Tafsir Ibn Al-Qayyim — البقرة 2:217 – آل عمران 3:96
المحتويات
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:222
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:245
- البقرة 2:250
- البقرة 2:253
- البقرة 2:255
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:271
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:282
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
البقرة 2:217
(فائدة بديعة)
قوله تعالى: ﴿يَسْألونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ من باب بدل الاشتمال والسؤال إنما وقع عن القتال فيه فلم قدم الشهر وقد قلتم إنهم يقدمون ما هم ببيانه أهم وهم به أعني قيل السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر وتشنيع أعدائهم عليهم وانتهاك حرمته فكان اعتناؤهم واهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال فالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر فلذلك قدم في الذكر وكان تقديمه مطابقا لما ذكرنا من القاعدة.
فإن قيل: فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر وهلا اكتفى بضميره فقال قل هو كبير وأنت إذا قلت سألته عن زيد أهو في الدار كان أوجز من أن تقول أزيد في الدار؟
قيل في إعادته بلفظ الظاهر نكتة بديعة وهي تعلق الحكم الخبري باسم القتال فيه عموما ولو أتى بالمضمر وقال هو كبير لتوهم اختصاص الحكم بذلك القتال المسئول عنه وليس الأمر كذلك وإنما هو عام في كل قتال وقع في شهر حرام ونظير هذه الفائدة قوله ﷺ وقد سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته " صحيح فأعاد لفظ الماء ولم يقتصر على قوله: "نعم توضئوا به" لئلا يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين لضرب من ضروب الاختصاص فعدل عن قوله: "نعم توضئوا" إلى جواب عام يقتضي تعلق الحكم والطهور به بنفس مائه من حيث هو فأفاد استمرار الحكم على الدوام وتعلقه بعموم الآية وبطل توهم قصره على السبب فتأمله. فإنه بديع.
فكذلك في الآية لما قال قتال فيه كبير فجعل الخبر بكبير واقعا على قتال فيه فيطلق الحكم به على العموم ولفظ المضمر لا يقتضي ذلك.
[فصل: في سَرِيَّةُ نَخْلَةَ]
ثُمَّ بَعَثَ عبد الله بن جحش الأسدي إلى نَخْلَةَ في رَجَبٍ، عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ، كُلُّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبانِ عَلى بَعِيرٍ، فَوَصَلُوا إلى بَطْنِ نَخْلَةَ يَرْصُدُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، وفي هَذِهِ السَّرِيَّةِ سَمّى عبد الله بن جحش أمِيرَ المُؤْمِنِينَ «وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ لَهُ كِتابًا، وأمَرَهُ أنْ لا يَنْظُرَ فِيهِ حَتّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ، ولَمّا فَتَحَ الكِتابَ وجَدَ فِيهِ " إذا نَظَرْتَ في كِتابِي هَذا، فامْضِ حَتّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، فَتَرْصُدَ بِها قُرَيْشًا، وتَعْلَمَ لَنا مِن أخْبارِهِمْ». فَقالَ: سَمْعًا وطاعَةً، وأخْبَرَ أصْحابَهُ بِذَلِكَ، وبِأنَّهُ لا يَسْتَكْرِهُهُمْ، فَمَن أحَبَّ الشَّهادَةَ، فَلْيَنْهَضْ، ومَن كَرِهَ المَوْتَ، فَلْيَرْجِعْ، وأمّا أنا فَناهِضٌ، فَمَضَوْا كُلُّهُمْ، فَلَمّا كانَ في أثْناءِ الطَّرِيقِ أضَلَّ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ بَعِيرًا لَهُما كانا يَعْتَقِبانِهِ، فَتَخَلَّفا في طَلَبِهِ، وبَعُدَ عبد الله بن جحش حَتّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وأُدْمًا وتِجارَةً فِيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل: ابْنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة، فَتَشاوَرَ المُسْلِمُونَ، وقالُوا: نَحْنُ في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ الشَّهْرِ الحَرامِ، فَإنْ قاتَلْناهُمْ، انْتَهَكْنا الشَّهْرَ الحَرامَ، وإنْ تَرَكْناهُمُ اللَّيْلَةَ دَخَلُوا الحَرَمَ، ثُمَّ أجْمَعُوا عَلى مُلاقاتِهِمْ، فَرَمى أحَدُهم عمرو بن الحضرمي فَقَتَلَهُ، وأسَرُوا عثمان والحكم، وأفْلَتَ نوفل، ثُمَّ قَدِمُوا بِالعِيرِ والأسِيرَيْنِ، وقَدْ عَزَلُوا مِن ذَلِكَ الخُمُسَ، وهو أوَّلُ خُمُسٍ كانَ في الإسْلامِ، وأوَّلُ قَتِيلٍ في الإسْلامِ، وأوَّلُ أسِيرَيْنِ في الإسْلامِ، وأنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوهُ، واشْتَدَّ تَعَنُّتُ قُرَيْشٍ وإنْكارُهم ذَلِكَ، وزَعَمُوا أنَّهم قَدْ وجَدُوا مَقالًا، فَقالُوا: قَدْ أحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ، واشْتَدَّ عَلى المُسْلِمِينَ ذَلِكَ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. يَقُولُ سُبْحانَهُ: هَذا الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ كَبِيرًا، فَما ارْتَكَبْتُمُوهُ أنْتُمْ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، وعَنْ بَيْتِهِ وإخْراجِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم أهْلُهُ مِنهُ، والشِّرْكِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ، والفِتْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ مِنكم بِهِ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن قِتالِهِمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وأكْثَرُ السَّلَفِ فَسَّرُوا الفِتْنَةَ هاهُنا بِالشِّرْكِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أيْ: لَمْ يَكُنْ مَآلُ شِرْكِهِمْ وعاقِبَتُهُ، وآخِرُ أمْرِهِمْ، إلّا أنْ تَبَرَّءُوا مِنهُ وأنْكَرُوهُ.
وَحَقِيقَتُها: أنَّها الشِّرْكُ الَّذِي يَدْعُو صاحِبُهُ إلَيْهِ ويُقاتِلُ عَلَيْهِ، ويُعاقِبُ مَن لَمْ يَفْتَتِنْ بِهِ، ولِهَذا يُقالُ لَهم وقْتَ عَذابِهِمْ بِالنّارِ وفِتْنَتِهِمْ بِها: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْذِيبَكم.
وَحَقِيقَتُهُ ذُوقُوا نِهايَةَ فِتْنَتِكُمْ، وغايَتَها، ومَصِيرَ أمْرِها، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤]، وكَما فَتَنُوا عِبادَهُ عَلى الشِّرْكِ، فُتِنُوا عَلى النّارِ، وقِيلَ لَهُمْ: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]، فُسِّرَتِ الفِتْنَةُ هاهُنا بِتَعْذِيبِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وإحْراقِهِمْ إيّاهم بِالنّارِ، واللَّفْظُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وحَقِيقَتُهُ: عَذِّبُوا المُؤْمِنِينَ لِيَفْتَتِنُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَهَذِهِ الفِتْنَةُ المُضافَةُ إلى المُشْرِكِينَ.
وَأمّا الفِتْنَةُ الَّتِي يُضِيفُها اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ، أوْ يُضِيفُها رَسُولُهُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقَوْلِ مُوسى: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فَتِلْكَ بِمَعْنًى آخَرَ، وهي بِمَعْنى الِامْتِحانِ، والِاخْتِبارِ، والِابْتِلاءِ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، بِالنِّعَمِ والمَصائِبِ، فَهَذِهِ لَوْنٌ، وفِتْنَةُ المُشْرِكِينَ لَوْنٌ، وفِتْنَةُ المُؤْمِنِ في مالِهِ ووَلَدِهِ وجارِهِ لَوْنٌ آخَرُ، والفِتْنَةُ الَّتِي يُوقِعُها بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ كالفِتْنَةِ الَّتِي أوْقَعَها بَيْنَ أصْحابِ علي ومعاوية، وبَيْنَ أهْلِ الجَمَلِ وصِفِّينَ، وبَيْنَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَتَقاتَلُوا، ويَتَهاجَرُوا لَوْنٌ آخَرُ، وهي الفِتْنَةُ الَّتِي قالَ فِيها النَّبِيُّ ﷺ: «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السّاعِي». وأحادِيثُ الفِتْنَةِ الَّتِي أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيها بِاعْتِزالِ الطّائِفَتَيْنِ، هي هَذِهِ الفِتْنَةُ.
وَقَدْ تَأْتِي الفِتْنَةُ مُرادًا بِها المَعْصِيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]، يَقُولُهُ الجد بن قيس، لَمّا نَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ، يَقُولُ: ائْذَنْ لِي في القُعُودِ ولا تَفْتِنِّي بِتَعَرُّضِي لِبَناتِ بَنِي الأصْفَرِ، فَإنِّي لا أصْبِرُ عَنْهُنَّ، قالَ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] أيْ: وقَعُوا في فِتْنَةِ النِّفاقِ، وفَرُّوا إلَيْها مِن فِتْنَةِ بَناتِ الأصْفَرِ.
والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَكَمَ بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ بِالعَدْلِ والإنْصافِ، ولَمْ يُبَرِّئْ أوْلِياءَهُ مِنِ ارْتِكابِ الإثْمِ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، بَلْ أخْبَرَ أنَّهُ كَبِيرٌ وأنَّ ما عَلَيْهِ أعْداؤُهُ المُشْرِكُونَ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن مُجَرَّدِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَهم أحَقُّ بِالذَّمِّ والعَيْبِ والعُقُوبَةِ، لا سِيَّما وأوْلِياؤُهُ كانُوا مُتَأوِّلِينَ في قِتالِهِمْ ذَلِكَ، أوْ مُقَصِّرِينَ نَوْعَ تَقْصِيرٍ يَغْفِرُهُ اللَّهُ لَهم في جَنْبِ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعاتِ، والهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِهِ، وإيثارِ ما عِنْدَ اللَّهِ، فَهم كَما قِيلَ:
؎وَإذا الحَبِيبُ أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ ∗∗∗ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِألْفِ شَفِيعِ
فَكَيْفَ يُقاسُ بِبَغِيضِ عَدُوٍّ جاءَ بِكُلِّ قَبِيحٍ، ولَمْ يَأْتِ بِشَفِيعٍ واحِدٍ مِنَ المَحاسِنِ.
البقرة 2:218
فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ رَجاءَهم إتْيانَهم بِهَذِهِ الطّاعاتِ؟
وَقالَ المُغْتَرُّونَ: إنَّ المُفَرِّطِينَ المُضَيِّعِينَ لِحُقُوقِ اللَّهِ المُعَطِّلِينَ لِأوامِرِهِ، الباغِينَ عَلى عِبادِهِ، المُتَجَرِّئِينَ عَلى مَحارِمِهِ، أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرَّجاءَ وحُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإتْيانُ بِالأسْبابِ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ في شَرْعِهِ وقَدَرِهِ وثَوابِهِ وكَرامَتِهِ، فَيَأْتِي العَبْدُ بِها ثُمَّ يُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، ويَرْجُوهُ أنْ لا يَكِلَهُ إلَيْها، وأنْ يَجْعَلَها مُوصِلَةً إلى ما يَنْفَعُهُ، ويَصْرِفَ ما يُعارِضُها ويُبْطِلَ أثَرَها.
وَهُوَ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ الرَّجاءَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ الخَوْفَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ النّافِعَ ما اقْتَرَنَ بِهِ العَمَلُ.
(فَصْلٌ)
وَلا يَتِمُّ الجِهادُ إلّا بِالهِجْرَةِ، ولا الهِجْرَةُ والجِهادُ إلّا بِالإيمانِ، والرّاجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ قامُوا بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وَكَما أنَّ الإيمانَ فَرْضٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ هِجْرَتانِ في كُلِّ وقْتٍ: هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والإنابَةِ والتَّوَكُّلِ والخَوْفِ والرَّجاءِ والمَحَبَّةِ والتَّوْبَةِ، وهِجْرَةٌ إلى رَسُولِهِ بِالمُتابَعَةِ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ، والتَّصْدِيقِ بِخَبَرِهِ، وتَقْدِيمِ أمْرِهِ وخَبَرِهِ عَلى أمْرِ غَيْرِهِ وخَبَرِهِ: «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ».
وَفَرَضَ عَلَيْهِ جِهادَ نَفْسِهِ في ذاتِ اللَّهِ، وجِهادَ شَيْطانِهِ، فَهَذا كُلُّهُ فَرْضُ عَيْنٍ لا يَنُوبُ فِيهِ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ.
وَأمّا جِهادُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فَقَدْ يُكْتَفى فِيهِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ إذا حَصَلَ مِنهم مَقْصُودُ الجِهادِ.
[فصل: الفرق بين الرجاء والتمني]
والفرق بين الرجاء والتمني: إن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز.
والتمني حديث النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾
فطوى سبحانه بساقي الرجاء إلا عن هؤلاء.
وقال المغترون: إن الذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه واتبعوا ما أسخطه وتجنبوا ما يرضيه أولئك يرجون رحمته، وليس هذا ببدع من غرور النفس والشيطان لهم فالرجاء لعبد قد امتلأ قلبه من الإيمان باللّه واليوم الآخر فمثل بين عينيه ما وعد اللّه تعالى من كرامته وجنته امتد القلب مائلا إلى ذلك شوقا إليه وحرصا عليه في شبيه بالماد عنقه إلى مطلوب قد صار نصب عينيه.
وعلامة الرجاء الصحيح أن الراجي يخاف قوت الجنة وذهاب حظه منها بترك ما يخاف أن يحول بينه وبين دخولها فمثله مثل رجل خطب امرأة كريمة في منصب وشرف إلى أهلها فلما آن وقت العقد واجتماع الأشراف والأكابر وإتيان الرجل إلى الحضور أعلم عشية ذلك اليوم ليتأهب للحضور فتراه المرأة وأكابر الناس فأخذ في التأهب والتزين والتجميل فأخذ من فضول شعره وتنظف وتطيب ولبس أجمل ثيابه وأتى إلى تلك الدار متقيا في طريقه كل وسخ ودنس وأثر يصيبه أسد تقوى حتى الغبار والدخان وما هو دون ذلك، فلما وصل إلى الباب رحب به ربها ومسكن له في صدر الدار على الفرش والوسائد ورمقته العيون وقصد بالكرامة من كل ناحية فلو أنه ذهب بعد أن أخذ هذه الزينة فجلس في المزابل وتمرغ عليها وتمعك بها وتلطخ في بدنه وثيابه عليها من عذرة وقذر ودخل ذلك في شعره وبشره وثيابه فجاء على ذلك الحال إلى تلك الدار وقصد دخولها للوعد الذي سبق لها لقام إليه البواب بالضرب والطرد والضياع عليه والإبعاد له من بابها وطريقها فرجع متحيرا خاسئا.
فالأول: حال الراجي وهذا حال المتمني، وإن شئت مثلت حال الرجلين بملك هو من أغير الناس وأعظمهم أمانة وأحسنهم معاملة لا يضيع لديه حق أحد، وهو يعامل الناس من وراء ستر لا يراه أحد وبضائعه وأمواله وتجاراته وعبيده وإماؤه ظاهر بارز في داره للمعاملين فدخل عليه رجلان فكان أحدهما يعامله بالصدق والأمانة والنصيحة لم يجرب عليه غشا ولا خيانة ولا مكرا فباعه بضائعه كلها واعتمد مع مماليكه وجواريه ما يجب أن يعتمد معهم فكان إذا دخل عليه ببضاعة تخير له أحسن البضائع وأحبها إليه وإن صنعها بيده بذل جهده في تحسينها وتنميقها وجعل ما خفي عنها أحسن مما ظهر ويستلم المئونة ممن أمره أن يستلمها منه وامتثل ما أمره به السفير بينه وبينه في مقدار ما يعمله، صفته وهيئته وشكله ووقته وسائر شئونه وكان الآخر إذا دخل دخل بأخس بضاعة يجدها لم يخلصها من الغس ولا نصح فيها ولا اعتمد في أثرها ما قاله المترجم عن الملك والسفير بينه وبين الصناع والتجار بل كان يعملها على ما يهواه.
ومع ذلك فكان يخون الملك في داره إذ هو غائب عن عينه فلا يلوح طمع إلا خانه ولا حرمة للملك إلا مد بصره إليها وحرص على إفساده ولا شيء يسخط الملك إلا ارتكبه إذا قدر عليه فمضيا على ذلك مدة ثم قيل إن الملك يبرز اليوم لمعامليه حتى يحاسبهم ويعطيهم حقوقهم فوقف الرجلان بين يديه فعامل كل واحد منها بما يستحقه.
فتأمل هذين المثلين فإن الواقع مطابق لهما، فالراجي على الحقيقة لما صارت الجنة نصب عينه ورجاءه وأمله امتد إليها قلبه وسعى لها سعيها فإن الرجاء هو امتد القلب وميله. وحقق رجاءه كمال التأهب وخوف القوت والأخذ بالحذر.
وأصله من التنحي ورجاء البئر ناحيته وأرجاء السماء نواحيها وامتداد القلب إلى المحبوب منقطعا عما يقطعه عنه هو تنح عن النفس الأمّارة وأسبابها وما تدعو إليه وهذا الامتداد والميل والخوف من شأن النفس المطمئنة فإن القلب إذا انفتحت بصيرته فرأى الآخرة وما أعد اللّه فيها لأهل طاعته وأهل معصيته خاف وخف مرتحلا إلى اللّه والدار الآخرة وكان قبل ذلك مطمئنا إلى النفس، والنفس أم الشهوات والدنيا فلما انكشف عنه غطاء النفس خف وارتحل عن جوارها طالبا جوار العزيز الرحيم في جنات النعيم، ومن هنا صار كل خائف راجيا وكل راج خائفا فأطلق اسم أحدهما على الآخر فإن الراجي قلبه قريب الصفة الخائف هذا الراجي قد نحى قلبه عن مجاورة النفس والشيطان مرتحلا إلى اللّه قد رفع له من الجنة علم فشمر إليه وله مادا إليه قلبه كله.
وهذا الخائف فار من جوارهما ملتجئ إلى اللّه من حبسه في سجنها في الدنيا فيحبس معهما بعد الموت ويوم القيامة فإن المرء مع قرينه في الدنيا والآخرة، فلما سمع الوعيد ارتحل من مجاورة جار السوء في الدارين فأعطى اسم الخائف. ولما سمع الوعد امتد واستطار شوقا إليه وفرحا بالظفر به فأعطى اسم الراجي وحالاه متلازمان لا ينفك عنهما فكل راج خائف من فوات ما يرجوه كما أن كل خائف راج أمنه مما يخاف، فلذلك تداول الاسمان عليه قال تعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾
قالوا في تفسيرها لا تخافون للّه عظمة.
وقد تقدم أن اللّه سبحانه طوى الرجاء إلا عن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا.
وقد فسر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الإيمان بأنه ذو شعب وأعمال ظاهرة وباطنة، وفسر الهجرة بأنها هجر ما نهى اللّه عنه، والجهاد بأنه جهاد النفس في ذات اللّه فقال المهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات اللّه. والمقصود أن اللّه سبحانه جعل أهل الرجاء من آمن وهاجر وأخرج من سواهم من هذه الأمم.
وأما الأماني فإنها رءوس أموال المفاليس أخروها في قالب الرجاء وتلك أمانيهم وهي تصدر من قلب تزاحمت عليه وساوس النفس فأظلم من دخلها فهو يستعمل قلبه في شواتها وكلما فعل ذلك منته حسن العاقبة والنجاة وأحالته على العفو والمغفرة والفضل وإن الكريم لا يستوفي حقه ولا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفر، ويسمى ذلك رجاء وإنما هو وسواس وأماني باطلة تقذف بها النفس إلى القلب الجاهل فيستريح إليها قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾.
فإذا ترك العبد ولاية الحق ونصرته ترك اللّه ولايته ونصرته ولم يجد له من دونه وليا ولا نصيرا، وإذا ترك ولايته ونصرته تولته نفسه والشيطان فصارا وليين له ووكل إلى نفسه فصار انتصاره لها بدلا من نصرة اللّه ورسوله فاستبدل بولاية اللّه ولاية نفسه وشيطانه، وبنصرته نصرة نفسه وهواه، فلم يدع للرجاء موضعا، فإذا قالت: لك النفس أنا في مقام الرجاء فطالبها بالبرهان وقل هذه أمنية فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، فالكيس يعمل أعمال البر على الطمع والرجاء والأحمق العاجز يعطل أعمال البر ويتكل على الأماني التي يسميها رجاء. واللّه الموفق.
البقرة 2:222
وأما قوله تعالى: ﴿يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ ففيه معنى آخر سوى ما ذكره وهو أن الطهر طهران طهر بالماء من الأحداث والنجاسات وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي وهذا الطهور أصل لطهور الماء وطهور الماء لا ينفع بدونه بل هو مكمل له معد مهيأ بحصوله فكان أولى بالتقديم لأن العبد أول ما يدخل في الإسلام فقد تطهر بالتوبة من الشرك ثم يتطهر بالماء من الحدث.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَيَسْألونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ ولم يقل فيه تعليقا لحكم الاعتزال بنفس الحيض وأنه هو سبب الاعتزال وقال تعالى: ﴿قُلْ هو أذى﴾ ولم يقل الحيض لأن الآية جار: ﴿قُلْ هو أذى﴾ فإنه إخبار بالواقع والمخاطبون يعلمون أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضا بخلاف تعليق الحكم به فإنه إنما يعلم بالشرع فتأمله.
(موعظة)
ويحك لا تحقر نفسك فالتائب حبيب، والمنكر صحيح.
إقرارك بالإفلاس عين الغنى. تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة. اعترافك بالخطأ نفس الإصابة عرضت سلعة العبودية في سوق البيع فبذلت الملائكة نقد ﴿ونحن تسبح بحمدك﴾ فقال آدم ما عندي إلا فلوس الإفلاس نقشها ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾
فقيل هذا الذي ينفق على خزانة الخاص.
أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين.
(فائدة)
الحائض إذا انقطع دمها فهي كالجنب فيما يجب عليها ويحرم فيصح صومها وغسلها وتجب عليها الصلاة ولها أن تتوضأ وتجلس في المسجد، ويجوز طلاقها على أحد القولين إلا في مسألة واحدة فإنها تخالف الجنب فيها وهي جواز وطئها فإنه يتوقف على الاغتسال والفرق بينها وبين الجنب في ذلك أن حدث الحيض أوجب تحريم الوطء وحدثه لا يزول إلا بالغسل بخلاف حدث الجنابة فإنه لا يوجب تحريم الوطء ولا يمكن ذلك فيه ألبتة.
واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى وهي نقض الشعر للغسل فإنه يجب على الحائض في أحد القولين دون الجنب ولا حاجة إلى هذا الاستثناء فتأمله.
فصول: في أحكام الوطء في الدبر:
فمنها أنه من الكبائر، ومنها أنه يوجب القتل إذا كان من غلام.
نص عليه أحمد في إحدى الروايتين
والثانية حده حد الزاني كقول مالك والشافعي فإن كان من زوجه أو أمة أوجب التعزير.
وفي الكفارة وجهان أحدهما عليه كفارة من وطئ حائضا اختاره ابن عقيل.
والثاني لا كفارة فيه وهو قول أكثر الأصحاب ومنها أن للزوجة أن تفسخ النكاح به وذكره غير واحد من أصحابنا.
وإن كان من امرأة أجنبية فاختلف أصحابنا في حده فالذي قاله أبو البركات وأبو محمد وغيرهما حده حد الزاني.
وقال ابن عقيل في فصوله: "فإن كان الوطء في الدبر في حق أجنبية وجب الحد الذي أوجبناه في اللواط وعلى هذا فحده القتل بكل حال وإن كان في مملوكه فذهب بعض أصحابنا أنه يعتق عليه وأجراه مجرى المثلة الظاهرة.
وهو قول بعض السلف.
قال النسائي في سننه الكبير: "الإباحة للحاكم أن يقول للمدعى عليه احلف قبل أن يسأله المدعى أنبأ هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ:
"من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان"
فقال الأشعت فيّ والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود دار فجحدني فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "ألك بينه فقلت: لا فقال: لليهودي احلف فقلت: والله إذا يحلف فيذهب حقي فأنزل الله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية.
قال النسائي: "لا نعلم أحدا تابع أبا معاوية على قوله: "فقال لليهودي احلف" انتهى.
ويسوغ للحاكم أن يقول له احلف إذا قصد به الزجر والتخويف أو كان يعلم أن المدعى قاصدا لتحليفه أو كان يعلم أن المدعى عليه بريء من الدعوى فإنه في قصده الصور الثلاث قد أعان على البر والتقوى وظهور الحق وأكثر أوضاع الحكام ورسومهم لا أصل لها في الشريعة. والله المستعان.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ المُسْتَحاضَةِ والحائِضِ في الوَطْء]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ وطْءَ الحائِضِ لِأجْلِ الأذى، وأباحَ وطْءَ المُسْتَحاضَةِ مَعَ وُجُودِ الأذى، وهُما مُتَساوِيانِ " فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صادِقَةٌ، والثّانِيَةُ فِيها إجْمالٌ؛ فَإنْ أُرِيدَ أنَّ أذى الِاسْتِحاضَةِ مُساوٍ لِأذى الحَيْضِ كَذَبَتْ المُقَدِّمَةُ، وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِن الأذى لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُما تَفْرِيقًا بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ، فَبَطَلَ سُؤالُهُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.
وَمِن حِكْمَةِ الشّارِعِ تَفْرِيقُهُ بَيْنَهُما؛ فَإنَّ أذى الحَيْضِ أعْظَمُ وأدْوَمُ وأضَرُّ مِن أذى الِاسْتِحاضَةِ، ودَمُ الِاسْتِحاضَةِ عِرْقٌ، وهو في الفَرْجِ بِمَنزِلِهِ الرُّعافِ في الأنْفِ، وخُرُوجُهُ
مُضِرٌّ، وانْقِطاعُهُ دَلِيلٌ عَلى الصِّحَّةِ، ودَمُ الحَيْضِ عَكْسُ ذَلِكَ، ولا يَسْتَوِي الدَّمانِ حَقِيقَةً ولا عُرْفًا ولا حُكْمًا ولا سَبَبًا؛ فَمِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ تَفْرِيقَها بَيْنَ الدَّمَيْنِ في الحُكْمِ كَما افْتَرَقا في الحَقِيقَةِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
البقرة 2:226
ختم حكم الفيء، الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة، والإحسان إليها: بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته. إذا رجع إليه. والجزاء من جنس العمل. فكما رجع العبد إلى التي هي أحسن، رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة: وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فإن الطلاق لما كان لفظا يسمع، ومعنى يقصد، عقبه باسم «السميع» لما نطق به «العليم» بمضمونه.
البقرة 2:227
ختم حكم الفيء، الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة، والإحسان إليها: بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته. إذا رجع إليه. والجزاء من جنس العمل. فكما رجع العبد إلى التي هي أحسن، رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة: وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فإن الطلاق لما كان لفظا يسمع، ومعنى يقصد، عقبه باسم «السميع» لما نطق به «العليم» بمضمونه.
البقرة 2:228
(فصل: حِكْمَةُ عِدَّةِ الطَّلاقِ)
وَأمّا عِدَّةُ الطَّلاقِ فَلا يُمْكِنُ تَعْلِيلُها بِذَلِكَ؛ لِأنَّها إنّما تَجِبُ بَعْدَ المَسِيسِ بِالِاتِّفاقِ، ولا بِبَراءَةِ الرَّحِمِ؛ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِحَيْضَةٍ كالِاسْتِبْراءِ، وإنْ كانَ بَراءَةُ الرَّحِمِ بَعْضَ مَقاصِدِها.
وَلا يُقالُ: " هي تَعَبُّدٌ " لِما تَقَدَّمَ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ حُكْمُها إذا عُرِفَ ما فِيها مِن الحُقُوقِ؛ فَفِيها حَقُّ اللَّهِ، وهو امْتِثالُ أمْرِهِ وطَلَبُ مَرْضاتِهِ، وحَقٌّ لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ وهو اتِّساعُ زَمَنِ الرَّجْعَةِ لَهُ، وحَقٌّ لِلزَّوْجَةِ، وهو اسْتِحْقاقُها لِلنَّفَقَةِ والسُّكْنى ما دامَتْ في العِدَّةِ، وحَقٌّ لِلْوَلَدِ، وهو الِاحْتِياطُ في ثُبُوتِ نَسَبِهِ وأنْ لا يَخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ، وحَقٌّ لِلزَّوْجِ الثّانِي، وهو أنْ لا يَسْقِيَ ماءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، ورَتَّبَ الشّارِعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الحُقُوقِ ما يُناسِبُهُ مِن الأحْكامِ؛ فَرُتِّبَ عَلى رِعايَةِ حَقِّهِ هو لُزُومُ المَنزِلِ وأنَّها لا تَخْرُجُ ولا تُخْرَجُ، هَذا مُوجِبُ القُرْآنِ ومَنصُوصُ إمامِ أهْلِ الحَدِيثِ وإمامِ أهْلِ الرَّأْيِ.
وَرُتِّبَ عَلى حَقِّ المُطَلِّقِ تَمْكِينُهُ مِن الرَّجْعَةِ ما دامَتْ في العِدَّةِ، وعَلى حَقِّها اسْتِحْقاقُ النَّفَقَةِ والسُّكْنى، وعَلى حَقِّ الوَلَدِ ثُبُوتُ نَسَبِهِ وإلْحاقُهُ بِأبِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، وعَلى حَقِّ الزَّوْجِ الثّانِي دُخُولُهُ عَلى بَصِيرَةٍ ورَحِمٍ بَرِيءٍ غَيْرِ مَشْغُولٍ بِوَلَدٍ لِغَيْرِهِ؛ فَكانَ في جَعْلِها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ رِعايَةٌ لِهَذِهِ الحُقُوقِ، وتَكْمِيلٌ لَها، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ العِدَّةَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِدَّةَ لِلرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ بَعْدَ المَسِيسِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَجَعَلَ الزَّوْجَ أحَقَّ بِرَدِّها في العِدَّةِ؛ فَإذا كانَتْ العِدَّةُ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ أوْ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ طالَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ لِيَنْظُرَ في أمْرِها هَلْ يُمْسِكُها بِمَعْرُوفٍ أوْ يُسَرِّحُها بِإحْسانٍ، كَما جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْمُولِي تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ لِيَنْظُرَ في أمْرِهِ هَلْ يَفِيءُ أوْ يُطَلِّقُ، وكَما جَعَلَ مُدَّةَ تَسْيِيرِ الكُفّارِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَنْظُرُوا في أمْرِهِمْ ويَخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ.
(فائدة)
قال الشيخ تاج الدين: "سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن معنى قول الفقهاء للمطلق الطلاق الرجعي (قل راجعت زوجتي إلى نكاحي) ما معناه وهي لم تخرج من النكاح فإنها زوجة في جميع الأحكام؟
فقلت له: معناه إنها رجعت إلى النكاح الكامل الذي لم تكن فيه صائرة إلى بينونة بانقضاء زمان وبالطلاق صارت إلى بينونة بانقضاء العدة" فقال: "أحسنت".
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في مُساواةِ المَرْأةِ لِلرَّجُلِ في بَعْضِ الأحْكامِ دُونَ بَعْضٍ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وسَوّى بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ في العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والحُدُودِ، وجَعَلَها عَلى النِّصْفِ مِنهُ في الدِّيَةِ والشَّهادَةِ والمِيراثِ والعَقِيقَةِ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ شَرِيعَتِهِ وحِكْمَتِها ولُطْفِها؛ فَإنَّ مَصْلَحَةَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ ومَصْلَحَةَ العُقُوباتِ الرِّجالُ والنِّساءُ مُشْتَرِكُونَ فِيها، وحاجَةُ أحَدِ الصِّنْفَيْنِ إلَيْها كَحاجَةِ الصِّنْفِ الآخَرِ؛ فَلا يَلِيقُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُما، نَعَمْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُما في ألْيَقِ المَواضِعِ بِالتَّفْرِيقِ وهو الجُمُعَةُ والجَماعَةُ، فَخَصَّ وُجُوبَهُما بِالرِّجالِ دُونَ النِّساءِ لِأنَّهُنَّ لَسْنَ مِن أهْلِ البُرُوزِ ومُخالَطَةِ الرِّجالِ؛ وكَذَلِكَ فَرَّقَتْ بَيْنَهُما في عِبادَةِ الجِهادِ الَّتِي لَيْسَ الإناثُ مِن أهْلِها، وسَوَّتْ بَيْنَهُما في وُجُوبِ الحَجِّ لِاحْتِياجِ النَّوْعَيْنِ إلى مَصْلَحَتِهِ، وفي وُجُوبِ الزَّكاةِ والصِّيامِ والطَّهارَةِ؛ وأمّا الشَّهادَةُ فَإنَّما جُعِلَتْ المَرْأةُ فِيها عَلى النِّصْفِ مِن الرَّجُلِ؛ لِحُكْمِهِ أشارَ إلَيْها العَزِيزُ الحَكِيمُ في كِتابِهِ، وهي أنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ العَقْلِ قَلِيلَةُ الضَّبْطِ لِما تَحْفَظُهُ. وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ الرِّجالَ عَلى النِّساءِ في العُقُولِ والفَهْمِ والحِفْظِ والتَّمْيِيزِ؛ فَلا تَقُومُ المَرْأةُ في ذَلِكَ مَقامَ الرَّجُلِ، وفي مَنعِ قَبُولِ شَهادَتِها بِالكُلِّيَّةِ إضاعَةٌ لِكَثِيرٍ مِن الحُقُوقِ وتَعْطِيلٌ لَها، فَكانَ مِن أحْسَنِ الأُمُورِ وألْصَقْها بِالعُقُولِ، أنْ ضَمَّ إلَيْها في قَبُولِ الشَّهادَةِ نَظِيرَها لِتُذَكِّرَها إذا نَسِيَتْ، فَتَقُومُ شَهادَةُ المَرْأتَيْنِ مَقامَ شَهادَةِ الرَّجُلِ، ويَقَعُ مِن العِلْمِ أوْ الظَّنِّ الغالِبِ بِشَهادَتِهِما ما يَقَعُ بِشَهادَةِ الرَّجُلِ الواحِدِ، وأمّا الدِّيَةُ فَلَمّا كانَتْ المَرْأةُ أنْقَصُ مِن الرَّجُلِ، والرَّجُلُ أنْفَعُ مِنها، ويَسُدُّ ما لا تَسُدُّهُ المَرْأةُ مِن المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ والوِلاياتِ وحِفْظِ الثُّغُورِ والجِهادِ وعِمارَةِ الأرْضِ وعَمَلِ الصَّنائِعِ الَّتِي لا تَتِمُّ مَصالِحُ العالَمِ إلّا بِها والذَّبِّ عَنْ الدُّنْيا والدِّينِ لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهُما مَعَ ذَلِكَ مُتَساوِيَةً وهي الدِّيَةُ؛ فَإنَّ دِيَةَ الحُرِّ جارِيَةٌ مَجْرى قِيمَةِ العَبْدِ وغَيْرِهِ مِن الأمْوالِ، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشّارِعِ أنْ جَعَلَ قِيمَتَها عَلى النِّصْفِ مِن قِيمَتِهِ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما.
فَإنْ قِيلَ: لَكِنَّكم نَقَضْتُمْ هَذا فَجَعَلْتُمْ دِيَتَهُما سَواءٌ فِيما دُونَ الثُّلُثِ.
قِيلَ: لا رَيْبَ أنَّ السُّنَّةَ ورَدَتْ بِذَلِكَ، كَما رَواهُ النَّسائِيّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَقْلُ المَرْأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِن دِيَتِها».
وَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: إنّ ذَلِكَ مِن السُّنَّةِ، وإنْ خالَفَ فِيهِ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ واللَّيْثُ والثَّوْرِيُّ وجَماعَةٌ، وقالُوا: هي عَلى النِّصْفِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، ولَكِنَّ السُّنَّةَ أوْلى، والفَرْقُ فِيما دُونَ الثُّلُثِ وما زادَ عَلَيْهِ أنَّ ما دُونَهُ قَلِيلٌ، فَجُبِرَتْ مُصِيبَةُ المَرْأةِ فِيهِ بِمُساواتِها لِلرَّجُلِ، ولِهَذا اسْتَوى الجَنِينُ الذَّكَرُ والأُنْثى في الدِّيَةِ لِقِلَّةِ دِيَتِهِ، وهي الغُرَّةُ، فَنَزَلَ ما دُونَ الثُّلُثِ مَنزِلَةَ الجَنِينِ.
وَأمّا المِيراثُ فَحِكْمَةُ التَّفْضِيلِ فِيهِ ظاهِرَةٌ؛ فَإنَّ الذَّكَرَ أحْوَجُ إلى المالِ مِن الأُنْثى؛ لِأنَّ الرِّجالَ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ، والذَّكَرُ أنْفَعُ لِلْمَيِّتِ في حَياتِهِ مِن الأُنْثى. وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ أنْ فَرَضَ الفَرائِضَ وفاوَتَ بَيْنَ مَقادِيرِها ﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] وإذا كانَ الذَّكَرُ أنْفَعُ مِن الأُنْثى وأحْوَجُ كانَ أحَقَّ بِالتَّفْضِيلِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يُنْتَقَضُ بِوَلَدِ الأُمِّ. قِيلَ: بَلْ طَرْدُ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ولَدِ الأُمِّ ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَإنَّهم إنّما يَرِثُونَ بِالرَّحِمِ المُجَرَّدِ، فالقَرابَةُ الَّتِي يَرِثُونَ بِها قَرابَةَ أُنْثى فَقَطْ، وهم فِيها سَواءٌ؛ فَلا مَعْنى لِتَفْضِيلِ ذَكَرِهِمْ عَلى أُنْثاهُمْ، بِخِلافِ قَرابَةِ الأبِ. وأمّا العَقِيقَةُ فَأمْرُ التَّفْضِيلِ فِيها تابِعٌ لِشَرَفِ الذَّكَرِ، وما مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهِ عَلى الأُنْثى، ولَمّا كانَتْ النِّعْمَةُ بِهِ عَلى الوالِدِ أتَمَّ، والسُّرُورُ والفَرْحَةُ بِهِ أكْمَلَ؛ كانَ الشُّكْرانُ عَلَيْهِ أكْثَرَ؛ فَإنَّهُ كُلَّما كَثُرَتْ النِّعْمَةُ كانَ شُكْرُها أكْثَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:229
(فائدة)
فرق النكاح عشرون فُرقة:
الأولى: فُرقة الطلاق
الثانية: الفسخ للعسرة بالمهر
الثالثة: الفسخ للعسر عن النفقة
الرابعة: فرقة الإيلاء
الخامسة: فرقة الخلع
السادسة: تفريق الحكمين
السابعة: فرقة العنين
الثامنة: فرقة اللعان
التاسعة: فرقة العتق تحت العبد
العاشرة: فرقة الغرور
الحادية عشر: فرقة العيوب
الثانية عشرة: فرقة الرضاع
الثالثة عشر: فرقة وطء الشبهة حيث تحرم الزوجة
الرابعة عشر: فرقة إسلام أحد الزوجين
الخامسة عشر: فرقة ارتداد أحدهما
السادسة عشر: فرقة إسلام الزوج وعنده اختان أو أكثر من أربع أو امرأة وعمتها أو امرأة وخالتها
السابعة عشر: فرقة السبا
الثامنة عشر: فرقة ملك أحد الزوجين صاحبة
التاسعة عشر: فرقة الجهل بسبق أحد النكاحين
العشرون: فرقة الموت.
فهذه الفروق منها إلى المرأة وحدها فرقة الحرية والغرور والعيب ومنها إلى الزوج وحده الطلاق والغرور والعيب أيضا ومنها ما للحاكم فيه مدخل وهو فرقة العنين والحكمين والإيلاء والعجز عن النفقة والمهر ونكاح الوليين ومنها ما لا يتوقف على أحد الزوجين ولا الحاكم هو اللعان والردة والوطء بالشبهة وإسلام أحدهما وملك احد الزوجين صاحبة والرضاع.
وهذه الفرق منها ما لا يتلافى إلا بعد زوج وإصابة وهو استيفاء الثلاث ومنها ما لا يتلافى أبدا وهو فرقة اللعان والرضاع والوطء بشبهة ومنها ما لا يتلافى في العدة خاصة وهي فرقة الردة وإسلام احد الزوجين الطلاق الرجعي ومنها ما يتلافى بعقد جديد وهي فرقة الخلع والإعسار بالمهر والنفقة وفرقة الإيلاء والعيوب والغرور وكلها فسخ إلا الطلاق وفرقة الإيلاء والفرقة بالحكمين.
[فَصْلٌ: جَمْعُ الطَّلْقاتِ الثَّلاثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ]
المِثالُ السّابِعُ: أنَّ المُطَلِّقَ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وزَمَنِ خَلِيفَتِهِ أبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ كانَ إذا جَمَعَ الطَّلْقاتِ الثَّلاثَ بِفَمٍ واحِدٍ جُعِلَتْ واحِدَةً، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَرَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وأبِي بَكْرٍ وسَنَتَيْنِ مِن خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقَ الثَّلاثِ واحِدَةً، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: إنّ النّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهم فِيهِ أناةٌ، فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ، فَأمْضاهُ عَلَيْهِمْ»، وفي صَحِيحِهِ أيْضًا عَنْ طاوُسٍ أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ألَمْ تَعْلَمْ «أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وثَلاثًا مِن إمارَةِ عُمَرَ»؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَعَمْ " وفي صَحِيحِهِ أيْضًا أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: هاتِ مِن هَناتِك، «ألَمْ يَكُنْ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ واحِدَةً، فَقالَ: قَدْ كانَ ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ في عَهْدِ عُمَرَ تَتابَعَ النّاسُ في الطَّلاقِ، فَأجازَهُ عَلَيْهِمْ».
وَفِي سُنَنِ أبِي داوُد عَنْ طاوُسٍ أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبُو الصَّهْباءِ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ لِابْنِ عَبّاسٍ، فَقالَ: أما عَلِمْت «أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن إمارَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرًا مِن إمارَةِ عُمَرَ، فَلَمّا رَأى النّاسَ قَدْ تَتابَعُوا فِيها قالَ: أجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ».
وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُؤَمَّلِ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ أبا الجَوْزاءِ أتى ابْنَ عَبّاسٍ، فَقالَ: أتَعْلَمُ «أنَّ الثَّلاثَ كُنَّ يُرْدَدْنَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى واحِدَةٍ»؟ قالَ: نَعَمْ.
قالَ الحاكِمُ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وهَذِهِ غَيْرُ طَرِيقِ طاوُسٍ عَنْ أبِي الصَّهْباءِ، وقالَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ: ثنا سَعْدُ بْنُ إبْراهِيمَ، ثنا أبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي داوُد بْنُ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «طَلَّقَ رُكانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أخُو بَنِي المُطَّلِبِ امْرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَحَزِنَ عَلَيْها حُزْنًا شَدِيدًا، قالَ: فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ طَلَّقْتها؟ قالَ: طَلَّقْتها ثَلاثًا، قالَ: فَقالَ: في مَجْلِسٍ واحِد؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَإنَّما تِلْكَ واحِدَةٌ، فَأرْجِعْها إنْ شِئْتَ، قالَ: فَراجَعَها». فَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَرى إنّما الطَّلاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ، وقَدْ صَحَّحَ الإمامُ أحْمَدُ هَذا الإسْنادَ وحَسَّنَهُ فَقالَ في حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلى ابْنِ أبِي العاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ ونِكاحٍ جَدِيدٍ»: هَذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، أوْ قالَ: واهٍ لَمْ يَسْمَعْهُ الحَجّاجُ مِن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وإنَّما سَمِعَهُ مِن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَزْرَمِيِّ، والعَزْرَمِيُّ لا يُساوِي حَدِيثُهُ شَيْئًا، والحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقَرَّهُما عَلى النِّكاحِ الأوَّلِ» وإسْنادُهُ عِنْدَهُ هو إسْنادُ حَدِيثِ رُكانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ. هَذا وقَدْ قالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: لَيْسَ بِإسْنادِهِ بَأْسٌ، فَهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ عِنْدَ أحْمَدَ، ولَيْسَ بِهِ بَأْسٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ؛ فَهو حُجَّةٌ ما لَمْ يُعارِضْهُ ما هو أقْوى مِنهُ، فَكَيْفَ إذا عَضَّدَهُ ما هو نَظِيرُهُ أوْ أقْوى مِنهُ؟ وقالَ أبُو داوُد: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ ثنا عَبْدُ الرَّزّاقِ أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أبِي رافِعٍ مَوْلى النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ أبُو رُكانَةَ وإخْوَتِهِ أُمَّ رُكانَةَ، ونَكَحَ امْرَأةً مِن مُزَيْنَةَ، فَجاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: ما يُغْنِي عَنِّي إلّا كَما تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ لِشَعْرَةٍ أخَذَتْها مِن رَأْسِها، فَفَرِّقْ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَأخَذَتْ النَّبِيَّ ﷺ حَمِيَّةٌ فَدَعا بِرُكانَةَ وإخْوَتِهِ، ثُمَّ قالَ لِجُلَسائِهِ: أتَرَوْنَ فُلانًا يُشْبِهُ كَذا وكَذا مِن عَبْدِ يَزِيدَ وفُلانًا مِنهُ كَذا وكَذا؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ يَزِيدَ: طَلِّقْها فَفَعَلَ، فَقالَ: راجِعْ امْرَأتَك أُمَّ رُكانَةَ وإخْوَتِهِ، فَقالَ: إنِّي طَلَّقْتها ثَلاثًا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: قَدْ عَلِمْت، راجِعْها، وتَلا: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]».
وَقالَ أبُو داوُد: حَدِيثُ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكانَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رُكانَةَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ فَرَدَّها إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ» أصَحُّ، لِأنَّهم ولَدُ الرَّجُلِ وأهْلُهُ وأعْلَمُ بِهِ، «وَأنَّ رُكانَةَ إنّما طَلَّقَ امْرَأتَهُ ألْبَتَّةَ، فَجَعَلَها النَّبِيُّ ﷺ واحِدَةً».
قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وأبُو داوُد لَمّا لَمْ يَرْوِ في سُنَنِهِ الحَدِيثَ الَّذِي في مُسْنَدِ أحْمَدَ - يَعْنِي الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا - فَقالَ: حَدِيثُ ألْبَتَّةَ أصَحُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ رُكانَةَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، لِأنَّهم أهْلُ بَيْتِهِ، ولَكِنْ الأئِمَّةُ الأكابِرُ العارِفُونَ بِعِلَلِ الحَدِيثِ والفِقْهِ كالإمامِ أحْمَدَ وأبِي عُبَيْدٍ والبُخارِيِّ ضَعَّفُوا حَدِيثَ ألْبَتَّةَ، وبَيَّنُوا أنَّهُ رِوايَةُ قَوْمٍ مَجاهِيلَ لَمْ تُعْرَفْ عَدالَتُهم وضَبْطُهُمْ، وأحْمَدُ أثْبَتَ حَدِيثَ الثَّلاثِ، وبَيَّنَ أنَّهُ الصَّوابُ، وقالَ: حَدِيثُ رُكانَةَ لا يَثْبُتُ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ألْبَتَّةَ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: حَدِيثُ رُكانَةَ في البَتَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ ابْنَ إسْحاقَ يَرْوِيهِ عَنْ داوُد بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رُكانَةَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، وأهْلُ المَدِينَةِ يُسَمُّونَ الثَّلاثَ ألْبَتَّةَ، قالَ الأثْرَمُ: قُلْت لِأحْمَدَ: حَدِيثُ رُكانَةَ في البَتَّةِ، فَضَعَّفَهُ.
والمَقْصُودُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ أنَّ هَذا هو السُّنَّةُ، وأنَّهُ تَوْسِعَةٌ مِن اللَّهِ لِعِبادِهِ؛ إذْ جَعَلَ الطَّلاقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وما كانَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَمْ يَمْلِكْ المُكَلَّفُ إيقاعَ مَرّاتِهِ كُلِّها جُمْلَةً واحِدَةً كاللِّعانِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: " أشْهَدُ بِاللَّهِ أرْبَعَ شَهاداتٍ إنِّي لَمِن الصّادِقِينَ " كانَ مَرَّةً واحِدَةً، ولَوْ حَلَفَ في القَسامَةِ وقالَ: " أُقْسِمُ بِاللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا أنَّ هَذا قاتِلُهُ " كانَ ذَلِكَ يَمِينًا واحِدَةً، ولَوْ قالَ المُقِرُّ بِالزِّنا: " أنا أُقِرُّ أرْبَعَ مَرّاتٍ أنِّي زَنَيْت " كانَ مَرَّةً واحِدَةً؛ فَمَن يَعْتَبِرُ الأرْبَعَ لا يَجْعَلُ ذَلِكَ إلّا إقْرارًا واحِدًا، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن قالَ في يَوْمِهِ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطاياهُ ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» فَلَوْ قالَ: «سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذا الثَّوابُ حَتّى يَقُولَها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «مَن سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وحَمِدَهُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وكَبَّرَهُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ» الحَدِيثَ؛ لا يَكُونُ عامِلًا بِهِ حَتّى يَقُولَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ولا يَجْمَعُ الكُلَّ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «مَن قالَ في يَوْمِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِائَةَ مَرَّةٍ كانَتْ لَهُ حِرْزًا مِن الشَّيْطانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتّى يُمْسِيَ» لا يَحْصُلُ هَذا إلّا بِقَوْلِها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] وهَكَذا قَوْلُهُ في الحَدِيثِ: «الِاسْتِئْذانُ ثَلاثُ مَرّاتٍ، فَإنْ أذِنَ لَك وإلّا فارْجِعْ» لَوْ قالَ الرَّجُلُ ثَلاثَ مَرّاتٍ هَكَذا كانَتْ مَرَّةً واحِدَةً حَتّى يَسْتَأْذِنَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وهَذا كَما أنَّهُ في الأقْوالِ والألْفاظِ فَكَذَلِكَ هو في الأفْعالِ سَواءٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] إنّما هو مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ " رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ " إنّما هو مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» فَهَذا المَعْقُولُ مِن اللُّغَةِ والعُرْفِ في الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ، وهَذِهِ النُّصُوصُ المَذْكُورَةُ وقَوْله تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] كُلُّها مِن بابٍ واحِدٍ ومِشْكاةٍ واحِدَةٍ، والأحادِيثُ المَذْكُورَةُ تُفَسِّرُ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] كَما أنَّ حَدِيثَ اللِّعانِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦].
فَهَذا كِتابُ اللَّهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَذِهِ لُغَةُ العَرَبِ، وهَذا عُرْفُ التَّخاطُبِ، وهَذا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والصَّحابَةُ كُلُّهم مَعَهُ في عَصْرِهِ وثَلاثِ سِنِينَ مِن عَصْرِ عُمَرَ عَلى هَذا المَذْهَبِ؛ فَلَوْ عَدَّهم العادُّ بِأسْمائِهِمْ واحِدًا واحِدًا لَوَجَدَ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ الثَّلاثَ واحِدَةً إمّا بِفَتْوى وإمّا بِإقْرارٍ عَلَيْها، ولَوْ فُرِضَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ يَرى ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا لِلْفَتْوى بِهِ، بَلْ كانُوا ما بَيْنَ مُفْتٍ ومُقِرٍّ بِفُتْيا وساكِتٍ غَيْرِ مُنْكِرٍ.
وَهَذا حالُ كُلِّ صَحابِيٍّ مِن عَهْدِ الصِّدِّيقِ إلى ثَلاثِ سِنِينَ مِن خِلافَةِ عُمَرَ، وهم يَزِيدُونَ عَلى الألْفِ قَطْعًا كَما ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْر عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: اسْتُشْهِدَ مِن المُسْلِمِينَ في وقْعَةِ اليَمامَةِ ألْفٌ ومِائَتا رَجُلٍ مِنهم سَبْعُونَ مِن القُرّاءِ كُلُّهم قَدْ قَرَءُوا القُرْآنَ، وتُوُفِّيَ في خِلافَةِ الصِّدِّيقِ فاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: فَلَمّا أُصِيبَ المُسْلِمُونَ مِن المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِاليَمامَةِ وأُصِيبَ فِيهِمْ عامَّةُ فُقَهاءِ المُسْلِمِينَ وقُرّائِهِمْ فَزِعَ أبُو بَكْرٍ إلى القُرْآنِ، وخافَ أنْ يَهْلِكَ مِنهُ طائِفَةٌ، وكُلُّ صَحابِيٍّ مِن لَدُنْ خِلافَةِ الصِّدِّيقِ إلى ثَلاثِ سِنِينَ مِن خِلافَةِ عُمَرَ كانَ عَلى أنَّ الثَّلاثَ واحِدَةٌ فَتْوى أوْ إقْرارًا أوْ سُكُوتًا، ولِهَذا ادَّعى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذا إجْماعٌ قَدِيمٌ، ولَمْ تُجْمِعْ الأُمَّةُ ولِلَّهِ الحَمْدُ عَلى خِلافِهِ، بَلْ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَن يُفْتِي بِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وإلى يَوْمِنا هَذا، فَأفْتى بِهِ حَبْرُ الأُمَّةِ وتُرْجُمانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ كَما رَواهُ حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: " إذا قالَ أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا بِفَمٍ واحِدَةٍ فَهي واحِدَةٌ " وأفْتى أيْضًا بِالثَّلاثِ، أفْتى بِهَذا وهَذا.
وَأفْتى بِأنَّها واحِدَةٌ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، حَكاهُ عَنْهُما ابْنُ وضّاحٍ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ رِوايَتانِ كَما عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وأمّا التّابِعُونَ فَأفْتى بِهِ عِكْرِمَةُ، رَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أيُّوبَ عَنْهُ، وأفْتى بِهِ طاوُسٌ، وأمّا تابِعُو التّابِعِينَ فَأفْتى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، حَكاهُ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْهُ، وأفْتى بِهِ خِلاسُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ العُكْلِيُّ، وأمّا أتْباعُ تابِعِي التّابِعِينَ فَأفْتى بِهِ داوُد بْنُ عَلِيٍّ وأكْثَرُ أصْحابِهِ، حَكاهُ عَنْهم أبُو المُفْلِسِ وابْنُ حَزْمٍ وغَيْرُهُما، وأفْتى بِهِ بَعْضُ أصْحابِ مالِكٍ، حَكاهُ التِّلْمِسانِيُّ في شَرْحِ تَفْرِيعِ ابْنِ الجَلّابِ قَوْلًا لِبَعْضِ المالِكِيَّةِ.
وَأفْتى بِهِ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ، حَكاهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقاتِلٍ، وأفْتى بِهِ بَعْضُ أصْحابِ أحْمَدَ، حَكاهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْهُ، قالَ: وكانَ الجَدُّ يُفْتِي بِهِ أحْيانًا.
وَأمّا الإمامُ أحْمَدُ نَفْسُهُ فَقَدْ قالَ الأثْرَمُ: سَألْت أبا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ واحِدَةً» بِأيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ؟ قالَ: بِرِوايَةِ النّاسِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مِن وُجُوهٍ خِلافَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِدَّةٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها ثَلاثٌ؛ فَقَدْ صَرَّحَ بِأنَّهُ إنّما تَرَكَ القَوْلَ بِهِ لِمُخالَفَةِ رِوايَةٍ لَهُ، وأصْلُ مَذْهَبِهِ وقاعِدَتِهِ الَّتِي بَنى عَلَيْها أنَّ الحَدِيثَ إذا صَحَّ لَمْ يَرُدَّهُ لِمُخالَفَةِ رِوايَةٍ لَهُ، بَلْ الأخْذُ بِما رَواهُ، كَما فَعَلَ في رِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وفَتْواهُ في بَيْعِ الأمَةِ فَأخَذَ بِرِوايَتِهِ أنَّهُ لا يَكُونُ طَلاقًا، وتَرَكَ رَأْيَهُ، وعَلى أصْلِهِ يَخْرُجُ لَهُ قَوْلُ إنّ الثَّلاثَ واحِدَةٌ؛ فَإنَّهُ إذا صَرَّحَ بِأنَّهُ إنّما تَرَكَ الحَدِيثَ لِمُخالَفَةِ الرّاوِي وصَرَّحَ في عِدَّةِ مَواضِعَ أنَّ مُخالَفَةَ الرّاوِي لا تُوجِبُ تَرْكَ الحَدِيثِ خَرَجَ لَهُ في المَسْألَةِ قَوْلانِ، وأصْحابُهُ يُخَرِّجُونَهُ عَلى مَذْهَبِهِ أقْوالًا دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
والمَقْصُودُ أنَّ هَذا القَوْلَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والقِياسُ والإجْماعُ القَدِيمُ، ولَمْ يَأْتِ بَعْدَهُ إجْماعٌ يُبْطِلُهُ، ولَكِنْ رَأى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النّاسَ قَدْ اسْتَهانُوا بِأمْرِ الطَّلاقِ، وكَثُرَ مِنهم إيقاعُهُ جُمْلَةً واحِدَةً؛ فَرَأى مِن المَصْلَحَةِ عُقُوبَتَهم بِإمْضائِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِيَعْلَمُوا أنَّ أحَدَهم إذا أوْقَعَهُ جُمْلَةً بانَتْ مِنهُ المَرْأةُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكاحَ رَغْبَةٍ يُرادُ لِلدَّوامِ لا نِكاحَ تَحْلِيلٍ، فَإنَّهُ كانَ مِن أشَدِّ النّاسِ فِيهِ، فَإذا عَلِمُوا ذَلِكَ كَفُّوا عَنْ الطَّلاقِ المُحَرَّمِ، فَرَأى عُمَرُ أنَّ هَذا مَصْلَحَةٌ لَهم في زَمانِهِ.
وَرَأى أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وعَهْدِ الصِّدِّيقِ وصَدْرًا مِن خِلافَتِهِ كانَ الألْيَقَ بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَتابَعُوا فِيهِ، وكانُوا يَتَّقُونَ اللَّهَ في الطَّلاقِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ مَن اتَّقاهُ مَخْرَجًا، فَلَمّا تَرَكُوا تَقْوى اللَّهِ وتَلاعَبُوا بِكِتابِ اللَّهِ وطَلَّقُوا عَلى غَيْرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ ألْزَمَهم بِما التَزَمُوهُ عُقُوبَةً لَهُمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنّما شَرَعَ الطَّلاقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ولَمْ يَشْرَعْهُ كُلَّهُ مَرَّةً واحِدَةً، فَمَن جَمَعَ الثَّلاثَ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ فَقَدْ تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ، وظَلَمَ نَفْسَهُ، ولَعِبَ بِكِتابِ اللَّهِ، فَهو حَقِيقٌ أنْ يُعاقَبَ، ويُلْزَمَ بِما التَزَمَهُ، ولا يُقِرُّ عَلى رُخْصَةِ اللَّهِ وسَعَتِهِ، وقَدْ صَعَّبَها عَلى نَفْسِهِ، ولَمْ يَتَّقِ اللَّهَ ولَمْ يُطَلِّقْ كَما أمَرَهُ اللَّهُ وشَرَعَهُ لَهُ، بَلْ اسْتَعْجَلَ فِيما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الأناةَ فِيهِ رَحْمَةً مِنهُ وإحْسانًا، ولَبَسَ عَلى نَفْسِهِ واخْتارَ الأغْلَظَ والأشَدَّ؛ فَهَذا مِمّا تَغَيَّرَتْ بِهِ الفَتْوى لِتَغَيُّرِ الزَّمانِ، وعَلِمَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - حُسْنَ سِياسَةِ عُمَرَ وتَأْدِيبِهِ لِرَعِيَّتِهِ في ذَلِكَ فَوافَقُوهُ عَلى ما ألْزَمَ بِهِ، وصَرَّحُوا لِمَن اسْتَفْتاهم بِذَلِكَ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَن أتى الأمْرَ عَلى وجْهِهِ فَقَدْ بُيِّنَ لَهُ، ومَن لَبَسَ عَلى نَفْسِهِ جَعَلْنا عَلَيْهِ لَبْسَهُ، واللَّهِ لا تَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِكم ونَتَحَمَّلُهُ مِنكُمْ، هو كَما تَقُولُونَ.
فَلَوْ كانَ وُقُوعُ الثَّلاثِ ثَلاثًا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ لَكانَ المُطَلِّقُ قَدْ أتى الأمْرَ عَلى وجْهِهِ، ولَما كانَ قَدْ لَبَسَ عَلى نَفْسِهِ، ولَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ «تَلْعَبُ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ»؟
وَلَما تَوَقَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ في الإيقاعِ وقالَ لِلسّائِلِ: إنّ هَذا الأمْرَ ما لَنا فِيهِ قَوْلٌ، فاذْهَبْ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، فَلَمّا جاءَ إلَيْهِما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِأبِي هُرَيْرَةَ: أفْتِهِ فَقَدْ جاءَتْك مُعْضِلَةٌ، ثُمَّ أفْتَياهُ بِالوُقُوعِ.
فالصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ومُقَدَّمُهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَمّا رَأوْا النّاسَ قَدْ اسْتَهانُوا بِأمْرِ الطَّلاقِ وأرْسَلُوا ما بِأيْدِيهِمْ مِنهُ ولَبَسُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ في التَّطْلِيقِ الَّذِي شَرَعَهُ لَهم وأخَذُوا بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَقِفُوا عَلى ما حُدَّ لَهم ألْزَمُوهم بِما التَزَمُوهُ، وأمْضَوْا عَلَيْهِمْ ما اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِن التَّشْدِيدِ الَّذِي وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما شَرَعَهُ لَهم بِخِلافِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ مَن فَعَلَ هَذا حَقِيقٌ بِالعُقُوبَةِ بِأنْ يُنْفِذَ عَلَيْهِ ما أنْفَذَهُ عَلى نَفْسِهِ؛ إذْ لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ وتَيْسِيرَهُ ومُهْلَتَهُ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِمَن طَلَّقَ مِائَةً: عَصَيْت رَبَّك وبانَتْ مِنك امْرَأتُك؛ إنّك لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلُ لَك مَخْرَجًا، ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وأتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنّ عَمِّي طَلَّقَ ثَلاثًا، فَقالَ: إنّ عَمَّك عَصى اللَّهَ فَأنْدَمَهُ، وأطاعَ الشَّيْطانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، فَقالَ: أفَلا تُحَلِّلُها لَهُ؟ فَقالَ: مَن يُخادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ.
فَلْيَتَدَبَّرْ العالِمُ الَّذِي قَصْدُهُ مَعْرِفَةُ الحَقِّ واتِّباعِهِ مِن الشَّرْعِ والقَدَرِ في قَبُولِ الصَّحابَةِ هَذِهِ الرُّخْصَةَ والتَّيْسِيرِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَقْواهم رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى في التَّطْلِيقِ، فَجَرَتْ عَلَيْهِمْ رُخْصَةُ اللَّهِ وتَيْسِيرُهُ شَرْعًا وقَدَرًا، فَلَمّا رَكِبَ النّاسُ الأُحْمُوقَةَ، وتَرَكُوا تَقْوى اللَّهَ، ولَبَسُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، وطَلَّقُوا عَلى غَيْرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُمْ، أجْرى اللَّهُ عَلى لِسانِ الخَلِيفَةِ الرّاشِدِ والصَّحابَةِ مَعَهُ شَرْعًا وقَدَرَ إلْزامَهم بِذَلِكَ، وإنْفاذَهُ عَلَيْهِمْ، وإبْقاءَ الإصْرِ الَّذِي جَعَلُوهُ هم في أعْناقِهِمْ كَما جَعَلُوهُ، وهَذِهِ أسْرارٌ مِن أسْرارِ الشَّرْعِ والقَدَرِ لا تُناسِبُ عُقُولَ أبْناءِ الزَّمَنِ، فَجاءَ أئِمَّةُ الإسْلامِ، فَمَضَوْا عَلى آثارِ الصَّحابَةِ سالِكِينَ مَسْلَكَهُمْ، قاصِدِينَ رِضاءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْفاذَ دِينِهِ.
فَمِنهم مَن تَرَكَ القَوْلَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ لِظَنِّهِ أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ الشّافِعِيِّ.
قالَ: فَإنْ كانَ مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ إنّ الثَّلاثَ كانَتْ تُحْسَبُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واحِدَةً بِمَعْنى أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ فاَلَّذِي يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا فَنُسِخَ.
فَإنْ قِيلَ: فَما دَلَّ عَلى ما وصَفْت؟ قِيلَ: لا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا ثُمَّ يُخالِفُهُ بِشَيْءٍ ولَمْ يَعْلَمْهُ كانَ مِن النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خِلافٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَعَلَّ هَذا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فَقالَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ بِقَوْلِ عُمَرَ. قِيلَ: قَدْ عَلِمْنا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ يُخالِفُ عُمَرَ في نِكاحِ المُتْعَةِ، وبَيْعِ الدِّينارِ بِالدِّينارَيْنِ، وبَيْعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ، فَكَيْفَ يُوافِقُهُ في شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلافُهُ؟
[فَصْلٌ: فَتْوى الصَّحابِيِّ عَلى خِلافِ ما رَواهُ]
قالَ المانِعُونَ مِن لُزُومِ الثَّلاثِ: النَّسْخُ لا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمالِ، ولا تَرْكُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَعْصُومِ لِمُخالَفَةِ راوِيهِ لَهُ؛ فَإنَّ مُخالَفَتَهُ لَيْسَتْ مَعْصُومَةً، وقَدْ قَدَّمَ الشّافِعِيُّ رِوايَةَ ابْنِ عَبّاسٍ في شَأْنِ بَرِيرَةَ عَلى فَتْواهُ الَّتِي تُخالِفُها في كَوْنِ بَيْعِ الأمَةِ طَلاقَها، وأخَذَ هو وأحْمَدُ وغَيْرُهُما بِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «مَن اسْتَقاءَ فَعَلَيْهِ القَضاءُ» وقَدْ خالَفَهُ أبُو هُرَيْرَةَ وأفْتى بِأنَّهُ لا قَضاءَ عَلَيْهِ، وأخَذُوا بِرِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلاثَةَ وأنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ» وصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ الرَّمَلُ بِسُنَّةٍ، وأخَذُوا بِرِوايَةِ عائِشَةَ في مَنعِ الحائِضِ مِن الطَّوافِ، وقَدْ صَحَّ عَنْها أنَّ امْرَأةً حاضَتْ وهي تَطُوفُ مَعَها فَأتَمَّتْ بِها عائِشَةُ بَقِيَّةَ طَوافِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ: ثنا أبُو عَوانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ عَطاءٍ، فَذَكَرَهُ، وأخَذُوا بِرِوايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَقْدِيمِ الرَّمْيِ والحَلْقِ والنَّحْرِ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، وأنَّهُ لا حَرَجَ في ذَلِكَ، وقَدْ أفْتى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ فِيهِ دَمًا، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ وأخَذُوا بِرِوايَتِهِ، وأخَذَتْ الحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «كُلُّ الطَّلاقِ جائِزٌ إلّا طَلاقَ المَعْتُوهِ» قالُوا: وهَذا صَرِيحٌ في طَلاقِ المُكْرَهِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ لِمُكْرَهٍ ولا لِمُضْطَهَدٍ طَلاقٌ، وأخَذُوا هم والنّاسُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ اشْتَرى جَمَلًا شارِدًا بِأصَحِّ سَنَدٍ يَكُونُ، وأخَذَ الحَنَفِيَّةُ والحَنابِلَةُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ «صَلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ» وقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّها صَلاةُ الصُّبْحِ، وأخَذَ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ وغَيْرُهم بِخَبَرِ عائِشَةَ في التَّحْرِيمِ بِلَبَنِ الفَحْلِ، وقَدْ صَحَّ عَنْها خِلافُهُ، وأنَّهُ كانَ يَدْخُلُ عَلَيْها مَن أرْضَعَتْهُ بَناتُ إخْوَتِها، ولا يَدْخُلُ عَلَيْها مَن أرْضَعَتْهُ نِساءُ إخْوَتِها، وأخَذَ الحَنَفِيَّةُ بِرِوايَةِ عائِشَةَ «فُرِضَتْ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ» وصَحَّ عَنْها أنَّها أتَمَّتْ الصَّلاةَ في السَّفَرِ، فَلَمْ يَدْعُوا رِوايَتِها لِرَأْيِها، واحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جابِرٍ وأبِي مُوسى في الأمْرِ بِالوُضُوءِ مِن الضَّحِكِ في الصَّلاةِ، وقَدْ صَحَّ عَنْهُما أنَّهُما قالا: لا وُضُوءَ مِن ذَلِكَ، وأخَذَ النّاسُ بِحَدِيثِ عائِشَةَ في تَرْكِ إيجابِ الوُضُوءِ مِمّا مَسَّتْ النّارُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ بِأصَحِّ إسْنادٍ إيجابُ الوُضُوءِ لِلصَّلاةِ مِن أكْلِ كُلِّ ما مَسَّتْ النّارُ، وأخَذَ النّاسُ بِأحادِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ ثَلاثَتِهِمْ المَنعُ مِن المَسْحِ جُمْلَةً؛ فَأخَذُوا بِرِوايَتِهِمْ وتَرَكُوا رَأْيَهم.
واحْتَجُّوا في إسْقاطِ القِصاصِ عَنْ الأبِ بِحَدِيثِ عُمَرَ «لا يُقْتَصُّ لِوَلَدٍ مِن والِدِهِ» وقَدْ قالَ عُمَرُ: لَأقُصَّنَّ لِلْوَلَدِ مِن الوالِدِ؛ فَلَمْ يَأْخُذُوا بِرَأْيِهِ بَلْ بِرِوايَتِهِ، واحْتَجَّتْ الحَنَفِيَّةُ والمالِكِيَّةُ في أنَّ الخُلْعَ طَلاقٌ بِحَدِيثَيْنِ لا يَصِحّانِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ بِأصَحِّ إسْنادٍ يَكُونُ «أنَّ الخُلْعَ فَسْخٌ لا طَلاقٌ» وأخَذَتْ الحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثٍ لا يَصِحُّ بَلْ هو مِن وضْعِ حِزامِ بْنِ عُثْمانَ ومُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ الحَلَبِيِّ، وهو حَدِيثُ جابِرٍ «لا يَكُونُ صَداقٌ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ دَراهِمَ» وقَدْ صَحَّ عَنْ جابِرٍ جَوازُ النِّكاحِ بِما قَلَّ أوْ كَثُرَ، واحْتَجُّوا هم وغَيْرُهم عَلى المَنعِ مِن بَيْعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المَرْفُوعِ، وقَدْ صَحَّ عَنْهُ جَوازُ بَيْعِهِنَّ؛ فَقَدَّمُوا رِوايَتَهُ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ عَلى فَتْواهُ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ، وأخَذَتْ الحَنابِلَةُ وغَيْرُهم بِخَبَرِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ ألْحَقَ الوَلَدَ بِأبَوَيْنِ، وقَدْ خالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ؛ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلافِهِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ ومُعاوِيَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ»، وصَحَّ عَنْهم النَّهْيُ عَنْ التَّمَتُّعِ، فَأخَذَ النّاسُ بِرِوايَتِهِمْ وتَرَكُوا رَأْيَهُمْ، وأخَذَ النّاسُ بِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في البَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» وقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: ماءانِ لا يُجْزِئانِ في غُسْلِ الجَنابَةِ ماءُ البَحْرِ وماءُ الحَمّامِ، وأخَذَتْ الحَنابِلَةُ والشّافِعِيَّةُ بِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في الأمْرِ بِغَسْلِ الإناءِ مِن وُلُوغِ الكَلْبِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنُهُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ سُئِلَ عَنْ الحَوْضِ يَلَغُ فِيهِ الكَلْبُ ويَشْرَبُ مِنهُ الحِمارُ، فَقالَ: لا يُحَرِّمُ الماءَ شَيْءٌ، وأخَذَتْ الحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ «لا زَكاةَ فِيما زادَ عَلى المِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَتّى يَبْلُغَ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا» مَعَ ضَعْفِ الحَدِيثِ بِالحَسَنِ بْنِ عُمارَةَ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّ ما زادَ عَلى المِائَتَيْنِ فَفِيهِ الزَّكاةُ بِحِسابِهِ، رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْهُ.
وَهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ، وتَرى كَثِيرًا مِن النّاسِ إذا جاءَ الحَدِيثُ يُوافِقُ قَوْلَ مَن قَلَّدَهُ وقَدْ خالَفَهُ رِوايَةً يَقُولُ: الحُجَّةُ فِيما رَوى، لا في قَوْلِهِ، فَإذا جاءَ قَوْلُ الرّاوِي مُوافِقًا لِقَوْلِ مَن قَلَّدَهُ والحَدِيثُ بِخِلافِهِ قالَ: لَمْ يَكُنْ الرّاوِي يُخالِفُ ما رَواهُ إلّا وقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ نَسْخُهُ، وإلّا كانَ قَدْحًا في عَدالَتِهِ، فَيَجْمَعُونَ في كَلامِهِمْ بَيْنَ هَذا وهَذا، بَلْ قَدْ رَأيْنا في البابِ الواحِدِ، وهَذا مِن أقْبَحِ التَّناقُضِ، واَلَّذِي نَدِينُ لِلَّهِ بِهِ ولا يَسَعُنا غَيْرُهُ وهو القَصْدُ في هَذا البابِ أنَّ الحَدِيثَ إذا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرَ يَنْسَخُهُ أنَّ الفَرْضَ عَلَيْنا وعَلى الأُمَّةِ الأخْذُ بِحَدِيثِهِ وتَرْكُ كُلِّ ما خالَفَهُ، ولا نَتْرُكُهُ لِخِلافِ أحَدٍ مِن النّاسِ كائِنًا مَن كانَ لا رِوايَةً ولا غَيْرَهُ؛ إذْ مِن المُمْكِنِ أنْ يَنْسى الرّاوِي الحَدِيثَ، أوْ لا يَحْضُرُهُ وقْتَ الفُتْيا، أوْ لا يَتَفَطَّنُ لِدَلالَتِهِ عَلى تِلْكَ المَسْألَةِ، أوْ يَتَأوَّلُ فِيهِ تَأْوِيلًا مَرْجُوحًا، أوْ يَقُومُ في ظَنِّهِ ما يُعارِضُهُ ولا يَكُونُ مُعارِضًا في نَفْسِ الأمْرِ، أوْ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ في فَتْواهُ بِخِلافِهِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ أعْلَمُ مِنهُ وأنَّهُ إنّما خالَفَهُ لِما هو أقْوى مِنهُ، ولَوْ قُدِّرَ انْتِفاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ، ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِانْتِفائِهِ ولا ظَنِّهِ، لَمْ يَكُنْ الرّاوِي مَعْصُومًا، ولَمْ تُوجَبْ مُخالَفَتُهُ لِما رَواهُ سُقُوطَ عَدالَتِهِ حَتّى تَغْلِبَ سَيِّئاتُهُ حَسَناتِهِ، وبِخِلافِ هَذا الحَدِيثِ الواحِدِ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ: وجْهُ تَغَيُّرِ الفَتْوى بِتَغَيُّرِ الأزْمِنَةِ والأحْوالِ]
إذا عُرِفَ هَذا فَهَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا تَغَيَّرَتْ الفَتْوى بِها بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ كَما عَرَفْتَ؛ لِما رَأتْهُ الصَّحابَةُ مِن المَصْلَحَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا مَفْسَدَةَ تَتابُعِ النّاسِ في إيقاعِ الثَّلاثِ لا تَنْدَفِعُ إلّا بِإمْضائِها عَلَيْهِمْ، فَرَأوْا مَصْلَحَةَ الإمْضاءِ أقْوى مِن مَفْسَدَةِ الوُقُوعِ، ولَمْ يَكُنْ بابُ التَّحْلِيلِ الَّذِي لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعِلَهُ مَفْتُوحًا بِوَجْهٍ ما، بَلْ كانُوا أشَدَّ خَلْقِ اللَّهِ في المَنعِ مِنهُ، وتَوَعَّدَ عُمَرُ فاعِلَهُ بِالرَّجْمِ، وكانُوا عالِمِينَ بِالطَّلاقِ المَأْذُونِ فِيهِ وغَيْرِهِ، وأمّا في هَذِهِ الأزْمانِ الَّتِي قَدْ شَكَتْ الفُرُوجُ فِيها إلى رَبِّها مِن مَفْسَدَةِ التَّحْلِيلِ، وقُبْحِ ما يَرْتَكِبُهُ المُحَلِّلُونَ مِمّا هو رَمَدٌ بَلْ عَمًى في عَيْنِ الدِّينِ وشَجًى في حُلُوقِ المُؤْمِنِينَ: مِن قَبائِحَ تُشْمِتُ أعْداءَ الدِّينِ بِهِ وتَمْنَعُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِيهِ بِسَبَبِهِ، بِحَيْثُ لا يُحِيطُ بِتَفاصِيلِها خِطابٌ، ولا يَحْصُرُها كِتابٌ، يَراها المُؤْمِنُونَ كُلُّهم مِن أقْبَحِ القَبائِحِ، ويَعُدُّونَها مِن أعْظَمِ الفَضائِحِ، قَدْ قَلَبَتْ مِن الدِّينِ رَسْمَهُ، وغَيَّرَتْ مِنهُ اسْمَهُ، وضَمَّخَ التَّيْسُ المُسْتَعارُ فِيها المُطَلَّقَةَ بِنَجاسَةِ التَّحْلِيلِ، وقَدْ زَعَمَ أنَّهُ قَدْ طَيَّبَها لِلْحَلِيلِ، فَيا لِلَّهِ العَجَبُ، أيُّ طِيبٍ أعارَها هَذا التَّيْسُ المَلْعُونُ؟ وأيُّ مَصْلَحَةٍ حَصَلَتْ لَها ولِمُطَلِّقِها بِهَذا الفِعْلِ الدُّونِ؟ أتَرَوْنَ وُقُوفَ الزَّوْجِ المُطَلِّقِ أوْ الوَلِيِّ عَلى البابِ والتَّيْسُ المَلْعُونُ قَدْ حَلَّ إزارَها وكَشَفَ النِّقابَ وأخَذَ في ذَلِكَ المَرْتَعِ والزَّوْجُ أوْ الوَلِيُّ يُنادِيه: لَمْ يُقَدَّمْ إلَيْك هَذا الطَّعامُ لِتَشْبَعَ، فَقَدْ عَلِمْت أنْتَ والزَّوْجَةُ ونَحْنُ والشُّهُودُ والحاضِرُونَ والمَلائِكَةُ الكاتِبُونَ ورَبُّ العالَمِينَ أنَّك لَسْت مَعْدُودًا مِن الأزْواجِ، ولا لِلْمَرْأةِ أوْ أوْلِيائِها بِك رِضًا ولا فَرَحٌ ولا ابْتِهاجٌ، وإنَّما أنْتَ بِمَنزِلَةِ التَّيْسِ المُسْتَعارِ لِلضِّرابِ، الَّذِي لَوْلا هَذِهِ البَلْوى لَما رَضِينا وُقُوفَك عَلى البابِ؛ فالنّاسُ يُظْهِرُونَ النِّكاحَ ويُعْلِنُونَهُ فَرَحًا وسُرُورًا، ونَحْنُ نَتَواصى بِكِتْمانِ هَذا الدّاءِ العُضالِ ونَجْعَلُهُ أمْرًا مَسْتُورًا؛ بِلا نِثارٍ ولا دُفٍّ ولا خِوانٍ ولا إعْلانٍ، بَلْ التَّواصِي بِهَسٍّ ومَسٍّ والإخْفاءِ والكِتْمانِ؛ فالمَرْأةُ تُنْكَحُ لِدِينِها وحَسَبِها ومالِها وجَمالِها، والتَّيْسُ المُسْتَعارُ لا يَسْألُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يُمْسِكُ بِعِصْمَتِها، بَلْ قَدْ دَخَلَ عَلى زَوالِها، واللَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ سَكَنًا لِصاحِبِهِ، وجَعَلَ بَيْنَهُما مَوَدَّةً ورَحْمَةً لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ مَقْصُودُ هَذا العَقْدِ العَظِيمِ، وتَتِمُّ بِذَلِكَ المَصْلَحَةُ الَّتِي شَرَعَهُ لِأجْلِها العَزِيزُ الحَكِيمُ، فَسَلْ التَّيْسَ المُسْتَعارَ: هَلْ لَهُ مِن ذَلِكَ نَصِيبٌ، أوْ هو مِن حِكْمَةِ هَذا العَقْدِ ومَقْصُودِهِ ومَصْلَحَتِهِ أجْنَبِيٌّ غَرِيبٌ؟
وَسَلْهُ: هَلْ اتَّخَذَ هَذِهِ المُصابَةَ حَلِيلَةً وفِراشًا يَأْوِي إلَيْهِ؟ ثُمَّ سَلْها: هَلْ رَضِيَتْ بِهِ قَطُّ زَوْجًا وبَعْلًا تَعُولُ في نَوائِبِها عَلَيْهِ؟ وسَلْ أُوَلِي التَّمْيِيزِ والعُقُولِ: هَلْ تَزَوَّجَتْ فُلانَةُ بِفُلانٍ؟ وهَلْ يُعَدُّ هَذا نِكاحًا في شَرْعٍ أوْ عَقْلٍ أوْ فِطْرَةِ إنْسانٍ؟ وكَيْفَ يَلْعَنُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِن أُمَّتِهِ نَكَحَ نِكاحًا شَرْعِيًّا صَحِيحًا، ولَمْ يَرْتَكِبْ في عَقْدِهِ مُحَرَّمًا ولا قَبِيحًا؟ وكَيْفَ يُشْبِهُهُ بِالتَّيْسِ المُسْتَعارِ، وهو مِن جُمْلَة المُحْسِنِينَ الأبْرارِ؟ وكَيْفَ تُعَيَّرُ بِهِ المَرْأةُ طُولَ دَهْرِها بَيْنَ أهْلِها والجِيرانِ؛ وتَظَلُّ ناكِسَةً رَأْسَها إذا ذُكِرَ ذَلِكَ التَّيْسُ بَيْنَ النِّسْوانِ؟ وسَلْ التَّيْسَ المُسْتَعارَ: هَلْ حَدَّثَ نَفْسَهُ وقْتَ هَذا العَقْدِ الَّذِي هو شَقِيقُ النِّفاقِ، بِنَفَقَةٍ أوْ كِسْوَةٍ أوْ وزْنِ صَداقٍ؟ وهَلْ طَمِعَتْ المُصابَةُ مِنهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، أوْ حَدَّثَتْ نَفْسَها بِهِ هُنالِكَ؟ وهَلْ طَلَبَ مِنها ولَدًا نَجِيبًا واتَّخَذَتْهُ عَشِيرًا وحَبِيبًا؟ وسَلْ عُقُولَ العالَمِينَ وفِطَرَهُمْ: هَلْ كانَ خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرَهم تَحْلِيلًا، أوْ كانَ المُحَلَّلُ الَّذِي لَعَنَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ أهْداهم سَبِيلًا؟
وَسَلْ التَّيْسَ المُسْتَعارَ ومَن ابْتُلِيَتْ بِهِ: هَلْ تَجَمَّلَ أحَدٌ مِنهُما بِصاحِبِهِ كَما يَتَجَمَّلُ الرِّجالُ بِالنِّساءِ والنِّساءُ بِالرِّجالِ، أوْ كانَ لِأحَدِهِما رَغْبَةٌ في صاحِبِهِ بِحَسَبٍ أوْ مالٍ أوْ جَمالٍ؟ وسَلْ المَرْأةَ: هَلْ تَكْرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها هَذا التَّيْسُ المُسْتَعارُ أوْ يَتَسَرّى، أوْ تَكْرَهُ أنْ تَكُونَ تَحْتَهُ امْرَأةٌ غَيْرُها أُخْرى، أوْ تَسْألُهُ عَنْ مالِهِ وصَنْعَتِهِ أوْ حُسْنِ عِشْرَتِهِ وسَعَةِ نَفَقَتِهِ؟ وسَلْ التَّيْسَ المُسْتَعارَ: هَلْ سَألَ قَطُّ عَمّا يَسْألُهُ عَنْهُ مَن قَصَدَ حَقِيقَةَ النِّكاحِ، أوْ يَتَوَسَّلُ إلى بَيْتِ أحْمائِهِ بِالهَدِيَّةِ والحُمُولَةِ والنَّقْدِ الَّذِي يَتَوَسَّلُ بِهِ خاطِبُ المِلاحِ؟ وسَلْهُ: هَلْ هو أبُو يَأْخُذُ أوْ أبُو يُعْطِي؟ وهَلْ قَوْلُهُ عِنْدَ قِراءَةِ أُبَيٍّ جادَ هَذا العَقْدَ: خُذِي نَفَقَةَ هَذا العُرْسِ أوْ حُطِّي؟
وَسَلْهُ: هَلْ تَحَمَّلَ مِن كُلْفَةِ هَذا العَقْدِ خُذِي نَفَقَةَ هَذا العُرْسِ أوْ حُطِّي؟] وسَلْهُ عَنْ ولِيمَةِ عُرْسِهِ: هَلْ أوْلَمَ ولَوْ بِشاةٍ؟ وهَلْ دَعا إلَيْها أحَدًا مِن أصْحابِهِ فَقَضى حَقَّهُ وأتاهُ؟ وسَلْهُ: هَلْ تَحَمَّلَ مِن كُلْفَةِ هَذا العَقْدِ ما يَتَحَمَّلُهُ المُتَزَوِّجُونَ، أمْ جاءَهُ كَما جَرَتْ بِهِ عادَةُ النّاسِ الأصْحابُ والمُهَنَّئُونَ؟ وهَلْ قِيلَ لَهُ بارَكَ اللَّهُ لَكُما وعَلَيْكُما وجَمَعَ بَيْنَكُما في خَيْرٍ وعافِيَةٍ، أمْ لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ لَعْنَةً تامَّةً وافِيَةً؟
(فَصْلٌ)
ثُمَّ سَلْ مَن لَهُ أدْنى اطِّلاعٍ عَلى أحْوالِ النّاسِ: كَمْ مِن حُرَّةٍ مَصُونَةٍ أنْشَبَ فِيها المُحَلِّلُ مَخالِبَ إرادَتِهِ فَصارَتْ لَهُ بَعْدَ الطَّلاقِ مِن الأخْدانِ وكانَ بَعْلُها مُنْفَرِدًا بِوَطْئِها فَإذا هو والمُحَلِّلُ فِيها بِبَرَكَةِ التَّحْلِيلِ شَرِيكانِ؟ فَلَعَمْرُ اللَّهِ كَمْ أخَرَجَ التَّحْلِيلُ مُخَدَّرَةً مِن سِتْرِها إلى البِغاءِ، وألْقاها بَيْنَ بَراثِنِ العُشَراءِ والحُرَفاءِ؟ ولَوْلا التَّحْلِيلُ لَكانَ مَنالُ الثُّرَيّا دُونَ مَنالِها، والتَّدَرُّعُ بِالأكْفانِ دُونَ التَّدَرُّعِ بِجَمالِها، وعِناقُ القَنا دُون عِناقِها، والأخْذُ بِذِراعِ الأسَدِ دُونَ الأخْذِ بِساقِها، وسَلْ أهْلَ الخِبْرَةِ: كَمْ عَقَدَ المُحَلِّلُ عَلى أُمٍّ وابْنَتِها؟ وكَمْ جَمَعَ ماءَهُ في أرْحامِ ما زادَ عَلى الأرْبَعِ وفي رَحِمِ الأُخْتَيْنِ؟ وذَلِكَ مُحَرَّمٌ باطِلُ في المَذْهَبَيْنِ، وهَذِهِ المَفْسَدَةُ في كُتُبِ مَفاسِدِ التَّحْلِيلِ لا يَنْبَغِي أنْ تُفْرَدَ بِالذِّكْرِ وهي كَمَوْجَةٍ واحِدَةٍ مِن الأمْواجِ، ومَن يَسْتَطِيعُ عَدَّ أمْواجِ البَحْرِ؟، وكَمْ مِن امْرَأةٍ كانَتْ قاصِرَةَ الطَّرْفِ عَلى بَعْلِها، فَلَمّا ذاقَتْ عُسَيْلَةَ المُحَلِّلِ خَرَجَتْ عَلى وجْهِها فَلَمْ يَجْتَمِعْ شَمْلَ الإحْصانِ والعِفَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَمْلِها، وما كانَ هَذا سَبِيلُهُ فَكَيْفَ يَحْتَمِلُ أكْمَلُ الشَّرائِعِ وأحْكَمُها تَحْلِيلَهُ؟ فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى مَن صَرَّحَ بِلَعْنَتِهِ، وسَمّاهُ بِالتَّيْسِ المُسْتَعارِ مِن بَيْنِ فُسّاقِ أُمَّتِهِ، كَما شَهِدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وعُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وأخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِفاحًا.
أمّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ وسُنَنِ النَّسائِيّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلُ لَهُ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: حَدَّثَنِي أبُو قَيْسٍ الأوْدِيُّ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَة، والواصِلَةَ والمَوْصُولَةَ، والمُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ، وآكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ»
وَرَواهُ النَّسائِيّ والإمامُ أحْمَدُ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ «لَعَنَ المُحَلِّلَ» وصَحَّحَهُ، ثُمَّ قالَ: والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وهو قَوْلُ الفُقَهاءِ مِن التّابِعِينَ، ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي الواصِلِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَعَنَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ»، وفي مُسْنَدِ الإمامَ أحْمَدَ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيث الأعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ الحارِثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «آكِلُ الرِّبا ومُوكِلُهُ وشاهِداهُ وكاتِبُهُ إذا عَلِمُوا بِهِ، والواصِلَةُ والمُسْتَوْشِمَةُ، ولاوِي الصَّدَقَةِ والمُعْتَدِي فِيها، والمُرْتَدُّ عَلى عَقِبَيْهِ أعْرابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ، مَلْعُونُونَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ». وأمّا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ فَفي المُسْنَدِ وسُنَنِ أبِي داوُد والتِّرْمِذِيِّ وابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ لَعَنَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ».
وَأمّا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ فَفي المُسْنَدِ لِلْإمامِ أحْمَدَ ومُسْنَدِ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ مِن حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ الأخْنَسِيِّ عَنْ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلُ لَهُ» قالَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ: عُثْمانُ بْنُ الأخْنَسِيُّ ثِقَةٌ، واَلَّذِي رَواهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ المَخْرَمِيُّ ثِقَةٌ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، وثَّقَهُ أحْمَدُ ويَحْيى وعَلِيٌّ وغَيْرُهُمْ؛ فالإسْنادُ جَيِّدٌ، وفي كِتابِ العِلَلِ لِلتِّرْمِذِيِّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى ثنا مُعَلّى بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ المَخْرَمِيِّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأخْنَسِيِّ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَعَنَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: سَألْت أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ البُخارِيَّ عَنْ هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ المَخْرَمِيُّ صَدُوقٌ، وعُثْمانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأخْنَسِيُّ ثِقَةٌ، وكُنْت أظُنُّ أنَّ عُثْمانَ لَمْ يَسْمَعْ مِن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: هَذا إسْنادٌ جَيِّدٌ. وأمّا حَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ مُجالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَعَنَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ» ومُجالِدٌ وإنْ كانَ غَيْرُهُ أقْوى مِنهُ فَحَدِيثُهُ شاهِدٌ ومُقَوٍّ. وأمّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ فَفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِالتَّيْسِ المُسْتَعارِ؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: هو المُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ» رَواهُ الحاكِمُ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هاعانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، فَذَكَرَهُ، وقَدْ أُعِلَّ هَذا الحَدِيثُ بِثَلاثِ عِلَلٍ؛ إحْداها: أنَّ أبا حاتِمٍ البُسْتِيَّ ضَعَّفَ مِشْرَحَ بْنَ هاعانَ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ ما حَكاهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ العِلَلِ عَنْ البُخارِيِّ فَقالَ: سَألْت أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ البُخارِيَّ عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هاعانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِالتَّيْسِ المُسْتَعارِ، هو المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ، ولَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ» فَقالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ لَمْ يَكُنْ أخْرَجَهُ في أيّامِنا، ما أرى اللَّيْثَ سَمِعَهُ مِن مِشْرَحِ بْنِ هاعانَ؛ لِأنَّ حَيْوَةَ يَرْوِي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِشْرَحٍ.
والعِلَّةُ الثّالِثَةُ: ما ذَكَرَها الجُوزَجانِيُّ في تَرْجَمَتِهِ فَقالَ: كانُوا يُنْكِرُونَ عَلى عُثْمانَ هَذا الحَدِيثَ إنْكارًا شَدِيدًا؛ فَأمّا العِلَّةُ الأُولى فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ المَقْدِسِيُّ: مِشْرَحٌ قَدْ وثَّقَهُ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ في رِوايَةِ عُثْمانَ بْنِ سَعِيدٍ، وابْنِ مَعِينٍ أعْلَمُ بِالرِّجالِ مِن ابْنِ حِبّانَ، قُلْت: وهو صَدُوقٌ عِنْدَ الحُفّاظِ، لَمْ يَتَّهِمْهُ أحَدٌ ألْبَتَّةَ، ولا أطْلَقَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الحَدِيثِ قَطُّ أنَّهُ ضَعِيفٌ، ولا ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبّانَ، وإنَّما يُقالُ: يَرْوِي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ مَناكِيرَ لا يُتابَعُ عَلَيْها؛ فالصَّوابُ تَرْكُ ما انْفَرَدَ بِهِ، وانْفَرَدَ ابْنُ حِبّانَ مِن بَيْنِ أهْلِ الحَدِيثِ بِهَذا القَوْلِ فِيهِ، وأمّا العِلَّةُ الثّانِيَةُ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّهُ سَمِعَهُ مِن اللَّيْثِ، وكَوْنُهُ لَمْ يُخْرِجْهُ وقْتَ اجْتِماعِ البُخارِيِّ بِهِ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا؛ وأمّا قَوْلُهُ: " إنّ حَيْوَةَ يَرْوِي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَيْحٍ المِصْرِيِّ عَنْ مِشْرَحٍ " فَإنَّهُ يُرِيدُ [بِهِ] أنَّ حَيْوَةَ مِن أقْرانِ اللَّيْثِ أوْ أكْبَرَ مِنهُ، وإنَّما رَوى عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِشْرَحٍ، وهَذا تَعْلِيلٌ قَوِيٌّ، ويُؤَكِّدُهُ أنَّ اللَّيْثَ قالَ " قالَ مِشْرَحٌ " ولَمْ يَقُلْ حَدَّثَنا، ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ فَإنَّ اللَّيْثَ كانَ مُعاصِرًا لِمِشْرَحٍ وهو في بَلَدِهِ، وطَلَبُ اللَّيْثُ العِلْمَ وجَمْعُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ أنْ لا يَسْمَعَ مِن مِشْرَحٍ حَدِيثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ وهو مَعَهُ في البَلَدِ. وأمّا التَّعْلِيلُ الثّالِثُ فَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنْكارُ مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ عَلى عُثْمانَ غَيْرُ جَيِّدٍ، وإنَّما هو لِتَوَهُّمِ انْفِرادِهِ بِهِ عَنْ اللَّيْثِ وظَنِّهِمْ أنَّهُ لَعَلَّهُ أخْطَأ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهم عَنْ غَيْرِهِ مِن أصْحابِ اللَّيْثِ، كَما قَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ مَن يَكْتُبُ الحَدِيثَ أنَّ الحَدِيثَ إذا انْفَرَدَ بِهِ عَنْ الرَّجُلِ مَن لَيْسَ بِالمَشْهُورِ مِن أصْحابِهِ كانَ ذَلِكَ شُذُوذًا فِيهِ وعِلَّةً قادِحَةً، وهَذا لا يَتَوَجَّهُ هاهُنا لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ تابَعَهُ عَلَيْهِ أبُو صالِحٍ كاتِبُ اللَّيْثِ عَنْهُ، رَوَيْناهُ مِن حَدِيث أبِي بَكْرٍ القَطِيعِيِّ ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفِرْيابِيُّ حَدَّثَنِي العَبّاسُ المَعْرُوفُ بِأبِي فَرِيقٍ ثنا أبُو صالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهِ، فَذَكَرَهُ، ورَواهُ أيْضًا الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ: ثنا أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ ثنا إبْراهِيمُ بْنُ الهَيْثَمِ أخْبَرَنا أبُو صالِحٍ، فَذَكَرَهُ. الثّانِي: أنَّ عُثْمانَ بْنَ صالِحٍ هَذا المِصْرِيُّ نَفْسُهُ رَوى عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ورَوى عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ وأبُو حاتِمٍ الرّازِيّ، وقالَ: هو شَيْخٌ صالِحٌ سَلِيمُ التَّأْدِيَةِ، قِيلَ لَهُ: كانَ يُلَقِّنُ؟ قالَ: لا، ومَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ كانَ ما يَنْفَرِدُ بِهِ حُجَّةً، وإنَّما الشّاذُّ ما خالَفَ بِهِ الثِّقاتِ، لا ما انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُمْ، فَكَيْفَ إذا تابَعَهُ مِثْلُ أبِي صالِحٍ وهو كاتِبُ اللَّيْثِ وأكْثَرُ النّاس حَدِيثًا عَنْهُ؟ وهو ثِقَةٌ أيْضًا، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ في بَعْضِ حَدِيثِهِ غَلَطٌ، ومِشْرَحُ بْنُ هاعانَ قالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ، وقالَ فِيهِ الإمامُ أحْمَدُ: هو مَعْرُوفٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ وإسْنادُهُ حَسَنٌ، انْتَهى.
قالَ الشّافِعِيُّ: لَيْسَ الشّاذُّ أنْ يَنْفَرِدَ الثِّقَةُ عَنْ النّاسِ بِحَدِيثٍ، إنّما الشّاذُّ أنْ يُخالِفَ ما رَواهُ الثِّقاتُ.
وَأمّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ فَرَواهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنْهُ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ» وفي إسْنادِهِ زَمْعَةُ بْنُ صالِحٍ، وقَدْ ضَعَّفَهُ قَوْمٌ، ووَثَّقَهُ آخَرُونَ، وأخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مَقْرُونًا بِآخَرَ، وعَنْ ابْنِ مَعِينٍ فِيهِ رِوايَتانِ.
وَأمّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَفي صَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ ابْنِ أبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنا أبُو غَسّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ نافِعٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ، فَسَألَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَها أخٌ لَهُ مِن غَيْرِ مُؤامَرَةٍ بَيْنَهُ لِيُحِلَّها لِأخِيهِ: هَلْ تَحِلُّ لِلْأوَّلِ؟ قالَ: لا، إلّا نِكاحَ رَغْبَةٍ، كُنّا نَعُدُّ هَذا سِفاحًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، قالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ولَمْ يُخْرِجاهُ، وقالَ سَعِيدٌ في سُنَنِهِ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ نَشِيطٍ البَصْرِيُّ قالَ: قالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيّ: لُعِنَ المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ، وكانَ يُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ التَّيْسَ المُسْتَعارَ وعَنْ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: هَذا التَّيْسُ المُسْتَعارُ.
(فَصْلٌ)
فَسَلْ هَذا التَّيْسَ: هَلْ دَخَلَ في قَوْله تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] وهَلْ دَخَلَ في قَوْله تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وهَلْ دَخَلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «مَن اسْتَطاعَ مِنكم الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ» وهَلْ دَخَلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكم الأُمَمَ يَوْمِ القِيامَة» وهَلْ دَخَلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «أرْبَعٌ مِن سُنَنِ المُرْسَلِينَ: النِّكاحُ، والتَّعَطُّرُ، والخِتانُ، وذَكَرَ الرّابِعَةَ» وهَلْ دَخَلَ في قَوْلِهِ ﷺ: «النِّكاحُ سُنَّتِي؛ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وهَلْ دَخَلَ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: خَيْرُ هَذِهِ الأمَةِ أكْثَرُها نِساءً؟ وهَلْ لَهُ نَصِيبٌ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: النّاكِحُ يُرِيدُ العَفافَ، والمُكاتَبُ يُرِيدُ الأداءَ» وذَكَرَ الثّالِثَ، أمْ حَقَّ عَلى اللَّهِ لَعْنَتُهُ تَصْدِيقًا لِرَسُولِهِ فِيما أخْبَرَ عَنْهُ؟ وسَلْهُ: هَلْ يَلْعَنُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مَن يَفْعَلُ مُسْتَحَبًّا أوْ جائِزًا أوْ مَكْرُوهًا أوْ صَغِيرَةً، أمْ لَعْنَتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِمَن ارْتَكَبَ كَبِيرَةً أوْ ما هو أعْظَمُ مِنها؟ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِلَعْنَةٍ أوْ غَضَبٍ أوْ عَذابٍ أوْ نارٍ فَهو كَبِيرَةٌ، وسَلْهُ: هَلْ كانَ في الصَّحابَةِ مُحَلِّلٌ واحِدٌ أوْ أقَرَّ رَجُلٌ مِنهم عَلى التَّحْلِيلِ؟ وسَلْهُ لِأيِّ شَيْءٍ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لا أُوتى بِمُحَلَّلٍ ولا مُحَلَّلٍ لَهُ إلّا رَجَمْتُهُما.
وَسَلْهُ: كَيْفَ تَكُونُ المُتْعَةُ حَرامًا نَصًّا مَعَ أنَّ المُسْتَمْتِعَ لَهُ غَرَضٌ في نِكاحِ الزَّوْجَةِ إلى وقْتٍ لَكِنْ لَمّا كانَ غَيْرَ داخِلٍ عَلى النِّكاحِ المُؤَبَّدِ كانَ مُرْتَكِبًا لِلْمُحَرَّمِ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ نِكاحُ المُحَلِّلِ الَّذِي إنّما قَصْدُهُ أنْ يُمْسِكَها ساعَةً مِن زَمانٍ أوْ دُونَها، ولا غَرَضَ لَهُ في النِّكاحِ ألْبَتَّةَ؟ بَلْ قَدْ شَرَطَ انْقِطاعَهُ وزَوالَهُ إذا أخْبَثَها بِالتَّحْلِيلِ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ في عَقْلٍ أوْ شَرْعٍ تَحْلِيلُ هَذا وتَحْرِيمُ المُتْعَةِ؟ هَذا مَعَ أنَّ المُتْعَةَ أُبِيحَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وفَعَلَها الصَّحابَةُ، وأفْتى بِها بَعْضُهم بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، ونِكاحُ المُحَلِّلِ لَمْ يُبَحْ في مِلَّةٍ مِن المِلَلِ قَطُّ ولَمْ يَفْعَلْهُ أحَدٌ مِن الصَّحابَةِ، ولا أفْتى بِهِ واحِدٌ مِنهُمْ؟ ولَيْسَ الغَرَضُ بَيانَ تَحْرِيمِ هَذا العَقْدِ وبُطْلانِهِ وذِكْرِ مَفاسِدِهِ وشَرِّهِ، فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي سِفْرًا ضَخْمًا نَخْتَصِرُ فِيهِ الكَلامَ، وإنَّما المَقْصُودُ أنَّ هَذا شَأْنُ التَّحْلِيلِ عِنْدَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وأصْحابِ رَسُولِهِ، فَألْزَمَهم عُمَرُ بِالطَّلاقِ الثَّلاثِ إذا جَمَعُوها لِيَكُفُّوا عَنْهُ إذا عَلِمُوا أنَّ المَرْأةَ تُحَرَّمُ بِهِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى عَوْدِها بِالتَّحْلِيلِ، فَلَمّا تَغَيَّرَ الزَّمانُ، وبَعُدَ العَهْدِ بِالسَّنَةِ وآثارِ القَوْمِ، وقامَتْ سُوقُ التَّحْلِيلِ ونَفَّقَتْ في النّاسِ؛ فالواجِبُ أنْ يُرَدَّ الأمْرُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وخَلِيفَتِهِ مِن الإفْتاءِ بِما يُعَطِّلُ سُوقَ التَّحْلِيلِ أوْ يُقَلِّلُها ويُخَفِّفُ شَرَّها، وإذا عَرَضَ عَلى مَن وفَّقَهُ اللَّهُ وبَصَّرَهُ بِالهُدى وفَقَّهَهُ في دِينِهِ مَسْألَةُ كَوْنِ الثَّلاثِ واحِدَةً ومَسْألَةُ التَّحْلِيلِ ووازَنَ بَيْنَهُما تَبَيَّنَ لَهُ التَّفاوُتُ، وعُلِمَ أيُّ المَسْألَتَيْنِ أوْلى بِالدِّينِ وأصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ.
فَهَذِهِ حُجَجُ المَسْألَتَيْنِ قَدْ عُرِضَتْ عَلَيْك، وقَدْ أُهْدِيَتْ إنْ قَبِلْتَها إلَيْك، وما أظُنُّ عَمى التَّقْلِيدِ إلّا يَزِيدُ الأمْرَ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ولا يَدَعُ التَّوْفِيقَ يَقُودَك اخْتِيارًا إلَيْهِ، وإنَّما أشَرْنا إلى المَسْألَتَيْنِ إشارَةً تُطْلِعُ العالِمَ عَلى ما وراءَها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْلٌ
فَقَدْ تَبَيَّنَ لَك أمْرُ مَسْألَةٍ مِن المَسائِلِ الَّتِي تَمْنَعُ التَّحْلِيلَ، أفْتى بِها المُفْتِي، وقَدْ قالَ بِها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ؛ فَهي خَيْرٌ مِن التَّحْلِيلِ، حَتّى لَوْ أفْتى المُفْتِي بِحِلِّها بِمُجَرَّدِ العَقْدِ مِن غَيْرِ وطْءٍ، لَكانَ أعْذَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِن أصْحابِ التَّحْلِيلِ، وإنْ اشْتَرَكَ كُلٌّ مِنهُما في مُخالَفَةِ النَّصِّ؛ فَإنَّ النُّصُوصَ المانِعَةَ مِن التَّحْلِيلِ المُصَرِّحَةَ بِلَعْنِ فاعِلِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، والصَّحابَةُ والسَّلَفُ مُجْمِعُونَ عَلَيْها، والنُّصُوصُ المُشْتَرِطَةُ لِلدُّخُولِ لا تَبْلُغُ مَبْلَغَها، وقَدْ اخْتَلَفَ فِيها التّابِعُونَ؛ فَمُخالَفَتُها أسْهَلُ مِن مُخالَفَةِ أحادِيثِ التَّحْلِيلِ، والحَقُّ مُوافَقَةُ جَمِيعِ النُّصُوصِ، وأنْ لا يُتْرَكَ مِنها شَيْءٌ، وتَأمَّلْ كَيْفَ كانَ الأمْرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَهْدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِن كَوْنِ الثَّلاثِ واحِدَةً والتَّحْلِيلُ مَمْنُوعٌ مِنهُ، ثُمَّ صارَ في بَقِيَّةِ خِلافَةِ عُمَرَ الثَّلاثُ ثَلاثٌ والتَّحْلِيلُ مَمْنُوعٌ مِنهُ، وعُمَرُ مِن أشَدِّ الصَّحابَةِ فِيهِ، وكُلُّهم عَلى مِثْلِ قَوْلِهِ فِيهِ، ثُمَّ صارَ في هَذِهِ الأزْمِنَةِ التَّحْلِيلُ كَثِيرًا مَشْهُورًا والثَّلاثُ ثَلاثًا.
وَعَلى هَذا فَيَمْتَنِعُ في هَذِهِ الأزْمِنَة مُعاقَبَةُ النّاسِ بِما عاقَبَهم بِهِ عُمَرُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ حَرامٌ، لا سِيَّما وكَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ لا يَرى تَحْرِيمَهُ، فَكَيْفَ يُعاقَبُ مِن لَمْ يَرْتَكِبْ مُحَرَّمًا عِنْدَ نَفْسِهِ؟ الثّانِي: أنَّ عُقُوبَتَهم بِذَلِكَ تَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بابَ التَّحْلِيلِ الَّذِي كانَ مَسْدُودًا عَلى عَهْدِ الصَّحابَةِ، والعُقُوبَةُ إذا تَضَمَّنَتْ مُفْسِدَةً أكْثَرَ مِن الفِعْلِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ كانَ تَرْكُها أحَبَّ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَوْ فَرَضْنا أنَّ التَّحْلِيلَ مِمّا أباحَتْهُ الشَّرِيعَةُ ومَعاذَ اللَّهِ لَكانَ المَنعُ مِنهُ إذا وصَلَ إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي قَدْ تَفاحَشَ قُبْحُهُ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، وتَعَيَّنَ عَلى المُفْتِينَ والقُضاةِ المَنعُ مِنهُ جُمْلَةً، وإنْ فُرِضَ أنَّ بَعْضَ أفْرادِهِ جائِزٌ؛ إذْ لا يَسْتَرِيبُ أحَدٌ في أنَّ الرُّجُوعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ أوْلى مِن الرُّجُوعِ إلى التَّحْلِيلِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
البقرة 2:230
قالَ في المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ إنْ طَلَّقَها الثّانِيَ فَلا جُناحَ عَلَيْها وعَلى الزَّوْجِ الأوَّلِ أنْ يَتَراجَعا والمُرادُ بِهِ تَجْدِيدُ العَقْدِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالصُّورَةِ الَّتِي يُطْلَقُ فِيها الثّانِي فَقَطْ، بَلْ مَتى تَفارَقا بِمَوْتٍ أوْ خُلْعٍ أوْ فَسْخٍ أوْ طَلاقٍ حَلَّتْ لِلْأوَّلِ، قِياسًا عَلى الطَّلاقِ.
وَمِن ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لا تَأْكُلُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَشْرَبُوا في صِحافِها فَإنَّها لَهم في الدُّنْيا، ولَكم في الآخِرَةِ».
وَقَوْلُهُ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ».
وَهَذا التَّحْرِيمُ لا يَخْتَصُّ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، بَلْ يَعُمُّ سائِرَ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَغْتَسِلَ بِها، ولا يَتَوَضَّأ بِها، ولا يَدَّهِنَ فِيها، ولا يَكْتَحِلَ مِنها، وهَذا أمْرٌ لا يَشُكُّ فِيهِ عالِمٌ.
[فَصْلٌ: حِكْمَةُ تَحْرِيمِ المَرْأةِ بَعْدَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ]
وَأمّا تَحْرِيمُ المَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ بَعْدَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ وإباحَتُها لَهُ بَعْدَ نِكاحِها لِلثّانِي فَلا يَعْرِفُ حِكْمَتَهُ إلّا مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأسْرارِ الشَّرِيعَةِ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن الحِكَمِ والمَصالِحِ الكُلِّيَّةِ؛ فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: لَمّا كانَ إباحَةُ فَرْجِ المَرْأةِ لِلرَّجُلِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ ومَنعِهِ مِنهُ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ كانَ جَدِيرًا بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، ومُراعاتِها، والقِيامِ بِحُقُوقِها، وعَدَمِ تَعْرِيضِها لِلزَّوالِ، وتَنَوَّعَتْ الشَّرائِعُ في ذَلِكَ بِحَسَبِ المَصالِحِ الَّتِي عَلِمَها اللَّهُ في كُلِّ زَمانٍ ولِكُلِّ أُمَّةٍ، فَجاءَتْ شَرِيعَةُ التَّوْراةِ بِإباحَتِها لَهُ بَعْدَ الطَّلاقِ ما لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَإذا تَزَوَّجَتْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ سَبِيلٌ إلَيْها.
وَفِي ذَلِكَ مِن الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الزَّوْجَ إذا عَلِمَ أنَّهُ إذا طَلَّقَ المَرْأةَ وصارَ أمْرُها بِيَدِها، وأنَّ لَها أنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ، وأنَّها إذا نَكَحَتْ غَيْرَهُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أبَدًا، كانَ تَمَسُّكُهُ بِها أشَدَّ، وحِذْرُهُ مِن مُفارِقَتِها أعْظَمَ، وشَرِيعَةُ التَّوْراةِ جاءَتْ بِحَسَبِ الأُمَّةِ المُوسَوِيَّةِ فِيها مِن الشِّدَّةِ والإصْرِ ما يُناسِبُ حالَها، ثُمَّ جاءَتْ شَرِيعَةُ الإنْجِيلِ بِالمَنعِ مِن الطَّلاقِ بَعْدَ التَّزَوُّجِ ألْبَتَّةَ، فَإذا تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها، ثُمَّ جاءَتْ الشَّرِيعَةُ الكامِلَةُ الفاضِلَةُ المُحَمَّدِيَّةُ الَّتِي هي أكْمَلُ شَرِيعَةٍ نَزَلَتْ مِن السَّماءِ عَلى الإطْلاقِ وأجَلُّها وأفْضَلُها وأعْلاها وأقْوَمُها بِمَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ بِأحْسَنِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ وأكْمَلِهِ وأوْفَقِهِ لِلْعَقْلِ والمَصْلَحَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أكْمَلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ دِينَها، وأتَمَّ عَلَيْها نِعْمَتَهُ، وأباحَ لَها مِن الطَّيِّباتِ ما لَمْ يُبِحْهُ لِأُمَّةٍ غَيْرِها، فَأباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يَنْكِحَ مِن أطايِبِ النِّساءِ أرْبَعًا، وأنْ يَتَسَرّى مِن الإماءِ بِما شاءَ، ولَيْسَ التَّسَرِّي في شَرِيعَةٍ أُخْرى غَيْرِها، ثُمَّ أكْمَلَ لِعَبْدِهِ شَرْعَهُ، وأتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، بِأنْ مَلَّكَهُ أنْ يُفارِقَ امْرَأتَهُ ويَأْخُذَ غَيْرَها؛ إذْ لَعَلَّ الأُولى لا تَصْلُحُ لَهُ ولا تُوافِقُهُ، فَلَمْ يَجْعَلْها غُلًّا في عُنُقِهِ، وقَيْدًا في رِجْلِهِ، وإصْرًا عَلى ظَهْرِهِ، وشَرَعَ لَهُ فِراقَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ لَها ولَهُ، بِأنْ يُفارِقَها واحِدَةً ثُمَّ تَتَرَبَّصُ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ.
والغالِبُ أنَّها في ثَلاثَةِ أشْهُرٍ، فَإنْ تاقَتْ نَفْسُهُ إلَيْها، وكانَ لَهُ فِيها رَغْبَةٌ، وصَرَفَ مُقَلِّبُ القُلُوبِ قَلْبَهُ إلى مَحَبَّتِها، وجَدَ السَّبِيلَ إلى رَدِّها مُمْكِنًا، والبابَ مَفْتُوحًا، فَراجَعَ حَبِيبَتَهُ، واسْتَقْبَلَ أمْرَهُ، وعادَ إلى يَدِهِ ما أخْرَجَتْهُ يَدُ الغَضَبِ ونَزَغاتُ الشَّيْطانِ مِنها، ثُمَّ لا يَأْمَنُ غَلَباتِ الطِّباعِ ونَزَغاتِ الشَّيْطانِ مِن المُعاوَدَةِ، فَمُكِّنَ مِن ذَلِكَ أيْضًا مَرَّةً ثانِيَةً، ولَعَلَّها أنْ تَذُوقَ مِن مَرارَةِ الطَّلاقِ وخَرابِ البَيْتِ ما يَمْنَعُها مِن مُعاوَدَةِ ما يُغْضِبُهُ، ويَذُوقُ هو مِن ألَمِ فِراقِها ما يَمْنَعُهُ مِن التَّسَرُّعِ إلى الطَّلاقِ، فَإذا جاءَتْ الثّالِثَةُ جاءَ ما لا مَرَدَّ لَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، وقِيلَ لَهُ: قَدْ انْدَفَعَتْ حاجَتُك بِالمَرَّةِ الأُولى والثّانِيَةِ؛ ولَمْ يَبْقَ لَك عَلَيْها بَعْدَ الثّالِثَةِ سَبِيلٌ، فَإذا عَلِمَ أنَّ الثّالِثَةَ فِراقٌ بَيْنَهُ وبَيْنَها وأنَّها القاضِيَةُ أمْسَكَ عَنْ إيقاعِها، فَإنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّها بَعْدَ الثّالِثَةِ لا تَحِلُّ لَهُ إلّا بَعْدَ تَرَبُّصِ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ وتَزَوُّجٍ بِزَوْجٍ راغِبٍ في نِكاحِها وإمْساكِها، وأنَّ الأوَّلَ لا سَبِيلَ لَهُ إلَيْها حَتّى يَدْخُلَ بِها الثّانِي دُخُولًا كامِلًا يَذُوقُ فِيهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عُسَيْلَةَ صاحِبِهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُما ذَلِكَ مِن تَعْجِيلِ الفِراقِ ثُمَّ يُفارِقُها بِمَوْتٍ أوْ طَلاقٍ أوْ خُلْعٍ ثُمَّ تَعْتَدُّ مِن ذَلِكَ عِدَّةً كامِلَةً تَبَيَّنَ لَهُ حِينَئِذٍ يَأْسُهُ بِهَذا الطَّلاقِ الَّذِي هو مِن أبْغَضِ الحَلالِ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى العَوْدِ بَعْدَ الثّالِثَةِ، لا بِاخْتِيارِهِ ولا بِاخْتِيارِها، وأكَّدَ هَذا المَقْصُودَ بِأنْ لَعَنَ الزَّوْجَ الثّانِيَ إذا لَمْ يَنْكِحْ نِكاحَ رَغْبَةٍ يَقْصِدُ فِيهِ الإمْساكَ، بَلْ نَكَحَ نِكاحَ تَحْلِيلٍ، ولَعَنَ الزَّوْجَ الأوَّلَ إذْ رَدَّها بِهَذا النِّكاحِ، بَلْ يَنْكِحُها الثّانِي كَما نَكَحَها الأوَّلُ، ويُطَلِّقُها كَما طَلَّقَها الأوَّلُ، وحِينَئِذٍ فَتُباحُ لِلْأوَّلِ كَما تُباحُ لِغَيْرِهِ مِن الأزْواجِ.
وَأنْتَ إذا وازَنْت بَيْنَ هَذا وبَيْنَ الشَّرِيعَتَيْنِ المَنسُوخَتَيْنِ، ووازَنْت بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّرِيعَةِ المُبَدِّلَةِ المُبِيحَةِ ما لَعَنَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فاعِلَهُ، تَبَيَّنَ لَك عَظَمَةَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وجَلالَتُها، وهَيْمَنَتُها عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ، وأنَّها جاءَتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأتَمِّها وأحْسَنِها وأنْفَعْها لِلْخَلْقِ، وأنَّ الشَّرِيعَتَيْنِ المَنسُوخَتَيْنِ خَيْرٌ مِن الشَّرِيعَةِ المُبَدِّلَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ شَرَعَهُما في وقْتٍ، ولَمْ يَشْرَعْ المُبَدِّلَةَ أصْلًا.
وَهَذِهِ الدَّقائِقُ ونَحْوُها مِمّا يَخْتَصُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِفَهْمِهِ مَن يَشاءُ؛ فَمَن وصَلَ إلَيْها فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، ومَن لَمْ يَصِلْ إلَيْها فَلْيُسَلِّمْ لِأحْكَمِ الحاكِمِينَ وأعْلَمِ العالِمِينَ.
وَلْيَعْلَمْ أنَّ شَرِيعَتَهُ فَوْقَ عُقُولِ العُقَلاءِ وفْقَ فِطَرِ الألِبّاءِ:
؎وَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ لا تَتَقَدَّمِي ∗∗∗ إلى الشَّمْسِ واسْتَغْشِي ظَلامَ اللَّيالِيا
؎وَسامِحْ ولا تُنْكِرْ عَلَيْها وخَلِّها ∗∗∗ وإنْ أنْكَرَتْ حَقًّا فَقُلْ خَلِّ ذا لِيا
غَيْرُهُ:
؎عابَ التَّفَقُّهَ قَوْمٌ لا عُقُولَ لَهم ∗∗∗ وما عَلَيْهِ إذا عابُوهُ مِن ضَرَرِ
؎ما ضَرَّ شَمْسَ الضُّحى والشَّمْسُ طالِعَةٌ ∗∗∗ أنْ لا يَرى ضَوْءَها مَن لَيْسَ ذا بَصَرِ.
(فائدة)
وَأمّا اسْتِحْلالُ الزِّنا بِاسْمِ النِّكاحِ فَهو الزِّنا بِالمَرْأةِ الَّتِي لا غَرَضَ لَهُ أنْ يُقِيمَ مَعَها ولا أنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَقْضِيَ مِنها وطَرَهُ أوْ يَأْخُذَ جُعْلًا عَلى الفَسادِ بِها ويَتَوَصَّلُ إلى ذَلِكَ بِاسْمِ النِّكاحِ وإظْهارِ صُورَتِهِ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ والمَلائِكَةُ والزَّوْجُ والمَرْأةُ أنَّهُ مُحَلِّلٌ لا ناكِحٌ، وأنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ، وإنَّما هو تَيْسٌ مُسْتَعارٌ لِلضِّرابِ بِمَنزِلَةِ حِمارِ العُشْرِيِّينَ.
فَيا لِلَّهِ العَجَبُ، أيُّ فَرْقٍ في نَفْسِ الأمْرِ بَيْنَ الزِّنا وبَيْنَ هَذا؟ نَعَمْ هَذا زِنًا بِشُهُودٍ مِن البَشَرِ وذَلِكَ زِنًا بِشُهُودٍ مِن الكِرامِ الكاتِبِينَ كَما صَرَّحَ بِهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: لا يَزالانِ زانِيَيْنِ وإنْ مَكَثا عِشْرِينَ سَنَةً إذا عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ إنّما يُرِيدُ أنْ يُحَلِّلَها، والمَقْصُودُ أنَّ هَذا المُحَلِّلَ إذا قِيلَ لَهُ: هَذا زِنًا، قالَ: لَيْسَ بِزِنًا بَلْ نِكاحٌ، كَما أنَّ المُرابِيَ إذا قِيلَ لَهُ: هَذا رِبًا، قالَ: بَلْ هو بَيْعٌ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن اسْتَحَلَّ مُحَرَّمًا بِتَغْيِيرِ اسْمِهِ وصُورَتِهِ كَمَن يَسْتَحِلُّ الحَشِيشَةَ بِاسْمِ لُقَيْمَةِ الرّاحَةِ، ويَسْتَحِلُّ المَعازِفَ كالطُّنْبُورِ والعُودِ والبَرْبَطِ بِاسْمٍ يُسَمِّيها بِهِ، وكَما يُسَمِّي بَعْضُهم المُغَنِّيَ بِالحادِي والمُطْرِبِ والقَوّالِ، وكَما يُسَمِّي الدَّيُّوثَ بِالمُصْلِحِ والمُوَفِّقِ والمُحْسِنِ.
(فصل)
ومن مكايد الشيطان التي بلغ فيها مرادة: مكيدة التحليل، الذي لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فاعله، وشبهه بالتيس المستعار، وعظم بسببه العار والشنار، وعير المسلمين به الكفار، وحصل بسببه من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد واستكريت له التيوس المستعارات، وضاقت به ذرعا النفوس الأبيات، ونفرت منه أشد من نفارها من السفاح وقالت: لو كان هذا نكاحًا صحيحًا لم يلعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من أتى بما شرعه من النكاح، فالنكاح سنته، وفاعل السنة مقرب غير ملعون، والمحلل مع وقوع اللعنة عليه بالتيس المستعار مقرون، فقد سماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتيس المستعار، وسماه السلف بمسمار النار، فلو شاهدت الحرائر المصونات، على حوانيت المحللين متبذلات، تنظر المرأة إلى التيس نظرة الشاة إلى شفرة الجازر، وتقول: يا ليتنى قبل هذا كنت من أهل المقابر، حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت، نهض واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل بالتخفى والكتمان، فلا جهاز ينقل، ولا فراش إلى بيت الزوج يحول، ولا صواحب يهدينها إليه، ولا مصلحات يجلينها عليه، ولا مهر مقبوض ولا مؤخر ولا نفقة ولا كسوة تقدر، ولا وليمة ولا نثار، ولا دف إعلان ولا شعار، والزوج يبذل المهر وهذا التيس يطأ بالأجر، حتى إذا خلا بها وأرخى الحجاب، والمطلق والولي واقفان على الباب، دنا ليطهرها بمائه النجس الحرام، ويطيبها بلعنة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، حتى إذا قضيا عرس التحليل، ولم يحصل بينهما المودة والرحمة التي ذكرها الله تعالى في التنزيل. فإنها لا تحصل باللعن الصريح، ولا يوجبها إلا النكاح الجائر الصحيح. فإن كان قد قبض أجرة ضرابه سلفًا وتعجيلًا، وإلا حبسها حتى تعطيه أجره طويلًا. فهل سمعتم بزوج لا يأخذ بالساق حتى يأخذ أجرته بعد الشرط والاتفاق؟ حتى إذا طهرها وطيبها، وخلصها بزعمه من الحرام وجنبها. قال لها: اعترفي بما جرى بيننا ليقع عليك الطلاق، فيحصل بعد ذلك بينكما الالتئام والاتفاق، فتأتي المصخمة إلى حضرة الشهود فيسألونها: هل كان ذاك؟ فلا يمكنها الجحود، فيأخذون منها أو من المطلق أجرًا، وقد أرهقوهما من أمرهما عسرًا هذا، وكثير من هؤلاء المستأجرين للضراب يحلل الأم وابنتها في عقدين، ويجمع ماءه في أكثر من أربع وفي رحم أختين، وإذا كان هذا من شأنه وصفته، فهو حقيق بما رواه عبد الله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (لَعَنَ رَسولُ اللهِ ﷺ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ".
رواه الحاكم في الصحيح والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال: والعمل عليه عند أهل العلم. منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وهو قول الفقهاء من التابعين.
ورواه الإمام أحمد في "مسنده"، والنسائي في "سننه" بإسناد صحيح، ولفظهما "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الواشِمَةَ والمُؤْتَشِمَةَ، والواصِلَةَ والمَوْصُولَةَ، والمُحَلِّلَ والمُحَلِّلَ لَهُ، وآكِلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ".
وفى "مسند الإمام أحمد"، و"سنن النسائي" أيضًا: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "آكِلُ الرِّبا ومُوكِلُهُ وشاهِدُهُ وكاتِبُهُ، إذا عَلِمُوا بِهِ، والواصِلَةُ والمُسْتَوْصِلَةُ، ولاوِى الصَّدَقةِ والمُعْتَدِى فِيها، والمُرْتَدُّ عَلى عَقِبَيْهِ أعْرابِيا بَعْدَ هِجْرَتِهِ، والمحلل والمُحَلِّلُ لَه: مَلْعُونُونَ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ".
وعن على بن أبى طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "أنه لعن المحلل له"، رواه الإمام أحمد وأهل السنن كلهم غير النسائي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "لعن الله المحلل والمحلل له" رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله كلهم ثقات، وثقهم ابن معين وغيره.
وقال الترمذي في كتاب "العلل": سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المخزومي صدوق ثقة، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة.
وقال أبو عبد الله بن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهران عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له".
وعن ابن عباس أيضًا قال: "سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلم عَنِ المُحَلَّلِ؟ فقال: لا، إلا نِكاحَ رَغْبَةٍ، لا نِكاحَ دِلْسَةٍ ولا اسْتِهْزاءً بِكِتابِ اللهِ، ثمَّ تَذوقُ العُسَيْلَةَ".
رواه أبو إسحاق الجوزجاني في كتاب المترجم قال: أخبرني إبراهيم بن إسماعيل ابن أبي جبيبة عن داود بن حصين عن عكرمة عنه، وهؤلاء كلهم ثقات إلا إبراهيم، فإن كثيرًا من الحفاظ يضعفه والشافعى حسن الرأى فيه، ويحتج بحديثه.
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"ألا أخْبِرُكم بِالتَّيْسِ المُسْتَعارِ؟ قالُوا: بَلى، يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: هو المُحَلِّلُ. لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمَحَلَّلَ لَهُ".
رواه ابن ماجه بإسناد رجاله كلهم موثقون، لم يجرح واحد منهم.
وعن عمرو بن دينار وهو من أعيان التابعين: "أنه سئل عن رجل طلق امرأته، فجاء رجل من أهل القرية، بغير علمه ولا علمها فأخرج شيئًا من ماله فتزوجها ليحلها له، فقال لا، ثم ذكر أن النبي ﷺ سئل عن مثل ذلك فَقالَ: "لا، حَتّى يَنْكِحَ مُرْتَغِبًا لِنَفْسِه، فإذا فَعَلَ ذلِكَ لَمْ تَحِل لَهُ حَتّى يَذُوقُ العُسَيْلَةَ".
ورواه أبو بكر بن أبى شيبة في المصنف بإسناد جيد.
وهذا المرسل قد احتج به من أرسله، فدل على ثبوته عنده، وقد عمل به أصحاب رسول الله ﷺ كما سيأتى، وهو موافق لبقية الأحاديث الموصولة، ومثل هذا حجة باتفاق الأئمة، وهو والذي قبله نص في التحليل المنوى، وكذلك حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رجلًا له: امرأة تزوجتها أحلها لزوجها، لم يأمرني، ولم يعلم؟ قال: لا. إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا لنعد هذا على عهد رسول الله ﷺ سفاحًا" ذكره شيخ الإسلام في إبطال التحليل.
(فصل)
وأما الآثار عن الصحابة.
ففى كتاب "المصنف" لابن أبي شيبة، و"سنن" الأثرم، و"الأوسط" لابن المنذر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما".
ولفظ عبد الرزاق وابن المنذر: "لا أوتى بمحلل ولا محللًا إلا رجمتهما" وهو صحيح عن عمر.
وقال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهري عن عبد الملك بن المغيرة قال: "سئل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن تحليل المرأة لزوجها؟ فقال: ذاك السفاح"، ورواه ابن أبي شيبة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عبد الله بن شريك العامري، قال: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "سئل عن رجل طلق ابنة عم له، ثم رغب فيها وندم، فأراد أن يتزوجها رجل يحللها له، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: كلاهما زان، وإن مكث عشرين سنة، أو نحو ذلك، إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحلها له".
وذكر ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
وروى الجوزجاني بإسناد جيد عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، فقال: لعن الله الحال والمحلل له".
قال شيخ الإسلام: وهذه الآثار عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم مع أنها نصوص فيما إذا قصد التحليل ولم يظهره، ولم يتواطآ عليه فهي مبينة أن هذا هو التحليل، وهو المحلل الملعون على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فإن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعلم بمراده ومقصوده. لاسيما إذا رووا حديثا وفسروه بما يوافق الظاهر. هذا مع أنه لم يعلم أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فرق بين تحليل وتحليل، ولا رخصوا في شيء من أنواعه، مع أن المطلقة ثلاثًا مثل امرأة رفاعة القرظى قد كانت تختلف إليه المدة الطويلة: وإلى خلفائه لتعود إلى زوجها، فيمنعونها من ذلك. ولو كان التحليل جائزًا لدلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك، فإنها لم تكن تعدم من يحللها، لو كان التحليل جائزًا.
قال: والأدلة الدالة على أن هذه الأحاديث النبوية قصد بها التحليل وإن لم يشترط في العقد كثير جدا ليس هذا موضع ذكرها، انتهى.
(فصل)
ومن العجائب معارضة هذه الأحاديث والآثار عن الصحابة بقوله تعالى: ﴿فَإنْ طَلّقَها فَلاَ تَحِلّ لهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي لعن المحلل والمحلل له، وأصحابه أعلم الناس بكتاب الله تعالى: فلم يجعلوه زوجًا وأبطلوا نكاحه، ولعنوه.
وأعجب من هذا قول بعضهم: نحن نحتج بكونه سماه "محللًا" فلولا أنه أثبت الحل لم يكن محللًا.
فيقال: هذه من العظائم، فإن هذا يتضمن أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن من فعل السنة التي جاء بها، وفعل ما هو جائز صحيح في شريعته، وإنما سماه محللًا لأنه أحل ما حرم الله، فاستحق اللعنة، فإن الله سبحانه حرمها على المطلق، حتى تنكح زوجًا غيره، والنكاح اسم في كتاب الله وسنة رسوله للنكاح الذي يتعارفه الناس بينهم نكاحًا، وهو الذي شرع إعلانه، والضرب عليه بالدفوف، والوليمة فيه، وجعل للإيواء والسكن، وجعله الله مودة ورحمة، وجرت العادة فيه بضد ما جرت به في نكاح المحلل، فإن المحلل لم يدخل على نفقة ولا كسوة، ولا سكنى، ولا إعطاء مهر، ولا تحصل نسب ولا صهر، ولا قصد المقام مع الزوجة، وإنما دخل عارية كالتيس المستعار للضراب، ولهذا شبهه به النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم لعنه، فعلم قطعًا لا شك فيه أنه ليس هو الزوج المذكور في القرآن، ولا نكاحه هو النكاح المذكور في القرآن، وقد فطر الله سبحانه قلوب الناس على أن هذا ليس بنكاح، ولا المحلل بزوج، وأن هذا منكر قبيح تعير به المرأة والزوج، والمحلل والولى، فكيف يدخل هذا في النكاح الذي شرعه الله ورسوله، وأحبه، وأخبر أنه سنته، ومن رغب عنه فليس منه؟
وتأمل قوله تعالى: ﴿فَإنْ طَلّقَها فَلا جُناحِ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠].
أى فإن طلقها هذا الثاني، فلا جناح عليها وعلى الأول أن يتراجعا، أي ترجع إليه بعقد جديد، فأتى بحرق "إن" الدالة على أنه يمكنه أن يطلق وأن يقيم، والتحليل الذي يفعله هؤلاء لا يتمكن الزوج فيه من الأمرين، بل يشرطون عليه أنه متى وطئها فهي طالق، ثم لما علموا أنه قد لا يخبر بوطئها ولا يقبل قولها في وقوع الطلاق، انتقلوا إلى أن جعلوًا الشرط إخبار المرأة بأنه دخل بها، فبمجرد إخبارها بذلك تطلق عليه، والله سبحانه أنه شرع النكاح للوصلة الدائمة وللاستمتاع، وهذا النكاح جعله أصحابه سببًا لا نقطاعه، ولوقوع الطلاق فيه، فإنه متى وطئ كان وطؤه سببًا لانقطاع النكاح، وهذا ضد شرع الله.
وأيضا. فإن الله سبحانه جعل نكاح الثاني وطلاقه واسمه كنكاح الأول وطلاقه واسمه. فهذا زوج، وهذا زوج، وهذا نكاح، وهذا نكاح، وكذلك الطلاق، ومعلوم أن نكاح المحلل وطلاقه واسمه لا يشبه نكاح الأول ولا طلاقه، ولا اسمه كاسمه، ذاك زوج راغب، قاصد للنكاح. باذل للمهر، ملتزم للنفقة والسكنى والكسوة وغير ذلك من خصائص النكاح، والمحلل برئ من ذلك كله، غير ملتزم لشيء منه.
وإذا كان الله تعالى ورسوله قد حرّم نكاح المُتْعة مع أن قصد الزوج الاستمتاع بالمرأة، وأن يقيم معها زمانًا، وهو ملتزم لحقوق النكاح، فالمحلل الذي ليس له غرض أن يقيم مع المرأة إلا قدر ما ينزُو عليها كالتيس المستعار لذلك ثم يفارقها أولى بالتحريم.
وسمعت شيخ الإسلام يقول: نكاح المتعة خير من نكاح التحليل من عشرة أوجه:
أحدها: أن نكاح المتعة كان مشروعًا في أول الإسلام، ونكاح التحليل لمُ يشرع في زمن من الأزمان.
الثاني: أن الصحابة تمتعوا على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولم يكن في الصحابة محلل قط.
الثالث: أن نكاح المتعة مختلف فيه بين الصحابة، فأباحه ابن عباس، وإن قيل: إنه رجع عنه، وأباحه عبد الله بن مسعود. ففى "الصحيحين" عنه قال: "كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم، ولَيْسَ لَنا نِساءٌ، فَقُلْنا: ألا نَخْتَصِى؟ فَنَهانا عَنْ ذلِكَ، ثُمَّ رَخّصَ لَنا أنْ نَنْكِحَ المَرْأةَ بِالثّوْبِ إلى أجَلٍ".
ثم قرأ عبد الله: ﴿يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. وفتْوى ابن عباس بها مشهورة.
قال عُروة: "قام عبد الله بن الزبير بمكة فقال: إن ناسًا أعمى الله قلوبهم، كما أعمى أبصارهم، يفتون بالمتعة يُعرِّض بعبد الله بن عباس، فناداه، فقال: إنك لجِلْفُ جافٍ، فلعمرى لقد كانت المتعة تُفعل على عهد إمام المتقين، يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال له ابن الزبير: فجرّبْ نفسك، فو الله لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك".
فهذا قول ابن مسعود وابن عباس في المتعة، وذاك قولهما وروايتهما في نكاح التحليل.
الرابع: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لم يجئ عنه في لعن المستمتع والمستمتع بها حرف واحد، وجاء عنه في لعن المحلل والمحلل له، وعن الصحابة: ما قد تقدم.
الخامس: أن المستمتع له غرض صحيح في المرأة، ولها غرض أن تقيم معه مدة النكاح. فغرضه المقصود بالنكاح مدة، والمحلل لا غرض له سوى أنه مستعار للضراب كالتيس. فنكاحه غير مقصود له، ولا للمرأة، ولا للولى، وإنما هو كما قال الحسن: "مسمار نار في حدود الله" وهذه التسمية مطابقة للمعنى.
قال شيخ الإسلام: يريد الحسن: أن المسمار هو الذي يثبت الشيء المسمور، فكذلك هذا يثبت تلك المرأة لزوجها، وقد حرمها الله عليه.
السادس: أن المستمتع لم يحتل على تحليل ما حرم الله، فليس من المخادعين الذين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، بل هو ناكح ظاهرًا وباطنا، والمحلل ماكر مخادع، متخذ آيات الله هزوًا. ولذلك جاء في وعيده ولعنه ما لم يجئ في وعيد المستمتع مثله، ولا قريب منه.
السابع: أن المستمتع يريد المرأة لنفسه، وهذا هو سر النكاح ومقصوده، فيريد بنكاحه حلها له، ولا يطؤها حرامًا، والمحلل لا يريد حلها لنفسه، وإنما يريد حلها لغيره، ولهذا سمى محللًا، فأين من يريد أن يحُل له وطء امرأة يخاف أن يطأهًا حرامًا إلى من لا يريد ذلك، وإنما يريد بنكاحها أن يحُل وطأها لغيره؟ فهذا ضد شرع الله ودنيه، وضد ما وُضع له النكاح.
الثامن: أن الفِطَر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تنفر من التحليل أشد نفار، وتُعِّير به أعظم تعيير، حتى إن كثيرًا من النساء تعير المرأة به أكثر مما تعيرها بالزنا، ونكاح المتعة لا تنفر منه الفطر والعقول، ولو نفرت منه لم يُبَح في أول الإسلام.
التاسع: أن نكاح المتعة يشبه إجارة الدابة مدة للركوب، وإجارة الدار مدة للانتفاع والسكنى، وإجارة العبد للخدمة مدة، ونحو ذلك، مما للباذل فيه غرض صحيح. ولكن لما دخله التوقيت أخرجه عن مقصود النكاح، الذي شرع بوصف الدوام والاستمرار، وهذا بخلاف نكاح المحلل، فإنه لا يشبه شيئًا من ذلك، ولهذا شبهه الصحابة رضي الله عنهم بالسفاح، وشبهوه باستعارة التيس للضراب.
العاشر: أن الله سبحانه نصب هذه الأسباب، كالبيع والإجارة، والهبة والنكاح، مفْضِيةً إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات، فجعل البيع سببا لملك الرَّقبة، والاجارة سببًا لملك المنفعة أو الانتفاع، والنكاح سببًا لملك البضع وحل الوطء. والمحلل مناقضٌ معاكس لشرع الله تعالى ودينه، فإنه جعل نكاحه سببًا لتمليك المطلق - البضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبضع، وحله له، ولا له غرض في ذلك، ولا دخل عليه. وإنما قصد به أمرًا آخر لم يشرع له ذلك السبب، ولم يجعل طريقًا له.
الحادي عشر: أن المحلل من جنس المنافق، فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهرًا وباطنا، وهو في الباطن غير ملتزم له. وكذلك المحلل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويسمى المهر، ويشهد على رضى المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك، لا يريد أن يكون زوجًا، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا يريد بذل الصداق، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن، وأنه مريد لذلك. والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو، والمطلق: أن الأمر كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة، ولا هي امرأته على الحقيقة.
الثاني عشر: أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية، ولا نكاح أهل الإسلام، فكان أهل الجاهلية يتعاطون في أنكحتهم أمورًا منكرة، ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل، ولا يفعلونه. ففى "صحيح البخاري" عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليَّته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها". و"نكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته، إذا طهرت من طمثها: أرسلى إلى فلان، فاستبضعى منه، فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط مادون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومرَّ ليالى بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منه، ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، ولا تمنع من جاءها، وهن البغايا. كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بعث الله تعالى محمدًا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم.
ومعلوم أن نكاح المحلل ليس من نكاح الناس الذي أشارت إليه عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أقره ولم يهدمه، ولا كان أهل الجاهلية يرضون به، فلم يكن من أنكحتهم، فإن الفطر والأمم تنكره وتعير به.
البقرة 2:234
(فائدة)
ربما يظن بعض الناس أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال فإذا طلع فجر الليلة العاشرة انقضت العدة.
ووقع في التنبيه: "وإن كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليال" ويقوي هذا الوهم حذف التاء من العشر وإنما يحذف مع المؤمن نحو سبع ليال وثمانية أيام.
وجواب هذا أن المعدود إذا ذكر مع عدده فالأمر كما ذكر تحذف التاء مع المؤنث وتثبت مع المذكر وإذا ذكر العدد دون معدوده المذكر جاز فيه الوجهان حذف التاء وذكرها حكاه الفراء وابن السكيت وغيرهما وعلي هذا جاء قوله: "من صام رمضان واتبعه بست من شوال" ولم يقل: "بستة" وقوله تعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلاّ عَشْرًا﴾ فهذه أيام بدليل ما بعدها وعلى هذا فلا تنقضي العدة حتى تغيب شمس اليوم العاشر وما وقع في التنبيه فغلط والله تعالى أعلم. ووقع له هذا في باب العدد وباب الاستبراء.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في وُجُوبِ إحْدادِ المَرْأةِ عَلى زَوْجِها أكْثَرَ مِمّا تَحُدُّ عَلى أبِيها]
وَأمّا قَوْلُهُ: " ومَنعُ المَرْأةِ مِن الإحْدادِ عَلى أُمِّها وأبِيها فَوْقَ ثَلاثٍ، وأوْجَبَهُ عَلى زَوْجِها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا وهو أجْنَبِيٌّ " فَيُقالُ: هَذا مِن تَمامِ مَحاسِنِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وحِكْمَتِها ورِعايَتِها لِمَصالِحِ العِبادِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ؛ فَإنَّ الإحْدادَ عَلى المَيِّتِ مِن تَعْظِيمِ مُصِيبَةِ المَوْتِ الَّتِي كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُبالِغُونَ فِيها أعْظَمَ مُبالَغَةٍ، ويُضِيفُونَ إلى ذَلِكَ شَقَّ الجُيُوبِ، ولَطْمَ الخُدُودِ، وحَلْقَ الشُّعُورِ، والدُّعاءَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وتَمْكُثُ المَرْأةُ سَنَةً في أضْيَقِ بَيْتٍ وأوْحَشْهُ لا تَمَسُّ طِيبًا ولا تَدْهُنُ ولا تَغْتَسِلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو تَسَخُّطٌ عَلى الرَّبِّ تَعالى وأقْدارِهِ، فَأبْطَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِرَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ سُنَّةَ الجاهِلِيَّةِ، وأبْدَلَنا بِها الصَّبْرَ والحَمْدَ والِاسْتِرْجاعَ الَّذِي هو أنْفَعُ لِلْمُصابِ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ مُصِيبَةُ المَوْتِ لا بُدَّ أنْ تُحْدِثُ لِلْمُصابِ مِن الجَزَعِ والألَمِ والحُزْنِ ما تَتَقاضاهُ الطِّباعُ سَمَحَ لَها الحَكِيمُ الخَبِيرُ في اليَسِيرِ مِن ذَلِكَ، وهو ثَلاثَةُ أيّامٍ تَجِدُ بِها نَوْعَ راحَةٍ وتَقْضِي بِها وطَرًا مِن الحُزْنِ، كَما رَخَّصَ لِلْمُهاجِرِ أنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا، وما زادَ عَلى الثَّلاثِ فَمَفْسَدَتُهُ راجِحَةٌ، فَمَنَعَ مِنهُ، بِخِلافِ مَفْسَدَةِ الثَّلاثِ فَإنَّها مَرْجُوحَةٌ مَغْمُورَةٌ بِمَصْلَحَتِها، فَإنَّ فِطامَ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفاتِها بِالكُلِّيَّةِ مِن أشَقِّ الأُمُورِ عَلَيْها، فَأُعْطِيَتْ بَعْضَ الشَّيْءِ لِيَسْهُلَ عَلَيْها تَرْكُ الباقِي، فَإنَّ النَّفْسَ إذا أخَذَتْ بَعْضَ مُرادِها قَنَعَتْ بِهِ، فَإذا سُئِلَتْ تَرْكَ الباقِي كانَتْ إجابَتُها إلَيْهِ أقْرَبَ مِن إجابَتِها لَوْ حُرِّمَتْ بِالكُلِّيَّةِ.
وَمَن تَأمَّلَ أسْرارَ الشَّرِيعَةِ وتَدَبَّرَ حُكْمَها رَأى ذَلِكَ ظاهِرًا عَلى صَفَحاتِ أوامِرِها ونَواهِيها، بادِيًا لِمَن نَظَرُهُ نافِذٌ؛ فَإذا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا عَوَّضَهم عَنْهُ بِما هو خَيْرٌ لَهم مِنهُ وأنْفَعُ، وأباحَ لَهم مِنهُ ما تَدْعُو حاجَتُهم إلَيْهِ لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ، كَما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وأباحَ لَهم مِنهُ العَرايا، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ النَّظَرَ إلى الأجْنَبِيَّةِ، وأباحَ لَهم مِنهُ نَظَرَ الخاطِبِ والمُعامِلِ والطَّبِيبِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أكْلَ المالِ بِالمُغالَباتِ الباطِلَةِ كالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ وغَيْرِهِما، وأباحَ لَهم أكْلَهُ بِالمُغالَباتِ النّافِعَةِ كالمُسابَقَةِ والنِّضالِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ لِباسَ الحَرِيرِ، وأباحَ لَهم مِنهُ اليَسِيرَ الَّذِي تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كَسْبَ المالِ بِرِبا النَّسِيئَةِ، وأباحَ لَهم كَسْبَهُ بِالسَّلَمِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ في الصِّيامِ وطْءَ نِسائِهِمْ وعَوَّضَهم عَنْ ذَلِكَ بِأنْ أباحَهُ لَهم لَيْلًا؛ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ بِالنَّهارِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الزِّنا وعَوَّضَهم بِأخْذِ ثانِيَةٍ وثالِثَةٍ ورابِعَةٍ ومِن الإماءِ ما شاءُوا؛ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ غايَةَ التَّسْهِيلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ وعَوَّضَهم عَنْهُ بِالِاسْتِخارَةِ ودُعائِها ويا بُعْدَ ما بَيْنَهُما، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ نِكاحَ أقارِبِهِمْ وأباحَ لَهم مِنهُ بَناتَ العَمِّ والعَمَّةِ والخالِ والخالَةِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ وطْءَ الحائِضِ وسَمَحَ لَهم في مُباشَرَتِها وأنْ يَصْنَعُوا بِها كُلَّ شَيْءٍ إلّا الوَطْءَ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ غايَةَ السُّهُولَةِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الكَذِبَ وأباحَ لَهم المَعارِيضَ الَّتِي لا يُحْتاجُ مِن عُرْفِها إلى الكَذِبِ مَعَها ألْبَتَّةَ، وأشارَ إلى هَذا ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنّ في المَعارِيضِ مَندُوحَةً عَنْ الكَذِبِ» وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الخُيَلاءَ بِالقَوْلِ والفِعْلِ وأباحَها لَهم في الحَرْبِ لِما فِيها مِن المَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ المُوافِقَةِ لِمَقْصُودِ الجِهادِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِن الطَّيْرِ وعَوَّضَهم عَنْ ذَلِكَ بِسائِرِ أنْواعِ الوُحُوشِ والطَّيْرِ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها وأنْواعِها، وبِالجُمْلَةِ فَما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ خَبِيثًا ولا ضارًّا إلّا أباحَ لَهم طَيِّبًا بِإزائِهِ أنْفَعَ لَهم مِنهُ، ولا أمَرَهم بِأمْرٍ إلّا وأعانَهم عَلَيْهِ فَوَسِعَتْهم رَحْمَتُهُ ووَسِعَهم تَكْلِيفُهُ.
والمَقْصُودُ أنَّهُ أباحَ لِلنِّساءِ - لِضَعْفِ عُقُولِهِنَّ وقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ - الإحْدادَ عَلى مَوْتاهُنَّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأمّا الإحْدادُ عَلى الزَّوْجِ فَإنَّهُ تابِعٌ لِلْعِدَّةِ وهو مِن مُقْتَضَياتِها ومُكَمِّلاتِها، فَإنَّ المَرْأةَ إنّما تَحْتاجُ إلى التَّزَيُّنِ والتَّجَمُّلِ والتَّعَطُّرِ، لِتَتَحَبَّبَ إلى زَوْجِها، وتَرِدُ لَها نَفْسُهُ، ويَحْسُنُ ما بَيْنَهُما مِن العِشْرَةِ، فَإذا ماتَ الزَّوْجُ واعْتَدَّتْ مِنهُ وهي لَمْ تَصِلْ إلى زَوْجٍ آخَرَ، فاقْتَضى تَمامَ حَقِّ الأوَّلِ وتَأْكِيدَ المَنعِ مِن الثّانِي قَبْلَ بُلُوغِ الكِتابِ أجَلَهُ أنْ تُمْنَعَ مِمّا تَصْنَعُهُ النِّساءُ لِأزْواجِهِنَّ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن سَدِّ الذَّرِيعَةِ إلى طَمَعِها في الرِّجالِ وطَمَعِهِمْ فِيها بِالزِّينَةِ والخِضابِ والتَّطَيُّبِ، فَإذا بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ صارَتْ مُحْتاجَةً إلى ما يَرْغَبُ في نِكاحِها، فَأُبِيحَ لَها مِن ذَلِكَ ما يُباحُ لِذاتِ الزَّوْجِ، فَلا شَيْءَ أبْلَغَ في الحُسْنِ مِن هَذا المَنعِ والإباحَةِ، ولَوْ اقْتَرَحَتْ عُقُولُ العالَمِينَ لَمْ تَقْتَرِحْ شَيْئًا أحْسَنَ مِنهُ.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ عِدَّةِ المَوْتِ والطَّلاقِ]
وَأمّا تَفْرِيقُهُ في العِدَّةِ بَيْنَ المَوْتِ والطَّلاقِ، وعِدَّةِ الحُرَّةِ وعِدَّةِ الأمَةِ، وبَيْنَ الِاسْتِبْراءِ والعِدَّةِ، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ العِلْمُ بِبَراءَةِ الرَّحِمِ في ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذا إنّما يَتَبَيَّنُ وجْهُهُ إذا عُرِفَتْ الحِكْمَةُ الَّتِي لِأجْلِها شُرِعَتْ العِدَّةُ وعُرِفَ أجْناسُ العِدَدِ وأنْواعُها.
فَأمّا المَقامُ الأوَّلُ فَفي شَرْعِ العِدَّةِ عِدَّةُ حِكَمٍ: مِنها العِلْمُ بِبَراءَةِ الرَّحِمِ، وأنْ لا يَجْتَمِعَ ماءُ الواطِئَيْنِ فَأكْثَرُ في رَحِمٍ واحِدٍ، فَتَخْتَلِطُ الأنْسابُ وتَفْسُدُ وفي ذَلِكَ مِن الفَسادِ ما تَمْنَعُهُ الشَّرِيعَةُ والحِكْمَةُ.
وَمِنها تَعْظِيمُ خَطَرِ هَذا العَقْدِ، ورَفْعُ قَدْرِهِ، وإظْهارُ شَرَفِهِ.
وَمِنها تَطْوِيلُ زَمانِ الرَّجْعَةِ لِلْمُطْلَقِ؛ إذْ لَعَلَّهُ أنْ يَنْدَمَ ويَفِيءَ فَيُصادِفُ زَمَنًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِن الرَّجْعَةِ.
وَمِنها قَضاءُ حَقِّ الزَّوْجِ، وإظْهارُ تَأْثِيرِ فَقْدِهِ في المَنعِ مِن التَّزَيُّنِ والتَّجَمُّلِ، ولِذَلِكَ شَرَعَ الإحْدادَ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن الإحْدادِ عَلى الوالِدِ والوَلَدِ.
وَمِنها الِاحْتِياطُ لِحَقِّ الزَّوْجِ، ومَصْلَحَةِ الزَّوْجَةِ، وحَقِّ الوَلَدِ، والقِيامِ بِحَقِّ اللَّهِ الَّذِي أوْجَبَهُ؛ فَفي العِدَّةِ أرْبَعَةُ حُقُوقٍ، وقَدْ أقامَ الشّارِعُ المَوْتَ مَقامَ الدُّخُولِ في اسْتِيفاءِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ النِّكاحَ مُدَّتُهُ العُمْرُ، ولِهَذا أُقِيمُ مَقامَ الدُّخُولِ في تَكْمِيلِ الصَّداقِ، وفي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن الصَّحابَةِ ومِن بَعْدِهِمْ كَما هو مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وأحْمَدَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ؛ فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِن العِدَّةِ مُجَرَّدُ بَراءَةِ الرَّحِمِ، بَلْ ذَلِكَ مِن بَعْضِ مَقاصِدِها وحِكَمِها.
المَقامُ الثّانِي في أجْناسِها، وهي أرْبَعَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، وخامِسٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: الجِنْسُ الأوَّلُ: أُمُّ بابِ العِدَّةِ، ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
الثّانِي: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]
الثّالِثُ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
الرّابِعُ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]
الخامِسُ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:
«لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، ولا حائِلٌ حَتّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ»
وَمُقَدَّمُ هَذِهِ الأجْناسِ كُلِّها الحاكِمُ عَلَيْها كُلِّها وضْعُ الحَمْلِ، فَإذا وُجِدَ فالحُكْمُ لَهُ، ولا التِفاتَ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ كانَ بَيْنَ السَّلَفِ نِزاعٌ في المُتَوَفّى عَنْها أنَّها تَتَرَبَّصُ أبْعَدَ الأجَلَيْنِ، ثَمَّ حَصَلَ الِاتِّفاقُ عَلى انْقِضائِها بِوَضْعِ الحَمْلِ؛ وأمّا عِدَّةُ الوَفاةِ فَتَجِبُ بِالمَوْتِ، سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ واتِّفاقُ النّاسِ؛ فَإنَّ المَوْتَ لَمّا كانَ انْتِهاءَ العَقْدِ وانْقِضاءَهُ اسْتَقَرَّتْ بِهِ الأحْكامُ: مِن التَّوارُثِ، واسْتِحْقاقِ المَهْرِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِالعِدَّةِ ها هُنا مُجَرَّدَ اسْتِبْراءِ الرَّحِمِ كَما ظَنَّهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ؛ لِوُجُوبِها قَبْلَ الدُّخُولِ، ولِحُصُولِ الِاسْتِبْراءِ بِحَيْضَةٍ واحِدَةٍ، ولِاسْتِواءِ الصَّغِيرَةِ والآيِسَةِ وذَواتِ القُرُوءِ في مُدَّتِها، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ قالَتْ طائِفَةٌ: هي تَعَبُّدٌ مَحْضٌ لا يُعْقَلُ مَعْناهُ، وهَذا باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
مِنها: أنَّهُ لَيْسَ في الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ واحِدٌ إلّا ولَهُ مَعْنًى وحِكْمَةٌ يَعْقِلُهُ مَن عَقَلَهُ ويَخْفى عَلى مَن خَفِيَ عَلَيْهِ.
وَمِنها: أنَّ العِدَدَ لَيْسَتْ مِن بابِ العِباداتِ المَحْضَةِ؛ فَإنَّها تَجِبُ في حَقِّ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ والعاقِلَةِ والمَجْنُونَةِ والمُسْلِمَةِ والذِّمِّيَّةِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ.
وَمِنها: أنَّ رِعايَةَ حَقِّ الزَّوْجَيْنِ والوَلَدِ والزَّوْجِ الثّانِي ظاهِرٌ فِيها؛ فالصَّوابُ أنْ يُقالَ: هي حَرِيمٌ لِانْقِضاءِ النِّكاحِ لَمّا كَمُلَ، ولِهَذا تَجِدُ فِيها رِعايَةً لِحَقِّ الزَّوْجِ وحُرْمَةً لَهُ، ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مِن احْتِرامِهِ ورِعايَةِ حُقُوقِهِ تَحْرِيمُ نِسائِهِ بَعْدَهُ، ولَمّا كانَتْ نِساؤُهُ في الدُّنْيا هُنَّ نِساؤُهُ في الآخِرَةِ قَطْعًا، لَمْ يَحِلَّ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ بَعْدَهُ، بِخِلافِ غَيْرِهِ؛ فَإنَّ هَذا لَيْسَ مَعْلُومًا في حَقِّهِ، فَلَوْ حُرِّمَتْ المَرْأةُ عَلى غَيْرِهِ لَتَضَرَّرَتْ ضَرَرًا مُحَقَّقًا بِغَيْرِ نَفْعٍ مَعْلُومٍ، ولَكِنْ لَوْ تَأيَّمَتْ عَلى أوْلادِها كانَتْ مَحْمُودَةً عَلى ذَلِكَ.
وَقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُبالِغُونَ في احْتِرامِ حَقِّ الزَّوْجِ وتَعْظِيمِ حَرِيمِ هَذا العَقْدِ غايَةَ المُبالَغَةِ مِن تَرَبُّصِ سَنَةٍ في شَرِّ ثِيابِها وحَفْشِ بَيْتِها، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي جَعَلَها رَحْمَةً وحِكْمَةً ومَصْلَحَةً ونِعْمَةً، بَلْ هي مِن أجْلِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ عَلى الإطْلاقِ، فَلَهُ الحَمْدُ كَما هو أهْلُهُ.
وَكانَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ إذْ لا بُدَّ مِن مُدَّةٍ مَضْرُوبَةٍ لَها، وأوْلى المُدَدِ بِذَلِكَ المُدَّةُ الَّتِي يُعْلَمُ فِيها بِوُجُودِ الوَلَدِ وعَدَمِهِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أرْبَعِينَ عَلَقَةً، ثُمَّ أرْبَعِينَ مُضْغَةً فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ في الطَّوْرِ الرّابِعِ، فَقُدِّرَ بِعَشَرَةِ أيّامٍ لِتَظْهَرَ حَياتُهُ بِالحَرَكَةِ إنْ كانَ ثَمَّ حَمْلٌ.
البقرة 2:235
لما ذكر سبحانه التعريض بخطبة المرأة الدال على أن المعرّض في قلبه رغبة فيها ومحبة لها، وأن ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها، رفع الجناح عن التعريض، وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة، ونفي مواعدتهن سرا.
فقيل: هو النكاح. والمعنى: لا تصرحوا لهن بالتزويج، إلا أن تعرّضوا تعريضا. وهو القول المعروف.
وقيل: هو أن يتزوجها في عدتها سرا. فإذا انقضت العدة أظهر العقد. ويدل هذا على قوله: ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ وهو انقضاء العدة. ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، وتحريم التصريح بالنهي عن المواعدة سرا، وتحريم عقد النكاح قبل انقضاء العدة. فلو كان معنى مواعدة السر: هو إسرار العقد. كان تكرارا.
ثم عقب ذلك بقوله: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ أن تتعدوا ما حدّ لكم. فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون.
ثم قال: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ولولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت، فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء فما نهاكم عنه فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار. فإنه هو الغفور الحليم.
(فَصْلٌ: مَنزِلَةُ المُراقَبَةِ)
وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ المُراقَبَةُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤]، وقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]، وقالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّهُ «سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإحْسانِ؟ فَقالَ لَهُ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ».
المُراقَبَةُ تَعْرِيفُها: دَوامُ عِلْمِ العَبْدِ، وتَيَقُّنِهِ بِاطِّلاعِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. فاسْتَدامَتُهُ لِهَذا العِلْمِ واليَقِينِ هي المُراقَبَةُ وهي ثَمَرَةُ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِ، ناظِرٌ إلَيْهِ، سامِعٌ لِقَوْلِهِ. وهو مُطَّلِعٌ عَلى عَمَلِهِ كُلَّ وقْتٍ وكُلَّ لَحْظَةٍ، وكُلَّ نَفَسٍ وكُلَّ طَرْفَةِ عَيْنٍ. والغافِلُ عَنْ هَذا بِمَعْزِلٍ عَنْ حالِ أهْلِ البِداياتِ. فَكَيْفَ بِحالِ المُرِيدِينَ؟ فَكَيْفَ بِحالِ العارِفِينَ؟
قالَ الجَرِيرِيُّ: مَن لَمْ يُحَكِّمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى التَّقْوى والمُراقَبَةَ: لَمْ يَصِلْ إلى الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ
وَقِيلَ: مَن راقَبَ اللَّهَ في خَواطِرِهِ، عَصَمَهُ في حَرَكاتِ جَوارِحِهِ.
وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: مَتى يَهُشُّ الرّاعِي غَنَمَهُ بِعَصاهُ عَنْ مَراتِعَ الهَلَكَةِ؟ فَقالَ: إذا عَلِمَ أنَّ عَلَيْهِ رَقِيبًا.
وَقالَ الجُنَيْدُ: مَن تَحَقَّقَ في المُراقَبَةِ خافَ عَلى فَواتِ لَحْظَةٍ مِن رَبِّهِ لا غَيْرَ.
وَقالَ ذُو النُّونِ: عَلامَةُ المُراقَبَةِ إيثارُ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وتَعْظِيمُ ما عَظَّمَ اللَّهُ، وتَصْغِيرُ ما
صَغَّرَ اللَّهُ.
وَقِيلَ: الرَّجاءُ يُحَرِّكُ إلى الطّاعَةِ، والخَوْفُ يُبْعِدُ عَنِ المَعاصِي، والمُراقَبَةُ تُؤَدِّيكَ إلى طَرِيقِ الحَقائِقِ.
وَقِيلَ: المُراقَبَةُ مُراعاةُ القَلْبِ لِمُلاحَظَةِ الحَقِّ مَعَ كُلِّ خَطْرَةٍ وخُطْوَةٍ.
وَقالَ الجَرِيرِيُّ: أمْرُنا هَذا مَبْنِيٌّ عَلى فَصْلَيْنِ: أنْ تُلْزِمَ نَفْسَكَ المُراقَبَةَ لِلَّهِ، وأنْ يَكُونَ العِلْمُ عَلى ظاهِرِكَ قائِمًا.
وَقالَ إبْراهِيمُ الخَوّاصُ: المُراقَبَةُ خُلُوصُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَقِيلَ: أفْضَلُ ما يُلْزِمُ الإنْسانُ نَفْسَهُ في هَذِهِ الطَّرِيقِ: المُحاسَبَةُ والمُراقَبَةُ، وسِياسَةُ عَمَلِهِ بِالعِلْمِ.
وَقالَ أبُو حَفْصٍ لِ أبِي عُثْمانَ النَّيْسابُورِيِّ: إذا جَلَسْتَ لِلنّاسِ فَكُنْ واعِظًا لِقَلْبِكَ ونَفْسِكَ. ولا يَغُرَّنَّكَ اجْتِماعُهم عَلَيْكَ. فَإنَّهم يُراقِبُونَ ظاهِرَكَ. واللَّهُ يُراقِبُ باطِنَكَ.
وَأرْبابُ الطَّرِيقِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ مُراقَبَةَ اللَّهِ تَعالى في الخَواطِرِ: سَبَبٌ لِحِفْظِها في حَرَكاتِ الظَّواهِرِ. فَمَن راقَبَ اللَّهَ في سِرِّهِ، حَفِظَهُ اللَّهُ في حَرَكاتِهِ في سِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ.
والمُراقَبَةُ هي التَّعَبُّدُ بِاسْمِهِ الرَّقِيبِ، الحَفِيظِ، العَلِيمِ، السَّمِيعِ، البَصِيرِ، فَمَن عَقَلَ هَذِهِ الأسْماءَ، وتَعَبَّدَ بِمُقْتَضاها: حَصَلَتْ لَهُ المُراقَبَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:237
﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ هو الزوج، وقد قال قوم هو الولي فإذا عفا الرجل أعطاها المهر كاملا ﴿أنْ يَعْفُونَ﴾
قال الإمام أحمد: "تكون المرأة تترك للزوج ما عليه فتكون قد عفت".
قلت: ونص أحمد في رواية أخرى أنه الأب وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد ذكرت على رجحانه بضعة عشر دليلا في موضع آخر.
البقرة 2:238
الناس في الصلاة على مراتب خمسة:
أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.
الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها، لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار.
الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد.
الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئًا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها واتمامها، قد استغرق قلب شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها.
الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ناظرًا بقبله إليه مراقبًا له ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطوات وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به.
فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه لأن له نصيبًا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة، فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا قرت عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة، وقرت عينه أيضًا به في
الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله عز وجل: (ارفعوا الحجب، فإذا التفت قال أرخوها)، وقد فسر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله عز وجل إلى غيره، فإذا التفت إلى غيره، أرخى الحجاب بينه وبين العبد فدخل الشيطان وعرض عليه أمور الدنيا وأراه إياها في صورة المرآة، وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله تعالى وبين ذلك القلب، وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب، فإن فر إلى الله تعالى وأحضر قلبه فر الشيطان، فإن التفت حضر الشيطان، فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة.
فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصلوات؟
قيل: الحديث لم ينف الحبوط بغير العصر إلا بمفهوم لقب وهو مفهوم ضعيف جدا وتخصيص العصر بالذكر لشرفها من بين الصلوات ولهذا كانت هي الصلاة الوسطى بنص رسول الله ﷺ الصحيح الصريح.
ولهذا خصها بالذكر في الحديث الآخر وهو قوله: " الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".
أي فكأنما سلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال، وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها، كأنه شبه أعماله الصالحة بانتفاعه وتمتعه بها بمنزلة أهله وماله فإذا ترك صلاة العصر فهو كمن له أهل ومال فخرج من بيته لحاجة وفيه أهله وماله فرجع وقد احتيج الأهل والمال فبقي وترا دونهم وموتورا بفقدهم عليه أعماله الصالحة لم يكن التمثيل مطابقا.
البقرة 2:245
وقوله: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
صدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب، وهو الاستفهام المتضمن معنى الطلب، وهو أبلغ في الطلب من صيغة الأمر.
والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض الحسن، فيجازي عليه أضعافا مضاعفة؟
وسمي ذلك الإنفاق قرضا حسنا حثّا للنفوس، وبعثا لها على البذل. لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوّعت له نفسه، وسهل عليه إخراجه. فإن علم أن المستقرض ملئ وفيّ محسن، كان أبلغ في طيب فعله وسماحة نفسه.
فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه، وينميه له ويثمّره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح.
فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرا آخر من غير جنس القرض، فإن ذلك الأجر حظ عظيم، وعطاء كريم، فإنه لا يختلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشح، أو عدم الثقة بالضمان.
وذلك من ضعف إيمانه. ولهذا كانت الصدقة برهانا لصاحبها.
وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التي تضمنتها الآية، فإنه سماه قرضا وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة، ولكن قرض إحسان إلى المقرض واستدعاء لمعاملته، وليعرف مقدار الربح، فهو الذي أعطاه ماله واستدعى منه معاملته به.
ثم أخبر عما يرجع إليه بالقرض، وهو الأضعاف المضاعفة.
ثم أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة، وهو الأجر الكريم.
وحيث جاء هذا القرض في القرآن قيده بكونه حسنا. وذلك يجمع أمورا ثلاثة.
أحدها: أن يكون من طيب ماله، لا من رديئه وخبيثة.
والثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه، ثابتة عند بذله، ابتغاء مرضاة الله.
الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذى.
فالأول يتعلق بالمال. والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين الله. والثالث بينه وبين الآخذ.
البقرة 2:250
فالصبر وثبات الأقدام فعلان اختياريان، ولكن التصبير والتثبيت فعل الرب تعالى وهو المسؤول، والصبر والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة.
(فائدة)
﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ففي الآية أربعة أدلة:
أحدها: قولهم: ﴿أفرغ علينا صبرا﴾ والصبر فعلهم الاختياري فسألوه ممن هو بيده ومشيئته وإذنه إن شاء أعطاهموه وإن شاء منعهموه.
والثاني: قولهم: ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ وثبات الأقدام فعل اختياري ولكن التثبيت فعله والثبات فعلهم ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله.
الثالث: قولهم: ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فسألوه النصر وذلك بأن يقوي عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم ويلقي في قلوب أعداهم الخور والخوف والرعب فيحصل النصر وأيضا فإن كون الإنسان منصورا على غيره إما أن يكون بأفعال الجوارح وهو واقع بقدرة العبد واختياره وأما أن يكون بالحجة والبيان والعلم وذلك أيضا فعل العبد وقد أخبر سبحانه أن النصر بجملته من عنده وأثنى على من طلبه منه وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الرب.
الرابع: قوله: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وإذنه هاهنا هو الإذن الكوني القدري أي بمشيئته وقضائه وقدره وليس هو الإذن الشرعي الذي بمعنى الأمر فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني فإن المأمور المكون لا يتخلف عنه ألبتة.
البقرة 2:253
(فصل في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم)
أعلاهم منزلة سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابن مَرْيَمَ البَيِّنات﴾
قال مجاهد وغيره: منهم من كلم الله وموسى ورفع بعضهم درجات هو محمد وفي حديث الإسراء المتفق على صحته أنه لما جاوز موسى قال رب لم أظن أن ترفع على أحد ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى وفي صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا إلى الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة"
وفي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شيبة عن النبي ﷺ: "أن موسى سأل ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة فقال رجل يجئ بعد ما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أتوصي أن يكون ذلك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر.
وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد أنبأنا شبابة عن إسرائيل عن ثوير قال سمعت بن عمر يقول قال رسول الله أن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرد مسيرة ألف عام وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾
قال وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن ابن عمر غير مرفوع قال ورواه عبد الملك بن أبحر عن ثوير عن ابن عمر مرقوفا ورواه عبد الله الأشجعي بن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر ونحوه ولم يرفعه
قلت ورواه الطبراني في معجمه من حديث أبي معاوية عن عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر مرفوعا: "أن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفى سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه" الحديث
ورواه أبو نعيم عن إسرائيل عن ثوير قال سمعت ابن عمر يقول قال إسرائيل لا أعلم ثويرا إلا رفعه إلى النبي ﷺ.
البقرة 2:255
ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات وذكر معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة والعجز وغيرها ثم ذكر كمال ملكه ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ثم ذكر سعة علمه وإحاطته ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه ثم ذكر سعة كرسيه منبها به على سعته سبحانه وعظمته وعلوه وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه وعظمته ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه وقال في سورة طه ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وقد اختلف في تفسير الضمير في به فقيل هو الله سبحانه أي ولا يحيطون بالله علما وقيل هو ما بين أيديهم وما خلفهم فعلى الأول يرجع إلى العالم وعلى الثاني يرجع إلى المعلوم وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس لأنهم إذا لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم فأن لا يحيطوا علما به سبحانه أولى وكذلك الضمير في قوله ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يجوز أن يرجع إلى الله ويجوز أن يرجع إلى ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ أي ولا يحيطون بشيء من علم ذلك إلا بما شاء فعلى الأول يكون المصدر مضافا إلى الفاعل وعلى الثاني يكون مضافا إلى المفعول والمقصود أنه لو كان ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ إنما يراد به اتصافه بالعلم والقدرة والملك وتوابع ذلك كان تكريرا بل دون التكرير فإن ذكر ذلك مفصلا أبلغ من الدلالة عليه بما لا يفهم إلا بكلفة وكذلك إذا قيل إن علوه وعظمته مجرد كونه أعظم من مخلوقاته وأفضل منها فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين وهذا لا يليق ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد لمن سوى بينه وبين غيره في العبادة والتأله كقوله ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].
وقول يوسف الصديق ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وقوله تعالى عن السحرة إنهم قالوا لفرعون ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٣].
فهذا السياق يقال في مثله إن الله خير مما سواه من الآلهة الباطلة، وأما بعد أن يذكر أنه مالك الكائنات ويقال مع ذلك هو أفضل من مخلوقاته وأعظم من مصنوعاته فهذا ينزه عنه كلام الله وإنما يليق هذا بهؤلاء الذين يجعلون له مثل السوء في كلامه ويجعلون ظاهره كفرا تارة وضلالة تارة وتشبيها وتجسيما تارة ومخالفا لصريح العقل تارة ويحرفونه بالتحريفات الباطلة ويقولون فيه ما لا يرضى أحدهم أن يقال مثله في كلامه فيجعلون لكلامه مثل السوء كما جعلوا له سبحانه مثل السوء بإنكارهم صفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى، ولو تأول أحد كلامهم أو كلام من يعظمونه على ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله لقامت قيامة أحدهم وإذا حقق الأمر عليهم تبين أن ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله من التأويلات الفاسدة لا يليق حمل كلام آحاد فضلاء بني آدم عليها.
سقطت حرمة الإيمان والقرآن والرسول من قلوبهم ولهذا يصرحون بأن القرآن والسنة لا تفيدان علما ولا يقينا في هذا الباب ويقولون إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن وإنها في منطق اليونان يوضحه
الوجه التاسع والثمانون بعد المائة: أن العظيم يوصف به الأعيان والكلام والصفات والمعاني أما الأعيان فكقوله تعالى ﴿وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٦] وقوله ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] وأما المعاني فكقوله تعالى ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقوله ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فيوصف بالذوات وصفاتها وأفعالها وكل موصوف فصفته بحسبه فعظم الذات شيء وعظم صفاتها شيء، وعظم القول شيء وعظم الفعل شيء والرب تعالى له العظمة بكل اعتبار وكل وجه بذاته والمعطلة تنكر عظمة ذاته ولا يثبتون إلا عظمة معنوية لا يثبتون عظمة الذات كما يقولون مثل ذلك في العلو أنه علو
(فصل)
وَفِي تَأْثِيرِ قَوْلِهِ: «يا حَيُّ يا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ» في دَفْعِ هَذا الدّاءِ مُناسَبَةٌ بَدِيعَةٌ فَإنَّ صِفَةَ الحَياةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، مُسْتَلْزِمَةٌ لَها، وصِفَةُ القَيُّومِيَّةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأفْعالِ، ولِهَذا كانَ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى: هو اسْمُ الحَيِّ القَيُّومِ، والحَياةُ التّامَّةُ تُضادُّ جَمِيعَ الأسْقامِ والآلامِ، ولِهَذا لَمّا كَمُلَتْ حَياةُ أهْلِ الجَنَّةِ لَمْ يَلْحَقْهم هَمٌّ ولا غَمٌّ، ولا حَزَنٌ ولا شَيْءٌ مِنَ الآفاتِ. ونُقْصانُ الحَياةِ تَضُرُّ بِالأفْعالِ، وتُنافِي القَيُّومِيَّةَ، فَكَمالُ القَيُّومِيَّةِ لِكَمالِ الحَياةِ، فالحَيُّ المُطْلَقُ التّامُّ الحَياةِ لا تَفُوتُهُ صِفَةُ الكَمالِ ألْبَتَّةَ، والقَيُّومُ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلٌ مُمْكِنٌ ألْبَتَّةَ، فالتَّوَسُّلُ بِصِفَةِ الحَياةِ القَيُّومِيَّةِ لَهُ تَأْثِيرٌ في إزالَةِ ما يُضادُّ الحَياةَ، ويَضُرُّ بِالأفْعالِ.
وَنَظِيرُ هَذا تَوَسُّلُ النَّبِيِّ ﷺ إلى رَبِّهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ لِجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ أنْ يَهْدِيَهُ لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَإنَّ حَياةَ القَلْبِ بِالهِدايَةِ، وقَدْ وكَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الأمْلاكَ الثَّلاثَةَ بِالحَياةِ.
فَجِبْرِيلُ: مُوَكَّلٌ بِالوَحْيِ الَّذِي هو حَياةُ القُلُوبِ.
وَمِيكائِيلُ: بِالقَطْرِ الَّذِي هو حَياةُ الأبْدانِ والحَيَوانِ.
وَإسْرافِيلُ: بِالنَّفْخِ في الصُّورِ، الَّذِي هو سَبَبُ حَياةِ العالَمِ، وعَوْدِ الأرْواحِ إلى أجْسادِها.
فالتَّوَسُّلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّةِ هَذِهِ الأرْواحِ العَظِيمَةِ المُوَكَّلَةِ بِالحَياةِ لَهُ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ المَطْلُوبِ.
والمَقْصُودُ أنَّ لِاسْمِ الحَيِّ القَيُّومِ تَأْثِيرًا خاصًّا في إجابَةِ الدَّعَواتِ، وكَشْفِ الكُرُباتِ، وفي " السُّنَنِ " و" صَحِيحِ أبي حاتم " مَرْفُوعًا: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتِحَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿الم - اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾»
قالَ الترمذي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَفِي "السُّنَنِ" و"صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " أيْضًا: مِن حَدِيثِ أنس «أنَّ رَجُلًا دَعا،
فَقالَ: اللُّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ المَنّانُ، بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ، يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَقَدْ دَعا اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى».
وَلِهَذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا اجْتَهَدَ في الدُّعاءِ قالَ: «يا حَيُّ يا قَيُّومُ».
(فائدة)
وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا أن تكون متضمنة لثبوت كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله وكذلك الإخبار عنه بالسلوب هو لتضمنها ثبوتا كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ فإنه متضمن لكمال حياته وقيوميته وكذلك قوله تعالى: ﴿وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ متضمن لكمال قدرته وكذلك قوله: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ متضمن لكمال علمه وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ متضمن لكمال صمديته وغناه وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ متضمن لتفرده بكماله وأنه لا نظير له وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ متضمن لعظمته وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به وهذا مطرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب.
البقرة 2:257
ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾
فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم، وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه ولما كانت اليمين جهة الخير والفلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ. .﴾
فَأوْلِياؤُهم يُعِيدُونَهم إلى ما خُلِقُوا فِيهِ، مِن ظُلْمَةِ طَبائِعِهِمْ وجَهْلِهِمْ وأهْوائِهِمْ، وكُلَّما أشْرَقَ لَهم نُورُ النُّبُوَّةِ والوَحْيِ وكادُوا أنْ يَدْخُلُوا فِيهِ مَنَعَهم أوْلِياؤُهم مِنهُ وصَدُّوهُمْ، فَذَلِكَ إخْراجُهم إيّاهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ.
البقرة 2:258
فإن من تأمل موقع الحجاج وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية وقف على أعظم برهان بأوجز عبارة فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة.
فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة.
(فائدة)
وفي الحديث "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وقد عرض إبراهيم الخليل للجبار بقوله عن امرأته هذه أختي وعرض النبي للرجل الذي سأله في طريقه ممن أنتم فقال: "نحن من ماء" وعرض الصديق لمن جعل يسأله في طريق الهجرة من هذا معك فقال هاد يهديني السبيل.
البقرة 2:260
(فَصْلٌ)
قالَ: وفِرارُ الخاصَّةِ مِنَ الخَبَرِ إلى الشُّهُودِ، ومِنَ الرُّسُومِ إلى الأُصُولِ، ومِنَ الحُظُوظِ إلى التَّجْرِيدِ.
يَعْنِي أنَّهم لا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونَ إيمانُهم عَنْ مُجَرَّدِ خَبَرٍ، حَتّى يَتَرَقَّوْا مِنهُ إلى مُشاهَدَةِ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَيَطْلُبُونَ التَّرَقِّيَ مِن عِلْمِ اليَقِينِ بِالخَبَرِ، إلى عَيْنِ اليَقِينِ بِالشُّهُودِ كَما طَلَبَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ إذْ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فَطَلَبَ إبْراهِيمُ أنْ يَكُونَ اليَقِينُ عِيانًا، والمَعْلُومُ مُشاهَدًا، وهَذا هو المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالشَّكِّ في قَوْلِهِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» حَيْثُ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾ وهو ﷺ لَمْ يَشُكَّ ولا إبْراهِيمُ، حاشاهُما مِن ذَلِكَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِهَذِهِ العِبارَةِ.
هَذا أحَدُ الأقْوالِ في الحَدِيثِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ: أنَّهُ عَلى وجْهِ النَّفْيِ، أيْ لَمْ يَشُكَّ إبْراهِيمُ حَيْثُ قالَ ما قالَ، ولَمْ نَشُكَّ نَحْنُ، وهَذا القَوْلُ صَحِيحٌ أيْضًا أيْ لَوْ كانَ ما طَلَبَهُ لِلشَّكِّ لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ مِنهُ، لَكِنْ لَمْ يَطْلُبْ ما طَلَبَ شَكًّا، وإنَّما طَلَبَ ما طَلَبَهُ طُمَأْنِينَةً.
فالمَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾
فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ.
البقرة 2:261
وهذه الآية كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التى يضاعفها للمقرض، ومثل سبحانه بهذا المثل إحضارًا لصورة التضعيف في الأذهان بهذه الحبة التى غيبت في الأرض فأنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل التى من الحبة الواحدة فينضاف الشاهد العيانى الشاهد الإيمانى القرآنى فيقوى إيمان المنفق وتسخو نفسه بالإنفاق.
وتأمل كيف جمع السنبلة في هذه الآية على سنابل وهى من مجموع الكثرة، إذ المقام مقام تكثير وتضعيف، وجمعها على سنبلات في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، فجاءَ بها على جمع القلة لأن السبعة قليلة ولا مقتضى للتكثير. وقوله تعالى: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾، قيل: المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاءُ لا لكل منفق بل يختص برحمته من يشاءُ، وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق في نفسه، وفي صفات المنفق وأحواله وفي شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع.
وقيل: والله يضاعف لمن يشاءُ فوق ذلك فلا يقتصر به على السبعمائة، بل يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة.
واختلف في تفسير الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة.
وقيل: مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل باذر حبة، ليطابق الممثل للممثل به.
فهاهنا أربعة أُمور: منفق، ونفقة، وباذر، وبذر. فذكر سبحانه من كل شق أهم قسميه، فذكر من شق الممثل المنفق إذ المقصود ذكر حاله وشأْنه، وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها.
وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل الذي حصلت فيه المضاعفة، وترك ذكر الباذر لأن القرض لا يتعلق بذكره.
فتأمل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان.
وهذا كثير في أمثال القرآن، بل عامتها ترد على هذا النمط، ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها، وهما الواسع والعليم، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه، فإن المضاعف سبحانه واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضى حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه سبحانه وفضله تعالى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهل بحكمته وعلمه.
(فصل)
شَبَّهَ سُبْحانَهُ نَفَقَةَ المُنْفِقِ في سَبِيلِهِ، سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِهادُ أوْ جَمِيعُ سُبُلِ الخَيْرِ مِن كُلِّ بِرٍّ، بِمَن بَذَرَ بَذْرًا فَأنْبَتَتْ كُلُّ حَبَّةٍ مِنهُ سَبْعَ سَنابِلَ اشْتَمَلَتْ كُلُّ سُنْبُلَةٍ عَلى مِائَةِ حَبَّةٍ، واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ فَوْقَ ذَلِكَ بِحَسْبِ حالِ المُنْفِقِ وإيمانِهِ وإخْلاصِهِ وإحْسانِهِ ونَفْعِ نَفَقَتِهِ وقَدْرِها ووُقُوعِها مَوْقِعَها؛ فَإنَّ ثَوابَ الإنْفاقِ يَتَفاوَتُ بِحَسَبِ ما يَقُومُ بِالقَلْبِ مِن الإيمانِ والإخْلاصِ والتَّثْبِيتِ عِنْدَ النَّفَقَةِ، وهو إخْراجُ المالِ بِقَلْبٍ ثابِتٍ قَدْ انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِإخْراجِهِ، وسَمَحَتْ بِهِ نَفْسُهُ، وخَرَجَ مِن قَلْبِهِ خُرُوجَهُ مِن يَدِهِ، فَهو ثابِتُ القَلْبِ عِنْدَ إخْراجِهِ، غَيْرُ جَزِعٍ ولا هَلِعٍ ولا مُتْبِعِهِ نَفْسَهُ تَرْجُفُ يَدُهُ وفُؤادُهُ، ويَتَفاوَتُ بِحَسْبِ نَفْعِ الإنْفاقِ ومَصارِفِهِ بِمَواقِعِهِ، وبِحَسْبِ طِيبِ المُنْفِقِ وزَكاتِهِ وتَحْتَ هَذا المَثَلِ مِن الفِقْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالبَذْرِ.
فالمُنْفِقُ مالَهُ الطَّيِّبَ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ باذِرٌ مالَهُ في أرْضٍ زَكِيَّةِ، فَمُغِلُّهُ بِحَسْبِ بَذْرِهِ وطِيبِ أرْضِهِ وتَعاهُدِ البَذْرِ بِالسَّقْيِ ونَفْيِ الدَّغَلِ والنَّباتِ الغَرِيبِ عَنْهُ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ ولَمْ تُحْرِقْ الزَّرْعَ نارٌ ولا لَحِقَتْهُ جائِحَةٌ جاءَ أمْثالَ الجِبالِ، وكانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ الَّذِي تَكُونُ الجَنَّةُ فِيهِ نُصْبَ الشَّمْسِ والرِّياحِ فَتَتَرَبّى الأشْجارُ هُناكَ أتَمَّ تَرْبِيَةٍ فَنَزَلَ عَلَيْها مِن السَّماءِ مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ مُتَتابِعٌ فَرَواها ونَمّاها فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْ ما يُؤْتِيهِ غَيْرُها بِسَبَبِ ذَلِكَ الوابِلِ، فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ: مَطَرٌ صَغِيرُ القَطْرِ، يَكْفِيها لِكَرَمِ مَنبَتِها؛ يَزْكُو عَلى الظِّلِّ ويَنْمِي عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ في ذِكْرِ نَوْعَيْ الوابِلِ والطَّلِّ إشارَةً إلى نَوْعَيْ الإنْفاقِ الكَثِيرِ والقَلِيلِ.
فَمِن النّاسِ مَن يَكُونُ إنْفاقُهُ وابِلًا ومِنهم مَن يَكُونُ إنْفاقُهُ طَلًّا، واللَّهُ لا يُضِيعُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، فَإنْ عَرَضَ لِهَذا العامِلِ ما يُغْرِقُ أعْمالَهُ ويُبْطِلُ حَسَناتِهِ كانَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ ﴿لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ فَإذا كانَ يَوْمُ اسْتِيفاءِ الأعْمالِ وإحْرازِ الأُجُورِ وجَدَ هَذا العامِلُ عَمَلَهُ قَدْ أصابَهُ ما أصابَ صاحِبَ هَذِهِ الجَنَّةِ، فَحَسْرَتُهُ حِينَئِذٍ أشَدُّ مِن حَسْرَةِ هَذا عَلى جَنَّتِهِ.
فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الحَسْرَةِ لِسَلْبِ النِّعْمَةِ عِنْدَ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْها مَعَ عِظَمِ قَدْرِها ومَنفَعَتِها، واَلَّذِي ذَهَبَتْ عَنْهُ قَدْ أصابَهُ الكِبَرُ والضَّعْفُ فَهو أحْوَجُ ما كانَ إلى نِعْمَتِهِ، ومَعَ هَذا فَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ لا يَقْدِرُونَ عَلى نَفْعِهِ والقِيامِ بِمَصالِحِهِ، بَلْ هم في عِيالِهِ فَحاجَتُهُ إلى نِعْمَتِهِ حِينَئِذٍ أشَدُّ ما كانَتْ لِضَعْفِهِ وضَعْفِ ذُرِّيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَذا إذا كانَ لَهُ بُسْتانٌ عَظِيمٌ فِيهِ مِن جَمِيعِ الفَواكِهِ والثَّمَرِ، وسُلْطانُ ثَمَرِهِ أجَلُّ الفَواكِهِ وأنْفَعُها، وهو ثَمَرُ النَّخِيلِ والأعْنابِ، فَمُغَلَّهُ يَقُومُ بِكِفايَتِهِ وكِفايَةِ ذُرِّيَّتِهِ، فَأصْبَحَ يَوْمًا وقَدْ وجَدَهُ مُحْتَرِقًا كُلَّهُ كالصَّرِيمِ، فَأيُّ حَسْرَةٍ أعْظَمُ مِن حَسْرَتِهِ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مَثَلُ الَّذِي يُخْتَمُ لَهُ بِالفَسادِ في آخَرِ عُمْرِهِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلُ المُفَرِّطِ في طاعَةِ اللَّهِ حَتّى يَمُوتَ، وقالَ السُّدِّيَّ: هَذا مَثَلُ المُرائِي في نَفَقَتِهِ الَّذِي يُنْفِقُ لِغَيْرِ اللَّهِ، يَنْقَطِعُ عَنْهُ نَفْعُها أحْوَجُ ما يَكُونُ إلَيْهِ، وسَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الصَّحابَةَ يَوْمًا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ، وقالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: قُلْ يا ابْنَ أخِي ولا تُحَقِّرْ نَفْسَك، قالَ: ضَرَبَ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قالَ: لِأيِّ عَمَلٍ؟ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِالحَسَناتِ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ كُلَّها؛ قالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ قَلَّ واللَّهِ مَن يَعْقِلُهُ مِن النّاسِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَعُفَ جِسْمُهُ وكَثُرَ صِبْيانُهُ أفْقَرُ ما كانَ إلى جَنَّتِهِ، وإنَّ أحَدَكم واللَّهِ أفْقَرُ ما يَكُونُ إلى عَمَلِهِ إذا انْقَطَعَتْ عَنْهُ الدُّنْيا.
البقرة 2:262
هذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون في سبيله أي في مرضاته والطريق الموصلة إليه ومن أنفعها سبيل الجهاد، وسبيل الله خاص وعام، والخاص جزء من السبيل العام وأن لا يتبع صدقته بمن ولا أذى، فالمن نوعان.
أحدهما: منّ بقلبه من غير أن يصرح له بلسانه وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو من نقصان شهود منة الله عليه في عطائه المال وحرمان غيره وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه فلله المنة عليه من كل وجه. فكيف يشهد قلبه منة لغيره؟
والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب عليه حقا وطوقه منة في عنقه فيقول:
أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده، قال سفيان: يقول: أعطيتك فما شكرت.
وقال عبد الرحمن بن زياد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكنّ سلامك عنه، وكانوا يقولون: إذا اصطنعتم صنيعة فانسوها وإذا أسدى إليكم صنيعة فلا تنسوها، وفي ذلك قيل:
؎وإنّ امرأ أهدى إلى صنيعة ∗∗∗ وذكرنيها مرة لبخيل
وقيل: صفوان من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضن، وحظر الله على عباده المن بالصنيعة واختص به صفة لنفسه لأنه من العباد تكدير وتعيير، ومن الله سبحانه وتعالى إفضال وتذكير.
وأيضا فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط فهو المنعم على عبده في الحقيقة، وأيضا فالامتنان استعباد، وكسر، وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.
وأيضا فالمنة أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل، والإنعام، وأنه ولي النعمة، ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا لله، وأيضا فالمانّ بعطائه يشهد نفسه مترفعا على الآخذ مستعليا عليه غنيا عنه عزيزا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته ولا ينبغي ذلك للعبد، وأيضا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه ورد عليه أضعاف ما أعطى فبقي عوض ما أعطى عند الله. فأي حق بقي له قبل الآخذ؟ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلما بينا، وادعى أن حقه في قبله.
ومن هنا والله أعلم بطلت صدقته بالمن فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله وعوض تلك الصدقة عنده فلم يرض به، ولاحظ العوض من الآخذ والمعاملة عنده فمن عليه بما أعطاه بطلت معاوضته مع الله ومعاملته له، فتأمل هذه النصائح من الله لعباده ودلالته على ربوبيته، وإلهيته وحده، وأنه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته، وإلهيته لا إله غيره، ولا رب سواه.
ونبه بقوله: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذىً﴾ على أن المن والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه، ولم يحصل له مقصود
الإنفاق، ولو أتى بالواو، وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لأوهمت تقييد ذلك بالحال، وإذا كان المن، والأذى المتراخي مبطلا لأثر الإنفاق مانعا من الثواب. فالمقارن أولى، وأحرى.
وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء فقال: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وقرنه بالفاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تفهم معنى الشرط والجزاء وأنه مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة، فلما كان هنا يقتضي بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره جرد الخبر عن الفاء فإن المعنى أن الذي ينفق ماله لله، ولا يمن ولا يؤذي هو الذي يستحق الأجر المذكور لا الذي ينفق لغير الله، ويمن ويؤذي ينفقته فليس المقام مقام شرط وجزاء. بل مقام بيان للمستحق دون غيره.
وفي الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرا وعلانية. فذكر عموم الأوقات، وعموم الأحوال فأتى بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار وعلى أي حالة وجد من سر وعلانية. فإنه سبب الجزاء على كل حال فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر، ولا بنفقة السر وقت العلانية فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت سبب لأجره وثوابه فتدبر هذه الأسرار في القرآن فلعلك تظفر بها إذ تمر بك في التفاسير والمنة والفضل لله وحده لا شريك له.
[فَصْلٌ: الرِّياءُ والمَنُّ والأذى تُبْطِلُ الأعْمالَ]
فَإنْ عَرَضَ لِهَذِهِ الأعْمالِ مِن الصَّدَقاتِ ما يُبْطِلُها مِن المَنِّ والأذى والرِّياءِ؛ فالرِّياءُ يَمْنَعُ انْعِقادَها سَبَبًا لِلثَّوابِ، والمَنُّ والأذى يُبْطِلُ الثَّوابَ الَّذِي كانَتْ سَبَبًا لَهُ، فَمَثَلُ صاحِبِها وبُطْلانِ عَمَلِهِ كَمَثَلِ صَفْوانٍ - وهو الحَجَرُ الأمْلَسُ - عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ - وهو المَطَرُ الشَّدِيدُ - فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وتَأمَّلْ أجْزاءَ هَذا المَثَلِ البَلِيغِ، وانْطِباقِها عَلى أجْزاءِ المُمَثَّلِ بِهِ، تَعْرِفْ عَظَمَةَ القُرْآنِ وجَلالَتَهُ، فَإنَّ الحَجَرَ في مُقابِلَةِ قَلْبِ هَذا المُرائِي والمانِّ والمُؤْذِي، فَقَلْبُهُ في قَسْوَتِهِ عَنْ الإيمانِ والإخْلاصِ والإحْسانِ بِمَنزِلَةِ الحَجَرِ، والعَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ التُّرابِ الَّذِي عَلى ذَلِكَ الحَجَرِ؛ فَقَسْوَةُ ما تَحْتَهُ وصَلابَتُهُ تَمْنَعُهُ مِن النَّباتِ والثَّباتِ عِنْدَ نُزُولِ الوابِلِ؛ فَلَيْسَ لَهُ مادَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِاَلَّذِي يَقْبَلُ الماءَ ويُنْبِتُ الكَلَأ،
وَكَذَلِكَ قَلْبُ المُرائِي لَيْسَ لَهُ ثَباتٌ عِنْدَ وابِلِ الأمْرِ والنَّهْيِ والقَضاءِ والقَدْرِ، فَإذا نَزَلَ عَلَيْهِ وابِلُ الوَحْيِ انْكَشَفَ عَنْهُ ذَلِكَ التُّرابِ اليَسِيرِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، فَبَرَزَ ما تَحْتَهُ حَجَرًا صَلْدًا لا نَباتَ فِيهِ.
وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ المُرائِي ونَفَقَتِهِ، لا يَقْدِرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَوابِ شَيْءٍ مِنهُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
البقرة 2:263
فأخبر أن القول المعروف وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره.
والمغفرة وهي العفو عمن أساء إليك خير من الصدقة بالأذى. فالقول المعروف إحسان. وصدقة بالقول والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة. ويدخل في المغفرة مغفرة للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى لك بسبب رده فيكون عفوه عنه خيرا من أن يتصدق عليه ويؤذيه. هذا على المشهور من القولين في الآية، والقول الثاني: أن المغفرة من الله أي مغفرة لكم من الله بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى، وفيها قول ثالث أي مغفرة وعفو من السائل إذ ردّ وتعذر المسؤول خير من أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى. وأوضح الأقوال هو الأول ويليه الثاني والثالث ضعيف جدا لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ. والمعنى: أن قول المعروف له والتجاوز والعفو خير لك من أن تصدق عليه وتؤذيه، ثم ختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته فقال: واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ وفيه معنيان.
أحدهما: إن الله غني عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم وإنما الحظ الأوفر لكم في الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه سبحانه وتعالى فكيف يمن بنفقته ويؤذي مع غني الله التام عنها وعن كل ما سواه ومع هذا فهو حليم إذ لم يعاجل المان بالعقوبة. وفي ضمن هذا: الوعيد والتحذير.
والمعنى الثاني: أنه سبحانه وتعالى مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز، والصفح مع عطائه وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه، وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره، ثم قال:
البقرة 2:264
فتضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾.
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أول هذه الرسالة فلا حاجة إلى إعادته
وقد يقال: إن المن والأذى المقارن للصدقة هو الذي يبطلها دون أن يلحقها بعدها إلا أنه ليس في اللفظ ما يدل على هذا التقييد والسياق يدل على إبطالها به مطلقا، وقد يقال: تمثيله بالمرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياء وعدم الإيمان، فإن الرياء لو تأخر عن العمل لم يبطله، ويجاب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن التشبيه وقع في الحال التي يحبط بها العمل وهي حال المرائي والمان المؤذي في أن كل واحد منهما يحبط العمل.
الثاني: أن الرياء لا يكون إلا مقارنا للعمل لأنه فعال من الرؤيا التي صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيا وهذا بخلاف المن والأذى فإنه يكون مقارنا ومتراخيا وتراخيه أكثر من مقارنته.
وقوله: «كالذي ينفق» إما أن يكون المعنى كإبطال الذي ينفق فيكون قد شبه الأبطال بالأبطال أو المعنى لا تكونوا كالذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق.
وقوله: «فمثله» أي مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته كمثل صفوان وهو الحجر الأملس وفيه قولان: أحدهما: أنه واحد. والثاني: جمع صفوة عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ وهو المطر الشديد فتركه صلدا وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره. وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر، لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله. وفيه معنى آخر: وهو أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه. فلا ينبت ولا يخرج شيئا.
البقرة 2:265
هذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق. فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص. والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية.
إحداهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية. وهذا حال أكثر المنفقين.
والآفة الثانية: ضعف نفسه وتقاعسها وترددها. هل يفعل أم لا؟
فالآفة الأولى: تزول بابتغاء مرضاة الله.
والآفة الثانية: تزول بالتثبيت، فإن تثبيت النفس تشجعها وتقويتها والأقدام بها على البذل. وهذا هو صدقها وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة - وهي البستان الكثير الأشجار - فهو مجتنّ بها أي مستتر ليس قاعا فارغا.
والجنة بربوة وهو المكان المرتفع، لأنها أكمل من الجنة التي بالوهاد والحضيض، لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح. وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها. فكانت أنضج ثمرا وأطيبه وأحسنه وأكثره، فإن الثمار تزداد طيبا وزكاء بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التي تنشأ في الضلال، وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الماء والشراب فقال تعالى: أصابَها وابِلٌ وهو المطر الشديد العظيم القدر، فأدت ثمرتها وأعطت بركتها، فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يثمر غيرها أو ضعفي ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل. فهذا حال السابقين المقربين:
فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ فهو دون الوابل. فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها تكتفي في إخراج بركتها بالطل، وهذا حال الأبرار والمقتصدين في النفقة، وهم درجات عند الله فأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وأصحاب الطلب مقتصدهم.
فمثّل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء ثمر الجنة ونحوه بالأضعاف، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة، بعد أن صدرت عن ابتغاء مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم، فهي زاكية عند الله نامية مضاعفة.
واختلف في الضعفين. فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدا عليه، وضعفه مثله.
وقيل: ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما زاد ضعفا زاد مثلا، والذي حمل هذا القائل على ذلك فراره من استواء دلالة المفرد والتثنية فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه فإذا زاد إلى المثل صار مثلين، وهما الضعف. فلو قيل: لها ضعفان. لم يكن فرق بين المفرد والمثنى. فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل، ويلزم من هذا أن يكون ثلاثة أضعافه ثلاثة أمثاله مضافة إلى الأصل. وهكذا أبدا.
والصواب: أن الضعفين هما مثلان فقط، الأصل ومثله. وعليه يدل قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ أي مثلين، وقوله تعالى: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي مثلين.
ولهذا قال في الحسنات:
﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾.
وأما ما توهموه من استواء دلالة المفرد والتثنية فوهم منشؤه ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل، وليس كذلك، بل المثل له اعتباران: إن اعتبر وحده فهو ضعف، وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان. والله أعلم.
واختلف في رافع قوله: ﴿فَطَلٌّ﴾
فقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، أي وطله يكفيها.
وقيل: خبر مبتدؤه محذوف تقديره. فالذي يرويها ويصيبها طل.
والضمير في ﴿أصابَها﴾ إما أن يرجع إلى الجنة، أو إلى الربوة، وهما متلازمان.
(فائدة)
فَإنْ كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ - الَّتِي بِمَوْضِعٍ عالٍ، حَيْثُ لا تُحْجَبُ عَنْها الشَّمْسُ والرِّياحُ، وقَدْ أصابَها مَطَرٌ شَدِيدٌ، فَأخْرَجَتْ ثَمَرَتَها ضِعْفَيْ ما يُخْرِجُ غَيْرُها - إنْ كانَتْ مُسْتَحْسَنَةً في العَقْلِ والحِسِّ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ مَن أنْفَقَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا لِجَزاءٍ مِنَ الخَلْقِ، ولا لِشُكُورٍ، بَلْ بِثَباتٍ مِن نَفْسِهِ، وقُوَّةٍ عَلى الإنْفاقِ، لا يُخْرِجُ النَّفَقَةَ وقَلْبُهُ يَرْجُفُ عَلى خُرُوجِها، ويَداهُ تَرْتَعِشانِ، ويَضْعُفُ قَلْبُهُ، ويَخُورُ عِنْدَ الإنْفاقِ، بِخِلافِ نَفَقَةِ صاحِبِ التَّثْبِيتِ والقُوَّةِ.
وَلَمّا كانَ النّاسُ في الإنْفاقِ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ كانَ مَثَلُ نَفَقَةِ صاحِبِ الإخْلاصِ والقُوَّةِ والتَّثْبِيتِ كَمَثَلِ الوابِلِ، ومَثَلُ نَفَقَةِ الآخَرِ كَمَثَلِ الطَّلِّ، وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ، فَهَذا بِحَسَبِ كَثْرَةِ الإنْفاقِ وقِلَّتِهِ، وكَمالِ الإخْلاصِ والقُوَّةِ واليَقِينِ فِيهِ وضَعْفِهِ، أفَلا تَراهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ العُقُولَ عَلى ما فِيها مِنِ اسْتِحْسانِ هَذا، واسْتِقْباحِ فِعْلِ الأوَّلِ؟
البقرة 2:266
فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ العُقُولَ عَلى ما فِيها مِن قُبْحِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تُحْبِطُ ثَوابَ الحَسَناتِ، وشَبَّهَها بِحالِ شَيْخٍ كَبِيرٍ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، بِحَيْثُ يَخْشى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ وعَلى نَفْسِهِ، ولَهُ بُسْتانٌ هو مادَّةُ عَيْشِهِ وعَيْشِ ذُرِّيَّتِهِ، فِيهِ النَّخِيلُ والأعْنابُ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، فَأرْجى وأفْقَرَ ما هو لَهُ وأسَرَّ ما كانَ بِهِ إذْ أصابَهُ نارٌ شَدِيدَةٌ فَأحْرَقَتْهُ، فَنَبَّهَ العُقُولَ عَلى أنَّ قُبْحَ المَعاصِي الَّتِي تُغْرِقُ الطّاعاتِ كَقُبْحِ هَذِهِ الحالِ، وبِهَذا فَسَّرَها عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِرَجُلٍ غَنِيٍّ عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ زَمانًا، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ، فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ، ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
أفَلا تَراهُ نَبَّهَ العُقُولَ عَلى قُبْحِ المَعْصِيَةِ بَعْدَ الطّاعَةِ، وضَرَبَ لِقُبْحِها هَذا المَثَلَ؟
(فصل)
قال الحسن: هذا مثل، قلّ والله من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته. وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
وفي صحيح البخاري عن عبيد بن عمير قال: قال عمر يوما لأصحاب النبي ﷺ فيم هم يرون هذه الآية نزلت: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ﴾ الآية؟
قالوا: الله أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: قل يا ابن أخي، ولا تحقر بنفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أي عمل؟
قال ابن عباس: لعمل رجل عمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله.
فقوله تعالى: {أيَوَدُّ أحَدُكم أخرجه مخرج الاستفهام الانكاري، وهو أبلغ من النفي والنهي وألطف موقعا، كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا، فتقول له: لا يفعل هذا عاقل، أيفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة؟
وقال تعالى: أيَوَدُّ أحَدُكم بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام، كما تقول أيفعل هذا أحد فيه خير؟ وهو أبلغ في الإنكار من أن يقول: أيودون.
وقوله: ﴿أيَوَدُّ﴾ أبلغ في الإنكار مما لو قيل: أيريد، لأن محبة هذا الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها.
وقوله تعالى: ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار، وأكثرها نفعا فإن منهما القوت والغذاء. والدواء والشراب والفاكهة. والحلو والحامض، ويؤكلان رطبا، ويابسا، ومنافعهما كثيرة جدا.
وقد اختلف في الأنفع والأفضل منهما.
فرجحت طائفة النخيل، ورجحت طائفة العنب، وذكرت كل طائفة حججا لقولها، فذكرناها في غير هذا الموضع.
وفصل الخطاب: أن هذا يختلف باختلاف البلاد. فإن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر.
فالأرض التي يكون فيها سلطان النخيل لا يكون فيها العنب بها طائلا ولا كثيرا. لأنه إنما يخرج في الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير السخية، فينمو فيها ويكثر، وأما النخيل فنموه وكثرته في الأرض الحارة السبخة، وهي لا تناسب العنب. فالنخل في أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها.
والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. والله أعلم.
والمقصود: أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها.
فالجنة المشتملة عليهما أفضل الجنان، ومع هذا فالأنهار تجري تحت هذه الجنة.
وذلك أكمل لها وأعظم في قدرها، ومع ذلك فلم يعدم شيئا من أنواع الثمار المشتهاة، بل فيها من كل الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب. فلا تنافي بين كونها من نخيل وأعناب، وفِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢) كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾.
وقد قيل: إن الثمار في آية الكهف وفي آية البقرة المراد بها المنافع والأموال والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها. لقوله في البقرة:
لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ثم قال تعالى: ﴿فَأصابَها﴾ أي الجنة ﴿إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ وفي الكهف: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ وما ذلك إلا ثمار الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾ هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته، وتعلق قلبه بها من وجوه.
أحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها.
الثاني: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه.
الثالث: أن له ذرية، فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته.
الرابع: أنهم ضعفاء، فهم كلّ عليه، لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم الخامس: أن نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم.
وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة، لخطرها في نفسها، وشدة حاجته وذريته إليها. فإذا تصورت هذا الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار، وهو الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود وفيها نار، مرت بتلك الجنة فأحرقتها، وصيرتها رمادا، فصدق والله الحسن - هذا مثل قل من يعقله من الناس - ولهذا نبه الله سبحانه وتعالى على عظم هذا المثل، وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾.
فلو فكر العاقل في هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه فكذلك العبد إذا عمل بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويحرقها من معاصي الله كانت كالإعصار ذي النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح.
فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ينبغي لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لا بد أن يغيب عنه علمه عند المعصية. ولهذا استحق اسم الجهل. فكل من عصى الله فهو جاهل.
فإن قيل: الواو في قوله تعالى: {وَأصابَهُ الكِبَرُ واو الحال أم واو العطف؟ وإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها؟
قلت: فيه وجهان.
أحدهما: أنها واو الحال، اختاره الزمخشري، والمعنى: أيود أحدكم أن تكون له جنة شأنها كذا وكذا في حال كبره وضعف ذريته.
والثاني: أن تكون للعطف على المعنى. فإن فعل التمني وهو قوله:
أيَوَدُّ أحَدُكم لطلب الماضي كثيرا. فكان المعنى: أيود لو كانت له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر.
وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن الإيمان: بالصفوان الذي عليه التراب، فإنه لم ينبت شيئا أصلا، بل ذهب بذره ضائعا لعدم إيمانه وإخلاصه. ثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة الله مخلصا بنيته لله، ثم عرض له ما أبطل ثوابه: بالجنة التي هي من أحسن الجنان وأطيبها وأزهرها. ثم سلط عليها الأعصار الناري فأحرقها. فإن هذا نبت له شيء وأثمر له عمله، ثم أحرقه، والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق.
فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء للصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.
البقرة 2:267
أضاف سبحانه الكسب إليهم، وإن كان هو الخالق لأفعالهم، لأنه فعلهم القائم بهم، وأسند الإخراج إليه لأنه ليس فعلا لهم، ولا هو مقدورا لهم، فأضاف مقدورهم إليهم وأضاف مفعوله الذي لا قدرة عليه إليه. ففي ضمنه الرد على من سوى بين النوعين وسلب قدرة العبد وفعله وتأثيره عنه بالكلية. وخص سبحانه هذين النوعين وهما الخارج من الأرض والحاصل بكسب التجارة دون غيرهما من المواشي: إما بحسب الواقع فإنهما كانا أغلب أموال القوم إذ ذاك.
فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب، والأنصار كانوا أصحاب حرث وزرع. فخص هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما وعموم وجودهما، وإما لأنهما أصول الأموال وما عداهما فعنهما يكون ومنهما ينشأ فإن الكسب يدخل فيه التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس والمطاعم والرقيق والحيوانات والآلات والأمتعة وسائر ما تتعلق به التجارة، والخارج من الأرض يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها، وهذان هما أصول الأموال وأغلبها على أهل الأرض، فكان ذكرهما أهم.
ثم قال: ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء، كما هو عادة أكثر النفوس: تمسك الجيد لها وتخرج الرديء للفقير.
ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد وتيمم، بل عن اتفاق إذ كان هو الحاضر إذ ذاك، أو كان ماله من جنسه. فإن هذا لم يتيمم الخبيث بل تيمم إخراج بعض ما من الله به عليه.
وموقع قوله: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ موقع الحال أي لا تقصدوه منفقين منه.
ثم قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾
أي لو كنتم أنتم المستحقون له وبذل لكم لم تأخذوه في حقوقكم إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه، من قولهم: أغمض فلان عن بعض حقه.
ويقال للبائع: اغمض، أي لا تستقص. كأنك لا تبصر.
وحقيقته: من إغماض الجفن، فكأن الرائي لكراهته له لا يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا، ومنه قول الشاعر:
؎لم يفتنا بالوتر قوم وللضي ∗∗∗ م رجال يرضون بالإغماض
وفيه معنيان:
أحدهما: كيف تبذلون لله وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له؟ والله أحق من يختار له خيار الأشياء وأنفسها.
والثاني: كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم، وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا؟
ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
فغناه وحمده يأبيان قبوله الرديء، فإن قابل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله.
﴿واعْلَمُواْ أنّ اللهَ غَنِيّ حَمِيدٌ﴾
يقول سبحانه: إنى غنى عما تنفقون أن ينالني منه شيء، حميد مستحق المحامد كلها، فإنفاقكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدًا، بل هو الغنى بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه
وصفاته وإنفاقكم إنما نفعه لكم وعائدته عليكم. ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه، وجذبه للقلوب والأرواح ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التى حالت بينه وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التى يناله بها، من صدق الرغبة واللجإ إلى الله أن يحيى قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة، فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة ومن أراد مطالعة أُصول النعم فليسم سرح الذكر في رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها، أعداء الله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره، وتفصيل ذلك لا تفى به أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد، وإنما هو التنبيه والإشارة.
ومن استقرأ الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناءً تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فالله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست في الضمائر ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت في فكر.
ففي دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده:
"أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ فِى كِتابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوْ اسْتأْثَرْتَ بِهِ فِى عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أن تَجْعَلَ القُرْآن رَبِيع قَلْبِي ونُورَ صَدْرِي وجَلاءَ حُزْنِي وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي".
وفى الصحيح عنه ﷺ في حديث الشفاعة لما يسجد بين يدى ربه قال: "فَيَفْتَحُ قَلبِى مَن مَحامِدهِ بِشَيْءٍ لا أُحْسِنُهُ الآن"، وكان يقول في سجوده: أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك "أعُوذُ بِكَ مِنكَ، لا أُحْصِى ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْت عَلى نَفْسِكِ "، فلا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه البتة، وله أسماءٌ وأوصاف وحمد وثناءٌ لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر.
البقرة 2:268
هذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعاني. فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل، والداعي إلى البذل والإنفاق وبيان ما يدعو إليه داعي البخل، وما يدعو إليه داعي الإنفاق، وبيان ما يدعو به داعي الأمرين.
فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان وأخبر أن دعوته هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم. وهذا هو الداعي الغالب على الخلق.
فإن أحدهم يهم بالصدقة والبذل فيجد في قلبه داعيا يقول له: متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه، وافتقرت إليه بعد إخراجه، وإمساكه خير لك، حتى لا تبقى مثل الفقير، فغناك خير لك من غناه. فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش. وهذا إجماع من المفسرين: أن الفحشاء، هنا البخل. فهذا وعده وهذا أمره. وهو الكاذب في وعده، الغار الفاجر في أمره. فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون. فإنه يدلي من يدعوه بغروره. ثم يورده شر الموارد، كما قيل:
؎دلاهم بغرور، ثم أوردهم ∗∗∗ إن الخبيث لمن والاه غرار
هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه، ولا نصيحة له، كما ينصح الرجل أخاه ولا محبة في بقائه غنيا، بل لا شيء إليه من فقره وحاجته. وإنما وعده له بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه، ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه، فستوجب منه الحرمان.
وأما الله سبحانه إنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه، وفضلا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه أما في الدنيا أو في الدنيا والآخرة.
فهذا وعد، الله وذاك وعد الشيطان. فلينظر البخيل والمنفق أيّ الوعدين هو أوثق؟ وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه؟
والله يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء. وهو الواسع العليم.
وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الاسمين ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
فإنه واسع العطاء عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله، فيعطي هذا بفضله، ويمنع هذا بعدله. وهو بكل شيء عليم.
فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها فإن لها شأنا لا يعقله إلا من عقل عن الله خطابه وفهم مراده
﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾.
وتأمل ختم هذه السورة، التي هي سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام الأغنياء وأحوالهم.
وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام: محسن، وهم المتصدقون. فذكر جزاءهم ومضاعفته، ومالهم في قرض أموالهم للمليء الوفي سبحانه، ثم حذرهم مما يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد استوائها وكمالها من المن والأذى، وحذرهم مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداء من الرياء. ثم أمرهم أن يتقربوا إليه بأطيبها، ولا يتيمموا أردأها وخبيثها. ثم حذرهم من الاستجابة لداعي البخل والفحش، وأخبر أن استجابتهم لدعوته سبحانه وثقتهم بوعده أولي بهم.
وأخبر أن هذا من حكمته التي يؤتيها من يشاء من عباده، وأن من أوتيها فقد أوتى خيرا كثيرا: أوتي ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها، لأنه سبحانه وصف الدنيا بالقلة، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ فدل على أن ما يؤتيه الله عبده من حكمته خير له من الدنيا وما عليها، ولا يعقل هذا كل أحد، بل لا يعقله إلا من له لب وعقل زكي. فقال تعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُوا الألْبابِ﴾.
ثم أخبر أن كل ما أنفقوه من نفقة أو تقربوا به إليه من نذر فإنه يعلمه، فلا يضيع لديه، بل يعلم ما كان منه لوجهه فيتولى هو سبحانه مجازاته من واسع فضله ويكل جزاء من عمل لغيره إلى من عمل له فإنه ظالم لنفسه وما له من نصير.
ثم أخبر سبحانه عن أحوال المتصدقين لوجهه في صدقاتهم، وأنه يثيبهم عليها، إن أبدوها أو كتموها بعد أن تكون خالصة، لوجهه فقال: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ أي فنعم شيء هي، وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية، فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه، فيمنعه ذلك من إخراجها، وينتظر بها الإخفاء، فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه، أو بينه وبين إخراجها. فلا يؤخر صدقته العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر، وهذه كانت حال الصحابة.
البقرة 2:269
(لطيفة)
وقال لأهل بيت رسوله ﷺ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى فِى بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللهِ والحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
فالحكمة التي جاءت بها الرسل: هى الحكمة الحق المتضمنة للعلم النافع والعمل الصالح للهدى ودين الحق، لإصابة الحق اعتقادا وقولا وعملا.
وهذه الحكمة فرقها الله سبحانه بين أنبيائه ورسله، وجمعها لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، كما جمع له من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، وجمع في كتابه من العلوم والأعمال ما فرقه في الكتب قبله.
فلو جمعت كل حكمة صحيحة في العالم من كل طائفة لكانت في الحكمة التي أوتيها صلوات الله وسلامه عليه جزاء يسيرا جدا لا يدرك البشر نسبته.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الحِكْمَةِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الحِكْمَةِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
وَقالَ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]
وَقالَ عَنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨].
الحِكْمَةُ في كِتابِ اللَّهِ نَوْعانِ: مُفْرَدَةٌ. ومُقْتَرِنَةٌ بِالكِتابِ. فالمُفْرَدَةُ: فُسِّرَتْ بِالنُّبُوَّةِ، وفُسِّرَتْ بِعِلْمِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هي عِلْمُ القُرْآنِ: ناسِخِهِ ومَنسُوخِهِ، ومُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ. ومُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ. وحَلالِهِ وحَرامِهِ. وأمْثالِهِ.
وَقالَ الضَّحّاكُ: هي القُرْآنُ والفَهْمُ فِيهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هي القُرْآنُ والعِلْمُ والفِقْهُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: هي الإصابَةُ في القَوْلِ والفِعْلِ.
وَقالَ النَّخَعِيُّ: هي مَعانِي الأشْياءِ وفَهْمُها.
وَقالَ الحَسَنُ: الوَرَعُ في دِينِ اللَّهِ. كَأنَّهُ فَسَّرَها بِثَمَرَتِها ومُقْتَضاها.
وَأمّا الحِكْمَةُ المَقْرُونَةُ بِالكِتابِ: فَهي السُّنَّةُ. وكَذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ.
وَقِيلَ: هي القَضاءُ بِالوَحْيِ. وتَفْسِيرُها بِالسُّنَّةِ أعَمُّ وأشْهَرُ.
وَأحْسَنُ ما قِيلَ في الحِكْمَةِ. قَوْلُ مُجاهِدٍ، ومالِكٍ: إنَّها مَعْرِفَةُ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ. والإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ.
وَهَذا لا يَكُونُ إلّا بِفَهْمِ القُرْآنِ، والفِقْهِ، في شَرائِعِ الإسْلامِ، وحَقائِقِ الإيمانِ.
والحِكْمَةُ حِكْمَتانِ: عِلْمِيَّةٌ، وعَمَلِيَّةٌ. فالعِلْمِيَّةُ: الِاطِّلاعُ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ. ومَعْرِفَةُ ارْتِباطِ الأسْبابِ بِمُسَبِّباتِها، خَلْقًا وأمْرًا. قَدَرًا وشَرْعًا.
والعِلْمِيَّةُ كَما قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " وهي وضْعُ الشَّيْءِ في مَوْضِعِهِ.
(فصل)
التَّذَكُّرُ والتَّفَكُّرُ مَنزِلانِ يُثْمِرانِ أنْواعَ المَعارِفِ، وحَقائِقَ الإيمانِ والإحْسانِ، والعارِفُ لا يَزالُ يَعُودُ بِتَفَكُّرِهِ عَلى تَذَكُّرِهِ، وبِتَذَكُّرِهِ عَلى تَفَكُّرِهِ، حَتّى يُفْتَحَ قُفْلُ قَلْبِهِ بِإذْنِ الفَتّاحِ العَلِيمِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَعُودُونَ بِالتَّذَكُّرِ عَلى التَّفَكُّرِ، وبِالتَّفَكُّرِ عَلى التَّذَكُّرِ، ويُناطِقُونَ القُلُوبَ حَتّى نَطَقَتْ.
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: التَّذَكُّرُ فَوْقَ التَّفَكُّرِ، لِأنَّ التَّفَكُّرَ طَلَبٌ، والتَّذَكُّرَ وُجُودٌ.
يُرِيدُ أنَّ التَّفَكُّرَ التِماسُ الغاياتِ مِن مَبادِيها، كَما قالَ: التَّفَكُّرُ تَلَمُّسُ البَصِيرَةِ لِاسْتِدْراكِ البُغْيَةِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: التَّذَكُّرُ وُجُودٌ، فَلِأنَّهُ يَكُونُ فِيما قَدْ حَصَلَ بِالتَّفَكُّرِ، ثُمَّ غابَ عَنْهُ بِالنِّسْيانِ، فَإذا تَذَكَّرَهُ وجَدَهُ فَظَفِرَ بِهِ.
والتَّذَكُّرُ تَفَعُّلٌ مِنَ الذِّكْرِ، وهو ضِدُّ النِّسْيانِ، وهو حُضُورُ صُورَةِ المَذْكُورِ العِلْمِيَّةِ في القَلْبِ، واخْتِيرَ لَهُ بِناءُ التَّفَعُّلِ لِحُصُولِهِ بَعْدَ مُهْلَةٍ وتَدَرُّجٍ، كالتَّبَصُّرِ والتَّفَهُّمِ والتَّعَلُّمِ.
فَمَنزِلَةُ التَّذَكُّرِ مِنَ التَّفَكُّرِ مَنزِلَةُ حُصُولِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بَعْدَ التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ، ولِهَذا كانَتْ آياتُ اللَّهِ المَتْلُوَّةُ والمَشْهُودَةُ ذِكْرى، كَما قالَ في المَتْلُوَّةِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ [غافر: ٥٣] وقالَ عَنِ القُرْآنِ ﴿وَإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] وقالَ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦].
فالتَّبْصِرَةُ آلَةُ البَصَرِ، والتَّذْكِرَةُ آلَةُ الذِّكْرِ، وقَرَنَ بَيْنَهُما وجَعَلَهُما لِأهْلِ الإنابَةِ، لِأنَّ العَبْدَ إذا أنابَ إلى اللَّهِ أبْصَرَ مَواقِعَ الآياتِ والعِبَرَ، فاسْتَدَلَّ بِها عَلى ما هي آياتٌ لَهُ، فَزالَ عَنْهُ الإعْراضُ بِالإنابَةِ، والعَمى بِالتَّبْصِرَةِ، والغَفْلَةُ بِالتَّذْكِرَةِ، لِأنَّ التَّبْصِرَةَ تُوجِبُ لَهُ حُصُولَ صُورَةِ المَدْلُولِ في القَلْبِ بَعْدَ غَفْلَتِهِ عَنْها، فَتَرْتِيبُ المَنازِلِ الثَّلاثَةِ أحْسَنُ تَرْتِيبٍ، ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنها يَمُدُّ صاحِبَهُ ويُقَوِّيهِ ويُثَمِّرُهُ.
وَقالَ تَعالى في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٦].
والنّاسُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ قَلْبُهُ مَيِّتٌ، فَذَلِكَ الَّذِي لا قَلْبَ لَهُ، فَهَذا لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذِكْرى في حَقِّهِ.
الثّانِي: رَجُلٌ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ مُسْتَعِدٌّ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِلْآياتِ المَتْلُوَّةِ الَّتِي يُخْبِرُ بِها اللَّهُ عَنِ الآياتِ المَشْهُودَةِ إمّا لِعَدَمِ وُرُودِها، أوْ لِوُصُولِها إلَيْهِ ولَكِنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْها بِغَيْرِها، فَهو غائِبُ القَلْبِ، لَيْسَ حاضِرًا، فَهَذا أيْضًا لا تَحْصُلُ لَهُ الذِّكْرى مَعَ اسْتِعْدادِهِ ووُجُودِ قَلْبِهِ.
الثّالِثُ: رَجُلٌ حَيُّ القَلْبِ مُسْتَعِدٌّ، تُلِيَتْ عَلَيْهِ الآياتُ، فَأصْغى بِسَمْعِهِ، وألْقى السَّمْعَ وأحْضَرَ قَلْبَهُ، ولَمْ يَشْغَلْهُ بِغَيْرِ فَهْمِ ما يَسْمَعُهُ، فَهو شاهِدُ القَلْبِ، مُلْقٍ السَّمْعَ، فَهَذا القِسْمُ هو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالآياتِ المَتْلُوَّةِ والمَشْهُودَةِ.
فالأوَّلُ: بِمَنزِلَةِ الأعْمى الَّذِي لا يُبْصِرُ.
والثّانِي: بِمَنزِلَةِ البَصِيرِ الطّامِحِ بِبَصَرِهِ إلى غَيْرِ جِهَةِ المَنظُورِ إلَيْهِ، فَكِلاهُما لا يَراهُ.
والثّالِثُ: بِمَنزِلَةِ البَصِيرِ الَّذِي قَدْ حَدَّقَ إلى جِهَةِ المَنظُورِ، وأتْبَعَهُ بَصَرَهُ، وقابَلَهُ عَلى تَوَسُّطٍ مِنَ البُعْدِ والقُرْبِ، فَهَذا هو الَّذِي يَراهُ.
فَسُبْحانَ مَن جَعَلَ كَلامَهُ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما مَوْقِعُ " أوْ " مِن هَذا النَّظْمِ عَلى ما قَرَّرْتَ؟
قِيلَ: فِيها سِرٌّ لَطِيفٌ، ولَسْنا نَقُولُ: إنَّها بِمَعْنى الواوِ، كَما يَقُولُهُ ظاهِرِيَّةُ النُّحاةِ.
فاعْلَمْ أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ لَهُ قَلْبٌ وقّادٌ، مَلِيءٌ بِاسْتِخْراجِ العِبَرِ، واسْتِنْباطِ الحِكَمِ، فَهَذا قَلْبُهُ يُوقِعُهُ عَلى التَّذَكُّرِ والِاعْتِبارِ، فَإذا سَمِعَ الآياتِ كانَتْ لَهُ نُورًا عَلى نُورٍ، وهَؤُلاءِ أكْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وأعْظَمُهم إيمانًا وبَصِيرَةً، حَتّى كَأنَّ الَّذِي أخْبَرَهم بِهِ الرَّسُولُ مُشاهَدٌ لَهُمْ، لَكِنْ لَمْ يَشْعُرُوا بِتَفاصِيلِهِ وأنْواعِهِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ مَثَلَ حالِ الصِّدِّيقِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ دَخَلا دارًا، فَرَأى أحَدُهُما تَفاصِيلَ ما فِيها وجُزْئِيّاتِهِ، والآخَرُ وقَعَتْ يَدُهُ عَلى ما في الدّارِ ولَمْ يَرَ تَفاصِيلَهُ ولا جُزْئِيّاتِهِ، لَكِنْ عَلِمَ أنَّ فِيها أُمُورًا عَظِيمَةً، لَمْ يُدْرِكْ بَصَرُهُ تَفاصِيلَها، ثُمَّ خَرَجا، فَسَألَهُ عَمّا رَأى في الدّارِ؟ فَجَعَلَ كُلَّما أخْبَرَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ، لِما عِنْدَهُ مِن شَواهِدِهِ، وهَذِهِ أعْلى دَرَجاتِ الصِّدِّيقِيَّةِ، ولا تَسْتَبْعِدْ أنْ يَمُنَّ اللَّهُ المَنّانُ عَلى عَبْدٍ بِمِثْلِ هَذا الإيمانِ، فَإنَّ فَضْلَ اللَّهِ لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ ولا حُسْبانٍ.
فَصاحِبُ هَذا القَلْبِ إذا سَمِعَ الآياتِ وفي قَلْبِهِ نُورٌ مِنَ البَصِيرَةِ ازْدادَ بِها نُورًا إلى نُورِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مِثْلُ هَذا القَلْبِ فَألْقى السَّمْعَ وشَهِدَ قَلْبُهُ ولَمْ يَغِبْ حَصَلَ لَهُ التَّذَكُّرُ أيْضًا ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥] والوابِلُ والطَّلُّ في جَمِيعِ الأعْمالِ وآثارِها ومُوجَباتِها. وأهْلُ الجَنَّةِ سابِقُونَ مُقَرَّبُونَ، وأصْحابُ يَمِينٍ، وبَيْنَهُما في دَرَجاتِ التَّفْضِيلِ ما بَيْنَهُما، حَتّى إنَّ شَرابَ أحَدِ النَّوْعَيْنِ الصِّرْفَ يَطِيبُ بِهِ شَرابُ النَّوْعِ الآخَرِ ويُمْزَجُ بِهِ مَزْجًا، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] فَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَرى هَذا، ولَكِنَّ رُؤْيَةَ أهْلِ العِلْمِ لَهُ لَوْنٌ، ورُؤْيَةَ غَيْرِهِمْ لَهُ لَوْنٌ آخَرُ.
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: أبْنِيَةُ التَّذَكُّرِ ثَلاثَةٌ: الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ، والِاسْتِبْصارُ بِالعِبْرَةِ، والظَّفَرُ بِثَمَرَةِ الفِكْرَةِ.
الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ: هو أنْ يَقْدَحَ في القَلْبِ قادِحُ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَيَتَحَرَّكَ لِلْعَمَلِ، طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنَ الخَوْفِ، ورَغْبَةً في حُصُولِ المَرْجُوِّ.
والعِظَةُ هي الأمْرُ والنَّهْيُ، المَقْرُونُ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
والعِظَةُ نَوْعانِ: عِظَةٌ بِالمَسْمُوعِ، وعِظَةٌ بِالمَشْهُودِ، فالعِظَةُ بِالمَسْمُوعِ الِانْتِفاعُ بِما يَسْمَعُهُ مِنَ الهُدى والرُّشْدِ، والنَّصائِحِ الَّتِي جاءَتْ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِالعِظَةِ مِن كُلِّ ناصِحٍ ومُرْشِدٍ في مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا.
والعِظَةُ بِالمَشْهُودِ الِانْتِفاعُ بِما يَراهُ ويَشْهَدُهُ في العالَمِ مِن مَواقِعِ العِبَرِ، وأحْكامِ القَدَرِ، ومَجارِيهِ، وما يُشاهِدُهُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ.
وَأمّا اسْتِبْصارُ العِبْرَةِ فَهو زِيادَةُ البَصِيرَةِ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ في مَنزِلِ التَّفَكُّرِ بِقُوَّةِ الِاسْتِحْضارِ، لِأنَّ التَّذَكُّرَ يَعْتَقِلُ المَعانِي الَّتِي حَصَلَتْ بِالتَّفَكُّرِ في مَواقِعِ الآياتِ والعِبَرِ، فَهو يَظْفَرُ بِها بِالتَّفَكُّرِ، وتَنْصَقِلُ لَهُ وتَنْجَلِي بِالتَّذَكُّرِ، فَيَقْوى العَزْمُ عَلى السَّيْرِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الِاسْتِبْصارِ، لِأنَّهُ يُوجِبُ تَحْدِيدَ النَّظَرِ فِيما يُحَرِّكُ المَطْلَبَ إذِ الطَّلَبُ فَرْعُ الشُّعُورِ، فَكُلَّما قَوِيَ الشُّعُورُ بِالمَحْبُوبِ اشْتَدَّ سَفَرُ القَلْبِ إلَيْهِ، وكُلَّما اشْتَغَلَ الفِكْرُ بِهِ ازْدادَ الشُّعُورُ بِهِ والبَصِيرَةُ فِيهِ، والتَّذَكُّرُ لَهُ.
وَأمّا الظَّفَرُ بِثَمَرَةِ الفِكْرَةِ فَهَذا مَوْضِعٌ لَطِيفٌ.
وَلِلْفِكْرَةِ ثَمَرَتانِ: حُصُولُ المَطْلُوبِ تامًّا بِحَسَبِ الإمْكانِ، والعَمَلُ بِمَوْجِبِهِ رِعايَةً لِحَقِّهِ، فَإنَّ القَلْبَ حالَ التَّفَكُّرِ كانَ قَدْ كَلَّ بِأعْمالِهِ في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ، فَلَمّا حَصَلَتْ لَهُ المَعانِي وتَخَمَّرَتْ في القَلْبِ، واسْتَراحَ العَقْلُ عادَ فَتَذَكَّرَ ما كانَ حَصَّلَهُ وطالَعَهُ، فابْتَهَجَ بِهِ وفَرِحَ بِهِ، وصَحَّحَ في هَذا المَنزِلِ ما كانَ فاتَهُ في مَنزِلِ التَّفَكُّرِ، لِأنَّهُ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِ في مَقامِ التَّذَكُّرِ، الَّذِي هو أعْلى مِنهُ، فَأخَذَ حِينَئِذٍ في الثَّمَرَةِ المَقْصُودَةِ، وهي العَمَلُ بِمُوجَبِهِ مُراعاةً لِحَقِّهِ، فَإنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو ثَمَرَةُ العِلْمِ النّافِعِ، الَّذِي هو ثَمَرَةُ التَّفَكُّرِ.
وَإذا أرَدْتَ فَهْمَ هَذا بِمِثالٍ حِسِّيٍّ. فَطالِبُ المالِ ما دامَ جادًّا في طَلَبِهِ، فَهو في كَلالٍ وتَعَبٍ، حَتّى إذا ظَفِرَ بِهِ اسْتَراحَ مِن كَدِّ الطَّلَبِ، وقَدِمَ مِن سَفَرِ التِّجارَةِ، فَطالَعَ ما حَصَّلَهُ وأبْصَرَهُ، وصَحَّحَ في هَذا الحالِ ما عَساهُ غَلِطَ فِيهِ في حالِ اشْتِغالِهِ بِالطَّلَبِ، فَإذا صَحَّ لَهُ وبَرَدَتْ غَنِيمَتُهُ لَهُ أخَذَ في صَرْفِ المالِ في وُجُوهِ الِانْتِفاعِ المَطْلُوبَةِ مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:271
فأخبر أن إعطاءها للفقير في خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها ..
وتأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: وإن تخفوها فهو خير لكم، فإن من الصدقة ما لم يكن إخفاؤه كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء نهر أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففي إخفائها من الفوائد: الستر عليه، وعدم تخجيله بين الناس، وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن يده هي اليد السفلى، وأنه لا شيء له فيزهدون في معاملته ومعاوضته. وهذا قدر زائد عن الإحسان إليه بمجرد الصدقة، مع تضمنه الإخلاص، وعدم المراءاة وطلب المحمدة من الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيرا من إظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبي ﷺ صدقة السر وأثنى على فاعلها، وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة.
ولهذا جعله سبحانه خيرا للمنفق، وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته. ولا يخفي عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم. فإنه بما تعملون خبير.
ثم أخبر أن هذا الإنفاق إنما نفعه لأنفسهم، يعود عليهم أحوج ما كانوا إليه فكيف يبخل أحدكم عن نفسه بما نفعه مختص بها عائد إليها؟ وإن نفقة المؤمنين إنما تكون ابتغاء وجهه خالصا. لأنها صادرة عن إيمانهم، وإن نفقتهم ترجع إليهم وافية كاملة. ولا يظلم منها مثقال ذرة.
وصدر هذا الكلام بأن الله هو الهادي الموفق لمعاملته وإيثار مرضاته وأنه ليس على رسوله هداهم. بل عليه إبلاغهم. وهو سبحانه الذي يوفق من يشاء لمرضاته.
ثم ذكر المصرف الذي توضع فيه الصدقة.
(فائدة)
وأما قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ فهي في موضع (مِن) التي للتبعيض لأن الآية في سياق ثواب الصدقة فإنه قال ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾
والصدقة لا تذهب جميع الذنوب ومن هذا النحو قوله ﷺ: "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير "
رواه مسلم والترمذي وللبخاري نحوه.
فأدخل عن في الكلام إيذانا بمعنى الخروج عن اليمين لما ذكر الفاعل وهو الخارج فكأنه قال فليخرج بالكفارة عن يمينه.
ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ ولم يذكر من وأضاف الكفارة إلى الأيمان وذلك من إضافة المصدر إلى المفعول وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنما يكفر الحنث والإثم ولكن الكفارة حل لعقد اليمين فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد إذ اليمين عقد والكفارة حل له والله أعلم.
البقرة 2:273
فوصفهم بست صفات:
إحداها: الفقر.
الثانية: حبسهم أنفسهم في سبيله تعالى وجهاد أعدائه، ونصر دينه، وأصل الحصر: المنع، فمنعوا أنفسهم من تصرفها في أشغال الدنيا، وقصروها على بذلها لله وفي سبيله.
الثالثة: عجزهم عن الأسفار للتكسب، والضرب في الأرض: هو السفر. قال تعالى: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾
وقال تعالى: ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾.
الرابعة: شدة تعففهم. وهو حسن صبرهم، وإظهارهم الغنى.
يحسبهم الجاهل أغنياء من تعففهم، وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم.
الخامسة: أنهم يعرفون بسيماهم. وهي العلامة الدالة على حالتهم التي وصفهم الله بها. وهذا لا ينافي حسبان الجاهل أنهم أغنياء، لأن الجاهل له ظاهر الأمر، والعارف: هو المتوسم المتفرس الذي يعرف الناس بسيماهم. فالمتوسمون خواص المؤمنين، كما قال تعالى ﴿إنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
السادسة: تركهم مسألة الناس، فلا يسألونهم إلحافا والإلحاف: هو الإلحاح والنفي متسلط عليهما معا، أي لا يسألون ولا يلحفون. فليس يقع منهم سؤال يكون بسببه إلحاف. وهذا كقوله على لا حب لا يهتدي لمناره أي ليس فيه منار فيهتدي به. وفيه كالتنبيه على أن المذموم من السؤال: هو سؤال الإلحاف. فأما السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم.
فهذه ست صفات للمستحقين للصدقة فألغاها أكثر الناس ولحظوا منها ظاهر الفقر، وزيه من غير حقيقته.
وأما سائر الصفات المذكورة فعزيز أهلها، ومن يعرفهم أعز. والله يختص بتوفيقه من يشاء فهؤلاء هم المحسنون في أموالهم.
القسم الثاني: الظالمون، وهم ضد هؤلاء، وهم الذين يذبحون المحتاج المضطر.
فإذا دعته الحاجة إليهم لم ينفّسوا كربته إلا بزيادة على ما يبذلونه له. وهم أهل الربا. فذكرهم تعالى بعد هذا فقال: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الفَقْرِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الفَقْرِ
هَذِهِ المَنزِلَةُ أشْرَفُ مَنازِلِ الطَّرِيقِ عِنْدَ القَوْمِ، وأعْلاها وأرْفَعُها. بَلْ هي رُوحُ كُلِّ مَنزِلَةٍ وسِرُّها ولُبُّها وغايَتُها.
وَهَذا إنَّما يُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الفَقْرِ. والَّذِي تُرِيدُ بِهِ هَذِهِ الطّائِفَةُ أخَصَّ مِن مَعْناهُ الأصْلِيِّ. فَإنَّ لَفْظَ الفَقْرِ وقَعَ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ.
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]- الآيَةَ أيِ الصَّدَقاتُ لِهَؤُلاءِ. كانَ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ. لَمْ يَكُنْ لَهم مَساكِنُ في المَدِينَةِ ولا عَشائِرُ. وكانُوا قَدْ حَبَسُوا أنْفُسَهم عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَكانُوا وقْفًا عَلى كُلِّ سَرِيَّةٍ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وهم أهْلُ الصُّفَّةِ. هَذا أحَدُ الأقْوالِ في إحْصارِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: هو حَبْسُهم أنْفُسَهم في طاعَةِ اللَّهِ. وقِيلَ: حَبْسُهُمُ الفَقْرُ والعُدْمُ عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: لَمّا عادَوْا أعْداءَ اللَّهِ وجاهَدُوهم في اللَّهِ تَعالى أحُصِرُوا عَنِ الضَّرْبِ في الأرْضِ لِطَلَبِ المَعاشِ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ.
والصَّحِيحُ: أنَّهم - لِفَقْرِهِمْ وعَجْزِهِمْ وضَعْفِهِمْ - لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ، ولِكَمالِ عِفَّتِهِمْ وصِيانَتِهِمْ يَحْسَبُهم مَن لَمْ يَعْرِفْ حالَهم أغْنِياءَ.
والمَوْضِعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة: ٦٠]- الآيَةَ.
والمَوْضِعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥].
فالصِّنْفُ الأوَّلُ: خَواصُّ الفُقَراءِ. والثّانِي: فُقَراءُ المُسْلِمِينَ خاصِّهِمْ وعامِّهِمْ. والثّالِثُ: الفَقْرُ العامُّ لِأهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ: غَنِيِّهِمْ وفَقِيرِهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ.
فالفُقَراءُ المَوْصُوفُونَ في الآيَةِ الأُولى: يُقابِلُهم أصْحابُ الجِدَةِ، ومَن لَيْسَ مُحْصَرًا في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن لا يَكْتُمُ فَقْرَهُ تَعَفُّفًا. فَمُقابِلُهم أكْثَرُ مِن مُقابِلِ الصِّنْفِ الثّانِي.
والصِّنْفُ الثّانِي: يُقابِلُهُمُ الأغْنِياءُ أهْلُ الجِدَةِ. ويَدْخُلُ فِيهِمُ المُتَعَفِّفُ وغَيْرُهُ. والمُحْصَرُ في سَبِيلِ اللَّهِ وغَيْرُهُ.
والصِّنْفُ الثّالِثُ: لا مُقابِلَ لَهم. بَلِ اللَّهُ وحْدَهُ الغَنِيُّ. وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ.
وَمُرادُ القَوْمِ بِالفَقْرِ شَيْءٌ أخَصُّ مِن هَذا كُلِّهِ. وهو تَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ. والِافْتِقارِ إلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ حالَةٍ.
وَهَذا المَعْنى أجَلُّ مَن أنْ يُسَمّى فَقْرًا. بَلْ هو حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ ولُبُّها. وعَزْلُ النَّفْسِ عَنْ مُزاحَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
وَسُئِلَ عَنْهُ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ. فَقالَ: حَقِيقَتُهُ أنْ لا يَسْتَغْنِيَ إلّا بِاللَّهِ، ورَسْمُهُ: عَدَمُ الأسْبابِ كُلِّها.
يَقُولُ: عَدَمُ الوُثُوقِ بِها والوُقُوفِ مَعَها. وهو كَما قالَ بَعْضُ المَشايِخِ: شَيْءٌ لا يَضَعُهُ اللَّهُ إلّا عِنْدَ مَن يُحِبُّهُ. ويَسُوقُهُ إلى مَن يُرِيدُهُ.
وَسُئِلَ رُوَيْمٌ عَنِ الفَقْرِ؟ فَقالَ: إرْسالُ النَّفْسِ في أحْكامِ اللَّهِ.
وَهَذا إنَّما يُحْمَدُ في إرْسالِها في الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ الَّتِي لا يُؤْمَرُ بِمُدافَعَتِها والتَّحَرُّزِ مِنها.
وَسُئِلَ أبُو حَفْصٍ: بِمَ يَقْدَمُ الفَقِيرُ عَلى رَبِّهِ؟ فَقالَ: ما لِلْفَقِيرِ شَيْءٌ يَقْدَمُ بِهِ عَلى رَبِّهِ سِوى فَقْرِهِ.
وَحَقِيقَةُ الفَقْرِ وكَمالُهُ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، وقَدْ سُئِلَ: مَتى يَسْتَحِقُّ الفَقِيرُ اسْمَ الفَقْرِ؟ فَقالَ: إذا لَمْ يَبْقِ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنهُ. فَقِيلَ لَهُ: وكَيْفَ ذاكَ؟ فَقالَ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ. وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَهو لَهُ.
وَهَذِهِ مِن أحْسَنِ العِباراتِ عَنْ مَعْنى الفَقْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ. وهو أنَّ كُلَّهُ يَصِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. لا يَبْقى عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِن نَفْسِهِ وحَظِّهِ وهَواهُ. فَمَتى بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ نَفْسِهِ فَفَقْرُهُ مَدْخُولٌ.
ثُمَّ فُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إذا كانَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ، أيْ: إذا كانَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ. وإذا لَمْ يَكُنْ لِنَفَسِهِ فَهو لِلَّهِ.
فَحَقِيقَةُ الفَقْرِ أنْ لا تَكُونَ لِنَفْسِكَ. ولا يَكُونَ لَها مِنكَ شَيْءٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّكَ لِلَّهِ. وإذا كُنْتَ لِنَفْسِكَ فَثَمَّ مِلْكٌ واسْتِغْناءٌ مُنافٍ لِلْفَقْرِ.
وَهَذا الفَقْرُ الَّذِي يُشِيرُونَ إلَيْهِ: لا تُنافِيهِ الجِدَةُ ولا الأمْلاكُ. فَقَدْ كانَ رُسُلُ اللَّهِ وأنْبِياؤُهُ في ذُرْوَتِهِ مَعَ جِدَتِهِمْ، ومُلْكِهِمْ، كَإبْراهِيمَ الخَلِيلِ ﷺ كانَ أبا الضِّيفانِ. وكانَتْ لَهُ الأمْوالُ والمَواشِي، وكَذَلِكَ كانَ سُلَيْمانُ وداوُدُ عَلَيْهِما السَّلامُ. وكَذَلِكَ كانَ نَبِيُّنا ﷺ، كانَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] فَكانُوا أغْنِياءَ في فَقْرِهِمْ. فُقَراءَ في غِناهم.
فالفَقْرُ الحَقِيقِيُّ: دَوامُ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ في كُلِّ حالٍ، وأنْ يَشْهَدَ العَبْدَ - في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ - فاقَةً تامَّةً إلى اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ وجْهٍ.
فالفَقْرُ ذاتِيٌّ لِلْعَبْدِ. وإنَّما يَتَجَدَّدُ لَهُ لِشُهُودِهِ ووُجُودِهِ حالًا، وإلّا فَهو حَقِيقَةٌ.
كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ. قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:
؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِيُّ
وَلَهُ آثارٌ وعَلاماتٌ ومُوجِباتٌ وأسْبابٌ أكْثَرُ إشاراتِ القَوْمِ إلَيْها. كَقَوْلِ بَعْضِهِمُ: الفَقِيرُ لا تَسْبِقُ هِمَّتَهُ خَطْوَتُهُ.
يُرِيدُ: أنَّهُ ابْنُ حالِهِ ووَقْتِهِ. فَهِمَّتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلى وقْتِهِ لا تَتَعَدّاهُ.
وَقِيلَ: أرْكانُ الفَقْرِ أرْبَعَةٌ: عِلْمٌ يَسُوسُهُ، ووَرَعٌ يَحْجِزُهُ، ويَقِينٌ يَحْمِلُهُ، وذِكْرٌ يُؤْنِسُهُ.
وَقالَ الشِّبْلِيُّ: حَقِيقَةُ الفَقْرِ أنْ لا يَسْتَغْنِيَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ.
وَسُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَتى يَسْتَرِيحُ الفَقِيرُ؟ فَقالَ: إذا لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ غَيْرَ الوَقْتِ الَّذِي هو فِيهِ.
وَقالَ أبُو حَفْصٍ: أحْسُنُ ما يَتَوَسَّلُ بِهِ العَبْدُ إلى اللَّهِ: دَوامُ الِافْتِقارِ إلَيْهِ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ. ومُلازَمَةُ السُّنَّةِ في جَمِيعِ الأفْعالِ، وطَلَبُ القُوتِ مِن وجْهٍ حَلالٍ.
وَقِيلَ: مِن حُكْمِ الفَقْرِ: أنْ لا تَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ. فَإذا كانَ ولا بُدَّ فَلا تُجاوِزُ رَغْبَتُهُ كِفايَتَهُ.
وَقِيلَ: الفَقِيرُ مَن لا يَمْلِكُ ولا يُمْلَكُ. وأتَمُّ مِن هَذا: مَن يَمْلِكُ ولا يَمْلِكُهُ مالِكٌ.
وَقِيلَ: مَن أرادَ الفَقْرَ لِشَرَفِ الفَقْرِ ماتَ فَقِيرًا. ومَن أرادَهُ لِئَلّا يَشْتَغِلَ عَنِ اللَّهِ بِشَيْءٍ ماتَ غَنِيًّا.
والفَقْرُ لَهُ بِدايَةٌ ونِهايَةٌ. وظاهِرٌ وباطِنٌ، فَبِدايَتُهُ: الذُّلُّ. ونِهايَتُهُ: العِزُّ. وظاهِرُهُ: العَدَمُ. وباطِنُهُ: الغِنى. كَما قالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: فَقْرٌ وذُلٌّ؟ فَقالَ: لا. بَلْ فَقَرٌّ وعِزٌّ. فَقالَ: فَقْرٌ وثَراءٌ؟ فَقالَ: لا بَلْ فَقَرٌّ وعَرْشٌ، وكِلاهُما مُصِيبٌ.
واتَّفَقَتْ كَلِمَةُ القَوْمِ عَلى أنَّ دَوامَ الِافْتِقارِ إلى اللَّهِ - مَعَ التَّخْلِيطِ - خَيْرٌ مِن دَوامِ الصَّفاءِ مَعَ رُؤْيَةِ النَّفْسِ والعُجْبِ، مَعَ أنَّهُ لا صَفاءَ مَعَهُما.
وَإذا عَرَفْتَ مَعْنى الفَقْرِ عَلِمْتَ أنَّهُ عَيْنُ الغِنى بِاللَّهِ.
فَلا مَعْنى لِسُؤالِ مَن سَألَ: أيُّ الحالَيْنِ أكْمَلُ؟ الِافْتِقارُ إلى اللَّهِ، أمْ الِاسْتِغْناءُ بِهِ؟
فَهَذِهِ مَسْألَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ. فَإنَّ الِاسْتِغْناءَ بِهِ هو عَيْنُ الِافْتِقارِ إلَيْهِ.
وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الفَرَغانِيُّ فَقالَ: إذا صَحَّ الِافْتِقارُ إلى اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَحَّ الِاسْتِغْناءُ بِاللَّهِ، وإذا صَحَّ الِاسْتِغْناءُ بِاللَّهِ كَمَلَ الغِنى بِهِ.
فَلا يُقالُ أيُّهُما أفْضَلُ: الِافْتِقارُ أمْ الِاسْتِغْناءُ؟ لِأنَّهُما حالَتانِ لا تَتِمُّ إحْداهُما إلّا بِالأُخْرى.
وَأمّا كَلامُهم في مَسْألَةِ الفَقِيرِ الصّابِرِ، والغَنِيِّ الشّاكِرِ وتَرْجِيحِ أحَدِهِما عَلى صاحِبِهِ.
فَعِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ والمَعْرِفَةِ: أنَّ التَّفْضِيلَ لا يَرْجِعُ إلى ذاتِ الفَقْرِ والغِنى. وإنَّما يَرْجِعُ إلى الأعْمالِ والأحْوالِ والحَقائِقِ. فالمَسْألَةُ أيْضًا فاسِدَةٌ في نَفْسِها. فَإنَّ التَّفْضِيلَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّقْوى، وحَقائِقِ الإيمانِ. لا بِفَقْرٍ ولا غِنًى، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ولَمْ يَقُلْ أفْقَرُكم ولا أغْناكم.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - والفَقْرُ والغِنى ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٥-١٦] كَلّا أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن وسَّعْتُ عَلَيْهِ وأعْطَيْتُهُ: أكُونُ قَدْ أكْرَمْتُهُ، ولا كُلُّ مَن ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ وقَتَّرْتُ: أكُونُ قَدْ أهَنْتُهُ، فالإكْرامُ: أنْ يُكْرِمَ اللَّهُ العَبْدَ بِطاعَتِهِ، والإيمانِ بِهِ، ومَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ. والإهانَةُ: أنْ يَسْلُبَهُ ذَلِكَ.
قالَ - يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ - ولا يَقَعُ التَّفاضُلُ بِالغِنى والفَقْرِ. بَلْ بِالتَّقْوى، فَإنِ اسْتَوَيا في التَّقْوى اسْتَوَيا في الدَّرَجَةِ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَتَذاكَرُوا هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ. فَقالَ: لا يُوزَنُ غَدًا الفَقْرُ ولا الغِنى، وإنَّما يُوزَنُ الصَّبْرُ والشُّكْرُ.
(فائدة)
الإلْحاحُ يُنافِي حالَ الرِّضا ووَصْفَهُ. وقَدْ أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الَّذِينَ لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا. فَقالَ تَعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾.
فَقالَتْ طائِفَةٌ: يَسْألُونَ النّاسَ ما تَدْعُو حاجَتُهم إلى سُؤالِهِ. ولَكِنْ لا يُلْحِفُونَ. فَنَفى اللَّهُ عَنْهم سُؤالَ الإلْحافِ، لا مُطْلَقَ السُّؤالِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا كانَ عِنْدَهُ غَداءٌ لَمْ يَسْألْ عَشاءً. وإذا كانَ عِنْدَهُ عَشاءٌ لَمْ يَسْألْ غَداءً.
وَقالَتْ طائِفَةٌ - مِنهُمُ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ وغَيْرُهُما - بَلِ الآيَةُ اقْتَضَتْ تَرْكَ السُّؤالِ مُطْلَقًا. لِأنَّهم وُصِفُوا بِالتَّعَفُّفِ، والمَعْرِفَةِ بِسِيماهُمْ، دُونَ الإفْصاحِ بِالمَسْألَةِ. لِأنَّهم لَوْ أفْصَحُوا بِالسُّؤالِ لَمْ يَحْسَبْهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في وجْهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾.
فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا يَكُونُ مِنهم سُؤالٌ، فَيَقَعُ إلْحافٌ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أيْ لا تَكُونُ شَفاعَةٌ فَتَنْفَعَ. وكَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] أيْ لا يَكُونُ عَدْلٌ فَيُقْبَلَ، ونَظائِرُهُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ
أيْ لَيْسَ لَهُ مَنارٌ يُهْتَدى بِهِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وتَأْوِيلُ الآيَةِ: لا يَسْألُونَ ألْبَتَّةَ. فَيُخْرِجَهُمُ السُّؤالُ في بَعْضِ الأوْقاتِ إلى الإلْحافِ. فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِكَ: فُلانٌ لا يُرْجى خَيْرُهُ. أيْ لَيْسَ لَهُ خَيْرٌ فَيُرْجى.
وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَثْبُتْ في هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ مِنهم. لِأنَّ المَعْنى: لَيْسَ مِنهم مَسْألَةٌ، فَيَكُونَ مِنهم إلْحافٌ. قالَ: ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا يُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ
أيْ لَيْسَ بِها أرْنَبٌ فَتُفْزَعَ لِهَوْلِها، ولا ضَبٌّ فَيَنْجَحِرَ.
وَقالَ الفَرّاءُ: نَفى الإلْحافَ عَنْهم. وهو يُرِيدُ نَفْيَ جَمِيعِ السُّؤالِ.
(فَصْلٌ)
حُكْمُ المَسْألَةِ
والمَسْألَةُ في الأصْلِ حَرامٌ. وإنَّما أُبِيحَتْ لِلْحاجَةِ والضَّرُورَةِ. لِأنَّها ظُلْمٌ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ. وظُلْمٌ في حَقِّ المَسْئُولِ. وظُلْمٌ في حَقِّ السّائِلِ.
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ بَذَلَ سُؤالَهُ وفَقْرَهُ وذُلَّهُ واسْتِعْطاءَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وذَلِكَ نَوْعُ عُبُودِيَّةٍ. فَوَضَعَ المَسْألَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها. وأنْزَلَها بِغَيْرِ أهْلِها. وظَلَمَ تَوْحِيدَهُ وإخْلاصَهُ. وفَقْرَهُ إلى اللَّهِ، وتَوَكُّلَهُ عَلَيْهِ ورِضاهُ بِقَسْمِهِ. واسْتَغْنى بِسُؤالِ النّاسِ عَنْ مَسْألَةِ رَبِّ النّاسِ. وذَلِكَ كُلُّهُ يَهْضِمُ مِن حَقِّ التَّوْحِيدِ، ويُطْفِئُ نُورَهُ ويُضْعِفُ قُوَّتَهُ.
وَأمّا ظُلْمُهُ لِلْمَسْئُولِ: فَلِأنَّهُ سَألَهُ ما لَيْسَ عِنْدَهُ. فَأوْجَبَ لَهُ بِسُؤالِهِ عَلَيْهِ حَقًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ. وعَرَّضَهُ لِمَشَقَّةِ البَذْلِ، أوْ لَوْمِ المَنعِ. فَإنْ أعْطاهُ، أعْطاهُ عَلى كَراهَةٍ. وإنْ مَنعَهُ. مَنَعَهُ عَلى اسْتِحْياءٍ وإغْماضٍ. هَذا إذا سَألَهُ ما لَيْسَ عَلَيْهِ. وأمّا إذا سَألَهُ حَقًّا هو لَهُ عِنْدَهُ: فَلَمْ يَدْخُلْ في ذَلِكَ. ولَمْ يَظْلِمْهُ بِسُؤالِهِ.
وَأمّا ظُلْمُهُ لِنَفْسِهِ: فَإنَّهُ أراقَ ماءَ وجْهِهِ. وذَلَّ لِغَيْرِ خالِقِهِ. وأنْزَلَ نَفْسَهُ أدْنى المَنزِلَتَيْنِ. ورَضِيَ لَها بِأبْخَسِ الحالَتَيْنِ. ورَضِيَ بِإسْقاطِ شَرَفِ نَفْسِهِ، وعِزَّةِ تَعَفُّفِهِ، وراحَةِ قَناعَتِهِ. وباعَ صَبْرَهُ ورِضاهُ وتَوَكُّلَهُ، وقَناعَتَهُ بِما قُسِمَ لَهُ، واسْتِغْناءَهُ عَنِ النّاسِ بِسُؤالِهِمْ. وهَذا عَيْنُ ظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ. إذْ وضَعَها في غَيْرِ مَوْضِعِها. وأخْمَلَ شَرَفَها. ووَضَعَ قَدْرَها. وأذْهَبَ عِزَّها. وصَغَّرَها وحَقَّرَها. ورَضِيَ أنْ تَكُونَ نَفْسُهُ تَحْتَ نَفْسِ المَسْئُولِ. ويَدُهُ تَحْتَ يَدِهِ. ولَوْلا الضَّرُورَةُ لَمْ يُبَحْ ذَلِكَ في الشَّرْعِ.
وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسْألُ النّاسَ حَتّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن سَألَ النّاسَ أمْوالَهم تَكَثُّرًا، فَإنَّما يَسْألُ جَمْرًا. فَلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأنْ يَأْخُذَ أحَدُكم حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلى النّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْألَهُ، أعْطاهُ أوْ مَنَعَهُ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَأنْ يَغْدُوَ أحَدُكُمْ، فَيَحْتَطِبَ عَلى ظَهْرِهِ. فَيَتَصَدَّقَ بِهِ، ويَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنِ النّاسِ: خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَسْألَ رَجُلًا، أعْطاهُ أوْ مَنَعَهُ. ذَلِكَ بِأنَّ اليَدَ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى. وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ». زادَ الإمامُ أحْمَدُ «وَلَأنْ يَأْخُذَ تُرابًا فَيَجْعَلَهُ في فِيهِ: خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَجْعَلَ في فِيهِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَأنْ يَأْخُذَ أحَدُكم حَبْلَهُ. فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنَ الحَطَبِ عَلى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَها. فَيَكُفَّ اللَّهُ بِها وجْهَهُ: خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَسْألَ النّاسَ، أعْطَوْهُ أوْ مَنَعُوهُ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ ناسًا مِنَ الأنْصارِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَأعْطاهُمْ، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطاهُمْ، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطاهم. حَتّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ. فَقالَ لَهم - حِينَ أنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ -: ما يَكُونُ عِنْدِي مِن خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكم. ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ. ومَن يَتَصَبَّرُ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ. وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطاءً خَيْرًا وأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: - وهو عَلى المِنبَرِ وذَكَرَ الصَّدَقَةَ والتَّعَفُّفَ والمَسْألَةَ - اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى. فاليَدُ العُلْيا: هي المُنْفِقَةُ. واليَدُ السُّفْلى: هي السّائِلَةُ». رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْطانِي. ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطانِي. ثُمَّ قالَ: يا حَكِيمُ، إنَّ هَذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ. فَمَن أخَذَهُ بِسَخاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ. ومَن أخَذَهُ بِإشْرافِ نَفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لَهُ فِيهِ. وكانَ كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ. واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى. قالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لا أرْزَأُ أحَدًا بِعْدَكَ شَيْئًا حَتّى أُفارِقَ الدُّنْيا. وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا إلى العَطاءِ فَيَأْبى أنْ يَقْبَلَهُ مِنهُ. ثُمَّ إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعاهُ لِيُعْطِيَهُ. فَأبى أنْ يَقْبَلَ مِنهُ شَيْئًا. فَقالَ عُمَرُ: إنِّي أُشْهِدُكم يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلى حَكِيمٍ: أنِّي أعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِن هَذا الفَيْءِ، فَيَأْبى أنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أحَدًا مِنَ النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى تُوُفِّيَ». مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي كاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: قالَ: «كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أنِ اكْتُبْ إلَيَّ شَيْئًا سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَكَتَبَ إلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكم ثَلاثًا. قِيلَ وقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ». رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
وَعَنْ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا تُلْحِفُوا في المَسْألَةِ. فَواللَّهِ لا يَسْألُنِي أحَدٌ مِنكم شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْألَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وأنا لَهُ كارِهٌ. فَيُبارَكَ لَهُ فِيما أعْطَيْتُهُ» ..
وَفِي لَفْظٍ «إنَّما أنا خازِنٌ. فَمَن أعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ فَيُبارَكُ لَهُ فِيهِ، ومَن أعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْألَةٍ وشَرَهٍ كانَ كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ». رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: حَدَّثَنِي الحَبِيبُ الأمِينُ - أمّا هُوَ: فَحَبِيبٌ إلَيَّ. وأمّا هو عِنْدِي: فَأمِينٌ. عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةً - أوْ ثَمانِيَةً، أوْ سَبْعَةً - فَقالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ - وكُنّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِبَيْعَتِهِ - فَقُلْنا: قَدْ بايَعْناكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقُلْنا: قَدْ بايَعْناكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: فَبَسَطْنا أيْدِيَنا. وقُلْنا: قَدْ بايَعْناكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَعَلامَ نُبايِعُكَ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. والصَّلَواتِ الخَمْسِ. وتُطِيعُوا اللَّهَ - وأسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - ولا تَسْألُوا النّاسَ شَيْئًا. فَلَقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أحَدِهِمْ فَما يَسْألُ أحَدًا يُناوِلُهُ إيّاهُ». رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ المَسْألَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِها الرَّجُلُ وجْهَهُ، إلّا أنْ يَسْألَ الرَّجُلُ سُلْطانًا، أوْ في أمْرٍ لا بُدَّ مِنهُ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
البقرة 2:274
فذكر عموم الأوقات وعموم الأحوال فأتى بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار وعلى آية حال وجد سرا وعلانية فإنه سبب للجزاء على كل حال فليبادر به العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار ولا نفقة النهار إلى الليل ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر ولا بنفقة السر وقت العلانية فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت سبب في أجره وثوابه فتدبر هذه الأسرار في القرآن فلعلك لا تظفر بها تمر بك في التفاسير والمنة والفضل لله وحده لا شريك له.
البقرة 2:275
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ اتِّحادِ الجِنْسِ واخْتِلافِهِ في تَحْرِيمِ الرِّبا]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ بَيْعَ مُدَّ حِنْطَةٍ بِمُدٍّ وحَفْنَةٍ، وجَوَّزَ بَيْعَهُ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ " فَهَذا مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لا يَهْتَدِي إلَيْها إلّا أُولُو العُقُولِ الوافِرَةِ، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى حِكْمَةِ ذَلِكَ إشارَةً بِحَسَبِ عُقُولِنا الضَّعِيفَةِ وعِباراتِنا القاصِرَةِ، وشَرْعُ الرَّبِّ تَعالى وحِكْمَتُهُ فَوْقَ عُقُولِنا وعِباراتِنا، فَنَقُولُ:
الرِّبا نَوْعانِ: جَلِيٌّ وخَفِيٌّ، فالجَلِيُّ حُرِّمَ لِما فِيهِ مِن الضَّرَرِ العَظِيمِ، والخَفِيُّ حُرِّمَ؛ لِأنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلى الجَلِيِّ؛ فَتَحْرِيمُ الأوَّلِ قَصْدًا، وتَحْرِيمُ الثّانِي وسِيلَةً: فَأمّا الجَلِيُّ فَرِبا النَّسِيئَةِ، وهو الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، مِثْلُ أنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ ويَزِيدَهُ في المالِ، وكُلَّما أخَّرَهُ زادَ في المالِ، حَتّى تَصِيرَ المِائَةُ عِنْدَهُ آلافًا مُؤَلَّفَةً؛ وفي الغالِبِ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا مُعْدَمٌ مُحْتاجٌ؛ فَإذا رَأى أنَّ المُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطالَبَتَهُ ويَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيادَةٍ يَبْذُلُها لَهُ تَكَلَّفَ بَذْلَها لِيَفْتَدِيَ مِن أسْرِ المُطالَبَةِ والحَبْسِ، ويُدافِعَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، ويَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ، فَيَرْبُو المالُ عَلى المُحْتاجِ مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ، ويَزِيدُ مالُ المُرابِي مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ مِنهُ لِأخِيهِ، فَيَأْكُلُ مالَ أخِيهِ بِالباطِلِ، ويَحْصُلُ أخُوهُ عَلى غايَةِ الضَّرَرِ، فَمِن رَحْمَةِ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وحِكْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى خَلْقِهِ أنْ حَرَّمَ الرِّبا، ولَعَنَ آكِلَهُ ومُؤَكِّلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَيْهِ، وآذَنَ مَن لَمْ يَدَعْهُ بِحَرْبِهِ وحَرْبِ رَسُولِهِ، ولَمْ يَجِئْ مِثْلُ هَذا الوَعِيدِ في كَبِيرَةٍ غَيْرَهُ، ولِهَذا كانَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ الرِّبا الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ فَقالَ: هو أنْ يَكُونَ لَهُ دَيْنٌ فَيَقُولُ لَهُ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟ فَإنْ لَمْ يَقْضِهِ زادَهُ في المالِ وزادَهُ هَذا في الأجَلِ؛ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرِّبا ضِدَّ الصَّدَقَةِ، فالمُرابِي ضِدُّ المُتَصَدِّقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقالَ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]
ثُمَّ ذَكَرَ الجَنَّةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وهَؤُلاءِ ضِدُّ المُرابِينَ، فَنَهى سُبْحانَهُ عَنْ الرِّبا الَّذِي هو ظُلْمٌ لِلنّاسِ، وأمَرَ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي هي إحْسانٌ إلَيْهِمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ» ومِثْلُ هَذا يُرادُ بِهِ حَصْرُ الكَمالِ وأنَّ الرِّبا الكامِلَ إنّما هو في النَّسِيئَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وكَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إنّما العالِمُ الَّذِي يَخْشى اللَّهَ ".
[فَصْلٌ: رِبا الفَضْلِ]
وَأمّا رِبا الفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ؛ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم الرِّمّا» والرِّمّا هو الرِّبا، فَمَنَعَهم مِن رِبا الفَضْلِ لِما يَخافُهُ عَلَيْهِمْ مِن رِبا النَّسِيئَةِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا باعُوا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ولا يُفْعَلُ هَذا إلّا لِلتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَ النَّوْعَيْنِ - إمّا في الجَوْدَةِ، وإمّا في السِّكَّةِ، وإمّا في الثِّقَلِ والخِفَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ - تَدَرَّجُوا بِالرِّبْحِ المُعَجَّلِ فِيها إلى الرِّبْحِ المُؤَخَّرِ، وهو عَيْنُ رِبا النَّسِيئَةِ، وهَذِهِ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ جِدًّا؛ فَمِن حِكْمَةِ الشّارِعِ أنْ سَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ، ومَنَعَهم مِن بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدًا ونَسِيئَةً؛ فَهَذِهِ حِكْمَةٌ مَعْقُولَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْعُقُولِ، وهي تَسُدُّ عَلَيْهِمْ بابَ المَفْسَدَةِ.
فَإذا تَبَيَّنَ هَذا فَنَقُولُ: الشّارِعُ نَصَّ عَلى تَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ في سِتَّةِ أعْيانٍ، وهي الذَّهَبُ، والفِضَّةُ، والبُرُّ، والشَّعِيرُ، والتَّمْرُ، والمِلْحُ، فاتَّفَقَ النّاسُ عَلى تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ فِيها مَعَ اتِّحادِ الجِنْسِ، وتَنازَعُوا فِيما عَداها؛ فَطائِفَةٌ قَصَرَتْ التَّحْرِيمَ عَلَيْها، وأقْدَمُ مَن يُرْوى هَذا عَنْهُ قَتادَةُ، وهو مَذْهَبُ أهْلِ الظّاهِرِ، واخْتِيارُ ابْنِ عَقِيلٍ في آخِرِ مُصَنَّفاتِهِ مَعَ قَوْلِهِ بِالقِياسِ، قالَ: لِأنَّ عِلَلَ القِياسِيَّيْنِ في مَسْألَةِ الرِّبا عِلَلٌ ضَعِيفَةٌ، وإذا لَمْ تَظْهَرْ في عِلَّةٍ امْتَنَعَ القِياسُ.
وَطائِفَةٌ حَرَّمَتْهُ في كُلِّ مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ، وهَذا مَذْهَبُ عَمّارٍ وأحْمَدَ في ظاهِرِ مَذْهَبِهِ وأبِي حَنِيفَةَ، وطائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالطَّعامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا ولا مَوْزُونًا، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ ورِوايَةٌ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ، وطائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالطَّعامِ إذا كانَ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ورِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ وقَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ، وطائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالقُوتِ وما يُصْلِحُهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وهو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ كَما سَتَراهُ.
وَأمّا الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: العِلَّةُ فِيهِما كَوْنُهُما مَوْزُونَيْنِ، وهَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وطائِفَةٌ قالَتْ: العِلَّةُ فِيهِما الثَّمَنِيَّةُ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ في الرِّوايَةِ الأُخْرى، وهَذا هو الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوابُ، فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى جَوازِ إسْلامِهِما في المَوْزُوناتِ مِن النُّحاسِ والحَدِيدِ وغَيْرِهِما؛ فَلَوْ كانَ النُّحاسُ والحَدِيدُ رِبَوِيَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُما إلى أجَلٍ بِدَراهِمَ نَقْدًا؛ فَإنَّ ما يَجْرِي فِيهِ الرَّدُّ إذا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ جازَ التَّفاضُلُ فِيهِ دُونَ النِّساءِ، والعِلَّةُ إذا انْتَقَضَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ دَلَّ عَلى بُطْلانِها.
وَأيْضًا فالتَّعْلِيلُ بِالوَزْنِ لَيْسَ فِيهِ مُناسَبَةٌ، فَهو طَرْدٌ مَحْضٌ، بِخِلافِ التَّعْلِيلِ بِالثَّمَنِيَّةِ، فَإنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ أثْمانُ المَبِيعاتِ، والثَّمَنُ هو المِعْيارُ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ تَقْوِيمُ الأمْوالِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْدُودًا مَضْبُوطًا لا يَرْتَفِعُ ولا يَنْخَفِضُ؛ إذْ لَوْ كانَ الثَّمَنُ يَرْتَفِعُ ويَنْخَفِضُ كالسِّلَعِ لَمْ يَكُنْ لَنا ثَمَنٌ نَعْتَبِرُ بِهِ المَبِيعاتِ، بَلْ الجَمِيعُ سِلَعٌ، وحاجَةُ النّاسِ إلى ثَمَنٍ يَعْتَبِرُونَ بِهِ المَبِيعاتِ حاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عامَّةٌ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِسِعْرٍ تُعْرَفُ بِهِ القِيمَةُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِثَمَنٍ تُقَوَّمُ بِهِ الأشْياءُ، ويَسْتَمِرُّ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، ولا يَقُومُ هو بِغَيْرِهِ؛ إذْ يَصِيرُ سِلْعَةً يَرْتَفِعُ ويَنْخَفِضُ، فَتَفْسُدُ مُعامَلاتُ النّاسِ، ويَقَعُ الخُلْفُ، ويَشْتَدُّ الضَّرَرُ، كَما رَأيْت مِن فَسادِ مُعامَلاتِهِمْ والضَّرَرُ اللّاحِقُ بِهِمْ حِينَ اتُّخِذَتْ الفُلُوسُ سِلْعَةً تُعَدُّ لِلرِّبْحِ فَعَمَّ الضَّرَرُ وحَصَلَ الظُّلْمُ، ولَوْ جَعَلْت ثَمَنًا واحِدًا لا يَزْدادُ ولا يَنْقُصُ بَلْ تَقُومُ بِهِ الأشْياءُ ولا تَقُومُ هي بِغَيْرِها لِصُلْحِ أمْرِ النّاسِ، فَلَوْ أُبِيحَ رِبا الفَضْلِ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ - مِثْلُ أنْ يُعْطِيَ صِحاحًا ويَأْخُذَ مُكَسَّرَةً أوْ خِفافًا ويَأْخُذَ ثِقالًا أكْثَرَ مِنها - لَصارَتْ مَتْجَرًا، أوْ جَرَّ ذَلِكَ إلى رِبا النَّسِيئَةِ فِيها ولا بُدَّ؛ فالأثْمانُ لا تُقْصَدُ لِأعْيانِها، بَلْ يُقْصَدُ التَّوَصُّلُ بِها إلى السِّلَعِ، فَإذا صارَتْ في أنْفُسِها سِلَعًا تُقْصَدُ لِأعْيانِها فَسَدَ أمْرُ النّاسِ، وهَذا مَعْنًى مَعْقُولٌ يَخْتَصُّ بِالنُّقُودِ لا يَتَعَدّى إلى سائِرِ المَوْزُوناتِ.
[فَصْلٌ: حِكْمَةُ تَحْرِيمِ رِبا النَّساءِ في المَطْعُومِ]
وَأمّا الأصْنافُ الأرْبَعَةُ المَطْعُومَةُ فَحاجَةُ النّاسِ إلَيْها أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى غَيْرِها؛ لِأنَّها أقْواتُ العالَمِ، وما يُصْلِحُها؛ فَمِن رِعايَةِ
مَصالِحِ العِبادِ أنْ مُنِعُوا مِن بَيْعِ بَعْضِها بِبَعْضٍ إلى أجَلٍ، سَواءٌ اتَّحَدَ الجِنْسُ أوْ اخْتَلَفَ، ومُنِعُوا مِن بَيْعِ بَعْضِها بِبَعْضٍ حالًّا مُتَفاضِلًا وإنْ اخْتَلَفَتْ صِفاتُها؛ وجُوِّزَ لَهم التَّفاضُلُ فِيها مَعَ اخْتِلافِ أجْناسِها.
وَسِرُّ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَوْ جُوِّزَ بَيْعُ بَعْضِها بِبَعْضٍ نَساءً لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا إذا رَبِحَ، وحِينَئِذٍ تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِبَيْعِها حالَّةً لِطَمَعِهِ في الرِّبْحِ، فَيَعِزُّ الطَّعامُ عَلى المُحْتاجِ، ويَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وعامَّةُ أهْلِ الأرْضِ لَيْسَ عِنْدَهم دَراهِمُ ولا دَنانِيرُ، لا سِيَّما أهْلُ العَمُودِ والبَوادِي، وإنَّما يَتَناقَلُونَ الطَّعامَ بِالطَّعامِ؛ فَكانَ مِن رَحْمَةِ الشّارِعِ بِهِمْ وحِكْمَتِهِ أنْ مَنَعَهم مِن رِبا النَّساءِ فِيها كَما مَنَعَهم مِن رِبا النَّساءِ في الأثْمانِ؛ إذْ لَوْ جَوَّزَ لَهم النَّساءَ فِيها لَدَخَلَها: " إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ " فَيَصِيرُ الصّاعُ الواحِدُ لَوْ أخَذَ قُفْزانًا كَثِيرَةً، فَفُطِمُوا عَنْ النَّساءِ، ثُمَّ فَطَمُوا عَنْ بَيْعِها مُتَفاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، إذْ تَجُرُّهم حَلاوَةُ الرِّبْحِ وظُفْرُ الكَسْبِ إلى التِّجارَةِ فِيها نَساءً وهو عَيْنُ المَفْسَدَةِ، وهَذا بِخِلافِ الجِنْسَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ؛ فَإنَّ حَقائِقَهُما وصِفاتِهِما ومَقاصِدَهُما مُخْتَلِفَةٌ؛ فَفي إلْزامِهِمْ المُساواةَ في بَيْعِها إضْرارٌ بِهِمْ، ولا يَفْعَلُونَهُ، وفي تَجْوِيزِ النَّساءِ بَيْنَها ذَرِيعَةٌ إلى: " إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ " فَكانَ مِن تَمامِ رِعايَةِ مَصالِحِهِمْ أنْ قَصَرَهم عَلى بَيْعِها يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شاءُوا، فَحَصَلَتْ لَهم مَصْلَحَةُ المُبادَلَةِ، وانْدَفَعَتْ عَنْهم مَفْسَدَةُ: " إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ ". وهَذا بِخِلافِ ما إذا بِيعَتْ بِالدَّراهِمِ أوْ غَيْرِها مِن المَوْزُوناتِ نَساءً فَإنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذَلِكَ، فَلَوْ مَنَعُوا مِنهُ لَأضَرَّ بِهِمْ، ولامْتَنَعَ السَّلَمُ الَّذِي هو مِن مَصالِحِهِمْ فِيما هم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِمْ، والشَّرِيعَةُ لا تَأْتِي بِهَذا، ولَيْسَ بِهِمْ حاجَةً في بَيْعِ هَذِهِ الأصْنافِ بَعْضُها بِبَعْضٍ نَساءً وهو ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ إلى مَفْسَدَةِ الرِّبا، فَأُبِيحَ لَهم في جَمِيعِ ذَلِكَ ما تَدْعُو إلَيْهِ حاجَتُهم ولَيْسَ بِذَرِيعَةٍ إلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، ومُنِعُوا مِمّا لا تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ ويُتَذَرَّعُ بِهِ غالِبًا إلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ مَن عِنْدَهُ صِنْفٌ مِن هَذِهِ الأصْنافِ وهو مُحْتاجٌ إلى الصِّنْفِ الآخَرِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى بَيْعِهِ بِالدَّراهِمِ لِيَشْتَرِيَ الصِّنْفَ الآخَرَ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بِعْ الجَمْعَ بِالدَّراهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّراهِمِ جَنِيبًا» أوْ تَبِيعَهُ بِذَلِكَ الصِّنْفِ نَفْسِهِ بِما يُساوِي، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَحْتاجُ إلى بَيْعِهِ حالًّا، بِخِلافِ ما إذا مُكِّنَ مِن النَّساءِ، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَبِيعُهُ بِفَضْلٍ، ويَحْتاجُ أنْ يَشْتَرِيَ الصِّنْفَ الآخَرَ بِفَضْلٍ؛ لِأنَّ صاحِبَ ذَلِكَ الصِّنْفِ يُرْبِي عَلَيْهِ كَما أرْبى هو عَلى غَيْرِهِ، فَيَنْشَأُ مِن النَّساءِ تَضَرُّرٌ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والنَّساءُ هاهُنا في صِنْفَيْنِ، وفي النَّوْعِ الأوَّلِ في صِنْفٍ واحِدٍ، وكِلاهُما مَنشَأُ الضَّرَرِ والفَسادِ.
وَإذا تَأمَّلْت ما حُرِّمَ فِيهِ النَّساءُ رَأيْته إمّا صِنْفًا واحِدًا أوْ صِنْفَيْنِ مَقْصُودُهُما واحِدٌ أوْ مُتَقارِبٌ، كالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، والبُرِّ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، فَإذا تَباعَدَتْ المَقاصِدُ لَمْ يَحْرُمْ النَّساءُ كالبُرِّ والثِّيابِ والحَدِيدِ والزَّيْتِ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِن بَيْعِ مُدِّ حِنْطَةٍ بِمَدَّيْنِ كانَ ذَلِكَ تِجارَةً حاضِرَةً، فَتَطْلُبُ النُّفُوسُ التِّجارَةَ المُؤَخَّرَةَ لِلَذَّةِ الكَسْبِ وحَلاوَتِهِ؛ فَمُنِعُوا مِن ذَلِكَ حَتّى مُنِعُوا مِن التَّفَرُّقِ قَبْلَ القَبْضِ إتْمامًا لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، ورِعايَةً لِهَذِهِ المَصْلَحَةِ؛ فَإنَّ المُتَعاقِدَيْنِ قَدْ يَتَعاقَدانِ عَلى الحُلُولِ، والعادَةُ جارِيَةٌ بِصَبْرِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، وكَما يَفْعَلُ أرْبابُ الحِيَلِ: يُطْلِقُونَ العَقْدَ وقَدْ تَواطَئُوا عَلى أمْرٍ آخَرَ، كَما يُطْلِقُونَ عَقْدَ النِّكاحِ وقَدْ اتَّفَقُوا عَلى التَّحْلِيلِ، ويُطْلِقُونَ بَيْعَ السِّلْعَةِ إلى أجَلٍ وقَدْ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يُعِيدُها إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ فَلَوْ جُوِّزَ لَهم التَّفَرُّقُ قَبْلَ القَبْضِ لَأطْلَقُوا البَيْعَ حالًّا وأخَّرُوا الطَّلَبَ لِأجْلِ الرِّبْحِ، فَيَقَعُوا في نَفْسِ المَحْذُورِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّهم مُنِعُوا مِن التِّجارَةِ في الأثْمانِ بِجِنْسِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الأثْمانِ، ومُنِعُوا مِن التِّجارَةِ في الأقْواتِ بِجِنْسِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الأقْواتِ، وهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ في بَيْعِ التِّبْرِ والعَيْنِ؛ لِأنَّ التِّبْرَ لَيْسَ فِيهِ صَنْعَةٌ يُقْصَدُ لِأجْلِها؛ فَهو بِمَنزِلَةِ الدَّراهِمِ الَّتِي قَصَدَ الشّارِعُ ألّا يُفاضِلَ بَيْنَها، ولِهَذا قالَ: " تِبْرُها وعَيْنُها سَواءٌ " فَظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَحْرِيمِ رِبا النَّساءِ في الجِنْسِ والجِنْسَيْنِ، ورِبا الفَضْلِ في الجِنْسِ الواحِدِ، وأنَّ تَحْرِيمَ هَذا تَحْرِيمُ المَقاصِدِ وتَحْرِيمَ الآخَرِ تَحْرِيمُ الوَسائِلِ وسَدُّ الذَّرائِعِ، ولِهَذا لَمْ يُبَحْ شَيْءٌ مِن رِبا النَّسِيئَةِ.
البقرة 2:276
عاقب الله من احتال على أكل أموال الناس بالربا بأن يمحق ماله. كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا ويُرْبى الصَّدَقاتِ﴾.
فلا بد أن يمحق مال المرابي ولو بلغ ما بلغ.
وأصل هذا: أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرائم بضد ما قصدوا له بتلك الجرائم، فجعل عقوبة الكاذب إهدار كلامه ورده عليه.
وجعل عقوبة الغال من الغنيمة لما قصد تكثير ماله بالغلول: حرمانه سهمه، وإحراق متاعه.
وجعل عقوبة من اصطاد في الحرم أو الإحرام: تحريم أكل ما صاده، وتغريمه نظيره.
وجعل عقوبة من تكبر عن قبول الحق والانقياد له: أن ألزمه من الذل والصغار بحسب ما تكبر عنه من الحق.
وجعل عقوبة من استكبر عن عبوديته وطاعته: أن صيره عبدا لأهل عبوديته وطاعته.
وجعل عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق: أن تقطع أطرافه، وتقطع عليه الطرق كلها بالنفى من الأرض، فلا يسير فيها إلا خائفًا.
وجعل عقوبة من التذ بدنه كله وروحه بالوطء الحرام: إيلام بدنه وروحه بالجلد والرجم فيصل الألم إلى حيث وصلت اللذة.
وشرع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عقوبة من اطلع في بيت غيره: أن تقلع عينه بعود ونحوه، إفسادًا للعضو الذي خانه، وأولجه بيته بغير إذنه، واطلع به على حرمته.
وعاقب كل خائن بأنه يضل كيده ويبطله ولا يهديه المقصوده وإن نال بعضه، فالذي ناله سبب لزيادة عقوبته وخيبته: ﴿وَأنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢].
وعاقب من حرص على الولاية، والإمارة والقضاء، بأن شرع منعه وحرمانه ما حرص عليه كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " إنّا لا نُوَلّى عَمَلَنا هذا مَن سَألهُ".
ولهذا عاقب أبا البشر آدم عليه السلام: بأن أخرجه من الجنة لما عصاه بالأكل من الشجرة ليخلد فيها، فكانت عقوبته إخراجه منها، ضد ما أمله.
وعاقب من اتخذ معه إلها آخر، ينتصر به، ويتعزز به: بأن جعله عليه ضدا يذل به، ويخذل به. كما قال تعالى: ﴿واتّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدا﴾ [مريم: ٨١-٨٢] وقال تعالى ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلّهم يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مْحُضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥]
وقال تعالى ﴿لا تَجْعَل مَعَ اللهِ إلها آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوما مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢].
ضد ما أمله المشرك من اتخاذ الإله من النصر والمدح.
وعاقب الناس إذا بخسوا الكيل والميزان بجور السلطان عليهم، يأخذ من أموالهم أضعاف ما يبخس به بعضهم بعضا.
وعاقبهم إذا منعوا الزكاة والصدقة ترفيها لأموالهم بحبس الغيث عنهم، فيمحق بذلك أموالهم، ويستوى غنيهم وفقيرهم في الحاجة.
وعاقبهم إذا أعرضوا عن كتابه وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وطلبوا الهدى من غيره: بأن يضلهم، ويسد عليهم أبواب الهدى كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في حديث على رضي الله عنه الذي رواه الترمذى وغيره، وذكر القرآن:
"مَن تَرَكَهُ مِن جَبّارٍ قَصَمَهُ اللهُ، ومَنِ ابْتَغى الُهْدى في غَيْرِهِ أضَلَّهُ اللهُ".
فإن المعرض عن القرآن إما أن يعرض عنه كبرا، فجزاؤه أن يقصمه الله، أو طلبا للهدى من غيره فجزاؤه أن يضله الله.
وهذا باب واسع جدا عظيم النفع. لمن تدبره يجده متضمنا لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته، بأن يعكس عليه مقصوده شرعًا وقدرًا، دنيا وآخره. وقد اطردت سنته الكونية سبحانه في عباده، بأن من مكر بالباطل مكر به، ومن احتال احتيل عليه، ومن خادع غيره خدع.
قال الله تعالى: ﴿إنّ المُنافِقينَ يُخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]
وقال تعالى ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِه﴾ [فاطر: ٤٣].
فلا تجد ماكرًا إلا وهو ممكور به، ولا مخادعا إلا وهو مخدوع، ولا محتالا إلا وهو محتال عليه.
(فائدة)
إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَسَّمَ خَلْقَهُ إلى غَنِيٍّ وفَقِيرٍ، ولا تَتِمُّ مَصالِحُهم إلّا بِسَدِّ خَلَّةِ الفَقِيرِ، فَأوْجَبَ سُبْحانَهُ في فُضُولِ أمْوالِ الأغْنِياءِ ما يَسُدُّ بِهِ خَلَّةَ الفُقَراءِ، وحَرَّمَ الرِّبا الَّذِي يَضُرُّ بِالمُحْتاجِ، فَكانَ أمْرُهُ بِالصَّدَقَةِ ونَهْيُهُ عَنْ الرِّبا أخَوَيْنِ شَقِيقَيْنِ؛ ولِهَذا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْكامَ النّاسِ في الأمْوالِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وهي ثَلاثَةٌ: عَدْلٌ، وظُلْمٌ، وفَضْلٌ؛ فالعَدْلُ البَيْعُ، والظُّلْمُ الرِّبا، والفَضْلُ الصَّدَقَةُ؛ فَمَدَحَ المُتَصَدِّقِينَ وذَكَرَ ثَوابَهُمْ، وذَمَّ المُرابِينَ وذَكَرَ عِقابَهُمْ، وأباحَ البَيْعَ والتَّدايُنَ إلى أجْلٍ مُسَمًّى.
البقرة 2:278
فصدر الآية بالأمر بتقواه المضادة للربا، وأمر بترك ما بقي من الربا بعد نزول الآية، وعفا لهم عما قبضوه به قبل التحريم، ولولا ذلك لردوا ما قبضوه به قبل التحريم، وعلق هذا الامتثال على وجود الإيمان منهم.
والمعلق على شرط منتف عند انتفائه.
ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده. وهي محاربة المرابي لله ورسوله.
البقرة 2:279
ففي ضمن هذا الوعيد: أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه. ولم يجيء هذا الوعيد في كبيرة سوى الربا، وقطع الطريق، والسعي في الأرض بالفساد، لأن كل واحد منهما مفسد في الأرض قاطع الطريق على الناس: هذا بقهره لهم وتسلطه عليهم. وهذا بامتناعه من تفريح كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها.
فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله. وأذن هؤلاء إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله.
ثم قال: ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُؤُسُ أمْوالِكُمْ﴾ يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم عليه، فإنما لكم رؤوس أموالكم لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ. ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها. فإن كان هذا القابض معسرا فالواجب إنظاره إلى ميسرة. وإن تصدقتم عليه وأبرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم. فإن أبت نفوسكم وشحّت بالعدل الواجب أو الفضل المندوب فذكروها يوما ترجعون فيه إلى الله وتلقون ربكم، فيوفيكم جزاء أعمالكم أحوج ما أنتم إليه.
فذكر سبحانه المحسن وهو المتصدق ثم عقبه بالظالم وهو المرابي.
البقرة 2:282
قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾
[فَصْلٌ: سِرُّ تَخْصِيصِ خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهادَتِهِ وحْدَهُ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ شَهادَةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ بِشَهادَتَيْنِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هو أفْضَلُ مِنهُ " فَلا رَيْبَ أنَّ هَذا مِن خَصائِصِهِ، ولَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ ﷺ أوْ عِنْدَ غَيْرِهِ لَكانَ بِمَنزِلَةِ شاهِدَيْنِ اثْنَيْنِ، وهَذا التَّخْصِيصُ إنّما كانَ لِمُخَصِّصٍ اقْتَضاهُ، وهو مُبادَرَتُهُ دُونَ مَن حَضَرَ مِن الصَّحابَةِ إلى الشَّهادَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قَدْ بايَعَ الأعْرابِيَّ، وكانَ فَرَضَ عَلى كُلِّ مَن سَمِعَ هَذِهِ القِصَّةَ أنْ يَشْهَدَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بايَعَ الأعْرابِيَّ، وذَلِكَ مِن لَوازِمِ الإيمانِ والشَّهادَةِ بِتَصْدِيقِهِ ﷺ، وهَذا مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ، ولَكِنَّ خُزَيْمَةَ تَفَطَّنَ لِدُخُولِ هَذِهِ القَضِيَّةِ المُعَيَّنَةِ تَحْتَ عُمُومِ الشَّهادَةِ لِصِدْقِهِ في كُلِّ ما يُخْبِرُ بِهِ؛ فَلا فَرْقَ بَيْنَ ما يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ وبَيْنَ ما يُخْبِرُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ في صِدْقِهِ في هَذا وهَذا، ولا يَتِمُّ الإيمانُ إلّا بِتَصْدِيقِهِ في هَذا وهَذا؛ فَلَمّا تَفَطَّنَ خُزَيْمَةُ دُونَ مَن حَضَرَ لِذَلِكَ اسْتَحَقَّ أنْ تُجْعَلَ شَهادَتُهُ بِشَهادَتَيْنِ.
قول الله تعالى ذكره: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ فيه دليل على أن الشاهد إذا نسي شهادته فذكّره بها غيره لم يرجع إلى قوله، حتى يذكرها. وليس له أن يقلده. فإنه سبحانه قال: فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ولم يقل: فتخبرها.
وفيها قراءتان: التثقيل والتخفيف. والصحيح: أنهما بمعنى واحد من «الذكر»
وأبعد من قال: فيجعلها «ذكرا» لفظا ومعنى. فإنه سبحانه جعل ذلك علة للضلال، الذي هو ضد الذكر.
فإذا ضلت أو نسيت ذكرتها الأخرى فذكرت.
وقوله: أنْ تَضِلَّ تقديره عند الكوفيين: لئلا تضل إحداهما.
ويطردون ذلك في كل ما جاء من هذا. كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ ونحوه.
ويرد عليهم نصب قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ إذ يكون تقديره:
لئلا تضلوا. ولئلا تذكر.
وقدره البصريون بمصدر محذوف. وهو الإرادة والكراهة والحذر.
ونحوها فقالوا: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ أي حذر أن تضلوا، وكراهة أن تضلوا ونحوه.
ويشكل عليهم هذا التقدير في قوله: أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فإنهم إن قدروه كراهة أن تضل إحداهما: كان حكم المعطوف - وهو «فتذكر» حكمه -، فيكون مكروها. وإن قدروها: إرادة أن تضل إحداهما، كان الضلال مرادا.
والجواب عن هذا: أنه كلام محمول على معناه. والتقدير: أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلت. وهذا مراد قطعا.
وقال الشيخ ابن تيمية رحمة الله عليه: قوله تعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾.
فيه دليل على استشهاد امرأتين مكان رجل هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت.
وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط.
وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ حيث قال: «أما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل»
فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل، لا لضعف الدين. فعلم بذلك عدل النساء بمنزلة عدل الرجال.
وإنما عقلها ينقص عنه. فما كان من الشهادة لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف الرجل.
وما يقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هو في أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض، والنفاس، والعيوب تحت الثياب. فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى كمال عقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدين وغيره. فإن هذه معان معقولة. ويطول العهد بها في الجملة.
ولولا أن هذه الآية تستدعي سفرا وحدها لذكرت بعض تفسيرها.
والغرض إنما هو التنبيه والإشارة، وقد ذكر أيضا العادل، وهو آخذ رأس ماله من غريمه بلا زيادة ولا نقصان.
ثم ختم السورة بهذه الخاتمة العظيمة، التي هي من كنز تحت عرشه.
والشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه، وفيها من العلوم والمعارف وقواعد الإسلام وأصول الإيمان، ومقامات الإحسان ما يستدعي بيانه كتابا مفردا.
(فائدة)
قالَ تَعالى في شَهادَةِ المالِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ وقالَ في الوَصِيَّةِ والرَّجْعَةِ ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] لِأنَّ المُسْتَشْهِدَ هُناكَ صاحِبُ الحَقِّ فَهو يَأْتِي بِمَن يَرْضاهُ لِحِفْظِ حَقِّهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا كانَ هو المُضَيِّعُ لَحِقَهُ، وهَذا المُسْتَشْهِدُ يَسْتَشْهِدُ بِحَقٍّ ثابِتٍ عِنْدَهُ، فَلا يَكْفِي رِضاهُ بِهِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عَدْلًا في نَفْسِهِ، وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ هُناكَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ لِأنَّ صاحِبَ الحَقِّ هو الَّذِي يَحْفَظُ مالَهُ بِمَن يَرْضاهُ، وإذا قالَ مَن عَلَيْهِ الحَقُّ: أنا راضٍ بِشَهادَةِ هَذا عَلَيَّ، فَفي قَبُولِهِ نِزاعٌ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُقْبَلُ، بِخِلافِ الرَّجْعَةِ والطَّلاقِ فَإنَّ فِيهِما حَقًّا لِلَّهِ، وكَذَلِكَ الوَصِيَّةُ فِيها حَقٌّ لِغائِبٍ.
(فائدة أخرى)
في قوله تعالى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تَجارَة حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنكُمْ﴾ إرشاد إلى حيلة العِينة وما يشبهها.
فإن السلعة تدور بين المتعاقدين، للتخلص من الربا.
قالوا: وقد دلت السنة على أنه يجوز للإنسان أن يتخلص من القول الذي يأثم به أو يخاف بالمعاريض، وهى حيلة في الأقوال، كما أن تلك حيلة في الأعمال.
فروى قيس بن الربيع عن سليمان التيمى عن أبى عثمان النهدى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن في معاريض الكلام ما يغنى الرجل عن الكذب.
وقال الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم.
وقال الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبى معيط، وكانت من المهاجرات الأول: "لَمْ أسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآلهِ وسلمَ يُرَخِّصُ في شَئْ مَّمِا يَقُولُ النّاسُ إنّهُ كَذِبٌ إلا في ثَلاثٍ: الرَّجُل يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، والَّرجُلِ يَكْذِبُ لامْرَأتِه، والكَذِبِ في الحَرْبِ".
ومعنى الكذب في ذلك هو المعاريض لا صريح الكذب.
وقال منصور: كان لهم كلام يدرءون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا، وقد لقي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم طليعة للمشركين، وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: "مًمَّنْ أنْتُمْ؟ فقالَ النَّبُى صلى اللهُ تعالى عليهِ وآله وسلمَ: نَحْنَ مِن ماءٍ. فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالُوا: أحْياءُ اليَمَنِ كَثِيرٌ، لَعَلّهم منهم، وانْصَرَفُوا".
وأراد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله "نحن من ماء" قوله تعالى: ﴿خُلقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦].
ولما وطئ عبد الله بن رواحة جاريته أبصرته امرأته فأخذت السكين وجاءته فوجدته قد قضى حاجته. فقالت: لو رأيتك حيث كنت لوجأت بها في عنقك. فقال ما فعلت؟ فقالت: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن. فقال:
؎شَهِدْتُ بأنّ وعْدَ اللهِ حَق ∗∗∗ وأنّ النّارَ مَثْوى الكافِرينا
؎وَأنّ العَرْش فَوْقَ الماءِ طافٍ ∗∗∗ وفَوْقَ العَرْشِ رَبُّ العالَمِينَ
؎وَتَحْمِلُهُ مَلائِكَةٌ شِدادٌ ∗∗∗ مَلائِكَةُ الإلهِ مُسَوَّمِينا
فقالت: آمنت بكتاب الله وكذبت بصري.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه.
قال ابن عبد البر: ثبت ذلك عن عبد الله بن رواحة.
ويذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: عجبت لمن يعرف المعاريض، كيف يكذب؟
ودعى أبو هريرة رضي الله عنه إلى طعام فقال: "إنى صائم ثم رأوه يأكل. فقالوا: ألم تقل: إنى صائم. فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ صِيامُ الدَّهرِ".
وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه غريم ولا شيء معه، قال: أعطيك في أحد اليومين إن شاء الله تعالى. فيظن أنه أراد يومه والذي يليه، وإنما أراد يومى الدنيا والآخرة.
وذكر الأعمش عن إبراهيم أنه قال له رجل: إن فلانًا أمرني أن آتي مكان كذا وكذا وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ فقال له: قل والله ما أبصر إلا ما سددنى غيرى، يعني إلا ما أبصرك ربك.
وقال حماد عن إبراهيم في رجل أخذه رجل، فقال: إن لي معك حقًا. فقال: لا. فقال: احلف بالمشي إلى بيت الله، فقال أحلف بالمشي إلى بيت الله واعْنِ مسجد حَيِّك.
وذكر هشام بن حسان عن ابن سيرين أن رجلًا كان يصيب بالعين، فرأى بغلة شريح فأراد أن يعينها ففطن له شريح.
فقال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام.
فقال الرجل: أف أف. وسلمت بغلته.
وإنما أراد: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقيمها.
وقال الأعمش عن إبراهيم: إنه سئل عن الرجل يبلغه عن الرجل الشيء يقوله فيه: فيسأله عنه، فقال: قل: والله إن الله ليعلم ما من ذلك من شيء، يعني بـ "ما": الذي.
وقال عقبة بن المعيرة: كنا نأتى إبراهيم وهو خائف من الحجاج فكنا إذا خرجنا من عنده يقول: إن سئلتم عنى وحلفتم، فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا. ولا لنا به علم ولا في أي موضع هو. واعنوا أنكم لا تدرون أي موضع أنا فيه قائم أو قاعد، وقد صدقتم.
وجاءه رجل فقال: إنى اعترضت على دابة فنفقت فأخذت غيرها، ويريدون أن يحلفونى أنها الدابة التي اعترضت عليها؟ فقال: اركبها واعترض عليها على بطنك راكنًا. ثم احلف أنها الدابة التي اعترضت عليها.
وقال أبو عوانة عن أبى مسكين: كنت عند إبراهيم، وامرأته تعاتبه في جارية له، وبيده مروحة، فقال: أشهدكم أنها لها، فلما خرجنا قال: علام شهدتم؟ قلنا: شهدنا أنك جعلت الجارية لها. قال: أما رأيتمونى أشير إلى المروحة؟ إنما قلت لكم: اشهدوا أنها لها، وأنا أعني المروحة.
وقال محمد بن الحسن عن عمر بن ذر عن الشعبى: من حلف على يمين لا يستثنى، فالبر والإثم فيها على علمه. قلت: ما تقول في الحيل؟ قال: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز، وإنما الحيل شيء يتخلص به الرجل من الحرام، ويخرج به إلى الحلال. فما كان من هذا ونحوه، فلا بأس به، وإنما نكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق لرجل حتى يبطله، أو يحتال في باطل حتى يموهه، أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة، وأما ما كان على السبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك.
وكان حماد رحمه الله إذا جاءه من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ثم قال: ضرسى، ضرسى.
ووجه الرشيد إلى شريك رجلًا ليحضره، فسأله شريك أن ينصرف ويدافع بحضوره، ففعل. فحبسه الرشيد، ثم أرسل إليه رسولًا آخر فأحضره، وسأله عن تخلفه لما جاءه رسوله. فحلف له بالأيمان المغلظة أنه ما رأى الرسول في اليوم الذي أرسله فيه، وعنى بذلك الرسول الثاني، فصدقه، وأمر بإطلاق الرجل.
وأحضر الثورى إلى مجلس المهدى فأراد أن يقوم فمنع، فحلف بالله أنه يعود، فترك نعله وخرج ثم رجع فلبسها ولم يعد، فقال المهدى: ألم يحلف أنه يعود؟
فقالوا: إنه عاد فأخذ نعله.
قالوا: وليس مذهب من مذاهب الأئمة المتبوعين إلا وقد تضمن كثيرا من مسائل الحيل.
فأبعد الناس عن القول بها مالك، وأحمد، وقد سئل أحمد عن المروزى وهو عنده، ولم يرد أن يخرج إلى السائل، فوضع أحمد إصبعه في كفه، وقال: ليس المروزى هاهنا. وماذا يصنع المروزى هاهنا؟،.
وقد سئل أحمد عن رجل حلف بالطلاق ليطأن امرأته في نهار رمضان، فقال يسافر بها ويطؤها في السفر.
وقال صاحب المستوعب: وجدت بخط شيخنا أبى حكيم: حكى أن رجلًا سأل أحمد عن رجل حلف أن لا يفطر في رمضان؟ فقال له: اذهب إلى بشر ابن الوليد، فاسأله ثم ائتني فأخبرني، فذهب فسأله، فقال له بشر: إذا أفطر أهلك فاقعد معهم ولا تفطر، فإذا كان وقت السحر، فكل، واحتج بقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"هَلُمَّ إلى الغَداءِ المبارَكِ" فاستحسنه أحمد.
قالوا: وقد علم الله سبحانه نبيه يوسف عليه السلام الحيلة التي توصل بها إلى أخذ أخيه، بإظهار أنه سارق ووضع الصواع في رحله، ولم يكن كذلك حقيقة. لكن أظهر ذلك توصلًا إلى أخذ أخيه وجعله عنده. وأجزه الله سبحانه أن ذلك كيد، كاده سبحانه ليوسف، ليأخذ أخاه، ثم أخبر سبحانه وتعالى أن ذلك من العلم الذي رفع به درجات من يشاء، وأن الناس متفاوتون فيه. فوق كل ذي علم عليم.
(فائدة: الفرق بين الشهادة والرواية)
أن الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا يتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة والتهمة الموجبة للرد، فاحتيط لها بالعدد والذكورية، وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، ولم يفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص، فلم يشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبا على الظن صدق المخبر وهو العدالة المانعة من الكذب، واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط.
شهادة المرأة والعبد لما كان النساء ناقصات عقل ودين لم يكن من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك قويت المرأة بمثلها لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها.
وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع
وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: ما علمت أحدا رد شهادة العبد والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة فكيف لا يقبل شهادته على نظيره من المكلفين؟
وتقبل شهادته على الرسول في الرواية فكيف لا يقبل على رجل في درهم.
ولا ينتقض هذا بالمرأة لأنها تقبل شهادتها مع مثلها لما ذكرناه.
والمانع من قبول شهادتها وحدها منتف في العبد.
وعلى هذه القاعدة مسائل أحدها الإخبار عن رؤية هلال رمضان من اكتفى فيه بالواحد جعله رواية لعمومه للمكلفين فهو كالأذان.
ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة لأنه لا يعم الأعصار ولا الأمصار بل يخص تلك السنة، وذلك المصر في أحد القولين
وهذا ينتقض بالأذان نقضا لا محيص عنه.
وثانيها الإخبار بالنسب بالقافة فمن حيث أنه خبر جزئي عن شخص جزئي يخص ولا يعم جرى مجرى الشهادة.
ومن جعله كالرواية غلط فلا مدخل لها هنا، بل الصواب أن يقال من حيث هو منتصب للناس انتصابا عاما يستند قوله إلى أمر يختص به دونهم من الأدلة والعلامات جرى مجرى الحاكم، فقوله حكم لا رواية.
(الجرح للمحدث والشاهد)
ومن هذا الجرح للمحدث والشاهد هل يكتفي فيه بواحد إجراء له مجرى الحكم؟ أو لابد من اثنين إجراء له مجرى الشهادة على الخلاف؟
وأما أن يجري مجرى الرواية فغير صحيح.
وأما للرواية والجرح وإنما هو يجرحه باجتهاده لا بما يرويه عن غيره الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها هل يشترط فيها التعدد مبني على هذا ولكن بناءه على الرواية والشهادة صحيح ولا مدخل للحكم هنا.
البقرة 2:286
﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ يعني من السيئات لأن الذنوب يوصل إليها بواسطة الشهوة والشيطان والهوى والحسنة تنال بهبة الله من غير واسطة شهوة ولا إغراء عدو فهذا الفرق بينهما على ما قاله السهيلي وفيه فرق أحسن من هذا وهو أن الاكتساب يستدعي التعمل والمحاولة والمعاناة فلم يجعل على العبد إلا ما كان من هذا القبيل الحاصل بسعيه ومعاناته وتعمله وأما الكسب فيحصل بأدنى ملابسة حتى بالهم بالحسنة ونحو ذلك فخص الشر بالاكتساب والخير بأعم منه ففي هذا مطابقة للحديث الصحيح: "إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها "
رواه البخاري ومسلم.
وأما حديث: "الواسطة وعدمها" فضعيف لأن الخير أيضا بواسطة الرسول والملك والإلهام والتوفيق فهذا في مقابلة وسائط الشرط فالفرق ما ذكرناه والله أعلم.
(فائدة)
الاكتساب أبلغ من الكسب، ولهذا كان في العمل الذي يكون على صاحبه، والكسب فيما له، قال تعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ تنبيهًا على أن الثواب يحصل لها بأدنى سعى وكسب، وأن العقاب إنما هو باكتسابها وتصرفها وما تعانيه.
وإذا علم هذا فالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار الله سبحانه لا يخص الاصطبار، بل يكون مع الصبر ومع التصبر.
ولكن لما كان الاصطبار أبلغ من الصبر وأقوى كان بهذا التلذذ والاستبشار أولى. والله أعلم.
﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾
(فائدة)
وللنسخ معنى آخر هو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ولا دل اللفظ عليه وإن أوهمه كما أطلق الصحابة النسخ على قوله: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ قالوا نسختها قوله: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ الآية.
فهذا نسخ من الفهم لا نسخ للحكم الثابت فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا ولهذا عمهم بالمحاسبة ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ففهم
المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها فرفع هذا المعنى من فهمه بقوله: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ إلى آخرها فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك وذاك رفع لما ألقاه غير الملك في أسماعهم أو في التمني.
آل عمران 3:3
فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم.
آل عمران 3:4
فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم.
آل عمران 3:6
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السماوات والأرض من نور وجهه وإن مقدار يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع منها على ما يكره فيغضبه ذلك فأول ما يعلم بغضبه حملة العرش يجدونه يثقل عليهم فتسبحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة حتى ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء إلا يسمع فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة فتلك ست ساعات قال ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله تعالى ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ و ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما﴾ فتلك تسع ساعات ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ وقوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ قال هذا شأنكم وشأن ربكم.
رواه أبو القاسم الطبراني في السنة، وعثمان بن سعيد الدارمي وشيخ الإسلام الأنصارى وابن مندة وابن خزيمة وغيرهم.
آل عمران 3:7
[إخْراجُ النُّصُوصِ عَنْ ظاهِرِها لِتُوافِقَ مَذْهَبَ المُفْتِي]
لا يَجُوزُ إخْراجُ النُّصُوصِ عَنْ ظاهِرِها لِتُوافِقَ مَذْهَبَ المُفْتِي]
الفائِدَةُ الخامِسَةُ والخَمْسُونَ: إذا سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُخْرِجَها عَنْ ظاهِرِها بِوُجُوهِ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ لِمُوافَقَةِ نِحْلَتِهِ وهَواهُ، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ المَنعَ مِن الإفْتاءِ والحَجْرَ عَلَيْهِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أئِمَّةُ الإسْلامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.
قالَ أبُو حاتِمٍ الرّازِيّ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى قالَ: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشّافِعِيُّ: الأصْلُ قُرْآنٌ أوْ سَنَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَقِياسٌ عَلَيْهِما، وإذا اتَّصَلَ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصَحَّ الإسْنادُ بِهِ فَهو المُنْتَهى والإجْماعُ أكْبَرُ مِن الخَبَرِ الفَرْدِ، والحَدِيثُ عَلى ظاهِرِهِ، وإذا احْتَمَلَ المَعانِيَ فَما أشْبَهَ مِنها ظاهِرَهُ أوْلاها بِهِ، فَإذا تَكافَأتْ الأحادِيثُ فَأصَحُّها إسْنادًا أوْلاها، ولَيْسَ المُنْقَطِعُ بِشَيْءٍ، ما عَدا مُنْقَطِعَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، ولا يُقاسُ أصْلٌ عَلى أصْلٍ ولا يُقالُ لِأصْلٍ: لِمَ؟ وكَيْفَ؟ وإنَّما يُقالُ لِلْفَرْعِ: لِمَ؟ فَإذا صَحَّ قِياسُهُ عَلى الأصْلِ صَحَّ وقامَتْ بِهِ الحُجَّةُ، رَواهُ الأصَمُّ عَنْ ابْنِ أبِي حاتِمٍ.
وَقالَ أبُو المَعالِي الجُوَيْنِيُّ في الرِّسالَةِ النِّظامِيَّةِ في الأرْكانِ الإسْلامِيَّةِ ": ذَهَبَ أئِمَّةُ السَّلَفِ إلى الِانْكِفافِ عَنْ التَّأْوِيلِ، وإجْراءِ الظَّواهِرِ عَلى مَوارِدِها وتَفْوِيضِ مَعانِيها إلى الرَّبِّ تَعالى، واَلَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْيًا ونَدِينُ اللَّهَ بِهِ عَقْدَ اتِّباعِ سَلَفِ الأُمَّةِ؛ فالأوْلى الِاتِّباعُ وتَرْكُ الِابْتِداعِ، والدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ القاطِعُ في ذَلِكَ أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وهو مُسْتَنَدُ مُعْظَمِ الشَّرِيعَةِ، وقَدْ دَرَجَ صَحْبُ الرَّسُولِ ﷺ ورَضِيَ عَنْهم عَلى تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِمَعانِيها ودَرْكِ ما فِيها، وهم صَفْوَةُ الإسْلامِ، والمُسْتَقِلُّونَ بِأعْباءِ الشَّرِيعَةِ، وكانُوا لا يَأْلُونَ جَهْدًا في ضَبْطِ قَواعِدِ المِلَّةِ والتَّواصِي بِحِفْظِها، وتَعْلِيمِ النّاسِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنها، ولَوْ كانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الظَّواهِرِ مَسُوغًا أوْ مَحْتُومًا لَأوْشَكَ أنْ يَكُونَ اهْتِمامُهم بِها فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وإذا انْصَرَمَ عَصْرُهم وعَصْرُ التّابِعِينَ لَهم عَلى الإضْرابِ عَنْ التَّأْوِيلِ، كانَ ذَلِكَ قاطِعًا بِأنَّهُ الوَجْهُ المُتَّبَعُ، فَحَقٌّ عَلى ذِي الدِّينِ أنْ يَعْتَقِدَ تَنْزِيهَ البارِي عَنْ صِفاتِ المُحَدِّثِينَ، ولا يَخُوضُ في تَأْوِيلِ المُشْكِلاتِ، ويَكِلُ مَعْناها إلى الرَّبِّ تَعالى.
وَعِنْدَ إمامِ القُرّاءِ وسَيِّدِهِمْ الوُقُوفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] مِن العَزائِمِ ثُمَّ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
وَمِمّا اسْتُحْسِنَ مِن كَلامِ مالِكٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوى؟ فَقالَ: الِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، والإيمانُ بِهِ واجِبٌ، والسُّؤالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، فَلْتُجْرَ آيَةُ الِاسْتِواءِ والمَجِيءِ وقَوْلُهُ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقَوْلُهُ: ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] وما صَحَّ مِن أخْبارِ الرَّسُولِ كَخَبَرِ النُّزُولِ وغَيْرِهِ عَلى ما ذَكَرْنا، انْتَهى كَلامُهُ.
وَقالَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ: الصَّوابُ لِلْخَلَفِ سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ في الإيمانِ المُرْسَلِ والتَّصْدِيقِ المُجْمَلِ، وما قالَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، بِلا بَحْثٍ وتَفْتِيشٍ.
وَقالَ في كِتابِ التَّفْرِقَةِ: الحَقُّ الِاتِّباعُ والكَفُّ عَنْ تَغْيِيرِ الظّاهِرِ رَأْسًا، والحَذَرُ عَنْ اتِّباعِ تَأْوِيلاتٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِها الصَّحابَةُ، وحَسْمُ بابِ السُّؤالِ رَأْسًا، والزَّجْرُ عَنْ الخَوْضِ في الكَلامِ والبَحْثِ، إلى أنْ قالَ: ومِن النّاسِ مَن يُبادِرُ إلى التَّأْوِيلِ ظَنًّا لا قَطْعًا، فَإنْ كانَ فَتْحُ هَذا البابِ والتَّصْرِيحُ بِهِ يُؤَدِّي إلى تَشْوِيشِ قُلُوبِ العَوامّ بُدِّعَ صاحِبُهُ، وكُلُّ ما لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ السَّلَفِ ذِكْرُهُ وما يَتَعَلَّقُ مِن هَذا الجِنْسِ بِأُصُولِ العَقائِدِ المُهِمَّةِ فَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَن يُغَيِّرُ الظَّواهِرَ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قاطِعٍ.
وَقالَ أيْضًا: كُلُّ ما لَمْ يَحْتَمِلْ التَّأْوِيلَ في نَفْسِهِ وتَواتَرَ نَقْلُهُ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَقُومَ عَلى خِلافِهِ بُرْهانٌ فَمُخالَفَتُهُ تَكْذِيبٌ مَحْضٌ، وما تَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمالُ تَأْوِيلٍ ولَوْ بِمَجازٍ بَعِيدٍ، فَإنْ كانَ بُرْهانُهُ قاطِعًا وجَبَ القَوْلُ بِهِ، وإنْ كانَ البُرْهانُ يُفِيدُ ظَنًّا غالِبًا ولا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ في الدِّينِ فَهو بِدْعَةٌ، وإنْ عَظُمَ ضَرَرُهُ في الدِّينِ فَهو كُفْرٌ.
قالَ: ولَمْ تَجْرِ عادَةُ السَّلَفِ بِهَذِهِ المُجادَلاتِ، بَلْ شَدَّدُوا القَوْلَ عَلى مَن يَخُوضُ في الكَلامِ، ويَشْتَغِلُ بِالبَحْثِ والسُّؤالِ.
وَقالَ أيْضًا: الإيمانُ المُسْتَفادُ مِن الكَلامِ ضَعِيفٌ، والإيمانُ الرّاسِخُ إيمانُ العَوامّ الحاصِلُ في قُلُوبِهِمْ في الصِّبا بِتَواتُرِ السَّماعِ وبَعْدَ البُلُوغِ بِقَرائِنَ يَتَعَذَّرُ التَّعْبِيرُ عَنْها.
قالَ: وقالَ شَيْخُنا أبُو المَعالِي: يَحْرِصُ الإمامُ ما أمْكَنَهُ عَلى جَمْعِ عامَّةِ الخَلْقِ عَلى سُلُوكِ سَبِيلِ السَّلَفِ في ذَلِكَ، انْتَهى.
وَقَدْ اتَّفَقَتْ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ عَلى ذَمِّ الكَلامِ وأهْلِهِ، وكَلامُ الإمامِ الشّافِعِيِّ ومَذْهَبُهُ فِيهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَ جَمِيعِ أصْحابِهِ، وهو أنَّهم يُضْرَبُونَ ويُطافُ بِهِمْ في قَبائِلِهِمْ وعَشائِرِهِمْ: هَذا جَزاءُ مَن تَرَكَ الكِتابَ والسُّنَّةَ وأقْبَلَ عَلى الكَلامِ.
وَقالَ: لَقَدْ اطَّلَعْتُ مِن أهْلِ الكَلامِ عَلى شَيْءٍ ما كُنْتُ أظُنُّهُ، وقالَ: لَأنْ يُبْتَلى العَبْدُ بِكُلِّ شَيْءٍ نُهِيَ عَنْهُ غَيْرَ الكُفْرِ أيْسَرُ مِن أنْ يُبْتَلى بِالكَلامِ، وقالَ لِحَفْصٍ الفَرْدِ: أنا أُخالِفُكَ في كُلِّ شَيْءٍ حَتّى في قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أنا أقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الَّذِي يُرى في الآخِرَةِ واَلَّذِي كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا، وأنْتَ تَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الَّذِي لا يُرى في الآخِرَةِ ولا يَتَكَلَّمُ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: ذَكَرَ الشّافِعِيُّ إبْراهِيمَ بْنَ إسْماعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ فَقالَ: أنا مُخالِفٌ لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ، وفي قَوْلِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لَسْتُ أقُولُ كَما يَقُولُ، أنا أقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الَّذِي كَلَّمَ مُوسى مِن وراءِ حِجابٍ، وذاكَ يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كَلامًا أسْمَعَهُ مُوسى مِن وراءِ حِجابٍ.
وَقالَ في أوَّلِ خُطْبَةِ رِسالَتِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هو كَما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وفَوْقَ ما يَصِفُهُ بِهِ الواصِفُونَ مِن خَلْقِهِ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يُوصَفُ إلّا بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ - تَعالى، وأنَّهُ يَتَعالى ويَتَنَزَّهُ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُتَكَلِّمُونَ وغَيْرُهم مِمّا لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ.
وَقالَ أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خالِدٍ السِّجْزِيُّ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: قُلْتُ لِأبِي العَبّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ: ما التَّوْحِيدُ؟ فَقالَ: تَوْحِيدُ أهْلِ العِلْمِ وجَماعَةِ المُسْلِمِينَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وتَوْحِيدُ أهْلِ الباطِلِ الخَوْضُ في الأعْراضِ والأجْسامِ، وإنَّما بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإنْكارِ ذَلِكَ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كَيْف لا يَخْشى الكَذِبَ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مَن يَحْمِلُ كَلامَهُ عَلى التَّأْوِيلاتِ المُسْتَنْكَرَةِ والمَجازاتِ المُسْتَكْرَهَةِ الَّتِي هي بِالألْغازِ والأحاجِي أوْلى مِنها بِالبَيانِ والهِدايَةِ؟ وهَلْ يَأْمَنُ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨] قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ لِكُلِّ واصِفٍ كَذِبًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهَلْ يَأْمَنُ أنْ يَتَناوَلَهُ قَوْله تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]
قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هي لِكُلِّ مُفْتَرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقَدْ نَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ ما يَصِفُهُ بِهِ خَلْقُهُ إلّا المُرْسَلِينَ فَإنَّهم إنّما يَصِفُونَهُ بِما أذِنَ لَهم أنْ يَصِفُوهُ بِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] وقالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ - إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩-١٦٠] ويَكْفِي المُتَأوِّلِينَ كَلامُ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الَّتِي لَمْ يُرِدْها، ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْها كَلامُ اللَّهِ أنَّهم قالُوا بِرَأْيِهِمْ عَلى اللَّهِ، وقَدَّمُوا آراءَهم عَلى نُصُوصِ الوَحْيِ، وجَعَلُوها عِيارًا عَلى كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَوْ عَلِمُوا أيَّ بابِ شَرٍّ فَتَحُوا عَلى الأُمَّةِ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ، وأيَّ بِناءٍ لِلْإسْلامِ هَدَمُوا بِها، وأيَّ مَعاقِلَ وحُصُونٍ اسْتَباحُوها لَكانَ أحَدُهم أنْ يَخِرَّ مِن السَّماءِ إلى الأرْضِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن أنْ يَتَعاطى شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَكُلُّ صاحِبِ باطِلٍ قَدْ جَعَلَ ما تَأوَّلَهُ المُتَأوِّلُونَ عُذْرًا لَهُ فِيما تَأوَّلَهُ هُوَ، وقالَ: ما الَّذِي حَرَّمَ عَلَيَّ التَّأْوِيلَ وأباحَهُ لَكُمْ؟ فَتَأوَّلَتْ الطّائِفَةُ المُنْكِرَةُ لِلْمَعادِ نُصُوصَ المَعادِ، وكانَ تَأْوِيلُهم مِن جِنْسِ تَأْوِيلِ مُنْكِرِي الصِّفاتِ، بَلْ أقْوى مِنهُ لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ يَعْرِفُها مَن وازَنَ بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ، وقالُوا: كَيْفَ نَحْنُ نُعاقِبُ عَلى تَأْوِيلِنا وتُؤْجَرُونَ أنْتُمْ عَلى تَأْوِيلِكُمْ؟ قالُوا: ونُصُوصُ الوَحْيِ بِالصِّفاتِ أظْهَرُ وأكْثَرُ مِن نُصُوصِهِ بِالمَعادِ، ودَلالَةُ النُّصُوصِ عَلَيْها أبْيَنُ فَكَيْفَ يَسُوغُ تَأْوِيلُها بِما يُخالِفُ ظاهِرَها ولا يَسُوغُ لَنا تَأْوِيلُ نُصُوصِ المَعادِ؟ وكَذَلِكَ فَعَلَتْ الرّافِضَةُ في أحادِيثِ فَضائِلِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِن الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، وكَذَلِكَ فَعَلَتْ المُعْتَزِلَةُ في تَأْوِيلِ أحادِيثِ الرُّؤْيَةِ والشَّفاعَةِ، وكَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ في نُصُوصِ القَدَرِ، وكَذَلِكَ الحَرُورِيَّةُ وغَيْرُهم مِن الخَوارِجِ في النُّصُوصِ الَّتِي تُخالِفُ مَذاهِبَهُمْ، وكَذَلِكَ القَرامِطَةُ والباطِنِيَّةُ طَرَدَتْ البابَ، وطَمَّثَ الوادِي عَلى القَرِيِّ، وتَأوَّلَتْ الدِّينَ كُلَّهُ، فَأصْلُ خَرابِ الدِّينِ والدُّنْيا إنّما هو مِن التَّأْوِيلِ الَّذِي لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِكَلامِهِ ولا دَلَّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُرادُهُ، وهَلْ اخْتَلَفَتْ الأُمَمُ عَلى أنْبِيائِهِمْ إلّا بِالتَّأْوِيلِ؟ وهَلْ وقَعَتْ في الأُمَّةِ فِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ أوْ صَغِيرَةٌ إلّا بِالتَّأْوِيلِ؟ فَمِن بابِهِ دَخَلَ إلَيْها، وهَلْ أُرِيقَتْ دِماءُ المُسْلِمِينَ في الفِتَنِ إلّا بِالتَّأْوِيلِ؟
وَلَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ فَقَطْ، بَلْ سائِرُ أدْيانِ الرُّسُلِ لَمْ تَزَلْ عَلى الِاسْتِقامَةِ والسَّدادِ حَتّى دَخَلَها التَّأْوِيلُ، فَدَخَلَ عَلَيْها مِن الفَسادِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا رَبُّ العِبادِ.
وَقَدْ تَواتَرَتْ البِشاراتُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ولَكِنْ سَلَّطُوا عَلَيْها التَّأْوِيلاتِ فَأفْسَدُوها، كَما أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْهم مِن التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ والكِتْمانِ، فالتَّحْرِيفُ تَحْرِيفُ المَعانِي بِالتَّأْوِيلاتِ الَّتِي لَمْ يُرِدْها المُتَكَلِّمُ بِها، والتَّبْدِيلُ تَبْدِيلُ لَفْظٍ بِلَفْظٍ آخَرَ، والكِتْمانُ جَحْدُهُ.
وَهَذِهِ الأدْواءُ الثَّلاثَةُ مِنها غُيِّرَتْ الأدْيانُ والمِلَلُ، وإذا تَأمَّلْتَ دِينَ المَسِيحِ وجَدْتَ النَّصارى إنّما تَطَرَّقُوا إلى إفْسادِهِ بِالتَّأْوِيلِ بِما لا يَكادُ يُوجَدُ قَطُّ مِثْلُهُ في شَيْءٍ مِن الأدْيانِ، ودَخَلُوا إلى ذَلِكَ مِن بابِ التَّأْوِيلِ.
وَكَذَلِكَ زَنادِقَةُ الأُمَمِ جَمِيعُهم إنّما تَطَرَّقُوا إلى إفْسادِ دِياناتِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ بِالتَّأْوِيلِ، ومِن بابِهِ دَخَلُوا، وعَلى أساسِهِ بَنَوْا، وعَلى نُقَطِهِ خَطُّوا.
[دَواعِي التَّأْوِيلِ]
والمُتَأوِّلُونَ أصْنافٌ عَدِيدَةٌ، بِحَسَبِ الباعِثِ لَهم عَلى التَّأْوِيلِ، وبِحَسَبِ قُصُورِ أفْهامِهِمْ ووُفُورِها، وأعْظَمُهم تَوَغُّلًا في التَّأْوِيلِ الباطِلِ مَن فَسَدَ قَصْدُهُ وفَهْمُهُ، فَكُلَّما ساءَ قَصْدُهُ وقَصُرَ فَهْمُهُ كانَ تَأْوِيلُهُ أشَدَّ انْحِرافًا، فَمِنهم مَن يَكُونُ تَأْوِيلُهُ لِنَوْعِ هَوًى مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ، بَلْ يَكُونُ عَلى بَصِيرَةٍ مِن الحَقِّ، ومِنهم مِن يَكُونُ تَأْوِيلُهُ لِنَوْعِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُ أخْفَتْ عَلَيْهِ الحَقَّ [وَمِنهم مَن يَكُونُ تَأْوِيلُهُ لِنَوْعِ هُدًى مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ، بَلْ يَكُونُ عَلى بَصِيرَةٍ مِن الحَقِّ] ومِنهم مَن يَجْتَمِعُ لَهُ الأمْرانِ الهَوى في القَصْدِ والشُّبْهَةُ في العِلْمِ.
[بَعْضُ آثارِ التَّأْوِيلِ] وبِالجُمْلَةِ فافْتِراقُ أهْلِ الكِتابَيْنِ، وافْتِراقُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً إنّما أوْجَبَهُ التَّأْوِيلُ، وإنَّما أُرِيقَتْ دِماءُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ الجَمَلِ وصِفِّينَ والحَرَّةِ وفِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وهَلُمَّ جَرًّا بِالتَّأْوِيلِ، وإنَّما دَخَلَ أعْداءُ الإسْلامِ مِن المُتَفَلْسِفَةِ والقَرامِطَةِ والباطِنِيَّةِ والإسْماعِيلِيَّة والنُّصَيْرِيَّةِ مِن بابِ التَّأْوِيلِ، فَما امْتُحِنَ الإسْلامُ بِمِحْنَةٍ قَطُّ إلّا وسَبَبُها التَّأْوِيلُ؛ فَإنَّ مِحْنَتَهُ إمّا مِن المُتَأوِّلِينَ، وإمّا أنْ يُسَلَّطَ عَلَيْهِمْ الكُفّارُ بِسَبَبِ ما ارْتَكَبُوا مِن التَّأْوِيلِ وخالَفُوا ظاهِرَ التَّنْزِيلِ وتَعَلَّلُوا بِالأباطِيلِ، فَما الَّذِي أراقَ دِماءَ بَنِي جَذِيمَةَ وقَدْ أسْلَمُوا غَيْرُ التَّأْوِيلِ حَتّى رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ وتَبَرَّأ إلى اللَّهِ مِن فِعْلِ المُتَأوِّلِ بِقَتْلِهِمْ وأخَذَ أمْوالَهُمْ؟ وما الَّذِي أوْجَبَ تَأخُّرَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَنْ مُوافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ التَّأْوِيلِ حَتّى اشْتَدَّ غَضَبُهُ لِتَأخُّرِهِمْ عَنْ طاعَتِهِ حَتّى رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ؟ وما الَّذِي سَفَكَ دَمَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ ظُلْمًا وعُدْوانًا وأوْقَعَ الأُمَّةَ فِيما أوْقَعَها فِيهِ حَتّى الآنَ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الَّذِي سَفَكَ دَمَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وابْنِهِ الحُسَيْنِ وأهْلِ بَيْتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الَّذِي أراقَ دَمَ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأصْحابِهِ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الَّذِي أراقَ دَمَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وحُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ مِن ساداتِ الأُمَّةِ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الَّذِي أُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِماءُ العَرَبِ في فِتْنَةِ أبِي مُسْلِمٍ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الَّذِي جَرَّدَ الإمامَ أحْمَدَ بَيْن العِقابَيْنِ وضُرِبَ السِّياطَ حَتّى عَجَّتْ الخَلِيقَةُ إلى رَبِّها تَعالى غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الَّذِي قَتَلَ الإمامَ أحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ الخُزاعِيَّ وخَلَّدَ خَلْقًا مِن العُلَماءِ في السُّجُونِ حَتّى ماتُوا غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الَّذِي سَلَّطَ سُيُوفَ التَّتارِ عَلى دارِ الإسْلامِ حَتّى رَدُّوا أهْلَها غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وهَلْ دَخَلَتْ طائِفَةُ الإلْحادِ مِن أهْلِ الحُلُولِ والِاتِّحادِ إلّا مِن بابِ التَّأْوِيلِ؟
وَهَلْ فُتِحَ بابُ التَّأْوِيلِ إلّا مُضادَّةً ومُناقَضَةً لِحُكْمِ اللَّهِ في تَعْلِيمِهِ عِبادَهُ البَيانَ الَّذِي امْتَنَّ اللَّهُ في كِتابِهِ عَلى الإنْسان بِتَعْلِيمِهِ إيّاهُ؛ فالتَّأْوِيلُ بِالألْغازِ والأحاجِي والأُغْلُوطاتِ أوْلى مِنهُ بِالبَيانِ والتَّبْيِينِ، وهَلْ فَرَّقَ بَيْنَ دَفْعِ حَقائِقِ ما أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ وأمَرَتْ بِهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ المُخالِفَةِ لَهُ وبَيْنَ رَدِّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِ، ولَكِنَّ هَذا رَدُّ جُحُودٍ ومُعانِدَةٍ، وذاكَ رَدُّ خِداعٍ ومُصانَعَةٍ.
قالَ أبُو الوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ المالِكِيُّ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالكَشْفِ عَنْ مَناهِجِ الأدِلَّةِ " وقَدْ ذَكَرَ التَّأْوِيلَ وجِنايَتَهُ عَلى الشَّرِيعَةِ، إلى أنْ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ هَؤُلاءِ أهْلُ الجَدَلِ والكَلامِ، وأشَدُّ ما عَرَضَ عَلى الشَّرِيعَةِ مِن هَذا الصِّنْفِ أنَّهم تَأوَّلُوا كَثِيرًا مِمّا ظَنُّوهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، وقالُوا: إنّ هَذا التَّأْوِيلَ هو المَقْصُودُ بِهِ، وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في صُورَةِ المُتَشابِهِ ابْتِلاءً لِعِبادِهِ واخْتِبارًا لَهُمْ، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، بَلْ نَقُولُ: إنّ كِتابَ اللَّهِ العَزِيزِ إنّما جاءَ مُعْجِزًا مِن جِهَةِ الوُضُوحِ والبَيانِ، فَما أبْعَدُ مِن مَقْصِدِ الشّارِعِ مَن قالَ فِيما لَيْسَ بِمُتَشابِهٍ: إنّهُ مُتَشابِهٌ، ثُمَّ أوَّلَ ذَلِكَ المُتَشابِهَ بِزَعْمِهِ، وقالَ لِجَمِيعِ النّاسِ: إنّ فَرْضَكم هو اعْتِقادُ هَذا التَّأْوِيلِ، مِثْلُ ما قالُوهُ في آيَةِ الِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قالُوا: إنّ ظاهِرَهُ مُتَشابِهٌ، ثُمَّ قالَ: وبِالجُمْلَةِ فَأكْثَرُ التَّأْوِيلاتِ الَّتِي زَعَمَ القائِلُونَ بِها أنَّها المَقْصُودُ مِن الشَّرْعِ إذا تَأمَّلْتَ وجَدْتَ لَيْسَ يَقُومُ عَلَيْها بُرْهانٌ.
[مَثَلُ المُتَأوِّلِينَ] إلى أنْ قالَ: ومِثالُ مَن أوَّلَ شَيْئًا مِن الشَّرْعِ وزَعَمَ أنَّ ما أوَّلَهُ هو الَّذِي قَصَدَهُ الشَّرْعُ مِثالُ مَن أتى إلى دَواءٍ قَدْ رَكَّبَهُ طَبِيبٌ ماهِرٌ لِيَحْفَظَ صِحَّةَ جَمِيعِ النّاسِ أوْ أكْثَرِهِمْ فَجاءَ رَجُلٌ فَلَمْ يُلائِمْهُ ذَلِكَ الدَّواءُ الأعْظَمُ لِرَداءَةِ مِزاجٍ كانَ بِهِ لَيْسَ يَعْرِضُ إلّا لِلْأقَلِّ مِن النّاسِ، فَزَعَمَ أنَّ بَعْضَ تِلْكَ الأدْوِيَةِ الَّتِي صَرَّحَ بِاسْمِها الطَّبِيبُ الأوَّلُ في ذَلِكَ الدَّواءِ العامِّ المَنفَعَةِ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذَلِكَ الدَّواءَ العامَّ الَّذِي جَرَتْ العادَةُ في اللِّسانِ أنْ يُدَلُّ بِذَلِكَ الِاسْمِ عَلَيْهِ، وإنَّما أرادَ بِهِ دَواءً آخَرَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُدَلُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بِاسْتِعارَةٍ بَعِيدَةٍ، فَأزالَ ذَلِكَ الدَّواءَ الأوَّلَ مِن ذَلِكَ المُرَكَّبِ الأعْظَمِ، وجَعَلَ فِيهِ بَدَلَهُ الدَّواءَ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ قَصَدَهُ الطَّبِيبُ، وقالَ لِلنّاسِ: هَذا هو الَّذِي قَصَدَهُ الطَّبِيبُ الأوَّلُ، فاسْتَعْمَلَ النّاسُ ذَلِكَ الدَّواءَ المُرَكَّبَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَأوَّلَهُ عَلَيْهِ هَذا المُتَأوِّلُ، فَفَسَدَتْ أمْزِجَةُ كَثِيرٍ مِن النّاسِ، فَجاءَ آخَرُونَ فَشَعَرُوا بِفَسادِ أمْزِجَةِ النّاسِ مِن ذَلِكَ الدَّواءِ المُرَكَّبِ، فَرامُوا إصْلاحَهُ بِأنْ بَدَّلُوا بَعْضَ أدْوِيَتِهِ بِدَواءٍ آخَرَ غَيْرِ الدَّواءِ الأوَّلِ؛ فَعَرَضَ مِن ذَلِكَ لِلنّاسِ نَوْعٌ مِن المَرَضِ غَيْرِ النَّوْعِ الأوَّلِ، فَجاءَ ثالِثٌ فَتَأوَّلَ مِن أدْوِيَةِ ذَلِكَ المُرَكَّبِ غَيْرَ التَّأْوِيلِ الأوَّلِ والثّانِي، فَعَرَضَ لِلنّاسِ مِن ذَلِكَ نَوْعٌ ثالِثٌ مِن المَرَضِ غَيْرُ النَّوْعَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، فَجاءَ مُتَأوِّلٌ رابِعٌ فَتَأوَّلَ دَواءً آخَرَ غَيْرَ الأدْوِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ فَعَرَضَ مِنهُ لِلنّاسِ نَوْعٌ رابِعٌ مِن المَرَضِ غَيْرُ الأمْراضِ المُتَقَدِّمَةِ؛ فَلَمّا طالَ الزَّمانُ بِهَذا
الدَّواءِ المُرَكَّبِ الأعْظَمِ، وسَلَّطَ النّاسُ التَّأْوِيلَ عَلى أدْوِيَتِهِ، وغَيَّرُوها وبَدَّلُوها عَرَضَ مِنهُ لِلنّاسِ أمْراضٌ شَتّى، حَتّى فَسَدَتْ المَنفَعَةُ المَقْصُودَةُ بِذَلِكَ الدَّواءِ المُرَكَّبِ في حَقِّ أكْثَرِ النّاسِ، وهَذِهِ هي حالَةِ الفِرَقِ الحادِثَةِ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَعَ الشَّرِيعَةِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم تَأوَّلَتْ غَيْرَ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأوَّلَتْهُ الفِرْقَةُ الأُخْرى، وزَعَمَتْ أنَّهُ هو الَّذِي قَصَدَهُ صاحِبُ الشَّرْعِ حَتّى تَمَزَّقَ الشَّرْعُ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وبَعُدَ جِدًّا عَنْ مَوْضُوعِ الأوَّلِ، ولَمّا عَلِمَ صاحِبُ الشَّرْعِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ - أنَّ مِثْلَ هَذا يَعْرِضُ، ولا بُدَّ في شَرِيعَتِهِ قالَ ﷺ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النّارِ، إلّا واحِدَةً» يَعْنِي بِالواحِدَةِ الَّتِي سَلَكَتْ ظاهِرَ الشَّرْعِ ولَمْ تُؤَوِّلْهُ.
وَأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ ما عَرَضَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ في هَذا الوَقْتِ مِن الفَسادِ العارِضِ فِيها مِن قِبَلِ التَّأْوِيلِ تَبَيَّنْتَ أنَّ هَذا المِثالَ صَحِيحٌ.
وَأوَّلُ مَن غَيَّرَ هَذا الدَّواءَ الأعْظَمَ هم الخَوارِجُ، ثُمَّ المُعْتَزِلَةُ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ الأشْعَرِيَّةُ، ثُمَّ الصُّوفِيَّةُ، ثُمَّ جاءَ أبُو حامِدٍ فَطَمَّ الوادِي عَلى القُرى، هَذا كَلامُهُ بِلَفْظِهِ.
وَلَوْ ذَهَبْنا نَسْتَوْعِبُ ما جَناهُ التَّأْوِيلُ عَلى الدُّنْيا والدِّينِ وما نالَ الأُمَمَ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِسَبَبِهِ مِن الفَسادِ لاسْتَدْعى ذَلِكَ عِدَّةَ أسْفارٍ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
آل عمران 3:14
وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة، وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة فهذا من باب تقديم السبب على المسبب، لأن المال سبب تمام النعمة بالولد.
وأما قوله: ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِين﴾ فتقديم النساء على البنين بالسبب وتقدم الأموال على البنين بالرتبة.
(فائدة في تقديم البنين على الأموال)
وأما آية آل عمران فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرا وهو النساء التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا وهي القيود التي حالت بين العباد وبين سيرهم إلى الله ثم ذكر البنين المتولدين منهم فالإنسان يشتهي المرأة للذة والولد وكلاهما مقصود له لذاته ثم ذكر شهوة الأموال لأنها تقصد لغيرها فشهوتها شهوة الوسائل، وقدم أشرف أنواعها وهو الذهب ثم الفضة بعده ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بها وقدم أشرف هذا النوع وهو الخيل فإنها حصون القوم ومعاقلهم وعزهم وشرفهم فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث لأن الجمال بها والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ والانتفاع بها أكثر من الحرب فإنه ينتفع بها ركوبا وأكلا وشربا ولباسا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع، وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سكة ما دخل هذا دار قوم إلا دخلهم الذل فجعل الحرث في آخر المراتب وضعا له في موضعه.
(فصل)
الصَّبْر عَن الشَّهْوَة أسهل من الصَّبْر على ما توجبه الشَّهْوَة
فَإنَّها إمّا أن توجب ألما وعقوبة، وإمّا أن تقطع لَذَّة أكمل مِنها،
وَإمّا أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة
وَإمّا أن تثلم عرضا توفيره أنْفَع للْعَبد من ثلمه وإمّا أن تذْهب ما لا بَقاؤُهُ خير لَهُ من ذَهابه
وَإمّا أن تضع قدرا وجاها قِيامه خير من وضعه
وَإمّا أن تسلب نعْمَة بَقاؤُها ألذ وأطيب من قَضاء الشَّهْوَة
وَإمّا أن تطرق لوضيع إلَيْك طَرِيقا لم يكن يجدها قبل ذَلِك
وَإمّا أن تجلب هما وغما وحزنا وخوفا لا يُقارب لَذَّة الشَّهْوَة
وَإمّا أن تنسي علما ذكره ألذ من نيل الشَّهْوَة
وَإمّا أن تشمت عدوا وتحزن وليا
وَإمّا أن تقطع الطَّرِيق على نعْمَة مقبلة
وَإمّا أن تحدث عَيْبا يبْقى صفة لا تَزُول فَإن الأعْمال تورث الصِّفات والأخلاق.
(فائدة)
وَأمّا الِاعْتِذارُ بِالقَدَرِ فَهو مُخاصَمَةٌ لِلَّهِ، واحْتِجاجٌ مِنَ العَبْدِ عَلى الرَّبِّ، وحَمْلٌ لِذَنْبِهِ عَلى الأقْدارِ، وهَذا فِعْلُ خُصَماءِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قالَ: أتَدْرُونَ ما المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قالُوا: ما المُرادُ بِها؟ قالَ: إقامَةُ أعْذارِ الخَلِيقَةِ.
وَكَذِبَ هَذا الجاهِلُ بِاللَّهِ وكَلامِهِ، وإنَّما المُرادُ بِها التَّزْهِيدُ في هَذا الفانِي الذّاهِبِ، والتَّرْغِيبُ في الباقِي الدّائِمِ، والإزْراءُ بِمَن آثَرَ هَذا المُزَيَّنَ واتَّبَعَهُ، بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ ما يَلْعَبُ بِهِ، فَيَهُشُّ إلَيْهِ ويَتَحَرَّكُ لَهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَ التَّزْيِينِ، فَلَمْ يَقُلْ زُيِّنّا لِلنّاسِ، واللَّهُ تَعالى يُضِيفُ تَزْيِينَ الدُّنْيا والمَعاصِي إلى الشَّياطِينِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] وقالَ ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وفي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ هادِيًا وداعِيًا، ولَيْسَ إلَيَّ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ، وبُعِثَ إبْلِيسُ مُغْوِيًا ومُزَيِّنًا، ولَيْسَ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ» ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَإنَّ إضافَةَ التَّزْيِينِ إلَيْهِ قَضاءً وقَدَرًا، وإلى الشَّيْطانِ تَسَبُّبًا، مَعَ أنَّهُ تَزْيِينُهُ تَعالى عُقُوبَةٌ لَهم عَلى رُكُونِهِمْ إلى ما زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهُمْ، فَمِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةُ بَعْدَها، ومِن ثَوابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَها.
والمَقْصُودُ أنَّ الِاحْتِجاجَ بِالقَدَرِ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الِاعْتِذارِ في شَيْءٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ " إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ، فَقالَ: يا رَبِّ، هَذا قَضاؤُكَ، وأنْتَ قَدَّرْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ حَكَمْتَ عَلَيَّ، وأنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنْتَ عَمِلْتَ، وأنْتَ كَسَبْتَ، وأنْتَ أرَدْتَ واجْتَهَدْتَ، وأنا أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ، وإذا قالَ: يا رَبِّ، أنا ظَلَمْتُ، وأنا أخْطَأْتُ، وأنا اعْتَدَيْتُ، وأنا فَعَلْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا قَدَرْتُ عَلَيْكَ وقَضَيْتُ وكَتَبْتُ، وأنا أغْفِرُ لَكَ، وإذا عَمِلَ حَسَنَةً، فَقالَ: يا رَبِّ أنا عَمِلْتُها، وأنا تَصَدَّقْتُ، وأنا صَلَّيْتُ، وأنا أطْعَمْتُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: وأنا أعَنْتُكَ، وأنا وفَّقْتُكَ، وإذا قالَ: يا رَبِّ أنْتَ أعَنْتَنِي ووَفَّقْتَنِي، وأنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ، يَقُولُ اللَّهُ: وأنْتَ عَمِلْتَها، وأنْتَ أرَدْتَها، وأنْتَ كَسَبْتَها ".
فالِاعْتِذارُ اعْتِذارانِ: اعْتِذارٌ يُنافِي الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مُنافٍ لِلتَّوْبَةِ، واعْتِذارٌ يُقَرِّرُ الِاعْتِرافَ، فَذَلِكَ مِن تَمامِ التَّوْبَةِ.
(فصل)
والمقصود أنه سبحانه جعل الغنى والفقر ابتلاءا وامتحانا للشكر والصبر والصدق والكذب والإخلاص والشرك قال تعالى ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ وقال تعالى ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾
فجعل الدنيا عرضا عاجلا ومتاع غرور وجعل الآخرة دار جزاء وثواب وحف الدنيا بالشهوات وزينها بها كما قال تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ فأخبر سبحانه أن هذا الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها وما هو غاية أماني طلابها ومؤثريها على الآخرة وهو سبعة أشياء النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة، والبنين الذين بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه والذهب والفضة اللذين هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها، والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم، والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم والحرث الذي هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك
ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا ثم شوق عباده إلى متاع الآخرة وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى فقال ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾
ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومن هم أهله الذين هم أولى به فقال ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ فأخبر سبحانه أن ما أعد لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا وهو نوعان ثواب يتمتعون به وأكبر منه وهو رضوإنه عليهم قال تعالى ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدا لأولي البصائر وإنها لعب ولهب تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان واللعب واللهو لا حقيقة لهما وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا في غير شيء ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانا ومحبة ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى.
قال الإمام حدثنا وكيع حدثنا المسعودى عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي قال: "مالى وللدنيا إنما مثلى ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها".
وفى جامع الترمذي من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء".
قال الترمذي: حديث صحيح.
وفى صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال رسول الله: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع وأشار بالسبابة".
وفى الترمذي من حديثه قال: "كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله على السخلة الميتة فقال رسول الله أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوإنها ألقوها يا رسول الله قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها"
وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما"
والحديثان حسنان قال الإمام أحمد حدثنا هيثم بن خارجة أنبأنا إسماعيل بن عياش بن عبد الله بن دينار النهرانى قال قال عيسى عليه السلام للحواريين بحق أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق أقول لكم إن شركم عملا عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة إنه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله.
وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحق قال أخبرنى سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال قال عيسى ابن مريم عليه السلام يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبنى على موج البحر دارا قالوا يا روح الله ومن يقدر على ذلك قال إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا وفي كتاب الزهد لأحمد أن عيسى بن مريم عليه السلام كان يقول بحق أقول لكم أن أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس
وفى المسند عنه: "إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلا للدنيا وأن قزحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير".
آل عمران 3:18
اسْتشْهد سُبْحانَهُ بأولي العلم على أجل مشهود عَلَيْهِ وهو توحيده فَقالَ ﴿شهد الله أنه لا إلَه إلّا هو والمَلائِكَة وأولو العلم قائِما بِالقِسْطِ﴾
وَهَذا يدل على فضل العلم وأهله من وُجُوه:
أحدها استشهادهم دون غَيرهم من البشر
والثّانِي اقتران شَهادَتهم بِشَهادَتِهِ
والثّالِث اقترانها بِشَهادَة مَلائكَته
والرّابِع أن في ضمن هَذا تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العُدُول ومِنه الأثر المَعْرُوف عَن النَّبِي "يحمل هَذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وتَأْويل الجاهِلين"
وَقالَ مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوب بن شيبَة رَأيْت رجلا قدم رجلا إلى إسماعيل بن إسْحاق القاضِي فادّعى عَلَيْهِ دَعْوى فَسَألَ المُدعى عَلَيْهِ فأنكر فَقالَ للْمُدَّعي ألك بَيِّنَة قالَ نعم فلان وفُلان قالَ أما فلان فَمن شهودي، وأما فلان فَلَيْسَ من شهودي
قالَ فيعرفه القاضِي قالَ نعم قالَ بِماذا قالَ أعرفه بكتب الحَدِيث قالَ فَكيف تعرفه في كتبه الحَدِيث؟ قالَ ما علمت إلا خيرا
قالَ فإن النَّبِي قالَ يحمل هَذا العلم من كل خلف عدوله فَمن عدله رَسُول الله أولى مِمَّن عدلته أنت فَقالَ قُم فهاته فقد قبلت شَهادَته.
وَسَيَأْتِي إن شاءَ الله الكَلام على هَذا الحَدِيث في مَوْضِعه.
الخامِس أنه وصفهم بكونهم أولي العلم وهَذا يدل على اختصاصهم بِهِ وأنهم أهله وأصحابه لَيْسَ بمستعار لَهُم
السّادِس أنه سُبْحانَهُ اسْتشْهد بِنَفسِهِ وهو أجل شاهد ثمَّ بِخِيار خلقه وهم مَلائكَته والعُلَماء من عباده ويكفيهم بِهَذا فضلا وشرفا.
السّابِع أنه اسْتشْهد بهم على أجل مشهود بِهِ وأعظمه وأكبره وهو شَهادَة أن لا إلَه إلّا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العَظِيم أكابر الخلق وساداتهم.
الثّامِن أنه سُبْحانَهُ جعل شَهادَتهم حجَّة على المنكرين فهم بِمَنزِلَة آدلته وآياته وبراهنيه الدّالَّة على توحيده.
التّاسِع أنه سُبْحانَهُ أفرد الفِعْل المتضمن لهَذِهِ الشَّهادَة لصادرة مِنهُ ومن مَلائكَته ومِنهُم ولم يعْطف شَهادَتهم بِفعل آخر غير شَهادَته، وهَذا يدل على شدَّة ارتباط شَهادَتهم بِشَهادَتِهِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ شهد لنَفسِهِ بِالتَّوْحِيدِ على ألسنتهم وأنطقهم بِهَذِهِ الشَّهادَة فَكانَ هو الشّاهِد بها لنَفسِهِ إقامَة وإنطاقا وتعليما، وهم الشاهدون بها لَهُ إقْرارا واعترافا وتَصْدِيقًا وإيمانا.
العاشِر أنه سُبْحانَهُ جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بِهَذِهِ الشَّهادَة فَإذا أدوها فقد أدوا الحق المَشْهُود بِهِ فَثَبت الحق المَشْهُود بِهِ فَوَجَبَ على الخلق الإقرار بِهِ وكانَ ذَلِك غايَة سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بِشَهادَتِهِم وأقر بِهَذا الحق بِسَبَب شَهادَتهم فَلهم من الأجر مثل أجره وهَذا فضل عَظِيم لا يدري قدره إلا الله وكَذَلِكَ كل من شهد بها عَن شَهادَتهم فَلهم من الأجر مثل أجره أيضا فَهَذِهِ عشرَة أوجه في هَذِه الآية.
الحادِي عشر في تَفْضِيل العلم وأهله أنه سُبْحانَهُ نفي التَّسْوِيَة بَين أهله وبَين غَيرهم كَما نفى التَّسْوِيَة بَين أصحاب الجنَّة وأصحاب النّار فَقالَ تَعالى ﴿قل هَل يستوي الَّذين يعلمُونَ والَّذين لا يعلمُونَ﴾ كَما قالَ تَعالى ﴿لا يستوي أصحاب النّار وأصحاب الجنَّة﴾ وهَذا يدل على غايَة فَضلهمْ وشرفهم.
الوَجْه الثّانِي عشر أنه سُبْحانَهُ جعل أهل الجَهْل بِمَنزِلَة العميان الَّذين لا يبصرون فَقالَ (أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى} فَما ثمَّ إلا عالم أوْ أعمى، وقد وصف سُبْحانَهُ أهل الجَهْل بِأنَّهُم صم بكم عمي في غير مَوضِع من كِتابه.
الوَجْه الثّالِث عشر أنه سُبْحانَهُ أخبر عَن أولي العلم بأنهم يرَوْنَ أن ما أنْزلْ إليه من ربه حَقًا وجعل هَذا ثَناء عَلَيْهِم واستشهادا بهم فَقالَ تَعالى ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾.
الوَجْه الرّابِع عشر أنه سُبْحانَهُ أمر بسؤالهم والرُّجُوع إلى أقْوالهم وجعل ذَلِك كالشَّهادَةِ مِنهُم فَقالَ ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)﴾
وأهل الذّكر هم أهل العلم بِما أنْزلْ على الأنبياء.
الوَجْه الخامِس عشر أنه سُبْحانَهُ شهد لأهل العلم شَهادَة في ضمنها الاستشهاد بهم على صِحَة ما أنْزلْ الله على رَسُوله فَقالَ تَعالى ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (١١٤)﴾
الوَجْه السّادِس عشر أنه سُبْحانَهُ سلى نبيه بإيمان أهل العلم بِهِ وأمره أن لا يعبأ بالجاهلين شَيْئا فَقالَ تَعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧) ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾
وَهَذا شرف عَظِيم لهل العلم وتَحْته أن أهله العالمُونَ قد عرفوه وآمنوا بِهِ وصَدقُوا فَسَواء آمن بِهِ غَيرهم أو لا.
الوَجْه السّابِع عشر أنه سُبْحانَهُ مدح أهل العلم وأثنى عَلَيْهِم وشرفهم بأن جعل كِتابه آيات بَيِّنات في صُدُورهمْ وهَذِه خاصَّة ومنقبة لَهُم دون غَيرهم فَقالَ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ (٤٧) وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ (٤٩)﴾
وَسَواء كانَ المَعْنى أن القُرْآن مُسْتَقر في صُدُور الَّذين أوتوا العلم ثابت فِيها مَحْفُوظ وهو في نَفسه آيات بَيِّنات فَيكون أخبر عَنهُ بخبرين أحدهما أنه آيات بَيِّنات.
الثّانِي أنه مَحْفُوظ مُسْتَقر ثابت في صُدُور الَّذين أوتوا العلم أوْ كانَ المَعْنى أنه آيات بَيِّنات في صُدُورهمْ أي كَونه آيات بَيِّنات مَعْلُوم لَهُم ثابت في صُدُورهمْ.
والقَوْلان متلازمان ليسا بمختلفين وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو مدح لَهُم وثناء عَلَيْهِم في ضمنه الاستشهاد بهم فَتَأمّله.
الوَجْه الثّامِن عشر أنه سُبْحانَهُ أمر نبيه أن يسْأله مزِيد العلم فَقالَ تَعالى في سورة طه ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾
وَكفى بِهَذا شرفا للْعلم أن امْر نبيه أن يسْأله المَزِيد مِنهُ.
الوَجْه التّاسِع عشر أنه سُبْحانَهُ أخبر عَن رفْعَة دَرَجات أهل العلم والإيمان خاصَّة فَقالَ تَعالى في سورة المجادلة ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾
وَقد أخبر سُبْحانَهُ في كِتابه بِرَفْع الدَّرَجات في أربعة مَواضِع أحدها هَذا والثّانِي قَوْله إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذين إذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وإذا تليت عَلَيْهِم آياته زادتهم إيمانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلاة ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفقُونَ أولئك هم المُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم دَرَجات عند رَبهم ومغفرة ورزق كريم والثّالِث قوله تَعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى (٧٥)﴾ والرّابِع قوله تَعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً ... (٩٦)﴾
فَهَذِهِ أربعة مَواضِع في ثَلاثَة مِنها الرّفْعَة بالدرجات لأهل الإيمان الَّذِي هو العلم النافع والعَمَل الصّالح
والرّابِع الرّفْعَة بِالجِهادِ فَعادَت رفْعَة الدَّرَجات كلها إلى العلم والجهاد اللَّذين بهما قوام الدّين.
الوَجْه العشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ اسْتشْهد بِأهْل العلم والإيمان يَوْم القِيامَة على بطلان قَول الكفّار فَقالَ تَعالى ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾.
الوَجْه الحادِي والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ أخبر أنهم أهل خَشيته بل خصهم من بَين النّاس بذلك فَقالَ تَعالى في سورة فاطر ﴿إنَّما يخْشى الله من عباده العلماء إن الله عَزِيز غَفُور﴾ وهَذا حصر لخشيته في أولي العلم وقالَ تَعالى ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾
وَقد أخبر أن أهل خَشيته هم العلماء فَدلَّ على أن هَذا الجَزاء المَذْكُور للْعُلَماء بِمَجْمُوع النصين.
وَقالَ ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بِالله جهلا.
الوَجْه الثّانِي والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ أخبر عَن أمثاله الَّتِي يضْربها لِعِبادِهِ يدلهم على صِحَة ما أخبر بِهِ أن أهل العلم هم المنتفعون بها المختصون بعلمها فَقالَ تَعالى ﴿وَتلك الأمثال نَضْرِبها للنّاس وما يَعْقِلها إلّا العالمُونَ﴾
وَفِي القُرْآن بضعَة وأربعون مثلا وكانَ بعض السّلف إذا مر بِمثل لا يفهمهُ يبكي ويَقُول لست من العالِمين.
الوَجْه الثّالِث والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ ذكر مناظرة إبْراهِيم لأبيه وقَومه وغلبته لَهُم بِالحجَّةِ وأخْبر عَن تفضيله بذلك ورَفعه دَرَجَته بِعلم الحجَّة فَقالَ تَعالى عقيب مناظرته لابيه وقَومه في سُورَة الأنعام ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ قالَ زيد بن أسلم رضى الله عَنهُ ﴿نرفع دَرَجات من نشاء﴾ بِعلم الحجَّة.
الوَجْه الرّابِع والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ أخبر أنه خلق الخلق ووضع بَيته الحَرام والشهر الحَرام والهدى والقلائد ليعلم عباده أنه بِكُل شَيْء عليم وعَلى كل شَيْء قدير فَقالَ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾
فَدلَّ على أن علم العباد برَبهمْ وصِفاته وعبادته وحده هو الغايَة المَطْلُوبَة من الخلق والأمر.
الوَجْه الخامِس والعشْرُونَ أن الله سُبْحانَهُ أمر أهل العلم بالفرح بِما آتاهُم وأخْبر أنه خير مِمّا يجمع النّاس فَقالَ تَعالى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مِمّا يجمعُونَ﴾
وَفسّر فضل الله بالإيمان، ورَحمته بِالقُرْآنِ، والإيمان والقُرْآن هما العلم النافع والعَمَل الصّالح والهدى ودين الحق وهما أفضل علم وأفضل عمل.
الوَجْه السّادِس والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ شهد لمن آتاهُ العلم بأنه قد آتاهُ خيرا كثيرا فَقالَ تَعالى في سورة البقرة ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ... (٢٦٩)﴾
قالَ ابْن قُتَيْبَة والجُمْهُور الحِكْمَة إصابَة الحق والعَمَل بِهِ وهِي العلم النافع والعَمَل الصّالح.
الوَجْه السّابِع والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ عدد نعمه وفضله على رَسُوله وجعل من أجلها أن آتاهُ الكتاب والحكمَة وعلمه ما لم يكن يعلم فَقالَ تَعالى ﴿وَأنزل الله عَلَيْك الكتاب والحكمَة وعلمك ما لم تكن تعلم وكانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾.
الوَجْه الثّامِن والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ ذكر عباده المُؤمنِينَ بِهَذِهِ النِّعْمَة وأمرهمْ بشكرها وأن يذكروه على إسدائها إليهم فَقالَ تَعالى ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾.
الوَجْه التّاسِع والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ لما أخبر مَلائكَته بِأنَّهُ يُرِيد أن يَجْعَل في الأرض خَليفَة قالُوا لَهُ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ (٣٢)﴾
إلى آخر قصَّة آدم وأمر المَلائِكَة بِالسُّجُود لآدَم فَأبى إبليس فلعنه وأخرجه من السَّماء.
وَبَيان فضل العلم من هَذِه القِصَّة من وُجُوه:
أحدها أنه سُبْحانَهُ رد على المَلائِكَة لما سَألُوهُ كَيفَ يَجْعَل في الأرض من هم أطوع لَهُ مِنهُ فَقالَ ﴿إني أعْلَم ما لا تعلمُونَ﴾
فَأجاب سُؤالهمْ بِأنَّهُ يعلم من بواطن الأمور وحقائقها ما لا يعلمونه وهو العَلِيم الحَكِيم، فَظهر من هَذا الخَلِيفَة من خِيار خلقه ورُسُله وأنبيائه وصالحي عباده والشُّهَداء والصديقين والعُلَماء وطبقات أهل العلم والإيمان من هو خير من المَلائِكَة، وظهر من إبليس من هو شَرّ العالمين فَأخْرج سُبْحانَهُ هَذا وهَذا، والمَلائِكَة لم يكن لَها علم لا بِهَذا ولا بِهَذا ولا بِما في خلق آدم وإسكانه الأرض من الحكم الباهرة.
الثّانِي أنه سُبْحانَهُ لما أراد إظهار تَفْضِيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عَلَيْهِم بِالعلمِ فَعلمه الأسماء كلها ﴿ثمَّ عرضهمْ على المَلائِكَة فَقالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلاءِ إن كُنْتُم صادِقين﴾ جاءَ في التَّفْسِير أنهم قالُوا لن يخلق رَبنا خلقا هو أكرم عَلَيْهِ منا، فظنوا أنهم خير وأفضل من الخَلِيفَة الَّذِي يَجعله الله في الأرض فَلَمّا امتحنهم بِعلم ما علمه لهَذا الخَلِيفَة أقروا بِالعَجزِ وجَهل ما لم يعلموه فَقالُوا ﴿سُبْحانَكَ لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العَلِيم الحَكِيم﴾ فَحِينَئِذٍ أظهر لَهُم فضل آدم بِما خصّه بِهِ من العلم فَقالَ يا آدم أنبئهم بأسمائهم فَلَمّا أنبأهم بِأسْمائِهِمْ أقرُّوا لَهُ بِالفَضْلِ.
الثّالِث أنه سُبْحانَهُ لما أن عرفهم فضل آدم بِالعلمِ وعجزهم عَن معرفَة ما علمه قالَ لَهُم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾
فعرفهم سُبْحانَهُ نَفسه بِالعلمِ وأنه أحاط علما بظاهرهم وباطِنهمْ وبغيب السَّماوات والأرض فتعرف إليهم بِصفة العلم وعرفهم فضل نبيه وكليمه بِالعلمِ وعجزهم عَمّا آتاهُ آدم من العلم وكفى بِهَذا شرفا للْعلم.
الرّابِع أنه سُبْحانَهُ جعل في آدم من صِفات الكَمال ما كانَ بِهِ أفضل من غَيره من المَخْلُوقات، وأرادَ سُبْحانَهُ أن يظْهر لملائكته فَضله وشرفه فأظهر لَهُم أحسن ما فِيهِ وهو علمه فَدلَّ على أن العلم أشرف ما في الإنسان وأن فَضله وشرفه إنَّما هو بِالعلمِ.
وَنَظِير هَذا ما فعله بِنَبِيِّهِ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام لما أرادَ إظهار فَضله وشرفه على أهل زَمانه كلهم أظهر للْملك وأهل مصر من علمه بِتَأْوِيل رُؤْياهُ ما عجز عَنهُ عُلَماء التَّعْبِير، فَحِينَئِذٍ قدمه ومكنه وسلم إليه خَزائِن الأرض وكانَ قبل ذَلِك قد حَبسه على ما رَآهُ من حسن وجهه وجمال صورته، ولما ظهر لَهُ حسن صُورَة علمه وجمال مَعْرفَته أطلقه من الحَبْس ومكنه في الأرض، فَدلَّ على أن صُورَة العلم عند بني آدم أبهى وأحسن من الصُّورَة الحسية، ولَو كانَت أجمل صُورَة.
وَهَذا وجه مُسْتَقل في تَفْضِيل العلم مُضاف إلى ما تقدم فتم بِهِ ثَلاثُونَ وجها.
الوَجْه الحادِي والثَّلاثُونَ أنه سُبْحانَهُ ذمّ أهل الجَهْل في مَواضِع كَثِيرَة من كِتابه فَقالَ تَعالى ﴿وَلَكِن أكثرهم يجهلون﴾ وقالَ ﴿وَلَكِن أكثرهم لا يعلمُونَ﴾ وقالَ تَعالى ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾
فَلم يقْتَصر سُبْحانَهُ على تَشْبِيه الجُهّال بالأنعام حَتّى جعلهم أضل سَبِيلا مِنهُم.
وَقالَ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾
أخبر أن الجُهّال شَرّ الدَّوابّ عِنْده على اخْتِلاف أصنافها من الحمير والسِّباع والكلاب والحشرات وسائِر الدَّوابّ فالجهال شَرّ مِنهُم ولَيْسَ عَليّ دين الرُّسُل أضر من الجُهّال بل اعداؤهم على الحَقِيقَة وقالَ تَعالى لنَبيه وقد أعاذه ﴿فلا تكونن من الجاهِلين﴾
وَقالَ كليمه مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام ﴿أعوذ بِالله أن أكون من الجاهِلين﴾ وقالَ لأوّل رسله نوح عَلَيْهِ السَّلام ﴿إنِّي أعظك أن تكون من الجاهِلين﴾
فَهَذِهِ حال الجاهِلين عِنْده والأول حال أهل العلم عِنْده، وأخْبَرْ سُبْحانَهُ عَن عُقُوبَته لأعدائه أنه مَنعهم علم كِتابه ومعرفته وفقهه فَقالَ تَعالى ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا ... (٤٦)﴾
وَأمر نبيه بالإعراض عَنْهُم فَقالَ ﴿وَأعْرض عَن الجاهِلين﴾ وأثنى على عباده بالإعراض عَنْهُم ومتاركتهم كَما في قَوْله ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ (٥٥)﴾
وَقالَ تَعالى ﴿وَإذا خاطبهم الجاهلون قالُوا سَلاما﴾ وكل هَذا يدل على قبح الجَهْل عِنْده وبغضه للْجَهْل وأهله وهو كَذَلِك عند النّاس فَإن كل أحْد يتبرأ مِنهُ وإن كانَ فيه.
الوجه الثّانِي والثَّلاثُونَ أن العلم حَياة ونور، والجهل موت وظلمة، والشَّر كُله سَببه عدم الحَياة والنور، والخَيْر كُله سَببه النُّور والحياة فَإن النُّور يكْشف عَن حقائق الأشياء ويبين مراتبها والحياة هي المصححة لصفات الكَمال المُوجبَة لتسديد الأقوال والأعمال فَكلما تصرف من الحَياة فَهو خير كُله كالحياء الَّذِي سَببه كَمال حَياة القلب وتصوره حَقِيقَة القبْح ونفرته مِنهُ وضده الوقاحة والفُحْش وسَببه موت القلب وعدم نفرته من القَبِيح وكالحياء الَّذِي هو المَطَر الَّذِي بِهِ حَياة كل شَيْء قالَ تَعالى ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾
كانَ مَيتا بِالجَهْلِ قلبه فأحياه بِالعلمِ وجعل لَهُ من الإيمان نورا يمشي بِهِ في النّاس وقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ (٢٩)﴾
وَقالَ تَعالى ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾.
الوَجْه الثّالِث والثَّلاثُونَ أن الله سُبْحانَهُ جعل صيد الكَلْب الجاهِل ميتَة يحرم أكلها وأباح صيد الكَلْب المعلم.
وَهَذا أيضا من شرف العلم أنه لا يُباح إلّا صيد الكَلْب العالم، وأما الكَلْب الجاهِل فَلا يحل أكل صَيْده فَدلَّ على شرف العلم وفضله قالَ الله تَعالى في سورة المائدة ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ (٤)﴾
وَلَوْلا مزية العلم والتعليم وشرفهما كانَ صيد الكَلْب المعلم والجاهِل سَواء.
الوَجْه الرّابِع والثَّلاثُونَ أن الله سُبْحانَهُ أخْبرنا عَن صَفيه وكليمه الَّذِي كتب لَهُ التوارة بِيَدِهِ وكَلمه مِنهُ إليه أنه رَحل إلى رجل عالم يتَعَلَّم مِنهُ ويزداد علما إلى علمه فَقالَ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾
حرصا مِنهُ على لِقاء هَذا العالم وعَلى التَّعَلُّم مِنهُ فَلَمّا لقِيه سلك مَعَه مَسْلَك المتعلم مَعَ معلمه وقالَ لَهُ ﴿هَل أتبعك على أن تعلمن مِمّا علمت رشدا﴾ فبدأه بعد السَّلام بالاستئذان على مُتابَعَته وأنه لا يتبعهُ إلّا باذنه، وقالَ ﴿على أن تعلمن مِمّا علمت رشدا﴾
فَلم يَجِئ ممتحنا ولا متعلما وإنَّما جاءَ متعلما مستزيدا علما إلى علمه، وكفى بِهَذا فضلا وشرفا للْعلم فَإن نَبِي الله وكليمه سافر ورحل حَتّى لقي النصب من سَفَره في تعلم ثَلاث مسائِل من رجل عالم، ولما سمع بِهِ لم يقر لَهُ قَرار حَتّى لقِيه وطلب مِنهُ مُتابَعَته وتعليمه، وفي قصتهما عبر وآيات وحكم لَيْسَ هَذا مَوضِع ذكرها.
الوَجْه الخامِس والثَّلاثُونَ قوله تَعالى: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾
ندب تَعالى في سورة التوبة المُؤمنِينَ إلى التفقه في الدّين وهو تعلمه وإنذار قَومهمْ إذا رجعُوا إليهم وهو التَّعْلِيم وقد اخْتلف في الآية فَقيل المَعْنى أن المُؤمنِينَ لم يَكُونُوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم بل يَنْبَغِي أن ينفر من كل فرقة مِنهُم طائِفَة تتفقه تِلْكَ الطّائِفَة ثمَّ ترجع تعلم القاعدين فَيكون النفير على هَذا نفير تعلم والطائفة تقال على الواحِد فَما زاد قالُوا فَهو دَلِيل على قبُول خبر الواحِد وعَلى هَذا نفير تعلم.
والطائفة تقال على الواحِد فَما زاد قالُوا فَهو دَلِيل على قبُول خبر الواحِد وعَلى هَذا حملها الشّافِعِي وجَماعَة.
وَقالَت طائِفَة أخرى المَعْنى وما كانَ المُؤْمِنُونَ لينفروا إلى الجِهاد كلهم بل يَنْبَغِي أن تنفر طائِفَة للْجِهاد وفرْقَة تقعد تتفقه في الدّين فَإذا جاءَت الطّائِفَة الَّتِي نفرت فقهتها القاعِدَة وعلمتها ما أنْزلْ من الدّين والحلال والحرام وعَلى هَذا فَيكون قَوْله ليتفقهوا ولينذروا للفرقة الَّتِي نفرت مِنها طائِفَة وهَذا قَول الأكثرين، وعَلى هَذا فالنفير نفير جِهاد على أصله فَإنَّهُ حَيْثُ اسْتعْمل إنَّما يفهم مِنهُ الجِهاد قالَ الله تَعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدُوا بأموالكم وأنْفُسكُمْ﴾ وقالَ النَّبِي "لا هِجْرَة بعد الفَتْح ولَكِن جِهاد ونِيَّة وإذا استنفرتم فانفروا"
وَهَذا هو المَعْرُوف من هَذِه اللَّفْظَة وعَلى القَوْلَيْنِ فَهو ترغيب في التفقه في الدّين وتعلمه وتعليمه فَإن ذَلِك يعدل الجِهاد بل رُبما يكون أفضل مِنهُ كَما سَيَأْتِي تَقْرِيره في الوَجْه الثّامِن والمِائَة إن شاءَ الله تَعالى.
الوَجْه السّادِس والثَّلاثُونَ قوله تَعالى: في سورة العصر ﴿والعَصْرِ (١) إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ (٢) إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾
قالَ الشّافِعِي - رضي الله عنه - لَو فكر النّاس كلهم في هَذِه السُّورَة لكفتهم وبَيان ذَلِك أن المَراتِب أربعة وباستكمالها يحصل للشَّخْص غايَة كَماله:
إحداها معرفَة الحق
الثّانِيَة عمله بِهِ
الثّالِثَة تَعْلِيمه من لا يُحسنهُ
الرّابِعَة صبره على تعلمه والعَمَل بِهِ وتعليمه.
فَذكر تَعالى المَراتِب الأربعة في هَذِه السُّورَة واقسم سُبْحانَهُ في هَذِه السُّورَة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات وهم الَّذين عرفُوا الحق وصَدقُوا بِهِ فَهَذِهِ مرتبَة ﴿وَعمِلُوا الصّالِحات﴾ وهم الَّذين عمِلُوا بِما علموه من الحق فَهَذِهِ مرتبَة أخرى ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ وصّى بِهِ بَعضهم بَعْضًا تَعْلِيما وإرشادا فَهَذِهِ مرتبَة ثالِثَة وتَواصَوْا بِالصبرِ صَبَرُوا على الحق ووصى بَعضهم بَعْضًا بِالصبرِ عَلَيْهِ والثبات فَهَذِهِ مرتبَة رابِعَة وهذانهاية الكَمال فَإن الكَمال أن يكون الشَّخْص كامِلا في نَفسه مكملا لغيره وكماله بأصلاح قوتيه العلمية والعملية فصلاح القُوَّة العلمية بالإيمان وصَلاح القُوَّة العملية بِعَمَل الصّالِحات وتكميله غَيره بتعليمه إياه وصَبره عَلَيْهِ وتوصيته بِالصبرِ على العلم والعَمَل فَهَذِهِ السُّورَة على اختصارها هي من أجْمَعْ سور القُرْآن للخير بحذافيره والحَمْد لله الَّذِي جعل كِتابه كافِيا عَن كل ما سواهُ شافيا من كل داء هاديا إلى كل خير.
الوَجْه السّابِع والثَّلاثُونَ أنه سُبْحانَهُ ذكر فَضله ومنته على أنبيائه ورُسُله وأوليائه وعباده بِما آتاهُم من العلم فَذكر نعْمَته على خاتم أنبيائه ورُسُله بقوله ﴿وَأنزل الله عَلَيْك الكتاب والحكمَة وعلمك ما لم تكن تعلم وكانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾
وَقد تقدّمت هَذِه الآية وقالَ في يُوسُف ﴿وَلما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكَذَلِكَ تجزى المُحْسِنِينَ﴾ وقالَ في كليمه مُوسى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكَذَلِكَ نجزي المُحْسِنِينَ﴾
وَلما كانَ الَّذِي آتاهُ مُوسى من ذَلِك أمرا عَظِيما خصّه بِهِ على غَيره ولا يثبت لَهُ إلّا الأقوياء أولو العَزْم هيأه لَهُ بعد أن بلغ أشده واستوى يَعْنِي ثمّ كملت قوته، وقالَ في حق المَسِيح ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾
وَقالَ في حَقه ﴿ويعلمه الكتاب والحكمَة والتوراة والإنجيل﴾ فَجعل تَعْلِيمه مِمّا بشر بِهِ أمهِ وأقر عينها بِهِ.
وَقالَ في حق داوُد ﴿وَآتَيْناهُ الحِكْمَة وفصل الخطاب﴾
وَقالَ في حق الخضر صاحب مُوسى وفتاه ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رَحْمَة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾
فَذكر من نعمه عَلَيْهِ تَعْلِيمه وما آتاهُ من رَحمته.
وَقالَ تَعالى يذكر نعْمَته على داوُد وسليمان وداوُد وسليمان ﴿إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا ... (٧٩)﴾
فَذكر النَّبِيين الكريمين وأثْنى عَلَيْهِما بالحكم والعلم وخص بفهم القَضِيَّة أحدهما وقد ذكرت الحكمَيْنِ الداوودي والسليماني ووجههما ومن صار من الأئمة إلى هَذا ومن صار إلى هَذا وترجيح الحكم السُّلَيْمانِي من عدَّة وُجُوه وموافقته للْقِياس وقواعد الشَّرْع في كتاب الِاجْتِهاد والتقليد.
وَقالَ تَعالى في سورة الأنعام ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلِ اللَّهُ ... (٩١)﴾
يَعْنِي الَّذِي أنزله جعل سُبْحانَهُ تعليمهم ما لم يعلمُوا هم ولا آباؤهم دَلِيلا على صِحَة النُّبُوَّة والرسالة إذْ لا ينال هَذا العلم إلّا من جِهَة الرُّسُل فَكيف يَقُولُونَ ﴿ما أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ وهَذا من فضل العلم وشرفه وأنه دَلِيل على صِحَة النُّبُوَّة والرسالة والله المُوفق للرشاد وقالَ تَعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾
وَقالَ تَعالى في سورة الجمعة ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ (٤)﴾
يَعْنِي وبعث في آخَرين مِنهُم لما يلْحقُوا بهم.
وَقد اخْتلف في هَذا اللحاق المَنفِيّ فَقيل هو اللحاق في الزَّمان أي يتَأخَّر زمانهم عَنْهُم وقيل هو اللحاق في الفضل والسبق وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فامتن عَلَيْهِم سُبْحانَهُ بأن علمهمْ بعد الجَهْل وهداهم بعد الضَّلالَة ويالها من منَّة عَظِيمَة فاتَت المنن وجلت أن يقدر العباد لَها على ثمن.
الوَجْه الثّامِن والثَّلاثُونَ أن أول سُورَة أنزلها الله في كِتابه سُورَة القَلَم فَذكر فِيها ما من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه ما لم يعلم فَذكر فِيها فَضله بتعليمه وتفضيله الإنْسان بِما علمه إياه وذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم والعلم فَقالَ تَعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾
فافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالقِراءَةِ الناشئة عَن العلم وذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقالَ ﴿الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم﴾ وخص الإنسان من بَين المَخْلُوقات لما أودعه من عجائبه وآياته الدّالَّة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكَمال رَحمته وأنه لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ، وذكر هُنا مبدا خلقه من علق لكَون العلقَة مبدأ الأطوار الَّتِي انْتَقَلت إليها النُّطْفَة فَهي مبدأ تعلق التخليق، ثمَّ أعاد الأمر بِالقِراءَةِ مخبرا عَن نَفسه بِأنَّهُ الأكرم وهو الأفعل من الكَرم وهو كَثْرَة الخَيْر ولا احْدُ أولى بذلك مِنهُ سُبْحانَهُ فَإن الخَيْر كُله بيدَيْهِ والخَيْر كُله مِنهُ والنعَم كلها هو موليها، والكمال كُله والمجد كُله لَهُ فَهو الأكرم حَقًا، ثمَّ ذكر تَعْلِيمه عُمُوما وخصوصا فَقالَ ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ فَهَذا يدْخل فِيهِ تَعْلِيم المَلائِكَة والنّاس ثمَّ ذكر تَعْلِيم الإنسان خُصُوصا فَقالَ ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على أنه معطي الموجودات كلها بِجَمِيعِ أقسامها فإن الوُجُود لَهُ مَراتِب أربعة:
أحداها مرتبتها الخارجية المَدْلُول عَلَيْها بقوله خلق المرتبَة الثّانِيَة الذهنية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾ المرتبَة الثّالِثَة والرّابِعَة اللفظية والخطية فالخطية مُصَرح بها في قَوْله ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ واللفظية من لَوازِم التَّعْلِيم بالقلم فَإن الكِتابَة فرع النُّطْق والنطق فرع التَّصَوُّر، فاشتملت هَذِه الكَلِمات على مَراتِب الوُجُود كلها وأنه سُبْحانَهُ هو معطيها بخلقه وتعليمه فَهو الخالِق المعلم وكل شَيْء في الخارِج فبخلقه وجد وكل علم في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطّ في البنان فبإقداره وخلقه وتعليمه، وهَذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إلَه إلّا هو الرَّحْمَن الرَّحِيم والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ تعرف إلى عباده بِما علمهمْ إيّاه بِحِكْمَتِهِ من الخط واللَّفْظ والمعْنى فَكانَ العلم أحد الأدلة الدّالَّة عَلَيْهِ بل من أعظمها وأظهرها وكفى بِهَذا شرفا وفضلا لَهُ.
الوَجْه التّاسِع والثَّلاثُونَ أنه سُبْحانَهُ سمى الحجَّة العلمية سُلْطانا قالَ ابْن عَبّاس رضى الله عَنهُ كل سُلْطان في القُرْآن فَهو حجَّة وهَذا كَقوله تَعالى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
يَعْنِي ما عنْدكم من حجَّة بِما قُلْتُمْ أن هو إلا قَول على الله بِلا علم وقالَ تَعالى ﴿إن هي إلّا أسماء سميتموها أنْتُم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سُلْطان﴾
يَعْنِي ما أنزل بها حجَّة ولا برهانا بل هي من تِلْقاء أنفسكم وآبائكم وقالَ تَعالى ﴿أم لكم سُلْطان مُبين فَأتوا بِكِتابِكم إن كُنْتُم صادِقين﴾
يَعْنِي حجَّة واضِحَة فأتوا بها إن كُنْتُم صادِقين في دعواكم إلّا موضعا واحِدًا اخْتلف فِيهِ وهو قَوْله ﴿ما أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه﴾
فَقيل المُراد بِهِ القُدْرَة والملك أي ذهب عني مالِي وملكي فَلا مال لي ولا سُلْطان.
وَقيل هو على بابه أي انْقَطَعت حجتي وبَطلَت فَلا حجَّة لي.
والمَقْصُود أن الله سُبْحانَهُ سمى علم الحجَّة سُلْطانا لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره فَلهُ بها سُلْطان على الجاهِلين بل سُلْطان العلم أعظم من سُلْطان اليَد، ولِهَذا ينقاد النّاس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجَّة تنقاد لَها القُلُوب، وأما اليَد فَإنَّما ينقاد لَها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المُخالف وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لَها ذليل مقهور تَحت سلطانها بل سُلْطان الجاه إن لم يكن مَعَه علم يساس بِهِ فَهو بِمَنزِلَة سُلْطان السباع والأسود ونَحْوها قدرَة بِلا علم ولا رَحْمَة بِخِلاف سُلْطان الحجَّة فَإنَّهُ قدرَة بِعلم ورَحْمَة وحِكْمَة، ومن لم يكن لَهُ اقتدار في علمه فَهو إما لضعف حجَّته وسلطانه، وإما لقهر سُلْطان اليَد والسيف لَهُ، وإلا فالحجة ناصرة نَفسها ظاهِرَة على الباطِل قاهرة لَهُ.
الوَجْه الأربعون أن الله تَعالى وصف أهل النّار بِالجَهْلِ وأخْبَر أنه سد عليهم طرق العلم فَقالَ تَعالى حِكايَة عَنْهُم ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ (١١)﴾
فَأخْبرُوا أنهم كانُوا لا يسمعُونَ ولا يعْقلُونَ، والسمع والعقل هما أصل العلم وبِهِما ينال وقالَ تَعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ (١٧٩)﴾
فأخبر سُبْحانَهُ أنهم لم يحصل لَهُم علم من جِهَة من جِهات العلم الثَّلاث وهِي العقل والسمع والبَصَر، كَما قالَ في مَوضِع آخر ﴿صم بكم عمي فهم لا يعْقلُونَ﴾ وقالَ تَعالى في سورة الحج ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ (٤٦)﴾
وَقالَ تَعالى ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾
فقد وصف أهل الشَّقاء كَما ترى بِعَدَمِ العلم، وشبههم بالأنعام تارَة، وتارَة بالحمار الَّذِي يحمل الأسفار، وتارَة جعلهم أضل من الأنعام، وتارَة جعلهم شَرّ الدَّوابّ عِنْده، وتارَة جعلهم أمواتا غير أحياء، وتارَة أخبر أنهم في ظلمات الجَهْل والضلال، وتارَة أخبر أن على قُلُوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا وعَلى أبصارهم غشاوة، وهَذا كُله يدل على قبح الجَهْل وذم أهله وبغضه لَهُم، كَما أنه يحب أهل العلم ويمدحهم ويثني عَلَيْهِم كَما تقدم والله المُسْتَعان.
الوَجْه الحادِي والأربعون ما في الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث مُعاوِيَة رضى الله عَنهُ قالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول "من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه في الدّين"
وَهَذا يدل على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد بِهِ خيرا كَما أن من أراد بِهِ خيرا فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد بِهِ خيرا إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للْعَمَل وأما أن أريد بِهِ مُجَرّد العلم فَلا يدل على أن من فقه في الدّين فقد أريد بِهِ خيرا فَإن الفِقْه حِينَئِذٍ يكون شرطا لإرادة الخَيْر وعَلى الأول يكون مُوجبا والله أعْلَم.
(فصل)
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ إثْباتَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ، والرَّدَّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الطَّوائِفِ، والشَّهادَةَ بِبُطْلانِ أقْوالِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَتَبَيَّنُ بَعْدَ فَهْمِ الآيَةِ بِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والحَقائِقِ الإيمانِيَّةِ.
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أجَلَّ شَهادَةٍ، وأعْظَمَها، وأعْدَلَها، وأصْدَقَها، مِن أجَلِّ شاهِدٍ، بِأجَلِّ مَشْهُودٍ بِهِ، وعِباراتُ السَّلَفِ في " شَهِدَ " تَدُورُ عَلى الحُكْمِ والقَضاءِ، والإعْلامِ والبَيانِ، والإخْبارِ، قالَ مُجاهِدٌ: حَكَمَ، وقَضى، وقالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: أعْلَمَ وأخْبَرَ، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها حَقٌّ لا تَنافِيَ بَيْنَها فَإنَّ الشَّهادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلامَ الشّاهِدِ وخَبَرَهُ، وقَوْلَهُ، وتَتَضَمَّنُ إعْلامَهُ، وإخْبارَهُ وبَيانَهُ، فَلَها أرْبَعُ مَراتِبَ، فَأوَّلُ مَراتِبِها: عِلْمٌ، ومَعْرِفَةٌ، واعْتِقادٌ لِصِحَّةِ المَشْهُودِ بِهِ، وثُبُوتِهِ، وثانِيها: تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ، ونُطْقُهُ بِهِ، وإنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيْرَهُ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ ويَذْكُرُها، ويَنْطِقُ بِها أوْ يَكْتُبُها، وثالِثُها: أنْ يُعْلِمَ غَيْرَهُ بِما شَهِدَ بِهِ، ويُخْبِرَهُ بِهِ، ويُبَيِّنَهُ لَهُ، ورابِعُها: أنْ يُلْزِمَهُ بِمَضْمُونِها ويَأْمُرَهُ بِهِ.
فَشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، والقِيامِ بِالقِسْطِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ المَراتِبَ الأرْبَعَةَ: عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وتَكَلُّمَهُ بِهِ، وإعْلامَهُ، وإخْبارَهُ لِخَلْقِهِ بِهِ، وأمْرَهم وإلْزامَهم بِهِ.
أمّا مَرْتَبَةُ العِلْمِ: فَإنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ تَتَضَمَّنُها ضَرُورَةً، وإلّا كانَ الشّاهِدُ شاهِدًا بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلى مِثْلِها فاشْهَدْ وأشارَ إلى الشَّمْسِ».
وَأمّا مَرْتَبَةُ التَّكَلُّمِ والخَبَرِ: فَمَن تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وأخْبَرَ بِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ، وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهادَةِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنهم شَهادَةً، وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ولَمْ يُؤَدُّوها عِنْدَ غَيْرِهِمْ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ» وشَهادَةُ الزُّورِ هي قَوْلُ الزُّورِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠] وعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ» فَسَمّى قَوْلَ الزُّورِ شَهادَةً، وسَمّى اللَّهُ تَعالى إقْرارَ العَبْدِ عَلى نَفْسِهِ شَهادَةً، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] فَشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ: هي إقْرارُهُ عَلى نَفْسِهِ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في قِصَّةِ ماعِزٍ الأسْلَمِيِّ: «فَلَمّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ رَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، وقالَ تَعالى: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
وَهَذا - وأضْعافُهُ - يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ عِنْدَ الحاكِمِ وغَيْرِهِ: لا يُشْتَرَطُ في قَبُولِ شَهادَتِهِ أنْ يَتَلَفَّظَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، كَما هو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأهْلِ المَدِينَةِ، وظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ، ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ اشْتِراطُ ذَلِكَ، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ شَهِدَ عِنْدِي رِجالٌ مَرْضِيُّونَ - وأرْضاهم عِنْدِي عُمَرُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ العَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ»، ومَعْلُومٌ أنَّهم لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ، لَمْ يَتَلَفَّظْ في شَهادَتِهِ لَهم بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، بَلْ قالَ: «أبُو بَكْرٍ في الجَنَّةِ، وعُمَرُ في الجَنَّةِ، وعُثْمانُ في الجَنَّةِ، وعَلِيٌّ في الجَنَّةِ» الحَدِيثَ.
وَأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الكافِرَ إذا قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَدْ دَخَلَ في الإسْلامِ، وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ، ولَمْ يَتَوَقَّفْ إسْلامُهُ عَلى لَفْظِ الشَّهادَةِ وأنَّهُ قَدْ دَخَلَ في قَوْلِهِ: «حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» وفي لَفْظٍ آخَرَ: «حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» فَدَلَّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَهادَةٌ مِنهُمْ، وهَذا أكْثَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ شَواهِدُهُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَلَيْسَ مَعَ مَنِ اشْتَرَطَ لَفَظَ الشَّهادَةِ، دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَأمّا مَرْتَبَةُ الإعْلامِ والإخْبارِ، فَنَوْعانِ: إعْلامٌ بِالقَوْلِ، وإعْلامٌ بِالفِعْلِ، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مُعْلِمٍ لِغَيْرِهِ بِأمْرٍ: تارَةً يُعْلِمُهُ بِقَوْلِهِ، وتارَةً بِفِعْلِهِ، ولِهَذا كانَ مَن جَعَلَ دارًا مَسْجِدًا، وفَتَحَ بابَها لِكُلِّ مَن دَخَلَ إلَيْها، وأذَّنَ بِالصَّلاةِ فِيها: مُعْلِمًا أنَّها وقْفٌ، وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، وكَذَلِكَ مَن وُجِدَ مُتَقَرِّبًا إلى غَيْرِهِ بِأنْواعِ المَسارِ: مُعْلِمًا لَهُ ولِغَيْرِهِ أنَّهُ يُحِبُّهُ، وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِقَوْلِهِ، وكَذَلِكَ بِالعَكْسِ، وكَذَلِكَ شَهادَةُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ وبَيانُهُ وإعْلامُهُ، يَكُونُ بِقَوْلِهِ تارَةً، وبِفِعْلِهِ تارَةً أُخْرى، فالقَوْلُ: هو ما أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، ومِمّا قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرارِ: أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ أخْبَرُوا عَنِ اللَّهِ: أنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وأخْبَرَ بِذَلِكَ، وأمَرَ عِبادَهُ أنْ يَشْهَدُوا بِهِ، وشَهادَتُهُ سُبْحانَهُ أنْ لا إلَهَ إلّا هو مَعْلُومَةٌ مِن جِهَةِ كُلِّ مَن بَلَّغَ عَنْهُ كَلامَهُ.
وَأمّا بَيانُهُ وإعْلامُهُ بِفِعْلِهِ: فَهو ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُهُ تَعالى عَنِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ الَّتِي تُعْلَمُ دَلالَتُها بِالعَقْلِ والفِطْرَةِ، وهَذا أيْضًا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهادَةِ، كَما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ الدَّلالَةِ، والإرْشادِ والبَيانِ، فَإنَّ الدَّلِيلَ يُبَيِّنُ المَدْلُولَ عَلَيْهِ ويُظْهِرُهُ، كَما يُبَيِّنُهُ الشّاهِدُ والمُخْبِرُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ البَيانُ بِالفِعْلِ أظْهَرَ وأبْلَغَ، وقَدْ يُسَمّى شاهِدُ الحالِ نُطْقًا وقَوْلًا وكَلامًا، لِقِيامِهِ مَقامَهُ، وأدائِهِ مُؤَدّاهُ، كَما قِيلَ:
؎وَقالَتْ لَهُ العَيْنانِ سَمْعًا وطاعَةً ∗∗∗ وحَدَّرَتا بِالدُّرِّ لَمّا يُثْقَبِ
وَقالَ الآخَرُ:
؎شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرى ∗∗∗ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى
وَقالَ الآخَرُ:
؎امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي
وَيُسَمّى هَذا شَهادَةً أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] فَهَذِهِ شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما يَفْعَلُونَ مِن أعْمالِ الكُفْرِ وأقْوالِهِ، فَهي شَهادَةٌ بِكُفْرِهِمْ، وهم شاهِدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما شَهِدَتْ بِهِ.
والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَشْهَدُ بِما جَعَلَ آياتِهِ المَخْلُوقَةَ دالَّةً عَلَيْهِ، فَإنَّ دَلالَتَها إنَّما هي بِخَلْقِهِ وجَعْلِهِ، ويَشْهَدُ بِآياتِهِ القَوْلِيَّةِ الكَلامِيَّةِ المُطابِقَةِ لِما شَهِدَتْ بِهِ آياتُهُ الخَلْقيَّةُ، فَتَتَطابَقُ شَهادَةُ القَوْلِ وشَهادَةُ الفِعْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، فَأخْبَرَ أنَّهُ يَدُلُّ بِآياتِهِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ عَلى صِدْقِ آياتِهِ القَوْلِيَّةِ الكَلامِيَّةِ، وهَذِهِ الشَّهادَةُ الفِعْلِيَّةُ قَدْ ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ والتَّفْسِيرِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: شَهِدَ اللَّهُ بِتَدْبِيرِهِ العَجِيبِ وأُمُورِهِ المُحْكَمَةِ عِنْدَ خَلْقِهِ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.
فَصْلٌ
وَأمّا المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ - وهي الأمْرُ بِذَلِكَ والإلْزامُ بِهِ، وإنْ كانَ مُجَرَّدُ الشَّهادَةِ لا يَسْتَلْزِمُهُ، لَكِنِ الشَّهادَةُ في هَذا المَوْضِعِ تَدُلُّ عَلَيْهِ وتَتَضَمَّنُهُ - فَإنَّهُ سُبْحانَهُ شَهِدَ بِهِ شَهادَةَ مَن حَكَمَ بِهِ، وقَضى وأمَرَ، وألْزَمَ عِبادَهَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وقالَ تَعالى: ﴿وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] وقالَ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢]، وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] والقُرْآنُ كُلُّهُ شاهِدٌ بِذَلِكَ.
وَوَجْهُ اسْتِلْزامِ شَهادَتِهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ: أنَّهُ إذا شَهِدَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَقَدْ أخْبَرَ، وبَيَّنَ وأعْلَمَ، وحَكَمَ وقَضى: أنَّ ما سِواهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وأنَّ إلَهِيَّةَ ما سِواهُ أبْطَلُ الباطِلِ، وإثْباتَها أظْلَمُ الظُّلْمِ، فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ، كَما لا تَصْلُحُ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِاتِّخاذِهِ وحْدَهُ إلَهًا، والنَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ غَيْرِهِ مَعَها إلَهًا، وهَذا يَفْهَمُهُ المُخاطَبُ مِن هَذا النَّفْيِ والإثْباتِ، كَما إذا رَأيْتَ رَجُلًا يَسْتَفْتِي أوْ يَسْتَشْهِدُ، أوْ يَسْتَطِبُّ مَن لَيْسَ أهْلًا لِذَلِكَ، ويَدَعُ مَن هو أهْلٌ لَهُ، فَتَقُولُ: هَذا لَيْسَ بِمُفْتٍ ولا شاهِدٍ ولا طَبِيبٍ، المُفْتِي فُلانٌ، والشّاهِدُ فُلانٌ، والطَّبِيبُ فُلانٌ، فَإنَّ هَذا أمْرٌ مِنكَ ونَهْيٌ.
وَأيْضًا فَإنَّ الأدِلَّةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، فَإذا أخْبَرَ أنَّهُ هو وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، تَضَمَّنَ هَذا الإخْبارُ: أمْرَ العِبادِ وإلْزامَهم بِأداءِ ما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ تَعالى عَلَيْهِمْ، وأنَّ القِيامَ بِذَلِكَ هو خالِصُ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ، فَإذا شَهِدَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَضَمَّنَتْ شَهادَتُهُ الأمْرَ والإلْزامَ بِتَوْحِيدِهِ.
وَأيْضًا فَلَفْظُ الحُكْمِ والقَضاءِ يُسْتَعْمَلُ في الجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ، فَيُقالُ لِلْجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ قَضِيَّةٌ وحُكْمٌ وقَدْ حَكَمَ فِيها بِكَيْتَ وكَيْتَ، قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] فَجَعَلَ هَذا الإخْبارَ المُجَرَّدَ مِنهم حُكْمًا، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥] لَكِنَّ هَذا حُكْمٌ لا إلْزامَ مَعَهُ، والحُكْمُ والقَضاءُ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ: مُتَضَمِّنٌ لِلْإلْزامِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى " قائِمًا بِالقِسْطِ]
فَصْلٌ
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]
" القِسْطِ ": هو العَدْلُ، فَشَهِدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ قائِمٌ بِالعَدْلِ في تَوْحِيدِهِ، وبِالوَحْدانِيَّةِ في عَدْلِهِ، والتَّوْحِيدُ والعَدْلُ هُما جِماعُ صِفاتِ الكَمالِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ يَتَضَمَّنُ تَفَرُّدَهُ سُبْحانَهُ بِالكَمالِ والجَلالِ والمَجْدِ والتَّعْظِيمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ سِواهُ، والعَدْلُ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ أفْعالِهِ كُلِّها عَلى السَّدادِ والصَّوابِ ومُوافَقَةِ الحِكْمَةِ.
فَهَذا تَوْحِيدُ الرُّسُلِ وعَدْلُهُمْ: إثْباتُ الصِّفاتِ، والأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ
لَهُ، وإثْباتُ القَدَرِ والحِكَمِ، والغاياتِ المَطْلُوبَةِ المَحْمُودَةِ بِفِعْلِهِ وأمْرِهِ، لا تَوْحِيدَ الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ والقَدَرِيَّةِ، الَّذِي هو إنْكارُ الصِّفاتِ وحَقائِقِ الأسْماءِ الحُسْنى، وعَدْلُهُمْ، الَّذِي هُوَ: التَّكْذِيبُ بِالقَدَرِ، أوْ نَفْيُ الحِكَمِ والغاياتِ والعَواقِبِ الحَمِيدَةِ الَّتِي يَفْعَلُ اللَّهُ لِأجْلِها ويَأْمُرُ، وقِيامُهُ سُبْحانَهُ بِالقِسْطِ في شَهادَتِهِ يَتَضَمَّنُ أُمُورًا.
أحَدَها: أنَّهُ قائِمٌ بِالقِسْطِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ الَّتِي هي أعْدَلُ شَهادَةٍ عَلى الإطْلاقِ، وإنْكارُها وجُحُودُها أعْظَمُ الظُّلْمِ عَلى الإطْلاقِ، فَلا أعْدَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ ولا أظْلَمَ مِنَ الشِّرْكِ، فَهو سُبْحانَهُ قائِمٌ بِالعَدْلِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ قَوْلًا وفِعْلًا، حَيْثُ شَهِدَ بِها، وأخْبَرَ وأعْلَمَ عِبادَهُ، وبَيَّنَ لَهم تَحْقِيقَها وصِحَّتَها، وألْزَمَهم بِمُقْتَضاها، وحَكَمَ بِهِ، وجَعَلَ الثَّوابَ والعِقابَ عَلَيْها، وجَعَلَ الأمْرَ والنَّهْيَ مِن حُقُوقِها وواجِباتِها، فالدِّينُ كُلُّهُ مِن حُقُوقِها، والثَّوابُ كُلُّهُ عَلَيْها، والعِقابُ كُلُّهُ عَلى تَرْكِها.
وَهَذا هو العَدْلُ الَّذِي قامَ بِهِ الرَّبُّ تَعالى في هَذِهِ الشَّهادَةِ، فَأوامِرُهُ كُلُّها تَكْمِيلٌ لَها، وأمْرٌ بِأداءِ حُقُوقِها، ونَواهِيهِ كُلُّها صِيانَةٌ لَها عَمّا يَهْضِمُها ويُضادُّها، وثَوابُهُ كُلُّهُ عَلَيْها، وعِقابُهُ كُلُّهُ عَلى تَرْكِها، وتَرْكِ حُقُوقِها، وخَلْقُهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما كانَ بِها ولِأجْلِها، وهي الحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ، وضِدُّها هو الباطِلُ والعَبَثُ الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ، وأخْبَرَ: أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ بِهِ السَّماواتِ والأرْضَ، قالَ تَعالى - رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ - ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]
وَقالَ تَعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ - ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ١-٣]
وَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥]
وَقالَ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨] وقالَ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨] وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، والحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ ولِأجْلِهِ: هو التَّوْحِيدُ، وحُقُوقُهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والثَّوابِ والعِقابِ، فالشَّرْعُ والقَدَرُ، والخَلْقُ والأمْرُ، والثَّوابُ والعِقابُ قائِمٌ بِالعَدْلِ، والتَّوْحِيدُ صادِرٌ عَنْهُما، وهَذا هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، قالَ تَعالى - حِكايَةً عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ - ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَهو سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَهو يَقُولُ الحَقَّ، ويَفْعَلُ العَدْلَ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ - واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ١١٥-٤].
فالصِّراطُ المُسْتَقِيمُ - الَّذِي عَلَيْهِ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى -: هو مُقْتَضى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ، قالَ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ولِلصَّنَمِ، فَهو سُبْحانَهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، والصَّنَمُ مَثَلُ العَبْدِ الَّذِي هو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ، أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ.
والمَقْصُودُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] هو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وقَوْلُهُ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ في " شَهِدَ اللَّهُ " والعامِلُ فِيها الفِعْلُ، والمَعْنى عَلى هَذا: شَهِدَ اللَّهُ حالَ قِيامِهِ بِالقِسْطِ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، والثّانِي: أنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ " هو " والعامِلُ فِيها مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا إلَهَ إلّا هُوَ، حالَ كَوْنِهِ قائِمًا بِالقِسْطِ، وبَيْنَ التَّقْدِيرَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ: يَتَضَمَّنُ أنَّ المَعْنى: " شَهِدَ اللَّهُ " مُتَكَلِّمًا بِالعَدْلِ، مُخْبِرًا بِهِ، آمِرًا بِهِ، فاعِلًا لَهُ، مُجازِيًا بِهِ - أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَإنَّ العَدْلَ يَكُونُ في القَوْلِ والفِعْلِ، والمُقْسِطُ هو العادِلُ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَشَهِدَ اللَّهُ قائِمًا بِالعَدْلِ - قَوْلًا وفِعْلًا - أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ هَذِهِ الشَّهادَةِ شَهادَةَ عَدْلٍ وقِسْطٍ، وهي أعْدَلُ شَهادَةٍ، كَما أنَّ المَشْهُودَ بِهِ أعْدَلُ شَيْءٍ، وأصَحُّهُ وأحَقُّهُ، وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ وغَيْرُهُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ما يَشْهَدُ بِذَلِكَ، وهو «أنَّ حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ الشّامِ قَدِما عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالا لَهُ: أنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، وأحْمَدُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالا: نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ، فَإنْ أخْبَرَتْنا بِها آمَنّا بِكَ، قالَ: سَلانِي، قالا: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]- الآيَةَ» وإذا كانَ القِيامُ بِالقِسْطِ يَكُونُ في القَوْلِ والفِعْلِ كانَ المَعْنى: أنَّهُ كانَ سُبْحانَهُ يَشْهَدُ وهو قائِمٌ بِالعَدْلِ عالِمٌ بِهِ، لا بِالظُّلْمِ، فَإنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ تَضَمَّنَتْ قَوْلًا وعَمَلًا، فَإنَّها تَضَمَّنَتْ: أنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وأنَّ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وحْدَهُ: هُمُ المُفْلِحُونَ السُّعَداءُ، وأنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ هُمُ الضّالُّونَ الأشْقِياءُ، فَإذا شَهِدَ قائِمًا بِالعَدْلِ - المُتَضَمِّنِ جَزاءَ المُخْلِصِينَ بِالجَنَّةِ، وجَزاءَ المُشْرِكِينَ بِالنّارِ -: كانَ هَذا مِن تَمامِ مُوجَبِ الشَّهادَةِ وتَحْقِيقِها، وكانَ قَوْلُهُ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] تَنْبِيهًا عَلى جَزاءِ الشّاهِدِ بِها والجاحِدِ لَها، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَأمّا التَّقْدِيرُ الثّانِي - وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " قائِمًا " حالًا مِمّا بَعْدَ إلّا - فالمَعْنى: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو قائِمًا بِالعَدْلِ، فَهو وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ، مَعَ كَوْنِهِ قائِمًا بِالقِسْطِ، قالَ شَيْخُنا: وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ: أنَّ المَلائِكَةَ وأُولِي العِلْمِ يَشْهَدُونَ لَهُ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأنَّهُ قائِمٌ بِالقِسْطِ.
قُلْتُ: مُرادُهُ أنَّهُ إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] حالًا مِنَ المَشْهُودِ بِهِ، فَهو كالصِّفَةِ لَهُ، فَإنَّ الحالَ صِفَةٌ في المَعْنى لِصاحِبِها، فَإذا وقَعَتِ الشَّهادَةُ عَلى ذِي الحالِ وصاحِبِها كانَ كِلاهُما مَشْهُودًا بِهِ، فَيَكُونُ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قَدْ شَهِدُوا بِأنَّهُ قائِمٌ بِالقِسْطِ، كَما شَهِدُوا بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ لا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ - قائِمًا بِالقِسْطِ - أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةَ وأُولُو العِلْمِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ: كانَ القِيامُ بِالقِسْطِ حالًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ وحْدَهُ.
وَأيْضًا فَكَوْنُهُ قائِمًا بِالقِسْطِ فِيما شَهِدَ بِهِ أبْلَغُ مِن كَوْنِهِ حالًا مِن مُجَرَّدِ الشَّهادَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ حالًا مِن " هو " فَهَلّا اقْتَرَنَ بِهِ؟ ولِمَ فُصِلَ بَيْنَ صاحِبِ الحالِ وبَيْنَها بِالمَعْطُوفِ، فَجاءَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ صاحِبِ الحالِ وبَيْنَها؟
قُلْتُ: فائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو قائِمًا بِالقِسْطِ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ؛ لَأُوهِمَ عَطْفُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] ولا يَحْسُنُ العَطْفُ لِأجْلِ الفَصْلِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ قَطْعًا، وإنَّما المَعْنى عَلى خِلافِهِ، وهو أنَّ قِيامَهُ بِالقِسْطِ مُخْتَصٌّ بِهِ، كَما أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالإلَهِيَّةِ، فَهو وحْدَهُ الإلَهُ المَعْبُودُ المُسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وهو وحْدَهُ المُجازِي المُثِيبُ المُعاقِبُ بِالعَدْلِ.
قَوْلُهُ: " لا إلَهَ إلّا هو "، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: الأُولى وصْفٌ وتَوْحِيدٌ، والثّانِيَةُ: رَسْمٌ وتَعْلِيمٌ، أيْ قُولُوا: لا إلَهَ إلّا هُوَ، ومَعْنى هَذا: أنَّ الأُولى تَضَمَّنَتْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ شَهِدَ بِها وأخْبَرَ بِها، والتّالِي لِلْقُرْآنِ إنَّما يُخْبِرُ عَنْ شَهادَتِهِ هُوَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ شَهادَةٌ مِنَ التّالِي نَفْسِهِ، فَأعادَ سُبْحانَهُ ذِكْرَها مُجَرَّدَةً لِيَقُولَها التّالِي، فَيَكُونَ شاهِدًا هو أيْضًا.
وَأيْضًا فالأُولى: خَبَرٌ عَنِ الشَّهادَةِ بِالتَّوْحِيدِ، والثّانِيَةُ: خَبَرٌ عَنْ نَفْسِ التَّوْحِيدِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَوْحِيدَهُ وعَدْلَهُ، وعِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ، فالتَّوْحِيدُ: يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ، وعَدَمَ المُماثِلِ لَهُ فِيها وعِبادَتَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والعَدْلُ يَتَضَمَّنُ وضْعَهُ الأشْياءَ مَوْضِعَها، وتَنْزِيلَها مَنازِلَها، وأنَّهُ لَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنها إلّا بِمُخَصِّصٍ اقْتَضى ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يُعاقِبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ، ولا يَمْنَعُ مَن يَسْتَحِقُّ العَطاءَ، وإنْ كانَ هو الَّذِي جَعَلَهُ مُسْتَحِقًّا، والعِزَّةُ تَتَضَمَّنُ كَمالَ قُدْرَتِهِ وقُوَّتِهِ وقَهْرِهِ، والحِكْمَةُ تَتَضَمَّنُ كَمالَ عِلْمِهِ، وخِبْرَتِهِ، وأنَّهُ أمَرَ ونَهى، وخَلَقَ وقَدَّرَ، لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ والغاياتِ الحَمِيدَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْها كَمالَ الحَمْدِ.
فاسْمُهُ العَزِيزُ يَتَضَمَّنُ المُلْكَ، واسْمُهُ الحَكِيمُ يَتَضَمَّنُ الحَمْدَ، وأوَّلُ الآيَةِ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وذَلِكَ أفْضَلُ ما قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والنَّبِيُّونَ مِن قَبْلِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي إذا أمَرَ بِأمْرٍ كانَ حَسَنًا في نَفْسِهِ وإذا نَهى عَنْ شَيْءٍ كانَ قَبِيحًا في نَفْسِهِ، وإذا أخْبَرَ بِخَبَرٍ كانَ صِدْقًا، وإذا فَعَلَ فِعْلًا كانَ صَوابًا، وإذا أرادَ شَيْئًا كانَ أوْلى بِالإرادَةِ مِن غَيْرِهِ، وهَذا الوَصْفُ عَلى الكَمالِ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ.
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهَذِهِ الشَّهادَةُ: الدَّلالَةَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ المُنافِيَةِ لِلشِّرْكِ، وعَدْلِهُ المُنافِي لِلظُّلْمِ، وعِزَّتِهِ المُنافِيَةِ لِلْعَجْزِ، وحِكْمَتِهِ المُنافِيَةِ لِلْجَهْلِ والعَيْبِ، فَفِيها الشَّهادَةُ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والعَدْلِ، والقُدْرَةِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ، ولِهَذا كانَتْ أعْظَمَ شَهادَةٍ.
وَلا يَقُومُ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ عَلى وجْهِها مِن جَمِيعِ الطَّوائِفِ إلّا أهْلُ السُّنَّةِ، وسائِرُ طَوائِفِ أهْلِ البِدَعِ لا يَقُومُونَ بِها، فالفَلاسِفَةُ أشَدُّ النّاسِ إنْكارًا وجُحُودًا لِمَضْمُونِها، مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، وطَوائِفُ الِاتِّحادِيَّةِ: هم أبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ عَنْها مِن كُلِّ وجْهٍ، وطائِفَةُ الجَهْمِيَّةِ تُنْكِرُ حَقِيقَتَها مِن وُجُوهٍ:
مِنها: أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ، مَحَبَّةً لَهُ، واشْتِياقًا إلَيْهِ، وإنابَةً، وعِنْدَهُمْ: أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ.
وَمِنها: أنَّ الشَّهادَةَ كَلامُهُ وخَبَرُهُ عَمّا شَهِدَ بِهِ، وهو عِنْدَهم لا يَقُولُ ولا يَتَكَلَّمُ، ولا يَشْهَدُ ولا يُخْبِرُ.
وَمِنها: أنَّها تَتَضَمَّنُ مُبايَنَتَهُ لِخَلْقِهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، وعِنْدَ فِرَعَوْنِيِّهِمْ: أنَّهُ لا يُبايِنُ الخَلْقَ ولا يُحايِثُهُمْ، ولَيْسَ فَوْقَ العَرْشِ إلَهٌ يُعْبَدُ، ولا رَبٌّ يُصَلّى لَهُ ويُسْجَدُ.
وَعِنْدَ حُلُولِيَّتِهِمْ: أنَّهُ حالٌّ في كُلِّ مَكانٍ بِذاتِهِ، حَتّى في الأمْكِنَةِ الَّتِي يُسْتَحْيى مِن ذِكْرِها، فَهَؤُلاءِ مُثْبِتَةُ الجَهْمِيَّةِ، وأُولَئِكَ نُفاتُهم.
وَمِنها: أنَّ قِيامَهُ بِالقِسْطِ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وعِنْدَهُمْ: أنَّهُ لَمْ يَقُمْ ولا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ ولا قَوْلٌ ألْبَتَّةَ، وأنَّ قَوْلَهُ: مَخْلُوقٌ مِن بَعْضِ المَخْلُوقاتِ، وفِعْلَهُ هو المَفْعُولُ المُنْفَصِلُ، وأمّا أنْ يَكُونَ لَهُ فِعْلٌ يَكُونُ بِهِ فاعِلًا حَقِيقَةً: فَلا.
وَمِنها: أنَّ القِسْطَ عِنْدَهم لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَهو قِسْطٌ، ولَيْسَ في مَقْدُورِهِ ما يَكُونُ ظُلْمًا وقِسْطًا، بَلِ الظُّلْمُ عِنْدَهم هو المُحالُ المُمْتَنِعُ لِذاتِهِ، والقِسْطُ هو المُمْكِنُ، فَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ - عَلى قَوْلِهِمْ - عَنِ المُحالِ المُمْتَنِعِ لِذاتِهِ الَّذِي لا يَدْخُلُ تَحْتَ القُدْرَةِ.
وَمِنها: أنَّ العِزَّةَ هي القُوَّةُ والقُدْرَةُ، وعِنْدَهم لا يَقُومُ بِهِ صِفَةٌ، ولا لَهُ صِفَةٌ وقُدْرَةٌ تُسَمّى قُدْرَةً وقُوَّةً.
وَمِنها: أنَّ الحِكْمَةَ هي الغايَةُ الَّتِي يَفْعَلُ لِأجْلِها، وتَكُونُ هي المَطْلُوبَةَ بِالفِعْلِ، ويَكُونُ وُجُودُها أوْلى مِن عَدَمِها، وهَذا عِنْدَهم مُمْتَنِعٌ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ، فَلا يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ ولا غايَةٍ، بَلْ لا غايَةَ لِفِعْلِهِ ولا أمْرِهِ، وما ثَمَّ إلّا مَحْضُ المَشِيئَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الحِكْمَةِ والتَّعْلِيلِ.
وَمِنها: أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى، والصِّفاتُ العُلى، وهو الَّذِي يَفْعَلُ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وهو المَوْصُوفُ بِالصِّفاتِ والأفْعالِ، المُسَمّى بِالأسْماءِ الَّتِي قامَتْ بِها حَقائِقُها ومَعانِيها، وهَذا لا يُثْبِتُهُ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا أتْباعُ الرُّسُلِ، وهم أهْلُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ.
[فَصْلٌ مَزاعِمُ الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ]
فَصْلٌ
فالجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ: تَزْعُمُ أنَّ ذاتَهُ لا تُحِبُّ، ووَجْهَهُ لا يُرى، ولا يُلْتَذُّ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، ولا تَشْتاقُ القُلُوبُ إلَيْهِ، فَهم في الحَقِيقَةِ مُنْكِرُونَ الإلَهِيَّةَ.
والقَدَرِيَّةُ: تُنْكِرُ دُخُولَ أفْعالِ المَلائِكَةِ والجِنِّ والإنْسِ وسائِرِ الحَيَوانِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وخَلْقِهِ، فَهم مُنْكِرُونَ في الحَقِيقَةِ لِكَمالِ عِزِّهِ ومُلْكِهِ.
والجَبْرِيَّةُ: تُنْكِرُ حِكْمَتَهُ، وأنْ يَكُونَ لَهُ في أفْعالِهِ وأوامِرِهِ غايَةٌ يَفْعَلُ ويَأْمُرُ لِأجْلِها، فَهم مُنْكِرُونَ في الحَقِيقَةِ لِحِكْمَتِهِ وحَمْدِهِ.
وَأتْباعُ ابْنِ سِينا، والنَّصِيرِ الطُّوسِيِّ وفُرُوخِهِما: يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ماهِيَّةٌ غَيْرَ الوُجُودِ المُطْلَقِ، وأنْ يَكُونَ لَهُ وصْفٌ ثُبُوتِيٌّ زائِدٌ عَلى ماهِيَّةِ الوُجُودِ، فَهم في الحَقِيقَةِ مُنْكِرُونَ لِذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، لا يَتَحاشَوْنَ مِن ذَلِكَ.
والِاتِّحادِيَّةُ: أدْهى وأمَرُّ، فَإنَّهم رَفَعُوا القَواعِدَ مِنَ الأصْلِ، وقالُوا: ما ثَمَّ وُجُودُ خالِقٍ ووُجُودُ مَخْلُوقٍ، بَلِ الخَلْقُ المُشَبَّهُ هو عَيْنُ الحَقِّ المُنَزَّهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن عَيْنٍ واحِدَةٍ، بَلْ هو العَيْنُ الواحِدَةُ.
فَهَذِهِ الشَّهادَةُ العَظِيمَةُ: كُلُّ هَؤُلاءِ هم بِها غَيْرُ قائِمِينَ، وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِإبْطالِ ما هم عَلَيْهِ ورَدَّهُ، كَما تَضَمَّنَتْ إبْطالَ ما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ ورَدَّهُ، وهي مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ طائِفَتَيِ الشِّرْكِ والتَّعْطِيلِ، ولا يَقُومُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ إلّا أهْلُ الإثْباتِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ويَنْفُونَ عَنْهُ مُماثَلَةَ المَخْلُوقاتِ، ويَعْبُدُونَهُ وحْدَهُ لا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا.
[فَصْلٌ شَهادَتُهُ سُبْحانَهُ تَتَضَمَّنُ بَيانَهُ لِلْعِبادِ ودَلالَتَهم وتَعْرِيفَهم بِما شَهِدَ بِهِ]
فَصْلٌ
وَإذا كانَتْ شَهادَتُهُ سُبْحانَهُ تَتَضَمَّنُ بَيانَهُ لِلْعِبادِ، ودَلالَتَهم وتَعْرِيفَهم بِما شَهِدَ بِهِ، وإلّا فَلَوْ شَهِدَ شَهادَةً لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ العِلْمِ بِها: لَمْ يَنْتَفِعُوا، ولَمْ يُقِمْ عَلَيْهِمْ بِها الحُجَّةَ، كَما أنَّ الشّاهِدَ مِنَ العِبادِ إذا كانَتْ عِنْدَهُ شَهادَةٌ ولَمْ يُبَيِّنْها، بَلْ كَتَمَها، لَمْ يَنْتَفِعْ بِها أحَدٌ، ولَمْ تَقُمْ بِها حُجَّةٌ، وإذا كانَ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا بِبَيانِها، فَهو سُبْحانَهُ قَدْ بَيَّنَها غايَةَ البَيانِ بِطُرُقٍ ثَلاثَةٍ: السَّمْعِ، والبَصَرِ، والعَقْلِ.
أمّا السَّمْعُ: فَبِسَمْعِ آياتِهِ المَتْلُوَّةِ القَوْلِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِإثْباتِ صِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ، وعُلُوِّهِ عَلى عَرْشِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتِهِ، وتَكَلُّمِهِ بِكُتُبِهِ، وتَكْلِيمِهِ لِمَن شاءَ مِن عِبادِهِ تَكَلُّمًا وتَكْلِيمًا، حَقِيقَةً لا مَجازًا.
وَفِي هَذا إبْطالٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِن عِبادِهِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُهُ السَّمْعِيَّةُ مِن إثْباتِ مَعانِيها وحَقائِقِها الَّتِي وُضِعَتْ لَها ألْفاظُها، فَإنَّ هَذا ضِدُّ البَيانِ والإعْلامِ، ويَعُودُ عَلى مَقْصُودِ الشَّهادَةِ بِالإبْطالِ والكِتْمانِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَن كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وأخْبَرَ أنَّهُ مِن أظْلَمِ الظّالِمِينَ، فَإذا كانَتْ عِنْدَ العَبْدِ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تُحَقِّقُ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ، وتَوْحِيدِ الرُّسُلِ، وأنَّ إبْراهِيمَ وأهْلَ بَيْتِهِ كانُوا عَلى الإسْلامِ كُلُّهُمْ، وكَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ؛ كانَ مِن أظْلَمِ الظّالِمِينَ - كَما فَعَلَهُ أعْداءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، الَّذِينَ كانُوا يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم - فَكَيْفَ يُظَنُّ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ كَتَمَ شَهادَةَ الحَقِّ الَّتِي يَشْهَدُ بِها الجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ والمُعَطِّلَةُ، ولا يَشْهَدُ بِها لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِما يُضادُّها ويُناقِضُها، ولا يُجامِعُها بِوَجْهٍ ما؟ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ! فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، وبِأنَّهُ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ، وبِأنَّ مَلائِكَتَهُ يَخافُونَهُ مِن فَوْقِهِمْ، وأنَّ المَلائِكَةَ تَعْرُجُ إلَيْهِ بِالأمْرِ، وتَنْزِلُ مِن عِنْدِهِ بِهِ، وأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَصْعَدُ إلَيْهِ، وأنَّهُ يَأْتِي ويَجِيءُ، ويَتَكَلَّمُ، ويَرْضى ويَغْضَبُ، ويُحِبُّ ويَكْرَهُ، ويَتَأذّى، ويَفْرَحُ ويَضْحَكُ، وأنَّهُ يَسْمَعُ ويُبْصِرُ، وأنَّهُ يَراهُ المُؤْمِنُونَ بِأبْصارِهِمْ يَوْمَ لِقائِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ، وشَهِدَ لَهُ بِهِ رُسُلُهُ، وشَهِدَتْ لَهُ الجَهْمِيَّةُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وقالُوا: شَهادَتُنا أصَحُّ، وأعْدَلُ مِن شَهادَةِ النُّصُوصِ، فَإنَّ النُّصُوصَ تَضَمَّنَتْ كِتْمانَ الحَقِّ وإظْهارَ خِلافِهِ.
فَشَهادَةُ الرَّبِّ تَعالى: تُكَذِّبُ هَؤُلاءِ أشَدَّ التَّكْذِيبِ، وتَتَضَمَّنُ أنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ قَدْ بَيَّنَهُ وأوْضَحَهُ وأظْهَرَهُ، حَتّى جَعَلَهُ في أعْلى مَراتِبِ الظُّهُورِ والبَيانِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ الحَقُّ فِيما يَقُولُهُ المُعَطِّلَةُ والجَهْمِيَّةُ لَمْ يَكُنِ العِبادُ قَدِ انْتَفَعُوا بِما شَهِدَ بِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ الحَقَّ في نَفْسِ الأمْرِ - عِنْدَهم - لَمْ يَشْهَدْ بِهِ لِنَفْسِهِ، والَّذِي شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ، وأظْهَرَهُ وأوْضَحَهُ: فَلَيْسَ بِحَقٍّ، ولا يَجُوزُ أنْ يُسْتَفادَ مِنهُ الحَقُّ واليَقِينُ.
وَأمّا آياتُهُ العِيانِيَّةُ الخَلْقِيَّةُ، والنَّظَرُ فِيها والِاسْتِدْلالُ بِها: فَإنَّها تَدُلُّ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتُهُ القَوْلِيَّةُ السَّمْعِيَّةُ، وآياتُ الرَّبِّ: هي دَلائِلُهُ وبَراهِينُهُ الَّتِي بِها يَعْرِفُهُ العِبادُ، وبِها يَعْرِفُونَ أسْماءَهُ وصِفاتِهِ، وتَوْحِيدَهُ، وأمْرَهُ ونَهْيَهُ، فالرُّسُلُ تُخْبِرُ عَنْهُ بِكَلامِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وهو آياتُهُ القَوْلِيَّةُ، ويَسْتَدِلُّونَ عَلى ذَلِكَ بِمَفْعُولاتِهِ الَّتِي تَشْهَدُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ، وهي آياتُهُ العِيانِيَّةُ، والعَقْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ وهَذِهِ، فَيَجْزِمُ بِصِحَّةِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَتَتَّفِقُ شَهادَةُ السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ والفِطْرَةِ، وهو سُبْحانَهُ - لِكَمالِ عَدْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وإحْسانِهِ وحِكْمَتِهِ، ومَحَبَّتِهِ لِلْعُذْرِ، وإقامَتِهِ لِلْحُجَّةِ - لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ إلّا ومَعَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما أخْبَرَ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣] وقالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٣] وقالَ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] وقالَ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥].
حَتّى إنَّ مِن أخْفى آياتِ الرُّسُلِ آياتُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] ومَعَ هَذا فَبَيِّنَتُهُ مِن أظْهَرِ البَيِّناتِ، وقَدْ أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]، فَهَذا مِن أعْظَمِ الآياتِ: أنَّ رَجُلًا واحِدًا يُخاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذا الخِطابِ، غَيْرَ جَزِعٍ ولا فَزِعٍ، ولا خَوّارٍ، بَلْ واثِقٌ مِمّا قالَهُ جازِمٌ بِهِ، قَدْ أشْهَدَ اللَّهَ أوَّلًا عَلى بَراءَتِهِ مِن دِينِهِمْ، ومِمّا هم عَلَيْهِ إشْهادَ واثِقٍ بِهِ، مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ: أنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّطِهِمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ أشْهَدَهم - إشْهادَ مُجاهِرٍ لَهم بِالمُخالَفَةِ -: أنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، الَّتِي يُوالُونَ عَلَيْها ويُعادُونَ، ويَبْذُلُونَ دِماءَهم وأمْوالَهم في نُصْرَتِها.
ثُمَّ أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، واحْتِقارِهِمْ وازْدِرائِهِمْ، وأنَّهم لَوْ يَجْتَمِعُونَ كُلُّهم عَلى كَيْدِهِ، وشِفاءِ غَيْظِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ يُعالِجُونَهُ ولا يُمْهِلُونَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ: أنَّهم أضْعَفُ وأعْجَزُ وأقَلُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّكم لَوْ رُمْتُمُوهُ لانْقَلَبْتُمْ بِغَيْظِكم مَكْبُوتِينَ مَخْذُولِينَ.
ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُ أحَسَنَ تَقْرِيرٍ، وبَيَّنَ أنَّ رَبَّهُ تَعالى ورَبَّهُمْ، الَّذِي نَواصِيهِمْ بِيَدِهِ: هو ولِيُّهُ ووَكِيلُهُ، القائِمُ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا يَخْذُلُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وآمَنَ بِهِ، ولا يُشْمِتُ بِهِ أعْداءَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهم عَلَيْهِ، فَإنَّ صِراطَهُ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو عَلَيْهِ - في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ - يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَأْباهُ.
وَتَحْتَ هَذا الخِطابِ أنَّ مِن صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهُ وعَمِلَ بِخِلافِهِ، ويُنْزِلَ بِهِ بِأْسَهُ، فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَدْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَعالى، ومِنهُ انْتِقامُهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والإجْرامِ، ونَصْرُهُ أوْلِياءَهُ ورُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، وأنَّهُ يَذْهَبُ بِهِمْ، ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، ولا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وأنَّهُ القائِمُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حِفْظًا ورِعايَةً وتَدْبِيرًا وإحْصاءً.
فَأيُّ آيَةٍ وبُرْهانٍ ودَلِيلٍ أحْسَنُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ وبَراهِينِهِمْ وأدِلَّتِهِمْ؟ وهي شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ، بَيَّنَها لِعِبادِهِ غايَةَ البَيانِ، وأظْهَرَها لَهم غايَةَ الإظْهارِ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما آمَنَ عَلى مِثْلِهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ».
وَمِن أسْمائِهِ تَعالى المُؤْمِنُ وهو - في أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ - المُصَدِّقُ الَّذِي يُصَدِّقُ الصّادِقِينَ بِما يُقِيمُ لَهم مِن شَواهِدِ صِدْقِهِمْ، فَهو الَّذِي صَدَّقَ رُسُلَهُ وأنْبِياءَهُ فِيما بَلَّغُوا عَنْهُ، وشَهِدَ لَهم بِأنَّهم صادِقُونَ بِالدَّلائِلِ الَّتِي دَلَّ بِها عَلى صِدْقِهِمْ قَضاءً وخَلْقًا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ - وخَبَرُهُ الصِّدْقُ، وقَوْلُهُ الحَقُّ - أنَّهُ لابُدَّ أنْ يَرى العِبادُ مِنَ الآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ ما يُبَيِّنُ لَهم أنَّ الوَحْيَ الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ حَقٌّ، فَقالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أيِ القُرْآنُ، فَإنَّهُ هو المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: ٥٢] ثُمَّ قالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] فَشَهِدَ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ: أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، ووَعَدَهُ أنْ يُرِيَ العِبادَ مِن آياتِهِ الفِعْلِيَّةِ الخَلْقَيَّةِ ما يَشْهَدُ بِذَلِكَ أيْضًا، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأجَلُّ، وهو شَهادَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَإنَّ مِن أسْمائِهِ الشَّهِيدَ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، بَلْ هو مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُشاهِدٌ لَهُ، عَلِيمٌ بِتَفاصِيلِهِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، والأوَّلُ اسْتِدْلالٌ بِقَوْلِهِ وكَلِماتِهِ، والِاسْتِدْلالُ بِالآياتِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ اسْتِدْلالٌ بِأفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ.
فَإنْ قُلْتَ: قَدْ فَهِمْتُ الِاسْتِدْلالَ بِكَلِماتِهِ والِاسْتِدْلالَ بِمَخْلُوقاتِهِ، فَبَيِّنْ لِي كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا عَهْدَ لَنا بِهِ في تَخاطُبِنا وكُتُبِنا.
قُلْتُ: أجَلْ! هو لَعَمْرُ اللَّهِ كَما ذَكَرْتَ، وشَأْنُهُ أجَلُّ وأعْلى، فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى هو المَدْلُولُ عَلَيْهِ، وآياتُهُ هي الدَّلِيلُ والبُرْهانُ.
فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في الحَقِيقَةِ هو الدّالُّ عَلى نَفْسِهِ بِآياتِهِ، فَهو الدَّلِيلُ لِعِبادِهِ في الحَقِيقَةِ بِما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الدَّلالاتِ والآياتِ، وقَدْ أوْدَعَ في الفِطَرِ الَّتِي لَمْ تَتَنَجَّسْ بِالتَّعْطِيلِ والجُحُودِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ الكامِلُ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وأنَّهُ المَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمالٍ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ، فالكَمالُ كُلُّهُ، والجَمالُ والجَلالُ والبَهاءُ، والعِزَّةُ والعَظَمَةُ والكِبْرِياءُ: كُلُّهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالحَياةُ كُلُّها لَهُ، والعِلْمُ كُلُّهُ لَهُ، والقُدْرَةُ كُلُّها لَهُ، والسَّمْعُ والبَصَرُ والإرادَةُ، والمَشِيئَةُ والرَّحْمَةُ والغِنى، والجُودُ والإحْسانُ والبِرُّ، كُلُّهُ خاصُّ لَهُ قائِمٌ بِهِ، وما خَفِيَ عَلى الخَلْقِ مِن كَمالِهِ أعْظَمُ وأعْظَمُ مِمّا عَرَفُوهُ مِنهُ، بَلْ لا نِسْبَةَ لِما عَرَفُوهُ مِن ذَلِكَ إلى ما لَمْ يَعْرِفُوهُ.
وَمِن كَمالِهِ المُقَدَّسِ: اطِّلاعُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وشَهادَتُهُ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لا يَغِيبُ عَنْهُ وجْهٌ مِن وُجُوهِ تَفاصِيلِهِ، ولا ذَرَّةٌ مِن ذَرّاتِهِ، باطِنًا وظاهِرًا، ومَن هَذا شَأْنُهُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِالعِبادِ أنْ يُشْرِكُوا بِهِ، وأنْ يَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ؟ وأنْ يَجْعَلُوا مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؟ وكَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِهِ أنْ يُقِرَّ مَن يَكْذِبُ عَلَيْهِ أعْظَمَ الكَذِبِ، ويُخْبِرُ عَنْهُ بِخِلافِ ما الأمْرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصُرُهُ عَلى ذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ، ويُعْلِي كَلِمَتَهُ، ويَرْفَعُ شَأْنَهُ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ، ويُهْلِكُ عَدُوَّهُ، ويُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ الآياتِ والبَراهِينِ والأدِلَّةِ ما تَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهِ قُوى البَشَرِ، وهو - مَعَ ذَلِكَ - كاذِبٌ عَلَيْهِ مُفْتَرٍ، ساعٍ في الأرْضِ بِالفَسادِ؟
وَمَعْلُومٌ أنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وحِكْمَتُهُ وعِزَّتُهُ وكَمالُهُ المُقَدَّسُ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّ الإباءِ، ومَن ظَنَّ ذَلِكَ بِهِ، وجَوَّزَهُ عَلَيْهِ؛ فَهو مِن أبْعَدِ الخَلْقِ مِن مَعْرِفَتِهِ، وإنْ عُرِفَ مِنهُ بَعْضُ صِفاتِهِ، كَصِفَةِ القُدْرَةِ وصِفَةِ المَشِيئَةِ.
والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، وهي طَرِيقُ الخاصَّةِ، بَلْ خاصَّةُ الخاصَّةِ هم الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِاللَّهِ عَلى أفْعالِهِ، وما يَلِيقُ بِهِ أنْ يَفْعَلَهُ وما لا يَفْعَلُهُ.
وَإذا تَدَبَّرْتَ القُرْآنَ رَأيْتَهُ يُنادِي عَلى ذَلِكَ، فَيُبْدِيهِ ويُعِيدُهُ لِمَن لَهُ فَهْمٌ وقَلْبٌ واعٍ عَنِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤] أفَلا تَراهُ كَيْفَ يُخْبِرُ سُبْحانَهُ: أنَّ كَمالَهُ وحِكْمَتَهُ وقُدْرَتَهُ تَأْبى أنْ يُقِرَّ مَن تَقَوَّلَ عَلَيْهِ بَعْضَ الأقاوِيلِ؟ بَلْ لابُدَّ أنْ يَجْعَلَهُ عِبْرَةً لِعِبادِهِ، كَما جَرَتْ بِذَلِكَ سُنَّتُهُ في المُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] هاهُنا انْتَهى جَوابُ الشَّرْطِ، ثُمَّ أخْبَرَ خَبَرًا جازِمًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ: أنَّهُ ﴿يَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَأخْبَرَ أنَّ مَن نَفى عَنْهُ الإرْسالَ والكَلامَ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَرَفَهُ كَما يَنْبَغِي، ولا عَظَّمَهُ كَما يَسْتَحِقُّ، فَكَيْفَ مَن ظَنَّ أنَّهُ يَنْصُرُ الكاذِبَ المُفْتَرِيَ عَلَيْهِ ويُؤَيِّدُهُ؟ ويُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ الآياتِ والأدِلَّةَ؟ وهَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ جِدًّا، يُسْتَدَلُّ بِكَمالِهِ المُقَدَّسِ، وأوْصافِهِ وجَلالِهِ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ، وعَلى وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، ويَدْعُو عِبادَهُ إلى ذَلِكَ، كَما يُسْتَدَلُّ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وعَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٢-٢٣]، وأضْعافُ أضْعافِ ذَلِكَ في القُرْآنِ.
وَيَسْتَدِلُّ سُبْحانَهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَلى بُطْلانِ ما نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ الباطِلَةِ، وأنَّ كَمالَهُ المُقَدَّسَ يَمْنَعُ مِن شَرْعِها، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، وقَوْلِهِ عَقِيبَ ما نَهى عَنْهُ وحَرَّمَهُ مِنَ الشِّرْكِ والظُّلْمِ والفَواحِشِ والقَوْلِ عَلَيْهِ بِلا عَلَمٍ ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] فَأعْلَمَكَ أنَّ ما كانَ سَيِّئُهُ في نَفْسِهِ فَهو يَكْرَهُهُ، وكَمالُهُ يَأْبى أنْ يَجْعَلَهُ شَرْعًا لَهُ ودِينًا، فَهو سُبْحانَهُ يَدُلُّ عِبادَهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَلى ما يَفْعَلُهُ ويَأْمُرُ بِهِ، وما يُحِبُّهُ ويَبْغَضُهُ، ويُثِيبُ عَلَيْهِ ويُعاقِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ لا يَصِلُ إلَيْها إلّا خاصَّةُ الخاصَّةِ، فَلِذَلِكَ كانَتْ طَرِيقَةُ الجُمْهُورِ الدَّلالاتِ بِالآياتِ المُشاهَدَةِ، فَإنَّها أوْسَعُ وأسْهَلُ تَناوُلًا، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُفَضِّلُ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلى بَعْضٍ، ويَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن يَشاءُ، وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ.
فالقُرْآنُ العَظِيمُ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ ما لَمْ يَجْتَمِعْ في غَيْرِهِ، فَإنَّهُ هو الدَّعْوَةُ والحُجَّةُ، وهو الدَّلِيلُ والمَدْلُولُ عَلَيْهِ، وهو الشّاهِدُ والمَشْهُودُ لَهُ، وهو الحُكْمُ والدَّلِيلُ، وهو الدَّعْوى والبَيِّنَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] أيْ مِن رَبِّهِ، وهو القُرْآنُ، وقالَ تَعالى لِمَن طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ - قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١-٥٢]، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الكِتابَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ يَكْفِي عَنْ كُلِّ آيَةٍ، فَفِيهِ الحُجَّةُ والدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ وفِيهِ بَيانُ ما يُوجِبُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ السَّعادَةَ، ويُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] فَإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ كانَتْ شَهادَتُهُ أصْدَقَ شَهادَةٍ وأعْدَلَها، فَإنَّها شَهادَةٌ بِعِلْمٍ تامٍّ، مُحِيطٍ بِالمَشْهُودِ بِهِ، فَيَكُونُ الشّاهِدُ بِهِ أعْدَلَ الشُّهَداءِ وأصْدَقَهُمْ، وهو سُبْحانَهُ يَذْكُرُ عِلْمَهُ عِنْدَ شَهادَتِهِ، وقُدْرَتَهُ ومُلْكَهُ عِنْدَ مُجازاتِهِ، وحِكْمَتَهُ عِنْدَ خَلْقِهِ وأمْرِهِ، ورَحْمَتَهُ عِنْدَ ذِكْرِ إرْسالِ رَسُولِهِ، وحِلْمَهُ عِنْدَ ذِكْرِ ذُنُوبِ عِبادِهِ ومَعاصِيهِمْ، وسَمْعَهُ عِنْدَ ذِكْرِ دُعائِهِمْ، ومَسْألَتَهُ وعِزَّتَهُ وعِلْمَهُ عِنْدَ قَضائِهِ وقَدَرِهِ.
فَتَأمَّلْ وُرُودَ أسْمائِهِ الحُسْنى في كِتابِهِ، وارْتِباطَها بِالخَلْقِ والأمْرِ، والثَّوابِ والعِقابِ.
[فَصْلٌ الِاسْتِشْهادُ عَلى الرِّسالَةِ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ]
فَصْلٌ
وَمِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣]
فاسْتَشْهَدَ عَلى رِسالَتِهِ بِشَهادَةِ اللَّهِ لَهُ، ولابُدَّ
أنَّ تُعْلَمَ هَذِهِ الشَّهادَةُ، وتَقُومَ بِها الحُجَّةُ عَلى المُكَذِّبِينَ لَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يس - والقُرْآنِ الحَكِيمِ - إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١-٣]
وَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١]
وَقَوْلُهُ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]
فَهَذا كُلُّهُ شَهادَةٌ مِنهُ لِرَسُولِهِ، قَدْ أظْهَرَها وبَيَّنَها، وبَيَّنَ صِحَّتَها غايَةَ البَيانِ، بِحَيْثُ قَطَعَ العُذْرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ، وأقامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ، فَكَوْنُهُ سُبْحانَهُ شاهِدًا لِرَسُولِهِ: مَعْلُومٌ بِسائِرِ أنْواعِ الأدِلَّةِ: عَقْلِيِّها ونَقْلِيِّها وفِطْرِيِّها وضَرُورِيِّها ونَظَرِيِّها.
وَمَن نَظَرَ في ذَلِكَ وتَأمَّلَهُ؛ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ شَهِدَ لِرَسُولِهِ أصْدَقَ الشَّهادَةِ، وأعْدَلَها وأظْهَرَها، وصَدَّقَهُ بِسائِرِ أنْواعِ التَّصْدِيقِ: بِقَوْلِهِ الَّذِي أقامَ البَراهِينَ عَلى صِدْقِهِ فِيهِ، وبِفِعْلِهِ وإقْرارِهِ، وبِما فَطَرَ عَلَيْهِ عِبادَهُ: مِنَ الإقْرارِ بِكَمالِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَنِ القَبائِحِ، وعَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وفي كُلِّ وقْتٍ يُحْدِثُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِ ما يُقِيمُ بِهِ الحُجَّةَ، ويُزِيلُ بِهِ العُذْرَ، ويَحْكُمُ لَهُ ولِأتْباعِهِ بِما وعَدَهم بِهِ مِنَ العِزِّ والنَّجاةِ والظَّفَرِ والتَّأْيِيدِ، ويَحْكُمُ عَلى أعْدائِهِ ومُكَذِّبِيهِ بِما تَوَعَّدَهم بِهِ: مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ والعُقُوباتِ المُعَجَّلَةِ، الدّالَّةِ عَلى تَحْقِيقِ العُقُوباتِ المُؤَجَّلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] فَيُظْهِرُهُ ظُهُورَيْنِ: ظُهُورًا بِالحُجَّةِ، والبَيانِ، والدَّلالَةِ، وظُهُورًا بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والتَّأْيِيدِ، حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى مُخالِفِيهِ، ويَكُونَ مْنُصُورًا.
وَقَوْلُهُ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] فَما فِيهِ مِنَ الخَبَرِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ: مِن أعْظَمِ الشَّهادَةِ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَهُ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ - فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٣-١٤]
وَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِأنَّهُ أنْزَلَهُ - وهو مَعْلُومٌ لَهُ، كَما يَعْلَمُ سائِرَ الأشْياءِ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَعْلُومٌ لَهُ مِن حَقٍّ وباطِلٍ - وإنَّما المَعْنى: أنْزَلَهُ مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمِهِ، فَنُزُولُهُ مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمِهِ هو آيَةُ كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ، وأنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] ذَكَرَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبًا ورَدًّا عَلى مَن قالَ: افْتَراهُ.
[فَصْلٌ مِن شَهادَتِهِ سُبْحانَهُ ما أوْدَعَهُ في قُلُوبِ العِبادِ مِنَ التَّصْدِيقِ الجازِمِ بِكَلامِهِ ووَحْيِهِ]
فَصْلٌ
وَمِن شَهادَتِهِ أيْضًا: ما أوْدَعَهُ في قُلُوبِ عِبادِهِ: مِنَ التَّصْدِيقِ الجازِمِ، واليَقِينِ الثّابِتِ، والطُّمَأْنِينَةِ بِكَلامِهِ ووَحْيِهِ، فَإنَّ العادَةَ تُحِيلُ حُصُولَ ذَلِكَ بِما هو مِن أعْظَمِ الكَذِبِ، والِافْتِراءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ، والإخْبارِ عَنْهُ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، بَلْ ذَلِكَ يُوقِعُ أعْظَمَ الرَّيْبِ والشَّكِّ، وتَدْفَعُهُ الفِطَرُ والعُقُولُ السَّلِيمَةُ، كَما تَدْفَعُ الفِطَرُ - الَّتِي فُطِرَ عَلَيْها الحَيَوانُ - الأغْذِيَةَ الخَبِيثَةَ الضّارَّةَ الَّتِي لا تُغَذِّي، كالأبْوالِ والأنْتانِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَطَرَ القُلُوبَ عَلى قَبُولِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ، والطُّمَأْنِينَةِ بِهِ، والسُّكُونِ إلَيْهِ ومَحَبَّتِهِ، وفَطَرَها عَلى بُغْضِ الكَذِبِ والباطِلِ، والنُّفُورِ عَنْهُ، والرِّيبَةِ بِهِ، وعَدَمِ السُّكُونِ إلَيْهِ، ولَوْ بَقِيَتِ الفِطَرُ عَلى حالِها لَما آثَرَتْ عَلى الحَقِّ سِواهُ، ولَما سَكَنَتْ إلّا إلَيْهِ، ولا اطْمَأنَّتْ إلّا بِهِ، ولا أحَبَّتْ غَيْرَهُ، ولِهَذا نَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِبادَهُ إلى تَدَبُّرِ القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ مَن تَدَبَّرَهُ أوْجَبَ لَهُ تَدَبُّرُهُ عِلْمًا ضَرُورِيًا ويَقِينًا جازِمًا: أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، بَلْ أحَقُّ كُلَّ الحَقِّ، وأصْدَقُ كُلَّ صِدْقٍ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ أصْدَقُ خَلْقِ اللَّهِ، وأبَرُّهُمْ، وأكْمَلُهم عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] فَلَوْ رُفِعَتِ الأقْفالُ عَنِ القُلُوبِ لَباشَرَتْها حَقائِقُ القُرْآنِ، واسْتَنارَتْ فِيها مَصابِيحُ الإيمانِ، وعَلِمْتَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَكُونُ عِنْدَها كَسائِرِ الأُمُورِ الوِجْدانِيَّةِ - مِنَ الفَرَحِ، والألَمِ، والحُبِّ، والخَوْفِ - أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، تَكَلَّمَ بِهِ حَقًّا، وبَلَّغَهُ رَسُولُهُ جِبْرِيلُ عَنْهُ إلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، فَهَذا الشّاهِدُ في القَلْبِ مِن أعْظَمِ الشَّواهِدِ، وبِهِ احْتَجَّ هِرَقْلُ عَلى أبِي سُفْيانَ حَيْثُ قالَ لَهُ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنهم سَخْطَةً لِدِينِهِ، بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ لَهُ: وكَذَلِكَ الإيمانُ إذا خالَطَتْ حَلاوَتُهُ بِشاشَةَ القُلُوبِ لا يَسْخَطُهُ أحَدٌ، وقَدْ أشارَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ [الحج: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] يَعْنِي: أنَّ الآيَةَ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها لا تُوجِبُ هِدايَةً، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي يَهْدِي ويُضِلُّ، ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى أعْظَمِ آيَةٍ وأجَلِّها، وهِيَ: طُمَأْنِينَةُ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] أيْ بِكِتابِهِ وكَلامِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فَطُمَأْنِينَةُ القُلُوبِ الصَّحِيحَةِ، والفِطَرِ السَّلِيمَةِ بِهِ، وسُكُونُها إلَيْهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ في العادَةِ أنْ تَطْمَئِنَّ القُلُوبُ وتَسْكُنَ إلى الكَذِبِ والِافْتِراءِ والباطِلِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ شَهادَةَ رُسُلِهِ مَعَ المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ والرُّسُلُ، وهم أعْظَمُ شَهادَةً مِن أُولِي العِلْمِ؟
قِيلَ: في ذَلِكَ عِدَّةُ فَوائِدَ.
إحْداها: أنَّ أُولِي العِلْمِ أعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ فَيَدْخُلُونَ هم وأتْباعُهم.
وَثانِيها: أنَّ في ذِكْرِ أُولِي العِلْمِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ، وتَعْلِيقِها بِهِمْ: ما يَدُلُّ عَلى أنَّها مِن مُوجِباتِ العِلْمِ ومُقْتَضَياتِهِ، وأنَّ مَن كانَ مِن أُولِي العِلْمِ فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ، كَما يُقالُ: إذا طَلَعَ الهِلالُ واتَّضَحَ، فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ مِن أهْلِ النَّظَرِ يَراهُ، وإذا فاحَتْ رائِحَةٌ ظاهِرَةٌ، فَكُلُّ مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّمِّ يَشَمُّ هَذِهِ الرّائِحَةَ، قالَ تَعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] أيْ كُلُّ مَن لَهُ رُؤْيَةٌ يَراها حِينَئِذٍ عِيانًا، فَفي هَذا بَيانٌ أنَّ مَن لَمْ يَشْهَدْ لَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ فَهو مِن أعْظَمِ الجُهّالِ، وإنْ عَلِمَ مِن أُمُورِ الدُّنْيا ما لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ، فَهو مِن أُولِي الجَهْلِ، لا مِن أُولِي العِلْمِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ، ويُؤَدِّيها عَلى وجْهِها إلّا اتْباعُ الرُّسُلِ أهْلُ الإثْباتِ، فَهم أُولُو العِلْمِ، وسائِرُ مَن عَداهم أُولُو الجَهْلِ، وإنْ وسَّعُوا القَوْلَ وأكْثَرُوا الجِدالَ.
وَمِنها: الشَّهادَةُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأهْلِ هَذِهِ الشَّهادَةِ أنَّهم أُولُو العِلْمِ، فَشَهادَتُهُ لَهم أعْدَلُ وأصْدَقُ مِن شَهادَةِ الجَهْمِيَّةِ والمُعَطِّلَةِ والفِرْعَوْنِيَّةِ لَهم بِأنَّهم جُهّالٌ، وأنَّهم حَشَوِيَّةٌ، وأنَّهم مُشَبِّهَةٌ، وأنَّهم مُجَسِّمَةٌ ونَوابِتُ ونَواصِبُ، فَكَفاهم أصْدَقُ الصّادِقِينَ لَهم بِأنَّهم مِن أُولِي العِلْمِ إذْ شَهِدُوا لَهُ بِحَقِيقَةِ ما شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ، مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، وأثْبَتُوا لَهُ حَقِيقَةَ هَذِهِ الشَّهادَةِ ومَضْمُونَها، وخُصُومُهم نَفَوْا عَنْهُ حَقائِقَها، وأثْبَتُوا لَهُ ألْفاظَها ومَجازاتِها.
[فَصْلٌ: ضِمْنُ الشَّهادَةِ الإلَهِيَّةِ الثَّناءُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الشّاهِدِينَ بِها وتَعْدِيلِهِمْ]
وَفِي ضِمْنِ هَذِهِ الشَّهادَةِ الإلَهِيَّةِ الثَّناءُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الشّاهِدِينَ بِها وتَعْدِيلِهِمْ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَنَ شَهادَتَهم بِشَهادَتِهِ وشَهادَةِ مَلائِكَتِهِ، واسْتَشْهَدَ بِهِمْ - جَلَّ وعَلا - عَلى أجَلٍ مَشْهُودٍ بِهِ، وجَعَلَهم حُجَّةً عَلى مَن أنْكَرَ هَذِهِ الشَّهادَةَ، كَما يَحْتَجُّ بِالبَيِّنَةِ عَلى مَن أنْكَرَ الحَقَّ، فالحُجَّةُ قامَتْ بِالرُّسُلِ عَلى الخَلْقِ، وهَؤُلاءِ نُوّابُ الرُّسُلِ وخُلَفاؤُهم في إقامَةِ حُجَجِ اللَّهِ عَلى العِبادِ.
[فَصْلٌ: تَفْسِيرُ شَهادَةِ أُولِي العِلْمِ]
وَقَدْ فُسِّرَتْ شَهادَةُ أُولِي العِلْمِ بِالإقْرارِ، وفُسِّرَتْ بِالتَّبْيِينِ والإظْهارِ.
والصَّحِيحُ: أنَّها تَتَضَمَّنُ الأمْرَيْنِ، فَشَهادَتُهم إقْرارٌ، وإظْهارٌ، وإعْلامٌ، وهم شُهَداءُ اللَّهِ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
وَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]
فَأخْبَرَ: أنَّهُ جَعَلَهم عُدُولًا خِيارًا، ونَوَّهَ بِذِكْرِهِمْ قَبْلَ أنْ يُوجِدَهُمْ، لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِنَ اتِّخاذِهِ لَهم شُهَداءً يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن لَمْ يَقُمْ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ - عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً وإقْرارًا، ودَعْوَةً وتَعْلِيمًا، وإرْشادًا - فَلَيْسَ مِن شُهَداءِ اللَّهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
آل عمران 3:19
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: هَلْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ داخِلٌ في مَضْمُونِ هَذِهِ الشَّهادَةِ؟ فَهو بَعْضُ المَشْهُودِ بِهِ.
وَهَذا الِاخْتِلافُ مَبْنِيٌّ عَلى القِراءَتَيْنِ في كَسْرِ " إنَّ " وفَتْحِها، فالأكْثَرُونَ عَلى كَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ، وفَتَحَها الكِسائِيُّ وحْدَهُ، والوَجْهُ: هو الكَسْرُ؛ لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ قَدْ تَمَّ، فالجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُقَرِّرَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وهَذا أبْلَغُ في التَّقْرِيرِ، وأذْهَبُ في المَدْحِ والثَّناءِ، ولِهَذا كانَ كَسْرُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أحْسَنَ مِنَ الفَتْحِ، وكانَ الكَسْرُ في قَوْلِ المُلَبِّي " لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ " أحْسَنَ مِنَ الفَتْحِ.
وَقَدْ ذَكَرَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الكِسائِيِّ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ واقِعَةً عَلى الجُمْلَتَيْنِ، فَهي واقِعَةٌ عَلى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وهو المَشْهُودُ بِهِ، ويَكُونُ فَتْحُ " أنَّهُ " مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وهَذا تَوْجِيهُ الفَرّاءِ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المَعْنى عَلى خِلافِهِ، وأنَّ المَشْهُودَ بِهِ هو نَفْسُ قَوْلِهِ " أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو " فالمَشْهُودُ بِهِ " أنَّ " وما في حَيِّزِها، والعِنايَةُ إلى هَذا صُرِفَتْ، وبِهِ حَصَلَتْ، ولَكِنْ لِهَذا القَوْلِ - مَعَ ضَعْفِهِ - وجْهٌ، وهُوَ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: شَهِدَ اللَّهُ بِتَوْحِيدِهِ، أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والإسْلامُ: هو تَوْحِيدُهُ سُبْحانَهُ، فَتَضَمَّنَتِ الشَّهادَةُ تَوْحِيدَهُ، وتَحْقِيقَ دِينِهِ: أنَّهُ الإسْلامُ لا غَيْرُهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ واقِعَةً عَلى الجُمْلَتَيْنِ مَعًا، كِلاهُما مَشْهُودٌ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الواوِ وإرادَتِها، والتَّقْدِيرُ: وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَتَكُونُ جُمْلَةً اسْتَغْنى فِيها عَنْ حَرْفِ العَطْفِ بِما تَضَمَّنَتْ مِن ذِكْرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما وقَعَ الِاسْتِغْناءُ عَنْها في قَوْلِهِ ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فَيَحْسُنُ ذِكْرُ الواوِ وحَذْفُها، كَما حُذِفَتْ هُنا، وذُكِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].
الوَجْهُ الثّالِثُ - وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ -: أنْ يَجْعَلَ " أنَّ " الثّانِيَةَ بَدَلًا مِن
الأُولى، والتَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، وقَوْلُهُ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] تَوْطِئَةٌ لِلثّانِيَةِ وتَمْهِيدٌ، ويَكُونُ هَذا مِنَ البَدَلِ الَّذِي الثّانِي فِيهِ نَفْسُ الأوَّلِ، فَإنَّ الدِّينَ الَّذِي هو نَفْسُ الإسْلامِ عِنْدَ اللَّهِ هو شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والقِيامُ بِحَقِّها، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن بابِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَشْتَمِلُ عَلى التَّوْحِيدِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكانَ يَنْبَغِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ؛ لِأنَّ المَعْنى: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ الإسْلامُ، فَلِمَ عَدَلَ إلى لَفْظِ الظّاهِرِ؟
قِيلَ: هَذا يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وأنَّها أفْصَحُ وأحْسَنُ، ولَكِنْ يَجُوزُ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
وَقالَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩]
وَقالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: افْتَخَرَ المُشْرِكُونَ بِآبائِهِمْ، فَقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: لا دِينَ إلّا دِينُ آبائِنا، وما كانُوا عَلَيْهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] يَعْنِي الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وهو دِينُ الأنْبِياءِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، لَيْسَ لِلَّهِ دِينٌ سِواهُ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ عَلى أنَّهُ دِينُ جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وأتْباعِهِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ قَطُّ ولا يَكُونُ لَهُ دِينٌ سِواهُ، قالَ أوَّلُ الرُّسُلِ نُوحٌ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] وقالَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ - ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٢٨-١٣٢]
وَقالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ عِنْدَ المَوْتِ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ [البقرة: ١٣٣]- إلى قَوْلِهِ - ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]
وَقالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]
وَقالَ تَعالى ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]
وَقالَتْ مَلِكَةُ سَبَأٍ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].
فالإسْلامُ دِينُ أهْلِ السَّماواتِ، ودِينُ أهْلِ التَّوْحِيدِ مِن أهْلِ الأرْضِ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن أحَدٍ دِينًا سِواهُ، فَأدْيانُ أهْلِ الأرْضِ سِتَّةٌ: واحِدٌ لِلرَّحْمَنِ، وخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، فَدِيْنُ الرَّحْمَنِ: هو الإسْلامُ، والَّتِي لِلشَّيْطانِ: اليَهُودِيَّةُ، والنَّصْرانِيَّةُ، والمَجُوسِيَّةُ، والصّابِئَةُ، ودِينُ المُشْرِكِينَ.
فَهَذا بَعْضُ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ مِن أسْرارِ التَّوْحِيدِ والمَعارِفِ، ولا تَسْتَطِلِ الكَلامَ فِيها، فَإنَّهُ أهَمُّ مِنَ الكَلامِ عَلى كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ.
((الجزء الرابع))
آل عمران 3:26
فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله وأنه هو سبحانه هو الذي يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء لا غيره، فالأول تفرده بالملك والثاني تفرده بالتصرف فيه وأنه سبحانه هو الذي يعز من يشاء بما يشاء من أنواع العز ويذل من يشاء بسلب ذلك العز عنه وأن الخير كله بيديه ليس لأحد معه منه شيء، ثم ختمها بقوله: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
فتناولت الآية ملكه وحده وتصرفه وعموم قدرته وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده وأنها كلها خير فسلبه الملك عمن يشاء وإذلاله من يشاء خير وإن كان شرا بالنسبة إلى المسلوب الذليل فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة لا تخرج عن ذلك وهذا كله خير يحمد عليه الرب ويثنى عليه به كما يحمد ويثنى عليه بتنزيهه عن الشر وأنه ليس إليه كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح في قوله:
"لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت"
فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه بل كل ما نسب إليه فهو خير والشر إنما صار شرا لانقطاع نسبته وإضافته إليه فلو أضيف إليه لم يكن شرا كما سيأتي بيانه وهو سبحانه خالق الخير والشر فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه كما تقدم فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها وذلك خير كله والشر وضع الشيء في غير محله فإذا وضع في محله لم يكن شرا فعلم أن الشر ليس إليه وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك فإن منها القدوس السلام العزيز الجبار المتكبر فالقدوس المنزه من كل شر ونقص وعيب كما قال أهل التفسير هو الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به وهذا قول أهل اللغة وأصل الكلمة من الطهارة والنزاهة ومنه بيت المقدس لأنه مكان يتطهر فيه من الذنوب ومن أمه لا يريد إلا الصلاة فيه رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه ومنه سميت الجنة حظيرة القدس لطهارتها من آفات الدنيا ومنه سمي جبريل روح القدس لأنه طاهر من كل عيب.
ومنه قول الملائكة ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾
فقيل المعنى ونقدس أنفسنا لك فعدى باللام وهذا ليس شيء والصواب أن المعنى نقدسك وننزهك عما لا يليق بك هذا قول جمهور أهل التفسير.
وقال ابن جرير: "ونقدس لك ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس ومما أضاف إليك أهل الكفر بك" قال وقال بعضهم: "نعظمك ونمجدك" قاله أبو صالح.
وقال مجاهد: "نعظمك ونكبرك" انتهى.
وقال بعضهم ننزهك عن السوء فلا ننسبه إليك واللام فيه على حدها في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ لأن المعنى تنزيه الله لا تنزيه نفوسهم لأجله.
قلت ولهذا قرن هذا اللفظ بقولهم ﴿نسبح بحمدك﴾ فإن التسبيح تنزيه الله سبحانه عن كل سوء.
قال ميمون بن مهران: "سبحان الله كلمة يعظم بها الرب ويحاشى بها من السوء"
وقال ابن عباس: "هي تنزيه لله من كل سوء" وأصل اللفظة من المباعدة من قولهم سبحت في الأرض إذا تباعدت فيها ومنه كل في فلك يسبحون فمن أثنى على الله ونزهه عن السوء فقد سبحه ويقال سبح الله وسبح له وقدسه وقدس له وكذلك اسمه السلام فإنه الذي سلم من العيوب والنقائص ووصفه بالسلام أبلغ في ذلك من وصفه بالسالم ومن موجبات وصفه بذلك سلامة خلقه من ظلمه لهم فسلم سبحانه من إرادة الظلم والشر ومن التسمية به ومن فعله ومن نسبته إليه فهو السلام من صفات النقص وأفعال النقص وأسماء النقص المسلم لخلقه من الظلم ولهذا وصف سبحانه ليلة القدر بأنها سلام والجنة بأنها دار السلام وتحية أهلها السلام وأثنى على أوليائه بالقول السلام كل ذلك السالم من العيوب وكذلك الكبير من أسمائه والمتكبر.
قال قتادة: "وغيره هو الذي تكبر عن السوء"
وقال أيضا: "الذي تكبر عن السيئات"
وقال مقاتل: "المتعظم عن كل سوء".
وقال أبو إسحاق: "الذي يكبر عن ظلم عباده"
وكذلك اسمه العزيز الذي له العزة التامة ومن تمام عزته براءته عن كل سوء وشر وعيب فإن ذلك ينافي العزة التامة وكذلك اسمه العلي الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص ومن كمال علوه أن لا يكون فوقه شيء بل يكون فوق كل شيء وكذلك اسمه الحميد وهو الذي له الحمد كله فكمال حمده يوجب أن لا ينسب إليه شر ولا سوء ولا نقص لا في أسمائه ولا في أفعاله ولا في صفاته فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه مع أنه سبحانه الخالق لكل شيء فهو الخالق للعباد وأفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء والرب سبحانه هو الذي جعله فاعلا لذلك وهذا الجعل منه عدل وحكمة وصواب فجعله فاعلا خير والمفعول شر قبيح فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء موضعه لما له في ذلك من الحكمة البالغة التي يحمد عليها فهو خير وحكمة ومصلحة وإن كان وقوعه من العبد عيبا ونقصا وشرا وهذا أمر معقول في الشاهد فإن الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء والحجر المكسور واللبنة الناقصة فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه كان ذلك منه عدلا وصوابا يمدح به وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب يذم به المحل ومن وضع الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها كان ذلك حكمة وعدلا وصوابا وإنما السفه والظلم أن يضعها في غير موضعها فمن وضع العمامة على الرأس والنعل في الرجل والكحل في العين والزبالة في الكناسة فقد وضع الشيء موضعه ولم يظلم النعل والزبالة إذ هذا محلهما ومن أسمائه سبحانه العدل والحكيم الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه وفي كل ما وضعه في محله وهيأه له وهو سبحانه له الخلق والأمر فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده فإن قلت فإذا كان وجوده خيرا من عدمه فكيف لا يشاء وجوده فإذا كان عدمه خيرا من وجوده فكيف يشاء وجوده فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه القاعدة الكلية قلت لا تنقضها لأن وجوده وإن كان خيرا من عدمه فقد يستلزم وجوده فوات محبوب له هو أحب إليه من وقوع هذا المأمور من هذا المعنى وعدم المنهي وإن كان خيرا من وجوده فقد يكون وجوده وسيلة وسببا إلى ما هو أحب إليه من عدمه وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع وافتراقهما إن شاء الله والرب سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه وأراده وبينه وهو لا يحب شيئا إلا ووجوده خير من عدمه وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه وهو لا يبغض شيئا إلا وعدمه خير من وجوده هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره فله حكم آخر ولهذا أمر سبحانه عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم فالأحسن هو المأمور به وهو خير من المنهي عنه وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيرا من أن لا يخلقه ولا يفعله وبالعكس وما كان عدمه خيرا من وجوده فوجوده شر وهو لا يفعله بل هو منزه عنه والشر ليس إليه.
فإن قلت فلم خلقه وهو شر؟
قلت خلقه له وفعله خير لا شر فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه والشر يستحيل قيامه به واتصافه به وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيرا والذي شاءه كله خير والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي وهو الشر فإن الشر كله عدم وأن سببه جهل وهو عدم العلم أو ظلم وهو عدم العدل وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل وقبوله لأسباب الخيرات واللذات.
فإن قلت كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ولوازمه والشر كله من العدم ولوازمه والوجود خير والشر المحض لا يكون إلا عدما.
قلت هذا اللفظ فيه إجمال فإن أريد به أن كل ما خلقه الله وأوجده ففيه الخير ووجوده خير من عدمه وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على عدمه ولا خير فيه إذ لو كان فيه خير لفعله فإنه بيده الخير فهذا صحيح فالشر العدمي هو عدم الخير وإن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير وكل ما يلزم العدم فهو شر فليس بصحيح فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح والعدم قد يلزمه خير راجح مثال الأول النار والمطر والحر والبرد والثلج ووجود الحيوانات فإن هذا موجود ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ذلك من الخير وكذلك المأمور به قد يلزمه من الألم والمشقة ما هو شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما فيه من الخير.
(فصل)
وتحقيق الأمر أن الشر نوعان شر محض حقيقي من كل وجه وشر نسبي إضافي من وجه دون وجه فالأول لا يدخل في الوجود إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرا محضا والثاني هو الذي يدخل في الوجود فالأمور التي يقال هي شرور إما أن تكون أمورا عدمية أو أمورا وجودية فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشيء في وجوده أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه أو ضرورية له في كماله وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله وإن كان وجودها خيرا من عدمها فهذه أربعة أقسام:
فالأول كالإحساس والحركة والنفس للحيوان
والثاني كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي
والثالث كصحته وسمعه وبصره وقوته
،والرابع كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها خير من الجهل وليست ضرورية له.
وأما الأمور الوجودية فوجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال كالأمراض وأسبابها والآلام وأسبابها، والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير ووصوله إلى المحل القابل له المستعد لحصوله، كالمواد الردية المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به وكالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب.
إذا عرف هذا فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه أو كماله، ولهذا العدم لوازم من شر أيضا فإن عدم العلم والعدل يلزمهما من الجهل والظلم ما هو شرور وجودية.
وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر وجودي.
وأما عدم الأمور المستغنى عنها كعدم الغنى المفرط والعلوم التي لا يضر الجهل بها فليس بشر في الحقيقة ولا وجودها سببا للشر فإن العلم منه حيث هو علم والغنى منه حيث هو غنى لم يوضع سببا للشر، وإنما يترتب الشر من عدم صفة تقتضي الخير كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغنى فيحصل الشر له في غناه بعدم هذه الصفات وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه وعدم إرادة الحكمة في حق صاحب العلم يوجب ترتب الشر له على ذلك.
فظهر أن الشر لم يترتب إلا على عدم وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرا ولا سببا للشر فالأمور الوجودية ليست شرورا بالذات بل بالعرض من حيث أنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة فإنك لا تجد شيئا من الأفعال التي هي شر إلا وهي كمال بالنسبة إلى أمور وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور أخر مثال ذلك أن الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر وهي القوة الغضبية التي كمالها بالغلبة ولهذا خلقت فليس في ترتب أثرها عليها شر من حيث وجوده بل الشر عدم ترتب أثرها عليها ألبتة فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة وإنما الشر الوجودي الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى المظلوم بفوات نفسه أو ماله أو تصرفه وبالنسبة إلى الظالم لا من حيث الغلبة والاستيلاء ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه فعدل به من محله إلى غير محله ولو استعمل قوة الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة والبهيمة لكان خيرا ولكن عدل به إلى غير محله فوضع القهر والغلبة موضع العدل والنصفة ووضع الغلظة موضع الرحمة فلم يكن الشر في وجود هذه القوة ولا في ترتب أثرها عليها من حيث هما كذلك بل في إجرائها في غير مجراها ومثال ذلك ماء جار في نهر إلى أرض يسقيها وينفعها فكماله في جريانه حتى يصل إليها فإذا عدل به عن مجراه وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها كان الشر في العدول به عما أعدله وعدم وصوله إليه فهكذا الإرادة والغضب أعين بهما العبد ليتوصل بهما إلى حصول ما ينفعه وقهر ما يؤذيه ويهلكه فإذا استعملا في ذلك فهو كمالها وهو خير وإذا صرفا عن ذلك إلى استعمال هذه القوة في غير محلها وهذه في غير محلها صار ذلك شرا إضافيا نسبيا وكذلك النار كمالها في إحراقها فإذا أحرقت ما ينبغي إحراقه فهو خير وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل المعين وكذلك القتل مثلا هو استعمال الآلة القطاعة في تفريق اتصال البدن فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير وكون الآلة قابلة للتأثير خير وكون المحل قابلا لذلك خير وإنما الشر نسبي إضافي وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه والعدول به عن المحل المؤدي إلى غيره، وهذا بالنسبة إلى الفاعل.
وأما بالنسبة إلى المفعول فهو شر إضافي أيضا وهو ما حصل له من التألم وفاته من الحياة وقد يكون ذلك خيرا له من جهة أخرى وخير لغيرة وكذلك الوطء فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية على هذا المجرى فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر وكذلك السجود ليس هو شرا من حيث ذاته ووجوده فإذا أضيف إلى غير الله كان شرا بهذه النسبة والإضافة وكذلك كل ما وجوده كفر وشرك إنما كان شرا بإضافته إلى ما جعله كذلك كتعظيم الأصنام فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه فإذا كان تعظيما لله وكتابه ودينه ورسوله كان خيرا محضا وإن كان تعظيما للصنم وللشيطان فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرا كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك.
(فصل)
ومما ينبغي أن يعلم أن الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات والحيوان أما إن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها أو بعد تكونها فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها ردية المزاج ناقصة الاستعداد فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب وليس ذلك بأن الفاعل حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام وعدم قبوله أمر عدمي ليس بالفاعل وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجودي الذي يتقبل به كماله وتمامه ونقصه والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال فبقي على العدم الأصلي وبهذا يفهم سر قوله تعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾
فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا يتعلق بفعل الفاعل فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت والتفاوت إنما حصل بسبب هذا الخلق فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعدادا فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق فتأمله.
والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق.
وأما العدم فليس هو بفاعل له فإذا لم يكمل في مادة الجنين في الرحم ما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت وكذلك النبات.
(فصل)
وأما الثاني وهو أن الشر الحاصل بعد تكونه وإيجاده فهو نوعان أيضا أحدهما أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده كما يقطع عن النبات إمداده بالسقي وعن الحيوان إمداده بالغذاء فهو شر مضاف إلى العدم أيضا وهو عدم ما يكمل به الثاني حصول مضاد مناف وهو نوعان أحدهما قيام مانع في المحل يمنع تأثير الأسباب الصالحة فيه كما تقوم بالبدن أخلاط ردية تمنع تأثير الغذاء فيه وانتفاعه به وكما تقوم بالقلب إرادات واعتقادات فاسدة تمنع انتفاعه بالهدى والعلم فهذا الشر وإن كان وجوديا وأسبابه وجودية فهو أيضا من عدم القوة والإرادة التي يدفع بها ذلك المانع فلو وجدت قوة وإرادة تدفعه لم يتأثر المحل به مثاله أن غلبة الأخلاط واستيلائها من عدم القوة المنضجة لها أو القوة الدافعة لما يحتاج إلى خروج وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة لضعف قوة العفة والصبر واستيلاء الاعتقادات الباطلة لعدم العلم المطابق لمعلومه فكل شر ونقص فإنما حصل لعدم سبب ضده وعدم سبب ضده ليس فاعلا له بل يكفي فيه بقاؤه على العدم الأصلي الثاني مانع من خارج كالبرد الشديد والحرق والغرق ونحو ذلك مما يصيب الحيوان والنبات فيحدث فيه الفساد فهذا لا ريب انه شر وجودي مستند إلى سبب وجودي ولكنه شر نسبي إضافي وهو خير من وجه آخر فإن وجود ذلك الحر والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كلية هذا الشر بالنسبة إليها جزئي فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شرا أكثر منه وهو فوات تلك الخيرات الحاصلة بها فإن ما يحصل بالشمس والريح والمطر والثلج والحر والبرد من مصالح الخلق أضعاف أضعاف ما يحصل بذلك من مفاسد جزئية هي في جنب تلك المصالح كقطرة في بحر هذا لو كان شرها حقيقيا فكيف وهي خير من وجه وشر من وجه وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس فما قدرها الرب سبحانه سدى ولا خلقها باطلا وعند هذا فيقال الوجود إما أن يكون خيرا من كل وجه أو شرا من كل وجه أو خيرا من وجه شرا من وجه وهذا على ثلاثة أقسام قسم خيره راجح على شره وعكسه وقسم مستو خيره وشره وأما أن لا يكون فيه خير ولا شر فهذه ستة أقسام ولا مزيد عليها فبعضها واقع وبعضها غير واقع فأما القسم الأول وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما فهو أشرف الموجودات على الإطلاق وأكملها وأجلها وكل كمال وخير فيها فهو مستفاد من خيره وكماله في نفسه وهي تستمد منه وهو لا يستمد منها وهي فقيرة إليه وهو غني عنها كل منها يسأله كماله فالملائكة تسأله ما لا حياة لها إلا به وإعانته على ذكره وشكره وحسن عبادته وتنفيذ أوامره والقيام بما جعل إليهم من مصالح العالم العلوي والسفلي وتسأله أن يغفر لبني آدم والرسل تسأله أن يعينهم على أداء رسالاته وتبليغها وأن ينصرهم على أعدائهم وغير ذلك من مصالحهم في معاشهم ومعادهم وبنو آدم كلهم يسألونه مصالحهم على تنوعها واختلافها والحيوان كله يسأله رزقه وغذاءه وقوته وما يقيمه ويسأله الدفع عنه والشجر والنبات يسأله غذاءه وما يكمل به والكون كله يسأله إمداده بقاله وحاله: ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ فأكف جميع العالم ممتدة إليه بالطلب والسؤال ويده مبسوطة لهم بالعطاء والنوال يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سجاء الليل والنهار وعطاؤه وخيره مبذول للأبرار والفجار له كل كمال ومنه كل خير له الحمد كله وله الثناء كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله تبارك اسمه وتباركت أوصافه وتباركت أفعاله وتباركت ذاته فالبركة كلها له ومنه لا يتعاظمه خير سئله ولا تنقص خزائنه على كثرة عطائه وبذله فلو صور كل كمال في العالم صورة واحدة ثم كان العالم كله على تلك الصورة لكان نسبة ذلك إلى كماله وجلاله وجماله دون نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس.
(فصل)
وأما الأقسام الخمسة الباقية فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة والأقسام الأربعة لا تدخل في الوجود أما الشر المحض الذي لا خير فيه فذاك ليس له حقيقة بل هو العدم المحض.
فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشرك كذلك وقد دخلوا في الوجود فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر؟
قيل في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله كما سننبه على بعضه فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها
وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضا في الوجود فإنه عبث فتعالى الله عنه وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها واللذات أكثر من الآلام والعافية أعظم من البلاء والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب وفوات الخير الغالب شر غالب ومثال ذلك النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر والرياح والحر والبرد وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها غالب وأما العالم العلوي فبريء من ذلك.
فإن قيل فهلا خلق الخلاق الحكيم هذه الدنيا خالية من الشر بحيث تكون خيرات محضة؟
فإن قلتم اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه اللذة بالألم والخير بالشر فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر كالعالم العلوي.
سلمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه، فأي خير ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه إبليس، وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر، وأي خير يغلب في نشأة يكون فيها تسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة، وأي خير غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة حتى جرى على الأولاد ما جرى ولو داما في الجنة لارتفع الشر بالكلية.
وإذا كان قد خلقهم لعبادته فكيف اقتضت حكمته أن صرف إليهم عنا، ووفق لها الأقل من الناس، وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي، وأي خير في إيلام غير المكلفين كالأطفال والمجانين؟
فإن قلتم فائدته التعويض أنقض عليكم بإيلام البهائم ثم وأي خير في خلق الدجال وتمكينه من الظهور والافتتان به وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب وأي خير في السحر وما يترتب عليه من المفاسد والمضار وأي خير في إلباس الخلق شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض وأي خير في خلق السموم وذات السموم والحيوانات العادية المؤذية بطبعها وأي خير في خراب هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم وردها إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها فإن كان وجود ذلك خيرا غالبا فإبطاله إبطال للخير الغالب دع هذا كله فأي خير راجح أو مرجوح في النار وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسد باب الحكم والتعليل وإسناد الكون إلى محض المشيئة أو القول بالإيجاب الذاتي وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته وهذه الأسئلة إنما ترد على من يقول بالفاعل المختار فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار التعليل جملة فاختاروا أحد المذهبين وتحيزوا إلى إحدى الفئتين وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور فالجواب بعد أن نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر بل في تحقيق هذه الكلمات الجواب الشافي: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾
﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلاّ بِالحَقِّ﴾، ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلاّ هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ﴿أحسن كل الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾
بل هو في غاية التناسب واقع على أكمل الوجوه وأقربها إلى حصول الغايات المحمودة والحكم المطلوبة فلم يكن تحصل تلك الحكم والغايات التي انفرد الله سبحانه بعلمها على التفصيل وأطلع من شاء من عباده على أيسر اليسير منها إلا بهذه الأسباب والبدايات وقد سأله الملائكة المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها فقال: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
وأقروا له بكمال العلم والحكمة وأنه في جميع أفعاله على صراط مستقيم وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ولما ظهر لهم ببعض حكمته فيما سألوا عنه وأنهم لم يكونوا يعلمون قال: ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
(فائدة)
والله تعالى إنما نسب إلى نفسه الخير دون الشر فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾
وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه.
أحدها أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد.
الثاني أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع" فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه.
الثالث أن قول النبي ﷺ لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء.
(فصل)
«اللهم» لا خلاف أن لفظ «اللهم» معناها: يا الله: ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب. فلا يقال: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني.
واختلف النحاة في الميم المشددة من آخر الاسم.
فقال سيبويه: زيدت عوضا من حرف النداء. ولذلك لا يجوز الجمع بينهما في اختيار الكلام، فلا يقال «يا اللهم» إلا فيما ندر، كقول الشاعر:
؎إني إذا ما حدث ألمّا ∗∗∗ أقول: يا اللهم، يا اللهم
ويسمى ما كان من هذا الضرب عوضا. إذ هو في غير محل المحذوف. فإن كان في محله سمّي بدلا، كالألف في «قام، وباع» فإنها بدل من الواو والياء. ولا يجوز عنده أن يوصف هذا الاسم أيضا. فلا يقال:
يا اللهم الرحيم ارحمني، ولا يبدل منه.
والضمة التي على الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد. وفتحت الميم لسكونها وسكون الميم التي قبلها. وهذا من خصائص هذا الاسم.
كما اختص بالتاء في القسم. وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزة وصله في النداء، وبتفخيم لامه وجوبا غير مسبوقة بحرف إطباق. هذا ملخص مذهب الخليل وسيبويه.
وقيل: الميم عوض عن جملة محذوفة. والتقدير: يا الله أمنّا بخير، أي اقصدنا ثم حذف الجار والمجرور، وحذف المفعول. فبقي في التقدير:
يا الله أمّ. ثم حذفت الهمزة، لكثرة دوران هذا الاسم في الدعاء على ألسنتهم، فبقي «يا اللهم» وهذا قول الفراء.
وصاحب هذا القول يجوّز دخول «يا» عليه. ويحتج بقول الشاعر:
يا اللهم ما اردد علينا سحا مسلما
وبالبيت المتقدم وغيرهما.
ورد البصريون هذا بوجوه.
أحدها: أن هذه التقادير لا دليل عليها، ولا يقتضيها القياس، فلا يصار إليها بغير دليل.
الثاني: أن الأصل عدم الحذف، فتقدير هذه المحذوفات الكثيرة خلاف الأصل.
الثالث: أن الداعي بهذا قد يدعو بالشر على نفسه وعلى غيره. فلا يصح هذا التقدير فيه.
الرابع: أن الاستعمال الشائع الفصيح يدل على أن العرب لم تجمع بين «يا» و «اللهم» ولو كان أصله ما ذكره الفراء لم يمتنع الجمع. بل كان استعماله فصيحا شائعا. والأمر بخلافه.
الخامس: أنه لا يمتنع أن يقول الداعي: اللهم أمّنا بخير. ولو كان التقدير كما ذكره، لم يجز الجمع بينهما، لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض عنه.
السادس: أن الداعي بهذا الاسم لا يخطر ذلك بباله، وإنما تكون عنايته مجردة إلى المطلوب بعد ذكر الاسم.
السابع: أنه لو كان التقدير ذلك لكان «اللهم» جملة تامة، يحسن السكوت عليها. لاشتمالها على الاسم المنادى وفعل الطلب. وذلك باطل.
الثامن: أنه لو كان التقدير ما ذكره لكتب فعل الأمر وحده، ولم يوصل باسم المنادى كما يقال: يا الله قه «١»، ويا زيد عه «٢»، ويا عمرو فه «٣».
لأن الفعل لا يوصل بالاسم الذي قبله حتى يجعلا في الخط كلمة واحدة. هذا لا نظير له في الخط وفي الاتفاق على وصل الميم باسم الله دليل على أنها ليست بفعل مستقل.
التاسع: أنه لا يسوغ ولا يحسن في الدعاء أن يقول العبد: اللهم أمّني بكذا بل هذا مستكره من اللفظ والمعنى. فإنه لا يقال: اقصدني بكذا إلا لمن كان يعرض له الغلط والنسيان، فيقول له: اقصدني. وأما من كان لا يفعل إلا بإرادته، ولا يضل ولا ينسى. فلا يقال له: اقصد كذا.
العاشر: أنه يسوغ استعمال هذا اللفظ في موضع لا يكون بعده دعاء.
كقوله ﷺ في الدعاء «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكي، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله»
وقوله «اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك: أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك»
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ - وقوله:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
وقول النبي ﷺ في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي».
فهذا كله لا يسوغ فيه التقدير الذي ذكروه. والله أعلم.
وقيل: زيدت الميم للتعظيم والتفخيم، كزيادتها في زرقم، لشديد الزرقة، وابنم في ابن.
وهذا القول صحيح. لكن يحتاج إلى تتمة. وقائله لحظ معنى صحيحا، لا بد من بيانه.
وهو أن الميم تدل على الجمع وتقتضيه، ومخرجها يقتضي ذلك.
وهذا مطرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى. كما هو مذهب أساطين العربية. وعقد له أبو الفتح ابن جنى بابا في الخصائص. وذكره عن سيبويه. واستدل عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى.
ثم قال: ولقد مكثت برهة يرد عليّ اللفظ لا أعلم موضوعه، فأجد معناه من قوة لفظه، ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى. ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبا منه.
فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني. فقال:
وأنا كثيرا ما يجرى لي ذلك. ثم ذكر لي فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى. والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف. والمتوسطة للمتوسط. فيقولون: عزّ يعز. بفتح العين - إذا صلب. وأرض عزاز: صلبة. ويقولون: عز يعزّ - بكسرها - إذا امتنع.
والممتنع فوق الصلب، فقد يكون الشيء صلبا ولا يمتنع على كاسره. ثم يقولون: عزّه يعزّه. إذا غلبه.
قال الله تعالى في قصة داود عليه السلام ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾
والغلبة أقوى من الامتناع، إذ قد يكون الشيء ممتنعا في نفسه، متحصنا عن عدوه، ولا يغلب غيره. فالغالب أقوى من الممتنع، فأعطوه أقوى الحركات - وهو الضمة - والصلب أضعف من الممتنع. فأعطوه أضعف الحركات - وهو الفتحة - والممتنع المتوسط بين المرتبتين حركة الوسط.
ونظير هذا قولهم «ذبح» - بكسر أوله - للمحل الذبوح: و «ذبح» - بفتح أوله - لنفس الفعل. ولا ريب أن الجسم أقوى من العرض، فأعطوا الحركة القوية للقوي، والضعيفة للضعيف، وهو مثل قولهم «نهب، ونهب» بالكسر للمنهوب وبالفتح للفعل. وكقولهم «ملء، وملء» بالكسر، لما يملأ الشيء، وبالفتح للمصدر، الذي هو الفعل. وكقولهم «حمل، وحمل» فبالكسر لما كان قويا مثقلا لحامله على ظهره أو رأسه، أو غيرهما من أعضائه، و «الحمل» بالفتح، لما كان خفيفا غير مثقل، كحمل الحيوان، وحمل الشجرة به أشبه، ففتحوه.
وتأمل هذا في «الحبّ والحبّ» فجعلوا المكسور الأول لنفس المحبوب، ومضمومه للمصدر، إيذانا بخفة المحبوب على قلوبهم، ولطف موقعه من أنفسهم وحلاوته عندهم، وثقل حمل الحب ولزومه، كما يلزم الغريم غريمه، ولهذا يسمى غراما. ولهذا كثر وصفهم تحمله بالشدة والصعوبة، وإخبارهم بأن أعظم المخلوقات وأشدها من الصخر والحديد ونحوهما لو حمله لذاب من حمله، ولم يستقل به. كما هو كثير في أشعار المتقدمين والمتأخرين وكلامهم. فكان الأحسن: أن يعطوا المصدر هنا الحركة القوية، والمحبوب الحركة التي هي أخف منها.
ومن هذا: قولهم «قبض» بسكون وسطه للفعل، و «قبض» بتحريكه للمقبوض. والحركة أقوى من السكون والمقبوض أقوى من المصدر.
ونظيره: «سبق» بالسكون للفعل، و «سبق» بالفتح: للمال المأخوذ في هذا العقد.
وتأمل قولهم «دار، دورانا» و «فارت القدر، فورانا» و «وغلت، غليانا» كيف تابعوا بين الحركات في هذه المصادر لتتابع حركة المسمى.
فطابق اللفظ المعنى.
وتأمل قولهم «حجر» و «هواء» كيف وضعوا للمعنى الثقيل الشديد هذه الحروف الشديدة، ووضعوا للمعنى الخفيف: الهواية، التي هي من أخف الحروف.
وهذا أكثر من أن يحاط به، وإن مد الله في العمر وضعت فيه كتابا مستقلا إن شاء الله تعالى.
ومثل هذه المعاني يستدعي لطافة ذهن، ورقة طبع. ولا تتأتى مع غلظ القلوب، والرضى بأوائل مسائل النحو والتصريف، دون تأملها وتدبرها، والنظر إلى حكمة الواضع، ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق عن أكثر العقول. وهذا باب ينبه الفاضل على ما وراءه ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾.
وانظر في تسميتهم الغليظة الجافي بالعتلّ والجعظري، والجواظ، كيف تجد هذه الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني.
وانظر إلى تسميتهم الطويل بالعشنّق. وتأمل اقتضاء هذه الحروف ومناسبتها لمعنى الطول، وتسميتهم القصير بالبحتر، وموارتهم بين ثلاث فتحات في اسم الطويل، وهو العشنق، وإتيانهم بضمتين بينهما سكون في البحتر، كيف يقتضي اللفظ الأول: انفتاح الفم، وانفراج آلات النطق، وامتدادها، وعدم ركوب بعضها بعضا، وفي اسم البحتر الأمر بالضد.
وتأمل قولهم: طال الشيء، فهو طويل، وكبر كبير. فإن زاد طوله وكبره قالوا: طوالا، وكبارا، فأتوا بالألف التي هي أكثر مدا، وأطول من الياء في الأطول. فإن زاد كبر الشيء، وثقل موقعه من النفوس ثقّلوا اسمه، فقالوا: كبّارا بشد الباء.
ولو أطلقنا عنان القلم في ذلك لطال مداه، واستعصى على الضبط.
فلنرجع إلى ما جرى الكلام بسببه فنقول: الميم حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه، فوضعته العرب علما على الجمع، فقالوا للواحد: أنت، فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا: أنتم. وقالوا للواحد الغائب: هو، فإذا جاوزوه إلى الجمع، قالوا: هم. وكذلك في المتصل يقولون: ضربت، وضربتم، وإياك، وإياكم، وإياه، وإياهم، ونظائره، نحو: به وبهم. ويقولون للشيء الأزرق، فإذا اشتدت زرقته واجتمعت واستحكمت قالوا: زرقم ويقولون للكبير الاست: ستهم بوزن قنفذ.
وتأمل الألفاظ التي فيها الميم، كيف تجد الجمع معقودا بها، مثل لمّ الشيء يلتمه، إذا جمعه. ومنه لمّ الله شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. ومنه قولهم: دار لمومة. أي تلم الناس وتجمعهم. ومنه: الأكل اللّمّ، جاء في تفسيرها: يأكل نصيبه ونصيب صاحبه. وأصله من اللم، وهو الجمع، كما يقال: لفه يلفّه. ومنه: ألم بالشيء، إذا قارب الاجتماع به والوصول إليه.
ومنه اللمم. وهو مقاربة الاجتماع بالكبائر. ومنه الملمة، وهي النازلة التي تصيب العبد. ومنه اللّمّة، وهي الشعر الذي قد اجتمع، وتقلص حتى جاوز شحمة الأذن، ومنه لمّ الشيء، وما تصرف منها.
ومنه: بدر التّم: إذا كمل واجتمع نوره.
ومنه: التوأم للولدين المجتمعين في بطن.
ومنه: الأم. وأم الشيء: أصله الذي تفرع منه. فهو الجامع له، وبه سميت مكة أم القرى، والفاتحة أم القرآن. واللوح المحفوظ: أم الكتاب.
قال الجوهري: أم الشيء أصله، ومكة: أم القرى. وأم مثواك:
صاحبة منزلك. يعني التي تأوى إليها وتجتمع معها، وأم الدماغ: الجلدة التي تجمع الدماغ ويقال لها: أم الرأس.
وقال تعالى في الآيات المحكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾
والأمة: الجماعة المتساوية في الخلقة، أو الزمان، أو اللسان، قال تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾
وقال النبي ﷺ «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها»».
ومنه: الإمام الذي يجتمع المقتدون به على أتباعه.
ومنه: أمّ الشيء يؤمه إذا جمع قصده وهمه إليه.
ومنه: رمّ الشيء يرمه، إذا أصلحه. وجمع متفرقه.
قيل: ومنه سمي الرمان: لاجتماع حبه وتضامه.
ومنه: ضم الشيء يضمه: إذا جمعه.
ومنه: هم الإنسان، وهمومه، وهي إرادته وعزائمه التي تجتمع في قلبه.
ومنه: قولهم للأسود: أحم، والفحمة السوداء: حممة، وحم رأسه إذا اسود بعد حلقه كله. هذا لأن السواد لون جامع للبصر، لا يدعه يتفرق.
ولهذا يجعل على عيني الضعيف البصر لوجع أو غيره شيء أسود، من شعر أو خرقة، ليجمع عليه بصره فتقوى القوة الباصرة.
وهذا باب طويل. فلنقتصر منه على هذا القدر.
وإذا علم هذا من شأن الميم، فهم قد ألحقوها في آخر هذا الاسم «اللهم» الذي يسأل العبد به ربه سبحانه في كل حاجة، وكل حال، إيذانا بجمع أسمائه تعالى وصفاته. فإذا قال السائل: اللهم إني أسألك، كأنه قال: أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته.
فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم، إيذانا بسؤاله تعالى بأسمائه كلها. كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح «ما أصاب عبدا قط همّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا. قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» «١».
فالداعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما في الاسم الأعظم
«اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» «٢»
وهذه الكلمات تتضمن الأسماء الحسنى، كما ذكر في غير هذا الموضع «٣».
والدعاء ثلاثة أقسام.
أحدها: أن تسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾.
والثاني: أن تسأله بحاجتك وفقرك، وذلّك. فتقول: أنا العبد الفقير المسكين البائس الذليل المستجير، ونحو ذلك.
والثالث: أن تسأل حاجتك ولا تذكروا أحدا من الأمرين.
فالأول أكمل من الثاني. والثاني أكمل من الثالث. فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل.
وهذه عامة أدعية النبي ﷺ.
وفي الدعاء الذي علمه صدّيق الأمة رضي الله عنه «١» ذكر الأقسام الثلاثة.
فإنه قال في أوله «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا»
وهذا حال السائل. ثم
قال: «وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»
وهذا حال المسؤول، ثم قال «فاغفر لي» فذكر حاجته وختم الدعاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه.
وهذا القول الذي اخترناه قد جاء عن غير واحد من السلف. قال الحسن البصري «اللهم» مجمع الدعاء وقال أبو رجاء العطاردي: إن الميم في قوله «اللهم» فيها تسعة وتسعون اسما من أسماء الله تعالى، وقال النضر بن شميل: من قال «اللهم» فقد دعا الله بجميع أسمائه.
وقد وجه طائفة هذا القول بأن الميم هنا بمنزلة الواو الدالة على الجمع، فإنها من مخرجها. فكأن الداعي بها يقول: يا الله الذي اجتمعت له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ولذلك شددت لتكون عوضا عن علامة الجمع. وهي الواو والنون في «مسلمون» ونحوه.
وعلى الطريقة التي ذكرناها وهي أن نفس الميم دالة على الجمع لا يحتاج إلى هذا.
بقي أن يقال: فهلا جمعوا بين «يا» وبين هذه الميم، على المذهب الصحيح؟
فالجواب: أن القياس يقتضي عدم دخول حرف النداء على هذا الاسم، لمكان الألف واللام منه. وإنما احتملوا ذلك فيه لكثرة استعمالهم دعاءه، واضطرارهم إليه، واستغاثتهم به. فإما أن يحذفوا الألف واللام منه. وذلك لا يسوغ للزومهما، وإما أن يتوصلوا إليه بأيّ، وذلك لا يسوغ، لأنها لا يتوصل بها إلا إلى نداء اسم الجنس المحلى بالألف واللام. كالرجل والرسول والنبي. وأما في الأعلام فلا.
فخالفوا قياسهم في هذا الاسم لمكان الحاجة. فلما أدخلوا الميم المشددة في آخره عوضا عن جمع الاسم، جعلوها عوضا عن حرف النداء، فلم يجمعوا بينهما، والله أعلم.
آل عمران 3:31
وَهي تُسَمّى آيَةُ المَحَبَّةِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: لَمّا ادَّعَتِ القُلُوبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ: أنْزَلَ اللَّهُ لَها مِحْنَةً ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ادَّعى قَوْمٌ مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ المِحْنَةِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
وَقالَ " ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ " إشارَةٌ إلى دَلِيلِ المَحَبَّةِ وثَمَرَتِها، وفائِدَتِها. فَدَلِيلُها وعَلامَتُها: اتِّباعُ الرَّسُولِ. وفائِدَتُها وثَمَرَتُها: مَحَبَّةُ المُرْسَلِ لَكم. فَما لَمْ تَحْصُلِ المُتابَعَةُ. فَلَيْسَتْ مَحَبَّتُكم لَهُ حاصِلَةً. ومَحَبَّتُهُ لَكم مُنْتَفِيَةً.
أصْلُ العِبادَةِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ، بَلْ إفْرادُهُ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ يَكُونَ الحُبُّ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَلا يُحِبُّ مَعَهُ سِواهُ، وإنَّما يُحِبُّ لِأجْلِهِ وفِيهِ، كَما يُحِبُّ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ ومَلائِكَتَهُ وأوْلِياءَهُ، فَمَحَبَّتُنا لَهم مِن تَمامِ مَحَبَّتِهِ، ولَيْسَتْ مَحَبَّةً مَعَهُ، كَمَحَبَّةِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّهِ.
وَإذا كانَتِ المَحَبَّةُ لَهُ هي حَقِيقَةَ عُبُودِيَّتِهِ وسِرَّها، فَهي إنَّما تَتَحَقَّقُ بِاتِّباعِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، فَعِنْدَ اتِّباعِ الأمْرِ واجْتِنابِ النَّهْيِ تَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ، ولِهَذا جَعَلَ تَعالى اتِّباعَ رَسُولِهِ عَلَمًا عَلَيْها، وشاهِدًا لِمَنِ ادَّعاها، فَقالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَجَعَلَ اتِّباعَ رَسُولِهِ مَشْرُوطًا بِمَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وشَرْطًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، ووُجُودُ المَشْرُوطِ مُمْتَنِعٌ بِدُونِ وُجُودِ شَرْطِهِ وتَحَقُّقُهُ بِتَحَقُّقِهِ فَعُلِمَ انْتِفاءُ المَحَبَّةِ عِنْدَ انْتِفاءِ المُتابَعَةِ، فانْتِفاءُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ لازِمٌ لِانْتِفاءِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ، وانْتِفاءُ المُتابَعَةِ مَلْزُومٌ لِانْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، فَيَسْتَحِيلُ إذًا ثُبُوتُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وثُبُوتُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهم بِدُونِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ.
وَدَلَّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ ﷺ هي حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وطاعَةُ أمْرِهِ، ولا يَكْفِي ذَلِكَ في العُبُودِيَّةِ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلى العَبْدِ مِمّا سِواهُما، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَتى كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنهُما فَهَذا هو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِصاحِبِهِ البَتَّةَ، ولا يَهْدِيهِ اللَّهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
فَكُلُّ مَن قَدَّمَ طاعَةَ أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ قَوْلَ أحَدٍ مِنهم عَلى قَوْلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مَرْضاةَ أحَدٍ مِنهم عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ خَوْفَ أحَدٍ مِنهم ورَجاءَهُ والتَوَكُّلَ عَلَيْهِ عَلى خَوْفِ اللَّهِ ورَجائِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْ مُعامَلَةَ أحَدِهِمْ عَلى مُعامَلَةِ اللَّهِ فَهو مِمَّنْ لَيْسَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وإنْ قالَهُ بِلِسانِهِ فَهو كَذِبٌ مِنهُ، وإخْبارٌ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَنَّ قَدَّمَ حُكْمَ أحَدٍ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَذَلِكَ المُقَدَّمُ عِنْدَهُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلى مَن يُقَدِّمُ قَوْلَ أحَدٍ أوْ حُكْمَهُ، أوْ طاعَتَهُ أوْ مَرْضاتَهُ، ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَحْكُمُ ولا يَقُولُ إلّا ما قالَهُ الرَّسُولُ، فَيُطِيعُهُ، ويُحاكِمُ إلَيْهِ، ويَتَلَقّى أقْوالَهُ كَذَلِكَ، فَهَذا مَعْذُورٌ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا إذا قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى الرَّسُولِ، وعَرَفَ أنَّ غَيْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ هو أوْلى بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى الرَّسُولِ ولا إلى مَن هو أوْلى بِهِ، فَهَذا الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ، وهو داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَإنِ اسْتَحَلَّ عُقُوبَةَ مَن خالَفَهُ وأذَلَّهُ، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى اتِّباعِ شَيْخِهِ، فَهو مِنَ الظَّلَمَةِ المُعْتَدِينَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.
(فصل)
قال الحسن: قال قوم على عهد النبي ﷺ: إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُل إن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾
وقال الجنيد: ادَّعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة: ﴿قُل إن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾
يعني أن متابعة الرسول هي موافقة حبيبكم، فإنه المبلغ عنه ما يحبه وما يكرهه وهي قوله فمتابعته موافقة لله في فعل ما يحب وترك ما يكره.
وقال مالك في هذه الآية: من أحب طاعة الله أحبه الله وحببه إلى خلقه وإنما كانت موافقة المحبوب دليلًا على محبته لأن من أحب حبيبًا فلا بد أن يحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه، وإلا لم يكن محبًا له محبة صادقة، بل تخلف ذلك عنه وإلا لم يكن محبًا له، بل يكون محبًا لمراده أحبه محبوبه أم كرهه ومحبوبه عنده وسيلة إلى ذلك المراد، فلو حصل له حظه من غيره ترحل عوضه. فهذه المحبة المدخولة الفاسدة، وإذا كانت المحبة الصحيحة تستدعى حب ما يحبه المحبوب وبغض ما يبغضه فلا بد أن يوافقه فيه.
ولكن هاهنا مسألة يغلط فيها كثير من المدعين للمحبة، وهي أن موافقة المحبوب في مراده ليس المعنى بها مراده الخلقي الكونى، فإن كل الكون مراده، وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية، فلو كانت موافقته في هذا المراد هي محبته لم يكن له عدو أصلًا، وكانت الشياطين والكفار والمشركون عباد الأوثان والشمس والقمر أولياءَه وأحبابه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وإنما يظن ذلك من يظنه من أعدائه الجاحدين لمحبته ودينه، الذين يسوون بين أوليائه وأعدائه. قال الله تعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفسِدِينَ فِى الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّار﴾ [ص: ٢٨]، وقال الله تعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيئاتِ أنْ نَّجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿أفَنَجْعَلَ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥-٣٦]
فأنكر سبحانه على من سوى بين المسلمين والمجرمين، وبين المطيعين والمفسدين مع أن الكل تحت المراد الكوني والمشيئة العامة.
(فائدة)
وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ في أنَّ اللَّهَ يُحِبُّكم. لا في أنَّكم تُحِبُّونَهُ، وهَذا لا تَنالُونَهُ إلّا بِاتِّباعِ الحَبِيبِ ﷺ.
(فائدة أخرى)
الزهد خمسة أقسام زهد في الدنيا، وزهد في النفس، وزهد في الجاه والرئاسة، وزهد فيما سوى المحبوب، وزهد في كل إرادة تخالف مراد المحبوب، وهذا إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب
قال الله تعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له، وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله، فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله، فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل
؎تعصي الإله وأنت تزعم حبه ∗∗∗ هذا محال في القياس بديع
؎لو كان حبك صادقا لأطعته ∗∗∗ إن المحب لمن يحب مطيع
آل عمران 3:33
(فَصْلٌ في معنى الآل واشتقاقه وأحْكامه)
وَفِيه قَولانِ أحدهما أن أصله أهل ثمَّ قلبت الهاء همزَة فَقيل أأل ثمَّ سهلت على قِياس أمْثالها فَقيل آل قالُوا ولِهَذا إذا صغر رَجَعَ إلى أصله فَقيل أهيل قالُوا ولما كانَ فرعا عَن فرع خصوه بِبَعْض الأسْماء المُضاف إلَيْها فَلم يضيفوه إلى أسماء الزَّمان ولا المَكان ولا غير الأعْلام فَلا يَقُولُونَ آل رجل وآل امْرَأة ولا يضيفونه إلى مُضْمر فَلا يُقال آله وآلي بل لا يُضاف إلّا إلى مُعظم كَما أن التّاء لما كانَت في القسم بَدَلا عَن الواو وفرعًا عَلَيْها والواو فرعا عَن فعل القسم خصوا التّاء بأشرف الأسْماء وأعْظَمها وهو اسْم الله تَعالى
وَهَذا القَوْل ضَعِيف من وُجُوه: أحدها أنه لا دَلِيل عَلَيْهِ
الثّانِي أنه يلْزم مِنهُ القلب الشاذ من غير مُوجب مَعَ مُخالفَة الأصْل
الثّالِث أن الأهْل تُضاف إلى العاقِل وغَيره والآل لا تُضاف إلّا إلى عاقل
الرّابِع أن الأهْل تُضاف إلى العلم والنكرة والآل لا يُضاف إلّا إلى مُعظم من شَأْنه أن غَيره يؤول إلَيْهِ.
الخامِس أن الأهْل تُضاف إلى الظّاهِر والمضمر والآل من النُّحاة من منع إضافَته إلى المُضمر ومن جوزها فَهي شاذَّة قَليلَة
السّادِس أن الرجل حَيْثُ أضيف إلى آله دخل فِيهِ هو كَقَوْلِه تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذاب﴾ [غافِر ٤٦
وَقَوله تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران ٣٣
وَقَوله تَعالى ﴿إلا آلَ لوط نجيناهم بِسحر﴾ [القَمَر ٣٤
وَقَول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى)
وَهَذا إذا لم يذكر مَعَه من أضيف إلَيْهِ الآل وأما إذا ذكر مَعَه فقد يُقال ذكر مُفردا وداخلًا في الآل وقد يُقال ذكره مُفردا أغْنى عَن ذكره مُضافا والأهل بِخِلاف ذَلِك فَإذا قلت جاءَ أهل زيد لم يدْخل فيهم وقيل بل أصله أول وذكره صاحب الصِّحاح في باب الهمزَة والواو واللّام قالَ وآل الرجل أهله وعِياله وآله أيْضا أتْباعه وهو عند هَؤُلاءِ مُشْتَقّ من آل يؤول إذا رَجَعَ فآل الرجل هم الَّذين يرجعُونَ إلَيْهِ ويضافون إلَيْهِ ويؤولهم أي يسوسهم فَيكون مآلهم إلَيْهِ ومِنه الإيالة وهِي السياسة فآل الرجل هم الَّذين يسوسهم ويؤولهم ونَفسه أحَق بذلك من غَيره فَهو أحَق بِالدُّخُولِ في آله ولَكِن لا يُقال إنَّه مُخْتَصّ بآله بل هو داخل فيهم وهَذِه المادَّة مَوْضُوعَة لأصل الشَّيْء وحَقِيقَته ولِهَذا سمي حَقِيقَة الشَّيْء تَأْوِيله لِأنَّها حَقِيقَته الَّتِي يرجع إلَيْها
وَمِنه قَوْله تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبنا بِالحَقِّ﴾ [الأعْراف ٥٣
فَتَأْوِيل ما أخْبرت بِهِ الرُّسُل هو مَجِيء حَقِيقَته ورؤيتها عيانًا ومِنه تَأْوِيل الرُّؤْيا وهو حَقِيقَتها عيانًا ومِنه تَأْوِيل الرُّؤْيا الخارجية الَّتِي ضربت للرائي في عالم المِثال ومِنه التَّأْوِيل بِمَعْنى العاقِبَة كَما قيل في قَوْله تَعالى ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تؤمنون بِالله واليَوْم الآخر ذَلِك خير وأحسن تَأْوِيلا﴾ [النِّساء ٥٩
قيل أحسن عاقِبَة فَإن عواقب الأُمُور هي حقائقها الَّتِي تؤول إلَيْها ومِنه التَّأْوِيل بِمَعْنى التَّفْسِير لِأن تَفْسِير الكَلام هو بَيان مَعْناهُ وحَقِيقَته الَّتِي يُراد مِنهُ قالُوا ومِنه الأول لِأنَّهُ أصل العدَد ومبناه الَّذِي يتَفَرَّع مِنهُ ومِنه الآل بِمَعْنى الشَّخْص نَفسه قالَ أصْحاب هَذا القَوْل والتزمت العَرَب إضافَته فَلا يسْتَعْمل مُفردا إلّا في نادِر الكَلام كَقَوْل الشّاعِر
؎(نَحن آل الله في بَلْدَتنا ∗∗∗ لم نزل آلًا على عهد إرم)
والتزموا أيْضا إضافَته إلى الظّاهِر فَلا يُضاف إلى مُضْمر إلّا قَلِيلا وعد بعض النُّحاة إضافَته إلى المُضمر لحنًا كَما قالَ أبُو عبد الله بن مالك والصَّحِيح أنه لَيْسَ بلحن بل هو من كَلام العَرَب لكنه قَلِيل ومِنه قَول الشّاعِر
؎(أنا الفارِس الحامي والِدي ∗∗∗ وآلي فَما يحمي حَقِيقَة آلكا)
وَقالَ عبد المطلب في الفِيل وأصْحابه
؎(وانصر على آل الصلي ∗∗∗ ب وعابديه اليَوْم آلك)
فأضافه إلى الياء والكاف وزعم بعض النُّحاة أنه لا يُضاف إلّا إلى علم من يعقل وهَذا الَّذِي قالَه هو الأكْثَر وقد جاءَت إضافَته إلى غير من يعقل قالَ الشّاعِر
؎(نجوت ولم يمنن عَليّ طَلاقه ∗∗∗ سوى ربد التَّقْرِيب من آل أعوجا)
وأعوج علم فرس قالُوا ومن أحْكامه أيْضا أنه لا يُضاف إلّا إلى متبوع مُعظم فَلا يُقال آل الحائك ولا آل الحجام ولا آل رجل
وَأما مَعْناهُ فَقالَت طائِفَة يُقال آل الرجل لَهُ نَفسه وآل الرجل لمن يتبعهُ وآله لأهله وأقاربه فَمن الأول قَول النَّبِي ﷺ لما جاءَهُ أبُو أوفى بِصَدَقَتِهِ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى
وَقَوله تَعالى ﴿سَلام على إل ياسين﴾ [الصافات ١٣٠
وَقَوله ﷺ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم
فآل إبْراهِيم هو إبْراهِيم لِأن الصَّلاة المَطْلُوبَة للنَّبِي ﷺ هي الصَّلاة على إبْراهِيم نَفسه وآله تبع لَهُ فِيها
ونازعهم في ذَلِك آخَرُونَ وقالُوا لا يكون الآل إلّا الأتباع والأقارب وما ذكرتموه من الأدِلَّة فالمُراد بها الأقارِب وقَوله كَما صليت على آل إبْراهِيم آل إبْراهِيم هُنا هم الأنْبِياء والمَطْلُوب من الله سُبْحانَهُ أن يُصَلِّي على رَسُوله ﷺ كَما صلى على جَمِيع الأنْبِياء من ذُرِّيَّة إبْراهِيم لا إبْراهِيم وحده كَما هو مُصَرح بِهِ في بعض الألْفاظ من قَوْله على إبْراهِيم وعَلى آل إبْراهِيم
وَأما قَوْله تَعالى ﴿سَلامٌ على إل ياسين﴾ [الصافات ١٣٠ فَهَذِهِ فِيها قراءتان إحْداهما إلياسين بِوَزْن إسْماعِيل وفِيه وجْهان
أحدهما أنه اسْم ثان للنَّبِي إلْياس وإلياسين كميكال ومِيكائِيل والوَجْه الثّانِي أنه جمع وفِيه وجْهان أحدهما أنه جمع إلْياس وأصله إلياسيين بيائين كعبرانيين ثمَّ خففت إحْدى اليائين فَقيل إلياسين والمراد أتْباعه كَما حكى سِيبَوَيْهٍ الأشعرون ومثله الأعجمون
والثّانِي أنه جمع إلْياس مَحْذُوف الياء
والقِراءَة الثّانِيَة ﴿سَلام على إل ياسين﴾ [وَفِيه أوجه أحدها أن ياسين أسم لِأبِيهِ فأضيف إلَيْهِ الآل كَما يُقال آل إبْراهِيم والثّانِي أن آل ياسين هو إلْياس نَفسه فَيكون آل مُضافَة إلى يس والمراد بالآل يس نَفسه كَما ذكر الأولونَ والثّالِث أنه على حذف ياء النّسَب فَيُقال يس وأصله ياسيين كَما تقدم وآلهم أتباعهم على دينهم
والرّابِع أن يس هو القُرْآن وآله هم أهل القُرْآن
والخامِس أنه النَّبِي ﷺ وآله أقاربه وأتْباعه كَما سَيَأْتِي
وَهَذِه الأقْوال كلها ضَعِيفَة والَّذِي حمل قائِلها عَلَيْها استشكالهم إضافَة آل إلى يس واسْمه إلْياس وإلياسين ورأوها في المُصحف مفصولة وقد قَرَأها بعض القُرّاء آل ياسين فَقالَ طائِفَة مِنهُم لَهُ أسماء يس وإلياسين وإلياس وقالَت طائِفَة يس اسْم لغيره ثمَّ اخْتلفُوا فَقالَ الكَلْبِيّ يس مُحَمَّد ﷺ سلم الله على آله وقالَت طائِفَة هو القُرْآن وهَذا كُله تعسف ظاهر لا حاجَة إلَيْهِ والصَّواب والله أعلم في ذَلِك أن أصل الكَلِمَة آل ياسين كآل إبْراهِيم فحذفت الألف واللّام من أوله لِاجْتِماع الأمْثال ودلالَة الِاسْم على مَوضِع المَحْذُوف وهَذا كثير في كَلامهم إذا اجْتمعت الأمْثال كَرهُوا النُّطْق بها كلها فحذفوا مِنها ما لا إلباس في حذفه وإن كانُوا لا يحذفونه في مَوضِع لا تَجْتَمِع فِيهِ الأمْثال ولِهَذا لا يحذفون النُّون من إنِّي وأنِّي وكَأنِّي ولَكِنِّي ولا يحذفونها من لَيْتَني ولما كانَت اللّام في لَعَلَّ شَبيهَة بالنُّون حذفوا النُّون مَعها ولا سِيما عادَة العَرَب في اسْتِعْمالها للاسم الأعجمي وتغييرها لَهُ فَيَقُولُونَ مرّة إلياسين ومرَّة إلْياس ومرَّة ياسين ورُبما قالُوا ياس ويكون على إحْدى القِراءَتَيْن قد وقع على المُسلم عَلَيْهِ وعَلى القِراءَة الأُخْرى على آله وعَلى هَذا ففصل النزاع بَين أصْحاب القَوْلَيْنِ في الآل أن الآل إن أفرد دخل فِيهِ المُضاف إلَيْهِ كَقَوْلِه تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافِر ٤٦ ولا ريب في دُخُوله في آله هُنا
وَقَوله تَعالى ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ [الأعْراف ١٣٠ ونظائره
وَقَول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى ولا ريب في دُخُول أبي أوفى نَفسه في ذَلِك وقَوله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم هَذِه أكثر رِوايات البُخارِيّ وإبْراهِيم هُنا داخل في آله ولَعَلَّ هَذا مُراد من قالَ آل الرجل نَفسه
وَأما إن ذكر الرجل ثمَّ ذكر آله لم يدْخل فيهم فَفرق بَين المُجَرّد والمقرون فَإذا قلت أعْط لزيد وآل زيد لم يكن زيد هُنا داخِلا في آله وإذا قلت أعْطه لآل زيد تناول زيدا وآله وهَذا لَهُ نَظائِر كَثِيرَة قد ذَكرناها في غير هَذا الموضع وهِي أن اللَّفْظ تخْتَلف دلالَته بالتجريد والاقتران كالفقير والمسكين هما صنفان إذا قرن بَينهما وصنف واحِد إذا أفرد كل مِنهُما ولِهَذا كانا في الزَّكاة صنفين وفي الكَفّارات صنف واحِد وكالإيمان والإسْلام والبر والتَّقوى والفحشاء والمُنكر والفسوق والعصيان ونظائر ذَلِك كَثِيرَة ولا سِيما في القُرْآن.
آل عمران 3:39
(فائدة)
اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم ونقل عن مالك واحتجوا بأنه قيل له: "يا سيدنا قال: إنما السيد الله" وجوزه قوم واحتجوا بقول النبي ﷺ: "قوموا إلى سيدكم"
وهذا أصح من الحديث الأول.
قال هؤلاء السيد أحد ما يضاف الله فلا يقال لتميمي إنه سيد كندة، ولا يقال لمالك إنه سيد البشر.
قال وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم.
وفي هذا نظر فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب لا بالمعنى الذي يطلق علي المخلوق والله سبحانه وتعالى أعلم.
آل عمران 3:42
(فائدة)
وَكُلُّ أوْلادِهِ ﷺ تُوُفِّيَ قَبْلَهُ إلّا فاطمة، فَإنَّها تَأخَّرَتْ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَرَفَعَ اللَّهُ لَها بِصَبْرِها واحْتِسابِها مِنَ الدَّرَجاتِ ما فُضِّلَتْ بِهِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ.
وفاطمة أفْضَلُ بَناتِهِ عَلى الإطْلاقِ.
وَقِيلَ: إنَّها أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ.
وَقِيلَ: بَلْ أُمُّها خديجة.
وَقِيلَ بَلْ عائشة.
وَقِيلَ: بَلْ بِالوَقْفِ في ذَلِكَ.
آل عمران 3:43
هذا مما قدم بالفضل، لأن السجود أفضل، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
فإن قيل: فالركوع قبله بالطبع والزمان والعادة، لأنه انتقال من علو إلى انخفاض. والعلو بالطبع قبل الانخفاض، فهلا قدم الركوع؟
الجواب أن يقال:
انتبه لمعنى الآية، من قوله ﴿ارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: اسجدي مع الساجدين، فإنما عبر بالسجود عن الصلاة، وأراد صلاتها في بيتها. لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها. ثم قال لها «ارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ» أي صلى مع المصلين في بيت المقدس، ولم يرد أيضا الركوع وحده، دون أجزاء الصلاة، ولكنه عبر بالركوع عن الصلاة، كما تقول: ركعت ركعتين وأربع ركعات، تريد الصلاة، لا الركوع بمجرده.
فصارت الآية متضمنة لصلاتين: صلاتها وحدها، عبر عنها بالسجود.
لأن السجود أفضل حالات العبد. وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها ثم صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع. لأنه في الفضل دون السجود.
وكذلك صلاتها مع المصلين، دون صلاتها في بيتها وحدها في محرابها.
وهذا نظم بديع، وفقه دقيق.
وأما قوله تعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ فقد أبعد السهيلي: النجعة فيما تعسفه من فائدة التقديم وأتى بما ينبو اللفظ عنه.
وقال غيره السجود كان في دينهم قبل الركوع وهذا قائل ما لا علم له به، والذي يظهر في الآية والله أعلم بمراده من كلامه أنها اشتملت على مطلق العبادة وتفصيلها فذكر الأعم ثم ما هو أخص منه ثم ما هو أخص من الأخص فذكر القنوت أولا وهو الطاعة الدائمة فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء وأنواع الطاعة ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يشرع وحده كسجود الشكر والتلاوة ويشرع في الصلاة فهو أخص من مطلق القنوت ثم ذكر الركوع الذي لا يشرع إلا في الصلاة فلا يسن الإتيان به منفردا فهو أخص مما قبله.
ففائدة الترتيب النزول من الأعم إلى الأخص إلى أخص منه وهما طريقتان معروفتان في الكلام النزول من الأعم إلى الأخص وعكسها وهو الترقي من الأخص إلى ما هو أعم منه إلى ما هو أعم ونظيرها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾
فذكر أربعة أشياء أخصها الركوع ثم السجود أعم منه ثم العبادة أعم من السجود ثم فعل الخير العام المتضمن لذلك كله والذي يزيد هذا وضوحا الكلام على ما ذكره بعد هذه الآية من قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فإنه ذكر أخص هذه الثلاثة وهو الطواف الذي لا يشرع إلا بالبيت خاصة ثم انتقل منه إلى الاعتكاف وهو القيام المذكور في الحج وهو أعم من الطواف لأنه يكون في كل مسجد ويختص بالمساجد لا يتعداها ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما منع منه مانع أو استثني شرعا.
وإن شئت قلت ذكر الطواف الذي هو أقرب العبادات بالبيت، ثم الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد ثم الصلاة التي تكون في البلد كله بل في كل بقعة.
فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة وله رحمه الله مزيد السبق وفضل التقدم.
(فائدة)
مَواضِعُ السَّجَداتِ في القُرْآنِ نَوْعانِ: إخْبارٌ، وأمْرٌ؛ فالإخْبارُ خَبَرٌ مِن اللَّهِ تَعالى عَنْ سُجُودِ مَخْلُوقاتِهِ لَهُ عُمُومًا أوْ خُصُوصًا، فَسُنَّ لِلتّالِي والسّامِعِ وُجُوبًا أوْ اسْتِحْبابًا أنْ يَتَشَبَّهَ بِهِمْ عِنْدَ تِلاوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ أوْ سَماعِها، وآياتُ الأوامِرِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وهَذا لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أمْرٍ وأمْرٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]: مُقْتَضِيًا لِلسُّجُودِ دُونَ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فالسّاجِدُ إمّا مُتَشَبِّهٌ بِمَن أُخْبِرَ عَنْهُ، أوْ مُمْتَثِلٌ لِما أُمِرَ بِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ في آخِر الحَجِّ كَما يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ في أوَّلِها؛ فَلَمّا سَوَّتْ السُّنَّةُ بَيْنَهُما سَوّى القِياسُ الصَّحِيحُ والِاعْتِبارُ الحَقُّ بَيْنَهُما.
وَهَذا السُّجُودُ شَرَعَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ عُبُودِيَّةً عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآياتِ واسْتِماعِها، وقُرْبَةً إلَيْهِ، وخُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وتَذَلُّلًا بَيْنَ يَدَيْهِ، واقْتِرانُ الرُّكُوعِ بِبَعْضِ آياتِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، ويُقَوِّيه، لا يُضْعِفُهُ ويُوهِيه، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وَأمّا قَوْله تَعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] فَإنَّما لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ لِأنَّهُ خَبَرٌ خاصٌّ عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ لِامْرَأةٍ بِعَيْنِها أنْ تُدِيمَ العِبادَةَ لِرَبِّها بِالقُنُوتِ وتُصَلِّيَ لَهُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؛ فَهو خَبَرٌ عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ لَها ذَلِكَ، وإعْلامٌ مِن اللَّهِ تَعالى لَنا أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ ذَلِكَ لِمَرْيَمَ.
فَسِياقُ ذَلِكَ غَيْرُ سِياقِ آياتِ السَّجَداتِ.
آل عمران 3:44
قال قتادة: كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم. فتشاحّ عليها بنو إسرائيل. فاقترعوا عليها بسهامهم، أيهم يكفلها. فقرع زكريا، وكان زوج أختها، فضمها إليه. ونحوه عن مجاهد.
وقال ابن عباس: لما وضعت مريم في المسجد اقترع عليها أهل المصلى، وهم يكتبون الوحي فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها وهذا متفق عليه بين أهل التفسير.
آل عمران 3:54
وَأما المَكْر الَّذِي وصف بِهِ نَفسه فَهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورُسُله فيقابل مَكْرهمْ السيئ بمكره الحسن فَيكون المَكْر مِنهُم أقبح شَيْء ومِنه أحسن شيء، لأنه عدل ومجازاة، وكَذَلِكَ المخادعة مِنهُ جَزاء على مخادعة رسله أوليائه فَلا أحسن من تِلْكَ المخادعة والمَكْر.
وَأما كَون الرجل يعْمل بِعَمَل أهل الجنَّة حَتّى ما يكون بَينه وبَينها إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَإن هَذا عمل أهل الجنَّة فِيما يظْهر للنّاس ولَو كانَ عملا صالحا مَقْبُولًا للجنة قد أحبه الله ورضيه لم يُبطلهُ عَلَيْهِ.
وَقَوله لم يبْق بَينه وبَينها إلّا ذِراع يشكل على هَذا التَّأْوِيل فَيُقال لما كانَ العَمَل بِآخِرهِ وخاتمته لم يصبر هَذا العامِل على عمله حَتّى يتم لَهُ بل كانَ فِيهِ آفَة كامنة ونكتة خذل بها في آخر عمره فخانته تِلْكَ الآفة والداهية والباطنة في وقت الحاجة فَرجع إلى مُوجبها وعملت عَملها ولَو لم يكن هُناكَ غش وآفَة لم يقلب الله إيمانه لقد أوردهُ مَعَ صدقه فِيهِ وإخلاصه بِغَيْر سَبَب مِنهُ يَقْتَضِي إفساده عَلَيْهِ والله يعلم من سائِر العباد ما لا يُعلمهُ بَعضهم من بعض
وَأما شَأْن إبْلِيس فَإن الله سُبْحانَهُ قالَ للْمَلائكَة ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تعلمُونَ﴾ فالرب تَعالى كانَ يعلم ما في قلب إبْلِيس من الكفْر والكبر والحسد ما لا يُعلمهُ المَلائِكَة فَلَمّا أمروا بِالسُّجُود ظهر ما في قُلُوبهم من الطّاعَة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إلى الِامْتِثال وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد فَأبى واستكبر وكانَ من الكافرين.
وَأما خوف أوليائه من مكره فَحق فَإنَّهُم يخافُونَ أن يخذلهم بِذُنُوبِهِمْ وخطاياهم فيصيرون إلى الشَّقاء فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لِرَحْمَتِهِ.
وَقَوله ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ إنَّما هو في حق الفجار والكفّار ومعنى الآيَة فَلا يعْصى ويأمن مُقابلَة الله لَهُ على مكر السَّيِّئات بمكره بِهِ إلّا القَوْم الخاسرون والَّذِي يخافه العارفون بِالله من مكره أن يُؤَخر عَنْهُم عَذاب الأفْعال فَيحصل مِنهُم نوع اغترار فيأنسوا بِالذنُوبِ فيجيئهم العَذاب على غرّة وفترة وأمر آخر وهو أن يغفلوا عَنهُ وينسوا ذكره فيتخلى عَنْهُم إذا تخلوا عَن ذكره وطاعته فيسرع إلَيْهِم البلاء والفتنة فَيكون مكره بهم تخليه عَنْهُم وأمر آخر أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نُفُوسهم فيأتيهم المَكْر من حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ وأمر آخر أن يمتحنهم ويبتليهم بِما لا صَبر لَهُم عَلَيْهِ فيفتنون بِهِ وذَلِكَ مكر.
آل عمران 3:59
فَأمّا قِياسُ العِلَّةِ فَقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مَواضِعَ، مِنها قَوْله تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ عِيسى نَظِيرُ آدَمَ في التَّكْوِينِ بِجامِعِ ما يَشْتَرِكانِ فِيهِ مِن المَعْنى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ وُجُودُ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، وهو مَجِيئُها طَوْعًا لِمَشِيئَتِهِ وتَكْوِينِهِ، فَكَيْفَ يُسْتَنْكَرُ وُجُودُ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ مَن يُقِرُّ بِوُجُودِ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ؟ ووُجُودِ حَوّاءَ مِن غَيْرِ أُمٍّ؟
فَآدَمُ وعِيسى نَظِيرانِ يَجْمَعُهُما المَعْنى الَّذِي يَصِحُّ تَعْلِيقُ الإيجادِ والخَلْقِ بِهِ.
آل عمران 3:72
(فصل)
ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية: أنهم إذا رأوا الأمر أو النهي مما أمروا به أو نهوا عنه شاقا عليهم، طلبوا التخلص منه بوجوه الحيل. فإن أعيتهم الحيل قالوا: هذا كان علينا لما كان لنا الملك والرياسة.
فمن ذلك: أنهم إذا أقام أخوان في موضع واحد، ومات أحدهما ولم يعقب ولدا، فلا تخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبي، بل ولد حميها ينكحها. وأول ولد ممن ينكحها ينسب إلى أخيه الدارج. فإن أبى أن ينكحها خرجت مشتكية منه إلى مشيخة قومه، تقول: قد أبى ابن حمى أن يستبقى اسما لأخيه في إسرائيل. ولم يرد نكاحى، فيحضره الحاكم هناك، ويكلفه أن يقف ويقول: ما أردت نكاحها. فتتناول المرأة نعله فيخرجه من رجله، وتمسكها بيدها وتبصق في وجهه، وتنادى عليه: كذا فليصنع بالرجل الذي لا يبنى بيت أخيه، ويدعى فيما بعد بالمخلوع النعل وينبز بنوه ببنى مخلوع النعل.
هذا كله مفترض عليهم فيما يزعمون في التوراة.
وفيه حكمة ملجئة للرجل إلى نكاح زوجة أخيه الدارج. فإنه إذا علم أن ذلك يناله إن لم ينكحها آثر نكاحها عليه. فإن كان مبغضا لها زاهدًا في نكاحها، أو كانت هى زاهدة في نكاحه مبغضه له، استخرج له الفقهاء حيلة يتخلص بها منها وتتخلص منه، فيلزمونها الحضور عند الحاكم بمحضر من مشايخهم، ويلقنونها أن تقول: أبى ابن حمى أن يقيم لأخيه اسما في إسرائيل، لم يرد نكاحى: فيلزمونها بالكذب عليه، لأنه أراد نكاحها وكرهته، وإذا لقنوها هذه الألفاظ قالتها، فيأمرونه بالكذب، وأن يقوم ويقول: ما أردت نكاحها. ولعل ذلك سؤله وأمنيته، فيأمرونه بأن يكذب، ولم يكفهم أن كذبوا عليه، وألزموه أن يكذب، حتى سلطوها على الإخراق به والبصاق في وجهه. ويسمون هذه مسألة "البياما والجالوس".
وقد تقدم من التنبيه على حيلهم في استباحتهم محارم الله تعالى بعض ما فيه كفاية.
فالقوم بيت الحيل والمكر، والخبث.
وقد كانوا يتنوعون في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنواع الحيل والكيد والمكر عليه وعلى أصحابه، ويرد الله سبحانه وتعالى ذلك كله عليهم.
فتحيلوا عليه وأرادوا قتله مرارا والله تعالى ينجيه من كيدهم.
فتحيلوا عليه وصعدوا فوق سطح وأخذوا رحا أرادوا طرحها عليه، وهو جالس في ظل حائط، فأتاه الوحى، فقام منصرفًا، وأخذ في حربهم وإجلائهم.
ومكروا به وظاهروا عليه أعداءه من المشركين، فظفره الله تعالى بهم.
ومكروا به وأخذوا في جمع العدو له فظفره الله تعالى برئيسهم، فقتله.
ومكروا به وأرادوا قتله بالسم، فأعلمه الله تعالى به، ونجاه منه.
ومكروا فسحروه، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء، ولم يفعله. فشفاه الله تعالى وخلصه.
ومكروا به في قولهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢].
يريدون بذلك تشكيك المسلمين في نبوته، فإنهم إذا أسلموا أول النهار اطمأن المسلمون إليهم، وقالوا: قد اتبعوا الحق، وظهرت لهم أدلته، فيكفرون آخر النهار، ويجحدون نبوته، ويقولون: لم نقصد إلا الحق واتباعه، فلما تبين لنا أنه ليس به رجعنا عن الإيمان به.
وهذا من أعظم خبثهم ومكرهم.
ولم يزالوا مُوضعِين مجتهدين في المكر والخبث إلى أن أخزاهم الله بيد رسوله وأتباعه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ورضى عنهم - أعظم الخزي، ومزقهم كل ممزق وشتت شملهم كل مشتت.
وكانوا يعاهدونه عليه الصلاة والسلام، ويصالحونه. فإذا خرج لحرب عدوه نقضوا عهده.
ولما سلب الله تعالى هذه الأمة ملكها وعزها، وأذلها، وقطعهم في الأرض، انتقلوا من التدبير بالقدرة والسلطان، إلى التدبير بالمكر والدهاء، والخيانة والخداع. وكذلك كل عاجز جبان سلطانه في مكره وخداعه، وبهته وكذبه، ولذلك كان النساء بيت المكر والخداع والكذب والخيانة، كما قال الله تعالى عن شاهد يوسف عليه السلام أن قال: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكن إنّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨].
آل عمران 3:93
تضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحا في إبطال النسخ. فإنه سبحانه وتعالى أخبر أن الطعام كله كان حلالا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة، سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه. ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته، وأن الذي كان لهم حلالا إنما هو بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده، إلى حين تنزل التوراة. ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم التي كانت حلالا لبني إسرائيل. وهذا محض النسخ.
وقوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ أي كانت حلالا لهم قبل نزول التوراة. وهم يعلمون ذلك ثم قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
هل تجدون فيها أن إسرائيل حرّم على نفسه ما حرمته التوراة عليكم، أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم، وهي لحوم الإبل وألبانها خاصة؟ وإذا كان إنما حرم هذا وحده، وكان ما سواه حلالا له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرا منه: ظهر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع، والحجر على الله تعالى في نسخها.
فتأمل هذا الوضع الشريف الذي حام حوله أكثر المفسرين، وما وردوه. وهذا أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام، عليهم بأن التوراة حرمت أشياء كثيرة من المناكح والذبائح، والأفعال والأقوال. وذلك نسخ بحكم البراءة الأصلية. فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا. فإن القوم لم ينكروا رفع البراءة الأصلية بالتحريم والإيجاب. إذ هذا شأن كل الشرائع. وإنما أنكروا تحريم ما أباحه الله تعالى، فيجعله حراما، وتحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا.
وأما رفع البراءة والاستصحاب. فلم ينكره أحد من أهل الملل.
آل عمران 3:94
تضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحا في إبطال النسخ. فإنه سبحانه وتعالى أخبر أن الطعام كله كان حلالا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة، سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه. ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته، وأن الذي كان لهم حلالا إنما هو بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده، إلى حين تنزل التوراة. ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم التي كانت حلالا لبني إسرائيل. وهذا محض النسخ.
وقوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ أي كانت حلالا لهم قبل نزول التوراة. وهم يعلمون ذلك ثم قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
هل تجدون فيها أن إسرائيل حرّم على نفسه ما حرمته التوراة عليكم، أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم، وهي لحوم الإبل وألبانها خاصة؟ وإذا كان إنما حرم هذا وحده، وكان ما سواه حلالا له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرا منه: ظهر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع، والحجر على الله تعالى في نسخها.
فتأمل هذا الوضع الشريف الذي حام حوله أكثر المفسرين، وما وردوه. وهذا أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام، عليهم بأن التوراة حرمت أشياء كثيرة من المناكح والذبائح، والأفعال والأقوال. وذلك نسخ بحكم البراءة الأصلية. فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا. فإن القوم لم ينكروا رفع البراءة الأصلية بالتحريم والإيجاب. إذ هذا شأن كل الشرائع. وإنما أنكروا تحريم ما أباحه الله تعالى، فيجعله حراما، وتحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا.
وأما رفع البراءة والاستصحاب. فلم ينكره أحد من أهل الملل.
آل عمران 3:95
تضمنت هذه الآيات بيان كذبهم صريحا في إبطال النسخ. فإنه سبحانه وتعالى أخبر أن الطعام كله كان حلالا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة، سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه. ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته، وأن الذي كان لهم حلالا إنما هو بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده، إلى حين تنزل التوراة. ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم التي كانت حلالا لبني إسرائيل. وهذا محض النسخ.
وقوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ أي كانت حلالا لهم قبل نزول التوراة. وهم يعلمون ذلك ثم قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
هل تجدون فيها أن إسرائيل حرّم على نفسه ما حرمته التوراة عليكم، أم تجدون فيها تحريم ما خصه بالتحريم، وهي لحوم الإبل وألبانها خاصة؟ وإذا كان إنما حرم هذا وحده، وكان ما سواه حلالا له ولبنيه، وقد حرمت التوراة كثيرا منه: ظهر كذبكم وافتراؤكم في إنكار نسخ الشرائع، والحجر على الله تعالى في نسخها.
فتأمل هذا الوضع الشريف الذي حام حوله أكثر المفسرين، وما وردوه. وهذا أولى من احتجاج كثير من أهل الكلام، عليهم بأن التوراة حرمت أشياء كثيرة من المناكح والذبائح، والأفعال والأقوال. وذلك نسخ بحكم البراءة الأصلية. فإن هذه المناظرة ضعيفة جدا. فإن القوم لم ينكروا رفع البراءة الأصلية بالتحريم والإيجاب. إذ هذا شأن كل الشرائع. وإنما أنكروا تحريم ما أباحه الله تعالى، فيجعله حراما، وتحليل ما كان حرمه فيجعله مباحا.
وأما رفع البراءة والاستصحاب. فلم ينكره أحد من أهل الملل.
آل عمران 3:96
(فائدة)
هل حجرة النبي ﷺ أفضل أم الكعبة؟
قال ابن عقيل: "سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي ﷺ أم الكعبة؟
فقلت: إن أردتَ مجرد الحجرة فالكعبة أفضل، وإن أردتَ وهو فيها فلا والله ولا العرش وحملته، ولا جنة عدن، ولا الأفلاك الدائرة، لأن بالحجرة جسدا لو وزن بالكونين لرجح.
[فصل: اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها]
وَمِن هَذا اخْتِيارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأماكِنِ والبِلادِ خَيْرَها وأشْرَفَها، وهي البَلَدُ الحَرامُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى اخْتارَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ، وجَعَلَهُ مَناسِكَ لِعِبادِهِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الإتْيانَ إلَيْهِ مِنَ القُرْبِ والبُعْدِ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، فَلا يَدْخُلُونَهُ إلّا مُتَواضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ كاشِفِي رُءُوسِهِمْ مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِباسِ أهْلِ الدُّنْيا، وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، ولا تُعْضَدُ بِهِ شَجَرَةٌ،
وَلا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ، ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمْلِيكِ بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إلّا، وجَعَلَ قَصْدَهُ مُكَفِّرًا لِما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ، ماحِيًا لِلْأوْزارِ، حاطًّا لِلْخَطايا، كَما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَن أتى هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»
وَلَمْ يَرْضَ لِقاصِدِهِ مِنَ الثَّوابِ دُونَ الجَنَّةِ، فَفي " السُّنَنِ " مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«تابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فَإنَّهُما يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوابٌ دُونَ الجَنَّةِ».
وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَهُما، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلّا الجَنَّةَ»، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ البَلَدُ الأمِينُ خَيْرَ بِلادِهِ، وأحَبَّها إلَيْهِ، ومُخْتارَهُ مِنَ البِلادِ؛ لَما جَعَلَ عَرَصاتِها مَناسِكَ لِعِبادِهِ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قَصْدَها، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن آكَدِ فُرُوضِ الإسْلامِ، وأقْسَمَ بِهِ في كِتابِهِ العَزِيزِ في مَوْضِعَيْنِ مِنهُ فَقالَ تَعالى: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣]، وقالَ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] ولَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ بُقْعَةٌ يَجِبُ عَلى كُلِّ قادِرٍ السَّعْيُ إلَيْها والطَّوافُ بِالبَيْتِ الَّذِي فِيها غَيْرَها، ولَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مَوْضِعٌ يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ واسْتِلامُهُ، وتُحَطُّ الخَطايا والأوْزارُ فِيهِ غَيْرَ الحَجَرِ الأسْوَدِ، والرُّكْنِ اليَمانِيِّ. وثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ الصَّلاةَ في المَسْجِدِ الحَرامِ بِمِائَةِ ألْفِ صَلاةٍ، فَفي " سُنَنِ النَّسائِيِّ " و" المُسْنَدِ " بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ عبد الله بن الزبير، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا أفْضَلُ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ، وصَلاةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ أفْضَلُ مِن صَلاةٍ في مَسْجِدِي هَذا بِمِائَةِ صَلاةٍ» ورَواهُ ابْنُ حِبّانَ في " صَحِيحِهِ " وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ أفْضَلُ بِقاعِ الأرْضِ عَلى الإطْلاقِ، ولِذَلِكَ كانَ شَدُّ الرِّحالِ إلَيْهِ فَرْضًا، ولِغَيْرِهِ مِمّا يُسْتَحَبُّ ولا يَجِبُ، وفي " المُسْنَدِ " والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ عَنْ عبد الله بن عدي بن الحمراء، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو واقِفٌ عَلى راحِلَتِهِ بِالحَزْوَرَةِ مِن مَكَّةَ يَقُولُ: «واللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ اللَّهِ وأحَبُّ أرْضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولَوْلا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنكِ ما خَرَجْتُ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
بَلْ ومِن خَصائِصِها كَوْنُها قِبْلَةً لِأهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ، فَلَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ قِبْلَةٌ غَيْرُها.
وَمِن خَواصِّها أيْضًا أنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِقْبالُها واسْتِدْبارُها عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ دُونَ سائِرِ بِقاعِ الأرْضِ.
وَأصَحُّ المَذاهِبِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الفَضاءِ والبُنْيانِ لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا قَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولَيْسَ مَعَ المُفَرِّقِ ما يُقاوِمُها ألْبَتَّةَ مَعَ تَناقُضِهِمْ في مِقْدارِ الفَضاءِ والبُنْيانِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ اسْتِيفاءِ الحِجاجِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
وَمِن خَواصِّها أيْضًا أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ أوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ، كَما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبي ذر قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ؟ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ أرْبَعُونَ عامًا» وقَدْ أشْكَلَ هَذا الحَدِيثُ عَلى مَن لَمْ يَعْرِفِ المُرادَ بِهِ فَقالَ: مَعْلُومٌ أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ هو الَّذِي بَنى المَسْجِدَ الأقْصى، وبَيْنَهُ وبَيْنَ إبْراهِيمَ أكْثَرُ مِن ألْفِ عامٍ، وهَذا مِن جَهْلِ هَذا القائِلِ، فَإنَّ سُلَيْمانَ إنَّما كانَ لَهُ مِنَ المَسْجِدِ الأقْصى تَجْدِيدُهُ لا تَأْسِيسُهُ، والَّذِي أسَّسَهُ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وآلِهِما وسَلَّمَ بَعْدَ بِناءِ إبْراهِيمَ الكَعْبَةَ بِهَذا المِقْدارِ.
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِها أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّها أُمُّ القُرى، فالقُرى كُلُّها تَبَعٌ لَها وفَرْعٌ عَلَيْها، وهي أصْلُ القُرى، فَيَجِبُ ألّا يَكُونَ لَها في القُرى عَدِيلٌ، فَهي كَما أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ (الفاتِحَةِ) أنَّها أُمُّ القُرْآنِ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ لَها في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَدِيلٌ.
وَمِن خَصائِصِها أنَّها لا يَجُوزُ دُخُولُها لِغَيْرِ أصْحابِ الحَوائِجِ المُتَكَرِّرَةِ إلّا بِإحْرامٍ، وهَذِهِ خاصِّيَّةٌ لا يُشارِكُها فِيها شَيْءٌ مِنَ البِلادِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ تَلَقّاها النّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِإسْنادٍ لا يُحْتَجُّ بِهِ مَرْفُوعًا «لا يَدْخُلُ أحَدٌ مَكَّةَ إلّا بِإحْرامٍ، مِن أهْلِها ومِن غَيْرِ أهْلِها» ذَكَرَهُ أبُو أحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، ولَكِنَّ الحَجّاجَ بْنَ أرْطاةَ في الطَّرِيقِ، وآخَرَ قَبْلَهُ مِنَ الضُّعَفاءِ.
وَلِلْفُقَهاءِ في المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: النَّفْيُ، والإثْباتُ، والفَرْقُ بَيْنَ مَن هو داخِلُ المَواقِيتِ ومَن هو قَبْلَها، فَمَن قَبْلَها لا يُجاوِزُها إلّا بِإحْرامٍ، ومَن هو داخِلُها فَحُكْمُهُ حُكْمُ أهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ أبي حنيفة، والقَوْلانِ الأوَّلانِ لِلشّافِعِيِّ وأحمد.
وَمِن خَواصِّهِ أنَّهُ يُعاقَبُ فِيهِ عَلى الهَمِّ بِالسَّيِّئاتِ وإنْ لَمْ يَفْعَلْها، قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]
فَتَأمَّلْ كَيْفَ عَدّى فِعْلَ الإرادَةِ هاهُنا بِالباءِ، ولا يُقالُ: أرَدْتُ بِكَذا إلّا لِما ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلِ " هَمَّ " فَإنَّهُ يُقالُ: هَمَمْتُ بِكَذا، فَتَوَعَّدَ مَن هَمَّ بِأنْ يَظْلِمَ فِيهِ بِأنْ يُذِيقَهُ العَذابَ الألِيمَ.
وَمِن هَذا تَضاعُفُ مَقادِيرِ السَّيِّئاتِ فِيهِ لا كَمِّيّاتِها، فَإنَّ السَّيِّئَةَ جَزاؤُها سَيِّئَةٌ، لَكِنْ سَيِّئَةٌ كَبِيرَةٌ جَزاؤُها مِثْلُها، وصَغِيرَةٌ جَزاؤُها مِثْلُها، فالسَّيِّئَةُ في حَرَمِ اللَّهِ وبَلَدِهِ وعَلى بِساطِهِ آكَدُ وأعْظَمُ مِنها في طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ، ولِهَذا لَيْسَ مَن عَصى المَلِكَ عَلى بِساطِ مُلْكِهِ كَمَن عَصاهُ في المَوْضِعِ البَعِيدِ مِن دارِهِ وبِساطِهِ، فَهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في تَضْعِيفِ السَّيِّئاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَدْ ظَهَرَ سِرُّ هَذا التَّفْضِيلِ والِاخْتِصاصِ في انْجِذابِ الأفْئِدَةِ وهَوى القُلُوبِ وانْعِطافِها ومَحَبَّتِها لِهَذا البَلَدِ الأمِينِ، فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أعْظَمُ مِن جَذْبِ المِغْناطِيسِ لِلْحَدِيدِ، فَهو الأوْلى بِقَوْلِ القائِلِ:
؎محاسِنُهُ هَيُولى كُلِّ حُسْنٍ ∗∗∗ ومِغْناطِيسُ أفْئِدَةِ الرِّجالِ
وَلِهَذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَثابَةٌ لِلنّاسِ، أيْ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ عَلى تَعاقُبِ الأعْوامِ مِن جَمِيعِ الأقْطارِ، ولا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا، بَلْ كُلَّما ازْدادُوا لَهُ زِيارَةً ازْدادُوا لَهُ اشْتِياقًا.
؎لا يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْها حِينَ يَنْظُرُها ∗∗∗ حَتّى يَعُودَ إلَيْها الطَّرْفُ مُشْتاقًا
فَلَلَّهِ كَمْ لَها مِن قَتِيلٍ وسَلِيبٍ وجَرِيحٍ، وكَمْ أُنْفِقَ في حُبِّها مِنَ الأمْوالِ والأرْواحِ، ورَضِيَ المُحِبُّ بِمُفارَقَةِ فِلَذِ الأكْبادِ، والأهْلِ والأحْبابِ والأوْطانِ، مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ أنْواعَ المَخاوِفِ والمَتالِفِ والمَعاطِفِ والمَشاقِّ، وهو يَسْتَلِذُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَسْتَطِيبُهُ ويَراهُ - لَوْ ظَهَرَ سُلْطانُ المَحَبَّةِ في قَلْبِهِ - أطْيَبَ مِن نِعَمِ المُتَحَلِّيَةِ وتَرَفِهِمْ ولَذّاتِهِمْ.
؎وَلَيْسَ مُحِبًّا مَن يَعُدُّ شَقاءَهُ ∗∗∗ عَذابًا إذا ما كانَ يَرْضى حَبِيبُهُ
وَهَذا كُلُّهُ سِرُّ إضافَتِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] فاقْتَضَتْ هَذِهِ الإضافَةُ الخاصَّةُ مِن هَذا الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ والمَحَبَّةِ ما اقْتَضَتْهُ، كَما اقْتَضَتْ إضافَتُهُ لِعَبْدِهِ ورَسُولِهِ إلى نَفْسِهِ ما اقْتَضَتْهُ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ إضافَتُهُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ كَسَتْهم مِنَ الجَلالِ والمَحَبَّةِ والوَقارِ ما كَسَتْهُمْ، فَكُلُّ ما أضافَهُ الرَّبُّ تَعالى إلى نَفْسِهِ فَلَهُ مِنَ المَزِيَّةِ والِاخْتِصاصِ عَلى غَيْرِهِ ما أوْجَبَ لَهُ الِاصْطِفاءَ والِاجْتِباءَ، ثُمَّ يَكْسُوهُ بِهَذِهِ الإضافَةِ تَفْضِيلًا آخَرَ، وتَخْصِيصًا وجَلالَةً زائِدًا عَلى ما كانَ لَهُ قَبْلَ الإضافَةِ، ولَمْ يُوَفَّقْ لِفَهْمِ هَذا المَعْنى مَن سَوّى بَيْنَ الأعْيانِ والأفْعالِ والأزْمانِ والأماكِنِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا مَزِيَّةَ لِشَيْءٍ مِنها عَلى شَيْءٍ، وإنَّما هو مُجَرَّدُ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحٍ، وهَذا القَوْلُ باطِلٌ بِأكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ وجْهًا قَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ويَكْفِي تَصَوُّرُ هَذا المَذْهَبِ الباطِلِ في فَسادِهِ، فَإنَّ مَذْهَبَنا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ ذَواتُ الرُّسُلِ كَذَواتِ أعْدائِهِمْ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما التَّفْضِيلُ بِأمْرٍ لا يَرْجِعُ إلى اخْتِصاصِ الذَّواتِ بِصِفاتٍ ومَزايا لا تَكُونُ لِغَيْرِها، وكَذَلِكَ نَفْسُ البِقاعِ واحِدَةٌ بِالذّاتِ لَيْسَ لِبُقْعَةٍ عَلى بُقْعَةٍ مَزِيَّةٌ ألْبَتَّةَ، وإنَّما هو لِما يَقَعُ فِيها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَلا مَزِيَّةَ لِبُقْعَةِ البَيْتِ، والمَسْجِدِ الحَرامِ، ومِنًى، وعَرَفَةَ، والمَشاعِرِ عَلى أيِّ بُقْعَةٍ سَمَّيْتُها مِنَ الأرْضِ، وإنَّما التَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ أمْرٍ خارِجٍ عَنِ البُقْعَةِ لا يَعُودُ إلَيْها ولا إلى وصْفٍ قائِمٍ بِها.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ الباطِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أيْ: لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ أهْلًا ولا صالِحًا لِتَحَمُّلِ رِسالَتِهِ، بَلْ لَها مَحالُّ مَخْصُوصَةٌ لا تَلِيقُ إلّا بِها، ولا تَصْلُحُ إلّا لَها، واللَّهُ أعْلَمُ بِهَذِهِ المَحالِّ مِنكم.
وَلَوْ كانَتِ الذَّواتُ مُتَساوِيَةً كَما قالَ هَؤُلاءِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] أيْ: هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَن يَشْكُرُهُ عَلى نِعْمَتِهِ، فَيَخْتَصُّهُ بِفَضْلِهِ ويَمُنُّ عَلَيْهِ مِمَّنْ لا يَشْكُرُهُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَحَلٍّ يَصْلُحُ لِشُكْرِهِ، واحْتِمالِ مِنَّتِهِ، والتَّخْصِيصِ بِكَرامَتِهِ.
فَذَواتُ ما اخْتارَهُ واصْطَفاهُ مِنَ الأعْيانِ والأماكِنِ والأشْخاصِ وغَيْرِها مُشْتَمِلَةٌ عَلى صِفاتٍ وأُمُورٍ قائِمَةٍ بِها لَيْسَتْ لِغَيْرِها، ولِأجْلِها اصْطَفاها اللَّهُ، وهو سُبْحانَهُ الَّذِي فَضَّلَها بِتِلْكَ الصِّفاتِ، وخَصَّها بِالِاخْتِيارِ، فَهَذا خَلْقُهُ، وهَذا اخْتِيارُهُ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٧].
وَما أبْيَنَ بُطْلانِ رَأْيٍ يَقْضِي بِأنَّ مَكانَ البَيْتِ الحَرامِ مُساوٍ لِسائِرِ الأمْكِنَةِ، وذاتَ الحَجَرِ الأسْوَدِ مُساوِيَةٌ لِسائِرِ حِجارَةِ الأرْضِ، وذاتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُساوِيَةٌ لِذاتِ غَيْرِهِ، وإنَّما التَّفْضِيلُ في ذَلِكَ بِأُمُورٍ خارِجَةٍ عَنِ الذّاتِ والصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، وهَذِهِ الأقاوِيلُ وأمْثالُها مِنَ الجِناياتِ الَّتِي جَناها المُتَكَلِّمُونَ عَلى الشَّرِيعَةِ ونَسَبُوها إلَيْها وهي بَرِيئَةٌ مِنها، ولَيْسَ مَعَهم أكْثَرُ مِنَ اشْتِراكِ الذَّواتِ في أمْرٍ عامٍّ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ تَساوِيها في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المُخْتَلِفاتِ قَدْ تَشْتَرِكُ في أمْرٍ عامٍّ مَعَ اخْتِلافِها في صِفاتِها النَّفْسِيَّةِ، وما سَوّى اللَّهُ تَعالى بَيْنَ ذاتِ المِسْكِ وذاتِ البَوْلِ أبَدًا، ولا بَيْنَ ذاتِ الماءِ وذاتِ النّارِ أبَدًا، والتَّفاوُتُ البَيِّنُ بَيْنَ الأمْكِنَةِ الشَّرِيفَةِ وأضْدادِها والذَّواتِ الفاضِلَةِ وأضْدادِها أعْظَمُ مِن هَذا التَّفاوُتِ بِكَثِيرٍ، فَبَيْنَ ذاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذاتِ فرعون مِنَ التَّفاوُتِ أعْظَمُ مِمّا بَيْنَ المِسْكِ والرَّجِيعِ، وكَذَلِكَ التَّفاوُتُ بَيْنَ نَفْسِ الكَعْبَةِ وبَيْنَ بَيْتِ السُّلْطانِ أعْظَمُ مِن هَذا التَّفاوُتِ أيْضًا بِكَثِيرٍ، فَكَيْفَ تُجْعَلُ البُقْعَتانِ سَواءً في الحَقِيقَةِ والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ ما يَقَعُ هُناكَ مِنَ العِباداتِ والأذْكارِ والدَّعَواتِ؟!.
وَلَمْ نَقْصِدِ اسْتِيفاءَ الرَّدِّ عَلى هَذا المَذْهَبِ المَرْدُودِ المَرْذُولِ، وإنَّما قَصَدْنا تَصْوِيرَهُ، وإلى اللَّبِيبِ العادِلِ العاقِلِ التَّحاكُمُ ولا يَعْبَأُ اللَّهُ وعِبادُهُ بِغَيْرِهِ شَيْئًا، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَصِّصُ شَيْئًا، ولا يُفَضِّلُهُ ويُرَجِّحُهُ إلّا لِمَعْنًى يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ وتَفْضِيلَهُ، نَعَمْ هو مُعْطِي ذَلِكَ المُرَجِّحَ وواهِبُهُ، فَهو الَّذِي خَلَقَهُ، ثُمَّ اخْتارَهُ بَعْدَ خَلْقِهِ، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾.