِ ما في بَطْنِها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُخْرِجَ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها مِن ذَهَبِها وفِضَّتِها، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ المَوْتى، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ دَلالَةَ القُبُورِ عَلى الأوَّلِ أتَمُّ.
المَقامُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآياتِ بَيانُ تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الدُّنْيا، وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، والسَّماءُ كالسَّقْفِ، والأرْضُ كالبِناءِ، ومَن أرادَ تَخْرِيبَ دارٍ، فَإنَّهُ يَبْدَأُ أوَّلًا بِتَخْرِيبِ السَّقْفِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ثُمَّ يَلْزَمُ مِن تَخْرِيبِ السَّماءِ انْتِثارُ الكَواكِبِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَخْرِيبِ السَّماءِ والكَواكِبِ يُخَرِّبُ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُخَرِّبُ آخِرَ الأمْرِ الأرْضَ الَّتِي هي البِناءُ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى قَلْبِ الأرْضِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وبَطْنًا لِظَهْرٍ.
المَقامُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والتَّرْغِيبُ في الطّاعَةِ، أيْ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ في هَذا اليَوْمِ ما قَدَّمَ، فَلَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ، وما أخَّرَ فَقَصَّرَ فِيهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ يَقْتَضِي فِعْلًا و(وأخَّرَتْ) يَقْتَضِي تَرْكًا، فَهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي فِعْلًا وتَرْكًا وتَقْصِيرًا وتَوْفِيرًا، فَإنْ كانَ قَدَّمَ الكَبائِرَ وأخَّرَ العَمَلَ الصّالِحَ فَمَأْواهُ النّارُ، وإنْ كانَ قَدَّمَ العَمَلَ الصّالِحَ وأخَّرَ الكَبائِرَ فَمَأْواهُ الجَنَّةُ.
وثانِيها: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ أدْخَلَهُ في الوُجُودِ وما أخَّرَتْ مِن سُنَّةٍ يَسْتَنُّ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الفَرائِضِ وما أخَّرَتْ أيْ ما ضَيَّعَتْ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الأعْمالِ في أوَّلِ عُمُرِها وما أخَّرَتْ في آخِرِ عُمُرِها، فَإنْ قِيلَ: وفي أيِّ مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ القِيامَةِ يَحْصُلُ هَذا العِلْمُ ؟ قُلْنا: أمّا العِلْمُ الإجْمالِيُّ فَيَحْصُلُ في أوَّلِ زَمانِ الحَشْرِ، لِأنَّ المُطِيعَ يَرى آثارَ السَّعادَةِ، والعاصِيَ يَرى آثارَ الشَّقاوَةِ في أوَّلِ الأمْرِ.
وأمّا العِلْمُ التَّفْصِيلُ، فَإنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ قِراءَةِ الكُتُبِ والمُحاسَبَةِ.
صفحة ٧٢
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ قِيلَ: قِيامُ القِيامَةِ بَلْ عِنْدَ ظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، وحِينَ لا يَنْفَعُ العَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَيَكُونُ ما عَمِلَهُ الإنْسانُ إلى تِلْكَ الغايَةِ، هو أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، لِأنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الانفطار 82:2
صفحة ٧٠
[ سُورَةُ الِانْفِطارِ ]
تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةًبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
﷽
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ إذا وقَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ، فَهُناكَ يَحْصُلُ الحَشْرُ والنَّشْرُ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ مَقاماتٌ.
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ وهي هاهُنا أرْبَعَةٌ؛ اثْنانِ مِنها تَتَعَلَّقُ بِالعُلْوِيّاتِ، واثْنانِ آخَرانِ تَتَعَلَّقُ بِالسُّفْلِيّاتِ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] و﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ يَأْتِ هَذا عَلى الفِعْلِ، بَلْ هو كَقَوْلِهِمْ: مُرْضِعٌ وحائِضٌ، ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ لَكانَ مُنْفَطِرَةً، كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أمّا الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّ عِنْدَ انْتِقاضِ تَرْكِيبِ السَّماءِ لا بُدَّ مِنَ انْتِثارِ الكَواكِبِ عَلى الأرْضِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في بَعْضِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ، ودَلِيلُنا عَلى إمْكانِ ذَلِكَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في كَوْنِها أجْسامًا، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ، إنَّما قُلْنا: إنَّها مُتَماثِلَةٌ لِأنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُها إلى السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فالعُلْوِيّاتُ والسُّفْلِيّاتُ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها أجْسامٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى العُلْوِيّاتِ ما يَصِحُّ عَلى السُّفْلِيّاتِ، لِأنَّ المُتَماثِلاتِ حُكْمُها واحِدٌ فَمَتى يَصِحُّ حُكْمٌ عَلى واحِدٍ مِنها، وجَبَ أنْ
صفحة ٧١
يَصِحَّ عَلى الباقِي، وأمّا الِاثْنانِ السُّفْلِيّانِ: فَأحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ يَنْفُذُ بَعْضُ البَحّارِ في البَعْضِ بِارْتِفاعِ الحاجِزِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَرْزَخًا، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ الكُلُّ بَحْرًا واحِدًا، وإنَّما يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الحاجِزُ لِتَزَلْزُلِ الأرْضِ وتَصَدُّعِها.
وثانِيها: أنَّ مِياهَ البِحارِ الآنَ راكِدَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فَإذا فُجِّرَتْ تَفَرَّقَتْ وذَهَبَ ماؤُها.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: فُجِّرَتْ أيْ يَبَسَتْ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فالمُرادُ أنَّهُ تَتَغَيَّرُ البِحارُ عَنْ صُورَتِها الأصْلِيَّةِ وصِفَتِها، وهو كَما ذُكِرَ أنَّهُ تَغَيَّرُ الأرْضِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وتَغَيُّرُ الجِبالِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ورابِعُها: قَرَأ بَعْضُهم: ”فُجِرَتْ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”فَجَرَتْ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والتَّخْفِيفِ، بِمَعْنى بَغَتْ لِزَوالِ البَرْزَخِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] لِأنَّ البَغْيَ والفُجُورَ أخَوانِ.
وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فاعْلَمْ أنْ بُعْثِرَ وبُحْثِرَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومُرَكَّبانِ مِنَ البَعْثِ والبَحْثِ مَعَ راءٍ مَضْمُومَةٍ إلَيْهِما، والمَعْنى أُثِيرَتْ، وقُلِبَ أسْفَلُها أعْلاها وباطِنُها ظاهِرُها، ثُمَّ هاهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُبُورَ تُبَعْثَرُ بِأنْ يَخْرُجَ ما فِيها مِنَ المَوْتى أحْياءً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
والثّانِي: أنَّها تُبَعْثَرُ لِإخْراجِ ما في بَطْنِها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُخْرِجَ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها مِن ذَهَبِها وفِضَّتِها، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ المَوْتى، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ دَلالَةَ القُبُورِ عَلى الأوَّلِ أتَمُّ.
المَقامُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآياتِ بَيانُ تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الدُّنْيا، وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، والسَّماءُ كالسَّقْفِ، والأرْضُ كالبِناءِ، ومَن أرادَ تَخْرِيبَ دارٍ، فَإنَّهُ يَبْدَأُ أوَّلًا بِتَخْرِيبِ السَّقْفِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ثُمَّ يَلْزَمُ مِن تَخْرِيبِ السَّماءِ انْتِثارُ الكَواكِبِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَخْرِيبِ السَّماءِ والكَواكِبِ يُخَرِّبُ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُخَرِّبُ آخِرَ الأمْرِ الأرْضَ الَّتِي هي البِناءُ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى قَلْبِ الأرْضِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وبَطْنًا لِظَهْرٍ.
المَقامُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والتَّرْغِيبُ في الطّاعَةِ، أيْ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ في هَذا اليَوْمِ ما قَدَّمَ، فَلَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ، وما أخَّرَ فَقَصَّرَ فِيهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ يَقْتَضِي فِعْلًا و(وأخَّرَتْ) يَقْتَضِي تَرْكًا، فَهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي فِعْلًا وتَرْكًا وتَقْصِيرًا وتَوْفِيرًا، فَإنْ كانَ قَدَّمَ الكَبائِرَ وأخَّرَ العَمَلَ الصّالِحَ فَمَأْواهُ النّارُ، وإنْ كانَ قَدَّمَ العَمَلَ الصّالِحَ وأخَّرَ الكَبائِرَ فَمَأْواهُ الجَنَّةُ.
وثانِيها: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ أدْخَلَهُ في الوُجُودِ وما أخَّرَتْ مِن سُنَّةٍ يَسْتَنُّ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الفَرائِضِ وما أخَّرَتْ أيْ ما ضَيَّعَتْ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الأعْمالِ في أوَّلِ عُمُرِها وما أخَّرَتْ في آخِرِ عُمُرِها، فَإنْ قِيلَ: وفي أيِّ مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ القِيامَةِ يَحْصُلُ هَذا العِلْمُ ؟ قُلْنا: أمّا العِلْمُ الإجْمالِيُّ فَيَحْصُلُ في أوَّلِ زَمانِ الحَشْرِ، لِأنَّ المُطِيعَ يَرى آثارَ السَّعادَةِ، والعاصِيَ يَرى آثارَ الشَّقاوَةِ في أوَّلِ الأمْرِ.
وأمّا العِلْمُ التَّفْصِيلُ، فَإنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ قِراءَةِ الكُتُبِ والمُحاسَبَةِ.
صفحة ٧٢
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ قِيلَ: قِيامُ القِيامَةِ بَلْ عِنْدَ ظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، وحِينَ لا يَنْفَعُ العَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَيَكُونُ ما عَمِلَهُ الإنْسانُ إلى تِلْكَ الغايَةِ، هو أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، لِأنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الانفطار 82:3
صفحة ٧٠
[ سُورَةُ الِانْفِطارِ ]
تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةًبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
﷽
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ إذا وقَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ، فَهُناكَ يَحْصُلُ الحَشْرُ والنَّشْرُ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ مَقاماتٌ.
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ وهي هاهُنا أرْبَعَةٌ؛ اثْنانِ مِنها تَتَعَلَّقُ بِالعُلْوِيّاتِ، واثْنانِ آخَرانِ تَتَعَلَّقُ بِالسُّفْلِيّاتِ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] و﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ يَأْتِ هَذا عَلى الفِعْلِ، بَلْ هو كَقَوْلِهِمْ: مُرْضِعٌ وحائِضٌ، ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ لَكانَ مُنْفَطِرَةً، كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أمّا الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّ عِنْدَ انْتِقاضِ تَرْكِيبِ السَّماءِ لا بُدَّ مِنَ انْتِثارِ الكَواكِبِ عَلى الأرْضِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في بَعْضِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ، ودَلِيلُنا عَلى إمْكانِ ذَلِكَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في كَوْنِها أجْسامًا، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ، إنَّما قُلْنا: إنَّها مُتَماثِلَةٌ لِأنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُها إلى السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فالعُلْوِيّاتُ والسُّفْلِيّاتُ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها أجْسامٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى العُلْوِيّاتِ ما يَصِحُّ عَلى السُّفْلِيّاتِ، لِأنَّ المُتَماثِلاتِ حُكْمُها واحِدٌ فَمَتى يَصِحُّ حُكْمٌ عَلى واحِدٍ مِنها، وجَبَ أنْ
صفحة ٧١
يَصِحَّ عَلى الباقِي، وأمّا الِاثْنانِ السُّفْلِيّانِ: فَأحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ يَنْفُذُ بَعْضُ البَحّارِ في البَعْضِ بِارْتِفاعِ الحاجِزِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَرْزَخًا، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ الكُلُّ بَحْرًا واحِدًا، وإنَّما يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الحاجِزُ لِتَزَلْزُلِ الأرْضِ وتَصَدُّعِها.
وثانِيها: أنَّ مِياهَ البِحارِ الآنَ راكِدَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فَإذا فُجِّرَتْ تَفَرَّقَتْ وذَهَبَ ماؤُها.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: فُجِّرَتْ أيْ يَبَسَتْ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فالمُرادُ أنَّهُ تَتَغَيَّرُ البِحارُ عَنْ صُورَتِها الأصْلِيَّةِ وصِفَتِها، وهو كَما ذُكِرَ أنَّهُ تَغَيَّرُ الأرْضِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وتَغَيُّرُ الجِبالِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ورابِعُها: قَرَأ بَعْضُهم: ”فُجِرَتْ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”فَجَرَتْ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والتَّخْفِيفِ، بِمَعْنى بَغَتْ لِزَوالِ البَرْزَخِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] لِأنَّ البَغْيَ والفُجُورَ أخَوانِ.
وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فاعْلَمْ أنْ بُعْثِرَ وبُحْثِرَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومُرَكَّبانِ مِنَ البَعْثِ والبَحْثِ مَعَ راءٍ مَضْمُومَةٍ إلَيْهِما، والمَعْنى أُثِيرَتْ، وقُلِبَ أسْفَلُها أعْلاها وباطِنُها ظاهِرُها، ثُمَّ هاهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُبُورَ تُبَعْثَرُ بِأنْ يَخْرُجَ ما فِيها مِنَ المَوْتى أحْياءً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
والثّانِي: أنَّها تُبَعْثَرُ لِإخْراجِ ما في بَطْنِها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُخْرِجَ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها مِن ذَهَبِها وفِضَّتِها، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ المَوْتى، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ دَلالَةَ القُبُورِ عَلى الأوَّلِ أتَمُّ.
المَقامُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآياتِ بَيانُ تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الدُّنْيا، وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، والسَّماءُ كالسَّقْفِ، والأرْضُ كالبِناءِ، ومَن أرادَ تَخْرِيبَ دارٍ، فَإنَّهُ يَبْدَأُ أوَّلًا بِتَخْرِيبِ السَّقْفِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ثُمَّ يَلْزَمُ مِن تَخْرِيبِ السَّماءِ انْتِثارُ الكَواكِبِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَخْرِيبِ السَّماءِ والكَواكِبِ يُخَرِّبُ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُخَرِّبُ آخِرَ الأمْرِ الأرْضَ الَّتِي هي البِناءُ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى قَلْبِ الأرْضِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وبَطْنًا لِظَهْرٍ.
المَقامُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والتَّرْغِيبُ في الطّاعَةِ، أيْ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ في هَذا اليَوْمِ ما قَدَّمَ، فَلَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ، وما أخَّرَ فَقَصَّرَ فِيهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ يَقْتَضِي فِعْلًا و(وأخَّرَتْ) يَقْتَضِي تَرْكًا، فَهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي فِعْلًا وتَرْكًا وتَقْصِيرًا وتَوْفِيرًا، فَإنْ كانَ قَدَّمَ الكَبائِرَ وأخَّرَ العَمَلَ الصّالِحَ فَمَأْواهُ النّارُ، وإنْ كانَ قَدَّمَ العَمَلَ الصّالِحَ وأخَّرَ الكَبائِرَ فَمَأْواهُ الجَنَّةُ.
وثانِيها: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ أدْخَلَهُ في الوُجُودِ وما أخَّرَتْ مِن سُنَّةٍ يَسْتَنُّ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الفَرائِضِ وما أخَّرَتْ أيْ ما ضَيَّعَتْ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الأعْمالِ في أوَّلِ عُمُرِها وما أخَّرَتْ في آخِرِ عُمُرِها، فَإنْ قِيلَ: وفي أيِّ مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ القِيامَةِ يَحْصُلُ هَذا العِلْمُ ؟ قُلْنا: أمّا العِلْمُ الإجْمالِيُّ فَيَحْصُلُ في أوَّلِ زَمانِ الحَشْرِ، لِأنَّ المُطِيعَ يَرى آثارَ السَّعادَةِ، والعاصِيَ يَرى آثارَ الشَّقاوَةِ في أوَّلِ الأمْرِ.
وأمّا العِلْمُ التَّفْصِيلُ، فَإنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ قِراءَةِ الكُتُبِ والمُحاسَبَةِ.
صفحة ٧٢
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ قِيلَ: قِيامُ القِيامَةِ بَلْ عِنْدَ ظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، وحِينَ لا يَنْفَعُ العَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَيَكُونُ ما عَمِلَهُ الإنْسانُ إلى تِلْكَ الغايَةِ، هو أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، لِأنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الانفطار 82:4
صفحة ٧٠
[ سُورَةُ الِانْفِطارِ ]
تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةًبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
﷽
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ إذا وقَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ، فَهُناكَ يَحْصُلُ الحَشْرُ والنَّشْرُ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ مَقاماتٌ.
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ وهي هاهُنا أرْبَعَةٌ؛ اثْنانِ مِنها تَتَعَلَّقُ بِالعُلْوِيّاتِ، واثْنانِ آخَرانِ تَتَعَلَّقُ بِالسُّفْلِيّاتِ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] و﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ يَأْتِ هَذا عَلى الفِعْلِ، بَلْ هو كَقَوْلِهِمْ: مُرْضِعٌ وحائِضٌ، ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ لَكانَ مُنْفَطِرَةً، كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أمّا الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّ عِنْدَ انْتِقاضِ تَرْكِيبِ السَّماءِ لا بُدَّ مِنَ انْتِثارِ الكَواكِبِ عَلى الأرْضِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في بَعْضِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ، ودَلِيلُنا عَلى إمْكانِ ذَلِكَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في كَوْنِها أجْسامًا، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ، إنَّما قُلْنا: إنَّها مُتَماثِلَةٌ لِأنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُها إلى السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فالعُلْوِيّاتُ والسُّفْلِيّاتُ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها أجْسامٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى العُلْوِيّاتِ ما يَصِحُّ عَلى السُّفْلِيّاتِ، لِأنَّ المُتَماثِلاتِ حُكْمُها واحِدٌ فَمَتى يَصِحُّ حُكْمٌ عَلى واحِدٍ مِنها، وجَبَ أنْ
صفحة ٧١
يَصِحَّ عَلى الباقِي، وأمّا الِاثْنانِ السُّفْلِيّانِ: فَأحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ يَنْفُذُ بَعْضُ البَحّارِ في البَعْضِ بِارْتِفاعِ الحاجِزِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَرْزَخًا، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ الكُلُّ بَحْرًا واحِدًا، وإنَّما يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الحاجِزُ لِتَزَلْزُلِ الأرْضِ وتَصَدُّعِها.
وثانِيها: أنَّ مِياهَ البِحارِ الآنَ راكِدَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فَإذا فُجِّرَتْ تَفَرَّقَتْ وذَهَبَ ماؤُها.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: فُجِّرَتْ أيْ يَبَسَتْ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فالمُرادُ أنَّهُ تَتَغَيَّرُ البِحارُ عَنْ صُورَتِها الأصْلِيَّةِ وصِفَتِها، وهو كَما ذُكِرَ أنَّهُ تَغَيَّرُ الأرْضِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وتَغَيُّرُ الجِبالِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ورابِعُها: قَرَأ بَعْضُهم: ”فُجِرَتْ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”فَجَرَتْ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والتَّخْفِيفِ، بِمَعْنى بَغَتْ لِزَوالِ البَرْزَخِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] لِأنَّ البَغْيَ والفُجُورَ أخَوانِ.
وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فاعْلَمْ أنْ بُعْثِرَ وبُحْثِرَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومُرَكَّبانِ مِنَ البَعْثِ والبَحْثِ مَعَ راءٍ مَضْمُومَةٍ إلَيْهِما، والمَعْنى أُثِيرَتْ، وقُلِبَ أسْفَلُها أعْلاها وباطِنُها ظاهِرُها، ثُمَّ هاهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُبُورَ تُبَعْثَرُ بِأنْ يَخْرُجَ ما فِيها مِنَ المَوْتى أحْياءً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
والثّانِي: أنَّها تُبَعْثَرُ لِإخْراجِ ما في بَطْنِها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُخْرِجَ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها مِن ذَهَبِها وفِضَّتِها، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ المَوْتى، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ دَلالَةَ القُبُورِ عَلى الأوَّلِ أتَمُّ.
المَقامُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآياتِ بَيانُ تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الدُّنْيا، وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، والسَّماءُ كالسَّقْفِ، والأرْضُ كالبِناءِ، ومَن أرادَ تَخْرِيبَ دارٍ، فَإنَّهُ يَبْدَأُ أوَّلًا بِتَخْرِيبِ السَّقْفِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ثُمَّ يَلْزَمُ مِن تَخْرِيبِ السَّماءِ انْتِثارُ الكَواكِبِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَخْرِيبِ السَّماءِ والكَواكِبِ يُخَرِّبُ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُخَرِّبُ آخِرَ الأمْرِ الأرْضَ الَّتِي هي البِناءُ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى قَلْبِ الأرْضِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وبَطْنًا لِظَهْرٍ.
المَقامُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والتَّرْغِيبُ في الطّاعَةِ، أيْ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ في هَذا اليَوْمِ ما قَدَّمَ، فَلَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ، وما أخَّرَ فَقَصَّرَ فِيهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ يَقْتَضِي فِعْلًا و(وأخَّرَتْ) يَقْتَضِي تَرْكًا، فَهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي فِعْلًا وتَرْكًا وتَقْصِيرًا وتَوْفِيرًا، فَإنْ كانَ قَدَّمَ الكَبائِرَ وأخَّرَ العَمَلَ الصّالِحَ فَمَأْواهُ النّارُ، وإنْ كانَ قَدَّمَ العَمَلَ الصّالِحَ وأخَّرَ الكَبائِرَ فَمَأْواهُ الجَنَّةُ.
وثانِيها: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ أدْخَلَهُ في الوُجُودِ وما أخَّرَتْ مِن سُنَّةٍ يَسْتَنُّ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الفَرائِضِ وما أخَّرَتْ أيْ ما ضَيَّعَتْ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الأعْمالِ في أوَّلِ عُمُرِها وما أخَّرَتْ في آخِرِ عُمُرِها، فَإنْ قِيلَ: وفي أيِّ مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ القِيامَةِ يَحْصُلُ هَذا العِلْمُ ؟ قُلْنا: أمّا العِلْمُ الإجْمالِيُّ فَيَحْصُلُ في أوَّلِ زَمانِ الحَشْرِ، لِأنَّ المُطِيعَ يَرى آثارَ السَّعادَةِ، والعاصِيَ يَرى آثارَ الشَّقاوَةِ في أوَّلِ الأمْرِ.
وأمّا العِلْمُ التَّفْصِيلُ، فَإنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ قِراءَةِ الكُتُبِ والمُحاسَبَةِ.
صفحة ٧٢
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ قِيلَ: قِيامُ القِيامَةِ بَلْ عِنْدَ ظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، وحِينَ لا يَنْفَعُ العَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَيَكُونُ ما عَمِلَهُ الإنْسانُ إلى تِلْكَ الغايَةِ، هو أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، لِأنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الانفطار 82:5
صفحة ٧٠
[ سُورَةُ الِانْفِطارِ ]
تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةًبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
﷽
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ إذا وقَعَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ، فَهُناكَ يَحْصُلُ الحَشْرُ والنَّشْرُ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ مَقاماتٌ.
الأوَّلُ: في تَفْسِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي أشْراطُ السّاعَةِ وهي هاهُنا أرْبَعَةٌ؛ اثْنانِ مِنها تَتَعَلَّقُ بِالعُلْوِيّاتِ، واثْنانِ آخَرانِ تَتَعَلَّقُ بِالسُّفْلِيّاتِ، الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ انْشَقَّتْ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبأ: ١٩] و﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ يَأْتِ هَذا عَلى الفِعْلِ، بَلْ هو كَقَوْلِهِمْ: مُرْضِعٌ وحائِضٌ، ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ لَكانَ مُنْفَطِرَةً، كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أمّا الثّانِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّ عِنْدَ انْتِقاضِ تَرْكِيبِ السَّماءِ لا بُدَّ مِنَ انْتِثارِ الكَواكِبِ عَلى الأرْضِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في بَعْضِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ، ودَلِيلُنا عَلى إمْكانِ ذَلِكَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في كَوْنِها أجْسامًا، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ، إنَّما قُلْنا: إنَّها مُتَماثِلَةٌ لِأنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُها إلى السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ القِسْمَيْنِ، فالعُلْوِيّاتُ والسُّفْلِيّاتُ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها أجْسامٌ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى العُلْوِيّاتِ ما يَصِحُّ عَلى السُّفْلِيّاتِ، لِأنَّ المُتَماثِلاتِ حُكْمُها واحِدٌ فَمَتى يَصِحُّ حُكْمٌ عَلى واحِدٍ مِنها، وجَبَ أنْ
صفحة ٧١
يَصِحَّ عَلى الباقِي، وأمّا الِاثْنانِ السُّفْلِيّانِ: فَأحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ يَنْفُذُ بَعْضُ البَحّارِ في البَعْضِ بِارْتِفاعِ الحاجِزِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَرْزَخًا، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ الكُلُّ بَحْرًا واحِدًا، وإنَّما يَرْتَفِعُ ذَلِكَ الحاجِزُ لِتَزَلْزُلِ الأرْضِ وتَصَدُّعِها.
وثانِيها: أنَّ مِياهَ البِحارِ الآنَ راكِدَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فَإذا فُجِّرَتْ تَفَرَّقَتْ وذَهَبَ ماؤُها.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: فُجِّرَتْ أيْ يَبَسَتْ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فالمُرادُ أنَّهُ تَتَغَيَّرُ البِحارُ عَنْ صُورَتِها الأصْلِيَّةِ وصِفَتِها، وهو كَما ذُكِرَ أنَّهُ تَغَيَّرُ الأرْضِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وتَغَيُّرُ الجِبالِ عَنْ صِفَتِها في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] .
ورابِعُها: قَرَأ بَعْضُهم: ”فُجِرَتْ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: ”فَجَرَتْ“ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والتَّخْفِيفِ، بِمَعْنى بَغَتْ لِزَوالِ البَرْزَخِ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] لِأنَّ البَغْيَ والفُجُورَ أخَوانِ.
وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فاعْلَمْ أنْ بُعْثِرَ وبُحْثِرَ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومُرَكَّبانِ مِنَ البَعْثِ والبَحْثِ مَعَ راءٍ مَضْمُومَةٍ إلَيْهِما، والمَعْنى أُثِيرَتْ، وقُلِبَ أسْفَلُها أعْلاها وباطِنُها ظاهِرُها، ثُمَّ هاهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُبُورَ تُبَعْثَرُ بِأنْ يَخْرُجَ ما فِيها مِنَ المَوْتى أحْياءً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
والثّانِي: أنَّها تُبَعْثَرُ لِإخْراجِ ما في بَطْنِها مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُخْرِجَ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها مِن ذَهَبِها وفِضَّتِها، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ المَوْتى، والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ دَلالَةَ القُبُورِ عَلى الأوَّلِ أتَمُّ.
المَقامُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآياتِ بَيانُ تَخْرِيبِ العالَمِ وفَناءِ الدُّنْيا، وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، والسَّماءُ كالسَّقْفِ، والأرْضُ كالبِناءِ، ومَن أرادَ تَخْرِيبَ دارٍ، فَإنَّهُ يَبْدَأُ أوَّلًا بِتَخْرِيبِ السَّقْفِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ثُمَّ يَلْزَمُ مِن تَخْرِيبِ السَّماءِ انْتِثارُ الكَواكِبِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ تَخْرِيبِ السَّماءِ والكَواكِبِ يُخَرِّبُ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُخَرِّبُ آخِرَ الأمْرِ الأرْضَ الَّتِي هي البِناءُ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى قَلْبِ الأرْضِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وبَطْنًا لِظَهْرٍ.
المَقامُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأُمُورِ ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الزَّجْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والتَّرْغِيبُ في الطّاعَةِ، أيْ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ في هَذا اليَوْمِ ما قَدَّمَ، فَلَمْ يُقَصِّرْ فِيهِ، وما أخَّرَ فَقَصَّرَ فِيهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ يَقْتَضِي فِعْلًا و(وأخَّرَتْ) يَقْتَضِي تَرْكًا، فَهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي فِعْلًا وتَرْكًا وتَقْصِيرًا وتَوْفِيرًا، فَإنْ كانَ قَدَّمَ الكَبائِرَ وأخَّرَ العَمَلَ الصّالِحَ فَمَأْواهُ النّارُ، وإنْ كانَ قَدَّمَ العَمَلَ الصّالِحَ وأخَّرَ الكَبائِرَ فَمَأْواهُ الجَنَّةُ.
وثانِيها: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ أدْخَلَهُ في الوُجُودِ وما أخَّرَتْ مِن سُنَّةٍ يَسْتَنُّ بِها مَن بَعْدَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الفَرائِضِ وما أخَّرَتْ أيْ ما ضَيَّعَتْ.
ورابِعُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ما قَدَّمَتْ مِنَ الأعْمالِ في أوَّلِ عُمُرِها وما أخَّرَتْ في آخِرِ عُمُرِها، فَإنْ قِيلَ: وفي أيِّ مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ القِيامَةِ يَحْصُلُ هَذا العِلْمُ ؟ قُلْنا: أمّا العِلْمُ الإجْمالِيُّ فَيَحْصُلُ في أوَّلِ زَمانِ الحَشْرِ، لِأنَّ المُطِيعَ يَرى آثارَ السَّعادَةِ، والعاصِيَ يَرى آثارَ الشَّقاوَةِ في أوَّلِ الأمْرِ.
وأمّا العِلْمُ التَّفْصِيلُ، فَإنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ قِراءَةِ الكُتُبِ والمُحاسَبَةِ.
صفحة ٧٢
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ قِيلَ: قِيامُ القِيامَةِ بَلْ عِنْدَ ظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ وانْقِطاعِ التَّكالِيفِ، وحِينَ لا يَنْفَعُ العَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَيَكُونُ ما عَمِلَهُ الإنْسانُ إلى تِلْكَ الغايَةِ، هو أوَّلُ أعْمالِهِ وآخِرُها، لِأنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الانفطار 82:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ وُقُوعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَقْلًا عَلى إمْكانِهِ أوْ عَلى وُقُوعِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإلَهَ الكَرِيمَ الَّذِي لا يَجُوزُ مِن كَرَمِهِ أنْ يَقْطَعَ مَوائِدَ نِعَمِهِ عَنِ المُذْنِبِينَ، كَيْفَ يَجُوزُ في كَرَمِهِ أنْ لا يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ ؟ .
الثّانِي: أنَّ القادِرَ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ البِنْيَةَ الإنْسانِيَّةَ ثُمَّ سَوّاها وعَدَّلَها، إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ خَلَقَها لا لِحِكْمَةٍ أوْ لِحِكْمَةٍ، فَإنْ خَلَقَها لا لِحِكْمَةٍ كانَ ذَلِكَ عَبَثًا، وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ، وإنْ خَلَقَها لِحِكْمَةٍ، فَتِلْكَ الحِكْمَةُ، إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العَبْدِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَعالٍ عَنِ الِاسْتِكْمالِ والِانْتِفاعِ. فَتَعَيَّنَ الثّانِيَ، وهو أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِحِكْمَةٍ عائِدَةٍ إلى العَبْدِ، وتِلْكَ الحِكْمَةُ إمّا أنْ تَظْهَرَ في الدُّنْيا أوْ في دارٍ سِوى الدُّنْيا. والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وامْتِحانٍ، لا دارَ الِانْتِفاعِ والجَزاءِ، ولَمّا بَطَلَ كُلُّ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ مِن دارٍ أُخْرى، فَثَبَتَ أنَّ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ الإلَهِ الكَرِيمِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ يُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَقْطَعَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ الأمْواتَ ويَحْشُرُهم، وذَلِكَ يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِعَدَمِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ هو الَّذِي ذُكِرَ بِعَيْنِهِ في سُورَةِ التِّينِ حَيْثُ قالَ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلى أنْ قالَ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] وهَذِهِ المُحاجَّةُ تَصْلُحُ مَعَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ ويُنْكِرُونَ الإعادَةَ، وتَصْلُحُ أيْضًا مَعَ مَن يَنْفِي الِابْتِداءَ والإعادَةَ مَعًا، لِأنَّ الخَلْقَ المُعَدَّلَ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وبِواسِطَتِهِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَإنْ قِيلَ: بِناءُ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ التِّينِ بَعْدَ هَذا الِاسْتِدْلالِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الحَكِيمِ.
الجَوابُ: أنَّ الكَرِيمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا، لِأنَّ إيصالَ النِّعْمَةِ إلى الغَيْرِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ لَكانَ ذَلِكَ تَبْذِيرًا لا كَرَمًا. أمّا إذا كانَ مَبْنِيًّا عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ فَحِينَئِذٍ يُسَمّى كَرَمًا، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ كَرِيمًا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ مِن وجْهَيْنِ كَما قَرَّرْناهُ، أمّا كَوْنُهُ حَكِيمًا فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ مِن هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَكانَ ذِكْرُ الكَرِيمِ هاهُنا أوْلى مِن ذِكْرِ الحَكِيمِ، هَذا هو تَمامُ الكَلامِ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ. أمّا قَوْلُهُ: (يا أيُّها الإنْسانُ) فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكافِرُ، لِقَوْلِهِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في ابْنِ الأسَدِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ ضَرَبَ
صفحة ٧٣
النَّبِيَّﷺ فَلَمْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ العُصاةِ وهو الأقْرَبُ، لِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فالمُرادُ الَّذِي خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ الباطِلَ حَتّى تَرَكْتَ الواجِباتِ وأتَيْتَ بِالمُحَرَّماتِ، والمَعْنى ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ، يُقالُ: غَرَّهُ بِفُلانٍ إذا أمَّنَهُ المَحْذُورَ مِن جِهَتِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] هَذا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ عَلى جَمِيعِ العُصاةِ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الكافِرِ، فالمَعْنى ما الَّذِي دَعاكَ إلى الكُفْرِ والجَحْدِ بِالرُّسُلِ، وإنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَهُ كَرِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَغْتَرَّ الإنْسانُ بِكَرَمِهِ بِدَلِيلِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الجُودَ إفادَةُ ما يَنْبَغِي لا لِعِوَضٍ، فَلَمّا كانَ الحَقُّ تَعالى جَوادًا مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِيضًا، ومَتى كانَ كَذَلِكَ اسْتَوى عِنْدَهُ طاعَةُ المُطِيعِينَ، وعِصْيانُ المُذْنِبِينَ، وهَذا يُوجِبُ الِاغْتِرارَ؛ لِأنَّهُ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُقْدِمَ الغَنِيُّ عَلى إيلامِ الضَّعِيفِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أصْلًا، وأمّا المَنقُولُ فَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ دَعا غُلامَهُ مَرّاتٍ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَنَظَرَ فَإذا هو بِالبابِ، فَقالَ لَهُ: لِمَ لَمْ تُجِبْنِي ؟ فَقالَ: لِثِقَتِي بِحِلْمِكَ، وأمْنِي مِن عُقُوبَتِكَ، فاسْتَحْسَنَ جَوابَهُ، وأعْتَقَهُ، وقالُوا أيْضًا: مِن كَرَمِ الرَّجُلِ سُوءُ أدَبِ غِلْمانِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ كَرَمَهُ يَقْتَضِي الِاغْتِرارَ بِهِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ هاهُنا مانِعًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ لَمّا كُنْتَ تَرى حِلْمَ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ ظَنَنْتَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا حِسابَ ولا دارَ إلّا هَذِهِ الدّارَ، فَما الَّذِي دَعاكَ إلى هَذا الِاغْتِرارِ، وجَرَّأكَ عَلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ؟ فَإنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ، فَهو لِكَرَمِهِ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ بَسْطًا في مُدَّةِ التَّوْبَةِ، وتَأْخِيرًا لِلْجَزاءِ إلى أنْ يَجْمَعَ النّاسَ في الدّارِ الَّتِي جَعَلَها لَهم لِلْجَزاءِ، فالحاصِلُ أنَّ تَرْكَ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ لِأجْلِ الكَرَمِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاغْتِرارَ بِأنَّهُ لا دارَ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ.
وثانِيها: أنَّ كَرَمَهُ لَمّا بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَمْنَعُ مِنَ العاصِي مَوائِدَ لُطْفِهِ، فَبِأنْ يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ كانَ أوْلى، فَإذَنْ كَوْنُهُ كِرِيمًا يَقْتَضِي الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ، وتَرْكَ الجَراءَةِ والِاغْتِرارِ.
وثالِثُها: أنَّ كَثْرَةَ الكَرَمِ تُوجِبُ الجِدَّ والِاجْتِهادَ في الخِدْمَةِ والِاسْتِحْياءَ مِنَ الِاغْتِرارِ والتَّوانِي.
ورابِعُها: قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّما قالَ: ﴿بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ حَتّى يَقُولَ غَرَّنِي كَرَمُكَ، ولَوْلا كَرَمُكَ لَما فَعَلْتُ؛ لِأنَّكَ رَأيْتَ فَسَتَرْتَ، وقَدَرْتَ فَأمْهَلْتَ، وهَذا الجَوابُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ لَيْسَ الكافِرَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذا الِاغْتِرارِ ؟ قُلْنا: وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ قَتادَةُ: سَبَبُ غُرُورِ ابْنِ آدَمَ تَسْوِيلُ الشَّيْطانِ لَهُ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: غَرَّهُ حُمْقُهُ وجَهْلُهُ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: غَرَّهُ عَفْوُ اللَّهِ عَنْهُ حِينَ لَمْ يُعاقِبْهُ في أوَّلِ أمْرِهِ، وقِيلَ: لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ إذا أقامَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ لَكَ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ماذا تَقُولُ ؟ قالَ: أقُولُ غَرَّتْنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قِراءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ما أغَرَّكَ ؟ قُلْنا: هو إمّا عَلى التَّعَجُّبِ وإمّا عَلى الِاسْتِفْهامِ مِن قَوْلِكَ غَرَّ الرَّجُلُ فَهو غارٌّ إذا غَفَلَ، ومِن قَوْلِكَ بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وهم غارُّونَ، وأغَرَّهُ غَيْرُهُ جَعَلَهُ غارًّا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِالكَرَمِ ذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ كالدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ الكَرَمِ.
أوَّلُها: الخَلْقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ كَرَمُ وجُودٍ لِأنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ
صفحة ٧٤
مِنَ العَدَمِ، والحَياةَ خَيْرٌ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي قالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] .
وثانِيها: قَوْلُهُ: (فَسَوّاكَ) أيْ جَعَلَكَ سَوِيًّا سالِمَ الأعْضاءِ تَسْمَعُ وتُبْصِرُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧] قالَ ذُو النُّونِ: سَوّاكَ أيْ سَخَّرَ لَكَ المُكَوِّناتِ أجْمَعَ، وما جَعَلَكَ مُسَخَّرًا لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ أنْطَقَ لِسانَكَ بِالذِّكْرِ، وقَلْبَكَ بِالعَقْلِ، ورُوحَكَ بِالمَعْرِفَةِ، وسَرَّكَ بِالإيمانِ، وشَرَّفَكَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وفَضَّلَكَ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ عَدَلَ خَلْقَكَ في العَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ فَلَمْ يَجْعَلْ إحْدى اليَدَيْنِ أطْوَلَ ولا إحْدى العَيْنَيْنِ أوْسَعَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] وتَقْرِيرُهُ ما عُرِفَ في عِلْمِ التَّشْرِيحِ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَكَّبَ جانِبَيْ هَذِهِ الجُثَّةِ عَلى التَّسَوِّي حَتّى إنَّهُ لا تَفاوُتَ بَيْنَ نِصْفَيْهِ لا في العِظامِ ولا في أشْكالِها ولا في ثُقْبِها ولا في الأوْرِدَةِ والشَّرايِينِ والأعْصابِ النّافِذَةِ فِيها والخارِجَةِ مِنها، واسْتِقْصاءُ القَوْلِ فِيهِ لا يَلِيقُ بِهَذا العِلْمِ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: جَعَلَكَ قائِمًا مُعْتَدِلًا حَسَنَ الصُّورَةِ لا كالبَهِيمَةِ المُنْحَنِيَةِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: عَدَلَ خَلْقَكَ فَأخْرَجَكَ في أحْسَنِ التَّقْوِيمِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ الِاعْتِدالِ جَعَلَكَ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والفِكْرِ، وصَيَّرَكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُسْتَوْلِيًا عَلى جَمِيعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ، وواصِلًا بِالكَمالِ إلى ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ الكُوفِيُّونَ فَعَدَلَكَ بِالتَّخْفِيفِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أنْ يَكُونَ المَعْنى عَدَلَ بَعْضَ أعْضائِكَ بِبَعْضٍ حَتّى اعْتَدَلَتْ.
والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ”فَعَدَّلَكَ“ أيْ فَصَرَّفَكَ إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، ثُمَّ قالَ: والتَّشْدِيدُ أحْسَنُ الوَجْهَيْنِ لِأنَّكَ تَقُولُ: عَدَّلْتُكَ إلى كَذا كَما تَقُولُ صَرَّفْتُكَ إلى كَذا، ولا يَحْسُنُ عَدَلْتُكَ فِيهِ ولا صَرَفْتُكَ فِيهِ، فَفي القِراءَةِ الأُولى جُعِلَ في مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ صِلَةً لِلتَّرْكِيبِ، وهو حَسَنٌ، وفي القِراءَةِ الثّانِيَةِ جَعَلَهُ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ وهو ضَعِيفٌ، واعْلَمْ أنَّ اعْتِراضَ القُرّاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَغَيْرُ مُتَوَجِّهٍ.
والثّالِثُ: نَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ الأوَّلُ: ما هَلْ هي مَزِيدَةٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها لَيْسَتْ مَزِيدَةً، بَلْ هي في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ فَيَكُونُ المَعْنى في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ، وبِناءً عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ أبُو صالِحٍ ومُقاتِلٌ: المَعْنى إنْ شاءَ رَكَّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ مِن صُورَةِ كَلْبٍ أوْ صُورَةِ حِمارٍ أوْ خِنْزِيرٍ أوْ قِرْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ مُؤَكَّدَةٌ والمَعْنى في أيِّ صُورَةٍ تَقْتَضِيها مَشِيئَتُهُ وحِكْمَتُهُ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُكَ عَلى مِثْلِها، وعَلى هَذا القَوْلِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ شَبَهُ الأبِ والأُمِّ، أوْ أقارِبِ الأبِ أوْ أقارِبِ الأُمِّ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُكَ عَلى مِثْلِ صُوَرِ هَؤُلاءِ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «”إذا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ، أحْضَرَها اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ“» .
والثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ الِاخْتِلافُ بِحَسَبِ الطُّولِ والقِصَرِ والحُسْنِ والقُبْحِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، ودَلالَةُ هَذِهِ الحالَةِ عَلى الصّانِعِ القادِرِ في غايَةِ الظُّهُورِ، لِأنَّ النُّطْفَةَ جِسْمٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ وتَأْثِيرُ طَبْعِ الأبَوَيْنِ فِيهِ عَلى السَّوِيَّةِ، فالفاعِلُ المُؤَثِّرُ بِالطَّبِيعَةِ في القابِلِ المُتَشابِهِ لا يَفْعَلُ إلّا فِعْلًا واحِدًا، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الآثارُ والصِّفاتُ دَلَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ هو القادِرُ المُخْتارُ، قالَ القَفّالُ:
صفحة ٧٥
اخْتِلافُ الخَلْقِ والألْوانِ كاخْتِلافِ الأحْوالِ في الغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، فَكَما أنّا نَقْطَعُ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما مَيَّزَ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ في الغِنى والفَقْرِ، وطُولِ العُمُرِ وقِصَرِهِ، بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ لا يُحِيطُ بِكُنْهِها إلّا هو، فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ البَعْضَ مُخالِفًا لِلْبَعْضِ، في الخَلْقِ والألْوانِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ بِسَبَبِ هَذا الِاخْتِلافِ يَتَمَيَّزُ المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ والقَرِيبُ عَنِ الأجْنَبِيِّ، ثُمَّ قالَ: ونَحْنُ نَشْهَدُ شَهادَةً لا شَكَّ فِيها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَناظِرِ والهَيْئاتِ إلّا لَمّا عَلِمَ مِن صَلاحِ عِبادِهِ فِيهِ وإنْ كُنّا جاهِلِينَ بِعَيْنِ الصَّلاحِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الواسِطِيُّ: المُرادُ صُورَةُ المُطِيعِينَ والعُصاةِ فَلَيْسَ مَن رَكَّبَهُ عَلى صُورَةِ الوَلايَةِ كَمَن رَكَّبَهُ عَلى صُورَةِ العَداوَةِ، قالَ آخَرُونَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى صَفاءِ الأرْواحِ وظُلْمَتِها، وقالَ الحَسَنُ: مِنهم مَن صَوَّرَهُ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مَن صَوَّرَهُ لِيَشْغَلَهُ بِغَيْرِهِ.
مِثالُ الأوَّلِ: أنَّهُ خَلَقَ آدَمَ لِيَخُصَّهُ بِألْطافِ بِرِّهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ وأظْهَرَ رُوحَهُ مِن بَيْنِ جَمالِهِ وجَلالِهِ، وتَوَّجَهُ بِتاجِ الكَرامَةِ وزَيَّنَهُ بِرِداءِ الجَلالِ والهَيْبَةِ.
الانفطار 82:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ وُقُوعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَقْلًا عَلى إمْكانِهِ أوْ عَلى وُقُوعِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإلَهَ الكَرِيمَ الَّذِي لا يَجُوزُ مِن كَرَمِهِ أنْ يَقْطَعَ مَوائِدَ نِعَمِهِ عَنِ المُذْنِبِينَ، كَيْفَ يَجُوزُ في كَرَمِهِ أنْ لا يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ ؟ .
الثّانِي: أنَّ القادِرَ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ البِنْيَةَ الإنْسانِيَّةَ ثُمَّ سَوّاها وعَدَّلَها، إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ خَلَقَها لا لِحِكْمَةٍ أوْ لِحِكْمَةٍ، فَإنْ خَلَقَها لا لِحِكْمَةٍ كانَ ذَلِكَ عَبَثًا، وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ، وإنْ خَلَقَها لِحِكْمَةٍ، فَتِلْكَ الحِكْمَةُ، إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العَبْدِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَعالٍ عَنِ الِاسْتِكْمالِ والِانْتِفاعِ. فَتَعَيَّنَ الثّانِيَ، وهو أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِحِكْمَةٍ عائِدَةٍ إلى العَبْدِ، وتِلْكَ الحِكْمَةُ إمّا أنْ تَظْهَرَ في الدُّنْيا أوْ في دارٍ سِوى الدُّنْيا. والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وامْتِحانٍ، لا دارَ الِانْتِفاعِ والجَزاءِ، ولَمّا بَطَلَ كُلُّ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ مِن دارٍ أُخْرى، فَثَبَتَ أنَّ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ الإلَهِ الكَرِيمِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ يُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَقْطَعَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ الأمْواتَ ويَحْشُرُهم، وذَلِكَ يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِعَدَمِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ هو الَّذِي ذُكِرَ بِعَيْنِهِ في سُورَةِ التِّينِ حَيْثُ قالَ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلى أنْ قالَ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] وهَذِهِ المُحاجَّةُ تَصْلُحُ مَعَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ ويُنْكِرُونَ الإعادَةَ، وتَصْلُحُ أيْضًا مَعَ مَن يَنْفِي الِابْتِداءَ والإعادَةَ مَعًا، لِأنَّ الخَلْقَ المُعَدَّلَ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وبِواسِطَتِهِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَإنْ قِيلَ: بِناءُ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ التِّينِ بَعْدَ هَذا الِاسْتِدْلالِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الحَكِيمِ.
الجَوابُ: أنَّ الكَرِيمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا، لِأنَّ إيصالَ النِّعْمَةِ إلى الغَيْرِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ لَكانَ ذَلِكَ تَبْذِيرًا لا كَرَمًا. أمّا إذا كانَ مَبْنِيًّا عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ فَحِينَئِذٍ يُسَمّى كَرَمًا، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ كَرِيمًا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ مِن وجْهَيْنِ كَما قَرَّرْناهُ، أمّا كَوْنُهُ حَكِيمًا فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ مِن هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَكانَ ذِكْرُ الكَرِيمِ هاهُنا أوْلى مِن ذِكْرِ الحَكِيمِ، هَذا هو تَمامُ الكَلامِ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ. أمّا قَوْلُهُ: (يا أيُّها الإنْسانُ) فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكافِرُ، لِقَوْلِهِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في ابْنِ الأسَدِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ ضَرَبَ
صفحة ٧٣
النَّبِيَّﷺ فَلَمْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ العُصاةِ وهو الأقْرَبُ، لِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فالمُرادُ الَّذِي خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ الباطِلَ حَتّى تَرَكْتَ الواجِباتِ وأتَيْتَ بِالمُحَرَّماتِ، والمَعْنى ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ، يُقالُ: غَرَّهُ بِفُلانٍ إذا أمَّنَهُ المَحْذُورَ مِن جِهَتِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] هَذا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ عَلى جَمِيعِ العُصاةِ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الكافِرِ، فالمَعْنى ما الَّذِي دَعاكَ إلى الكُفْرِ والجَحْدِ بِالرُّسُلِ، وإنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَهُ كَرِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَغْتَرَّ الإنْسانُ بِكَرَمِهِ بِدَلِيلِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الجُودَ إفادَةُ ما يَنْبَغِي لا لِعِوَضٍ، فَلَمّا كانَ الحَقُّ تَعالى جَوادًا مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِيضًا، ومَتى كانَ كَذَلِكَ اسْتَوى عِنْدَهُ طاعَةُ المُطِيعِينَ، وعِصْيانُ المُذْنِبِينَ، وهَذا يُوجِبُ الِاغْتِرارَ؛ لِأنَّهُ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُقْدِمَ الغَنِيُّ عَلى إيلامِ الضَّعِيفِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أصْلًا، وأمّا المَنقُولُ فَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ دَعا غُلامَهُ مَرّاتٍ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَنَظَرَ فَإذا هو بِالبابِ، فَقالَ لَهُ: لِمَ لَمْ تُجِبْنِي ؟ فَقالَ: لِثِقَتِي بِحِلْمِكَ، وأمْنِي مِن عُقُوبَتِكَ، فاسْتَحْسَنَ جَوابَهُ، وأعْتَقَهُ، وقالُوا أيْضًا: مِن كَرَمِ الرَّجُلِ سُوءُ أدَبِ غِلْمانِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ كَرَمَهُ يَقْتَضِي الِاغْتِرارَ بِهِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ هاهُنا مانِعًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ لَمّا كُنْتَ تَرى حِلْمَ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ ظَنَنْتَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا حِسابَ ولا دارَ إلّا هَذِهِ الدّارَ، فَما الَّذِي دَعاكَ إلى هَذا الِاغْتِرارِ، وجَرَّأكَ عَلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ؟ فَإنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ، فَهو لِكَرَمِهِ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ بَسْطًا في مُدَّةِ التَّوْبَةِ، وتَأْخِيرًا لِلْجَزاءِ إلى أنْ يَجْمَعَ النّاسَ في الدّارِ الَّتِي جَعَلَها لَهم لِلْجَزاءِ، فالحاصِلُ أنَّ تَرْكَ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ لِأجْلِ الكَرَمِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاغْتِرارَ بِأنَّهُ لا دارَ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ.
وثانِيها: أنَّ كَرَمَهُ لَمّا بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَمْنَعُ مِنَ العاصِي مَوائِدَ لُطْفِهِ، فَبِأنْ يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ كانَ أوْلى، فَإذَنْ كَوْنُهُ كِرِيمًا يَقْتَضِي الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ، وتَرْكَ الجَراءَةِ والِاغْتِرارِ.
وثالِثُها: أنَّ كَثْرَةَ الكَرَمِ تُوجِبُ الجِدَّ والِاجْتِهادَ في الخِدْمَةِ والِاسْتِحْياءَ مِنَ الِاغْتِرارِ والتَّوانِي.
ورابِعُها: قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّما قالَ: ﴿بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ حَتّى يَقُولَ غَرَّنِي كَرَمُكَ، ولَوْلا كَرَمُكَ لَما فَعَلْتُ؛ لِأنَّكَ رَأيْتَ فَسَتَرْتَ، وقَدَرْتَ فَأمْهَلْتَ، وهَذا الجَوابُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ لَيْسَ الكافِرَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذا الِاغْتِرارِ ؟ قُلْنا: وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ قَتادَةُ: سَبَبُ غُرُورِ ابْنِ آدَمَ تَسْوِيلُ الشَّيْطانِ لَهُ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: غَرَّهُ حُمْقُهُ وجَهْلُهُ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: غَرَّهُ عَفْوُ اللَّهِ عَنْهُ حِينَ لَمْ يُعاقِبْهُ في أوَّلِ أمْرِهِ، وقِيلَ: لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ إذا أقامَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ لَكَ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ماذا تَقُولُ ؟ قالَ: أقُولُ غَرَّتْنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قِراءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ما أغَرَّكَ ؟ قُلْنا: هو إمّا عَلى التَّعَجُّبِ وإمّا عَلى الِاسْتِفْهامِ مِن قَوْلِكَ غَرَّ الرَّجُلُ فَهو غارٌّ إذا غَفَلَ، ومِن قَوْلِكَ بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وهم غارُّونَ، وأغَرَّهُ غَيْرُهُ جَعَلَهُ غارًّا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِالكَرَمِ ذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ كالدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ الكَرَمِ.
أوَّلُها: الخَلْقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ كَرَمُ وجُودٍ لِأنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ
صفحة ٧٤
مِنَ العَدَمِ، والحَياةَ خَيْرٌ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي قالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] .
وثانِيها: قَوْلُهُ: (فَسَوّاكَ) أيْ جَعَلَكَ سَوِيًّا سالِمَ الأعْضاءِ تَسْمَعُ وتُبْصِرُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧] قالَ ذُو النُّونِ: سَوّاكَ أيْ سَخَّرَ لَكَ المُكَوِّناتِ أجْمَعَ، وما جَعَلَكَ مُسَخَّرًا لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ أنْطَقَ لِسانَكَ بِالذِّكْرِ، وقَلْبَكَ بِالعَقْلِ، ورُوحَكَ بِالمَعْرِفَةِ، وسَرَّكَ بِالإيمانِ، وشَرَّفَكَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وفَضَّلَكَ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ عَدَلَ خَلْقَكَ في العَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ فَلَمْ يَجْعَلْ إحْدى اليَدَيْنِ أطْوَلَ ولا إحْدى العَيْنَيْنِ أوْسَعَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] وتَقْرِيرُهُ ما عُرِفَ في عِلْمِ التَّشْرِيحِ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَكَّبَ جانِبَيْ هَذِهِ الجُثَّةِ عَلى التَّسَوِّي حَتّى إنَّهُ لا تَفاوُتَ بَيْنَ نِصْفَيْهِ لا في العِظامِ ولا في أشْكالِها ولا في ثُقْبِها ولا في الأوْرِدَةِ والشَّرايِينِ والأعْصابِ النّافِذَةِ فِيها والخارِجَةِ مِنها، واسْتِقْصاءُ القَوْلِ فِيهِ لا يَلِيقُ بِهَذا العِلْمِ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: جَعَلَكَ قائِمًا مُعْتَدِلًا حَسَنَ الصُّورَةِ لا كالبَهِيمَةِ المُنْحَنِيَةِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: عَدَلَ خَلْقَكَ فَأخْرَجَكَ في أحْسَنِ التَّقْوِيمِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ الِاعْتِدالِ جَعَلَكَ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والفِكْرِ، وصَيَّرَكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُسْتَوْلِيًا عَلى جَمِيعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ، وواصِلًا بِالكَمالِ إلى ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ الكُوفِيُّونَ فَعَدَلَكَ بِالتَّخْفِيفِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أنْ يَكُونَ المَعْنى عَدَلَ بَعْضَ أعْضائِكَ بِبَعْضٍ حَتّى اعْتَدَلَتْ.
والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ”فَعَدَّلَكَ“ أيْ فَصَرَّفَكَ إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، ثُمَّ قالَ: والتَّشْدِيدُ أحْسَنُ الوَجْهَيْنِ لِأنَّكَ تَقُولُ: عَدَّلْتُكَ إلى كَذا كَما تَقُولُ صَرَّفْتُكَ إلى كَذا، ولا يَحْسُنُ عَدَلْتُكَ فِيهِ ولا صَرَفْتُكَ فِيهِ، فَفي القِراءَةِ الأُولى جُعِلَ في مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ صِلَةً لِلتَّرْكِيبِ، وهو حَسَنٌ، وفي القِراءَةِ الثّانِيَةِ جَعَلَهُ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ وهو ضَعِيفٌ، واعْلَمْ أنَّ اعْتِراضَ القُرّاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَغَيْرُ مُتَوَجِّهٍ.
والثّالِثُ: نَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ الأوَّلُ: ما هَلْ هي مَزِيدَةٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها لَيْسَتْ مَزِيدَةً، بَلْ هي في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ فَيَكُونُ المَعْنى في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ، وبِناءً عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ أبُو صالِحٍ ومُقاتِلٌ: المَعْنى إنْ شاءَ رَكَّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ مِن صُورَةِ كَلْبٍ أوْ صُورَةِ حِمارٍ أوْ خِنْزِيرٍ أوْ قِرْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ مُؤَكَّدَةٌ والمَعْنى في أيِّ صُورَةٍ تَقْتَضِيها مَشِيئَتُهُ وحِكْمَتُهُ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُكَ عَلى مِثْلِها، وعَلى هَذا القَوْلِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ شَبَهُ الأبِ والأُمِّ، أوْ أقارِبِ الأبِ أوْ أقارِبِ الأُمِّ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُكَ عَلى مِثْلِ صُوَرِ هَؤُلاءِ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «”إذا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ، أحْضَرَها اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ“» .
والثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ الِاخْتِلافُ بِحَسَبِ الطُّولِ والقِصَرِ والحُسْنِ والقُبْحِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، ودَلالَةُ هَذِهِ الحالَةِ عَلى الصّانِعِ القادِرِ في غايَةِ الظُّهُورِ، لِأنَّ النُّطْفَةَ جِسْمٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ وتَأْثِيرُ طَبْعِ الأبَوَيْنِ فِيهِ عَلى السَّوِيَّةِ، فالفاعِلُ المُؤَثِّرُ بِالطَّبِيعَةِ في القابِلِ المُتَشابِهِ لا يَفْعَلُ إلّا فِعْلًا واحِدًا، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الآثارُ والصِّفاتُ دَلَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ هو القادِرُ المُخْتارُ، قالَ القَفّالُ:
صفحة ٧٥
اخْتِلافُ الخَلْقِ والألْوانِ كاخْتِلافِ الأحْوالِ في الغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، فَكَما أنّا نَقْطَعُ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما مَيَّزَ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ في الغِنى والفَقْرِ، وطُولِ العُمُرِ وقِصَرِهِ، بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ لا يُحِيطُ بِكُنْهِها إلّا هو، فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ البَعْضَ مُخالِفًا لِلْبَعْضِ، في الخَلْقِ والألْوانِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ بِسَبَبِ هَذا الِاخْتِلافِ يَتَمَيَّزُ المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ والقَرِيبُ عَنِ الأجْنَبِيِّ، ثُمَّ قالَ: ونَحْنُ نَشْهَدُ شَهادَةً لا شَكَّ فِيها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَناظِرِ والهَيْئاتِ إلّا لَمّا عَلِمَ مِن صَلاحِ عِبادِهِ فِيهِ وإنْ كُنّا جاهِلِينَ بِعَيْنِ الصَّلاحِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الواسِطِيُّ: المُرادُ صُورَةُ المُطِيعِينَ والعُصاةِ فَلَيْسَ مَن رَكَّبَهُ عَلى صُورَةِ الوَلايَةِ كَمَن رَكَّبَهُ عَلى صُورَةِ العَداوَةِ، قالَ آخَرُونَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى صَفاءِ الأرْواحِ وظُلْمَتِها، وقالَ الحَسَنُ: مِنهم مَن صَوَّرَهُ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مَن صَوَّرَهُ لِيَشْغَلَهُ بِغَيْرِهِ.
مِثالُ الأوَّلِ: أنَّهُ خَلَقَ آدَمَ لِيَخُصَّهُ بِألْطافِ بِرِّهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ وأظْهَرَ رُوحَهُ مِن بَيْنِ جَمالِهِ وجَلالِهِ، وتَوَّجَهُ بِتاجِ الكَرامَةِ وزَيَّنَهُ بِرِداءِ الجَلالِ والهَيْبَةِ.
الانفطار 82:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أخْبَرَ في الآيَةِ الأُولى عَنْ وُقُوعِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَقْلًا عَلى إمْكانِهِ أوْ عَلى وُقُوعِهِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الإلَهَ الكَرِيمَ الَّذِي لا يَجُوزُ مِن كَرَمِهِ أنْ يَقْطَعَ مَوائِدَ نِعَمِهِ عَنِ المُذْنِبِينَ، كَيْفَ يَجُوزُ في كَرَمِهِ أنْ لا يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ ؟ .
الثّانِي: أنَّ القادِرَ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ البِنْيَةَ الإنْسانِيَّةَ ثُمَّ سَوّاها وعَدَّلَها، إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ خَلَقَها لا لِحِكْمَةٍ أوْ لِحِكْمَةٍ، فَإنْ خَلَقَها لا لِحِكْمَةٍ كانَ ذَلِكَ عَبَثًا، وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ، وإنْ خَلَقَها لِحِكْمَةٍ، فَتِلْكَ الحِكْمَةُ، إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العَبْدِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَعالٍ عَنِ الِاسْتِكْمالِ والِانْتِفاعِ. فَتَعَيَّنَ الثّانِيَ، وهو أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِحِكْمَةٍ عائِدَةٍ إلى العَبْدِ، وتِلْكَ الحِكْمَةُ إمّا أنْ تَظْهَرَ في الدُّنْيا أوْ في دارٍ سِوى الدُّنْيا. والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وامْتِحانٍ، لا دارَ الِانْتِفاعِ والجَزاءِ، ولَمّا بَطَلَ كُلُّ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ مِن دارٍ أُخْرى، فَثَبَتَ أنَّ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ الإلَهِ الكَرِيمِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ يُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَقْطَعَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْعَثُ الأمْواتَ ويَحْشُرُهم، وذَلِكَ يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِعَدَمِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ هو الَّذِي ذُكِرَ بِعَيْنِهِ في سُورَةِ التِّينِ حَيْثُ قالَ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلى أنْ قالَ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] وهَذِهِ المُحاجَّةُ تَصْلُحُ مَعَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا مُقِرِّينَ بِالصّانِعِ ويُنْكِرُونَ الإعادَةَ، وتَصْلُحُ أيْضًا مَعَ مَن يَنْفِي الِابْتِداءَ والإعادَةَ مَعًا، لِأنَّ الخَلْقَ المُعَدَّلَ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ وبِواسِطَتِهِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ، فَإنْ قِيلَ: بِناءُ هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ التِّينِ بَعْدَ هَذا الِاسْتِدْلالِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الحَكِيمِ.
الجَوابُ: أنَّ الكَرِيمَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا، لِأنَّ إيصالَ النِّعْمَةِ إلى الغَيْرِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ لَكانَ ذَلِكَ تَبْذِيرًا لا كَرَمًا. أمّا إذا كانَ مَبْنِيًّا عَلى داعِيَةِ الحِكْمَةِ فَحِينَئِذٍ يُسَمّى كَرَمًا، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: كَوْنُهُ كَرِيمًا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ مِن وجْهَيْنِ كَما قَرَّرْناهُ، أمّا كَوْنُهُ حَكِيمًا فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الحَشْرِ مِن هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَكانَ ذِكْرُ الكَرِيمِ هاهُنا أوْلى مِن ذِكْرِ الحَكِيمِ، هَذا هو تَمامُ الكَلامِ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ. أمّا قَوْلُهُ: (يا أيُّها الإنْسانُ) فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكافِرُ، لِقَوْلِهِ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في ابْنِ الأسَدِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ ضَرَبَ
صفحة ٧٣
النَّبِيَّﷺ فَلَمْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ العُصاةِ وهو الأقْرَبُ، لِأنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فالمُرادُ الَّذِي خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ الباطِلَ حَتّى تَرَكْتَ الواجِباتِ وأتَيْتَ بِالمُحَرَّماتِ، والمَعْنى ما الَّذِي أمَّنَكَ مِن عِقابِهِ، يُقالُ: غَرَّهُ بِفُلانٍ إذا أمَّنَهُ المَحْذُورَ مِن جِهَتِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] هَذا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ عَلى جَمِيعِ العُصاةِ، وأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الكافِرِ، فالمَعْنى ما الَّذِي دَعاكَ إلى الكُفْرِ والجَحْدِ بِالرُّسُلِ، وإنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَهُ كَرِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَغْتَرَّ الإنْسانُ بِكَرَمِهِ بِدَلِيلِ المَعْقُولِ والمَنقُولِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ الجُودَ إفادَةُ ما يَنْبَغِي لا لِعِوَضٍ، فَلَمّا كانَ الحَقُّ تَعالى جَوادًا مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِيضًا، ومَتى كانَ كَذَلِكَ اسْتَوى عِنْدَهُ طاعَةُ المُطِيعِينَ، وعِصْيانُ المُذْنِبِينَ، وهَذا يُوجِبُ الِاغْتِرارَ؛ لِأنَّهُ مِنَ البَعِيدِ أنْ يُقْدِمَ الغَنِيُّ عَلى إيلامِ الضَّعِيفِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أصْلًا، وأمّا المَنقُولُ فَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ دَعا غُلامَهُ مَرّاتٍ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَنَظَرَ فَإذا هو بِالبابِ، فَقالَ لَهُ: لِمَ لَمْ تُجِبْنِي ؟ فَقالَ: لِثِقَتِي بِحِلْمِكَ، وأمْنِي مِن عُقُوبَتِكَ، فاسْتَحْسَنَ جَوابَهُ، وأعْتَقَهُ، وقالُوا أيْضًا: مِن كَرَمِ الرَّجُلِ سُوءُ أدَبِ غِلْمانِهِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ كَرَمَهُ يَقْتَضِي الِاغْتِرارَ بِهِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ هاهُنا مانِعًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِهِ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّكَ لَمّا كُنْتَ تَرى حِلْمَ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ ظَنَنْتَ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا حِسابَ ولا دارَ إلّا هَذِهِ الدّارَ، فَما الَّذِي دَعاكَ إلى هَذا الِاغْتِرارِ، وجَرَّأكَ عَلى إنْكارِ الحَشْرِ والنَّشْرِ ؟ فَإنَّ رَبَّكَ كَرِيمٌ، فَهو لِكَرَمِهِ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ بَسْطًا في مُدَّةِ التَّوْبَةِ، وتَأْخِيرًا لِلْجَزاءِ إلى أنْ يَجْمَعَ النّاسَ في الدّارِ الَّتِي جَعَلَها لَهم لِلْجَزاءِ، فالحاصِلُ أنَّ تَرْكَ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ لِأجْلِ الكَرَمِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاغْتِرارَ بِأنَّهُ لا دارَ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ.
وثانِيها: أنَّ كَرَمَهُ لَمّا بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَمْنَعُ مِنَ العاصِي مَوائِدَ لُطْفِهِ، فَبِأنْ يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ كانَ أوْلى، فَإذَنْ كَوْنُهُ كِرِيمًا يَقْتَضِي الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِن هَذا الِاعْتِبارِ، وتَرْكَ الجَراءَةِ والِاغْتِرارِ.
وثالِثُها: أنَّ كَثْرَةَ الكَرَمِ تُوجِبُ الجِدَّ والِاجْتِهادَ في الخِدْمَةِ والِاسْتِحْياءَ مِنَ الِاغْتِرارِ والتَّوانِي.
ورابِعُها: قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّما قالَ: ﴿بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ حَتّى يَقُولَ غَرَّنِي كَرَمُكَ، ولَوْلا كَرَمُكَ لَما فَعَلْتُ؛ لِأنَّكَ رَأيْتَ فَسَتَرْتَ، وقَدَرْتَ فَأمْهَلْتَ، وهَذا الجَوابُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ﴾ لَيْسَ الكافِرَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذا الِاغْتِرارِ ؟ قُلْنا: وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ قَتادَةُ: سَبَبُ غُرُورِ ابْنِ آدَمَ تَسْوِيلُ الشَّيْطانِ لَهُ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: غَرَّهُ حُمْقُهُ وجَهْلُهُ.
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: غَرَّهُ عَفْوُ اللَّهِ عَنْهُ حِينَ لَمْ يُعاقِبْهُ في أوَّلِ أمْرِهِ، وقِيلَ: لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ إذا أقامَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ لَكَ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ماذا تَقُولُ ؟ قالَ: أقُولُ غَرَّتْنِي سُتُورُكَ المُرْخاةُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قِراءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ما أغَرَّكَ ؟ قُلْنا: هو إمّا عَلى التَّعَجُّبِ وإمّا عَلى الِاسْتِفْهامِ مِن قَوْلِكَ غَرَّ الرَّجُلُ فَهو غارٌّ إذا غَفَلَ، ومِن قَوْلِكَ بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وهم غارُّونَ، وأغَرَّهُ غَيْرُهُ جَعَلَهُ غارًّا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِالكَرَمِ ذَكَرَ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ كالدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ الكَرَمِ.
أوَّلُها: الخَلْقُ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ كَرَمُ وجُودٍ لِأنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ
صفحة ٧٤
مِنَ العَدَمِ، والحَياةَ خَيْرٌ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي قالَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] .
وثانِيها: قَوْلُهُ: (فَسَوّاكَ) أيْ جَعَلَكَ سَوِيًّا سالِمَ الأعْضاءِ تَسْمَعُ وتُبْصِرُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧] قالَ ذُو النُّونِ: سَوّاكَ أيْ سَخَّرَ لَكَ المُكَوِّناتِ أجْمَعَ، وما جَعَلَكَ مُسَخَّرًا لِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ أنْطَقَ لِسانَكَ بِالذِّكْرِ، وقَلْبَكَ بِالعَقْلِ، ورُوحَكَ بِالمَعْرِفَةِ، وسَرَّكَ بِالإيمانِ، وشَرَّفَكَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وفَضَّلَكَ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ عَدَلَ خَلْقَكَ في العَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ فَلَمْ يَجْعَلْ إحْدى اليَدَيْنِ أطْوَلَ ولا إحْدى العَيْنَيْنِ أوْسَعَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] وتَقْرِيرُهُ ما عُرِفَ في عِلْمِ التَّشْرِيحِ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَكَّبَ جانِبَيْ هَذِهِ الجُثَّةِ عَلى التَّسَوِّي حَتّى إنَّهُ لا تَفاوُتَ بَيْنَ نِصْفَيْهِ لا في العِظامِ ولا في أشْكالِها ولا في ثُقْبِها ولا في الأوْرِدَةِ والشَّرايِينِ والأعْصابِ النّافِذَةِ فِيها والخارِجَةِ مِنها، واسْتِقْصاءُ القَوْلِ فِيهِ لا يَلِيقُ بِهَذا العِلْمِ، وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: جَعَلَكَ قائِمًا مُعْتَدِلًا حَسَنَ الصُّورَةِ لا كالبَهِيمَةِ المُنْحَنِيَةِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: عَدَلَ خَلْقَكَ فَأخْرَجَكَ في أحْسَنِ التَّقْوِيمِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ الِاعْتِدالِ جَعَلَكَ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ العَقْلِ والقُدْرَةِ والفِكْرِ، وصَيَّرَكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُسْتَوْلِيًا عَلى جَمِيعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ، وواصِلًا بِالكَمالِ إلى ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن أجْسامِ هَذا العالَمِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ الكُوفِيُّونَ فَعَدَلَكَ بِالتَّخْفِيفِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أنْ يَكُونَ المَعْنى عَدَلَ بَعْضَ أعْضائِكَ بِبَعْضٍ حَتّى اعْتَدَلَتْ.
والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: ”فَعَدَّلَكَ“ أيْ فَصَرَّفَكَ إلى أيِّ صُورَةٍ شاءَ، ثُمَّ قالَ: والتَّشْدِيدُ أحْسَنُ الوَجْهَيْنِ لِأنَّكَ تَقُولُ: عَدَّلْتُكَ إلى كَذا كَما تَقُولُ صَرَّفْتُكَ إلى كَذا، ولا يَحْسُنُ عَدَلْتُكَ فِيهِ ولا صَرَفْتُكَ فِيهِ، فَفي القِراءَةِ الأُولى جُعِلَ في مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ صِلَةً لِلتَّرْكِيبِ، وهو حَسَنٌ، وفي القِراءَةِ الثّانِيَةِ جَعَلَهُ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ وهو ضَعِيفٌ، واعْلَمْ أنَّ اعْتِراضَ القُرّاءِ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي، فَأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَغَيْرُ مُتَوَجِّهٍ.
والثّالِثُ: نَقَلَ القَفّالُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ الأوَّلُ: ما هَلْ هي مَزِيدَةٌ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها لَيْسَتْ مَزِيدَةً، بَلْ هي في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ فَيَكُونُ المَعْنى في أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ، وبِناءً عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ أبُو صالِحٍ ومُقاتِلٌ: المَعْنى إنْ شاءَ رَكَّبَكَ في غَيْرِ صُورَةِ الإنْسانِ مِن صُورَةِ كَلْبٍ أوْ صُورَةِ حِمارٍ أوْ خِنْزِيرٍ أوْ قِرْدٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ مُؤَكَّدَةٌ والمَعْنى في أيِّ صُورَةٍ تَقْتَضِيها مَشِيئَتُهُ وحِكْمَتُهُ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُكَ عَلى مِثْلِها، وعَلى هَذا القَوْلِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ شَبَهُ الأبِ والأُمِّ، أوْ أقارِبِ الأبِ أوْ أقارِبِ الأُمِّ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَكِّبُكَ عَلى مِثْلِ صُوَرِ هَؤُلاءِ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «”إذا اسْتَقَرَّتِ النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ، أحْضَرَها اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ“» .
والثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّ المُرادَ مِنَ الصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ الِاخْتِلافُ بِحَسَبِ الطُّولِ والقِصَرِ والحُسْنِ والقُبْحِ والذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ، ودَلالَةُ هَذِهِ الحالَةِ عَلى الصّانِعِ القادِرِ في غايَةِ الظُّهُورِ، لِأنَّ النُّطْفَةَ جِسْمٌ مُتَشابِهُ الأجْزاءِ وتَأْثِيرُ طَبْعِ الأبَوَيْنِ فِيهِ عَلى السَّوِيَّةِ، فالفاعِلُ المُؤَثِّرُ بِالطَّبِيعَةِ في القابِلِ المُتَشابِهِ لا يَفْعَلُ إلّا فِعْلًا واحِدًا، فَلَمّا اخْتَلَفَتِ الآثارُ والصِّفاتُ دَلَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ هو القادِرُ المُخْتارُ، قالَ القَفّالُ:
صفحة ٧٥
اخْتِلافُ الخَلْقِ والألْوانِ كاخْتِلافِ الأحْوالِ في الغِنى والفَقْرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، فَكَما أنّا نَقْطَعُ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما مَيَّزَ البَعْضَ عَنِ البَعْضِ في الغِنى والفَقْرِ، وطُولِ العُمُرِ وقِصَرِهِ، بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ لا يُحِيطُ بِكُنْهِها إلّا هو، فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أنَّهُ إنَّما جَعَلَ البَعْضَ مُخالِفًا لِلْبَعْضِ، في الخَلْقِ والألْوانِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ بِسَبَبِ هَذا الِاخْتِلافِ يَتَمَيَّزُ المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ والقَرِيبُ عَنِ الأجْنَبِيِّ، ثُمَّ قالَ: ونَحْنُ نَشْهَدُ شَهادَةً لا شَكَّ فِيها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَناظِرِ والهَيْئاتِ إلّا لَمّا عَلِمَ مِن صَلاحِ عِبادِهِ فِيهِ وإنْ كُنّا جاهِلِينَ بِعَيْنِ الصَّلاحِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الواسِطِيُّ: المُرادُ صُورَةُ المُطِيعِينَ والعُصاةِ فَلَيْسَ مَن رَكَّبَهُ عَلى صُورَةِ الوَلايَةِ كَمَن رَكَّبَهُ عَلى صُورَةِ العَداوَةِ، قالَ آخَرُونَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى صَفاءِ الأرْواحِ وظُلْمَتِها، وقالَ الحَسَنُ: مِنهم مَن صَوَّرَهُ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ، ومِنهم مَن صَوَّرَهُ لِيَشْغَلَهُ بِغَيْرِهِ.
مِثالُ الأوَّلِ: أنَّهُ خَلَقَ آدَمَ لِيَخُصَّهُ بِألْطافِ بِرِّهِ وإعْلاءِ قَدْرِهِ وأظْهَرَ رُوحَهُ مِن بَيْنِ جَمالِهِ وجَلالِهِ، وتَوَّجَهُ بِتاجِ الكَرامَةِ وزَيَّنَهُ بِرِداءِ الجَلالِ والهَيْبَةِ.
الانفطار 82:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ عَلى الجُمْلَةِ، فَرَّعَ عَلَيْها شَرْحَ تَفاصِيلِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ، وهو أنْواعٌ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ زَجَرَهم عَنْ ذَلِكَ الِاغْتِرارِ بِقَوْلِهِ: (كَلّا)، و(بَلْ) حَرْفٌ وُضِعَ في اللُّغَةِ لِنَفْيِ شَيْءٍ قَدْ تَقَدَّمَ وتَحَقَّقَ غَيْرُهُ، فَلا جَرَمَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ ”كَلّا“ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّكم لا تَسْتَقِيمُونَ عَلى تَوْجِيهِ نِعَمِي عَلَيْكم وإرْشادِي لَكم، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ.
الثّانِي: كَلّا أيِ ارْتَدِعُوا عَنِ الِاغْتِرارِ بِكَرَمِ اللَّهِ، ثُمَّ كَأنَّهُ قالَ: وإنَّكم لا تَرْتَدِعُونَ عَنْ ذَلِكَ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ أصْلًا.
الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: كَلّا أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّهُ لا بَعْثَ ولا نُشُورَ، لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ عَبَثًا وسُدًى، وحاشاهُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ كَأنَّهُ قالَ: وإنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِهَذا البَيانِ بَلْ تُكَذِّبُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ وجْهانِ.
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدِّينِ الإسْلامَ، والمَعْنى أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ عَلى الدِّينِ والإسْلامِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدِّينِ الحِسابَ، والمَعْنى أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الحِسابِ.
الانفطار 82:10
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ .
والمَعْنى التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّكم تُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وهو يَوْمُ الحِسابِ والجَزاءِ، ومَلائِكَةُ اللَّهِ مُوَكَّلُونَ بِكم يَكْتُبُونَ أعْمالَكم حَتّى تُحاسَبُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨، ١٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] ثُمَّ هاهُنا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: مِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في حُضُورِ الكِرامِ الكاتِبِينَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ، إمّا أنْ يَكُونُوا مُرَكَّبِينَ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ كالهَواءِ والنَّسِيمِ والنّارِ، أوْ مِنَ الأجْسامِ الغَلِيظَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ أنْ
صفحة ٧٦
تَنْتَقِضَ بِنْيَتُهم بِأدْنى سَبَبٍ مِن هُبُوبِ الرِّياحِ الشَّدِيدَةِ وإمْرارِ اليَدِ والكُمِّ والسَّوْطِ في الهَواءِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ نَراهم إذْ لَوْ جازَ أنْ يَكُونُوا حاضِرِينَ ولا نَراهم، لَجازَ أنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنا شُمُوسٌ وأقْمارٌ وفِيَلاتٌ وبُوقاتٌ، ونَحْنُ لا نَراها ولا نَسْمَعُها وذَلِكَ دُخُولٌ في التَّجاهُلِ، وكَذا القَوْلُ في إنْكارِ صَحائِفِهِمْ وذَواتِهِمْ وقَلَمِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ هَذا الِاسْتِكْتابَ إنْ كانَ خالِيًا عَنِ الفَوائِدِ فَهو عَبَثٌ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ فِيهِ فائِدَةٌ فَتِلْكَ الفائِدَةُ، إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العَبْدِ.
والأوَّلُ: مُحالٌ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، وبِهَذا يَظْهَرُ بُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى إنَّما اسْتَكْتَبَها خَوْفًا مِنَ النِّسْيانِ والغَلَطِ.
والثّانِي أيْضًا مُحالٌ، لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ هَذا الِاسْتِكْتابِ أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وحُجَّةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أنَّ هَذِهِ الفائِدَةَ ضَعِيفَةٌ، لِأنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُورُ ولا يَظْلِمُ، لا يَحْتاجُ في حَقِّهِ إلى إثْباتِ هَذِهِ الحُجَّةِ، والَّذِي لا يَعْلَمُ ذَلِكَ لا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الحُجَّةِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَكْتُبُوا تِلْكَ الأشْياءَ عَلَيْهِ ظُلْمًا.
وثالِثُها: أنَّ أفْعالَ القُلُوبِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ولا مَحْسُوسَةٍ فَتَكُونُ هي مِن بابِ المُغَيَّباتِ، والغَيْبُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وإذا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأفْعالُ مَعْلُومَةً لِلْمَلائِكَةِ اسْتَحالَ أنْ يَكْتُبُوها والآيَةُ تَقْضِي أنْ يَكُونُوا كاتِبِينَ عَلَيْنا كُلَّ ما نَفْعَلُهُ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ أمْ لا ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لا تَزالُ إلّا عَلى مَذْهَبِنا بِناءً عَلى أصْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ عِنْدَنا.
والثّانِي: أيْ عِنْدَ سَلامَةِ الحاسَّةِ وحُضُورِ المَرْئِيِّ وحُصُولِ سائِرِ الشَّرائِطِ لا يَجِبُ الإدْراكُ، فَعَلى الأصْلِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ أجْرامًا لَطِيفَةً تَتَمَزَّقُ وتَتَفَرَّقُ ولَكِنْ تَبْقى حَياتُها مَعَ ذَلِكَ، وعَلى الأصْلِ الثّانِي يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أجْسامًا كَثِيفَةً لَكِنّا لا نَراها.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أجْرى أُمُورَهُ مَعَ عِبادِهِ عَلى ما يَتَعامَلُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهم لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَقْرِيرِ المَعْنى عِنْدَهم، ولَمّا كانَ الأبْلَغُ عِنْدَهم في المُحاسَبَةِ إخْراجَ كِتابٍ بِشُهُودٍ خُوطِبُوا بِمِثْلِ هَذا فِيما يُحاسَبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُخْرَجُ لَهم كُتُبٌ مَنشُورَةٌ، ويَحْضُرُ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ كَما يَشْهَدُ عُدُولُ السُّلْطانِ عَلى مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُ أمْرَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أعْطاكَ المَلِكُ كَذا وكَذا، وفَعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، ثُمَّ قَدْ خَلَفْتَهُ وفَعَلْتَ كَذا وكَذا، فَكَذا هاهُنا واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.
الجَوابُ: عَنِ الثّالِثِ أنَّ غايَةَ ما في البابِ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِأفْعالِ الجَوارِحِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ وإنْ كانَ خِطابَ مُشافَهَةٍ إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ المُكَلَّفِينَ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هُناكَ جَمْعٌ مِنَ الحافِظِينَ، وذَلِكَ الجَمْعُ يَكُونُونَ حافِظِينَ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَصَّ واحِدٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِواحِدٍ مِن بَنِي آدَمَ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ المُوَكَّلِ بِالآخَرِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن بَنِي آدَمَ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّهُ تَعالى قابَلَ الجَمْعَ بِالجَمْعِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ كَما قِيلَ: اثْنانِ بِاللَّيْلِ، واثْنانِ بِالنَّهارِ، أوْ كَما قِيلَ: إنَّهم خَمْسَةٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ بِصِفاتٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهم حافِظِينَ.
وثانِيها: كَوْنُهم
صفحة ٧٧
كِرامًا.
وثالِثُها: كَوْنُهم كاتِبِينَ.
ورابِعُها: كَوْنُهم يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ، وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم يَعْلَمُونَ تِلْكَ الأفْعالَ حَتّى يُمْكِنَهم أنْ يَكْتُبُوها، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ لَهُ الشَّهادَةُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّهم يَكْتُبُونَها حَتّى يَكُونُوا عالِمِينَ بِها عِنْدَ أداءِ الشَّهادَةِ.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَ اللَّهِ إيّاهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ وعَظَّمَ شَأْنَهم، وفي تَعْظِيمِهِمْ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ الجَزاءِ، وأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن جَلائِلِ الأُمُورِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما وكَّلَ بِضَبْطِ ما يُحاسِبُ عَلَيْهِ هَؤُلاءِ العُظَماءَ الأكابِرَ، قالَ أبُو عُثْمانَ: مَن يَزْجُرُهُ مِنَ المَعاصِي مُراقَبَةُ اللَّهِ إيّاهُ، كَيْفَ يَرُدُّهُ عَنْها كِتابَةُ الكِرامِ الكاتِبِينَ.
الانفطار 82:11
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ .
والمَعْنى التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّكم تُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وهو يَوْمُ الحِسابِ والجَزاءِ، ومَلائِكَةُ اللَّهِ مُوَكَّلُونَ بِكم يَكْتُبُونَ أعْمالَكم حَتّى تُحاسَبُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨، ١٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] ثُمَّ هاهُنا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: مِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في حُضُورِ الكِرامِ الكاتِبِينَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ، إمّا أنْ يَكُونُوا مُرَكَّبِينَ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ كالهَواءِ والنَّسِيمِ والنّارِ، أوْ مِنَ الأجْسامِ الغَلِيظَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ أنْ
صفحة ٧٦
تَنْتَقِضَ بِنْيَتُهم بِأدْنى سَبَبٍ مِن هُبُوبِ الرِّياحِ الشَّدِيدَةِ وإمْرارِ اليَدِ والكُمِّ والسَّوْطِ في الهَواءِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ نَراهم إذْ لَوْ جازَ أنْ يَكُونُوا حاضِرِينَ ولا نَراهم، لَجازَ أنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنا شُمُوسٌ وأقْمارٌ وفِيَلاتٌ وبُوقاتٌ، ونَحْنُ لا نَراها ولا نَسْمَعُها وذَلِكَ دُخُولٌ في التَّجاهُلِ، وكَذا القَوْلُ في إنْكارِ صَحائِفِهِمْ وذَواتِهِمْ وقَلَمِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ هَذا الِاسْتِكْتابَ إنْ كانَ خالِيًا عَنِ الفَوائِدِ فَهو عَبَثٌ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ فِيهِ فائِدَةٌ فَتِلْكَ الفائِدَةُ، إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العَبْدِ.
والأوَّلُ: مُحالٌ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، وبِهَذا يَظْهَرُ بُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى إنَّما اسْتَكْتَبَها خَوْفًا مِنَ النِّسْيانِ والغَلَطِ.
والثّانِي أيْضًا مُحالٌ، لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ هَذا الِاسْتِكْتابِ أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وحُجَّةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أنَّ هَذِهِ الفائِدَةَ ضَعِيفَةٌ، لِأنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُورُ ولا يَظْلِمُ، لا يَحْتاجُ في حَقِّهِ إلى إثْباتِ هَذِهِ الحُجَّةِ، والَّذِي لا يَعْلَمُ ذَلِكَ لا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الحُجَّةِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَكْتُبُوا تِلْكَ الأشْياءَ عَلَيْهِ ظُلْمًا.
وثالِثُها: أنَّ أفْعالَ القُلُوبِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ولا مَحْسُوسَةٍ فَتَكُونُ هي مِن بابِ المُغَيَّباتِ، والغَيْبُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وإذا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأفْعالُ مَعْلُومَةً لِلْمَلائِكَةِ اسْتَحالَ أنْ يَكْتُبُوها والآيَةُ تَقْضِي أنْ يَكُونُوا كاتِبِينَ عَلَيْنا كُلَّ ما نَفْعَلُهُ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ أمْ لا ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لا تَزالُ إلّا عَلى مَذْهَبِنا بِناءً عَلى أصْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ عِنْدَنا.
والثّانِي: أيْ عِنْدَ سَلامَةِ الحاسَّةِ وحُضُورِ المَرْئِيِّ وحُصُولِ سائِرِ الشَّرائِطِ لا يَجِبُ الإدْراكُ، فَعَلى الأصْلِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ أجْرامًا لَطِيفَةً تَتَمَزَّقُ وتَتَفَرَّقُ ولَكِنْ تَبْقى حَياتُها مَعَ ذَلِكَ، وعَلى الأصْلِ الثّانِي يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أجْسامًا كَثِيفَةً لَكِنّا لا نَراها.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أجْرى أُمُورَهُ مَعَ عِبادِهِ عَلى ما يَتَعامَلُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهم لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَقْرِيرِ المَعْنى عِنْدَهم، ولَمّا كانَ الأبْلَغُ عِنْدَهم في المُحاسَبَةِ إخْراجَ كِتابٍ بِشُهُودٍ خُوطِبُوا بِمِثْلِ هَذا فِيما يُحاسَبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُخْرَجُ لَهم كُتُبٌ مَنشُورَةٌ، ويَحْضُرُ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ كَما يَشْهَدُ عُدُولُ السُّلْطانِ عَلى مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُ أمْرَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أعْطاكَ المَلِكُ كَذا وكَذا، وفَعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، ثُمَّ قَدْ خَلَفْتَهُ وفَعَلْتَ كَذا وكَذا، فَكَذا هاهُنا واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.
الجَوابُ: عَنِ الثّالِثِ أنَّ غايَةَ ما في البابِ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِأفْعالِ الجَوارِحِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ وإنْ كانَ خِطابَ مُشافَهَةٍ إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ المُكَلَّفِينَ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هُناكَ جَمْعٌ مِنَ الحافِظِينَ، وذَلِكَ الجَمْعُ يَكُونُونَ حافِظِينَ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَصَّ واحِدٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِواحِدٍ مِن بَنِي آدَمَ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ المُوَكَّلِ بِالآخَرِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن بَنِي آدَمَ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّهُ تَعالى قابَلَ الجَمْعَ بِالجَمْعِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ كَما قِيلَ: اثْنانِ بِاللَّيْلِ، واثْنانِ بِالنَّهارِ، أوْ كَما قِيلَ: إنَّهم خَمْسَةٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ بِصِفاتٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهم حافِظِينَ.
وثانِيها: كَوْنُهم
صفحة ٧٧
كِرامًا.
وثالِثُها: كَوْنُهم كاتِبِينَ.
ورابِعُها: كَوْنُهم يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ، وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم يَعْلَمُونَ تِلْكَ الأفْعالَ حَتّى يُمْكِنَهم أنْ يَكْتُبُوها، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ لَهُ الشَّهادَةُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّهم يَكْتُبُونَها حَتّى يَكُونُوا عالِمِينَ بِها عِنْدَ أداءِ الشَّهادَةِ.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَ اللَّهِ إيّاهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ وعَظَّمَ شَأْنَهم، وفي تَعْظِيمِهِمْ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ الجَزاءِ، وأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن جَلائِلِ الأُمُورِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما وكَّلَ بِضَبْطِ ما يُحاسِبُ عَلَيْهِ هَؤُلاءِ العُظَماءَ الأكابِرَ، قالَ أبُو عُثْمانَ: مَن يَزْجُرُهُ مِنَ المَعاصِي مُراقَبَةُ اللَّهِ إيّاهُ، كَيْفَ يَرُدُّهُ عَنْها كِتابَةُ الكِرامِ الكاتِبِينَ.
الانفطار 82:12
النَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ .
والمَعْنى التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّكم تُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وهو يَوْمُ الحِسابِ والجَزاءِ، ومَلائِكَةُ اللَّهِ مُوَكَّلُونَ بِكم يَكْتُبُونَ أعْمالَكم حَتّى تُحاسَبُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨، ١٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] ثُمَّ هاهُنا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: مِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في حُضُورِ الكِرامِ الكاتِبِينَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ، إمّا أنْ يَكُونُوا مُرَكَّبِينَ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ كالهَواءِ والنَّسِيمِ والنّارِ، أوْ مِنَ الأجْسامِ الغَلِيظَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ أنْ
صفحة ٧٦
تَنْتَقِضَ بِنْيَتُهم بِأدْنى سَبَبٍ مِن هُبُوبِ الرِّياحِ الشَّدِيدَةِ وإمْرارِ اليَدِ والكُمِّ والسَّوْطِ في الهَواءِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ نَراهم إذْ لَوْ جازَ أنْ يَكُونُوا حاضِرِينَ ولا نَراهم، لَجازَ أنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنا شُمُوسٌ وأقْمارٌ وفِيَلاتٌ وبُوقاتٌ، ونَحْنُ لا نَراها ولا نَسْمَعُها وذَلِكَ دُخُولٌ في التَّجاهُلِ، وكَذا القَوْلُ في إنْكارِ صَحائِفِهِمْ وذَواتِهِمْ وقَلَمِهِمْ.
وثانِيها: أنَّ هَذا الِاسْتِكْتابَ إنْ كانَ خالِيًا عَنِ الفَوائِدِ فَهو عَبَثٌ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ فِيهِ فائِدَةٌ فَتِلْكَ الفائِدَةُ، إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى العَبْدِ.
والأوَّلُ: مُحالٌ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، وبِهَذا يَظْهَرُ بُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى إنَّما اسْتَكْتَبَها خَوْفًا مِنَ النِّسْيانِ والغَلَطِ.
والثّانِي أيْضًا مُحالٌ، لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: فائِدَةُ هَذا الِاسْتِكْتابِ أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وحُجَّةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أنَّ هَذِهِ الفائِدَةَ ضَعِيفَةٌ، لِأنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُورُ ولا يَظْلِمُ، لا يَحْتاجُ في حَقِّهِ إلى إثْباتِ هَذِهِ الحُجَّةِ، والَّذِي لا يَعْلَمُ ذَلِكَ لا يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الحُجَّةِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَكْتُبُوا تِلْكَ الأشْياءَ عَلَيْهِ ظُلْمًا.
وثالِثُها: أنَّ أفْعالَ القُلُوبِ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ولا مَحْسُوسَةٍ فَتَكُونُ هي مِن بابِ المُغَيَّباتِ، والغَيْبُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وإذا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأفْعالُ مَعْلُومَةً لِلْمَلائِكَةِ اسْتَحالَ أنْ يَكْتُبُوها والآيَةُ تَقْضِي أنْ يَكُونُوا كاتِبِينَ عَلَيْنا كُلَّ ما نَفْعَلُهُ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ أمْ لا ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لا تَزالُ إلّا عَلى مَذْهَبِنا بِناءً عَلى أصْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ عِنْدَنا.
والثّانِي: أيْ عِنْدَ سَلامَةِ الحاسَّةِ وحُضُورِ المَرْئِيِّ وحُصُولِ سائِرِ الشَّرائِطِ لا يَجِبُ الإدْراكُ، فَعَلى الأصْلِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ أجْرامًا لَطِيفَةً تَتَمَزَّقُ وتَتَفَرَّقُ ولَكِنْ تَبْقى حَياتُها مَعَ ذَلِكَ، وعَلى الأصْلِ الثّانِي يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أجْسامًا كَثِيفَةً لَكِنّا لا نَراها.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أجْرى أُمُورَهُ مَعَ عِبادِهِ عَلى ما يَتَعامَلُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهم لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَقْرِيرِ المَعْنى عِنْدَهم، ولَمّا كانَ الأبْلَغُ عِنْدَهم في المُحاسَبَةِ إخْراجَ كِتابٍ بِشُهُودٍ خُوطِبُوا بِمِثْلِ هَذا فِيما يُحاسَبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُخْرَجُ لَهم كُتُبٌ مَنشُورَةٌ، ويَحْضُرُ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ كَما يَشْهَدُ عُدُولُ السُّلْطانِ عَلى مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُ أمْرَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أعْطاكَ المَلِكُ كَذا وكَذا، وفَعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، ثُمَّ قَدْ خَلَفْتَهُ وفَعَلْتَ كَذا وكَذا، فَكَذا هاهُنا واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.
الجَوابُ: عَنِ الثّالِثِ أنَّ غايَةَ ما في البابِ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِأفْعالِ الجَوارِحِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ وإنْ كانَ خِطابَ مُشافَهَةٍ إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ المُكَلَّفِينَ، ثُمَّ هاهُنا احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هُناكَ جَمْعٌ مِنَ الحافِظِينَ، وذَلِكَ الجَمْعُ يَكُونُونَ حافِظِينَ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَصَّ واحِدٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِواحِدٍ مِن بَنِي آدَمَ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم غَيْرَ المُوَكَّلِ بِالآخَرِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن بَنِي آدَمَ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّهُ تَعالى قابَلَ الجَمْعَ بِالجَمْعِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُوَكَّلُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ كَما قِيلَ: اثْنانِ بِاللَّيْلِ، واثْنانِ بِالنَّهارِ، أوْ كَما قِيلَ: إنَّهم خَمْسَةٌ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ بِصِفاتٍ:
أوَّلُها: كَوْنُهم حافِظِينَ.
وثانِيها: كَوْنُهم
صفحة ٧٧
كِرامًا.
وثالِثُها: كَوْنُهم كاتِبِينَ.
ورابِعُها: كَوْنُهم يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ، وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم يَعْلَمُونَ تِلْكَ الأفْعالَ حَتّى يُمْكِنَهم أنْ يَكْتُبُوها، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ لَهُ الشَّهادَةُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّهم يَكْتُبُونَها حَتّى يَكُونُوا عالِمِينَ بِها عِنْدَ أداءِ الشَّهادَةِ.
واعْلَمْ أنَّ وصْفَ اللَّهِ إيّاهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ وعَظَّمَ شَأْنَهم، وفي تَعْظِيمِهِمْ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ الجَزاءِ، وأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن جَلائِلِ الأُمُورِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما وكَّلَ بِضَبْطِ ما يُحاسِبُ عَلَيْهِ هَؤُلاءِ العُظَماءَ الأكابِرَ، قالَ أبُو عُثْمانَ: مَن يَزْجُرُهُ مِنَ المَعاصِي مُراقَبَةُ اللَّهِ إيّاهُ، كَيْفَ يَرُدُّهُ عَنْها كِتابَةُ الكِرامِ الكاتِبِينَ.
الانفطار 82:13
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن تَفارِيعِ مَسْألَةِ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الكِرامَ الكاتِبِينَ لِأعْمالِ العِبادِ ذَكَرَ أحْوالَ العامِلِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ وهو نَعِيمُ الجَنَّةِ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وهو النّارُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ القاطِعِينَ بِوَعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والفُجّارُ كُلُّهم في الجَحِيمِ، لِأنَّ لَفْظَ الجَحِيمِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ أفادَ الِاسْتِغْراقَ، والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدِ اسْتَقْصَيْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهاهُنا نُكَتٌ زائِدَةٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها: قالَتِ الوَعِيدِيَّةُ حَصَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ دالَّةٌ عَلى دَوامِ الوَعِيدِ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ ولا وقْتَ إلّا ويَدْخُلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ يَوْمُ الدُّنْيا ويَوْمُ الآخِرَةِ.
الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ: لَوْ خَصَصْنا قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ لَكانَ بَعْضُ الفُجّارِ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ ولَوْ صارُوا إلَيْها لَكانُوا مِنَ الأبْرارِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَتَمَيَّزَ الفُجّارُ عَنِ الأبْرارِ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَيَّزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإذَنْ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ الفُجّارُ الجَنَّةَ كَما لا يَدْخُلُ الأبْرارُ النّارَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة: ٣٧] وإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْتٌ ولا غَيْبَةٌ فَلَيْسَ بَعْدَهُما إلّا الخُلُودُ في النّارِ أبَدَ الآبِدِينَ، ولَمّا كانَ اسْمُ الفاجِرِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ ثَبَتَ بَقاءُ أصْحابِ الكَبائِرِ أبَدًا في النّارِ، وثَبَتَ أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْمُطِيعِينَ لا لِأهْلِ الكَبائِرِ والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلالَةَ ألْفاظِ العُمُومِ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ ضَعِيفَةٌ والمَسْألَةُ قَطْعِيَّةٌ. والتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ في المَطْلُوبِ القَطْعِيِّ غَيْرُ جائِزٍ، بَلْ هاهُنا ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنَّ اسْتِعْمالَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ في المَعْهُودِ السّابِقِ شائِعٌ في اللُّغَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ هاهُنا عائِدًا إلى الكافِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والكَلامُ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، سَلَّمْنا أنَّ العُمُومَ يُفِيدُ القَطْعَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِن جِنْسِ الفَجَرَةِ أوِ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ وهُمُ الفَجَرَةُ.
والأوَّلُ: باطِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَهو فاجِرٌ بِالإجْماعِ، فَتَقْيِيدُ الكافِرِ بِالكافِرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِنْسِ
صفحة ٧٨
الفَجَرَةِ عَبَثٌ، وإذا بَطَلَ هَذا القِسْمُ بَقِيَ الثّانِي، وذَلِكَ يُفِيدُ الحَصْرَ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ هُمُ الفَجَرَةُ لا غَيْرُهم، ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِفاجِرٍ عَلى الإطْلاقِ، سَلَّمْنا أنَّ الفُجّارَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكافِرُ والمُسْلِمُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ الفُجّارِ لا يَكُونُونَ غائِبِينَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: فَإنَّ أحَدَ نَوْعَيِ الفُجّارِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَغِيبُونَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ صِدْقَ قَوْلِنا إنِ الفُجّارَ بِأسْرِهِمْ لا يَغِيبُونَ، يَكْفِي فِيهِ أنْ لا يَغِيبَ الكُفّارُ، فَلا حاجَةَ في صِدْقِهِ إلى أنْ لا يَغِيبَ المُسْلِمُونَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم في الحالِ في الجَحِيمِ وذَلِكَ كَذِبٌ.
فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهم يَحْمِلُونَهُ عَلى أنَّهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الجَحِيمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الحالِ لَيْسُوا غائِبِينَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الكَوْنِ في الجَحِيمِ، إلّا أنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ لا يُنافِي العَفْوَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ وعَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، والتَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ، لِأنَّ دَلِيلَهم لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ جَمِيعَ الفُجّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهم، ودَلِيلُنا يَكْفِي في صِحَّتِهِ تَناوُلُهُ لِبَعْضِ الفُجّارِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَدَلِيلُهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عامًّا، ودَلِيلُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خاصًّا والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُصاةِ حُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ مَرَّ بِالمَدِينَةِ وهو يُرِيدُ مَكَّةَ، فَقالَ لِأبِي حازِمٍ: كَيْفَ القُدُومُ عَلى اللَّهِ غَدًا ؟ قالَ: أمّا المُحْسِنُ فَكالغائِبِ يَقْدُمُ مِن سَفَرِهِ عَلى أهْلِهِ، وأمّا المُسِيءُ فَكالآبِقِ يَقْدُمُ عَلى مَوْلاهُ، قالَ: فَبَكى، ثُمَّ قالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ ! فَقالَ أبُو حازِمٍ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، قالَ: في أيِّ مَكانٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ قالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامُ: النَّعِيمُ المَعْرِفَةُ والمُشاهَدَةُ، والجَحِيمُ ظُلُماتُ الشَّهَواتِ، وقالَ بَعْضُهم: النَّعِيمُ القَناعَةُ، والجَحِيمُ الطَّمَعُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ التَّوَكُّلُ، والجَحِيمُ الحِرْصُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ الِاشْتِغالُ بِاللَّهِ، والجَحِيمُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
الانفطار 82:14
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن تَفارِيعِ مَسْألَةِ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الكِرامَ الكاتِبِينَ لِأعْمالِ العِبادِ ذَكَرَ أحْوالَ العامِلِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ وهو نَعِيمُ الجَنَّةِ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وهو النّارُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ القاطِعِينَ بِوَعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والفُجّارُ كُلُّهم في الجَحِيمِ، لِأنَّ لَفْظَ الجَحِيمِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ أفادَ الِاسْتِغْراقَ، والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدِ اسْتَقْصَيْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهاهُنا نُكَتٌ زائِدَةٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها: قالَتِ الوَعِيدِيَّةُ حَصَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ دالَّةٌ عَلى دَوامِ الوَعِيدِ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ ولا وقْتَ إلّا ويَدْخُلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ يَوْمُ الدُّنْيا ويَوْمُ الآخِرَةِ.
الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ: لَوْ خَصَصْنا قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ لَكانَ بَعْضُ الفُجّارِ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ ولَوْ صارُوا إلَيْها لَكانُوا مِنَ الأبْرارِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَتَمَيَّزَ الفُجّارُ عَنِ الأبْرارِ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَيَّزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإذَنْ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ الفُجّارُ الجَنَّةَ كَما لا يَدْخُلُ الأبْرارُ النّارَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة: ٣٧] وإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْتٌ ولا غَيْبَةٌ فَلَيْسَ بَعْدَهُما إلّا الخُلُودُ في النّارِ أبَدَ الآبِدِينَ، ولَمّا كانَ اسْمُ الفاجِرِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ ثَبَتَ بَقاءُ أصْحابِ الكَبائِرِ أبَدًا في النّارِ، وثَبَتَ أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْمُطِيعِينَ لا لِأهْلِ الكَبائِرِ والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلالَةَ ألْفاظِ العُمُومِ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ ضَعِيفَةٌ والمَسْألَةُ قَطْعِيَّةٌ. والتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ في المَطْلُوبِ القَطْعِيِّ غَيْرُ جائِزٍ، بَلْ هاهُنا ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنَّ اسْتِعْمالَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ في المَعْهُودِ السّابِقِ شائِعٌ في اللُّغَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ هاهُنا عائِدًا إلى الكافِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والكَلامُ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، سَلَّمْنا أنَّ العُمُومَ يُفِيدُ القَطْعَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِن جِنْسِ الفَجَرَةِ أوِ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ وهُمُ الفَجَرَةُ.
والأوَّلُ: باطِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَهو فاجِرٌ بِالإجْماعِ، فَتَقْيِيدُ الكافِرِ بِالكافِرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِنْسِ
صفحة ٧٨
الفَجَرَةِ عَبَثٌ، وإذا بَطَلَ هَذا القِسْمُ بَقِيَ الثّانِي، وذَلِكَ يُفِيدُ الحَصْرَ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ هُمُ الفَجَرَةُ لا غَيْرُهم، ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِفاجِرٍ عَلى الإطْلاقِ، سَلَّمْنا أنَّ الفُجّارَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكافِرُ والمُسْلِمُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ الفُجّارِ لا يَكُونُونَ غائِبِينَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: فَإنَّ أحَدَ نَوْعَيِ الفُجّارِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَغِيبُونَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ صِدْقَ قَوْلِنا إنِ الفُجّارَ بِأسْرِهِمْ لا يَغِيبُونَ، يَكْفِي فِيهِ أنْ لا يَغِيبَ الكُفّارُ، فَلا حاجَةَ في صِدْقِهِ إلى أنْ لا يَغِيبَ المُسْلِمُونَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم في الحالِ في الجَحِيمِ وذَلِكَ كَذِبٌ.
فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهم يَحْمِلُونَهُ عَلى أنَّهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الجَحِيمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الحالِ لَيْسُوا غائِبِينَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الكَوْنِ في الجَحِيمِ، إلّا أنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ لا يُنافِي العَفْوَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ وعَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، والتَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ، لِأنَّ دَلِيلَهم لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ جَمِيعَ الفُجّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهم، ودَلِيلُنا يَكْفِي في صِحَّتِهِ تَناوُلُهُ لِبَعْضِ الفُجّارِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَدَلِيلُهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عامًّا، ودَلِيلُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خاصًّا والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُصاةِ حُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ مَرَّ بِالمَدِينَةِ وهو يُرِيدُ مَكَّةَ، فَقالَ لِأبِي حازِمٍ: كَيْفَ القُدُومُ عَلى اللَّهِ غَدًا ؟ قالَ: أمّا المُحْسِنُ فَكالغائِبِ يَقْدُمُ مِن سَفَرِهِ عَلى أهْلِهِ، وأمّا المُسِيءُ فَكالآبِقِ يَقْدُمُ عَلى مَوْلاهُ، قالَ: فَبَكى، ثُمَّ قالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ ! فَقالَ أبُو حازِمٍ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، قالَ: في أيِّ مَكانٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ قالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامُ: النَّعِيمُ المَعْرِفَةُ والمُشاهَدَةُ، والجَحِيمُ ظُلُماتُ الشَّهَواتِ، وقالَ بَعْضُهم: النَّعِيمُ القَناعَةُ، والجَحِيمُ الطَّمَعُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ التَّوَكُّلُ، والجَحِيمُ الحِرْصُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ الِاشْتِغالُ بِاللَّهِ، والجَحِيمُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
الانفطار 82:15
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن تَفارِيعِ مَسْألَةِ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الكِرامَ الكاتِبِينَ لِأعْمالِ العِبادِ ذَكَرَ أحْوالَ العامِلِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ وهو نَعِيمُ الجَنَّةِ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وهو النّارُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ القاطِعِينَ بِوَعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والفُجّارُ كُلُّهم في الجَحِيمِ، لِأنَّ لَفْظَ الجَحِيمِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ أفادَ الِاسْتِغْراقَ، والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدِ اسْتَقْصَيْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهاهُنا نُكَتٌ زائِدَةٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها: قالَتِ الوَعِيدِيَّةُ حَصَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ دالَّةٌ عَلى دَوامِ الوَعِيدِ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ ولا وقْتَ إلّا ويَدْخُلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ يَوْمُ الدُّنْيا ويَوْمُ الآخِرَةِ.
الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ: لَوْ خَصَصْنا قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ لَكانَ بَعْضُ الفُجّارِ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ ولَوْ صارُوا إلَيْها لَكانُوا مِنَ الأبْرارِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَتَمَيَّزَ الفُجّارُ عَنِ الأبْرارِ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَيَّزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإذَنْ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ الفُجّارُ الجَنَّةَ كَما لا يَدْخُلُ الأبْرارُ النّارَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة: ٣٧] وإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْتٌ ولا غَيْبَةٌ فَلَيْسَ بَعْدَهُما إلّا الخُلُودُ في النّارِ أبَدَ الآبِدِينَ، ولَمّا كانَ اسْمُ الفاجِرِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ ثَبَتَ بَقاءُ أصْحابِ الكَبائِرِ أبَدًا في النّارِ، وثَبَتَ أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْمُطِيعِينَ لا لِأهْلِ الكَبائِرِ والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلالَةَ ألْفاظِ العُمُومِ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ ضَعِيفَةٌ والمَسْألَةُ قَطْعِيَّةٌ. والتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ في المَطْلُوبِ القَطْعِيِّ غَيْرُ جائِزٍ، بَلْ هاهُنا ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنَّ اسْتِعْمالَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ في المَعْهُودِ السّابِقِ شائِعٌ في اللُّغَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ هاهُنا عائِدًا إلى الكافِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والكَلامُ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، سَلَّمْنا أنَّ العُمُومَ يُفِيدُ القَطْعَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِن جِنْسِ الفَجَرَةِ أوِ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ وهُمُ الفَجَرَةُ.
والأوَّلُ: باطِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَهو فاجِرٌ بِالإجْماعِ، فَتَقْيِيدُ الكافِرِ بِالكافِرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِنْسِ
صفحة ٧٨
الفَجَرَةِ عَبَثٌ، وإذا بَطَلَ هَذا القِسْمُ بَقِيَ الثّانِي، وذَلِكَ يُفِيدُ الحَصْرَ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ هُمُ الفَجَرَةُ لا غَيْرُهم، ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِفاجِرٍ عَلى الإطْلاقِ، سَلَّمْنا أنَّ الفُجّارَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكافِرُ والمُسْلِمُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ الفُجّارِ لا يَكُونُونَ غائِبِينَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: فَإنَّ أحَدَ نَوْعَيِ الفُجّارِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَغِيبُونَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ صِدْقَ قَوْلِنا إنِ الفُجّارَ بِأسْرِهِمْ لا يَغِيبُونَ، يَكْفِي فِيهِ أنْ لا يَغِيبَ الكُفّارُ، فَلا حاجَةَ في صِدْقِهِ إلى أنْ لا يَغِيبَ المُسْلِمُونَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم في الحالِ في الجَحِيمِ وذَلِكَ كَذِبٌ.
فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهم يَحْمِلُونَهُ عَلى أنَّهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الجَحِيمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الحالِ لَيْسُوا غائِبِينَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الكَوْنِ في الجَحِيمِ، إلّا أنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ لا يُنافِي العَفْوَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ وعَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، والتَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ، لِأنَّ دَلِيلَهم لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ جَمِيعَ الفُجّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهم، ودَلِيلُنا يَكْفِي في صِحَّتِهِ تَناوُلُهُ لِبَعْضِ الفُجّارِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَدَلِيلُهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عامًّا، ودَلِيلُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خاصًّا والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُصاةِ حُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ مَرَّ بِالمَدِينَةِ وهو يُرِيدُ مَكَّةَ، فَقالَ لِأبِي حازِمٍ: كَيْفَ القُدُومُ عَلى اللَّهِ غَدًا ؟ قالَ: أمّا المُحْسِنُ فَكالغائِبِ يَقْدُمُ مِن سَفَرِهِ عَلى أهْلِهِ، وأمّا المُسِيءُ فَكالآبِقِ يَقْدُمُ عَلى مَوْلاهُ، قالَ: فَبَكى، ثُمَّ قالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ ! فَقالَ أبُو حازِمٍ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، قالَ: في أيِّ مَكانٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ قالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامُ: النَّعِيمُ المَعْرِفَةُ والمُشاهَدَةُ، والجَحِيمُ ظُلُماتُ الشَّهَواتِ، وقالَ بَعْضُهم: النَّعِيمُ القَناعَةُ، والجَحِيمُ الطَّمَعُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ التَّوَكُّلُ، والجَحِيمُ الحِرْصُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ الِاشْتِغالُ بِاللَّهِ، والجَحِيمُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
الانفطار 82:16
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن تَفارِيعِ مَسْألَةِ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الكِرامَ الكاتِبِينَ لِأعْمالِ العِبادِ ذَكَرَ أحْوالَ العامِلِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ وهو نَعِيمُ الجَنَّةِ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وهو النّارُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ القاطِعِينَ بِوَعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والفُجّارُ كُلُّهم في الجَحِيمِ، لِأنَّ لَفْظَ الجَحِيمِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ أفادَ الِاسْتِغْراقَ، والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدِ اسْتَقْصَيْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهاهُنا نُكَتٌ زائِدَةٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها: قالَتِ الوَعِيدِيَّةُ حَصَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ دالَّةٌ عَلى دَوامِ الوَعِيدِ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ ولا وقْتَ إلّا ويَدْخُلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ يَوْمُ الدُّنْيا ويَوْمُ الآخِرَةِ.
الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ: لَوْ خَصَصْنا قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ لَكانَ بَعْضُ الفُجّارِ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ ولَوْ صارُوا إلَيْها لَكانُوا مِنَ الأبْرارِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَتَمَيَّزَ الفُجّارُ عَنِ الأبْرارِ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَيَّزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإذَنْ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ الفُجّارُ الجَنَّةَ كَما لا يَدْخُلُ الأبْرارُ النّارَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة: ٣٧] وإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْتٌ ولا غَيْبَةٌ فَلَيْسَ بَعْدَهُما إلّا الخُلُودُ في النّارِ أبَدَ الآبِدِينَ، ولَمّا كانَ اسْمُ الفاجِرِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ ثَبَتَ بَقاءُ أصْحابِ الكَبائِرِ أبَدًا في النّارِ، وثَبَتَ أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْمُطِيعِينَ لا لِأهْلِ الكَبائِرِ والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلالَةَ ألْفاظِ العُمُومِ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ ضَعِيفَةٌ والمَسْألَةُ قَطْعِيَّةٌ. والتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ في المَطْلُوبِ القَطْعِيِّ غَيْرُ جائِزٍ، بَلْ هاهُنا ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنَّ اسْتِعْمالَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ في المَعْهُودِ السّابِقِ شائِعٌ في اللُّغَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ هاهُنا عائِدًا إلى الكافِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والكَلامُ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، سَلَّمْنا أنَّ العُمُومَ يُفِيدُ القَطْعَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِن جِنْسِ الفَجَرَةِ أوِ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ وهُمُ الفَجَرَةُ.
والأوَّلُ: باطِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَهو فاجِرٌ بِالإجْماعِ، فَتَقْيِيدُ الكافِرِ بِالكافِرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِنْسِ
صفحة ٧٨
الفَجَرَةِ عَبَثٌ، وإذا بَطَلَ هَذا القِسْمُ بَقِيَ الثّانِي، وذَلِكَ يُفِيدُ الحَصْرَ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ هُمُ الفَجَرَةُ لا غَيْرُهم، ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِفاجِرٍ عَلى الإطْلاقِ، سَلَّمْنا أنَّ الفُجّارَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكافِرُ والمُسْلِمُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ الفُجّارِ لا يَكُونُونَ غائِبِينَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: فَإنَّ أحَدَ نَوْعَيِ الفُجّارِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَغِيبُونَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ صِدْقَ قَوْلِنا إنِ الفُجّارَ بِأسْرِهِمْ لا يَغِيبُونَ، يَكْفِي فِيهِ أنْ لا يَغِيبَ الكُفّارُ، فَلا حاجَةَ في صِدْقِهِ إلى أنْ لا يَغِيبَ المُسْلِمُونَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم في الحالِ في الجَحِيمِ وذَلِكَ كَذِبٌ.
فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهم يَحْمِلُونَهُ عَلى أنَّهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الجَحِيمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الحالِ لَيْسُوا غائِبِينَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الكَوْنِ في الجَحِيمِ، إلّا أنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ لا يُنافِي العَفْوَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ وعَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، والتَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ، لِأنَّ دَلِيلَهم لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ جَمِيعَ الفُجّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهم، ودَلِيلُنا يَكْفِي في صِحَّتِهِ تَناوُلُهُ لِبَعْضِ الفُجّارِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَدَلِيلُهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عامًّا، ودَلِيلُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خاصًّا والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُصاةِ حُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ مَرَّ بِالمَدِينَةِ وهو يُرِيدُ مَكَّةَ، فَقالَ لِأبِي حازِمٍ: كَيْفَ القُدُومُ عَلى اللَّهِ غَدًا ؟ قالَ: أمّا المُحْسِنُ فَكالغائِبِ يَقْدُمُ مِن سَفَرِهِ عَلى أهْلِهِ، وأمّا المُسِيءُ فَكالآبِقِ يَقْدُمُ عَلى مَوْلاهُ، قالَ: فَبَكى، ثُمَّ قالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ ! فَقالَ أبُو حازِمٍ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، قالَ: في أيِّ مَكانٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ قالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامُ: النَّعِيمُ المَعْرِفَةُ والمُشاهَدَةُ، والجَحِيمُ ظُلُماتُ الشَّهَواتِ، وقالَ بَعْضُهم: النَّعِيمُ القَناعَةُ، والجَحِيمُ الطَّمَعُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ التَّوَكُّلُ، والجَحِيمُ الحِرْصُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ الِاشْتِغالُ بِاللَّهِ، والجَحِيمُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
الانفطار 82:17
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن تَفارِيعِ مَسْألَةِ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الكِرامَ الكاتِبِينَ لِأعْمالِ العِبادِ ذَكَرَ أحْوالَ العامِلِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ وهو نَعِيمُ الجَنَّةِ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وهو النّارُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ القاطِعِينَ بِوَعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والفُجّارُ كُلُّهم في الجَحِيمِ، لِأنَّ لَفْظَ الجَحِيمِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ أفادَ الِاسْتِغْراقَ، والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدِ اسْتَقْصَيْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهاهُنا نُكَتٌ زائِدَةٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها: قالَتِ الوَعِيدِيَّةُ حَصَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ دالَّةٌ عَلى دَوامِ الوَعِيدِ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ ولا وقْتَ إلّا ويَدْخُلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ يَوْمُ الدُّنْيا ويَوْمُ الآخِرَةِ.
الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ: لَوْ خَصَصْنا قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ لَكانَ بَعْضُ الفُجّارِ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ ولَوْ صارُوا إلَيْها لَكانُوا مِنَ الأبْرارِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَتَمَيَّزَ الفُجّارُ عَنِ الأبْرارِ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَيَّزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإذَنْ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ الفُجّارُ الجَنَّةَ كَما لا يَدْخُلُ الأبْرارُ النّارَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة: ٣٧] وإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْتٌ ولا غَيْبَةٌ فَلَيْسَ بَعْدَهُما إلّا الخُلُودُ في النّارِ أبَدَ الآبِدِينَ، ولَمّا كانَ اسْمُ الفاجِرِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ ثَبَتَ بَقاءُ أصْحابِ الكَبائِرِ أبَدًا في النّارِ، وثَبَتَ أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْمُطِيعِينَ لا لِأهْلِ الكَبائِرِ والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلالَةَ ألْفاظِ العُمُومِ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ ضَعِيفَةٌ والمَسْألَةُ قَطْعِيَّةٌ. والتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ في المَطْلُوبِ القَطْعِيِّ غَيْرُ جائِزٍ، بَلْ هاهُنا ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنَّ اسْتِعْمالَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ في المَعْهُودِ السّابِقِ شائِعٌ في اللُّغَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ هاهُنا عائِدًا إلى الكافِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والكَلامُ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، سَلَّمْنا أنَّ العُمُومَ يُفِيدُ القَطْعَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِن جِنْسِ الفَجَرَةِ أوِ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ وهُمُ الفَجَرَةُ.
والأوَّلُ: باطِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَهو فاجِرٌ بِالإجْماعِ، فَتَقْيِيدُ الكافِرِ بِالكافِرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِنْسِ
صفحة ٧٨
الفَجَرَةِ عَبَثٌ، وإذا بَطَلَ هَذا القِسْمُ بَقِيَ الثّانِي، وذَلِكَ يُفِيدُ الحَصْرَ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ هُمُ الفَجَرَةُ لا غَيْرُهم، ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِفاجِرٍ عَلى الإطْلاقِ، سَلَّمْنا أنَّ الفُجّارَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكافِرُ والمُسْلِمُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ الفُجّارِ لا يَكُونُونَ غائِبِينَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: فَإنَّ أحَدَ نَوْعَيِ الفُجّارِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَغِيبُونَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ صِدْقَ قَوْلِنا إنِ الفُجّارَ بِأسْرِهِمْ لا يَغِيبُونَ، يَكْفِي فِيهِ أنْ لا يَغِيبَ الكُفّارُ، فَلا حاجَةَ في صِدْقِهِ إلى أنْ لا يَغِيبَ المُسْلِمُونَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم في الحالِ في الجَحِيمِ وذَلِكَ كَذِبٌ.
فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهم يَحْمِلُونَهُ عَلى أنَّهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الجَحِيمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الحالِ لَيْسُوا غائِبِينَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الكَوْنِ في الجَحِيمِ، إلّا أنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ لا يُنافِي العَفْوَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ وعَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، والتَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ، لِأنَّ دَلِيلَهم لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ جَمِيعَ الفُجّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهم، ودَلِيلُنا يَكْفِي في صِحَّتِهِ تَناوُلُهُ لِبَعْضِ الفُجّارِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَدَلِيلُهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عامًّا، ودَلِيلُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خاصًّا والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُصاةِ حُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ مَرَّ بِالمَدِينَةِ وهو يُرِيدُ مَكَّةَ، فَقالَ لِأبِي حازِمٍ: كَيْفَ القُدُومُ عَلى اللَّهِ غَدًا ؟ قالَ: أمّا المُحْسِنُ فَكالغائِبِ يَقْدُمُ مِن سَفَرِهِ عَلى أهْلِهِ، وأمّا المُسِيءُ فَكالآبِقِ يَقْدُمُ عَلى مَوْلاهُ، قالَ: فَبَكى، ثُمَّ قالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ ! فَقالَ أبُو حازِمٍ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، قالَ: في أيِّ مَكانٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ قالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامُ: النَّعِيمُ المَعْرِفَةُ والمُشاهَدَةُ، والجَحِيمُ ظُلُماتُ الشَّهَواتِ، وقالَ بَعْضُهم: النَّعِيمُ القَناعَةُ، والجَحِيمُ الطَّمَعُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ التَّوَكُّلُ، والجَحِيمُ الحِرْصُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ الِاشْتِغالُ بِاللَّهِ، والجَحِيمُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
الانفطار 82:18
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن تَفارِيعِ مَسْألَةِ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وصَفَ الكِرامَ الكاتِبِينَ لِأعْمالِ العِبادِ ذَكَرَ أحْوالَ العامِلِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ وهو نَعِيمُ الجَنَّةِ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وهو النّارُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ القاطِعِينَ بِوَعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: صاحِبُ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والفُجّارُ كُلُّهم في الجَحِيمِ، لِأنَّ لَفْظَ الجَحِيمِ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ الألِفُ واللّامُ أفادَ الِاسْتِغْراقَ، والكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ قَدِ اسْتَقْصَيْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهاهُنا نُكَتٌ زائِدَةٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها: قالَتِ الوَعِيدِيَّةُ حَصَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ دالَّةٌ عَلى دَوامِ الوَعِيدِ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ ولا وقْتَ إلّا ويَدْخُلُ فِيهِ، كَما تَقُولُ يَوْمُ الدُّنْيا ويَوْمُ الآخِرَةِ.
الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ: لَوْ خَصَصْنا قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ لَكانَ بَعْضُ الفُجّارِ يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ ولَوْ صارُوا إلَيْها لَكانُوا مِنَ الأبْرارِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَتَمَيَّزَ الفُجّارُ عَنِ الأبْرارِ، وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَيَّزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإذَنْ يَجِبُ أنْ لا يَدْخُلَ الفُجّارُ الجَنَّةَ كَما لا يَدْخُلُ الأبْرارُ النّارَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة: ٣٧] وإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَوْتٌ ولا غَيْبَةٌ فَلَيْسَ بَعْدَهُما إلّا الخُلُودُ في النّارِ أبَدَ الآبِدِينَ، ولَمّا كانَ اسْمُ الفاجِرِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والمُسْلِمَ صاحِبَ الكَبِيرَةِ ثَبَتَ بَقاءُ أصْحابِ الكَبائِرِ أبَدًا في النّارِ، وثَبَتَ أنَّ الشَّفاعَةَ لِلْمُطِيعِينَ لا لِأهْلِ الكَبائِرِ والجَوابُ عَنْهُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ دَلالَةَ ألْفاظِ العُمُومِ عَلى الِاسْتِغْراقِ دَلالَةٌ ظَنِّيَّةٌ ضَعِيفَةٌ والمَسْألَةُ قَطْعِيَّةٌ. والتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ في المَطْلُوبِ القَطْعِيِّ غَيْرُ جائِزٍ، بَلْ هاهُنا ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: لِأنَّ اسْتِعْمالَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ في المَعْهُودِ السّابِقِ شائِعٌ في اللُّغَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ هاهُنا عائِدًا إلى الكافِرِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ، والكَلامُ في ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، سَلَّمْنا أنَّ العُمُومَ يُفِيدُ القَطْعَ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ فاجِرٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِن جِنْسِ الفَجَرَةِ أوِ المُرادُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ﴾ وهُمُ الفَجَرَةُ.
والأوَّلُ: باطِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ فَهو فاجِرٌ بِالإجْماعِ، فَتَقْيِيدُ الكافِرِ بِالكافِرِ الَّذِي يَكُونُ مِن جِنْسِ
صفحة ٧٨
الفَجَرَةِ عَبَثٌ، وإذا بَطَلَ هَذا القِسْمُ بَقِيَ الثّانِي، وذَلِكَ يُفِيدُ الحَصْرَ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ هُمُ الفَجَرَةُ لا غَيْرُهم، ثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِفاجِرٍ عَلى الإطْلاقِ، سَلَّمْنا أنَّ الفُجّارَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الكافِرُ والمُسْلِمُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ مَعْناهُ أنَّ مَجْمُوعَ الفُجّارِ لا يَكُونُونَ غائِبِينَ، ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: فَإنَّ أحَدَ نَوْعَيِ الفُجّارِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَغِيبُونَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ صِدْقَ قَوْلِنا إنِ الفُجّارَ بِأسْرِهِمْ لا يَغِيبُونَ، يَكْفِي فِيهِ أنْ لا يَغِيبَ الكُفّارُ، فَلا حاجَةَ في صِدْقِهِ إلى أنْ لا يَغِيبَ المُسْلِمُونَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم في الحالِ في الجَحِيمِ وذَلِكَ كَذِبٌ.
فَلا بُدَّ مِن صَرْفِهِ عَنِ الظّاهِرِ، فَهم يَحْمِلُونَهُ عَلى أنَّهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الجَحِيمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الحالِ لَيْسُوا غائِبِينَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الكَوْنِ في الجَحِيمِ، إلّا أنَّ ثُبُوتَ الِاسْتِحْقاقِ لا يُنافِي العَفْوَ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ وعَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، والتَّرْجِيحُ لِهَذا الجانِبِ، لِأنَّ دَلِيلَهم لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ جَمِيعَ الفُجّارِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهم، ودَلِيلُنا يَكْفِي في صِحَّتِهِ تَناوُلُهُ لِبَعْضِ الفُجّارِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَدَلِيلُهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عامًّا، ودَلِيلُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ خاصًّا والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُصاةِ حُكِيَ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ مَرَّ بِالمَدِينَةِ وهو يُرِيدُ مَكَّةَ، فَقالَ لِأبِي حازِمٍ: كَيْفَ القُدُومُ عَلى اللَّهِ غَدًا ؟ قالَ: أمّا المُحْسِنُ فَكالغائِبِ يَقْدُمُ مِن سَفَرِهِ عَلى أهْلِهِ، وأمّا المُسِيءُ فَكالآبِقِ يَقْدُمُ عَلى مَوْلاهُ، قالَ: فَبَكى، ثُمَّ قالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما لَنا عِنْدَ اللَّهِ ! فَقالَ أبُو حازِمٍ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلى كِتابِ اللَّهِ، قالَ: في أيِّ مَكانٍ مِن كِتابِ اللَّهِ ؟ قالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامُ: النَّعِيمُ المَعْرِفَةُ والمُشاهَدَةُ، والجَحِيمُ ظُلُماتُ الشَّهَواتِ، وقالَ بَعْضُهم: النَّعِيمُ القَناعَةُ، والجَحِيمُ الطَّمَعُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ التَّوَكُّلُ، والجَحِيمُ الحِرْصُ، وقِيلَ: النَّعِيمُ الِاشْتِغالُ بِاللَّهِ، والجَحِيمُ الِاشْتِغالُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
الانفطار 82:19
النَّوْعُ الرّابِعُ: مِن تَفارِيعِ الحَشْرِ تَعْظِيمُ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الخِطابِ في قَوْلِهِ: (وما أدْراكَ) فَقالَ بَعْضُهم: هو خِطابٌ لِلْكافِرِ عَلى وجْهِ الزَّجْرِ لَهُ، وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وإنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ما كانَ عالِمًا بِذَلِكَ قَبْلَ الوَحْيِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَّكْرِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: بَلْ هو لِفائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ، إذِ المُرادُ بِالأوَّلِ أهْلُ النّارِ، والمُرادُ بِالثّانِي أهْلُ الجَنَّةِ، كَأنَّهُ قالَ: وما أدْراكَ ما يُعامَلُ بِهِ الفُجّارُ في يَوْمِ الدِّينِ ؟ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يُعامَلُ بِهِ الأبْرارُ في يَوْمِ الدِّينِ ؟ وكَرَّرَ يَوْمَ الدِّينِ تَعْظِيمًا لِما يَفْعَلُهُ تَعالى مِنَ الأمْرَيْنِ بِهَذَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.
صفحة ٧٩
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) قِراءَتانِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ، أمّا الرَّفْعُ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: عَلى البَدَلِ مِن يَوْمِ الدِّينِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِإضْمارِ هو فَيَكُونُ المَعْنى هو يَوْمٌ لا تَمْلِكُ، وأمّا النَّصْبُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: بِإضْمارِ يُدانُونَ لِأنَّ الدِّينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وثانِيها: بِإضْمارِ اذْكُرُوا.
وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ إلّا أنَّهُ يُبْنى عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى قَوْلِهِ: (لا تَمْلِكُ) وما أُضِيفَ إلى غَيْرِ المُتَمَكِّنِ قَدْ يُبْنى عَلى الفَتْحِ، وإنْ كانَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أوْ جَرٍّ كَما قالَ:
لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنهم غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أوْقالِ
فَبُنِيَ غَيْرُ عَلى الفَتْحِ لَمّا أُضِيفَ إلى قَوْلِهِ أنْ نَطَقَتْ، قالَ الواحِدِيُّ: والَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِنَ البِناءِ عَلى الفَتْحِ إنَّما يَجُوزُ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، إذا كانَتِ الإضافَةُ إلى الفِعْلِ الماضِي، نَحْوَ قَوْلِكَ عَلى حِينِ عاتَبْتُ، أمّا مَعَ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، فَلا يَجُوزُ البِناءُ عِنْدَهم، ويَجُوزُ ذَلِكَ في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] .
ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ وهو أنَّ اليَوْمَ لَمّا جَرَّ في أكْثَرِ الأمْرِ ظَرْفًا تُرِكَ عَلى حالَةِ الأكْثَرِيَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ إجْماعُ القُرّاءِ والعَرَبِ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ولا يَرْفَعُ ذَلِكَ أحَدٌ. ومِمّا يُقَوِّي النَّصْبَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ [القارعة: ٣ - ٤] وقَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣، ١٢] فالنَّصْبُ في ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ مِثْلُ هَذا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: تَمَسَّكُوا في نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِلْعُصاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣] والجَوابُ: عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّ أهْلَ الدُّنْيا كانُوا يَتَغَلَّبُونَ عَلى المُلْكِ ويُعِينُ بَعْضُهم بَعْضًا في أُمُورٍ، ويَحْمِي بَعْضُهم بَعْضًا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ بَطَلَ مُلْكُ بَنِي الدُّنْيا وزالَتْ رِياسَتُهم، فَلا يَحْمِي أحَدٌ أحَدًا، ولا يُغْنِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ، ولا يَتَغَلَّبُ أحَدٌ عَلى مُلْكٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم إلّا البِرُّ والطّاعَةُ يَوْمَئِذٍ دُونَ سائِرِ ما كانَ قَدْ يُغْنِي عَنْهم في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ وأعْوانٍ وشُفَعاءَ. قالَ الواحِدِيُّ: والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُمَلِّكْ في ذَلِكَ اليَوْمِ أحَدًا شَيْئًا مِنَ الأُمُورِ، كَما مَلَّكَهم في دارِ الدُّنْيا. قالَ الواسِطِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ إشارَةٌ إلى فَناءِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وهُناكَ تَذْهَبُ الرِّسالاتُ والكَلِماتُ والغاياتُ، فَمَن كانَتْ صِفَتُهُ في الدُّنْيا كَذَلِكَ كانَتْ دُنْياهُ أُخْراهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ البَقاءَ والوُجُودَ لِلَّهِ، والأمْرُ كَذَلِكَ في الأزَلِ وفي اليَوْمِ وفي الآخِرَةِ، ولَمْ يَتَغَيَّرْ مِن حالٍ إلى حالٍ، فالتَّفاوُتُ عائِدٌ إلى أحْوالِ النّاظِرِ، لا إلى أحْوالِ المَنظُورِ إلَيْهِ، فالكامِلُونَ لا تَتَفاوَتُ أحْوالُهم بِحَسَبِ تَفاوُتِ الأوْقاتِ، كَما قالَ: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا، وكَحارِثَةَ لَمّا أُخْبِرَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: ”كَأنِّي أنْظُرُ وكَأنِّي وكَأنِّي“ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
المطففين 83:1
صفحة ٨٠
[ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ ]
ثَلاثُونَ وسِتُّ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾
﷽
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ مِن صِفَتِهِ أنَّهُ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَهْدِيدًا عَظِيمًا لِلْعُصاةِ، فَلِهَذا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ والمُرادُ الزَّجْرُ عَنِ التَّطْفِيفِ، وهو البَخْسُ في المِكْيالِ والمِيزانِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكَثِيرَ يَظْهَرُ فَيُمْنَعُ مِنهُ، وذَلِكَ القَلِيلُ إنْ ظَهَرَ أيْضًا مُنِعَ مِنهُ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّطْفِيفَ هو البَخْسُ في المِكْيالِ والمِيزانِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوَيْلُ، كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عِنْدَ وُقُوعِ البَلاءِ، يُقالُ: ويْلٌ لَكَ، ووَيْلٌ عَلَيْكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في اشْتِقاقِ لَفْظِ المُطَفِّفِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ طَفَّ الشَّيْءِ هو جانِبُهُ وحَرْفُهُ، يُقالُ: طَفَّ الوادِي والإناءُ، إذا بَلَغَ الشَّيْءُ الَّذِي فِيهِ حَرْفَهُ ولَمْ يَمْتَلِئْ فَهو طِفافُهُ وطَفافُهُ وطَفَفُهُ، ويُقالُ: هَذا طَفُّ المِكْيالِ وطَفافُهُ، إذا قارَبَ مَلْأُهُ لَكِنَّهُ بَعْدُ لَمْ يَمْتَلِئْ، ولِهَذا قِيلَ: لِلَّذِي يُسِيءُ الكَيْلَ ولا يُوَفِّيهِ مُطَفِّفٌ، يَعْنِي أنَّهُ إنَّما يَبْلُغُ الطِّفافَ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ إنَّما قِيلَ لِلَّذِي يَنْقُصُ المِكْيالَ والمِيزانَ مُطَفِّفٌ، لِأنَّهُ يَكُونُ الَّذِي لا يَسْرِقُ في المِكْيالِ والمِيزانِ إلّا الشَّيْءَ اليَسِيرَ الطَّفِيفَ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الِاكْتِيالَ الأخْذُ بِالكَيْلِ، كالِاتِّزانِ الأخْذُ بِالوَزْنِ، ثُمَّ إنَّ اللُّغَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ: اكْتَلْتُ مِن فُلانٍ، ولا يُقالُ: اكْتَلْتُ عَلى فُلانٍ، فَما الوَجْهُ فِيهِ هاهُنا ؟ .
الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَمّا كانَ اكْتِيالُهم مِنَ النّاسِ اكْتِيالًا فِيهِ إضْرارٌ بِهِمْ وتَحامُلٌ عَلَيْهِمْ، أُقِيمَ عَلى مُقامٍ مِنَ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: المُرادُ اكْتالُوا مِنَ النّاسِ، وعَلى ومِن في هَذا المَوْضِعِ
صفحة ٨١
يَعْتَقِبانِ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ اكْتَلْتُ مِنكَ، فَهو كَقَوْلِهِ اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: هو أنَّ اللُّغَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ كالُوا لَهم، أوْ وزَنُوا لَهم، ولا يُقالُ كِلْتُهُ ووَزَنْتُهُ فَما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: وهَذا مِن كَلامِ أهْلِ الحِجازِ، ومَن جاوَرَهم يَقُولُونَ: زِنِي كَذا، كِلِي كَذا، ويَقُولُونَ صِدْتُكَ وصِدْتُ لَكَ، وكَسَبْتُكَ وكَسَبْتُ لَكَ، فَعَلى هَذا: الكِنايَةُ في كالُوهم ووَزَنُوهم في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: وإذا كالُوا مَكِيلَهم، أوْ وزَنُوا مَوْزُونَهم.
الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ وحَمْزَةَ أنَّهُما كانا يَجْعَلانِ الضَّمِيرَيْنِ تَوْكِيدًا لِما في كالُوا ويَقِفانِ عِنْدَ الواوَيْنِ وُقَيْفَةً يُبَيِّنانِ بِها ما أرادا، وزَعَمالفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَعْنى كالُوهم لَكانَ في المُصْحَفِ ألِفٌ مُثْبَتَةٌ قَبْلَ هم، واعْتَرَضَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، فَقالَ إنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لَمْ يُراعِ في كَثِيرٍ مِنهُ حَدَّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في عِلْمِ الخَطِّ.
والجَوابُ: أنَّ إثْباتَ هَذِهِ الألِفِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا في زَمانِ الصَّحابَةِ فَكانَ يَجِبُ إثْباتُها في سائِرِ الأعْصارِ، لِما أنّا نَعْلَمُ مُبالَغَتَهم في ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ إثْباتَ هَذِهِ الألِفِ كانَ مُعْتادًا في زَمانِ الصَّحابَةِ فَكانَ يَجِبُ إثْباتُهُ هاهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ قالَ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ إذا اتَّزَنُوا، ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَهُما ؟ أنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ بِهِما الشِّراءُ والبَيْعُ فَأحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الآخَرِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: اللُّغَةُ المُعْتادَةُ أنْ يُقالَ خَسَرْتُهُ، فَما الوَجْهُ في أخْسَرْتُهُ ؟
الجَوابُ قالَ الزَّجّاجُ: أخْسَرْتُ المِيزانَ وخَسَرْتُهُ سَواءٌ أيْ نَقَصْتُهُ، وعَنِ المُؤَرِّجِ يُخْسِرُونَ يَنْقُصُونَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ المَدِينَةَ كانُوا مِن أبْخَسِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ كانَ أهْلُ المَدِينَةِ تُجّارًا يُطَفِّفُونَ وكانَتْ بِياعاتُهُمُ المُنابَذَةَ والمُلامَسَةَ والمُخاطَرَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، وقالَ ”خَمْسٌ بِخَمْسٍ“، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وما خَمْسٌ بِخَمْسٍ ؟ قالَ ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفاحِشَةُ إلّا فَشا فِيهِمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مُنِعُوا النَّباتَ وأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ”.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الذَّمُّ إنَّما لَحِقَهم بِمَجْمُوعِ أنَّهم يَأْخُذُونَ زائِدًا، ويَدْفَعُونَ ناقِصًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ العُلَماءُ، فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى الوَعِيدِ، فَلا تَتَناوَلُ إلّا إذا بَلَغَ التَّطْفِيفُ حَدَّ الكَثِيرِ، وهو نِصابُ السَّرِقَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ما يَصْغُرُ ويَكْبُرُ دَخَلَ تَحْتَ الوَعِيدِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ مَعَهُ تَوْبَةٌ ولا طاعَةٌ أعْظَمُ مِنها، وهَذا هو الأصَحُّ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُ الوَعِيدِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في أهْلِ الصَّلاةِ لا في الكُفّارِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ.
الأوَلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كافِرًا لَكانَ ذَلِكَ الكُفْرُ أوْلى بِاقْتِضاءِ هَذا الوَيْلِ مِنَ
صفحة ٨٢
التَّطَفِيفِ، فَلَمْ يَكُنْ حِينَئْذٍ لِلتَّطْفِيفِ أثَرٌ في هَذا الوَيْلِ، لَكِنَّ الآيَةَ دالَةٌ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِهَذا الوَيْلِ هو التَّطْفِيفُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: لِلْمُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥، ٤] فَكَأنَّهُ تَعالى هَدَّدَ المُطَّفِفِينَ بِعَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّهْدِيدُ بِهَذا لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ المُؤْمِنِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الصَّلاةِ، والجَوابُ: عَنْهُ ما تَقَدَّمَ مِرارًا، ومِن لَواحِقِ هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ هَذا الوَعِيدَ يَتَناوَلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ ومَن يَعْزِمُ عَلَيْهِ إذِ العَزْمُ عَلَيْهِ أيْضًا مِنَ الكَبائِرِ.
واعْلَمْ أنَّ أمْرَ المِكْيالِ والمِيزانِ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ عامَّةَ الخَلْقِ يَحْتاجُونَ إلى المُعامَلاتِ وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أمْرِ المِكْيالِ والمِيزانِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظَّمَ اللَّهُ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقالَ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَنْ قَتادَةَ:“ أوْفِ يا ابْنَ آدَمَ الكَيْلَ كَما تُحِبُّ أنْ يُوَفّى لَكَ، واعْدِلْ كَما تُحِبُّ أنْ يُعْدَلَ لَكَ " وعَنِ الفُضَيْلِ: بَخْسُ المِيزانِ سَوادُ الوَجْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ أعْرابِيٌّ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قَدْ سَمِعْتَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى في المُطَفِّفِينَ ! أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المُطَفِّفَ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ العَظِيمُ في أخْذِ القَلِيلِ، فَما ظَنُّكَ بِنَفْسِكَ وأنْتَ تَأْخُذُ الكَثِيرَ، وتَأْخُذُ أمْوالَ المُسْلِمِينَ بِلا كَيْلٍ ولا وزْنٍ.
المطففين 83:2
صفحة ٨٠
[ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ ]
ثَلاثُونَ وسِتُّ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾
﷽
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ مِن صِفَتِهِ أنَّهُ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَهْدِيدًا عَظِيمًا لِلْعُصاةِ، فَلِهَذا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ والمُرادُ الزَّجْرُ عَنِ التَّطْفِيفِ، وهو البَخْسُ في المِكْيالِ والمِيزانِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكَثِيرَ يَظْهَرُ فَيُمْنَعُ مِنهُ، وذَلِكَ القَلِيلُ إنْ ظَهَرَ أيْضًا مُنِعَ مِنهُ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّطْفِيفَ هو البَخْسُ في المِكْيالِ والمِيزانِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوَيْلُ، كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عِنْدَ وُقُوعِ البَلاءِ، يُقالُ: ويْلٌ لَكَ، ووَيْلٌ عَلَيْكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في اشْتِقاقِ لَفْظِ المُطَفِّفِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ طَفَّ الشَّيْءِ هو جانِبُهُ وحَرْفُهُ، يُقالُ: طَفَّ الوادِي والإناءُ، إذا بَلَغَ الشَّيْءُ الَّذِي فِيهِ حَرْفَهُ ولَمْ يَمْتَلِئْ فَهو طِفافُهُ وطَفافُهُ وطَفَفُهُ، ويُقالُ: هَذا طَفُّ المِكْيالِ وطَفافُهُ، إذا قارَبَ مَلْأُهُ لَكِنَّهُ بَعْدُ لَمْ يَمْتَلِئْ، ولِهَذا قِيلَ: لِلَّذِي يُسِيءُ الكَيْلَ ولا يُوَفِّيهِ مُطَفِّفٌ، يَعْنِي أنَّهُ إنَّما يَبْلُغُ الطِّفافَ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ إنَّما قِيلَ لِلَّذِي يَنْقُصُ المِكْيالَ والمِيزانَ مُطَفِّفٌ، لِأنَّهُ يَكُونُ الَّذِي لا يَسْرِقُ في المِكْيالِ والمِيزانِ إلّا الشَّيْءَ اليَسِيرَ الطَّفِيفَ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الِاكْتِيالَ الأخْذُ بِالكَيْلِ، كالِاتِّزانِ الأخْذُ بِالوَزْنِ، ثُمَّ إنَّ اللُّغَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ: اكْتَلْتُ مِن فُلانٍ، ولا يُقالُ: اكْتَلْتُ عَلى فُلانٍ، فَما الوَجْهُ فِيهِ هاهُنا ؟ .
الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَمّا كانَ اكْتِيالُهم مِنَ النّاسِ اكْتِيالًا فِيهِ إضْرارٌ بِهِمْ وتَحامُلٌ عَلَيْهِمْ، أُقِيمَ عَلى مُقامٍ مِنَ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: المُرادُ اكْتالُوا مِنَ النّاسِ، وعَلى ومِن في هَذا المَوْضِعِ
صفحة ٨١
يَعْتَقِبانِ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ اكْتَلْتُ مِنكَ، فَهو كَقَوْلِهِ اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: هو أنَّ اللُّغَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ كالُوا لَهم، أوْ وزَنُوا لَهم، ولا يُقالُ كِلْتُهُ ووَزَنْتُهُ فَما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: وهَذا مِن كَلامِ أهْلِ الحِجازِ، ومَن جاوَرَهم يَقُولُونَ: زِنِي كَذا، كِلِي كَذا، ويَقُولُونَ صِدْتُكَ وصِدْتُ لَكَ، وكَسَبْتُكَ وكَسَبْتُ لَكَ، فَعَلى هَذا: الكِنايَةُ في كالُوهم ووَزَنُوهم في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: وإذا كالُوا مَكِيلَهم، أوْ وزَنُوا مَوْزُونَهم.
الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ وحَمْزَةَ أنَّهُما كانا يَجْعَلانِ الضَّمِيرَيْنِ تَوْكِيدًا لِما في كالُوا ويَقِفانِ عِنْدَ الواوَيْنِ وُقَيْفَةً يُبَيِّنانِ بِها ما أرادا، وزَعَمالفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَعْنى كالُوهم لَكانَ في المُصْحَفِ ألِفٌ مُثْبَتَةٌ قَبْلَ هم، واعْتَرَضَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، فَقالَ إنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لَمْ يُراعِ في كَثِيرٍ مِنهُ حَدَّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في عِلْمِ الخَطِّ.
والجَوابُ: أنَّ إثْباتَ هَذِهِ الألِفِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا في زَمانِ الصَّحابَةِ فَكانَ يَجِبُ إثْباتُها في سائِرِ الأعْصارِ، لِما أنّا نَعْلَمُ مُبالَغَتَهم في ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ إثْباتَ هَذِهِ الألِفِ كانَ مُعْتادًا في زَمانِ الصَّحابَةِ فَكانَ يَجِبُ إثْباتُهُ هاهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ قالَ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ إذا اتَّزَنُوا، ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَهُما ؟ أنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ بِهِما الشِّراءُ والبَيْعُ فَأحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الآخَرِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: اللُّغَةُ المُعْتادَةُ أنْ يُقالَ خَسَرْتُهُ، فَما الوَجْهُ في أخْسَرْتُهُ ؟
الجَوابُ قالَ الزَّجّاجُ: أخْسَرْتُ المِيزانَ وخَسَرْتُهُ سَواءٌ أيْ نَقَصْتُهُ، وعَنِ المُؤَرِّجِ يُخْسِرُونَ يَنْقُصُونَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ المَدِينَةَ كانُوا مِن أبْخَسِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ كانَ أهْلُ المَدِينَةِ تُجّارًا يُطَفِّفُونَ وكانَتْ بِياعاتُهُمُ المُنابَذَةَ والمُلامَسَةَ والمُخاطَرَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، وقالَ ”خَمْسٌ بِخَمْسٍ“، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وما خَمْسٌ بِخَمْسٍ ؟ قالَ ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفاحِشَةُ إلّا فَشا فِيهِمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مُنِعُوا النَّباتَ وأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ”.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الذَّمُّ إنَّما لَحِقَهم بِمَجْمُوعِ أنَّهم يَأْخُذُونَ زائِدًا، ويَدْفَعُونَ ناقِصًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ العُلَماءُ، فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى الوَعِيدِ، فَلا تَتَناوَلُ إلّا إذا بَلَغَ التَّطْفِيفُ حَدَّ الكَثِيرِ، وهو نِصابُ السَّرِقَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ما يَصْغُرُ ويَكْبُرُ دَخَلَ تَحْتَ الوَعِيدِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ مَعَهُ تَوْبَةٌ ولا طاعَةٌ أعْظَمُ مِنها، وهَذا هو الأصَحُّ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُ الوَعِيدِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في أهْلِ الصَّلاةِ لا في الكُفّارِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ.
الأوَلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كافِرًا لَكانَ ذَلِكَ الكُفْرُ أوْلى بِاقْتِضاءِ هَذا الوَيْلِ مِنَ
صفحة ٨٢
التَّطَفِيفِ، فَلَمْ يَكُنْ حِينَئْذٍ لِلتَّطْفِيفِ أثَرٌ في هَذا الوَيْلِ، لَكِنَّ الآيَةَ دالَةٌ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِهَذا الوَيْلِ هو التَّطْفِيفُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: لِلْمُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥، ٤] فَكَأنَّهُ تَعالى هَدَّدَ المُطَّفِفِينَ بِعَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّهْدِيدُ بِهَذا لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ المُؤْمِنِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الصَّلاةِ، والجَوابُ: عَنْهُ ما تَقَدَّمَ مِرارًا، ومِن لَواحِقِ هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ هَذا الوَعِيدَ يَتَناوَلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ ومَن يَعْزِمُ عَلَيْهِ إذِ العَزْمُ عَلَيْهِ أيْضًا مِنَ الكَبائِرِ.
واعْلَمْ أنَّ أمْرَ المِكْيالِ والمِيزانِ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ عامَّةَ الخَلْقِ يَحْتاجُونَ إلى المُعامَلاتِ وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أمْرِ المِكْيالِ والمِيزانِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظَّمَ اللَّهُ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقالَ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَنْ قَتادَةَ:“ أوْفِ يا ابْنَ آدَمَ الكَيْلَ كَما تُحِبُّ أنْ يُوَفّى لَكَ، واعْدِلْ كَما تُحِبُّ أنْ يُعْدَلَ لَكَ " وعَنِ الفُضَيْلِ: بَخْسُ المِيزانِ سَوادُ الوَجْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ أعْرابِيٌّ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قَدْ سَمِعْتَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى في المُطَفِّفِينَ ! أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المُطَفِّفَ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ العَظِيمُ في أخْذِ القَلِيلِ، فَما ظَنُّكَ بِنَفْسِكَ وأنْتَ تَأْخُذُ الكَثِيرَ، وتَأْخُذُ أمْوالَ المُسْلِمِينَ بِلا كَيْلٍ ولا وزْنٍ.
المطففين 83:3
صفحة ٨٠
[ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ ]
ثَلاثُونَ وسِتُّ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾
﷽
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ مِن صِفَتِهِ أنَّهُ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَهْدِيدًا عَظِيمًا لِلْعُصاةِ، فَلِهَذا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ والمُرادُ الزَّجْرُ عَنِ التَّطْفِيفِ، وهو البَخْسُ في المِكْيالِ والمِيزانِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكَثِيرَ يَظْهَرُ فَيُمْنَعُ مِنهُ، وذَلِكَ القَلِيلُ إنْ ظَهَرَ أيْضًا مُنِعَ مِنهُ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّطْفِيفَ هو البَخْسُ في المِكْيالِ والمِيزانِ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوَيْلُ، كَلِمَةٌ تُذْكَرُ عِنْدَ وُقُوعِ البَلاءِ، يُقالُ: ويْلٌ لَكَ، ووَيْلٌ عَلَيْكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في اشْتِقاقِ لَفْظِ المُطَفِّفِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: أنَّ طَفَّ الشَّيْءِ هو جانِبُهُ وحَرْفُهُ، يُقالُ: طَفَّ الوادِي والإناءُ، إذا بَلَغَ الشَّيْءُ الَّذِي فِيهِ حَرْفَهُ ولَمْ يَمْتَلِئْ فَهو طِفافُهُ وطَفافُهُ وطَفَفُهُ، ويُقالُ: هَذا طَفُّ المِكْيالِ وطَفافُهُ، إذا قارَبَ مَلْأُهُ لَكِنَّهُ بَعْدُ لَمْ يَمْتَلِئْ، ولِهَذا قِيلَ: لِلَّذِي يُسِيءُ الكَيْلَ ولا يُوَفِّيهِ مُطَفِّفٌ، يَعْنِي أنَّهُ إنَّما يَبْلُغُ الطِّفافَ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ إنَّما قِيلَ لِلَّذِي يَنْقُصُ المِكْيالَ والمِيزانَ مُطَفِّفٌ، لِأنَّهُ يَكُونُ الَّذِي لا يَسْرِقُ في المِكْيالِ والمِيزانِ إلّا الشَّيْءَ اليَسِيرَ الطَّفِيفَ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: وهو أنَّ الِاكْتِيالَ الأخْذُ بِالكَيْلِ، كالِاتِّزانِ الأخْذُ بِالوَزْنِ، ثُمَّ إنَّ اللُّغَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ: اكْتَلْتُ مِن فُلانٍ، ولا يُقالُ: اكْتَلْتُ عَلى فُلانٍ، فَما الوَجْهُ فِيهِ هاهُنا ؟ .
الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَمّا كانَ اكْتِيالُهم مِنَ النّاسِ اكْتِيالًا فِيهِ إضْرارٌ بِهِمْ وتَحامُلٌ عَلَيْهِمْ، أُقِيمَ عَلى مُقامٍ مِنَ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: المُرادُ اكْتالُوا مِنَ النّاسِ، وعَلى ومِن في هَذا المَوْضِعِ
صفحة ٨١
يَعْتَقِبانِ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَإذا قالَ اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ اكْتَلْتُ مِنكَ، فَهو كَقَوْلِهِ اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: هو أنَّ اللُّغَةَ المُعْتادَةَ أنْ يُقالَ كالُوا لَهم، أوْ وزَنُوا لَهم، ولا يُقالُ كِلْتُهُ ووَزَنْتُهُ فَما وجْهُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: وهَذا مِن كَلامِ أهْلِ الحِجازِ، ومَن جاوَرَهم يَقُولُونَ: زِنِي كَذا، كِلِي كَذا، ويَقُولُونَ صِدْتُكَ وصِدْتُ لَكَ، وكَسَبْتُكَ وكَسَبْتُ لَكَ، فَعَلى هَذا: الكِنايَةُ في كالُوهم ووَزَنُوهم في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: وإذا كالُوا مَكِيلَهم، أوْ وزَنُوا مَوْزُونَهم.
الثّالِثُ: يُرْوى عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ وحَمْزَةَ أنَّهُما كانا يَجْعَلانِ الضَّمِيرَيْنِ تَوْكِيدًا لِما في كالُوا ويَقِفانِ عِنْدَ الواوَيْنِ وُقَيْفَةً يُبَيِّنانِ بِها ما أرادا، وزَعَمالفَرّاءُ والزَّجّاجُ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَعْنى كالُوهم لَكانَ في المُصْحَفِ ألِفٌ مُثْبَتَةٌ قَبْلَ هم، واعْتَرَضَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، فَقالَ إنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لَمْ يُراعِ في كَثِيرٍ مِنهُ حَدَّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في عِلْمِ الخَطِّ.
والجَوابُ: أنَّ إثْباتَ هَذِهِ الألِفِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا في زَمانِ الصَّحابَةِ فَكانَ يَجِبُ إثْباتُها في سائِرِ الأعْصارِ، لِما أنّا نَعْلَمُ مُبالَغَتَهم في ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ إثْباتَ هَذِهِ الألِفِ كانَ مُعْتادًا في زَمانِ الصَّحابَةِ فَكانَ يَجِبُ إثْباتُهُ هاهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ قالَ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ إذا اتَّزَنُوا، ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَهُما ؟ أنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ بِهِما الشِّراءُ والبَيْعُ فَأحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الآخَرِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: اللُّغَةُ المُعْتادَةُ أنْ يُقالَ خَسَرْتُهُ، فَما الوَجْهُ في أخْسَرْتُهُ ؟
الجَوابُ قالَ الزَّجّاجُ: أخْسَرْتُ المِيزانَ وخَسَرْتُهُ سَواءٌ أيْ نَقَصْتُهُ، وعَنِ المُؤَرِّجِ يُخْسِرُونَ يَنْقُصُونَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ المَدِينَةَ كانُوا مِن أبْخَسِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ كانَ أهْلُ المَدِينَةِ تُجّارًا يُطَفِّفُونَ وكانَتْ بِياعاتُهُمُ المُنابَذَةَ والمُلامَسَةَ والمُخاطَرَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، وقالَ ”خَمْسٌ بِخَمْسٍ“، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وما خَمْسٌ بِخَمْسٍ ؟ قالَ ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم، وما حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا فَشا فِيهِمُ الفَقْرُ، وما ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفاحِشَةُ إلّا فَشا فِيهِمُ المَوْتُ، ولا طَفَّفُوا الكَيْلَ إلّا مُنِعُوا النَّباتَ وأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلّا حُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ”.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الذَّمُّ إنَّما لَحِقَهم بِمَجْمُوعِ أنَّهم يَأْخُذُونَ زائِدًا، ويَدْفَعُونَ ناقِصًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ العُلَماءُ، فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى الوَعِيدِ، فَلا تَتَناوَلُ إلّا إذا بَلَغَ التَّطْفِيفُ حَدَّ الكَثِيرِ، وهو نِصابُ السَّرِقَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ما يَصْغُرُ ويَكْبُرُ دَخَلَ تَحْتَ الوَعِيدِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ مَعَهُ تَوْبَةٌ ولا طاعَةٌ أعْظَمُ مِنها، وهَذا هو الأصَحُّ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُ الوَعِيدِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: وهَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في أهْلِ الصَّلاةِ لا في الكُفّارِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ.
الأوَلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ كافِرًا لَكانَ ذَلِكَ الكُفْرُ أوْلى بِاقْتِضاءِ هَذا الوَيْلِ مِنَ
صفحة ٨٢
التَّطَفِيفِ، فَلَمْ يَكُنْ حِينَئْذٍ لِلتَّطْفِيفِ أثَرٌ في هَذا الوَيْلِ، لَكِنَّ الآيَةَ دالَةٌ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِهَذا الوَيْلِ هو التَّطْفِيفُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: لِلْمُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥، ٤] فَكَأنَّهُ تَعالى هَدَّدَ المُطَّفِفِينَ بِعَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّهْدِيدُ بِهَذا لا يَحْصُلُ إلّا مَعَ المُؤْمِنِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الصَّلاةِ، والجَوابُ: عَنْهُ ما تَقَدَّمَ مِرارًا، ومِن لَواحِقِ هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ هَذا الوَعِيدَ يَتَناوَلُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ ومَن يَعْزِمُ عَلَيْهِ إذِ العَزْمُ عَلَيْهِ أيْضًا مِنَ الكَبائِرِ.
واعْلَمْ أنَّ أمْرَ المِكْيالِ والمِيزانِ عَظِيمٌ، وذَلِكَ لِأنَّ عامَّةَ الخَلْقِ يَحْتاجُونَ إلى المُعامَلاتِ وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أمْرِ المِكْيالِ والمِيزانِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَظَّمَ اللَّهُ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقالَ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَنْ قَتادَةَ:“ أوْفِ يا ابْنَ آدَمَ الكَيْلَ كَما تُحِبُّ أنْ يُوَفّى لَكَ، واعْدِلْ كَما تُحِبُّ أنْ يُعْدَلَ لَكَ " وعَنِ الفُضَيْلِ: بَخْسُ المِيزانِ سَوادُ الوَجْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ أعْرابِيٌّ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قَدْ سَمِعْتَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى في المُطَفِّفِينَ ! أرادَ بِذَلِكَ أنَّ المُطَفِّفَ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ العَظِيمُ في أخْذِ القَلِيلِ، فَما ظَنُّكَ بِنَفْسِكَ وأنْتَ تَأْخُذُ الكَثِيرَ، وتَأْخُذُ أمْوالَ المُسْلِمِينَ بِلا كَيْلٍ ولا وزْنٍ.
المطففين 83:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وبَخَّ هَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ فَقالَ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ يُطَفِّفُونَ ﴿أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي الظَّنِّ هاهُنا قَوْلانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ العِلْمُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ بِهَذا الخِطابِ مِن جُمْلَةِ المُصَدِّقِينَ بِالبَعْثِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونُوا كَذَلِكَ أمّا (الِاحْتِمالُ الأوَّلُ): فَهو ما رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ كانُوا كَذَلِكَ، وحِينَ ورَدَ النَّبِيُّ ﷺ كانَ ذَلِكَ شائِعًا فِيهِمْ، وكانُوا مُصَدِّقِينَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فَلا جَرَمَ ذُكِّرُوا بِهِ، وأمّا إنْ قُلْنا: بِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ إلّا أنَّهم كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، لِما في العُقُولِ مِن إيصالِ الجَزاءِ إلى المُحْسِنِ والمُسِيءِ، أوْ إمْكانِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ، وهَذا مِمّا يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ بِهِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، والمَعْنى ألا يَتَفَكَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهم مَبْعُوثُونَ، لَكِنَّهم قَدْ أعْرَضُوا عَنِ التَّفَكُّرِ، وأراحُوا أنْفُسَهم عَنْ مَتاعِبِهِ ومَشاقِّهِ، وإنَّما يَجْعَلُ العِلْمُ الِاسْتِدْلالَ ظَنًّا، لِأنَّ أكْثَرَ العُلُومِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ راجِعٌ إلى الأغْلَبِ في الرَّأْيِ، ولَمْ يَكُنْ كالشَّكِّ الَّذِي يَعْتَدِلُ الوَجْهانِ فِيهِ لا جَرَمَ سُمِّيَ ذَلِكَ ظَنًّا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الظَّنِّ هاهُنا هو الظَّنُّ نَفْسُهُ لا العِلْمُ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ هَبْ أنَّهم لا يَجْزِمُونَ بِالبَعْثِ ولَكِنْ لا أقَلَّ مِنَ الظَّنِّ، فَإنَّ الألْيَقَ بِحِكْمَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ ورِعايَتِهِ مَصالِحَ خَلْقِهِ أنْ لا يُهْمِلَ أمْرَهم بَعْدَ المَوْتِ بِالكُلِّيَّةِ، وأنْ يَكُونَ لَهم حَشْرٌ ونَشْرٌ، وأنَّ هَذا الظَّنَّ كافٍ في حُصُولِ الخَوْفِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: هَبْ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَقْطَعُونَ بِهِ أفَلا يَظُنُّونَهُ أيْضًا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”يَوْمَ“ بِالنَّصْبِ والجَرِّ، أمّا النَّصْبُ فَقالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ
صفحة ٨٣
(مَبْعُوثُونَ) والمَعْنى ألا يَظُنُّونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: وقَدْ يَكُونُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ إلّا أنَّهُ أُضِيفُ إلى يَفْعُلَ فَنُصِبَ، وهَذا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) وأمّا الجَرُّ فَلِكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (يَوْمٍ عَظِيمٍ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا القِيامُ لَهُ صِفاتٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: سَبَبُهُ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ النّاسَ يَقُومُونَ لِمُحاسَبَةِ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَظْهَرُ هُناكَ هَذا التَّطْفِيفُ الَّذِي يُظَنُّ أنَّهُ حَقِيرٌ، فَيَعْرِفُ هُناكَ كَثْرَتَهُ واجْتِماعَهُ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .
وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَرُدُّ الأرْواحَ إلى أجْسادِها فَتَقُومُ تِلْكَ الأجْسادُ مِن مَراقِدِها، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ مَعْنى: ”يَقُومُ النّاسُ“ هو كَقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أيْ لِعِبادَتِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ لِمَحْضِ أمْرِهِ وطاعَتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، عَلى ما قَرَّرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ القِيامِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ”يَقُومُ أحَدُكم في رَشْحِهِ إلى أنْصافِ أُذُنَيْهِ“» وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَكى نَحِيبًا حَتّى عَجَزَ عَنْ قِراءَةِ ما بَعْدَهُ ”.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كِمِّيَّةُ ذَلِكَ القِيامِ، رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: «“ يَقُومُ النّاسُ مِقْدارَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الدُّنْيا لا يُؤْمَرُ فِيهِمْ بِأمْرٍ ”» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ يَمْكُثُونَ أرْبَعِينَ عامًا ثُمَّ يُخاطَبُونَ " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو في حَقِّ المُؤْمِنِينَ كَقَدْرِ انْصِرافِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِنَ التَّهْدِيدِ، فَقالَ أوَّلًا: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُذْكَرُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ قالَ ثالِثًا: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَعْظِمُهُ اللَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ في غايَةِ العَظَمَةِ، ثُمَّ قالَ رابِعًا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ نَوْعانِ مِنَ التَّهْدِيدِ.
أحَدُهُما: كَوْنُهم قائِمِينَ مَعَ غايَةِ الخُشُوعِ ونِهايَةِ الذِّلَّةِ والِانْكِسارِ.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ.
ثُمَّ هاهُنا سُؤالٌ وهو كَأنَّهُ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ غايَةِ عَظَمَتِكَ أنْ تُهَيِّئَ هَذا المَحْفَلَ العَظِيمَ الَّذِي هو مَحْفَلُ القِيامَةِ لِأجْلِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ الطَّفِيفِ ؟ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يُجِيبُ، فَيَقُولُ عَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ لا تَتِمُّ إلّا بِالعَظَمَةِ في القُدْرَةِ والعَظَمَةِ في الحِكْمَةِ، فَعَظَمَةُ القُدْرَةِ ظَهَرَتْ بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعالَمِينَ، لَكِنَّ عَظَمَةَ الحِكْمَةِ لا تَظْهَرُ إلّا بِأنْ أنْتَصَفَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ الحَقِيرِ الطَّفِيفِ، فَإنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ أحْقَرَ وأصْغَرَ كانَ العِلْمُ الواصِلُ إلَيْهِ أعْظَمَ وأتَمَّ، فَلِأجْلِ إظْهارِ العَظَمَةِ في الحِكْمَةِ أحْضَرْتُ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ، وحاسَبْتُ المُطَفِّفَ لِأجْلِ ذَلِكَ القَدْرِ الطَّفِيفِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: لَفْظُ المُطَفِّفِ يَتَناوَلُ التَّطْفِيفَ في الوَزْنِ والكَيْلِ، وفي إظْهارِ العَيْبِ وإخْفائِهِ، وفي طَلَبِ الإنْصافِ والِانْتِصافِ، ويُقالُ: مَن لَمْ يَرْضَ لِأخِيهِ المُسْلِمِ ما يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ بِمُنْصِفٍ والمُعاشَرَةُ والصُّحْبَةُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، والَّذِي يَرى عَيْبَ النّاسِ، ولا يَرى عَيْبَ نَفْسِهِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، ومَن طَلَبَ حَقَّ نَفْسِهِ مِنَ النّاسِ، ولا يُعْطِيهِمْ حُقُوقَهم كَما يَطْلُبُهُ لِنَفْسِهِ، فَهو مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ والفَتى مَن يَقْضِي حُقُوقَ النّاسِ ولا يَطْلُبُ مِن أحَدٍ لِنَفْسِهِ حَقًّا.
المطففين 83:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وبَخَّ هَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ فَقالَ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ يُطَفِّفُونَ ﴿أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي الظَّنِّ هاهُنا قَوْلانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ العِلْمُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ بِهَذا الخِطابِ مِن جُمْلَةِ المُصَدِّقِينَ بِالبَعْثِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونُوا كَذَلِكَ أمّا (الِاحْتِمالُ الأوَّلُ): فَهو ما رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ كانُوا كَذَلِكَ، وحِينَ ورَدَ النَّبِيُّ ﷺ كانَ ذَلِكَ شائِعًا فِيهِمْ، وكانُوا مُصَدِّقِينَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فَلا جَرَمَ ذُكِّرُوا بِهِ، وأمّا إنْ قُلْنا: بِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ إلّا أنَّهم كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، لِما في العُقُولِ مِن إيصالِ الجَزاءِ إلى المُحْسِنِ والمُسِيءِ، أوْ إمْكانِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ، وهَذا مِمّا يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ بِهِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، والمَعْنى ألا يَتَفَكَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهم مَبْعُوثُونَ، لَكِنَّهم قَدْ أعْرَضُوا عَنِ التَّفَكُّرِ، وأراحُوا أنْفُسَهم عَنْ مَتاعِبِهِ ومَشاقِّهِ، وإنَّما يَجْعَلُ العِلْمُ الِاسْتِدْلالَ ظَنًّا، لِأنَّ أكْثَرَ العُلُومِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ راجِعٌ إلى الأغْلَبِ في الرَّأْيِ، ولَمْ يَكُنْ كالشَّكِّ الَّذِي يَعْتَدِلُ الوَجْهانِ فِيهِ لا جَرَمَ سُمِّيَ ذَلِكَ ظَنًّا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الظَّنِّ هاهُنا هو الظَّنُّ نَفْسُهُ لا العِلْمُ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ هَبْ أنَّهم لا يَجْزِمُونَ بِالبَعْثِ ولَكِنْ لا أقَلَّ مِنَ الظَّنِّ، فَإنَّ الألْيَقَ بِحِكْمَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ ورِعايَتِهِ مَصالِحَ خَلْقِهِ أنْ لا يُهْمِلَ أمْرَهم بَعْدَ المَوْتِ بِالكُلِّيَّةِ، وأنْ يَكُونَ لَهم حَشْرٌ ونَشْرٌ، وأنَّ هَذا الظَّنَّ كافٍ في حُصُولِ الخَوْفِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: هَبْ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَقْطَعُونَ بِهِ أفَلا يَظُنُّونَهُ أيْضًا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”يَوْمَ“ بِالنَّصْبِ والجَرِّ، أمّا النَّصْبُ فَقالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ
صفحة ٨٣
(مَبْعُوثُونَ) والمَعْنى ألا يَظُنُّونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: وقَدْ يَكُونُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ إلّا أنَّهُ أُضِيفُ إلى يَفْعُلَ فَنُصِبَ، وهَذا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) وأمّا الجَرُّ فَلِكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (يَوْمٍ عَظِيمٍ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا القِيامُ لَهُ صِفاتٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: سَبَبُهُ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ النّاسَ يَقُومُونَ لِمُحاسَبَةِ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَظْهَرُ هُناكَ هَذا التَّطْفِيفُ الَّذِي يُظَنُّ أنَّهُ حَقِيرٌ، فَيَعْرِفُ هُناكَ كَثْرَتَهُ واجْتِماعَهُ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .
وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَرُدُّ الأرْواحَ إلى أجْسادِها فَتَقُومُ تِلْكَ الأجْسادُ مِن مَراقِدِها، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ مَعْنى: ”يَقُومُ النّاسُ“ هو كَقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أيْ لِعِبادَتِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ لِمَحْضِ أمْرِهِ وطاعَتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، عَلى ما قَرَّرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ القِيامِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ”يَقُومُ أحَدُكم في رَشْحِهِ إلى أنْصافِ أُذُنَيْهِ“» وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَكى نَحِيبًا حَتّى عَجَزَ عَنْ قِراءَةِ ما بَعْدَهُ ”.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كِمِّيَّةُ ذَلِكَ القِيامِ، رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: «“ يَقُومُ النّاسُ مِقْدارَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الدُّنْيا لا يُؤْمَرُ فِيهِمْ بِأمْرٍ ”» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ يَمْكُثُونَ أرْبَعِينَ عامًا ثُمَّ يُخاطَبُونَ " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو في حَقِّ المُؤْمِنِينَ كَقَدْرِ انْصِرافِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِنَ التَّهْدِيدِ، فَقالَ أوَّلًا: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُذْكَرُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ قالَ ثالِثًا: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَعْظِمُهُ اللَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ في غايَةِ العَظَمَةِ، ثُمَّ قالَ رابِعًا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ نَوْعانِ مِنَ التَّهْدِيدِ.
أحَدُهُما: كَوْنُهم قائِمِينَ مَعَ غايَةِ الخُشُوعِ ونِهايَةِ الذِّلَّةِ والِانْكِسارِ.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ.
ثُمَّ هاهُنا سُؤالٌ وهو كَأنَّهُ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ غايَةِ عَظَمَتِكَ أنْ تُهَيِّئَ هَذا المَحْفَلَ العَظِيمَ الَّذِي هو مَحْفَلُ القِيامَةِ لِأجْلِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ الطَّفِيفِ ؟ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يُجِيبُ، فَيَقُولُ عَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ لا تَتِمُّ إلّا بِالعَظَمَةِ في القُدْرَةِ والعَظَمَةِ في الحِكْمَةِ، فَعَظَمَةُ القُدْرَةِ ظَهَرَتْ بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعالَمِينَ، لَكِنَّ عَظَمَةَ الحِكْمَةِ لا تَظْهَرُ إلّا بِأنْ أنْتَصَفَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ الحَقِيرِ الطَّفِيفِ، فَإنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ أحْقَرَ وأصْغَرَ كانَ العِلْمُ الواصِلُ إلَيْهِ أعْظَمَ وأتَمَّ، فَلِأجْلِ إظْهارِ العَظَمَةِ في الحِكْمَةِ أحْضَرْتُ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ، وحاسَبْتُ المُطَفِّفَ لِأجْلِ ذَلِكَ القَدْرِ الطَّفِيفِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: لَفْظُ المُطَفِّفِ يَتَناوَلُ التَّطْفِيفَ في الوَزْنِ والكَيْلِ، وفي إظْهارِ العَيْبِ وإخْفائِهِ، وفي طَلَبِ الإنْصافِ والِانْتِصافِ، ويُقالُ: مَن لَمْ يَرْضَ لِأخِيهِ المُسْلِمِ ما يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ بِمُنْصِفٍ والمُعاشَرَةُ والصُّحْبَةُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، والَّذِي يَرى عَيْبَ النّاسِ، ولا يَرى عَيْبَ نَفْسِهِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، ومَن طَلَبَ حَقَّ نَفْسِهِ مِنَ النّاسِ، ولا يُعْطِيهِمْ حُقُوقَهم كَما يَطْلُبُهُ لِنَفْسِهِ، فَهو مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ والفَتى مَن يَقْضِي حُقُوقَ النّاسِ ولا يَطْلُبُ مِن أحَدٍ لِنَفْسِهِ حَقًّا.
المطففين 83:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وبَخَّ هَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ فَقالَ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ يُطَفِّفُونَ ﴿أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وفي الظَّنِّ هاهُنا قَوْلانِ.
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ العِلْمُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ بِهَذا الخِطابِ مِن جُمْلَةِ المُصَدِّقِينَ بِالبَعْثِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونُوا كَذَلِكَ أمّا (الِاحْتِمالُ الأوَّلُ): فَهو ما رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ كانُوا كَذَلِكَ، وحِينَ ورَدَ النَّبِيُّ ﷺ كانَ ذَلِكَ شائِعًا فِيهِمْ، وكانُوا مُصَدِّقِينَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فَلا جَرَمَ ذُكِّرُوا بِهِ، وأمّا إنْ قُلْنا: بِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ما كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ إلّا أنَّهم كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، لِما في العُقُولِ مِن إيصالِ الجَزاءِ إلى المُحْسِنِ والمُسِيءِ، أوْ إمْكانِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ، وهَذا مِمّا يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ بِهِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، والمَعْنى ألا يَتَفَكَّرُونَ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهم مَبْعُوثُونَ، لَكِنَّهم قَدْ أعْرَضُوا عَنِ التَّفَكُّرِ، وأراحُوا أنْفُسَهم عَنْ مَتاعِبِهِ ومَشاقِّهِ، وإنَّما يَجْعَلُ العِلْمُ الِاسْتِدْلالَ ظَنًّا، لِأنَّ أكْثَرَ العُلُومِ الِاسْتِدْلالِيَّةِ راجِعٌ إلى الأغْلَبِ في الرَّأْيِ، ولَمْ يَكُنْ كالشَّكِّ الَّذِي يَعْتَدِلُ الوَجْهانِ فِيهِ لا جَرَمَ سُمِّيَ ذَلِكَ ظَنًّا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الظَّنِّ هاهُنا هو الظَّنُّ نَفْسُهُ لا العِلْمُ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ هَبْ أنَّهم لا يَجْزِمُونَ بِالبَعْثِ ولَكِنْ لا أقَلَّ مِنَ الظَّنِّ، فَإنَّ الألْيَقَ بِحِكْمَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ ورِعايَتِهِ مَصالِحَ خَلْقِهِ أنْ لا يُهْمِلَ أمْرَهم بَعْدَ المَوْتِ بِالكُلِّيَّةِ، وأنْ يَكُونَ لَهم حَشْرٌ ونَشْرٌ، وأنَّ هَذا الظَّنَّ كافٍ في حُصُولِ الخَوْفِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: هَبْ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَقْطَعُونَ بِهِ أفَلا يَظُنُّونَهُ أيْضًا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”يَوْمَ“ بِالنَّصْبِ والجَرِّ، أمّا النَّصْبُ فَقالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ
صفحة ٨٣
(مَبْعُوثُونَ) والمَعْنى ألا يَظُنُّونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: وقَدْ يَكُونُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ إلّا أنَّهُ أُضِيفُ إلى يَفْعُلَ فَنُصِبَ، وهَذا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) وأمّا الجَرُّ فَلِكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (يَوْمٍ عَظِيمٍ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا القِيامُ لَهُ صِفاتٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: سَبَبُهُ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ النّاسَ يَقُومُونَ لِمُحاسَبَةِ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَظْهَرُ هُناكَ هَذا التَّطْفِيفُ الَّذِي يُظَنُّ أنَّهُ حَقِيرٌ، فَيَعْرِفُ هُناكَ كَثْرَتَهُ واجْتِماعَهُ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .
وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَرُدُّ الأرْواحَ إلى أجْسادِها فَتَقُومُ تِلْكَ الأجْسادُ مِن مَراقِدِها، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ مَعْنى: ”يَقُومُ النّاسُ“ هو كَقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أيْ لِعِبادَتِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ لِمَحْضِ أمْرِهِ وطاعَتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، عَلى ما قَرَّرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] .
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ القِيامِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ”يَقُومُ أحَدُكم في رَشْحِهِ إلى أنْصافِ أُذُنَيْهِ“» وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَكى نَحِيبًا حَتّى عَجَزَ عَنْ قِراءَةِ ما بَعْدَهُ ”.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كِمِّيَّةُ ذَلِكَ القِيامِ، رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: «“ يَقُومُ النّاسُ مِقْدارَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الدُّنْيا لا يُؤْمَرُ فِيهِمْ بِأمْرٍ ”» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ يَمْكُثُونَ أرْبَعِينَ عامًا ثُمَّ يُخاطَبُونَ " وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو في حَقِّ المُؤْمِنِينَ كَقَدْرِ انْصِرافِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعًا مِنَ التَّهْدِيدِ، فَقالَ أوَّلًا: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُذْكَرُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ قالَ ثالِثًا: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَعْظِمُهُ اللَّهُ لا شَكَّ أنَّهُ في غايَةِ العَظَمَةِ، ثُمَّ قالَ رابِعًا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ نَوْعانِ مِنَ التَّهْدِيدِ.
أحَدُهُما: كَوْنُهم قائِمِينَ مَعَ غايَةِ الخُشُوعِ ونِهايَةِ الذِّلَّةِ والِانْكِسارِ.
والثّانِي: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ.
ثُمَّ هاهُنا سُؤالٌ وهو كَأنَّهُ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ غايَةِ عَظَمَتِكَ أنْ تُهَيِّئَ هَذا المَحْفَلَ العَظِيمَ الَّذِي هو مَحْفَلُ القِيامَةِ لِأجْلِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ الطَّفِيفِ ؟ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يُجِيبُ، فَيَقُولُ عَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ لا تَتِمُّ إلّا بِالعَظَمَةِ في القُدْرَةِ والعَظَمَةِ في الحِكْمَةِ، فَعَظَمَةُ القُدْرَةِ ظَهَرَتْ بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعالَمِينَ، لَكِنَّ عَظَمَةَ الحِكْمَةِ لا تَظْهَرُ إلّا بِأنْ أنْتَصَفَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ الحَقِيرِ الطَّفِيفِ، فَإنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ أحْقَرَ وأصْغَرَ كانَ العِلْمُ الواصِلُ إلَيْهِ أعْظَمَ وأتَمَّ، فَلِأجْلِ إظْهارِ العَظَمَةِ في الحِكْمَةِ أحْضَرْتُ خَلْقَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في مَحْفَلِ القِيامَةِ، وحاسَبْتُ المُطَفِّفَ لِأجْلِ ذَلِكَ القَدْرِ الطَّفِيفِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: لَفْظُ المُطَفِّفِ يَتَناوَلُ التَّطْفِيفَ في الوَزْنِ والكَيْلِ، وفي إظْهارِ العَيْبِ وإخْفائِهِ، وفي طَلَبِ الإنْصافِ والِانْتِصافِ، ويُقالُ: مَن لَمْ يَرْضَ لِأخِيهِ المُسْلِمِ ما يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ بِمُنْصِفٍ والمُعاشَرَةُ والصُّحْبَةُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، والَّذِي يَرى عَيْبَ النّاسِ، ولا يَرى عَيْبَ نَفْسِهِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، ومَن طَلَبَ حَقَّ نَفْسِهِ مِنَ النّاسِ، ولا يُعْطِيهِمْ حُقُوقَهم كَما يَطْلُبُهُ لِنَفْسِهِ، فَهو مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ والفَتى مَن يَقْضِي حُقُوقَ النّاسِ ولا يَطْلُبُ مِن أحَدٍ لِنَفْسِهِ حَقًّا.
المطففين 83:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ عِظَمَ هَذا الذَّنْبِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ لَواحِقِهِ وأحْكامِهِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (كَلّا) والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا.
الأوَّلُ: أنَّهُ رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ والغَفْلَةِ، عَنْ ذِكْرِ البَعْثِ والحِسابِ فَلْيَرْتَدِعُوا، وتَمامُ الكَلامِ هاهُنا الثّانِي: قالَ أبُو حاتِمٍ: ”كَلّا“ ابْتِداءٌ يَتَّصِلُ بِما بَعْدَهُ عَلى مَعْنى حَقًّا ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
النَّوْعُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ الفُجّارِ بِالخِسَّةِ والحَقارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ، وهاهُنا سُؤالاتٌ.
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجِّينُ اسْمُ عَلَمٍ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ عَنْ مَعْنًى ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ عَلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ الأرْضُ السّابِعَةُ السُّفْلى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ، ورَوى البَراءُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ أسْفَلُ سَبْعِ أرَضِينَ» “ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: وفِيها إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«سِجِّينٌ جُبٌّ في جَهَنَّمَ» “ وقالَ الكَلْبِيُّ ومُجاهِدٌ: سِجِّينٌ صَخْرَةٌ تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وسُمِّيَ سِجِّينًا فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ، وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ مِنَ الفِسْقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا ضَعِيفٌ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سِجِّينًا لَيْسَ مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ وقَوْمُكَ. ولا أقُولُ هَذا ضَعِيفٌ، فَلَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سِجِّينٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والصَّحِيحُ أنَّ السِّجِّينَ فِعِّيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجْنِ، ثُمَّ إنَّهُ هاهُنا اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٌ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورًا مَعَ عِبادِهِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنَ التَّعامُلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عُظَمائِهِمْ. فالجَنَّةُ مَوْصُوفَةٌ بِالعُلُوِّ والصَّفاءِ والفُسْحَةِ وحُضُورِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والسِّجِّينُ مَوْصُوفٌ بِالتَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ وحُضُورِ الشَّياطِينِ
صفحة ٨٥
المَلْعُونِينَ، ولا شَكَّ أنَّ العُلُوَّ والصَّفاءَ والفُسْحَةَ وحُضُورَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ والعِزَّةِ، وأضْدادُها مِن صِفاتِ النَّقْصِ والذِّلَّةِ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ الكَفَرَةِ وكِتابِهِمْ بِالذِّلَّةِ والحَقارَةِ، قِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ التَّسَفُّلِ والظُّلْمَةِ والضِّيقِ، وحُضُورِ الشَّياطِينِ، ولَمّا وصَفَ كِتابَ الأبْرارِ بِالعِزَّةِ قِيلَ: إنَّهُ ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . و﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
السُّؤالُ الثّانِي: قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كِتابِ الفُجّارِ بِأنَّهُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ سِجِّينًا بـِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كِتابَهم في كِتابٍ مَرْقُومٍ فَما مَعْناهُ ؟ أجابَ القَفّالُ: فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِسِجِّينٍ، بَلِ التَّقْدِيرُ: كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ، وإنَّ كِتابَ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، فَيَكُونُ هَذا وصْفًا لِكِتابِ الفُجّارِ بِوَصْفَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في سِجِّينٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَرْقُومٌ، ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ فِيما بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُعْتَرِضًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
والأوْلى أنْ يُقالَ: وأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِ أحَدِ الكِتابَيْنِ في الآخَرِ، إمّا بِأنْ يُوضَعَ كِتابُ الفُجّارِ في الكِتابِ الَّذِي هو الأصْلُ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في تَفْصِيلِ أحْوالِ الأشْقِياءِ، أوْ بِأنْ يُنْقَلَ ما في كِتابِ الفُجّارِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ المُسَمّى بِالسِّجِّينِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ، الكِتابَةَ فَيَكُونُ في المَعْنى: كِتابَةُ الفُجّارِ في سِجِّينٍ، أيْ كِتابَةُ أعْمالِهِمْ في سِجِّينٍ، ثُمَّ وُصِفَ السِّجِّينُ بِأنَّهُ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الفُجّارِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مَرْقُومٌ أيْ مَكْتُوبَةٌ أعْمالُهم فِيهِ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِسُوءٍ أيْ كُتِبَ لَهم بِإيجابِ النّارِ.
وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الكِتابَ مَرْقُومًا، كَما يَرْقُمُ التّاجِرُ ثَوْبَهُ عَلامَةً لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ الفاجِرِ جُعِلَ مَرْقُومًا بِرَقْمٍ دالٍّ عَلى شَقاوَتِهِ.
ورابِعُها: المَرْقُومُ: هاهُنا المَخْتُومُ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو صَحِيحٌ لِأنَّ الخَتْمَ عَلامَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُسَمّى المَرْقُومُ مَخْتُومًا.
وخامِسُها: أنَّ المَعْنى كِتابٌ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ كالرَّقْمِ في الثَّوْبِ لا يَنْمَحِي، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾ أيْ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ويْلٌ لِمَن كَذَّبَ بِأخْبارِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (مَرْقُومٌ) مَعْناهُ رُقِمَ بِرَقْمٍ يَدُلُّ عَلى الشَّقاوَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن ذَلِكَ الكِتابِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ صِفَةِ مَن يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لا يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ إلّا مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ.
فَأوَّلُها: كَوْنُهُ مُعْتَدِيًا، والِاعْتِداءُ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَنهَجِ الحَقِّ.
وثانِيها: الأثِيمُ وهو مُبالَغَةٌ في ارْتِكابِ الإثْمِ والمَعاصِي. وأقُولُ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ قُوَّةٌ نَظَرِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، وقُوَّةٌ عَمَلِيَّةٌ وكَمالُها في أنْ يَعْرِفَ الخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وضِدُّ الأوَّلِ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَجُوزُ وصْفُهُ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن إمْكانِ البَعْثِ والقِيامَةِ إنَّما مَنَعَ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ المُمْكِناتِ. فَهَذا الِاعْتِداءُ ضِدُّ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، هو الِاشْتِغالُ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ وصاحِبُهُ هو الأثِيمُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالشَّهْوَةِ والغَضَبِ قَلَّما يَتَفَرَّغُ لِلْعِبادَةِ والطّاعَةِ، ورُبَّما صارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنِ الإيمانِ بِالقِيامَةِ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النُّبُوَّةَ، والمَعْنى إذا تُلِيَ عَلَيْهِ القُرْآنُ قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أكاذِيبُ
صفحة ٨٦
الأوَّلِينَ.
والثّانِي: أخْبارُ الأوَّلِينَ وأنَّهُ عَنْهم أُخِذَ أيْ يَقْدَحُ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الطَّرِيقِ، وهاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ هَلِ المُرادُ مِنها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أوْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، واحْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ ن: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَقِيلَ: إنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ المَعْنى: وما يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ مِن قُرَيْشٍ أوْ مِن قَوْمِكَ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ، وهَذا هو الشَّخْصُ المُعَيَّنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ جَمِيعِ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بَلْ أفْعالُهُمُ الماضِيَةُ صارَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ الرَّيْنِ في قُلُوبِهِمْ، ولِأهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الرَّيْنِ وُجُوهٌ، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ أُخَرُ، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ غَلَبَ عَلَيْها والخَمْرُ تَرِينُ عَلى عَقْلِ السَّكْرانِ، والمَوْتُ يَرِينُ عَلى المَيِّتِ فَيَذْهَبُ بِهِ، قالَ اللَّيْثُ: رانَ النُّعاسُ والخَمْرُ في الرَّأْسِ إذا رَسَخَ فِيهِ، وهو يَرِنُ رَيْنًا ورُيُونًا، ومِن هَذا حَدِيثُ عُمَرَ في أُسَيْفِعِ جُهَيْنَةَ لَمّا رَكِبَهُ الدِّينُ ”أصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ“ قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ مِنهُ. قالَ أبُو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: الرَّيْنُ أنْ يَسْوَدَّ القَلْبُ مِنَ الذُّنُوبِ والطَّبْعُ أنْ يُطْبَعَ عَلى القَلْبِ وهو أشَدُّ مِنَ الرَّيْنِ، والإقْفالُ أشَدُّ مِنَ الطَّبْعِ، وهو أنْ يُقْفَلَ عَلى القَلْبِ، قالَ الزَّجّاجُ: رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ يَرِينُ رَيْنًا أيْ غَشِيَهُ، والرَّيْنُ كالصَّدَأِ يَغْشى القَلْبَ ومِثْلُهُ العَيْنُ، أمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ، فَلَهم وُجُوهٌ: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: هو الذَّنْبُ عَلى الذَّنْبِ، حَتّى تُحِيطَ الذُّنُوبُ بِالقَلْبِ، وتَغْشاهُ فَيَمُوتُ القَلْبُ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إيّاكم والمُحَقَّراتُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الذَّنْبَ عَلى الذَّنْبِ يُوقِدُ عَلى صاحِبِهِ جَحِيمًا ضَخْمَةً» “ وعَنْ مُجاهِدٍ القَلْبُ كالكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ الذَّنْبَ انْقَبَضَ، وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ انْقَبَضَ ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ وهو الرَّيْنُ، وقالَ آخَرُونَ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قُلْتُ: لا شَكَّ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ، فَإنَّ مَن أرادَ تَعَلُّمَ الكِتابَةِ فَكُلَّما كانَ إتْيانُهُ بِعَمَلِ الكِتابَةِ أكْثَرَ كانَ اقْتِدارُهُ عَلى عَمَلِ الكِتابَةِ أتَمَّ، إلى أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِالكِتابَةِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرَةٍ، فَهَذِهِ الهَيْئَةُ النَّفْسانِيَّةُ، لَمّا تَوَلَّدَتْ مِن تِلْكَ الأعْمالِ الكَثِيرَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ الهَيْئَةِ النَّفْسانِيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا واظَبَ عَلى الإتْيانِ بِبَعْضِ أنْواعِ الذُّنُوبِ، حَصَلَتْ في قَلْبِهِ مَلَكَةٌ نَفْسانِيَّةٌ عَلى الإتْيانِ بِذَلِكَ الذَّنْبِ، ولا مَعْنى لِلذَّنْبِ إلّا ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَشْغَلُكَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَهو ظُلْمَةٌ، فَإذَنِ الذُّنُوبُ كُلُّها ظُلُماتٌ وسَوادٌ، ولُكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْمالِ السّالِفَةِ الَّتِي أوْرَثَ مَجْمُوعُها حُصُولَ تِلْكَ المَلَكَةِ أثَرٌ في حُصُولِها، فَذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: كُلَّما أذْنَبَ الإنْسانُ حَصَلَتْ في قَلْبِهِ نَكْتَةٌ سَوْداءُ حَتى يَسْوَدَّ القَلْبُ، ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ المَلَكاتِ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ مُخْتَلِفَةً، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ هَذا السَّوادِ والظُّلْمَةِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضُها يَكُونُ رَيْنًا وبَعْضُها طَبْعًا وبَعْضُها إقْفالًا، قالَ القاضِي لَيْسَ المُرادُ مِنَ الرَّيْنِ أنَّ قَلْبَهم قَدْ تَغَيَّرَ وحَصَلَ فِيهِ مَنعٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهم صارُوا لِإيقاعِ الذَّنْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ مُتَجَرِّئِينَ عَلَيْهِ وقَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى تَرْكِ التَّوْبَةِ وتَرْكِ الإقْلاعِ، فاسْتَمَرُّوا وصَعُبَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ عِلَّةَ الرَّيْنِ كَسْبُهم، ومَعْلُومٌ أنَّ إكْثارَهم مِنَ اكْتِسابِ الذُّنُوبِ لا يَمْنَعُ مِنَ الإقْلاعِ والتَّوْبَةِ، وأقُولُ قَدْ بَيَّنّا أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِي
صفحة ٨٧
إلى الفِعْلِ، والدّاعِي إلى التَّرْكِ مُحالٌ لِامْتِناعِ تَرْجِيحِ المُمْكِنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ، فَبِأنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا حالَ المَرْجُوحِيَّةِ كانَ أوْلى، ولَمّا سَلَّمَ القاضِي أنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الأفْعالِ السّالِفَةِ راجِحًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإقْلاعُ في هَذِهِ الحالَةِ مُمْتَنِعًا، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهم ذَكَرُوا في (كَلّا) وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كَلّا) رَدْعٌ عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وثانِيها: قالَ القَفّالُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى في سائِرِ السُّوَرِ عَنْ هَذا المُعْتَدِي الأثِيمِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَتِ الآخِرَةُ حَقًّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيهِ مالًا ووَلَدًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَذَّبَهُ في هَذِهِ المَقالَةِ فَقالَ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] ولَمّا كانَ هَذا مِمّا قَدْ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ تَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهُ هاهُنا وقالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ: مِن أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حُسْنى بَلْ هم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وتَكُونُ ”كَلّا“ هَذِهِ هي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ قالُوا: ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الحِجابَ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ، وما يَكُونُ وعِيدًا وتَهْدِيدًا لِلْكُفّارِ لا يَجُوزُ حُصُولُهُ في حَقِّ المُؤْمِنِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الحِجابُ في حَقِّ المُؤْمِنِ أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّهم عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ أيْ مَمْنُوعُونَ، كَما يُقالُ في الفَرائِضِ: الإخْوَةُ يَحْجُبُونَ الأُمَّ عَلى الثُّلُثِ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ: لِمَن يَمْنَعُ عَنِ الدُّخُولِ هو حاجِبٌ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ أيْ غَيْرُ مُقَرَّبِينَ، والحِجابُ الرَّدُّ وهو ضِدُّ القَبُولِ، والمَعْنى هَؤُلاءِ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ غَيْرُ مَقْبُولِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: - ٧٧] .
وثالِثُها: قالَ القاضِي: الحِجابُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ: حُجِبَ فُلانٌ عَنِ الأمِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ رَآهُ مِنَ البُعْدِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الحِجابُ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ سَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، بَلْ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَيْرُورَتِهِ مَمْنُوعًا عَنْ وُجْدانِ رَحْمَتِهِ تَعالى.
ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَوْنُهم مَحْجُوبِينَ عَنْهُ تَمْثِيلٌ لِلِاسْتِخْفافِ بِهِمْ وإهانَتِهِمْ، لِأنَّهُ لا يُؤْذَنُ عَلى المُلُوكِ إلّا لِلْمُكَرَّمِينَ لَدَيْهِمْ، ولا يُحْجَبُ عَنْهم إلّا المُهانُونَ عِنْدَهم.
والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ مَن يُمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا مَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الأمِيرِ يُقالُ: إنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ، وأيْضًا يُقالُ الأُمُّ حُجِبَتْ عَنِ الثُّلُثِ بِسَبَبِ الإخْوَةِ، وإذا وجَدْنا هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ وجَبَ جَعْلُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَفْهُومٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ هَذِهِ المَواضِعِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ في اللَّفْظِ، وذَلِكَ هو المَنعُ. فَفي الصُّورَةِ الأُولى حَصَلَ المَنعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وفي الثّانِي حَصَلَ المَنعُ مِنَ الوُصُولِ إلى قُرْبِهِ، وفي الثّالِثَةِ: حَصَلَ المَنعُ مِنَ اسْتِحْقاقِ الثُّلُثِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَمْنُوعُونَ، والمَنعُ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو إمّا العِلْمُ، وإمّا الرُّؤْيَةُ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، لِأنَّهُ ثابِتٌ بِالِاتِّفاقِ لِلْكُفّارِ، فَوَجَبَ
صفحة ٨٨
حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ. أمّا صَرْفُهُ إلى الرَّحْمَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وكَذا ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلِيلِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهم بَعْدَ العَرْضِ والحِسابِ، لا يَرَوْنَ رَبَّهم، والمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهم، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَقُولُ إنَّهم عَنِ النَّظَرِ إلى رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ لَمَحْجُوبُونَ، والمُؤْمِنِ لا يُحْجَبُ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، وسُئِلَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: لَمّا حَجَبَ أعْداءَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ لا بُدَّ وأنْ يَتَجَلّى لِأوْلِيائِهِ حَتّى يَرَوْهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ لَمّا حَجَبَ قَوْمًا بِالسُّخْطِ دَلَّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَرَوْنَهُ بِالرِّضا، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ فالمَعْنى لَمّا صارُوا مَحْجُوبِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ إمّا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ ثُمَّ إذا دَخَلُوا النّارَ، وُبِّخُوا بِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، فَقِيلَ لَهم: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدُّنْيا، والآنَ قَدْ عايَنْتُمُوهُ فَذُوقُوهُ.
المطففين 83:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الفُجّارِ المُطَفِّفِينَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حالِ الأبْرارِ الَّذِينَ لا يُطَفِّفُونَ، فَقالَ: (كَلّا) أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمَهُ أُولَئِكَ الفُجّارُ مِن إنْكارِ البَعْثِ ومِن أنَّ كِتابَ اللَّهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. واعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ ”عِلِّيِّينَ“ أقْوالًا، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ أيْضًا أقْوالًا، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: ”عِلِّيِّينَ“ جَمْعُ عِلِّيٍّ، وهو فِعِّيلٌ مِنَ العُلُوِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: إعْرابُ هَذا الِاسْمِ كَإعْرابِ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ قِنِّسْرُونَ ورَأيْتُ قِنِّسْرِينَ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها السَّماءُ الرّابِعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها السَّماءُ السّابِعَةُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِدْرَةُ المُنْتَهى، وقالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي ارْتِفاعًا بَعْدَ ارْتِفاعٍ لا غايَةَ لَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلى الأمْكِنَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مَراتِبُ عالِيَةٌ مَحْفُوظَةٌ بِالجَلالَةِ قَدْ عَظَّمَها اللَّهُ وأعْلى شَأْنَها، وقالَ آخَرُونَ: عِنْدَ كِتابِ أعْمالِ المَلائِكَةِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الأخِيرِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهُ، وأنَّهُ سَيَعْرِفُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كِتابَهم في هَذا الكِتابِ المَرْقُومِ الَّذِي يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى كَما وكَّلَهم بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَكَذَلِكَ يُوَكِّلُهم بِحِفْظِ كُتُبِ الأبْرارِ في جُمْلَةِ ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ عَلى وجْهِ الإعْظامِ لَهُ ولا يَمْتَنِعُ أنَّ الحَفَظَةَ إذا صَعَدَتْ بِكُتُبِ الأبْرارِ فَإنَّهم يُسَلِّمُونَها إلى هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ فَيَحْفَظُونَها كَما يَحْفَظُونَ كُتُبَ أنْفُسِهِمْ أوْ يَنْقُلُونَ ما في تِلْكَ الصَّحائِفِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي وُكِّلُوا بِحِفْظِهِ ويَصِيرُ عِلْمُهم شَهادَةً لِهَؤُلاءِ الأبْرارِ، فَلِذَلِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، لِأنَّ هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ يَشْهَدُونَ لَهم بِما حَفِظُوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وإذا كانَ هَذا الكِتابُ في السَّماءِ صَحَّ قَوْلُ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في السَّماءِ العالِيَةِ، فَتَتَقارَبُ الأقْوالُ في ذَلِكَ، وإذًا كانَ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَمَدَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما بَيَّنّا أنَّ العُلُوَّ والفُسْحَةَ والضِّياءَ والطَّهارَةَ مِن عَلاماتِ السَّعادَةِ،
صفحة ٨٩
والسُّفْلَ والضِّيقَ والظُّلْمَةَ مِن عَلاماتِ الشَّقاوَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن وضْعِ كِتابِ الفُجّارِ في أسْفَلِ السّافِلِينَ، وفي أضْيَقِ المَواضِعِ إذْلالَ الفُجّارِ وتَحْقِيرَ شَأْنِهِمْ، كانَ المَقْصُودُ مِن وضْعِ كِتابِ الأبْرارِ في أعْلى عِلِّيِّينَ، وشَهادَةِ المَلائِكَةِ لَهم بِذَلِكَ إجْلالَهم وتَعْظِيمَ شَأْنِهِمْ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ الكِتابَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ كِتابَةَ أعْمالِ الأبْرارِ في عِلِّيِّينَ، ثُمَّ وصَفَ عِلِّيِّينَ بِأنَّهُ كِتابٌ مَرْقُومٌ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الأبْرارِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ؛ أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ المَرْقُومِ كِتابُ أعْمالِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ كِتابٌ مَوْضُوعٌ في عِلِّيِّينَ كُتِبَ فِيهِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الكَرامَةِ والثَّوابِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكِتابِ، فَقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ تِلْكَ الأشْياءَ مَكْتُوبَةٌ لَهم في ساقِ العَرْشِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَكْتُوبٌ في لَوْحٍ مِن زَبَرْجَدٍ مُعَلَّقٍ تَحْتَ العَرْشِ. وقالَ آخَرُونَ: هو كِتابٌ مَرْقُومٌ بِما يُوجِبُ سُرُورَهم، وذَلِكَ بِالضِّدِّ مِن رَقْمِ كِتابِ الفُجّارِ بِما يَسُوءُهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ يَشْهَدُونَ ويَحْضُرُونَ ذَلِكَ المَكْتُوبَ، ومَن قالَ: إنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ، قالَ: يَشْهَدُ ذَلِكَ الكِتابَ إذا صُعِدَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ كَرامَةً لِلْمُؤْمِنِ.
المطففين 83:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الفُجّارِ المُطَفِّفِينَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حالِ الأبْرارِ الَّذِينَ لا يُطَفِّفُونَ، فَقالَ: (كَلّا) أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمَهُ أُولَئِكَ الفُجّارُ مِن إنْكارِ البَعْثِ ومِن أنَّ كِتابَ اللَّهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. واعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ ”عِلِّيِّينَ“ أقْوالًا، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ أيْضًا أقْوالًا، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: ”عِلِّيِّينَ“ جَمْعُ عِلِّيٍّ، وهو فِعِّيلٌ مِنَ العُلُوِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: إعْرابُ هَذا الِاسْمِ كَإعْرابِ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ قِنِّسْرُونَ ورَأيْتُ قِنِّسْرِينَ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها السَّماءُ الرّابِعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها السَّماءُ السّابِعَةُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِدْرَةُ المُنْتَهى، وقالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي ارْتِفاعًا بَعْدَ ارْتِفاعٍ لا غايَةَ لَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلى الأمْكِنَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مَراتِبُ عالِيَةٌ مَحْفُوظَةٌ بِالجَلالَةِ قَدْ عَظَّمَها اللَّهُ وأعْلى شَأْنَها، وقالَ آخَرُونَ: عِنْدَ كِتابِ أعْمالِ المَلائِكَةِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الأخِيرِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهُ، وأنَّهُ سَيَعْرِفُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كِتابَهم في هَذا الكِتابِ المَرْقُومِ الَّذِي يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى كَما وكَّلَهم بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَكَذَلِكَ يُوَكِّلُهم بِحِفْظِ كُتُبِ الأبْرارِ في جُمْلَةِ ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ عَلى وجْهِ الإعْظامِ لَهُ ولا يَمْتَنِعُ أنَّ الحَفَظَةَ إذا صَعَدَتْ بِكُتُبِ الأبْرارِ فَإنَّهم يُسَلِّمُونَها إلى هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ فَيَحْفَظُونَها كَما يَحْفَظُونَ كُتُبَ أنْفُسِهِمْ أوْ يَنْقُلُونَ ما في تِلْكَ الصَّحائِفِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي وُكِّلُوا بِحِفْظِهِ ويَصِيرُ عِلْمُهم شَهادَةً لِهَؤُلاءِ الأبْرارِ، فَلِذَلِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، لِأنَّ هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ يَشْهَدُونَ لَهم بِما حَفِظُوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وإذا كانَ هَذا الكِتابُ في السَّماءِ صَحَّ قَوْلُ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في السَّماءِ العالِيَةِ، فَتَتَقارَبُ الأقْوالُ في ذَلِكَ، وإذًا كانَ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَمَدَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما بَيَّنّا أنَّ العُلُوَّ والفُسْحَةَ والضِّياءَ والطَّهارَةَ مِن عَلاماتِ السَّعادَةِ،
صفحة ٨٩
والسُّفْلَ والضِّيقَ والظُّلْمَةَ مِن عَلاماتِ الشَّقاوَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن وضْعِ كِتابِ الفُجّارِ في أسْفَلِ السّافِلِينَ، وفي أضْيَقِ المَواضِعِ إذْلالَ الفُجّارِ وتَحْقِيرَ شَأْنِهِمْ، كانَ المَقْصُودُ مِن وضْعِ كِتابِ الأبْرارِ في أعْلى عِلِّيِّينَ، وشَهادَةِ المَلائِكَةِ لَهم بِذَلِكَ إجْلالَهم وتَعْظِيمَ شَأْنِهِمْ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ الكِتابَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ كِتابَةَ أعْمالِ الأبْرارِ في عِلِّيِّينَ، ثُمَّ وصَفَ عِلِّيِّينَ بِأنَّهُ كِتابٌ مَرْقُومٌ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الأبْرارِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ؛ أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ المَرْقُومِ كِتابُ أعْمالِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ كِتابٌ مَوْضُوعٌ في عِلِّيِّينَ كُتِبَ فِيهِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الكَرامَةِ والثَّوابِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكِتابِ، فَقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ تِلْكَ الأشْياءَ مَكْتُوبَةٌ لَهم في ساقِ العَرْشِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَكْتُوبٌ في لَوْحٍ مِن زَبَرْجَدٍ مُعَلَّقٍ تَحْتَ العَرْشِ. وقالَ آخَرُونَ: هو كِتابٌ مَرْقُومٌ بِما يُوجِبُ سُرُورَهم، وذَلِكَ بِالضِّدِّ مِن رَقْمِ كِتابِ الفُجّارِ بِما يَسُوءُهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ يَشْهَدُونَ ويَحْضُرُونَ ذَلِكَ المَكْتُوبَ، ومَن قالَ: إنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ، قالَ: يَشْهَدُ ذَلِكَ الكِتابَ إذا صُعِدَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ كَرامَةً لِلْمُؤْمِنِ.
المطففين 83:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الفُجّارِ المُطَفِّفِينَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حالِ الأبْرارِ الَّذِينَ لا يُطَفِّفُونَ، فَقالَ: (كَلّا) أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمَهُ أُولَئِكَ الفُجّارُ مِن إنْكارِ البَعْثِ ومِن أنَّ كِتابَ اللَّهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. واعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ ”عِلِّيِّينَ“ أقْوالًا، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ أيْضًا أقْوالًا، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: ”عِلِّيِّينَ“ جَمْعُ عِلِّيٍّ، وهو فِعِّيلٌ مِنَ العُلُوِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: إعْرابُ هَذا الِاسْمِ كَإعْرابِ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ قِنِّسْرُونَ ورَأيْتُ قِنِّسْرِينَ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها السَّماءُ الرّابِعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها السَّماءُ السّابِعَةُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِدْرَةُ المُنْتَهى، وقالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي ارْتِفاعًا بَعْدَ ارْتِفاعٍ لا غايَةَ لَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلى الأمْكِنَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مَراتِبُ عالِيَةٌ مَحْفُوظَةٌ بِالجَلالَةِ قَدْ عَظَّمَها اللَّهُ وأعْلى شَأْنَها، وقالَ آخَرُونَ: عِنْدَ كِتابِ أعْمالِ المَلائِكَةِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الأخِيرِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهُ، وأنَّهُ سَيَعْرِفُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كِتابَهم في هَذا الكِتابِ المَرْقُومِ الَّذِي يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى كَما وكَّلَهم بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَكَذَلِكَ يُوَكِّلُهم بِحِفْظِ كُتُبِ الأبْرارِ في جُمْلَةِ ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ عَلى وجْهِ الإعْظامِ لَهُ ولا يَمْتَنِعُ أنَّ الحَفَظَةَ إذا صَعَدَتْ بِكُتُبِ الأبْرارِ فَإنَّهم يُسَلِّمُونَها إلى هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ فَيَحْفَظُونَها كَما يَحْفَظُونَ كُتُبَ أنْفُسِهِمْ أوْ يَنْقُلُونَ ما في تِلْكَ الصَّحائِفِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي وُكِّلُوا بِحِفْظِهِ ويَصِيرُ عِلْمُهم شَهادَةً لِهَؤُلاءِ الأبْرارِ، فَلِذَلِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، لِأنَّ هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ يَشْهَدُونَ لَهم بِما حَفِظُوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وإذا كانَ هَذا الكِتابُ في السَّماءِ صَحَّ قَوْلُ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في السَّماءِ العالِيَةِ، فَتَتَقارَبُ الأقْوالُ في ذَلِكَ، وإذًا كانَ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَمَدَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما بَيَّنّا أنَّ العُلُوَّ والفُسْحَةَ والضِّياءَ والطَّهارَةَ مِن عَلاماتِ السَّعادَةِ،
صفحة ٨٩
والسُّفْلَ والضِّيقَ والظُّلْمَةَ مِن عَلاماتِ الشَّقاوَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن وضْعِ كِتابِ الفُجّارِ في أسْفَلِ السّافِلِينَ، وفي أضْيَقِ المَواضِعِ إذْلالَ الفُجّارِ وتَحْقِيرَ شَأْنِهِمْ، كانَ المَقْصُودُ مِن وضْعِ كِتابِ الأبْرارِ في أعْلى عِلِّيِّينَ، وشَهادَةِ المَلائِكَةِ لَهم بِذَلِكَ إجْلالَهم وتَعْظِيمَ شَأْنِهِمْ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ الكِتابَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ كِتابَةَ أعْمالِ الأبْرارِ في عِلِّيِّينَ، ثُمَّ وصَفَ عِلِّيِّينَ بِأنَّهُ كِتابٌ مَرْقُومٌ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الأبْرارِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ؛ أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ المَرْقُومِ كِتابُ أعْمالِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ كِتابٌ مَوْضُوعٌ في عِلِّيِّينَ كُتِبَ فِيهِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الكَرامَةِ والثَّوابِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكِتابِ، فَقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ تِلْكَ الأشْياءَ مَكْتُوبَةٌ لَهم في ساقِ العَرْشِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَكْتُوبٌ في لَوْحٍ مِن زَبَرْجَدٍ مُعَلَّقٍ تَحْتَ العَرْشِ. وقالَ آخَرُونَ: هو كِتابٌ مَرْقُومٌ بِما يُوجِبُ سُرُورَهم، وذَلِكَ بِالضِّدِّ مِن رَقْمِ كِتابِ الفُجّارِ بِما يَسُوءُهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ يَشْهَدُونَ ويَحْضُرُونَ ذَلِكَ المَكْتُوبَ، ومَن قالَ: إنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ، قالَ: يَشْهَدُ ذَلِكَ الكِتابَ إذا صُعِدَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ كَرامَةً لِلْمُؤْمِنِ.
المطففين 83:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الفُجّارِ المُطَفِّفِينَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حالِ الأبْرارِ الَّذِينَ لا يُطَفِّفُونَ، فَقالَ: (كَلّا) أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمَهُ أُولَئِكَ الفُجّارُ مِن إنْكارِ البَعْثِ ومِن أنَّ كِتابَ اللَّهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. واعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ ”عِلِّيِّينَ“ أقْوالًا، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ أيْضًا أقْوالًا، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: ”عِلِّيِّينَ“ جَمْعُ عِلِّيٍّ، وهو فِعِّيلٌ مِنَ العُلُوِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: إعْرابُ هَذا الِاسْمِ كَإعْرابِ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ قِنِّسْرُونَ ورَأيْتُ قِنِّسْرِينَ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها السَّماءُ الرّابِعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها السَّماءُ السّابِعَةُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِدْرَةُ المُنْتَهى، وقالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي ارْتِفاعًا بَعْدَ ارْتِفاعٍ لا غايَةَ لَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلى الأمْكِنَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مَراتِبُ عالِيَةٌ مَحْفُوظَةٌ بِالجَلالَةِ قَدْ عَظَّمَها اللَّهُ وأعْلى شَأْنَها، وقالَ آخَرُونَ: عِنْدَ كِتابِ أعْمالِ المَلائِكَةِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الأخِيرِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهُ، وأنَّهُ سَيَعْرِفُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كِتابَهم في هَذا الكِتابِ المَرْقُومِ الَّذِي يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى كَما وكَّلَهم بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَكَذَلِكَ يُوَكِّلُهم بِحِفْظِ كُتُبِ الأبْرارِ في جُمْلَةِ ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ عَلى وجْهِ الإعْظامِ لَهُ ولا يَمْتَنِعُ أنَّ الحَفَظَةَ إذا صَعَدَتْ بِكُتُبِ الأبْرارِ فَإنَّهم يُسَلِّمُونَها إلى هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ فَيَحْفَظُونَها كَما يَحْفَظُونَ كُتُبَ أنْفُسِهِمْ أوْ يَنْقُلُونَ ما في تِلْكَ الصَّحائِفِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي وُكِّلُوا بِحِفْظِهِ ويَصِيرُ عِلْمُهم شَهادَةً لِهَؤُلاءِ الأبْرارِ، فَلِذَلِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، لِأنَّ هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ يَشْهَدُونَ لَهم بِما حَفِظُوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وإذا كانَ هَذا الكِتابُ في السَّماءِ صَحَّ قَوْلُ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في السَّماءِ العالِيَةِ، فَتَتَقارَبُ الأقْوالُ في ذَلِكَ، وإذًا كانَ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى.
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَمَدَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما بَيَّنّا أنَّ العُلُوَّ والفُسْحَةَ والضِّياءَ والطَّهارَةَ مِن عَلاماتِ السَّعادَةِ،
صفحة ٨٩
والسُّفْلَ والضِّيقَ والظُّلْمَةَ مِن عَلاماتِ الشَّقاوَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن وضْعِ كِتابِ الفُجّارِ في أسْفَلِ السّافِلِينَ، وفي أضْيَقِ المَواضِعِ إذْلالَ الفُجّارِ وتَحْقِيرَ شَأْنِهِمْ، كانَ المَقْصُودُ مِن وضْعِ كِتابِ الأبْرارِ في أعْلى عِلِّيِّينَ، وشَهادَةِ المَلائِكَةِ لَهم بِذَلِكَ إجْلالَهم وتَعْظِيمَ شَأْنِهِمْ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ الكِتابَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ كِتابَةَ أعْمالِ الأبْرارِ في عِلِّيِّينَ، ثُمَّ وصَفَ عِلِّيِّينَ بِأنَّهُ كِتابٌ مَرْقُومٌ فِيهِ جَمِيعُ أعْمالِ الأبْرارِ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ؛ أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ المَرْقُومِ كِتابُ أعْمالِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ كِتابٌ مَوْضُوعٌ في عِلِّيِّينَ كُتِبَ فِيهِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الكَرامَةِ والثَّوابِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الكِتابِ، فَقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ تِلْكَ الأشْياءَ مَكْتُوبَةٌ لَهم في ساقِ العَرْشِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَكْتُوبٌ في لَوْحٍ مِن زَبَرْجَدٍ مُعَلَّقٍ تَحْتَ العَرْشِ. وقالَ آخَرُونَ: هو كِتابٌ مَرْقُومٌ بِما يُوجِبُ سُرُورَهم، وذَلِكَ بِالضِّدِّ مِن رَقْمِ كِتابِ الفُجّارِ بِما يَسُوءُهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في عِلِّيِّينَ يَشْهَدُونَ ويَحْضُرُونَ ذَلِكَ المَكْتُوبَ، ومَن قالَ: إنَّهُ كِتابُ الأعْمالِ، قالَ: يَشْهَدُ ذَلِكَ الكِتابَ إذا صُعِدَ بِهِ إلى عِلِّيِّينَ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ كَرامَةً لِلْمُؤْمِنِ.
المطففين 83:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَظَّمَ كِتابَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَظَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّعِيمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قالَ القَفّالُ: الأرائِكُ الأسِرَّةُ في الحِجالِ، ولا تُسَمّى أرِيكَةً فِيما زَعَمُوا إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرِيكَةُ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ أخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: (يُنْظَرُونَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يَنْظُرُونَ إلى أنْواعِ نِعَمِهِمْ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ والوِلْدانِ، وأنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والمَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَلْحَظُ المُؤْمِنُ فَيُحِيطُ بِكُلِّ ما آتاهُ اللَّهُ وإنَّ أدْناهم يَتَراءى لَهُ مِثْلُ سَعَةِ الدُّنْيا» “ .
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عَدُوِّهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ.
والثّالِثُ: إذا اشْتَهَوْا شَيْئًا نَظَرُوا إلَيْهِ فَيَحْضُرُهم ذَلِكَ الشَّيْءُ في الحالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن بابِ أنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ وهو المَنظُورُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، ويَخْطُرُ بِبالِي تَفْسِيرٌ رابِعٌ: وهو أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ وهو أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما إنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ والنَّظَرُ المَقْرُونُ بِالنَّضْرَةِ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
صفحة ٩٠
ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ يَجِبُ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أعْظَمِ اللَّذّاتِ، وما هو إلّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ؟ وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم أهْلُ النِّعْمَةِ بِسَبَبِ ما تَرى في وُجُوهِهِمْ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ في تِلْكَ القَرائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُشاهَدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] .
والثّانِي: قالَ عَطاءٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ والحُسْنِ والبَياضِ ما لا يَصِفُهُ واصِفٌ، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (تُعْرَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (جَنّاتُ النَّعِيمِ) بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الرَّحِيقَ ما هو ؟ قالَ اللَّيْثُ: ”الرَّحِيقُ“ الخَمْرُ. وأنْشَدَ لِحَسّانَ.
بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: ”الرَّحِيقُ“ مِنَ الخَمْرِ ما لا غِشَّ فِيهِ ولا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، ولَعَلَّهُ هو الخَمْرُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذا: (الرَّحِيقِ) صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ هَؤُلاءِ يُسْقَوْنَ مِن شَرابٍ مَخْتُومٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ بِالصِّيانَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ، وهُناكَ خَمْرٌ آخَرُ تَجْرِي مِنها أنْهارٌ كَما قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] إلّا أنَّ هَذا المَخْتُومَ أشْرَفُ في الجارِي.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ أيْ عاقِبَةٌ.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ في مَخْتُومٍ أنَّهُ مَمْزُوجٌ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ المَزْجَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَهُ عاقِبَةٌ هي رِيحُ المِسْكِ فَسَّرَهُ بِالمَمْزُوجِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَزِجْ بِالمِسْكِ لَما حَصَلَ فِيهِ رِيحُ المِسْكِ.
الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: مَخْتُومٌ مُطَيَّنٌ، قالَ الواحِدِيُّ: كَأنَّ مُرادَهُ مِنَ الخَتْمِ بِالطِّينِ، هو أنْ لا تَمَسَّهُ يَدٌ إلى أنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الأبْرارُ، والأقْرَبُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِهَذا الرَّحِيقِ قَوْلُهُ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُءُوسُ القَوارِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ المِسْكُ رَطْبًا يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ عاقِبَتُهُ المِسْكُ أيْ يُخْتَمُ لَهُ آخِرُهُ بِرِيحِ المِسْكِ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ مِن رَحِيقٍ لَهُ عاقِبَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ العاقِبَةَ فَقالَ: تِلْكَ العاقِبَةُ مِسْكٌ أيْ مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ قالُوا: إذا رَفَعَ الشّارِبُ فاهُ مِن آخِرِ شَرابِهِ وجَدَ رِيحَهُ كَرِيحِ المِسْكِ، والمَعْنى لَذاذَةُ
صفحة ٩١
المَقْطَعِ وذَكاءُ الرّائِحَةِ وأرَجُها، مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ، والخِتامُ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ: خَتَمْتُ القُرْآنَ، والأعْمالُ بِخَواتِيمِها ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتِيارُ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقْرَأُ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“ أيْ آخِرُهُ كَما يُقالُ: خاتَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى إلّا أنَّ الخاتَمَ اسْمٌ والخِتامَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِمْ: هو كَرِيمُ الطِّباعِ والطّابَعِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَطَهُ مِسْكٌ، وذَكَرُوا أنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِطَعْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لِرِيحِهِ وأقُولُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّ الخَمْرَ المَمْزُوجَ بِهَذِهِ الأفاوِيهِ الحارَّةِ مِمّا يُعِينُ عَلى الهَضْمِ وتَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ وصِحَّةِ أبْدانِهِمْ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ، تَقُولُ المَرْأةُ لَقَدْ أخَذْتُ خَتْمَ طِينِيٍّ، أيْ لَقَدْ أخَذْتُ أخْلاطَ طِينِيٍّ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: هو شَرابٌ أبْيَضُ مِثْلُ الفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شُرْبِهِمْ، لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الدُّنْيا أدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ أخْرَجَها لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلّا وجَدَ طِيبَ رِيحِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نَفَسْتُ عَلَيْهِ الشَّيْءَ أنْفَسُهُ نَفاسَةً إذا ضَنَنْتَ بِهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، والمَعْنى: وفي ذَلِكَ فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مُبالَغَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَسْنِيمٌ عَلَمٌ لَعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ، إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُسَنَّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ، وإمّا لِأنَّها لِأجْلِ كَثْرَةِ مَلْئِها وسُرْعَتِهِ تَعْلُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَمُرُّ بِهِ وهو تَسْنِيمُهُ، أوْ لِأنَّهُ عِنْدَ الجَرْيِ يُرى فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ، فَهو التَّسْنِيمُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْعُلُوِّ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ وتَسَنَّمْتُ الحائِطَ إذا عَلَوْتُهُ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ: فَرَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَسْنِيمَ، فَقالَ هَذا مِمّا يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَ الحَسَنُ: وهو أنَّهُ أمْرٌ أخْفاهُ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الجَنَّةِ قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ وهو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾“ مِن تَشْرِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تَسْنِيمَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَفُ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَسْنِيمُ، لِأنَّهُ يَشْرَبُهُ المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: المُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَرامَةَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ يُمْزَجُ شَرابُهم مِن عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ؛ عَلِمْنا أنَّ المَذْكُورِينَ في هَذا المَوْضِعِ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْهارَ مُتَفاوِتَةٌ في الفَضِيلَةِ، فَتَسْنِيمُ أفْضَلُ أنْهارِ الجَنَّةِ، والمُقَرَّبُونَ أفْضَلُ أهْلِ الجَنَّةِ، والتَّسْنِيمُ في الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، والرَّحِيقُ هو الِابْتِهاجُ بِمُطالَعَةِ عالَمِ المَوْجُوداتِ، فالمُقَرَّبُونَ لا يَشْرَبُونَ إلّا مِنَ التَّسْنِيمِ، أيْ لا يَشْتَغِلُونَ إلّا بِمُطالَعَةِ وجْهِهِ الكَرِيمِ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَكُونُ شَرابُهم مَمْزُوجًا، فَتارَةً يَكُونُ نَظَرُهم إلَيْهِ وتارَةً إلى مَخْلُوقاتِهِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقَدْ مَرَّ.
المطففين 83:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَظَّمَ كِتابَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَظَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّعِيمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قالَ القَفّالُ: الأرائِكُ الأسِرَّةُ في الحِجالِ، ولا تُسَمّى أرِيكَةً فِيما زَعَمُوا إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرِيكَةُ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ أخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: (يُنْظَرُونَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يَنْظُرُونَ إلى أنْواعِ نِعَمِهِمْ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ والوِلْدانِ، وأنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والمَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَلْحَظُ المُؤْمِنُ فَيُحِيطُ بِكُلِّ ما آتاهُ اللَّهُ وإنَّ أدْناهم يَتَراءى لَهُ مِثْلُ سَعَةِ الدُّنْيا» “ .
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عَدُوِّهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ.
والثّالِثُ: إذا اشْتَهَوْا شَيْئًا نَظَرُوا إلَيْهِ فَيَحْضُرُهم ذَلِكَ الشَّيْءُ في الحالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن بابِ أنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ وهو المَنظُورُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، ويَخْطُرُ بِبالِي تَفْسِيرٌ رابِعٌ: وهو أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ وهو أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما إنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ والنَّظَرُ المَقْرُونُ بِالنَّضْرَةِ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
صفحة ٩٠
ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ يَجِبُ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أعْظَمِ اللَّذّاتِ، وما هو إلّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ؟ وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم أهْلُ النِّعْمَةِ بِسَبَبِ ما تَرى في وُجُوهِهِمْ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ في تِلْكَ القَرائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُشاهَدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] .
والثّانِي: قالَ عَطاءٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ والحُسْنِ والبَياضِ ما لا يَصِفُهُ واصِفٌ، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (تُعْرَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (جَنّاتُ النَّعِيمِ) بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الرَّحِيقَ ما هو ؟ قالَ اللَّيْثُ: ”الرَّحِيقُ“ الخَمْرُ. وأنْشَدَ لِحَسّانَ.
بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: ”الرَّحِيقُ“ مِنَ الخَمْرِ ما لا غِشَّ فِيهِ ولا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، ولَعَلَّهُ هو الخَمْرُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذا: (الرَّحِيقِ) صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ هَؤُلاءِ يُسْقَوْنَ مِن شَرابٍ مَخْتُومٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ بِالصِّيانَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ، وهُناكَ خَمْرٌ آخَرُ تَجْرِي مِنها أنْهارٌ كَما قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] إلّا أنَّ هَذا المَخْتُومَ أشْرَفُ في الجارِي.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ أيْ عاقِبَةٌ.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ في مَخْتُومٍ أنَّهُ مَمْزُوجٌ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ المَزْجَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَهُ عاقِبَةٌ هي رِيحُ المِسْكِ فَسَّرَهُ بِالمَمْزُوجِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَزِجْ بِالمِسْكِ لَما حَصَلَ فِيهِ رِيحُ المِسْكِ.
الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: مَخْتُومٌ مُطَيَّنٌ، قالَ الواحِدِيُّ: كَأنَّ مُرادَهُ مِنَ الخَتْمِ بِالطِّينِ، هو أنْ لا تَمَسَّهُ يَدٌ إلى أنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الأبْرارُ، والأقْرَبُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِهَذا الرَّحِيقِ قَوْلُهُ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُءُوسُ القَوارِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ المِسْكُ رَطْبًا يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ عاقِبَتُهُ المِسْكُ أيْ يُخْتَمُ لَهُ آخِرُهُ بِرِيحِ المِسْكِ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ مِن رَحِيقٍ لَهُ عاقِبَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ العاقِبَةَ فَقالَ: تِلْكَ العاقِبَةُ مِسْكٌ أيْ مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ قالُوا: إذا رَفَعَ الشّارِبُ فاهُ مِن آخِرِ شَرابِهِ وجَدَ رِيحَهُ كَرِيحِ المِسْكِ، والمَعْنى لَذاذَةُ
صفحة ٩١
المَقْطَعِ وذَكاءُ الرّائِحَةِ وأرَجُها، مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ، والخِتامُ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ: خَتَمْتُ القُرْآنَ، والأعْمالُ بِخَواتِيمِها ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتِيارُ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقْرَأُ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“ أيْ آخِرُهُ كَما يُقالُ: خاتَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى إلّا أنَّ الخاتَمَ اسْمٌ والخِتامَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِمْ: هو كَرِيمُ الطِّباعِ والطّابَعِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَطَهُ مِسْكٌ، وذَكَرُوا أنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِطَعْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لِرِيحِهِ وأقُولُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّ الخَمْرَ المَمْزُوجَ بِهَذِهِ الأفاوِيهِ الحارَّةِ مِمّا يُعِينُ عَلى الهَضْمِ وتَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ وصِحَّةِ أبْدانِهِمْ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ، تَقُولُ المَرْأةُ لَقَدْ أخَذْتُ خَتْمَ طِينِيٍّ، أيْ لَقَدْ أخَذْتُ أخْلاطَ طِينِيٍّ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: هو شَرابٌ أبْيَضُ مِثْلُ الفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شُرْبِهِمْ، لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الدُّنْيا أدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ أخْرَجَها لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلّا وجَدَ طِيبَ رِيحِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نَفَسْتُ عَلَيْهِ الشَّيْءَ أنْفَسُهُ نَفاسَةً إذا ضَنَنْتَ بِهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، والمَعْنى: وفي ذَلِكَ فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مُبالَغَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَسْنِيمٌ عَلَمٌ لَعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ، إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُسَنَّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ، وإمّا لِأنَّها لِأجْلِ كَثْرَةِ مَلْئِها وسُرْعَتِهِ تَعْلُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَمُرُّ بِهِ وهو تَسْنِيمُهُ، أوْ لِأنَّهُ عِنْدَ الجَرْيِ يُرى فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ، فَهو التَّسْنِيمُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْعُلُوِّ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ وتَسَنَّمْتُ الحائِطَ إذا عَلَوْتُهُ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ: فَرَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَسْنِيمَ، فَقالَ هَذا مِمّا يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَ الحَسَنُ: وهو أنَّهُ أمْرٌ أخْفاهُ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الجَنَّةِ قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ وهو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾“ مِن تَشْرِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تَسْنِيمَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَفُ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَسْنِيمُ، لِأنَّهُ يَشْرَبُهُ المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: المُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَرامَةَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ يُمْزَجُ شَرابُهم مِن عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ؛ عَلِمْنا أنَّ المَذْكُورِينَ في هَذا المَوْضِعِ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْهارَ مُتَفاوِتَةٌ في الفَضِيلَةِ، فَتَسْنِيمُ أفْضَلُ أنْهارِ الجَنَّةِ، والمُقَرَّبُونَ أفْضَلُ أهْلِ الجَنَّةِ، والتَّسْنِيمُ في الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، والرَّحِيقُ هو الِابْتِهاجُ بِمُطالَعَةِ عالَمِ المَوْجُوداتِ، فالمُقَرَّبُونَ لا يَشْرَبُونَ إلّا مِنَ التَّسْنِيمِ، أيْ لا يَشْتَغِلُونَ إلّا بِمُطالَعَةِ وجْهِهِ الكَرِيمِ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَكُونُ شَرابُهم مَمْزُوجًا، فَتارَةً يَكُونُ نَظَرُهم إلَيْهِ وتارَةً إلى مَخْلُوقاتِهِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقَدْ مَرَّ.
المطففين 83:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَظَّمَ كِتابَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَظَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّعِيمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قالَ القَفّالُ: الأرائِكُ الأسِرَّةُ في الحِجالِ، ولا تُسَمّى أرِيكَةً فِيما زَعَمُوا إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرِيكَةُ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ أخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: (يُنْظَرُونَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يَنْظُرُونَ إلى أنْواعِ نِعَمِهِمْ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ والوِلْدانِ، وأنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والمَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَلْحَظُ المُؤْمِنُ فَيُحِيطُ بِكُلِّ ما آتاهُ اللَّهُ وإنَّ أدْناهم يَتَراءى لَهُ مِثْلُ سَعَةِ الدُّنْيا» “ .
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عَدُوِّهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ.
والثّالِثُ: إذا اشْتَهَوْا شَيْئًا نَظَرُوا إلَيْهِ فَيَحْضُرُهم ذَلِكَ الشَّيْءُ في الحالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن بابِ أنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ وهو المَنظُورُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، ويَخْطُرُ بِبالِي تَفْسِيرٌ رابِعٌ: وهو أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ وهو أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما إنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ والنَّظَرُ المَقْرُونُ بِالنَّضْرَةِ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
صفحة ٩٠
ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ يَجِبُ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أعْظَمِ اللَّذّاتِ، وما هو إلّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ؟ وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم أهْلُ النِّعْمَةِ بِسَبَبِ ما تَرى في وُجُوهِهِمْ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ في تِلْكَ القَرائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُشاهَدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] .
والثّانِي: قالَ عَطاءٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ والحُسْنِ والبَياضِ ما لا يَصِفُهُ واصِفٌ، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (تُعْرَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (جَنّاتُ النَّعِيمِ) بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الرَّحِيقَ ما هو ؟ قالَ اللَّيْثُ: ”الرَّحِيقُ“ الخَمْرُ. وأنْشَدَ لِحَسّانَ.
بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: ”الرَّحِيقُ“ مِنَ الخَمْرِ ما لا غِشَّ فِيهِ ولا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، ولَعَلَّهُ هو الخَمْرُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذا: (الرَّحِيقِ) صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ هَؤُلاءِ يُسْقَوْنَ مِن شَرابٍ مَخْتُومٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ بِالصِّيانَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ، وهُناكَ خَمْرٌ آخَرُ تَجْرِي مِنها أنْهارٌ كَما قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] إلّا أنَّ هَذا المَخْتُومَ أشْرَفُ في الجارِي.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ أيْ عاقِبَةٌ.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ في مَخْتُومٍ أنَّهُ مَمْزُوجٌ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ المَزْجَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَهُ عاقِبَةٌ هي رِيحُ المِسْكِ فَسَّرَهُ بِالمَمْزُوجِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَزِجْ بِالمِسْكِ لَما حَصَلَ فِيهِ رِيحُ المِسْكِ.
الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: مَخْتُومٌ مُطَيَّنٌ، قالَ الواحِدِيُّ: كَأنَّ مُرادَهُ مِنَ الخَتْمِ بِالطِّينِ، هو أنْ لا تَمَسَّهُ يَدٌ إلى أنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الأبْرارُ، والأقْرَبُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِهَذا الرَّحِيقِ قَوْلُهُ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُءُوسُ القَوارِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ المِسْكُ رَطْبًا يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ عاقِبَتُهُ المِسْكُ أيْ يُخْتَمُ لَهُ آخِرُهُ بِرِيحِ المِسْكِ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ مِن رَحِيقٍ لَهُ عاقِبَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ العاقِبَةَ فَقالَ: تِلْكَ العاقِبَةُ مِسْكٌ أيْ مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ قالُوا: إذا رَفَعَ الشّارِبُ فاهُ مِن آخِرِ شَرابِهِ وجَدَ رِيحَهُ كَرِيحِ المِسْكِ، والمَعْنى لَذاذَةُ
صفحة ٩١
المَقْطَعِ وذَكاءُ الرّائِحَةِ وأرَجُها، مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ، والخِتامُ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ: خَتَمْتُ القُرْآنَ، والأعْمالُ بِخَواتِيمِها ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتِيارُ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقْرَأُ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“ أيْ آخِرُهُ كَما يُقالُ: خاتَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى إلّا أنَّ الخاتَمَ اسْمٌ والخِتامَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِمْ: هو كَرِيمُ الطِّباعِ والطّابَعِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَطَهُ مِسْكٌ، وذَكَرُوا أنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِطَعْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لِرِيحِهِ وأقُولُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّ الخَمْرَ المَمْزُوجَ بِهَذِهِ الأفاوِيهِ الحارَّةِ مِمّا يُعِينُ عَلى الهَضْمِ وتَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ وصِحَّةِ أبْدانِهِمْ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ، تَقُولُ المَرْأةُ لَقَدْ أخَذْتُ خَتْمَ طِينِيٍّ، أيْ لَقَدْ أخَذْتُ أخْلاطَ طِينِيٍّ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: هو شَرابٌ أبْيَضُ مِثْلُ الفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شُرْبِهِمْ، لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الدُّنْيا أدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ أخْرَجَها لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلّا وجَدَ طِيبَ رِيحِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نَفَسْتُ عَلَيْهِ الشَّيْءَ أنْفَسُهُ نَفاسَةً إذا ضَنَنْتَ بِهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، والمَعْنى: وفي ذَلِكَ فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مُبالَغَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَسْنِيمٌ عَلَمٌ لَعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ، إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُسَنَّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ، وإمّا لِأنَّها لِأجْلِ كَثْرَةِ مَلْئِها وسُرْعَتِهِ تَعْلُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَمُرُّ بِهِ وهو تَسْنِيمُهُ، أوْ لِأنَّهُ عِنْدَ الجَرْيِ يُرى فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ، فَهو التَّسْنِيمُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْعُلُوِّ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ وتَسَنَّمْتُ الحائِطَ إذا عَلَوْتُهُ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ: فَرَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَسْنِيمَ، فَقالَ هَذا مِمّا يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَ الحَسَنُ: وهو أنَّهُ أمْرٌ أخْفاهُ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الجَنَّةِ قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ وهو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾“ مِن تَشْرِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تَسْنِيمَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَفُ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَسْنِيمُ، لِأنَّهُ يَشْرَبُهُ المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: المُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَرامَةَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ يُمْزَجُ شَرابُهم مِن عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ؛ عَلِمْنا أنَّ المَذْكُورِينَ في هَذا المَوْضِعِ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْهارَ مُتَفاوِتَةٌ في الفَضِيلَةِ، فَتَسْنِيمُ أفْضَلُ أنْهارِ الجَنَّةِ، والمُقَرَّبُونَ أفْضَلُ أهْلِ الجَنَّةِ، والتَّسْنِيمُ في الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، والرَّحِيقُ هو الِابْتِهاجُ بِمُطالَعَةِ عالَمِ المَوْجُوداتِ، فالمُقَرَّبُونَ لا يَشْرَبُونَ إلّا مِنَ التَّسْنِيمِ، أيْ لا يَشْتَغِلُونَ إلّا بِمُطالَعَةِ وجْهِهِ الكَرِيمِ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَكُونُ شَرابُهم مَمْزُوجًا، فَتارَةً يَكُونُ نَظَرُهم إلَيْهِ وتارَةً إلى مَخْلُوقاتِهِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقَدْ مَرَّ.
المطففين 83:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَظَّمَ كِتابَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَظَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّعِيمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قالَ القَفّالُ: الأرائِكُ الأسِرَّةُ في الحِجالِ، ولا تُسَمّى أرِيكَةً فِيما زَعَمُوا إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرِيكَةُ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ أخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: (يُنْظَرُونَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يَنْظُرُونَ إلى أنْواعِ نِعَمِهِمْ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ والوِلْدانِ، وأنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والمَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَلْحَظُ المُؤْمِنُ فَيُحِيطُ بِكُلِّ ما آتاهُ اللَّهُ وإنَّ أدْناهم يَتَراءى لَهُ مِثْلُ سَعَةِ الدُّنْيا» “ .
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عَدُوِّهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ.
والثّالِثُ: إذا اشْتَهَوْا شَيْئًا نَظَرُوا إلَيْهِ فَيَحْضُرُهم ذَلِكَ الشَّيْءُ في الحالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن بابِ أنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ وهو المَنظُورُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، ويَخْطُرُ بِبالِي تَفْسِيرٌ رابِعٌ: وهو أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ وهو أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما إنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ والنَّظَرُ المَقْرُونُ بِالنَّضْرَةِ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
صفحة ٩٠
ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ يَجِبُ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أعْظَمِ اللَّذّاتِ، وما هو إلّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ؟ وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم أهْلُ النِّعْمَةِ بِسَبَبِ ما تَرى في وُجُوهِهِمْ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ في تِلْكَ القَرائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُشاهَدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] .
والثّانِي: قالَ عَطاءٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ والحُسْنِ والبَياضِ ما لا يَصِفُهُ واصِفٌ، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (تُعْرَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (جَنّاتُ النَّعِيمِ) بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الرَّحِيقَ ما هو ؟ قالَ اللَّيْثُ: ”الرَّحِيقُ“ الخَمْرُ. وأنْشَدَ لِحَسّانَ.
بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: ”الرَّحِيقُ“ مِنَ الخَمْرِ ما لا غِشَّ فِيهِ ولا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، ولَعَلَّهُ هو الخَمْرُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذا: (الرَّحِيقِ) صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ هَؤُلاءِ يُسْقَوْنَ مِن شَرابٍ مَخْتُومٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ بِالصِّيانَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ، وهُناكَ خَمْرٌ آخَرُ تَجْرِي مِنها أنْهارٌ كَما قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] إلّا أنَّ هَذا المَخْتُومَ أشْرَفُ في الجارِي.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ أيْ عاقِبَةٌ.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ في مَخْتُومٍ أنَّهُ مَمْزُوجٌ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ المَزْجَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَهُ عاقِبَةٌ هي رِيحُ المِسْكِ فَسَّرَهُ بِالمَمْزُوجِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَزِجْ بِالمِسْكِ لَما حَصَلَ فِيهِ رِيحُ المِسْكِ.
الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: مَخْتُومٌ مُطَيَّنٌ، قالَ الواحِدِيُّ: كَأنَّ مُرادَهُ مِنَ الخَتْمِ بِالطِّينِ، هو أنْ لا تَمَسَّهُ يَدٌ إلى أنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الأبْرارُ، والأقْرَبُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِهَذا الرَّحِيقِ قَوْلُهُ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُءُوسُ القَوارِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ المِسْكُ رَطْبًا يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ عاقِبَتُهُ المِسْكُ أيْ يُخْتَمُ لَهُ آخِرُهُ بِرِيحِ المِسْكِ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ مِن رَحِيقٍ لَهُ عاقِبَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ العاقِبَةَ فَقالَ: تِلْكَ العاقِبَةُ مِسْكٌ أيْ مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ قالُوا: إذا رَفَعَ الشّارِبُ فاهُ مِن آخِرِ شَرابِهِ وجَدَ رِيحَهُ كَرِيحِ المِسْكِ، والمَعْنى لَذاذَةُ
صفحة ٩١
المَقْطَعِ وذَكاءُ الرّائِحَةِ وأرَجُها، مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ، والخِتامُ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ: خَتَمْتُ القُرْآنَ، والأعْمالُ بِخَواتِيمِها ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتِيارُ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقْرَأُ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“ أيْ آخِرُهُ كَما يُقالُ: خاتَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى إلّا أنَّ الخاتَمَ اسْمٌ والخِتامَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِمْ: هو كَرِيمُ الطِّباعِ والطّابَعِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَطَهُ مِسْكٌ، وذَكَرُوا أنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِطَعْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لِرِيحِهِ وأقُولُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّ الخَمْرَ المَمْزُوجَ بِهَذِهِ الأفاوِيهِ الحارَّةِ مِمّا يُعِينُ عَلى الهَضْمِ وتَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ وصِحَّةِ أبْدانِهِمْ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ، تَقُولُ المَرْأةُ لَقَدْ أخَذْتُ خَتْمَ طِينِيٍّ، أيْ لَقَدْ أخَذْتُ أخْلاطَ طِينِيٍّ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: هو شَرابٌ أبْيَضُ مِثْلُ الفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شُرْبِهِمْ، لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الدُّنْيا أدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ أخْرَجَها لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلّا وجَدَ طِيبَ رِيحِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نَفَسْتُ عَلَيْهِ الشَّيْءَ أنْفَسُهُ نَفاسَةً إذا ضَنَنْتَ بِهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، والمَعْنى: وفي ذَلِكَ فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مُبالَغَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَسْنِيمٌ عَلَمٌ لَعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ، إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُسَنَّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ، وإمّا لِأنَّها لِأجْلِ كَثْرَةِ مَلْئِها وسُرْعَتِهِ تَعْلُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَمُرُّ بِهِ وهو تَسْنِيمُهُ، أوْ لِأنَّهُ عِنْدَ الجَرْيِ يُرى فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ، فَهو التَّسْنِيمُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْعُلُوِّ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ وتَسَنَّمْتُ الحائِطَ إذا عَلَوْتُهُ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ: فَرَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَسْنِيمَ، فَقالَ هَذا مِمّا يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَ الحَسَنُ: وهو أنَّهُ أمْرٌ أخْفاهُ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الجَنَّةِ قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ وهو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾“ مِن تَشْرِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تَسْنِيمَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَفُ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَسْنِيمُ، لِأنَّهُ يَشْرَبُهُ المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: المُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَرامَةَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ يُمْزَجُ شَرابُهم مِن عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ؛ عَلِمْنا أنَّ المَذْكُورِينَ في هَذا المَوْضِعِ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْهارَ مُتَفاوِتَةٌ في الفَضِيلَةِ، فَتَسْنِيمُ أفْضَلُ أنْهارِ الجَنَّةِ، والمُقَرَّبُونَ أفْضَلُ أهْلِ الجَنَّةِ، والتَّسْنِيمُ في الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، والرَّحِيقُ هو الِابْتِهاجُ بِمُطالَعَةِ عالَمِ المَوْجُوداتِ، فالمُقَرَّبُونَ لا يَشْرَبُونَ إلّا مِنَ التَّسْنِيمِ، أيْ لا يَشْتَغِلُونَ إلّا بِمُطالَعَةِ وجْهِهِ الكَرِيمِ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَكُونُ شَرابُهم مَمْزُوجًا، فَتارَةً يَكُونُ نَظَرُهم إلَيْهِ وتارَةً إلى مَخْلُوقاتِهِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقَدْ مَرَّ.
المطففين 83:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَظَّمَ كِتابَهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَظَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّعِيمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ قالَ القَفّالُ: الأرائِكُ الأسِرَّةُ في الحِجالِ، ولا تُسَمّى أرِيكَةً فِيما زَعَمُوا إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرِيكَةُ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ أخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: (يُنْظَرُونَ) فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: يَنْظُرُونَ إلى أنْواعِ نِعَمِهِمْ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ والوِلْدانِ، وأنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والمَلابِسِ والمَراكِبِ وغَيْرِها، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَلْحَظُ المُؤْمِنُ فَيُحِيطُ بِكُلِّ ما آتاهُ اللَّهُ وإنَّ أدْناهم يَتَراءى لَهُ مِثْلُ سَعَةِ الدُّنْيا» “ .
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَنْظُرُونَ إلى عَدُوِّهِمْ حِينَ يُعَذَّبُونَ في النّارِ.
والثّالِثُ: إذا اشْتَهَوْا شَيْئًا نَظَرُوا إلَيْهِ فَيَحْضُرُهم ذَلِكَ الشَّيْءُ في الحالِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ مِن بابِ أنْواعِ جِنْسٍ واحِدٍ وهو المَنظُورُ إلَيْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ، ويَخْطُرُ بِبالِي تَفْسِيرٌ رابِعٌ: وهو أشْرَفُ مِنَ الكُلِّ وهو أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ ويَتَأكَّدُ هَذا التَّأْوِيلُ بِما إنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ والنَّظَرُ المَقْرُونُ بِالنَّضْرَةِ هو رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]
صفحة ٩٠
ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ يَجِبُ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ أعْظَمِ اللَّذّاتِ، وما هو إلّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ؟ وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى إذا رَأيْتَهم عَرَفْتَ أنَّهم أهْلُ النِّعْمَةِ بِسَبَبِ ما تَرى في وُجُوهِهِمْ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ في تِلْكَ القَرائِنِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُشاهَدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ الضَّحِكِ والِاسْتِبْشارِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] .
والثّانِي: قالَ عَطاءٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُزِيدُ في وُجُوهِهِمْ مِنَ النُّورِ والحُسْنِ والبَياضِ ما لا يَصِفُهُ واصِفٌ، وتَفْسِيرُ النَّضْرَةِ: قَدْ سَبَقَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: (تُعْرَفُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (جَنّاتُ النَّعِيمِ) بِالرَّفْعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ أنَّ الرَّحِيقَ ما هو ؟ قالَ اللَّيْثُ: ”الرَّحِيقُ“ الخَمْرُ. وأنْشَدَ لِحَسّانَ.
بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: ”الرَّحِيقُ“ مِنَ الخَمْرِ ما لا غِشَّ فِيهِ ولا شَيْءَ يُفْسِدُهُ، ولَعَلَّهُ هو الخَمْرُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذا: (الرَّحِيقِ) صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: يَحْتَمِلُ أنْ هَؤُلاءِ يُسْقَوْنَ مِن شَرابٍ مَخْتُومٍ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ بِالصِّيانَةِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ، وهُناكَ خَمْرٌ آخَرُ تَجْرِي مِنها أنْهارٌ كَما قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] إلّا أنَّ هَذا المَخْتُومَ أشْرَفُ في الجارِي.
الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ أيْ عاقِبَةٌ.
والثّالِثُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ في مَخْتُومٍ أنَّهُ مَمْزُوجٌ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ المَزْجَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ لَهُ عاقِبَةٌ هي رِيحُ المِسْكِ فَسَّرَهُ بِالمَمْزُوجِ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْتَزِجْ بِالمِسْكِ لَما حَصَلَ فِيهِ رِيحُ المِسْكِ.
الرّابِعُ: قالَ مُجاهِدٌ: مَخْتُومٌ مُطَيَّنٌ، قالَ الواحِدِيُّ: كَأنَّ مُرادَهُ مِنَ الخَتْمِ بِالطِّينِ، هو أنْ لا تَمَسَّهُ يَدٌ إلى أنْ يَفُكَّ خَتْمَهُ الأبْرارُ، والأقْرَبُ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَفّالُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: لِهَذا الرَّحِيقِ قَوْلُهُ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُءُوسُ القَوارِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ المِسْكُ رَطْبًا يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنِ القَفّالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ .
الثّانِي: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أيْ عاقِبَتُهُ المِسْكُ أيْ يُخْتَمُ لَهُ آخِرُهُ بِرِيحِ المِسْكِ، وهَذا الوَجْهُ مُطابِقٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿مَخْتُومٍ﴾ كَأنَّهُ تَعالى قالَ مِن رَحِيقٍ لَهُ عاقِبَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ تِلْكَ العاقِبَةَ فَقالَ: تِلْكَ العاقِبَةُ مِسْكٌ أيْ مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ، وهَذا قَوْلُ عَلْقَمَةَ والضَّحّاكِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ قالُوا: إذا رَفَعَ الشّارِبُ فاهُ مِن آخِرِ شَرابِهِ وجَدَ رِيحَهُ كَرِيحِ المِسْكِ، والمَعْنى لَذاذَةُ
صفحة ٩١
المَقْطَعِ وذَكاءُ الرّائِحَةِ وأرَجُها، مَعَ طِيبِ الطَّعْمِ، والخِتامُ آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ يُقالُ: خَتَمْتُ القُرْآنَ، والأعْمالُ بِخَواتِيمِها ويُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتِيارُ الكِسائِيِّ فَإنَّهُ يَقْرَأُ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“ أيْ آخِرُهُ كَما يُقالُ: خاتَمُ النَّبِيِّينَ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى إلّا أنَّ الخاتَمَ اسْمٌ والخِتامَ مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِمْ: هو كَرِيمُ الطِّباعِ والطّابَعِ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ خَلَطَهُ مِسْكٌ، وذَكَرُوا أنَّ فِيهِ تَطْيِيبًا لِطَعْمِهِ. وقِيلَ: بَلْ لِرِيحِهِ وأقُولُ: لَعَلَّ المُرادَ أنَّ الخَمْرَ المَمْزُوجَ بِهَذِهِ الأفاوِيهِ الحارَّةِ مِمّا يُعِينُ عَلى الهَضْمِ وتَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ وصِحَّةِ أبْدانِهِمْ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ، تَقُولُ المَرْأةُ لَقَدْ أخَذْتُ خَتْمَ طِينِيٍّ، أيْ لَقَدْ أخَذْتُ أخْلاطَ طِينِيٍّ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: هو شَرابٌ أبْيَضُ مِثْلُ الفِضَّةِ، يَخْتِمُونَ بِهِ آخِرَ شُرْبِهِمْ، لَوْ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الدُّنْيا أدْخَلَ فِيهِ يَدَهُ ثُمَّ أخْرَجَها لَمْ يَبْقَ ذُو رُوحٍ إلّا وجَدَ طِيبَ رِيحِهِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: نَفَسْتُ عَلَيْهِ الشَّيْءَ أنْفَسُهُ نَفاسَةً إذا ضَنَنْتَ بِهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ، والتَّنافُسُ تَفاعُلٌ مِنهُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الشَّخْصَيْنِ يُرِيدُ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ، والمَعْنى: وفي ذَلِكَ فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مُبالَغَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَسْنِيمٌ عَلَمٌ لَعَيْنٍ بِعَيْنِها في الجَنَّةِ سُمِّيَتْ بِالتَّسْنِيمِ الَّذِي هو مَصْدَرُ سَنَّمَهُ إذا رَفَعَهُ، إمّا لِأنَّها أرْفَعُ شَرابٍ في الجَنَّةِ، وإمّا لِأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن فَوْقُ، عَلى ما رُوِيَ أنَّها تَجْرِي في الهَواءِ مُسَنَّمَةً فَتَنْصَبُّ في أوانِيهِمْ، وإمّا لِأنَّها لِأجْلِ كَثْرَةِ مَلْئِها وسُرْعَتِهِ تَعْلُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَمُرُّ بِهِ وهو تَسْنِيمُهُ، أوْ لِأنَّهُ عِنْدَ الجَرْيِ يُرى فِيهِ ارْتِفاعٌ وانْخِفاضٌ، فَهو التَّسْنِيمُ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْعُلُوِّ والِارْتِفاعِ، ومِنهُ سَنامُ البَعِيرِ وتَسَنَّمْتُ الحائِطَ إذا عَلَوْتُهُ، وأمّا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ: فَرَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَسْنِيمَ، فَقالَ هَذا مِمّا يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَ الحَسَنُ: وهو أنَّهُ أمْرٌ أخْفاهُ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الجَنَّةِ قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ وهو اسْمٌ مَعْرِفَةٌ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: ”﴿مِن تَسْنِيمٍ﴾“ مِن تَشْرِيفٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تَسْنِيمَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَفُ شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَسْنِيمُ، لِأنَّهُ يَشْرَبُهُ المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِأصْحابِ اليَمِينِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَسَّمَ المُكَلَّفِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: المُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشِّمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَرامَةَ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ يُمْزَجُ شَرابُهم مِن عَيْنٍ يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ؛ عَلِمْنا أنَّ المَذْكُورِينَ في هَذا المَوْضِعِ هم أصْحابُ اليَمِينِ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْهارَ مُتَفاوِتَةٌ في الفَضِيلَةِ، فَتَسْنِيمُ أفْضَلُ أنْهارِ الجَنَّةِ، والمُقَرَّبُونَ أفْضَلُ أهْلِ الجَنَّةِ، والتَّسْنِيمُ في الجَنَّةِ الرُّوحانِيَّةِ هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، والرَّحِيقُ هو الِابْتِهاجُ بِمُطالَعَةِ عالَمِ المَوْجُوداتِ، فالمُقَرَّبُونَ لا يَشْرَبُونَ إلّا مِنَ التَّسْنِيمِ، أيْ لا يَشْتَغِلُونَ إلّا بِمُطالَعَةِ وجْهِهِ الكَرِيمِ، وأصْحابُ اليَمِينِ يَكُونُ شَرابُهم مَمْزُوجًا، فَتارَةً يَكُونُ نَظَرُهم إلَيْهِ وتارَةً إلى مَخْلُوقاتِهِ.
صفحة ٩٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (عَيْنًا) نُصِبَ عَلى المَدْحِ وقالَ الزَّجّاجُ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقَدْ مَرَّ.