Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — البقرة 2:35 – البقرة 2:216

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. البقرة 2:35
  2. البقرة 2:36
  3. البقرة 2:37
  4. البقرة 2:38
  5. البقرة 2:45
  6. البقرة 2:47
  7. البقرة 2:49
  8. البقرة 2:62
  9. البقرة 2:65
  10. البقرة 2:67
  11. البقرة 2:72
  12. البقرة 2:73
  13. البقرة 2:74
  14. البقرة 2:80
  15. البقرة 2:83
  16. البقرة 2:85
  17. البقرة 2:86
  18. البقرة 2:88
  19. البقرة 2:89
  20. البقرة 2:90
  21. البقرة 2:91
  22. البقرة 2:94
  23. البقرة 2:97
  24. البقرة 2:98
  25. البقرة 2:102
  26. البقرة 2:106
  27. البقرة 2:107
  28. البقرة 2:111
  29. البقرة 2:115
  30. البقرة 2:116
  31. البقرة 2:117
  32. البقرة 2:121
  33. البقرة 2:135
  34. البقرة 2:137
  35. البقرة 2:142
  36. البقرة 2:143
  37. البقرة 2:144
  38. البقرة 2:145
  39. البقرة 2:146
  40. البقرة 2:148
  41. البقرة 2:150
  42. البقرة 2:152
  43. البقرة 2:153
  44. البقرة 2:156
  45. البقرة 2:157
  46. البقرة 2:159
  47. البقرة 2:160
  48. البقرة 2:164
  49. البقرة 2:165
  50. البقرة 2:166
  51. البقرة 2:171
  52. البقرة 2:172
  53. البقرة 2:173
  54. البقرة 2:177
  55. البقرة 2:179
  56. البقرة 2:183
  57. البقرة 2:184
  58. البقرة 2:185
  59. البقرة 2:186
  60. البقرة 2:187
  61. البقرة 2:188
  62. البقرة 2:195
  63. البقرة 2:196
  64. البقرة 2:197
  65. البقرة 2:198
  66. البقرة 2:199
  67. البقرة 2:200
  68. البقرة 2:209
  69. البقرة 2:213
  70. البقرة 2:216

البقرة 2:35

(فصل) وَأما الأزْواج فَجمع زوج وقد يُقال زَوْجَة والأول أفْصح وبها جاءَ القُرْآن قالَ تَعالى ﴿يا آدم اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وَقالَ تَعالى في حق زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلام ﴿وَأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَه﴾ [الأنبياء: ٩٠] وَمن الثّانِي قَول ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما في عائِشَة رَضِي الله عَنْها إنَّها زَوْجَة نَبِيكُم في الدُّنْيا والآخِرَة وَقالَ الفرزدق ؎(وَإن الَّذِي يَبْغِي ليفسد زَوْجَتي ∗∗∗ كساع إلى أسد الشرى يستبيلها) وَقد يجمع على زَوْجات وهَذا إنَّما هو جمع زَوْجَة وإلّا فَجمع زوج أزواج قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] وَقالَ تَعالى ﴿أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] وَقد وقع في القُرْآن الإخْبار عَن أهل الإيمان بِلَفْظ الزَّوْج مُفردا وجمعًا كَما تقدم وَقالَ تَعالى ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَقالَ تَعالى ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِك﴾ [الأحزاب: ٥٩] والإخبار عَن أهل الشّرك بِلَفْظ المَرْأة قالَ تَعالى ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ إلى قَوْله ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾. وَقالَ تَعالى ﴿ضَرَبَ الله مثلا للَّذين كفرُوا امْرَأة نوح وامْرَأة لوط﴾ [التَّحْرِيم ١٠ فَلَمّا كانَتا مشركتين أوقع عَلَيْهِما اسْم المَرْأة وقالَ في فِرْعَوْن ﴿وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا امْرَأة فِرْعَوْن﴾ [التحريم: ١١] لما كانَ هو المُشرك وهِي مُؤمنَة لم يسمها زوجا لَهُ وَقالَ في حق آدم ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ وَقالَ للنَّبِي ﷺ ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزواجك﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَقالَ في حق المُؤمنِينَ ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] فَقالَت طائِفَة مِنهُم السُّهيْلي وغَيره إنَّما لم يقل في حق هَؤُلاءِ الأزْواج لِأنَّهُنَّ لسن بِأزْواج لرجالهم في الآخِرَة ولِأن التَّزْوِيج حلية شَرْعِيَّة وهو من أمر الدّين فَجرد الكافِرَة مِنهُ كَما جرد مِنها امْرَأة نوح وامْرَأة لوط ثمَّ أورد السُّهيْلي على نَفسه قَول زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلام ﴿وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٥] وَقَوله تَعالى عَن إبْراهِيم ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّة﴾ [الذاريات: ٢٩] وَأجاب بِأن ذكر المَرْأة أليق في هَذِه المَواضِع لِأنَّهُ في سِياق ذكر الحمل والولادة فَذكر المَرْأة أولى بِهِ لِأن الصّفة الَّتِي هي الأُنُوثَة هي المُقْتَضِيَة للْحَمْل والوضع لا من حَيْثُ كانَت زوجا. قلت ولَو قيل إن السِّرّ في ذكر المُؤمنِينَ ونِسائِهِمْ بِلَفْظ الأزْواج أن هَذا اللَّفْظ مشْعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كَما هو المَفْهُوم من لَفظه فَإن الزَّوْجَيْنِ هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان أو المتساويان ومِنه قَوْله تَعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] قالَ عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ أزواجهم أشباههم ونظراؤهم وَقالَهُ الإمام أحْمد أيْضا وَمِنه قَوْله تَعالى ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أي قرن بَين كل شكل وشكله في النَّعيم والعَذاب قالَ عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ في هَذِه الآيَة الصّالح مَعَ الصّالح في الجنَّة والفاجر مَعَ الفاجِر في النّار وَقالَهُ الحسن وقَتادَة والأكْثَرُونَ. وَقيل زوجت أنفس المُؤمنِينَ بالحور العين وأنفس الكافرين بالشياطين وهو راجع إلى القَوْل الأول قالَ تَعالى ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ثمَّ فَسرها ﴿من الضَّأْن اثْنَيْنِ ومن المعز اثْنَيْنِ﴾، ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣-١٤٤] فَجعل الزَّوْجَيْنِ هما الفردان من نوع واحِد وَمِنه قَوْلهم زوجا خف وزوجا حمام ونَحْوه وَلا ريب أن الله سُبْحانَهُ وتَعالى قطع المشابهة والمشاكلة بَين الكافِر والمُؤمن قالَ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وقالَ تَعالى في حق مؤمني أهل الكتاب وكافرهم ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهل الكتاب﴾ [آل عمران: ١١٣] وقطع المُقارنَة سُبْحانَهُ بَينهما في أحْكام الدُّنْيا فَلا يتوارثان ولا يتناكحان ولا يتَوَلّى أحدهما صاحبه فَكَما انْقَطَعت الوصلة بَينهما في المَعْنى انْقَطَعت في الِاسْم فأضاف فِيها المَرْأة بِلَفْظ الأُنُوثَة المُجَرّد دون لفظ المشاكلة والمشابهة وَتَأمل هَذا المَعْنى تَجدهُ أشد مُطابقَة لألفاظ القُرْآن ومعانيه ولِهَذا وقع على المسلمَة امْرَأة الكافِر وعَلى الكافِرَة امْرَأة المُؤمن لفظ المَرْأة دون الزَّوْجَة تَحْقِيقا لهَذا المَعْنى والله أعلم. وَهَذا أولى من قَول من قالَ إنَّما سمى صاحِبَة أبي لَهب امْرَأته ولم يقل لَها زَوجته لِأن أنكحة الكفّار لا يثبت لَها حكم الصِّحَّة بِخِلاف أنكحة أهل الإسْلام فَإن هَذا باطِل بِإطْلاقِهِ اسْم المَرْأة على امْرَأة نوح وامْرَأة لوط مَعَ صِحَة ذَلِك النِّكاح وَتَأمل في هَذا المَعْنى في آيَة المَوارِيث وتعليقه سُبْحانَهُ التَّوارُث بِلَفْظ الزَّوْجَة دون المَرْأة كَما في قَوْله تَعالى ﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزواجكم﴾ [النساء: ١٢] إيذانًا بِأن هَذا التَّوارُث إنَّما وقع بِالزَّوْجِيَّةِ المُقْتَضِيَة للتشاكل والتناسب والمُؤمن والكافِر لا تشاكل بَينهما ولا تناسب فَلا يَقع بَينهما التَّوارُث. وأسرار مُفْرَدات القُرْآن ومركباته فَوق عقول العالمين. (موعظة) لا تحتقر معصية فكم أحرقت شررة. أما عرفت سر: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. لو قنع آدم لاكتفى ولكن المحنة كانت في الشرة. الخلوة شرك لصيد المؤانسة. أخفى الصيادين شخصا وأقلهم حركة أكثرهم التقاط للصيد. ما صاد هرنوا أي صوت. أبدا نفوس العاشقين ... إلى ربوعكم تحن وكذا القلوب بذكركم ... بعد المخافة تطمئن وقال غيره: ؎طلولي إذا يشكو إليها متيم ∗∗∗ شكا غير ذي نطق إلى غير ذي فهم وقال غيره: ؎وأنما عمر الفتى سوق له ∗∗∗ يصدر عنه غانمأ أو خاسرا قال غيره: ؎تراع إذا الجنائز قابلتنا ∗∗∗ ونلهو حين تخفي ذاهبات ؎كروعة ثلة لظهور ذئب ∗∗∗ فلما غاب عادت راتعات خذ نفسك بالعزائم لا ترخص. حائط الباطن خراب فعلام إذا تجصص. العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة. الجهل والبطالة توأمان أمهما إيثار الكسل. أيها المعلم تثبت على المبتدى وقدر في السر فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق. ويا أيها الطالب تواضع في الطلب فإن التراب بيننا هو تحت الأخمص صار طهورا للوجه. تجلى عليك عروس المعرفة ولكن علي غير كفؤ. وإنما يحل النظر إذا كان العقد جائزا. فغض الطرف إنك من نمير. ليس العالم شخصا واحدا العالم عالم تصانيف. العالم أولاده المخلدون دون أولاده. من خلق للعلم شف جوهره من الصغر. طول الشهر مفض إلى طيب المرقد والهوان في ظل الهوينا كامن. وجلالة الأخطار في ركوب الأخطار. مياه المعاني مخزونة في قلب العالم يفتح منها للسقي سيحا بعد سيح ويدخر أصفاها لأهل الصفا فإذا تكاثرت عليه نادى للسبيل فيبقي علمه سيح ولهذا يتضاعف عليه زكاة الشكر. كل وقت تسافر بضائع فكره من مدينة قلبه إلى قلوب الطالبين فينادي عليها دلال لسانه وهو يعرضها في مواسم النصح على تجار الطلب والإرادة من يشتري حكمه وعلما بتخيير الثمن. فيا من يرى علو تلك المرتبة لا تنس الدرج. كم خاض بحرا ملحا حتى وقع بالعذب وكم تاه في مهمه قفر حتى سمى بالدليل وكم أنض مراكب الجسم وفض شهوات الحس وواصل السرى ليلا ونهارا وأوقد نار الصبر في دياجي الهوى فإن وثقتم بأمانته فهذا تخبير السرى. الدنيا تفوق سهامها نحو بنيها وتقول خذوا حذركم فلهذا دم قتلاها هدر. غاب الهدهد عن سليمان ساعة فتوعده فيا من أطال الغيبة عن ربه هل أمنت غضبه تخلف الثلاثة عن الرسول في غزوة واحدة فجرى لهم ما سمعت فكيف بمن عمره في التخلف عنه. إذا سكر الغراب بشراب الحرص تنقل بالجيف فإذا صحا من خماره ندم على الطلل خالف موسى الخضر في طريق الصحبة ثلاث مرات فحل عقدة الوصال بيد هذا فراق بيني وبينك أفما تخاف يا من لم يف لربه قط أن تقول في بعض زلاتك هذا فراق بيني وبينك. (الباب الثاني: في اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم عليه الصلاة والسلام وأهبط منها هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى غيرها في موضع عال من الأرض)؟ قال منذر بن سعيد في تفسير قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ فقالت طائفة أسكن الله آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة. وقال آخرون هي جنة غيرها جعلها الله له وأسكنه إياها ليست جنة الخلد. قال وهذا قول تكثر الدلائل الشاهدة له والموجبة للقول به. وقال أبو الحسن الماوردي في تفسيره: "واختلف الناس في الجنة التي أسكناها على قولين: أحدهما أنها جنة الخلد. الثاني: أنها جنة أعدها الله تعالى لهما وجعلها ابتلاء وليست هي جنة الخلد التي جعلها دار جزاء". ومن قال بهذا اختلفوا فيه قولين: أحدهما: أنها في السماء لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن الثاني: أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار وهذا قول ابن بحر وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام والله أعلم بصواب ذلك هذا كلامه. وقال ابن الخطيب في تفسيره المشهور واختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية هل كانت في الأرض أو في السماء وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة الخلد أو جنة أخرى فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني: "هذه الجنة في الأرض" وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ واحتجا عليه بوجوه. القول الثاني وهو قول الجبائي أن تلك الجنة التي كانت في السماء السابعة. والقول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب وقال أبو القاسم الراغب في تفسيره واختلف في الجنة التي أسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله الله تعالى له امتحانا ولم يكن جنة المآوى وذكر بعض الاستدلال على القولين. وممن ذكر الخلاف أيضا أبو عيسى الرماني في تفسيره واختار أنها جنة الخلد ثم قال والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا وهو قول أبي علي وشيخنا أبي بكر وعليه أهل التفسير واختار ابن الخطيب التوقف في المسألة وجعله قولا رابعا فقال: والقول الرابع: أن لكل ممكن والأدلة متعارضة فوجب التوقف وترك القطع قال منذر بن سعيد والقول بإنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد قول أبي حنيفة وأصحابه قال: وقد رأيت أقواما نهضوا لمخالفتنا في جنة آدم عليه السلام بتصويب مذهبهم من غير حجة إلا الدعاوى والأماني ما أتوا بحجة من كتاب ولا سنة ولا أثر عن صاحب ولا تابع ولا تابع التابع ولا موصولا ولا شاذا مشهورا. وقد أوجدناهم أن فقيه العراق ومن قال بقوله قالوا إن جنة آدم ليست جنة الخلد وهذه الدواوين مشحونة من علومهم ليسوا عند أحد من الشاذين بل بين رؤساء المخالفين وإنما قلت هذا ليعلم أني لا أنصر مذهب أبي حنيفة وإنما أنصر ما قام لي عليه الدليل من القرآن والسنة هذا ابن زيد المالكي يقول في تفسيره سألت ابن نافع عن الجنة أمخلوقة هي فقال السكوت عن الكلام في هذا أفضل وهذا ابن عيينة يقول في قوله عز وجل: ﴿إنَّ لَكَ ألاَّ تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ قال يعني في الأرض وابن نافع وإمام وابن عيينة إمام وهو لا يأتوننا بمثلهما ولا من يضاد قوله قولهما. وهذا ابن قتيبة ذكر في كتاب المعارف بعد ذكره خلق الله لآدم وزوجه قال: ثم تركهما وقال أثمروا وأكثروا وأملؤا الأرض وتسلطوا على أنوان البحور وطير السماء والأنعام وعشب الأرض وشجرها وثمرها فأخبر أن في الأرض خلقه وفيها أمره ثم قال ونصب الفردوس فانقسم على أربعة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات ثم ذكر الحية فقال وكانت أعظم دواب البر فقالت للمرأة أنكما تموتان إن أكلتما من هذه الشجرة. ثم قال بعد كلام ثم أخرجه من مشرق جنة عدن إلى الأرض التي منها أخذ ثم قال قال وهب وكان مهبطه حين أهبط من جنة عدن في شرقي أرض الهند قال واحتمل قأبيل أخاه حتى أتى به واديا من أودية اليمن في شرقي عدن فكمن فيه وقال غيره فيما نقل أبو صالح عن ابن عباس في قوله أهبطوا هو كما يقال هبط فلان أرض كذا وكذا. قال منذر بن سعيد فهذا وهب بن منبه يحكي أن آدم عليه السلام خلق في الأرض وفيها سكن وفيها نصب له الفردوس وإنه كان بعدن وإن أربعة أنهار أنقسمت من ذلك النهر الذي كان يسمى فردوس آدم وتلك الأنهار بقيت في الأرض لاختلاف بين المسلمين في ذلك فاعتبروا يا أولي الألباب وأخبر أن الحية التي كلمت آدم كانت من أعظم دواب البر ولم يقل من أعظم دواب السماء فهم يقولون إن الجنة لم تكن في الأرض وإنما كانت فوق السماء السابعة. ثم قال وأخرجه من مشرق جنة عدن وليس في جنة المآوى مشرق ولا مغرب لأنه لا شمس فيها. ثم قال وأخرجه إلى الأرض التي أخذ منها يعني أخرجه من الفردوس الذي نصب له في عدن في شرقي أرض الهند وهذه الأخبار التي حكى ابن قتيبة إنما تنبئ عن أرض اليمن وعن عدن وهي من أرض اليمن وأخبر أن الله نصب الفردوس لآدم عليه السلام بعدن ثم أكد ذلك بأن قال: التي أربعة الأنهار التي ذكرناها منقسمة عن النهر الذي كان يسمى فردوس آدم. قال منذر وقال ابن قتيبة عن ابن منبه عن أبي هريرة قال واشتهى آدم عند موته قطفا من الجنة التي كان فيها بزعمهم على ظهر السماء السابعة وهو في الأرض فخرج أولاده يطلبون ذلك له حتى بلغتهم الملائكة موته فأولاد آدم كانوا مجانين عندكم إن كان ما نقله ابن قتيبة حقا يطلبون لأبيهم ثمر جنة الخلد في الأرض. قال ونحن لم نقل غير ما قال هؤلاء ولو كانت جنة الخلد، الخلد فيها ونحن استدللنا من القرآن وغيرنا قطع وادعى بما ليس له عليه برهان. فهذا ذكر بعض أقوال من حكى الخلاف في هذه المسألة ونحن نسوق حجج الفريقين إن شاء الله تعالى ونبين لهم ما لهم وما عليهم. الباب الثالث: في سياق حجج من اختار أنها جنة الخلد التي يدخلها الناس يوم القيامة قالوا قولنا هذا هو الذي فطر الله عليه الناس صغيرهم وكبيرهم لم يخطر بقلوبهم سواه وأكثرهم لا يعلم في ذلك نزاعا. قالوا وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله ﷺ: " يجمع الله تعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم عليه السلام فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم". وذكر الحديث. قالوا وهذا يدل على أن الجنة التي أخرج منها هي بعينها التي يطلب منه أن يستفتحها. وفي الصحيحين حديث احتجاج آدم وموسى وقول موسى أخرجتنا ونفسك من الجنة ولو كانت في الأرض فهم قد خرجوا من بساتين فلم يخرجوا من الجنة وكذلك قول آدم للمؤمنين يوم القيامة وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم وخطيئته لم تخرجهم من جنات الدنيا. قالوا وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين أحدهما من لفظة اهبطوا فإنه نزول من علو إلى سفل والثاني ولكم في الأرض مستقر عقب قوله اهبطوا فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض ثم أكد هذا بقوله في سورة الأعراف ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ ولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده. قالوا وقد وصف سبحانه جنة آدم بصفات لا تكون إلا في جنة الخلد فقال: ﴿إنَّ لَكَ ألاَّ تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ وهذا لا يكون في الدنيا أصلا فإن الرجل ولو كان أطيب منازلها لا بد أن يعرض له شيء من ذلك وقابل سبحانه بين الجوع والظمأ والعري والضحى فإن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر والظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر فنفى عن سكانها ذل الظاهر والباطن وحر الظاهر والباطن وذلك أحسن من المقابلة بين الجوع والعطش والعري والضحى وهذا شأن ساكن جنة الخلد. قالوا وأيضا فلو كانت تلك الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب إبليس في قوله: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ فإن آدم كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية وأن ملكها يبلى. قالوا وأيضا هذه القصة في سورة البقرة ظاهرة جدا في أن الجنة التي أخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ (٣٤) وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنة فلهذا أتى فيه بضمير الجمع وقد قيل إن الخطاب لهما وللحية وهذا ضعيف جدا إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم ولا في السياق ما يدل عليها وقيل الخطاب لآدم وحواء وأتى فيه بضمير الجمع كقوله وكنا لحكمهم شاهدين وهما داود وسليمان وقيل لآدم وحواء وذريتهما. وهذه الأقوال ضعيفة غير الأول لأنها قول لا دليل عليه بين ما يدل اللفظ على خلافه فثبت أن إبليس داخل في هذا الخطاب وأنه من المهبطين فإذا تقرر هذا فقد ذكر سبحانه الإهباط ثانيا بقوله: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والظاهر أن هذا الإهباط الثاني في غير الأول وهو إهباط من السماء إلى الأرض والأول إهباط من الجنة وحينئذ فتكون الجنة التي إهبط منها أولا فوق السماء جنة الخلد وقد ظن الزمخشري أن قوله اهبطوا منها جميعا خطاب لآدم وحواء خاصة وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما قال والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ قال ويدل على ذلك قوله: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم. ومعنى قوله بعضكم لبعض عدو ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم بعضا وهذا الذي اختاره أضعف الأقوال في الآية فإن العداوة التي ذكرها الله تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما كما قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان وأعاد وأبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو وأما آدم وزوجته فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأته والعداوة بين الإنسان والشيطان. وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وإبليس وهو ثلاثة فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور مع منافرته لطريق الكلام دون جميعه مع أن اللفظ والمعنى يقتضيه فلم يصنع الزمخشري شيئا؟ وأما قوله تعالى في سورة طه: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء وقد جعل بعضهم لبعض عداوا فالضمير في قوله اهبطا منها أما أن يرجع إلى آدم وزوجته أو إلى آدم وإبليس ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمتخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس فالأمر ظاهر وأما على الأول فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجته وبين إبليس ولهذا أتى الضمير الجمع في الثاني دون الأول ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِك﴾ وقال للذرية ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية؟ وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية، وتارة بلفظ الإفراد كقوله في سورة الأعراف ﴿قال اهبط منها﴾ وكذلك في سورة (ص) وهذا لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أن الضمير في قوله ﴿اهبطا منها جميعا﴾ لآدم وإبليس إن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى قال قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار الله تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط. وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله. قالوا وأيضا فالجنة جاءت معرفة بلام التعريف في جميع المواضع كقوله: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ﴾ ونظائره ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة كالمدينة والنجم والبيت والكتاب ونظائرها فحيث ورد لفظها معرفا انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما أن أريد به جنة غيرها فإنها تجيء منكرة أو مقيدة بالإضافة أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض: فالأول كقوله: جنتين من أعناب. والثاني: كقوله ولولا إذ دخلت جنتك. والثالث كقوله: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾. قالوا: ومما يدل على أن جنة آدم هي جنة المآوى ما روى هوذة بن خليفة عن عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري قال إن الله تعالى لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة وعلمه صنعة كل شيء فثماركم هذه من ثمار الجنة غير إن هذه تتغير وتلك لا تتغير قالوا. وقد ضمن الله سبحانه وتعالى له إن تاب إليه وأناب أن يعيده إليها كما روى المنهال عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه إني راجعك إلى الجنة فهذا بعض ما احتج به القائلون بأنها جنة الخلد ونحن نسوق حجج الآخرين. الباب الرابع: في سياق حجج الطائفة التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي جنة في الأرض. قالوا هذا قول تكثر الدلائل الموجبة للقول به فنذكر بعضها قالوا قد أخبر الله سبحانه على لسان جميع رسله أن جنة الخلد أنما يكون الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد وقد وصفها الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه بصفاتها ومحال أن يصف الله سبحانه وتعالى شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفه بها. قالوا فوجدنا الله تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بإنها دار المقامة فمن دخلها أقام بها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها ووصفها بإنها جنة الخلد وآدم لم يخلد فيها ووصفها بأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهى ووصفها بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلى آدم فيها بأعظم الابتلاء ووصفها بأنها دار لا يعصي الله فيها أبدا وقد عصى آدم ربه في جنته التي دخلها ووصفها بأنها ليست دار خوف ولا حزن وقد حصل للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل وسماها دار السلام ولم يسلم فيها الأبوان من الفتنة ودار القرار ولم يستقر فيها وقال في داخلها: ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقد أخرج منها الأبوان وقال: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ وقد ند فيها آدم هاربا فارا وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه وأخبر أنه لا لغو فيها ولا تأثيم وقد سمع فيها آدم لغو إبليس وإثمه وأخبر أنه لا يسمع فيها لغو ولا كذاب وقد سمع فيها آدم عليه السلام كذب إبليس. وقد سماها الله سبحانه وتعالى مقعد صدق وقد كذب فيها إبليس وحلف على كذبه وقد قال تعالى للملائكة ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ ولم يقل إني جاعل في جنة المأوى فقالت الملائكة: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ ومحال أن يكون هذا في جنة المأوى. وقد أخبر الله تعالى عن إبليس إنه قال لآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن كان الله سبحانه وتعالى قد أسكن آدم جنة الخلد والملك الذي لا يبلى فكيف لم يرد عليه ويقول له كيف تدلني على شيء أنا فيه وقد أعطيته ولم يكن الله سبحانه وتعالى قد أخبر آدم إذ أسكنه الجنة أنه فيها من الخالدين ولو علم أنها دار الخلد لما ركن إلى قول إبليس ولا مال إلى نصيحته ولكنه لما كان في غير دار خلود غرّه بما أطعمه فيه من الخلد. قالوا ولو كان أدم أسكن جنة الخلد وهي دار القدس التي لا يسكنها إلا طاهر مقدس فكيف توصل إليها إبليس الرجس النجس المذموم المدحور حتى فتن فيها آدم عليه السلام ووسوس له وهذه الوسوسة إما أن تكون في قلبه وإما أن تكون في أذنه وعلى التقديرين فكيف توصل اللعين إلى دخول دار المتقين وأيضا فبعد أن قيل له اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها أيفسح له أن يرقى إلى جنة المأوى فوق السماء السابعة بعد السخط عليه والإبعاد له والزجر والطرد بعتوه واستكباره وهل هذا يلائم قوله: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ﴾ فإن كانت مخاطبته لآدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليست تكبرا فما التكبر بعد هذا؟ فإن قلتم فلعل وسوسته وصلت إلى الأبوين وهو في الأرض وهما فوق السماء في عليين فهذا غير معقول لغة ولا حسا ولا عرفا وإن زعمتم أنه دخل في بطن الحية حتى أوصل إليهما الوسوسة فأبطل وأبطل إذ كيف يرتقي بعد الإهباط إلى أن يدخل الجنة ولو في بطن الحية؟ وإذا قلتم إنه دخل في قلوبهما ووسوس إليهما فالمحذور قائم وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى حكى مخاطبته لهما كلاما سمعاه شفاها فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة وهذا دليل على مشاهدته لهما وللشجرة ولما كان آدم خارجا من الجنة وغير ساكن فيها قال الله تعالى له: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ ولم يقل عن هذه الشجرة فعندما قال لهما: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة لما أطعمهما في ملكها والخلود في مقرها أتى باسم الإشارة بلفظ الحضور تقريبا لها وإحضارا لها عندهما وربهما تعالى قال لهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ولما أراد إخراجهما منها فأتى باسم الإشارة بلفظ البعد والغيبة كأنهما لم يبق لهما من الجنة حتى ولا مشاهدة الشجرة التي نهيا عنها وأيضا فإنه سبحانه قال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ ووسوسة اللعين من أخبث الكلم فلا تصعد إلى محل القدس. قال منذر وقد روي عن النبي ﷺ" أن آدم عليه السلام نام في جنته" وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين فإن النبي ﷺ سئل أينام أهل الجنة قال: " لا النوم أخو الموت والنوم وفاة " وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب حال ودار السلام مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت. قلت الحديث الذي أشار إليه المعروف أنه موقوف من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد قال خلقت حواء من قصيري آدم وهو نائم. وقال أسباط عن السدي أسكن آدم عليه السلام الجنة وكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها ما أنت قالت امرأة قال ولم خلقت قالت لتسكن إلي. وقال ابن إسحاق عن ابن عباس ألقى الله على آدم عليه السلام السنة ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما وآدم نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء فسواها امرأة يسكن إليها فلما كشف عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه فقال لحمي ودمي وروحي فسكن إليها. قالوا ولا نزاع إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في موضع واحد أصلا أنه نقله إلى السماء بعد ذلك ولو كان قد نقله ذلك إلى السماء لكان هذا أولى بالذكر لأنه من أعظم الآيات ومن أعظم النعم عليه فإنه كان معراجا ببدنه وروحه من الأرض إلى فوق السماوات. قالوا وكيف ينقله سبحانه ويسكنه فوق السماء وقد أخبر ملائكته أنه جاعله في الأرض خليفة وكيف يسكنه دار الخلد التي من دخلها خلد فيها ولا يخرج منها قال تعالى: ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ قالوا ولم يكن معنًا في المسألة إلا أن الله سبحانه أهبط إبليس من السماء حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وهذا أمر تكوين لا يمكن وقوع خلافه ثم أدخل آدم عليه السلام الجنة بعد هذا فإن الأمر بالسجود كان عقب خلقه من غير فصل فلو كانت الجنة فوق السماوات لم يكن لإبليس سبيل إلى صعوده إليها وقد أهبط منها. وأما تلك التقادير التي قدرتموها فتكلفات ظاهرة كقول من قال يجوز أن يصعد إليها صعودا عارضا لا مستقرا وقول من قال أدخلته الحية وقول من قال دخل في أجوافها وقول من قال يجوز أن تصل وسوسته إليها وهو في الأرض وهما فوق السماء ولا يخفى ما في ذلك من التعسف الشديد والتكلف البعيد وهذا بخلاف قولنا فإنه سبحانه لما أهبطه من ملكوت السماء حيث لم يسجد لآدم عليه السلام أشرب عداوته فلما أسكنه جنته حسده عدوه وسعى بكيده وغروره في إخراجه منها والله أعلم. قالوا ومما يدل على أن جنة آدم لم تكن جنة الخلد التي وعد المتقون أن الله سبحانه لما خلقه أعلمه أن لعمره أجلا ينتهي إليه وأنه لم يخلقه للبقاء كما روى الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ " لما خلق الله آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال ربه يرحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقال السلام عليكم قالوا وعليك السلام .. الخ" ثم رجع إلى ربه فقال إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان أختر أيهما شئت فقال أخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال يا رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب بين عينيه عمره فإذا فيهم رجل أضوؤهم قال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود قد كتبت له عمرا أربعين سنة قال يا رب زده في عمره قال ذلك الذي كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذلك قال ثم أسكن الجنة ما شاء الله ثم أهبط منها فكان آدم عليه السلام يعد لنفسه قال فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتبت لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته قال فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود " قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة. قالوا فهذا صريح في أن آدم عليه السلام لم يخلق في دار البقاء التي لا يموت من دخلها وإنما خلق في دار الفناء التي جعل الله تعالى لها ولسكانها أجلا معلوما وفيها أسكن. فإن قيل فإذا كان آدم عليه السلام قد علم أن له عمرا مقدرا وأجلا ينتهي إليه وإنه ليس من الخالدين فكيف لم يعلم كذب إبليس في قوله هل أدلك على شجرة الخلد وقوله أو تكونا من الخالدين؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن الخلد لا يستلزم الدوام والبقاء بل هو المكث الطويل كما سيأتي. الثاني أن إبليس لما حلف له وغره وأطمعه في الخلود نسي ما قدر له من عمره. قالوا وأيضا فمن المعلوم الذي لا ينازع فيه مسلم أن الله سبحانه خلق آدم عليه السلام من تربة هذه الأرض وأخبر أنه خلقه من سلالة من طين وأنه خلقه من صلصال من حمأ مسنون فقيل هو الذي له صلصلة ليبسة وقيل هو الذي تغيرت رائحته من قولهم صل اللحم إذا تغير والحمأ الطين الأسود المتغير والمسنون المصبوب وهذه كلها أطوار للتراب الذي هو مبدؤه الأول كما أخبر عن أطوار خلق الذرية من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولم يخبر سبحانه وتعالى أنه رفعه من الأرض إلى فوق السماوات لا قبل التخليق ولا بعده فأين الدليل الدال على إصعاد مادته أو إصعاده هو بعد خلقه وهذا ما لا دليل لكم عليه ولا هو لازم من لوازم ما أخبر الله به؟ قالوا من المعلوم أن ما فوق السماوات ليس بمكان للطين الأرضي المتغير الرائحة الذي قد أنتن من تغيره وإنما محل هذه الأرض التي هي محل المتغيرات الفاسدات وأما ما فوق الأفلاك فلا يلحقه تغير ولا نتن ولا فساد ولا استحالة فهذا أمر لا يرتاب فيه العقلاء. قالوا وقد قال الله تعالى: ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. فأخبر سبحانه أن عطاء الجنة الخلد غير مجذوذ. قالوا: فإذا جمع ما أخبر به سبحانه من أنه خلقه من الأرض وجعله خليفة في الأرض وأن إبليس وسوس إليه في مكانه الذي أسكنه فيه بعد أن أهبطه من السماء بامتناعه من السجود له وأنه أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة وأن دار الخلد دار جزاء وثواب على الامتحان والتكاليف وأنه لا لغو فيها ولا تأثيم ولا كذاب وأن من دخلها لا يخرج منها ولا ييأس ولا يحزن ولا يخاف ولا ينام وأن الله حرمها على الكافرين وإبليس رأس الكفر فإذا جمع ذلك بعضه إلى بعض وفكر فيه المنصف الذي رفع له علم الدليل فشمر إليه بنفسه عن حضيض التقليد تبين له الصواب والله الموفق. قالوا: ولو لم يكن في المسألة إلا أن الجنة ليست دار تكليف وقد كلف الله سبحانه الأبوين بينهما عن الأكل من الشجرة فدل على أنها دار تكليف لا جزاء وخلد فهذا أيضا بعض ما احتجت به هذه الفرقة على قولها والله أعلم. الباب الخامس: في جواب أرباب هذا القول لأصحاب القول الأول. قالوا أما قولكم إن قولنا هو الذي فطر الله عليه عباده بحيث لا يعرفون سواه فالمسألة سمعية لا تعرف إلا بأخبار الرسل ونحن وأنتما إنما تلقينا هذا من القرآن لا من المعقول ولا من الفطرة فالمتبع فيه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ونحن نطالبكم بصاحب واحد أو تابع أو أثر صحيح أو حسن بأنها جنة الخلد التي أعدها الله للمؤمنين بعينها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا وقد أوجدناكم من كلام السلف ما يدل على خلافه ولكن لما وردت الجنة مطلقة في هذه القصة ووافقت اسم الجنة التي أعدها الله لعباده في إطلاقها وبعض أوصافها فذهب كثير من الأوهام إلى أنها بعينها فإن أردتم بالفطرة هذا القدر لم يفدكم شيئا وإن أردتم أن الله فطر الخلق على ذلك كما فطرهم على حسن العدل وقبح الظلم وغير ذلك من الأمور الفطرية فدعوى باطلة ونحن إذا رجعنا إلى فطرنا لم نجد علمها بذلك كعلمها بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات. وأما استدلالكم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وقول آدم "وهل أخرجكم منها إلا خطيئة أبيكم" فإنما يدل على تأخر آدم عليه السلام عن الاستقباح للخطيئة التي قد تقدمت منه في دار الدنيا وأنه بسبب تلك الخطيئة حصل له الخروج من الجنة كما في اللفظ الآخر إني نهيت عن أكل الشجرة فأكلت منها فأين في هذا ما يدل على أنها جنة المأوى بمطابقة أو تضمن أو استلزام وكذلك قول موسى له أخرجتنا ونفسك من الجنة فإنه لم يقل له أخرجتنا من جنة الخلد. وقولكم أنهم خرجوا إلى بساتين من جنس الجنة التي في الأرض فاسم الجنة وإن أطلق على تلك البساتين فبينها وبين جنة آدم ما لا يعلمه إلا الله وهي كالسجن بالنسبة إليها واشتراكهما في كونهما في الأرض لا ينفي تفاوتهما أعظم تفاوت في جميع الأشياء. وأما استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وقلنا اهبطوا﴾ عقيب إخراجهم من الجنة فلفظ الهبوط لا يستلزم النزول من السماء إلى الأرض غايته أن يدل على النزول من مكان عال إلى أسفل منه وهذا غير منكر فإنها كانت جنة في أعلى الأرض فأهبطوا منها إلى الأرض. وقد بينا أن الأمر كان لآدم عليه السلام وزوجه وعدوهما فلو كانت الجنة في السماء لما كان عدوهما متمكنا منها بعد إهباطه الأول لما أبى السجود لآدم عليه السلام فالآية أيضا من أظهر الحجج عليكم ولا تغني عنكم وجوه التعسفات والتكلفات التي قدرتموها وقد تقدمت. وأما قوله تعالى ﴿وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ فهذا لا يدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض فإن الأرض اسم جنس وكانوا في أعلاها وأطيبها وأفضلها في محل لا يدركهم فيه جوع ولا عرى ولا ظمأ ولا ضحى فاهبطوا إلى أرض يعرض فيها ذلك كله وفيها حياتهم وموتهم وخروجهم من القبور والجنة التي أسكناها لم تكن دار نصب ولا تعب ولا أذى والأرض التي أهبطوا إليها هي محل التعب والنصب والأذى وأنواع المكاره وأما قولكم إنه سبحانه وتعالى وصفها بصفات لا تكون في الدنيا فجوابه إن تلك الصفات لا تكون في الأرض التي أهبطوا إليها فمن أين لكم أنها لا تكون في الأرض التي أهبطوا منها وأما قولكم إن آدم عليه السلام كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية فلو كانت الجنة فيها لعلم كذب إبليس في قوله: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن اللفظ إنما يدل على الخلد وهو أعم من الدوام الذي انقطاع له فإنه في اللغة المكث الطويل ومكث كل شيء بحسبه ومنه قولهم رجل مخلد إذا أسن وكبر ومنه قولهم لأثافي الصخور خوالد لطول بقائها بعد دروس الأطلال قال: ؎إلا رمادا هامدا دفعت ∗∗∗ عنه الرياح خوالد سُحم ونظير هذا إطلاقهم القديم على ما تقادم عهده وإن كان له أول كما قال تعالى: ﴿كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ و ﴿إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ وقد أطلق تعالى الخلود في النار على عذاب بعض العصاة كقاتل النفس وأطلقه النبي ﷺ على قاتل نفسه. الوجه الثاني: أن العلم بانقطاع الدنيا ومجيء الآخرة أنما يعلم الوحي ولم يتقدم لآدم عليه الصلاة والسلام نبوة يعلم بها ذلك وهو وأن نباه الله سبحانه وتعالى وأوحى إليه وأنزل عليه صحفا كما في حديث أبي ذر لكن هذا بعد إهباطه إلى الأرض بنص القرآن قال تعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ وكذلك في سورة البقرة: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدى﴾. وأما قولكم: إن الجنة وردت معرفة باللام غير مراد بها جنة الخلد قطعا كقوله تعالى: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ وقولكم: إن السياق ها هنا دل على أنها جنة في الأرض. قلنا: والأدلة التي ذكرناها دلت على أن جنة آدم عليه السلام في الأرض فلذلك صرنا إلى موجبها إذ لا يجوز تعطيل دلالة الدليل الصحيح. وأما استدلالكم بأثر أبي موسى أن الله أخرج آدم عليه السلام من الجنة وزوده من ثمارها فليس فيه زيادة على ما دل عليه القرآن إلا تزوده منها وهذا لا يقتضي أن تكون جنة الخلد. وقولكم: إن هذه تتغير وتلك لا تتغير فمن أين لكم أن الجنة التي أسكنها آدم كان التغير يعرض لثمارها كما يعرض لهذه الثمار وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم أي لم يتغير ولم ينتن وقد أبقىالله سبحانه وتعالى في هذا العالم طعام العزيز وشرابه مئة سنة لم يتغير. وأما قولكم: إن الله سبحانه وتعالى ضمن لآدم عليه السلام إن تاب أن يعيده إلى الجنة. فلا ريب أن الأمر كذلك ولكن ليس يعلم أن الضمان إنما يتناول عوده إلى تلك الجنة بعينها بل إذا أعاده إلى جنة الخلد فقد وفي سبحانه بضمانه حق الوفاء ولفظ العود لا يستلزم الرجوع إلى عين الحالة الأولى ولا زمانها ولا مكانها بل ولا إلى نظيرها كما قال شعيب لقومه ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا﴾ وقد جعل الله سبحانه المظاهر عائدا بإرادته الوطء ثانيا أو بنفس الوطء أو بالإمساك وكل منها غير الأول لا عينه فهذا ما أجابت به هذه الطائفة لمن نازعها. الباب السادس في جواب من زعم أنها جنة الخلد عما احتج به منازعوهم قالوا: أما قولكم: إن الله سبحانه أخبر أن جنة الخلد إنما يقع الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد فهذا حق في الدخول المطلق الذي هو دخول استقرار ودوام وأما الدخول العارض فيقع قبل يوم القيامة. وقد دخل النبي ﷺ الجنة ليلة الإسراء وأرواح المؤمنين والشهداء في البرزخ في الجنة وهذا غير الدخول الذي أخبر الله به في يوم القيامة فدخول الخلود إنما يكون يوم القيامة فمن أين لكم أن مطلق الدخول لا يكون في الدنيا وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بكونها دار المقامة ودار الخلد؟ قالوا وأما احتجاجكم بسائر الوجوه التي ذكرتموها في الجنة وأنها لم توجد في جنة آدم عليه السلام من العري والنصب والحزن واللغو والكذب وغيرها فهذا كله حق لا ننكره نحن ولا أحد من أهل الإسلام. ولكن هذا إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة كما يدل عليه سياق الآيات كلها فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها وهذا لا ينفي أن يكون فيها بين أبوي الثقلين ما حكاه الله سبحانه وتعالى من ذلك ثم يصير الأمر عند دخول المؤمنين إياها إلى ما أخبر الله عنها فلا تنافي بين الأمرين. وأما قولكم: إنها دار جزاء وثواب لا دار تكليف وقد كلف الله سبحانه آدم بالنهي عن الأكل من تلك الشجرة فدل على أن تلك الجنة دار تكليف لا دار خلود فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه إنما تمتنع أن تكون دار تكليف إذا دخلها المؤمنين يوم القيامة فحينئذ ينقطع التكليف وأما وقوع التكليف فيها دار الدنيا فلا دليل على امتناعه ألبتة كيف وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:" دخلت البارحة الجنة فرأيت امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت لمن أنت " الحديث. وغير ممتنع أن يكون فيها من يعمل بأمر الله ويعبد الله قبل يوم القيامة بل هذا هو الواقع فإن من فيها الآن مؤتمرون بأوامر من قبل ربهم لا يتعدونها سواء سمى ذلك تكليفا أو لم يسم. الوجه الثاني: أن التكليف فيهالم يكن بالأعمال التي يكلف بها الناس في الدنيا من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها وإنما كان حجرا عليهما في شجرة واحدة من جملة أشجارها إما واحدة بالعين أو بالنوع وهذا القدر لا يمتنع وقوعه في دار الخلد كما أن كل واحد محجور عليه أن يقرب أهل غيره فيها فإن أردتم بكونها ليست دار تكليف امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الأوقات فلا دليل عليه وإن أردتم أن تكاليف الدنيا منتفية عنها فهو حق ولكن لا يدل على مطلوبكم. وأما استدلالكم بنوم آدم فيها والجنة لا ينام أهلها فهذا أن ثبت النقل بنوم آدم فإنما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود حيث لا يموتون وأما قبل ذلك فلا. وأما استدلالكم بقصة وسوسة إبليس له بعد إهباطه وإخراجه من السماء فلعمر الله إنه لمن أقوى الأدلة وأظهرها على صحة قولكم وتلك التعسفات لدخوله الجنة وصعوده إلى السماء بعد إهباط الله له منها لا يرتضيها منصف ولكن لا يمتنع أن يصعد إلى هنالك صعودا عارضا لتمام الابتلاء والامتحان الذي قدره الله تعالى وقدر أسبابه وإن لم يكن ذلك المكان مقعدا له مستقرا كما كان وقد أخبر الله سبحانه عن الشياطين أنهم كانوا قبل مبعث رسول الله ﷺ يقعدون من السماء مقاعد للسمع فيستمعون الشيء من الوحي وهذا صعود إلى هناك ولكنه صعود عارض لا يستقرون في المكان الذي يصعدون إليه مع قوله تعالى ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ فلا تنافي بين هذا الصعود وبين الأمر بالهبوط فهذا محتمل والله أعلم وأما استدلالكم بأن الله سبحانه أعْلَمَ آدم عليه السلام مقدار أجله وما ذكرتم من الحديث وتقرير الدلالة منه فجوابه أن إعلامه بذلك لا ينافي إدخاله جنة الخلد وإسكانه فيها مدة وأما إخباره سبحانه إن داخلها لا يموت وإنه لا يخرج منها فهذا يوم القيامة وأما احتجاجكم بكونه خلق من الأرض فلا ريب في ذلك ولكن من أين لكم أنه كمل خلقه فيها وقد جاء في بعض الآثار أن الله سبحانه ألقاه على باب الجنة أربعين صباحا فجعل إبليس يطوف به ويقول لأمر ما خلقت فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك فقال لئن سلطت عليه لأهلكنه ولئن سلط علي لا عصينه مع أن قوله سبحانه ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يدل على أنه كان معهم في السماء حيث أنبأهم بتلك الأسماء وإلا فهم لم ينزلوا كلهم إلى الأرض حتى سمعوا منه ذلك ولو كان خلقه قد كمل في الأرض لم يمتنع أن يصعده سبحانه إلى السماء لأمر دبره وقدره ثم يعيده إلى الأرض فقد أصعد المسيح إلى السماء ثم ينزله إلى الأرض قبل يوم القيامة وقد أسرى ببدن رسول الله وروحه إلى فوق السماوات فهذا جواب القائلين بأنها جنة الخلد لمنازعيهم. والله أعلم. الباب السابع: في ذكر شبه من زعم أن الجنة لم تخلق بعد قالوا لو كانت الجنة مخلوقة الآن لوجب اضطرار أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل ما فيها ويموت لقوله تعالى ﴿هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ﴾ المَوْتِ فتموت الحور العين التي فيها والولدان وقد أخبر سبحانه أن الدار دار خلود ومن فيها مخلدون لا يموتون فيها وخبره سبحانه لا يجوز عليه خلف ولا نسخ قالوا وقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله:"لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقريء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " قال هذا حديث حسن غريب وفيه أيضا من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة" قال هذا حديث حسن صحيح قالوا فلو كانت الجنة مخلوقة مفروغا منها لم تكن قيعانا ولم يكن لهذا الغرس معنى قالوا وقد قال تعالى عن امرأة فرعون إنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ ومحال أن يقول قائل لمن نسج له ثوبا أو بنى له بيتا أنسج لي ثوبا وابن لي بيتا وأصرح من هذا قول النبي ﷺ: "من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة" متفق عليه وهذه جملة مركبة من شرط وجزاء تقتضي وقوع الجزاء بعد الشرط بإجماع أهل العربية وهذا ثابت عن النبي ﷺ من رواية عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعمرو بن عنبسة قالوا وقد جاءت آثار بأن الملائكة تغرس فيها وتبني للعبد ما دام يعمل فإذا فتر فتر الملك عن العمل قالوا وقد روى ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد في مسنده من حديث أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله: "إذا قبض الله ولد العبد قال يا ملك الموت قبضت ولد عبدي قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده قال نعم قال فما قال قال حمدك واسترجع قال ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد " وفي المسند من حديثه أيضا قال قال رسول الله: "من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة بنى الله له بيتا في الجنة" قالوا وليس هذا من أقوال أهل البدع والاعتزال كما زعمتم فهذا ابن مزين قد ذكر في تفسيره عن ابن نافع وهو من أئمة السنة أنه سئل عن الجنة أمخلوقة هي فقال: "السكوت عن هذا أفضل" والله أعلم.

البقرة 2:36

قد ظن الزمخشري أن قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾ خطاب لآدم وحواء خاصة، وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما. قال: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال: ويدل على ذلك قوله: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم، ومعنى قوله: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم بعضا. وهذا الذي اختاره أضعف الأقوال في الآية. فإن العداوة التي ذكرها الله تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما، كما قال تعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان، وأعاد وأبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو. وأما آدم وزوجه فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها له ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة. فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأته والعداوة بين الشيطان والإنسان. وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وإبليس، وهم ثلاثة، فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور، مع منافرته لطريق الكلام دون جميعه؟ مع أن اللفظ والمعنى يقتضيه. فلم يصنع الزمخشري شيئا. وأما قوله تعالى في سورة طه: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فهذا خطاب لآدم وحواء. وقد جعل بعضهم لبعض عدوا، فالضمير في قوله اهْبِطا مِنها إما أن يرجع إلى آدم وزوجته، وإما أن يرجع إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له. وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالإهباط، وهما آدم وإبليس، فالأمر ظاهر. وأما الأول - وهو رجوعه إلى آدم وزوجه - فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجه، وبين إبليس. ولهذا أتى بضمير الجمع في الثاني، دون الأول. ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا. كما قال تعالى: ﴿إنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ وقال لذريته: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ، فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية؟ وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية، وتارة بلفظ الإفراد كقوله في سورة الأعراف ﴿قال اهبط منها﴾ وكذلك في سورة (ص) وهذا لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أن الضمير في قوله ﴿اهبطا منها جميعا﴾ لآدم وإبليس إن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى قال قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار الله تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط. وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله. وبالجملة: فقوله: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ظاهر في الجمع، فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله: ﴿اهْبِطا﴾ من غير موجب. (فائِدَة جليلة) قالَ سهل بن عبد الله ترك الأمر عند الله أعظم من ارْتِكاب النَّهْي لِأن آدم نهي عَن أكل الشَّجَرَة فَأكل مِنها فَتابَ عَلَيْهِ وإبليس أمر أن يسْجد لآدَم فَلم يسْجد فَلم يتب عَلَيْهِ. قلت هَذِه مَسْألَة عَظِيمَة لَها شَأْن وهِي أن ترك الأوامِر أعظم عند الله من ارْتِكاب المناهي وذَلِكَ من وُجُوه عديدة: أحدها ما ذكره سهل من شَأْن آدم وعدو الله إبْلِيس الثّانِي أن ذَنْب ارْتِكاب النَّهْي مصدره في الغالِب الشَّهْوَة والحاجة وذنب ترك الأمر مصدره في الغالِب الكبر والعزة ولا يدْخل الجنَّة من في قلبه مِثْقال ذرة من كبر ويدخلها من ماتَ على التَّوْحِيد وإن زنى وسرق الثّالِث أن فعل المَأْمُور أحب إلى الله من ترك المنْهِي كَما دلّ على ذَلِك النُّصُوص كَقَوْلِه أحب الأعْمال إلى الله الصَّلاة على وقتها وقَوله ألا أنبئكم بِخَير أعمالكُم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من أن تلقوا عَدوكم فتضربوا أعْناقهم ويضربوا أعْناقكُم قالُوا بلى يا رَسُول الله قالَ ذكر الله وقَوله اعلموا أن خير أعمالكُم الصَّلاة وغير ذَلِك من النُّصُوص وترك المناهي عمل فَإنَّهُ كف النَّفس عَن الفِعْل ولِهَذا علّق سُبْحانَهُ المحبَّة بِفعل الأوامِر كَقَوْلِه ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صفا﴾ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ وقَوله ﴿وَأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ وأما في جانب المناهي فَأكْثر ما جاءَ النَّفْي للمحبة وقَوله ﴿واللَّهُ لا يحب الفساد﴾ وقَوله ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فخور﴾ وقَوله ﴿وَلا تَعْتَدُوا إن الله لا يحب المُعْتَدِينَ﴾ وقَوله ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا من ظلم﴾ وقَوله ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ونظائره. وَأخْبر في مَوضِع آخر أنه يكرهها ويسخطها كَقَوْلِه ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوها﴾ وقَوله ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ الله﴾ إذا عرف هَذا فَفعل ما يُحِبهُ سُبْحانَهُ مَقْصُود بِالذّاتِ، ولِهَذا يقدر ما يكرههُ ويسخطه لإفضائه إلى ما يحب كَما قدر المعاصِي والكفْر والفسوق لما ترَتّب على تقديرها مِمّا يُحِبهُ من لوازمها من الجِهاد واتخاذ الشُّهَداء وحُصُول التَّوْبَة من العَبْد والتضرّع إلَيْهِ والاستكانة وإظْهار عدله وعفوه وانتقامه وعزه وحُصُول المولاة والمعاداة لأجله وغير ذَلِك من الآثار الَّتِي وجودها بِسَبَب تَقْدِيره ما يكره أحب إلَيْهِ من ارتفاعها بارتفاع أسبابها وهو سُبْحانَهُ لا يقدر ما يحب لإفضائه إلى حُصُول ما يكرههُ ويسخطه كَما يقدر ما يكرههُ لإفضائه إلى ما يُحِبهُ فَعلم أن فعل ما يُحِبهُ أحب إلَيْهِ مِمّا يكرههُ (فصل) فإن قيل: قوله أي حكمة ومصلحة في إخراج آدم من الجنة إلى دار الابتلاء والامتحان؟ فالجواب أن يقال كم لله سبحانه في ذلك من حكمة وكل فيه من نعمة ومصلحة تعجز العقول عن معرفتها على التفصيل ولو استفرغت قواها كلها في معرفة ذلك وإهباط آدم وإخراجه من الجنة كان يعسر كماله ليعود إليها على أحسن أحواله وهو سبحانه إنما خلقه ليستعمره وذريته في الأرض ويجعلهم خلفاء يخلف بعضهم بعضا فخلفهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم وليست الجنة دار ابتلاء وتكليف فأخرج الأبوين إلى الدار التي خلقوا منها وفيها ليتزودوا منها إلى الدار التي خلقوا لها فإذا وفوا تعب دار التكليف ونصبها عرفوا قدر تلك الدار وشرفها وفضلها ولو نشأوا في تلك الدار لما عرفوا قدر نعمته عليهم بها فأسكنهم دار الامتحان وعرضهم فيها لأمره ونهيه لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه وكرامته وكان من الممكن أن يحصل لهم النعيم المقيم هناك لكن الحاصل عقيب الابتلاء والامتحان ومعانات الموت وما بعده وأهوال القيامة والعبور على الصراط نوع آخر من النعيم لا يدرك قدره وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الولدان والحور العين بما لا يشبه بينهما بوجه من الوجوه ومن الحكم في ذلك أنه سبحانه أراد أن يتخذ من ذرية آدم رسلا وأنبيائه وشهداء يحبهم ويحبونه وينزل عليهم كتبه ويعهد إليهم عهده ويستعبدهم له في السراء والضراء ويؤثرون محابه ومراضيه على شهواتهم وما يحبونه ويهوونه فاقتضت حكمته أن أنزلهم إلى دار ابتلاهم فيها بما ابتلاهم ليكملوا بذلك الابتلاء مراتب عبوديته ويعبدونه بما تكرهه نفوسهم وذلك محض العبودية وإلا فمن يعبد الله إلا بما يحبه ويهواه فهو في الحقيقة إنما يعبد نفسه وهو سبحانه يحب من أوليائه أن يولوا فيه ويعادوا فيه ويبذلوا نفوسهم في مرضاته ومحابه وهذا كله لا يحصل في دار النعيم المطلق. ومن الحكمة في إخراجه من الجنة ما تقدم التنبيه عليه من اقتضاء أسماء الله الحسنى لمسمياتها ومتعلقاتها كالغفور الرحيم التواب العفو المنتقم الخافض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارث ولا بد من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما يتعلق به فاقتضت حكمته أن إنزال الأبوين من الجنة ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما فلو تربت الذرية في الجنة لفاتت أثار هذه الأسماء وتعلقاتها والكمال الإلهي يأبى ذلك فإنه الملك الحق المبين والملك هو الذي يأمر وينهى ويكرم ويهين ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل فأنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري عليهم هذه الأحكام وأيضا فإنهم أنزلوا إلى دار يكون إيمانهم تاما فإن الإيمان قول وعمل وجهاد وصبر واحتمال. وهذا كله إنما يكون في دار الامتحان لا في جنة النعيم وقد ذكر غير واحد من أهل العلم منهم أبو الوفا بن عقيل وغيره أن أعمال الرسل والأنبياء والمؤمنين في الدنيا أفضل من نعيم الجنة قالوا لأن نعيم الجنة حظهم وتمتعهم فأين يقاس إلى الإيمان وأعماله والصلوات وقراءة القرآن والجهاد في سبيل الله وبذل النفوس في مرضاته وإيثاره على هواها وشهواتها فالأيمان متعلق به سبحانه وهو حقه عليهم ونعيم الجنة متعلق بهم وهو حظهم فهم إنما خلقوا للعبادة والجنة دار نعيم لا دار تكليف وعبادة. وأيضا فإنه سبحانه سبق حكمه وحكمته بأن يجعل في الأرض خليفة وأعلم بذلك ملائكته فهو سبحانه قد أراد بكون هذا الخليفة وذريته في الأرض قبل خلقه لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة فلم يكن بد من إخراجه من الجنة إلى دار قد سكناهم فيها قبل أن يخلقه، وكان ذلك التقدير بأسباب وحكم فمن أسبابه النهي عن تلك الشجرة وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية وكانت تلك الأسباب موصلة إلى غايات محمودة مطلوبة يترتب على خروجه من الجنة ثم يترتب على خروجه أسباب أخر جعلت غايات لحكم أخر ومن تلك الغايات عوده إليها على أكمل الوجوه فذلك التقدير وتلك الأسباب وغاياتها صادرة عن محض الحكمة البالغة التي يحمده عليها أهل السماوات والأرض والدنيا والآخرة فما قدر أحكم الحاكمين ذلك باطلا ولا دبره عبثا ولا أخلاه من حكمته البالغة وحمده التام وأيضا فإنه سبحانه قال للملائكة: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم أظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذا الخليفة ما لم يكونوا يعرفونه بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبائه ورسله وأنبيائه، من يتقرب إليه بأنواع التقرب ويبذل نفسه في محبته ومرضاته يسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار، ويذكره قائما وقاعدا وعلى جنبه، ويعبده ويذكره ويشكره في السراء والضراء والعافية والبلاء والشدة والرخاء، فلا يثنيه عن ذكره وشكره وعبادته شدة ولا بلاء، ولا فقر ولا مرض، ويعبده مع معارضة الشهوة وغلبات الهوى وتعاضد الطباع لأحكامها، ومعاداة بني جنسه وغيرهم له، فلا يصده ذلك عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل. وأيضا فإنه سبحانه أراد أن يظهر لهم ما خفي عليهم من شأن ما كانوا يعظمونه ويجلونه ولا يعرفون ما في نفسه من الكبر والحسد والشر فذلك الخير وهذا الشر كامن في نفوس لا يعلمونها فلا بد من إخراجه وإبرازه، لكي يعلم حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما يليق به. وأيضا فإنه سبحانه لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا وسبق في حكمه وحكمته تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا جعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم وكانت العبودية أفضل أحوالهم وأعلى درجاتهم أعني العبودية الاختيارية التي يأتون بها طوعا واختيارا لا كرها واضطرارا، ولهذا أرسل الله جبريل إلى سيد هذا النوع الإنساني يخيره بين أن يكون عبدا رسولا أو ملكا نبيا فاختار بتوفيق ربه له أن يكون عبدا رسولا وذكره سبحانه بأتم العبودية في أشرف مقاماته وأفضل أحواله كمقام الدعوة والتحدي والإسراء وإنزال القرآن: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ فأثنى عليه ونوه الله لعبوديته التامة له، ولهذا يقول أهل الموقف حين يطلبون الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فلما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم وأحبها إلى الله وكان لها لوازم وأسباب مشروطة لا يحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دار تجري عليهم فيها أحكام العبودية وأسبابها وشروطها وموجباتها فكان إخراجهم من الجنة تنكيلا لهم وإتماما لنعمته عليهم مع ما في ذلك من محبوبات الرب تعالى فإنه يحب إجابة الدعوات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات ومغفرة الزلات وتكفير السيئات ودفع البليات وإعزاز من يستحق العز وإذلال من يستحق الذل ونصر المظلوم وجبر الكسير ورفع بعض خلقة على بعض وجعلهم درجات ليعرف قدر فضله وتخصيصه فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم إلى دار يحصل فيها محبوباته سبحانه وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها فالوقوف على الشيء لا بدونه وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة كما أن إيجاد لوازم العدل من العدل كما ستقف عليه في فصل إيلام الأطفال إن شاء الله.

البقرة 2:37

(فصل لما سلم لآدَم أصل العُبُودِيَّة لم يقْدَح فِيهِ الذَّنب) ابْن آدم لَو لقيتني بقراب الأرْض خَطايا ثمَّ لقيتني لا تشرك بِي شَيْئا لقيتك بقرابها مغْفرَة لما علم السَّيِّد أن ذَنْب عَبده لم يكن قصدا لمُخالفَته ولا قدحا في حكمته علمه كَيفَ يعْتَذر إلَيْهِ ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مت رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ العَبْد لا يُرِيد بمعصيته مُخالفَة سَيّده ولا الجرأة على مَحارمه ولَكِن غلبات الطَّبْع وتزيين النَّفس والشيطان وقهر الهوى والثقة بِالعَفو ورجاء المَغْفِرَة هَذا من جانب العَبْد وأما من جانب الربوبية فجريان الحكم وإظْهار عز الربوبية وذل العُبُودِيَّة وكَمال الِاحْتِياج وظُهُور آثار الأسْماء الحسنى كالعفو والغفور والتوّاب والحليم لمن جاءَ تائِبًا نادِما والمنتقم والعدْل وذي البَطْش الشَّديد لمن أصر ولزِمَ المجرة فَهو سُبْحانَهُ يُرِيد أن يرى عَبده تفرده بالكمال ونقص العَبْد وحاجته إلَيْهِ ويشهده كَمال قدرته وعزته وكَمال مغفرته وعفوه ورَحمته وكَمال بره وستره وحلمه وتجاوزه وصفحه، وأن رَحمته بِهِ إحْسان إلَيْهِ لا مُعارضَة، وأنه إن لم يتغمّده برحمته وفضله فَهو هالك لا محالة. فَللَّه كم من تَقْدِير الذَّنب من حِكْمَة، وكم فِيهِ مَعَ تَحْقِيق التَّوْبَة للْعَبد من مصلحَة ورَحْمَة. التَّوْبَة من الذَّنب كشرب الدَّواء للعليل ورب عِلّة كانَت سَبَب الصِّحَّة ؎لَعَلَّ عتبك مَحْمُود عواقبه ∗∗∗ ورُبما صحت الأجساد بالعلل لَوْلا تَقْدِير الذَّنب هلك ابْن آدم من العجب ذَنْب يذل بِهِ أحب إلَيْهِ من طاعَة يدل بها عَلَيْهِ شمعة النَّصْر إنَّما تنزل في شمعدان الانكسار لا يكرم العَبْد نَفسه بِمثل إهانتها ولا يعزها بِمثل ذلها ولا يريحها بِمثل تعبها كَما قيل ؎سأتعب نَفسِي أو أصادف راحَة ∗∗∗ فإن هوان النَّفس في كرم النَّفس وَلا يشبعها بِمثل جوعها ولا يؤمنها بِمثل خوفها ولا يؤنسها بِمثل وحشتها من كل ما سوى فاطرها وبارئها ولا يُحْيِيها بِمثل أمانتها كَما قيل ؎موت النُّفُوس حياتها ∗∗∗ من شاءَ أن يحيا يَمُوت شراب الهوى حُلْو ولكنه يُورث الشرق من تذكر خنق الفخ هان عَلَيْهِ هجران الحبَّة يا معرقلا في شرك الهوى جمزة عزم وقد خرقت الشبكة لا بُد من نُفُوذ القدر فاجنح للسلم لله ملك السَّماوات والارض واستقرض مِنك حَبَّة فبخلت بها وخلق سَبْعَة أبحر وأحب مِنك دمعة فقحطت عَيْنك بها إطْلاق البَصَر ينقش قي القلب صُورَة المنظور والقلب كعبة والمعبود لا يرضى بمزاحمة الأصْنام لذات الدُّنْيا كسوداء وقد غلبت عَلَيْك والحور العين يعجبن من سوء اختيارك عَلَيْهِنَّ غير أن زَوْبَعَة الهوى إذا ثارت سفت في عين البصيرة فخفيت الجادة سُبْحانَ الله تزينت الجنَّة للخُطّاب فجَدُّوا في تَحْصِيل المهْر وتعرّف رب العِزَّة إلى المحبين بأسمائه وصِفاته فعملوا على اللِّقاء وأنت مَشْغُول بالجيف ؎لا كانَ من لسواك مِنهُ قلبه ∗∗∗ ولَك اللِّسان مَعَ الوداد الكاذِب المعرفَة بِساط لا يطَأ عَلَيْهِ إلّا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب عَلَيْهِ إلّا محب مغرم الحبّ غَدِير في صحراء لَيست عَلَيْهِ جادة فَلهَذا قلَّ وارده المُحب يهرب إلى العُزْلَة والخلْوَة بمحبوبه والأنس بِذكرِهِ كهرب الحُوت إلى الماء والطفل إلى أمه ؎وَأخرج من بَين البيُوت لعلني ∗∗∗ أحدث عَنْك القلب بالسر خالِيا لَيْسَ للعابد مستراح إلّا تَحت شَجَرَة طُوبى ولا للمحب قَرار إلّا يَوْم المَزِيد اشْتغل بِهِ في الحَياة يكفك ما بعد المَوْت يا منفقا بضاعَة العُمر في مُخالفَة حَبِيبه والبعد مِنهُ لَيْسَ في أعدائك أضرّ عَلَيْك مِنك ؎ما تبلغ الأعْداء من جاهِل ∗∗∗ من يبلغ الجاهِل من نَفسه الهمة العليّة من استعد صاحبها للقاء الحبيب وقدم التقادم بَين يَدي المُلْتَقى فاسْتَبْشَرَ عند القدوم ﴿وَقدمُوا لأنفسكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤمنِينَ﴾ تالله ما عدا عَلَيْك العَدو إلّا بعد أن تولى عَنْك الوَلِيّ فَلا تظن أن الشَّيْطان غلب ولَكِن الحافِظ أعرض احذر نَفسك فَما أصابَك بلاء قطّ إلّا مِنها ولا تهادنها فوالله ما أكرمها من لم يهنها ولا أعزها من لم يذلها ولا جبرها من لم يكسرها ولا أراحها من لم يتبعها ولا أمنها من لم يخوفها ولا فرحها من لم يحزنها سُبْحانَ الله ظاهرك متجمل بلباس التَّقْوى وباطنك باطية لخمر الهوى فَكلما طيبت الثَّوْب فاحت رائِحَة المُسكر من تَحْتَهُ فتباعد مِنك الصادقون وانحاز إلَيْك الفاسِقُونَ يدْخل عَلَيْك لص الهوى وأنت في زاوِيَة التَّعَبُّد فلايرى مِنك طردا لَهُ فَلا يزال بك حَتّى يخْرجك من المَسْجِد أصدق في الطّلب وقد جاءتك المعونة فَقالَ رجل لمعروف عَلمنِي المحبَّة فَقالَ المحبَّة لا تَجِيء بالتعليم ؎هُوَ الشوق مدلولا على مقتل الفنا ∗∗∗ إذا لم يعد صبا بلقيا حَبِيبه لَيْسَ العجيب من قَوْله يحبونه إنَّما العجب من قَوْله يُحِبهم لَيْسَ العجب من فَقير مِسْكين يحب محسنا إلَيْهِ إنَّما العجب من محسن يحب فَقِيرا مِسْكينا. (فصل) وَمِنها أن يخلع صولة الطّاعَة من قلبه وينْزع عَنهُ رِداء الكبر والعَظَمَة الَّذِي لَيْسَ لَهُ ويلبس ردْءًا الذل والانكسار والفقر والفاقة فَلَو دامَت تِلْكَ الصولة والعزة في قلبه لخيف عَلَيْهِ ما هو من أعظم الآفات كَما في الحَدِيث لَو لم تذنبوا لخفت عَلَيْكُم ما هو أشد من ذَلِك العجب أوْ كَما قالَ فكم بَين آثار العجب والكبر وصولة الطّاعَة وبَين آثار الذل والانكسار كَما قيل يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانَت سَبَب كيسك فقد استخرج مِنك داء العجب والبست رِداء العُبُودِيَّة يا آدم لا تجزع من قولي لَك ﴿اخرج مِنها﴾ فلك خلقتها ولَكِن أنْزلْ إلى دار المجاهدة وابذر بذر العُبُودِيَّة فَإذا كمل الزَّرْع واستحصد فتعال فاستوفه لا يوحشنك ذاك العتب أن لَهُ لطفا يُرِيك الرِّضا في حالَة الغَضَب فَبَيْنَما هو لابس ثوب الاذلال الَّذِي لا يَلِيق بِمثلِهِ تَدارُكه ربه برحمته فَنَزَعَهُ عَنهُ والبسه ثوب الذل الذل لا يَلِيق بِالعَبدِ غَيره فَما لبس العَبْد ثوبا أكمل عَلَيْهِ ولا أحسن ولا أبهى من ثوب العُبُودِيَّة وهو ثوب المذلة الَّذِي لا عز له بِغَيْرِهِ.

البقرة 2:38

اعلم أن الله سُبْحانَهُ لما أهبط آدم أبا البشر من الجنَّة لما لَهُ في ذَلِك من الحكم الَّتِي تعجز العُقُول عَن مَعْرفَتها والألسن عَن صفتها فَكانَ إهباطه مِنها عين كَماله ليعود إليها على أحسن أحواله، فَأرادَ سُبْحانَهُ أن يذيقه وولده من نصب الدُّنْيا وغمومها وهمومها وأوصا بها ما يعظم بِهِ عِنْدهم مِقْدار دُخُولهمْ إليها في الدّار الآخرة فَإن الضِّدّ يظْهر حسنه الضِّدّ ولَو تربوا في دار النَّعيم لم يعرفوا قدرها. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أراد أمرهم ونهيهم وابتلاءهم واختبارهم ولَيْسَت الجنَّة دار تَكْلِيف فأهبطهم إلى الأرض وعرضهم بذلك لأفضل الثَّواب الَّذِي لم يكن لينال بِدُونِ الأمر والنَّهْي. وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أن يتَّخذ مِنهُم أنبياء ورسلا وأولياء وشهداء يُحِبهم ويُحِبُّونَهُ فخلى بَينهم وبَين أعدائه وامتحنهم بهم فَلَمّا آثروه وبذلوا نُفُوسهم وأموالهم في مرضاته ومحابه نالوا من محبته ورضوانه والقرب مِنهُ ما لم يكن لينال بِدُونِ ذَلِك أصلا فدرجة الرسالَة والنبوة والشَّهادَة والحب فِيهِ والبغض فِيهِ وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه عِنْده من أفضل الدَّرَجات ولم يكن ينال هَذا إلا على الوَجْه الَّذِي قدره وقضاه من إهباطه إلى الأرض وجعل معيشته ومعيشة أولاده فِيها. وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الأسماء الحسنى فَمن أسمائه الغفور الرَّحِيم العَفو الحَلِيم الخافِض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارِث الصبور ولا بُد من ظُهُور آثار هَذِه الأسماء فاقتضت حكمته سُبْحانَهُ أن ينزل آدم وذريته دارا يظْهر عَلَيْهِم فِيها أثر أسمائه النى فَيغْفر فِيها لمن يَشاء ويرْحَم من يَشاء ويخفض من يَشاء ويرْفَع من يَشاء ويعز من يَشاء ويذل من يَشاء وينتقم مِمَّن يَشاء ويُعْطي ويمْنَع ويبسط إلى غير ذَلِك من ظُهُور أثر أسمائه وصِفاته. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الملك الحق المُبين والملك هو الَّذِي يَأْمر وينْهى ويثيب ويعاقب ويهين ويكرم ويعز ويذل فاقْتضى ملكه سُبْحانَهُ أن أنْزِلْ آدم وذريته دارا تجرى عَلَيْهِم فِيها أحكام الملك ثمَّ ينقلهم إلى دار يتم عَلَيْهِم فِيها ذَلِك. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أنزلهم إلى دار يكون إيمانهم فِيها بِالغَيْبِ والإيمان بِالغَيْبِ هو الإيمان النافع. وَأما الإيمان بِالشَّهادَةِ فَكل أحد يُؤمن يَوْم القِيامَة يَوْم لا ينفع نفسا إلّا إيمانها في الدُّنْيا فَلَو خلقُوا في دار النَّعيم لم ينالوا دَرَجَة الإيمان بِالغَيْبِ واللذة والكرامة الحاصِلَة بذلك لا تحصل بِدُونِهِ بل كانَ الحاصِل لَهُم في دار النَّعيم لَذَّة وكرامة غير هَذِه. وَأيْضًا فَإن الله سُبْحانَهُ خلق آدم من قَبْضَة قبضها من جَمِيع الأرض والأرض فِيها الطّيب والخبيث والسهل والحزن والكريم واللئيم فَعلم سُبْحانَهُ أن في ظَهره من لا يصلح لمساكنته في داره فأنزله إلى دار استخرج فِيها الطّيب والخبيث من صلبه ثمَّ ميزهم سُبْحانَهُ بدارين، فَجعل الطيبين أهل جواره ومساكنته في داره وجعل الخَبيث أهل دار الشَّقاء دار الخبثاء قالَ الله تَعالى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ (٣٧)﴾ فَلَمّا علم سُبْحانَهُ أن في ذُريَّته من لَيْسَ بِأهْل لمجاورته أنزلهم دارا استخرج مِنها أولئك وألحقهم بِالدّار الَّتِي هم لَها أهل حِكْمَة بالِغَة ومشيئة نافِذَة ذَلِك تَقْدِير العَزِيز العَلِيم .. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما قالَ للْمَلائكَة ﴿إنِّي جاعل في الأرْض خَليفَة قالُوا أتجْعَلُ فِيها من يفْسد فِيها ويسفك الدِّماء ونحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك﴾ أجابهم بقوله ﴿إنِّي أعلم ما لا تعلمُونَ﴾ ثمَّ أظهر سُبْحانَهُ علمه لِعِبادِهِ ولملائكته بِما جعله في الأرض من خَواص خلقه ورُسُله وأنبيائه وأوليائه ومن يتَقرَّب إليه ويبذل نَفسه في محبته ومرضاته مَعَ مجاهدة شَهْوَته وهواه فَيتْرك محبوباته تقربا إليَّ ويتْرك شهواته ابْتِغاء مرضاتي ويبذل دَمه ونَفسه في محبتي وأخصه بِعلم لا تعلمونه يسبح بحمدي آناء اللَّيْل وأطراف النَّهار ويعبدني مَعَ معارضات الهوى والشهوة والنَّفس والعدو إذْ تعبدوني انتم من غير معارض يعارضكم ولا شَهْوَة تعتريكم ولا عَدو أسلطه عَلَيْكُم بل عبادتكم لي بِمَنزِلَة النَّفس لأحدهم .. وَأيْضًا فَإنِّي أريد أن أظهر ما خفي عَلَيْكُم من شَأْن عدوي ومحاربته لي وتكبره عَن أمْرِي وسعيه في خلاف مرضاتي وهَذا وهَذا كانا كامنين مستترين في أبي البشر وأبي الجِنّ فأنزلهم دارا أظهر فِيها ما كانَ الله سُبْحانَهُ مُنْفَردا بِعِلْمِهِ لا يُعلمهُ سواهُ وظَهَرت حكمته وتمّ أمره وبدا للْمَلائكَة من علمه ما لم يَكُونُوا يعلمُونَ. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما كانَ يحب الصابرين ويُحب المُحْسِنِينَ ويُحب الَّذين يُقاتلُون في سَبيله صفا ويُحب التوابين ويُحب المتطهرين ويُحب الشّاكِرِينَ وكانَت محبته أعلى أنواع الكرامات اقْتَضَت حكمته أن أسكن آدم وبنيه دارا يأْتونَ فِيها بِهَذِهِ الصِّفات الَّتِي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته فَكانَ إنزالهم إلى الأرض من أعظم النعم عَلَيْهِم ﴿والله يخْتَص برحمته من يَشاء والله ذُو الفضل العَظِيم﴾. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أن يتَّخذ من آدم ذُرِّيَّة يواليهم ويودهم ويحبهم ويُحِبُّونَهُ فمحبتهم لَهُ هي غايَة كمالهم ونِهايَة شره وَلم يُمكن تَحْقِيق هَذِه المرتبَة السّنيَّة إلا بموافقة رِضاهُ وأتْباع أمره وترك إرادات النَّفس وشهواتها الَّتِي يكرهها محبوبهم فأنزلهم دارا أمرهم فِيها ونهاهم فَقامُوا بأمْره ونَهْيه فنالوا دَرَجَة محبتهم لَهُ فأنالهم دَرَجَة حبه إيّاهُم. وَهَذا من تَمام حكمته وكَمال رَحمته وهو البر الرَّحِيم. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا وسبق في حكمه تفضيله آدم وبنيه على كثير من مخلوقاته جعل عبوديته أفضل درجاتهم أعني العُبُودِيَّة الاختيارية الَّتِي يأْتونَ بها طَوْعًا واختيارا لا كرها واضطرارا، وقد ثَبت أن الله سُبْحانَهُ أرسل جِبْرِيل إلى النَّبِي ﷺ يخيره بَين أن يكون ملكا نَبيا أوْ عبدا نَبيا فَنظر إلى جِبْرِيل كالمستشير لَهُ فأشار إليه أن تواضع، فَقالَ بل أن اكون عبدا نَبيا فَذكره سُبْحانَهُ باسم عبوديته في أشرف مقاماته في مقام الإسراء ومقام الدعْوَة ومقام التحدي فَقالَ في مقام الإسراء ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ولم يقل بِرَسُولِهِ ولا نبيه إشارَة إلى أنه قامَ هَذا المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لرَبه وقالَ في مقام الدعْوَة ﴿وَأنه لما قامَ عبد الله يَدعُوهُ كادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ وقالَ في مقام التحدي ﴿وَإن كُنْتُم في ريب مِمّا نزلنا على عَبدنا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ في حَدِيث الشَّفاعَة وتراجع الأنبياء فِيها وقَول المَسِيح إذْهَبُوا إلى مُحَمَّد عبد غفر الله لَهُ ما تقدم من ذَنبه وما تَأخّر فَدلَّ ذَلِك على أنه نالَ ذَلِك المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لله وكَمال مغْفرَة الله لَهُ وإذا كانَت العُبُودِيَّة عند الله بِهَذِهِ المنزلَة اقْتَضَت حكمته أن اسكن آدم وذريته دارا ينالون فِيها هَذِه الدرجَة بِكَمال طاعتهم لله وتقربهم إليه بمحابه وترك مألوفاتهم من أجله فَكانَ ذَلِك من تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وإحسانه إليهم. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أن يعرف عباده الَّذين أنْعم عَلَيْهِم تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وقدرها ليكونوا أعظم محبَّة وأكْثر شكرا وأعظم التذاذا بِما أعطاهم من النَّعيم فَأراهُم سُبْحانَهُ فعله بأعدائه وما أعد لَهُم من العَذاب وأنواع الآلام وأشهدهم تخليصهم من ذَلِك وتخصيصهم بِأعْلى أنواع النَّعيم لِيَزْدادَ سرورهم وتكمل غبطتهم ويعظم فَرَحهمْ وتتم لذتهم وكانَ ذَلِك من إتْمام الأنعام عَلَيْهِم ومحبتهم ولم يكن بُد في ذَلِك من إنزالهم إلى الأرض وامتحانهم واختبارهم وتوفيق من شاءَ مِنهُم رَحْمَة مِنهُ وفضلا وخذلان من شاءَ مِنهُم حِكْمَة مِنهُ وعدلا وهو العَلِيم الحَكِيم ولا ريب أن المُؤمن إذا رأى عدوه ومحبوبه الَّذِي هو أحب الأشياء إليه في أنْواع العَذاب والآلام وهو يتقلب في أنواع النَّعيم واللذة ازْدادَ بذلك سُرُورًا وعظمت لذته وكملت نعْمَته. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خلق الخلق لعبادته وهِي الغايَة مِنهُم قالَ تَعالى ﴿وَما خلقت الجِنّ والإنس إلا ليعبدون﴾ ومَعْلُوم أن كَمال العُبُودِيَّة المَطْلُوب من الخلق لا يحصل في دار النَّعيم والبقاء إنَّما يحصل في دار المحنة والابتلاء. وَأما دار البَقاء فدار لَذَّة ونعيم لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف. وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَضَت حكمته خلق آدم وذريته من تركيب مُسْتَلْزم لداعي الشَّهْوَة والفتنة وداعي العقل والعلم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خلق فِيهِ العقل والشهوة ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مُراده ويظْهر لِعِبادِهِ عزته في حكمته وجبروته ورَحمته وبره ولطفه في سُلْطانه وملكه فاقتضت حكمته ورَحمته أن أذاق أباهم وبيل مُخالفَته وعرفه ما يجنى عواقب إجابَة الشَّهْوَة والهوى ليَكُون أعظم حذرا فِيها وأشد هروبا وهَذا كَحال رجل سائِر على طَرِيق قد كمنت الأعداء في جنباته وخَلفه وأمامه وهو لا يشْعر فَإذا أصيب مِنها مرّة بمصيبة استعد في سيره وأخذ اهبة عدوه وأعد لَهُ ما يَدْفَعهُ ولَوْلا أنه ذاق ألم إغارة عدوه عَلَيْهِ وتبييته لَهُ لما سمحت نَفسه بالاستعداد والحذر وأخذ العدة فَمن تَمام نعْمَة الله على آدم وذريته أن أراهم ما فعل العَدو بهم فاسْتَعدوا لَهُ وأخذوا أهبته. فَإن قيل كانَ من المُمكن أن لا يُسَلط عَلَيْهِم العَدو؟ قيل: قد تقدم أنه سُبْحانَهُ خلق آدم وذريته على بنية وتركيب مُسْتَلْزم لمخالطتهم لعدوهم وابتلائهم بِهِ ولَو شاءَ لخلقهم كالملائكة الَّذين هم عقول بِلا شهوات فَلم يكن لعدوهم طَرِيق إليهم ولَكِن لَو خلقُوا هَكَذا لكانوا خلقا آخر غير بني آدم فَإن بنى آدم قد ركبُوا على العقل والشهوة. وَأيْضًا فَإنَّهُ لما كانَت محبَّة الله وحده هي غايَة كَمال العَبْد وسعادته الَّتِي لا كَمال لَهُ ولا سَعادَة بِدُونِها أصلا وكانَت المحبَّة الصادقة إنَّما تتَحَقَّق بغيثار المحبوب على غَيره من محبوبات النُّفُوس واحْتِمال أعظم المشاق في طاعَته ومرضاته فَبِهَذا تتَحَقَّق المحبَّة ويعلم ثُبُوتها في القلب اقْتَضَت حكمته سُبْحانَهُ إخراجهم إلى هَذِه الدّار المحفوفة بالشهوات ومحاب النُّفُوس الَّتِي بإيثار الحق عَلَيْها والإعراض عَنْها يتَحَقَّق حبهم لَهُ وإيثارهم إيّاه على غَيره، ولذَلِك يتَحَمَّل المشاق الشَّدِيدَة وركوب الأخطار واحْتِمال المَلامَة والصَّبْر على دواعي الغي والضلال ومجاهدتها يقوى سُلْطان المحبَّة وتثبت شجرتها في القلب وتطعم ثَمَرَتها على الجَوارِح فَإن المحبَّة الثّابِتَة اللّازِمَة على كَثْرَة المَوانِع والعوارض والصوارف هي المحبَّة الحَقِيقِيَّة النافعة. وأما المحبَّة المَشْرُوطَة بالعافية والنَّعِيم واللذة وحُصُول مُراد المُحب من محبوبه فَلَيْسَتْ محبَّة صادِقَة ولا ثبات لَها عند المعارضات والموانع فَإن المُعَلق على الشَّرْط عدم عند عَدمه ومن ودك لأمر ولي عند انقضائه وفرق بَين من يعبد الله على السَّرّاء والرخاء والعافية فَقَط وبَين من يعبده على السَّرّاء والضَّرّاء والشدة والرخاء والعافية والبَلاء. وَأيْضًا فَإن الله سُبْحانَهُ لَهُ الحَمد المُطلق الكامِل الَّذِي لا نِهايَة بعده وكانَ ظُهُور الأسباب الَّتِي يحمد عَلَيْها من مُقْتَضى كَونه مَحْمُودًا وهِي من لَوازِم حَمده تَعالى وهِي نَوْعانِ فضل وعدل إذْ هو سُبْحانَهُ المَحْمُود على هَذا وعَلى هَذا فَلا بُد من ظُهُور أسباب العدْل واقتضائها لمسمياتها ليترتب عَلَيْها كَمال الحَمد الَّذِي هو أهله فَكَما أنه سُبْحانَهُ مَحْمُود على إحسانه وبره وفضله وثوابه فَهو مَحْمُود على عدله وانتقامه وعقابه إذْ يصدر ذَلِك كُله عَن عزته وحكمته ولِهَذا نبه سُبْحانَهُ على هَذا كثيرا كَما في سُورَة الشُّعَراء حَيْثُ يذكر في آخر كل قصَّة من قصَص الرُّسُل وأممهم ﴿إن في ذَلِك لآية وما كانَ أكثرهم مُؤمنين وإن رَبك لَهو العَزِيز الرَّحِيم﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن ذَلِك صادر عَن عزته المتضمنة كَمال قدرته وحكمته المتضمنة كَمال علمه ووَضعه الأشياء مواضعها اللائقة بها ما وضع نعْمَته ونجاته لرسله ولاتباعهم ونقمته وإهلاكه لأعدائهم إلا في محلها اللّائِق بها لكَمال عزته وحكمته ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عقيب إخْباره عَن قَضائِهِ بَين أهل السَّعادَة والشقاوة ومصير كل مِنهُم إلى دِيارهمْ الَّتِي لا يَلِيق بهم غَيرها ولا تقتضى حكمته سواها وقضى بَينهم بِالحَقِّ وقيل الحَمد لله رب العالمين. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَضَت حكمته وحمده أن فاوت بَين عباده أعظم تفاوت وابينه ليشكره مِنهُم من ظَهرت عَلَيْهِ نعْمَته وفضله ويعرف أنه قد حبى بالأنعام وخص دون غَيره بالإكرام ولَو تساووا جَمِيعهم في النِّعْمَة والعافية لم يعرف صاحب النِّعْمَة قدرها ولم يبْذل شكرها إذْ لا يرى أحدا إلّا في مثل حاله ومن أقوى أسباب الشُّكْر وأعْظَمها استخرجا لَهُ من العَبْد أن يرى غَيره في ضد حاله الَّذِي هو عَلَيْها من لاكمال والفلاح وفي الاثر المَشْهُور أن الله سُبْحانَهُ لما أرى آدم ذُريَّته وتفاوت مَراتِبهمْ قالَ يا رب هلا سويت بَين عِبادك قالَ إنِّي أحب أن اشكر فاقتضت محبته سُبْحانَهُ لأن يشْكر خلق الأسباب الَّتِي يكن شكر الشّاكِرِينَ عِنْدها أعظم وأكمل وهَذا هو عين الحِكْمَة الصادرة عَن صفة الحَمد. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَيْء أحب إليه من العَبْد من تذلله بَين يَدَيْهِ وخضوعه وافتقاره وإنكساره وتضرعه إليه ومَعْلُوم أن هَذا المَطْلُوب من العَبْد إنَّما يتم بأسبابه الَّتِي تتَوَقَّف عَلَيْها وحُصُول هَذِه الأسباب في دار النَّعيم المُطلق والعافية الكامِلَة يمْتَنع إذْ هو مُسْتَلْزم للْجمع بَين الضدين. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الخلق والأمر والأمر هو شَرعه وأمره ودينه الَّذِي بعث بِهِ رسله وأنْزلْ بِهِ كتبه ولَيْسَت الجنَّة دار تَكْلِيف تجرى عَلَيْهِم فِيها أحْكام التَّكْلِيف ولوازمها وإنَّما هي دار نعيم ولَذَّة واقتضت حكمته سُبْحانَهُ اسْتِخْراج آدم وذريته إلى دار تجرى عَلَيْهِم فِيها أحكام دينه وأمره ليظْهر فيهم مُقْتَضى الأمر ولوازمه فَإن الله سُبْحانَهُ كَما أن أفعاله وخلقه من لَوازِم كَمال أسمائه الحسنى وصِفاته العلى فَكَذَلِك أمره وشرعه وما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الثَّواب والعِقاب وقد ارشد سُبْحانَهُ إلى هَذا المَعْنى في غير مَوضِع من كِتابه فَقالَ تَعالى ﴿أيحسب الإنسان أن يتْرك سدى﴾ أي مهملا معطلا لا يُؤمر ولا ينْهى ولا يُثاب ولا يُعاقب وهَذا يدل على أن هَذا مناف لكَمال حكمته وأن ربوبيته وعزته وحكمته تأبى ذَلِك ولِهَذا أخرج الكَلام مخرج الإنكار على من زعم ذَلِك وهو يدل على أن حسنه مُسْتَقر في الفطر والعقول وقبح تَركه سدا معطلا أيضا مُسْتَقر في الفطر فَكيف ينْسب إلى الرب ما قبحه مُسْتَقر في فطركم وعقولكم وقالَ تَعالى ﴿أفحسبتم أنما خَلَقْناكم عَبَثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إلَه إلا هو رب العَرْش الكَرِيم﴾ نزه نَفسه سُبْحانَهُ عَن هَذا الحسبان الباطِل المضاد لموجب أسمائه وصِفاته وأنه لا يَلِيق بجلاله نسبته إليه ونظائر هَذا في القُرْآن كَثِيرَة. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يحب من عباده أمورا يتَوَقَّف حُصُولها مِنهُم على حُصُول الأسباب المُقْتَضِيَة لَها ولا تحصل إلا في دار الِابْتِلاء والامتحان فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يحب الصابرين ويُحب الشّاكِرِينَ ويُحب الَّذين يُقاتلُون في سَبيله صفا ويُحب التوابين ويُحب المتطهرين ولا ريب أن حُصُول هَذِه المحبوبات بِدُونِ أسبابها مُمْتَنع كامتناع حُصُول المَلْزُوم بِدُونِ لازمه والله سُبْحانَهُ أفرح بتوبة عَبده حِين يَتُوب إليه من الفاقد لراحلته الَّتِي عَلَيْها طَعامه وشَرابه في أرْض دوية مهلكة إذا وجدها كَما ثَبت في الصَّحِيح عَن النَّبِي أنه قالَ لله أشد فَرحا بتوبة عَبده المُؤمن من رجل من فيارض دوية مهلكة مَعَه راحِلَته عَلَيْها طَعامه وشَرابه فَنامَ فاسْتَيْقَظَ وقد ذهبت فطلبها حَتّى أدْركهُ العَطش ثمَّ قالَ ارْجع إلى المَكان الَّذِي كنت فِيهِ فأنام حَتّى أمُوت فَوضع رَأسه على ساعده ليَمُوت فاسْتَيْقَظَ وعِنْده راحِلَته عَلَيْها زاده وطَعامه وشَرابه فالله أشد فَرحا بتوبة العَبْد المُؤمن من هَذا براحلته وسَيَأْتِي إن شاءَ الله الكَلام على هَذا الحَدِيث وذكر سر هَذا الفَرح بتوبة العَبْد. والمَقْصُود أن هَذا الفَرح المَذْكُور إنَّما يكون بعد التَّوْبَة من الذَّنب فالتوبة والذنب لا زمان لهَذا الفَرح ولا يُوجد المَلْزُوم بِدُونِ لازمه وإذا كانَ هَذا الفَرح المَذْكُور إنَّما يحصل بِالتَّوْبَةِ المستلزمة للذنب فحصوله في دار النَّعيم الَّتِي لا ذَنْب فِيها ولا مُخالفَة مُمْتَنع ولما كانَ هَذا الفَرح أحب إلى الرب سُبْحانَهُ من عَدمه اقْتَضَت محبته لَهُ خلق الأسباب المفضية إليه ليترتب عَلَيْها المُسَبّب الَّذِي هو مَحْبُوب لَهُ. وَأيْضًا فَإن الله سُبْحانَهُ جعل الجنَّة دار جَزاء وثواب وقسم منازلها بَين أهلها على قدر أعمالهم وعَلى هَذا خلقها سُبْحانَهُ لما لَهُ في ذَلِك من الحِكْمَة الَّتِي اقتضتها اسماؤه وصِفاته فإن الجنَّة دَرَجات بَعْضها فَوق بعض وبَين الدرجتين كَما بَين السَّماء والأرض كَما في الصَّحِيح عَن النَّبِي أنه قالَ أن الجنَّة مائَة دَرَجَة بَين كل دَرَجَتَيْنِ كَما بَين السَّماء والأرض وحِكْمَة الرب سُبْحانَهُ مقتضية لعمارة هَذِه الدَّرَجات كلها وإنَّما تعمر ويَقَع التَّفاوُت فِيها بِحَسب الأعمال كَما قالَ غير واحِد من السّلف ينجون من النّار بِعَفْو الله ومغفرته ويدخلون الجنَّة بفضله ونعمته ومغفرته ويتقاسمون المنازل بأعمالهم وعَلى هَذا حمل غير واحِد ما جاءَ من إثْبات دُخُول الجنَّة بالأعمال كَقوله تَعالى: ﴿وَتلك الجنَّة الَّتِي أورثتموها بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ وقوله تَعالى: {ادخُلُوا الجنَّة بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ قالُوا. وَأما نفي دخولها بالأعمال كَما في قَوْله "لن يدْخل الجنَّة أحد بِعَمَلِهِ قالُوا ولا أنت يا رَسُول الله قالَ ولا أنا" فالمُراد بِهِ نفي أصل الدُّخُول وأحسن من هَذا أن يُقال الباء المُقْتَضِيَة للدخول غير الباء الَّتِي نفى مَعها الدُّخُول فالمقتضية هي باء السَّبَبِيَّة الدّالَّة على أن الأعمال سَبَب للدخول مقتضية لَهُ كاقتضاء سائِر الأسباب لمسبباتها والباء الَّتِي نفى بها الدُّخُول هي باء المُعاوضَة والمقابلة الَّتِي في نَحْو قَوْلهم اشْتريت هَذا بِهَذا فَأخْبر النَّبِي أن دُخُول الجنَّة لَيْسَ في مُقابلَة عمل أحد وأنه لَوْلا تغمد الله سُبْحانَهُ لعَبْدِهِ برحمته لما أدخلهُ الجنَّة فَلَيْسَ عمل العَبْد وإن تناهى مُوجبا بِمُجَرَّدِهِ لدُخُول الجنَّة ولا عوضا لَها، فَإن أعماله وإن وقعت مِنهُ على الوَجْه الَّذِي يُحِبهُ الله ويرضاه فَهي لا تقاوم نعْمَة الله الَّتِي أنْعم بها عَلَيْهِ في دار الدُّنْيا ولا تعادلها، بل لَو حاسبه لوقعت أعماله كلها في مُقابلَة اليَسِير من نعمه، وتبقى بَقِيَّة النعم مقتضية لشكرها، فَلَو عذبه في هَذِه الحالة لعذبه وهو غير ظالِم لَهُ، ولَو رَحمَه لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُ من عمله، كَما في السّنَن من حَدِيث زيد بن ثابت وحُذَيْفَة وغَيرهما مَرْفُوعا إلى النَّبِي أنه قالَ: "إن الله لَو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالِم لَهُم، ولَو رَحِمهم لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أعمالهم" والمَقْصُود أن حكمته سُبْحانَهُ اقْتَضَت خلق الجنَّة دَرَجات بَعْضها فَوق بعض، وعمارتها بِآدَم وذريته وإنْزالهمْ فِيها بِحَسب أعمالهم، ولازم هَذا إنزالهم إلى دار العَمَل والمجاهدة. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خلق آدم وذريته ليستخلفهم في الأرض كَما أخبر سُبْحانَهُ في كِتابه بقوله ﴿إنِّي جاعل في الأرْض خَليفَة﴾ وقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكم خلائف الأرْض﴾ وقالَ ﴿ويستخلفكم في الأرْض﴾ فَأرادَ سُبْحانَهُ أن يَنْقُلهُ وذريته من هَذا الِاسْتِخْلاف إلى توريثه جنَّة الخلد وعلم سُبْحانَهُ بسابق علمه أنه لضَعْفه وقصور نظره قد يخْتار العاجل الخسيس على الأجل النفيس فَإن النَّفس مولعة بحب العاجلة وإيثارها على الآخرة وهَذا من لَوازِم كَونه خلق من عجل وكَونه خلق عجولا فَعلم سُبْحانَهُ ما في طَبِيعَته من الضعْف والخور فاقتضت حكمته أن ادخله الجنَّة ليعرف النَّعيم الَّذِي اعد لَهُ عيانًا فَيكون إليه اشوق وعَلِيهِ احرص وله أشد طلبا فَإن محبَّة الشَّيْء وطَلَبه والشوق إليه من لَوازِم تصَوره فَمن باشر طيب شَيْء ولذته وتذوق بِهِ لم يكد يصبر عَنهُ وهَذا لأن النَّفس ذواقة تواقة فَإذا ذاقت تاقت ولِهَذا إذا ذاق العَبْد طعم حلاوة الإيمان وخالطت بشاشته قلبه رسخ فِيهِ حبه ولم يُؤثر عَلَيْهِ شَيْئا أبدا وفي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ المَرْفُوع أن الله عز وجل يسْأل المَلائِكَة فَيَقُول ما يسألني عبادي فَيَقُولُونَ يَسْألُونَك الجنَّة فَيَقُول وهل رأوها فَيَقُولُونَ لا يا رب فَيَقُول كَيفَ لَو رأوها فَيَقُولُونَ لَو رأوها لكانوا أشد لَها طلبا فاقتضت حكمته أن أراها أباهم وأسْكَنَهُ إيّاها ثمَّ قصّ على بنيه قصَّته فصاروا كَأنَّهم مشاهدون لَها حاضرون مَعَ أبيهم فاسْتَجاب من خلق لَها وخلقت لَهُ وسارع إليها فَلم يثنه عَنْها العاجلة بل يعد نَفسه كانه فِيها ثمَّ سباه العَدو فيراها وطنه الأول فَهو دائِم الحنين إلى وطنه ولا يقر لَهُ قَرار حَتّى يرى نَفسه فِيهِ كَما قيل: ؎نقل فُؤادك حَيْثُ شِئْت من الهوى ∗∗∗ ما الحبّ إلّا للحبيب الأول ؎كم منزل في الأرض يألفه الفَتى ∗∗∗ وحنينه أبدا لأول منزل ولي من أبيات تلم بِهَذا المَعْنى: ؎وحيَّ على جنّات عدن فَإنَّها ∗∗∗ منازلك الأولى وفيها المخيم ؎ولكننا سبي العَدو فَهَل ترى ∗∗∗ نعود إلى اوطاننا ونسلم فَسِرُّ هَذِه الوُجُوه أنه سُبْحانَهُ وتَعالى سبق في حكمه وحكمته أن الغايات المَطْلُوبَة لا تنال إلا بأسبابها الَّتِي جعلها الله أسبابا مفضية إليها ومن تِلْكَ الغايات أعلى أنواع النَّعيم وأفضلها وأجلها فَلا تنال إلا بأسباب نصبها مفضية إليها وإذا كانَت الغايات الَّتِي هي دون ذَلِك لا تنال لا بأسبابها مَعَ ضعفها وإنقطاعها كتحصيل المَأْكُول والمشروب والملبوس والولد والمال والجاه في الدُّنْيا فَكيف يتَوَهَّم حُصُول أعلى الغايات وأشرف المقامات بِلا سَبَب يفضى إليه ولم يكن تَحْصِيل تِلْكَ الأسباب إلا في دار المجاهدة والحرث فَكانَ إسكان آدم وذريته هَذِه الدّار الَّتِي ينالون فِيها الأسباب الموصلة إلى أعلى المقامات من إتْمام أنعامه عَلَيْهِم وسرها أيضا أنه سُبْحانَهُ جعل الرسالَة والنبوة والخلة والتكليم والولايَة والعبودية من أشرف مقامات خلقه ونهايات كمالهم فأنزلهم دارا اخرج مِنهُم الأنبياء وبعث فِيها الرُّسُل واتخذ مِنهُم من اتخذ خَلِيلًا وكلم مُوسى تكليما واتخذ مِنهُم أولياء وشهداء وعبيدا وخاصة يُحِبهم ويُحِبُّونَهُ وكانَ إنزالهم إلى الأرض من تَمام الأنعام والإحسان. وَأيْضًا أنه أظهر لخلقه من آثار أسمائه وجريان أحكامها عَلَيْهِم ما اقتضته حكمته ورَحمته وعلمه وسرها أيضا أنه تعرف إلى خلقه بأفعاله وأسمائه وصِفاته وما أحدثه في أوليائه وأعدائه من كرامته وأنعامه على الأولياء واهانته واشقائه للأعداء ومن إجابته دعواتهم وقضائه حوائجهم وتفريج كرباتهم وكشف بلائهم وتصريفهم تَحت أقداره كَيفَ يَشاء وتقليبهم في أنْواع الخَيْر والشَّر فَكانَ في ذَلِك أعظم دَلِيل لَهُم على أنه رَبهم ومليكهم وأنه الله الَّذِي لا إلَه إلا هو وأنه العَلِيم الحَكِيم السَّمِيع البَصِير وأنه الإله الحق وكل ما سواهُ باطِل فتظاهرت أدلة ربوبيته وتوحيده في الأرض وتنوعت وقامَت من كل جانب فَعرفهُ الموفقون من عباده وأقروا بتوحيده إيمانًا وإذعانا وجحده المخذولون على خليقته وأشركوا بِهِ ظلما وكفرانا، فَهَلَك من هلك عَن بَيِّنَة وحيي من حى بَيِّنَة والله سميع عليم. وَمن تَأمل آياته المشهودة والمسموعة في الأرض ورَأى آثارها علم تَمام حكمته في إسكان آدم وذريته في هَذِه الدّار إلى أجل مَعْلُوم فالله سُبْحانَهُ إنَّما خلق الجنَّة لآدَم وذريته وجعل المَلائِكَة فِيها خدما لَهُم ولَكِن اقْتَضَت حكمته أن خلق لَهُم دارا يتزودون مِنها إلى الدّار الَّتِي خلقت لَهُم وأنَّهم لا ينالونها إلا بالزاد كَما قالَ تَعالى في هَذِه الدّار ﴿وَتحمل أثقالكم إلى بلد لم تَكُونُوا بالغيه إلّا بشق الأنْفس إن ربكُم لرؤوف رَحِيم﴾ فَهَذا شَأْن الِانْتِقال في الدُّنْيا من بلد إلى بلد فَكيف الِانْتِقال من الدُّنْيا إلى دار القَرار وقالَ تَعالى ﴿وتزودوا فَإن خير الزّاد التَّقْوى﴾ فَباعَ المغبونون مَنازِلهمْ مِنها بأبخس الحَظ وأنقص الثّمن وباعَ الموفقون نُفُوسهم وأموالهم من الله وجعلوها ثمنا للجنة فربحت تِجارَتهمْ ونالوا الفَوْز العَظِيم قالَ الله تَعالى ﴿إن الله اشْترى من المُؤمنِينَ أنفسهم وأمْوالهمْ بِأن لَهُم الجنَّة﴾ فَهو سُبْحانَهُ ما أخرج آدم مِنها إلا وهو يُرِيد أن يُعِيدهُ إليها أكمل إعادة كَما قيل على لِسان القدر يا آدم لا تجزع من قولي لَك اخرج مِنها فلك خلقتها فَإنِّي أنا الغَنِيّ عَنْها وعَن كل شَيْء وأنا الجواد الكَرِيم وأنا لا أتمتع فِيها فَإنِّي أطعم ولا أطعم وأنا الغَنِيّ الحميد ولَكِن أنْزلْ إلى دار البذر فَإذا بذرت فاسْتَوى الزَّرْع على سوقه وصارَ حصيدا فَحِينَئِذٍ فتعال فاستوفه أحوج ما أنت إليه الحبَّة بِعشر أمثالها إلى سَبْعمِائة ضعف إلى أضعاف كَثِيرَة فَإنِّي أعْلَم بمصلحتك مِنك وأنا العلي الحَكِيم فَإن قيل ما ذكرتموه من هَذِه الوُجُوه وأمثالها إنَّما يتم إذا قيل إن الجنَّة الَّتِي أسكنها آدم وأهبط مِنها جنَّة الخلد الَّتِي أعدت لِلْمُتقين والمُؤمنِينَ يَوْم القِيامَة وحِينَئِذٍ يظْهر سر إهباطه وإخراجه مِنها ولَكِن قد قالَت طائِفَة مِنهُم أبو مُسلم ومُنْذِر بن سعيد البلوطي وغَيرهما أنها إنما كانَت جنَّة في الأرض في مَوضِع عال مِنها لا أنها جنَّة المأوى الَّتِي أعدها الله لِعِبادِهِ المُؤمنِينَ يَوْم القِيامَة وذكر مُنْذر بن سعيد هَذا القَوْل في تَفْسِيره عَن جماعَة فَقالَ. وَأما قَوْله لآدم اسكن أنت وزوجك الجنَّة فَقالَت طائِفَة أسكن الله تَعالى آدم جنَّة الخلد الَّتِي يدخلها المُؤْمِنُونَ يَوْم القِيامَة. وَقالَ آخَرُونَ هي جنَّة غَيرها جعلها الله لَهُ وأسكنه إياها لَيست جنَّة الخلد قالَ وهَذا قَول تكْثر الدَّلائِل الشاهدة لَهُ والموجبة لِلْقَوْلِ بِهِ لأن الجنَّة الَّتِي تدخل بعد القِيامَة هي من حيّز الآخرة وفي اليَوْم الآخر تدخل ولم يَأْتِ بعد وقد وصفها الله تَعالى لنا في كِتابه بصفاتها ومحال أن يصف الله شَيْئا بِصفة ثمَّ يكون ذَلِك الشَّيْء بِغَيْر تِلْكَ الصّفة الَّتِي الَّتِي وصفها بِهِ والقَوْل بِهَذا دافع لما أخبر الله بِهِ قالُوا وجدنا الله تبارك وتَعالى وصف الجنَّة الَّتِي أعدت لِلْمُتقين بعد قيام القِيامَة بدار المقامة ولم يقم آدم فِيها ووصفها بِأنَّها جنَّة الخلد ولم يخلد آدم فِيها ووصفها بِأنَّها دار جَزاء ولم يقل أنها دار ابتلاء وقد ابتلى آدم فِيها بالمعصية والفتنة ووصفها بِأنَّها لَيْسَ فِيها حزن وأن الداخلين إليها يَقُولُونَ الحَمد لله الَّذِي أذهب عَنّا الحزن وقد حزن فِيها آدم ووجدناه سَمّاها دار السَّلام ولم يسلم فِيها آدم من الآفات الَّتِي تكون في الدُّنْيا وسماها دار القَرار ولم يسْتَقرّ فِيها آدم وقالَ فِيمَن يدخلها وما هم مِنها بمخرجين وقد أخرج مِنها آدم بمعصيته وقالَ لايمسهم فِيها نصب وقد ند آدم فِيها هارِبا فارًّا عند اصابته المعْصِيَة وطفق يخصف ورق الجنَّة على نَفسه وهَذا النصب بِعَيْنِه الَّذِي نَفاهُ الله عَنْها وأخْبر أنه لا يسمع فِيها لَغْو ولا تأثيم وقد اثم فِيها آدم واسمع فِيها ما هو أكبر من اللَّغْو وهو أنه أمر فِيها بِمَعْصِيَة ربه وأخْبر أنه لا يسمع فِيها لَغْو ولا كذب وقد اسْمَعْهُ فِيها إبليس الكَذِب وغره وقاسمه عَلَيْهِ أيضا بعد أن أسْمَعْهُ إياه وقد شرب آدم من شرابها الَّذِي سَمّاهُ في كِتابه شرابًا طهُورا أي مطهرا من جَمِيع الآفات المذمومة وآدَم لم يطهر من تِلْكَ الآفات وسماها الله تَعالى ﴿مقْعد صدق﴾ وقد كذب إبليس فِيها آدم ومقعد الصدْق لا كذب فِيهِ وعليون لم يكن فِيهِ اسْتِحالَة قطّ ولا تَبْدِيل ولا يكون بإجماع المُصَلِّين والجنَّة في أعلى عليين والله تَعالى إنما قالَ ﴿إني جاعل في الأرض خَليفَة﴾ ولم يقل إني جاعله في جنَّة المأوى فَقالَت المَلائِكَة ﴿أتجعل فِيها من يفْسد فِيها ويسفك الدِّماء﴾ والمَلائِكَة أتَّقى لله من أن تَقول ما لا تعلم وهم القائِلُونَ ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ وفي هَذا دلالَة على أن الله قد كانَ اعلمهم أن بني آدم سيفسدون في الأرض وإلا فَكيف كانُوا يَقُولُونَ ما لا يعلمُونَ والله تَعالى يَقُول وقَوله الحق لا يسبقونه بالقَوْل وهم بأمْره يعلمُونَ والملائكة لا تَقول ولا تعْمل إلا بِما تُؤمر بِهِ لا غير قالَ الله تَعالى ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ والله تَعالى أخبرنا أن إبليس قالَ لآدم ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ فَإن كانَ قد أسكن الله جنَّة الخلد والملك الَّذِي لا يبْلى فَكيف لم يرد عَلَيْهِ نصيحته ويكذبه في قَول فَيَقُول وكَيف تدلني على شَيْء أنا فِيهِ قد اعطيته واخترته بل كَيفَ لم يحث التُّراب في وجهه ويسبه لأن إبليس لَئِن كانَ يكون بِهَذا الكَلام مغويا لَهُ إنما كانَ يكون زاريا عَلَيْهِ لأنه إنَّما وعده على مَعْصِيّة ربه بِما كانَ فِيهِ لا زائِدا عَلَيْهِ ومثل هَذا لا يُخاطب بِهِ إلا المجانين الَّذين لا يعْقلُونَ لأن العِوَض الَّذِي وعده بِهِ بِمَعْصِيَة ربه قد كانَ أحرزه وهو الخلد والملك الَّذِي لا يبْلى ولم يخبر الله آدم إذْ اسكنه الجنَّة أنه فِيها من الخالدين، ولَو كانَ فِيها من الخالدين لما ركن إلى قَول إبليس ولا قبل نصيحته ولكنه لما كانَ في غير دار خُلُود غره بِما اطمعه فِيهِ من الخلد فَقبل مِنهُ ولَو أخبر الله آدم أنه في دار الخلد ثمَّ شكّ في خبر ربه لسماه كافِرًا ولما سَمّاهُ عاصِيا لأن من شكّ في خبر الله فَهو كافِر ومن فعل غير ما أمره الله بِهِ وهو مُعْتَقد للتصديق بِخَبَر ربه فَهو عاص وإنَّما سمى الله آدم عاصِيا ولم يسمه كافِرًا قالُوا فَإن كانَ آدم اسكن جنَّة الخلد وهِي دار القُدس الَّتِي لا يدخلها إلا طاهِر مقدس فَكيف توصل إليها إبْلِيس الرجس النَّجس الملعون المذموم المدحور حَتّى فتن فِيها آدم وإبليس فاسق قد فسق عَن أمر ربه ولَيْسَت جنَّة الخلد دار الفاسِقين ولا يدخلها فاسق ألْبَتَّةَ إنَّما هي دار المُتَّقِينَ وإبليس غير تَقِيّ فَبعد أن قيل لَهُ ﴿اهبط مِنها فَما يكون لَك أن تتكبر فِيها﴾ انْفَسَحَ لَهُ أن يرقى إلى جنَّة المأوى فَوق السَّماء السّابِعَة بعد السخط والإبعاد لَهُ بالعتو والاستكبار هَذا مضاد لقوله تَعالى: ﴿اهبط مِنها فَما يكون لَك أن تتكبر فِيها﴾ فَإن كانَت مخاطبته آدم بِما خاطبه بِهِ وقاسمه عَلَيْهِ لَيْسَ تكبرا فَلَيْسَ تعقل العَرَب الَّتِي أنْزلْ القُرْآن بلسانها ما التكبر، ولَعَلَّ من ضعفت رويته وقصر بَحثه أن يَقُول إن إبليس لم يصل إليها ولَكِن وسوسته وصلت فَهَذا قَول يشبه قائِله ويشاكل معتقده، وقَول الله تَعالى حكم بَيْننا وبَينه وقوله تَعالى: ﴿وقاسمهما﴾ يرد ما قالَ لأن المُقاسَمَة لَيست وسْوَسَة ولكنها مُخاطبَة ومشافهة ولا تكون إلا من اثْنَيْنِ شاهِدين غير غائبين ولا أحدهما ومِمّا يدل على أن وسوسته كانَت مُخاطبَة قَول الله تَعالى ﴿فوسوس إليه الشَّيْطان قالَ يا آدم هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ فَأخْبر أنه قالَ لَهُ ودلّ ذَلِك على أنه إنما وسوس إليه مُخاطبَة لا أنه اوقع ذَلِك في نَفسه بِلا مقأولة فَمن ادّعى على الظّاهِر تاويلا ولم يقم عَلَيْهِ دَلِيلا لم يجب قبُول قَوْله وعَلى أن الوسوسة قد تكون كلاما مسموعا أوْ صَوتا قالَ رُؤْيَة وسوس يَدْعُو مخلصا رب الفلق ... وَقالَ الأعشى: ؎تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت ∗∗∗ كَما اسْتَعانَ برِيح كشرق زجل قالُوا وفي قَول إبليس لَهما ﴿ما نهاكما رَبكُما عَن هَذِه الشَّجَرَة﴾ دَلِيل على مشاهدته لَهما وللشجرة ولما كانَ آدم خارِجا من الجنَّة وغير ساكن فِيها قالَ الله ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ ولم يقل عَن هَذِه الشَّجَرَة كَما قالَ لَهُ إبليس لأن آدم لم يكن حِينَئِذٍ في الجنَّة ولا مشاهدا للشجرة مَعَ قَوْله عز وجل ﴿إليه يصعد الكَلم الطّيب والعَمَل الصّالح يرفعهُ﴾ فقد أخبر سُبْحانَهُ خَبرا محكما غير مشتبه أنه لا يصعد إليه إلا كلم طيب وعمل صالح. وَهَذا مِمّا قدمنا ذكره أنه لا يلج المُقَدّس المطهر إلا مقدس مطهر طيب، ومعاذ الله أن تكون وسْوَسَة إبليس مُقَدَّسَة أوْ طاهِرَة أوْ خيرا بل هي شَرّ كلها، وظلمة وخبث ورجس تَعالى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا. وكما أن أعمال الكافرين لا تلج القُدس الطّاهِر ولا تصل إليه لأنها خبيثة غير طيبَة كَذَلِك لا تصل ولم تصل وسْوَسَة إبليس ولا ولجت القُدس قالَ تَعالى ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سِجِّين﴾ وقد روي عَن النَّبِي أن آدم نام في جنته وجنة الخلد لا نوم فِيها بإجماع من المُسلمين لأن النّوم وفاة وقد نطق بِهِ القُرْآن والوفاة تقلب حال ودار السَّلام مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أوْ كالميت قالُوا وقد روى عَنهُ أنه قالَ لام حارِثَة لما قالَت لَهُ يا رَسُول الله أن حارِثَة قتل مَعَك فَإن كانَ صار إلى الجنَّة صبرت واحتسبت وإن كانَ صار إلى ما سوى ذَلِك رَأيْت ما أفْعَل فَقالَ لَها رَسُول الله أوْ جنَّة واحِدَة هي إنما هي جنان كَثِيرَة فأخبر أن لله جنّات كَثِيرَة فَلَعَلَّ آدم أسكنه الله جنَّة من جنانه لَيست هي جنَّة الخلد. قالُوا وقد جاءَ في بعض الأخبار أن جنَّة آدم كانَت بِأرْض الهِنْد. قالُوا وهَذا وأن كانَ لا يُصَحِّحهُ رُواة الإخبار ونقلة الآثار فالَّذِي تقبله الألباب ويشْهد لَهُ ظاهر الكتاب أن جنَّة آدم لَيست جنَّة الخلد ولا دار البَقاء وكَيف يجوز أن يكون الله أسكن آدم جنَّة الخلد ليَكُون فِيها من الخالدين وهو قائِل للْمَلائكَة ﴿إني جاعل في الأرض خَليفَة﴾ وكَيف أخبر المَلائِكَة أنه يُرِيد أن يَجْعَل في الأرض خَليفَة ثمَّ يسكنهُ دار الخلود ودار الخلود لا يدخلها إلا من يخلد فِيها كَما سميت بدار الخلود فقد سَمّاها الله بالأسماء الَّتِي تقدم ذكرنا لَها تَسْمِيَة مُطلقَة لا خُصُوص فِيها، فَإذا قيل للجنة دار الخلد لم يجزان ينقص مُسَمّى هَذا الِاسْم بِحال فَهَذا بعض ما احْتج بِهِ القائِلُونَ بِهَذا المَذْهَب. وعَلى هَذا فإسكان آدم وذريته في هَذِه الجنَّة لا يُنافِي كَونهم في دار الِابْتِلاء والامتحان وحِينَئِذٍ كانَت تِلْكَ الوُجُوه والفوائد الَّتِي ذكرتموها مُمكنَة الحُصُول في الجنَّة. فالجَواب أن يُقال هَذا فِيهِ قَولانِ للنّاس ونحن نذْكر القَوْلَيْنِ واحتجاج الفَرِيقَيْنِ ونبين ثُبُوت الوُجُوه الَّتِي ذَكرناها وأمثالها على كلا القَوْلَيْنِ ونَذْكُر أولا قَول من قالَ إنها جنَّة الخلد الَّتِي وعدها الله المُتَّقِينَ، وما احْتَجُّوا بِهِ وما نقضوا بِهِ حجج من قالَ إنها غَيرها ثمَّ نتبعها مقالَة الآخرين وما احْتَجُّوا بِهِ وما أجابوا بِهِ عَن حجج منازعيهم من غير انتصاب لنصرة أحد القَوْلَيْنِ، وإبطال الآخر إذْ لَيْسَ غرضنا ذَلِك، وإنَّما الغَرَض ذكر بعض الحكم والمصالح المُقْتَضِيَة لإخراج آدم من الجنَّة وإسكانه في الأرض في دار الِابْتِلاء والامتحان، وكانَ الغَرَض بذلك الرَّد على من زعم أن حِكْمَة الله سُبْحانَهُ تأبى إدخال آدم الجنَّة وتعريضه للذنب الَّذِي أخرج مِنها بِهِ، وأنه أي فائِدَة في ذَلِك والرَّدّ على أن من أبطل أن يكون لَهُ في ذَلِك حِكْمَة، وإنَّما هو صادر عَن مَحْض المَشِيئَة الَّتِي لا حِكْمَةَ وراءَها. وَلما كانَ المَقْصُود حاصِلا على كل تَقْدِير سَواء كانَت جنَّة الخلد أوْ غَيرها بَينا الكَلام على التَّقْدِيرَيْنِ ورأينا أن الرَّد على هَؤُلاءِ بدبوس السلاق لا يحصل غَرضا ولا يزِيل مَرضا فسلكنا هَذا السَّبِيل ليَكُون قَوْلهم مردودا على كل قَول من أقوال الأمة وبِاللَّهِ المُسْتَعان وعَلِيهِ التكلان ولا حول ولا قُوَّة إلا بِالله. فَنَقُول أما ما ذكرتموه من كَون الجنَّة الَّتِي أُهبط مِنها آدم لَيست جنَّة الخلد وإنما هي جنَّة غَيرها فَهَذا مِمّا قد اخْتلف فِيهِ النّاس والأشهر عند الخاصَّة والعامة الَّذِي لا يخْطر بقلوبهم سواهُ أنها جنَّة الخلد الَّتِي أعدت لِلْمُتقين وقد نَص غير واحِد من السّلف على ذَلِك واحْتج من نصر هَذا بِما رَواهُ مُسلم في صَحِيحه من حَدِيث أبي مالك الأشجعي عَن أبي حازِم عَن أبي هُرَيْرَة وأبو مالك عَن ربعي بن حِراش عَن حُذَيْفَة قالا قالَ رَسُول الله ﷺ "يجمع الله عز وجل النّاس حَتّى يزلف لَهُم الجنَّة فَيَأْتُونَ آدم عَلَيْهِ السَّلام فَيَقُولُونَ يا أبانا استفتح لنا الجنَّة فَيَقُول وهل أخرجكم من الجنَّة إلا خَطِيئَة أبيكم آدم" وذكر الحَدِيث .. قالُوا فَهَذا يدل على أن الجنَّة الَّتِي اخرج مِنها آدم هي بِعَينها الَّتِي يطْلب مِنهُ أن يستفتحها لَهُم قالُوا ويدل عَلَيْهِ أن الله سُبْحانَهُ قالَ يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنَّة إلى قَوْله اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو ولكم في الأرض مُسْتَقر ومتاع إلى حِين عقيب قَوْله ﴿اهبطوا﴾ فَدلَّ على أنهم لم يَكُونُوا أولا في الأرض. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وصف الجنَّة الَّتِي أسكنها آدم بِصِفات لا تكون في الجنَّة الدُّنْيَوِيَّة فَقالَ تَعالى ﴿إن لَك إلا تجوع فِيها ولا تعرى وأنَّك لا تظمأ فِيها ولا تضحى﴾ وهَذا لا يكون في الدُّنْيا أصلا ولَو كانَ الرجل في أطيب منازلها فَلا بُد أن يعرض لَهُ الجُوع والظمأ والتعري والضُّحى للشمس. وَأيْضًا فَإنَّها لَو كانَت الجنَّة في الدُّنْيا لعلم آدم كذب إبليس في قَوْله ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ فَإن آدم كانَ يعلم أن الدُّنْيا منقضية فانية وأن ملكها يبْلى. وَأيْضًا فَإن قصَّة آدم في البَقَرَة ظاهِرَة جدا في أن الجنَّة الَّتِي أخرج مِنها فَوق السَّماء فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ (٣٤) وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ فَهَذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنَّة ولِهَذا أتى فِيهِ بضمير الجمع. وَقيل إنه خطاب لَهُم وللحية وهَذا يحْتاج إلى نقل ثابت إذْ لا ذكر للحية في شَيْء من قصَّة آدم وإبليس. وَقيل خطاب لآدَم وحواء وأتى فِيهِ بِلَفْظ الجمع كَقوله تَعالى: ﴿وَكُنّا لحكمهم شاهِدين﴾ وقيل لآدم وحواء وذريتهما وهَذِه الأقوال ضَعِيفَة غير الأول لأنها بَين قَول لا دَلِيل عَلَيْهِ وبَين ما يدل ظاهر الخطاب على خِلافه فَثَبت أن إبليس داخل في هَذا الخطاب وأنه من المهبطين من الجنَّة ثمَّ قالَ تَعالى ﴿قُلْنا اهبطوا مِنها جَمِيعًا فأما يَأْتينكم مني هدى فَمن تبع هُدايَ فَلا خوف عَلَيْهِم ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وهَذا الإهباط الثّانِي لا بُد أن يكون غير الأول وهو إهباطه من السَّماء إلى الأرض وحِينَئِذٍ فَتكون الجنَّة الَّتِي اهبطوا مِنها الأول فَوق السَّماء وهِي جنَّة الخلد. وَقد ذهبت طائِفَة مِنهُم الزَّمَخْشَرِيّ إلى أن قَوْله ﴿اهبطوا مِنها جَمِيعًا﴾ خطاب لآدم وحواء خاصَّة وعبر عَنْهُما بِالجمعِ لاستتاباعهما ذرياتهما قالَ والدَّلِيل عَلَيْهِ قوله تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ وقالَ ويدل على ذَلِك قَوْله ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ (٣٨) والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ (٣٩)﴾ وما هو إلا حكم يعم النّاس كلهم ومعنى ﴿بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ ما عَلَيْهِ النّاس من التعادي والتباغض وتضليل بَعضهم لبَعض. وَهَذا الَّذِي اخْتارَهُ أضعف الأقوال في الآية فَإن العَداوَة الَّتِي ذكرها الله إنما هي بَين آدم وإبليس وذرياتهما كَما قالَ تَعالى ﴿إن الشَّيْطان لكم عَدو فاتخذوه عدوا﴾ وَأما آدم وزوجه فَإن الله سُبْحانَهُ أخبر في كِتابه أنه خلقها مِنهُ ليسكن إليها وقالَ سُبْحانَهُ ﴿وَمن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بَيْنكُم مَوَدَّة ورَحْمَة﴾ فَهو سُبْحانَهُ جعل المَوَدَّة بَين الرجل وزوجه وجعل العَداوَة بَين آدم وإبليس وذرياتهما ويدل عَلَيْهِ أيضا عود الضَّمِير إليهم بِلَفْظ الجمع وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وإبليس في قَوْلهم ﴿فأزلهما الشَّيْطان عَنْها فأخرجهما﴾ فَهَؤُلاءِ ثَلاثَة آدم وحواء وإبليس فلماذا يعود الضَّمِير على بعض المَذْكُور مَعَ منافرته لطريق الكَلام ولا يعود على جَمِيع المَذْكُور مَعَ أنه وجه الكَلام. فَإن قيل فَما تَصْنَعُونَ بقوله في سورة طه: ﴿قالَ اهبطا مِنها جَمِيعًا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وهَذا خطاب لآدم وحواء وقد أخبر بعداوة بَعضهم بَعْضًا؟ قيل أما أن يكون الضَّمِير في قَوْله ﴿اهبطا﴾ راجعا إلى آدم وزوجه أوْ يكون راجعا إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزَّوْجَة لأنها تبع لَهُ. وعَلى الثّانِي فالعداوة المَذْكُورَة للمخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس وعَلى الأول تكون الآية قد اشْتَمَلت على أمريْن أحدهما أمره لآدم وزوجه بالهبوط، والثّانِي جعله العَداوَة بَين آدم وزوجه وإبليس ولا بُد أن يكون إبليس داخِلا في حكم هَذِه العَداوَة قطعا كَما قالَ تَعالى ﴿إن هَذا عَدو لَك ولزوجك﴾ وقالَ لذريته أن الشَّيْطان لكم عَدو فاتخذوه عدوا وتَأمل كَيفَ اتّفقت المَواضِع الَّتِي فِيها العَداوَة على ضمير الجمع دون التَّثْنِيَة. وَأما ذكر الإهباط فَتارَة يأتي بِلَفْظ ضمير الجمع وتارَة بِلَفْظ التَّثْنِيَة وتارَة يَأْتِي بِلَفْظ الإفراد لإبليس وحده كَقوله تَعالى: في سُورَة الأعراف ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (١٢) قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ فَهَذا الإهباط لإبليس وحده والضَّمِير في قَوْله مِنها قيل أنه عائِد إلى الجنَّة. وَقيل عائِد إلى السَّماء وحَيْثُ أتى بِصِيغَة الجمع كانَ لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القِصَّة عَلَيْهِم وحَيْثُ أتى بِلَفْظ التَّثْنِيَة فإما أن يكون لآدم وزوجه إذْ هما اللَّذان باشرا الأكل من الشَّجَرَة وأقدما على المعْصِيَة. وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلَيْن فَذكر حالهما وما آل إليه أمرهما ليَكُون عظة وعبرة لأولادهما والقَوْلان محكيان في ذَلِك وحَيْثُ أتى بِلَفْظ الإفراد فَهو لإبليس وحده. وَأيْضًا فالَّذِي يُوضح أن الضَّمِير في قَوْله ﴿اهبطا مِنها جَمِيعًا﴾ لآدم وإبليس أن الله سُبْحانَهُ لما ذكر المعْصِيَة أفرد بها آدم دون زوجه فَقالَ ﴿وَعصى آدم ربه فغوى ثمَّ اجتابه ربه فَتابَ عَلَيْهِ وهدى قالَ اهبطا مِنها جَمِيعًا﴾ وَهَذا يدل على أن المُخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين لَهُ المعْصِيَة ودخلت الزَّوْجَة تبعا، وهَذا لأن المَقْصُود إخبار الله تَعالى لِعِبادِهِ المُكَلّفين من الجِنّ والإنس بِما جرى على أبويهما من شُؤْم المعْصِيَة ومُخالفَة الأمر لِئَلّا يقتدوا بهما في ذَلِك فَذكر أبو الثقلَيْن أبلغ في حُصُول هَذا المَعْنى من ذكر أبوي الإنس فَقَط، وقد أخبر سُبْحانَهُ عَن الزَّوْجَة أنها أكلت مَعَ آدم وأخْبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنَّة بِتِلْكَ الأكلة فَعلم أن هَذا اقْتَضاهُ حكم الزَّوْجِيَّة وأنها صارَت إلى ما صار إليه آدم فَكانَ تَجْرِيد العِنايَة إلى ذكر الأبوين الَّذين هما أصل الذُّرِّيَّة أولى من تجريدها إلى ذكر أبي الإنس وأمهم والله أعْلَم. وَبِالجُمْلَةِ فَقَوله ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ ظاهر في الجمع فَلا يسوغ حمله على الِاثْنَيْنِ في قَوْله ﴿اهبطا﴾ قالُوا: وأما قَوْلكُم إنه كَيفَ وسوس لَهُ بعد إهباطه مِنها ومحال أن يصعد إليها بعد قوله تَعالى: ﴿اهبط﴾ فَجَوابه من وُجُوه: أحدها: أنه أخرج مِنها ومنع من دُخُولها على وجه السُّكْنى والكرامة واتخاذها دارا فَمن أيْنَ لكم أنه منع من دُخُولها على وجه الِابْتِلاء والامتحان لآدم وزوجه، ويكون هَذا دُخُولا عارضا كَما يدْخل شَرط دار من أمروا بابتلائه ومحنته وإن لم يَكُونُوا أهلا لسكنى تِلْكَ الدّار. الثّانِي أنه كانَ يدنو من السَّماء فيكلمهما ولا يدْخل عَلَيْهِما دارهما. الثّالِث أنه لَعَلَّه قامَ على الباب فناداهما وقاسمهما ولم يلج الجنَّة. الرّابِع أنه قد روي أنه أراد الدُّخُول عَلَيْهِما فمنعته الخزنة فَدخل في فَم الحَيَّة حَتّى دخلت بِهِ عَلَيْهِما ولا يشْعر الخزنة بذلك. قالُوا ومِمّا يدل على أنها جنَّة الخلد بِعَينها أنها جاءَت معرفَة بلام التَّعْرِيف في جَمِيع المَواضِع كَقَوْلِه ﴿اسكن أنت وزوجك الجنَّة﴾ ولا جنَّة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنَّة الخلد الَّتِي وعد الرَّحْمَن عباده بِالغَيْبِ فقد صار هَذا الِاسْم علما عَلَيْها بالغلبة وإن كانَ في أصل الوَضع عبارَة عَن البُسْتان ذِي الثِّمار والفواكه وهَذا كالمدينة الطّيبَة والنجم للثريا ونظائرها فَحَيْثُ ورد اللَّفْظ مُعَرفا بالالف واللّام انْصَرف إلى الجنَّة المَعْهُودَة المَعْلُومَة في قُلُوب المُؤمنِينَ. وَأما أن أريد بِهِ جنَّة غَيرها فإنها تَجِيء مُنكرَة كَقَوْلِه جنتين من اعناب أوْ مُقَيّدَة بالإضافة كَقَوْلِه ولَوْلا إذ دخلت جنتك أوْ مُقَيّدَة من السِّياق بِما يدل على أنها جنَّة في الأرض كَقَوْلِه أنا بلوناهم كَما بلونا أصحاب الجنَّة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين الآيات فَهَذا السِّياق والتَّقْيِيد يدل على أنها بُسْتان في الأرض. قالُوا: وأيْضًا فَإنَّهُ قد اتّفق أهل السّنة والجَماعَة على أن الجنَّة والنّار مخلوقتان وقد تَواتَرَتْ الأحاديث عَن النَّبِي بذلك كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي أنه قالَ إن أحدكم إذا ماتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالغَداةِ والعشى إن كانَ من أهل الجنَّة فَمن أهل الجنَّة وإن كانَ من أهل النّار فَمن أهل النّار يُقال هَذا مَقْعَدك حَتّى يَبْعَثك الله يَوْم القِيامَة وفي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد الخُدْرِيّ عَن النَّبِي قالَ "اختصمت الجنَّة والنّار فَقالَت الجنَّة ما لِي لا يدخلني إلا ضعفاء النّاس وسَقَطهمْ، وقالَت النّار ما لِي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون، فَقالَ للجنة أنت رَحْمَتي أرْحَمُ بك من أشاء، وقالَ للنار أنت عَذابي أعذب بك من أشاء" الحَدِيث .. وَفِي السّنَن عَن أبي هُرَيْرَة أن رَسُول الله قالَ "لما خلق الله الجنَّة والنّار أرسل جِبْرِيل إلى الجنَّة فَقالَ اذْهَبْ فانْظُر إليها وإلى ما أعددت لأهلها قالَ فَذهب فَنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها" الحَدِيث .. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ في حَدِيث الإسراء "ثمَّ رفعت لي سِدْرَة المُنْتَهى فَإذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان، فَقلت ما هَذا يا جِبْرِيل؟ قالَ أما النهران الظاهران فالنيل والفرات. وَأما الباطنان فنهران في الجنَّة" وَفِيه أيضا "ثمَّ أُدخلت الجنَّة فَإذا جنابذ اللُّؤْلُؤ وإذا ترابها المسك" وَفِي صَحِيح البُخارِيّ عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ قالَ "بَيْنَما أنا أسِيرُ في الجَنَّةِ، إذا أنا بِنَهَرٍ، حافَتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هَذا الكَوْثَرُ، الَّذِي أعْطاكَ رَبُّكَ، فَإذا طِينُهُ - أوْ طِيبُهُ - مِسْكٌ أذْفَرُ" وَفِي صَحِيح مُسلم في حَدِيث صَلاة الكُسُوف أن النَّبِي جعل يتَقَدَّم ويتأخر في الصَّلاة ثمَّ أقبل على أصحابه فَقالَ "إنه عرضت لي الجنَّة والنّار فقربت مني الجنَّة حَتّى لَو تناولت مِنها قطفا لأخذته فَلَو أخذته لأكلتم مِنهُ ما بقيت الدُّنْيا" وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن مَسْعُود في قوله تَعالى: ﴿وَلا تحسبن الَّذين قتلوا في سَبِيل الله أمواتا بل أحياء عند رَبهم يرْزقُونَ﴾ أرواحهم في جَوف طير خضر لَها قناديل معلقَة بالعرش تسرح من الجنَّة حَيْثُ شاءَت ثمَّ تأوى إلى تِلْكَ القَنادِيل، فاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلاعَةً فَقالَ: هَل تشتهون شَيْئا؟ فَقالُوا أي شَيْء نشتهي ونحن نَسْرَح من الجنَّة حَيْثُ شِئْنا" الحَدِيث .. وَفِي الصَّحِيح من حَدِيث ابْن عَبّاس قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ ومَقِيلِهِمْ قالُوا: مَن يُبَلِّغُ إخْوانَنا عَنّا أنّا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ، أنْ لا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يَنْكُلُوا عِنْدَ الحَرْبِ، قالَ: فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم "، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٧٠] الآيَةُ. وَفِي المُوَطَّأ من حَدِيث كَعْب بن مالك أن رَسُول الله قالَ "إنما نسمَة المُؤمن طائِر يعلق في الجنَّة حَتّى يرجعه الله إلى جسده يَوْم يَبْعَثهُ" وَفِي البُخارِيّ أن إبْراهِيم ابْن رَسُول الله لما توفّي قالَ رَسُول الله ﷺ "إن لَهُ مُرْضعًا في الجنَّة" وَفِي صَحِيح البُخارِيّ عَن عمران بن حُصَيْن قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "اطَّلَعت في الجنَّة فَرَأيْت أكثر أهلها الفُقَراء، واطلعت في النّار فَرَأيْت أكثر أهلها النِّساء" والآثار في هَذا الباب أكثر من أن تذكر. وأما القَوْل بأن الجنَّة والنّار لم تخلقا بعد فَهو قَول أهل البدع من ضلال المُعْتَزلَة ومن قالَ بقَوْلهمْ وهم الَّذين يَقُولُونَ أن الجنَّة الَّتِي اهبط مِنها آدم إنَّما كانَت جنَّة بشرقي الأرض. وَهَذِه الأحاديث وأمثالها ترد قَوْلهم. قالُوا: وأما احتجاجكم بِسائِر الوُجُوه الَّتِي ذكرتموها في الجنَّة وأنَّها منتفية في الجنَّة الَّتِي أسكنها آدم من اللَّغْو والكذب والنّصب والعري وغير ذَلِك فَهَذا كُله حق لا ننكره نَحن ولا أحد من أهل الإسلام ولَكِن هَذا إنَّما هو إذا دَخلها المُؤْمِنُونَ يَوْم القِيامَة كَما يدل عَلَيْهِ سِياق الكَلام وهَذا لا ينفي أن يكون فِيها بَين آدم وإبليس ما حَكاهُ الله عز وجل من الامتحان والابتلاء ثمَّ يصير الأمر عند دُخُول المُؤمنِينَ إليها إلى ما أخبر الله عز وجل بِهِ فَلا تنافِي بَين الأمرين. قالُوا: وأما قَوْلكُم أن الجنَّة دار جَزاء وثواب ولَيْسَت دار تكليف وقد كلف الله سُبْحانَهُ آدم فِيها بِالنَّهْي عَن الشَّجَرَة فَجَوابه من وجْهَيْن أحدهما أنه إنَّما يمْتَنع أن تكون دار تَكْلِيف إذا دَخلها المُؤْمِنُونَ يَوْم القِيامَة فَحِينَئِذٍ يَنْقَطِع التَّكْلِيف. وَأما امْتناع وُقُوع التَّكْلِيف فِيها في دار الدُّنْيا فَلا دَلِيل عَلَيْهِ. الثّانِي أن التَّكْلِيف فِيها لم يكن بالأعمال الَّتِي يُكَلف بها النّاس في الدُّنْيا من الصّيام والصَّلاة والجهاد ونَحْوها وإنَّما كانَ حجرا عَلَيْهِ في شَجَرَة من جملَة أشجارها، وهَذا لا يمْتَنع وُقُوعه في جنَّة الخلد كَما أن كل أحد مَحْجُور عَلَيْهِ أن يقرب أهل غَيره فِيها فَإن أردتم بأن الجنَّة لَيست دار كَيفَ امْتناع وُقُوع مثل هَذا فِيها في وقت من الأوقات فَلا دَلِيل لكم عَلَيْهِ، وإن أردتم أن غالب التكاليف الَّتِي تكون في الدنيا منتفية فِيها فَهو حق، ولَكِن لا يدل على مطلوبكم قالُوا وهَذا كَما أنه مُوجب الأدلة وقَول سلف الأمة فَلا يعرف بقولكم قائِل من أئمة العلم ولا يعرج عَلَيْهِ ولا يلْتَفت إليه. قالَ الأولون الجَواب عَمّا ذكرْتُمْ من وجْهَيْن مُجمل ومفصل. أما المُجْمل فَإنَّكُم لم تَأْتُوا على قَوْلكُم بِدَلِيل يتَعَيَّن المصير إليه لا من قُرْآن ولا من سنة ولا أثر ثابت عَن أحد من أصحاب رَسُول الله ولا التّابِعين لا مُسْندًا ولا مَقْطُوعًا، ونحن نوجدكم من قالَ بقولنا هَذا أحد أئمة الإسلام سُفْيان بن عُيَيْنَة قالَ في قَوْله عز وجل ﴿إن لَك أن لا تجوع فِيها ولا تعرى﴾ قالَ يَعْنِي في الأرض وَهَذا عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة قالَ في معارفه بعد أن ذكر خلق الله لآدم وزوجه أن الله سُبْحانَهُ أخرجه من مشرق جنَّة عدن إلى الأرض الَّتِي مِنها أخذ. وَهَذا أُبي قد حكى الحسن عَنهُ أن آدم لما احْتضرَ اشْتهى قطفا من قطف الجنَّة فانْطَلق بنوه ليطلبوه لَهُ فلقيتهم المَلائِكَة فَقالُوا أيْنَ تُرِيدُونَ يا بني آدم؟ قالُوا إن أبانا اشْتهى قطفا من قطف الجنَّة. فَقالُوا لَهُم ارْجعُوا فقد كفيتموه فانْتَهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عَلَيْهِ جِبْرِيل وبَنوهُ خلف المَلائِكَة ودفنوه، وقالُوا هَذِه سنتكم في مَوْتاكُم. وَهَذا أبو صالح قد نقل عَن ابْن عَبّاس في قَوْله ﴿اهبطوا مِنها﴾ قالَ هو كَما يُقال هَبَط فلان في أرْض كَذا وكَذا. وَهَذا وهب بن مُنَبّه يذكر آن آدم خلق في الأرض وفيها سكن وفيها نصب لَهُ الفردوس وأنه كانَ بعدن وأن سيحون وجيحون والفرات انقسمت من النَّهر الَّذِي كانَ في وسط الجنَّة وهو الَّذِي كانَ يسقيها. وَهَذا مُنْذر بن سعيد البلوطي اخْتارَهُ في تَفْسِيره ونَصره بِما حكيناه عَنهُ وحَكاهُ في غير التَّفْسِير عَن أبي حنيفَة فِيما خالفه فِيهِ فَلم قالَ بقوله في هَذِه المَسْألَة. وَهَذا أبُو مُسلم الأصبهاني صاحب التَّفْسِير وغَيره أحد الفُضَلاء المَشْهُورين قالَ بِهَذا وانتصر لَهُ واحْتج عَلَيْهِ بِما هو مَعْرُوف في كِتابه. وَهَذا أبو مُحَمَّد عبد الحق بن عَطِيَّة ذكر القَوْلَيْنِ في تَفْسِيره في قصَّة آدم في البَقَرَة. وَهَذا أبو مُحَمَّد بن حزم ذكر القَوْلَيْنِ في كتاب الملَل والنحل لَهُ فَقالَ وكانَ المُنْذر بن سعيد القاضِي يذهب إلى أن الجنَّة والنّار مخلوقتان إلا أنه كانَ يَقُول إنها لَيست هي الَّتِي كانَ فِيها آدم وامراته ومِمَّنْ حكى القَوْلَيْنِ أيضا أبو عِيسى الرماني في تَفْسِيره واخْتارَ أنها جنَّة الخلد ثمَّ قالَ والمذهب الَّذِي اخترناه قَول الحسن وعَمْرو بن واصل وأكْثر أصحابنا وهو قَول أبي عَليّ وشَيخنا أبي بكر وعَلِيهِ أهل التَّفْسِير، ومِمَّنْ ذكر القَوْلَيْنِ أبو القاسِم الرّاغِب في تَفْسِيره فَقالَ: واخْتلف في الجنَّة الَّتِي أسكنها آدم فَقالَ بعض المُتَكَلِّمين كانَ بستانا جعله الله لَهُ امتحانا ولم يكن جنَّة المأوى، ثمَّ قالَ: ومن قالَ لم يكن جنَّة المأوى لأنه لا تَكْلِيف في الجنَّة وآدَم كانَ مُكَلّفا قالَ وقد قيل في جَوابه إنها لا تكون دار التَّكْلِيف في الآخرة، ولا يمْتَنع أن تكون في وقت دار تَكْلِيف دون وقت كَما أن الإنسان يكون في وقت مُكَلّفا دون وقت. وَمِمَّنْ ذكر الخلاف في المَسْألَة أبو عبد الله بن الخَطِيب الرّازِيّ في تَفْسِيره فَذكر هذَيْن القَوْلَيْنِ وقولا ثالِثا وهو التَّوَقُّف قالَ لإمكان الجَمِيع وعدم الوُصُول إلى القطع كَما سَيَأْتِي حِكايَة كَلامه. وَمن المُفَسّرين من لم يذكر غير هَذا القَوْل وهو أنها لم تكن جنَّة الخلد إنَّما كانَت حَيْثُ شاءَ الله من الأرض وقالُوا كانَت تطلع فِيها الشَّمْس والقَمَر وكانَ إبليس فِيها ثمَّ أخرج. قالَ ولَو كانَت جنَّة الخلد لما أخرج مِنها، ومِمَّنْ ذكر القَوْلَيْنِ أيضا أبُو الحسن الماوَرْدِيّ فَقالَ في تَفْسِيره واخْتلف في الجنَّة الَّتِي أسكناها على قَوْلَيْنِ أحدهما أنها جنَّة الخلد. الثّانِي أنها جنَّة أعدها الله لَهما وجعلها دار ابتلاء ولَيْسَت جنَّة الخلد الَّتِي جعلها الله دار جَزاء. وَمن قالَ بِهَذا اخْتلفُوا فِيهِ على قَوْلَيْنِ أحدهما أنها في السَّماء لأنه أهبطهما مِنها وهَذا قَول الحسن. الثّانِي أنها في الأرض لأنه امتحنهما فِيها بِالنَّهْي عَن الشَّجَرَة الَّتِي نهيا عَنْها دون غَيرها من الثِّمار، وهَذا قَول ابْن يحيى وكانَ ذَلِك بعد أن أمر إبليس بِالسُّجُود لآدم والله أعْلَم بصواب ذَلِك هَذا كَلامه. وَقالَ ابْن الخَطِيب في تَفْسِيره اخْتلفُوا في أن الجنَّة المَذْكُورَة في هَذِه الآية هَل كانَت في الأرض أوْ في السَّماء وبِتَقْدِير أنها كانَت في السَّماء فَهَل هي الجنَّة الَّتِي هي دار الثَّواب وجنة الخلد أوْ جنَّة أخرى فَقالَ أبو القاسِم البَلْخِي وأبو مُسلم الأصبهاني هَذِه الجنَّة في الأرض وحملا الإهباط على الِانْتِقال من بقْعَة إلى بقْعَة كَما في قوله تَعالى: ﴿اهبطوا مصرا﴾ القَوْل الثّانِي وهو قَول الجبائي أن تِلْكَ كانَت في السَّماء السّابِعَة قالَ والدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله اهبطوا ثمَّ أن الإهباط الأول كانَ من السَّماء السّابِعَة إلى السَّماء الأولى والإهباط الثّانِي كانَ من السَّماء إلى الأرض. والقَوْل الثّالِث وهو قَول جُمْهُور أصحابنا أن هَذِه الجنَّة هي دار الثَّواب والدَّلِيل عليه هو أن الألف واللّام في لفظ الجنَّة لا يُفِيد العُمُوم لأن سُكْنى آدم جَمِيع الجنان محال فَلا بُد من صرفها إلى المَعْهُود السّابِق والجنَّة المَعْهُودَة المَعْلُومَة بَين المُسلمين هي دار الثَّواب فَوَجَبَ صرف اللَّفْظ إليها. قالَ والقَوْل الرّابِع أن الكل مُمكن والأدلة النقلية ضَعِيفَة ومتعارضة فَوَجَبَ التَّوَقُّف وترك القطع. قالُوا ونحن لا نقلد هَؤُلاءِ ولا نعتمد على ما حكى عَنْهُم والحجّة الصَّحِيحَة حكم بَين المتنازعين. قالُوا وقد ذكرنا على هَذا القَوْل ما فِيهِ كِفايَة. وأما الجَواب المفصل فَنحْن نتكلم على ما ذكرْتُمْ من الحجَج لينكشف وجه الصَّواب فَنَقُول وبِاللَّهِ التَّوْفِيق: أما استدلالكم بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة وحُذَيْفَة حِين يَقُول النّاس لآدم استفتح لنا الجنَّة فَيَقُول "وَهل أخرجكم مِنها إلا خَطِيئَة أبيكم" فَهَذا الحَدِيث لا يدل على أن الجنَّة الَّتِي طلبُوا مِنهُ أن يستفتحها لَهُم هي الَّتِي أخرج مِنها بِعَينها فَإن الجنَّة اسْم جنس فَكل بُسْتان يُسمى جنَّة كَما قالَ تَعالى ﴿إنا بلوناهم كَما بلونا أصحاب الجنَّة إذْ اقسموا ليصرمنها مصبحين﴾ وقالَ تَعالى ﴿وَقالُوا لن نؤمن لَك حَتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أوْ تكون لَك جنَّة من نخيل وعنب﴾ وقالَ تَعالى ﴿وَمثل الَّذين يُنْفقُونَ أموالهم ابْتِغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كَمثل جنَّة بِرَبْوَةٍ﴾ وقالَ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهُم مثلا رجلَيْنِ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بِنَخْل﴾ إلى قَوْله ﴿وَلَوْلا إذْ دخلت جنتك قلت ما شاءَ الله لا قُوَّة إلا بِاللَّه﴾ فَإن الجنَّة اسْم جنس فهم لما طلبُوا من آدم أن يستفتح لَهُم جنَّة الخلد أخبرهم بِأنَّهُ لا يحسن مِنهُ أن يقدم على ذَلِك وقد أخرج نَفسه وذريته من الجنَّة الَّتِي أسكنه الله إياها بِذَنبِهِ وخطيئته هَذا الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث. وَأما كَون الجنَّة الَّتِي أخرج مِنها هي بِعَينها الَّتِي طلبُوا مِنهُ أن يستفتحها لَهُم فَلا يدل الحَدِيث عَلَيْهِ بِشَيْء من وُجُوه الدلالات الثَّلاث ولَو دلّ عَلَيْهِ لوَجَبَ المصير إلى مَدْلُول الحَدِيث وامْتنع القَوْل بمخالفته وهل مدارنا إلا على فهم مُقْتَضى كَلام الصّادِق المصدوق صلوات الله وسَلامه عَلَيْهِ. قالُوا: وأما استدلالكم بالهبوط وأنه نزُول من علو إلى سفل فَجَوابه من وجْهَيْن: أحدهما أن الهبوط قد استنقل في النقلَة من أرْض إلى أرْض كَما يُقال هَبَط فلان بلد كَذا وكَذا وقالَ تَعالى ﴿اهبطوا مصرا فَإن لكم ما سَألْتُم﴾ وهَذا كثير في نظم العَرَب ونثرها قالَ: ؎أن تهبطين بِلاد قو ∗∗∗ م يرتعون من الطلاح وَقد روى أبو صالح عَن ابْن عَبّاس رضى الله عَنْهُما قالَ هو كَما يُقال هَبَط فلان أرْض كَذا وكَذا. الثّانِي أنا لا ننازعكم في أن الهبوط حَقِيقَة ما ذكرتموه ولَكِن من أيْنَ يلْزم أن تكون الجنَّة الَّتِي مِنها الهبوط فَوق السَّماوات فَإذا كانَت في أعلى الأرض أما يَصح أن يُقال هَبَط مِنها كَما يهْبط الحجر من أعلى الجَبَل إلى أسفله ونَحْوه. وَأما قوله تَعالى: ﴿وَلكم في الأرض مستقرومتاع إلى حِين﴾ فَهَذا يدل على أن الأرض الَّتِي أهبطوا إليها لَهُم فِيها مُسْتَقر ومتاع إلى حِين ولا يدل على أنهم لم يَكُونُوا في جنَّة عالية أعلى من الأرض الَّتِي أهبطوا إليها تخالف الأرض في صفاتها وأشجارها ونَعِيمها وطيبها، فالله سُبْحانَهُ فاوت بَين بقاع الأرض أعظم تفاوت وهَذا مشهود بالحس فَمن أيْنَ لكم أن تِلْكَ لم تكن جنَّة تميزت عَن سائِر بقاع الأرض بِما لا يكون إلا فِيها، ثمَّ أهبطوا مِنها إلى الأرض الَّتِي هي مَحل التَّعَب والنّصب والابتلاء والامتحان. وَهَذا بِعَيْنِه هو الجواب عَن استدلالكم بقوله تَعالى: ﴿إن لَك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ إلى آخر ما ذكرتموه مَعَ أن هَذا حكم مُعَلّق بِشَرْط والشّرط لم يحصل، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما قالَ ذَلِك عقيب قَوْله ﴿وَلا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ وقَوله ﴿إن لَك ألا تجوع فِيها ولا تعرى﴾ هو صِيغَة وعد مرتبطة بِما قبلها والمعْنى أن اجْتنبت الشَّجَرَة الَّتِي نهيتك عَنْها ولم تَقربها كانَ لَك هَذا الوَعْد والحكم المُعَلق بِالشّرطِ عدم عند عدم الشَّرْط فَلَمّا أكل من الشَّجَرَة زالَ اسْتِحْقاقه لهَذا الوَعْد. قالَ وأما قَوْلكُم أنه لَو كانَت الجنَّة في الدُّنْيا لعلم آدم كذب إبليس في قَوْله ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ إلى آخِره فدعوى لا دَلِيل عَلَيْها لأنه لا دَلِيل لكم على أن الله سُبْحانَهُ كانَ قد أعْلَم آدم حِين خلقه أن الدُّنْيا منقضية فانية وأن ملكها يبْلى ويَزُول وعَلى تَقْدِير أن يكون آدم حِينَئِذٍ قد أعلم ذَلِك فَقَوْل إبليس ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ لا يدل على أنه أراد بالخلد ما لا يتناهى فَإن الخلد في لُغَة العَرَب هو اللّبْث الطَّوِيل كَقَوْلِهِم قيد مخلد وحبس مخلد وقد قالَ تَعالى لثمود ﴿أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون وتتخذون مصانع لَعَلَّكم تخلدون﴾ وكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَملك لا يبْلى﴾ يُراد بِهِ الملك الطَّوِيل الثّابِت. وَأيْضًا فَلا وجه للاعتذار عَن قَول إبليس مَعَ تحقق كذبه ومقاسمته آدم وحواء على الكَذِب والله سُبْحانَهُ قد أخبر أنه قاسمهما ودلاهما بغرور، وهَذا يدل على أنهما اغترا بقوله فغرهما بأن أطمعهما في خلد الأبد والملك الَّذِي لا يبْلى. وَبِالجُمْلَةِ فالاستدلال بِهَذا على كَون الجنَّة الَّتِي سكنها آدم هي جنَّة الخلد الَّتِي وعدها المتقون غير بَين، ثمَّ نقُول لَو كانَت الجنَّة هي جنَّة الخلد الَّتِي لا يَزُول ملكها لكانَتْ جَمِيع أشجارها شجر الخلد فَلم يكن لتلك الشَّجَرَة اخْتِصاص من بَين سائِر الشّجر بِكَوْنِها شَجَرَة الخلد وكانَ آدم يسخر من إبليس إذْ قد علم أن الجنَّة دار الخلد. فَإن قُلْتُمْ لَعَلَّ آدم لم يعلم حِينَئِذٍ ذَلِك فغره الخَبيث وخدعه بأن هَذِه الشَّجَرَة وحدها هي شَجَرَة الخلد؟ قُلْنا فاقنعوا منا بِهَذا الجَواب بِعَيْنِه عَن قَوْلكُم لَو كانَت الجنَّة في الدُّنْيا لعلم آدم كذب إبليس في ذَلِك لأن قَوْله كانَ خداعا وغرورا مَحْضا على كل تَقْدِير فانْقَلَبَ دليلكم حجَّة عَلَيْكُم وبِاللَّهِ التَّوْفِيق. قالُوا: وأما قَوْلكُم أن قصَّة آدم في البَقَرَة ظاهِرَة جدا في أن جنَّة آدم كانَت فَوق السَّماء فَنحْن نطالبكم بِهَذا الظُّهُور ولا سَبِيل لكم إلى إثباته. قَوْلكُم إنه كرر فِيهِ ذكر الهبوط مرَّتَيْنِ ولا بُد أن يُفِيد الثّانِي غير ما أفادَ الأول فَيكون الهبوط الأول من الجنَّة والثّانِي من السَّماء. فَهَذا فِيهِ خلاف بَين أهل التَّفْسِير فَقالَت طائِفَة هَذا القَوْل الَّذِي ذكرتموه، وقالَت طائِفَة مِنهُم النقاش وغَيره أن الهبوط الثّانِي إنَّما هو من الجنَّة إلى السَّماء والهبوط الأول إلى الأرض وهو آخر الهبوطين في الوُقُوع وإن كانَ أولهما في الذّكر. وَقالَت طائِفَة أتى بِهِ على جِهَة التَّغْلِيظ والتأكيد كَما تَقول للرجل اخرج اخرج. وَهَذِه الأقوال ضَعِيفَة، فَأما القَوْل الأول فَيظْهر ضعفه من وُجُوه: أحدها أنه مُجَرّد دَعْوى لا دَلِيل عَلَيْها من اللَّفْظ ولا من خبر يجب المصير إليه وما كانَ هَذا سَبيله لا يحمل القُرْآن عَلَيْهِ. الثّانِي أن الله سُبْحانَهُ قد أهبط إبليس لما امْتنع من السُّجُود لآدم إهباطا كونيا قدريا لا سَبِيل لَهُ إلى التَّخَلُّف عَنهُ فَقالَ تَعالى ﴿اهبط مِنها فَما يكون لَك أن تتكبر فِيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ وقالَ في مَوضِع آخر ﴿فاخرج مِنها فإنك رجيم وإن عَلَيْك اللَّعْنَة إلى يَوْم الدّين﴾ وفي مَوضِع آخر ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وسَواء كانَ الضَّمِير في قَوْله مِنها راجعا إلى السَّماء أوْ إلى الجنَّة فَهَذا صَرِيح في إهباطه وطرده ولعنه وادحاره والمدحور المبعد وعَلى هَذا فَلَو كانَت الجنَّة فَوق السَّماوات لَكانَ قد صعد إليها بعد إهباط الله لَهُ، وهَذا وإن كانَ مُمكنا فَهو في غايَة البعد عَن حِكْمَة الله ولا يَقْتَضِيهِ خَبره فَلا يَنْبَغِي أن يُصار إليه. وَأما الوُجُوه الأربعة الَّتِي ذكرتموها من صُعُوده للوسوسة فَهي مَعَ أمر الله تَعالى بالهبوط مُطلقًا وطرده ولعنه ودحوره لا دَلِيل عَلَيْها لا من اللَّفْظ ولا من الخَبَر الَّذِي يجب المصير إليه وما هي إلا احتمالات مُجَرّدَة وتقديرات لا دَلِيل عَلَيْها. الثّالِث أن سِياق قصَّة إهباط الله تَعالى لإبليس ظاهِرَة في أنه إهباط إلى الأرض من وُجُوه أحدها أنه سُبْحانَهُ نبه على حِكْمَة إهباطه بِما قامَ بِهِ من التكبر المُقْتَضى غايَة ذله وطرده ومعاملته بنقيض قَصده وهو إهباطه من فَوق السَّماوات إلى قَرار الأرض ولا تقتضي الحِكْمَة أن يكون فَوق السَّماء مَعَ كبره ومنافاة حاله لحال المَلائِكَة الأكرمين. الثّانِي أنه قالَ ﴿فاخرج مِنها فَإنّك رجيم وإن عَلَيْك لَعْنَتِي إلى يَوْم الدّين﴾ وكَونه رجيما ملعونا ينفي أن يكون في السَّماء بَين المقربين المطهرين. الثّالِث أنه قالَ ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ وملكوت السَّماوات لا يعلوه المذموم المدحور أبدا. وَأما القَوْل الثّانِي فَهو القَوْل الأول بِعَيْنِه مَعَ زِيادَة ما لا يدل عَلَيْهِ السِّياق بِحال من تَقْدِيم ما هو مُؤخر في الواقِع وتَأْخِير ما هو مقدم فِيهِ فَيرد بِما رد بِهِ القَوْل الَّذِي قبله. وَأما القَوْل الثّالِث وهو أنه للتَّأْكِيد فَإن أُرِيد التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ المُجَرّد فَهَذا لا يَقع في القُرْآن، وإن أريد بِهِ أنه مُسْتَلْزم للتغليظ والتأكيد مَعَ ما يشْتَمل عَلَيْهِ من الفائِدَة فَصَحِيح. فالصَّواب أن يُقال اعيد الإهباط مرّة ثانِيَة لأنه علق عَلَيْهِ حكما غير المُعَلق على الإهباط الأول فَإنَّهُ علق على الأول عَداوَة بَعضهم بَعْضًا فَقالَ ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وهَذِه جملَة حالية وهِي اسمية بالضمير وحده عند الأكثرين والمعْنى اهبطوا متعادين وعلق على الهبوط الثّانِي حكمين آخَرين: أحدهما هبوطهم جَمِيعًا، والثّانِي قَوْله ﴿فإمّا يَأْتينكم مني هدى فَمن تبع هُدايَ فَلا خوف عَلَيْهِم ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قيل اهبطوا بِهَذا الشَّرْط مأخوذا عَلَيْكُم هَذا العَهْد وهو أنه مهما جاءَكُم مني هدى فَمن اتبعهُ مِنكُم فَلا خوف عَلَيْهِ ولا حزن يلْحقهُ، فَفي الإهباط الأول إيذان بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة، وفي الإهباط الثّانِي روح التسلية والاستبشار بحسن عاقِبَة هَذا الهبوط لمن تبع هُدايَ ومصيره إلى الأمن والسُّرُور المضاد للخوف والحزن، فكسرهم بالإهباط الأول، وجبر من اتبع هداه بالإهباط الثّانِي على عادَته سُبْحانَهُ ولطفه بعباده وأهل طاعَته كَما كسر آدم بالإخراج من الجنَّة وجبره بالكلمات الَّتِي تلقاها مِنهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهداه. وَمن تدبر حكمته سُبْحانَهُ ولطفه وبره بعباده وأهل طاعَته في كَسره لَهُم ثمَّ جبره بعد الانكسار كَما يكسر العَبْد بالذنب ويذله بِهِ ثمَّ يجْبرهُ بتوبته عَلَيْهِ ومغفرته لَهُ، وكما يكسرهُ بأنواع المصائب والمحن ثمَّ يجْبرهُ بالعافية والنعْمَة انْفَتح لَهُ باب عَظِيم من أبْواب مَعْرفَته ومحبته، وعلم أنه أرْحَمُ بعباده من الوالدة بِوَلَدِها، وأن ذَلِك الكسر هو نفس رَحمته بِهِ وبره ولطفه، وهو أعلم بمصلحة عَبده مِنهُ، ولَكِن العَبْد لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصِفاته لا يكاد يشْعر بذلك ولا ينال رضا المحبوب وقربه والابتهاج والفرح بالدنو مِنهُ والزلفى لَدَيْهِ إلا على جسر من الذلة والمسكنة وعَلى هَذا قامَ أمر المحبَّة فَلا سَبِيل إلى الوُصُول إلى المحبوب إلا بذلك كَما قيل ؎تذلل لمن تهوى لتحظى بِقُرْبِهِ ∗∗∗ فكم عزة قد نالها العَبْد بالذل ؎إذا كانَ من تهوى عَزِيز أوْ لم تكن ∗∗∗ ذليلا لَهُ فاقرأ السَّلام على الوَصْل وَقالَ آخر: ؎اخضع وذل لمن تحب فَلَيْسَ في ∗∗∗ شرع الهوى أنف يشال ويقْعد وَقالَ آخر: ؎وَما فرحت بالوصل نفس عزيزة ∗∗∗ وما العِزّ إلّا ذلها وانكسارها قالُوا وإذا علم أن إبْلِيس أهبط من دار العِزّ عقب امْتِناعه وإبائه من السُّجُود لآدم ثَبت أن وسوسته لَهُ ولزوجه كانَت في غير المحل الَّذِي أهبط مِنهُ والله أعْلَم. قالُوا: وأما قَوْلكُم إن الجنَّة إنَّما جاءَت معرفَة بِاللّامِ وهِي تَنْصَرِف إلى الجنَّة الَّتِي لا يعْهَد بَنو آدم سواها فَلا ريب أنها جاءَت كَذَلِك ولَكِن العَهْد وقع في خطاب الله تَعالى آدم لسكناها بقوله ﴿اسكن أنت وزوجك الجنَّة﴾ فَهي كانَت معهودة عند آدم ثمَّ اُخْبُرْنا سُبْحانَهُ عنها معرفا لَها بلام التَّعْرِيف فانْصَرف العرف بها إلى تِلْكَ الجنَّة المَعْهُودَة في الذِّهْن وهِي الَّتِي سكنها آدم ثمَّ أخرج مِنها فَمن أيْنَ في هَذا ما يدل على محلها وموضعها بِنَفْي أوْ إثْبات؟ وَأما مَجِيء جنَّة الخلد معرفَة بِاللّامِ فلأنها الجنَّة الَّتِي أخبرت بها الرُّسُل لأممهم ووعدها الرَّحْمَن عباده بِالغَيْبِ فَحَيْثُ ذكرت انْصَرف الذِّهْن إليها دون غَيرها لأنها قد صارَت مَعْلُومَة في القُلُوب مُسْتَقِرَّة فِيها ولا ينْصَرف الذِّهْن إلى غَيرها ولا يتَوَجَّه الخطاب إلى سواها وقد جاءَت الجنَّة في القُرْآن معرفَة بِاللّامِ والمراد بها بُسْتان في بقْعَة من الأرض كَقوله تَعالى: ﴿إنّا بلوناهم كَما بلونا أصحاب الجنَّة إذْ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾ فَهَذا لا ينْصَرف الذِّهْن فِيها إلى جنَّة الخلد ولا إلى جنَّة آدم بِحال. قالُوا: وأما قَوْلكُم إنه قد اتّفق أهل السّنة والجَماعَة على أن الجنَّة والنّار مخلوقتان وإنّهُ لم يُنازع في ذَلِك إلّا بعض أهل البدع والضلال واستدلالكم على وجود الجنَّة الآن فَحق لا ننازعكم فِيهِ وعِنْدنا من الأدلة على وجودها أضعاف ما ذكرْتُمْ ولَكِن أي تلازم بَين أن تكون جنَّة الخلد مخلوقة وبَين أن تكون هي جنَّة آدم بِعَينها فكأنكم تَزْعُمُونَ أن كل من قالَ إن جنَّة آدم هي جنَّة في الأرض فَلا بُد لَهُ أن يَقُول إن الجنَّة والنّار لم يخلقا بعد، وهَذا غلط مِنكُم منشؤه من توهمكم أن كل من قالَ بِأن الجنَّة لم تخلق بعد فَإنَّهُ يَقُول إن جنَّة آدم هي في الأرض كَذَلِك بِالعَكْسِ أن كل من قالَ إن جنَّة آدم في الأرض فَيَقُول إن الجنَّة لم تخلق، فَأما الأول فَلا ريب فِيهِ. وَأما الثّانِي فَوَهم لا تلازم بَينهما لا في المَذْهَب ولا في الدَّلِيل، فَأنْتم نصبتم دليلكم مَعَ طائِفَة نَحن وأنتم متفقون على إنكار قَوْلهم ورده وإبطاله، ولَكِن لا يلْزم من هَذا بطلان هَذا القَوْل الثّالِث وهَذا واضح. قالُوا: وأما قَوْلكُم أن جَمِيع ما نَفاهُ الله سُبْحانَهُ عَن الجنَّة من اللَّغْو والعَذاب وسائِر الآفات الَّتِي وجد بَعْضها من إبليس عَدو الله فَهَذا إنَّما يكون بعد القِيامَة إذا دَخلها المُؤْمِنُونَ كَما يدل عَلَيْهِ السِّياق فَجَوابه من وجْهَيْن: أحدهما أن ظاهر الخَبَر يَقْتَضِي نَفْيه مُطلقًا لقوله تَعالى: ﴿لا لَغْو فِيها ولا تأثيم﴾ ولقوله تَعالى: ﴿لا تسمع فِيها لاغية﴾ فَهَذا نفي عام لا يجوز تَخْصِيصه إلا بمخصص بَين، والله سُبْحانَهُ قد حكم بأنها دار الخلد حكما مُطلقًا فَلا يدخلها إلا خالِد فِيها فتخصيصكم هَذِه التَّسْمِيَة بِما بعد القِيامَة خلاف الظّاهِر. الثّانِي أن ما ذكرْتُمْ إنَّما يُصار إليه إذا قامَ الدَّلِيل السّالِم عَن المعارض المقاوم أنها جنَّة الخلد بِعَينها وحِينَئِذٍ يتَعَيَّن المصير إلى ما ذكرْتُمْ، فَأما إذا لم يقم دَلِيل سالم على ذَلِك ولم تجمع الأمة عَلَيْهِ فَلا يسوغ مُخالفَة ما دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص البَيِّنَة بِغَيْر مُوجب والله أعْلَم. قالُوا: ومِمّا يدل على أنها لَيست جنَّة الخلد الَّتِي وعدها المتقون أن الله سُبْحانَهُ لما خلق آدم أعلمه أن لعمره أجلا يَنْتَهِي إليه وأنه لم يخلقه للبقاء ويدل على هَذا ما رَواهُ التِّرْمِذِيّ في جامعه قالَ حَدثنا مُحَمَّد بن بشار قالَ حَدثنا صَفْوان بن عِيسى حَدثنا الحارِث بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي زياب عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "لما خلق الله آدم ونفخ فِيهِ الرّوح عطس فَقالَ الحَمد لله يا رب فَقالَ لَهُ ربه يَرْحَمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك المَلائِكَة إلى ملاء مِنهُم جُلُوس فَقل السَّلام عَلَيْكُم قالُوا وعَلَيْك السَّلام ثمَّ رَجَعَ إلى ربه فَقالَ إن هَذِه تحيتك وتحية بنيك بَينهم، فَقالَ الله لَهُ ويداه مقبوضتان اختر أيتهما شِئْت، فَقالَ اخْتَرْت يَمِين رَبِّي كلتا يَدي رَبِّي يَمِين مباركة، ثمَّ بسطها فَإذا فِيها آدم وذريته قالَ أي رب ما هَؤُلاءِ؟ قالَ هَؤُلاءِ ذريتك، فَإذا كل إنْسان مَكْتُوب عمره بَين عَيْنَيْهِ، فَإذا رجل أضوؤهم أوْ من أضوئهم قالَ يا رب من هَذا؟ قالَ هَذا ابْنك داوُد وقد كتبت لَهُ عمرا أربعين سنة قالَ يا رب زد في عمره قالَ ذاك الَّذِي كتبت لَهُ قالَ أي رب فَإنِّي قد جعلت لَهُ من عمري سِتِّينَ سنة قالَ أنْت وذاكَ. قالَ ثمَّ أسكن الجنَّة ما شاءَ الله ثمَّ أهبط مِنها، وكانَ آدم يعد لنَفسِهِ فَأتاهُ ملك المَوْت فَقالَ لَهُ آدم قد عجلت ألْيَسَ قد كتبت لي ألف سنة؟ قالَ بلى ولَكِنَّك جعلت لابنك داوُد سِتِّينَ سنة فَجحد فَجحدت ذُريَّته ونسي فنسيت ذُريَّته، قالَ فَمن يَوْمئِذٍ أمر بِالكتاب والشُّهُود" هَذا حَدِيث حسن غَرِيب من هَذا الوَجْه. وروي من غير وجه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي قالُوا فَهَذا صَرِيح في أن آدم لم يكن مخلوقا في دار الخلد الَّتِي لا يَمُوت من دَخلها وإنَّما خلق في دار الفناء الَّتِي جعل الله لَها ولأهلها أجلا مَعْلُوما وفيها أسكن فَإن قيل فَإذا كانَ آدم قد علم أن لَهُ عمرا يَنْتَهِي إليه وأنه لَيْسَ من الخالدين فَكيف لم يكذب إبليس ويعلم بطلان قَوْله حَيْثُ قالَ لَهُ ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ بل جوز ذَلِك وأكل من الشَّجَرَة طَمَعا في الخلد. فالجَواب ما تقدم من الوَجْهَيْنِ إما أن يكون المُراد بالخلد المكْث الطَّوِيل إلى أبَد الآباد أوْ يكون عدوه إبليس لما قاسمه وزوجه وغَيرهما وطمعهما بدوامهما في الجنَّة نسي ما قدر لَهُ من عمره. قالُوا والمعول عَلَيْهِ في ذَلِك قوله تَعالى للْمَلائكَة ﴿إنِّي جاعل في الأرض خَليفَة﴾ وهَذا الخَلِيفَة هو آدم بِاتِّفاق النّاس ولما عجبت المَلائِكَة من ذَلِك وقالُوا ﴿أتجعل فِيها من يفْسد فِيها ويسفك الدِّماء ونحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك﴾ عرفهم سُبْحانَهُ أن هَذا الخَلِيفَة الَّذِي هو جاعله في الأرض لَيْسَ حاله كَما توهمتم من الفساد بل أُعلِّمه من علمي ما لا تعلمونه فأظهر من فَضله وشرفه بِأن علمه الأسماء كلها ثمَّ عرضهمْ على المَلائِكَة فَلم يعرفوها وقالُوا ﴿سُبْحانَكَ لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العَلِيم الحَكِيم﴾ وهَذا يدل على أن هَذا الخَلِيفَة الَّذِي سبق بِهِ إخبار الرب تَعالى لملائكته، وأظْهر تَعالى فَضله وشرفه وأعلمه بِما لم تعلمه المَلائِكَة وهو خَليفَة مجعول في الأرض لا فَوق السَّماء. فَإن قيل قوله تَعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خَليفَة﴾ إنَّما هو بِمَعْنى سأجعله في الأرض فَهي مآله ومصيره وهَذا لا يُنافِي أن يكون في جنَّة الخلد فَوق السَّماء أولا ثمَّ يصير إلى الأرض للخلافة الَّتِي جعلها الله لَهُ، واسم الفاعِل هُنا بِمَعْنى الِاسْتِقْبال ولِهَذا انتصب عَنهُ المَفْعُول؟ فالجَواب أن الله سُبْحانَهُ أعْلَم مَلائكَته بانه يخلقه لخلافة الأرض لا لسكنى جنَّة الخلود، وخَبره الصدْق وقَوله الحق، وقد علمت المَلائِكَة أنه هو آدم فَلَو كانَ قد أسكنه دار الخلود فَوق السَّماء لم يظْهر للْمَلائكَة وُقُوع المخبر ولم يحتاجوا إلى أن يبين لَهُم فَضله وشرفه وعلمه المتضمن رد قَوْلهم ﴿أتجْعَلُ فِيها من يفْسد فِيها ويسفك الدِّماء﴾ فَإنَّهُم إنَّما سَألُوا هَذا السُّؤال في حق الخَلِيفَة المجعول في الأرض، فأما من هو في دار الخلد فَوق السَّماء فَلم تتوهم المَلائِكَة مِنهُ سفك الدِّماء والفساد في الأرض ولا كانَ إظهار فَضله وشرفه وعلمه وهو فَوق السَّماء رادا لقَولهم وجوابا لسؤالهم، بل الَّذِي يحصل بِهِ جوابهم وضد ما توهموه إظْهار تِلْكَ الفَضائِل والعلوم مِنهُ وهو في مَحل خِلافَته الَّتِي خلق لَها وتوهمت المَلائِكَة أنه لا يحصل مِنهُ هُناكَ إلا ضدها من الفساد وسَفك الدِّماء، وهَذا واضح لمن تَأمله. وَأما اسْم الفاعِل وهو فاعل وإن كانَ بِمَعْنى الِاسْتِقْبال فَلِأن هَذا إخْبار عَمّا سيفعله الرب تَعالى في المُسْتَقْبل من جعله الخَلِيفَة في الأرض، وقد صدق وعده ووَقع ما أخبر بِهِ، وهَذا ظاهر في أنه من أول الأمر جعله خَليفَة في الأرض. وَأما جعله في السَّماء أولا ثمَّ جعله خَليفَة في الأرض ثانِيًا وإن كانَ مِمّا لا يُنافِي الِاسْتِخْلاف المَذْكُور فَهو مما لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ بِوَجْه بل يقتضي ظاهره خِلافه، فَلا يُصار إليه إلّا بِدَلِيل يُوجب المصير إليه وحَوله ندندن. قالُوا: وأيْضًا فَمن المَعْلُوم الَّذِي لا يُخالف فِيهِ مُسلم أن الله سُبْحانَهُ خلق آدم من تُراب، وهو تُراب هَذِه الأرض بِلا ريب كَما روى التِّرْمِذِيّ في جامعه من حَدِيث عَوْف عَن قسامَة بن زُهَيْر عَن أبي مُوسى الأشعري رضى الله عَنهُ قالَ قالَ رَسُول الله "إن الله تبارك وتَعالى خلق آدم من قَبْضَة قبضها من جَمِيع الأرض فجاء بَنو آدم على قدر الأرض، فجاء مِنهُم الأحمر والأبيض والأسود وبَين ذَلِك والسهل والحزن والخبيث والطّيب" قالَ التِّرْمِذِيّ هَذا حَدِيث حسن صَحِيح، وقد رَواهُ الإمام أحْمَد في مُسْنده من طرق عدَّة. وَقد أخبر سُبْحانَهُ أنه خلقه من تُراب، وأخْبر أنه خلقه من سلالة من طين وأخبر أنه خلقه من صلصال من حمإ مسنون والصلصال قيل فِيهِ هو الطين اليابِس الَّذِي لَهُ صلصلة ما لم يطْبخ فَإذا طبخ فَهو فخار. وَقيل فِيهِ هو المُتَغَيّر الرّائِحَة من قَوْلهم صل إذا انتن، والحمأ الطين الأسود المُتَغَيّر. والمسنون قيل المصبوب من سننت الماء إذا صببته. وَقيل المنتن المسن من قَوْلهم سننت الحجر على الحجر إذا حككته، فَإذا سالَ بَينهما شَيْء فَهو سِنِين، ولا يكون إلّا منتنا. وَهَذِه كلها أطوار التُّراب الَّذِي هو مبدؤه الأول، كَما أخبر عَن خلق الذُّرِّيَّة من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة. وَهَذِه أحوال النُّطْفَة الَّتِي هي مبدأ الذُّرِّيَّة ولم يخبر سُبْحانَهُ أنه رَفعه من الأرض إلى فَوق السَّماوات لا قبل التخليق ولا بعده وإنَّما أخبر عَن إسجاد المَلائِكَة لَهُ، وعَن إدْخاله الجنَّة وما جرى لَهُ مَعَ إبْلِيس بعد خلقه فَأخْبر سُبْحانَهُ بالأمور الثَّلاثَة في نسق واحِد مرتبطا بَعْضها بِبَعْض. قالُوا فَأيْنَ الدَّلِيل الدّال على إصعاد مادته وإصعاده بعد خلقه إلى فَوق السَّماوات هَذا مِمّا لا دَلِيل لكم عَلَيْهِ أصلا ولا هو لازم من لَوازِم ما أخبر الله بِهِ. قالُوا ومن المَعْلُوم أن ما فَوق السَّماوات لَيْسَ بمَكان للطين الأرضي المُتَغَيّر الرّائِحَة الَّذِي قد أنتن من تغيره، وإنَّما مَحَله هَذا الأرض الَّتِي هي مَحل المتغيرات والفاسدات. وَأما ما كانَ فَوق الأمْلاك فَلا يلْحقهُ تغير ولا نَتن ولا فساد ولا استحالة. قالُوا وهَذا أمر لا يرتاب فِيهِ العُقَلاء. قالُوا وقد قالَ تَعالى ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن هَذا العَطاء في جنَّة الخلد غير مَقْطُوع، وما أعطيه آدم فقد انْقَطع فَلم تكن تِلْكَ جنَّة الخلد. قالُوا: وأيْضًا فَلا نزاع في أن الله تَعالى خلق آدم في الأرض كَما تقدم ولم يذكر في قصَّته أنه نَقله إلى السَّماء، ولَو كانَ تَعالى قد نَقله إلى السَّماء لَكانَ هَذا أولى بِالذكر، لأنه من أعظم أنواع النعم عَلَيْهِ، وأكبر أسباب تفضيله وتشريفه، وأبلغ في بَيان آيات قدرته وربوبيته وحكمته، وأبلغ في بَيان المَقْصُود من عاقِبَة المعْصِيَة وهو الإهباط من السَّماء الَّتِي نقل إليها كَما ذكر ذَلِك في حق إبليس فَحَيْثُ لم يَجِئ في القُرْآن ولا في السّنة حرف واحِد أنه نَقله إلى السَّماء ورَفعه إليها بعد خلقه في الأرض علم أن الجنَّة الَّتِي أدخلها لم تكن هي جنَّة الخلد الَّتِي فَوق السَّماوات. قالُوا: وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قد أخبر في كِتابه أنه لم يخلق عباده عَبَثا ولا سدى وأنكر على من زعم ذَلِك فَدلَّ على أن هَذا مناف لحكمته ولَو كانَتا جنَّة آدم هي جنَّة الخلد لكانوا قد خلقُوا في دار لا يؤمرون فِيها ولا ينهون. وَهَذا باطِل بقوله ﴿أيحسب الإنسان أن يتْرك سدى﴾ قالَ الشّافِعِي وغَيره معطلا لا يُؤمر ولا ينْهى وقالَ ﴿أفحسبتم أنا خَلَقْناكم عَبَثا﴾ فَهو تَعالى لم يخلقهم عَبَثا ولا تَركهم سدى وجنة الخلد لا تَكْلِيف فِيها. قالُوا: وأيْضًا فَإنَّهُ خلقها جَزاء للعاملين بقوله تَعالى: ﴿نعم أجْرِ العالمين﴾ وجَزاء لِلْمُتقين بقوله ﴿ولنعم دار المُتَّقِينَ﴾ ودار الثَّواب بقوله ﴿ثَوابًا من عند الله﴾ فَلم يكن ليسكنها إلّا من خلقها لَهُم من العاملين ومن المُتَّقِينَ ومن تَبِعَهم من ذرياتهم وغَيرهم من الحور والولدان. وَبِالجُمْلَةِ فحكمته تَعالى اقْتَضَت أنها لا تنال إلا بعد الِابْتِلاء والامتحان والصَّبْر والجهاد وأنواع الطّاعات، وإذا كانَ هَذا مُقْتَضى حكمته فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يفعل إلا ما هو مطابق لَها. قالُوا فَإذا جمع ما أخبر الله عز وجل بِهِ من أنه خلقه من الأرض وجعله خَليفَة في الأرض، وأن إبليس وسوس لَهُ في مَكانَهُ الَّذِي أسكنه فِيهِ بعد أن أهبط إبليس من السَّماء، وأنه أخبر مَلائكَته أنه جاعل في الأرض خَليفَة، وأن دار الجنَّة لا لَغْو فِيها ولا تأثيم، وأن من دَخلها لا يخرج مِنها أبدا، وأن من دَخلها ينعم لا يبؤس، وأنه لا يخاف ولا يحزن، وأن الله سُبْحانَهُ حرمها على الكافرين، وعدو الله إبليس أكفر الكافرين، فمحال أن يدخلها أصلا لا دُخُول عبور ولا دُخُول قَرار، وأنها دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان إلى غير ذَلِك مِمّا ذَكرْناهُ من مُنافاة أوصاف جنَّة الخلد للجنة الَّتِي أسكنها آدم إذا جمع ذَلِك بعضه إلى بعض ونظر فِيهِ بِعَين الإنصاف والتجرد عَن نصْرَة المقالات تبين الصَّواب من ذَلِك والله المُسْتَعان. قالَ الآخرون بل الجنَّة الَّتِي أسكنها آدم عند سلف الأمة وأئمتها وأهل السّنة والجَماعَة هي جنَّة الخلد ومن قالَ إنها كانَت جنَّة في الأرض بِأرْض الهِنْد أو بِأرْض جدة أوْ غير ذَلِك فَهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة أوْ من إخوانهم المُتَكَلِّمين المبتدعين فَإن هَذا يَقُوله من يَقُوله من المتفسلفة والمعتزلة والكتاب يرد هَذا القَوْل وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هَذا القَوْل قالَ تَعالى ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ (٣٤) وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ (٣٦)﴾ فقد أخبر سُبْحانَهُ أنه أمرهم بالهبوط وأن بَعضهم لبَعض عَدو ثمَّ قالَ ﴿وَلكم في الأرض مُسْتَقر ومتاع إلى حِين﴾ وهَذا بَين أنهم لم يَكُونُوا في الأرض وإنَّما أهبطوا إلى الأرض فَإنَّهُم لَو كانُوا في الأرض وانتقلوا مِنها إلى أرْض أخرى كَما انْتقل قوم مُوسى من أرْض إلى أرْض كانَ مستقرهم ومتاعهم إلى حِين في الأرض قبل الهبوط كَما هو بعده. وَهَذا باطِل قالُوا وقد قالَ تَعالى في سُورَة الأعراف لما قالَ إبْلِيس ﴿أنا خير مِنهُ خلقتني من نار وخلقته من طين قالَ فاهبط مِنها فَما يكون لَك أن تتكبر فِيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ يبين اخْتِصاص الجنَّة الَّتِي في السَّماء بِهَذا الحكم بِخِلاف جنَّة الأرض فَإن إبليس كانَ غير مَمْنُوع من التكبر فِيها، والضَّمِير في قَوْله ﴿مِنها﴾ عائِد إلى مَعْلُوم وإن كانَ غير مَذْكُور في اللَّفْظ لأن العلم بِهِ أغْنى عَن ذكره. قالُوا وهَذا بِخِلاف قَوْله ﴿اهبطوا مصرا فَإن لكم ما سَألْتُم﴾ فَإنَّهُ لم يذكر هُنا ما اهبطوا مِنهُ وإنَّما ذكر ما أهبطوا إليه بِخِلاف إهباط إبليس فَإنَّهُ ذكر مبدأ هُبُوطه وهو الجنَّة، والهبوط يكون من علو إلى سفل، وبَنُو إسرائيل كانُوا بجبال السراة المشرفة على مصر الَّذِي يهبطون إليه، ومن هَبَط من جبل إلى واد قيل لَهُ أهبط. قالُوا: وأيْضًا فبنو إسرائيل كانُوا يَسِيرُونَ ويرحلون، والَّذِي يسير ويرحل إذا جاءَ بَلْدَة يُقال نزل فِيها لأن من عادَته أن يركب في مسيره فَإذا وصل نزل عَن دوابه، ويُقال نزل العَدو بِأرْض كَذا ونزل القفل ونَحْوه. وَلَفظ النُّزُول كَلَفْظِ الهبوط فَلا يسْتَعْمل نزل وهَبَطَ إلا إذا كانَ من علو إلى سفل وقالَ تَعالى عقب قَوْله ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو ولكم في الأرض مُسْتَقر ومتاع إلى حِين قالَ فِيها تحيون وفيها تموتون ومِنها تخرجُونَ﴾ فَهَذا دَلِيل على أنهم لم يَكُونُوا قبل ذَلِك في مَكان فِيهِ يحيون وفِيه يموتون ومِنه يخرجُون، والقُرْآن صَرِيح في أنهم إنما صارُوا إليه بعد الإهباط. قالُوا ولَو لم يكن في هَذِه إلا قصَّة آدم ومُوسى لكانَتْ كافِيَة فَإن مُوسى إنَّما لامَ آدم عَلَيْهِ السَّلام لما حصل لَهُ ولذريته من الخُرُوج من الجنَّة من النكد والمَشَقَّة، فَلَو كانَت بستانا في الأرض لَكانَ غَيره من بساتين الأرض يعوض عَنهُ، ومُوسى أعظم قدرا من أن يلومه على أن أخرج نَفسه وذريته من بُسْتان في الأرض. قالُوا وكَذَلِكَ قَول آدم يَوْم القِيامَة لما يرغب إليه النّاس أن يستفتح لَهُم باب الجنَّة فَيَقُول: "وَهل أخرجكم مِنها إلا خَطِيئَة أبيكم" فَإن ظُهُور هَذا في كَونها جنَّة الخلد وأنه اعتذر لَهُم بأنه لا يحسن مِنهُ أن يستفتحها وقد أخرج مِنها بخطيئته من أظهر الأدلة. قالَ الأولون أما قَوْلكُم إن من قالَ إنها جنَّة في الأرض فَهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة أوْ من إخوانهم فقد أوجدناكم من قالَ بِهَذا ولَيْسَ من أحد من هَؤُلاءِ ومشاركة أهل الباطِل للمحق في المسألة لا يدل على بُطْلانها ولا تكون إضافتها لَهُم مُوجبَة لبطلانها ما لم يخْتَص بها فَإن أردتم أنه لم يقل بذلك إلّا هَؤُلاءِ فَلَيْسَ كَذَلِك، وإن أردتم أن هَؤُلاءِ من جملَة القائمين بِهَذا لم يفدكم شَيْئا. قالُوا: وأما قَوْلكُم وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هَذا القَوْل فَنحْن نطالبكم بِنَقْل صَحِيح عَن واحِد من الصَّحابَة ومن بعدهمْ من أئمة السّلف فضلا عَن اتِّفاقهم. قالُوا: ولا يُوجد عَن صاحب ولا تابع ولا تابع تابع خبر يَصح مَوْصُولا ولا شاذا ولا مَشْهُورا أن النَّبِي ﷺ قالَ إن الله تَعالى أسكن آدم جنَّة الخلد الَّتِي هي دار المُتَّقِينَ يَوْم المعاد. قالُوا وهَذا القاضِي مُنْذر بن سعيد قد حكى عَن غير واحِد من السّلف أنها لَيست جنَّة الخلد فَقالَ ونحن نوجدكم أن أبا حنيفَة فَقِيه العراق ومن قالَ بقوله قد قالُوا إن جنَّة آدم الَّتِي خلقها الله لَيست جنَّة الخلد، ولَيْسوا عند أحد من العالمين من الشاذين بل من رُؤَساء المُخالفين، وهَذِه الدَّواوِين مشحونة من علومهم. وَقد ذكرنا قَول ابْن عُيَيْنَة وقد ذكر ابْن مزين في تَفْسِيره قالَ سَألت ابْن نافِع عَن الجنَّة أمخلوقة؟ فَقالَ السُّكُوت عَن هَذا أفضل. قالُوا: فَلَو كانَ عند ابْن نافِع أن الجنة الَّتِي أسكنها آدم هي جنَّة الخلد لم يشك أنها مخلوقة ولم يتَوَقَّف في ذَلِك. وَقالَ ابْن قُتَيْبَة في كِتابه غَرِيب القُرْآن في قوله تَعالى: ﴿وَقُلْنا اهبطوا مِنها﴾ قالَ ابْن عَبّاس رضى الله عَنْهُما في رِوايَة أبي صالح هو كَما يُقال هَبَط فلان أرْض كَذا وكَذا ولم يذكر في كِتابه غَيره فَأيْنَ إجماع سلف الأمة وأئمتها؟ قالُوا وأما احتجاجكم بقوله تَعالى: ﴿وَلكم في الأرض مُسْتَقر﴾ عقيب قَوْله ﴿اهبطوا﴾ فَهَذا لا يدل على أنهم كانُوا في جنَّة الخلد فإن أحد الأقوال في المسألة أنها كانَت جنَّة في السَّماء غير جنَّة الخلد كَما حَكاهُ الماوَرْدِيّ في تفسره وقد تقدم. وَأيْضًا فَإن قَوْله ﴿وَلكم في الأرض مُسْتَقر﴾ يدل على أن لَهُم مُسْتَقرًّا إلى حِين في الأرض المنقطعة عَن الجنَّة ولا بُد فَإن الجنَّة أيضا لَها أرْض قالَ تَعالى عَن أهل الجنَّة ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ (٧٤)﴾ فَدلَّ على أن قَوْله ﴿وَلكم في الأرض مُسْتَقر﴾ المُراد بِهِ الأرض الخالية من تِلْكَ الجنَّة لا كل ما يُسمى أرضا وكانَ مستقرهم الأول في أرْض الجنَّة ثمَّ صار في أرْض الِابْتِلاء والامتحان ثمَّ يصير مُسْتَقر المُؤمنِينَ يَوْم الجَزاء أرْض الجنَّة أيضا، فَلا تدل الآية على أن جنَّة آدم هي جنَّة الخلد. قالُوا وهَذا هو الجَواب بِعَيْنِه عَن استدلالكم بقوله تَعالى: ﴿قالَ فِيها تحيون وفيها تموتون ومِنها تخرجُونَ﴾ فإن المُراد بِهِ الأرض الَّتِي اهبطوا إليها وجعلت مسكنا لَهُم بدل الجنَّة، وهَذا تَفْسِير المستقر المَذْكُور في البَقَرَة مَعَ تضمنه ذكر الإخراج مِنها. قالُوا: وأما قوله تَعالى لإبليس ﴿اهبط مِنها فَما يكون لَك أن تتكبر فِيها﴾ وقولكم إن هَذا إنما هو في الجنَّة الَّتِي في السَّماء وإلا فجنة الأرض لم يمْنَع إبليس من التكبر فِيها فَهو دَلِيل لنا في المسألة فَإن جنَّة الخلد لا سَبِيل لإبليس إلى دُخُولها والتكبر فِيها أصلا، وقد أخبر تَعالى أنه وسوس لآدم وزوجه وكذبهما وغرهما وخانهما وتكبر عَلَيْهِما وحسدهما وهما حِينَئِذٍ في الجنَّة، فَدلَّ على أنها لم تكن جنَّة الخلد، ومحال أن يصعد إليها بعد إهباطه وإخراجه مِنها. قالُوا والضَّمِير في قَوْله ﴿اهبطوا مِنها﴾ إمّا أن يكون عائِدًا إلى السَّماء كَما هو أحد القَوْلَيْنِ. وعَلى هَذا فَيكون سُبْحانَهُ قد أهبطه من السَّماء عقب امْتِناعه من السُّجُود، وأخْبر أنه لَيْسَ لَهُ أن يتكبر ثمَّ تكبر وكذب وخان في الجنَّة، فَدلَّ على أنها لَيست في السَّماء، أوْ يكون عائِدًا إلى الجنَّة على القَوْل الآخر. وَلا يلْزم من هَذا القَوْل أن تكون الجنَّة الَّتِي كان فِيها آدم وغره وقاسمه كاذِبًا في تِلْكَ الَّتِي أهبط مِنها بل القُرْآن يدل على أنها غَيرها كَما ذَكرْناهُ. فعلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تدل الآية على أن الجنَّة الَّتِي جرى لآدم مَعَ إبليس ما جرى فِيها هي جنَّة الخلد. قالُوا: وأما قَوْلكُم إن بني إسرائيل كانُوا بجبال السراة المشرفة على الأرض الَّتِي يهبطون وهم كانُوا يَسِيرُونَ ويرحلون فَلذَلِك قيل لَهُم ﴿اهبطوا﴾ فَهَذا حق لا ننازعكم فِيهِ، وهو بِعَيْنِه جَواب لنا فَإن الهبوط يدل على أن تِلْكَ الجنَّة كانَت أعلى من الأرض الَّتِي اهبطوا إليها. وأما كَونها جنَّة الخلد فَلا. قالُوا: والفرق بَين قَوْله ﴿اهبطوا مصرا﴾ وقَوله ﴿اهبطوا مِنها﴾ فَإن الأول لنهاية الهبوط وغايته، وهبطوا مِنها مُتَضَمّن لمبدئه وأوله لا تَأْثِير لَهُ فِيما نَحن فِيهِ، فَإن هَبَط من كَذا إلى كَذا يتَضَمَّن معنى الِانْتِقال من مَكان عال إلى مَكان سافل، فَأي تَأْثِير لابتداء الغايَة ونهايتها في تعْيين مَحل الهبوط بِأنَّهُ جنَّة الخلد؟ قالُوا: وأما قصَّة مُوسى ولومه لآدَم على إخراجه من الجنَّة فَلا يدل على أنَّها جنَّة الخلد، وقولكم لا يظنّ بمُوسى أنه يلوم آدم على إخْراجه نَفسه وذريته من بُسْتان في الأرض تشنيع لا يُفِيد شَيْئا أفَترى كانَ ذَلِك بستانا مثل آحاد هَذِه البَساتِين المقطوعة المهوعة الَّتِي هي عرضة الآفات والتعب والنّصب والظمأ والحرث والسقي والتلقيح وسائِر وُجُوه النصب الَّذِي يلْحق هَذِه البَساتِين؟ وَلا ريب أن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام أعلم وأجل من أن يلوم آدم على خُرُوجه وإخْراج بنيه من بُسْتان هَذا شَأْنه، ولَكِن من قالَ بِهَذا وإنَّما كانَت جنَّة لا يلْحقها آفَة ولا تَنْقَطِع ثمارها ولا تغور أنهارها ولا يجوع ساكنها ولا يظمأ ولا يضحى للشمس ولا يعرى، ولا يمسهُ فِيها التَّعَب والنّصب والشقاء، ومثل هَذِه الجنَّة يحسن لوم الإنسان على التَّسَبُّب في خُرُوجه مِنها. قالُوا: وأما اعتذار آدم عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام يَوْم القِيامَة لأهل الموقف بِأن خطيئته هي الَّتِي أخرجته من الجنَّة فَلا يحسن أن يستفتحها لَهُم، فَهَذا لا يسْتَلْزم أن تكون هي بِعَينها الَّتِي أخرج مِنها بل إذا كانَت غَيرها كانَ أبلغ في الِاعْتِذار فَإنَّهُ إذا كانَ الخُرُوج من غير جنَّة الخلد حصل بِسَبَب الخَطِيئَة فَكيف يَلِيق استفتاح جنَّة الخلد والشفاعة فِيها ثمَّ خرج من غَيرها بخطيئة؟ فَهَذا موقف نظر الفَرِيقَيْنِ ونِهايَة أقْدام الطّائِفَتَيْنِ فَمن كانَ لَهُ فضل علم في هَذِه المسألة فليجد بِهِ، فَهَذا وقت الحاجة إليه ومن علم مُنْتَهى خطوته ومِقْدار بضاعته فليكل الأمر إلى عالمه ولا يرضى لنَفسِهِ بالتنقيص والإزراء عَلَيْهِ، وليكن من أهل التلول الَّذين هم نظارة الحَرْب إذا لم يكن من أهل الكر والفر والطعن والضَّرْب، فقد تلاقت الفحول وتطاعنت الأقران وضاق بهم المجال في حلبة هَذا الميدان ؎إذا تلاقى الفحول في لجب ∗∗∗ فَكيف حال الغصيص في الوسط هَذِه معاقد حجج الطّائِفَتَيْنِ مجتازة ببابك وإليك تساق وهَذِه بضائع تجار العلماء يُنادي عَلَيْها في سوق الكساد لا في سوق النّفاق، فَمن لم يكن لَهُ بِهِ شَيْء من أسباب البَيان والتبصرة فَلا يعْدم من قد استفرغ وسعه وبذل جهده مِنهُ التصويب والمعذرة، ولا يرضى لنَفسِهِ بشر الخطتين وأبخس الحظين، جهل الحق وأسبابه ومعاداة أهله وطلابه، وإذا عظم المَطْلُوب وأعوزك الرفيق الناصح العَلِيم، فارحل بهمتك من بَين الأموات، وعَلَيْك بمعلم إبْراهِيم فقد ذكرنا في هَذِه المسألة من النقول والأدلة والنكت البديعة ما لَعَلَّه لا يُوجد في شَيْء من كتب المصنفين، ولا يعرف قدره إلا من كانَ من الفُضَلاء المنصفين. وَمن الله سُبْحانَهُ الاستمداد، وعَلِيهِ التَّوَكُّل وإليه الِاسْتِناد، فَإنَّهُ لا يخيب من توكل عَلَيْهِ، ولا يضيع من لاذَ بِهِ وفوض أمره إليه، وهو حَسبنا ونعم الوَكِيل. (فصل) وَلما أهبطه سُبْحانَهُ من الجنَّة وعرضه وذريته لأنواع المحن والبَلاء أعطاهم أفضل مِمّا مَنعهم وهو عهده الَّذِي عهد إليه وإلى بنيه وأخْبر أنه من تمسك بِهِ مِنهُم صار إلى رضوانه ودار كرامته قالَ تَعالى عقب إخراجه مِنها ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ وَفِي الآية الأخرى ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى (١٢٣) ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى (١٢٦)﴾ فَلَمّا كَسره سُبْحانَهُ بإهباطه من الجنَّة جبره وذريته بِهَذا العَهْد الَّذِي عَهده إليهم فَقالَ تَعالى ﴿فإما يَأْتينكم مني هدى﴾ وهَذِه هي إن الشّرطِيَّة المُؤَكّدَة بِما الدّالَّة على استغراق الزَّمان. والمعْنى أي وقت وأي حِين أتاكم مني هدى، وجعل جَواب هَذا الشَّرْط جملَة شَرْطِيَّة وهِي قَوْله ﴿فَمن اتبع هُدايَ فَلا يضل ولا يشقى﴾ كَما تَقول إن زرتني فَمن بشرني بقدومك فَهو حر. وَجَواب الشَّرْط يكون جملَة تامَّة إما خَبرا مَحْضا كَقَوْلِك أن زرتني أكرمتك، أوْ خَبرا مَقْرُونا بِالشّرطِ كَهَذا، أو مؤكدا بالقسم أوْ بِإنْ واللّام كَقوله تَعالى: ﴿وَإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ وإما طلبا كَقَوْل النَّبِي ﷺ "إذا سالَتْ فاسأل الله، وإذا استعنت فاسْتَعِنْ بِاللَّه" وَقَوله "وَإذا لقيتموهم فاصْبِرُوا" وَقوله تَعالى: ﴿وَإذا حللتم فاصطادوا﴾، ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشهر الحرم فاقْتُلُوا المُشْركين حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وأكْثر ما يَأْتِي هَذا النَّوْع مَعَ إذا الَّتِي تفِيد تَحْقِيق وُقُوع الشَّرْط لسر وهو إفادته تحقيق الطلب عند تَحْقِيق الشَّرْط فَمَتى تحقق الشَّرْط فالطلب مُتَحَقق، فَأتى بـ (إذا) الدّالَّة على تَحْقِيق الشَّرْط فَعلم تَحْقِيق الطّلب عِنْدها. وَقد يَأْتِي مَعَ (إنْ) قَلِيلا كَقوله تَعالى: ﴿وَإن كَذبُوك فَقل لي عَمَلي ولكم عَمَلكُمْ﴾ وإما جملَة إنشائية كَقَوْلِه لعَبْدِهِ الكافِر: إن أسلمت فأنت حر، ولأمرأته: إن فعلت كَذا فأنت طالِق. فَهَذا إنشاء لِلْعِتْقِ والطَّلاق عند وجود الشَّرْط على رَأْي أوْ إنشاء لَهُ حال التَّعْلِيق ويتأخر نُفُوذه إلى حِين وجود الشَّرْط على رَأْي آخر. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فجواب الشَّرْط جملَة إنشائية والمَقْصُود أن جَواب الشَّرْط في الآية المَذْكُورَة جملَة شَرْطِيَّة وهِي قَوْله ﴿فَمن تبع هُدايَ فلا خوف عَلَيْهِم ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وهَذا الشَّرْط يقتضي ارتباط الجُمْلَة الأولى بِالثّانِيَةِ ارتباط العلَّة بالمعلول والسَّبَب بالمسبب، فَيكون الشَّرْط الَّذِي هو ملزوم عِلّة ومقتضيا للجزاء الَّذِي هو لازم فَإن كانَ بَينهما تلازم من الطَّرفَيْنِ كانَ وجود كل مِنهُما بِدُونِ دُخُول الآخر مُمْتَنعا كدخول الجنَّة بالإسلام وارتفاع الخَوْف والحزن والضلال والشقاء مَعَ مُتابعَة الهوى، وهَذِه هي عامَّة شُرُوط القُرْآن والسّنة فَإنَّها أسباب وعلل، والحكم ينتفى بِانْتِفاء علته. وَإن كانَ التلازم بَينهما من أحد الطَّرفَيْنِ كانَ الشَّرْط ملزوما خاصّا والجَزاء لازِما عاما، فَمَتى تحقق الشَّرْط المَلْزُوم الخاص تحقق الجَزاء اللّازِم العام، ولا يلْزم العَكْس كَما يُقال: إن كانَ هَذا إنسانا فَهو حَيَوان، وإن كانَ البيع صَحِيحا فالملك ثابت. وَهَذا غالب ما يَأْتِي في قِياس الدّلالَة حَيْثُ يكون الشَّرْط دَلِيلا على الجَزاء فَيلْزم من وجوده وجود الجَزاء، لأن الجَزاء لازمه ووُجُود المَلْزُوم يسْتَلْزم وجود اللّازِم، ولا يلْزم من عَدمه عدم الجَزاء، وإن وقع هَذا الشَّرْط بَين عِلّة ومعلول فَإن كانَ الحكم مُعَللا بعلل صَحَّ ذَلِك وجاز أن يكون الجَزاء أعم من الشَّرْط كَقَوْلِك: إن كانَ هَذا مُرْتَدا فَهو حَلال الدَّم، فَإن حل الدَّم أعم من حلّه بِالرّدَّةِ إلّا أن يُقال إن حكم العلَّة المعينَة ينتفي بانتفائها، وإن ثَبت الحكم بعلة أخرى فَهو حكم آخر. وأما حكم العلَّة المعينَة فمحال أن ينفي مَعَ زَوالها، وحِينَئِذٍ فَيَعُود التلازم من الطَّرفَيْنِ ويلْزم من وجود كل واحِد من الشَّرْط والجَزاء وجود الآخر، ومن عَدمه عَدمه. وَتَمام تَحْقِيق هَذا في مسألة تَعْلِيل الحكم الواحِد بعلتين، ولِلنّاسِ فِيهِ نزاع مَشْهُور. وَفصل الخطاب فِيها أن الحكم الواحِد إن كانَ واحِدًا بالنوع كحل الدَّم وثُبُوت الملك ونقض الطَّهارَة جازَ تَعْلِيله بالعلل المُخْتَلفَة. وَإن كانَ واحِدًا بِالعينِ كحل الدَّم بِالرّدَّةِ وثُبُوت الملك بِالبيعِ أو الميراث ونَحْو ذَلِك لم يجز تَعْلِيله بعلتين مختلفتين. وبِهَذا التَّفْصِيل يَزُول الِاشْتِباه في هَذِه المَسْألَة. والله أعْلَم. وَمن تَأمل أدلة الطّائِفَتَيْنِ وجد كل ما احْتج بِهِ من رأى تَعْلِيل الحكم بعلل مُخْتَلفَة إنَّما يدل على تَعْلِيل الواحِد بالنوع بها، وكل من نفى تَعْلِيل الحكم بعلتين إنَّما يتم دَلِيله على نفي تَعْلِيل الواحِد بِالعينِ بهما فالقولان عند التَّحْقِيق يرجعان إلى شَيْء واحِد. والمَقْصُود أن الله سُبْحانَهُ جعل اتِّباع هداه وعَهده الَّذِي عَهده إلى آدم سَببا ومقتضيا لعدم الخَوْف والحزن والضلال والشقاء، وهَذا الجَزاء ثابت بِثُبُوت الشَّرْط مُنْتَفٍ بانتفائه كَما تقدم بَيانه. وَنفي الخَوْف والحزن عَن مُتبع الهدى نفي لجَمِيع أنواع الشرور، فَإن المَكْرُوه الَّذِي ينزل بِالعَبدِ مَتى علم بحصوله فَهو خائِف مِنهُ أن يَقع بِهِ، وإذا وقع بِهِ فَهو حَزِين على ما أصابَهُ مِنهُ فَهو دائِما في خوف وحزن، وكل خائِف حَزِين فَكل حَزِين خائِف، وكل من الخَوْف والحزن يكون على فعل المحبوب وحُصُول المَكْرُوه، فالأقسام أربعة خوف من فَوت المحبوب، وحُصُول المَكْرُوه، وهَذا جماع الشَّرّ كُله فنفى الله سُبْحانَهُ ذَلِك عَن مُتبع هداه الَّذِي أنزلهُ على ألسنة رسله، وأتى في نفي الخَوْف بِالِاسْمِ الدّال على نفي الثُّبُوت واللزوم فَإن أهل الجنَّة لا بُد لَهُم من الخَوْف في الدُّنْيا وفي البرزخ ويَوْم القِيامَة حَيْثُ يَقُول آدم وغَيره من الأنبياء "نَفسِي نَفسِي" فَأخْبر سُبْحانَهُ أنهم وإن خافُوا فَلا خوف عَلَيْهِم أي لا يلحقهم الخَوْف الَّذِي خافُوا مِنهُ، وأتى في نفي الحزن بِالفِعْلِ المُضارع الدّال على نفي التجدد والحدوث أي لا يلحقهم حزن ولا يحدث لَهُم إذا لم يذكرُوا ما سلف مِنهُم بل هم في سرُور دائِم لا يعرض لَهُم حزن على ما فاتَ. وَأما الخَوْف فَلَمّا كانَ تعلقه بالمستقبل دون الماضِي نفي لُحُوقه لَهُم جملَة أي الَّذِي خافُوا مِنهُ لا ينالهم ولا يلم بهم والله أعْلَم. فالحزين إنَّما يحزن في المُسْتَقْبل على ما مضى، والخائف إنَّما يخاف في الحال مِمّا يسْتَقْبل. ﴿فَلا خوف عَلَيْهِم﴾ أي لا يلحقهم ما خافُوا مِنهُ، ولا يعرض لَهُم حزن على ما فاتَ. وَقالَ في الآية الأخرى ﴿فَمن اتبع هُدايَ فَلا يضل ولا يشقى﴾ فنفى عَن مُتبع هداه أمرين الضلال والشقاء قالَ عبد الله بن عَبّاس رضى الله عَنْهُما تكفل الله لمن قَرَأ القُرْآن وعمل بِما فِيهِ أن لا يضل في الدُّنْيا ولا يشقى في الآخرة ثمَّ قَرَأ ﴿فَإما يأتينكم مني هدى فَمن اتبع هُدايَ فَلا يضل ولا يشقى﴾ والآية نفت مُسَمّى الضلال والشقاء عَن مُتبع الهدى مُطلقًا فاقتضت الآية أنه لا يضل في الدُّنْيا ولا يشقى ولا يضل في الآخرة ولا يشقى فِيها، فَإن المَراتِب أربعة: هدى وشقاوة في الدُّنْيا، وهدى وشقاوة في الآخرة، لَكِن ذكر ابْن عَبّاس رضى الله عَنْهُما في كل دار أظهر مرتبتيها فَذكر الضلال في الدُّنْيا إذْ هو أظهر لنا وأقرب من ذكر الضلال في الآخرة. وَأيْضًا فضلال الدُّنْيا أضل ضلال في الآخرة، وشقاء الآخرة مُسْتَلْزم للضلال فِيها فنبه بِكُل مرتبَة على الأُخْرى، فنبه بِنَفْي ضلال الدُّنْيا على نفي ضلال الآخرة، فَإن العَبْد يَمُوت على ما عاشَ عَلَيْهِ، ويبْعَث على ما ماتَ عَلَيْهِ قالَ الله تَعالى في الآية الأُخْرى ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى (١٢٦)﴾ وَقالَ في الآية الأخرى ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ فَأخْبر أن من كانَ في هَذِه الدّار ضالًّا فَهو في الآخرة أضل. وأما نفي شقاء الدُّنْيا فقد يُقال إنه لما انْتَفى عَنهُ الضلال فِيها وحصل لَهُ الهدى والهدى فِيهِ من برد اليَقِين وطمأنينة القلب وذاق طعم الإيمان فَوجدَ حلاوته وفرحة القلب بِهِ وسروره والتنعيم بِهِ ومصير القلب حَيا بالإيمان مستنيرا بِهِ قَوِيا بِهِ قد نالَ بِهِ غذاؤه ورواءه وشفاءه وحياته ونوره وقوته ولذته ونعيمه ما هو من أجل أنواع النَّعيم وأطيب الطَّيِّبات وأعظم اللَّذّات قالَ الله تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ فَهَذا خبر أصدق الصّادِقين ومخبره عند أهله عين اليَقِين بل هو حق اليَقِين، ولا بُد لكل من عمل صالحا أن يحييه الله حَياة طيبَة بِحَسب إيمانه وعَمله، ولَكِن يغلط الجفاة الأجلاف في مُسَمّى الحَياة حَيْثُ يظنونها التنعم في أنْواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح، أوْ لَذَّة الرياسة والمال وقهر الأعداء والتفنن بأنواع الشَّهَوات. وَلا ريب أن هَذِه لَذَّة مُشْتَركَة بَين البَهائِم بل قد يكون حَظّ كثير من البَهائِم مِنها أكثر من حَظّ الإنسان، فَمن لم تكن عِنْده لَذَّة إلا اللَّذَّة الَّتِي تشاركه فِيها السباع والدَّواب والأنعام فَذَلِك مِمَّن يُنادى عَلَيْهِ من مَكان بعيد، ولَكِن أيْنَ هَذِه اللَّذَّة من اللَّذَّة بِأمْر إذا خالط بشاشته القُلُوب سلى عَن الأبناء والنِّساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن ورضى بِتَرْكِها كلها والخُرُوج مِنها رَأْسا، وعرض نَفسه لأنواع المكاره والمشاق وهو متحل بِهَذا منشرح الصَّدْر بِهِ يطيب لَهُ قتل ابْنه وأبِيهِ وصاحبته وأخيه لا تَأْخُذهُ في ذَلِك لومة لائم حَتّى أن أحدهم ليتلقى الرمْح بصدره ويَقُول: فزت ورَبِّ الكَعْبَة، ويستطيل الآخر حَياته حَتّى يلقي قوته من يَده ويَقُول: إنها لحياة طَوِيلَة إن صبرت حَتّى آكلها ثمَّ يتَقَدَّم إلى المَوْت فَرحا مَسْرُورا. وَيَقُول الآخر مَعَ فقره لَو علم المُلُوك وأبناء المُلُوك ما نَحن عَلَيْهِ لجالدونا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ. وَيَقُول الآخر إنه ليمر بِالقَلْبِ أوقات يرقص فِيها طَربا. وَقالَ بعض العارفين إنه لتمر بِي أوقات أقول فِيها إن كانَ أهل الجنَّة في مثل هَذا إنهم لفي عَيْش طيب. وَمن تَأمل قَول النَّبِي ﷺ لما نَهاهُم عَن الوِصال فَقالُوا إنك تواصل فَقالَ "إني لست كهيئتكم إنِّي أظل عند رَبِّي يطعمني ويسقيني" علم أن هَذا طَعام الأرواح وشرابها وما يفِيض عَلَيْها من أنْواع البَهْجَة واللذة والسُّرُور والنَّعِيم الَّذِي رَسُول الله ﷺ في الذرْوَة العليا مِنهُ، وغَيره إذا تعلق بغباره رأى ملك الدُّنْيا ونَعِيمها بِالنِّسْبَةِ إليه هباء منثورا بل باطِلا وغرورا. وَغلط من قالَ إنه كانَ يَأْكُل ويشْرب طَعاما وشَرابًا يغتذى بِهِ بدنه لوجوه: أحدها أنه قالَ أظل عند رَبِّي يطعمني ويسقيني، ولَو كانَ أكلا وشربا لم يكن وصالا ولا صوما. الثّانِي أن النَّبِي ﷺ أخبرهم أنهم لَيْسُوا كَهَيْئَته في الوِصال، فَإنَّهُم إذا واصلوا تضرروا بذلك. وأما هو فَإنَّهُ إذا واصل لا يتَضَرَّر بالوصال، فَلَو كانَ يَأْكُل ويشْرب لَكانَ الجَواب وأنا أيضا لا أواصل بل آكل وأشرب كَما تَأْكُلُونَ وتشربون، فَلَمّا قررهم على قَوْلهم إنك تواصل ولم يُنكره عَلَيْهِم دلّ على أنه كانَ مواصلا وأنه لم يكن يَأْكُل أكلا وشربا يفْطر الصّائِم. الثّالِث أنه لَو كانَ أكلا وشربا يفْطر الصّائِم لم يَصح الجَواب بالفارق بَينهم وبَينه فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يكون هو وهم مشتركون في عدم الوِصال فَكيف يَصح الجَواب بقوله "لست كهيئتكم" وهَذا أمْر يُعلمهُ غالب النّاس أن القلب مَتى حصل لَهُ ما يفرحه ويسره من نيل مَطْلُوبه ووصال حَبِيبه أوْ ما يغمه ويسؤوه ويحزنه شغل عَن الطَّعام والشراب حَتّى أن كثيرا من العشاق تمر بِهِ الأيام لا يَأْكُل شَيْئا ولا تطلب نَفسه أكلا وقد أفصح القائِل في هَذا المَعْنى ؎لَها أحاديث من ذكراك تشغلها ∗∗∗ عَن الشَّراب وتلهيها عَن الزّاد ؎لَها بِوَجْهِك نور تستضيء بِهِ ∗∗∗ ومن حَدِيثك في أعقابها حادي ؎إذْ اشتكت من كلال السّير أوْ عدها ∗∗∗ روح القدوم فتحيا عند ميعاد والمَقْصُود أن الهدى مُسْتَلْزم لسعادة الدُّنْيا وطيب الحَياة والنَّعِيم العاجل وهو أمر يشْهد بِهِ الحس والوجد وأما سَعادَة الآخرة فغيب يعلم بالإيمان فَذكرها ابْن عَبّاس رضى الله عَنْهُما لكَونها أهم وهِي الغايَة المَطْلُوبَة وضلال الدُّنْيا أظهر وبالنجاة مِنهُ ينجو من كل شَرّ وهو أضل ضلال الآخرة وشقائها فَلذَلِك ذكره وحده والله أعْلَم.

البقرة 2:45

وقد صح عن النبي أنه قال: يقول الله تعالى: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ". وفي لفظ: " كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وما ذاك إلا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها كما في الحديث نفسه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ولهذا قال النبي لمن سأله عن أفضل الأعمال: " عليك بالصوم فإنه لا عدل له" ولما كان الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فإنه حبس النفس عن إجابة داعي شهوة الطعام والشراب والجماع فسر الصبر في قوله تعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أنه الصوم وسمى رمضان شهر الصبر. وقال بعض السلف الصوم نصف الصبر وذلك أن الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب فإن النفس تشتهي الشيء لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن إجابة داعي الأمرين وقد أشار إلى ذلك النبي في الحديث الصحيح وهو قوله: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل إني صائم " فأرشد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن الصائم ينبغى له أن يحتمى من إفسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره كما قال في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ". قالوا ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون﴾ فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى ﴿والله مع الصابرين﴾ لا شيء يعدل معيته لعبده كما قال بعض العارفين: ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة لأنهم نالوا معية الله. وقال تعالى ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصبر لحكمه. وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وما عليها وهي صلواته تعالى عليهم ورحمته لهم وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولي العزم من الرسل. وقد تقدم ذكر ذلك. قالوا وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر والاستكثار منها حال الشاكر قالوا وقد سئل المسيح صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ولم يلتفت إليه وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة الله تعالى أيهما أفضل؟ فقال الذي لم يلتفت إليه وأعرض عنه أفضل عند الله قالوا ويدل على صحة هذا أن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ولو أخذها لأنفقها في مرضاة الله وطاعته فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها قالوا وقد علم أن الكمال الإنساني في ثلاثة أمور علوم يعرفها وأعمال يعمل بها وأحوال ترتب له على علومه وأعماله وأفضل العلم والعمل والحال العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الآخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها، وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة وإلا فهو في الدنيا وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملا للمعارضات التي عليه والمحن التي امتحن بها وإلا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك، وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها بحسب إفضائها إلى هذه المعرفة وبعدها فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذي خلق له فهو أشرف مما دونه وكذلك الأعمال فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب إفضائها إلى المقصود وهكذا يجب أن يكون فإن كل ما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها.

البقرة 2:47

(فصل) وأما المسألة الثامنة: وهي أنه خص أهل السعادة بالهداية دون غيرهم فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين وهي أنه هل لله على الكافر نعمة أم لا فمن ناف محتج بهذه وبقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فخص هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه ولقوله لعباده المؤمنين ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة فأي نعمة على من خلق للعذاب الأبدي ومن مثبت محتج بقوله ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وقوله لليهود: ﴿يا بَنِي إسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا خطاب لهم في حال كفرهم وبقوله في سورة النحل التي عدد فيها نعمه المشتركة على عباده من أولها إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ وهذا نص صريح لا يحتمل صرفا واحتجوا بأن البر والفاجر والمؤمن والكافر كلهم يعيش في نعمة الله وكل أحد مقر لله تعالى بأنه إنما يعيش في نعمته وهذا معلوم بالاضطرار عند جميع أصناف بني آدم إلا من كابر وجحد حق الله تعالى وكفر بنعمته " وفصل الخطاب في المسألة أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم ومطلق النعمة عام للخليقة كلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فالنعمة المطلقة التامة هي المتصلة بسعادة الأبد وبالنعيم المقيم فهذه غير مشتركة ومطلق النعمة عام مشترك فإذا أراد النافي سلب النعمة المطلقة للكافر أخطأ وإن أراد إثبات مطلق النعمة أصاب وبهذا تتفق الأدلة ويزول النزاع ويتبين أن كل واحد من الفريقين معه خطأ وصواب والله الموفق للصواب. وأما قوله تعالى: ﴿يابَنِي إسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ فإنما يذكرهم بنعمته على آبائهم ولهذا يعددها واحدة واحدة بأن أنجاهم من آل فرعون وأن فرق بهم البحر وأن وعد موسى أربعين ليلة فضلوا بعده ثم تاب عليهم وعفا عنهم وبأن ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من نعمه التي يعددها عليهم وإنما كانت لأسلافهم وآبائهم فأمرهم أن يذكروها ليدعوهم ذكرهم لها إلى طاعته والإيمان برسله والتحذير من عقوبته بما عاقب به من لم يؤمن برسوله ولم ينقد لدينه وطاعته وكانت نعمته على آبائهم نعمة منه عليهم تستدعي منهم شكرا فكيف تجعلون مكان الشكر عليها كفركم برسولي وتكذيبكم له ومعاداتكم إياه وهذا لا يدل على أن نعمته المطلقة التامة حاصلة لهم في حال كفرهم. والله أعلم.

البقرة 2:49

قوله تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا﴾ ﴿وَإذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ ﴿وَإذْ فَرَقْنا﴾ وهو كثير جدا بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في (إذ) لأن الكلام في سياق تعداد النعم وتكرار الأقاصيص فيشير بالواو العاطفة إليها كأنها مذكورة في اللفظ لعلم المخاطب بالمراد ولما خفي هذا على بعض ظاهرية النحاة قال إن أو زائدة هنا وليس كذلك ومن هذا الباب الواو المتضمنة معنى رب فإنك تجدها في أول الكلام كثيرا إشارة منهم إلى تعداد المذكور بعدها من فخر أو مدح أو غير ذلك فهذه كلها معان مضمرة في النفس وهذه الحروف عاطفة عليها وربما صرحوا بذلك المضمر كقول ابن مسعود: "دع ما في نفسك وإن أفتوك عنه وأفتوك" ومن هذا الباب حذف كثير من الأجوبة في القرآن لدلالة الواو عليها لعلم المخاطب أن الواو عاطفة ولا يعطف بها إلا على شيء كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ وكقوله تعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وهذا الباب واسع في اللغة فهذا ما في هذه المسألة وكان قد وقع لي هذا بعينه أمام المقام بمكة وكان يجول في نفسي فأضرب عنه صفحا لأني لم أره في مباحث القوم ثم رأيته بعد لفاضلين من النحاة أحدهما حام حوله وما ورد ولا أعرف اسمه والثاني أبو القاسم السهيلي رحمه الله فإنه كشفه وصرح به وإذا لاحت الحقائق فكن أسعد الناس بها وإن جفاها الأغمار والله الموفق للصواب.

البقرة 2:62

وَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصّابِئُ المُسْتَحْدِثُ سِوى دِينِهِ دِينًا كالمُرْتَدِّ مِن أهْلِ الإسْلامِ عَنْ دِينِهِ، وكُلُّ خارِجٍ مِن دِينٍ كانَ عَلَيْهِ إلى آخَرَ غَيْرِهِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ صابِئًا، يُقالُ مِنهُ: صَبَأ فُلانٌ يَصْبَأُ صَبَأً، ويُقالُ: صَبَأتِ النُّجُومُ إذا طَلَعَتْ، وصَبَأ عَلَيْنا فُلانٌ إذا طَلَعَ. قُلْتُ: الصّابِئَةُ أُمَّةٌ كَبِيرَةٌ فِيهِمُ السَّعِيدُ والشَّقِيُّ، وهي إحْدى الأُمَمِ المُنْقَسِمَةِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَإنَّ الأُمَمَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ نَوْعانِ: نَوْعٌ كُفّارٌ أشْقِياءُ كُلُّهم لَيْسَ فِيهِمْ سَعِيدٌ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ والمَجُوسِ. وَنَوْعٌ مُنْقَسِمُونَ إلى سَعِيدٍ وشَقِيٍّ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئَةُ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ النَّوْعَيْنِ في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وَكَذَلِكَ قالَ في المائِدَةِ. وقالَ في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، فَلَمْ يَقُلْ هاهُنا: مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُمُ المَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا فَذَكَرَ سِتَّ أُمَمٍ، مِنهُمُ اثْنَتانِ شَقِيَّتانِ، وأرْبَعٌ مِنهم مُنْقَسِمَةٌ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وحَيْثُ وعَدَ أهْلَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِنهم بِالأجْرِ ذَكَرَهم أرْبَعَ أُمَمٍ لَيْسَ إلّا. فَفِي آيَةِ الفَصْلِ بَيْنَ الأُمَمِ أدْخَلَ مَعَهُمُ الأُمَّتَيْنِ، وفي آيَةِ الوَعْدِ بِالجَزاءِ لَمْ يُدْخِلْها مَعَهُمْ، فَعُلِمَ أنَّ الصّابِئِينَ فِيهِمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ والشَّقِيُّ والسَّعِيدُ وهَذِهِ أُمَّةٌ قَدِيمَةٌ قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى وهم أنْواعٌ: صابِئَةٌ حُنَفاءُ وصابِئَةٌ مُشْرِكُونَ. وَكانَتْ حَرّانُ دارَ مَمْلَكَةِ هَؤُلاءِ قَبْلَ المَسِيحِ، ولَهم كُتُبٌ وتَآلِيفُ وعُلُومٌ، وكانَ في بَغْدادَ مِنهم طائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهم إبْراهِيمُ بْنُ هِلالٍ الصّابِئُّ صاحِبُ " الرَّسائِلِ " وكانَ عَلى دِينِهِمْ ويَصُومُ رَمَضانَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأكْثَرُهم فَلاسِفَةٌ ولَهم مَقالاتٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَها أصْحابُ المَقالاتِ. وَجُمْلَةُ أمْرِهِمْ أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ ولا يُوجِبُونَ اتِّباعَهُمْ، وعِنْدَهم أنَّ مَنِ اتَّبَعَهم فَهو سَعِيدٌ ناجٍ وأنَّ مَن أدْرَكَ بِعَقْلِهِ ما دَعَوْا إلَيْهِ فَوافَقَهم فِيهِ وعَمِلَ بِوَصاياهم فَهو سَعِيدٌ وإنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِهِمْ. فَعِنْدَهُمْ: دَعْوَةُ الأنْبِياءِ حَقٌّ ولا تَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِلنَّجاةِ وهم يُقِرُّونَ أنَّ لِلْعالَمِ صانِعًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا مُنَزَّهًا عَنْ مُماثَلَةِ المَصْنُوعاتِ، ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم أوْ أكْثَرَهم قالُوا: نَحْنُ عاجِزُونَ عَنِ الوُصُولِ إلى جَلالِهِ بِدُونِ الوَسائِطِ، والواجِبُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِتَوَسُّطِ الرُّوحانِيِّينَ المُقَدَّسِينَ المُطَهَّرِينَ عَنِ المَوادِّ الجُسْمانِيَّةِ، المُبَرَّئِينَ عَنِ القُوى الجَسَدِيَّةِ المُنَزَّهِينَ عَنِ الحَرَكاتِ المَكانِيَّةِ والتَّغْيِيراتِ الزَّمانِيَّةِ بَلْ قَدْ جُبِلُوا عَلى الطَّهارَةِ وفُطِرُوا عَلى التَّقْدِيسِ.

البقرة 2:65

(دَلِيلُ تَحْرِيمِ الحِيَلِ) وَتَلْخِيصُ هَذا أنَّ الحِيَلَ المُحَرَّمَةَ مُخادَعَةٌ لِلَّهِ، ومُخادَعَةُ اللَّهِ حَرامٌ: أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى فَإنَّ الصَّحابَةَ والتّابِعِينَ - وهم أعْلَمُ الأُمَّةِ بِكَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ومَعانِيهِ - سَمَّوْا ذَلِكَ خِداعًا، وأمّا الثّانِيَةُ فَإنَّ اللَّهَ ذَمَّ أهْلَ الخِداعِ، وأخْبَرَ أنَّ خِداعَهم إنّما هو لِأنْفُسِهِمْ، وأنَّ في قُلُوبِهِمْ مَرَضًا، وأنَّهُ تَعالى خادِعُهُمْ، فَكُلُّ هَذا عُقُوبَةٌ لَهُمْ، ومَدارُ الخِداعِ عَلى أصْلَيْنِ؛ أحَدُهُما: إظْهارُ فِعْلٍ لِغَيْرِ مَقْصُودِهِ الَّذِي جَعَلَ لَهُ، الثّانِي: إظْهارُ قَوْلٍ لِغَيْرِ مَقْصُودِهِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ، وهَذا مُنْطَبِقٌ عَلى الحِيَلِ المُحَرَّمَةِ، وقَدْ عاقَبَ اللَّهُ تَعالى المُتَحَيِّلِينَ عَلى إسْقاطِ نَصِيبِ المَساكِينِ وقْتَ الجِدادِ بِجَدِّ جَنَّتِهِمْ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِ ثِمارِهِمْ، فَكَيْفَ بِالمُتَحَيِّلِ عَلى إسْقاطِ فَرائِضِ اللَّهِ وحُقُوقِ خَلْقِهِ؟ ولَعَنَ أصْحابَ السَّبْتِ ومَسَخَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ عَلى احْتِيالِهِمْ عَلى فِعْلِ ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ قالَ: رَمَوْا الحِيتانَ في السَّبْتِ، ثُمَّ أرْجَئُوها في الماءِ، فاسْتَخْرَجُوها بَعْدَ ذَلِكَ، فَطَبَخُوها فَأكَلُوها، واللَّهِ أوْخَمُ أكْلَةٍ أكْلَةٌ أسْرَعَتْ في الدُّنْيا عُقُوبَةً وأسْرَعَتْ عَذابًا في الآخِرَةِ، واللَّهِ ما كانَتْ لُحُومُ الحِيتانِ تِلْكَ بِأعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن دِماءِ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ، إلّا أنَّهُ عَجَّلَ لِهَؤُلاءِ وأخَّرَ لِهَؤُلاءِ. وَقَوْلُهُ: " رَمَوْها في السَّبْتِ " يَعْنِي احْتالُوا عَلى وُقُوعِها في الماءِ يَوْمَ السَّبْتِ كَما بَيَّنَ غَيْرُهُ أنَّهم حَفَرُوا لَها حِياضًا ثُمَّ فَتَحُوها عَشِيَّةَ الجُمُعَةِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّهم باشَرُوا رَمْيَها يَوْمَ السَّبْتِ؛ إذْ لَوْ اجْتَرَءُوا عَلى ذَلِكَ لاسْتَخْرَجُوها، قالَ شَيْخُنا: وهَؤُلاءِ لَمْ يَكْفُرُوا بِالتَّوْراةِ وبِمُوسى، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ تَأْوِيلًا واحْتِيالًا ظاهِرُهُ ظاهِرُ الِاتِّقاءِ وحَقِيقَتُهُ حَقِيقَةُ الِاعْتِداءِ، ولِهَذا واللَّهُ أعْلَمُ - مُسِخُوا قِرَدَةً لِأنَّ صُورَةَ القِرْدِ فِيها شَبَهٌ مِن صُورَةِ الإنْسانِ، وفي بَعْضِ ما يُذْكَرُ مِن أوْصافِهِ شَبَهٌ مِنهُ، وهو مُخالِفٌ لَهُ في الحَدِّ والحَقِيقَةِ، فَلَمّا مَسَخَ أُولَئِكَ المُعْتَدُونَ دِينَ اللَّهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَسَّكُوا إلّا بِما يُشْبِهُ الدِّينَ في بَعْضِ ظاهِرِهِ دُونَ حَقِيقَتِهِ مَسَخَهم اللَّهُ قِرَدَةً تُشْبِهُ الإنْسانَ في بَعْضِ ظاهِرِهِ دُونَ الحَقِيقَةِ، جَزاءً وِفاقًا. وَيُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أكَلُوا الرِّبا وأمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، وهو أعْظَمُ مِن أكْلِ الصَّيْدِ في يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، ولَمْ يُعاقِبْ أُولَئِكَ بِالمَسْخِ كَما عُوقِبَ بِهِ مَن اسْتَحَلَّ الحَرامَ بِالحِيلَةِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ لَمّا كانُوا أعْظَمَ جُرْمًا كانَتْ عُقُوبَتُهم أعْظَمَ، فَإنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنافِقِينَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ ولا يَعْتَرِفُونَ بِالذَّنْبِ بَلْ قَدْ فَسَدَتْ عَقِيدَتُهم وأعْمالُهُمْ، بِخِلافِ مَن أكَلَ الرِّبا وأمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ والصَّيْدَ المُحَرَّمَ عالِمًا بِتَحْرِيمِهِ فَإنَّهُ يَقْتَرِنُ بِمَعْصِيَتِهِ اعْتِرافُهُ بِالتَّحْرِيمِ وخَشْيَتُهُ لِلَّهِ واسْتِغْفارُهُ وتَوْبَتُهُ يَوْمًا ما، واعْتِرافُهُ بِأنَّهُ مُذْنِبٌ عاصٍ، وانْكِسارُ قَلْبِهِ مِن ذُلِّ المَعْصِيَةِ، وازْدِراؤُهُ عَلى نَفْسِهِ، ورَجاؤُهُ لِمَغْفِرَةِ رَبِّهِ لَهُ، وعَدُّ نَفْسِهِ مِن المُذْنِبِينَ الخاطِئِينَ، وهَذا كُلُّهُ إيمانٌ يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى خَيْرٍ، بِخِلافِ الماكِرِ المُخادِعِ المُحْتالِ عَلى قَلْبِ دِينِ اللَّهِ، ولِهَذا حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ مِن ارْتِكابِ الحِيَلِ فَقالَ: «لا تَرْتَكِبُوا ما ارْتَكَبَتْ اليَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحارِمَ اللَّهِ بِأدْنى الحِيَلِ» وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ القَرْيَةَ أوْ هَذِهِ الفَعْلَةِ الَّتِي فَعَلَها بِأهْلِها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ. فَحَقِيقٌ بِمَن اتَّقى اللَّهَ وخافَ نَكالَهُ أنْ يَحْذَرَ اسْتِحْلالَ مَحارِمِ اللَّهِ بِأنْواعِ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لا يُخَلِّصُهُ مِن اللَّهِ ما أظْهَرَهُ مَكْرًا وخَدِيعَةً مِن الأقْوالِ والأفْعالِ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّ لِلَّهِ يَوْمًا تَكِعُّ فِيهِ الرِّجالُ، وتُنْسَفُ فِيهِ الجِبالُ، وتَتَرادَفُ فِيهِ الأهْوالُ، وتَشْهَدُ فِيهِ الجَوارِحُ والأوْصالُ، وتُبْلى فِيهِ السَّرائِرُ، وتَظْهَرُ فِيهِ الضَّمائِرُ، ويَصِيرُ الباطِلُ فِيهِ ظاهِرًا، والسِّرُّ عَلانِيَةً، والمَسْتُورُ مَكْشُوفًا، والمَجْهُولُ مَعْرُوفًا، ويُحَصَّلُ ويَبْدُو ما في الصُّدُورِ، كَما يُبَعْثَرُ ويَخْرُجُ ما في القُبُورِ، وتَجْرِي أحْكامُ الرَّبِّ تَعالى هُنالِكَ عَلى القُصُودِ والنِّيّاتِ، كَما جَرَتْ أحْكامُهُ في هَذِهِ الدّارِ عَلى ظَواهِرِ الأقْوالِ والحَرَكاتِ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ بِما في قُلُوبِ أصْحابِها مِن النَّصِيحَةِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ وما فِيها مِن البِرِّ والصِّدْقِ والإخْلاصِ لِلْكَبِيرِ المُتَعالِ، وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ بِما في قُلُوبِ أصْحابِها مِن الخَدِيعَةِ والغِشِّ والكَذِبِ والمَكْرِ والِاحْتِيالِ، هُنالِكَ يَعْلَمُ المُخادِعُونَ أنَّهم لِأنْفُسِهِمْ كانُوا يَخْدَعُونَ، وبِدِينِهِمْ كانُوا يَلْعَبُونَ، وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ. ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]. فإن أرادوا بذلك: إنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ظاهر. وإن أرادوا: أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُ كم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. فإنه لا إجمال في الأمر، ولا في الفعل، ولا في المذبوح، فقد جاء رسول الله ﷺ بالحق من أول مرة. قال محمد بن جرير: وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى "الآن جئت بالحق" وزعم أن ذلك نفى منهم أن يكون موسى عليه السلام أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، قال: وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم الذي قالوا لموسى جهلا منهم، وهفوة من هفواتهم.

البقرة 2:67

الجَهْلُ نَوْعانِ: عَدَمُ العِلْمِ بِالحَقِّ النّافِعِ، وعَدَمُ العَمَلِ بِمُوجَبِهِ ومُقْتَضاهُ، فَكِلاهُما جَهْلٌ لُغَةً وعُرْفًا وشَرْعًا وحَقِيقَةً، قالَ مُوسى ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لَمّا قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ أيْ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، وقالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ﴿وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] أيْ مِن مُرْتَكِبِي ما حَرَّمْتَ عَلَيْهِمْ، وقالَ تَعالى ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] قالَ قَتادَةُ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ كُلَّ ما عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أجْمَعَ الصَّحابَةُ أنَّ كُلَّ مَن عَصى اللَّهَ فَهو جاهِلٌ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا وَسُمِّيَ عَدَمُ مُراعاةِ العِلْمِ جَهْلًا، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَهْلِ، وإمّا لِجَهْلِهِ بِسُوءِ ما تَجْنِي عَواقِبُ فِعْلِهِ.

البقرة 2:72

(فصل) ومن تلاعب الشيطان باليهود في حياة نبيهم أيضا: ما قصه الله سبحانه وتعالى في كتابه من قصة القتيل الذي قتلوه وتدافعوا فيه، حتى أمروا بذبح بقرة وضربه ببعضها. وفى القصة أنواع من العبر: منها: أن الإخبار بها من أعلام نبوه رسول الله تعالى عليه وآله وسلم. ومنها: الدلالة على نبوة موسى، وأنه رسول رب العالمين. ومنها: الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم: من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم. ومنها: إثبات الفاعل المختار، وأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، عدل لا يجوز عليه الظلم والجور، حكيم لا يجوز عليه العبث. ومنها: إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتنوعات، زيادة في هداية المهتدين، وإعذار وإنذارا للضال. ومنها: أنه لا ينبغي مقابلة أمر الله تعالى بالتعنت، وكثرة الأسئلة، بل يبادر إلى الامتثال، فإنهم لما أمروا أن يذبحوا بقرة كان الواجب عليهم أن يبادروا إلى الامتثال بذبح أي بقرة اتفقت فإن الأمر بذلك لا إجمال فيه ولا إشكال، بل هو بمنزلة قوله: أعتق رقبة، وأطعم مسكينا، وصم يوما، ونحو ذلك، ولذلك غلط من احتج بالآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فإن الآية غنية عن البيان المنفصل، مبينة بنفسها، ولكن لما تعنتوا وشدودا شدد عليهم. قال أبو جعفر بن جرير عن الربيع عن أبي العالية "لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها. ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم". ومنها: أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإنكار. وذلك نوع من الكفر. فإن القوم لما قال لهم نبيهم: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُ كم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةَ﴾ [البقرة: ٦٧]. قابلوا هذا الأمر بقولهم: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]. فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه، قالوا: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]. وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله. فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك، ولم يكن هو الآمر به. ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك. فلما قال لهم: ﴿أعُوذَ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلينَ﴾ [البقرة: ٦٧]. وتيقنوا أن الله سبحانه أمره بذلك، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها. فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها. فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال، توقفوا في الامتثال، ولم يكادوا يفعلون. ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]. فإن أرادوا بذلك: إنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ظاهر. وإن أرادوا: أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُ كم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. فإنه لا إجمال في الأمر، ولا في الفعل، ولا في المذبوح، فقد جاء رسول الله ﷺ بالحق من أول مرة. قال محمد بن جرير: وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى "الآن جئت بالحق" وزعم أن ذلك نفى منهم أن يكون موسى عليه السلام أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، قال: وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم الذي قالوا لموسى جهلا منهم، وهفوة من هفواتهم. ومنها: الإخبار عن قساوة قلوب الأمة وغلظها، وعدم تمكن الإيمان فيها. قال عبد الصمد بن معقل عن وهب: كان ابن عباس يقول "إن القوم بعد أن أحيى الله تعالى الميت فأخبرهم بقاتله، أنكروا قتله. وقالوا: والله ما قتلناه، بعد أن رأوا الآيات والحق" قال الله تعالى: ﴿ثمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذلِكَ فَهِى كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]. ومنها: مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعا وقدرا. فإن القاتل قصده ميراث المقتول، ودفع القتل عن نفسه، ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث المقتول. ومنها: أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من بين سائر الدواب. ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة. والبقر من أبلد الحيوان، حتى ليضرب به المثل. والظاهر: أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل. ففى الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقى، لا يصلح أن يكون إلها معبودا من دون الله تعالى، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقى والعمل.

البقرة 2:73

(فصل) ومن تلاعب الشيطان باليهود في حياة نبيهم أيضا: ما قصه الله سبحانه وتعالى في كتابه من قصة القتيل الذي قتلوه وتدافعوا فيه، حتى أمروا بذبح بقرة وضربه ببعضها. وفى القصة أنواع من العبر: منها: أن الإخبار بها من أعلام نبوه رسول الله تعالى عليه وآله وسلم. ومنها: الدلالة على نبوة موسى، وأنه رسول رب العالمين. ومنها: الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم: من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم. ومنها: إثبات الفاعل المختار، وأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، عدل لا يجوز عليه الظلم والجور، حكيم لا يجوز عليه العبث. ومنها: إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتنوعات، زيادة في هداية المهتدين، وإعذار وإنذارا للضال. ومنها: أنه لا ينبغي مقابلة أمر الله تعالى بالتعنت، وكثرة الأسئلة، بل يبادر إلى الامتثال، فإنهم لما أمروا أن يذبحوا بقرة كان الواجب عليهم أن يبادروا إلى الامتثال بذبح أي بقرة اتفقت فإن الأمر بذلك لا إجمال فيه ولا إشكال، بل هو بمنزلة قوله: أعتق رقبة، وأطعم مسكينا، وصم يوما، ونحو ذلك، ولذلك غلط من احتج بالآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فإن الآية غنية عن البيان المنفصل، مبينة بنفسها، ولكن لما تعنتوا وشدودا شدد عليهم. قال أبو جعفر بن جرير عن الربيع عن أبي العالية "لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها. ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم". ومنها: أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإنكار. وذلك نوع من الكفر. فإن القوم لما قال لهم نبيهم: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُ كم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةَ﴾ [البقرة: ٦٧]. قابلوا هذا الأمر بقولهم: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]. فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألوه عنه، قالوا: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧]. وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله. فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك، ولم يكن هو الآمر به. ولو كان هو الآمر به لم يجز لمن آمن بالرسول أن يقابل أمره بذلك. فلما قال لهم: ﴿أعُوذَ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلينَ﴾ [البقرة: ٦٧]. وتيقنوا أن الله سبحانه أمره بذلك، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولونها. فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة عن عينها. فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال، توقفوا في الامتثال، ولم يكادوا يفعلون. ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]. فإن أرادوا بذلك: إنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردة وكفر ظاهر. وإن أرادوا: أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُ كم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. فإنه لا إجمال في الأمر، ولا في الفعل، ولا في المذبوح، فقد جاء رسول الله ﷺ بالحق من أول مرة. قال محمد بن جرير: وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى "الآن جئت بالحق" وزعم أن ذلك نفى منهم أن يكون موسى عليه السلام أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك كفر منهم، قال: وليس الأمر كما قال عندنا، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قولهم الذي قالوا لموسى جهلا منهم، وهفوة من هفواتهم. ومنها: الإخبار عن قساوة قلوب الأمة وغلظها، وعدم تمكن الإيمان فيها. قال عبد الصمد بن معقل عن وهب: كان ابن عباس يقول "إن القوم بعد أن أحيى الله تعالى الميت فأخبرهم بقاتله، أنكروا قتله. وقالوا: والله ما قتلناه، بعد أن رأوا الآيات والحق" قال الله تعالى: ﴿ثمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذلِكَ فَهِى كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]. ومنها: مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعا وقدرا. فإن القاتل قصده ميراث المقتول، ودفع القتل عن نفسه، ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث المقتول. ومنها: أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من بين سائر الدواب. ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة. والبقر من أبلد الحيوان، حتى ليضرب به المثل. والظاهر: أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل. ففى الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقى، لا يصلح أن يكون إلها معبودا من دون الله تعالى، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقى والعمل.

البقرة 2:74

قال عبد الصمد بن معقل عن وهب: كان ابن عباس يقول "إن القوم بعد أن أحيى الله تعالى الميت فأخبرهم بقاتله، أنكروا قتله. وقالوا: والله ما قتلناه، بعد أن رأوا الآيات والحق" قال الله تعالى: ﴿ثمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذلِكَ فَهِى كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾. ومنها: مقابلة الظالم الباغى بنقيض قصده شرعا وقدرا. فإن القاتل قصده ميراث المقتول، ودفع القتل عن نفسه، ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث المقتول. ومنها: أن بنى إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من بين سائر الدواب. ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة. والبقر من أبلد الحيوان، حتى ليضرب به المثل. والظاهر: أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل. ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي، لا يصلح أن يكون إلها معبودا من دون الله تعالى، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل.

البقرة 2:80

فهذا مطالبته لهم بتصحيح دعواهم وترديد لهذه المطالبة بين أمرين لا بد من واحد منهما وقد تعين بطلان أحدهما فلزم ثبوت الآخر فإن قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلاّ أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ خبر عن غيب لا يعلم إلا بالوحي فإما أن يكون قولا على الله بلا علم فيكون كاذبا وإما أن يكون مستندا إلى وحي من الله وعهد عهده إلى المخبر وهذا منتف قطعا فتعين أن يكون خبرا كاذبا قائله كاذب على الله تعالى.

البقرة 2:83

(فائدة) قال قائل أراني إذا دعيت باسمي دون لقبي شق ذلك عليَّ جدا بخلاف السلف فإنهم كانوا يدعون بأسمائهم. فقيل له هذا لمخالفة العادات لأن أنس النفوس بالعادة طبيعة ثابتة، ولأن الاسم عن السلف لم يكن عندهم دالا على قلة رتبة المدعو، واليوم صارت المنازل في القلوب تعلم بأمارة الاستدعاء، فإذا قصر دل على تقصير رتبته فيقع السخط لما وراء الاستدعاء، فلما صارت المخاطبات موازين المقادير شق على المحطوط من رتبته قوة كما يشق عليه فعلا.

البقرة 2:85

فهذه حجة من الله احتج بها على أهل الكتاب فإنه كان قد أخذ عليهم الميثاق أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يجليه عن دياره وأن يفدي بعضهم بعضا من الأسر فهذه ثلاث عهود خالفوا منها عهدين وأخذوا بالثالث فقتل بعضهم بعضا وأخرجه من دياره ثم فادوا أسراهم لأن الله أمرهم بذلك فإن كنتم قد فاديتم الأسارى لأن الله أمركم بفدائهم فلم قتلتم بعضكم بعضا وأخرجتموهم من ديارهم والله وقد نهاكم عن ذلك والأخذ ببعض الكتاب يوجب عليكم الأخذ بجميعه فكيف تكفرون ببعض الكتاب وتؤمنون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون. (فصل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ فهذا هو الذي تسميه النظار والفقهاء التشهي والتحكم فيقول أحدهم لصاحبه لا حجة لك على ما ادعيت سوى التشهي والتحكم الباطل فإن جاءك ما لا تشتهيه دفعته ورددته وإن كان القول موافقا لما تهواه وتشتهيه إما من تقليد من تعظمه أو موافقة ما تريده قبله وأجزته فترد ما خالف هواك وتقبل ما وافق هواك وهذا الاحتجاج والذي قبله مفحمان للخصم لا جواب له وعليهما ألبتة فإن الأخذ ببعض الكتاب يوجب الأخذ بجميعه والتزام بعض شرائعه يوجب التزام جميعها ولا تجوز أن تكون الشرائع تابعة للشهوات إذ لو كان الشرع تابعا للهوى والشهوة لكان في الطباع ما يغني عنه وكانت شهوة كل أحد وهواه شرعا له ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.

البقرة 2:86

فَأيُّ عُقُوبَةٍ أعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ مَن أهْمَلَ نَفْسَهُ وضَيَّعَها، ونَسِيَ مَصالِحَها وداءَها ودَواءَها، وأسْبابَ سَعادَتِها وفَلاحِها وصَلاحِها وحَياتِها الأبَدِيَّةِ في النَّعِيمِ المُقِيمِ؟ وَمَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ أكْثَرَ هَذا الخَلْقِ قَدْ نَسُوا حَقِيقَةَ أنْفُسِهِمْ وضَيَّعُوها وأضاعُوا حَظَّها مِنَ اللَّهِ، وباعُوها رَخِيصَةً بِثَمَنٍ بَخْسٍ بَيْعَ الغَبْنِ، وإنَّما يَظْهَرُ لَهم هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ويَظْهَرُ هَذا كُلَّ الظُّهُورِ يَوْمَ التَّغابُنِ، يَوْمَ يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ أنَّهُ غُبِنَ في العَقْدِ الَّذِي عَقَدَهُ لِنَفْسِهِ في هَذِهِ الدّارِ، والتِّجارَةِ الَّتِي اتَّجَرَ فِيها لِمَعادِهِ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَّجِرُ في هَذِهِ الدُّنْيا لِآخِرَتِهِ. فالخاسِرُونَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أهْلُ الرِّبْحِ والكَسْبِ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا وحَظَّهم فِيها ولَذّاتِهِمْ، بِالآخِرَةِ وحَظِّهِمْ فِيها، فَأذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، واسْتَمْتَعُوا بِها، ورَضُوا بِها، واطْمَأنُّوا إلَيْها، وكانَ سَعْيُهم لِتَحْصِيلِها، فَباعُوا واشْتَرَوْا واتَّجَرُوا وباعُوا آجِلًا بِعاجِلٍ، ونَسِيئَةً بِنَقْدٍ، وغائِبًا بِناجِزٍ، وقالُوا: هَذا هو الحَزْمُ، ويَقُولُ أحَدُهُمْ: خُذْ ما تَراهُ ودَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ فَكَيْفَ أبِيعُ حاضِرًا نَقْدًا مُشاهَدًا في هَذِهِ الدّارِ بِغائِبٍ نَسِيئَةً في دارٍ أُخْرى غَيْرِ هَذِهِ؟ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ ضَعْفُ الإيمانِ وقُوَّةُ داعِي الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ والتَّشَبُّهُ بِبَنِي الجِنْسِ، فَأكْثَرُ الخَلْقِ في هَذِهِ التِّجارَةِ الخاسِرَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ في أهْلِها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾، وقالَ فِيهِمْ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، فَإذا كانَ يَوْمُ التَّغابُنِ ظَهَرَ لَهُمُ الغَبْنُ في هَذِهِ التِّجارَةِ، فَتَتَقَطَّعُ عَلَيْهِمُ النُّفُوسُ حَسَراتٍ. وَأمّا الرّابِحُونَ فَإنَّهم باعُوا فانِيًا بِباقٍ، وخَسِيسًا بِنَفِيسٍ، وحَقِيرًا بِعَظِيمٍ، وقالُوا: ما مِقْدارُ هَذِهِ الدُّنْيا مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، حَتّى نَبِيعَ حَظَّنا مِنَ اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ بِها؟ فَكَيْفَ يَنالُ العَبْدُ مِنها في هَذا الزَّمَنِ القَصِيرِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ كَغَفْوَةِ حُلْمٍ، لا نِسْبَةَ لَهُ إلى دّارِ القَرارِ ألْبَتَّةَ: قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها - فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها - إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها - إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها - كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٢-٤٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنين: ١١٢-١١٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا - يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا - نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢-١٠٤]. فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الدُّنْيا عِنْدَ مُوافاةِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَمّا عَلِمُوا قِلَّةَ لُبْثِهِمْ فِيها، وأنَّ لَهم دارًا غَيْرَ هَذِهِ الدّارِ، هي دارُ الحَيَوانِ ودارُ البَقاءِ - رَأوْا مِن أعْظَمِ الغَبْنِ بَيْعَ دارِ البَقاءِ بِدارِ الفَناءِ، فاتَّجَرُوا تِجارَةَ الأكْياسِ، ولَمْ يَغْتَرُّوا بِتِجارَةِ السُّفَهاءِ مِنَ النّاسِ، فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ التَّغابُنِ رِبْحُ تِجارَتِهِمْ ومِقْدارُ ما اشْتَرَوْهُ، وكُلُّ أحَدٍ في هَذِهِ الدُّنْيا بائِعٌ مُشْتَرٍ مُتَّجِرٌ، وكُلُّ النّاسِ يَغْدُو فَبائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها أوْ مَوْبِقُها.

البقرة 2:88

قد اختلف في معنى قولهم «قُلُوبُنا غُلْفٌ». فقالت طائفة: المعنى قلوبنا أوعية للحكمة والعلم. فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به؟ أوَلا تحتاج إليك؟ وعلى هذا فيكون «غلف» جمع غلاف. والصحيح: قول أكثر المفسرين: إن المعنى قلوبنا لا تفقهه، ولا تفهم ما تقول. وعلى هذا فهو جمع أغلف، كأحمر وحمر. قال أبو عبيدة: كل شيء في غلاف فهو أغلف، كما يقال: سيف أغلف، وقوس أغلف، ورجل أغلف، غير مختون. وقال ابن عباس وقتادة: على قلوبنا غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول. هذا هو الصواب في معنى الآية لتكرر نظائره في القرآن. كقولهم: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ ونظائر ذلك. وأما قول من قال: هي أوعية للحكمة، فليس في اللفظ ما يدل عليه ألبتة. وليس له في القرآن نظير يحمل عليه، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل: قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم. والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء. فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة. وهذا ظاهر جدا. فإن قيل: فالإضراب: «بل» على هذا القول الذي قويتموه، ما معناه؟ أما على القول الآخر فظاهر، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع عليها. قيل: وجه الإضراب في غاية الظهور. وهو أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه. فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أنّ قلوبهم خلقت في غلف، فهم معذورون في عدم الإيمان. فأكذبهم الله وقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيمان. فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة. والمعنى: لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه، ثم أمرهم بالإيمان، وهم لا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها.

البقرة 2:89

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ فهذه حجة أخرى على اليهود في تكذيبهم بمحمد ﷺ فإنهم كانوا يحاربون جيرانهم من العرب في الجاهلية ويستنصرون عليهم بالنبي ﷺ قبل ظهوره فيفتح لهم وينصرون فلما ظهر النبي ﷺ كفروا به وجحدوا نبوته فاستفتاحهم به وجحد نبوته مما لا يجتمعان فإن كان استفتاحهم به لأنه نبي كان جحد نبوته محالا وإن كان جحد نبوته كما يزعمون حقا كان استفتاحهم به باطلا فإن كان استفتاحهم به حقا فنبوته حق وإن كانت نبوته كما يقولون باطلا فاستفتاحهم به باطل وهذا مما لا جواب لأعدائه عنه ألبتة ويمكن تقريرها على صورة عديدة: منها: أن يقال قد أقررتم قبل ظهوره باستفتاحكم به فتعين عليكم الإقرار بها بعد ظهوره الثانية: أن يقال كنتم تستفتحون به وذلك إقرار منكم بنبوته قبل ظهوره استناد إلى ما عندكم من العلم بظهوره فلما شاهدتموه وصار المعلوم معاينا بالرؤية فالتصديق به حينئذ يكون أولى فكفرتم به عند كمال المعرفة وآمنتم به حين كانت غيبا لم تكمل فآمنتم به على تقدير وجوده وكفرتم به عند تحقق وجوده فأي تناقض وعناد أبلغ من هذا. الثالثة: أن يقال إيمانكم به لازم لاستفتاحكم به ووجود الملزوم بدون لازمه محال الرابعة: أن يقال استفتاحكم به هل كان عن دليل أولا عن دليل فلا بد أن يقولوا كان عن دليل وحينئذ يجب طرد الدليل والقول بموجبه حيث وجد فأما أن يقال بموجبه في موضع ويجحد موجبه في موضع أقوى منه فمن أبطل الباطل. الخامسة: أن يقال إن كان الاستفتاح به تصديقا للنبي الذي أخبر بظهوره وقامت البراهين على صدقه فالإيمان به متعين تصديقا للنبي الأول أيضا وإن كان ترك الإيمان قبل ظهوره تكذيبا للنبي الأول فترك الإيمان به بعد ظهوره أشد تكذيبا فأنتم في كفركم به مكذبون للنبي الأول والثاني وهذا من أحسن الوجوه. السادسة: أن يقال إن كان الاستفتاح به حقا لما ظهر على يد النبي ﷺ المبشر به من المعجزات فالإيمان به عند ظهوره يكون أقوى لانضمام المعجزات التي ظهرت على يده وهي تستلزم لصدقه إلى المعجزات التي ظهرت على يد النبي ﷺ المبشر به فقويت أدلة الصدق وتظافرت براهينه. السابع: أن يقال أحد الأمرين لازم ولا بد إما خطؤكم في استفتاحكم به وإما في كفركم وتكذيبكم به فإنهما لا يمكن اجتماعهما فأيهما كان خطأ كان الآخر صوابا لكن استفتاحكم به مستند إلى الإيمان بالنبي ﷺ الأول فهو مستند إلى حق فتعين أن يكون كفرهم به هو الباطل ولا يمكن أن يقال إن التكذيب به هو الحق والاستفتاح به كان باطلا لأنه يستلزم تكذيب من أقررتم بصدقة ولا بد. الثامنة: أن يقال التصديق به قبل ظهوره من لوازم التصديق بالنبي ﷺ الأول والتكذيب به حينئذ كفر فالتصديق به بعد ظهوره كذلك وإن كان تكذيب به قبل ظهوره مستلزما للكفر بالنبي ﷺ الأول فهو بعد ظهوره أشد استلزاما فلا يجتمع التكذيب به والإيمان بالنبي ﷺ الأول أبدا لا قبل ظهوره ولا بعده أما قبل ظهوره فباعترافكم وإما بعد ظهوره فلأن دلالة صدقه حينئذ أظهر وأقوى كما تقدم بيانه. التاسعة: أن يقال الاستفتاح به تصديق وإقرار بنبوته وتكذيبه جحد وكفر بها والإيمان والتصديق برسالة الرجل الواحد والتكذيب والجحد بها مستلزم للكفر ولا بد فإنه يستلزم أحد الأمرين إما التصديق بنبوة من ليس بنبي وإما جحد نبوة من هو نبي وأيهما كان فهو كفر وقد أقررتم على أنفسكم بالكفر ولا بد فلعنه الله على الكافرين. العاشرة: تقرير الاستدلال بطريقة استسلاف المقدمات المؤاخذة بالاعتراف فيقال لهم ألستم كنتم تستفتحون به فيقولون بلى فيقال أليس الاستفتاح به إيمان به فلا بد من الاعتراف بذلك فيقال أفليس ظهور من كنتم تؤمنون به قبل وجوده موجبا عليكم الإيمان به فلا بد من الاعتراف أو العناد الصريح وليس لأعداء الله على هذا الوجوه اعتراض ألبتة سوى أن قالوا هذا كله حق ولكن ليس هذا الموجود بالذي كنا نستفتح به وهذا من أعظم البهت والعناد وإن الصفات والعلامات التي فيه طابقت ما كانت عندهم مطابقة المعلوم لعلمه فإنكار أن يكون هو إنما يكون جحدا للحق وإنكارا له باللسان والقلب يعرفه ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ فأغني عن هذه الوجوه والتقريرات كلها قوله تعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ والمادة الحق يمكن إبرازها في الصورة المتعددة وفي أي قالب أفرغت وصورة أبرزت ظهرت صحيحة وهذا شأن مواد براهين القرآن في أي صورة أبرزتها ظهرت في غاية الصحة والبيان والحمد لله المان بالهدى على عباده المؤمنين.

البقرة 2:90

فالغضب الأول: بسبب كفرهم بالمسيح، والغضب الثاني: بسبب كفرهم بمحمد، صلوات الله وسلامه عليهما.

البقرة 2:91

هذه حكاية مناظرة بين الرسول وبين اليهود لما قال لهم ﴿آمنوا بما أنزل الله﴾ فأجابوه بأن قالوا ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ ومرادهم بهذا التخصيص أن نؤمن بالمنزل علينا دون غيره فظهرت عليهم الحجة بقولهم هذا من وجهين دل عليهما قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ﴾ إلى آخر الآية. قال إن كنتم قد آمنتم بما أنزل عليكم لأنه حق فقد وجب عليكم أن تؤمنوا بما جاء به محمد لأنه حق مصدق لما معكم وحكم الحق الإيمان به أين كان ومع من كان فلزمكم الإيمان بالحقين جميعا أو الكفر الصراح وفي وقوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ﴾ نكتة بديعة جدا وهي أنهم لما كفروا به وهو حق لم يكن إيمانهم بما انزل عليهم لأجل أنه حق فإذا لم يتبعوا الحق فيما أنزل عليهم ولا فيما جاء به محمد لأنهم لو آمنوا بالمنزل عليهم أنه حق لآمنوا بالحق الثاني وأعطوا الحق حقه من الإيمان ففي ضمن هذه الشهادة عليهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الأول ولا بالثاني وهكذا الحكم في كل من فرق الحق فآمن ببعضه وكفر ببعضه كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وكمن آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعض لم ينفعه إيمانه بما كفر به حتى يؤمن بالجميع. ونظير هذا التفريق من يرد آيات الصفات وأخبارها ويقبل آيات الأوامر والنواهي فإن ذلك لا ينفعه لأنه آمن ببعض الرسالة وكفر ببعض فإن كانت الشبهة التي عرضت لمن كفر ببعض الأنبياء غير نافعة له فالشبهة التي عرضت لمن رد بعض ما جاء به النبي ﷺ أولى أن لا تكون نافعة وإن كانت هذه عذرا له فشبهة من كذب بعض الأنبياء مثلها وكما أنه لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بجميع الأنبياء ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بعضه ورد بجميعهم فكذلك لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بجميع ما جاء به الرسول فإذا آمن ببعضه فهو كمن كفر به كله. فتأمل هذا الموضع واعتبر به الناس على اختلاف طوائفهم يتبين لك أن أكثر من يدعى الإيمان برئ من الإيمان ولا حول ولا قوة إلا بالله. الوجه الثاني من النقض قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ووجه النقض أنكم إن زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم وبالأنبياء الذين بعثوا فيكم فلم قتلتموهم من قبل وفيم أنزل إليكم الإيمان بهم وتصديقهم فلا آمنتم بما انزل إليكم ولا بما أنزل على محمد ثم كأنه توقع منهم الجواب بأنا لم نقتل من ثبتت نبوته ولم نكذب به فأجيبوا على تقدير هذا الجواب الباطل منهم بأن موسى قد جاءكم بالبينات وما لا ريب في صحة نبوته ثم عبدتم بعد غيبته عنكم وأشركتم بالله وكفرتم به، وقد علمتم نبوة موسى وقيام البراهين على صدقة فقال: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ فهكذا تكون الحجج والبراهين ومناظرات الأنبياء لخصومهم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ كانوا يقولون نحن أحباء الله ولنا الدار الآخرة خالصة من دون الناس وإنما يعذب منا من عبد العجل مدة ثم يخرج من النار وذلك مدة عبادتهم له فأجابهم تبارك وتعالى عن قولهم إن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة بالمطالبة وتقسيم الأمر بين أن يكون لهم عند الله تعالى عهد عهده إليهم وبين أن يكونوا قد قالوه عليه ما لا يعلمون ولا سبيل لهم إلى ادعاء العهد فتعين الثاني. وقد تقدم ثم أجابهم عن دعواهم خلوص الآخرة لهم بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لأن الحبيب لا يكره لقاء حبيبة والابن لا يكره لقاء أبيه لا سيما إذا علم أن كرامته ومثوبته مختصة به بل أحب شيء إليه لقاء حبيبه وأبيه فحيث لم يحب ذلك ولم يتمنه فهو كاذب في قوله مبطل في دعواه. (فائدة) قال السهيلي: وأما قوله: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ فقد حكموا أنها حال مؤكدة ومعنى الحال المؤكدة أن يكون معناها كمعنى الفعل لأن التوكيد هو المؤكد في المعنى وذلك نحو قم قائما وأنا زيد معروفا هذه هي الحال المؤكدة في الحقيقة وأما ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ فليست بحال مؤكدة لأنه قال: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ وتصديقه لما معهم ليس في معنى الحق إذ ليس من شرط الحق أن يكون مصدقا لفلان ولا مكذبا له بل الحق في نفسه حق وإن لم يكن مصدقا لغيره ولكن مصدقا هنا حال من الاسم المجرور من قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾ جملة في معنى الحال أيضا والمعنى كيف تكفرون بما وراءه وهو في هذه الحال أعني مصدقا لما معكم كما تقول لا تشتم زيدا وهو أمير محسنا إليك فالجملة حال ومحسنا حال بعدها والحكمة في تقديم الجملة التي في موضع الحال على قولك محسنا ومصدقا أنك لو أخرتها لتوهم أنها في موضع الحال من الضمير الذي في محسن ومصدق ألا ترى أنك لو قلت اشتم زيدا محسنا إليك وهو أمير لذهب الوهم إلى أنك تريد محسنا إليك في هذه الحال فلما قدمتها اتضح المراد وارتفع اللبس ووجه آخر يطرد في هذه الآية وفي الآية التي في سورة فاطر: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وهو أن يكون مصدقا هاهنا حالا يعمل فيها ما دلت عليه الإشارة المنبئة عنها الألف واللام لأن الألف واللام قد تنبئ عما تنبئ عنه أسماء الإشارة. وحكى سيبويه: لمن الدار مفتوحا بابها. فقولك مفتوحا بابها حال لا يعمل فيها الاستقرار الذي يتعلق به لمن لأن ذلك خلاف المعنى المقصود وتصحيح المعنى لمن هذا الدار مفتوحا بابها فقد استغنى بذكر الألف واللام وعلم المخاطب أنه مشير وتنبه المخاطب بالإشارة إلى النظر وصار ذلك المعنى المنبه عليه عاملا في الحال، وكذلك قوله ﴿وهو الحق مصدقا﴾ كأنه يقول ذلك هو الحق مصدقا لأن الحق قديم ومعروف بالعقول والكتب المتقدمة فلما أشار نبهت الإشارة على العامل في الحال كما إذا قلت: هذا زيد قائما نبهت الإشارة المخاطب على النظر فكأنك قلت: انظر إلى زيد قائما لأن الاسم الذي هو زيد هو العامل ولكن مشعر ومنبه على المعنى العامل في الحال وذلك المعنى هو انظر ومما أغنت فيه الألف واللام عن الإشارة قولهم: اليوم قمت والساعة جئت والليلة فعلت والآن قعدت اكتفيت بالألف واللام عن أسماء الإشارة. قلت: ليس المراد بقول النحاة حال مؤكدة ما يريدون بالتأكيد في باب التوابع فالتأكيد المبوب له هناك أخص من التأكيد المراد من الحال المؤكدة وإنما مرادهم بالحال المؤكدة المقررة لمضمون الجملة بذكر الوصف الذي لا يفارق العامل ولا ينفك عنه وإن لم يكن معنى ذلك الوصف هو معنى الجملة بعينه وهذا كقولهم زيد أبوك عطوفا فإن كونه عطوفا ليس معنى كونه أباه ولكن ذكر أبوته تشعر بما يلازمها من العطف وكذلك قوله: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فإن ما بين يديه حق والحق يلازمه تصديق بعضه بعضا. وقوله: ليس من شرط الحق أن يكون مصدقا لفلان يقال ليس هذا بنظير لمسألتنا بل الحق يلزمه لزوما لا انفكاك عنه تصديق بعضه بعضا فتصديق ما بين يديه من الحق هو من جهة كونه حقا فهذا معنى قولهم إنها حال مؤكدة فافهمه والمعنى أنه لا يكون إلا على هذه الصفة وهي مقررة لمضمون الجملة فإن كونه مصدقا للحق المعلوم الثابت مقررا ومؤكدا ومبينا لكونه حقا في نفسه. وأما قوله إنها حال من المجرور في قوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ والمعنى يكفرون به مصدقا لما معهم. فهذا المعنى وإن كان صحيحا لكن ليس هو معنى الحال في القرآن حيث وقعت بهذا المعنى. وهب أن هذا يمكن دعواه في هذا الموطن فكيف يقول في قوله تعالى: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والكلام والنظم واحد وأيضا فالمعنى مع جعل مصدقا حال من قوله: ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾ أبلغ وأكمل منه إذا جعل حالا من المجرور، فإنه إذا جعل حالا من المجرور يكون الإنكار قد توجه عليهم في كفرهم به حال كونه مصدقا لما معهم، وحال كونه حقا فيكونان حالا من المجرور. أي يكفرون به في هذه الحال. وهذه الحال وإذ جعل حالا من مضمون قوله: ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾ كان المعنى يكفرون به حال كونه حقا مصدقا لما معهم فكفروا به في أعظم أحواله المستلزمة للتصديق والإيمان به وهو اجتماع كونه حقا في نفسه وتصديقه لما معهم فالكفر به عند اجتماع الوصفين فيه يكون أغلظ وأقبح وهذا المعنى والمبالغة لا تجده فيما إذا قيل يكفرون به حال كونه حقا وحال كونه مصدقا لما معهم فتأمله. فإنه بديع جدا فصح قول النحاة والمفسرين في الآية والله أعلم.

البقرة 2:94

وَقالَ بَعْضُهُمْ: الصّادِقُ الَّذِي يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَمُوتَ ولا يَسْتَحْيِيَ مِن سِرِّهِ لَوْ كُشِفَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. قُلْتُ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها لِلنّاسِ كَلامٌ مَعْرُوفٌ. قالُوا: إنَّها مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ ﷺ. أعْجَزَ بِها اليَهُودَ. ودَعاهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ. وأخْبَرَ أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا. وهَذا عَلَمٌ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، إذْ لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلى بَواطِنِهِمْ إلّا بِأخْبارِ الغَيْبِ. ولَمْ يُنْطِقِ اللَّهُ ألْسِنَتَهم بِتَمَنِّيهِ أبَدًا. وَقالَتْ طائِفَةٌ: لَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ أنَّ لَهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ عِنْدَ اللَّهِ، خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ، وأنَّهم أبْناؤُهُ وأحِبّاؤُهُ وأهْلُ كَرامَتِهِ، كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في دَعْواهم. وقالَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ. لِتَصِلُوا إلى الجَنَّةِ دارِ النَّعِيمِ، فَإنَّ الحَبِيبَ يَتَمَنّى لِقاءَ حَبِيبِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ: أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ مِنَ الأوْزارِ والذُّنُوبِ الحائِلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ ما قالُوهُ. فَقالَ ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]. وَقالَتْ طائِفَةٌ - مِنهم مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ - هَذِهِ مِن جِنْسِ آيَةِ المُباهَلَةِ، وأنَّهم لَمّا عانَدُوا، ودَفَعُوا الهُدى عَيانًا. وكَتَمُوا الحَقَّ: دَعاهم إلى أمْرٍ يَحْكُمُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ. وهو أنْ يَدْعُوا بِالمَوْتِ عَلى الكاذِبِ المُفْتَرِي. والتَّمَنِّي سُؤالٌ ودُعاءٌ، فَتَمَنَّوُا المَوْتَ، وادْعُوا بِهِ عَلى المُبْطِلِ الكاذِبِ المُفْتَرِي. وَعَلى هَذا فَلَيْسَ المُرادُ: تَمَنُّوهُ لِأنْفُسِكم خاصَّةً كَما قالَهُ أصْحابُ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ. بَلْ مَعْناهُ: ادْعُوا بِالمَوْتِ وتَمَنُّوهُ لِلْمُبْطِلِ. وهَذا أبْلَغُ في إقامَةِ الحُجَّةِ وبُرْهانِ الصِّدْقِ، وأسْلَمُ مِن أنْ يُعارِضُوا رَسُولَ اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: فَتَمَنُّوهُ أنْتُمْ أيْضًا. إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ أنَّكم أهْلُ الجَنَّةِ. لِتَقْدَمُوا عَلى ثَوابِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ. وكانُوا أحْرَصَ شَيْءٍ عَلى مُعارَضَتِهِ، فَلَوْ فَهِمُوا مِنهُ ما ذَكَرَهُ أُولَئِكَ لَعارَضُوهُ بِمِثْلِهِ. وَأيْضًا فَإنّا نُشاهِدُ كَثِيرًا مِنهم يَتَمَنّى المَوْتَ لِضُرِّهِ وبَلائِهِ، وشِدَّةِ حالِهِ. ويَدْعُو بِهِ. وهَذا بِخِلافِ تَمَنِّيهِ والدُّعاءِ بِهِ عَلى الفِرْقَةِ الكاذِبَةِ. فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ أبَدًا. ولا وقَعَ مِن أحَدٍ مِنهم في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ ألْبَتَّةَ. وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وصِدْقِهِ، وكُفْرِهِمْ بِهِ حَسَدًا وبَغْيًا. فَلا يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا. لِعِلْمِهِمْ أنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ. وَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي نَخْتارُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ مِن كِتابِهِ. وقال في (بدائع الفوائد) وفي ضمن هذه المناظرة معجزة باهرة للنبي وهي أنه في مقام المناظرة مع الخصوم الذين هم أحرص الناس على عداوته وتكذيبه وهو يخبرهم خبرا جزما أنهم لن يتمنوا الموت أبدا ولو علموا من نفوسهم أنهم يتمونه لوجدوا طريقا إلى الرد عليه بل ذلوا وغلبوا وعلموا صحة قوله وإنما منعهم من تمنى الموت معرفته بما لهم عند الله تعالى من الخزي والعذاب الأليم بكفرهم بالأنبياء وقتلهم لهم وعداوتهم لرسول الله. فإن قيل فهلا أظهروا التمني وإن كانوا كاذبين فقالوا فنحن نتمناه؟ قيل وهذا أيضا معجزة أخرى وهي أن الله تعالى حبس عن تمنيه قلوبهم وألسنتهم فلم ترده قلوبهم ولم تنطق به ألسنتهم تصديقا لقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ .

البقرة 2:97

وقالت اليهود للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "من صاحبك الذي يأتيك من الملائكة؟ فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك بالخبر؟ قال: "هو جبريل". قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالنبات والقطر والرحمة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوا لْجِبِريلَ فَإنّه نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لَمِا بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كانَ عَدُوا للهِ ومَلائِكَتِهِ ورسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنّ اللهَ عَدُوٌ لِلْكافِرِينَ﴾. والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوى والسفلى ملائكة، فهى تدبر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة، لكونهم هم المباشرين للتدبير، كقوله: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]. ويضيف التدبير إليه كقوله: ﴿إنَّ رَبَّكُم اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ فِى سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماء والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحى مِنَ المَيِّتِ ويخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحى ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ، فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١]. فهو المدبر أمرًا وإذنًا ومشيئةً، والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالًا. ﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ وتأمل قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ كيف تجد تحته برهانا عظيما على صدقه وهو مجيء الرسول الثاني بما يطابق ما جاء به الرسول الأول ويصدقه مع تباعد زمانها وشهادة أعدائه وإقرارهم له بأنه لم يتلقه من بشر ولهذا كانوا يمتحنونه بأشياء يعلمون أنه لا يخبر بها إلا بني أو من أخذ عنه وهم يعلمون أنه لم يأخذ عن أحد ألبتة ولو كان ذلك لوجد أعداؤه السبيل إلى الطعن عليه ولعارضوه بمثل ما جاء به إذ من الممكن أن لو كان ما جاء به مأخوذا عن بشر أن يأخذوهم عن ملك أو عن نظيره فيعارضوا ما جاء به والمقصود أن مطابقة ما جاء به لما أخبر به الرسول الأول من غير مواطأة ولا تشاعر ولا تلقي منه ولا ممن أخذ عنه دليل قاطع على صدق الرسولين معا. ونظير هذا أن يشهد رجل بشهادة فيخبر فيها بما يقطع به أنه صادق في شهادته صدقا لا يتطرق إليه شبهة فيجيء آخر من بلاد أخرى لم يجتمع بالأول ولم يتواطأ معه فيخبر بنظير تلك الشهادة سواء مع القطع بأنه لم يجتمع به ولا تلقاها عن أحد اجتمع به فهذا يكفى في صدقه إذا تجرد الأخبار فكيف إذا اقترن بأدلة يقطع بها بأنه صادق أعظم من الأدلة التي اقترنت بخبر الأول فيكفي في العلم بصدق الثاني مطابقة خبره لخبر الأول فكيف إذا بشر به الأول فكيف إذا أقترن بالثاني من البراهين الدالة على صدقة نظير ما اقترن بالأول وأقوى منها والله أعلم.

البقرة 2:98

وقالت اليهود للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "من صاحبك الذي يأتيك من الملائكة؟ فإنه ليس من نبي إلا يأتيه ملك بالخبر؟ قال: "هو جبريل". قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالنبات والقطر والرحمة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوا لْجِبِريلَ فَإنّه نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لَمِا بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كانَ عَدُوا للهِ ومَلائِكَتِهِ ورسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنّ اللهَ عَدُوٌ لِلْكافِرِينَ﴾. والمقصود: أن الله سبحانه وكل بالعالم العلوى والسفلى ملائكة، فهى تدبر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، فلهذا يضيف التدبير إلى الملائكة تارة، لكونهم هم المباشرين للتدبير، كقوله: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥]. ويضيف التدبير إليه كقوله: ﴿إنَّ رَبَّكُم اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ فِى سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماء والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحى مِنَ المَيِّتِ ويخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحى ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ، فَسَيَقُولُونَ الله﴾ [يونس: ٣١]. فهو المدبر أمرًا وإذنًا ومشيئةً، والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالًا. ﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ وتأمل قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ كيف تجد تحته برهانا عظيما على صدقه وهو مجيء الرسول الثاني بما يطابق ما جاء به الرسول الأول ويصدقه مع تباعد زمانها وشهادة أعدائه وإقرارهم له بأنه لم يتلقه من بشر ولهذا كانوا يمتحنونه بأشياء يعلمون أنه لا يخبر بها إلا بني أو من أخذ عنه وهم يعلمون أنه لم يأخذ عن أحد ألبتة ولو كان ذلك لوجد أعداؤه السبيل إلى الطعن عليه ولعارضوه بمثل ما جاء به إذ من الممكن أن لو كان ما جاء به مأخوذا عن بشر أن يأخذوهم عن ملك أو عن نظيره فيعارضوا ما جاء به والمقصود أن مطابقة ما جاء به لما أخبر به الرسول الأول من غير مواطأة ولا تشاعر ولا تلقي منه ولا ممن أخذ عنه دليل قاطع على صدق الرسولين معا. ونظير هذا أن يشهد رجل بشهادة فيخبر فيها بما يقطع به أنه صادق في شهادته صدقا لا يتطرق إليه شبهة فيجيء آخر من بلاد أخرى لم يجتمع بالأول ولم يتواطأ معه فيخبر بنظير تلك الشهادة سواء مع القطع بأنه لم يجتمع به ولا تلقاها عن أحد اجتمع به فهذا يكفى في صدقه إذا تجرد الأخبار فكيف إذا اقترن بأدلة يقطع بها بأنه صادق أعظم من الأدلة التي اقترنت بخبر الأول فيكفي في العلم بصدق الثاني مطابقة خبره لخبر الأول فكيف إذا بشر به الأول فكيف إذا أقترن بالثاني من البراهين الدالة على صدقة نظير ما اقترن بالأول وأقوى منها والله أعلم.

البقرة 2:102

(فائدة) والإذن أيضا نوعان كوني كقوله: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وديني أمري كقوله: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُم﴾ وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾. [فَصْلٌ: مَقاماتُ العاشِقِ] والعاشِقُ لَهُ ثَلاثُ مَقاماتٍ: مَقامُ ابْتِداءٍ، ومَقامُ تَوَسُّطٍ، ومَقامُ انْتِهاءٍ. فَأمّا مَقامُ ابْتِدائِهِ: قالُوا: يَجِبُ عَلَيْهِ مُدافَعَتُهُ بِكُلِّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، إذا كانَ الوُصُولُ إلى مَعْشُوقِهِ مُتَعَذِّرًا قَدَرًا وشَرْعًا، فَإنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وأبى قَلْبُهُ إلّا السَّفَرَ إلى مَحْبُوبِهِ - وهَذا مَقامُ التَّوَسُّطِ والِانْتِهاءِ - فَعَلَيْهِ كِتْمانُهُ ذَلِكَ، وأنْ لا يُفْشِيَهُ إلى الخَلْقِ، ولا يَشْمَتَ بِمَحْبُوبِهِ ويَهْتِكُهُ بَيْنَ النّاسِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الشِّرْكِ والظُّلْمِ، فَإنَّ الظُّلْمَ في هَذا البابِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الظُّلْمِ، ورُبَّما كانَ أعْظَمَ ضَرَرًا عَلى المَعْشُوقِ وأهْلِهِ مِن ظُلْمِهِ في مالِهِ، فَإنَّهُ يُعَرِّضُ المَعْشُوقَ بِهَتْكِهِ في عِشْقِهِ إلى وُقُوعِ النّاسِ فِيهِ، وانْقِسامِهِمْ إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، وأكْثَرُ النّاسِ يَصَدَّقُ في هَذا البابِ بِأدْنى شُبْهَةٍ، وإذا قِيلَ فُلانٌ فَعَلَ بِفُلانٍ أوْ بِفُلانَةَ، كَذَّبَهُ واحِدٌ وصَدَّقَهُ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. وَخَبَرُ العاشِقِ المُتَهَتِّكِ عِنْدَ النّاسِ في هَذا البابِ يُفِيدُ القَطْعَ اليَقِينِيَّ، بَلْ إذا أخْبَرَهُمُ المَفْعُولُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ كَذِبًا وافْتِراءً عَلى غَيْرِهِ جَزَمُوا بِصِدْقِهِ جَزْمًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، بَلْ لَوْ جَمَعَهُما مَكانٌ واحِدٌ اتِّفاقًا؛ لَجَزَمُوا أنَّ ذَلِكَ عَنْ وعْدٍ واتِّفاقٍ بَيْنَهُما، وجَزْمُهم في هَذا البابِ عَلى الظُّنُونِ والتَّخَيُّلِ والشُّبَهِ والأوْهامِ والأخْبارِ الكاذِبَةِ، كَجَزْمِهِمْ بِالحِسِّيّاتِ المُشاهَدَةِ، وبِذَلِكَ وقَعَ أهْلُ الإفْكِ في الطَّيِّبَةِ المُطَيَّبَةِ، حَبِيبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُبَرَّأةِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، بِشُبْهَةِ مَجِيءِ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ بِها وحْدَهُ خَلْفَ العَسْكَرِ حَتّى هَلَكَ مَن هَلَكَ، ولَوْلا أنْ تَوَلّى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَراءَتَها، والذَّبَّ عَنْها، وتَكْذِيبَ قاذِفِها، لَكانَ أمْرًا آخَرَ. والمَقْصُودُ: أنَّ في إظْهارِ المُبْتَلى عِشْقَ مَن لا يَحِلُّ لَهُ الِاتِّصالُ بِهِ مِن ظُلْمِهِ وأذاهُ ما هو عُدْوانٌ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ، وتَعَرُّضٌ لِتَصْدِيقِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ظُنُونَهم فِيهِ، فَإنِ اسْتَعانَ عَلَيْهِ بِمَن يَسْتَمِيلُهُ إلَيْهِ، إمّا بِرَغْبَةٍ أوْ رَهْبَةٍ، تَعَدّى الظُّلْمُ وانْتَشَرَ، وصارَ ذَلِكَ الواسِطَةُ دَيُّوثًا ظالِمًا، وإذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ لَعَنَ الرّائِشَ - وهو الواسِطَةُ بَيْنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي في إيصالِ الرِّشْوَةِ - فَما ظَنُّكَ بِالدَّيُّوثِ الواسِطَةِ بَيْنَ العاشِقِ والمَعْشُوقِ في الوَصْلِ، فَيَتَساعَدُ العاشِقُ والدَّيُّوثُ عَلى ظُلْمِ المَعْشُوقِ وظُلْمِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ غَرَضِهِ عَلى ظُلْمِهِ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ عِرْضٍ، فَإنَّ كَثِيرًا ما يَتَوَقَّفُ المَطْلُوبُ فِيهِ عَلى قَتْلِ نَفْسٍ يَكُونُ حَياتُها مانِعَةً مِن غَرَضِهِ، وكَمْ قَتِيلٍ طُلَّ دَمُهُ بِهَذا السَّبَبِ، مِن زَوْجٍ وسَيِّدٍ وقَرِيبٍ، وكَمْ خُبِّبَتِ امْرَأةٌ عَلى بَعْلِها، وجارِيَةٍ وعَبْدٍ عَلى سَيِّدِهِما، وقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن فَعَلَ ذَلِكَ وتَبَرَّأ مِنهُ، وهو مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ. وَإذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ نَهى أنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ، وأنْ يَسْتامَ عَلى سَوْمِ أخِيهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَسْعى في التَّفْرِيقِ بَيْنَ رَجُلٍ وبَيْنَ امْرَأتِهِ وأمَتِهِ حَتّى يَتَّصِلَ بِهِما؟ وَعُشّاقُ الصُّوَرِ ومُساعِدُوهم مِنَ الدَّيايِثَةِ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ ذَنْبًا، فَإنْ طَلَبَ العاشِقُ وصْلَ مَعْشُوقِهِ ومُشارَكَةَ الزَّوْجِ والسَّيِّدِ، فَفي ذَلِكَ مِن إثْمِ ظُلْمِ الغَيْرِ ما لَعَلَّهُ لا يَقْصُرُ عَنْ إثْمِ الفاحِشَةِ، وإنْ لَمْ يُرَبَّ عَلَيْها، ولا يَسْقُطُ حَقُّ الغَيْرِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الفاحِشَةِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ وإنْ أسْقَطَتْ حَقَّ اللَّهِ فَحَقُّ العَبْدِ باقٍ لَهُ المُطالَبَةُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّ مِن ظُلْمِ الوالِدِ إفْسادَ ولَدِهِ وفِلْذَةِ كَبِدِهِ، ومَن هو أعَزُّ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، فَظُلْمُ الزَّوْجِ بِإفْسادِ حَبِيبَتِهِ والجِنايَةِ عَلى فِراشِهِ - أعْظَمُ مِن ظُلْمِهِ بِأخْذِ مالِهِ كُلِّهِ، ولِهَذا يُؤْذِيهِ ذَلِكَ أعْظَمَ مِمّا يُؤْذِيهِ أخْذُ مالِهِ، ولا يَعْدِلُ ذَلِكَ عِنْدَهُ إلّا سَفْكُ دَمِهِ، فَيا لَهُ مِن ظُلْمٍ أعْظَمَ إثْمًا مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا لِغازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وُقِفَ لَهُ الجانِي الفاعِلُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ لَهُ: «خُذْ مِن حَسَناتِهِ ما شِئْتَ،» كَما أخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ. ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَما ظَنُّكُمْ؟ أيْ: فَما تَظُنُّونَ يَبْقى لَهُ مِن حَسَناتِهِ؟ فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَظْلُومُ جارًا، أوْ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، تَعَدَّدَ الظُّلْمُ فَصارَ ظُلْمًا مُؤَكَّدًا لِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وإيذاءِ الجارِ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قاطِعُ رَحِمٍ، ولا مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ. فَإنِ اسْتَعانَ العاشِقُ عَلى وِصالِ مَعْشُوقِهِ بِشَياطِينِ الجِنِّ - إمّا بِسِحْرٍ أوِ اسْتِخْدامٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ - ضُمَّ إلى الشِّرْكِ والظُّلْمِ كُفْرُ السِّحْرِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ هو ورَضِيَ بِهِ، كانَ راضِيًا بِالكُفْرِ غَيْرَ كارِهٍ لِحُصُولِ مَقْصِدِهِ، وهَذا لَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنَ الكُفْرِ. والمَقْصُودُ أنَّ التَّعاوُنَ في هَذا البابِ، تَعاوُنٌ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ. وَأمّا ما يَقْتَرِنُ بِحُصُولِ غَرَضِ العاشِقِ مِنَ الظُّلْمِ المُنْتَشِرِ المُتَعَدِّي ضَرَرُهُ فَأمْرٌ لا يَخْفى، فَإنَّهُ إذا حَصَلَ لَهُ مَقْصُودُهُ مِنَ المَعْشُوقِ، فَلِلْمَعْشُوقِ أغْراضٌ أُخَرُ يُرِيدُ مِنَ العاشِقِ إعانَتَهُ عَلَيْها، فَلا يَجِدُ مِن إعانَتِهِ بُدًّا، فَيَبْقى كُلٌّ مِنهُما يُعِينُ الآخَرَ عَلى الظُّلْمِ والعُدْوانِ، فالمَعْشُوقُ يُعِينُ العاشِقَ عَلى ظُلْمِ مَن يَتَّصِلُ بِهِ مِن أهْلِهِ وأقارِبِهِ وسَيِّدِهِ وزَوْجِهِ، والعاشِقُ يُعِينُ المَعْشُوقَ عَلى ظُلْمِ مَن يَكُونُ غَرَضُ المَعْشُوقِ مُتَوَقِّفًا عَلى ظُلْمِهِ، فَكُلٌّ مِنهُما يُعِينُ الآخَرَ عَلى أغْراضِهِ الَّتِي فِيها ظُلْمُ النّاسِ، فَيَحْصُلُ العُدْوانُ والظُّلْمُ بِسَبَبِ اشْتِراكِهِما في القُبْحِ لِتَعاوُنِهِما بِذَلِكَ عَلى الظُّلْمِ، كَما جَرَتْ بِهِ العادَةُ بَيْنَ العُشّاقِ والمَعْشُوقِينَ، مِن إعانَةِ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ عَلى ما فِيهِ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ وبَغْيٌ، حَتّى رُبَّما يَسْعى لَهُ في مَنصِبٍ لا يَلِيقُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لِمَثَلِهِ، وفي تَحْصِيلِ مالٍ مِن غَيْرِ حِلِّهِ، وفي اسْتِطالَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَإذا اخْتَصَمَ مَعْشُوقُهُ وغَيْرُهُ أوْ تَشاكَيا لَمْ يَكُنْ إلّا في جانِبِ المَعْشُوقِ ظالِمًا كانَ أوْ مَظْلُومًا، هَذا إلى ما يَنْضَمُّ إلى ذاكَ مِن ظُلْمِ العاشِقِ لِلنّاسِ بِالتَّحَيُّلِ عَلى أخْذِ أمْوالِهِمْ، والتَّوَصُّلِ بِها إلى مَعْشُوقِهِ بِسَرِقَةٍ أوْ غَصْبٍ أوْ خِيانَةٍ أوْ يَمِينٍ كاذِبَةٍ أوْ قَطْعِ طَرِيقٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، ورُبَّما أدّى ذَلِكَ إلى قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، لِيَأْخُذَ مالَهُ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى مَعْشُوقِهِ. فَكُلُّ هَذِهِ الآفاتِ وأضْعافُها وأضْعافُ أضْعافِها تَنْشَأُ مِن عِشْقِ الصُّوَرِ، ورُبَّما حَمَلَ عَلى الكُفْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ تَنَصَّرَ جَماعَةٌ مِمَّنْ نَشَئُوا في الإسْلامِ بِسَبَبِ العِشْقِ، كَما جَرى لِبَعْضِ المُؤَذِّنِينَ حِينَ أبْصَرَ امْرَأةً جَمِيلَةً عَلى سَطْحٍ، فَفُتِنَ بِها، ونَزَلَ، ودَخَلَ عَلَيْها، وسَألَها نَفْسَها، فَقالَتْ: هي نَصْرانِيَّةٌ، فَإنْ دَخَلْتَ في دِينِي تَزَوَّجْتُ بِكَ، فَفَعَلَ، فَرَقِيَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى دَرَجَةٍ عِنْدَهم فَسَقَطَ مِنها فَماتَ، ذَكَرَ هَذا عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِ العاقِبَةِ لَهُ. وَإذا أرادَ النَّصارى أنْ يُنَصِّرُوا الأسِيرَ، أرَوْهُ امْرَأةً جَمِيلَةً وأمَرُوها أنْ تُطْمِعَهُ في نَفْسِها حَتّى إذا تَمَكَّنَ حُبُّها مِن قَلْبِهِ، بَذَلَتْ لَهُ نَفْسَها إنْ دَخَلَ في دِينِها، فَهُنالِكَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وَفِي العِشْقِ مِن ظُلْمِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ العاشِقِ والمَعْشُوقِ لِصاحِبِهِ بِمُعاوَنَتِهِ لَهُ عَلى الفاحِشَةِ، وظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ ما فِيهِ، فَكُلٌّ مِنهُما ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وصاحِبِهِ، وظُلْمُهُما مُتَعَدٍّ إلى الغَيْرِ كَما تَقَدَّمَ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ ظُلْمُهُما بِالشِّرْكِ، فَقَدْ تَضَمَّنَ العِشْقُ أنْواعَ الظُّلْمِ كُلَّها. والمَعْشُوقُ إذا لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَإنَّهُ يُعَرِّضُ العاشِقَ لِلتَّلَفِ، وذَلِكَ ظُلْمٌ مِنهُ، بِأنْ يُطْمِعَهُ في نَفْسِهِ ويَتَزَيَّنَ لَهُ ويَسْتَمِيلَهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ حَتّى يَسْتَخْرِجَ مِنهُ مالَهُ ونَفْعَهُ ولا يُمَكِّنُهُ مِن نَفْسِهِ، لِئَلّا يَزُولَ غَرَضُهُ بِقَضاءِ وطَرِهِ مِنهُ، فَهو يَسُومُهُ سُوءَ العَذابِ، والعاشِقُ رُبَّما قَتَلَ مَعْشُوقَهُ لِيَشْفِيَ نَفْسَهُ مِنهُ، ولا سِيَّما إذا جادَ بِالوِصالِ لِغَيْرِهِ، فَكَمْ لِلْعِشْقِ مِن قَتِيلٍ مِنَ الجانِبَيْنِ، وكَمْ أزالَ مِن نِعْمَةٍ، وأفْقَرَ مِن غِنًى، وأسْقَطَ مِن مَرْتَبَةٍ، وشَتَّتَ مِن شَمْلٍ، وكَمْ أفْسَدَ مِن أهْلٍ لِلرَّجُلِ ووَلَدِهِ، فَإنَّ المَرْأةَ إذا رَأتْ بَعْلَها عاشِقًا لِغَيْرِها اتَّخَذَتْ هي مَعْشُوقًا لِنَفْسِها، فَيَصِيرُ الرَّجُلُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ خَرابِ بَيْتِهِ بِالطَّلاقِ وبَيْنَ القِيادَةِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يُؤْثِرُ هَذا، ومِنهم مَن يُؤْثِرُ هَذا. فَعَلى العاقِلِ أنْ لا يُحَكِّمَ عَلى نَفْسِهِ عِشْقَ الصُّوَرِ، لِئَلّا يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إلى هَذِهِ المَفاسِدِ أوْ أكْثَرِها أوْ بَعْضِها، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَهو المُفَرِّطُ بِنَفَسِهِ المُغَرِّرُ بِها، فَإذا هَلَكَتْ فَهو الَّذِي أهْلَكَها، فَلَوْلا تَكْرارُهُ النَّظَرَ إلى وجْهِ مَعْشُوقِهِ وطَمَعُهُ في وِصالِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ عِشْقُهُ مِن قَلْبِهِ، فَإنَّ أوَّلَ أسْبابِ العِشْقِ الِاسْتِحْسانُ سَواءٌ تَوَلَّدَ عَنْ نَظَرٍ أوْ سَماعٍ، فَإنْ لَمْ يُقارِنْهُ طَمَعٌ في الوِصالِ وقارَنَهُ الإياسُ مِن ذَلِكَ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ العِشْقُ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِهِ الطَّمَعُ فَصَرَفَهُ عَنْ فِكْرِهِ ولَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِهِ؛ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ ذَلِكَ، فَإنْ أطالَ مَعَ ذَلِكَ الفِكْرَ في مَحاسِنِ المَعْشُوقِ وقارَنَهُ خَوْفُ ما هو أكْبَرُ عِنْدَهُ مِن لَذَّةِ وِصالِهِ، إمّا خَوْفٌ دِينِيٌّ كَدُخُولِ النّارِ، وغَضَبِ الجَبّارِ، واحْتِقابِ الأوْزارِ، وغَلَبَ هَذا الخَوْفُ عَلى ذَلِكَ الطَّمَعِ والفِكْرِ؛ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ ذَلِكَ العِشْقُ، فَإنْ فاتَهُ هَذا الخَوْفُ فَقارَنَهُ خَوْفٌ دُنْيَوِيٌّ كَخَوْفِ إتْلافِ نَفْسِهِ، أوْ مالِهِ، أوْ ذَهابِ جاهِهِ وسُقُوطِ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وسُقُوطِهِ مِن عَيْنِ مَن يَعِزُّ عَلَيْهِ، وغَلَبَ هَذا الخَوْفُ لِداعِي العِشْقِ دَفَعَهُ، وكَذَلِكَ إذا خافَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ هو أحَبُّ إلَيْهِ وأنْفَعُ لَهُ مِن ذَلِكَ المَعْشُوقِ، وقَدَّمَ مَحَبَّتَهُ عَلى مَحَبَّةِ ذَلِكَ المَعْشُوقِ؛ انْدَفَعَ عَنْهُ العِشْقُ، فَإنِ انْتَفى ذَلِكَ كُلُّهُ، وغَلَبَتْ مَحَبَّةُ المَعْشُوقِ لِذَلِكَ، انْجَذَبَ إلَيْهِ القَلْبُ بِالكُلِّيَّةِ، ومالَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ كُلَّ المَيْلِ.

البقرة 2:106

(فصل) قالت الأمة الغضبية: التوراة قد حظرت أمورا، كانت مباحة من قبل، ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ الذي ننكره ونمنع منه: هو ما أوجب إباحة محظور، لأن تحريم الشيء إنما هو لأجل ما فيه من المفسدة، فإذا جاءت شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها ومقرراتها فإذا جاء من أباحه علمنا بإباحة المفسدة: أنه غير نبي، بخلاف تحريم ما كان مباحا، فإنا نكون متعبدين بتحريمه. قالوا: وشريعتكم جاءت بإباحة كثير مما حرمته التوراة، مع أنه إنما حرم لما فيه من المفسدة. فهذه النكتة هى التي تعتمد عليها الأمة الغضبية، ويتلقاها خالف منهم عن سالف والمتكلمون لم يشفوهم في جوابها. وإنما أطالوا معهم الكلام في رفع البراءة الأصلية بالشرائع، وفي نسخ الإباحة بالتحريم. ولعمر الله إنه لمما يبطل شبهتهم، لأن رفع البراءة الأصلية، ورفع الإباحة بالتحريم هو تغيير لما كان عليه الحكم الاستصحابى أو الشرعى، بحكم آخر لمصلحة اقتضت تغييره، ولا فرق في اقتضاء المصلحة بين تغيير الإباحة بالتحريم، أو تغيير التحريم بالإباحة. والشبهة التي عرضت لهم في أحد الموضعين هى بعينها في الموضع الآخر، فإن إباحة الشيء في الشريعة تابع لعدم مفسدته، إذا لو كانت فيه مفسدة راجحة لم تأت الشريعة بإباحته. فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجب قطعا أن يكون تحريمه فيها هو المصلحة، كما كان إباحته في الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة في الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة في الشريعة الأولى إباحة المفاسد - وحاشا لله - تضمن تحريم المباح في الشريعة الأولى تحريم المصالح. وكلاهما باطل قطعا. فإذا جاز أن تأتى شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ومن تقدمه يستبيحه، فجائز أن تأتى شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان في التوراة محظورا. وهذه الشبهة الباطلة الداحضة هى التي ردت بها الأمة الغضبية نبوة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، هى بعينها التي رد بها أسلافهم نبوة المسيح، وتوارثوها كافرا عن كافر. وقالوا لمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كما قال أسلافهم للمسيح: لا نقر بنبوة من غير شريعة التوراة. فيقال لهم: فكيف أقررتم لموسى بالنبوة، وقد جاء بتغيير بعض شرائع من تقدمه فإن قدح ذلك في المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام قدح في موسى فلا تقدحون، في نبوتهما بقادح إلا ومثله في نبوة موسى سواء، كما أنكم لا تثبتون نبوءة موسى ببرهان إلا وأضعافه شاهد على نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فمن أبين المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول، أو يكون المسيح رسولا ومحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليس برسول. ويقال للأمة الغضبية أيضا: لا يخلو المحرم، إما أن يكون تحريمه لعينه وذاته، بحيث تمنع إباحته في زمان من الأزمنة، وإما أن يكون تحريمه لما تضمنه من المفسدة في زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وحال دون حال. فإن كان الأول، لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء في كل زمان ومكان، من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء عليهم السلام. وإن كان الثاني، ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصالح، وإنما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والحال، فيكون الشيء الواحد حراما في ملة دون ملة، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، وفي حال دون حال. وهذا معلوم بالاضطرار من الشرائع، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك. ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان حراما على إبراهيم ونوح وسائر النبيين؟ وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها لو كان حراما لعينه وذاته لوجب تحريمه على كل نبي وفي كل شريعة. وإذا كان الرب تعالى لا حجر عليه، بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويبتلى عباده لما يشاء، ويحكم ولا يحكم عليه. فما الذي يحيل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنه أو يحرم محرما على أمة ويبيحه لأمة أخرى؟ بل أي شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك في الشريعة الواحدة في وقتين مختلفين، بحسب المصلحة، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شيء قَدِير * ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْك السَّمواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٦-١٠٧]. فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وملكه وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء، ويثبت فهكذا أحكامه الدينية الأمرية، ينسخ منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء. فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم: أن يعارَض الرسول الذي جاء بالبينات والهدى وتدفع نبوته، وتجحد رسالته: بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله، أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم. وبالله التوفيق، يضل من يشاء ويهدى من يشاء. ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه، وقد تركوا شريعة موسى عليه السلام في أكثر ما هم عليه، وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم. فمن ذلك: أنهم يقولون في صلاتهم ما ترجمته هكذا "اللهم اضرب ببوق عظيم لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع شتات قوم إسرائيل". ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا "أردد حكامنا كالأولين، ومسراتنا كالابتداء وابْنِ أورشليم قرية قدسك في أيامنا، وأعزنا بابتنائها، سبحانك يا بانى يورشليم". فهذا قولهم في صلاتهم، مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا شيئا من ذلك. ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم. وكذلك صيامهم، كصوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصا، وصوم كدليا التي جعلوها فرضا لم يصمها موسى، ولا يوشع بن نون. وكذلك صوم صَلْبِ هامان، ليس شيء من ذلك في التوراة، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم. هذا. مع أنه في التوراة ما ترجمته "لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، ولا تنقصوا منه شيئا". وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا، هم مجمعون على تعطليها وإلغائها فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة أو بنقل صحيح عن موسى عليه السلام، أو باجتهاد علمائهم. وعلى التقادير الثلاث. فقد بطلت شبهتهم في إنكار النسخ. ثم من العجب أن أكبر تلك الأوامر التي هم مجمعون على عدم القول والعمل بها إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم وأمرائهم. وقد اتفقوا على تعطيل الرجم للزانى، وهو نص التوراة. وتعطيل أحكام كثيرة منصوصة في التوراة. ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالا، وإذا حرموه صار حراما وإن كان نص التوراة بخلافه. وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة. فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم. كما تكبر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغض منه. ثم رضى أن يكون قوادا لكل عاص وفاسق. وكما أبى عباد الأصنام أن يكون النبي المرسل إليهم بشرا، ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجرًا. وكما نزهت النصارى بتاركتهم عن الولد والصاحبة، ولم يتحاشوا من نسبة ذلك إلى الله سبحانه تعالى. وكما نزهت الفرعونية من الجهمية الرب سبحانه أن يكون مستويا على عرشه، لئلا يلزم الحصر، ثم جعلوه سبحانه في الآبار والحانات، وأجواف الحيوانات.

البقرة 2:107

(فصل) قالت الأمة الغضبية: التوراة قد حظرت أمورا، كانت مباحة من قبل، ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ الذي ننكره ونمنع منه: هو ما أوجب إباحة محظور، لأن تحريم الشيء إنما هو لأجل ما فيه من المفسدة، فإذا جاءت شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها ومقرراتها فإذا جاء من أباحه علمنا بإباحة المفسدة: أنه غير نبي، بخلاف تحريم ما كان مباحا، فإنا نكون متعبدين بتحريمه. قالوا: وشريعتكم جاءت بإباحة كثير مما حرمته التوراة، مع أنه إنما حرم لما فيه من المفسدة. فهذه النكتة هى التي تعتمد عليها الأمة الغضبية، ويتلقاها خالف منهم عن سالف والمتكلمون لم يشفوهم في جوابها. وإنما أطالوا معهم الكلام في رفع البراءة الأصلية بالشرائع، وفي نسخ الإباحة بالتحريم. ولعمر الله إنه لمما يبطل شبهتهم، لأن رفع البراءة الأصلية، ورفع الإباحة بالتحريم هو تغيير لما كان عليه الحكم الاستصحابى أو الشرعى، بحكم آخر لمصلحة اقتضت تغييره، ولا فرق في اقتضاء المصلحة بين تغيير الإباحة بالتحريم، أو تغيير التحريم بالإباحة. والشبهة التي عرضت لهم في أحد الموضعين هى بعينها في الموضع الآخر، فإن إباحة الشيء في الشريعة تابع لعدم مفسدته، إذا لو كانت فيه مفسدة راجحة لم تأت الشريعة بإباحته. فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجب قطعا أن يكون تحريمه فيها هو المصلحة، كما كان إباحته في الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة في الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة في الشريعة الأولى إباحة المفاسد - وحاشا لله - تضمن تحريم المباح في الشريعة الأولى تحريم المصالح. وكلاهما باطل قطعا. فإذا جاز أن تأتى شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ومن تقدمه يستبيحه، فجائز أن تأتى شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان في التوراة محظورا. وهذه الشبهة الباطلة الداحضة هى التي ردت بها الأمة الغضبية نبوة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، هى بعينها التي رد بها أسلافهم نبوة المسيح، وتوارثوها كافرا عن كافر. وقالوا لمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كما قال أسلافهم للمسيح: لا نقر بنبوة من غير شريعة التوراة. فيقال لهم: فكيف أقررتم لموسى بالنبوة، وقد جاء بتغيير بعض شرائع من تقدمه فإن قدح ذلك في المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام قدح في موسى فلا تقدحون، في نبوتهما بقادح إلا ومثله في نبوة موسى سواء، كما أنكم لا تثبتون نبوءة موسى ببرهان إلا وأضعافه شاهد على نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فمن أبين المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول، أو يكون المسيح رسولا ومحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليس برسول. ويقال للأمة الغضبية أيضا: لا يخلو المحرم، إما أن يكون تحريمه لعينه وذاته، بحيث تمنع إباحته في زمان من الأزمنة، وإما أن يكون تحريمه لما تضمنه من المفسدة في زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وحال دون حال. فإن كان الأول، لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء في كل زمان ومكان، من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء عليهم السلام. وإن كان الثاني، ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصالح، وإنما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والحال، فيكون الشيء الواحد حراما في ملة دون ملة، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، وفي حال دون حال. وهذا معلوم بالاضطرار من الشرائع، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك. ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان حراما على إبراهيم ونوح وسائر النبيين؟ وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها لو كان حراما لعينه وذاته لوجب تحريمه على كل نبي وفي كل شريعة. وإذا كان الرب تعالى لا حجر عليه، بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويبتلى عباده لما يشاء، ويحكم ولا يحكم عليه. فما الذي يحيل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنه أو يحرم محرما على أمة ويبيحه لأمة أخرى؟ بل أي شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك في الشريعة الواحدة في وقتين مختلفين، بحسب المصلحة، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شيء قَدِير * ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْك السَّمواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٦-١٠٧]. فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وملكه وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء، ويثبت فهكذا أحكامه الدينية الأمرية، ينسخ منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء. فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم: أن يعارَض الرسول الذي جاء بالبينات والهدى وتدفع نبوته، وتجحد رسالته: بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله، أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم. وبالله التوفيق، يضل من يشاء ويهدى من يشاء. ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه، وقد تركوا شريعة موسى عليه السلام في أكثر ما هم عليه، وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم. فمن ذلك: أنهم يقولون في صلاتهم ما ترجمته هكذا "اللهم اضرب ببوق عظيم لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع شتات قوم إسرائيل". ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا "أردد حكامنا كالأولين، ومسراتنا كالابتداء وابْنِ أورشليم قرية قدسك في أيامنا، وأعزنا بابتنائها، سبحانك يا بانى يورشليم". فهذا قولهم في صلاتهم، مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا شيئا من ذلك. ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم. وكذلك صيامهم، كصوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصا، وصوم كدليا التي جعلوها فرضا لم يصمها موسى، ولا يوشع بن نون. وكذلك صوم صَلْبِ هامان، ليس شيء من ذلك في التوراة، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم. هذا. مع أنه في التوراة ما ترجمته "لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، ولا تنقصوا منه شيئا". وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا، هم مجمعون على تعطليها وإلغائها فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة أو بنقل صحيح عن موسى عليه السلام، أو باجتهاد علمائهم. وعلى التقادير الثلاث. فقد بطلت شبهتهم في إنكار النسخ. ثم من العجب أن أكبر تلك الأوامر التي هم مجمعون على عدم القول والعمل بها إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم وأمرائهم. وقد اتفقوا على تعطيل الرجم للزانى، وهو نص التوراة. وتعطيل أحكام كثيرة منصوصة في التوراة. ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالا، وإذا حرموه صار حراما وإن كان نص التوراة بخلافه. وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة. فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم. كما تكبر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغض منه. ثم رضى أن يكون قوادا لكل عاص وفاسق. وكما أبى عباد الأصنام أن يكون النبي المرسل إليهم بشرا، ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجرًا. وكما نزهت النصارى بتاركتهم عن الولد والصاحبة، ولم يتحاشوا من نسبة ذلك إلى الله سبحانه تعالى. وكما نزهت الفرعونية من الجهمية الرب سبحانه أن يكون مستويا على عرشه، لئلا يلزم الحصر، ثم جعلوه سبحانه في الآبار والحانات، وأجواف الحيوانات.

البقرة 2:111

هذه دعوى من كل واحد من الطائفتين أنه لن يدخل الجنة إلا من كان منهما فقالت اليهود لا يدخلها إلا من كان هودا وقالت النصارى لا يدخلها إلا من كان نصرانيا فاختصر الكلام أبلغ اختصار وأوجزه مع أمن اللبس ووضوح المعنى فطالبهم الله تعالى بالبرهان على صحة الدعوى فقال: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهذا هو المسمى سؤال المطالبة بالدليل فمن ادعى دعوى بلا دليل يقال له هات برهانك إن كنت صادقا فيما ادعيت ويحتج بهذه الآية من يقول بلزوم النافي الدليل كما يلزم المثبت وحكوا في ذلك ثلاث مذاهب ثالثها يلزمه في الشرعيات دون العقليات واستدلالهم بالآية لا يصح لأن الله تعالى لم يطالبهم بدليل النفي المجرد بل ادعوا دعوى مضمونها إثبات دخولهم الجنة وإن غيرهم لم يدخلها فطولبوا بالدليل الدال على هذه الدعوى المركبة من النفي والإثبات وصاحب هذه الدعوى يلزمه الدليل باتفاق الناس وإنما الخلاف في النفي المجرد ولو استدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلاّ أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ لكان أقرب مع كونه متضمنا للنفي والإثبات لكن الدعوى فيه إنما توجهت إلى النفي ومقصود الكلام إنا لا نعذب بعد تلك الأيام فلم ينكر عليهم اعترافهم بالتعذيب تلك الأيام بل دعواهم أنهم لا يعذبون بعدها وذلك نفي محض فلذلك قلنا إن الاستدلال بها أقرب من هذه الآية.

البقرة 2:115

(فائدة) إذا اشتبهت عليه جهة القبلة ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: يجتهد ويصلي صلاة واحدة هذا أصح الأقوال في المذاهب الأربعة وهو المشهور. الثاني: أنه يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات ليؤدي مسيتقنا كما قالوا في الثياب النجسة وكما قالوا فيمن فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها صلى خمس صلوات. والقول الثالث: أنه قد سقط عنه فرض الاستقبال في هذه الحال فيصلي حيث شاء. وهذا مذهب أبي محمد بن حزم. واحتج بأن الله إنما فرض الاستقبال على العالم بجهة الكعبة القادر على التوجه إليها فأما العاجز عنها فلم يفرض الله عليه التوجه إليها قط فلا يجوز أن يلزم بما لا يلزمه الله ورسوله به وإذا لم يكن التوجه واجبا عليه لأن وجوبه مشروط بالقدرة صلى إلى أي جهة شاء كالمسافر المتطوع والزمن الذي لا يمكنه التوجه إلى جهة القبلة. قلت: وهذا القول أرجح وأصح من القول بوجوب أربع صلوات عليه فإنه إيجاب ما لم يوجبه الله ورسوله ولا نظير له في إيجابات الشارع ألبتة ولم يعرف في الشريعة موضع واحد أوجب الله على العبد فيه أن يوقع الصلاة ثم يعيدها مرة أخرى إلا لتفريط في فعلها أولا كتارك الطمأنينة والمصلي بلا وضوء ونحوه. وأما أن يأمره بصلاة فيصليها بأمره ثم يأمره بإعادتها بعينها فهذا لم يقع قط، وأصول الشريعة ترده. وقياس هذه المسألة على مسألة الثياب وناسي صلاة من يوم قياس لمختلف فيه على مثله ولعل الكلام إلا في تينك المسألتين أيضا فلو أن حكمهما ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع لكان في قياس عليها ما فيه بل لم يكن صحيحا لأن جهة الفرق إما مساوية لجهة الجمع أو أظهر وعلى التقديرين فالقياس منتف بقي النظر في ترجيح أحد قولي الاجتهاد والتخيير في مسألة القبلة على الآخر فمن نصر التخيير احتج بما في الترمذي وسنن ابن ماجة عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ " قال الترمذي: "هذا حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف" وروى الدارقطني من حديث عطاء عن جابر قال: " كنا مع النبي ﷺ في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي فلم يأمرنا بالإعادة فقال: "قد أجزأتكم صلاتكم" قال الدارقطني: "رواه محمد ابن سالم عن عطاء قال: "ويروى أيضا عن محمد بن عبد الله العرزمي عن عطاء وكلاهما ضعيف". وقال العقيلي: "لا يروى متن هذا الحديث من وجه يثبت. واحتجوا أيضا بما تقدم حكايته أن الله لم يأمر بالاستقبال إلا من كان عالما به وقادرا عليه وأما العاجز الجاهل فساقط عنه فرض الاستقبال فلا يكلف به. ومن نصر الاجتهاد احتج بأن الله تعالى أوجب على العبد أن يتقيه ما استطاع وهذا مقتضي وجوب الاجتهاد عليه في تقوى ربه تعالى والتقوى هي فعل ما أمر وترك ما نهي قالوا وأيضا فإنه من المعلوم أنه إذا قام إلى الصلاة لم يجز له أن يستقبل أي جهة شاء ابتداء بل ينظر إلى مطالع الكواكب ومساقطها وسمت جهة القبلة حتى إذا علم جهتها استقبلها وهذا نوع اجتهاد وأدلة الجهة متفاوتة الخفاء والظهور فيجب على كل أحد فعل مقدوره من ذلك فإن لم يصبها قطعا أصابها ظنا وهو الذي يقدر عليه فمتى ترك مقدوره لم يكن قد اتقى الله تعالى بحسب استطاعته. وقولكم إن الله إنما أوجب الاستقبال على القادر عليه العالم به قلنا الله سبحانه وتعالى أوجب على كل عبد ما تؤديه إليه استطاعته من طاعته فإذا عجز عن هذا اليقين وأدلة الجهة سقط عنه، ولكن من أين يسقط عنه بذل وسعه ومقدوره اللائق به.

البقرة 2:116

القنوت هنا هو العبودية العامة التي تشترك فيها أهل السماوات والأرض لا يختص بها بعضهم عن بعض ولا يختص بزمان دون زمان وهي عبودية القهر فالقنوت هنا قنوت قهر وذل لا قنوت طاعة ومحبة وهذا بخلاف قوله تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ فإنه أفرد لما لم يجتمعوا في الفناء. ونظيره قوله ﷺ: "وكلكم مسئول عن رعيته " فإن الله يسأل كل راع بمفرده. (فصل) قوله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ إلى قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ رد عليهم سبحانه دعواهم له اتخاذ الولد ونزه نفسه عنه ثم ذكر أربع حجج على استحالة اتخاذه الولد: أحدها: كون ما في السماوات والأرض ملكا له وهذا ينافي أن اتخاذ الولد فيهما ولد له لأن الولد بعض الوالد وشريكه فلا يكون مخلوقا له مملوكا له لأن المخلوق مملوك مربوب عبد من العبيد والابن نظير الأب فكيف يكون عبده تعالى ومخلوقه ومملوكه بعضه ونظيره فهذا من أبطل الباطل وأكد مضمون هذه الحجة بقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ فهذا تقرير لعبوديتهم له وأنهم مملوكون مربوبون ليس فيهم شريك ولا نظير ولا ولد فإثبات الولد لله تعالى من أعظم الإشراك به فإن المشرك به جعل له شريكا من مخلوقاته مع اعترافه بأنه مملوك كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" فكانوا يجعلون من أشركوا به مملوكا له عبدا مخلوقا والنصارى جعلوا له شريكا هو نظير وجزء من أجزائه كما جعل بعض المشركين الملائكة بناته فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ فإذا كان له ما في السماوات والأرض عبيد قانتون مربوبون مملوكون استحال أن يكون له منهم شريك وكل من أقر بأن الله تعالى ما في السماوات وما في الأرض لزمه أن يقوله بالتوحيد ولا بد ولهذا يحتج سبحانه على المشركين بإقرارهم بذلك كقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لهذا في موضعه. الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هذه من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه ولهذا قال في سورة الأنعام بديع السماوات والأرض أني يكون له ولد أي من أين يكون لبديع السماوات والأرض ولد ووجه تقرير هذه الحجة أن من اخترع هذه السماوات والأرض مع عظمهما وآياتهما وفطرهما وابتدعهما فهو قادر على اختراع ما هو دونهما ولا نسبة له إليهما ألبتة فكيف يخرجون هذا الشخص بالعين عن قدرته وإبداعه ويجعلونه نظيرا وشريكا وجزءا مع أنه تعالى بديع العالم العلوي والسفلي وفاطره ومخترعه وبارئه فكيف يعجزه أن يوجد هذا الشخص من غير أب حتى يقولوا إنه ولده فإذا كان قد ابتدع العالم علوية وسفلية فما يعجزه ويمنعه عن إبداع هذا العبد وتكوينه وخلقه بالقدرة التي خلق بها العالم العلوي والسفلي فمن نسب الولد لله فما عرف الرب تعالى ولا آمن به ولا عبده فظهر أن هذه الحجة من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه وإن شئت أن تقرر الاستدلال بوجه آخر وهو أن يقال إذ كانت نسبة السماوات والأرض وما فيهما إليه إنما هي بالاختراع والخلق والإبداع أنشأ ذلك وأبدعه من العدم إلى الوجود فكيف يصح نسبة شيء من ذلك إليه بالنبوة وقدرته على اختراع العالم وما فيه لم تزل ولم يحتج فيها إلى معاون ولا صاحب ولا شريك. وإن شئت أن تقررها بوجه آخر فتقول النسبة إليه بالنبوة تستلزم حاجته وفقره إلى محل الولادة وذلك ينافى غناه وانفراده بإبداع السماوات والأرض وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فكمال قدرته وكمال غناه وكمال ربوبيته يجعل نسبة الولد إليه ونسبته إليه تقدح في كمال ربوبيته وكمال غناه وكمال قدرته. ولذلك كانت نسبة الولد إليه مسبة له تبارك وتعالى كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: شتمني عبدي ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته" وقال عمر بن خطاب رضي الله عنه في النصارى: "أذلوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر" قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ﴾ الآية. وأخبر تعالى ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ وما ذاك إلا لتضمنه شتم الرب تبارك وتعالى والتنقص به ونسبة ما يمنع كمال ربوبيته وقدرته وغناه إليه. الحجة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وتقرير هذه الحجة أن من كانت قدرته تعالى كافية في إيجاد ما يريد إيجاده بمجرد أمره وقوله (كن) فأي حاجة به إلى ولد وهو لا يتكثر به من قلة ولا يتعزر به ولا يستعين به يعجز عن خلق ما يريد خلقه وإنما يحتاج إلى الولد من لا يخلق ولا إذا أراد شيئا قال له كن فيكون. وهذا المخلوق العاجز المحتاج الذي لا يقدر على تكوين ما أراد وقد ذكر تعالى حججا أخرى على استحالة نسبة الولد إليه فنذكرها في هذا الموضع. الحجة الرابعة: كما علمه وعموم خلقه لكل شيء واستحالة نسبة الصاحبة إليه فقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ الآية فأما منافاة عموم خلقه لنسبه الولد إليه فظاهر فإنه لو كان له ولد لم يكن مخلوقا بل جزءا وهذا ينافي كونه خالق كل شيء وبهذا يعلم أن الفلاسفة الذين يقولون بتولد العقول والنفوس عنه بواسطة أو بغير واسطة شر من النصارى وأن من زعم أن العالم قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقا لله وقوله أخبث من قول النصارى لأن النصارى أخرجوا عن عموم خلقه شخصا واحدا أو شخصين ومن قال بقدم العالم فقد أخرج العالم العلوي والسفلي والملائكة عن كونه مخلوقا لله والنصارى لم يصل كفرهم إلى هذا الحد وأما منافاة عدم المصاحبة للولد فظاهر أيضا لأن الولد إنما يتولد من أصلين فاعل ومحل قابل يتصلان اتصالا خاصا فينفصل من أحدهما جزء في الآخر يكون منه الولد فمن ليس له صاحبة كيف يكون له ولد ولذلك لما فهم عوام النصارى أن الابن يستلزم الصاحبة لم يستنكفوا من دعوى كون مريم آلهة وأنها والدة الإله عيسى فيقول عوامهم يا والدة الإله اغفري لي ويصرح بعضهم بأنها زوجة الرب ولا ريب أن القول بالإيلاد يستلزم ذلك أو إثبات إيلاد لا يعقل ولا يتوهم فخواص النصارى في حيرة وضلال وعوامهم لا يستنكفون أن يقولوا بالزوجة والإيلاد المعقول تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا والقوم في هذا المذهب الخبيث أضل خلق الله فهم كما وصفهم الله بأنهم ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾. الحجة الخامسة: وأما منافاة عموم علمه تعالى للولد فيحتاج إلى فهم خاص وتقريره أن يقال لو كان له ولد لعلمه لأنه بكل شيء عليم وهو تعالى لا يعلم له ولد فيستحيل أن يكون له ولد لا يعلمه وهذا استدلال بنفي علمه للشيء على نفيه في نفسه إذ لو كان لعلمه فحيث لم يعلمه فهو غير كائن ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ الآية. فهذا نفي لما ادعوه من الشفعاء بنفي علم الرب تعالى بهم المستلزم لنفي المعلوم ولا يمكن أعداء الله المكابرة وأن يقولوا قد علم الله وجود ذلك لأنه تعالى إنما يعلم وجود ما أوجده وكونه ويعلم أنه سيوجد ما يريد إيجاده فهو يعلم نفسه وصفاته ويعلم مخلوقاته التي دخلت في الوجود وانقطعت والتي دخلت في الوجود وبقيت والتي لم توجد بعد وأما شيء آخر غير مخلوق له ولا مربوب فالرب تعالى لا يعلمه لأنه مستحيل في نفسه فهو يعلمه مستحيلا لا يعلمه واقعا إذ لو علمه واقعا لكان العلم به عين الجهل وذلك من أعظم المحال. فهذه حجج الرب تبارك وتعالى على بطلان ما نسبه إليه أعداؤه والمفترون عليه فوازن بينها وبين حجج المتكلمين الطويلة العريضة التي هي كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع فإذا وازنت بينهما ظهرت لك المفاضلة إن كنت بصيرا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا فالحمد لله الذي أغنى عباده المؤمنين بكتابه وما أودعه من حججه وببيانه عن شقاشق المتكلمين وهذيانات المتهوكين فلقد عظمت نعمة الله تعالى على عبد أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى غيره ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

البقرة 2:117

القنوت هنا هو العبودية العامة التي تشترك فيها أهل السماوات والأرض لا يختص بها بعضهم عن بعض ولا يختص بزمان دون زمان وهي عبودية القهر فالقنوت هنا قنوت قهر وذل لا قنوت طاعة ومحبة وهذا بخلاف قوله تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ فإنه أفرد لما لم يجتمعوا في الفناء. ونظيره قوله ﷺ: "وكلكم مسئول عن رعيته " فإن الله يسأل كل راع بمفرده. (فصل) قوله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ إلى قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ رد عليهم سبحانه دعواهم له اتخاذ الولد ونزه نفسه عنه ثم ذكر أربع حجج على استحالة اتخاذه الولد: أحدها: كون ما في السماوات والأرض ملكا له وهذا ينافي أن اتخاذ الولد فيهما ولد له لأن الولد بعض الوالد وشريكه فلا يكون مخلوقا له مملوكا له لأن المخلوق مملوك مربوب عبد من العبيد والابن نظير الأب فكيف يكون عبده تعالى ومخلوقه ومملوكه بعضه ونظيره فهذا من أبطل الباطل وأكد مضمون هذه الحجة بقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ فهذا تقرير لعبوديتهم له وأنهم مملوكون مربوبون ليس فيهم شريك ولا نظير ولا ولد فإثبات الولد لله تعالى من أعظم الإشراك به فإن المشرك به جعل له شريكا من مخلوقاته مع اعترافه بأنه مملوك كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" فكانوا يجعلون من أشركوا به مملوكا له عبدا مخلوقا والنصارى جعلوا له شريكا هو نظير وجزء من أجزائه كما جعل بعض المشركين الملائكة بناته فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ فإذا كان له ما في السماوات والأرض عبيد قانتون مربوبون مملوكون استحال أن يكون له منهم شريك وكل من أقر بأن الله تعالى ما في السماوات وما في الأرض لزمه أن يقوله بالتوحيد ولا بد ولهذا يحتج سبحانه على المشركين بإقرارهم بذلك كقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لهذا في موضعه. الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هذه من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه ولهذا قال في سورة الأنعام بديع السماوات والأرض أني يكون له ولد أي من أين يكون لبديع السماوات والأرض ولد ووجه تقرير هذه الحجة أن من اخترع هذه السماوات والأرض مع عظمهما وآياتهما وفطرهما وابتدعهما فهو قادر على اختراع ما هو دونهما ولا نسبة له إليهما ألبتة فكيف يخرجون هذا الشخص بالعين عن قدرته وإبداعه ويجعلونه نظيرا وشريكا وجزءا مع أنه تعالى بديع العالم العلوي والسفلي وفاطره ومخترعه وبارئه فكيف يعجزه أن يوجد هذا الشخص من غير أب حتى يقولوا إنه ولده فإذا كان قد ابتدع العالم علوية وسفلية فما يعجزه ويمنعه عن إبداع هذا العبد وتكوينه وخلقه بالقدرة التي خلق بها العالم العلوي والسفلي فمن نسب الولد لله فما عرف الرب تعالى ولا آمن به ولا عبده فظهر أن هذه الحجة من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه وإن شئت أن تقرر الاستدلال بوجه آخر وهو أن يقال إذ كانت نسبة السماوات والأرض وما فيهما إليه إنما هي بالاختراع والخلق والإبداع أنشأ ذلك وأبدعه من العدم إلى الوجود فكيف يصح نسبة شيء من ذلك إليه بالنبوة وقدرته على اختراع العالم وما فيه لم تزل ولم يحتج فيها إلى معاون ولا صاحب ولا شريك. وإن شئت أن تقررها بوجه آخر فتقول النسبة إليه بالنبوة تستلزم حاجته وفقره إلى محل الولادة وذلك ينافى غناه وانفراده بإبداع السماوات والأرض وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فكمال قدرته وكمال غناه وكمال ربوبيته يجعل نسبة الولد إليه ونسبته إليه تقدح في كمال ربوبيته وكمال غناه وكمال قدرته. ولذلك كانت نسبة الولد إليه مسبة له تبارك وتعالى كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: شتمني عبدي ابن آدم وما ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته" وقال عمر بن خطاب رضي الله عنه في النصارى: "أذلوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر" قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لآبائِهِمْ﴾ الآية. وأخبر تعالى ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ وما ذاك إلا لتضمنه شتم الرب تبارك وتعالى والتنقص به ونسبة ما يمنع كمال ربوبيته وقدرته وغناه إليه. الحجة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وتقرير هذه الحجة أن من كانت قدرته تعالى كافية في إيجاد ما يريد إيجاده بمجرد أمره وقوله (كن) فأي حاجة به إلى ولد وهو لا يتكثر به من قلة ولا يتعزر به ولا يستعين به يعجز عن خلق ما يريد خلقه وإنما يحتاج إلى الولد من لا يخلق ولا إذا أراد شيئا قال له كن فيكون. وهذا المخلوق العاجز المحتاج الذي لا يقدر على تكوين ما أراد وقد ذكر تعالى حججا أخرى على استحالة نسبة الولد إليه فنذكرها في هذا الموضع. الحجة الرابعة: كما علمه وعموم خلقه لكل شيء واستحالة نسبة الصاحبة إليه فقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ الآية فأما منافاة عموم خلقه لنسبه الولد إليه فظاهر فإنه لو كان له ولد لم يكن مخلوقا بل جزءا وهذا ينافي كونه خالق كل شيء وبهذا يعلم أن الفلاسفة الذين يقولون بتولد العقول والنفوس عنه بواسطة أو بغير واسطة شر من النصارى وأن من زعم أن العالم قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقا لله وقوله أخبث من قول النصارى لأن النصارى أخرجوا عن عموم خلقه شخصا واحدا أو شخصين ومن قال بقدم العالم فقد أخرج العالم العلوي والسفلي والملائكة عن كونه مخلوقا لله والنصارى لم يصل كفرهم إلى هذا الحد وأما منافاة عدم المصاحبة للولد فظاهر أيضا لأن الولد إنما يتولد من أصلين فاعل ومحل قابل يتصلان اتصالا خاصا فينفصل من أحدهما جزء في الآخر يكون منه الولد فمن ليس له صاحبة كيف يكون له ولد ولذلك لما فهم عوام النصارى أن الابن يستلزم الصاحبة لم يستنكفوا من دعوى كون مريم آلهة وأنها والدة الإله عيسى فيقول عوامهم يا والدة الإله اغفري لي ويصرح بعضهم بأنها زوجة الرب ولا ريب أن القول بالإيلاد يستلزم ذلك أو إثبات إيلاد لا يعقل ولا يتوهم فخواص النصارى في حيرة وضلال وعوامهم لا يستنكفون أن يقولوا بالزوجة والإيلاد المعقول تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا والقوم في هذا المذهب الخبيث أضل خلق الله فهم كما وصفهم الله بأنهم ﴿قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾. الحجة الخامسة: وأما منافاة عموم علمه تعالى للولد فيحتاج إلى فهم خاص وتقريره أن يقال لو كان له ولد لعلمه لأنه بكل شيء عليم وهو تعالى لا يعلم له ولد فيستحيل أن يكون له ولد لا يعلمه وهذا استدلال بنفي علمه للشيء على نفيه في نفسه إذ لو كان لعلمه فحيث لم يعلمه فهو غير كائن ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ الآية. فهذا نفي لما ادعوه من الشفعاء بنفي علم الرب تعالى بهم المستلزم لنفي المعلوم ولا يمكن أعداء الله المكابرة وأن يقولوا قد علم الله وجود ذلك لأنه تعالى إنما يعلم وجود ما أوجده وكونه ويعلم أنه سيوجد ما يريد إيجاده فهو يعلم نفسه وصفاته ويعلم مخلوقاته التي دخلت في الوجود وانقطعت والتي دخلت في الوجود وبقيت والتي لم توجد بعد وأما شيء آخر غير مخلوق له ولا مربوب فالرب تعالى لا يعلمه لأنه مستحيل في نفسه فهو يعلمه مستحيلا لا يعلمه واقعا إذ لو علمه واقعا لكان العلم به عين الجهل وذلك من أعظم المحال. فهذه حجج الرب تبارك وتعالى على بطلان ما نسبه إليه أعداؤه والمفترون عليه فوازن بينها وبين حجج المتكلمين الطويلة العريضة التي هي كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع فإذا وازنت بينهما ظهرت لك المفاضلة إن كنت بصيرا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا فالحمد لله الذي أغنى عباده المؤمنين بكتابه وما أودعه من حججه وببيانه عن شقاشق المتكلمين وهذيانات المتهوكين فلقد عظمت نعمة الله تعالى على عبد أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى غيره ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

البقرة 2:121

قال ابن القيم - بعد كلام -: وَهَذِه المُتابَعَة هي التِّلاوَة الَّتِي أثنى الله على أهلها في قَوْله تَعالى ﴿إن الَّذين يَتلون كتاب الله﴾ وفي قَوْله ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ والمعْنى يتبعُون كتاب الله حق اتِّباعه وقالَ تَعالى ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ وقالَ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ (٩١) وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ فحقيقة التِّلاوَة في هَذِه المَواضِع هي التِّلاوَة المُطلقَة التّامَّة، وهِي تِلاوَة اللَّفْظ والمعْنى، فتلاوة اللَّفْظ جُزْء مُسَمّى التِّلاوَة المُطلقَة وحَقِيقَة اللَّفْظ إنَّما هي الِاتِّباع. يُقال: اتل أثر فلان، وتلوت أثره وقفوته وقصصته بِمَعْنى تبِعت خَلفه، ومِنه قوله تَعالى: ﴿والشَّمْس وضُحاها والقَمَر إذا تَلاها﴾ أي تبعها في الطُّلُوع بعد غيبتها، ويُقال جاءَ القَوْم يَتْلُو بَعضهم بَعْضًا أي يتبع، وسمى تالي الكَلام تاليا لأنه يتبع بعض الحُرُوف بَعْضًا لا يُخرجها جملَة واحِدَة بل يتبع بَعْضها بَعْضًا مرتبَة كلما انْقَضى حرف أوْ كلمة أتبعهُ بِحرف آخر وكلمَة أخرى، وهَذِه التِّلاوَة وسِيلَة وطَرِيقَة، والمَقْصُود التِّلاوَة الحَقِيقِيَّة وهِي تِلاوَة المَعْنى واتباعه تَصْدِيقًا بِخَبَرِهِ وائتمارا بأمْره، وانتهاء بنهيه وائتماما بِهِ حَيْثُ ما قادك انقدت مَعَه، فتلاوة القُرْآن تتَناوَل تِلاوَة لَفظه ومَعْناهُ، وتلاوة المَعْنى أشرف من مُجَرّد تِلاوَة اللَّفْظ وأهْلُها هم أهل القُرْآن الَّذين لَهُم الثَّناء في الدُّنْيا والآخرة فَإنَّهُم أهل تِلاوَة ومتابعة حَقًا.

البقرة 2:135

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ فأجيبوا عن هذه الدعوى بقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهذا الجواب مع اختصاره قد تضمن المنع والمعارضة: أما المنع: مما تضمنه حرف بل من الإضراب أي ليس الأمر كما قالوا. وأما المعارضة: ففي قوله: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي أتتبع أو يتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وفي ضمن هذه المعارضة إقامة الحجة على أنها أولى بالصواب مما دعوتم إليه من اليهودية والنصرانية لأنه وصف صاحب الملة بأنه حنيف غير مشرك ومن كانت ملته الحنيفية والتوحيد فهو أولى بأن يتبع ممن ملته اليهودية والنصرانية فإن الحنيفية والتوحيد هي دين جميع الأنبياء الذي لا يقبل الله من أحد دينا وسواه وهو الفطرة التي فطر عليها عباده فمن كان عليها فهو المهتدي لأن من كان يهوديا أو نصرانيا فإن الحنيفية تتضمن الإقبال على الله بالعبادة والإجلال والتعظيم والمحبة والذل. والتوحيد يتضمن إفراده بهذا الإقبال دون غيره فيعبد وحده ويحب وحده ويطاع وحده ولا يجعل معه إلها آخر فمن أولى بالهداية صاحب هذه الملة أو ملة اليهودية والنصرانية ولا يبقى بعد هذا للخصوم إلا سؤال واحد وهو أن يقولوا فنحن على ملته أيضا لم نخرج عنها وإبراهيم وبنوه كانوا هودا أو نصارى فأجيبوا عن هذا السؤال بأنهم كاذبون فيه وأن الله تعالى قد علم أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا فقال تعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ الآية. وقرر تعالى هذا الجواب في سورة آل عمران بقوله: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ فإن قالوا فهب أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا فنحن على ملته وإن انتحلنا هذا الاسم؟ فأجيبوا عن هذا بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فهذه للمؤمنين قال: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ وإن أتوا من الإيمان بمثل ما أتيتم به فهم على ملة إبراهيم وهم مهتدون وإن لم يأتوا بإيمان مثل إيمانكم فليسوا من إبراهيم وملته في شيء وإنما هم في شقاق وعداوة فإن ملة إبراهيم الإيمان بالله وكتبه ورسله وأن لا يفرق بين أحد منهم فيؤمن ببعضهم ويكفر ببعضهم فمن لم يأت بمثل هذا الإيمان فهو بريء من ملة إبراهيم مشاق لمن هو على ملته.

البقرة 2:137

(فائدة) قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ وليس له مثل؟ والجواب من أوجه: الأول: أن المراد به التبكيت، والمعنى: حصلوا دينا آخر مثله، وهو لا يمكن. الثاني: أن كلمة «مثل» صلة. الثالث: أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف ولا تحريف. فإن آمنوا بالتوراة من غير تصحيف ولا تحريف فقد اهتدوا. الرابع: أن المراد إن آمنوا بمثل ما صرتم به مؤمنين. روى ابن جرير أن ابن عباس قال: قولوا آمنا بالله فإن آمنوا بالذي آمنتم به. قال عبد الجبار: ولا يجوز ترك القراءة المتواترة.

البقرة 2:142

هذا سؤال من السفهاء أورده على المؤمنين ومضمونه أن القبلة الأولى إن كانت حقا فقد تركتم الحق وإن كانت باطلا فقد كنتم على باطل ولفظ الآية وإن لم يدل على هذا فالسفهاء المجادلون في القبلة قالوه. فأجاب الله تعالى عنه بجواب شاف بعد أن ذكر قبله مقدمات تقرره وتوضحه والسؤال من جهة الكفار أوردوه على صور متعددة ترجع إلى شيء واحد فقالوا ما تقدم وقالوا لو كان نبيا ما ترك قبلة الأنبياء قبله وقالوا لو كان نبيا ما كان يفعل اليوم شيئا وغدا خلافه. قال المشركون: قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم، وقال أهل الكتاب: ولو كان نبيا ما فارق قبله الأنبياء. وكثر الكلام وعظمت المحنة على بعض الناس كما قال تعالى: ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلاّ عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ وتأمل حكمه العزيز الحكيم ولطفه وإرشاده في هذه القصة لما علم أن هذا التحويل أمر كبير كيف وطأه ومهده وذلله بقواعد قبله فذكر النسخ وأنه إذا نسخ شيئا أتى بمثله أو خير منه وأنه قادر على ذلك فلا يعجزه ثم قرر التسليم للرسول وأنه لا ينبغي أن يعترض عليه ويسأل تعنتا كما جرى لموسى مع قومه ثم ذكر البيت الحرام وتعظيمه وحرمته وذكر بانيه وأثنى عليه وأوجب اتباع ملته فقرر في النفوس بذلك توجهها إلى البيت بالتعظيم والإجلال والمحبة وإلى بانيه بالاتباع والموالاة والموافقة وأخبر تعالى أنه جعل البيت مثابة للناس يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا فالقلوب عاكفة على محبته دائمة الاشتياق إليه متوجهة إليه حيث كانت ثم أخبر أنه أمر إبراهيم وإسماعيل بتطهيره للطائفين والقائمين والمصلين وأضافه إليه بقوله: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ وهذه الإضافة هي التي أسكنت في القلوب من محبته والشوق إليه ما أسكنت وهي التي أقبلت بأفئدة العالم إليه فلما استقرت هذه الأمور في قلوب أهل الإيمان وذكروا بها فكأنها نادتهم أن استقبلوه في الصلاة ولكن توقفت على ورود الأمر من رب البيت فلما برز مرسوم فول وجهك شطر المسجد الحرام تلقاه رسول الله والراسخون في الإيمان بالبشرى والقبول وكان عيدا عندهم لأن رسول الله كان كثيرا ما يقلب وجهه في السماء ينتظر أن يحول الله عن قبلة أهل الكتاب فولاه الله القبلة التي يرضاها وتلقى ذلك الكفار بالمعارضة وذكر الشبهات الداحضة وتلقاه الضعفاء من المؤمنين بالإغماض والمشقة فذكر تعالى أصناف الناس عند الأمر باستقبال الكعبة وابتداء ذلك بالتسلية لرسوله وللمؤمنين عما يقول السفهاء من الناس فلا تعبأوا بقولهم فإنه قول سفيه ثم قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فأخبر تعالى أن المشرق والمغرب له أنه رب ذلك فأياًّ ما تعبد له عبادة بأمره إلى أي جهة كانت فهم مطيعون له كما قال: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ فلم يصل مستقبل الجهات بأمره إلا له تعالى فإذا كنتم تصلون إلى غير الكعبة بأمره ثم أمركم أن تصلوا إليها فما صليتم إلا له أولا وآخرا وكنتم على حق في الاستقبال الأول والآخر لأن كليهما كان بأمره ورضاه فانتقلتم من رضاه ثم نبه على فضل الجهة التي أمرهم بالاستقبال إليها ثانيا بأنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم كما هداكم للقبلة التي جعلها قبلتكم وشرعا لكم ورضيها ولكن أمركم باستقبال غيرها أولا لحكمة في ذلك وهو أن يعلم سبحانه من يتبع الرسول ويدور معه حيثما دار ويأتمر بأوامره كيف تصرفت وهو العالم بكل شيء ولكن شاء أن يعلم معلومه الغيبي عيانا مشاهدا فتميز بذلك الراسخ في الإيمان المسلم للرسول المنقاد له ممن يعبد الله تعالى على حرف فينقلب على عقبة بأدنى شبهة. فهذا من بعض حكمه في أن جعل القبلة الأولى غير الكعبة فلم يشرع ذلك سدى ولا عبثا ثم أخبر سبحانه أنه كما جعل لهم أوسط الجهات قبلة بتعبدهم فكذلك جعلهم أمة وسطا فاختار القبلة الوسط في الجهات للأمة الوسط في الأمم ثم ذكر أن هذا التفضيل والاختصاص ليستشهدهم على الأمم فيقبل شهادتهم على الخلائق يوم القيامة ثم أجاب تعالى عما سأل عنه المؤمنون من صلاتهم إلى القبلة الأولى وصلاة من مات من إخوانهم قبل التحويل فقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ وفيه قولان: أحدهما: ما كان ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس بل يجازيكم عليها لأنها كانت بأمره ورضاه، والثاني: ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها وأكثر السلف والخلف على القول الأول وهو مستلزم للقول الآخر الحكمة في نسخ الاستقبال لبيت المقدس.

البقرة 2:143

(من أدِلَّةِ اتِّباعِ أقْوالِ الصَّحابَةِ) قَوْله تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ جَعَلَهم أُمَّةً خِيارًا عُدُولًا، هَذا حَقِيقَةُ الوَسَطِ، فَهم خَيْرُ الأُمَمِ، وأعْدَلُها في أقْوالِهِمْ، وأعْمالِهِمْ، وإرادَتِهِمْ ونِيّاتِهِمْ، وبِهَذا اسْتَحَقُّوا أنْ يَكُونُوا شُهَداءَ لِلرُّسُلِ عَلى أُمَمِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقْبَلُ شَهادَتَهم عَلَيْهِمْ، فَهم شُهَداؤُهُ، ولِهَذا نَوَّهَ بِهِمْ ورَفَعَ ذِكْرَهُمْ، وأثْنى عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا اتَّخَذَهم شُهَداءَ أعْلَمَ خَلْقَهُ مِن المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ بِحالِ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ، وأمَرَ مَلائِكَتَهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ وتَدْعُوَ لَهم وتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، والشّاهِدُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يَشْهَدُ بِعِلْمٍ وصِدْقٍ فَيُخْبِرُ بِالحَقِّ مُسْتَنِدًا إلى عِلْمِهِ بِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] فَقَدْ يُخْبِرُ الإنْسانُ بِالحَقِّ اتِّفاقًا مِن غَيْرِ عِلْمِهِ بِهِ، وقَدْ يَعْلَمُهُ ولا يُخْبِرُ بِهِ؛ فالشّاهِدُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ عَنْ عِلْمٍ؛ فَلَوْ كانَ عِلْمُهم أنْ يُفْتِيَ أحَدُهم بِفَتْوى وتَكُونُ خَطَأً مُخالَفَةً لِحُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ولا يُفْتِي غَيْرَهُ بِالحَقِّ الَّذِي هو حُكْمُ اللَّهِ ورَسُولِهِ إمّا مَعَ اشْتِهارِ فَتْوى الأوَّلِ أوْ بِدُونِ اشْتِهارِها كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ العَدْلُ الخِيارُ قَدْ أطْبَقَتْ عَلى خِلافِ الحَقِّ، بَلْ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ قِسْمًا أفْتى بِالباطِلِ وقِسْمًا سَكَتَ عَنْ الحَقِّ، وهَذا مِن المُسْتَحِيلِ فَإنَّ الحَقَّ لا يَعْدُوهم ويَخْرُجُ عَنْهم إلى مَن بَعْدَهم قَطْعًا، ونَحْنُ نَقُولُ لِمَن خالَفَ أقْوالَهُمْ: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ. (لطيفة) أخْبَرَ تعالى أنَّهُ جَعَلَهم عُدُولًا خِيارًا، ونَوَّهَ بِذِكْرِهِمْ قَبْلَ أنْ يُوجِدَهُمْ، لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِنَ اتِّخاذِهِ لَهم شُهَداءً يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن لَمْ يَقُمْ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ - عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً وإقْرارًا، ودَعْوَةً وتَعْلِيمًا، وإرْشادًا - فَلَيْسَ مِن شُهَداءِ اللَّهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

البقرة 2:144

[تَمْهِيد المُفْتِي لِلْحُكْمِ المُسْتَغْرَبِ] [مِن أدَبِ المُفْتِي أنْ يُمَهِّدَ لِلْحُكْمِ المُسْتَغْرَبِ] الفائِدَةُ السّابِعَةُ: (إذا كانَ الحُكْمُ مُسْتَغْرَبًا جِدًّا مِمّا لا تَأْلَفُهُ النُّفُوسُ وإنَّما ألِفَتْ خِلافَهُ فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أنْ يُوَطِّئَ قَبْلَهُ ما يَكُونُ مُؤْذِنًا بِهِ) كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ والمُقَدِّمَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَأمَّلْ ذِكْرَهُ سُبْحانَهُ قِصَّةَ زَكَرِيّا وإخْراجَ الوَلَدِ مِنهُ بَعْدَ انْصِرامِ عَصْرِ الشَّبِيبَةِ وبُلُوغِهِ السِّنَّ الَّذِي لا يُولَدُ فِيهِ لِمِثْلِهِ في العادَةِ، فَذَكَرَ قِصَّتَهُ مُقَدَّمَةً بَيْنَ يَدَيْ قِصَّةِ المَسِيحِ ووِلادَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ؛ فَإنَّ النُّفُوسَ لَمّا آنَسَتْ بِوَلَدٍ مِن بَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرِينَ لا يُولَدُ لَهُما عادَةً سَهُلَ عَلَيْها التَّصْدِيقُ بِوِلادَةِ ولَدٍ مِن غَيْرِ أبٍ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ قَبْلَ قِصَّةِ المَسِيحِ مُوافاةَ مَرْيَمَ رِزْقَها في غَيْرِ وقْتِهِ وغَيْرِ إبّانِهِ. وَهَذا الَّذِي شَجَّعَ نَفْسَ زَكَرِيّا وحَرَّكَها لِطَلَبِ الوَلَدِ وإنْ كانَ في غَيْرِ إبّانِهِ. وَتَأمَّلْ قِصَّةَ نَسْخِ القِبْلَةِ لَمّا كانَتْ شَدِيدَةً عَلى النُّفُوسِ جِدًّا كَيْفَ وطَّأ سُبْحانَهُ قَبْلَها عِدَّةَ مُوَطَّئاتٍ: مِنها: ذِكْرُ النَّسْخِ، ومِنها: أنَّهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِن المَنسُوخِ أوْ مِثْلِهِ، ومِنها: أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ فَعُمُومُ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ صالِحٌ لِهَذا الأمْرِ الثّانِي كَما كانَ صالِحًا لِلْأوَّلِ. وَمِنها: تَحْذِيرُهم الِاعْتِراضَ عَلى رَسُولِهِ كَما اعْتَرَضَ مَن قَبْلَهم عَلى مُوسى، بَلْ أمَرَهم بِالتَّسْلِيمِ والِانْقِيادِ. وَمِنها: تَحْذِيرُهم بِالإصْغاءِ إلى اليَهُودِ، وأنْ لا تَسْتَخِفَّهم شُبَهُهُمْ، فَإنَّهم يَوَدُّونَ أنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم الحَقُّ. وَمِنها: إخْبارُهُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ لَيْسَ بِالتَّهَوُّدِ ولا بِالتَّنَصُّرِ، وإنَّما هو بِإسْلامِ الوَجْهِ والقَصْدِ والعَمَلِ والنِّيَّةِ لِلَّهِ مَعَ مُتابَعَةِ أمْرِهِ. وَمِنها: إخْبارُهُ سُبْحانَهُ عَنْ سَعَتِهِ، وأنَّهُ حَيْثُ ولّى المُصَلِّي وجْهَهُ فَثَمَّ وجْهُهُ تَعالى، فَإنَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، فَذَكَرَ الإحاطَتَيْنِ الذّاتِيَّةَ والعِلْمِيَّةَ، فَلا يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم في القِبْلَةِ الأُولى لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقْبِلِينَ وجْهَهُ تَبارَكَ وتَعالى ولا في الثّانِيَةِ، بَلْ حَيْثُما تَوَجَّهُوا فَثَمَّ وجْهُهُ تَعالى. وَمِنها: أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَذَّرَ نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ اتِّباعِ أهْواءِ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، بَلْ أمَرَ أنْ يَتْبَعَ هو وأُمَّتُهُ ما أُوحِيَ إلَيْهِ فَيَسْتَقْبِلُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ وحْدَهُ. وَمِنها: أنَّهُ ذَكَرَ عَظَمَةَ بَيْتِهِ الحَرامِ، وعَظَمَةَ بانِيهِ ومِلَّتِهِ، وسَفَّهَ مَن يَرْغَبُ عَنْها، وأمَرَ بِاتِّباعِها، فَنَوَّهَ بِالبَيْتِ وبانِيهِ ومِلَّتِهِ، وكُلُّ هَذا تَوْطِئَةٌ بَيْنَ يَدَيْ التَّحْوِيلِ، مَعَ ما في ضِمْنِهِ مِن المَقاصِدِ الجَلِيلَةِ والمَطالِبِ السَّنِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ فَضْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ وأنَّهم الأُمَّةُ الوَسَطُ العَدْلُ الخِيارُ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ نَبِيُّهم ﷺ أوْسَطَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ وخِيارَهُمْ، وكِتابُهم كَذَلِكَ، ودِينُهم كَذَلِكَ، وقِبْلَتُهم الَّتِي يَسْتَقْبِلُونَها كَذَلِكَ، فَظَهَرَتْ المُناسَبَةُ شَرْعًا وقَدَرًا في أحْكامِهِ تَعالى الأمْرِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ، وظَهَرَتْ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ، وتَجَلَّتْ لِلْعُقُولِ الزَّكِيَّةِ المُسْتَنِيرَةِ بِنُورِ رَبِّها تَبارَكَ وتَعالى. والمَقْصُودُ أنَّ المُفْتِيَ جَدِيرٌ أنْ يَذْكُرَ بَيْنَ يَدَيْ الحُكْمِ الغَرِيبِ الَّذِي لَمْ يُؤَلَّفْ مُقَدِّماتٍ تُؤْنِسُ بِهِ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ، وتَكُونُ تَوْطِئَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

البقرة 2:145

ثم أخبر تعالى عن شدة كفر أهل الكتاب بأنهم لو أتاهم الرسول بكل آية ما تبعوا قبلته ففي ذلك التسلية له وتركهم وقبلتهم ثم برأه من قبلتهم فقال: ﴿وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ ثم ذكر اختلافهم في القبلة وأن كل طائفة منهم لا تتبع الطائفة الأخرى لأن القبلة من خواص الدين وأعلامه وشعائره الظاهرة فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم إلا أن يفارقوا دينهم فأخبر تعالى في هذه الجمل الثلاث بثلاث إخبارات تتضمن براءة كل طائفة من قبلة الطائفة الأخرى وتتضمن الإخبار بأن أهل الكتاب لو رأوا كل آية تدل على صدق الرسول لما تبعوا قبلته عنادا وتقليدا لآبائهم وأنهم إن اشتركوا في خلاف القبلة الحق منهم مختلون مختلفون في باطلهم فلا تتبع طائفة قبلة الأخرى فهم متفقون على خلاف الحق في اختيار الباطل وفي هذه الآية أيضا ثبيت للرسول والمؤمنين على لزوم قبلتهم وأنه لا يشتغل بما يقوله أهل الكتاب ارجعوا إلى قبلتنا فنتبعكم على دينكم فإن هذا خداع ومكر منهم فإنهم لو رأوا كل آية تدل على صدقك ما تبعوا قبلتك لأن الكفر قد تمكن من قلوبهم فلا مطمع للحق فيها ولست أيضا بتابع قبلتهم فليقطعوا مطامعهم من موافقتك لهم وعودك إلى قبلتهم وكذلك هم أيضا مختلفون فيما بينهم فلا يتبع أحد منهم قلبة الآخر فهم مختلفون في القبلة ولستم أيها المؤمنون موافقين لأحد منهم في قبلته بل أكرمكم الله بقبلة غير قبلة هؤلاء المختلفين اختارها الله لكم ورضيها وأكد تعالى هذا المعنى بقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فهذا كله تثبيت وتحذير من موافقتهم في القبلة وبراءة من قبلتهم كما هم براء من قبلتك وكما بعضهم برئ من قبله بعض فأنتم أيها المؤمنون أولى بالبراءة من قبلتهم التي أكرمكم الله تعالى بالتحويل عنها ثم أكد ذلك بقوله: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾.

البقرة 2:146

﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ فإنهم كان عندهم من صفته قبل أن يروه ما طابق شخصه عند رؤيته وجاء كما يعرفون أبناءهم من باب ازدواج الكلام وتشبيه أحد اليقينين بالآخر فتأمله. (لطيفة) ذكرنا في كتاب الفوائد المكية السر في مجيء: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ والفرق بين الموضعين وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعا في سياق المدح، وحيث حذفه كان من أوتيه واقعا في سياق الذم أو منقسما. وذلك من أسرار القرآن الكريم. ومثله: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ وبالجملة فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة وعدل، والشر ليس إليه.

البقرة 2:148

ثم أخبر تعالى عن اختصاص كل أمة بقبلتهم فقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ وأصح القولين أن المعنى هو متوجه إليها أي موليها وجهه فالضمير راجع إلى كل، وقيل إلى الله أي الله موليها إياه وليس بشيء لأن الله لم يول القبلة الباطلة أبدا ولا أمر النصارى باستقبال الشرق قط بل هم تولوا هذه القبلة من تلقاء أنفسهم وولوها وجوههم وقوله: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ مشعر بصحة هذا القول أي إذا كان أهل الملل قد تولوا الجهات فاستقبوا أنتم الخيرات وبادروا إلى ما اختاره الله لكم ورضيه وولاكم إياه ولا تتوقفوا فيه ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يجمعكم من الجهات المختلفة والأقطار المتباينة إلى موقف القيامة كما تجتمعون من سائر الجهات إلى جهة القبلة التي تؤمونها فهكذا تجتمعون من سائر أقطار الأرض إلى جهة الموقف الذي يؤمه الخلائق وهذا نظير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْرات﴾ المرجع إلى الله تعالى. وأخبر أن مرجعهم إليه عند إخباره بتعدد شرائعهم ومنها هجم كما ذكر ذلك بعينه عند إخباره بتعدد وجهتهم وقبلتهم فقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْرات أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ وتحت هذا سر بديع يفهمه من يفهمه وهو أنه عند الاختلاف في الطرائق والمذاهب والشرائع والقبل يكون أقربها إلى الحق ما كان أدل على الله وأوصل إليه لأن مرجع الجميع إليه يوم القيامة وحده وإن اختلفت أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم فمرجعهم إلى رب واحد وإله واحد فهكذا ينبغي أن يكون مرد الجميع ورجوعهم كلهم إليه وحده في الدنيا فلا يعبدون غيره ولا يدينون بغير دينه إذ هو إلههم الحق في الدنيا والآخرة فإذا كان أكثر الناس قد أبي ذلك إلا كفورا وذهابا في الطرق الباطلة وعبادة غيره وإن دانوا غير دينه فاستبقوا أنتم أيها المؤمنين للخيرات وبادروا إليها ولا تذهبوا مع الذين يسارعون في الباطل والكفر فتأمل هذا السر البديع في السورتين يوم الفصل والبعث.

البقرة 2:150

قال أبو القاسم السهيلي: قال الله تعالى في الآية الناسخة: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أي من أي جهة جئت إلى الصلاة وخرجت إليها فاستقبل الكعبة كنت متسدبرا بيت المقدس أو لم تكن لأنه كان بمكة يتحرى في استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه. قال: "تدبر قوله: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ ولم يقل حيث ما خرجتم وذلك لأنه كان إمام المسلمين فكان يخرج إليهم في كل صلاة ليصلي بهم وكان ذلك واجبا عليه إذ كان الإمام المقتدي به فأفاد ذكر الخروج في خاصته هذا المعنى ولم يكن حكم غيره هكذا يقتضي الخروج ولا سيما النساء ومن لا جماعة عليه". قلت: ويظهر في هذا معنى آخر وهو أن قوله ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ خطاب عام له ولأمته يقتضي أمرهم بالتوجه إلى المسجد الحرام في أي موضع كانوا من الأرض وقوله: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ خطاب بصيغة الإفراد والمراد هو الأمة كقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ونظائره وهو يفيد الأمر باستقبالها من أي جهة ومكان خرج منه وقوله: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ يفيد الأمر باستقبالها في أي موضع استقر فيه وهو تعالى لم يقيد الخروج بغاية بل أطلق غايته كما عم مبدأة فمن حيث خرج إلى أي مخرج كان من صلاة أو غزو أو حج أو غير ذلك فهو مأمور باستقبال المسجد الحرام هو والأمة وفي أي بقعة كانوا من الأرض فهو مأمور هو والأمة باستقباله فتناولت الآيتان أحوال الأمة كلها في مبدأ تنقلهم من حيث خرجوا وفي غايته إلى حيث أنتهوا وفي حال اسقرارهم حيث ما كانوا فأفاد ذلك عموم الأمر بالاستقبال في الأحوال الثلاث التي لا ينفك منها العبد فتأمل هذا المعنى ووازن بينه وبين ما أبداه أبو القاسم يتبين لك الرجحان والله أعلم بما أراد من كلامه وإنما هو كد أفهام أمثالنا من القاصرين فقوله من حيث خرجت يتناول مبدأ الخروج وغايته له وللأمة وكان أولى بهذا الخطاب لأن مبدأ التوجه كان على يديه وكان شديد الحرص على التحويل. وقوله: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ يتناول أماكن الكون كلها له وللأمة وكانوا أولى بهذا الخطاب لتعدد أماكن أكوانهم وكثرتها بحسب كثرتهم واختلاف بلادهم وأقطارهم واستدارتها حول الكعبة شرقا وغربا ويمنا وعراقا فكان الأحسن في حقهم أن يقال لهم وحيث ما كنتم أي من أقطار الأرض في شرقها وغربها وسائر جهاتها ولا ريب أنهم أدخل في هذا الخطاب منه. فتأمل هذه النكت البديعة فلعلك لا تظفر بها في موضع غير هذا والله أعلم. قال أبو القاسم: "وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلي بيت الحرام في ثلاث آيات لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل الريب والنفاق اشتد إنكارهم له لأنه كان أول نسخ نزل وكفار قريش قالوا ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبله إبراهيم وإسماعيل وآثر عليها قبلة اليهود فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ على الاستثناء المنقطع أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أي من الذين شكوا وامتروا ومعنى الحق من ربك أي الذي أمرتك به من التوجه إلى بيت الحرام هوالحق الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر في ذلك فقال: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ وقال: ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء ثم ساق من طريق أبي داود في كتاب الناسخ والمنسوخ". قال حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة عن يونس عن ابن شهاب قال: "كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم إيليا كما يعظمها أهل بيته قال: فسرت معه وهو ولي عهد قال: ومعه خالد بن يزيد بن معاوية فقال سليمان وهو جالس فيه: "والله إن في هذه القبلة التي صلى إليها المسلمون والنصارى لعجبا كذا رأيته. والصواب اليهود قال خالد بن يزيد: "أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي أنزله الله على محمد فلم تجدها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة فلما غضب الله عز وجل على بني إسرائيل رفعه فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم". وروى أبو داود أيضا أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة فقال أبو العالية: "إن موسى كان يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام فكانت الكعبة قبلته وكانت الصخرة بين يديه وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي ﷺ فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة". انتهى. قلت: وقد تضمن هذا الفصل فائدة جليلة وهي أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي والتوقيف من الله بل كان عن مشورة منهم واجتهاد أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق أبدا وهم مقرون بذلك ومقرون أن قبله المسيح كانت قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة وإنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح فوض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو وحرمه في السماء فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق على لسان رسوله أبدا والمسلمون شاهدون عليهم بذلك وأما قبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة ألبتة وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة. وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طور لهم بأرض الشام ويعظمونه ويحجون إليه ورأيته أنا وهو في بلد نابلس وناظرت فضلاءهم في استقباله وقلت هو قبلة باطلة مبتدعة فقال مشار إليه في دينهم هذه هي القبلة الصحيحة واليهود أخطأوها لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله فقلت له هذا خطأ قطعا على التوراة لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل فهم المخاطبون بها وأنتم فرع عليهم فيها وإنما تلقيتموها عنهم وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها وليس هذا فيها فقال لي: صدقت إنما هو في توراتنا خاصة قلت: له فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض قد كتموا هذا النص وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتموها أنتم وحفظتم النص بها فلم يرجع إلى الجواب. قلت وهذا كله مما يقوى أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ راجعا إلى (كل) أي هو موليها وجهه ليس المراد أن الله موليه إياها لوجوه هذا أحدها. الثاني: أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية وإن كان مذكورا فيما قبلها ففي إعادة الضمير إليه تعالى دون كل رد الضمير إلى غير من هو أولى به ومنعه من القريب منه اللاحق به. الثالث: أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال هو موليه إياها هذا وجه الكلام كما قال تعالى: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ فوجه الكلام أن يقال ولاه القبلة لا يقال ولى القبلة إياه فتأمله. وقول أبي القاسم أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثا ردا على الطوائف الثلاث ليس بالبين ولا في اللفظ إشعار بذلك والذي يظهر فيه أنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه فذكره أول مرة ابتداء للحكم ونسخا للاستقبال الأول فقال ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ ثم ذكر أن أهل الكتاب يعلمون أن هذا هو الحق من ربهم حيث يجدونه في كتبهم كذلك ثم أخبر عن عبادتهم وكفرهم وأنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته ولا هو أيضا بتابع قبلتهم ولا بعضهم بتابع قبلة بعض ثم حذره من اتباع أهوائهم ثم كرر معرفة أهل الكتاب به كمعرفتهم بأبنائهم وأنهم ليكتمون الحق عن علم ثم أخبر أن هذا هو الحق من ربه فلا يلحقه فيه امتراء ثم أخبر أن لكل من الأمم وجهة هو مستقبلها وموليها وجهة فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيرات ثم أعاد الأمر باستقبالها من حيث خرج في ضمن هذا السياق الزائد على مجرد النسخ ثم أعاد الأمر به غير مكرر له تكررا محضا بل في ضمنه أمرهم باستقبالها حيثما كانوا كما أمرهم باستقبالها أولا حيثما كانوا عند النسخ وابتداء شرع لحكم فأمرهم باستقبالها حيثما كانوا عند شرع الحكم وابتدائه وبعد المحاجة والمخاصمة والحكم لهم وبيان عنادهم ومخالفتهم مع علمهم فذكر الأمر بذلك في كل موطن لاقتضاء السياق له فتامله والله أعلم. وقوله: إن الاستثناء في قوله ﴿إلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم﴾ منقطع قد قاله أكثر الناس ووجهة أن الظالم لا حجة له فاستثناؤه مما ذكر قبله منقطع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "ليس الاستثناء بمنقطع بل هو متصل على بابه وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة هاهنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق والحجة في كتاب الله يراد بها نوعان: أحدهما: الحجة الحق الصحيحة كقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾. ويراد بها مطلق الاحتجاج بحق أو بباطل كقوله: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله﴾ وقوله: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلاّ أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وقوله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ وقوله: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وإذا كانت الحجة اسما لما يحتج به من الحق أو باطل صح استثناء حجة الظالمين من قوله: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ وهذا في غاية التحقيق والمعنى أن الظالمين يحتجون عليك بالحجة الباطلة الداحضة فلا تخشوهم واخشوني. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ فهذه مناظرة حكاها الله بين المسلمين والكفار فإن الكفار لجأوا إلى تقليد الآباء وظنوا أنه منجيهم لإحسانهم ظنهم بهم فحكم الله بينهم بقوله: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ وفي موضع آخر ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ وفي موضع آخر ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ فأخبر عن بطلان هذه الحجة وأنها لا تنجني من عذاب الله تعالى لأنها تقليد من ليس عنده علم ولا هدى من الله والمعنى ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يقلدونهم ولو كانوا لا علم عندهم ولا هدى يقلدونهم أيضا وهذا شأن من لا غرض له في الهدى ولا في اتباع الحق إن غرضه بالتقليد إلا دفع الحق والحجة إذا لزمته لأنه لو كان مقصوده الحق لاتبعه إذا ظهر له وقد جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم فلو كنتم ممن يتبع الحق لأتبعتم ما جئتكم به فأنتم لم تقلدوا الآباء لكونهم على حق فقد جئتكم أهدى مما وجدتموهم عليه وإنما جعلتم تقليدهم جنة لكم تدفعون بها الحق الذي جئتكم به. ((الجزء الثالث))

البقرة 2:152

(فائدة) قالوا: الشكر مراد لنفسه، والصبر مراد لغيره، والصبر إنما حمد لإفضائه وإيصاله إلى الشكر فهو خادم الشكر. وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" وثبت في المسند والترمذي أن النبي قال لمعاذ: "والله إني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا أبو معاوية وجعفر بن عون عن هشام بن عروة قال كان من دعاء النبي ﷺ: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". قال وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمه حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه خونا في نفسها ولا في ماله" وذكر أيضا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي قال: "ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره، وإن الرجل يشتري الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له". وقد ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكله فيحمده عليها، ويشرب الشربه فيحمده عليها" فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ في مقابلة شكره بالحمد. وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال قال رسول الله: "لا يرزق الله عبدا الشكر فيحرمه الزيادة" لأن الله تعالى يقول ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ وقال الحسن البصري: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابا" ولهذا كانوا يسمون الشكر الحافظ لأنه يحفظ النعم الموجودة والجالب لأنه يجلب النعم المفقودة. وذكر ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لرجل من همذان: "إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد" وقال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بشكر الله" وكان يقول: الشكر قيد النعم. وقال مطرف بن عبد الله "لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن ابتلى فأصبر" وقال الحسن "أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر" (فصل) مَن بَذَلَ لِلَّهِ شَيْئًا أعاضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ. وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾. وَمِنها: قَوْلُهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ». وَمِنها: قَوْلُهُ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا» الحَدِيثَ. فالعَبْدُ لا يَزالُ رابِحًا عَلى رَبِّهِ أفْضَلَ مِمّا قَدَّمَ لَهُ، وهَذا المُتَقَرِّبُ بِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وعَمَلِهِ يَفْتَحُ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِحَياةٍ لا تُشْبِهُ ما النّاسُ فِيهِ مِن أنْواعِ الحَياةِ، بَلْ حَياةُ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى حَياتِهِ، كَحَياةِ الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَياةِ أهْلِ الدُّنْيا ولَذَّتِهِمْ فِيها، بَلْ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. فَهَذا نَمُوذَجُ مَن بايَنَ شَرَفَ هَذِهِ الحَياةِ وفَضْلَها، وإنْ كانَ عِلْمُ هَذا يُوجِبُ لِصاحِبِهِ حَياةً طَيِّبَةً، فَكَيْفَ إنِ انْصَبَغَ القَلْبُ بِهِ، وصارَ حالًا مُلازِمًا لِذاتِهِ؟ فاللَّهُ المُسْتَعانُ. فَهَذِهِ الحَياةُ: هي حَياةُ الدُّنْيا ونَعِيمُها في الحَقِيقَةِ، فَمَن فَقَدَها فَفَقْدُهُ لِحَياتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ أوْلى بِهِ. ؎هَذِي حَياةُ الفَتى فَإنْ فُقِدَتْ ∗∗∗ فَفَقْدُهُ لِلْحَياةِ ألْيَقُ بِهِ فَلا عَيْشَ إلّا عَيْشَ المُحِبِّينَ، الَّذِينَ قَرَّتْ أعْيُنُهم بِحَبِيبِهِمْ، وسَكَنَتْ نُفُوسُهم إلَيْهِ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم بِهِ، واسْتَأْنَسُوا بِقُرْبِهِ، وتَنَعَّمُوا بِحُبِّهِ، فَفي القَلْبِ فاقَةٌ لا يَسُدُّها إلّا مَحَبَّةُ اللَّهِ والإقْبالُ عَلَيْهِ والإنابَةُ إلَيْهِ، ولا يُلَمُّ شَعَثُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، ومَن لَمْ يَظْفَرْ بِذَلِكَ: فَحَياتُهُ كُلُّها هُمُومٌ وغُمُومٌ، وآلامٌ وحَسَراتٌ، فَإنَّهُ إنْ كانَ ذا هِمَّةٍ عالِيَةٍ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلى الدُّنْيا حَسَراتٍ، فَإنَّ هِمَّتَهُ لا تَرْضى فِيها بِالدُّونِ وإنْ كانَ مَهِينًا خَسِيسًا، فَعَيْشُهُ كَعَيْشِ أخَسِّ الحَيَواناتِ، فَلا تَقَرُّ العُيُونُ إلّا بِمَحَبَّةِ الحَبِيبِ الأوَّلِ. ؎نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوى ∗∗∗ ما الحُبُّ إلّا لِلْحَبِيبِ الأوَّلِ ؎كَمْ مَنزِلٍ في الأرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتى ∗∗∗ وحَنِينُهُ أبَدًا لِأوَّلِ مَنزِلِ (فصل: مبْنى الدّين على قاعدتين الذّكر والشُّكْر) قالَ تَعالى ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تكفرون﴾ وَقالَ النَّبِي لِمعاذ والله إنِّي لَأحبك فَلا تنسى أن تَقول دبر كل صَلاة اللَّهُمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ولَيْسَ المُراد بِالذكر مُجَرّد الذّكر اللِّسان بل الذّكر القلبي واللساني وذكره يتَضَمَّن ذكر أسْمائِهِ وصِفاته وذكر أمره ونَهْيه وذكره بِكَلامِهِ وذَلِكَ يسْتَلْزم مَعْرفَته والإيمان بِهِ وبصفات كَماله ونعوت جَلاله والثناء عَلَيْهِ بأنواع المَدْح وذَلِكَ لا يتم إلّا بتوحيده فَذكره الحَقِيقِيّ يسْتَلْزم ذَلِك كُله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه. وَأما الشُّكْر فَهو القيام بِطاعَتِهِ والتقرب إلَيْهِ بأنواع محابه ظاهرا وباطنا وهَذانِ الأمْرانِ هما جماع الدّين فَذكره مُسْتَلْزم لمعرفته وشكره مُتَضَمّن لطاعته وهَذانِ هما الغايَة الَّتِي خلق لأجلها الجِنّ والإنْس والسَّماوات والأرْض ووضع لأجلها الثَّواب والعِقاب وأنزل الكتب وأرْسل الرُّسُل وهِي الحق الَّذِي بِهِ خلقت السَّماوات والأرْض وما بَينهما وضدها هو الباطِل والعبث الَّذِي يتعالى ويتقدس عَنهُ وهو ظن أعدائه بِهِ قالَ تَعالى وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْض وما بَينهما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذين كفرُوا وقالَ وما خَلَقْنا السَّماوات والأرْض وما بَينهما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ وقالَ وما خَلَقْنا السَّماوات والأرْض وما بَينهما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَة لآتية وقالَ بعد ذكر آياته في أول سُورَة يُونُس ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ وقالَ ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ وقالَ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وقالَ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إلّا ليعبدون﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سبع سموات ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ على كل شَيْء قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْء علما﴾ وَقالَ ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماوات وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْء عليم﴾ فَثَبت بِما ذكر أن غايَة الخلق والأمر أن يذكر وأن يشْكر يذكر فَلا ينسى ويشكر فَلا يكفر وهو سُبْحانَهُ ذاكر لمن ذكره شاكر لمن شكره فَذكره سَبَب لذكره وشكره سَبَب لزيادته من فَضله فالذكر للقلب واللِّسان والشُّكْر للقلب محبَّة وإنابة وللسان ثناد وحمد وللجوارح طاعَة وخدمة.

البقرة 2:153

(فائدة) إنه سبحانه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها فقرنه بالصلاة كقوله ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ وقرنه بالأعمال الصالحة عموما كقوله ﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات﴾ وجعله قرين التقوى كقوله ﴿إنه من يتق ويصبر﴾ وجعله قرين الشكر كقوله ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ وجعله قرين الحق كقوله ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ وجعله قرين الرحمة كقوله ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ وجعله قرين اليقين كقوله ﴿لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ وجعله قرين الصدق كقوله ﴿والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات﴾ وجعله سبب محبته ومعيته ونصره وعونه وحسن جزائه ويكفي بعض ذلك شرفا وفضلا والله أعلم. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الصَّبْرِ] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الصَّبْرِ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: الصَّبْرُ في القُرْآنِ في نَحْوِ تِسْعِينَ مَوْضِعًا. وَهُوَ واجِبٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ. وهو نِصْفُ الإيمانِ. فَإنَّ الإيمانَ نِصْفانِ: نِصْفُ صَبْرٍ، ونِصْفُ شُكْرٍ. وَهُوَ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ عَلى سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا. الأوَّلُ: الأمْرُ بِهِ. نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقَوْلُهُ: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وقَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. الثّانِي: النَّهْيُ عَنْ ضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، فَإنَّ تَوْلِيَةَ الأدْبارِ: تَرْكٌ لِلصَّبْرِ والمُصابَرَةِ. وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فَإنَّ إبْطالَها تَرْكُ الصَّبْرِ عَلى إتْمامِها. وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] فَإنَّ الوَهْنَ مِن عَدَمِ الصَّبْرِ. الثّالِثُ: الثَّناءُ عَلى أهْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وَهُوَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. الرّابِعُ: إيجابُهُ سُبْحانَهُ مَحَبَّتَهُ لَهم. كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. الخامِسُ: إيجابُ مَعِيَّتِهِ لَهم. وهي مَعِيَّةٌ خاصَّةٌ. تَتَضَمَّنُ حِفْظَهم ونَصْرَهُمْ، وتَأْيِيدَهم. لَيْسَتْ مَعِيَّةً عامَّةً. وهي مَعِيَّةُ العِلْمِ والإحاطَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. السّادِسُ: إخْبارُهُ بِأنَّ الصَّبْرَ خَيْرٌ لِأصْحابِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. السّابِعُ: إيجابُ الجَزاءِ لَهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]. الثّامِنُ: إيجابُهُ سُبْحانَهُ الجَزاءَ لَهم بِغَيْرِ حِسابٍ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. التّاسِعُ: إطْلاقُ البُشْرى لِأهْلِ الصَّبْرِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]. العاشِرُ: ضَمانُ النَّصْرِ والمَدَدِ لَهم. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ». الحادِي عَشَرَ: الإخْبارُ مِنهُ تَعالى بِأنَّ أهْلَ الصَّبْرِ هم أهْلُ العَزائِمِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. الثّانِي عَشَرَ: الإخْبارُ أنَّهُ ما يَلْقى الأعْمالَ الصّالِحَةَ وجَزاءَها والحُظُوظَ العَظِيمَةَ إلّا أهْلُ الصَّبْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. الثّالِثَ عَشَرَ: الإخْبارُ أنَّهُ إنَّما يَنْتَفِعُ بِالآياتِ والعِبَرِ أهْلُ الصَّبْرِ. كَقَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]، وقَوْلِهِ في أهْلِ سَبَإٍ: ﴿فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩]. وقَوْلِهِ: في سُورَةِ الشُّورى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٢]. الرّابِعَ عَشَرَ: الإخْبارُ بِأنَّ الفَوْزَ المَطْلُوبَ المَحْبُوبَ، والنَّجاةَ مِنَ المَكْرُوهِ المَرْهُوبِ، ودُخُولَ الجَنَّةِ، إنَّما نالُوهُ بِالصَّبْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣]. الخامِسَ عَشَرَ: أنَّهُ يُورِثُ صاحِبَهُ دَرَجَةَ الإمامَةِ. سَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: بِالصَّبْرِ واليَقِينِ تُنالُ الإمامَةُ في الدِّينِ. ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. السّادِسَ عَشَرَ: اقْتِرانُهُ بِمَقاماتِ الإسْلامِ والإيمانِ، كَما قَرَنَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِاليَقِينِ وبِالإيمانِ، والتَّقْوى والتَّوَكُّلِ. وبِالشُّكْرِ والعَمَلِ الصّالِحِ والرَّحْمَةِ. وَلِهَذا كانَ الصَّبْرُ مِنَ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، ولا إيمانَ لِمَن لا صَبْرَ لَهُ، كَما أنَّهُ لا جَسَدَ لِمَن لا رَأْسَ لَهُ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَيْرُ عَيْشٍ أدْرَكْناهُ بِالصَّبْرِ. وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ ضِياءٌ. وقالَ: «مَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ». وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «عَجَبًا لِأمْرِ المُؤْمِنِ! إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ إلّا لِلْمُؤْمِنِ. إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ. فَكانَ خَيْرًا لَهُ. وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ. فَكانَ خَيْرًا لَهُ». «وَقالَ لِلْمَرْأةِ السَّوْداءِ الَّتِي كانَتْ تُصْرَعُ فَسَألَتْهُ أنْ يَدْعُوَ لَها: إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولَكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يُعافِيَكِ. فَقالَتْ: إنِّي أتَكَشَّفُ فادْعُ اللَّهَ أنْ لا أتَكَشَّفَ. فَدَعا لَها». وَأمَرَ الأنْصارَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِأنْ يَصْبِرُوا عَلى الأثَرَةِ الَّتِي يَلْقَوْنَها بَعْدَهُ، حَتّى يَلْقَوْهُ عَلى الحَوْضِ. وَأمَرَ عِنْدَ مُلاقاةِ العَدُوِّ بِالصَّبْرِ. وأمَرَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ. وأخْبَرَ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى. وَأمَرَ ﷺ المُصابَ بِأنْفَعِ الأُمُورِ لَهُ، وهو الصَّبْرُ والِاحْتِسابُ. فَإنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ مُصِيبَتَهُ، ويُوَفِّرُ أجْرَهُ. والجَزَعُ والتَّسَخُّطُ والتَّشَكِّي يَزِيدُ في المُصِيبَةِ، ويُذْهِبُ الأجْرَ. وَأخْبَرَ ﷺ أنَّ الصَّبْرَ خَيْرٌ كُلُّهُ، فَقالَ: «ما أُعْطِي أحَدٌ عَطاءً خَيْرًا لَهُ وأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».

البقرة 2:156

(فصل) وَفِي " المُسْنَدِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن أحَدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها، إلّا أجارَهُ اللَّهُ في مُصِيبَتِهِ، وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنها». وَهَذِهِ الكَلِمَةُ مِن أبْلَغِ عِلاجِ المُصابِ، وأنْفَعِهِ لَهُ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ إذا تَحَقَّقَ العَبْدُ بِمَعْرِفَتِهِما تَسَلّى عَنْ مُصِيبَتِهِ. أحَدُهُما: أنَّ العَبْدَ وأهْلَهُ ومالَهُ مِلْكٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَقِيقَةً، وقَدْ جَعَلَهُ عِنْدَ العَبْدِ عارِيَةً، فَإذا أخَذَهُ مِنهُ فَهو كالمُعِيرِ يَأْخُذُ مَتاعَهُ مِنَ المُسْتَعِيرِ، وأيْضًا فَإنَّهُ مَحْفُوفٌ بِعَدَمَيْنِ: عَدَمٍ قَبْلَهُ وعَدَمٍ بَعْدَهُ، ومِلْكُ العَبْدِ لَهُ مُتْعَةٌ مُعارَةٌ في زَمَنٍ يَسِيرٍ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَيْسَ الَّذِي أوْجَدَهُ عَنْ عَدَمِهِ، حَتّى يَكُونَ مِلْكُهُ حَقِيقَةً، ولا هو الَّذِي يَحْفَظُهُ مِنَ الآفاتِ بَعْدَ وُجُودِهِ، ولا يُبْقِي عَلَيْهِ وُجُودَهُ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ، ولا مِلْكٌ حَقِيقِيٌّ، وأيْضًا فَإنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِالأمْرِ تَصَرُّفَ العَبْدِ المَأْمُورِ المَنهِيِّ لا تَصَرُّفَ المُلّاكِ، ولِهَذا لا يُباحُ لَهُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ فِيهِ إلّا ما وافَقَ أمْرَ مالِكِهِ الحَقِيقِيِّ. والثّانِي: أنَّ مَصِيرَ العَبْدِ ومَرْجِعَهُ إلى اللَّهِ مَوْلاهُ الحَقِّ، ولا بُدَّ أنْ يُخَلِّفَ الدُّنْيا وراءَ ظَهْرِهِ، ويَجِيءَ رَبَّهُ فَرْدًا كَما خَلَقَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ: بِلا أهْلٍ، ولا مالٍ، ولا عَشِيرَةٍ، ولَكِنْ بِالحَسَناتِ، والسَّيِّئاتِ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ بِدايَةَ العَبْدِ وما خُوِّلَهُ ونِهايَتَهُ، فَكَيْفَ يَفْرَحُ بِمَوْجُودٍ أوْ يَأْسى عَلى مَفْقُودٍ، فَفِكْرُهُ في مَبْدَئِهِ ومَعادِهِ مِن أعْظَمِ عِلاجِ هَذا الدّاءِ، ومِن عِلاجِهِ أنْ يَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخْطَأهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ - لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢]. وَمِن عِلاجِهِ أنْ يَنْظُرَ إلى ما أُصِيبَ بِهِ، فَيَجِدُ رَبَّهُ قَدْ أبْقى عَلَيْهِ مِثْلَهُ، أوْ أفْضَلَ مِنهُ، وادَّخَرَ لَهُ - إنْ صَبَرَ ورَضِيَ - ما هو أعْظَمُ مِن فَواتِ تِلْكَ المُصِيبَةِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَعَلَها أعْظَمَ مِمّا هي. وَمِن عِلاجِهِ أنْ يُطْفِئَ نارَ مُصِيبَتِهِ بِبَرْدِ التَّأسِّي بِأهْلِ المَصائِبِ، ولِيَعْلَمَ أنَّهُ في كُلِّ وادٍ بَنُو سَعْدٍ، ولْيَنْظُرْ يَمْنَةً فَهَلْ يَرى إلّا مِحْنَةً؟ ثُمَّ لِيَعْطِفْ يَسْرَةً فَهَلْ يَرى إلّا حَسْرَةً؟ وأنَّهُ لَوْ فَتَّشَ العالَمَ لَمْ يَرَ فِيهِمْ إلّا مُبْتَلًى، إمّا بِفَواتِ مَحْبُوبٍ، أوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ، وأنَّ شُرُورَ الدُّنْيا أحْلامُ نَوْمٍ، أوْ كَظِلٍّ زائِلٍ، إنْ أضْحَكَتْ قَلِيلًا أبْكَتْ كَثِيرًا، وإنْ سَرَّتْ يَوْمًا ساءَتْ دَهْرًا وإنْ مَتَّعَتْ قَلِيلًا، مَنَعَتْ طَوِيلًا، وما مَلَأتْ دارًا خِيرَةً إلّا مَلَأتْها عَبْرَةً، ولا سَرَّتْهُ بِيَوْمِ سُرُورٍ إلّا خَبَّأتْ لَهُ يَوْمَ شُرُورٍ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لِكُلِّ فَرْحَةٍ تَرْحَةٌ، وما مُلِئَ بَيْتٌ فَرَحًا إلّا مُلِئَ تَرَحًا " وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: " ما كانَ ضَحِكٌ قَطُّ إلّا كانَ مِن بَعْدِهِ بُكاءٌ ". وَقالَتْ هند بنت النعمان: لَقَدْ رَأيْتُنا ونَحْنُ مِن أعَزِّ النّاسِ وأشَدِّهِمْ مُلْكًا، ثُمَّ لَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى رَأيْتُنا، ونَحْنُ أقَلُّ النّاسِ وأنَّهُ حَقٌّ عَلى اللَّهِ ألّا يَمْلَأ دارًا خِيرَةً إلّا مَلَأها عَبْرَةً. وَسَألَها رَجُلٌ أنْ تُحَدِّثَهُ عَنْ أمْرِها فَقالَتْ: " أصْبَحْنا ذا صَباحٍ وما في العَرَبِ أحَدٌ إلّا يَرْجُونا ثُمَّ أمْسَيْنا وما في العَرَبِ أحَدٌ إلّا يَرْحَمُنا ". وَبَكَتْ أُخْتُها حرقة بنت النعمان يَوْمًا، وهي في عِزِّها فَقِيلَ لَها: ما يُبْكِيكِ لَعَلَّ أحَدًا آذاكِ؟ قالَتْ: لا ولَكِنْ رَأيْتُ غَضارَةً في أهْلِي، وقَلَّما امْتَلَأتْ دارٌ سُرُورًا إلّا امْتَلَأتْ حُزْنًا. قالَ إسْحاقُ بْنُ طَلْحَةَ: دَخَلْتُ عَلَيْها يَوْمًا فَقُلْتُ لَها: كَيْفَ رَأيْتِ عَبَراتِ المُلُوكِ؟ فَقالَتْ: ما نَحْنُ فِيهِ اليَوْمَ خَيْرٌ مِمّا كُنّا فِيهِ الأمْسَ، إنّا نَجِدُ في الكُتُبِ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ بَيْتٍ يَعِيشُونَ في خِيرَةٍ إلّا سَيُعْقَبُونَ بَعْدَها عَبْرَةً، وأنَّ الدَّهْرَ لَمْ يَظْهَرْ لِقَوْمٍ بِيَوْمٍ يُحِبُّونَهُ إلّا بَطَنَ لَهم بِيَوْمٍ يَكْرَهُونَهُ ثُمَّ قالَتْ: ؎فَبَيْنا نَسُوسُ النّاسَ والأمْرُ أمْرُنا ∗∗∗ إذا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ ؎فَأُفٍّ لِدُنْيا لا يَدُومُ نَعِيمُها ∗∗∗ تَقَلَّبُ تاراتٍ بِنا وتَصَرَّفُ وَمِن عِلاجِها أنْ يَعْلَمَ أنَّ الجَزَعَ لا يَرُدُّها، بَلْ يُضاعِفُها، وهو في الحَقِيقَةِ مِن تَزايُدِ المَرَضِ. وَمِن عِلاجِها أنْ يَعْلَمَ أنَّ فَوْتَ ثَوابِ الصَّبْرِ والتَّسْلِيمَ، وهو الصَّلاةُ والرَّحْمَةُ والهِدايَةُ الَّتِي ضَمِنَها اللَّهُ عَلى الصَّبْرِ، والِاسْتِرْجاعِ أعْظَمُ مِنَ المُصِيبَةِ في الحَقِيقَةِ. وَمِن عِلاجِها أنْ يَعْلَمَ أنَّ الجَزَعَ يُشْمِتُ عَدُوَّهُ، ويَسُوءُ صَدِيقَهُ، ويُغْضِبُ رَبَّهُ، ويَسُرُّ شَيْطانَهُ، ويُحْبِطُ أجْرَهُ، ويُضْعِفُ نَفْسَهُ، وإذا صَبَرَ واحْتَسَبَ أنْضى شَيْطانَهُ ورَدَّهُ خاسِئًا وأرْضى رَبَّهُ وسَرَّ صَدِيقَهُ، وساءَ عَدُوَّهُ، وحَمَلَ عَنْ إخْوانِهِ، وعَزّاهم هو قَبْلَ أنْ يُعَزُّوهُ، فَهَذا هو الثَّباتُ والكَمالُ الأعْظَمُ، لا لَطْمُ الخُدُودِ، وشَقُّ الجُيُوبِ، والدُّعاءُ بِالوَيْلِ، والثُّبُورِ، والسُّخْطُ عَلى المَقْدُورِ. وَمِن عِلاجِها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ ما يُعْقِبُهُ الصَّبْرُ والِاحْتِسابُ مِنَ اللَّذَّةِ والمَسَرَّةِ أضْعافُ ما كانَ يَحْصُلُ لَهُ بِبَقاءِ ما أُصِيبَ بِهِ لَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ، ويَكْفِيهِ مِن ذَلِكَ بَيْتُ الحَمْدِ الَّذِي يُبْنى لَهُ في الجَنَّةِ عَلى حَمْدِهِ لِرَبِّهِ، واسْتِرْجاعِهِ فَلْيَنْظُرْ: أيُّ المُصِيبَتَيْنِ أعْظَمُ؟: مُصِيبَةُ العاجِلَةِ، أوْ مُصِيبَةُ فَواتِ بَيْتِ الحَمْدِ في جَنَّةِ الخُلْدِ. وفي الترمذي مَرْفُوعًا: «يَوَدُّ ناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ جُلُودَهم كانَتْ تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ في الدُّنْيا لِما يَرَوْنَ مِن ثَوابِ أهْلِ البَلاءِ». وَقالَ: بَعْضُ السَّلَفِ لَوْلا مَصائِبُ الدُّنْيا لَوَرَدْنا القِيامَ مَفالِيسَ. وَمِن عِلاجِها: أنْ يُرَوِّحَ قَلْبَهُ بِرُوحِ رَجاءِ الخَلَفِ مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ عِوَضٌ إلّا اللَّهَ، فَما مِنهُ عِوَضٌ كَما قِيلَ: ؎مِن كُلِّ شَيْءٍ إذا ضَيَّعْتَهُ عِوَضٌ ∗∗∗ وما مِنَ اللَّهِ إنْ ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ وَمِن عِلاجِها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ حَظَّهُ مِنَ المُصِيبَةِ ما تُحْدِثُهُ لَهُ، فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضى، ومَن سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ، فَحَظُّكَ مِنها ما أحْدَثَتْهُ لَكَ فاخْتَرْ خَيْرَ الحُظُوظِ، أوْ شَرَّها، فَإنْ أحْدَثَتْ لَهُ سُخْطًا وكُفْرًا؛ كُتِبَ في دِيوانِ الهالِكِينَ، وإنْ أحْدَثَتْ لَهُ جَزَعًا وتَفْرِيطًا في تَرْكِ واجِبٍ أوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ؛ كُتِبَ في دِيوانِ المُفَرِّطِينَ، وإنْ أحْدَثَتْ لَهُ شِكايَةً وعَدَمَ صَبْرٍ؛ كُتِبَ في دِيوانِ المَغْبُونِينَ، وإنْ أحْدَثَتْ لَهُ اعْتِراضًا عَلى اللَّهِ وقَدْحًا في حِكْمَتِهِ؛ فَقَدْ قَرَعَ بابَ الزَّنْدَقَةِ أوْ ولَجَهُ، وإنْ أحْدَثَتْ لَهُ صَبْرًا وثَباتًا لِلَّهِ؛ كُتِبَ في دِيوانِ الصّابِرِينَ، وإنْ أحْدَثَتْ لَهُ الرِّضى عَنِ اللَّهِ؛ كُتِبَ في دِيوانِ الرّاضِينَ، وإنْ أحْدَثَتْ لَهُ الحَمْدَ والشُّكْرَ؛ كُتِبَ في دِيوانِ الشّاكِرِينَ، وكانَ تَحْتَ لِواءِ الحَمْدِ مَعَ الحَمّادِينَ، وإنْ أحْدَثَتْ لَهُ مَحَبَّةً واشْتِياقًا إلى لِقاءِ رَبِّهِ؛ كُتِبَ في دِيوانِ المُحِبِّينَ المُخْلِصِينَ. وَفِي مُسْنَدِ " الإمامِ أحْمَدَ " والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ يَرْفَعُهُ «إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمُ، فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضى ومَن سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» زادَ أحمد: «وَمَن جَزِعَ فَلَهُ الجَزَعُ». وَمِن عِلاجِها: أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ وإنْ بَلَغَ في الجَزَعِ غايَتَهُ، فَآخِرُ أمْرِهِ إلى صَبْرِ الِاضْطِرارِ، وهو غَيْرُ مَحْمُودٍ ولا مُثابٍ، قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: العاقِلُ يَفْعَلُ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنَ المُصِيبَةِ ما يَفْعَلُهُ الجاهِلُ بَعْدَ أيّامٍ، ومَن لَمْ يَصْبِرْ صَبْرَ الكِرامِ سَلا سُلُوَّ البَهائِمِ. وَفِي " الصَّحِيحِ " مَرْفُوعًا: «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى» وقالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: " إنَّكَ إنْ صَبَرْتَ إيمانًا واحْتِسابًا، وإلّا سَلَوْتَ سُلُوَّ البَهائِمِ ". وَمِن عِلاجِها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ أنْفَعَ الأدْوِيَةِ لَهُ مُوافَقَةُ رَبِّهِ وإلَهِهِ فِيما أحَبَّهُ ورَضِيَهُ لَهُ، وأنَّ خاصِّيَّةَ المَحَبَّةِ وسِرَّها مُوافَقَةُ المَحْبُوبِ، فَمَنِ ادَّعى مَحَبَّةَ مَحْبُوبٍ ثُمَّ سَخِطَ ما يُحِبُّهُ وأحَبَّ ما يَسْخَطُهُ فَقَدْ شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ بِكَذِبِهِ وتَمَقَّتَ إلى مَحْبُوبِهِ. وَقالَ أبُو الدَّرْداءِ: إنَّ اللَّهَ إذا قَضى قَضاءً، أحَبَّ أنْ يُرْضى بِهِ، وكانَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ يَقُولُ في عِلَّتِهِ: أحَبُّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ أبو العالية. وَهَذا دَواءٌ وعِلاجٌ لا يَعْمَلُ إلّا مَعَ المُحِبِّينَ، ولا يُمْكِنُ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَتَعالَجَ بِهِ. وَمِن عِلاجِها: أنْ يُوازِنَ بَيْنَ أعْظَمِ اللَّذَّتَيْنِ، والمُتْعَتَيْنِ وأدْوَمِهِما: لَذَّةِ تَمَتُّعِهِ بِما أُصِيبَ بِهِ، ولَذَّةِ تَمَتُّعِهِ بِثَوابِ اللَّهِ لَهُ، فَإنْ ظَهَرَ لَهُ الرُّجْحانُ فَآثَرَ الرّاجِحَ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلى تَوْفِيقِهِ، وإنْ آثَرَ المَرْجُوحَ مِن كُلِّ وجْهٍ فَلْيَعْلَمْ أنَّ مُصِيبَتَهُ في عَقْلِهِ، وقَلْبِهِ، ودِينِهِ أعْظَمُ مِن مُصِيبَتِهِ الَّتِي أُصِيبَ بِها في دُنْياهُ. وَمِن عِلاجِها أنْ يَعْلَمَ أنَّ الَّذِي ابْتَلاهُ بِها أحْكَمُ الحاكِمِينَ، وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِ البَلاءَ لِيُهْلِكَهُ بِهِ، ولا لِيُعَذِّبَهُ بِهِ، ولا لِيَجْتاحَهُ، وإنَّما افْتَقَدَهُ بِهِ لِيَمْتَحِنَ صَبْرَهُ ورِضاهُ عَنْهُ وإيمانَهُ ولِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ وابْتِهالَهُ، ولِيَراهُ طَرِيحًا بِبابِهِ لائِذًا بِجَنابِهِ مَكْسُورَ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيْهِ رافِعًا قَصَصَ الشَّكْوى إلَيْهِ. قالَ الشيخ عبد القادر: يا بُنَيَّ إنَّ المُصِيبَةَ ما جاءَتْ لِتُهْلِكَكَ، وإنَّما جاءَتْ؛ لِتَمْتَحِنَ صَبْرَكَ وإيمانَكَ يا بُنَيَّ القَدَرُ سَبُعٌ والسَّبُعُ لا يَأْكُلُ المَيْتَةَ. والمَقْصُودُ: أنَّ المُصِيبَةَ كِيرُ العَبْدِ الَّذِي يُسْبَكُ بِهِ حاصِلُهُ فَإمّا أنْ يَخْرُجَ ذَهَبًا أحْمَرَ، وإمّا أنْ يَخْرُجَ خَبَثًا كُلُّهُ كَما قِيلَ: ؎سَبَكْناهُ ونَحْسِبُهُ لُجَيْنًا ∗∗∗ فَأبْدى الكِيرُ عَنْ خَبَثِ الحَدِيدِ فَإنْ لَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الكِيرُ في الدُّنْيا، فَبَيْنَ يَدَيْهِ الكِيرُ الأعْظَمُ، فَإذا عَلِمَ العَبْدُ أنَّ إدْخالَهُ كِيرَ الدُّنْيا، ومَسْبَكَها خَيْرٌ لَهُ مِن ذَلِكَ الكِيرِ والمَسْبَكِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن أحَدِ الكِيرَيْنِ، فَلْيَعْلَمْ قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ في الكِيرِ العاجِلِ. وَمِن عِلاجِها: أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لَوْلا مِحَنُ الدُّنْيا ومَصائِبُها لَأصابَ العَبْدَ - مِن أدْواءِ الكِبْرِ والعُجْبِ والفَرْعَنَةِ وقَسْوَةِ القَلْبِ - ما هو سَبَبُ هَلاكِهِ عاجِلًا وآجِلًا فَمِن رَحْمَةِ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ أنْ يَتَفَقَّدَهُ في الأحْيانِ بِأنْواعٍ مِن أدْوِيَةِ المَصائِبِ، تَكُونُ حَمِيَّةً لَهُ مِن هَذِهِ الأدْواءِ، وحِفْظًا لِصِحَّةِ عُبُودِيَّتِهِ، واسْتِفْراغًا لِلْمَوادِّ الفاسِدَةِ الرَّدِيئَةِ المُهْلِكَةِ مِنهُ، فَسُبْحانَ مَن يَرْحَمُ بِبَلائِهِ، ويَبْتَلِي بِنَعْمائِهِ كَما قِيلَ: ؎قَدْ يُنْعِمُ بِالبَلْوى وإنْ عَظُمَتْ ∗∗∗ ويَبْتَلِي اللَّهُ بَعْضَ القَوْمِ بِالنِّعَمِ فَلَوْلا أنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُداوِي عِبادَهُ بِأدْوِيَةِ المِحَنِ، والِابْتِلاءِ لَطَغَوْا، وبَغَوْا وعَتَوْا واللَّهُ - سُبْحانَهُ - إذا أرادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا سَقاهُ دَواءً مِنَ الِابْتِلاءِ، والِامْتِحانِ عَلى قَدْرِ حالِهِ يَسْتَفْرِغُ بِهِ مِنَ الأدْواءِ، المُهْلِكَةِ حَتّى إذا هَذَّبَهُ ونَقّاهُ وصَفّاهُ أهَّلَهُ لِأشْرَفِ مَراتِبِ الدُّنْيا، وهي عُبُودِيَّتُهُ وأرْفَعِ ثَوابِ الآخِرَةِ، وهو رُؤْيَتُهُ وقُرْبُهُ. وَمِن عِلاجِها: أنْ يَعْلَمَ أنَّ مَرارَةَ الدُّنْيا هي بِعَيْنِها حَلاوَةُ الآخِرَةِ، يَقْلِبُها اللَّهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ، وحَلاوَةَ الدُّنْيا بِعَيْنِها مَرارَةُ الآخِرَةِ، ولَأنْ يَنْتَقِلَ مِن مَرارَةٍ مُنْقَطِعَةٍ إلى حَلاوَةٍ دائِمَةٍ، خَيْرٌ لَهُ مِن عَكْسِ ذَلِكَ، فَإنْ خَفِيَ عَلَيْكَ هَذا فانْظُرْ إلى قَوْلِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ». وَفِي هَذا المَقامِ تَفاوَتَتْ عُقُولُ الخَلائِقِ، وظَهَرَتْ حَقائِقُ الرِّجالِ فَأكْثَرُهُمْ آثَرَ الحَلاوَةَ المُنْقَطِعَةَ عَلى الحَلاوَةِ الدّائِمَةِ الَّتِي لا تَزُولُ، ولَمْ يَحْتَمِلْ مَرارَةَ ساعَةٍ لِحَلاوَةِ الأبَدِ، ولا ذُلَّ ساعَةٍ لِعِزِّ الأبَدِ، ولا مِحْنَةَ ساعَةٍ لِعافِيَةِ الأبَدِ، فَإنَّ الحاضِرَ عِنْدَهُ شَهادَةٌ، والمُنْتَظَرَ غَيْبٌ، والإيمانَ ضَعِيفٌ، وسُلْطانُ الشَّهْوَةِ حاكِمٌ، فَتَوَلَّدَ مِن ذَلِكَ إيثارُ العاجِلَةِ، ورَفْضُ الآخِرَةِ، وهَذا حالُ النَّظَرِ الواقِعِ عَلى ظَواهِرِ الأُمُورِ، وأوائِلِها ومَبادِئِها، وأمّا النَّظَرُ الثّاقِبُ الَّذِي يَخْرِقُ حُجُبَ العاجِلَةِ، ويُجاوِزُهُ إلى العَواقِبِ والغاياتِ، فَلَهُ شَأْنٌ آخَرُ. فادْعُ نَفْسَكَ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ، وأهْلِ طاعَتِهِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، والسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والفَوْزِ الأكْبَرِ، وما أعَدَّ لِأهْلِ البِطالَةِ، والإضاعَةِ مِنَ الخِزْيِ والعِقابِ والحَسَراتِ الدّائِمَةِ، ثُمَّ اخْتَرْ؛ أيُّ القِسْمَيْنِ ألْيَقُ بِكَ، وكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، وكُلُّ أحَدٍ يَصْبُو إلى ما يُناسِبُهُ، وما هو الأوْلى بِهِ، ولا تَسْتَطِلْ هَذا العِلاجَ، فَشِدَّةُ الحاجَةِ إلَيْهِ مِنَ الطَّبِيبِ والعَلِيلِ دَعَتْ إلى بَسْطِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فصل) قال عبد الله بن المبارك أخبرنا عبد الله بن لهيعة عن عطاء بن دينار أن سعيد ابن جبير قال: "الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر" فقوله اعتراف العبد لله بما أصاب منه كأنه تفسير لقوله ﴿إنا لله﴾ فيعترف أنه ملك لله يتصرف فيه مالكه بما يريد وقوله راجيا به ما عند الله كأنه تفسير لقوله ﴿وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أي ترد إليه فيجزينا على صبرنا ولا يضيع أجر المصيبة وقوله وقد يجزع الرجل وهو يتجلد أي ليس الصبر بالتجلد وإنما هو حبس القلب عن التسخط على المقدور ورد اللسان عن الشكوى فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر فليس بصابر وقال يونس بن يزيد سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ما منتهى الصبر قال أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه وقال قيس بن الحجاج في قول الله ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾ قال أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو وكان شمر إذا عزى مصابا قال اصبر لما حكم ربك وقال أبو عقيل رأيت سالم بن عبد الله بن عمر بيده سوط وعليه إزار في موت واقد بن عبد الله بن عمر لا يسمع صارخة إلا ضربها بالسوط. قال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن جعفر بن مهران قال قالت امرأة من قريش: ؎أما والذي لا خلد إلا لوجهه ∗∗∗ ومن ليس في العز المنيع له كفو ؎لئن كان بدء الصبر مرا مذاقه ∗∗∗ لقد يجني من غبه الثمر الحلو قال وأنشدني عمرو بن بكير: ؎صبرت فكان الصبر خير مغبة ∗∗∗ وهل جزع يجدي علي فأجزع ؎ملكت دموع العين حتى رددتها ∗∗∗ إلى ناظري فالعين في القلب تدمع قال وأنشدني أحمد بن موسى الثقفي ؎نبئت خولة أمس قد جزعت ∗∗∗ من أن تنوب نوائب الدهر ؎لا تجزعي يا خول واصبري ∗∗∗ أن الكرام بنوا على الصبر قال وحدثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل التيمي أن رجلا عزى رجلا في ابنه فقال إنما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر فإنها أعظم المصيبتين عليك، وأنكى الرزيتين لك، والسلام. وعزى ابن أبي السماك رجلا فقال عليك بالصبر، فيه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزع. وقال عمر بن عبد العزيز أما الرضاء فمنزلة عزيزة أو منيعة، ولكن جعل الله في الصبر معولا حسنا. ولما مات عبد الملك ابنه صلى عليه، ثم قال: رحمك الله لقد كنت لي وزيرا وكنت لي معينا. قال والناس يبكون وما يقطر من عينيه قطرة. وأصيب مطرف بن عبد الله في ابن له فأتاه قوم يعزونه فخرج إليهم أحسن ما كان بشرا، ثم قال إني لأستحي من الله أن أتضعضع لمصيبة. وقال عمرو بن دينار قال عبيد بن عمير ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السيئ، والظن السيئ. وقال ابن أبي الدنيا حدثني الحسين بن عبد العزيز الحروزي قد مات ابن لي نفيس فقلت لأمه: اتق الله واحتسبيه واصبري فقالت مصيبتي أعظم من أن افسدها بالجزع. قال ابن أبي الدنيا وأخبرني عمر بن بكير عن شيخ من قريش قال مات الحسن بن الحصين أبو عبيد الله بن الحسن وعبيد الله يومئذ قاض على البصرة وأميرا فكثر من يعزيه، فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا أنه إذا ترك شيئا مما كان يصنعه فقد جزع. وقال خالد بن أبي عثمان القرشي كان سعيد بن جبير يعزيني في ابني فرآني أطوف بالبيت متقنعا فكشف القناع عن رأسي وقال الاستكانة من الجزع. (فصل) وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوبا يعرف به قالوا، لأن التعزية سنة وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى يعزيه. ففيه نظر وأنكره شيخنا ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلوا شيئا من ذلك، ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والآثار المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول. وقد أنكر إسحاق بن راهوايه أن يترك لبس ما عادته لبسه، وقال هو من الجزع. وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئا من زيهم قبل المصيبة ولا يتركون ما كانوا يعملونه فهذا كله مناف للصبر والله سبحانه أعلم. (فائدة) قوله ﷺ: "من عزى مصابا فله مثل أجره" استشكله بعضهم وقال: مشقة المصيبة أعظم بكثير من مساواة تعزية المعزي لها مع برد قلبه؟ فأجاب ابن عقيل رحمه الله بجواب بديع جدا فقال: "ليس مراده بعضهم لبعض نسأ الله في أجلك وتعيش أنت وتبقى، وأطال الله عمرك، وما أشبه ذلك، بل المقصود من عمد إلى قلب قد أقلقه ألم المصاب وأزعجه، وقد كاد يساكن السخط، ويقول الهجر ويوقع الذنب، فداوى ذلك القلب بآي الوعيد وثواب الصبر وذم الجزع حتى يزيل ما به أو يقلله فيتعزى، فيصير ثواب المسلِّي كثواب المصاب، لأن كلا منهما دفع الجزع، فالمصاب كابده بالاستجابة، والمعزي عمل في أسباب المداواة لألم الكآبة. (لطيفة) لما توفي العباس أحجم الناس عن تعزية ولده عبد الله، إجلالا له وتعظيما حتى قدم رجل من البادية فأنشده: ؎اصبر نكن بك صابرين وإنما ∗∗∗ صبر الرعية عند صبر الراسِ ؎خير من العباس صبرُك بعده ∗∗∗ والله خير منك للعباسِ قال: فسري عنه وأقبل الناس على تعزيته. (فائدة) عزى بعض العلماء رجلا بطفله فقال له: "قد دخل بعضك الجنة فاجتهد أن لا تتخلف بقيتك عنها". قلت: وفي جواز هذه الشهادة ما فيها فإنا وإن لم نشك أن أطفال المؤمنين في الجنة لا نشهد به لمعين أنه فيها كما نشهد لعموم المؤمنين بالجنة ولا نشهد بها لمعين سوى من شهد له النص، وعلى هذا يحمل حديث عائشة رضي الله عنها وقد شهدت للطفل من الأنصار بأنه عصفور من عصافير الجنة فقال لها النبي ﷺ: " وما يدريك .. " وهكذا نقول لهذا المعزي وما يدريك أن بعض المعزي دخل الجنة. وسر المسألة الفرق بين المعين، والمطلق في الأطفال والبالغين والله أعلم.

البقرة 2:157

(فائدة) قولهم الصلاة من الله بمعنى الرحمة قولهم والصلاة من الله بمعنى الرحمة باطل من ثلاثة أوجه أحدها: أن الله تعالى غاير بينهما في قوله: ﴿علَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾. الثاني: أن سؤال الرحمة شرع لكل مسلم والصلاة تختص بالنبي وهي حق له ولآله ولهذا منع كثير من العلماء من الصلاة على معين غيره ولم يمنع أحد من الترحم على معين. الثالث: أن رحمة الله عامة وسعت كل شيء وصلاته خاصة بخواص عباده الصلاة من العباد بمعنى الدعاء وقولهم الصلاة من العباد بمعنى الدعاء مشكل من وجوه أحدها أن الدعاء يكون بالخير والشر والصلاة لا تكون إلا في الخير الثاني إن دعوت تعدى باللام وصليت لا تعدى إلا بـ على ودعا المعدى بـ على ليس بمعنى صلى وهذا يدل على أن الصلاة ليست بمعنى الدعاء الثالث أن فعل الدعاء يقتضي مدعوا ومدعوا له تقول: دعوت الله لك بخير وفعل الصلاة لا يقتضي ذلك لا تقول صليت الله عليك ولا لك فدل على أنه ليس بمعناه فأي تباين أظهر من هذا ولكن التقليد يعمي عن إدراك الحقائق فإياك والإخلاد إلى أرضه اشتقاق الصلاة رأيت لأبي القاسم السهيلي كلاما حسنا في اشتقاق الصلاة وهذا لفظه قال: معنى الصلاة اللفظة حيث تصرفت ترجع إلى الحنو والعطف إلا أن الحنو والعطف يكون محسوسا ومعقولا فيضاف إلى الله تعالى منه ما يليق بجلاله وينفى عنه ما يتقدس عنه كما أن العلو محسوس ومعقول فالمحسوس منه صفات الأجسام والمعقول منه صفة ذي الجلال والإكرام وهذا المعنى كثير موجود في الصفات والكثير يكون صفة للمحسوسات وصفة للمعقولات وهو من أسماء الرب تعالى وقد تقدس عن مشابهة الأجسام ومضاهاة الأنام فالمضاف إليه من هذه المعاني معقولة غير محسوسة وإذا ثبت هذا فالصلاة كما تسمى عطفا وحنوا تقول اللهم اعطف علينا أي ارحمنا قال الشاعر: ؎وما زلت في ليني له وتعطفي ∗∗∗ عليه كما تحنو على الولد الأم ورحمة العباد رقة في القلب إذا وجدها الراحم من نفسه انعطف على المرحوم وانثنى عليه ورحمة الله للعباد جود وفضل فإذا صلى عليه فقد أفضل عليه وأنعم وهذه الأفعال إذا كانت من الله أو من العبد فهي متعدية بـ على مخصوصة بالخير لا تخرج عنه إلى غيره فقد رجعت كلها إلى معنى واحد إلا أنها في معنى الدعاء والرحمة صلاة معقولة أي انحناء معقول غير محسوس ثمرته من العبد الدعاء لأنه لا يقدر على أكثر منه وثمرته من الله الإحسان والإنعام فلم تختلف الصلاة في معناها إنما اختلفت ثمرتها الصادرة عنها والصلاة التي هي الركوع والسجود انحناء محسوس فلم يختلف المعنى فيها إلا من جهة المعقول والمحسوس وليس ذلك باختلاف في الحقيقة ولذلك تعدت كلها بـ على واتفقت في اللفظ المشتق من الصلاة ولم يجز صليت على العدو أي دعوت عليه فقد صار معنى الصلاة أرق وأبلغ من معنى الرحمة وإن كان راجعا إليه إذ ليس كل راحم ينحني على المرحوم ولا ينعطف عليه.

البقرة 2:159

فَتَوْبَةُ هَؤُلاءِ الفُسّاقِ مِن جِهَةِ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ بِمَحْضِ اتِّباعِ السُّنَّةِ، ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ أيْضًا حَتّى يُبَيِّنُوا فَسادَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ البِدْعَةِ، إذِ التَّوْبَةُ مِن ذَنْبٍ هي بِفِعْلِ ضِدِّهِ، ولِهَذا شَرَطَ اللَّهُ تَعالى في تَوْبَةِ الكاتِمِينَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى البَيانَ، لِأنَّ ذَنْبَهم لَمّا كانَ بِالكِتْمانِ، كانَتْ تَوْبَتُهم مِنهُ بِالبَيانِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ - إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩-١٦٠] وذَنْبُ المُبْتَدِعِ فَوْقَ ذَنْبِ الكاتِمِ، لِأنَّ ذاكَ كَتَمَ الحَقَّ، وهَذا كَتَمَهُ ودَعا إلّا خِلافِهِ، فَكُلُّ مُبْتَدِعٍ كاتِمٌ ولا يَنْعَكِسُ. وَشَرَطَ في تَوْبَةِ المُنافِقِ الإخْلاصَ؛ لِأنَّ ذَنْبَهُ بِالرِّياءِ، فَقالَ تَعالى ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ثُمَّ قالَ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] ولِذَلِكَ كانَ الصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ أنَّ تَوْبَةَ القاذِفِ إكْذابُهُ نَفْسَهُ، لِأنَّهُ ضِدَّ الذَّنْبِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ، وهَتَكَ بِهِ عِرْضَ المُسْلِمِ المُحْصَنِ، فَلا تَحْصُلُ التَّوْبَةُ مِنهُ إلّا بِإكْذابِهِ نَفْسَهُ، لِيَنْتَفِيَ عَنِ المَقْذُوفِ العارُ الَّذِي ألْحَقَهُ بِهِ بِالقَذْفِ، وهو مَقْصُودُ التَّوْبَةِ. وَأمّا مَن قالَ: إنَّ تَوْبَتَهُ أنْ يَقُولَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ القَذْفِ، ويَعْتَرِفَ بِتَحْرِيمِهِ، فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ هَذا لا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْمَقْذُوفِ، ولا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ بَراءَةُ عِرْضِهِ مِمّا قَذَفَهُ بِهِ، فَلا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ التَّوْبَةِ مِن هَذا الذَّنْبِ، فَإنَّ فِيهِ حَقَّيْنِ: حَقًّا لِلَّهِ، وهو تَحْرِيمُ القَذْفِ، فَتَوْبَتُهُ مِنهُ بِاسْتِغْفارِهِ، واعْتِرافِهِ بِتَحْرِيمِ القَذْفِ، ونَدَمِهِ عَلَيْهِ، وعَزْمِهِ عَلى أنْ لا يَعُودَ، وحَقًّا لِلْعَبْدِ، وهو إلْحاقُ العارِ بِهِ، فَتَوْبَتُهُ مِنهُ بِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوْبَةُ مِن هَذا الذَّنْبِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ صادِقًا قَدْ عايَنَ الزِّنا، فَأخْبَرَ بِهِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُ تَكْذِيبُ نَفْسِهِ وقَذْفُها بِالكَذِبِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن تَمامِ تَوْبَتِهِ؟ قِيلَ: هَذا هو الإشْكالُ الَّذِي قالَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لِأجْلِهِ ما قالَ إنَّ تَوْبَتَهُ الِاعْتِرافُ بِتَحْرِيمِ القَذْفِ والِاسْتِغْفارِ مِنهُ، وهو مَوْضِعٌ يُحْتاجُ فِيهِ إلى بَيانِ الكَذِبِ الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى القاذِفِ، وأخْبَرَ أنَّهُ كاذِبٌ عِنْدَهُ، ولَوْ كانَ خَبَرُهُ مُطابِقًا لِلْواقِعِ، فَنَقُولُ: الكَذِبُ يُرادُ بِهِ أمْرانِ، أحَدُهُما: الخَبَرُ غَيْرُ المُطابِقِ لِمَخْبَرِهِ، وهو نَوْعانِ: كَذِبٌ عَمْدٌ، وكَذِبٌ خَطَأٌ، فَكَذِبُ العَمْدِ مَعْرُوفٌ، وكَذِبُ الخَطَأِ كَكَذِبِ أبِي السَّنابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ في فَتْواهُ لِلْمُتَوَفّى عَنْها إذا وضَعَتْ حَمْلَها أنَّها لا تَحِلُّ حَتّى تَتِمَّ لَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «كَذَبَ أبُو السَّنابِلِ» ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «كَذَبَ مَن قالَها» لِمَن قالَ: حَبِطَ عَمَلُ عامِرٍ، حَيْثُ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً، ومِنهُ قَوْلُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ، حَيْثُ قالَ: الوِتْرُ واجِبٌ، فَهَذا كُلُّهُ مِن كَذِبِ الخَطَأِ، ومَعْناهُ أخْطَأ قائِلُ ذَلِكَ. والثّانِي مِن أقْسامِ الكَذِبِ: الخَبَرُ الَّذِي لا يَجُوزُ الإخْبارُ بِهِ، وإنْ كانَ خَبَرُهُ مُطابِقًا لِمَخْبَرِهِ، كَخَبَرِ القاذِفِ المُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ الزِّنا، والإخْبارِ بِهِ، فَإنَّهُ كاذِبٌ في حُكْمِ اللَّهِ، وإنْ كانَ خَبَرُهُ مُطابِقًا لِمَخْبَرِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فَحُكْمُ اللَّهِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعاقَبَ عُقُوبَةَ المُفْتَرِي الكاذِبِ، وإنْ كانَ خَبَرُهُ مُطابِقًا، وعَلى هَذا فَلا تَتَحَقَّقُ تَوْبَتُهُ حَتّى يَعْتَرِفَ بِأنَّهُ كاذِبٌ عِنْدَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَنْهُ، فَإذا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ كاذِبٌ وجَعَلَهُ اللَّهُ كاذِبًا، فَأيُّ تَوْبَةٍ لَهُ؟ وهَلْ هَذا إلّا مَحْضُ الإصْرارِ والمُجاهَرَةِ بِمُخالَفَةِ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ؟ (فصل) وَقَدْ وبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى سُبْحانَهُ وجُلَّ شَأْنُهُ، وبَكَّتَهم عَلى لِسانِ رَسُولِهِ بِالتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ والإخْفاءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وَقالَ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وَأمّا التَّحْرِيفُ: فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وكَذَلِكَ لَيُّ اللِّسانِ بِالكِتابِ لِيَحْسَبَهُ السّامِعُ مِنهُ وما هو مِنهُ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ: أحَدُها: لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ، وهو خَلْطُهُ بِهِ بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. الثّانِي: كِتْمانُ الحَقِّ. الثّالِثُ: إخْفاؤُهُ وهو قَرِيبٌ مِن كِتْمانِهِ. الرّابِعُ: تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ، وهو نَوْعانِ: تَحْرِيفُ لَفْظِهِ، وتَحْرِيفُ مَعْناهُ. الخامِسُ: لَيُّ اللِّسانِ بِهِ لِيَلْتَبِسَ عَلى السّامِعِ اللَّفْظُ المُنَزَّلُ بِغَيْرِهِ. وَهَذِهِ الأُمُورُ إنَّما ارْتَكَبُوها لِأغْراضٍ لَهم دَعَتْهم إلى ذَلِكَ. فَإذا عادَوُا الرَّسُولَ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وكَذَّبُوهُ وقاتَلُوهُ، فَهم إلى أنْ يَجْحَدُوا نَعْتَهُ وصِفَتَهُ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ ويُزِيلُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَتَأوَّلُوهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ - أقْرَبُ بِكَثِيرٍ، وهَكَذا فَعَلُوا، ولَكِنْ لِكَثْرَةِ البِشاراتِ وتَنَوُّعِها غُلِبُوا عَلى كِتْمانِها وإفْضائِها فَصارُوا إلى تَحْرِيفِ التَّأْوِيلِ وإزالَةِ مَعْناها عَمّا لا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وجَعْلِها لِمَعْدُومٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعالى ولا وُجُودَ لَهُ ألْبَتَّةَ.

البقرة 2:160

فَتَوْبَةُ هَؤُلاءِ الفُسّاقِ مِن جِهَةِ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ بِمَحْضِ اتِّباعِ السُّنَّةِ، ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ أيْضًا حَتّى يُبَيِّنُوا فَسادَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ البِدْعَةِ، إذِ التَّوْبَةُ مِن ذَنْبٍ هي بِفِعْلِ ضِدِّهِ، ولِهَذا شَرَطَ اللَّهُ تَعالى في تَوْبَةِ الكاتِمِينَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى البَيانَ، لِأنَّ ذَنْبَهم لَمّا كانَ بِالكِتْمانِ، كانَتْ تَوْبَتُهم مِنهُ بِالبَيانِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ - إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩-١٦٠] وذَنْبُ المُبْتَدِعِ فَوْقَ ذَنْبِ الكاتِمِ، لِأنَّ ذاكَ كَتَمَ الحَقَّ، وهَذا كَتَمَهُ ودَعا إلّا خِلافِهِ، فَكُلُّ مُبْتَدِعٍ كاتِمٌ ولا يَنْعَكِسُ. وَشَرَطَ في تَوْبَةِ المُنافِقِ الإخْلاصَ؛ لِأنَّ ذَنْبَهُ بِالرِّياءِ، فَقالَ تَعالى ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ثُمَّ قالَ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] ولِذَلِكَ كانَ الصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ أنَّ تَوْبَةَ القاذِفِ إكْذابُهُ نَفْسَهُ، لِأنَّهُ ضِدَّ الذَّنْبِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ، وهَتَكَ بِهِ عِرْضَ المُسْلِمِ المُحْصَنِ، فَلا تَحْصُلُ التَّوْبَةُ مِنهُ إلّا بِإكْذابِهِ نَفْسَهُ، لِيَنْتَفِيَ عَنِ المَقْذُوفِ العارُ الَّذِي ألْحَقَهُ بِهِ بِالقَذْفِ، وهو مَقْصُودُ التَّوْبَةِ. وَأمّا مَن قالَ: إنَّ تَوْبَتَهُ أنْ يَقُولَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ القَذْفِ، ويَعْتَرِفَ بِتَحْرِيمِهِ، فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ هَذا لا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْمَقْذُوفِ، ولا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ بَراءَةُ عِرْضِهِ مِمّا قَذَفَهُ بِهِ، فَلا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ التَّوْبَةِ مِن هَذا الذَّنْبِ، فَإنَّ فِيهِ حَقَّيْنِ: حَقًّا لِلَّهِ، وهو تَحْرِيمُ القَذْفِ، فَتَوْبَتُهُ مِنهُ بِاسْتِغْفارِهِ، واعْتِرافِهِ بِتَحْرِيمِ القَذْفِ، ونَدَمِهِ عَلَيْهِ، وعَزْمِهِ عَلى أنْ لا يَعُودَ، وحَقًّا لِلْعَبْدِ، وهو إلْحاقُ العارِ بِهِ، فَتَوْبَتُهُ مِنهُ بِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوْبَةُ مِن هَذا الذَّنْبِ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ صادِقًا قَدْ عايَنَ الزِّنا، فَأخْبَرَ بِهِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُ تَكْذِيبُ نَفْسِهِ وقَذْفُها بِالكَذِبِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن تَمامِ تَوْبَتِهِ؟ قِيلَ: هَذا هو الإشْكالُ الَّذِي قالَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ لِأجْلِهِ ما قالَ إنَّ تَوْبَتَهُ الِاعْتِرافُ بِتَحْرِيمِ القَذْفِ والِاسْتِغْفارِ مِنهُ، وهو مَوْضِعٌ يُحْتاجُ فِيهِ إلى بَيانِ الكَذِبِ الَّذِي حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى القاذِفِ، وأخْبَرَ أنَّهُ كاذِبٌ عِنْدَهُ، ولَوْ كانَ خَبَرُهُ مُطابِقًا لِلْواقِعِ، فَنَقُولُ: الكَذِبُ يُرادُ بِهِ أمْرانِ، أحَدُهُما: الخَبَرُ غَيْرُ المُطابِقِ لِمَخْبَرِهِ، وهو نَوْعانِ: كَذِبٌ عَمْدٌ، وكَذِبٌ خَطَأٌ، فَكَذِبُ العَمْدِ مَعْرُوفٌ، وكَذِبُ الخَطَأِ كَكَذِبِ أبِي السَّنابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ في فَتْواهُ لِلْمُتَوَفّى عَنْها إذا وضَعَتْ حَمْلَها أنَّها لا تَحِلُّ حَتّى تَتِمَّ لَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «كَذَبَ أبُو السَّنابِلِ» ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «كَذَبَ مَن قالَها» لِمَن قالَ: حَبِطَ عَمَلُ عامِرٍ، حَيْثُ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً، ومِنهُ قَوْلُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ، حَيْثُ قالَ: الوِتْرُ واجِبٌ، فَهَذا كُلُّهُ مِن كَذِبِ الخَطَأِ، ومَعْناهُ أخْطَأ قائِلُ ذَلِكَ. والثّانِي مِن أقْسامِ الكَذِبِ: الخَبَرُ الَّذِي لا يَجُوزُ الإخْبارُ بِهِ، وإنْ كانَ خَبَرُهُ مُطابِقًا لِمَخْبَرِهِ، كَخَبَرِ القاذِفِ المُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ الزِّنا، والإخْبارِ بِهِ، فَإنَّهُ كاذِبٌ في حُكْمِ اللَّهِ، وإنْ كانَ خَبَرُهُ مُطابِقًا لِمَخْبَرِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فَحُكْمُ اللَّهِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعاقَبَ عُقُوبَةَ المُفْتَرِي الكاذِبِ، وإنْ كانَ خَبَرُهُ مُطابِقًا، وعَلى هَذا فَلا تَتَحَقَّقُ تَوْبَتُهُ حَتّى يَعْتَرِفَ بِأنَّهُ كاذِبٌ عِنْدَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَنْهُ، فَإذا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ كاذِبٌ وجَعَلَهُ اللَّهُ كاذِبًا، فَأيُّ تَوْبَةٍ لَهُ؟ وهَلْ هَذا إلّا مَحْضُ الإصْرارِ والمُجاهَرَةِ بِمُخالَفَةِ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ؟ (فصل) وَقَدْ وبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى سُبْحانَهُ وجُلَّ شَأْنُهُ، وبَكَّتَهم عَلى لِسانِ رَسُولِهِ بِالتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ والإخْفاءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وَقالَ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وَأمّا التَّحْرِيفُ: فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وكَذَلِكَ لَيُّ اللِّسانِ بِالكِتابِ لِيَحْسَبَهُ السّامِعُ مِنهُ وما هو مِنهُ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ: أحَدُها: لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ، وهو خَلْطُهُ بِهِ بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. الثّانِي: كِتْمانُ الحَقِّ. الثّالِثُ: إخْفاؤُهُ وهو قَرِيبٌ مِن كِتْمانِهِ. الرّابِعُ: تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ، وهو نَوْعانِ: تَحْرِيفُ لَفْظِهِ، وتَحْرِيفُ مَعْناهُ. الخامِسُ: لَيُّ اللِّسانِ بِهِ لِيَلْتَبِسَ عَلى السّامِعِ اللَّفْظُ المُنَزَّلُ بِغَيْرِهِ. وَهَذِهِ الأُمُورُ إنَّما ارْتَكَبُوها لِأغْراضٍ لَهم دَعَتْهم إلى ذَلِكَ. فَإذا عادَوُا الرَّسُولَ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وكَذَّبُوهُ وقاتَلُوهُ، فَهم إلى أنْ يَجْحَدُوا نَعْتَهُ وصِفَتَهُ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ ويُزِيلُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَتَأوَّلُوهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ - أقْرَبُ بِكَثِيرٍ، وهَكَذا فَعَلُوا، ولَكِنْ لِكَثْرَةِ البِشاراتِ وتَنَوُّعِها غُلِبُوا عَلى كِتْمانِها وإفْضائِها فَصارُوا إلى تَحْرِيفِ التَّأْوِيلِ وإزالَةِ مَعْناها عَمّا لا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وجَعْلِها لِمَعْدُومٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعالى ولا وُجُودَ لَهُ ألْبَتَّةَ.

البقرة 2:164

(فائِدَة) الرب تَعالى يَدْعُو عباده في القُرْآن إلى مَعْرفَته من طَرِيقين: أحدهما النّظر في مفعولاته والثّانِي التفكر في آياته وتدبّرها فَتلك آياته المشهودة وهَذِه آياته المسموعة المعقولة فالنوع الأوّل كَقَوْلِه ﴿إنَّ في خلق السَّماوات والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ إلى آخرها وقَوله ﴿إنَّ في خلق السَّماوات والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْباب﴾ وَهُوَ كثير في القُرْآن والثّانِي كَقَوْلِه ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآن﴾ وقَوله ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْل﴾ وقَوله ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته﴾ وهو كثير أيْضا. فأمّا المفعولات فَإنَّها دالّة على الأفْعال والأفْعال دالّة على الصِّفات فَإن المَفْعُول يدل على فاعل فعله وذَلِكَ يسْتَلْزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لِاسْتِحالَة صُدُور الفِعْل الِاخْتِيارِيّ من مَعْدُوم أو مَوْجُود لا قدرَة لَهُ ولا حَياة ولا علم ولا إرادَة ثمَّ ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دالّ على إرادَة الفاعِل وأن فعله لَيْسَ بالطبع بِحَيْثُ يكون واحِدًا غير متكرر وما فِيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تَعالى وما فِيها من النَّفْع والإحْسان والخَيْر دال على رَحمته وما فِيها من البَطْش والانتقام والعقوبة دال على غَضَبه وما فِيها من الإكْرام والتقريب والعناية دال على محبّته وما فِيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته وما فِيها من ابْتِداء الشَّيْء في غايَة النَّقْص والضعف ثمَّ سوقه إلى تَمامه ونهايته دال على وُقُوع المعاد وما فِيها من أحْوال النَّبات والحَيَوان وتصرف المِياه دَلِيل على إمْكان المعاد وما فِيها من ظُهُور آثار الرَّحْمَة والنعْمَة على خلقه دَلِيل على صحّة النبوّات وما فِيها من الكمالات الَّتِي لَو عدمتها كانَت ناقِصَة دَلِيل على أن معطي تِلْكَ الكمالات أحَق بها فمفعولاته من أدل شَيْء على صِفاته وصدق ما أخْبرت بِهِ رسله عَنهُ فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبّهة على الِاسْتِدْلال بِالآياتِ المصنوعات قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ أي أن القُرْآن حق فَأخْبر أنّه لا بُد من أن يُرِيهم من آياته المشهودة ما يبيّن لَهُم أن آياته المتلوّة حق ثمَّ أخبر بكفاية شَهادَته على صِحَة خَبره بِما أقامَ من الدَّلائِل والبراهين على صدق رَسُوله فآياته شاهدة بصدقه وهو شاهد بِصدق رَسُوله بآياته وهو الشّاهِد والمشهود لَهُ وهو الدَّلِيل والمدلول عَلَيْهِ فَهو الدَّلِيل بِنَفسِهِ على نَفسه كَما قالَ بعض العارفين: كَيفَ أطلب الدَلِيل على من هو دَلِيل على كل شَيْء فَأي دَلِيل طلبته عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ أظهر مِنهُ ولِهَذا قالَ الرُّسُل لقومهم ﴿أفِي اللَّهِ شَكّ﴾ فَهو أعرف من كل مَعْرُوف وأبين من كل دَلِيل فالأشياء عُرفت بِهِ في الحَقِيقَة وإن كانَ عُرف بها في النّظر والِاسْتِدْلال بأفعاله وأحْكامه عَلَيْهِ.

البقرة 2:165

أخْبَرَ أنَّ مَن أحَبَّ مَن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا، كَما يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى: فَهو مِمَّنِ اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، فَهَذا نِدٌّ في المَحَبَّةِ، لا في الخَلْقِ والرُّبُوبِيَّةِ. فَإنَّ أحَدًا مِن أهْلِ الأرْضِ لَمْ يُثْبِتْ هَذا النِّدَّ في الرُّبُوبِيَّةِ، بِخِلافِ نِدِّ المَحَبَّةِ. فَإنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ قَدِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا في الحُبِّ والتَّعْظِيمِ. ثُمَّ قالَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وَفِي تَقْدِيرِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِن أصْحابِ الأنْدادِ لِأنْدادِهِمْ وآلِهَتِهِمُ الَّتِي يُحِبُّونَها، ويُعَظِّمُونَها مِن دُونِ اللَّهِ. والثّانِي: والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِن مَحَبَّةِ المُشْرِكِينَ بِالأنْدادِ لِلَّهِ. فَإنَّ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ خالِصَةٌ، ومَحَبَّةَ أصْحابِ الأنْدادِ قَدْ ذَهَبَتْ أنْدادُهم بِقِسْطٍ مِنها. والمَحَبَّةُ الخالِصَةُ: أشَدُّ مِنَ المُشْتَرَكَةِ. والقَوْلانِ مُرَتَّبانِ عَلى القَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] فَإنَّ فِيها قَوْلانِ. أحَدُهُما: يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّونَ اللَّهَ. فَيَكُونُ قَدْ أثْبَتَ لَهم مَحَبَّةَ اللَّهِ. ولَكِنَّها مَحَبَّةٌ يُشْرِكُونَ فِيها مَعَ اللَّهِ أنْدادًا. والثّانِي: أنَّ المَعْنى يُحِبُّونَ أنْدادَهم كَما يُحِبُّ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ أشَدُّ مِن مَحَبَّةِ أصْحابِ الأنْدادِ لِأنْدادِهِمْ. وَكانَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُرَجِّحُ القَوْلَ الأوَّلَ، ويَقُولُ: إنَّما ذُمُّوا بِأنْ أشْرَكُوا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ أنْدادِهِمْ في المَحَبَّةِ. ولَمْ يُخْلِصُوها لِلَّهِ كَمَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ لَهُ. وَهَذِهِ التَّسْوِيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهم. وهم في النّارِ يَقُولُونَ لِآلِهَتِهِمْ وأنْدادِهِمْ، وهي مُحْضَرَةٌ مَعَهم في العَذابِ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨] وَمَعْلُومٌ أنَّهم لَمْ يُسَوُّوهم بِرَبِّ العالَمِينَ في الخَلْقِ والرُّبُوبِيَّةِ. وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ. وَهَذا أيْضًا هو العَدْلُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] أيْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ الَّتِي هي المَحَبَّةُ والتَّعْظِيمُ. وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ. وقال ابن القيم في موضع آخر: وَمَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ، والرِّزْقِ، والإماتَةِ، والإحْياءِ، والمُلْكِ، والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ، والتَّألُّهِ، والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوى التُّرابُ بِرَبِّ الأرْبابِ، وكَيْفَ يُسَوى العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ، وكَيْفَ يُسَوى الفَقِيرُ بِالذّاتِ الضَّعِيفُ بِالذّاتِ العاجِزُ بِالذّاتِ المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، القادِرِ بِالذّاتِ، الَّذِي غِناهُ، وقُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ وجُودُهُ، وإحْسانُهُ، وعِلْمُهُ، ورَحْمَتُهُ، وكَمالُهُ المُطْلَقُ التّامُّ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟ فَأيُّ ظُلْمٍ أقْبَحُ مِن هَذا؟ وأيُّ حُكْمٍ أشَدُّ جَوْرًا مِنهُ؟ حَيْثُ عَدَلَ مَن لا عِدْلَ لَهُ بِخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ - ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. فَعَدَلَ المُشْرِكُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، بِمَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، فَيا لَكَ مِن عَدْلٍ تَضَمَّنَ أكْبَرَ الظُّلْمِ وأقْبَحَهُ. (لطيفة) يحكى أن الفضيل دخل على ابنته في مرضها فقالت له يا أبت هل تحبني؟ قال نعم. قالت لا إله إلا الله والله ما كنت أظن فيك هذا، ولم أكن أظنك تحب مع الله أحدا، ولكن أفرد الله بالمحبة، واجعل لي منك الرحمة. أي يكون حبك لي حب رحم، جعلها الله في قلب الوالد لولده، لا محبة مع الله. فلله حق من المحبة لا يشركه فيه غيره، وأظلم الظلم وضع تلك المحبة في غير موضعها، والتشريك بين الله وغيره فيها. فليتدبر اللبيب هذا الباب فإنه من أنفع أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى. [فصل: الفرق بين الحب في اللّه والحب مع اللّه] وهذا من أهم الفروق، وكل أحد محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا، فالحب في اللّه هو من كمال الإيمان، والحب مع اللّه هو عين الشرك. والفرق بينهما أن المحب في الحب تابع لمحبة اللّه فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة أن يحب ما يحبه اللّه فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه، كما يحب رسله وأنبيائه وملائكته وأوليائه لكونه تعالى يحبهم، ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى يبغضهم وعلامة هذا الحب والبغض في اللّه أنه لا ينقلب بغضه لبغض اللّه حبا لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيبه اللّه بغضا إذا وصل إليه من جهته ما يكرهه ويؤلمه، إما خطأ وإما عمدا مطيعا للّه فيه أو متأولا أو مجتهدا أو باغيا نازعا بائنا، والدين كله يدور على أربع قواعد حب وبغض ويترتب عليهما فعل وترك، فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه للّه فقد استكمل الإيمان بحيث إذا أحب أحب اللّه وإذا أبغض أبغض اللّه وإذا فعل فعل للّه وإذا ترك ترك اللّه، وما نقص من أصنافه هذه الأربعة نقص من إيمانه ودينه يحسبه. وهذا بخلاف الحب مع اللّه فهو نوعان يقدح في أصل التوحيد وهو شرك ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة اللّه ولا يخرج من الإسلام. فالأول: كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم مع اللّه، كما يحبون اللّه فهذه محبة تأله ومولاه يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره اللّه، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم وبذلك أرسل اللّه جميع رسله وأنزل جميع كتبه وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعادهم فيه وفي مرضاته فكل من عبد شيئا من لدن عرضه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون اللّه إلها ووليا وأشرك به كائنا ذلك المعبود ما كان ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه. والنوع الثاني: محبة ما زينه اللّه للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث فيحبها محبة شهوة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء فهذه المحبة ثلاثة أنواع فإن أحبها اللّه توصلا بها إليه واستعانه على مرضاته أثيب عليها وكانت من قسم الحب للّه توصلا بها إليه ويلتذ بالتمتع بها وهذا حال أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب وكانت محبته لهما عونا له على محبة اللّه وتبليغ رسالته «٢» والقيام بأمره وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإراداته ولم يؤثرها على ما يحبه اللّه ويرضاه بل نالها بحكم الليل الطبيعي كانت من قسم المباحات ولم يعاقب على ذلك ولكن ينقص من كمال محبته للّه والمحبة فيه وإن كانت هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها وقدمها على ما يحبه اللّه ويرضاه منه كان ظالما لنفسه متبعا لهواه. فالأول: محبة السابقين. والثانية: محبة المقتصدين. والثالثة: محبة الظالمين. فتأمل هذا الموضوع وما فيه من الجمع والفرق فإنه معترك النفس الأمّارة والمطمئنة. والمهدي من هداه اللّه. [فصل: في ترك المحبين أدنى المحبوبين رغبة في أعلاهما] هذا باب لا يدخل فيه إلا النفوس الفاضلة الشريفة الأبية التي لا تقنع بالدون ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع العاجز المغبون ولا يملكها لطخ جمال مغش على أنواع من القبائح كما قال بعض الأعراب وقد نظر إلى امرأة مبرقعة ؎إذا بارك الله في ملبس ∗∗∗ فلا بارك الله في البرقع ؎يريك عيون المها مسبلا ∗∗∗ ويكشف عن منظر في أشنع وقال الآخر ؎لا يغرنك ما ترى من نقاب ∗∗∗ إن تحت النقاب داء دويا فالنفس الأبية لا ترضى بالدون وقد عاب الله سبحانه أقواما استبدلوا طعاما بطعام أدنى منه فنعى ذلك عليهم وقال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ وذلك دليل على وضاعة النفس وقلة قيمتها وقال الأصمعي: خلا رجل من الأعراب بامرأة فهم بالريبة فلما تمكن منها تنحى سليما وجعل يقول: إن امرءا باع جنة عرضها السماوات والأرض بفتر ما بين رجليك لقليل البصر بالمساحة. وقال أبو أسماء دخل رجل غيضة فقال لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي الغيضة ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ وقال الإمام أحمد حدثنا هيثم هو ابن خارجة حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عبد الرحمن بن عدي البهراني عن يزيد بن ميسرة قال إن الله تعالى يقول أيها الشاب التارك شهوته لي المتبذل شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي وذكر إبراهيم بن الجنيد أن رجلا راود امرأة عن نفسها فقالت له أنت قد سمعت القرآن والحديث فأنت أعلم قال فأغلقي الأبواب فأغلقتها فلما دنا منها قالت بقي باب لم أغلقه قال أي باب قالت الباب الذي بينك وبين الله فلم يتعرض لها وذكر أيضا عن أعرابي قال خرجت في بعض ليالي الظلم فإذا أنا بجارية كأنها علم فأردتها عن نفسها فقالت ويلك أما كان لك زاجر من عقل إذ لم يكن لك ناه من دين فقلت إنه والله ما يرانا إلا الكواكب قالت فأين مكوكبها؟! (فصل) الوِلايَةُ أصْلُها الحُبُّ، فَلا مُوالاةَ إلّا بِحُبٍّ، كَما أنَّ العَداوَةَ أصْلُها البُغْضُ، واللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وهم أوْلِياؤُهُ، فَهم يُوالُونَهُ بِمَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وهو يُوالِيهِمْ بِمَحَبَّتِهِ لَهُمْ، فاللَّهُ يُوالِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِحَسَبِ مَحَبَّتِهِ لَهُ. وَلِهَذا أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى مَنِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، بِخِلافِ مَن والى أوْلِياءَهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهم مِن دُونِهِ، بَلْ مُوالاتُهُ لَهم مِن تَمامِ مُوالاتِهِ. وَقَدْ أنْكَرَ عَلى مَن سَوّى بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ في المَحَبَّةِ، وأخْبَرَ أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ أنْدادًا يُحِبُّهم كَحُبِّ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وَأخْبَرَ عَمَّنْ سَوّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْدادِ في الحُبِّ، أنَّهم يَقُولُونَ في النّارِ لِمَعْبُودِيهِمْ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ - إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨]. وَبِهَذا التَّوْحِيدِ في الحُبِّ أرْسَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ، وأنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ، وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، ولِأجْلِهِ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ والجَنَّةُ والنّارُ، فَجَعَلَ الجَنَّةَ لِأهْلِهِ، والنّارَ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ فِيهِ. وَقَدْ أقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ: «لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتّى يَكُونَ هو أحَبَّ إلَيْهِ مِن ولَدِهِ ووالِدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ»، فَكَيْفَ بِمَحَبَّةِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ؟ وقالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «لا، حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ» أيْ لا تُؤْمِنُ حَتّى تَصِلَ مَحَبَّتُكَ إلى هَذِهِ الغايَةِ. وَإذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ أوْلى بِنا مِن أنْفُسِنا في المَحَبَّةِ ولَوازِمِها أفَلَيْسَ الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ أوْلى بِمَحَبَّتِهِ وعِبادَتِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وكُلُّ ما مِنهُ إلى عَبْدِهِ المُؤْمِنِ يَدْعُو إلى مَحَبَّتِهِ، مِمّا يُحِبُّ العَبْدُ ويَكْرَهُ - فَعَطاؤُهُ ومَنعُهُ، ومُعافاتُهُ وابْتِلاؤُهُ، وقَبْضُهُ وبَسْطُهُ، وعَدْلُهُ وفَضْلُهُ، وإماتَتُهُ وإحْياؤُهُ، ولُطْفُهُ وبِرُّهُ، ورَحْمَتُهُ وإحْسانُهُ، وسَتْرُهُ وعَفْوُهُ، وحِلْمُهُ وصَبْرُهُ عَلى عَبْدِهِ، وإجابَتُهُ لِدُعائِهِ، وكَشْفُ كَرْبِهِ، وإغاثَةُ لَهْفَتِهِ، وتَفْرِيجُ كُرْبَتِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ مِنهُ إلَيْهِ، بَلْ مَعَ غِناهُ التّامِّ عَنْهُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، كُلُّ ذَلِكَ داعٍ لِلْقُلُوبِ إلى تَأْلِيهِهِ ومَحَبَّتِهِ، بَلْ تَمْكِينُهُ عَبْدَهُ مِن مَعْصِيَتِهِ وإعانَتُهُ عَلَيْها، وسَتْرُهُ حَتّى يَقْضِيَ وطَرَهُ مِنها، وكَلاءَتُهُ وحِراسَتُهُ لَهُ، ويَقْضِي وطَرَهُ مِن مَعْصِيَتِهِ، يُعِينُهُ ويَسْتَعِينُ عَلَيْها بِنِعَمِهِ - مِن أقْوى الدَّواعِي إلى مَحَبَّتِهِ، فَلَوْ أنَّ مَخْلُوقًا فَعَلَ بِمَخْلُوقٍ أدْنى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَمْ تَمْلِكْ قَلْبَهُ عَنْ مَحَبَّتِهِ، فَكَيْفَ لا يُحِبُّ العَبْدُ بِكُلِّ قَلْبِهِ وجَوارِحِهِ مَن يُحْسِنُ إلَيْهِ عَلى الدَّوامِ بِعَدَدِ الأنْفاسِ، مَعَ إساءَتِهِ؟ فَخَيْرُهُ إلَيْهِ نازِلٌ، وشَرُّهُ إلَيْهِ صاعِدٌ، يَتَحَبَّبُ إلَيْهِ بِنِعَمِهِ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ، والعَبْدُ يَتَبَغَّضُ إلَيْهِ بِالمَعاصِي وهو فَقِيرٌ إلَيْهِ، فَلا إحْسانُهُ وبِرُّهُ وإنْعامُهُ إلَيْهِ يَصُدُّهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، ولا مَعْصِيَةُ العَبْدِ ولُؤْمُهُ يَقْطَعُ إحْسانَ رَبِّهِ عَنْهُ. فَألْأمُ اللُّؤْمِ تَخَلُّفُ القُلُوبِ عَنْ مَحَبَّةِ مَن هَذا شَأْنُهُ، وتَعَلُّقُها بِمَحَبَّةِ سِواهُ. وَأيْضًا فَكُلُّ مَن تُحِبُّهُ مِنَ الخَلْقِ أوْ يُحِبُّكَ إنَّما يُرِيدُكَ لِنَفْسِهِ وغَرَضِهِ مِنكَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرِيدُكَ لَكَ، كَما في الأثَرِ الإلَهِيِّ: «عَبْدِي كُلٌّ يُرِيدُكَ لِنَفْسِهِ، وأنا أُرِيدُكَ لَكَ» فَكَيْفَ لا يَسْتَحِي العَبْدُ أنْ يَكُونَ رَبُّهُ لَهُ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، وهو مُعْرِضٌ عَنْهُ، مَشْغُولٌ بِحُبِّ غَيْرِهِ، قَدِ اسْتَغْرَقَ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ سِواهُ؟ وَأيْضًا، فَكُلُّ مَن تُعامِلُهُ مِنَ الخَلْقِ إنْ لَمْ يَرْبَحْ عَلَيْكَ لَمْ يُعامِلْكَ، ولا بُدَّ لَهُ مِن نَوْعٍ مِن أنْواعِ الرِّبْحِ، والرَّبُّ تَعالى إنَّما يُعامِلُكَ لِتَرْبَحَ أنْتَ عَلَيْهِ أعْظَمَ الرِّبْحِ وأعْلاهُ، فالدِّرْهَمُ بِعَشَرَةِ أمْثالِهِ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ، والسَّيِّئَةُ بِواحِدَةٍ وهي أسْرَعُ شَيْءٍ مَحْوًا. وَأيْضًا هو سُبْحانَهُ خَلَقَكَ لِنَفْسِهِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَمَن أوْلى مِنهُ بِاسْتِفْراغِ الوُسْعِ في مَحَبَّتِهِ، وبَذْلِ الجُهْدِ في مَرْضاتِهِ؟ وَأيْضًا فَمَطالِبُكَ - بَلْ مَطالِبُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ جَمِيعًا - لَدَيْهِ، وهو أجْوَدُ الأجْوَدِينَ، وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، أعْطى عَبْدَهُ قَبْلَ أنْ يَسْألَهُ فَوْقَ ما يُؤَمِّلُهُ، يَشْكُرُ القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ ويُنَمِّيهِ، ويَغْفِرُ الكَثِيرَ مِنَ الزَّلَلِ ويَمْحُوهُ، ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾، لا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، ولا تُغَلِّطُهُ كَثْرَةُ المَسائِلِ، ولا يَتَبَرَّمُ بِإلْحاحِ المُلِحِّينَ، بَلْ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ، ويُحِبُّ أنْ يُسْألَ، ويَغْضَبُ إذا لَمْ يُسْألْ، يَسْتَحِي مِن عَبْدِهِ حَيْثُ لا يَسْتَحِي العَبْدُ مِنهُ، ويَسْتُرُهُ حَيْثُ لا يَسْتُرُ نَفْسَهُ، ويَرْحَمُهُ حَيْثُ لا يَرْحَمُ نَفْسُهُ، دَعاهُ بِنِعَمِهِ وإحْسانِهِ وأيادِيهِ إلى كَرامَتِهِ ورِضْوانِهِ، فَأبى، فَأرْسَلَ رُسُلَهُ في طَلَبِهِ، وبَعَثَ إلَيْهِ مَعَهم عَهْدَهُ، ثُمَّ نَزَلَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ نَفْسُهُ، وقالَ: «مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ؟» كَما قِيلَ: " أدْعُوكَ ولِلْوَصْلِ تَأْبى، أبْعَثُ رَسُولِي في الطَّلَبِ، أنْزِلُ إلَيْكَ بِنَفْسِي، ألْقاكَ في النَّوْمِ ". وَكَيْفَ لا تُحِبُّ القُلُوبُ مَن لا يَأْتِي بِالحَسَناتِ إلّا هُوَ، ولا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئاتِ إلّا هُوَ، ولا يُجِيبُ الدَّعَواتِ، ويُقِيلُ العَثَراتِ، ويَغْفِرُ الخَطِيئاتِ، ويَسْتُرُ العَوْراتِ، ويَكْشِفُ الكُرُباتِ، ويُغِيثُ اللَّهَفاتِ، ويُنِيلُ الطَّلَباتِ سِواهُ؟ فَهُوَ أحَقُّ مَن ذُكِرَ، وأحَقُّ مَن شُكِرَ، وأحَقُّ مَن عُبِدَ، وأحَقُّ مَن حُمِدَ، وأنْصَرُ مَن ابْتُغِيَ، وأرْأفُ مَن مَلَكَ، وأجْوَدُ مَن سُئِلَ، وأوْسَعُ مَن أعْطى، وأرْحَمُ مَن اسْتُرْحِمَ، وأكْرَمُ مَن قُصِدَ، وأعَزُّ مَنِ التُجِئَ إلَيْهِ وأكْفى مَن تُوُكِّلَ عَلَيْهِ، أرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنَ الوالِدَةِ بِوَلَدِها، وأشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ التّائِبِ مِنَ الفاقِدِ لِراحِلَتِهِ الَّتِي عَلَيْها طَعامُهُ وشَرابُهُ في الأرْضِ المُهْلِكَةِ إذا يَئِسَ مِنَ الحَياةِ ثُمَّ وجَدَها. وَهُوَ المَلِكُ لا شَرِيكَ لَهُ، والفَرْدُ فَلا نِدَّ لَهُ، كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، لَنْ يُطاعَ إلّا بِإذْنِهِ، ولَنْ يُعْصى إلّا بِعِلْمِهِ، يُطاعُ فَيَشْكُرُ، وبِتَوْفِيقِهِ ونِعْمَتِهِ أُطِيعَ، ويُعْصى فَيَغْفِرُ ويَعْفُو، وحَقُّهُ أُضِيعَ، فَهو أقْرَبُ شَهِيدٍ، وأجَلُّ حَفِيظٍ، وأوْفى بِالعَهْدِ، وأعْدَلُ قائِمٍ بِالقِسْطِ، حالَ دُونَ النُّفُوسِ، وأخَذَ بِالنَّواصِي وكَتَبَ الآثارَ، ونَسَخَ الآجالَ، فالقُلُوبُ لَهُ مُفْضِيَةٌ، والسِّرُّ عِنْدَهُ عَلانِيَةٌ، والغَيْبُ لَدَيْهِ مَكْشُوفٌ، وكُلُّ أحَدٍ إلَيْهِ مَلْهُوفٌ، وعَنَتِ الوُجُوهُ لِنُورِ وجْهِهِ، وعَجَزَتِ القُلُوبُ عَنْ إدْراكِ كُنْهِهِ، ودَلَّتِ الفِطَرُ والأدِلَّةُ كُلُّها عَلى امْتِناعِ مِثْلِهِ وشِبْهِهِ، أشْرَقَتْ لِنُورِ وجْهِهِ الظُّلُماتُ، واسْتَنارَتْ لَهُ الأرْضُ والسَّماواتُ، وصَلُحَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ، ولَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ: ؎ما اعْتاضَ باذِلُ حُبِّهِ لِسِواهُ مِن ∗∗∗ عِوَضٍ ولَوْ مَلَكَ الوُجُودَ بِأسْرِهِ (فائدة) محبته تعالى، بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق، من أعظم واجبات الدين، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذي لا يغفر لصاحبه، ولا يقبل معه عمل. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أنْدادا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ الله، والّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبا للهِ﴾. وإذا كان العبد لا يكون من أهل الإيمان حتى يكون عبد الله ورسوله أحب إليه من نفسه وأهله وولده ووالده والناس أجمعين، ومحبته تبع لمحبة الله، فما الظن بمحبته سبحانه؟ وهو سبحانه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته، التي تتضمن كمال تعظيمه والذل له، ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه. وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب، وأسست الجنة والنار، وانقسم الناس إلى شقى وسعيد، وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته وإجلاله محبة وإجلال ومخافة. فالمخلوق كلما خفته استوحشت منه، وهربت منه. والله سبحانه كلما خفته أنست به وفررت إليه. والمخلوق يخُاف ظلمه، وعدوانه، والرب سبحانه إنما يخُاف عدله وقسطه. وكذلك المحبة. فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهى عذاب للمحب ووبال عليه. وما يحصل له بها من التألم أعظم مما يحصل له من اللذة. وكلما كانت أبعد عن الله كان ألمها وعذابها أعظم. هذا إلى ما في محبته من الإعراض عنك، والتجنى عليك، وعدم الوفاء لك، إما لمزاحمة غيرك من المحبين له، وإما لكراهته ومعاداته لك، وإما لاشتغاله عنك بمصالحه وما هو أحب إليه منك، وإما لغير ذلك من الآفات. وأما محبة الرب سبحانه فشأنها غير هذا الشأن، فإنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها، فهو إلهها ومعبودها، ووليها ومولاها، وربها ومدبرها ورازقها، ومميتها ومحييها. فمحبة نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفوس، وقوت القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن. فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من محبته والأنس به، والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة. كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله "إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفى عيش طيب". وقال آخر: "إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربا بأنسه بالله وحبه له". وقال آخر: "مساكين أهل الغفلة، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها". وقال آخر: "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف". ووجدان هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل، وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر، كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى. فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يعرف إلا بالذوق والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حبا لغيره، ولا أنسابه، وكلما ازداد له حبا ازداد له عبودية وذلا، وخضوعا ورقا له، وحرية عن رق غيره. فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن، إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه، ولو حصل له جميع ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده إلا فاقة وقلقا، حتى يظفر بما خلق له، وهيئ له: من كون الله وحده نهاية مراده، وغاية مطالبه. فإن فيه فقرا ذاتيا إلى ربه وإلهه، من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقرا ذاتيا إليه من حيث هو ربه وخالقه ورازقه ومدبره. وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه وعبودبته له. ؎فَأصْبَحَ حُرا عِزَّةً وصِيانَةً ∗∗∗ عَلى وجْهِهِ أنْوارُهْ وضِياؤُهْ وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة لله تعالى. وطمأنينة بذكره، وتنعم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنس بقربه، وإن لم يحسن به، لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافه إلى ما هو مشغول به، فوجود الشيء غير الإحساس والشعور به. وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصانه: هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه. ومتى لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده، وهو المحبوب المراد له بالذات والقصد الأول، وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعا لأجله، لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب والشرك بقدره، وله من موجبات ذلك من الألم والحسرة والعذاب بحسب ما فاته من ذلك. ولو سعى في هذا المطلوب بكل طريق، واستفتح من كل باب، ولم يكن مستعينا بالله، متوكلا عليه، مفتقرا إليه في حصوله، متيقنا أنه إنما يحصل بتوفيقه ومشيئته، وإعانته، لا طريق له سوى ذلك بوجه من الوجوه، لم يحصل له مطلوبه. فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فلا يوصِّل إليه سواه، ولا يدل عليه سواه، ولا يعبد إلا بإعانته، ولا يطاع إلا بمشيئته. ﴿لَمِن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨-٢٩]. (فصل) ومدار كتب الله تعالى المنزلة من أولها إلى آخرها على الأمر بتلك المحبة ولوازمها والنهى عن محبة ما يضادها وملازمتها، وضرب الأمثال والمقاييس لأهل المحبتين، وذكر قصصهم ومآلهم، ومنازلهم، وثوابهم، وعقابهم، ولا يجد حلاوة الإيمان، بل لا يذوق طعمه، إلا من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله سلم قال: "ثَلاَثٌ مَن كُن فِيهِ وجَدَ حَلاَوَة الإيمانِ - وفي لفظ: لا يَجُد طَعْمَ الإيمانِ إلا مَن كانَ فِيهِ ثَلاثُ: مَن كانَ اللهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مَّمِا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَرْجِعَ في الكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنُقَذَهُ اللهُ تعالى مِنهُ، كما يَكْرَهُ أنْ يُلقى في النّارِ". وفى الصحيحين أيضا عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "والَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجَمَعِينَ". ولهذا اتفقت دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، على عبادة الله وحده لا شريك له. وأصل العبادة وتمامها وكمالها هو المحبة، وإفراد الرب سبحانه بها، فلا يشرك العبد به فيها غيره. والكلمة المتضمنة لهذين الأصلين هى الكلمة التي لا يدخل في الإسلام إلا بها، ولا يعصم دمه وماله إلا بالإتيان بها، ولا ينجو من عذاب الله إلا بتحقيقها بالقلب واللسان وذكرها أفضل الذكر، كما في صحيح ابن حبان عنه صلى الله تعالى عليه وسلم: "أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلهَ إلاّ اللهُ". والآية المتضمنة لها ولتفضيلها سيدة آى القرآن، والسورة المختصة بتحقيقها تعدل ثلث القرآن، بها أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وشرع جميع شرائعه، قياما بحقها وتكميلا لها. وهى التي يدخل بها العبد على ربه، ويصير في جواره وهى مفزع أوليائه وأعدائه، فإن أعداءه إذا مسهم الضر في البر والبحر فزعوا إلى توحيده، وتبرءوا من شركهم، ودعوه مخلصين له الدين. وأما أولياؤه فهى مفزعهم في شدائد الدنيا والآخرة. ولهذا كانت دعوات المكروب "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم". ودعوة ذي النون التي ما دعًا بها مكروب إلا فرج الله كربه "لا إله إلا أنت، سبحانك إنى كنت من الظالمين". وقال ثوبان رضى الله تعالى عنه "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا راعه أمر قال: الله ربى لا أشرك به شيئا" وفي لفظ قال: " هو الله لا شريك له". وقالت أسماء بنت عميس رضي الله عنها "علمنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كلمات أقولها عند الكرب: الله، الله ربى، لا أشرك به شيئا". وفى الترمذى من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "دَعْوَةُ يُونُسَ إذْ نادى في بَطْنِ الحُوتِ: لا إلهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّى كُنْتُ مِنَ الظّالمِينَ، فَإنّهُ لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ في شَئْ إلا اسْتُجِيبَ لَهُ". وفى "مسند الإمام أحمد" مرفوعا "دَعواتُ المَكْرُوبِ: الّلهُمَّ رَحْمَتكَ أرْجُو، فَلا تَكِلْنِى إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنِ، وأصْلِحْ لِى شَأْنِى كُلّهُ، لا إلَهَ إلا أنْتَ". فالتوحيد ملجأ الطالبين، ومفزع الهاربين، ونجاة المكروبين، وغياث الملهوفين، وحقيقته إفراد الرب سبحانه بالمحبة والإجلال التعظيم، والذل والخضوع. (فصل) فإذا عرف أن كل حركة فأصلها الحب والإرادة، فلا بد من محبوب مراد لنفسه، لا يطلب ويحب لغيره، إذ لو كان كل محبوب يحب لغيره لزم الدور أو التسلسل في العلل والغايات، وهو باطل باتفاق العقلاء، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله عز وجل وحده، الذي لا تصلح الألوهية إلا له، فلو كان في السماوات والأرض آلهة إلا الله لفسدتا. والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هى العبادة والتأليه. ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية. (فائدة أخرى) المحبة النافعة ثلاثة أنواع: محبة الله ومحبة في الله، ومحبة ما يعين على طاعة الله تعالى واجتناب معصيته. والمحبة الضارة ثلاثة أنواع: المحبة مع الله، ومحبة ما يبغضه الله تعالى، ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. فهذه ستة أنواع، عليها مدار محاب الخلق. فمحبة الله عز وجل أصل المحاب المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تبع لها. والمحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها. ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك وأبعد من الإخلاص كانت محبته بعشق الصور أشد، وكلما كان أكثر إخلاصا وأشد توحيدا، كان أبعد من عشق الصور، ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق، لشركها. ونجا منه يوسف الصديق عليه السلام بإخلاصه، قال تعالى: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا. فالمخلص قد خلص حبه لله، فخلصه الله من فتنة عشق الصور. والمشرك قلبه متعلق بغير الله، لم يخلص توحيده وحبه لله عز وجل. [فَصْلٌ: أقْسامُ المَحْبُوبِ] والمَحْبُوبُ قِسْمانِ: مَحْبُوبٌ لِنَفْسِهِ، ومَحْبُوبٌ لِغَيْرِهِ. والمَحْبُوبُ لِغَيْرِهِ، لا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلى المَحْبُوبِ لِنَفْسِهِ، دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ المُحالِ، وكُلُّ ما سِوى المَحْبُوبِ الحَقِّ فَهو مَحْبُوبٌ لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ يُحَبُّ لِذاتِهِ إلّا اللَّهَ وحْدَهُ، وكُلُّ ما سِواهُ مِمّا يُحَبُّ فَإنَّما مَحَبَّتُهُ تَبَعٌ لِمَحَبَّةِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى، كَمَحَبَّةِ مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، فَإنَّها تَبَعٌ لِمَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ، وهي مِن لَوازِمِ مَحَبَّتِهِ، فَإنَّ مَحَبَّةَ المَحْبُوبِ تُوجِبُ مَحَبَّةَ ما يُحِبُّهُ، وهَذا مَوْضِعٌ يَجِبُ الِاعْتِناءُ بِهِ، فَإنَّهُ مَحَلُّ فُرْقانٍ بَيْنَ المَحَبَّةِ النّافِعَةِ لِغَيْرِهِ، والَّتِي لا تَنْفَعُ بَلْ قَدْ تَضُرُّ. فاعْلَمْ أنَّهُ لا يُحَبُّ لِذاتِهِ إلّا مَن كانَ كَمالُهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، وإلَهِيَّتُهُ ورُبُوبِيَّتُهُ وغِناهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، وما سِواهُ فَإنَّما يُبْغَضُ ويُكْرَهُ لِمُنافاتِهِ مَحابِّهُ ومُضادَّتِهِ لَها، وبُغْضُهُ وكَراهَتُهُ بِحَسَبِ قُوَّةِ هَذِهِ المُنافاةِ وضَعْفِها، فَما كانَ أشَدَّ مُنافاةً لِمَحابِّهِ، كانَ أشَدَّ كَراهَةً مِنَ الأعْيانِ والأوْصافِ والأفْعالِ والإراداتِ وغَيْرِها، فَهَذا مِيزانٌ عادِلٌ تُوزَنُ بِهِ مُوافَقَةُ الرَّبِّ ومُخالَفَتُهُ ومُوالاتُهُ ومُعاداتُهُ، فَإذا رَأيْنا شَخْصًا يُحِبُّ ما يَكْرَهُهُ الرَّبُّ تَعالى ويَكْرَهُ ما يُحِبُّهُ، عَلِمْنا أنَّ فِيهِ مِن مُعاداتِهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وإذا رَأيْنا الشَّخْصَ يُحِبُّ ما يُحِبُّهُ الرَّبُّ ويَكْرَهُ ما يَكْرَهُهُ، وكُلَّما كانَ الشَّيْءُ أحَبَّ إلى الرَّبِّ كانَ أحَبَّ إلَيْهِ وآثَرَهُ عِنْدَهُ، وكُلَّما كانَ أبْغَضَ إلَيْهِ كانَ أبْغَضَ إلَيْهِ وأبْعَدَ مِنهُ، عَلِمْنا أنَّ فِيهِ مِن مُوالاةِ الرَّبِّ بِحَسَبِ ذَلِكَ. فَتَمَسَّكْ بِهَذا الأصْلِ في نَفْسِكَ وفي غَيْرِكَ، فالوِلايَةُ عِبارَةٌ عَنْ مُوافَقَةِ الوَلِيِّ الحَمِيدِ في مَحابِّهِ ومَساخِطِهِ، ولَيْسَتْ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ ولا صَلاةٍ ولا تَمَزُّقٍ ولا رِياضَةٍ. والمَحْبُوبُ لِغَيْرِهِ قِسْمانِ أيْضًا: أحَدُهُما: ما يَلْتَذُّ المُحِبُّ بِإدْراكِهِ وحُصُولِهِ. والثّانِي: ما يَتَألَّمُ بِهِ ولَكِنْ يَحْتَمِلُهُ لِإفْضائِهِ إلى المَحْبُوبِ، كَشُرْبِ الدَّواءِ الكَرِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ القِتالَ مَكْرُوهٌ لَهم مَعَ أنَّهُ خَيْرٌ لَهم لِإفْضائِهِ إلى أعْظَمِ مَحْبُوبٍ وأنْفَعِهِ، والنُّفُوسُ تَحْتَ الرّاحَةِ والدَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ، ذَلِكَ شَرٌّ لَها لِإفْضائِهِ إلى فَواتِ المَحْبُوبِ، فالعاقِلُ لا يَنْظُرُ إلى لَذَّةِ المَحْبُوبِ العاجِلِ فَيُؤْثِرُها، وألَمِ المَكْرُوهِ العاجِلِ فَيَرْغَبُ عَنْهُ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ شَرًّا لَهُ، بَلْ قَدْ يَجْلِبُ عَلَيْهِ غايَةَ الألَمِ ويُفَوِّتُهُ أعْظَمَ اللَّذَّةِ، بَلْ عُقَلاءُ الدُّنْيا يَتَحَمَّلُونَ المَشاقَّ المَكْرُوهَةَ لِما يُعْقِبُهم مِنَ اللَّذَّةِ بَعْدَها، وإنْ كانَتْ مُنْقَطِعَةً. فالأُمُورُ أرْبَعَةٌ: مَكْرُوهٌ يُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، ومَكْرُوهٌ يُوَصِّلُ إلى مَحْبُوبٍ، ومَحْبُوبٌ يُوَصِّلُ إلى مَحْبُوبٍ، ومَحْبُوبٌ يُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، فالمَحْبُوبُ المُوَصِّلُ إلى المَحْبُوبِ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ داعِيَ الفِعْلِ مِن وجْهَيْنِ، والمَكْرُوهُ المُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ داعِي التَّرْكِ مِن وجْهَيْنِ. بَقِيَ القِسْمانِ الآخَرانِ يَتَجاذَبُهُما الدّاعِيانِ - وهُما مُعْتَرَكُ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ - فالنَّفْسُ تُؤْثِرُ أقْرَبَهُما جِوارًا مِنها، وهو العاجِلُ، والعَقْلُ والإيمانُ يُؤْثِرُ أنْفَعَهُما وأبْقاهُما، والقَلْبُ بَيْنَ الدّاعِيَيْنِ، وهو إلى هَذا مَرَّةً، وإلى هَذا مَرَّةً، وهاهُنا مَحَلُّ الِابْتِلاءِ شَرْعًا وقَدَرًا، فَداعِي العَقْلِ والإيمانِ يُنادِي كُلَّ وقْتٍ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ، عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى، وفي المَماتِ يَحْمَدُ العَبْدُ التُّقى، فَإنِ اشْتَدَّ ظَلامُ لَيْلِ المَحَبَّةِ، وتَحَكَّمَ سُلْطانُ الشَّهْوَةِ والإرادَةِ، يَقُولُ: يا نَفْسُ اصْبِرِي فَما هي إلّا ساعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي ويَذْهَبُ هَذا كُلُّهُ ويَزُولُ.

البقرة 2:166

فالأسباب التى تقطعت بهم هى العلائق التى بغير الله ولغير الله، تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها، وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلت وبطلت اضمحلت أسبابها وبطلت، فإن الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها، وكل شيء هالك إلا وجهه سبحانه، وكل عمل باطل إلا ما أُريد به وجهه. وكل سعى لغيره باطل ومضمحل، وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعى والعمل والكد والخدمة التى يفعلها العبد لمتولٍ أو أمير أو صاحب منصب أو مال، فإذا زال ذلك الذي عمل له عدم ذلك العمل وبطل ذلك السعى ولم يبق في يده سوى الحرمان، ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة: "أليس عدلًا مني أني أُولى كل رجل منكم ما كان يتولى في الدنيا". فيتولى عباد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم فتتساقط بهم في النار، ويتولى عابدو الشمس والقمر آلهتهم، فإذا كوِّرت الشمس وانتثرت النجوم اضمحلت تلك العبادة وبطلت وصارت حسرة عليهم: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هُم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقة وأغبنهم يوم معاده، فإنه يحال على مفلس كل الإفلاس بل على عدم، والموحد حوالته على المليء الكريم، فيا بُعدَ ما بين الحوالتين. قوله تعالى: ﴿وَتقَطّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: "المودة". وقال مجاهد: "تواصلهم في الدنيا". وقال الضحاك: "يعني تقطعت بهم الأرحام، وتفرقت بهم المنازل في النار". وقال أبو صالح: "الأعمال". والكل حق. فإن الأسباب هى الوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا، تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها. وأما أسباب الموحدين المخلصين لله فاتصلت بهم ودام اتصالها بدوام معبودهم ومحبوبهم. فإن السبب تبع لغايته في البقاء والانقطاع. فصل: [معركة الأتباع والمتبوعين] فهذا حكم الإتباع والمتبوعين المشركين في الضلالة. وأما الأتباع المخالفون لمتبوعيهم، العادلون عن طريقتهم الذين يزعمون أنهم لهم تبع وليسوا متبعين لطريقتهم، فهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّأُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾، فهؤلاء المتبوعون كانوا على هدى وأتباعهم ادعوا أنهم كانوا على طريقتهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقتهم، يزعمون أنهم يحبونهم وأن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم، فيتبرءون منهم يوم القيامة فإنهم اتخدوهم أولياء من دون الله وظنوا أن هذا الاتخاذ ينفعهم. وهذه حال كل من اتخد من دون الله ورسوله وليجة وأولياء، يوالي لهم ويعادي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم فان أعماله كلها باطلة يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه، إذ لم يجرد موالاته ومعاداته، ومحبته وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله فأبطل الله عز وجل ذلك العمل كله وقطع تلك الأسباب، فينقطع يوم القيامة كل وصلة ووسيلة ومودة وموالاة كانت لغير الله تعالى، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وربه وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريد عبادته له وحده ولوازمها من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة والتقريب والإبعاد وتجريده متابعة رسوله وترك أقوال غيره، وترك ما خالف ما جاء به والإعراض عنه وعدم الاعتناء به وتجريد متابعته تجريدا محضًا بريئًا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلا عن تقديم قول غيره عليه. فهذا هو السبب الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ربه، وهي نسبة العبودية المحضة وهي آخيته التي يحول ما يحول ثم إليها مرجعة: ؎نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ∗∗∗ ما الحب إلا للحبيب الأول ؎كم منزل في الأرض يألفه الفتى ∗∗∗ وحنينه أبدًا لأول منزل وهذه هي النسبة التي تنفع العبد، فلا ينفعه غيرها في الدور الثلاثة: أعني دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، فلا قوام له ولا عيش ولا نعيم ولا فلاح إلا بهذه النسبة. وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله ولقد أحسن القائل: ؎إذا تقطع حبل الوصل بينهم ∗∗∗ فللمحبين حبل غير منقطع ؎وإن تصدع شمل القوم بينهم ∗∗∗ فللمحبين شمل غير منصدع والمقصود أن الله سبحانه يقطع يوم القيامة الأسباب والعلق والوصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا كلها، ولا يبقى إلا السبب والوصلة التي بين العبد وبين الله فقط وهو سبب العبودية المحضة التي لا وجود لها ولا تحقيق إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم وما عرفت إلا بهم ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾، فهذه هي أعماله التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه يجعلها الله هباءًا منثورا. ولا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلًا، وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة: أن يرى سعيه كله ضائعًا لم ينتفع منه بشيء وهو أحوج ما كان العامل إلى عمله، وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم.

البقرة 2:171

تَضَمَّنَ هَذا المَثَلَ ناعِقًا أيْ مُصَوِّتًا بِالغَنَمِ وغَيْرِها، ومَنعُوقًا بِهِ وهو الدَّوابُّ، فَقِيلَ: النّاعِقُ العابِدُ وهو الدّاعِي لِلصَّنَمِ، والصَّنَمُ هو المَنعُوقُ بِهِ المَدْعُوُّ، وإنَّ حالَ الكافِرِ في دُعائِهِ كَحالِ مَن يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُهُ، هَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ. واسْتَشْكَلَ صاحِبُ الكَشّافِ وجَماعَةٌ مَعَهُ هَذا القَوْلَ، وقالُوا: قَوْلُهُ: ﴿إلا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ دُعاءً ولا نِداءً. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الِاسْتِشْكالِ بِثَلاثَةِ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ " إلّا " زائِدَةٌ، والمَعْنى بِما لا يَسْمَعُ دُعاءً ونِداءً، قالُوا: وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ في قَوْلِ الشّاعِرِ: حَراجِيجُ ما تَنْفَكُّ إلّا مُناخَةً أيْ ما تَنْفَكُّ مُناخَةً، وهَذا جَوابٌ فاسِدٌ، فَإنَّ " إلّا " لا تُزادُ في الكَلامِ. الجَوابُ الثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ لا في خُصُوصِيّاتِ المَدْعُوِّ. الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى أنَّ مَثَلَ هَؤُلاءِ في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم الَّتِي لا تَفْقَهُ دُعاءَهم كَمَثَلِ النّاعِقِ بِغَنَمِهِ، فَلا يَنْتَفِعُ مِن نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أنَّهُ هو في دُعاءٍ ونِداءٍ، وكَذَلِكَ المُشْرِكُ لَيْسَ لَهُ مِن دُعائِهِ وعِبادَتِهِ إلّا العَناءُ. وَقِيلَ: المَعْنى ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ مِمّا يَقُولُ الرّاعِي أكْثَرَ مِن الصَّوْتِ؛ فالرّاعِي هو داعِي الكُفّارِ، والكُفّارُ هم البَهائِمُ المَنعُوقُ بِها. قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى ومَثَلُك يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ؛ وعَلى قَوْلِهِ فَيَكُونُ المَعْنى: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا وداعِيهمْ كَمَثَلِ الغَنَمِ والنّاعِقِ بِها. وَلَك أنْ تَجْعَلَ هَذا مِن التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، وأنْ تَجْعَلَهُ مِن التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ، فَإنْ جَعَلْتَهُ مِن المُرَكَّبِ كانَ تَشْبِيهًا لِلْكُفّارِ في عَدَمِ فِقْهِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِالغَنَمِ الَّتِي يَنْعَقُ بِها الرّاعِي فَلا تَفْقَهُ مِن قَوْلِهِ شَيْئًا غَيْرَ الصَّوْتِ المُجَرَّدِ هو الدُّعاءُ والنِّداءُ، وإنْ جَعَلْتَهُ مِن التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ فاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ، ودُعاءُ داعِيهمْ إلى الطَّرِيقِ والهُدى بِمَنزِلَةِ الَّذِي يَنْعِقُ بِها، ودُعاؤُهم إلى الهُدى بِمَنزِلَةِ النَّعْقِ، وإدْراكُهم مُجَرَّدَ الدُّعاءِ والنِّداءِ كَإدْراكِ البَهائِمِ مُجَرَّدَ صَوْتِ النّاعِقِ، واللَّهُ أعْلَمُ قوله تعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى في الكفار: ﴿صُم بُكْم عُمْى فَهم لا يرْجَعُونَ﴾ فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن كان هكذا كان أشد كفرًا وأخبث قلبًا وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل. وفيه معنى آخر أيضًا وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين الطائفتين فيرضوا المؤمنين ليعزوهم، ويرضوا الكفار ليعزوهم أيضًا. ومن هاهنا دخل عليهم البلاءُ، فإنهم أرادوا العزتين من الطائفتين، ولم يكن لهم غرض في الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله، بل كان ميلهم وصغوهم وجهتهم إلى الكفار، فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل وهو أن جعل مستقرهم في أسفل السافلين تحت الكفار، فما اتصف به المنافقون من مخادعة الله ورسوله والذين آمنوا، والاستهزاءِ بأهل الإيمان والكذب والتلاعب بالدين وإظهار أنهم من المؤمنين وأبطنوا قلوبهم فتغلظ كفرهم به، فاستحقوا الدرك الأسفل من النار ولهذا لما ذكر تعالى أقسام الخلق في أول سورة [البقرة: ٢-٢٠] فقسمهم إلى مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وكافر ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن في الظاهر كافر في الباطن وهم المنافقون، وذكر في حق المؤمنين ثلاث آيات [٣-٥] وفي حق الكفار آيتين [٦-٧]. فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية [٨-٢٠] ذمهم فيها غاية الذم وكشف عوراتهم وقبحهم وفضحهم، وأخبر أنهم هم السفهاءُ المفسدون في الأرض المخادعون المستهزئون المغبونون في اشترائهم الضلالة بالهدى، وأنهم صم بكم عمى فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضًا إلى مرضهم، فلم يدع ذمًا ولا عيبًا إلا ذمهم به، وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم، وبغضه إياهم، وعداوته لهم، وأنهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة في تخصص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار. نعوذ بالله من مثل حالهم، ونسأله معافاته ورحمته. ومن تأمل ما وصف الله به المنافقين في القرآن من صفات الذم علم أنهم أحق بالدرك الأسفل فإنه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده ووصف قلوبهم بالمرض وهو مرض الشبهات والشكوك. ووصفهم بالإفساد في الأرض وبالاستهزاءِ بدينه وبعباده، وبالطغيان، واشتراءِ الضلالة بالهدى والصمم والبكم والعمي والحيرة والكسل عند عبادته، والزنا وقلة ذكره، والتردد - والتذبذب - بين المؤمنين والكفار، فلا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ.

البقرة 2:172

فإن قلت فما تصنع بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني. وفي الحديث: في السلام على الموتى "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " رواه مسلم. واللحاق محقق وفي قولة الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة" قلت أما قوله: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ الذي حسن مجيء (إنْ) هاهنا الاحتجاج والإلزام فإن المعنى إن عبادتكم لله تستلزم شكركم له بل هي الشكر نفسه فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج كما تقول للرجل إن كان الله ربك وخالقك فلا تعصه وإن كان لقاء الله حقا فتأهب له وإن كانت الجنة حقا فتزود إليها وهذا أحسن من جواب من أجاب بأن (إنْ) هنا قامت مقام (إذ) وكذا قوله: ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ وكذا قولهم إن كنت ابني فأطعني ونظائر ذلك وأما قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" فالتعليق هنا ليس لمطلق الموت وإنما هو للحاقهم بالمؤمنين ومصيرهم إلى حيث صاروا وأما قول الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة" فلأن الموت وإن كان محققا لكن لما لم يعرف تعين وقته وطال الأمد وانفردت مسافة أمنية الحياة نزل منزلة المشكوك كما هو الواقع الذي يدل عليه أحوال العباد فإن عاقلا لا يتيقن الموت ويرضى بإقامته على حال لا يحب الموت عليها أبدا كما قال بعض السلف: "ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت" وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فأكد الموت باللام وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت وأتى في البعث بالفعل ولم يؤكده. (فائدة) وَما أُتِي من أُتِي إلّا من قِبَل إضاعَة الشُّكْر، وإهمال الافتقار والدُّعاء، ولا ظفر من ظفر بِمَشِيئَة الله وعونه إلّا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدُّعاء، وملاك ذَلِك الصَّبْر فَإنَّهُ من الإيمان بِمَنزِلَة الرَّأْس من الجَسَد فَإذا قطع الرَّأْس فَلا بَقاء للجسد.

البقرة 2:173

وَمِن أمْثِلَةِ العُدْوانِ تَجاوُزُ ما أُبِيحَ مِنَ المَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ إلى ما لَمْ يُبَحْ مِنها، إمّا بِأنْ يَشْبَعَ، وإنَّما أُبِيحَ لَهُ سَدُّ الرَّمَقِ، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ، والشّافِعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ. وَأباحَ مالِكٌ لَهُ الشِّبَعَ والتَّزَوُّدَ إذا احْتاجَ إلَيْهِ، فَإذا اسْتَغْنى عَنْها وأكَلَها واقِيًا لِمالِهِ، وبُخْلًا عَنْ شِراءِ المُذَكّى ونَحْوِهِ، كانَ تَناوُلُها عُدْوانًا، قالَ تَعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] قالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: لا يَأْكُلُها مِن غَيْرِ اضْطِرارٍ، ولا يَعْدُو شِبَعَهُ، وقِيلَ: " غَيْرَ باغٍ " غَيْرَ طالِبِها وهو يَجِدُ غَيْرَها " ولا عادٍ " أيْ لا يَتَعَدّى ما حُدَّ لَهُ مِنها فَيَأْكُلُ حَتّى يَشْبَعَ، ولَكِنْ سَدَّ الرَّمَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَها، ولا مُتَزَوِّدٍ مِنها. وَقِيلَ: لا يَبْغِي بِتَجاوُزِ الحَدِّ الَّذِي حُدَّ لَهُ مِنها، ولا يَتَعَدّى بِتَقْصِيرِهِ عَنْ تَناوُلِهِ حَتّى يَهْلِكَ، فَيَكُونَ قَدْ تَعَدّى حَدَّ اللَّهِ بِمُجاوَزَتِهِ أوِ التَّقْصِيرِ عَنْهُ، فَهَذا آثِمٌ، وهَذا آثِمٌ، وقالَ مَسْرُوقٌ: مَنِ اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ والشّافِعِيُّ: غَيْرَ باغٍ عَلى السُّلْطانِ ولا عادٍ في سَفَرِهِ، فَلا يَكُونُ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ العاصِيَ بِسَفَرِهِ لا يَتَرَخَّصُ. والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ لِعَشَرَةِ أوْجُهٍ، لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها، إذِ الآيَةُ لا تَعَرُّضَ فِيها لِلسَّفَرِ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، ولا لِلْخُرُوجِ عَلى الإمامِ، ولا هي مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ ولا سِيقَتْ لَهُ، وهي عامَّةٌ في حَقِّ المُقِيمِ والمُسافِرِ، والبَغْيُ والعُدْوانُ فِيها يَرْجِعانِ إلى الأكْلِ المَقْصُودِ بِالنَّهْيِ، لا إلى أمْرٍ خارِجٍ عَنْهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأكْلِ، ولِأنَّ نَظِيرَ هَذا قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] فَهَذا هو الباغِي العادِي، والمُتَجانِفُ لِلْإثْمِ المائِلُ إلى القَدْرِ الحَرامِ مِن أكْلِها، وهَذا هو الشَّرْطُ الَّذِي لا يُباحُ لَهُ بِدُونِهِ، ولِأنَّها إنَّما أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، فَتَقَدَّرَتِ الإباحَةُ بِقَدْرِها، وأعْلَمَهم أنَّ الزِّيادَةَ عَلَيْها بَغْيٌ وعُدْوانٌ وإثْمٌ، فَلا تَكُونُ الإباحَةُ لِلضَّرُورَةِ سَبَبًا لِحِلِّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. والإثْمُ والعُدْوانُ هُما الإثْمُ والبَغْيُ المَذْكُورانِ في سُورَةِ الأعْرافِ، مَعَ أنَّ البَغْيَ غالِبُ اسْتِعْمالِهِ في حُقُوقِ العِبادِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ. وَعَلى هَذا فَإذا قُرِنَ البَغْيُ بِالعُدْوانِ كانَ البَغْيُ ظُلْمَهم بِمُحَرَّمِ الجِنْسِ، كالسَّرِقَةِ والكَذِبِ، والبَهْتِ والِابْتِداءِ بِالأذى، والعُدْوانُ تَعَدِّي الحَقِّ في اسْتِيفائِهِ إلى أكْبَرَ مِنهُ، فَيَكُونُ البَغْيُ والعُدْوانُ في حَقِّهِمْ كالإثْمِ والعُدْوانِ في حُدُودِ اللَّهِ. فَهاهُنا أرْبَعَةُ أُمُورٍ: حَقٌّ لِلَّهِ ولَهُ حَدٌّ، وحَقٌّ لِعِبادِهِ ولَهُ حَدٌّ، فالبَغْيُ والعُدْوانُ والظُّلْمُ تَجاوُزُ الحَدَّيْنِ إلى ما وراءَهُما، أوِ التَّقْصِيرُ عَنْهُما، فَلا يَصِلُ إلَيْهِما.

البقرة 2:177

وقد جمع الله خصال البر في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ ...﴾. فأخبر سبحانه أن البر هو الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذه هي أصول الإيمان الخمس التي لا قوام للإيمان إلا بها، وأنها الشرائع الظاهرة من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنفقات الواجبة، وأنها الأعمال القلبية التي هي حقائقه من الصبر والوفاء بالعهد فتناولت هده الخصال جميع أقسام الدين حقائقه وشرائعه والأعمال المتعلقة بالجوارح والقلب وأصول الإيمان الخمس. ثم أخبر سبحانه عن هذا أنها هي خصال التقوى بعينها فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾. وأما التقوى فحقيقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي وخوفًا من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: " إذا وقعت الفتنة فاطفئوها بالتقوى " قالوا: وما التقوى؟ قال: " أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله ". وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى. فإن كل عمل لابد له من مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن الإيمان فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض، لا العادة ولا الهوى ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك بل لابد أن يكون مبدؤه محض الإيمان وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته وهو الاحتساب.

البقرة 2:179

في ضمن هذا الخطاب: ما هو كالجواب لسؤال مقدر: إن في إعدام هذه البنية الشريفة، وإيلام هذه النفس وإعدامها في عدم مقابلة إعدام المقتول تكثير لمفسدة القتل، فلأيّة حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء، وبهرت حكمته العقول؟ فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾. وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يقتل قصاصا بمن قتله كفّ عن القتل وارتدع، وآثر حب حياته ونفسه. فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله. ومن وجه آخر: وهو أنهم كانوا إذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم قتلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيّه وقبيلته. وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يعم ضرره، وتشتد مؤنته، فشرع الله تعالى القصاص، وأن لا يقتل بالمقتول غير قاتله. ففي ذلك حياة عشيرته وحيّه وأقاربه. ولم تكن الحياة في القصاص من حيث إنه قتل، بل من حيث كونه قصاصا، يؤخذ القاتل وحده بالمقتول لا غيره، فتضمن القصاص الحياة في الوجهين. وتأمل ما تحت هذه الألفاظ الشريفة من الجلالة والإيجاز، والبلاغة الفصاحة، والمعنى العظيم. فصدر الآية بقوله: «ولكم» المؤذن بأن منفعة القصاص مختصة بكم، عائدة إليكم، فشرعه إنما كان رحمة بكم وإحسانا إليكم، فمنفعته ومصلحته لكم، إلا لمن لا يبلغ العباد ضره ونفعه. ثم عقبه بقوله «في القصاص» إيذانا بأن الحية الحاصلة إنما هي في العدل، وهو أن يفعل به كما فعل بالمقتول. و «القصاص» في اللغة: المماثلة، وحقيقته راجعة إلى الإتباع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره. ومنه قوله: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أي يقصان الأثر ويتبعانه. ومنه: قص الحديث واقتصاصه، لأنه يتبع بعضه بعضا في الذكر، فسمى جزاء الجاني قصاصا. لأنه يتبع أثره، فيفعل به كما فعل، وهذا أحد ما يستدل به على أن يفعل بالجاني كما فعل، فيقتل بمثل ما قتل به، لتحقيق معنى القصاص. (فائدة) لَوْلا القِصاصُ لَفَسَدَ العالَمُ، وأهْلَكَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا ابْتِداءً واسْتِيفاءً، فَكانَ في القِصاصِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ التَّجَرُّؤِ عَلى الدِّماءِ بِالجِنايَةِ وبِالِاسْتِيفاءِ. وَقَدْ قالَتْ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها: " القَتْلُ أنَفى لِلْقَتْلِ ". وَبِسَفْكِ الدِّماءِ تُحْقَنُ الدِّماءُ؛ فَلَمْ تُغْسَلْ النَّجاسَةُ بِالنَّجاسَةِ، بَلْ الجِنايَةُ نَجاسَةٌ والقِصاصُ طُهْرَةٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَوْتِ القاتِلِ ومَن اسْتَحَقَّ القَتْلَ فَمَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أنْفَعُ لَهُ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ، والمَوْتُ بِهِ أسْرَعُ المَوْتاتِ وأوْحاها وأقَلُّها ألَمًا، فَمَوْتُهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ ولِأوْلِياءِ القَتِيلِ ولِعُمُومِ النّاسِ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى إتْلافِ الحَيَوانِ بِذَبْحِهِ لِمَصْلَحَةِ الآدَمِيِّ، فَإنَّهُ حَسَنٌ، وإنْ كانَ في ذَبْحِهِ إضْرارٌ بِالحَيَوانِ؛ فالمَصالِحُ المَرْتَبَةُ عَلى ذَبْحِهِ أضْعافُ أضْعافِ مَفْسَدَةِ إتْلافِهِ، ثُمَّ هَذا السُّؤالُ الفاسِدُ يَظْهَرُ فَسادُهُ وبُطْلانُهُ بِالمَوْتِ الَّذِي خَتَمَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وساوى فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، ولَوْلاهُ لَما هَنَأ العَيْشُ، ولا وسِعَتْهم الأرْزاقُ، ولَضاقَتْ عَلَيْهِمْ المَساكِنُ والمُدُنُ والأسْواقُ والطُّرُقاتُ، وفي مُفارَقَةِ البَغِيضِ مِن اللَّذَّةِ والرّاحَةِ ما في مُواصَلَةِ الحَبِيبِ، والمَوْتُ مُخَلِّصٌ لِلْحَيِّ، والمَوْتُ مُرِيحٌ لِكُلٍّ مِنهُما مِن صاحِبِهِ، ومُخْرِجٌ مِن دارِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ وبابٌ لِلدُّخُولِ في دارِ الحَيَوانِ. [السِّرُّ في أنَّ العُقُوباتِ لَمْ يَطَّرِدْ جَعْلُها مِن جِنْسِ الذُّنُوبِ] فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّ هَذِهِ العُقُوباتِ لاصِقَةٌ بِالعُقُولِ ومُوافِقَةٌ لِلْمَصالِحِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا شَيْءَ بَعْدَ الكُفْرِ بِاللَّهِ أفْظَعُ، ولا أقْبَحُ مِن سَفْكِ الدِّماءِ، فَكَيْفَ تَرْدَعُونَ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ بِسَفْكِهِ؟ وهَلْ مِثالُ ذَلِكَ إلّا إزالَةُ نَجاسَةٍ بِنَجاسَةٍ؟ ثُمَّ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا لَكانَ أوْلى أنْ يُحْرَقَ ثَوْبُ مَن حَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ، وأنْ يُذْبَحَ حَيَوانُ مَن ذَبَحَ حَيَوانَ غَيْرِهِ، وأنْ تُخَرَّبَ دارُ مَن خَرَّبَ دارَ غَيْرِهِ، وأنْ يَجُوزَ لِمَن شُتِمَ أنْ يَشْتُمَ شاتِمَهُ، وما الفَرْقُ في صَرِيحِ العَقْلِ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَتْلِ مَن قَتَلَ غَيْرَهُ أوْ قَطْعِ مَن قَطَعَهُ؟، وإذا كانَ إراقَةُ الدَّمِ الأوَّلِ مَفْسَدَةً وقَطْعُ الطَّرَفِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ زالَتْ تِلْكَ المَفْسَدَةُ بِإراقَةِ الدَّمِ الثّانِي وقَطْعِ الطَّرَفِ الثّانِي؟، وهَلْ هَذا إلّا مُضاعَفَةٌ لِلْمَفْسَدَةِ وتَكْثِيرٌ لَها؟ ولَوْ كانَتْ المَفْسَدَةُ الأُولى تَزُولُ بِهَذِهِ المَفْسَدَةِ الثّانِيَةِ لَكانَ فِيهِ ما فِيهِ؛ إذْ كَيْفَ تُزالُ مَفْسَدَةٌ بِمَفْسَدَةِ نَظِيرِها مِن كُلِّ وجْهٍ؟، فَكَيْفَ والأُولى لا سَبِيلَ إلى إزالَتِها؟، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ بِما ذَكَرْناهُ مِن عَدَمِ إزالَةِ مَفْسَدَةِ تَحْرِيقِ الثِّيابِ وذَبْحِ المَواشِي وخَرابِ الدُّورِ وقَطْعِ الأشْجارِ بِمِثْلِها، ثُمَّ كَيْفَ حَسُنَ أنْ يُعاقَبَ السّارِقُ بِقَطْعِ يَدِهِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها السَّرِقَةَ، ولَمْ تَحْسُنْ عُقُوبَةُ الزّانِي بِقَطْعِ فَرْجِهِ الَّذِي اكْتَسَبَ بِهِ الزِّنا، ولا القاذِفُ بِقَطْعِ لِسانِهِ، الَّذِي اكْتَسَبَ بِهِ القَذْفَ، ولا المُزَوِّرُ عَلى الإمامِ والمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ أنامِلِهِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها التَّزْوِيرَ، ولا النّاظِرُ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُ بِقَلْعِ عَيْنِهِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها الحَرامَ؟ فَعُلِمَ أنَّ الأمْرَ في هَذِهِ العُقُوباتِ جِنْسًا وقَدْرًا وسَبَبًا لَيْسَ بِقِياسٍ، وإنَّما هو مَحْضُ المَشِيئَةِ، ولِلَّهِ التَّصَرُّفُ في خَلْقِهِ، يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويْحَكم ما يُرِيدُ. فالجَوابُ - وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والتَّأْيِيدُ - مِن طَرِيقَيْنِ: مُجْمَلٌ، ومُفَصَّلٌ: أمّا المُجْمَلُ: فَهو أنَّ مَن شَرَعَ هَذِهِ العُقُوباتِ ورَتَّبَها عَلى أسْبابِها جِنْسًا وقَدْرًا فَهو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأحْكَمُ الحاكِمِينَ، وأعْلَمُ العالِمِينَ، ومَن أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وعَلِمَ ما كانَ وما يَكُونُ وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ، وأحاطَ عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَصالِحِ دَقِيقِها وجَلِيلِها وخَفِيِّها وظاهِرِها، ما يُمْكِنُ اطِّلاعُ البَشَرِ عَلَيْهِ وما لا يُمْكِنُهُمْ، ولَيْسَتْ هَذِهِ التَّخْصِيصاتُ والتَّقْدِيراتُ خارِجَةً عَنْ وُجُوهِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ، كَما أنَّ التَّخْصِيصاتِ والتَّقْدِيراتِ الواقِعَةَ في خَلْقِهِ كَذَلِكَ، فَهَذا في خَلْقِهِ وذاكَ في أمْرِهِ، ومَصْدَرُهُما جَمِيعًا عَنْ كَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ووَضْعِهِ كُلَّ شَيْءٍ في مَوْضِعِهِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ سِواهُ ولا يَتَقاضى إلّا إيّاهُ، كَما وضَعَ قُوَّةَ البَصَرِ والنُّورِ لِلْباصِرِ في العَيْنِ، وقُوَّةَ السَّمْعِ في الأُذُنِ، وقُوَّةَ الشَّمِّ في الأنْفِ، وقُوَّةَ النُّطْقِ في اللِّسانِ والشَّفَتَيْنِ، وقُوَّةَ البَطْشِ في اليَدِ، وقُوَّةَ المَشْيِ في الرِّجْلِ، وخَصَّ كُلَّ حَيَوانٍ وغَيْرِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ ويَحْسُنُ أنْ يُعْطاهُ مِن أعْضائِهِ وهَيْئاتِهِ وصِفاتِهِ وقَدْرِهِ، فَشَمَلَ إتْقانُهُ وإحْكامُهُ لِكُلِّ ما شَمَلَهُ خَلْقُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وإذا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ أتْقَنَ خَلْقَهُ غايَةَ الإتْقانِ، وأحْكَمَهُ غايَةَ الإحْكامِ، فَلَأنْ يَكُونَ أمْرُهُ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ أوْلى وأحْرى، ومَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ مُفَصَّلًا لَمْ يَسَعْهُ أنْ يُنْكِرَهُ مُجْمَلًا، ولا يَكُونَ جَهْلُهُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وإتْقانِهِ كَذَلِكَ وصُدُورِهِ عَنْ مَحْضِ العِلْمِ والحِكْمَةِ مُسَوِّغًا لَهُ إنْكارَهُ في نَفْسِ الأمْرِ. وَسُبْحانَ اللَّهِ ما أعْظَمَ ظُلْمَ الإنْسانِ وجَهْلَهُ فَإنَّهُ لَوْ اعْتَرَضَ عَلى أيِّ صاحِبِ صِناعَةٍ كانَتْ مِمَّنْ تَقْصُرُ عَنْها مَعْرِفَتُهُ وإدْراكُهُ عَلى ذَلِكَ وسَألَهُ عَمّا اخْتَصَّتْ بِهِ صِناعَتُهُ مِن الأسْبابِ والآلاتِ والأفْعالِ والمَقادِيرِ وكَيْفَ كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ لا أكْبَرَ ولا أصْغَرَ ولا عَلى شَكْلٍ غَيْرِ ذَلِكَ يَسْخَرُ مِنهُ، ويَهْزَأُ بِهِ، وعَجِبَ مِن سُخْفِ عَقْلِهِ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ. هَذا ما تَهَيَّأهُ بِمُشارَكَتِهِ لَهُ في صِناعَتِهِ ووُصُولِهِ فِيها إلى ما وصَلَ إلَيْهِ والزِّيادَةِ عَلَيْهِ والِاسْتِدْراكِ عَلَيْهِ فِيها، هَذا مَعَ أنَّ صاحِبَ تِلْكَ الصِّناعَةِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنْ العَجْزِ والقُصُورِ وعَدَمِ الإحاطَةِ والجَهْلِ، بَلْ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَتِيدٌ حاضِرٌ، ثُمَّ لا يَسَعُهُ إلّا التَّسْلِيمُ لَهُ، والِاعْتِرافُ بِحِكْمَتِهِ، وقَرارُهُ بِجَهْلِهِ، وعَجْزُهُ عَمّا وصَلَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، فَهَلّا وسِعَهُ ذَلِكَ مَعَ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأعْلَمِ العالِمِينَ ومَن أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ فَأحْكَمَهُ وأوْقَعَهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؟ وقَدْ كانَ هَذا الوَجْهُ وحْدَهُ كافِيًا في دَفْعِ كُلِّ شُبْهَةٍ وجَوابِ كُلِّ سُؤالٍ، وهَذا غَيْرُ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَها نُفاةُ الحُكْمِ والتَّعْلِيلِ، ولَكِنْ مَعَ هَذا فَنَتَصَدّى لِلْجَوابِ المُفَصَّلِ، بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ وما يُناسِبُ عُلُومَنا النّاقِصَةَ وأفْهامَنا الجامِدَةَ وعُقُولَنا الضَّعِيفَةَ وعِباراتِنا القاصِرَةَ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: [رَدْعُ المُفْسِدِينَ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ] أمّا قَوْلُهُ: " كَيْفَ تَرْدَعُونَ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ بِسَفْكِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كَإزالَةِ النَّجاسَةِ بِالنَّجاسَةِ " سُؤالٌ في غايَةِ الوَهْنِ والفَسادِ، وأوَّلُ ما يُقالُ لِسائِلِهِ: هَلْ تَراهُ رَدَعَ المُفْسِدِينَ والجُناةَ عَنْ فَسادِهِمْ وجِناياتِهِمْ وكَفَّ عُدْوانَهم مُسْتَحْسَنًا في العُقُولِ مُوافِقًا لِمَصالِحِ العِبادِ أوْ لا تَراهُ كَذَلِكَ؟ فَإنْ قالَ: " لا أراهُ كَذَلِكَ " كَفانا مُؤْنَةُ جَوابِهِ بِإقْرارِهِ عَلى نَفْسِهِ بِمُخالَفَةِ جَمِيعِ طَوائِفِ بَنِي آدَمَ عَلى اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ ونِحَلِهِمْ ودِياناتِهِمْ وآرائِهِمْ، ولَوْلا عُقُوبَةُ الجُناةِ والمُفْسِدِينَ لَأهْلَكَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا، وفَسَدَ نِظامُ العالَمِ، وصارَتْ حالُ الدَّوابِّ والأنْعامِ والوُحُوشِ أحْسَنَ مِن حالِ بَنِي آدَمَ، وإنْ قالَ: " بَلْ لا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ إلّا بِذَلِكَ "؛ قِيلَ لَهُ: مِن المَعْلُومِ أنَّ عُقُوبَةَ الجُناةِ والمُفْسِدِينَ لا تَتِمُّ إلّا بِمُؤْلِمٍ يَرْدَعُهُمْ، ويَجْعَلُ الجانِيَ نَكالًا وعِظَةً لِمَن يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وعِنْدَ هَذا فَلا بُدَّ مِن إفْسادِ شَيْءٍ مِنهُ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ في الكِبَرِ والصِّغَرِ والقِلَّةِ والكَثْرَةِ. [التَّسْوِيَةُ في العُقُوباتِ مَعَ اخْتِلافِ الجَرائِمِ لا تَلِيقُ بِالحِكْمَةِ] وَمِن المَعْلُومِ بِبَدائِهِ العُقُولِ أنَّ التَّسْوِيَةَ في العُقُوباتِ مَعَ تَفاوُتِ الجَرائِمِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ فَإنَّهُ إنْ ساوى بَيْنَها في أدْنى العُقُوباتِ لَمْ تَحْصُلْ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ، وإنْ ساوى بَيْنَها في أعْظَمِها كانَ خِلافَ الرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ؛ إذْ لا يَلِيقُ أنْ يَقْتُلَ بِالنَّظْرَةِ والقُبْلَةِ ويَقْطَعَ بِسَرِقَةِ الحَبَّةِ والدِّينارِ. وَكَذَلِكَ التَّفاوُتُ بَيْنَ العُقُوباتِ مَعَ اسْتِواءِ الجَرائِمِ قَبِيحٌ في الفِطَرِ والعُقُولِ، وكِلاهُما تَأْباهُ حِكْمَةُ الرَّبِّ تَعالى وعَدْلُهُ وإحْسانُهُ إلى خَلْقِهِ، فَأوْقَعَ العُقُوبَةَ تارَةً بِإتْلافِ النَّفْسِ إذا انْتَهَتْ الجِنايَةُ في عِظَمِها إلى غايَةِ القُبْحِ كالجِنايَةِ عَلى النَّفْسِ أوْ الدِّينِ أوْ الجِنايَةِ الَّتِي ضَرَرُها عامٌّ؛ فالمَفْسَدَةُ الَّتِي في هَذِهِ العُقُوبَةِ خاصَّةً، والمَصْلَحَةُ الحاصِلَةُ بِها أضْعافَ أضْعافِ تِلْكَ المَفْسَدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] فَلَوْلا القِصاصُ لَفَسَدَ العالَمُ، وأهْلَكَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا ابْتِداءً واسْتِيفاءً، فَكانَ في القِصاصِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ التَّجَرُّؤِ عَلى الدِّماءِ بِالجِنايَةِ وبِالِاسْتِيفاءِ. وَقَدْ قالَتْ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها: " القَتْلُ أنَفى لِلْقَتْلِ ". وَبِسَفْكِ الدِّماءِ تُحْقَنُ الدِّماءُ؛ فَلَمْ تُغْسَلْ النَّجاسَةُ بِالنَّجاسَةِ، بَلْ الجِنايَةُ نَجاسَةٌ والقِصاصُ طُهْرَةٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَوْتِ القاتِلِ ومَن اسْتَحَقَّ القَتْلَ فَمَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أنْفَعُ لَهُ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ، والمَوْتُ بِهِ أسْرَعُ المَوْتاتِ وأوْحاها وأقَلُّها ألَمًا، فَمَوْتُهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ ولِأوْلِياءِ القَتِيلِ ولِعُمُومِ النّاسِ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى إتْلافِ الحَيَوانِ بِذَبْحِهِ لِمَصْلَحَةِ الآدَمِيِّ، فَإنَّهُ حَسَنٌ، وإنْ كانَ في ذَبْحِهِ إضْرارٌ بِالحَيَوانِ؛ فالمَصالِحُ المَرْتَبَةُ عَلى ذَبْحِهِ أضْعافُ أضْعافِ مَفْسَدَةِ إتْلافِهِ، ثُمَّ هَذا السُّؤالُ الفاسِدُ يَظْهَرُ فَسادُهُ وبُطْلانُهُ بِالمَوْتِ الَّذِي خَتَمَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وساوى فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، ولَوْلاهُ لَما هَنَأ العَيْشُ، ولا وسِعَتْهم الأرْزاقُ، ولَضاقَتْ عَلَيْهِمْ المَساكِنُ والمُدُنُ والأسْواقُ والطُّرُقاتُ، وفي مُفارَقَةِ البَغِيضِ مِن اللَّذَّةِ والرّاحَةِ ما في مُواصَلَةِ الحَبِيبِ، والمَوْتُ مُخَلِّصٌ لِلْحَيِّ، والمَوْتُ مُرِيحٌ لِكُلٍّ مِنهُما مِن صاحِبِهِ، ومُخْرِجٌ مِن دارِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ [وَ] بابٌ لِلدُّخُولِ في دارِ الحَيَوانِ. ؎جَزى اللَّهُ عَنّا المَوْتَ خَيْرًا فَإنَّهُ ∗∗∗ أبَرُّ بِنا مِن كُلِّ بَرٍّ وأعْطَفُ ؎يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِن الأذى ∗∗∗ ويُدْنِي إلى الدّارِ الَّتِي هي أشْرَفُ فَكَمْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ الأحْياءِ والأمْواتِ في المَوْتِ مِن نِعْمَةٍ لا تُحْصى، فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِ طُهْرَةٌ لِلْمَقْتُولِ، وحَياةٌ لِلنَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وتَشَفٍّ لِلْمَظْلُومِ، وعَدْلٌ بَيْنَ القاتِلِ والمَقْتُولِ؛ فَسُبْحانَ مَن تَنَزَّهَتْ شَرِيعَتُهُ عَنْ خِلافِ ما شَرَعَها عَلَيْهِ مِن اقْتِراحِ العُقُولِ الفاسِدَةِ والآراءِ الضّالَّةِ الجائِرَةِ. وَأمّا قَوْلُهُ: " لَوْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا في العُقُولِ لاسْتُحْسِنَ في تَحْرِيقِ ثَوْبِهِ وتَخْرِيبِ دارِهِ وذَبْحِ حَيَوانِهِ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ ". [مُقابَلَةُ الإتْلافِ بِمِثْلِهِ في كُلِّ الأحْوالِ شَرِيعَةُ الظّالِمِينَ] فالجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ مَفْسَدَةَ تِلْكَ الجِناياتِ تَنْدَفِعُ بِتَغْرِيمِهِ نَظِيرَ ما أتْلَفَهُ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ المِثْلَ يَسُدُّ مَسَدَّ المِثْلِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَتَصِيرُ المُقابَلَةُ مَفْسَدَةً مَحْضَةً، كَما لَيْسَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ أوْ غُلامَهُ مُقابَلَةً لِقَتْلِهِ هو ابْنَهُ أوْ غُلامَهُ، فَإنَّ هَذا شَرْعُ الظّالِمِينَ المُعْتَدِينَ الَّذِي تُنَزَّهُ عَنْهُ شَرِيعَةُ أحْكَمِ الحاكِمِينَ، عَلى أنَّ لِلْمُقابَلَةِ في إتْلافِ المالِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ مَساغًا في الِاجْتِهادِ، وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ كَما تَقَدَّمَ الإشارَةُ إلَيْهِ في عُقُوبَةِ الكُفّارِ بِإفْسادِ أمْوالِهِمْ إذا كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنا، أوْ كانَ يَغِيظُهُمْ، وهَذا بِخِلافِ قَتْلِ عَبْدِهِ إذا قَتَلَ عَبْدَهُ أوْ قَتَلَ فَرَسَهُ أوْ عَقَرَ فَرَسَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ، ولَكِنَّ السُّنَّةَ اقْتَضَتْ التَّضْمِينَ بِالمِثْلِ، لا إتْلافَ النَّظِيرِ، كَما غَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ إحْدى زَوْجَتَيْهِ الَّتِي كَسَرَتْ إناءَ صاحِبَتِها إناءً بَدَلَهُ، وقالَ: «إناءٌ بِإناءٍ» ولا رَيْبَ أنَّ هَذا أقَلُّ فَسادًا، وأصْلَحُ لِلْجِهَتَيْنِ؛ لِأنَّ المُتْلَفَ مالُهُ إذا أخَذَ نَظِيرَهُ صارَ كَمَن لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وانْتَفَعَ بِما أخَذَهُ عِوَضَ مالِهِ، فَإذا مَكَّنّاهُ مِن إتْلافِهِ كانَ زِيادَةً في إضاعَةِ المالِ، وما يُرادُ مِن التَّشَفِّي وإذاقَةِ الجانِي ألَمَ الإتْلافِ فَحاصِلٌ بِالغُرْمِ غالِبًا، ولا التِفاتَ إلى الصُّوَرِ النّادِرَةِ الَّتِي لا يَتَضَرَّرُ الجانِي فِيها بِالغُرْمِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا ألْيَقُ بِالعَقْلِ، وأبْلُغُ في الصَّلاحِ، وأوْفَقُ لِلْحِكْمَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَوْ شَرَعَ القِصاصَ في الأمْوالِ رَدْعًا لِلْجانِي لَبَقِيَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُراعًى، بَلْ يَبْقى مُتَألِّمًا مُوتُورًا غَيْرَ مَجْبُورٍ، والشَّرِيعَةُ إنّما جاءَتْ بِجَبْرِ هَذا ورَدْعِ هَذا. فَإنْ قِيلَ: فَخَيِّرُوا المَجْنِيَّ عَلَيْهِ بَيْنَ أنْ يُغَرِّمَ الجانِيَ أوْ يُتْلِفَ عَلَيْهِ نَظِيرَ ما أتْلَفَهُ هُوَ، كَما خَيَّرْتُمُوهُ في الجِنايَةِ عَلى طَرَفِهِ، وخَيَّرْتُمْ أوْلِياءَ القَتِيلِ بَيْنَ إتْلافِ الجانِي النَّظِيرَ وبَيْنَ أخْذِ الدِّيَةِ. [حِكْمَةُ تَخْيِيرِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ في بَعْضِ الأحْوالِ دُونَ بَعْضٍ] قِيلَ: لا مَصْلَحَةَ في ذَلِكَ لِلْجانِي ولا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ولا لِسائِرِ النّاسِ، وإنَّما هو زِيادَةُ فَسادٍ، لا مَصْلَحَةَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَفِّي، ويَكْفِي تَغْرِيبُهُ وتَعْزِيرُهُ في التَّشَفِّي، والفَرْقُ بَيْنَ الأمْوالِ والدِّماءِ في ذَلِكَ ظاهِرٌ؛ فَإنَّ الجِنايَةَ عَلى النُّفُوسِ والأعْضاءِ تُدْخِلُ مِن الغَيْظِ والحَنَقِ والعَداوَةِ عَلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ وأوْلِيائِهِ ما لا تُدْخِلُهُ جِنايَةُ المالِ ويُدْخِلُ عَلَيْهِمْ مِن الغَضاضَةِ والعارِ واحْتِمالِ الضَّيْمِ والحَمِيَّةِ والتَّحَرُّقِ لِأخْذِ الثَّأْرِ ما لا يَجْبُرُهُ المالُ أبَدًا، حَتّى إنّ أوْلادَهم وأعْقابَهم لَيُعَيَّرُونَ بِذَلِكَ، ولِأوْلِياءِ القَتِيلِ مِن القَصْدِ في القِصاصِ وإذاقَةِ الجانِي وأوْلِيائِهِ ما أذاقَهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وأوْلِيائِهِ ما لَيْسَ لِمَن حُرِقَ ثَوْبُهُ أوْ عُقِرَتْ فَرَسُهُ، والمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُوتُورٌ هو وأوْلِياؤُهُ، فَإنْ لَمْ يُوتَرْ الجانِي وأوْلِياؤُهُ ويَجْرَعُوا مِن الألَمِ والغَيْظِ ما يَجْرَعُهُ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا. وَقَدْ كانَتْ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها تَعِيبُ عَلى مَن يَأْخُذُ الدِّيَةَ ويَرْضى بِها مِن دَرْكِ ثَأْرِهِ وشِفاءِ غَيْظِهِ، كَقَوْلِ قائِلِهِمْ يَهْجُو مَن أخَذَ الدِّيَةَ مِن الإبِلِ: ؎وَإنَّ الَّذِي أصْبَحْتُمْ تَحْلُبُونَهُ ∗∗∗ دَمٌ غَيْرَ أنَّ اللَّوْنَ لَيْسَ بِأشْقَرا وَقالَ جَرِيرٌ يُعَيِّرُ مَن أخَذَ الدِّيَةَ فاشْتَرى بِها نَخْلًا: ؎ألا أبْلِغْ بَنِي حُجْرٌ بْنِ وهْبٍ ∗∗∗ بِأنَّ التَّمْرَ حُلْوٌ في الشِّتاءِ وَقالَ آخَرُ: ؎إذا صُبَّ ما في الوَطْبِ فاعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ دَمُ الشَّيْخِ فاشْرَبْ مِن دَمِ الشَّيْخِ أوْ دَعْ وَقالَ آخَرُ: ؎خَلِيلانِ مُخْتَلِفٌ شَكْلُنا ∗∗∗ أُرِيدُ العَلاءَ ويَبْغِي السِّمَن ؎أُرِيدُ دِماءَ بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ ورَأْيُ المُعَلّى بَياضُ اللَّبَنْ وَهَذا وإنْ كانَتْ الشَّرِيعَةُ قَدْ أبْطَلَتْهُ وجاءَتْ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ وأصْلَحُ في المَعاشِ والمَعادِ مِن تَخْيِيرِ الأوْلِياءِ بَيْنَ إدْراكِ الثَّأْرِ ونَيْلِ التَّشَفِّي وبَيْنَ أخْذِ الدِّيَةِ فَإنَّ القَصْدَ بِهِ أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكُنْ تُعَيِّرُ مَن أخَذَ بَدَلَ مالِهِ، ولَمْ تُعَدَّهُ ضَعْفًا ولا عَجْزًا ألْبَتَّةَ، بِخِلافِ مَن أخَذَ بَدَلَ دَمِ ولِيِّهِ، فَما سَوّى اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في طَبْعٍ، ولا عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، والإنْسانُ قَدْ يَخْرِقُ ثَوْبَهُ عِنْدَ الغَيْظِ، ويَذْبَحُ ماشِيَتَهُ، ويُتْلِفُ مالَهُ، فَلا يَلْحَقُهُ في ذَلِكَ مِن المَشَقَّةِ والغَيْظِ والِازْدِراءِ بِهِ ما يُلْحِقُ مَن قَتَلَ نَفْسَهُ أوْ جَدَعَ أنْفَهُ أوْ قَلَعَ عَيْنَهُ.

البقرة 2:183

والتشبيه إنَّما هو في أصل الصَّوْم لا في عينة وقدره وكيفيته. والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث. فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعًا صالحًا، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم. هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، ففي الحديث الصحيح «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» وفي الحديث «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش». فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم. [فَصْلٌ في هَدْيِهِ ﷺ في الصِّيامِ] [المَقْصُودُ مِنَ الصِّيامِ وفَوائِدُهُ] فَصْلٌ في هَدْيِهِ ﷺ في الصِّيامِ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الصِّيامِ حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، وفِطامَها عَنِ المَأْلُوفاتِ، وتَعْدِيلَ قُوَّتِها الشَّهْوانِيَّةِ، لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ ما فِيهِ غايَةُ سَعادَتِها ونَعِيمِها، وقَبُولِ ما تَزْكُو بِهِ مِمّا فِيهِ حَياتُها الأبَدِيَّةُ، ويَكْسِرُ الجُوعُ والظَّمَأُ مِن حِدَّتِها وسَوْرَتِها، ويُذَكِّرُها بِحالِ الأكْبادِ الجائِعَةِ مِنَ المَساكِينِ. وَتُضَيَّقُ مَجارِي الشَّيْطانِ مِنَ العَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجارِي الطَّعامِ والشَّرابِ، وتُحْبَسُ قُوى الأعْضاءِ عَنِ اسْتِرْسالِها لِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ فِيما يَضُرُّها في مَعاشِها ومَعادِها، ويُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنها وكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِماحِهِ وتُلْجَمُ بِلِجامِهِ، فَهو لِجامُ المُتَّقِينَ، وجُنَّةُ المُحارِبِينَ، ورِياضَةُ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ، وهو لِرَبِّ العالَمِينَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْمالِ، فَإنَّ الصّائِمَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا، وإنَّما يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وطَعامَهُ وشَرابَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو تَرْكُ مَحْبُوباتِ النَّفْسِ وتَلَذُّذاتِها إيثارًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ، وهو سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِواهُ، والعِبادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنهُ عَلى تَرْكِ المُفْطِراتِ الظّاهِرَةِ، وأمّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهْوَتَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو أمْرٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ. وَلِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في حِفْظِ الجَوارِحِ الظّاهِرَةِ والقُوى الباطِنَةِ، وحِمْيَتِها عَنِ التَّخْلِيطِ الجالِبِ لَها المَوادَّ الفاسِدَةَ الَّتِي إذا اسْتَوْلَتْ عَلَيْها أفْسَدَتْها، واسْتِفْراغِ المَوادِّ الرَّدِيئَةِ المانِعَةِ لَها مِن صِحَّتِها، فالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلى القَلْبِ والجَوارِحِ صِحَّتَها، ويُعِيدُ إلَيْها ما اسْتَلَبَتْهُ مِنها أيْدِي الشَّهَواتِ، فَهو مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى التَّقْوى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «الصَّوْمُ جُنَّةٌ». وَأمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكاحِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيامِ، وجَعَلَهُ وِجاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ. والمَقْصُودُ أنَّ مَصالِحَ الصَّوْمِ لَمّا كانَتْ مَشْهُودَةً بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ، شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ وحِمْيَةً لَهم وجُنَّةً. وَكانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ أكْمَلَ الهَدْيِ، وأعْظَمَ تَحْصِيلٍ لِلْمَقْصُودِ، وأسْهَلَهُ عَلى النُّفُوسِ. وَلَمّا كانَ فَطْمُ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفاتِها وشَهَواتِها مِن أشَقِّ الأُمُورِ وأصْعَبِها، تَأخَّرَ فَرْضُهُ إلى وسَطِ الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، لَمّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلى التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ، وألِفَتْ أوامِرَ القُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ.

البقرة 2:184

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في تَخْصِيصِ المُسافِرِ بِالرُّخَصِ] وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَوَّزَ لِلْمُسافِرِ المُتَرَفِّهِ في سَفَرِهِ رُخْصَةَ الفِطْرِ والقَصْرِ، دُونَ المُقِيمِ المَجْهُودَ الَّذِي هو في غايَةِ المَشَقَّةِ " فَلا رَيْبَ أنَّ الفِطْرَ والقَصْرَ يَخْتَصُّ بِالمُسافِرِ، ولا يُفْطِرُ المُقِيمُ إلّا لِمَرَضٍ، وهَذا مِن كَمالِ حِكْمَةِ الشّارِعِ؛ فَإنَّ السَّفَرَ في نَفْسِهِ قِطْعَةٌ مِن العَذابِ، وهو في نَفْسِهِ مَشَقَّةٌ وجَهْدٌ، ولَوْ كانَ المُسافِرُ مِن أرْفَهِ النّاسِ فَإنَّهُ في مَشَقَّةٍ وجَهْدٍ بِحَسَبِهِ، فَكانَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبادِهِ وبِرِّهِ بِهِمْ أنْ خَفَّفَ عَنْهم شَطْرَ الصَّلاةِ واكْتَفى مِنهم بِالشَّطْرِ، وخَفَّفَ عَنْهم أداءَ فَرْضِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ، واكْتَفى مِنهم بِأدائِهِ في الحَضَرِ، كَما شَرَعَ مِثْلَ ذَلِكَ في حَقِّ المَرِيضِ والحائِضِ، فَلَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِمْ مَصْلَحَةَ العِبادَةِ بِإسْقاطِها في السَّفَرِ جُمْلَةً، ولَمْ يُلْزِمْهم بِها في السَّفَرِ كَإلْزامِهِمْ في الحَضَرِ، وأمّا الإقامَةُ فَلا مُوجِبَ لِإسْقاطِ بَعْضِ الواجِبِ فِيها ولا تَأْخِيرِهِ، وما يَعْرِضُ فِيها مِن المَشَقَّةِ والشُّغْلِ فَأمْرٌ لا يَنْضَبِطُ ولا يَنْحَصِرُ؛ فَلَوْ جازَ لِكُلِّ مَشْغُولٍ وكُلِّ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ التَّرَخُّصُ ضاعَ الواجِبُ واضْمَحَلَّ بِالكُلِّيَّةِ، وإنْ جَوَّزَ لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ لَمْ يَنْضَبِطْ؛ فَإنَّهُ لا وصْفَ يَضْبِطُ ما تَجُوزُ مَعَهُ الرُّخْصَةُ وما لا تَجُوزُ، بِخِلافِ السَّفَرِ، عَلى أنَّ المَشَقَّةَ قَدْ عَلَّقَ بِها مِن التَّخْفِيفِ ما يُناسِبُها، فَإنْ كانَتْ مَشَقَّةَ مَرَضٍ وألَمٍ يَضُرُّ بِهِ جازَ مَعَها الفِطْرُ والصَّلاةُ قاعِدًا أوْ عَلى جَنْبٍ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَصْرِ العَدَدِ، وإنْ كانَتْ مَشَقَّةَ تَعَبٍ فَمَصالِحُ الدُّنْيا والآخِرَةِ مَنُوطَةٌ بِالتَّعَبِ، ولا راحَةَ لِمَن لا تَعَبَ لَهُ، بَلْ عَلى قَدْرِ التَّعَبِ تَكُونُ الرّاحَةُ، فَتَناسَبَتْ الشَّرِيعَةُ في أحْكامِها ومَصالِحِها بِحَمْدِ اللَّهِ ومَنِّهِ. (فائدة) إذا رأى إنسانا يغرق فلا يمكنه تخليصه إلا بأن يفطر هل يجوز له الفطر؟ أجاب أبو الخطاب يجوز له الفطر إذا تيقن تخليصه من الغرق ولم يمكنه الصوم مع التخليص. وأجاب ابن الزاغوني عنها إذا كان يقدر على تخليصه وغلب على ظنه ذلك لزمه الإفطار وتخليصه ولا فرق بين أن يفطر بدخول الماء في حلقه وقت السباحة، أو كان يجد من نفسه ضعفا عن تخليصه لأجل الجوع حتى يأكل لأنه يفطر للسفر المباح فلأن يفطر للواجب أولى. قلت: أسباب الفطر أربعة: السفر والمرض والحيض والخوف على هلاك من يخشى عليه بصوم كالمرضع والحامل إذا خافتا على ولديهما ومثله مسألة الغريق. وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي على الجهاد وفعله وأفتى به لما نازل العدو دمشق في رمضان فأنكر عليه بعض المتفقهين وقال: "ليس سفرا طويلا" فقال الشيخ: "هذا فطر للتقوي على جهاد العدو وهو أولى من الفطر للسفر يومين سفرا مباحا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام. وهل يشك فقيه أن الفطر هاهنا أولى من فطر المسافر؟ وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا على عدوهم" فعلل ذلك للقوة على العدو لا للسفر والله أعلم. قلت: إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما على ولديهما وفطر من يخلص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقد غلط بل هذا أمر من باب قياس الأولى، ومن باب دلالة النص وإيمائه.

البقرة 2:185

قول الله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ فيه فائدتان أو أكثر إحداهما أنه لو قال رمضان الذي أنزل فيه القرآن لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه كما تقدم من قول سيبويه وهذا خلاف المعنى لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منه في ساعة منها فكيف يتناول جميع الشهر وكان ذكر الشهر الذي هو غير علم موافقا للمعنى كما تقول سرت في شهر كذا فلا يكون السير متناولا لجميع الشهر. الفائدة الأخرى: أنه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم لكان حكم المدح والتعظيم مقصورا على شهر بعينه إذ قد تقدم أن هذا الاسم وما هو مثله إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها لم يكن محله إلا العام الذي أنت فيه أو العام المذكور قبله فكان ذكر الشهر الذي هو الهلال في الحقيقة كما قال الشاعر: والشهر مثل قلامة الظفر يريد الهلال مقتضيا لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم متى كان في أي عام كان مع أن رمضان وما كان مثله لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن لأنه لم يرد لعام بعينه ألا ترى أن الآية في سورة البقرة وهي من آخر ما نزل وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين ولو قلت رمضان حج فيه زيد تريد فيما سلف لقيل لك أي رمضان كان ولزمك أن تقول حج في رمضان من الرمضانيات حتى تريد عاما بعينه كما سبق وفائدة ثالثة: في ذكر الشهر وهو التبيين في الأيام المعدودات لأن الأيام تبين بالأيام وبالشهر ونحوه ولا تبين بلفظ رمضان لأن لفظه مأخوذ من مادة أخرى وهو أيضا علم فلا ينبغي أن يبين به الأيام المعدودات حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه. وأما قوله ﷺ: "من صام رمضان" ففي حذف الشهر فائدة أيضا وهي: تناول الصيام لجميع الشهر فلو قال: من صام أو قام شهر رمضان لصار ظرفا مقدرا بفي ولم يتناول القيام والصيام جميعه فرمضان في الحديث مفعول على السعة نحو قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ لأنه لو كان ظرفا لم يحتج إلى قوله: ﴿إلا قَلِيلًا﴾. فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله من قام رمضان مقصورا على العام الذي هو فيه لما تقدم من قولكم أنه إنما يكون معرفة علما إذا أردته لعامك أو لعام بعينه؟ قيل قوله من صام رمضان على العموم خطاب لكل فرد ولأهل كل عام فصار بمنزلة قولك من صام كل عام رمضان كما تقول إن جئتني كل يوم سحر أعطيتك فقد مر قرينة تدل على التمادي تنوب مناب ذكر كل عام وقد اتضح الفرق بين الحديثين والآية "فإذا" فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها ثم لم تعدل عندك هذه الفائدة جميع الدنيا بأسرها فما قدرتها حق قدرها والله المستعان على واجب شكرها هذا نص كلام السهيلي بحروفه. (فائدة) معاني لفظ (شهد) (شهد) في لسانهم لها معان أحدها الحضور ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وفيه قولان أحدهما: من شهد المصر في الشهر والثاني: من شهد الشهر في المصر وهما متلازمان والثاني: الخبر ومنه شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله "نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح " رواه مسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم والثالث: الإطلاع على الشيء ومنه: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وإذا كان كل خبر شهادة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وعن أحمد فيها ثلاث روايات إحداهن: اشتراط لفظ الشهادة والثانية: الاكتفاء بمجرد الإخبار اختارها شيخنا والثالثة: الفرق بين الشهادة على الأقوال وبين الشهادة على الأفعال فالشهادة على الأقوال لا يشترط فيها لفظ الشهادة وعلى الأفعال يشترط لأنه إذا قال سمعته يقول فهو بمنزلة الشاهد على رسول الله فيما يخبر عنه. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ بَعْضِ الأيّامِ وبَعْضِها الآخَرِ] وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ صَوْمَ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَوّالٍ، وفَرَضَ صَوْمَ آخِرِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ مَعَ تَساوِيهِما " فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صَحِيحَةٌ، والثّانِيَةُ كاذِبَةٌ؛ فَلَيْسَ اليَوْمانِ مُتَساوِيَيْنِ وإنْ اشْتَرَكا في طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها؛ فَهَذا يَوْمٌ مِن شَهْرِ الصِّيامِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ، وهَذا يَوْمُ عِيدِهِمْ وسُرُورِهِمْ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شُكْرانَ صَوْمِهِمْ وإتْمامِهِ، فَهم فِيهِ أضْيافُهُ سُبْحانَهُ، والجَوادُ الكَرِيمُ يُحِبُّ مِن ضَيْفِهِ أنْ يَقْبَلَ قِراهُ، ويُكْرَهُ أنْ يَمْتَنِعَ مِن قَبُولِ ضِيافَتِهِ بِصَوْمٍ أوْ غَيْرِهِ، ويُكْرَهُ لِلضَّيْفِ أنْ يَصُومَ إلّا بِإذْنِ صاحِبِ المَنزِلِ؛ فَمِن أعْظَمِ مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ فَإنَّهُ إتْمامٌ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وخاتِمَةُ العَمَلِ، وتَحْرِيمُ صَوْمِ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَوّالٍ فَإنَّهُ يَوْمٌ يَكُونُ فِيهِ المُسْلِمُونَ أضْيافُ رَبِّهِمْ تَبارَكَ وتَعالى، وهم في شُكْرانِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَأيُّ شَيْءٍ أبْلَغُ وأحْسَنُ مِن هَذا الإيجابِ والتَّحْرِيمِ؟ (فائدة) وَرَخَّصَ ﷺ لِمَن شَهِدَ العِيدَ أنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ، وأنْ يَذْهَبَ، ورَخَّصَ لَهم إذا وقَعَ العِيدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أنْ يَجْتَزِئُوا بِصَلاةِ العِيدِ عَنْ حُضُورِ الجُمُعَةِ. وَكانَ ﷺ يُخالِفُ الطَّرِيقَ يَوْمَ العِيدِ، فَيَذْهَبُ في طَرِيقٍ، ويَرْجِعُ في آخَرَ. فَقِيلَ: لِيُسَلِّمَ عَلى أهْلِ الطَّرِيقَيْنِ. وَقِيلَ: لِيَنالَ بَرَكَتَهُ الفَرِيقانِ. وَقِيلَ: لِيَقْضِيَ حاجَةَ مَن لَهُ حاجَةٌ مِنهُما. وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ شَعائِرَ الإسْلامِ في سائِرِ الفِجاجِ والطُّرُقِ. وَقِيلَ: لِيَغِيظَ المُنافِقِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ عِزَّةَ الإسْلامِ وأهْلَهُ وقِيامَ شَعائِرِهِ. وَقِيلَ: لِتَكْثُرَ شَهادَةُ البِقاعِ، فَإنَّ الذّاهِبَ إلى المَسْجِدِ والمُصَلّى إحْدى خُطْوَتَيْهِ تَرْفَعُ دَرَجَةً، والأُخْرى تَحُطُّ خَطِيئَةً حَتّى يَرْجِعَ إلى مَنزِلِهِ. وَقِيلَ: وهو الأصَحُّ: إنَّهُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولِغَيْرِهِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَخْلُو فِعْلُهُ عَنْها. وَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ «اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ»

البقرة 2:186

وقد جاء أن سبب نزولها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾، وهذا يدل على إرشادهم للمناجاة في الدعاء لا للنداء الذي هو رفع الصوت فإنهم عن هذا سألوا فأجيبوا بأن ربهم تبارك وتعالى قريب لا يحتاج في دعائه وسؤاله إلى النداء وإنما يسأل مسألة القريب المناجي لا مسألة البعيد المنادي وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ليس قربا عاما من كل أحد فهو قريب من داعيه وقريب من عابده، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وهو أخص من قرب الإنابة وقرب الإجابة الذي لم يثبت أكثر المتكلمين سواه بل هو قرب خاص من الداعي والعابد كما قال النبي ﷺ راويا عن ربه تبارك وتعالى "من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا" رواه البخاري ومسلم، فهذا قربه من عابده وأما قربه من داعيه وسائله فكما قال تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فيه الإشارة والإعلام بهذا القرب، وأما قربه تبارك وتعالى من محبه فنوع آخر وبناء آخر وشأن آخر كما قد ذكرناه في كتاب التحف المكية على أن العبارة تنبو عنه ولا تحصل في القلب حقيقة معناه أبدا لكن بحسب قوة المحبة وضعفها يكون تصديق العبد بهذا القرب وإياك ثم إياك أن تعبر عنه بغير العبارة النبوية أو يقع في قلبك غير معناها ومرادها فتزل قدم بعد ثبوتها وقد ضعف تمييز خلائق في هذا المقام وساء تعبيرهم فوقعوا في أنواع من الطامات والشطح وقابلهم من غلط حجابه فأنكر محبة العبد لربه جملة وقربه منه وأعاد ذلك إلى مجرد الثواب المخلوف فهو عنده المحبوب القريب ليس إلا، وقد ذكرنا من طرق الرد على هؤلاء وهؤلاء في كتاب التحفة أكثر من مائة طريق. والمقصود هاهنا الكلام علي هذه الآية.

البقرة 2:187

روى شعبة عن الحكم عن مجاهد قال: هو الولد. وقاله الحكم، وعكرمة، والحسن البصري، والسدي، والضحاك. وأرفع ما فيه: ما رواه محمد بن حر عن أبيه حدثني عمي عن أبيه حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هو الولد» وقال ابن زيد: هو الجماع. وقال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم. وعن ابن عباس رواية أخرى: قال: ليلة القدر. والتحقيق أن يقال: لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر، وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر، حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك، أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة. ولا يباشروهن بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا ما كتب الله لهم من الأجر والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئا، ويبتغون ما أباح لهم من الرخصة بحكم محبته بقبول رخصه. فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته. ومما كتب الله لهم: ليلة القدر، فأمروا أن يبتغوها. لكن يبقى أن يقال: فما تعلق ذلك بإباحة مباشرة أزواجهم؟ فيقال: فيه إرشاد إلى أن يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر. فكأنه سبحانه يقول: اقضوا وطركم من نسائكم ليلة الصيام، ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب الله لكم من هذه الليلة التي فضلكم بها. والله أعلم. (فائدة) العدوان: هو تعدي حدود الله التي قال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾. وقال في موضع آخر: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ فنهى عن تعديها في آية وعن قربانها في آية وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه وتارة لا تكون داخلة فيه فتكون لها حكم المقابلة فالاعتبار الأول نهى عن تعديها، وبالاعتبار الثاني نهى عن قربانها. (فائدة في إضافة ظروف الزمان للأحداث) إنما أضيف ظروف الزمان إلى الأحداث الواقعة فيها نحو يوم يقوم زيد لأنها أوقات لها وواقعة فيها فهي لاختصاصها بها أضيف إليها وهذا بخلاف ظروف المكان لأنها لا تختص بتلك الأحداث فإن اختصت غالبا حسنت الإضافة نحو هذا مكان يجلس القاضي ويكون بمنزلة يوم يجلس القاضي سواء وربما أضيفت أسماء الزمان إلى أحداث لا تقع فيها لاتصالها بها كقوله تعالى: ﴿لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ فالليلة من ظروف الزمان وقد أضيف إلى الصيام وليس بواقع فيها فلما جاز في بعض الكلام أن يضاف الظرف إلى الاسم الذي هو الحدث وإن لم يكن واقعا فيه أضافوه إلى الفعل لفظا وهو مضاف إلى الحدث معنى وأقحم لفظ الفعل إقرارا للمعنى وتخصيصا للغرض ورفعا لشوائب الاحتمال حتى إذا سمع المخاطب قولك يوم قام زيد علم أنك تريد اليوم الذي قام فيه زيد ولو قلت مكان قولك ﴿ليلة الصيام﴾ ليلة صيام زيد ما كان له معنى إلا وقوع الصيام في الليل فهو الذي حملهم على إقحام لفظ الفعل عند إرادتهم إضافة الظروف إلى الأحداث وقس على ذلك المبتدأ والخبر. (فصل: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ حِفْظُ الحُدُودِ عِنْدَ ما لا بَأْسَ بِهِ) إبْقاءً عَلى الصِّيانَةِ والتَّقْوى. وصُعُودًا عَنِ الدَّناءَةِ. وتَخَلُّصًا عَنِ اقْتِحامِ الحُدُودِ. يَقُولُ: إنَّ مَن صَعَدَ عَنِ الدَّرَجَةِ الأُولى إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الوَرَعِ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ مِنَ المُباحِ، إبْقاءً عَلى صِيانَتِهِ، وخَوْفًا عَلَيْها أنْ يَتَكَدَّرَ صَفْوُها. ويُطْفَأ نُورُها. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ المُباحِ يُكَدِّرُ صَفْوَ الصِّيانَةِ، ويُذْهِبُ بَهْجَتَها، ويُطْفِئُ نُورَها، ويُخْلِقُ حُسْنَها وبَهْجَتَها. وَقالَ لِي يَوْمًا شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - في شَيْءٍ مِنَ المُباحِ: هَذا يُنافِي المَراتِبَ العالِيَةَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ شَرْطًا في النَّجاةِ. أوْ نَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ. فالعارِفُ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِنَ المُباحِ إبْقاءً عَلى صِيانَتِهِ. ولا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ المُباحُ بَرْزَخًا بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، فَإنَّ بَيْنَهُما بَرْزَخًا - كَما تَقَدَّمَ - فَتَرْكُهُ لِصاحِبِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ كالمُتَعَيِّنِ الَّذِي لابُدَّ مِنهُ لِمُنافاتِهِ لِدَرَجَتِهِ. والفَرْقُ بَيْنَ صاحِبِ الدَّرَجَةِ الأُولى وصاحِبِ هَذِهِ: أنَّ ذَلِكَ يَسْعى في تَحْصِيلِ الصِّيانَةِ. وهَذا يَسْعى في حِفْظِ صَفْوِها أنْ يَتَكَدَّرَ، ونُورِها أنْ يُطْفَأ ويَذْهَبَ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: إبْقاءً عَلى الصِّيانَةِ. وَأمّا الصُّعُودُ عَنِ الدَّناءَةِ فَهو الرَّفْعُ عَنْ طُرُقاتِها وأفْعالِها. وَأمّا التَّخَلُّصُ عَنِ اقْتِحامِ الحُدُودِ، فالحُدُودُ هي النِّهاياتُ. وهي مَقاطِعُ الحَلالِ والحَرامِ. فَحَيْثُ يَنْقَطِعُ ويَنْتَهِي، فَذَلِكَ حَدُّهُ. فَمَنِ اقْتَحَمَهُ وقَعَ في المَعْصِيَةِ. وقَدْ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ وقُرْبانِهِ. فَقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ [البقرة: ١٨٧]. وَقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فَإنَّ الحُدُودَ يُرادُ بِها أواخِرُ الحَلالِ. وحَيْثُ نَهى عَنِ القُرْبانِ فالحُدُودُ هُناكَ: أوائِلُ الحَرامِ. يَقُولُ سُبْحانَهُ: لا تَتَعَدُّوا ما أبَحْتُ لَكُمْ، ولا تَقْرُبُوا ما حَرَّمْتُ عَلَيْكم. فالوَرِعُ يُخَلِّصُ العَبْدَ مِن قُرْبانِ هَذِهِ وتَعَدِّي هَذِهِ. وهو اقْتِحامُ الحُدُودِ.

البقرة 2:188

أيْ تُضِيفُوا ذَلِكَ إلى الحُكّامِ وتَتَوَصَّلُوا بِحُكْمِهِمْ إلى أكْلِها. فَإنْ قِيلَ: لَوْ أرادَ هَذا المَعْنى لَقِيلَ: " وتُدْلُوا بِالحُكّامِ إلَيْها " وأمّا الإدْلاءُ بِها إلى الحُكّامِ فَهو التَّوَصُّلُ بِالبِرْطِيلِ بِها إلَيْهِمْ فَتَرْشُوا الحاكِمَ لِتَتَوَصَّلُوا بِرِشْوَتِهِ إلى الأكْلِ بِالباطِلِ. قِيلَ: الآيَةُ تَتَناوَلُ النَّوْعَيْنِ، فَكُلٌّ مِنهُما إدْلاءٌ إلى الحُكّامِ بِسَبَبِها، فالنَّهْيُ عَنْهُما مَعًا.

البقرة 2:195

قالَ ﷺ: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: المُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمُكاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأداءَ، والنّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفافَ». وَقالَ: «مَن ماتَ، ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، ماتَ عَلى شُعْبَةٍ مِن نِفاقٍ». وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ: «مَن لَمْ يَغْزُ، أوْ يُجَهِّزْ غازِيًا، أوْ يَخْلُفْ غازِيًا في أهْلِهِ بِخَيْرٍ، أصابَهُ اللَّهُ بِقارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ». وَقالَ: «إذا ضَنَّ النّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بِالعِينَةِ، واتَّبَعُوا أذْنابَ البَقَرِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلاءً، فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهم حَتّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ» وَذَكَرَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «مَن لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ لَهُ أثَرٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، لَقِيَ اللَّهَ وفِيهِ ثُلْمَةٌ». وَقالَ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، وفَسَّرَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ الإلْقاءَ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الجِهادِ، وصَحَّ عَنْهُ ﷺ: «إنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ»

البقرة 2:196

(فائدة) سئل ابن عقيل عن كشف المرأة وجهها في الإحرام مع كثرة الفساد اليوم أهو أولى أم التغطية مع الفداء؟ وقد قالت عائشة رضي الله عنها: "لو علم رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المساجد"؟ فأجاب: بأن الكشف شعار إحرامها ورفع حكم ثبت شرعا بحوادث البدع لا يجوز لأنه يكون نسخا بالحوادث ويفضي إلى رفع الشرع رأسا. وأما قول عائشة فإنها ردت الأمر إلى صاحب الشرع فقالت لو رأى لمنع ولم تمنع هي وقد حبذ عمر السترة على الأمَة وقال لا تشبهي بالحرائر. ومعلوم أن فيهن من تفنن لكنه لما وضع كشف رأسها للفرق بين الحرائر والإماء جعله فرقا فما ظنك بكشف وضع بين النسك والإحلال وقد ندب الشرع إلى النظر إلى المرأة قبل النكاح وأجاز للشهود النظر فليس ببدع أن يأمرها بالكشف ويأمر الرجال بالغض ليكون أعظم للابتلاء كما قرب الصيد إلى الأيدي في الإحرام ونهي عنه" قلت: سبب هذا السؤال والجواب خفاء بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإحرام فإن النبي ﷺ لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة كما جاء بالنهي عن القفازين وجاء النهي عن لبس القميص والسراويل ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أنها تكون مكشوفة لا تستر ألبتة بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد وكيف يزاد على موجب النص ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهارا. فأي نص اقتضى هذا أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة، بل وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبرقع بل ويدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز. وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه ألبتة. ومن قال إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نص ولا عموم ولا يصح قياسه على رأس المحرم لما جعل الله بينهما من الفرق. وقول من قال من السلف إحرام المرأة في وجهها إنما أراد به هذا المعنى. أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل بل يلزمها اجتناب النقاب فيكون وجهها كبدن الرجل، ولو قدر أنه أراد وجوب كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه ولا سبيل إلى واحد من الأمرين وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كنا إذ مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها" ولم تكن إحداهن تتخذ عودا تجعله بين وجهها وبين الجلباب كما قاله بعض الفقهاء ولا يعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين ألبتة لا عملا ولا فتوى ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإحرام ولا يكون ظاهرا مشهورا بينهن يعرفه الخاص والعام ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها وفاسدها من صحيحها والله الموفق والهادي.

البقرة 2:197

جَمَعَ لَهم بَيْنَ زادِ سَفَرِهِمْ وزادِ مَعادِهِمْ، كَما جَمَعَ بَيْنَ اللِّباسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] فَذَكَرَ - سُبْحانَهُ - زِينَةَ ظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ونَبَّهَهم بِالحِسِّيِّ عَلى المَعْنَوِيِّ؛ وفَهْمُ هَذا القَدْرِ زائِدٌ عَلى فَهْمِ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ ووَضْعِهِ في أصْلِ اللِّسانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. (فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تُؤَثِّرُ في العَقْلِ) وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تُؤَثِّرُ بِالخاصَّةِ في نُقْصانِ العَقْلِ، فَلا تَجِدُ عاقِلَيْنِ أحَدُهُما مُطِيعٌ لِلَّهِ والآخَرُ عاصٍ، إلّا وعَقْلُ المُطِيعِ مِنهُما أوْفَرُ وأكْمَلُ، وفِكْرُهُ أصَحُّ، ورَأْيُهُ أسَدُّ، والصَّوابُ قَرِينُهُ. وَلِهَذا تَجِدُ خِطابَ القُرْآنِ إنَّما هو مَعَ أُولِي العُقُولِ والألْبابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَكَيْفَ يَكُونُ عاقِلًا وافِرَ العَقْلِ مَن يَعْصِي مَن هو في قَبْضَتِهِ وفي دارِهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَراهُ ويُشاهِدُهُ فَيَعْصِيهِ وهو بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُتَوارٍ عَنْهُ، ويَسْتَعِينُ بِنِعَمِهِ عَلى مَساخِطِهِ، ويَسْتَدْعِي كُلَّ وقْتٍ غَضَبَهُ عَلَيْهِ، ولَعْنَتَهُ لَهُ، وإبْعادَهُ مِن قُرْبِهِ، وطَرْدَهُ عَنْ بابِهِ، وإعْراضَهُ عَنْهُ، وخِذْلانَهُ لَهُ، والتَّخْلِيَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ وعَدُوِّهِ، وسُقُوطَهُ مِن عَيْنِهِ، وحِرْمانَهُ رُوحَ رِضاهُ وَحُبَّهُ، وقُرَّةَ العَيْنِ بِقُرْبِهِ، والفَوْزَ بِجِوارِهِ، والنَّظَرَ إلى وجْهِهِ في زُمُرَةِ أوْلِيائِهِ، إلى أضْعافِ أضْعافِ ذَلِكَ مِن كَرامَتِهِ أهْلَ الطّاعَةِ، وأضْعافِ أضْعافِ ذَلِكَ مِن عُقُوبَةِ أهْلِ المَعْصِيَةِ. فَأيُّ عَقْلٍ لِمَن آثَرَ لَذَّةَ ساعَةٍ أوْ يَوْمٍ أوْ دَهْرٍ، ثُمَّ تَنْقَضِي كَأنَّها حُلْمٌ لَمْ يَكُنْ، عَلى هَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، والفَوْزِ العَظِيمِ؟ بَلْ هو سَعادَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَوْلا العَقْلُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الحُجَّةُ لَكانَ بِمَنزِلَةِ المَجانِينِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ المَجانِينُ أحْسَنَ حالًا مِنهُ وأسْلَمَ عاقِبَةً، فَهَذا مِن هَذا الوَجْهِ. وَأمّا تَأْثِيرُها في نُقْصانِ العَقْلِ المَعِيشِ، فَلَوْلا الِاشْتِراكُ في هَذا النُّقْصانِ، لَظَهَرَ لِمُطِيعِنا نُقْصانُ عَقْلِ عاصِينا، ولَكِنَّ الجائِحَةَ عامَّةٌ، والجُنُونَ فُنُونٌ. وَيا عَجَبًا لَوْ صَحَّتِ العُقُولُ لَعَلِمَتْ أنَّ طَرِيقَ تَحْصِيلِ اللَّذَّةِ والفَرْحَةِ والسُّرُورِ وطِيبِ العَيْشِ، إنَّما هو في رِضاءِ مَنِ النَّعِيمُ كُلُّهُ في رِضاهُ، والألَمُ والعَذابُ كُلُّهُ في سُخْطِهِ وغَضَبِهِ، فَفي رِضاهُ قُرَّةُ العُيُونِ، وسُرُورُ النُّفُوسِ، وحَياةُ القُلُوبِ، ولَذَّةُ الأرْواحِ، وطِيبُ الحَياةِ، ولَذَّةُ العَيْشِ، وأطْيَبُ النَّعِيمِ، ومِمّا لَوْ وُزِنَ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ بِنَعِيمِ الدُّنْيا لَمْ يَفِ بِهِ، بَلْ إذا حَصَلَ لِلْقَلْبِ مِن ذَلِكَ أيْسَرُ نَصِيبٍ لَمْ يَرْضَ بِالدُّنْيا وما فِيها عِوَضًا مِنهُ، ومَعَ هَذا فَهو يَتَنَعَّمُ بِنَصِيبِهِ مِنَ الدُّنْيا أعْظَمَ مِن تَنَعُّمِ المُتْرَفِينَ فِيها، ولا يَشُوبُ تَنَعُّمَهُ بِذَلِكَ الحَظِّ اليَسِيرِ ما يَشُوبُ تَنَعُّمَ المُتْرَفِينَ مِنَ الهُمُومِ والغُمُومِ والأحْزانِ المُعارِضاتِ، بَلْ قَدْ حَصَلَ لَهُ عَلى النَّعِيمَيْنِ وهو يَنْتَظِرُ نَعِيمَيْنِ آخَرَيْنِ أعْظَمَ مِنهُما، وما يَحْصُلُ لَهُ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ الآلامِ، فالأمْرُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ما أنْقَصَ عَقْلَ مَن باعَ الدُّرَّ بِالبَعْرِ، والمِسْكَ بِالرَّجِيعِ، ومُرافَقَةَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، بِمُرافَقَةِ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا. (فائدة) التَّقْوى ثَلاث مَراتِب إحْداها حمية القلب والجوارح عَن الآثام والمحرّمات. الثّانِيَة حميتها عَن المكروهات. الثّالِثَة الحمية عَن الفضول وما لا يَعْنِي. فالأولى تُعْطِي العَبْد حَياته، والثّانية تفيده صِحَّته وقوته، والثّالِثَة تكسبه سروره وفرحه وبهجته.

البقرة 2:198

(فائدة) إن قيل لم كان عاشوراء يكفر سنة ويوم عرفة يكفر سنتين؟ قيل فيه وجهان: أحدهما: أن يوم عرفة في شهر حرام وقبله شهر حرام وبعده شهر حرام، بخلاف عاشوراء. الثاني: أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا، بخلاف عاشوراء، فضوعف ببركات المصطفى ﷺ. والله أعلم. (فائدة) وذكر أيضا عن ابن عباس قال: "ما من يوم إلا ليلته قبله إلا يوم عرفة فإن ليلته بعده". قلت: هذا مما اختلف فيه وحكى عن طائفة أن ليلة اليوم بعده والمعروف عند الناس أن ليلة اليوم قبله ومنهم من فصل بين الليلة المضافة إلى اليوم كليلة الجمعة والسبت والأحد وسائر الأيام، والليلة المضافة إلى مكان أو حال أو فعل كليلة عرفة وليلة النفر ونحو ذلك فالمضافة إلى اليوم قبله والمضافة إلى غيره بعده واحتجوا له بهذا الأثر المروي عن ابن عباس ونقض عليهم بليلة العيد والذي فهمه الناس قديما وحديثا من قول النبي ﷺ: "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ولا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي" أنها الليلة التي تسفر صبيحتها عن يوم الجمعة فإن الناس يسارعون إلى تعظيمها وكثرة التعبد فيها عن سائر الليالي فنهاهم تخصيصها بالقيام كما نهاهم عن تخصيص يومها بالصيام والله أعلم. (موعظة) يا حاضرين معنا بنية النزهة لستم معنا عودوا إلى أوكار الكسل فالحرب طعن وضرب. ويا مودعين ارجعوا فقد عبرنا العذيب وعن قريب تأتيكم أخبارنا بعد قليل. ويا أيها الحادث عرس بالخيف من منى تعلمك الدموع كيف ترمى حصى الجمار. ضيف المحبة ما له قرى إلا المهج. [مَزِيَّةُ وقْفَةِ الجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ] قِيلَ: قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى تَفْضِيلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ عَلى يَوْمِ عَرَفَةَ مُحْتَجًّا بِهَذا الحَدِيثِ، وحَكى القاضِي أبو يعلى رِوايَةً عَنْ أحمد أنَّ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ أفْضَلُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ، والصَّوابُ أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ أفْضَلُ أيّامِ الأُسْبُوعِ، ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ أفْضَلُ أيّامِ العامِ، وكَذَلِكَ لَيْلَةُ القَدْرِ، ولَيْلَةُ الجُمُعَةِ، ولِهَذا كانَ لِوَقْفَةِ الجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَزِيَّةٌ عَلى سائِرِ الأيّامِ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ. أحَدُها: اجْتِماعُ اليَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما أفْضَلُ الأيّامِ. الثّانِي: أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي فِيهِ ساعَةٌ مُحَقَّقَةُ الإجابَةِ، وأكْثَرُ الأقْوالِ أنَّها آخِرُ ساعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، وأهْلُ المَوْقِفِ كُلُّهم إذْ ذاكَ واقِفُونَ لِلدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ. الثّالِثُ: مُوافَقَتُهُ لِيَوْمِ وقْفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. الرّابِعُ: أنَّ فِيهِ اجْتِماعَ الخَلائِقِ مِن أقْطارِ الأرْضِ لِلْخُطْبَةِ وصَلاةِ الجُمُعَةِ، ويُوافِقُ ذَلِكَ اجْتِماعَ أهْلِ عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَيَحْصُلُ مِنَ اجْتِماعِ المُسْلِمِينَ في مَساجِدِهِمْ ومَوْقِفِهِمْ مِنَ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ ما لا يَحْصُلُ في يَوْمٍ سِواهُ. الخامِسُ: أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، ويَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ لِأهْلِ عَرَفَةَ؛ ولِذَلِكَ كُرِهَ لِمَن بِعَرَفَةَ صَوْمُهُ، وفي النَّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»، وفي إسْنادِهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مهدي بن حرب العبدي لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، ومَدارُهُ عَلَيْهِ، ولَكِنْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أم الفضل " «أنَّ ناسًا تَمارَوْا عِنْدَها يَوْمَ عَرَفَةَ في صِيامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو صائِمٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصائِمٍ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وهو واقِفٌ عَلى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ». وَقَدِ اخْتُلِفَ في حِكْمَةِ اسْتِحْبابِ فِطْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: لِيَتَقَوّى عَلى الدُّعاءِ، وهَذا هو قَوْلُ الخرقي وغَيْرِهِ، وقالَ غَيْرُهم - مِنهم شَيْخُ الإسْلامِ ابن تيمية -: الحِكْمَةُ فِيهِ أنَّهُ عِيدٌ لِأهْلِ عَرَفَةَ، فَلا يُسْتَحَبُّ صَوْمُهُ لَهُمْ، قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الَّذِي في " السُّنَنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَوْمُ عَرَفَةَ، ويَوْمُ النَّحْرِ، وأيّامُ مِنًى، عِيدُنا أهْلَ الإسْلامِ». قالَ شَيْخُنا: وإنَّما يَكُونُ يَوْمُ عَرَفَةَ عِيدًا في حَقِّ أهْلِ عَرَفَةَ لِاجْتِماعِهِمْ فِيهِ، بِخِلافِ أهْلِ الأمْصارِ فَإنَّهم إنَّما يَجْتَمِعُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَكانَ هو العِيدَ في حَقِّهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّهُ إذا اتَّفَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ جُمُعَةٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ عِيدانِ مَعًا. السّادِسُ: أنَّهُ مُوافِقٌ لِيَوْمِ إكْمالِ اللَّهِ تَعالى دِينَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، كَما ثَبَتَ في " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: «جاءَ يَهُودِيٌّ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ آيَةٌ تَقْرَءُونَها في كِتابِكم لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ ونَعْلَمُ ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لاتَّخَذْناهُ عِيدًا، قالَ: أيُّ آيَةٍ؟ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: إنِّي لَأعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، والمَكانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، ونَحْنُ واقِفُونَ مَعَهُ بِعَرَفَةَ». السّابِعُ: أنَّهُ مُوافِقٌ لِيَوْمِ الجَمْعِ الأكْبَرِ، والمَوْقِفِ الأعْظَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّ القِيامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وفِيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وفِيهِ أُخْرِجَ مِنها، وفِيهِ تَقُومُ السّاعَةُ، وفِيهِ ساعَةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ اللَّهَ خَيْرًا إلّا أعْطاهُ إيّاهُ» ولِهَذا شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعِبادِهِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَيَذْكُرُونَ المَبْدَأ والمَعادَ، والجَنَّةَ والنّارَ، وادَّخَرَ اللَّهُ تَعالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إذْ فِيهِ كانَ المَبْدَأُ وفِيهِ المَعادُ، ولِهَذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ في فَجْرِهِ سُورَتَيِ (السَّجْدَةِ) و(هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ) لِاشْتِمالِهِما عَلى ما كانَ وما يَكُونُ في هَذا اليَوْمِ، مِن خَلْقِ آدَمَ، وذِكْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ودُخُولِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَكانَ يُذَكِّرُ الأُمَّةَ في هَذا اليَوْمِ بِما كانَ فِيهِ وما يَكُونُ، فَهَكَذا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ بِأعْظَمِ مَواقِفِ الدُّنْيا - وهو يَوْمُ عَرَفَةَ - المَوْقِفَ الأعْظَمَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ في هَذا اليَوْمِ بِعَيْنِهِ، ولا يَتَنَصَّفُ حَتّى يَسْتَقِرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في مَنازِلِهِمْ، وأهْلُ النّارِ في مَنازِلِهِمْ. الثّامِنُ: أنَّ الطّاعَةَ الواقِعَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ، أكْثَرُ مِنها في سائِرِ الأيّامِ حَتّى إنَّ أكْثَرَ أهْلِ الفُجُورِ يَحْتَرِمُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَيْلَتَهُ، ويَرَوْنَ أنَّ مَن تَجَرَّأ فِيهِ عَلى مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَجَّلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ ولَمْ يُمْهِلْهُ، وهَذا أمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهم وعَلِمُوهُ بِالتَّجارِبِ، وذَلِكَ لِعِظَمِ اليَوْمِ وشَرَفِهِ عِنْدَ اللَّهِ، واخْتِيارِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الأيّامِ، ولا رَيْبَ أنَّ لِلْوَقْفَةِ فِيهِ مَزِيَّةً عَلى غَيْرِهِ. التّاسِعُ: أنَّهُ مُوافِقٌ لِيَوْمِ المَزِيدِ في الجَنَّةِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ أهْلُ الجَنَّةِ في وادٍ أفْيَحَ، ويُنْصَبُ لَهم مَنابِرُ مِن لُؤْلُؤٍ، ومَنابِرُ مِن ذَهَبٍ، ومَنابِرُ مِن زَبَرْجَدٍ وياقُوتٍ عَلى كُثْبانِ المِسْكِ، فَيَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ تَبارَكَ وتَعالى، ويَتَجَلّى لَهم فَيَرَوْنَهُ عِيانًا، ويَكُونُ أسْرَعُهم مُوافاةً أعْجَلَهم رَواحًا إلى المَسْجِدِ، وأقْرَبُهم مِنهُ أقْرَبَهم مِنَ الإمامِ، فَأهْلُ الجَنَّةِ مُشْتاقُونَ إلى يَوْمِ المَزِيدِ فِيها لِما يَنالُونَ فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، وهو يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَإذا وافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ كانَ لَهُ زِيادَةُ مَزِيَّةٍ واخْتِصاصٍ وفَضْلٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ. العاشِرُ: أنَّهُ يَدْنُو الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ مِن أهْلِ المَوْقِفِ، ثُمَّ يُباهِي بِهِمُ المَلائِكَةَ فَيَقُولُ: «ما أرادَ هَؤُلاءِ، أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» وتَحْصُلُ مَعَ دُنُوِّهِ مِنهم تَبارَكَ وتَعالى ساعَةُ الإجابَةِ الَّتِي لا يَرُدُّ فِيها سائِلًا يَسْألُ خَيْرًا فَيَقْرُبُونَ مِنهُ بِدُعائِهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ في تِلْكَ السّاعَةِ، ويَقْرُبُ مِنهم تَعالى نَوْعَيْنِ مِنَ القُرْبِ، أحَدُهُما: قُرْبُ الإجابَةِ المُحَقَّقَةِ في تِلْكَ السّاعَةِ. والثّانِي: قُرْبُهُ الخاصُّ مِن أهْلِ عَرَفَةَ، ومُباهاتُهُ بِهِمْ مَلائِكَتَهُ، فَتَسْتَشْعِرُ قُلُوبُ أهْلِ الإيمانِ هَذِهِ الأُمُورَ فَتَزْدادُ قُوَّةً إلى قُوَّتِها، وفَرَحًا وسُرُورًا وابْتِهاجًا، ورَجاءً لِفَضْلِ رَبِّها وكَرَمِهِ، فَبِهَذِهِ الوُجُوهِ وغَيْرِها فُضِّلَتْ وقْفَةُ يَوْمِ الجُمُعَةِ عَلى غَيْرِها. وَأمّا ما اسْتَفاضَ عَلى ألْسِنَةِ العَوامِّ بِأنَّها تَعْدِلُ ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ حَجَّةً، فَباطِلٌ لا أصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:199

ومن أنصف نفسه وعرف أعماله استحى من الله أن يواجهه بعمله، أو يرضاه لربه، وهو يعلم من نفسه أنه لو عمل لمحبوب له من الناس لبذل فيه نصحه، ولم يدع من حسنه شيئًا إلا فعله. وبالجملة فهذا حال هذا العبد مع ربه في جميع أعماله، فهو يعلم أنه لا يوفي هذا المقام حقه، فهو أبدًا يستغفر الله عقيب كل عمل، وكان النبي ﷺ إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثًا. وقال تعالى: ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون ربهم. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأمر سبحانه بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة والمزدلفة، وشرع للمتوضئ أن يقول بعد وضوئه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِين" فهذه توبة بعد الوضوءِ، وتوبة بعد الحج، وتوبة بعد الصلاة، وتوبة بعد قيام الليل. فصاحب هذا المقام مضطر إلى التوبة والاستغفار كما تبين، فهو لا يزال مستغفرًا تائبًا، وكلما كثرت طاعاته كثرت توبته واستغفاره. (فصل) وجماع الأمر في ذلك إنما هو بتكميل عبودية الله - عز وجل - في الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات الله، وكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبته ما أحبه، وبذل الجهد في فعله وموافقته في كراهة ما كرهه وبذل الجهد في تركه، وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة، لا للأمّارة ولا للَّوامة.

البقرة 2:200

ففيه الأمر بالذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه لا له، وكان خسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله. وقال بعض العارفين: لو أقبل عبد على الله تعالى كذا وكذا سنة ثم أعرض عنه لحظة لكان ما فاته أعظم مما حصله. وذكر البيهقي عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال «ما من ساعة تمر بابن آدم لا يذكر فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة». وذكر عن معاذ بن جبل يرفعه أيضًا "ليس تحسر أهل الجنة إلا عن ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها". وعن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو ذكرًا لله عز وجل». «وعن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل». وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل. وذكر البيهقي مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه كان يقول «لكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله عز وجل. وما من شيء أنجى من عذاب الله عز وجل من ذكر الله عز وجل قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع». ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء. فإذا ترك صدئ، فإذا جلاه.

البقرة 2:209

وأما تقديم العزيز على الحكيم فإن كان من الحكم وهو الفصل والأمر فما ذكره من المعنى صحيح وإن كان من الحكمة وهي كمال لعلم والإرادة المتضمنين اتساق صنعه وجريانه على أحسن الوجوه وأكملها ووضعه الأشياء مواضعها وهو الظاهر من هذا الاسم فيكون وجه التقديم أن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم وهو سبحانه الموصوف من كل صفة كمال بأكملها وأعظمها وغايتها فتقدم وصف القدرة لأن متعلقة أقرب إلى مشاهدة الخلق وهو مفعولاته تعالى وآياته. وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار غالبا وكانت متأخرة عن متعلق القدرة وجه ثان أن النظر في الحكمة بعد النظر في المفعول والعلم به فينتقل منه إلى النظر فيما أودعه من الحكم والمعاني. ووجه ثالث: أن الحكمة غاية الفعل فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها فالقدرة تتعلق بإيجاده والحكمة تتعلق بغايته فقدم الوسيلة على الغاية لأنها أسبق في الترتيب الخارجي.

البقرة 2:213

قال سعيد عن قتادة "ذكر لنا: أنه كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الهدى، وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله عز وجل نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، وبُعِث عند الاختلاف بين الناس وترك الحق". وقال ابن عباس "كان الناس أمة واحدة: كانوا على الإسلام كلهم". وهذا هو القول الصحيح في الآية. وقد روى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما "كانوا أمة واحدة، كانوا كفارا". وهذا قول الحسن وعطاء، قالا "كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح عليهما السلام أمة واحدة على ملة واحدة، وهى الكفر، كانوا كفارا كلهم أمثال البهائم، فبعث الله نوحا وإبراهيم والنبيين". وهذا القول ضعيف جدا، وهو منقطع عن ابن عباس، والصحيح عنه خلافه. قال ابن حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال "كانوا على الإسلام كلهم". وهذا هو الصواب قطعا، فإن قراءة أبى بن كعب "فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين". ويشهد لهذه القراءة: قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفوا﴾. والمقصود: أن العدو كادهم وتلاعب بهم حتى انقسموا قسمين، كفارا ومؤمنين فكادهم بعبادة الأصنام، وإنكار البعث. وكان أول ما كاد به عباد الأصنام من جهة العكوف على القبور، وتصاوير أهلها ليتذكروهم بها، كما قص الله سبحانه قصصهم في كتابه، فقال: ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًا، ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرًا﴾ [نوح: ١٣]. قال البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت". وقال ابن جرير عن محمد بن قيس قال: "كانوا قوما صالحين من بني آدم، كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم، الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم". (قاعدة) كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين: إما أن تكون طبيعته يابسة قاسية غير لينة منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها، وإما أن تكون لينة منقادة سلسة القياد، لكنها غير ثابتة على ذلك، بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب، فمتى رزق العبد انقيادًا للحق وثباتًا عليه فليبشر، فقد بشر بكل خير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ.

البقرة 2:216

فائِدَة جليلة قَوْله تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تعلمُونَ﴾ وقَوله عزّ وجلّ ﴿وَإن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كثيرا﴾ فالآية الأولى في الجِهاد الَّذِي هو كَمال القُوَّة الغضبية والثّانية في النِّكاح الَّذِي هو كَمال القُوَّة الشهوانية فالعَبْد يكره مُواجهَة عدوه بقوته الغضبية خشيَة على نَفسه مِنهُ وهَذا المَكْرُوه خير لَهُ في معاشه ومعاده ويُحب المُوادَعَة والمتاركة وهَذا المحبوب شَرّ لَهُ في معاشه ومعاده وكَذَلِكَ يكره المَرْأة لوصف من أوصافها وله في إمْساكها خير كثير لا يعرفهُ ويُحب المَرْأة لوصف من أصافها وله في إمْساكها شَرّ كثير لا يعرفهُ لانسان كَما وصفه وصفه بِهِ خالقه ظلوم جهول فَلا يَنْبَغِي أن يَجْعَل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار على ذَلِك ما اخْتارَهُ الله لَهُ بأمْره ونَهْيه فأنفع الأشْياء لَهُ على الإطْلاق طاعَة ربه بِظاهِرِهِ وباطنه وأضر الأشْياء عَلَيْهِ على الإطْلاق مَعْصِيَته بِظاهِرِهِ وباطنه فَإذا قامَ بِطاعَتِهِ وعبوديته مخلصا لَهُ فَكل ما يجْرِي عَلَيْهِ مِمّا يكرههُ يكون خيرا لَهُ وذا تخلى عَن طاعَته وعبوديته فَكل ما هو فِيهِ من مَحْبُوب هو شَرّ لَهُ فَمن صحت لَهُ معرفَة ربه والفِقْه في أسْمائِهِ وصِفاته علم يَقِينا أن المكروهات الَّتِي تصيبه والمحن التي تنزل بِهِ فِيها ضروب من المصالح والمَنافِع لتي لا يحصيها علمه ولا فكرته بل مصلحَة العَبْد فِيما يكره أعظم مِنها فِيما يحب فعامة مصالح النُّفُوس في مكروهاتها كَما أن عامَّة مضارها وأسْباب هلكتها في محبوباتها فانْظُر إلى غارس جنَّة من الجنات خَبِير بالفلاحة غرس جنَّة وتعاهدها بالسقي والإصلاح حَتّى أثمرت أشجارها فَأقبل عَلَيْها يفصل أوصالها ويقطع أغْصانها لعلمه أنَّها لَو خليّت على حالها لم تطب ثَمَرَتها فيطعمها من شَجَرَة طيبَة الثَّمَرَة حَتّى إذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثَمَرَتها اقبل بقلمها ويقطع أغْصانها الضعيفة الَّتِي تذْهب قوتها ويذيقها ألم القطع والحَدِيد لمصلحتها وكمالها لتصلح ثَمَرَتها أن تكون بِحَضْرَة المُلُوك ثمَّ لا يَدعها ودواعي طبعها من الشّرْب كل وقت بل يعطشها وقتا ويسقيها وقتا ولا يتْرك الماء عَلَيْها دائِما وإن كانَ ذَلِك أنْضَرُ لورقها وأسرع لنباتها ثمَّ يعمد إلى تِلْكَ الزِّينَة الَّتِي زينت بها من الأوراق فيلقي عَنْها كثيرا مِنها لِأن تِلْكَ الزِّينَة تحول بَين ثَمَرَتها وبَين كَمال نضجها واستوائها كَما في شجر العِنَب ونَحْوه فَهو يقطع أعضاءها بالحديد ويلقي عَنْها كثيرا من زينتها وذَلِكَ عين مصلحتها فَلَو أنَّها ذات تَمْيِيز وإدْراك كالحيوان لتوهمت أن ذَلِك إفْساد لَها وإضرار بها وإنَّما هو عين مصلحتها. وَكَذَلِكَ الأب الشفيق على ولَده العالم بمصلحته إذا رأى مصْلحَته في إخْراج الدَّم الفاسِد عَنهُ بضع جلده وقطع عروقه وأذاقه الألَم الشَّديد وإن رأى شفاة في قطع عُضْو من أعْضائِهِ أبانه عَنهُ كانَ ذَلِك رَحْمَة بِهِ وشفقة عَلَيْهِ وإن رأى مصْلحَته في أن يمسك عَنهُ العَطاء لم يُعْطه ولم يُوسع عَلَيْهِ لعلمه أن ذَلِك أكبر الأسْباب إلى فَساده وهلاكه وكَذَلِكَ يمنعهُ كثيرا من شهواته حمية لَهُ ومصلحة لا بخلا عَلَيْهِ فأحكم الحاكِمين وأرحم الرّاحِمِينَ وأعلم العالمين الَّذِي هو أرْحم بعباده مِنهُم بِأنْفسِهِم ومن آبائِهِم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكْرهُونَ كانَ خيرا لَهُم من أن لا ينزله بهم نظرا مِنهُ لَهُم وإحسانا إلَيْهِم ولطفا بهم ولَو مكنوا من الاحتيار لأنْفُسِهِمْ لعجزوا عَن القيام بمصالحهم علما وإرادَة وعَملا لكنه سُبْحانَهُ تولى تَدْبِير أُمُورهم بِمُوجب علمه وحكمته ورَحمته أحبُّوا أم كَرهُوا فَعرف ذَلِك الموقنون بأسمائه وصِفاته فَلم يتهموه في شَيْء من أحْكامه وخفي ذَلِك على الجَهْل بِهِ وبأسمائه وصِفاته فنازعوه تَدْبيره وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسِدَة وآرائهم الباطِلَة وسياساتهم الجائرة فَلا لرَبهم عرفُوا ولا لمصالحهم حصلوا والله المُوفق. وَمَتى ظفر العَبْد بِهَذِهِ المعرفَة سكن في الدُّنْيا قبل الآخِرَة في جنَّة لا يشبه فِيها إلّا نعيم الآخِرَة فَإنَّهُ لا يزال راضِيا عَن ربه والرِّضا جنَّة الدُّنْيا ومستراح العارفين فَإنَّهُ طيب النَّفس بِما يجْرِي عَلَيْهِ من المَقادِير الَّتِي هي عين اخْتِيار الله لَهُ وطمأنينتها إلى أحْكامه الدِّينِيَّة وهَذا هو الرِّضا بِالله رَبًّا وبِالإسْلامِ دينا وبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل لَهُ ذَلِك وهَذا الرِّضا هو بِحَسب مَعْرفَته بِعدْل الله وحكمته ورَحمته وحسن اخْتِياره فَكلما كانَ بذلك أعرف كانَ بِهِ أرْضى فقضاء الرب سُبْحانَهُ في عَبده دائر بَين العدْل والمصلحة والحكمَة والرَّحْمَة لا يخرج عَن ذَلِك ألْبَتَّةَ كَما قالَ في الدُّعاء المَشْهُور اللَّهُمَّ إنِّي عَبدك ابْن عَبدك ابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بِكُل اسْم هـ لَك سميت بِهِ نَفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أو استأثرت بِهِ في علم الغَيْب عنْدك أن تجْعَل القُرْآن ربيع قلبِي ونور صَدْرِي وجلاء حزني وذَهاب همي وغمي ما قالَها أحد قطّ إلّا أذهب الله همه وغمه وأبدله مَكانَهُ فرجا قالُوا أفلا نتعلمهن يا رَسُول الله قالَ بِلا يَنْبَغِي لمن يسمعهن أن يتعلمهن والمَقْصُود قَوْله عدل فيّ قضاؤك وهَذا يتَناوَل كل قَضاء يَقْضِيه على عَبده من عُقُوبَة أو ألم وسبب ذَلِك فَهو الَّذِي قضى بِالسَّبَبِ وقضى بالمسبب وهو عدل في هَذا القَضاء وهَذا القَضاء خير لِلْمُؤمنِ كَما قالَ والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لا يقْضِي الله لِلْمُؤمنِ قَضاء إلّا كانَ خيرا لَهُ ولَيْسَ ذَلِك إلّا لِلْمُؤمنِ قالَ العَلامَة ابْن القيم فَسَألت شَيخنا هَل يدْخل في ذَلِك قَضاء الذَّنب فَقالَ نعم بِشَرْطِهِ فأجمل في لَفْظَة بِشَرْطِهِ ما يَتَرَتَّب على الذَّنب من الآثار المحبوبة لله من التَّوْبَة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذَلِك. (فصل) في هذه الآية عدة حكم وأسرار، ومصالح للعبد. فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه. لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرّة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة، لعدم علمه بالعواقب. فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد - أوجب ذلك للعبد أمورا -. منها: أنه لا أنفع له من امتثال أمر ربه، وإن شق عليه في الابتداء. لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات. ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه، فهو خير لها وأنفع. وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب المنهي، وإن هويته نفسه، ومالت إليه. وأن عواقبه كلها آلام وأحزان، وشرور ومصائب. وخاصة العاقل تحمّل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة، والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل. فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها، والعاقل الكيّس دائما ينظر إلى الغايات من وراء ستور مباديها. فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة. فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط فيه سم قاتل. فكلما دعته لذته إلى تناوله نهاه عنه ما فيه من السم. ويرى الأوامر كدواء مرّ المذاق، مفض إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه مرارة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول، ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم، تدرك به الغايات من مبادئها وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق، لما يؤمل عند الغاية من حسن العاقبة. فإذا فقد اليقين والصبر تعذر عليه ذلك. وإذا قوى يقينه هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة -. ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقتضيه له، لما يرجو من حسن العاقبة. ومنها: أنه لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم. فلعل مضرته وهلاكه فيه. وهو لا يعلم. فلا يختار على ربه شيئا، بل يسأله حسن الإختيار له، وأن يرضيه بما يختاره. فلا أنفع له من ذلك. ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه. وأراه من حسن عواقب اختياره ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه. ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الإختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات، التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى. ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم عنده غير ملطوف به فيه، مع اختياره لنفسه. ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به. فيصير بين عطفه ولطفه. فعطفه يقيه ما يحذره. ولطفه يهون عليه ما قدره. إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه: تحيله في رده. فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميت. فإن السبع لا يرضى أن يأكل الجيف. (فصل) إنّ الرّاضِيَ واقِفٌ مَعَ اخْتِيارِ اللَّهِ لَهُ. مُعْرِضٌ عَنِ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ. وهَذا مِن قُوَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ تَعالى، ومَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ. وَقَدِ اجْتَمَعَ وُهَيْبُ بْنُ الوَرْدِ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، ويُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ. فَقالَ الثَّوْرِيُّ: قَدْ كُنْتُ أكْرَهُ مَوْتَ الفُجاءَةِ قَبْلَ اليَوْمِ. وأمّا اليَوْمَ: فَوَدِدْتُ أنِّي مَيِّتٌ. فَقالَ لَهُ يُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ: ولِمَ؟ فَقالَ: لِما أتَخَوَّفُ مِنَ الفِتْنَةِ. فَقالَ يُوسُفُ: لَكِنِّي لا أكْرَهُ طُولَ البَقاءِ. فَقالَ الثَّوْرِيُّ: ولِمَ تَكْرَهُ المَوْتَ؟ قالَ: لَعَلِّي أُصادِفُ يَوْمًا أتُوبُ فِيهِ وأعْمَلُ صالِحًا. فَقِيلَ لِوُهَيْبٍ: أيُّ شَيْءٍ تَقُولُ أنْتَ؟ فَقالَ: أنا لا أخْتارُ شَيْئًا، أحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ. فَقَبَّلَ الثَّوْرِيُّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وقالَ: رُوحانِيَّةٌ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَهَذا حالُ عَبْدٍ قَدِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ حالَةُ الحَياةِ والمَوْتِ. وقَفَ مَعَ اخْتِيارِ اللَّهِ لَهُ مِنها. وقَدْ كانَ وُهَيْبٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ المَقامُ العالِي مِنَ الرِّضا وغَيْرِهِ. الثّانِي والأرْبَعُونَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ مَنعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِعَبْدِهِ المُؤْمِنَ المُحِبِّ عَطاءٌ، وابْتِلاءَهُ إيّاهُ عافِيَةٌ. قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: مَنعُهُ عَطاءٌ. وذَلِكَ: أنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ عَنْ بُخْلٍ ولا عَدَمٍ. وإنَّما نَظَرَ في خَيْرِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ فَمَنَعَهُ اخْتِيارًا وحُسَنَ نَظَرٍ. وَهَذا كَما قالَ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْضِي لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ قَضاءً إلّا كانَ خَيْرًا لَهُ، ساءَهُ ذَلِكَ القَضاءُ أوْ سَرَّهُ. فَقَضاؤُهُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنَ المَنعَ عَطاءٌ. وإنْ كانَ في صُورَةِ المَنعِ. ونِعْمَةٌ. وإنْ كانَتْ في صُورَةِ مِحْنَةٍ. وبَلاؤُهُ عافِيَةٌ. وإنْ كانَ في صُورَةِ بَلِيَّةٍ. ولَكِنْ لِجَهْلِ العَبْدِ وظُلْمِهِ لا يَعُدُّ العَطاءَ والنِّعْمَةَ والعافِيَةَ إلّا ما التَذَّ بِهِ في العاجِلِ. وكانَ مُلائِمًا لِطَبْعِهِ. ولَوْ رُزِقَ مِنَ المَعْرِفَةِ حَظًّا وافِرًا لَعَدَّ المَنعَ نِعْمَةً، والبَلاءَ رَحْمَةً. وتَلَذَّذَ بِالبَلاءِ أكْثَرَ مِن لَذَّتِهِ بِالعافِيَةِ. وتَلَذَّذَ بِالفَقْرِ أكْثَرَ مِن لَذَّتِهِ بِالغِنى. وكانَ في حالِ القِلَّةِ أعْظَمَ شُكْرًا مِن حالِ الكَثْرَةِ. وَهَذِهِ كانَتْ حالَ السَّلَفِ. فالعاقِلُ الرّاضِي: مَن يَعُدُّ البَلاءَ عافِيَةً، والمَنعَ نِعْمَةً، والفَقْرَ غِنًى. وَأوْحى اللَّهُ إلى بَعْضِ أنْبِيائِهِ إذا رَأيْتَ الفَقْرَ مُقْبِلًا، فَقُلْ: مَرْحَبًا بِشِعارِ الصّالِحِينَ. وإذا رَأيْتَ الغِنى مُقْبِلًا. فَقُلْ: ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ. فالرّاضِي: هو الَّذِي يَعُدُّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيما يَكْرَهُهُ، أكْثَرَ وأعْظَمَ مِن نِعَمِهِ عَلَيْهِ فِيما يُحِبُّهُ، كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: يا ابْنَ آدَمَ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ فِيما تَكْرَهُ أعْظَمُ مِن نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ فِيما تُحِبُّ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وَقَدْ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: ارْضَ عَنِ اللَّهِ في جَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ بِكَ. فَإنَّهُ ما مَنَعَكَ إلّا لِيُعْطِيَكَ. ولا ابْتَلاكَ إلّا لِيُعافِيَكَ. ولا أمْرَضَكَ إلّا لِيَشْفِيَكَ. ولا أماتَكَ إلّا لِيُحْيِيَكَ. فَإيّاكَ أنْ تُفارِقَ الرِّضا عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَتَسْقُطَ مِن عَيْنِهِ. (فائدة) أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ القِتالَ مَكْرُوهٌ لَهم مَعَ أنَّهُ خَيْرٌ لَهم لِإفْضائِهِ إلى أعْظَمِ مَحْبُوبٍ وأنْفَعِهِ، والنُّفُوسُ تَحْتَ الرّاحَةِ والدَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ، ذَلِكَ شَرٌّ لَها لِإفْضائِهِ إلى فَواتِ المَحْبُوبِ، فالعاقِلُ لا يَنْظُرُ إلى لَذَّةِ المَحْبُوبِ العاجِلِ فَيُؤْثِرُها، وألَمِ المَكْرُوهِ العاجِلِ فَيَرْغَبُ عَنْهُ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ شَرًّا لَهُ، بَلْ قَدْ يَجْلِبُ عَلَيْهِ غايَةَ الألَمِ ويُفَوِّتُهُ أعْظَمَ اللَّذَّةِ، بَلْ عُقَلاءُ الدُّنْيا يَتَحَمَّلُونَ المَشاقَّ المَكْرُوهَةَ لِما يُعْقِبُهم مِنَ اللَّذَّةِ بَعْدَها، وإنْ كانَتْ مُنْقَطِعَةً. فالأُمُورُ أرْبَعَةٌ: مَكْرُوهٌ يُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، ومَكْرُوهٌ يُوَصِّلُ إلى مَحْبُوبٍ، ومَحْبُوبٌ يُوَصِّلُ إلى مَحْبُوبٍ، ومَحْبُوبٌ يُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، فالمَحْبُوبُ المُوَصِّلُ إلى المَحْبُوبِ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ داعِيَ الفِعْلِ مِن وجْهَيْنِ، والمَكْرُوهُ المُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ داعِي التَّرْكِ مِن وجْهَيْنِ. بَقِيَ القِسْمانِ الآخَرانِ يَتَجاذَبُهُما الدّاعِيانِ - وهُما مُعْتَرَكُ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ - فالنَّفْسُ تُؤْثِرُ أقْرَبَهُما جِوارًا مِنها، وهو العاجِلُ، والعَقْلُ والإيمانُ يُؤْثِرُ أنْفَعَهُما وأبْقاهُما، والقَلْبُ بَيْنَ الدّاعِيَيْنِ، وهو إلى هَذا مَرَّةً، وإلى هَذا مَرَّةً، وهاهُنا مَحَلُّ الِابْتِلاءِ شَرْعًا وقَدَرًا، فَداعِي العَقْلِ والإيمانِ يُنادِي كُلَّ وقْتٍ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ، عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى، وفي المَماتِ يَحْمَدُ العَبْدُ التُّقى، فَإنِ اشْتَدَّ ظَلامُ لَيْلِ المَحَبَّةِ، وتَحَكَّمَ سُلْطانُ الشَّهْوَةِ والإرادَةِ، يَقُولُ: يا نَفْسُ اصْبِرِي فَما هي إلّا ساعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي ويَذْهَبُ هَذا كُلُّهُ ويَزُولُ. (قاعدة) إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به. والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجلّ عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائبًا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا. وكانت البلية في حق هذا عين النعمة، وإن ساءَته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب وقوله تعالى في ذلك هو الشفاءُ والعصمة: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ، وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيئًا وهو شَر لَكُمْ، واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، وإن لم يرده ذلك البلاءُ إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به، فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه، فجاءت طبيعته القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل. وبالله التوفيق.