Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — آل عمران 3:97 – النساء 4:59

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. آل عمران 3:97
  2. آل عمران 3:101
  3. آل عمران 3:103
  4. آل عمران 3:104
  5. آل عمران 3:106
  6. آل عمران 3:107
  7. آل عمران 3:110
  8. آل عمران 3:111
  9. آل عمران 3:116
  10. آل عمران 3:117
  11. آل عمران 3:121
  12. آل عمران 3:123
  13. آل عمران 3:130
  14. آل عمران 3:137
  15. آل عمران 3:139
  16. آل عمران 3:144
  17. آل عمران 3:147
  18. آل عمران 3:150
  19. آل عمران 3:152
  20. آل عمران 3:155
  21. آل عمران 3:159
  22. آل عمران 3:160
  23. آل عمران 3:169
  24. آل عمران 3:170
  25. آل عمران 3:173
  26. آل عمران 3:175
  27. آل عمران 3:179
  28. آل عمران 3:185
  29. آل عمران 3:186
  30. آل عمران 3:190
  31. آل عمران 3:191
  32. آل عمران 3:193
  33. آل عمران 3:200
  34. النساء 4:3
  35. النساء 4:5
  36. النساء 4:11
  37. النساء 4:12
  38. النساء 4:17
  39. النساء 4:18
  40. النساء 4:19
  41. النساء 4:22
  42. النساء 4:23
  43. النساء 4:24
  44. النساء 4:25
  45. النساء 4:26
  46. النساء 4:27
  47. النساء 4:28
  48. النساء 4:29
  49. النساء 4:31
  50. النساء 4:32
  51. النساء 4:56
  52. النساء 4:58
  53. النساء 4:59

آل عمران 3:97

قوله تعالى: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ (٩٧)﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وَهَذا إمّا خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في خَبَرِهِ تَعالى. وَإمّا خَبَرٌ عَنْ شَرْعِهِ ودِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ في حَرَمِهِ. وَإمّا إخْبارٌ عَنِ الأمْرِ المَعْهُودِ المُسْتَمِرِّ في حَرَمِهِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] وَما عَدا هَذا مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ مِنَ النّارِ. وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: كانَ آمِنًا مِنَ المَوْتِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَكَمْ مِمَّنْ دَخَلَهُ وهو في قَعْرِ الجَحِيمِ. (فصل) ﴿حج البيت﴾ مبتدأ وخبره في أحد المجرورين قبله والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله ﴿على الناس﴾ لأنه وجوب والوجوب يقتضي على ويجوز أن يكون في قوله ولله لأنه يتضمن الوجوب والاستحقاق ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط الفائدة وموضعها وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير، وكان الأحق أن يكون ولله. ويرجح الوجه الأول بأن يقال قوله: "حج البيت على الناس" أكثر استعمالا في باب الوجوب من أن يقال حج البيت لله تعالى أي حق واجب لله فتأمله. وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول وليس بخبر فائدتان: إحداهما: أنه اسم للموجب للحج فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب فتضمنت الآية ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع أحدها: الموجب لهذا الفرض فبدئ بذكره والثاني: مؤدي الواجب وهو المفترض عليه وهم الناس. والثالث: النسبة والحق المتعلق به إيجابا وبهم وجوبا وأداء وهو الحج. والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان لله تعالى اسما سبحانه وجب الاهتمام بتقديمه تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه وتخويفا من تضييعه إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما أوجبه غيره وأما قوله: (مَن) فهي بدل وقد استهوى طائفة من الناس بأنها فاعل المصدر كأنه قال: "أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا" وهذا القول يضعف من وجوه منها أن الحج فرض عين ولو كان معنى الآية ما ذكره لأفهم فرض الكفاية لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم لأن المعنى يؤول إلى ولله على الناس أن يحج البيت مستطيعهم فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبا على غير المستطيعين وليس الأمر كذلك بل الحج فرض عين على كل أحد حج المستطيعون أو قعدوا ولكن الله سبحانه عذر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب فلا يؤاخذه به ولا يطالبه بأدائه فإذا حج أسقط الفرض عن نفسه وليس حج المستطيعين بمسقط للفرض عن العاجزين وإن أردت زيادة إيضاح فإذا قلت: واجب على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعة للجهاد فإذا جاهدت تلك الطائفة انقطع تعلق الوجوب عن غيرهم وإذا قلت: واجب على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع كان الوجوب متعلقا بالجميع وعذر العاجز بعجزه ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن يقال ولله حج البيت على المستطيعين هذه النكتة البديعة فتأملها الوجه الثاني: أن إضافة المصدر إلى الفاعل إذا وجد أولى من إضافته إلى المفعول ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول فلو كان من هو الفاعل لأضيف المصدر إليه وكان يقال ولله على الناس حج البيت من استطاع وحمله على باب يعجبني ضرب زيدا عمرو مما يفصل به بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول والظرف حمل على المكثور المرجوح وهي قراءة ابن عامر قتل أولادهم بفتح الدال شركائهم فلا يصار إليه وإذا ثبت أن من بدل بعض من كل وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود إلى الناس كأنه قيل: من استطاع منهم وحذف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يحسن وحسنه هاهنا أمور منها أن من واقعة على من يعقل كالاسم المبدل منه فارتبطت به. ومنها: أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول ولو كانت الصلة أعم لقبح حذف الضمير العائد ومثال ذلك إذا قلت: رأيت أخواتك من ذهب إلى السوق تريد من ذهب منهم لكان قبيحا لأن الذاهب إلى السوق أعم من الأخوة وكذلك لو قلت البس الثياب ما حسن وجمل تريد منها ولم تذكر الضمير لكان أبعد في الجواز لأن لفظ ما حسن أعم من الثياب وباب بدل البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه فإذا كان أعم وأضفته إلى ضمير أو قيدته بضمير يعود إلى الأول ارتفع العموم وبقي الخصوص ومما حسن حذف الضمير في هذه الآية أيضا مع ما تقدم طول الكلام بالصلة والموصول وأما المجرور من قوله إليه فيحتمل وجهين أحدهما: أن يكون في موضع حال من سبيل كأنه نعت نكرة قدم عليها لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل والثاني أن يكون متعلقا بسبيل. فإن قيل: كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟ قيل: السبيل كان هاهنا عبارة عن الموصل إلى البيت من قوت وزاد ونحوهما كان فيه رائحة الفعل ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق فصلح تعلق المجرور به واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير لأنه ضمير يعود على البيت والبيت هو المقصود به الاعتناء وهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعني هذا تعبير السهيلي وهو بعيد جدا بل الصواب في متعلق الجار والمجرور وجه آخر أحسن من هذين ولا يليق بالآية سواه وهو الوجوب المفهوم من قوله على الناس أي يجب على الناس الحج فهو حق واجب وأما تعليقه بالسبيل أو جعله حالا منها ففي غاية البعد فتأمله. ولا يكاد يخطر بالبال من الآية وهذا كما يقول لله عليك الحج ولله عليك الصلاة والزكاة ومن فوائد الآية وأسرارها أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر والنهي وهو الأكثر أو بلفظ الإيجاب والكتاب والتحريم نحو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ نظم الآية وتأكد الوجوب. وفي الحج أتى بهذا النظم الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه: أحدها: أن قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على ثم أبدل منه أهل الاستطاعة ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي سبيل تيسرت من قوت أو مال فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال: ومن كفر أي بعدم التزام هذا الواجب وتركه ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره باستغنائه عنه والله تعالى هو الغني الحميد ولا حاجة به إلى حج أحد وإنما في ذكر استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو من أعظم التهديد وأبلغه ثم أكد ذلك بذكر اسم العالمين عموما ولم يقل فإن الله غني عنه لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل وجه عن كل أحد بكل اعتبار وكان أدل على عظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه ثم أكد هذا المعنى بأداة إن الدالة على التوكيد فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكيد هذا الغرض العظيم وتأمل سر البدل في الآية المقتضى لذكر الإسناد مرتين مرة بإسناده إلى عموم الناس ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرار الإسناد ولهذا كان فيه نية تكرار العامل وإعادته ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين وحلتين اعتناء به وتأكيدا لشأنه ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما يدعو النفوس إلى قصده وحجه وإن لم يطلب ذلك منها فقال: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ فوصفه بخمس صفات أحدها: أنه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض. الثاني: أنه مبارك والبركة كثرة الخير ودوامه وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق الثالث: أنه هدى وصفه بالمصدر نفسه مبالغة حتى كأنه هو نفس الهدى الرابع: ما تضمنه من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية الخامس: الأمن لداخله وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار ثم أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات وهذا يدلك على الاعتناء منه سبحانه بهذا البيت العظيم والتنويه بذكره والتعظيم لشأنه والرفعة من قدره ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه وسلبت نفوسهم حبا له وشوقا إلى رؤيته فهو المثابة للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا أبدا كلما ازدادوا له زيادة ازدادوا له حبا وإليه اشتياقا فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسلبهم كما قيل: ؎أطوف به والنفس بعد مشوقة ∗∗∗ إليه وهل بعد الطواف تداني ؎وألثم منه الركن أطلب برد ما ∗∗∗ بقلبي من شوق ومن هيمان ؎فو الله ما أزداد إلا صبابة ∗∗∗ ولا القلب إلا كثرة الخفقان ؎فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ∗∗∗ ويا منيتي من دون كل أمان ؎أبت غلبات الشوق إلا تقربا ∗∗∗ إليك فما لي بالبعاد يدان ؎وما كان صدى عنك صد ملالة ∗∗∗ ولي شاهد من مقلني ولساني ؎دعوت اصطباري عنك بعدك والبكا ∗∗∗ فلبى البكا والصبر عنك عصاني ؎وقد زعموا أن المحب إذا نأى ∗∗∗ سيبلى هواه بعد طول زمان ؎ولو كان هذا الزعم حقا لكان ذا ∗∗∗ دواء الهوى في الناس كل أوان ؎بل إنه يبلى التصبر والهوى ∗∗∗ على حاله لم يبله الملوان ؎وهذا محب قاده الشوق والهوى ∗∗∗ بغير زمام قائد وعنان ؎أتاك على بعد المزار ولو ونت ∗∗∗ مطيته جاءت به القدمان

آل عمران 3:101

(فصل) لما رأى المتيقظون سطوة الدُنْيا بِأهْلِها وخداع الأمل لأربابه وتملك الشَّيْطان وقياد النُّفُوس رَأوْا الدولة للنَّفس الأمارة لجأوا إلى حصن التضرّع والالتجاء كَما يأوي العَبْد المذعور إلى حرم سَيّده سَيّده شهوات الدُّنْيا كلعب الخيال ونظر الجاهِل مَقْصُور على الظّاهِر فَأما ذُو العقل فَيرى ما ووراء السّتْر لاحَ لَهُم المشتهى فَلَمّا مدوا أيدي التَّناوُل بانَ لأبصار البصائر خبط الفخ فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثّانِي ﴿ياليت قومِي يعلمُونَ﴾ تلمح القَوْم الوُجُود ففهموا المَقْصُود فَأجْمعُوا الرحيل قبل الرحيل وشمروا للسير في سَواء السَّبِيل فالنّاس مشتغلون بالفضلات وهم في قطع الفلوات وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذّبْح وقع ثعلبان في شبكة فَقالَ أحدهما للْآخر أيْن المُلْتَقى بعد هَذا فَقالَ بعد يَوْمَيْنِ في الدباغة تالله ما كانَت الأيّام إلا مناما فليستيقظوا وقد حصلوا على الظفر ما مضى من الدُّنْيا أحْلام وما بَقِي مِنها أماني والوَقْت ضائع بَينهما كَيفَ يسلم من لَهُ زَوْجَة لا ترحمه وولد لا يعذرهُ وجار لا يأمنه وصاحب لا ينصحه وشريك لا ينصفه وعدو لا ينام عَن معاداته ونَفس أمارَة بالسوء ودُنْيا متزيّنة وهوى مرد وشهوة غالبة لَهُ وغَضب قاهر وشَيْطان مزين وضعف مستول عَلَيْهِ فَإن تولاه الله وجذبه إلَيْهِ انقهرت لَهُ هَذِه كلها وإن تخلى عَنهُ ووكله إلى نَفسه اجْتمعت عَلَيْهِ فَكانَت الهلكة لما أعرض النّاس عَن تحكيم الكتاب والسّنة والمحاكمة إلَيْهِما واعتقدوا عدم الِاكْتِفاء بهما وعدلُوا إلى الآراء والقِياس والِاسْتِحْسان وأقوال الشُّيُوخ عرض لَهُم من ذَلِك فَساد في فطرهم وظلمة في قُلُوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عُقُولهمْ وعمتهم هَذِه الأُمُور وغلبت عَلَيْهِم حَتّى رَبِّي فِيها الصَّغِير وهرم عَلَيْها الكَبِير فَلم يروها مكرا فجاءتهم دولة أُخْرى قامَت فِيها البدع مقام السّنَن والنَّفس مقام العقل والهوى مقام الرشد والظلال مقام الهدى والمُنكر مقام المَعْرُوف والجهل مقام العلم والرياء مقام الإخْلاص والباطِل مقام الحق والكذب مقام الصدْق والمداهنة مقام النَّصِيحَة والظُّلم مقام العدْل فَصارَت الدولة والغَلَبَة لهَذِهِ الأُمُور وأهْلها هم المشار إلَيْهِم وكانَت قبل ذَلِك لأضدادها وكانَ أهلها هم المشار إلَيْهِم فَإذا رَأيْت دولة هَذِه الأُمُور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الأرْض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوَحْش أسلم من مُخالطَة النّاس.

آل عمران 3:103

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الِاعْتِصامِ] ثُمَّ يَنْزِلُ القَلْبُ مَنزِلَ الِاعْتِصامِ. وَهُوَ نَوْعانِ: اعْتِصامٌ بِاللَّهِ، واعْتِصامٌ بِحَبْلِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقالَ ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]. والِاعْتِصامُ افْتِعالٌ مِنَ العِصْمَةِ، وهو التَّمَسُّكُ بِما يَعْصِمُكَ، ويَمْنَعُكَ مِن المَحْذُورِ والمَخُوفِ، فالعِصْمَةُ: الحِمْيَةُ، والِاعْتِصامُ: الِاحْتِماءُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القِلاعُ: العَواصِمَ، لِمَنعِها وحِمايَتِها. وَمَدارُ السَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلى الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ، والِاعْتِصامِ بِحَبْلِهِ، ولا نَجاةَ إلّا لِمَن تَمَسَّكَ بِهاتَيْنِ العِصْمَتَيْنِ. فَأمّا الِاعْتِصامُ بِحَبْلِهِ فَإنَّهُ يَعْصِمُ مِنَ الضَّلالَةِ، والِاعْتِصامُ بِهِ يَعْصِمُ مِنَ الهَلَكَةِ، فَإنَّ السّائِرَ إلى اللَّهِ كالسّائِرِ عَلى طَرِيقٍ نَحْوَ مَقْصِدِهِ، فَهو مُحْتاجٌ إلى هِدايَةِ الطَّرِيقِ، والسَّلامَةِ فِيها، فَلا يَصِلُ إلى مَقْصِدِهِ إلّا بَعْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَهُ، فالدَّلِيلُ كَفِيلٌ بِعِصْمَتِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وأنْ يَهْدِيَهُ إلى الطَّرِيقِ، والعُدَّةِ والقُوَّةِ والسِّلاحِ الَّتِي بِها تَحْصُلُ لَهُ السَّلامَةُ مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ وآفاتِها. فالِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ يُوجِبُ لَهُ الهِدايَةَ واتِّباعَ الدَّلِيلِ، والِاعْتِصامُ بِاللَّهِ، يُوجِبُ لَهُ القُوَّةَ والعُدَّةَ والسِّلاحَ، والمادَّةَ الَّتِي يَسْتَلْئِمُ بِها في طَرِيقِهِ، ولِهَذا اخْتَلَفَتْ عِباراتُ السَّلَفِ في الِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، بَعْدَ إشارَتِهِمْ كُلِّهِمْ إلى هَذا المَعْنى. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الجَماعَةُ، وقالَ: عَلَيْكم بِالجَماعَةِ، فَإنَّها حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ، وإنَّ ما تَكْرَهُونَ في الجَماعَةِ خَيْرٌ مِمّا تُحِبُّونَ في الفُرْقَةِ. وَقالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ: بِعَهْدِ اللَّهِ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: هو القُرْآنُ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ هَذا القُرْآنَ هو حَبْلُ اللَّهِ، وهو النُّورُ المُبِينُ، والشِّفاءُ النّافِعُ، وعِصْمَةُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ، ونَجاةُ مَن تَبِعَهُ» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في القُرْآنِ «هُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، ولا تَخْتَلِفُ بِهِ الألْسُنُ، ولا يَخْلَقُ عَلى كَثْرَةِ الرَّدِّ، ولا يَشْبَعُ مِنهُ العُلَماءُ». وَقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، ولا تَفَرَّقُوا كَما تَفَرَّقَتِ اليَهُودُ والنَّصارى. وَفِي المُوَطَّأِ مِن حَدِيثِ مالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا، ويَسْخَطُ لَكم ثَلاثًا، يَرْضى لَكم أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وأنْ تُناصِحُوا مَن ولّاهُ اللَّهُ أمْرَكُمْ، ويَسْخَطُ لَكم قِيلَ وقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ. قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ هو المُحافَظَةُ عَلى طاعَتِهِ، مُراقِبًا لِأمْرِهِ. وَيُرِيدُ بِمُراقَبَةِ الأمْرِ القِيامَ بِالطّاعَةِ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِها وأحَبَّها، لا لِمُجَرَّدِ العادَةِ، أوْ لِعِلَّةٍ باعِثَةٍ سِوى امْتِثالِ الأمْرِ، كَما قالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ في التَّقْوى: هي العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ، وتَرْكُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَخافُ عِقابَ اللَّهِ. وَهَذا هو الإيمانُ والِاحْتِسابُ المُشارُ إلَيْهِ في كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: " «مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا» " و" «مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ» " فالصِّيامُ والقِيامُ: هو الطّاعَةُ والإيمانُ: مُراقَبَةُ الأمْرِ. وإخْلاصُ الباعِثِ: هو أنْ يَكُونَ الإيمانُ الآمِرَ لا شَيْءَ سِواهُ. والِاحْتِسابُ: رَجاءُ ثَوابِ اللَّهِ. فالِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ يَحْمِي مِنَ البِدْعَةِ وآفاتِ العَمَلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فَصْلٌ) وَأمّا الِاعْتِصامُ بِهِ فَهو التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، والِامْتِناعُ بِهِ، والِاحْتِماءُ بِهِ، وسُؤالُهُ أنْ يَحْمِيَ العَبْدَ ويَمْنَعَهُ، ويَعْصِمَهُ ويَدْفَعَ عَنْهُ، فَإنَّ ثَمَرَةَ الِاعْتِصامِ بِهِ هو الدَّفْعُ عَنِ العَبْدِ، واللَّهُ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، فَيَدْفَعُ عَنْ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ إذا اعْتَصَمَ بِهِ كُلَّ سَبَبٍ يُفْضِي بِهِ إلى العَطَبِ، ويَحْمِيهِ مِنهُ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وكَيْدَ عَدُوِّهِ الظّاهِرَ والباطِنَ، وشَرَّ نَفْسِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ مُوجِبَ أسْبابِ الشَّرِّ بَعْدَ انْعِقادِها، بِحَسَبِ قُوَّةِ الِاعْتِصامِ بِهِ وتَمَكُّنِهِ، فَتُفْقَدُ في حَقِّهِ أسْبابُ العَطَبِ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ مُوجِباتِها ومُسَبِّباتِها، ويَدْفَعُ عَنْهُ قَدَرَهَ بِقَدَرِهِ، وإرادَتَهُ بِإرادَتِهِ، ويُعِيذُهُ بِهِ مِنهُ. فَصْلٌ. وَأمّا صاحِبُ المَنازِلِ فَقالَ: الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ التَّرَقِّي عَنْ كُلِّ مَوْهُومٍ. المَوْهُومُ عِنْدَهُ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، والتَّرَقِّي عَنْهُ الصُّعُودُ مِن شُهُودِ نَفْعِهِ وضُرِّهِ وعَطائِهِ ومَنعِهِ وتَأْثِيرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى الفَناءِ. ومُرادُهُ: الصُّعُودُ عَنْ شُهُودِ ما سِوى اللَّهِ إلى اللَّهِ. والكَمالُ في ذَلِكَ: الصُّعُودُ عَنْ إرادَةِ ما سِوى اللَّهِ إلى إرادَتِهِ. والِاتِّحادِيُّ يُفَسِّرُهُ بِالصُّعُودِ عَنْ وُجُودِ ما سِواهُ إلى وُجُودِهِ، بِحَيْثُ لا يَرى لِغَيْرِهِ وُجُودًا البَتَّةَ، ويَرى وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ هو وُجُودُهُ، فَلا وُجُودَ لِغَيْرِهِ إلّا في الوَهْمِ الكاذِبِ عِنْدَهُ. قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: اعْتِصامِ العامَّةِ بِالخَبَرِ، اسْتِسْلامًا وإذْعانًا، بِتَصْدِيقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَعْظِيمِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وتَأْسِيسِ المُعامَلَةِ عَلى اليَقِينِ والإنْصافِ. يَعْنِي أنَّ العامَّةَ اعْتَصَمُوا بِالخَبَرِ الوارِدِ عَنِ اللَّهِ، اسْتِسْلامًا مِن غَيْرِ مُنازَعَةٍ، بَلْ إيمانًا واسْتِسْلامًا، وانْقادُوا إلى تَعْظِيمِ الأمْرِ والنَّهْيِ والإذْعانِ لَهُما، والتَّصْدِيقِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وأسَّسُوا مُعامَلَتَهم عَلى اليَقِينِ، لا عَلى الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ، وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الِاحْتِياطِ، كَما قالَ القائِلُ: ؎زَعَمَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ كِلاهُما ∗∗∗ لا تُبْعَثُ الأجْسادُ قُلْتُ إلَيْكُما ؎إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي فالخَسارُ عَلَيْكُما هَذا طَرِيقُ أهْلِ الرَّيْبِ والشَّكِّ يَقُومُونَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ احْتِياطًا، وهَذِهِ الطَّرِيقُ لا تُنْجِي مِن عَذابِ اللَّهِ ولا تُحَصِّلُ لِصاحِبِها السَّعادَةَ، ولا تُوصِلُهُ إلى المَأْمَنِ. وَأمّا الإنْصافُ الَّذِي أسَّسُوا مُعامَلَتَهم عَلَيْهِ فَهو الإنْصافُ في مُعامَلَتِهِمْ لِلَّهِ ولِخَلْقِهِ. فَأمّا الإنْصافُ في مُعامَلَةِ اللَّهِ فَأنْ يُعْطِيَ العُبُودِيَّةَ حَقَّها، وأنْ لا يُنازِعَ رَبَّهُ صِفاتِ إلَهِيَّتِهِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِالعَبْدِ ولا تَنْبَغِي لَهُ مِنَ العَظَمَةِ، والكِبْرِياءِ، والجَبَرُوتِ. وَمِن إنْصافِهِ لِرَبِّهِ أنْ لا يَشْكُرَ سِواهُ عَلى نِعَمِهِ ويَنْساهُ، ولا يَسْتَعِينَ بِها عَلى مَعاصِيهِ، ولا يَحْمَدَ عَلى رِزْقِهِ غَيْرَهُ، ولا يَعْبُدَ سِواهُ، كَما في الأثَرِ الإلَهِيِّ: «إنِّي والجِنُّ والإنْسُ في نَبَإٍ عَظِيمٍ أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ سِوايَ،» وفي أثَرٍ آخَرَ: «ابْنَ آدَمَ ما أنْصَفْتَنِي، خَيْرِي إلَيْكَ نازِلٌ، وشَرُّكَ إلَيَّ صاعِدٌ، أتَحَبَّبُ إلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وأنا عَنْكَ غَنِيٌّ، وتَتَبَغَّضُ إلَيَّ بِالمَعاصِي وأنْتَ فَقِيرٌ إلَيَّ، ولا يَزالُ المَلَكُ الكَرِيمُ يَعْرُجُ إلَيَّ مِنكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ» وَفِي أثَرٍ آخَرَ: «يا ابْنَ آدَمَ، ما مِن يَوْمٍ جَدِيدٍ، إلّا يَأْتِيكَ مِن عِنْدِي رِزْقٌ جَدِيدٌ، وتَأْتِي عَنْكَ المَلائِكَةُ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ، تَأْكُلُ رِزْقِي وتَعْصِينِي، وتَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ لَكَ، وتَسْألُنِي فَأُعْطِيكَ، وأنا أدْعُوكَ إلى جَنَّتِي فَتَأْبى ذَلِكَ،» وما هَذا مِنَ الإنْصافِ. وَأمّا الإنْصافُ في حَقِّ العَبِيدِ فَأنْ يُعامِلَهم بِمِثْلِ ما يُحِبُّ أنْ يُعامِلُوهُ بِهِ. وَلَعَمْرُ اللَّهِ هَذا الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ اعْتِصامُ العامَّةِ. هو اعْتِصامُ خاصَّةِ الخاصَّةِ في الحَقِيقَةِ، ولَكِنَّ الشَّيْخَ مِمَّنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمُ الفَناءِ فَشَمَّرَ إلَيْهِ، فَلا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا يَرى مَقامًا أجَلَّ مِنهُ. فَصْلٌ. قالَ: واعْتِصامُ الخاصَّةِ بِالِانْقِطاعِ، وهو صَوْنُ الإرادَةِ قَبْضًا، وإسْبالُ الخُلُقِ عَلى الخَلْقِ بَسْطًا، ورَفْضُ العَلائِقِ عَزْمًا، وهو التَّمَسُّكُ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى. يُرِيدُ انْقِطاعَ النَّفْسِ عَنْ أغْراضِها مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَيَصُونُ إرادَتَهُ، ويَقْبِضُها عَمّا سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهَذا شَبِيهٌ بِحالِ أبِي يَزِيدَ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ لَمّا قِيلَ لَهُ: ما تُرِيدُ؟ فَقالَ: أُرِيدُ أنْ لا أُرِيدَ. الثّانِي: إسْبالُ الخُلُقِ عَلى الخَلْقِ بَسْطًا، وهَذا حَقِيقَةُ التَّصَوُّفِ، فَإنَّهُ كَما قالَ أبُو بَكْرٍ الكَتّانِيُّ: التَّصَوُّفُ خُلُقٌ، فَمَن زادَ عَلَيْكَ في الخُلُقِ زادَ عَلَيْكَ في التَّصَوُّفِ. فَإنَّ حُسْنَ الخُلُقِ وتَزْكِيَةَ النَّفْسِ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ يَدُلُّ عَلى سَعَةِ قَلْبِ صاحِبِهِ، وكَرَمِ نَفْسِهِ وسَجِيَّتِهِ. وفي هَذا الوَصْفِ يَكُفُّ الأذى، ويَحْمِلُ الأذى ويُوجِدُ الرّاحَةَ، ويُدِيرُ خَدَّهُ الأيْسَرَ لِمَن لَطَمَ الأيْمَنَ، ويُعْطِي رِداءَهُ لِمَن سَلَبَهُ قَمِيصَهُ، ويَمْشِي مِيلَيْنِ مَعَ مَن سَخَّرَهُ مِيلًا، وهَذا عَلامَةُ انْقِطاعِهِ عَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ وأغْراضِها. وَأمّا رَفْضُ العَلائِقِ عَزْمًا فَهو العَزْمُ التّامُّ عَلى رَفْضِ العَلائِقِ، وتَرْكِها في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. والأصْلُ هو قَطْعُ عَلائِقِ الباطِنِ، فَمَتى قَطَعَها لَمْ تَضُرَّهُ عَلائِقُ الظّاهِرِ، فَمَتى كانَ المالُ في يَدِكَ ولَيْسَ في قَلْبِكَ لَمْ يَضُرَّكَ ولَوْ كَثُرَ، ومَتى كانَ في قَلْبِكَ ضَرَّكَ ولَوْ لَمْ يَكُنْ في يَدِكَ مِنهُ شَيْءٌ. قِيلَ لِلْإمامِ أحْمَدَ: أيَكُونُ الرَّجُلُ زاهِدًا، ومَعَهُ ألْفُ دِينارٍ؟ قالَ: نَعَمْ عَلى شَرِيطَةِ ألّا يَفْرَحَ إذا زادَتْ ولا يَحْزَنَ إذا نَقَصَتْ، ولِهَذا كانَ الصَّحابَةُ أزْهَدَ الأُمَّةِ مَعَ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأمْوالِ. وَقِيلَ لِسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: أيَكُونُ ذُو المالِ زاهِدًا؟ قالَ: نَعَمْ إنْ كانَ إذا زِيدَ في مالِهِ شَكَرَ، وإنْ نَقَصَ شَكَرَ وصَبَرَ. وَإنَّما يُحْمَدُ قَطْعُ العَلائِقِ الظّاهِرَةِ في مَوْضِعَيْنِ: حَيْثُ يَخافُ مِنها ضَرَرًا في دِينِهِ أوْ حَيْثُ لا يَكُونُ فِيها مَصْلَحَةً راجِحَةً، والكَمالُ مِن ذَلِكَ قِطَعُ العَلائِقِ الَّتِي تَصِيرُ كَلالِيبَ عَلى الصِّراطِ تَمْنَعُهُ مِنَ العُبُورِ، وهي كَلالِيبُ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، ولا يَضُرُّهُ ما تَعَلَّقَ بِهِ بَعْدَها. فَصْلٌ. قالَ: واعْتِصامُ خاصَّةِ الخاصَّةِ: بِالِاتِّصالِ، وهو شُهُودُ الحَقِّ تَفْرِيدًا، بَعْدَ الِاسْتِحْذاءِ لَهُ تَعْظِيمًا، والِاشْتِغالِ بِهِ قُرْبًا. لَمّا كانَ ذَلِكَ الِانْقِطاعُ مُوَصِّلًا إلى هَذا الِاتِّصالِ كانَ ذَلِكَ لِلْمُتَوَسِّطِينَ، وهَذا عِنْدَهُ لِأهْلِ الوُصُولِ. وَيَعْنِي بِشُهُودِ الحَقِّ تَفْرِيدًا أنْ يَشْهَدَ الحَقَّ سُبْحانَهُ وحْدَهُ مُنْفَرِدًا، ولا شَيْءَ مَعَهُ، وذَلِكَ لِفَناءِ الشّاهِدِ في الشُّهُودِ، والحَوالَةِ في ذَلِكَ عِنْدَ القَوْمِ: عَلى الكَشْفِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذا لَيْسَ بِكَمالٍ، وأنَّ الكَمالَ أنْ يَفْنى بِمُرادِهِ عَنْ مُرادِ نَفْسِهِ، وأمّا فَناؤُهُ بِشُهُودِهِ عَنْ شُهُودِ ما سِواهُ فَدُونَ هَذا الفَناءِ في الرُّتْبَةِ كَما تَقَدَّمَ وَأمّا قَوْلُهُ: بَعْدَ الِاسْتِحْذاءِ لَهُ تَعْظِيمًا، فالشَّيْخُ لِكَثْرَةِ لَهْجِهِ بِالِاسْتِعاراتِ عَبَّرَ عَنْ مَعْنًى لَطِيفٍ عَظِيمٍ بِلَفْظَةِ الِاسْتِحْذاءِ الَّتِي هي اسْتِفْعالٌ مِنَ المُحاذاةِ، وهي المُقابَلَةُ الَّتِي لا يَبْقى فِيها جُزْءٌ مِنَ المُحاذِي خارِجًا عَمّا حاذاهُ، بَلْ قَدْ واجَهَهُ وقابَلَهُ بِكُلِّيَّتِهِ وجَمِيعِ أجْزائِهِ. ومُرادُهُ بِذَلِكَ: القُرْبُ، وارْتِفاعُ الوَسائِطِ المانِعَةِ مِنهُ، ولا رَيْبَ أنَّ العَبْدَ يَقْرُبُ مِن رَبِّهِ، والرَّبَّ يَقْرُبُ مِن عَبْدِهِ، فَأمّا قُرْبُ العَبْدِ فَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وقَوْلِهِ في الأثَرِ الإلَهِيِّ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا» وكَقَوْلِهِ: «وَما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي»، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أقْرَبُ ما يَكُونُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ في جَوْفِ اللَّيْلِ الأخِيرِ» وفي الحَدِيثِ أيْضًا «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمّا ارْتَفَعَتْ أصْواتُهم بِالتَّكْبِيرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في السَّفَرِ فَقالَ «يا أيُّها النّاسُ، ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ». فَعَبَّرَ الشَّيْخُ عَنْ طَلَبِ القُرْبِ مِنهُ، ورَفْضِ الوَسائِطِ الحائِلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ القُرْبِ المَطْلُوبِ الَّذِي لا تَقَرُّ عُيُونُ عابِدِيهِ وأوْلِيائِهِ إلّا بِهِ بِالِاسْتِحْذاءِ. وحَقِيقَتُهُ مُوافاةُ العَبْدِ إلى حَضْرَتِهِ وقُدّامِهِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ، عَكْسُ حالِ مَن نَبَذَهُ وراءَهُ ظِهْرِيًّا، وأعْرَضَ عَنْهُ ونَأى بِجانِبِهِ، بِمَنزِلَةِ مَن ولّى المُطاعَ ظَهْرَهُ، ومالَ بِشِقِّهِ عَنْهُ. وَهَذا الأمْرُ لا يُدْرَكُ مَعْناهُ إلّا بِوُجُودِهِ وذَوْقِهِ، وأحْسَنُ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعِبارَةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وأقْرَبُ عِباراتِ القَوْمِ أنَّهُ التَّقْرِيبُ بِرَفْعِ الوَسائِطِ الَّتِي بِارْتِفاعِها يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ حَقِيقَةُ التَّعْظِيمِ، فَلِذَلِكَ قالَ " الِاسْتِحْذاءُ لَهُ تَعْظِيمًا ". وَمَن أرادَ فَهْمَ هَذا كَما يَنْبَغِي فَعَلَيْهِ بِفَهْمِ اسْمِهِ تَعالى الباطِنِ وفَهْمِ اسْمِهِ القَرِيبِ مَعَ امْتِلاءِ القَلْبِ بِحُبِّهِ، ولَهْجِ اللِّسانِ بِذِكْرِهِ، ومِن هاهُنا يُؤْخَذُ العَبْدُ إلى الفَناءِ الَّذِي كانَ مُشَمِّرًا إلَيْهِ، عامِلًا عَلَيْهِ.

آل عمران 3:104

فَخَصَّ هَؤُلاءِ بِالفَلاحِ دُونَ مَن عَداهُمْ، والدّاعُونَ إلى الخَيْرِ هم الدّاعُونَ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، لا الدّاعُونَ إلى رَأْيِ فُلانٍ وفُلانٍ. [فصل: الفرق بين النصيحة والتأنيب] والفرق بين النصيحة والتأنيب أن النصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه والغيرة له وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقّة ومراد الناصح بها وجه اللّه ورضاه والإحسان إلى خلقه فيتلطف في بذلها غاية التلطف ويحتمل أذى المنصوح ولائمته ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق للمريض المشبع مرضا وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن فهذا شأن الناصح. وأما المؤنب فهو رجل قصده التعيير والإهانة وذم من أنّبه وشتمه في صورة النصح فهو يقول له يا فاعل كذا وكذا يا مستحقا للذم والإهانة في صورة ناصح مشفق، وعلامة هذا أنه لو رأى من يحبه ويحسن إليه على مثل عملي هذا أو شر منه لمن يعرض له ولم يقل له شيئا ويطلب له وجوه المعاذير فإن غلب قال وإني ضمنت له العصمة، والإنسان عرضة للخطأ ومحاسنه أكثر من مساويه واللّه غفور رحيم ونحو ذلك فيا عجبا كيف كان هذا لمن يحبه دون أن يبغضه وكيف كان حظ ذلك منك التأنيب في صورة النصح وحظ هذا منك رجاء العفو والمغفرة وطلب وجوه المعاذير. ومن الفروق بين الناصح والمؤنب أن الناصح لا يعاديك إذا لم تقبل نصيحته، وقال قد وقع أجري على اللّه قبلت أو لم تقبل ويدعو لك بظهر الغيب ولا يذكر عيوبك ولا يبينها في الناس، والمؤنب بضد ذلك.

آل عمران 3:106

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ (١٠٧)} قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنّة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل الفرقة والبدعة.

آل عمران 3:107

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ (١٠٧)} قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنّة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل الفرقة والبدعة.

آل عمران 3:110

[إنْكارُ المُنْكَرِ وشُرُوطُهُ] المِثالُ الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرَعَ لِأُمَّتِهِ إيجابَ إنْكارِ المُنْكَرِ لِيَحْصُلَ بِإنْكارِهِ مِن المَعْرُوفِ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَإذا كانَ إنْكارُ المُنْكَرِ يَسْتَلْزِمُ ما هو أنْكَرُ مِنهُ وأبْغَضُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنَّهُ لا يَسُوغُ إنْكارُهُ، وإنْ كانَ اللَّهُ يُبْغِضُهُ ويَمْقُتُ أهْلَهُ، وهَذا كالإنْكارِ عَلى المُلُوكِ والوُلاةِ بِالخُرُوجِ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّهُ أساسُ كُلِّ شَرٍّ وفِتْنَةٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، «وَقَدْ اسْتَأْذَنَ الصَّحابَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في قِتالِ الأُمَراءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وقْتِها، وقالُوا: أفَلا نُقاتِلُهُمْ؟ فَقالَ: لا، ما أقامُوا الصَّلاةَ» وقالَ: «مَن رَأى مِن أمِيرِهِ ما يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ ولا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِن طاعَتِهِ» ومَن تَأمَّلَ ما جَرى عَلى الإسْلامِ في الفِتَنِ الكِبارِ والصِّغارِ رَآها مِن إضاعَةِ هَذا الأصْلِ وعَدَمِ الصَّبْرِ عَلى مُنْكَرٍ؛ فَطَلَبَ إزالَتَهُ فَتَوَلَّدَ مِنهُ ما هو أكْبَرُ مِنهُ؛ فَقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرى بِمَكَّةَ أكْبَرَ المُنْكَراتِ ولا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَها، بَلْ لَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ وصارَتْ دارَ إسْلامٍ عَزَمَ عَلى تَغْيِيرِ البَيْتِ ورَدِّهِ عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ، ومَنَعَهُ مِن ذَلِكَ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - خَشْيَةُ وُقُوعِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ مِن عَدَمِ احْتِمالِ قُرَيْشٍ لِذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالإسْلامِ وكَوْنِهِمْ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِهَذا لَمْ يَأْذَنْ في الإنْكارِ عَلى الأُمَراءِ بِاليَدِ؛ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن وُقُوعِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ كَما وُجِدَ سَواءٌ. [إنْكارُ المُنْكَرِ أرْبَعُ دَرَجاتٍ] فَإنْكارُ المُنْكَرِ أرْبَعُ دَرَجاتٍ؛ الأُولى: أنْ يَزُولَ ويَخْلُفَهُ ضِدُّهُ، الثّانِيَةُ: أنْ يَقِلَّ وإنْ لَمْ يَزُلْ بِجُمْلَتِهِ، الثّالِثَةُ: أنْ يَخْلُفَهُ ما هو مِثْلُهُ، الرّابِعَةُ: أنْ يَخْلُفَهُ ما هو شَرٌّ مِنهُ؛ فالدَّرَجَتانِ الأُولَيانِ مَشْرُوعَتانِ، والثّالِثَةُ مَوْضِعُ اجْتِهادٍ، والرّابِعَةُ مُحَرَّمَةٌ؛ فَإذا رَأيْت أهْلَ الفُجُورِ والفُسُوقِ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ كانَ إنْكارُك عَلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الفِقْهِ والبَصِيرَةِ إلّا إذا نَقَلْتَهم مِنهُ إلى ما هو أحَبُّ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ كَرَمْيِ النُّشّاب وسِباقِ الخَيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا رَأيْت الفُسّاقَ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلى لَهْوٍ ولَعِبٍ أوْ سَماعِ مُكاء وتَصْدِيَةٍ فَإنْ نَقَلْتَهم عَنْهُ إلى طاعَةِ اللَّهِ فَهو المُرادُ، وإلّا كانَ تَرْكُهم عَلى ذَلِكَ خَيْرًا مِن أنْ تُفْرِغَهم لِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَكانَ ما هم فِيهِ شاغِلًا لَهم عَنْ ذَلِكَ، وكَما إذا كانَ الرَّجُلُ مُشْتَغِلًا بِكُتُبِ المُجُونِ ونَحْوِها وخِفْت مِن نَقْلِهِ عَنْها انْتِقالَهُ إلى كُتُبِ البِدَعِ والضَّلالِ والسِّحْرِ فَدَعْهُ وكُتُبَهُ الأُولى، وهَذا بابٌ واسِعٌ؛ وسَمِعْت شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ ونَوَّرَ ضَرِيحَهُ يَقُولُ: مَرَرْت أنا وبَعْضُ أصْحابِي في زَمَنِ التَّتارِ بِقَوْمٍ مِنهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَن كانَ مَعِي، فَأنْكَرْت عَلَيْهِ، وقُلْت لَهُ: إنّما حَرَّمَ اللَّهُ الخَمْرَ لِأنَّها تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنْ الصَّلاةِ، وهَؤُلاءِ يَصُدُّهم الخَمْرُ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وأخْذِ الأمْوالِ فَدَعْهم. (فائدة) وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: إنّ اللَّهَ اطَّلَعَ في قُلُوبِ العِبادِ فَرَأى قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ العِبادِ فاخْتارَهُ لِرِسالَتِهِ. ثُمَّ اطَّلَعَ في قُلُوبِ العِبادِ بَعْدَهُ فَرَأى قُلُوبَ أصْحابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ العِبادِ فاخْتارَهم لِصُحْبَتِهِ، فَما رَآهُ المُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ الله حَسَنٌ، وما رَآهُ المُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ.

آل عمران 3:111

قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلاّ أذًى﴾ وتقدير الدخول في هذا أظهر إذ المعنى لن ينالوا منكم إلا أذى وأما الضرر فإنهم لن ينالوه منكم ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ فنفى لحوق ضرر كيدهم بهم مع أنهم لا يسلمون من أذى يلحقهم بكيدهم ولو أنه بالإرهاب والكلام وإلجائهم إلى محاربتهم وما ينالهم بها من الأذى والتعب ولكن ليس ذلك بضارهم ففرق بين الأذى والضرر.

آل عمران 3:116

هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن أنْفَقَ مالَهُ في غَيْرِ طاعَتِهِ ومَرْضاتِهِ، فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُنْفِقُهُ هَؤُلاءِ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ والمَفاخِرِ وكَسْبِ الثَّناءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، وما يُنْفِقُونَهُ لِيَصُدُّوا بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ، بِالزَّرْعِ الَّذِي زَرَعَهُ صاحِبُهُ يَرْجُو نَفْعَهُ وخَيْرَهُ فَأصابَتْهُ رِيحٌ شَدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا، يُحْرِقُ بَرْدُها ما يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن الزَّرْعِ والثِّمارِ، فَأهْلَكَتْ ذَلِكَ الزَّرْعَ وأيْبَسَتْهُ. واخْتُلِفَ في الصِّرِّ؛ فَقِيلَ: البَرْدُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: النّارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وُصِفَتْ النّارُ بِأنَّها صِرٌّ لِتَصْرِيَتِها عِنْدَ الِالتِهابِ، وقِيلَ: الصِّرُّ الصَّوْتُ الَّذِي يَصْحَبُ الرِّيحَ مِن شِدَّةِ هُبُوبِها، والأقْوالُ الثَّلاثَةُ مُتَلازِمَةٌ؛ فَهو بَرْدٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ بِيَبْسِهِ لِلْحَرْثِ كَما تُحْرِقُهُ النّارُ، وفِيهِ صَوْتٌ شَدِيدٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَبَبَ إصابَتِها لِحَرْثِهِمْ هو ظُلْمُهُمْ؛ فَهو الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ المَذْكُورَةَ حَتّى أهْلَكَتْ زَرْعَهم وأيْبَسَتْهُ، فَظُلْمُهم هو الرِّيحُ الَّتِي أهْلَكَتْ أعْمالَهم ونَفَقاتِهِمْ وأتْلَفَتْها.

آل عمران 3:117

هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن أنْفَقَ مالَهُ في غَيْرِ طاعَتِهِ ومَرْضاتِهِ، فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُنْفِقُهُ هَؤُلاءِ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ والمَفاخِرِ وكَسْبِ الثَّناءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، وما يُنْفِقُونَهُ لِيَصُدُّوا بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ، بِالزَّرْعِ الَّذِي زَرَعَهُ صاحِبُهُ يَرْجُو نَفْعَهُ وخَيْرَهُ فَأصابَتْهُ رِيحٌ شَدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا، يُحْرِقُ بَرْدُها ما يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن الزَّرْعِ والثِّمارِ، فَأهْلَكَتْ ذَلِكَ الزَّرْعَ وأيْبَسَتْهُ. واخْتُلِفَ في الصِّرِّ؛ فَقِيلَ: البَرْدُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: النّارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وُصِفَتْ النّارُ بِأنَّها صِرٌّ لِتَصْرِيَتِها عِنْدَ الِالتِهابِ، وقِيلَ: الصِّرُّ الصَّوْتُ الَّذِي يَصْحَبُ الرِّيحَ مِن شِدَّةِ هُبُوبِها، والأقْوالُ الثَّلاثَةُ مُتَلازِمَةٌ؛ فَهو بَرْدٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ بِيَبْسِهِ لِلْحَرْثِ كَما تُحْرِقُهُ النّارُ، وفِيهِ صَوْتٌ شَدِيدٌ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَبَبَ إصابَتِها لِحَرْثِهِمْ هو ظُلْمُهُمْ؛ فَهو الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ المَذْكُورَةَ حَتّى أهْلَكَتْ زَرْعَهم وأيْبَسَتْهُ، فَظُلْمُهم هو الرِّيحُ الَّتِي أهْلَكَتْ أعْمالَهم ونَفَقاتِهِمْ وأتْلَفَتْها.

آل عمران 3:121

قالَ الزُّهْرِيُّ، وعاصم بن عمر، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ وغَيْرُهُمْ: كانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلاءٍ وتَمْحِيصٍ، اخْتَبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وأظْهَرَ بِهِ المُنافِقِينَ مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ الإسْلامَ بِلِسانِهِ، وهو مُسْتَخْفٍ بِالكُفْرِ، فَأكْرَمَ اللَّهُ فِيهِ مَن أرادَ كَرامَتَهُ بِالشَّهادَةِ مِن أهْلِ وِلايَتِهِ، فَكانَ مِمّا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في يَوْمِ أُحُدٍ سِتُّونَ آيَةً مِن آلِ عِمْرانَ، أوَّلُها: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى آخِرِ القِصَّةِ. [فَصْلٌ فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الغَزاةُ مِنَ الأحْكامِ والفِقْهِ] مِنها: أنَّ الجِهادَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، حَتّى إنَّ مَن لَبِسَ لَأْمَتَهُ وشَرَعَ في أسْبابِهِ، وتَأهَّبَ لِلْخُرُوجِ، لَيْسَ لَهُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ الخُرُوجِ حَتّى يُقاتِلَ عَدُوَّهُ. وَمِنها: أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ إذا طَرَقَهم عَدُوُّهم في دِيارِهِمُ الخُرُوجُ إلَيْهِ، بَلْ يَجُوزُ لَهم أنْ يَلْزَمُوا دِيارَهُمْ، ويُقاتِلُوهم فِيها إذا كانَ ذَلِكَ أنْصَرَ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما أشارَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ. وَمِنها: جَوازُ سُلُوكِ الإمامِ بِالعَسْكَرِ في بَعْضِ أمْلاكِ رَعِيَّتِهِ إذا صادَفَ ذَلِكَ طَرِيقَهُ، وإنْ لَمْ يَرْضَ المالِكُ. وَمِنها: أنَّهُ لا يَأْذَنُ لِمَن لا يُطِيقُ القِتالَ مِنَ الصِّبْيانِ غَيْرِ البالِغِينَ، بَلْ يَرُدُّهم إذا خَرَجُوا، كَما رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ عُمَرَ ومَن مَعَهُ. وَمِنها: جَوازُ الغَزْوِ بِالنِّساءِ، والِاسْتِعانَةِ بِهِنَّ في الجِهادِ. وَمِنها: جَوازُ الِانْغِماسِ في العَدُوِّ، كَما انْغَمَسَ أنس بن النضر وغَيْرُهُ. وَمِنها: أنَّ الإمامَ إذا أصابَتْهُ جِراحَةٌ صَلّى بِهِمْ قاعِدًا، وصَلَّوْا وراءَهُ قُعُودًا، كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الغَزْوَةِ، واسْتَمَرَّتْ عَلى ذَلِكَ سُنَّتُهُ إلى حِينِ وفاتِهِ وَمِنها: جَوازُ دُعاءِ الرَّجُلِ أنَّ يُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَمَنِّيهِ ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا مِن تَمَنِّي المَوْتِ المَنهِيِّ عَنْهُ، كَما قالَ عبد الله بن جحش: «اللَّهُمَّ لَقِّنِي مِنَ المُشْرِكِينَ رَجُلًا عَظِيمًا كُفْرُهُ، شَدِيدًا حَرَدُهُ، فَأُقاتِلُهُ، فَيَقْتُلُنِي فِيكَ، ويَسْلُبُنِي، ثُمَّ يَجْدَعُ أنْفِي، وأُذُنِي، فَإذا لَقِيتُكَ، فَقُلْتَ: يا عبد الله بن جحش، فِيمَ جُدِعْتَ؟ قُلْتُ: فِيكَ يا رَبُّ». وَمِنها: أنَّ المُسْلِمَ إذا قَتَلَ نَفْسَهُ فَهو مِن أهْلِ النّارِ لِقَوْلِهِ ﷺ في قزمان الَّذِي أبْلى يَوْمَ أُحُدٍ بَلاءً شَدِيدًا، فَلَمّا اشْتَدَّتْ بِهِ الجِراحُ نَحَرَ نَفْسَهُ، فَقالَ ﷺ: «هُوَ مِن أهْلِ النّارِ». وَمِنها: أنَّ السُّنَّةَ في الشَّهِيدِ أنَّهُ لا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلّى عَلَيْهِ ولا يُكَفَّنُ في غَيْرِ ثِيابِهِ بَلْ يُدْفَنُ فِيها بِدَمِهِ وكُلُومِهِ، إلّا أنْ يُسْلَبَها، فَيُكَفَّنَ في غَيْرِها. وَمِنها: أنَّهُ إذا كانَ جُنُبًا غُسِّلَ كَما غَسَّلَتِ المَلائِكَةُ حنظلة بن أبي عامر. وَمِنها: أنَّ السُّنَّةَ في الشُّهَداءِ أنْ يُدْفَنُوا في مَصارِعِهِمْ، ولا يُنْقَلُوا إلى مَكانٍ آخَرَ، فَإنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ نَقَلُوا قَتْلاهم إلى المَدِينَةِ، فَنادى مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأمْرِ بِرَدِّ القَتْلى إلى مَصارِعِهِمْ، قالَ جابر: «بَيْنا أنا في النَّظّارَةِ إذْ جاءَتْ عَمَّتِي بِأبِي وخالِي عادَلَتْهُما عَلى ناضِحٍ، فَدَخَلَتْ بِهِما المَدِينَةَ لِنَدْفِنَهُما في مَقابِرِنا، وَجاءَ رَجُلٌ يُنادِي: ألا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكم أنْ تَرْجِعُوا بِالقَتْلى، فَتَدْفِنُوها في مَصارِعِها حَيْثُ قُتِلَتْ. قالَ: فَرَجَعْنا بِهِما، فَدَفَنّاهُما في القَتْلى حَيْثُ قُتِلا، فَبَيْنا أنا في خِلافَةِ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ إذْ جاءَنِي رَجُلٌ، فَقالَ: يا جابر، واللَّهِ لَقَدْ أثارَ أباكَ عُمّالُ معاوية، فَبَدا، فَخَرَجَ طائِفَةٌ مِنهُ، قالَ: فَأتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ عَلى النَّحْوِ الَّذِي تَرَكْتُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ. قالَ: فَوارَيْتُهُ، فَصارَتْ سُنَّةً في الشُّهَداءِ أنْ يُدْفَنُوا في مَصارِعِهِمْ». وَمِنها: جَوازُ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ أوِ الثَّلاثَةِ في القَبْرِ الواحِدِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كانَ يَدْفِنُ الرَّجُلَيْنِ والثَّلاثَةَ في القَبْرِ، ويَقُولُ: أيُّهم أكْثَرُ أخْذًا لِلْقُرْآنِ، فَإذا أشارُوا إلى رَجُلٍ قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ». وَدَفَنَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ، وعَمْرَو بْنَ الجَمُوحِ في قَبْرٍ واحِدٍ لِما كانَ بَيْنَهُما مِنَ المَحَبَّةِ فَقالَ: «ادْفِنُوا هَذَيْنِ المُتَحابَّيْنِ في الدُّنْيا في قَبْرٍ واحِدٍ» ثُمّ حُفِرَ عَنْهُما بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ، ويَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ عَلى جُرْحِهِ كَما وضَعَها حِينَ جُرِحَ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ، فانْبَعَثَ الدَّمُ فَرُدَّتْ إلى مَكانِها، فَسَكَنَ الدَّمُ. وَقالَ جابر: (رَأيْتُ أبِي في حُفْرَتِهِ حِينَ حُفِرَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ نائِمٌ، وما تَغَيَّرَ مِن حالِهِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ. وقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ أكْفانَهُ؟ فَقالَ: إنَّما دُفِنَ في نَمِرَةٍ، خُمِّرَ وجْهُهُ، وعَلى رِجْلَيْهِ الحَرْمَلُ، فَوَجَدْنا النَّمِرَةَ كَما هِيَ، والحَرْمَلُ عَلى رِجْلَيْهِ عَلى هَيْئَتِهِ، وبَيْنَ ذَلِكَ سِتٌّ وأرْبَعُونَ سَنَةً). [فَصْلٌ في ذِكْرِ بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي كانَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ] وَقَدْ أشارَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى أُمَّهاتِها، وأُصُولِها في سُورَةِ (آلِ عِمْرانَ) حَيْثُ افْتَتَحَ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، إلى تَمامِ سِتِّينَ آيَةً. فَمِنها: تَعْرِيفُهم سُوءَ عاقِبَةِ المَعْصِيَةِ والفَشَلِ والتَّنازُعِ، وأنَّ الَّذِي أصابَهم إنّما هو بِشُؤْمِ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، [آل عمران: ١٥٢]. فَلَمّا ذاقُوا عاقِبَةَ مَعْصِيَتِهِمْ لِلرَّسُولِ، وتَنازُعِهِمْ، وفَشَلِهِمْ، كانُوا بَعْدَ ذَلِكَ أشَدَّ حَذَرًا ويَقَظَةً، وتَحَرُّزًا مِن أسْبابِ الخِذْلانِ. وَمِنها: أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وسُنَّتَهُ في رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ جَرَتْ بِأنْ يُدالُوا مَرَّةً ويُدالَ عَلَيْهِمْ أُخْرى، لَكِنْ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ، فَإنَّهم لَوِ انْتَصَرُوا دائِمًا دَخَلَ مَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ وغَيْرُهُمْ، ولَمْ يَتَمَيَّزِ الصّادِقُ مِن غَيْرِهِ، ولَوِ انْتُصِرَ عَلَيْهِمْ دائِمًا لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أنْ جَمَعَ لَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِيَتَمَيَّزَ مَن يَتَّبِعُهم ويُطِيعُهم لِلْحَقَّ، وما جاءُوا بِهِ مِمّنْ يَتَّبِعُهم عَلى الظُّهُورِ والغَلَبَةِ خاصَّةً. وَمِنها: أنّ هَذا مِن أعْلامِ الرُّسُلِ كَما قالَ هرقل لأبي سفيان: (هَلْ قاتَلْتُمُوهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: كَيْفَ الحَرْبُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ؟ قالَ: سِجالٌ يُدالُ عَلَيْنا المَرَّةَ، ونُدالُ عَلَيْهِ الأُخْرى، قالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ) وَمِنها: أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ الصّادِقُ مِنَ المُنافِقِ الكاذِبِ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا أظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلى أعْدائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وطارَ لَهُمُ الصِّيتُ دَخَلَ مَعَهم في الإسْلامِ ظاهِرًا مَن لَيْسَ مَعَهم فِيهِ باطِنًا، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ سَبَّبَ لِعِبادِهِ مِحْنَةً مَيَّزَتْ بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَأطْلَعَ المُنافِقُونَ رُءُوسَهم في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وتَكَلَّمُوا بِما كانُوا يَكْتُمُونَهُ، وظَهَرَتْ مُخَبَّآتُهُمْ، وعادَ تَلْوِيحُهم تَصْرِيحًا، وانْقَسَمَ النّاسُ إلى كافِرٍ ومُؤْمِنٍ ومُنافِقٍ انْقِسامًا ظاهِرًا، وعَرَفَ المُؤْمِنُونَ أنَّ لَهم عَدُوًّا في نَفْسِ دُورِهِمْ، وهم مَعَهم لا يُفارِقُونَهُمْ، فاسْتَعَدُّوا لَهُمْ، وتَحَرَّزُوا مِنهم. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. أيْ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التِباسِ المُؤْمِنِينَ بِالمُنافِقِينَ حَتّى يَمِيزَ أهْلَ الإيمانِ مِن أهْلِ النِّفاقِ كَما مَيَّزَهم بِالمِحْنَةِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ الَّذِي يَمِيزُ بِهِ بَيْنَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، فَإنَّهم مُتَمَيِّزُونَ في غَيْبِهِ وعِلْمِهِ وهو سُبْحانَهُ يُرِيدُ أنْ يَمِيزَهم تَمْيِيزًا مَشْهُودًا فَيَقَعُ مَعْلُومُهُ الَّذِي هو غَيْبٌ شَهادَةً. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ اسْتِدْراكٌ لِما نَفاهُ مِنَ اطِّلاعِ خَلْقِهِ عَلى الغَيْبِ سِوى الرُّسُلِ، فَإنَّهُ يُطْلِعُهم عَلى ما يَشاءُ مِن غَيْبِهِ كَما قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] فَحَظُّكم أنْتُمْ وسَعادَتُكم في الإيمانِ بِالغَيْبِ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ فَإنْ آمَنتُمْ بِهِ وأيْقَنْتُمْ فَلَكم أعْظَمُ الأجْرِ والكَرامَةِ. وَمِنها: اسْتِخْراجُ عُبُودِيَّةِ أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفِيما يُحِبُّونَ وما يَكْرَهُونَ، وفي حالِ ظَفَرِهِمْ وظَفَرِ أعْدائِهِمْ بِهِمْ، فَإذا ثَبَتُوا عَلى الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ فِيما يُحِبُّونَ وما يَكْرَهُونَ فَهم عَبِيدُهُ حَقًّا، ولَيْسُوا كَمَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ مِنَ السَّرّاءِ والنِّعْمَةِ والعافِيَةِ. وَمِنها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ نَصَرَهم دائِمًا، وأظْفَرَهم بِعَدُوِّهِمْ في كُلِّ مَوْطِنٍ، وجَعَلَ لَهُمُ التَّمْكِينَ والقَهْرَ لِأعْدائِهِمْ أبَدًا لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ، وشَمَخَتْ وارْتَفَعَتْ، فَلَوْ بَسَطَ لَهُمُ النَّصْرَ والظَّفَرَ لَكانُوا في الحالِ الَّتِي يَكُونُونَ فِيها لَوْ بَسَطَ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلا يُصْلِحُ عِبادَهُ إلّا السَّرّاءُ والضَّرّاءُ، والشِّدَّةُ والرَّخاءُ، والقَبْضُ والبَسْطُ، فَهو المُدَبِّرُ لِأمْرِ عِبادِهِ كَما يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، إنّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ. وَمِنها: أنَّهُ إذا امْتَحَنَهم بِالغَلَبَةِ والكَسْرَةِ والهَزِيمَةِ ذَلُّوا وانْكَسَرُوا وخَضَعُوا، فاسْتَوْجَبُوا مِنهُ العِزَّ والنَّصْرَ، فَإنَّ خُلْعَةَ النَّصْرِ إنّما تَكُونُ مَعَ وِلايَةِ الذُّلِّ والِانْكِسارِ، قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وَقالَ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] فَهو - سُبْحانَهُ - إذا أرادَ أنْ يُعِزَّ عَبْدَهُ ويَجْبُرَهُ ويَنْصُرَهُ كَسَرَهُ أوَّلًا، ويَكُونُ جَبْرُهُ لَهُ ونَصْرُهُ عَلى مِقْدارِ ذُلِّهِ وانْكِسارِهِ. وَمِنها: أنَّهُ سُبْحانَهُ هَيَّأ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مَنازِلَ في دارِ كَرامَتِهِ لَمْ تَبْلُغْها أعْمالُهُمْ، ولَمْ يَكُونُوا بالِغِيها إلّا بِالبَلاءِ والمِحْنَةِ، فَقَيَّضَ لَهُمُ الأسْبابَ الَّتِي تُوصِلُهم إلَيْها مِنَ ابْتِلائِهِ وامْتِحانِهِ، كَما وفَّقَهم لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ أسْبابِ وُصُولِهِمْ إلَيْها. وَمِنها: أنَّ النُّفُوسَ تَكْتَسِبُ مِنَ العافِيَةِ الدّائِمَةِ والنَّصْرِ والغِنى طُغْيانًا ورُكُونًا إلى العاجِلَةِ، وذَلِكَ مَرَضٌ يَعُوقُها عَنْ جِدِّها في سَيْرِها إلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَإذا أرادَ بِها رَبُّها ومالِكُها وراحِمُها كَرامَتَهُ قَيَّضَ لَها مِنَ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ ما يَكُونُ دَواءً لِذَلِكَ المَرَضِ العائِقِ عَنِ السَّيْرِ الحَثِيثِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ البَلاءُ والمِحْنَةُ بِمَنزِلَةِ الطَّبِيبِ يَسْقِي العَلِيلَ الدَّواءَ الكَرِيهَ، ويَقْطَعُ مِنهُ العُرُوقَ المُؤْلِمَةَ لِاسْتِخْراجِ الأدْواءِ مِنهُ، ولَوْ تَرَكَهُ لَغَلَبَتْهُ الأدْواءُ حَتّى يَكُونَ فِيها هَلاكُهُ. وَمِنها: أنَّ الشَّهادَةَ عِنْدَهُ مِن أعْلى مَراتِبِ أوْلِيائِهِ، والشُّهَداءُ هم خَواصُّهُ والمُقَرَّبُونَ مِن عِبادِهِ، ولَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ إلّا الشَّهادَةُ، وهو سُبْحانَهُ يُحِبُّ أنْ يَتَّخِذَ مِن عِبادِهِ شُهَداءَ تُراقُ دِماؤُهم في مَحَبَّتِهِ ومَرْضاتِهِ، ويُؤْثِرُونَ رِضاهُ ومَحابَّهُ عَلى نُفُوسِهِمْ، ولا سَبِيلَ إلى نَيْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إلّا بِتَقْدِيرِ الأسْبابِ المُفْضِيَةِ إلَيْها مِن تَسْلِيطِ العَدُوِّ. وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إذا أرادَ أنْ يُهْلِكَ أعْداءَهُ ويَمْحَقَهم قَيَّضَ لَهُمُ الأسْبابَ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِها هَلاكَهم ومَحْقَهُمْ، ومِن أعْظَمِها بَعْدَ كُفْرِهِمْ بَغْيُهم وطُغْيانُهُمْ، ومُبالَغَتُهم في أذى أوْلِيائِهِ، ومُحارَبَتِهِمْ وقِتالِهِمْ والتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ، فَيَتَمَحَّصُ بِذَلِكَ أوْلِياؤُهُ مِن ذُنُوبِهِمْ وعُيُوبِهِمْ، ويَزْدادُ بِذَلِكَ أعْداؤُهُ مِن أسْبابِ مَحْقِهِمْ وهَلاكِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ - ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩،: ١٤٠]، فَجَمَعَ لَهم في هَذا الخِطابِ بَيْنَ تَشْجِيعِهِمْ وتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ وإحْياءِ عَزائِمِهِمْ وهِمَمِهِمْ، وبَيْنَ حُسْنِ التَّسْلِيَةِ، وذِكْرِ الحِكَمِ الباهِرَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ إدالَةَ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، فَقَدِ اسْتَوَيْتُمْ في القَرْحِ والألَمِ، وتَبايَنْتُمْ في الرَّجاءِ والثَّوابِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، فَما بالُكم تَهِنُونَ وتَضْعُفُونَ عِنْدَ القَرْحِ والألَمِ، فَقَدْ أصابَهم ذَلِكَ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، وأنْتُمْ أُصِبْتُمْ في سَبِيلِي وابْتِغاءِ مَرْضاتِي. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ يُداوِلُ أيّامَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا بَيْنَ النّاسِ، وأنَّها عَرَضٌ حاضِرٌ، يُقَسِّمُها دُوَلًا بَيْنَ أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ، بِخِلافِ الآخِرَةِ، فَإنَّ عِزَّها ونَصْرَها ورَجاءَها خالِصٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا. ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى، وهي أنْ يَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُنافِقِينَ فَيَعْلَمُهم عِلْمَ رُؤْيَةٍ ومُشاهَدَةٍ بَعْدَ أنْ كانُوا مَعْلُومِينَ في غَيْبِهِ، وذَلِكَ العِلْمُ الغَيْبِيُّ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، وإنَّما يَتَرَتَّبُ الثَّوابُ والعِقابُ عَلى المَعْلُومِ إذا صارَ مُشاهَدًا واقِعًا في الحِسِّ. ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى، وهِي اتِّخاذُهُ سُبْحانَهُ مِنهم شُهَداءَ، فَإنَّهُ يُحِبُّ الشُّهَداءَ مِن عِبادِهِ، وقَدْ أعَدَّ لَهم أعْلى المَنازِلِ وأفْضَلَها، وقَدِ اتَّخَذَهم لِنَفْسِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يُنِيلَهم دَرَجَةَ الشَّهادَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، تَنْبِيهٌ لَطِيفُ المَوْقِعِ جِدًّا عَلى كَراهَتِهِ وبُغْضِهِ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ انْخَذَلُوا عَنْ نَبِيِّهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَشْهَدُوهُ ولَمْ يَتَّخِذْ مِنهم شُهَداءَ، لِأنَّهُ لَمْ يُحِبَّهم فَأرْكَسَهم ورَدَّهم لِيَحْرِمَهم ما خَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وما أعْطاهُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنهُمْ، فَثَبَّطَ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي وفَّقَ لَها أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ. ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى فِيما أصابَهم ذَلِكَ اليَوْمَ، وهو تَمْحِيصُ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو تَنْقِيَتُهم وتَخْلِيصُهم مِنَ الذُّنُوبِ، ومِن آفاتِ النُّفُوسِ، وأيْضًا فَإنَّهُ خَلَّصَهُمْ، ومَحَّصَهم مِنَ المُنافِقِينَ، فَتَمَيَّزُوا مِنهُمْ، فَحَصَلَ لَهم تَمْحِيصانِ: تَمْحِيصٌ مِن نُفُوسِهِمْ، وتَمْحِيصٌ مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ أنَّهُ مِنهم وهو عَدُوُّهم. ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى وهِي مَحْقُ الكافِرِينَ بِطُغْيانِهِمْ وبَغْيِهِمْ وعُدْوانِهِمْ، ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ حُسْبانَهم وظَنَّهم أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِدُونِ الجِهادِ في سَبِيلِهِ والصَّبْرِ عَلى أذى أعْدائِهِ، وإنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ بِحَيْثُ يُنْكَرُ عَلى مَن ظَنَّهُ وحَسِبَهُ. فَقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، أيْ ولَمّا يَقَعْ ذَلِكَ مِنكم فَيَعْلَمُهُ، فَإنَّهُ لَوْ وقَعَ لَعَلِمَهُ فَجازاكم عَلَيْهِ بِالجَنَّةِ، فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى الواقِعِ المَعْلُومِ، لا عَلى مُجَرَّدِ العِلْمِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَجْزِي العَبْدَ عَلى مُجَرَّدِ عِلْمِهِ فِيهِ دُونَ أنْ يَقَعَ مَعْلُومُهُ، ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَزِيمَتِهِمْ مِن أمْرٍ كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَوَدُّونَ لِقاءَهُ. فَقالَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَمّا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ بِما فَعَلَ بِشُهَداءِ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ رَغِبُوا في الشَّهادَةِ، فَتَمَنَّوْا قِتالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ، فَيَلْحَقُونَ إخْوانَهُمْ، فَأراهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ وسَبَّبَهُ لَهُمْ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أنِ انْهَزَمُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. وَمِنها: أنَّ وقْعَةَ أُحُدٍ كانَتْ مُقَدِّمَةً وإرْهاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَثَبَّتَهم ووَبَّخَهم عَلى انْقِلابِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ إنْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ قُتِلَ، بَلِ الواجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَثْبُتُوا عَلى دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ ويَمُوتُوا عَلَيْهِ أوْ يُقْتَلُوا، فَإنَّهم إنّما يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ، وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَلَوْ ماتَ مُحَمَّدٌ أوْ قُتِلَ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَصْرِفَهم ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وما جاءَ بِهِ، فَكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ، وما بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِيُخَلَّدَ لا هو ولا هُمْ، بَلْ لِيَمُوتُوا عَلى الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَإنَّ المَوْتَ لا بُدّ مِنهُ سَواءٌ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ بَقِيَ، ولِهَذا وبَّخَهم عَلى رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِنهم عَنْ دِينِهِ، لَمّا صَرَخَ الشّيْطانُ إنّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقالَ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، والشّاكِرُونَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتُوا عَلَيْها حَتّى ماتُوا أوْ قُتِلُوا، فَظَهَرَ أثَرُ هَذا العِتابِ، وحُكْمُ هَذا الخِطابِ يَوْمَ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ عَلى عَقِبَيْهِ، وثَبَتَ الشّاكِرُونَ عَلى دِينِهِمْ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ وأعَزَّهُمْ، وظَفَّرَهم بِأعْدائِهِمْ، وجَعَلَ العاقِبَةَ لَهم. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلًا لا بُدَّ أنْ تَسْتَوْفِيَهُ، ثُمَّ تَلْحَقَ بِهِ، فَيَرِدُ النّاسُ كُلُّهم حَوْضَ المَنايا مَوْرِدًا واحِدًا، وإنْ تَنَوَّعَتْ أسْبابُهُ ويَصْدُرُونَ عَنْ مَوْقِفِ القِيامَةِ مَصادِرَ شَتّى، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ. ثُمّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ جَماعَةً كَثِيرَةً مِن أنْبِيائِهِ قُتِلُوا وقُتِلَ مَعَهم أتْباعٌ لَهم كَثِيرُونَ فَما وهَنَ مَن بَقِيَ مِنهم لِما أصابَهم في سَبِيلِهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا وما وهَنُوا عِنْدَ القَتْلِ، ولا ضَعُفُوا ولا اسْتَكانُوا، بَلْ تَلَقَّوُا الشَّهادَةَ بِالقُوَّةِ والعَزِيمَةِ والإقْدامِ، فَلَمْ يُسْتُشْهِدُوا مُدْبِرِينَ مُسْتَكِينِينَ أذِلَّةً، بَلِ اسْتُشْهِدُوا أعِزَّةً كِرامًا مُقْبِلِينَ غَيْرَ مُدْبِرِينَ، والصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما. ثُمّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا اسْتَنْصَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ وأُمَمُهم عَلى قَوْمِهِمْ مِنَ اعْتِرافِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ وسُؤالِهِمْ رَبَّهم أنْ يُثَبِّتَ أقْدامَهم وأنْ يَنْصُرَهم عَلى أعْدائِهِمْ، فَقالَ: ﴿وَما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ - فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]. لَمّا عَلِمَ القَوْمُ أنَّ العَدُوَّ إنّما يُدالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأنَّ الشّيْطانَ إنّما يَسْتَزِلُّهم ويَهْزِمُهم بِها، وأنَّها نَوْعانِ: تَقْصِيرٌ في حَقٍّ، أوْ تَجاوُزٌ لِحَدٍّ، وأنَّ النَّصْرَةَ مَنُوطَةٌ بِالطّاعَةِ، قالُوا: رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، وإسْرافَنا في أمْرِنا، ثُمَّ عَلِمُوا أنَّ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقْدامَهم ويَنْصُرْهم لَمْ يَقْدِرُوا هم عَلى تَثْبِيتِ أقْدامِ أنْفُسِهِمْ ونَصْرِها عَلى أعْدائِهِمْ، فَسَألُوهُ ما يَعْلَمُونَ أنَّهُ بِيَدِهِ دُونَهُمْ، وأنّهُ إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أقْدامَهم ويَنْصُرْهم لَمْ يَثْبُتُوا ولَمْ يَنْتَصِرُوا، فَوَفَّوُا المَقامَيْنِ حَقَّهُما: مَقامَ المُقْتَضِي، وهو التَّوْحِيدُ والِالتِجاءُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ومَقامَ إزالَةِ المانِعِ مِنَ النَّصْرَةِ، وهو الذُّنُوبُ والإسْرافُ، ثُمَّ حَذَّرَهم سُبْحانَهُ مِن طاعَةِ عَدُوِّهِمْ، وأخْبَرَ أنَّهم إنْ أطاعُوهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ أطاعُوا المُشْرِكِينَ لَمّا انْتَصَرُوا وظَفِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَوْلى المُؤْمِنِينَ، وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ فَمَن والاهُ فَهو المَنصُورُ. ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ سَيُلْقِي في قُلُوبِ أعْدائِهِمُ الرُّعْبَ الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الهُجُومِ عَلَيْهِمْ والإقْدامِ عَلى حَرْبِهِمْ، وأنَّهُ يُؤَيِّدُ حِزْبَهُ بِجُنْدٍ مِنَ الرُّعْبِ يَنْتَصِرُونَ بِهِ عَلى أعْدائِهِمْ، وذَلِكَ الرُّعْبُ بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وعَلى قَدْرِ الشِّرْكِ يَكُونُ الرُّعْبُ، فالمُشْرِكُ بِاللَّهِ أشَدُّ شَيْءٍ خَوْفًا ورُعْبًا والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِالشِّرْكِ لَهُمُ الأمْنُ والهُدى والفَلاحُ، والمُشْرِكُ لَهُ الخَوْفُ والضَّلالُ والشَّقاءُ. ثُمّ أخْبَرَهم أنَّهُ صَدَقَهم وعْدَهُ في نُصْرَتِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ، وهو الصّادِقُ الوَعْدِ، وأنّهم لَوِ اسْتَمَرُّوا عَلى الطّاعَةِ ولُزُومِ أمْرِ الرَّسُولِ لاسْتَمَرَّتْ نُصْرَتُهُمْ، ولَكِنِ انْخَلَعُوا عَنِ الطّاعَةِ، وفارَقُوا مَرْكَزَهُمْ، فانْخَلَعُوا عَنْ عِصْمَةِ الطّاعَةِ، فَفارَقَتْهُمُ النُّصْرَةُ، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ عُقُوبَةً وابْتِلاءً وتَعْرِيفًا لَهم بِسُوءِ عَواقِبِ المَعْصِيَةِ، وحُسْنِ عاقِبَةِ الطّاعَةِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ عَفا عَنْهم بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ. قِيلَ للحسن: كَيْفَ يَعْفُو عَنْهم وقَدْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أعْداءَهم حَتّى قَتَلُوا مِنهم مَن قَتَلُوا، ومَثَّلُوا بِهِمْ ونالُوا مِنهم ما نالُوهُ؟ فَقالَ: لَوْلا عَفْوُهُ عَنْهم لاسْتَأْصَلَهُمْ، ولَكِنْ بِعَفْوِهِ عَنْهم دَفَعَ عَنْهم عَدُوَّهم بَعْدَ أنْ كانُوا مُجْمِعِينَ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ. ثُمَّ ذَكَّرَهم بِحالِهِمْ وقْتَ الفِرارِ مُصْعِدِينَ أيْ جادِّينَ في الهَرَبِ والذِّهابِ في الأرْضِ، أوْ صاعِدِينَ في الجَبَلِ لا يَلْوُونَ عَلى أحَدٍ مِن نَبِيِّهِمْ ولا أصْحابِهِمْ، والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم إلى عِبادِ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ. فَأثابَهم بِهَذا الهَرَبِ والفِرارِ غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ: غَمُّ الهَزِيمَةِ والكَسْرَةِ، وغَمُّ صَرْخَةِ الشَّيْطانِ فِيهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. وَقِيلَ: جازاكم غَمًّا بِما غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بِفِرارِكم عَنْهُ وأسْلَمْتُمُوهُ إلى عَدُوِّهِ، فالغَمُّ الَّذِي حَصَلَ لَكم جَزاءً عَلى الغَمٍّ الَّذِي أوْقَعْتُمُوهُ بِنَبِيِّهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] تَنْبِيهٌ عَلى حِكْمَةِ هَذا الغَمِّ بَعْدَ الغَمِّ، وهو أنْ يُنْسِيَهُمُ الحُزْنَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الظَّفَرِ وعَلى ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ والجِراحِ، فَنَسُوا بِذَلِكَ السَّبَبَ، وهَذا إنّما يَحْصُلُ بِالغَمِّ الَّذِي يَعْقُبُهُ غَمٌّ آخَرُ. الثّانِي: أنَّهُ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، فَإنَّهُ حَصَلَ لَهم غَمُّ فَواتِ الغَنِيمَةِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ غَمُّ الهَزِيمَةِ، ثُمَّ غَمُّ الجِراحِ الَّتِي أصابَتْهُمْ، ثُمَّ غَمُّ القَتْلِ، ثُمَّ غَمُّ سَماعِهِمْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قُتِلَ، ثُمَّ غَمُّ ظُهُورِ أعْدائِهِمْ عَلى الجَبَلِ فَوْقَهُمْ، ولَيْسَ المُرادُ غَمَّيْنِ اثْنَيْنِ خاصَّةً، بَلْ غَمًّا مُتَتابِعًا لِتَمامِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ. الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: " بِغَمٍّ " مِن تَمامِ الثَّوابِ، لا أنَّهُ سَبَبُ جَزاءِ الثَّوابِ، والمَعْنى: أثابَكم غَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ جَزاءً عَلى ما وقَعَ مِنهم مِنَ الهُرُوبِ، وإسْلامِهِمْ نَبِيَّهم ﷺ وأصْحابَهُ، وتَرْكِ اسْتِجابَتِهِمْ لَهُ، وهو يَدْعُوهُمْ، ومُخالَفَتِهِمْ لَهُ في لُزُومِ مَرْكَزِهِمْ، وتَنازُعِهِمْ في الأمْرِ وفَشَلِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ يُوجِبُ غَمًّا يَخُصُّهُ، فَتَرادَفَتْ عَلَيْهِمُ الغُمُومُ، كَما تَرادَفَتْ مِنهم أسْبابُها ومُوجِباتُها، ولَوْلا أنْ تَدارَكَهم بِعَفْوِهِ لَكانَ أمْرًا آخَرَ. وَمِن لُطْفِهِ بِهِمْ ورَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنهم كانَتْ مِن مُوجِباتِ الطِّباعِ، وهِي مِن بَقايا النُّفُوسِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ النُّصْرَةِ المُسْتَقِرَّةِ، فَقَيَّضَ لَهم بِلُطْفِهِ أسْبابًا أخْرَجَها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْها آثارُها المَكْرُوهَةُ، فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أنَّ التَّوْبَةَ مِنها، والِاحْتِرازَ مِن أمْثالِها، ودَفْعَها بِأضْدادِها أمْرٌ مُتَعَيِّنٌ لا يَتِمُّ لَهُمُ الفَلاحُ والنُّصْرَةُ الدّائِمَةُ المُسْتَقِرَّةُ إلّا بِهِ، فَكانُوا أشَدَّ حَذَرًا بَعْدَها ومَعْرِفَةً بِالأبْوابِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنها. وَرُبَّما صَحَّتِ الأجْسامُ بِالعِلَلِ ثُمَّ إنّهُ تَدارَكَهم سُبْحانَهُ بِرَحْمَتِهِ، وخَفَّفَ عَنْهم ذَلِكَ الغَمَّ، وغَيَّبَهُ عَنْهم بِالنُّعاسِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ أمْنًا مِنهُ ورَحْمَةً، والنُّعاسُ في الحَرْبِ عَلامَةُ النُّصْرَةِ والأمْنِ، كَما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وأخْبَرَ أنَّ مَن لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ النُّعاسُ فَهو مِمَّنْ أهَمَّتْهُ نَفْسُهُ لا دِينُهُ ولا نَبِيُّهُ ولا أصْحابُهُ، وأنَّهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ. وَقَدْ فُسِّرَ هَذا الظَّنُّ الَّذِي لا يَلِيقُ بِاللَّهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وأنَّ أمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ، وأنّهُ يُسْلِمُهُ لِلْقَتْلِ، وقَدْ فُسِّرَ بِظَنِّهِمْ أنَّ ما أصابَهم لَمْ يَكُنْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، ولا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ، فَفُسِّرَ بِإنْكارِ الحِكْمَةِ، وإنْكارِ القَدَرِ، وإنْكارِ أنْ يُتِمَّ أمْرَ رَسُولِهِ، ويُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهَذا هو ظَنُّ السَّوْءِ الَّذِي ظَنَّهُ المُنافِقُونَ والمُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في (سُورَةِ الفَتْحِ) حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]، وإنَّما كانَ هَذا ظَنَّ السَّوْءِ، وظَنَّ الجاهِلِيَّةِ المَنسُوبَ إلى أهْلِ الجَهْلِ، وظَنَّ غَيْرِ الحَقِّ لِأنّهُ ظَنُّ غَيْرِ ما يَلِيقُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا وذاتِهِ المُبَرَّأةِ مِن كُلِّ عَيْبٍ وسُوءٍ، بِخِلافِ ما يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وحَمْدِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّهِ، وما يَلِيقُ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ الَّذِي لا يُخْلِفُهُ وبِكَلِمَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ لِرُسُلِهِ أنَّهُ يَنْصُرُهم ولا يَخْذُلُهُمْ، ولِجُنْدِهِ بِأنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، فَمَن ظَنَّ بِأنَّهُ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، ولا يُتِمُّ أمْرَهُ، ولا يُؤَيِّدُهُ ويُؤَيِّدُ حِزْبَهُ، ويُعْلِيهِمْ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِ، ويُظْهِرُهم عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ لا يَنْصُرُ دِينَهُ وكِتابَهُ، وأنّهُ يُدِيلُ الشِّرْكَ عَلى التَّوْحِيدِ، والباطِلَ عَلى الحَقِّ إدالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَها التَّوْحِيدُ والحَقُّ اضْمِحْلالًا لا يَقُومُ بَعْدَهُ أبَدًا، فَقَدْ ظَنَّ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، ونَسَبَهُ إلى خِلافِ ما يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ وصِفاتِهِ ونُعُوتِهِ، فَإنَّ حَمْدَهُ وعِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ وإلَهِيَّتَهُ تَأْبى ذَلِكَ، وتَأْبى أنْ يُذَلَّ حِزْبُهُ وجُنْدُهُ، وأنْ تَكُونَ النُّصْرَةُ المُسْتَقِرَّةُ والظَّفَرُ الدّائِمُ لِأعْدائِهِ المُشْرِكِينَ بِهِ العادِلِينَ بِهِ، فَمَن ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ فَما عَرَفَهُ ولا عَرَفَ أسَماءَهُ ولا عَرَفَ صِفاتَهُ وكَمالَهُ، وكَذَلِكَ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ فَما عَرَفَهُ ولا عَرَفَ رُبُوبِيَّتَهُ ومُلْكَهُ وعَظَمَتَهُ، وكَذَلِكَ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ قَدَّرَ ما قَدَّرَهُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وغايَةٍ مَحْمُودَةٍ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلَيْها، وأنَّ ذَلِكَ إنّما صَدَرَ عَنْ مَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ حِكْمَةٍ وغايَةٍ مَطْلُوبَةٍ هِي أحَبُّ إلَيْهِ مِن فَوْتِها، وأنَّ تِلْكَ الأسْبابَ المَكْرُوهَةَ المُفْضِيَةَ إلَيْها لا يَخْرُجُ تَقْدِيرُها عَنِ الحِكْمَةِ لِإفْضائِها إلى ما يُحِبُّ، وإنْ كانَتْ مَكْرُوهَةً لَهُ فَما قَدَّرَها سُدًى، ولا أنْشَأها عَبَثًا، ولا خَلَقَها باطِلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] وأكْثَرُ النّاسِ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ السَّوْءِ فِيما يَخْتَصُّ بِهِمْ وفِيما يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ، ولا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ إلّا مَن عَرَفَ اللَّهَ وعَرَفَ أسْماءَهُ وصِفاتِهِ، وعَرَفَ مُوجِبَ حَمْدِهِ وحِكْمَتِهِ، فَمَن قَنَطَ مِن رَحْمَتِهِ وأيِسَ مِن رَوْحِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَمَن جَوَّزَ عَلَيْهِ أنْ يُعَذِّبَ أوْلِياءَهُ مَعَ إحْسانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ ويُسَوِّي بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَمَن ظَنَّ بِهِ أنْ يَتْرُكَ خَلْقَهُ سُدًى مُعَطَّلِينَ عَنِ الأمْرِ والنَّهْي، ولا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، ولا يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، بَلْ يَتْرُكُهم هَمَلًا كالأنْعامِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَمَن ظَنَّ أنَّهُ لَنْ يَجْمَعَ عَبِيدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِلثَّوابِ والعِقابِ في دارٍ يُجازِي المُحْسِنَ فِيها بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويُبَيِّنَ لِخَلْقِهِ حَقِيقَةَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، ويُظْهِرَ لِلْعالَمِينَ كُلِّهِمْ صِدْقَهُ وصِدْقَ رُسُلِهِ، وأنَّ أعْداءَهُ كانُوا هُمُ الكاذِبِينَ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَمَن ظَنَّ أنَّهُ يُضَيِّعُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ الصّالِحَ الَّذِي عَمِلَهُ خالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ، ويُبْطِلُهُ عَلَيْهِ بِلا سَبَبٍ مِنَ العَبْدِ، أوْ أنَّهُ يُعاقِبُهُ بِما لا صُنْعَ فِيهِ ولا اخْتِيارَ لَهُ ولا قُدْرَةَ ولا إرادَةَ في حُصُولِهِ، بَلْ يُعاقِبُهُ عَلى فِعْلِهِ هو سُبْحانَهُ بِهِ، أوْ ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يُؤَيِّدَ أعْداءَهُ الكاذِبِينَ عَلَيْهِ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِها أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ، ويُجْرِيَها عَلى أيْدِيهِمْ يُضِلُّونَ بِها عِبادَهُ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى تَعْذِيبُ مَن أفْنى عُمْرَهُ في طاعَتِهِ فَيُخَلِّدُهُ في الجَحِيمِ أسْفَلَ السّافِلِينَ، ويُنَعِّمُ مَنِ اسْتَنْفَدَ عُمُرَهُ في عَداوَتِهِ وعَداوَةِ رُسُلِهِ ودِينِهِ، فَيَرْفَعُهُ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، وكِلا الأمْرَيْنِ عِنْدَهُ في الحُسْنِ سَواءٌ، ولا يُعْرَفُ امْتِناعُ أحَدِهِما ووُقُوعُ الآخَرِ إلّا بِخَبَرٍ صادِقٍ، وإلّا فالعَقْلُ لا يَقْضِي بِقُبْحِ أحَدِهِما وحُسْنِ الآخَرِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَبِالجُمْلَةِ فَمَن ظَنَّ بِهِ خِلافَ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ، أوْ عَطَّلَ حَقائِقَ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَمَن ظَنَّ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ أنَّ أحَدًا يَشْفَعُ عِنْدَهُ بِدُونِ إذْنِهِ، أوْ أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ وسائِطَ يَرْفَعُونَ حَوائِجَهم إلَيْهِ، أوْ أنَّهُ نَصَبَ لِعِبادِهِ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ إلَيْهِ ويَتَوَسَّلُونَ بِهِمْ إلَيْهِ ويَجْعَلُونَهم وسائِطَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ فَيَدْعُونَهم ويُحِبُّونَهم كَحُبِّهِ ويَخافُونَهم ويَرْجُونَهم فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أقْبَحَ الظَّنِّ وأسْوَأهُ. وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يَنالُ ما عِنْدَهُ بِمَعْصِيَتِهِ ومُخالَفَتِهِ كَما يَنالُهُ بِطاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ خِلافَ حِكْمَتِهِ وخِلافَ مُوجِبِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وهو مِن ظَنِّ السَّوْءِ. وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ إذا تَرَكَ لِأجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعَوِّضْهُ خَيْرًا مِنهُ أوْ مَن فَعَلَ لِأجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ أفْضَلَ مِنهُ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يَغْضَبُ عَلى عَبْدِهِ ويُعاقِبُهُ ويَحْرِمُهُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ولا سَبَبٍ مِنَ العَبْدِ إلّا بِمُجَرَّدِ المَشِيئَةِ ومَحْضِ الإرادَةِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ إذا صَدَقَهُ في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، وتَضَرَّعَ إلَيْهِ وسَألَهُ، واسْتَعانَ بِهِ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُخَيِّبُهُ ولا يُعْطِيهِ ما سَألَهُ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وظَنَّ بِهِ خِلافَ ما هو أهْلُهُ. وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يُثِيبُهُ إذا عَصاهُ بِما يُثِيبُهُ بِهِ إذا أطاعَهُ، وسَألَهُ ذَلِكَ في دُعائِهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ خِلافَ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ وخِلافَ ما هو أهْلُهُ وما لا يَفْعَلُهُ. وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ إذا أغْضَبَهُ وأسْخَطَهُ، وأوْضَعَ في مَعاصِيهِ ثُمَّ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ودَعا مِن دُونِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا حَيًّا أوْ مَيِّتًا يَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يَنْفَعَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ويُخَلِّصَهُ مِن عَذابِهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في بُعْدِهِ مِنَ اللَّهِ وفي عَذابِهِ. وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْداءَهُ تَسْلِيطًا مُسْتَقِرًّا دائِمًا في حَياتِهِ وفي مَماتِهِ، وابْتَلاهُ بِهِمْ لا يُفارِقُونَهُ، فَلَمّا ماتَ اسْتَبَدُّوا بِالأمْرِ دُونَ وصِيَّةٍ وظَلَمُوا أهْلَ بَيْتِهِ، وسَلَبُوهم حَقَّهم وأذَلُّوهُمْ، وكانَتِ العِزَّةُ والغَلَبَةُ والقَهْرُ لِأعْدائِهِ وأعْدائِهِمْ دائِمًا مِن غَيْرِ جُرْمٍ ولا ذَنْبٍ لِأوْلِيائِهِ وأهْلِ الحَقِّ، وهو يَرى قَهْرَهم لَهم وغَصْبَهم إيّاهم حَقَّهم وتَبْدِيلَهم دِينَ نَبِيِّهِمْ وهو يَقْدِرُ عَلى نُصْرَةِ أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ وجُنْدِهِ، ولا يَنْصُرُهم ولا يُدِيلُهُمْ، بَلْ يُدِيلُ أعْداءَهم عَلَيْهِمْ أبَدًا، أوْ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بَلْ حَصَلَ هَذا بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ ولا مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ المُبَدِّلِينَ لِدِينِهِ مُضاجِعِيهِ في حُفْرَتِهِ تُسَلِّمُ أُمَّتُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ كُلَّ وقْتٍ كَما تَظُنُّهُ الرّافِضَةُ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أقْبَحَ الظَّنِّ وأسْوَأهُ، سَواءٌ قالُوا: إنّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَنْصُرَهم ويَجْعَلَ لَهُمُ الدَّوْلَةَ والظَّفَرَ، أوْ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى ذَلِكَ فَهم قادِحُونَ في قُدْرَتِهِ أوْ في حِكْمَتِهِ وحَمْدِهِ، وذَلِكَ مِن ظَنِّ السَّوْءِ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي فَعَلَ هَذا بَغِيضٌ إلى مَن ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْمُودٍ عِنْدَهُمْ، وكانَ الواجِبُ أنْ يَفْعَلَ خِلافَ ذَلِكَ لَكِنْ رَفَوْا هَذا الظَّنَّ الفاسِدَ بِخَرْقٍ أعْظَمَ مِنهُ، واسْتَجارُوا مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ، فَقالُوا: لَمْ يَكُنْ هَذا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، ولا لَهُ قُدْرَةٌ عَلى دَفْعِهِ ونَصْرِ أوْلِيائِهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أفْعالِ عِبادِهِ، ولا هي داخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَظَنُّوا بِهِ ظَنَّ إخْوانِهِمُ المَجُوسِ والثَّنَوِيَّةِ بِرَبِّهِمْ، وكُلِّ مُبْطِلٍ وكافِرٍ ومُبْتَدِعٍ مَقْهُورٍ مُسْتَذَلٍّ، فَهو يَظُنُّ بِرَبِّهِ هَذا الظَّنَّ وأنَّهُ أوْلى بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ والعُلُوِّ مِن خُصُومِهِ، فَأكْثَرُ الخَلْقِ بَلْ كُلُّهم إلّا مَن شاءَ اللَّهُ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ السَّوْءِ، فَإنَّ غالِبَ بَنِي آدَمَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مَبْخُوسُ الحَقِّ ناقِصُ الحَظِّ، وأنّهُ يَسْتَحِقُّ فَوْقَ ما أعْطاهُ اللَّهُ ولِسانُ حالِهِ يَقُولُ: ظَلَمَنِي رَبِّي ومَنَعَنِي ما أسْتَحِقُّهُ، ونَفْسُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وهو بِلِسانِهِ يُنْكِرُهُ، ولا يَتَجاسَرُ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ، ومَن فَتَّشَ نَفْسَهُ وتَغَلْغَلَ في مَعْرِفَةِ دَفائِنِها وطَواياها رَأى ذَلِكَ فِيها كامِنًا كُمُونَ النّارِ في الزِّنادِ، فاقْدَحْ زِنادَ مَن شِئْتَ يُنْبِئْكَ شَرارُهُ عَمّا في زِنادِهِ، ولَوْ فَتَّشْتَ مَن فَتَّشْتَهُ لَرَأيْتَ عِنْدَهُ تَعَتُّبًا عَلى القَدَرِ ومَلامَةً لَهُ واقْتِراحًا عَلَيْهِ خِلافَ ما جَرى بِهِ، وأنّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا وكَذا، فَمُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ، وفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أنْتَ سالِمٌ مِن ذَلِكَ. ؎فَإنْ تَنْجُ مِنها تَنْجُ مِن ذِي عظيمَةٍ ∗∗∗ وإلّا فَإنِّي لا إخالُكُ ناجِيًا فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذا المَوْضِعِ، ولْيَتُبْ إلى اللَّهِ تَعالى، ولِيَسْتَغْفِرْهُ كُلَّ وقْتٍ مِن ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، ولْيَظُنَّ السَّوءَ بِنَفْسِهِ الَّتِي هِي مَأْوى كُلَّ سُوءٍ، ومَنبَعُ كُلَّ شَرٍّ المُرَكَّبَةِ عَلى الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَهي أوْلى بِظَنِّ السَّوءِ مِن أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأعْدَلِ العادِلِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ، الغَنِيِّ الحَمِيدِ الَّذِي لَهُ الغِنى التّامُّ والحَمْدُ التّامُّ والحِكْمَةُ التّامُّةُ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ سَوْءٍ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأسْمائِهِ، فَذاتُهُ لَها الكَمالُ المُطْلَقُ مِن كُلِّ وجْهٍ، وصِفاتُهُ كَذَلِكَ، وأفْعالُهُ كَذَلِكَ، كُلُّها حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وعَدْلٌ، وأسْماؤُهُ كُلُّها حُسْنى. ؎فَلا تَظُنَّنَّ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوْءٍ ∗∗∗ فَإنَّ اللَّهَ أوْلى بِالجَمِيلِ وَلا تَظُنَّنَّ بِنَفْسِكَ قَطُّ خَيْرًا ؎وَكَيْفَ بِظالِمٍ جانٍ جَهُولِ ∗∗∗ وقُلْ يا نَفْسُ مَأْوى كُلِّ سُوءٍ ؎أيُرْجى الخَيْرُ مِن مَيْتٍ بَخِيلِ ∗∗∗ وظُنَّ بِنَفْسِكَ السُّوأى تَجِدْها ؎كَذاكَ وخَيْرُها كالمُسْتَحِيلِ ∗∗∗ وما بِكَ مِن تُقًى فِيها وخَيْرٍ ؎فَتِلْكَ مَواهِبُ الرَّبِّ الجَلِيلِ ∗∗∗ ولَيْسَ بِها ولا مِنها ولَكِنْ مِنَ الرَّحْمَنِ فاشْكُرْ لِلدَّلِيلِ والمَقْصُودِ ما ساقَنا إلى هَذا الكَلامِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الكَلامِ الَّذِي صَدَرَ عَنْ ظَنِّهِمُ الباطِلِ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾، وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾، فَلَيْسَ مَقْصُودُهم بِالكَلِمَةِ الأُولى والثّانِيَةِ إثْباتَ القَدَرِ ورَدَّ الأمْرِ كُلِّهِ إلى اللَّهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهم بِالكَلِمَةِ الأُولى لَما ذُمُّوا عَلَيْهِ، ولَما حَسُنَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وَلا كانَ مَصْدَرُ هَذا الكَلامِ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ، ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنّ ظَنَّهُمُ الباطِلَ هاهُنا: هو التَّكْذِيبُ بِالقَدَرِ وظَنُّهم أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ إلَيْهِمْ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ تَبَعًا لَهم يَسْمَعُونَ مِنهم لَما أصابَهُمُ القَتْلُ، ولَكانَ النَّصْرُ والظَّفَرُ لَهم فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذا الظَّنِّ الباطِلِ الَّذِي هو ظَنُّ الجاهِلِيَّةِ، وهو الظَّنُّ المَنسُوبُ إلى أهْلِ الجَهْلِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ بَعْدَ نَفاذِ القَضاءِ والقَدَرِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن نَفاذِهِ أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى دَفْعِهِ، وأنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ إلَيْهِمْ لَما نَفَذَ القَضاءُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ فَلا يَكُونُ إلّا ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، وجَرى بِهِ عِلْمُهُ وكِتابُهُ السّابِقُ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ولا بُدَّ، شاءَ النّاسُ أمْ أبَوْا، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، شاءَهُ النّاسُ أمْ لَمْ يَشاءُوهُ، وما جَرى عَلَيْكم مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ فَبِأمْرِهِ الكَوْنِيِّ الَّذِي لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، سَواءٌ كانَ لَكم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ، وأنَّكم لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم وقَدْ كُتِبَ القَتْلُ عَلى بَعْضِكم لَخَرَجَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ مِن بُيُوتِهِمْ إلى مَضاجِعِهِمْ ولا بُدَّ، سَواءٌ كانَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا مِن أظْهَرِ الأشْياءِ إبْطالًا لِقَوْلِ القَدَرِيَّةِ النُّفاةِ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ أنْ يَقَعَ ما لا يَشاؤُهُ اللَّهُ، وأنْ يَشاءَ ما لا يَقَعُ.

آل عمران 3:123

يجوز أن يكون قوله ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ تعليلا لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معا وهو الظاهر. فالشكر غاية الخلق والأمر. (فائدة) - ومنها في البدريين أنهم أفضل في الجملة من غيرهم ولا تفضل آحادهم على غيرهم لأنه قد يكون في غيرهم من هو أفضل من آحادهم كما قال النبي ﷺ: "خيركم القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" فخاير بين القرون في الجملة لأنه قد يكون في التفضيل من غيره أفضل منه، ولهذا يعلم أن أحمد أفضل من يزيد، ويزيد في عصر التابعين لما جرى من يزيد بما عاد في القدح في عدالته.

آل عمران 3:130

الرِّبا نَوْعانِ: جَلِيٌّ وخَفِيٌّ، فالجَلِيُّ حُرِّمَ لِما فِيهِ مِن الضَّرَرِ العَظِيمِ، والخَفِيُّ حُرِّمَ؛ لِأنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلى الجَلِيِّ؛ فَتَحْرِيمُ الأوَّلِ قَصْدًا، وتَحْرِيمُ الثّانِي وسِيلَةً: فَأمّا الجَلِيُّ فَرِبا النَّسِيئَةِ، وهو الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، مِثْلُ أنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ ويَزِيدَهُ في المالِ، وكُلَّما أخَّرَهُ زادَ في المالِ، حَتّى تَصِيرَ المِائَةُ عِنْدَهُ آلافًا مُؤَلَّفَةً؛ وفي الغالِبِ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا مُعْدَمٌ مُحْتاجٌ؛ فَإذا رَأى أنَّ المُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطالَبَتَهُ ويَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيادَةٍ يَبْذُلُها لَهُ تَكَلَّفَ بَذْلَها لِيَفْتَدِيَ مِن أسْرِ المُطالَبَةِ والحَبْسِ، ويُدافِعَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، ويَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ، فَيَرْبُو المالُ عَلى المُحْتاجِ مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ، ويَزِيدُ مالُ المُرابِي مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ مِنهُ لِأخِيهِ، فَيَأْكُلُ مالَ أخِيهِ بِالباطِلِ، ويَحْصُلُ أخُوهُ عَلى غايَةِ الضَّرَرِ، فَمِن رَحْمَةِ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وحِكْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى خَلْقِهِ أنْ حَرَّمَ الرِّبا، ولَعَنَ آكِلَهُ ومُؤَكِّلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَيْهِ، وآذَنَ مَن لَمْ يَدَعْهُ بِحَرْبِهِ وحَرْبِ رَسُولِهِ، ولَمْ يَجِئْ مِثْلُ هَذا الوَعِيدِ في كَبِيرَةٍ غَيْرَهُ، ولِهَذا كانَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ الرِّبا الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ فَقالَ: هو أنْ يَكُونَ لَهُ دَيْنٌ فَيَقُولُ لَهُ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟ فَإنْ لَمْ يَقْضِهِ زادَهُ في المالِ وزادَهُ هَذا في الأجَلِ؛ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرِّبا ضِدَّ الصَّدَقَةِ، فالمُرابِي ضِدُّ المُتَصَدِّقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقالَ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ (١٣٠) واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١)﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الجَنَّةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وهَؤُلاءِ ضِدُّ المُرابِينَ، فَنَهى سُبْحانَهُ عَنْ الرِّبا الَّذِي هو ظُلْمٌ لِلنّاسِ، وأمَرَ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي هي إحْسانٌ إلَيْهِمْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ» ومِثْلُ هَذا يُرادُ بِهِ حَصْرُ الكَمالِ وأنَّ الرِّبا الكامِلَ إنّما هو في النَّسِيئَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وكَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إنّما العالِمُ الَّذِي يَخْشى اللَّهَ ". وَأمّا رِبا الفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ؛ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم الرِّمّا» والرِّمّا هو الرِّبا، فَمَنَعَهم مِن رِبا الفَضْلِ لِما يَخافُهُ عَلَيْهِمْ مِن رِبا النَّسِيئَةِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا باعُوا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ولا يُفْعَلُ هَذا إلّا لِلتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَ النَّوْعَيْنِ - إمّا في الجَوْدَةِ، وإمّا في السِّكَّةِ، وإمّا في الثِّقَلِ والخِفَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ - تَدَرَّجُوا بِالرِّبْحِ المُعَجَّلِ فِيها إلى الرِّبْحِ المُؤَخَّرِ، وهو عَيْنُ رِبا النَّسِيئَةِ، وهَذِهِ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ جِدًّا؛ فَمِن حِكْمَةِ الشّارِعِ أنْ سَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ، ومَنَعَهم مِن بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدًا ونَسِيئَةً؛ فَهَذِهِ حِكْمَةٌ مَعْقُولَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْعُقُولِ، وهي تَسُدُّ عَلَيْهِمْ بابَ المَفْسَدَةِ.

آل عمران 3:137

أيْ: قَدْ كانَ مِن قَبْلِكم أُمَمٌ أمْثالُكم فانْظُرُوا إلى عَواقِبِهِمْ السَّيِّئَةِ، واعْلَمُوا أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ما كانَ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وهم الأصْلُ وأنْتُمْ الفَرْعُ، والعِلَّةُ الجامِعَةُ التَّكْذِيبُ، والحُكْمُ الهَلاكُ.

آل عمران 3:139

العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُوِلهِ ولِلْمُؤْمِنِين﴾ [المنافقون: ٨]. فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا. وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]. فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه. وكذلك الكفاية والحَسْب هى بقدر الإيمان، قال تعالى: ﴿يأيُّها النَّبى حَسْبُكَ اللهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]. أى الله حسبك وحسب أتباعك، أي كافيك وكافيهم، فكفايته لهم بحسب اتباعهم لرسوله، وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله. ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص. وكذلك ولاية الله تعالى لعبده هى بحسب إيمانه قال تعالى: ﴿واللهُ ولِى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] وقال الله تعالى: ﴿اللهُ ولِى الّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وكذلك معيته الخاصة هى لأهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. فإذا نقص الإيمان وضعف، كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان. وكذلك النصر والتأييد الكامل. إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والّذِينَ آمَنُوا فِى الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] وقال ﴿فَأيَّدْنا الّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]. فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه. وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الحجة. والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفى، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهرا وباطنا. وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿وَلاَ تَهِنُوا ولا تحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] وقال تعالى ﴿فَلاَ تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمٌ الأعْلَوْنَ واللهُ مَعَكمْ ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هى جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره.

آل عمران 3:144

«وَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾» الآيَةَ. «وانْتَهى أنس بن النضر إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ في رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَدْ ألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ، فَقالَ: ما يُجْلِسُكُمْ؟، فَقالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: فَما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القَوْمَ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ». «وَلَمّا مَصَّ مالك أبو أبي سعيد الخدري جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أنْقاهُ قالَ لَهُ: " مُجَّهُ "، قالَ: واللَّهِ لا أمُجُّهُ أبَدًا ثُمَّ أدْبَرَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هَذا». «وَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أطْلُبُ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقالَ لِي: إنْ رَأيْتَهُ فَأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قالَ: فَجَعَلْتُ أطُوفُ بَيْنَ القَتْلى فَأتَيْتُهُ، وهو بِآخِرِ رَمَقٍ، وفِيهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً، ما بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَقُلْتُ: يا سعد، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَقُولُ لَكَ: أخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقالَ: وعَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّلامُ، قُلْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ، وقُلْ لِقَوْمِيَ الأنْصارِ: لا عُذْرَ لَكم عِنْدَ اللَّهِ إنْ خُلِصَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيكم عَيْنٌ تَطْرِفُ، وفاضَتْ نَفْسُهُ مِن وقْتِهِ». وَقالَ «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ حَرامٍ: رَأيْتُ في النَّوْمِ قَبْلَ أُحُدٍ، مبشر بن عبد المنذر، يَقُولُ لِي: أنْتَ قادِمٌ عَلَيْنا في أيّامٍ، فَقُلْتُ: وأيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: في الجَنَّةِ نَسْرَحُ فِيها كَيْفَ نَشاءُ. قُلْتُ لَهُ: ألَمْ تُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قالَ: بَلى ثُمَّ أُحْيِيتُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَذِهِ الشَّهادَةُ يا أبا جابر». (فائدة) دَخَلَ أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - عَلى أم أيمن (بركة الحبشية) بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وهي تَبْكِي، فَقالا: يا أم أيمن ما يُبْكِيكِ فَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ؟ قالَتْ: إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ، وإنَّما أبْكِي لِانْقِطاعِ خَبَرِ السَّماءِ، فَهَيَّجَتْهُما عَلى البُكاءِ فَبَكَيا. [فَصْلٌ] قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيُّها النّاسُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ إلَهَكُمُ الَّذِي تَعْبُدُونَ فَإنَّ إلَهَكم قَدْ ماتَ وإنْ كانَ إلَهَكُمُ اللَّهُ الَّذِي في السَّماءِ فَإنَّ إلَهَكم لَمْ يَمُتْ ثُمَّ تَلا: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ حَتّى خَتَمَ الآيَةَ. وَقالَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوانَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَخَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ (فَأكَبَّ عَلَيْهِ) وقَبَّلَ جَبْهَتَهُ وقالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، وقالَ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ في السَّماءِ (حَيٌّ) لا يَمُوتُ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إلى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهم فَحانَتِ الصَّلاةُ فَجاءَ المُؤَذِّنُ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَ الحَدِيثَ وفِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أشارَ إلى أبِي بَكْرٍ أنِ امْكُثْ مَكانَكَ فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ. . . فَذَكَرَهُ».

آل عمران 3:147

فإن قلت: فقد قال تعالى: ﴿وَما كانَ قَوْلَهم إلاّ أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ وفي سورة الصف ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ فما الحكمة في سقوطها هنا وما الفرق؟ قلت: هذا إخبار عن المؤمنين الذين سبق لهم الإنقاذ من ذنوب الكفر بإيمانهم ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب وهي غير محبطة كإحباط الكفر المهلك للكافر فلم يتضمن الغفران معنى الاستنقاذ إذ ليس ثم إحاطة من الذنب بالمذنب وإنما يتضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب لأن الحسنات يذهبن السيئات بخلاف الآيتين المتقدمتين فإنهما خطاب للمشركين وأمر لهم بما ينقذهم ويخلصهم مما أحاط بهم من الذنوب وهو الكفر ففي ضمن ذلك الإعلام والإشارة بأنهم واقعون في مهلكة قد أحاطت بهم وأن لا ينقذهم منها إلا المغفرة المتضمنة للإنقاذ الذي هو أخص من الإبطال والإذهاب، وأما المؤمنون فقد أنقذوا. وأما قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ فهي في موضع (مِن) التي للتبعيض لأن الآية في سياق ثواب الصدقة فإنه قال ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ والصدقة لا تذهب جميع الذنوب ومن هذا النحو قوله ﷺ: "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير " رواه مسلم والترمذي وللبخاري نحوه. فأدخل (عن) في الكلام إيذانا بمعنى الخروج عن اليمين لما ذكر الفاعل وهو الخارج فكأنه قال فليخرج بالكفارة عن يمينه ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ ولم يذكر (مِن) وأضاف الكفارة إلى الأيمان وذلك من إضافة المصدر إلى المفعول وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنما يكفر الحنث والإثم ولكن الكفارة حل لعقد اليمين فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد إذ اليمين عقد والكفارة حل له والله أعلم.

آل عمران 3:150

(فصل) ألْقى الله سُبْحانَهُ العَداوَة بَين الشَّيْطان وبَين الملك والعداوة بَين العقل وبَين الهوى والعداوة بَين النَّفس الأمارة وبَين القلب وابتلى العَبْد بذلك وجمع لَهُ بَين هَؤُلاءِ وأمد كل حزب بِجُنُود وأعْوان فَلا تزال الحَرْب سجالا ودولا بَين الفَرِيقَيْنِ إلى أن يستولي أحدهما على الآخر ويكون الآخر مقهورا مَعَه فَإذا كانَت النّوبَة للقلب والعقل والملك فهنالك السرُور والنَّعِيم واللذة والبهجة والفرح وقرة العين وطيب الحَياة وانشراح الصَّدْر والفوز بالغنائم وإذا كانَت النّوبَة للنَّفس والهوى والشيطان فهنالك الغموم والهموم والأحْزان وأنواع المكاره وضيق الصَّدْر وحبس الملك فَما ظَنك بِملك استولى عَلَيْهِ عدوه فأنزله عَن سَرِير ملكه وأسره وحبسه وحال بَينه وبَين خزائنه وذخائره وخدمه وصيّرها لَهُ ومَعَ هَذا فَلا يَتَحَرَّك الملك لطلب ثَأْره ولا يستغيث بِمن يغيثه ولا يستنجد بِمن ينجده وفَوق هَذا الملك ملِك قاهر لا يقهر وغالب لا يغلب وعزيز لا يذل فَأرْسل إلَيْهِ إن استنصرتني نصرتك وإن استغثت بِي أغثتك وإن التجأت إلَيّ أخذت بثأرك وإن هربت إلَيّ وأويت إلَيّ سلطتك على عَدوك وجَعَلته تَحت أسرك فَإن قالَ هَذا الملك المأسور قد شدّ عدوي وثاقي وأحكم رباطي واستوثق مني بالقيود ومَنَعَنِي من النهوض إلَيْك والفرار إلَيْك والمسير إلى بابك فَإن أرْسلت جندا من عنْدك يحل وثاقي ويفك قيودي ويخرجني من حَبسه أمكنني أن أوافي بابك وإلّا لم يمكنني مُفارقَة محبسي ولا كسر قيودي فَإن قالَ ذَلِك احتجاجا على ذَلِك السُّلْطان ودفعا لرسالته ورضا بِما هو فِيهِ عند عدوّه خلاه السُّلْطان الأعْظَم وحاله وولاه ما تولى وإن قالَ ذَلِك افتقارا إلَيْهِ وإظهارا لعَجزه وذله وأنه أضْعَف وأعجز أن يسير إلَيْهِ بِنَفسِهِ ويخرج من حبس عدوه ويتخلص مِنهُ بحوله وقوته وأن من تَمام نعْمَته ذَلِك عَلَيْهِ كَما أرسل إلَيْهِ هَذِه الرسالَة أن يمده من جنده ومماليكه بِمن يُعينهُ على الخَلاص ويكسر باب محبسه ويفك قيوده فَإن فعل بِهِ ذَلِك فقد أتم إنعامه عَلَيْهِ وإن تخلى عَنهُ فَلم يَظْلمه ولا مَنعه حَقًا هو له وأن حَمده وحكمته اقْتضى مَنعه وتخليته في محبسه ولا سِيما إذا علم أن الحَبْس حَبسه وأن هَذا العَدو الَّذِي حَبسه مَمْلُوك من مماليكه وعبد من عبيده ناصيته بِيَدِهِ لا يتَصَرَّف إلّا بِإذْنِهِ ومشيئته فَهو غير ملتفت إلَيْهِ ولا خائِف مِنهُ ولا مُعْتَقد أن لَهُ شَيْئا من الأمر ولا بِيَدِهِ نفع ولا ضرّ بل هو ناطر إلى مالِكه ومتولي أمره ومن ناصيته بِيَدِهِ قد أفرده بالخوف والرجاء والتضرّع إلَيْهِ والالتجاء والرَّغْبَة والرهبة فهناك تَأتيه جيوش النَّصْر والظفر.

آل عمران 3:152

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «ما نُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَوْطِنٍ نَصْرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقالَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُنْكِرُ كِتابُ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَسُّ: القَتْلُ، ولَقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِأصْحابِهِ أوَّلُ النَّهارِ حَتّى قُتِلَ مِن أصْحابِ المُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أوْ تِسْعَةٌ». وذَكَرَ الحَدِيثَ. وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ في غَزاةِ بَدْرٍ وأُحُدٍ، والنُّعاسُ في الحَرْبِ وعِنْدَ الخَوْفِ دَلِيلٌ عَلى الأمْنِ، وهو مِنَ اللَّهِ، وفي الصَّلاةِ ومَجالِسِ الذِّكْرِ والعِلْمِ مِنَ الشَّيْطانِ. وَقاتَلَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ومَعَهُ رَجُلانِ يُقاتِلانِ عَنْهُ، عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ كَأشَدِّ القِتالِ، ما رَأيْتُهُما قَبْلُ ولا بَعْدُ». وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": «أنَّهُ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأنْصارِ، ورَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، فَلَمّا رَهِقُوهُ، قالَ: " مَن يَرُدُّهم عَنّا ولَهُ الجَنَّةُ، أوْ هو رَفِيقِي في الجَنَّةِ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقاتَلَ حَتى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ، فَقالَ: مَن يَرُدُّهم عَنّا ولَهُ الجَنَّةُ، أوْ هو رَفِيقِي في الجَنَّةِ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقاتَلَ حَتى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ما أنْصَفْنا أصْحابَنا» وهَذا يُرْوى عَلى وجْهَيْنِ: بِسُكُونِ الفاءِ ونَصْبِ " أصْحابَنا " عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وفَتْحِ الفاءِ ورَفْعِ " أصْحابُنا " عَلى الفاعِلِيَّةِ. وَوَجْهُ النَّصْبِ: أنَّ الأنْصارَ لَمّا خَرَجُوا لِلْقِتالِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ حَتّى قُتِلُوا، ولَمْ يَخْرُجِ القُرَشِيّانِ، قالَ ذَلِكَ، أيْ: ما أنْصَفَتْ قُرَيْشٌ الأنْصارَ. وَوَجْهُ الرَّفْعِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأصْحابِ الَّذِينَ فَرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أُفْرِدَ في النَّفَرِ القَلِيلِ، فَقُتِلُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، فَلَمْ يُنْصِفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَن ثَبَتَ مَعَهُ. وَفِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " عَنْ عائشة، قالَتْ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْصَرَفَ النّاسُ كُلُّهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكُنْتُ أوَّلَ مَن فاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَرَأيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلًا يُقاتِلُ عَنْهُ ويَحْمِيهِ، قُلْتُ: كُنْ طلحة فِداكَ أبِي وأُمِّي، كُنْ طلحة فِداكَ أبِي وأُمِّي. فَلَمْ أنْشَبْ، أنْ أدْرَكَنِي أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، وإذا هو يَشْتَدُّ كَأنَّهُ طَيْرٌ حَتّى لَحِقَنِي، فَدَفَعْنا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا طلحة بَيْنَ يَدَيْهِ صَرِيعًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " دُونَكم أخاكم فَقَدْ أوْجَبَ "، وقَدْ رُمِيَ النَّبِيُّ ﷺ في جَبِينِهِ، ورُوِيَ في وجْنَتِهِ، حَتى غابَتْ حَلْقَةٌ مِن حَلَقِ المِغْفَرِ في وجْنَتِهِ، فَذَهَبْتُ لِأنْزِعَها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ أبو عبيدة: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ يا أبا بكر إلّا تَرَكْتَنِي؟ قالَ: فَأخَذَ أبو عبيدة السَّهْمَ بِفِيهِ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ كَراهَةَ أنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَلَّ السَّهْمَ بِفِيهِ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أبي عبيدة، قالَ أبو بكر: ثُمَّ ذَهَبْتُ لِآخُذَ الآخَرَ، فَقالَ أبو عبيدة: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ يا أبا بكر إلّا تَرَكْتَنِي؟ قالَ فَأخَذَهُ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ حَتى اسْتَلَّهُ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أبي عبيدة الأُخْرى، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " دُونَكم أخاكم فَقَدْ أوْجَبَ "، قالَ: فَأقْبَلْنا عَلى طلحة نُعالِجُهُ، وقَدْ أصابَتْهُ بِضْعَةَ عَشَرَ ضَرْبَةً». وَفِي " مَغازِي الأُمَوِيِّ ": أنَّ المُشْرِكِينَ صَعِدُوا عَلى الجَبَلِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لسعد " اجْنُبْهم " يَقُولُ: ارْدُدْهم. فَقالَ: كَيْفَ أجْنُبُهم وحْدِي؟ فَقالَ: ذَلِكَ ثَلاثًا، فَأخَذَ سعد سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ، فَرَمى بِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، قالَ: ثُمَّ أخَذْتُ سَهْمِي أعْرِفُهُ، فَرَمَيْتُ بِهِ آخَرَ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ أخَذْتُهُ أعْرِفُهُ، فَرَمَيْتُ بِهِ آخَرَ فَقَتَلْتُهُ، فَهَبَطُوا مِن مَكانِهِمْ، فَقُلْتُ: هَذا سَهْمٌ مُبارَكٌ، فَجَعَلْتُهُ في كِنانَتِي، فَكانَ عِنْدَ سعد حَتّى ماتَ، ثُمَّ كانَ عِنْدَ بَنِيهِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبي حازم، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: «واللَّهِ إنِّي لَأعْرِفُ مَن كانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَن كانَ يَسْكُبُ الماءَ، وبِما دُووِيَ، كانَتْ فاطمة ابْنَتُهُ تَغْسِلُهُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَسْكُبُ الماءَ بِالمِجَنِّ، فَلَمّا رَأتْ فاطمة أنَّ الماءَ لا يَزِيدُ الدَّمَ إلّا كَثْرَةً، أخَذَتْ قِطْعَةً مِن حَصِيرٍ، فَأحْرَقَتْها، فَألْصَقَتْها فاسْتَمْسَكَ الدَّمُ». وَفِي " الصَّحِيحِ ": «أنَّهُ كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وشُجَّ في رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ، ويَقُولُ: " كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ، وكَسَرُوا رَباعِيَتَهُ، وهو يَدْعُوهم "، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]» [آل عمران: ١٢٨]. وَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ لَمْ يَنْهَزِمْ أنس بن النضر، وقالَ: (اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُسْلِمِينَ - وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، فَقالَ: أيْنَ يا أبا عمر؟ فَقالَ أنس: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ يا سعد، إنِّي أجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، ثُمَّ مَضى، فَقاتَلَ القَوْمَ حَتّى قُتِلَ، فَما عُرِفَ حَتّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنانِهِ وبِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ ما بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ). وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ أوَّلَ النَّهارِ كَما تَقَدَّمَ، فَصَرَخَ فِيهِمْ إبْلِيسُ! أيْ عِبادَ اللَّهِ، أخْزاكُمُ اللَّهُ، فارْجِعُوا مِنَ الهَزِيمَةِ، فاجْتَلِدُوا. «وَنَظَرَ حذيفة إلى أبِيهِ، والمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، وهم يَظُنُّونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: أيْ عِبادَ اللَّهِ! أبِي، فَلَمْ يَفْهَمُوا قَوْلَهُ حَتّى قَتَلُوهُ، فَقالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، فَأرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدِيَهُ، فَقالَ قَدْ تَصَدَّقْتُ بِدِيَتِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، فَزادَ ذَلِكَ حذيفة خَيْرًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ». «وَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أطْلُبُ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقالَ لِي: إنْ رَأيْتَهُ فَأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قالَ: فَجَعَلْتُ أطُوفُ بَيْنَ القَتْلى فَأتَيْتُهُ، وهو بِآخِرِ رَمَقٍ، وفِيهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً، ما بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَقُلْتُ: يا سعد، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَقُولُ لَكَ: أخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقالَ: وعَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّلامُ، قُلْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ، وقُلْ لِقَوْمِيَ الأنْصارِ: لا عُذْرَ لَكم عِنْدَ اللَّهِ إنْ خُلِصَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيكم عَيْنٌ تَطْرِفُ، وفاضَتْ نَفْسُهُ مِن وقْتِهِ». «وَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]» الآيَةَ [آل عمران: ١٤٢]. وَقالَ «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ حَرامٍ: رَأيْتُ في النَّوْمِ قَبْلَ أُحُدٍ، مبشر بن عبد المنذر، يَقُولُ لِي: أنْتَ قادِمٌ عَلَيْنا في أيّامٍ، فَقُلْتُ: وأيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: في الجَنَّةِ نَسْرَحُ فِيها كَيْفَ نَشاءُ. قُلْتُ لَهُ: ألَمْ تُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قالَ: بَلى ثُمَّ أُحْيِيتُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَذِهِ الشَّهادَةُ يا أبا جابر». «وَقالَ خيثمة أبو سعد، وكانَ ابْنُهُ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ: (لَقَدْ أخْطَأتْنِي وقْعَةُ بَدْرٍ، وكُنْتُ واللَّهِ عَلَيْها حَرِيصًا، حَتّى ساهَمْتُ ابْنِي في الخُرُوجِ، فَخَرَجَ سَهْمُهُ، فَرُزِقَ الشَّهادَةَ، وقَدْ رَأيْتُ البارِحَةَ ابْنِي في النَّوْمِ في أحْسَنِ صُورَةٍ يَسْرَحُ في ثِمارِ الجَنَّةِ وأنْهارِها، ويَقُولُ: الحَقْ بِنا تُرافِقْنا في الجَنَّةِ، فَقَدْ وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقّا، وقَدْ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ أصْبَحْتُ مُشْتاقًا إلى مُرافَقَتِهِ في الجَنَّةِ، وقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، وأحْبَبْتُ لِقاءَ رَبِّي، فادْعُ اللَّهَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَرْزُقَنِي الشَّهادَةَ، ومُرافَقَةَ سعد في الجَنَّةِ، فَدَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا». وَقالَ عبد الله بن جحش في ذَلِكَ اليَوْمِ: (اللَّهُمَّ إنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أنْ ألْقى العَدُوَّ غَدًا فَيَقْتُلُونِي، ثُمَّ يَبْقُرُوا بَطْنِي، ويَجْدَعُوا أنْفِي، وأُذُنِي، ثُمَّ تَسْألُنِي: فِيمَ ذَلِكَ فَأقُولُ فِيكَ). «وَكانَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ أعْرَجَ شَدِيدَ العَرَجِ، وكانَ لَهُ أرْبَعَةُ بَنِينَ شَبابٌ، يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا غَزا، فَلَمّا تَوَجَّهَ إلى أُحُدٍ، أرادَ أنْ يَتَوَجَّهَ مَعَهُ، فَقالَ لَهُ بَنُوهُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ رُخْصَةً، فَلَوْ قَعَدْتَ ونَحْنُ نَكْفِيكَ، وقَدْ وضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الجِهادَ. فَأتى عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ بَنِيَّ هَؤُلاءِ يَمْنَعُونِي أنْ أخْرُجَ مَعَكَ، وواللَّهِ إنِّي لَأرْجُو أنْ أُسْتَشْهَدَ فَأطَأ بِعَرْجَتِي هَذِهِ في الجَنَّةِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أمّا أنْتَ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الجِهادَ وقالَ لِبَنِيهِ: " وما عَلَيْكم أنْ تَدَعُوهُ، لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَرْزُقَهُ الشَّهادَةَ)، فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا». (وانْتَهى أنس بن النضر إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ في رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَدْ ألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ، فَقالَ: ما يُجْلِسُكُمْ؟، فَقالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: فَما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القَوْمَ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ). «وَأقْبَلَ أبي بن خلف عَدُوُّ اللَّهِ، وهو مُقَنَّعٌ في الحَدِيدِ، يَقُولُ: لا نَجَوْتُ إنْ نَجا مُحَمَّدٌ، وكانَ حَلَفَ بِمَكَّةَ أنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَقُتِلَ مصعب، وأبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْقُوَةَ أبي بن خلف مِن فُرْجَةٍ بَيْنَ سابِغَةِ الدِّرْعِ والبَيْضَةِ، فَطَعَنَهُ بِحَرْبَتِهِ، فَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ، فاحْتَمَلَهُ أصْحابُهُ، وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا: ما أجْزَعَكَ؟ إنَّما هو خَدْشٌ، فَذَكَرَ لَهم قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: (بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى)، فَماتَ بِرابِغٍ». قالَ ابْنُ عُمَرَ: (إنِّي لَأسِيرُ بِبَطْنِ رابِغٍ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، إذا نارٌ تَأجَّجُ لِي فَيَمَّمْتُها، وإذا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنها في سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُها يَصِيحُ العَطَشَ، وإذا رَجُلٌ يَقُولُ: لا تَسْقِهِ هَذا قَتِيلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هَذا أبي بن خلف). وَقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ يَقُولُ: شَهِدْتُ أُحُدًا، فَنَظَرْتُ إلى النَّبْلِ يَأْتِي مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَطَها، كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَفُ عَنْهُ، ولَقَدْ رَأيْتُ عبد الله بن شهاب الزهري، يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: دُلُّونِي عَلى مُحَمَّدٍ، لا نَجَوْتُ إنْ نَجا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جَنْبِهِ ما مَعَهُ أحَدٌ، ثُمَّ جاوَزَهُ، فَعاتَبَهُ في ذَلِكَ صفوان، فَقالَ: واللَّهِ ما رَأيْتُهُ، أحْلِفُ بِاللَّهِ، إنَّهُ مِنّا مَمْنُوعٌ، فَخَرَجْنا أرْبَعَةً، فَتَعاهَدْنا، وتَعاقَدْنا عَلى قَتْلِهِ، فَلَمْ نَخْلُصْ إلى ذَلِكَ. «وَلَمّا مَصَّ مالك أبو أبي سعيد الخدري جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أنْقاهُ قالَ لَهُ: " مُجَّهُ "، قالَ: واللَّهِ لا أمُجُّهُ أبَدًا ثُمَّ أدْبَرَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هَذا». (موعظة) إذا تكلم من يريد الدنيا بكلامه فإنه كلما حفر في قليب قلبه وأمعن في الاستنباط انهار عليه تراب الطمع فطمه. إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص عنك فاعلم أنه لطف بك، لأن المنعم لم يقبضه بخلا أن يتمزق ولكن رفقا بالساعي أن يتعثر.

آل عمران 3:155

[من حكم غزوة أحد] فَصْلٌ ثُمّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ حِكْمَةٍ أُخْرى في هَذا التَّقْدِيرِ هي ابْتِلاءُ ما في صُدُورِهِمْ، وهو اخْتِبارُ ما فِيها مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ، فالمُؤْمِنُ لا يَزْدادُ بِذَلِكَ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا، والمُنافِقُ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ لا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ ما في قَلْبِهِ عَلى جَوارِحِهِ ولِسانِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرى: وهو تَمْحِيصُ ما في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وهو تَخْلِيصُهُ وتَنْقِيَتُهُ وتَهْذِيبُهُ، فَإنَّ القُلُوبَ يُخالِطُها بِغَلَباتِ الطَّبائِعِ، ومَيْلِ النُّفُوسِ، وحُكْمِ العادَةِ، وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ، واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ ما يُضادُّ ما أُودِعَ فِيها مِنَ الإيمانِ والإسْلامِ والبِرِّ والتّقْوى، فَلَوْ تُرِكَتْ في عافِيَةٍ دائِمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَمْ تَتَخَلَّصْ مِن هَذِهِ المُخالَطَةِ ولَمْ تَتَمَحَّصْ مِنهُ، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ العَزِيزِ أنْ قَيَّضَ لَها مِنَ المِحَنِ والبَلايا ما يَكُونُ كالدَّواءِ الكَرِيهِ لِمَن عَرَضَ لَهُ داءٌ إنْ لَمْ يَتَدارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإزالَتِهِ وتَنْقِيَتِهِ مِن جَسَدِهِ، وإلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنهُ الفَسادُ والهَلاكُ، فَكانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الكَسْرَةِ والهَزِيمَةِ وقَتْلِ مَن قُتِلَ مِنهم تُعادِلُ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وتَأْيِيدِهِمْ وظَفَرِهِمْ بِعَدُوِّهِمْ، فَلَهُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةُ التّامَّةُ في هَذا وهَذا. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ تَوَلِّي مَن تَوَلّى مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ وأنَّهُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، فاسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِتِلْكَ الأعْمالِ حَتّى تَوَلَّوْا، فَكانَتْ أعْمالُهم جُنْدًا عَلَيْهِمُ ازْدادَ بِها عَدُوُّهم قُوَّةً، فَإنَّ الأعْمالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ وجُنْدٌ عَلَيْهِ ولا بُدَّ، فَلِلْعَبْدِ كُلُّ وقْتٍ سَرِيَّةٌ مِن نَفْسِهِ تَهْزِمُهُ أوْ تَنْصُرُهُ، فَهو يَمُدُّ عَدُوَّهُ بِأعْمالِهِ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يُقاتِلُهُ بِها، ويَبْعَثُ إلَيْهِ سَرِيَّةً تَغْزُوهُ مَعَ عَدُوِّهِ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يَغْزُو عَدُوَّهُ، فَأعْمالُ العَبْدِ تَسُوقُهُ قَسْرًا إلى مُقْتَضاها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والعَبْدُ لا يَشْعُرُ أوْ يَشْعُرُ ويَتَعامى، فَفِرارُ الإنْسانِ مِن عَدُوِّهِ وهو يُطِيقُهُ إنّما هو بِجُنْدٍ مِن عَمَلِهِ بَعَثَهُ لَهُ الشَّيْطانُ واسْتَزَلَّهُ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَفا عَنْهُمْ، لِأنَّ هَذا الفِرارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفاقٍ ولا شَكٍّ، وإنَّما كانَ عارِضًا عَفا اللَّهُ عَنْهُ فَعادَتْ شَجاعَةُ الإيمانِ وثَباتُهُ إلى مَرْكَزِها ونِصابِها. ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الَّذِي أصابَهم إنّما أُتُوا فِيهِ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، وبِسَبَبِ أعْمالِهِمْ، فَقالَ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وذَكَرَ هَذا بِعَيْنِهِ فِيما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ، فَقالَ: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقالَ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فالحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هاهُنا: النِّعْمَةُ والمُصِيبَةُ، فالنِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِها عَلَيْكَ، والمُصِيبَةُ إنّما نَشَأتْ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وعَمَلِكَ، فالأوَّلُ فَضْلُهُ، والثّانِي عَدْلُهُ، والعَبْدُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ، جارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فِيهِ قَضاؤُهُ. وَخَتَمَ الآيَةَ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ إعْلامًا لَهم بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ مَعَ عَدْلِهِ، وأنَّهُ عادِلٌ قادِرٌ، وفي ذَلِكَ إثْباتُ القَدَرِ والسَّبَبِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ وأضافَهُ إلى نُفُوسِهِمْ، وذَكَرَ عُمُومَ القُدْرَةِ وأضافَها إلى نَفْسِهِ، فالأوَّلُ يَنْفِي الجَبْرَ، والثّانِي يَنْفِي القَوْلَ بِإبْطالِ القَدَرِ، فَهو يُشاكِلُ قَوْلَهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٣٠]. وَفِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ هاهُنا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ هَذا الأمْرَ بِيَدِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، وأنَّهُ هو الَّذِي لَوْ شاءَ لَصَرَفَهُ عَنْكُمْ، فَلا تَطْلُبُوا كَشْفَ أمْثالِهِ مِن غَيْرِهِ، ولا تَتَّكِلُوا عَلى سِواهُ، وكَشَفَ هَذا المَعْنى وأوْضَحَهُ كُلَّ الإيضاحِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾، وهو الإذْنُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ، لا الشَّرْعِيُّ الدِّينِيُّ، كَقَوْلِهِ في السِّحْرِ: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حِكْمَةِ هَذا التَّقْدِيرِ، وهي أنْ يَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُنافِقِينَ عِلْمَ عِيانٍ ورُؤْيَةٍ يَتَمَيَّزُ فِيهِ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ تَمْيِيزًا ظاهِرًا، وكانَ مِن حِكْمَةِ هَذا التَّقْدِيرِ تَكَلُّمُ المُنافِقِينَ بِما في نُفُوسِهِمْ فَسَمِعَهُ المُؤْمِنُونَ، وسَمِعُوا رَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وجَوابَهُ لَهُمْ، وعَرَفُوا مُؤَدّى النِّفاقِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وكَيْفَ يُحْرَمُ صاحِبُهُ سَعادَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِفَسادِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَلَّهِ كَمْ مِن حِكْمَةٍ في ضِمْنِ هَذِهِ القِصَّةِ بالِغَةٍ ونِعْمَةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ سابِغَةٍ، وكَمْ فِيها مِن تَحْذِيرٍ وتَخْوِيفٍ وإرْشادٍ وتَنْبِيهٍ وتَعْرِيفٍ بِأسْبابِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وما لَهُما وعاقِبَتُهُما! ثُمَّ عَزّى نَبِيَّهُ وأوْلِياءَهُ عَمَّنْ قُتِلَ مِنهم في سَبِيلِهِ أحْسَنَ تَعْزِيَةٍ وألْطَفَها، وأدْعاها إلى الرِّضى بِما قَضاهُ لَها، فَقالَ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧٠] فَجَمَعَ لَهم إلى الحَياةِ الدّائِمَةِ مَنزِلَةَ القُرْبِ مِنهُ وأنَّهم عِنْدَهُ، وجَرَيانَ الرِّزْقِ المُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وفَرَحَهم بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ، وهو فَوْقَ الرِّضى بَلْ هو كَمالُ الرِّضى، واسْتِبْشارُهم بِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ بِاجْتِماعِهِمْ بِهِمْ يَتِمُّ سُرُورُهم ونَعِيمُهم واسْتِبْشارُهم بِما يُجَدِّدُ لَهم كُلَّ وقْتٍ مِن نِعْمَتِهِ وكَرامَتِهِ. وَذَكَّرَهم سُبْحانَهُ في أثْناءِ هَذِهِ المِحْنَةِ بِما هو مِن أعْظَمِ مِنَنِهِ ونِعَمِهِ عَلَيْهِمُ الَّتِي إنْ قابَلُوا بِها كُلَّ مِحْنَةٍ تَنالُهم وبَلِيَّةٍ تَلاشَتْ في جَنْبِ هَذِهِ المِنَّةِ والنِّعْمَةِ، ولَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ ألْبَتَّةَ. وَهِي مِنَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِن أنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ، ويُزَكِّيهِمْ، ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ، ويُنْقِذُهم مِنَ الضَّلالِ الَّذِي كانُوا فِيهِ قَبْلَ إرْسالِهِ إلى الهُدى، ومِنَ الشَّقاءِ إلى الفَلاحِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، ومِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ، فَكُلُّ بَلِيَّةٍ ومِحْنَةٍ تَنالُ العَبْدَ بَعْدَ حُصُولِ هَذا الخَيْرِ العَظِيمِ لَهُ أمْرٌ يَسِيرٌ جِدًّا في جَنْبِ الخَيْرِ الكَثِيرِ كَما يَنالُ النّاسَ بِأذى المَطَرِ في جَنْبِ ما يَحْصُلُ لَهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ، فَأعْلَمَهم أنَّ سَبَبَ المُصِيبَةِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لِيَحْذَرُوا، وأنّها بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، لِيُوَحِّدُوا ويَتَّكِلُوا، ولا يَخافُوا غَيْرَهُ، وأخْبَرَهم بِما لَهم فِيها مِنَ الحِكَمِ لِئَلّا يَتَّهِمُوهُ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، ولِيَتَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بِأنْواعِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وسَلّاهم بِما أعْطاهم مِمّا هو أجَلُّ قَدْرًا وأعْظَمُ خَطَرًا مِمّا فاتَهم مِنَ النَّصْرِ والغَنِيمَةِ، وعَزّاهم عَنْ قَتْلاهم بِما نالُوهُ مِن ثَوابِهِ وكَرامَتِهِ، لِيُنافِسُوهم فِيهِ، ولا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ، فَلَهُ الحَمْدُ كَما هو أهْلُهُ، وكَما يَنْبَغِي لِكَرَمِ وجْهِهِ وعِزِّ جَلالِهِ.

آل عمران 3:159

[فَصْلٌ العَزْمُ] فَإذا اسْتَحْكَمَ قَصْدُهُ صارَ عَزْمًا جازِمًا، مُسْتَلْزِمًا لِلشُّرُوعِ في السَّفَرِ، مَقْرُونًا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، قالَ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والعَزْمُ: هو القَصْدُ الجازِمُ المُتَّصِلُ بِالفِعْلِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ الشُّرُوعِ في الحَرَكَةِ لِطَلَبِ المَقْصُودِ، وأنَّ التَّحْقِيقَ: أنَّ الشُّرُوعَ في الحَرَكَةِ ناشِئٌ عَنِ العَزْمِ، لا أنَّهُ هو نَفْسُهُ، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِهِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ ظَنَّ أنَّهُ هو. وَحَقِيقَتُهُ: هو اسْتِجْماعُ قُوى الإرادَةِ عَلى الفِعْلِ. والعَزْمُ نَوْعانِ، أحَدُهُما: عَزْمُ المُرِيدِ عَلى الدُّخُولِ في الطَّرِيقِ، وهو مِنَ البِداياتِ، والثّانِي: عَزْمٌ في حالِ السَّيْرِ مَعَهُ، وهو أخَصُّ مِن هَذا، وهو مِنَ المَقاماتِ، وسَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وَفِي هَذِهِ المَنزِلَةِ يَحْتاجُ السّالِكُ إلى تَمْيِيزِ ما لَهُ مِمّا عَلَيْهِ، لِيَسْتَصْحِبَ ما لَهُ ويُؤَدِّيَ ما عَلَيْهِ، وهو المُحاسَبَةُ وهي قَبْلَ التَّوْبَةِ في المَرْتَبَةِ، فَإنَّهُ إذا عَرَفَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ أخَذَ في أداءِ ما عَلَيْهِ، والخُرُوجِ مِنهُ، وهو التَّوْبَةُ. وَصاحِبُ المَنازِلِ قَدَّمَ التَّوْبَةَ عَلى المُحاسَبَةِ، ووَجْهُ هَذا أنَّهُ رَأى التَّوْبَةَ أوَّلَ مَنازِلِ السّائِرِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ، ولا تَتِمُّ التَّوْبَةُ إلّا بِالمُحاسَبَةِ، فالمُحاسَبَةُ تَكْمِيلُ مَقامِ التَّوْبَةِ، فالمُرادُ بِالمُحاسَبَةِ الِاسْتِمْرارَ عَلى حِفْظِ التَّوْبَةِ، حَتّى لا يَخْرُجَ عَنْها، وكَأنَّهُ وفاءٌ بِعَقْدِ التَّوْبَةِ. واعْلَمْ أنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ المَقاماتِ لَيْسَ بِاعْتِبارِ أنَّ السّالِكَ يَقْطَعُ المَقامَ ويُفارِقُهُ ويَنْتَقِلُ إلى الثّانِي، كَمَنازِلِ السَّيْرِ الحِسِّيِّ، هَذا مُحالٌ، ألا تَرى أنَّ اليَقَظَةَ مَعَهُ في كُلِّ مَقامٍ لا تُفارِقُهُ، وكَذَلِكَ البَصِيرَةُ والإرادَةُ والعَزْمُ وكَذَلِكَ التَّوْبَةُ فَإنَّها كَما أنَّها مِن أوَّلِ المَقاماتِ فَهي آخِرُها أيْضًا، بَلْ هي في كُلِّ مَقامٍ مُسْتَصْحَبَةٌ، ولِهَذا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى آخِرَ مَقاماتِ خاصَّتِهِ، فَقالَ تَعالى في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ الغَزَواتِ الَّتِي قَطَعُوا فِيها الأوْدِيَةَ والبِداياتِ والأحْوالَ والنِّهاياتِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] فَجَعَلَ التَّوْبَةَ أوَّلَ أمْرِهِمْ وآخِرَهُ، وقالَ في سُورَةِ أجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هي آخَرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ - إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما صَلّى صَلاةً بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ إلّا قالَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ» فالتَّوْبَةُ هي نِهايَةُ كُلِّ سالِكٍ وكُلِّ ولِيٍّ لِلَّهِ، وهي الغايَةُ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها العارِفُونَ بِاللَّهِ وعُبُودِيَّتِهِ، وما يَنْبَغِي لَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢-٧٣] فَجَعَلَ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ غايَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ في مَقامٍ مِنَ المَقاماتِ. وَإنَّما هَذا التَّرْتِيبُ تَرْتِيبُ المَشْرُوطِ المُتَوَقِّفِ عَلى شَرْطِهِ المُصاحِبِ لَهُ. وَمِثالُ ذَلِكَ: أنَّ الرِّضا مُتَرَتِّبٌ عَلى الصَّبْرِ لِتَوَقُّفِ الرِّضا عَلَيْهِ، واسْتِحالَةِ ثُبُوتِهِ بِدُونِهِ، فَإذا قِيلَ: إنَّ مَقامَ الرِّضا أوْ حالَهُ عَلى الخِلافِ بَيْنَهم هَلْ هو مَقامٌ أوْ حالٌ؟ بَعْدَ مَقامِ الصَّبْرِ لا يَعْنِي بِهِ أنَّهُ يُفارِقُ الصَّبْرَ ويَنْتَقِلُ إلى الرِّضا وإنَّما يَعْنِي أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ مَقامُ الرِّضا حَتّى يَتَقَدَّمَ لَهُ قَبْلَهُ مَقامُ الصَّبْرِ، فافْهَمْ هَذا التَّرْتِيبَ في مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ. وَإذا كانَ كَذَلِكَ عَلِمْتَ أنَّ القَصْدَ والعَزْمَ مُتَقَدِّمٌ عَلى سائِرِ المَنازِلِ فَلا وجْهَ لِتَأْخِيرِهِ، وعَلِمْتَ بِذَلِكَ أنَّ المُحاسَبَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّوْبَةِ بِالرُّتْبَةِ أيْضًا، فَإنَّهُ إذا حاسَبَ العَبْدُ نَفْسَهُ خَرَجَ مِمّا عَلَيْهِ، وهي حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، وأنَّ مَنزِلَةَ التَّوَكُّلِ قَبْلَ مَنزِلَةِ الإنابَةِ، لِأنَّهُ يَتَوَكَّلُ في حُصُولِها، فالتَّوَكُّلُ وسِيلَةٌ، والإنابَةُ غايَةٌ، وأنَّ مَقامَ التَّوْحِيدِ أوْلى المَقاماتِ أنْ يُبْدَأ بِهِ، كَما أنَّهُ أوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ «فَلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» وفي رِوايَةٍ " إلى أنْ يَعْرِفُوا اللَّهَ " ولِأنَّهُ لا يَصِحُّ مَقامٌ مِنَ المَقاماتِ، ولا حالٌ مِنَ الأحْوالِ إلّا بِهِ، فَلا وجْهَ لِجَعْلِهِ آخِرَ المَقاماتِ، وهو مِفْتاحُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وأوَّلُ فَرْضٍ فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى العِبادِ، وما عَدا هَذا مِنَ الأقْوالِ فَخَطَأٌ، كَقَوْلِ مَن يَقُولُ: أوَّلُ الفُرُوضِ النَّظَرُ، أوِ القَصْدُ إلى النَّظَرِ، أوِ المَعْرِفَةُ، أوِ الشَّكُّ الَّذِي يُوجِبُ النَّظَرَ. وَكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ خَطَأٌ، بَلْ أوَّلُ الواجِباتِ مِفْتاحُ دَعْوَةِ المُرْسَلِينَ كُلِّهِمْ، وهو أوَّلُ ما دَعا إلَيْهِ فاتِحُهم نُوحٌ، فَقالَ ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] وهو أوَّلُ ما دَعا إلَيْهِ خاتِمُهم مُحَمَّدٌ ﷺ. وَلِأرْبابِ السُّلُوكِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ في عَدَدِ المَقاماتِ وتَرْتِيبِها، كُلٌّ يَصِفُ مَنازِلَ سِيَرِهِ، وحالَ سُلُوكِهِ، ولَهُمُ اخْتِلافٌ في بَعْضِ مَنازِلِ السَّيْرِ هَلْ هي مِن قِسْمِ الأحْوالِ؟ والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ المَقاماتِ كَسَبِيَّةٌ، والأحْوالَ وهْبِيَّةٌ، ومِنهم مَن يَقُولُ: الأحْوالُ مِن نَتائِجِ المَقاماتِ، والمَقاماتُ نَتائِجُ الأعْمالِ، فَكُلُّ مَن كانَ أصْلَحَ عَمَلًا كانَ أعْلى مَقامًا، وكُلُّ مَن كانَ أعْلى مَقامًا كانَ أعْظَمَ حالًا. فَمِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ الرِّضا هَلْ هو حالٌ، أوْ مَقامٌ؟ فِيهِ خِلافٌ بَيْنِ الخُراسانِيِّينَ والعِراقِيِّينَ. وَحَكَمَ بَيْنَهم بَعْضُ الشُّيُوخِ، فَقالَ: إنْ حَصَلَ بِكَسْبٍ فَهو مَقامٌ، وإلّا فَهو حالٌ. والصَّحِيحُ في هَذا أنَّ الوارِداتِ والمُنازَلاتِ لَها أسْماءٌ بِاعْتِبارِ أحْوالِها، فَتَكُونُ لَوامِعَ وبِوارِقَ ولَوائِحَ عِنْدَ أوَّلِ ظُهُورِها وبُدُوِّها، كَما يَلْمَعُ البارِقُ ويَلُوحُ عَنْ بُعْدٍ، فَإذا نازَلَتْهُ وباشَرَها فَهي أحْوالٌ، فَإذا تَمَكَّنَتْ مِنهُ وثَبَتَتْ لَهُ مِن غَيْرِ انْتِقالٍ فَهي مَقاماتٌ، وهي لَوامِعُ ولَوائِحُ في أوَّلِها، وأحْوالٌ في أوْسَطِها، ومَقاماتٌ في نِهاياتِها، فالَّذِي كانَ بارِقًا هو بِعَيْنِهِ الحالُ، والَّذِي كانَ حالًا هو بِعَيْنِهِ المَقامُ، وهَذِهِ الأسْماءُ لَهُ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَلْبِ، وظُهُورِهِ لَهُ، وثَباتِهِ فِيهِ. وَقَدْ يَنْسَلِخُ السّالِكُ مِن مَقامِهِ كَما يَنْسَلِخُ مِنَ الثَّوْبِ، ويَنْزِلُ إلى ما دُونَهُ، ثُمَّ قَدْ يَعُودُ إلَيْهِ، وقَدْ لا يَعُودُ. وَمِنَ المَقاماتِ ما يَكُونُ جامِعًا لِمَقامَيْنِ. وَمِنها ما يَكُونُ جامِعًا لِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ. وَمِنها ما يَنْدَرِجُ فِيهِ جَمِيعُ المَقاماتِ، فَلا يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ اسْمَهُ إلّا عِنْدَ اسْتِجْماعِ جَمِيعِ المَقاماتِ فِيهِ. فالتَّوْبَةُ جامِعَةٌ لِمَقامِ المُحاسَبَةِ ومَقامِ الخَوْفِ، لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُها بِدُونِهِما. والتَّوَكُّلُ جامِعٌ لِمَقامِ التَّفْوِيضِ والِاسْتِعانَةِ والرِّضى، لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بِدُونِها. والرَّجاءُ جامِعٌ لِمَقامِ الخَوْفِ والإرادَةِ. والخَوْفُ جامِعٌ لِمَقامِ الرَّجاءِ والإرادَةِ. والإنابَةُ جامِعَةٌ لِمَقامِ المَحَبَّةِ والخَشْيَةِ، لا يَكُونُ العَبْدُ مُنِيبًا إلّا بِاجْتِماعِهِما. والإخْباتُ لَهُ جامِعٌ لِمَقامِ المَحَبَّةِ والذُّلِّ والخُضُوعِ، لا يَكْمُلُ أحَدُها بِدُونِ الآخَرِ إخْباتًا. والزُّهْدُ جامِعٌ لِمَقامِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، لا يَكُونُ زاهِدًا مَن لَمْ يَرْغَبْ فِيما يَرْجُو نَفْعَهُ، ويَرْهَبْ مِمّا يَخافُ ضَرَرَهُ. وَمَقامُ المَحَبَّةِ جامِعٌ لِمَقامِ المَعْرِفَةِ والخَوْفِ والرَّجاءِ والإرادَةِ، فالمَحَبَّةُ مَعْنًى يَلْتَئِمُ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ، وبِها تَحَقُّقُها. وَمَقامُ الخَشْيَةِ جامِعٌ لِمَقامِ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، والمَعْرِفَةِ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ، فَمَتى عَرَفَ اللَّهَ وعَرَفَ حَقَّهُ اشْتَدَّتْ خَشْيَتُهُ لَهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فالعُلَماءُ بِهِ وبِأمْرِهِ هم أهْلُ خَشْيَتِهِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ «أنا أعْلَمُكم بِاللَّهِ وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً». وَمَقامُ الهَيْبَةِ جامِعٌ لِمَقامِ المَحَبَّةِ والإجْلالِ والتَّعْظِيمِ. وَمَقامُ الشُّكْرِ جامِعٌ لِجَمِيعِ مَقاماتِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ كانَ أرْفَعَها وأعْلاها، وهو فَوْقَ الرِّضا وهو يَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ مِن غَيْرِ عَكْسٍ، ويَتَضَمَّنُ التَّوَكُّلَ والإنابَةَ والحُبَّ والإخْباتَ والخُشُوعَ والرَّجاءَ فَجَمِيعُ المَقاماتِ مُنْدَرِجَةٌ فِيهِ، لا يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ اسْمَهُ عَلى الإطْلاقِ إلّا بِاسْتِجْماعِ المَقاماتِ لَهُ، ولِهَذا كانَ الإيمانُ نِصْفَيْنِ: نِصْفُ صَبْرٍ، ونِصْفُ شُكْرٍ، والصَّبْرُ داخِلٌ في الشُّكْرِ، فَرَجِعَ الإيمانُ كُلُّهُ شُكْرًا، والشّاكِرُونَ هم أقَلُّ العِبادِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وَمَقامُ الحَياءِ جامِعٌ لِمَقامِ المَعْرِفَةِ والمُراقَبَةِ. وَمَقامُ الأُنْسِ جامِعٌ لِمَقامِ الحُبِّ مَعَ القُرْبِ، فَلَوْ كانَ المُحِبُّ بَعِيدًا مِن مَحْبُوبِهِ لَمْ يَأْنَسْ بِهِ، ولَوْ كانَ قَرِيبًا مِن رَجُلٍ ولَمْ يُحِبَّهُ لَمْ يَأْنَسْ بِهِ، حَتّى يَجْتَمِعَ لَهُ حُبُّهُ مَعَ القُرْبِ مِنهُ. وَمَقامُ الصِّدْقِ جامِعٌ لِلْإخْلاصِ والعَزْمِ، فَبِاجْتِماعِهِما يَصِحُّ لَهُ مَقامُ الصِّدْقِ. وَمَقامُ المُراقَبَةِ جامِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ الخَشْيَةِ، فَبِحَسَبِهِما يَصِحُّ مَقامُ المُراقَبَةِ. وَمَقامُ الطُّمَأْنِينَةِ جامِعٌ لِلْإنابَةِ والتَّوَكُّلِ، والتَّفْوِيضِ والرِّضى والتَّسْلِيمِ، فَهو مَعْنًى مُلْتَئِمٌ مِن هَذِهِ الأُمُورِ، إذا اجْتَمَعَتْ صارَ صاحِبُها صاحِبَ طُمَأْنِينَةٍ، وما نَقَصَ مِنها نَقَصَ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ. وَكَذَلِكَ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ كُلٌّ مِنهُما مُلْتَئِمٌ مِنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، والرَّجاءُ عَلى الرَّغْبَةِ أغْلَبُ، والخَوْفُ عَلى الرَّهْبَةِ أغْلَبُ. وَكُلُّ مَقامٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ فالسّالِكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ نَوْعانِ: أبْرارٌ، ومُقَرَّبُونَ، فالأبْرارُ في أذْيالِهِ، والمُقَرَّبُونَ في ذُرْوَةِ سَنامِهِ، وهَكَذا مَراتِبُ الإيمانِ جَمِيعُها، وكُلٌّ مِنَ النَّوْعَيْنِ لا يُحْصِي تَفاوُتَهُمْ، وتَفاضُلَ دَرَجاتِهِمْ إلّا اللَّهُ. وَتَقْسِيمُهم ثَلاثَةُ أقْسامٍ عامٌّ، وخاصٌّ، وخاصٌّ خاصٌّ إنَّما نَشَأ مِن جَعْلِ الفَناءِ غايَةَ الطَّرِيقِ، وعِلْمِ القَوْمِ الَّذِي شَمَّرُوا إلَيْهِ، وسَنَذْكُرُ ما في ذَلِكَ، وأقْسامُ الفَناءِ مَحْمُودِهِ ومَذْمُومِهِ، فاضِلِهِ ومَفْضُولِهِ، فَإنَّ إشارَةَ القَوْمِ إلَيْهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ، ومَدارَهم عَلَيْهِ. عَلى أنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ مُرَتِّبٍ لِلْمَنازِلِ لا يَخْلُو عَنْ تَحَكُّمٍ، ودَعْوى مِن غَيْرِ مُطابَقَةٍ، فَإنَّ العَبْدَ إذا التَزَمَ عَقْدَ الإسْلامِ، ودَخَلَ فِيهِ كُلِّهِ، فَقَدِ التَزَمَ لَوازِمَهُ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ، ومَقاماتِهِ وأحْوالَهُ، ولَهُ في كُلِّ عَقْدٍ مِن عُقُودِهِ وواجِبٍ مِن واجِباتِهِ أحْوالٌ ومَقاماتٌ، لا يَكُونُ مُوَفِّيًا لِذَلِكَ العَقْدِ والواجِبِ إلّا بِها، وكُلَّما وفّى واجِبًا أشْرَفَ عَلى واجِبٍ آخَرَ بَعْدَهُ، وكُلَّما قَطَعَ مَنزِلَةً اسْتَقْبَلَ أُخْرى. وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ أعْلى المَقاماتِ والأحْوالِ في أوَّلِ بِدايَةِ سَيْرِهِ، فَيَنْفَتِحُ عَلَيْهِ مِن حالِ المَحَبَّةِ والرِّضا والأُنْسِ والطُّمَأْنِينَةِ ما لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ لِسالِكٍ في نِهايَتِهِ، ويَحْتاجُ هَذا السّالِكُ في نِهايَتِهِ إلى أُمُورٍ مِنَ البَصِيرَةِ، والتَّوْبَةِ، والمُحاسَبَةِ أعْظَمَ مِن حاجَةِ صاحِبِ البِدايَةِ إلَيْها، فَلَيْسَ في ذَلِكَ تَرْتِيبٌ كُلِّيٌّ لازِمٌ لِلسُّلُوكِ. وَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّوْبَةَ الَّتِي جَعَلُوها مِن أوَّلِ المَقاماتِ هي غايَةُ العارِفِينَ، ونِهايَةُ أوْلِياءِ اللَّهِ المُقَرَّبِينَ، ولا رَيْبَ أنَّ حاجَتَهم إلى المُحاسَبَةِ في نِهايَتِهِمْ، فَوْقَ حاجَتِهِمْ إلَيْها في بِدايَتِهِمْ. التُّسْتَرِيِّ، وأبِي طالِبٍ المَكِّيِّ، والجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وأبِي عُثْمانَ النَّيْسابُورِيِّ، ويَحْيى بْنِ مُعاذٍ الرّازِيِّ وأرْفَعِ مِن هَؤُلاءِ طَبَقَةً، مِثْلَ أبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ، وعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي كانَ يُقالُ لَهُ حَكِيمُ الأُمَّةِ وأضْرابِهِما، فَإنَّهم تَكَلَّمُوا عَلى أعْمالِ القُلُوبِ، وعَلى الأحْوالِ كَلامًا مُفَصَّلًا جامِعًا مُبَيِّنًا مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ، ولا حَصْرٍ لِلْمَقاماتِ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، فَإنَّهم كانُوا أجَلَّ مَن هَذا، وهَمُّهم أعْلى وأشْرَفُ، إنَّما هم حائِمُونَ عَلى اقْتِباسِ الحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ، وطَهارَةِ القُلُوبِ، وزَكاةِ النُّفُوسِ، وتَصْحِيحِ المُعامَلَةِ، ولِهَذا كَلامُهم قَلِيلٌ فِيهِ البَرَكَةُ، وكَلامُ المُتَأخِّرِينَ كَثِيرٌ طَوِيلٌ قَلِيلُ البِرْكَةِ. وَلَكِنْ لا بُدَّ مِن مُخاطَبَةِ أهْلِ الزَّمانِ بِاصْطِلاحِهِمْ، إذْ لا قُوَّةَ لَهم لِلتَّشْمِيرِ إلى تَلَقِّي

آل عمران 3:160

وأصل الخذلان: الترك والتخلية، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها: خذول. قال محمد بن إسحاق في هذه الآية: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، أي لا تترك أمري للناس، وارفض الناس لأمري. والخذلان: أن يخلق الله تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها والتوفيق ضده: أن لا يدعه ونفسه، ولا يكله إليها، بل يصنع له ويلطف به ويعينه، ويدفع عنه، ويكلؤه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه، فمن خلى بينه وبين نفسه فقد هلك كل الهلاك. ولهذا كان من دعائه ﷺ «يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك». فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس، فإن تولاه الله لم يظفر به عدوه. وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان، كما يفترس الذئب الشاة. فإن قيل: فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها، وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو منه؟ قيل: لعمر الله، إن الشيطان ذئب الإنسان، كما قال الصادق المصدوق، ولكن لم يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانا، مع ضعفها. فإذا أعطت بيدها وسالمت الذئب ودعاها فلبت دعوته وأجابت أمره ولم تتخلف، بل أقبلت نحوه سريعة مطيعة، وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل، ودخلت في محل الذئاب الذي من دخله كان صيدا لهم، فهل الذئب كل الذئب إلا الشاة؟ فكيف والراعي يحذرها ويخوفها وينذرها؟ وقد أراها مصارع الشاة التي انفردت عن الراعي، ودخلت وادي الذئاب. قال أحمد بن مروان المالكي في كتاب المجالسة: سمعت ابن أبي الدنيا يقول: إن لله سبحانه من العلوم ما لا يحصى، يعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي غيره لقد حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن سعيد القطان حدثنا عبيد الله بن بكر السهمي عن أبيه: أن قوما كانوا في سفر فكان فيهم رجل يمر بالطائر، فيقول: أتدرون ما تقول هؤلاء؟ فيقولون: لا، فيقول: تقول كذا وكذا فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق فيه هو أم كاذب؟ إلى أن مروا على غنم وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها، فجعلت تحنو عنقها إليها وتغثو، فقال: أتدرون ما تقول هذه الشاة؟ قلنا: لا. قال: تقول للسخلة: الحقي، لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان. قال: فانتهينا إلى الراعي، فقلنا له: ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا؟ قال: نعم ولدت سخلة عام أول، فأكلها الذئب بهذا المكان، ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو، ويحنو عنقه إليها. فقال: أتدرون ما يقول هذا البعير؟ قلنا: لا. قال: فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على مخيط وهو في سنامه. قال: فانتهينا إليهم. فقلنا: يا هؤلاء، إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط، وأنه في سنامه، قال: فأناخوا البعير وحطوا عنه، فإذا هو كما قال. فهذه شاة قد حذرت سخلتها من الذئب مرة فحذرت. وقد حذر الله سبحانه ابن آدم من ذئبه مرة بعد مرة، وهو يأبى إلا أن يستجيب له إذا دعاه، ويبيت معه ويصبح ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾. (فائِدَة) التَّوَكُّل على الله نَوْعانِ أحدهما توكل عَلَيْهِ في جلب حوائج العَبْد وحظوظه الدُّنْيَوِيَّة أو دفع مكروهاته ومصائبه الدُّنْيَوِيَّة والثّانِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ في حُصُول ما يُحِبهُ هو ويرضاه من الإيمان واليَقِين والجهاد والدعوة إلَيْهِ وبَين النَّوْعَيْنِ من الفضل ما لا يُحْصِيه إلّا الله فَمَتى توكل عَلَيْهِ العَبْد في النَّوْع الثّانِي حق توكله كَفاهُ النَّوْع الأول تَمام الكِفايَة ومَتى توكل عَلَيْهِ في النَّوْع الأول دون الثّانِي كَفاهُ أيْضا لَكِن لا يكون لَهُ عاقِبَة المتَوَكل عَلَيْهِ فِيما يُحِبهُ ويرضاه فأعظم التَّوَكُّل عَلَيْهِ التَّوَكُّل في الهِدايَة وتَجْرِيد التَّوْحِيد ومتابعة الرَّسُول وجِهاد أهل الباطِل فَهَذا توكل الرُّسُل وخاصة أتباعهم التَّوَكُّل تارَة يكون توكل اضطرار وإلجاء بِحَيْثُ لا يجد العَبْد ملْجأ ولا وزرا إلّا التَّوَكُّل كَما إذا ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْباب وضاقَتْ عَلَيْهِ نَفسه وظن أن لا ملْجأ من الله إلّا إلَيْهِ وهَذا لا يتَخَلَّف عَنهُ الفرج والتيسير ألْبَتَّةَ. وَتارَة يكون توكل اخْتِيار وذَلِكَ التَّوَكُّل مَعَ وجود السَّبَب المفضي إلى المُراد فَإن كانَ السَّبَب مَأْمُورا بِهِ ذمّ على تَركه وإن قامَ السَّبَب وترك التَّوَكُّل ذمّ على تَركه أيْضا فَإنَّهُ واجِب بِاتِّفاق الأمة ونَصّ القُرْآن والواجِب القيام بهما والجمع بَينهما وإن كانَ السَّبَب محرما حرم عَلَيْهِ مُباشَرَته وتوحد السَّبَب في حَقه في التَّوَكُّل فَلم يبْق سَبَب سواهُ فَإن التَّوَكُّل من أقوى الأسْباب في حُصُول المُراد ودفع المَكْرُوه بل هو أقوى الأسْباب على الإطْلاق وإن كانَ السَّبَب مُباحا نظرت هَل يضعف قيامك بِهِ التَّوَكُّل أو لا يُضعفهُ فَإن أضعفه وفرق عَلَيْك قَلْبك وشتت همك فَتَركه أولى وإن لم يُضعفهُ فمباشرته أولى لِأن حِكْمَة أحكم الحاكِمين اقْتَضَت ربط المُسَبّب بِهِ فَلا تعطل حكمته مهما أمكنك القيام بها ولا سِيما إذا فعلته عبودية فَتكون قد أتيت بعبودية القلب بالتوكل وعبودية الجَوارِح بِالسَّبَبِ المَنوِي بِهِ القرْبَة والَّذِي يُحَقّق لتوكل القيام بالأسباب المَأْمُور بها فَمن عطلها لم يَصح توكله كَما أن القيام بالأسباب المفضية إلى حُصُول الخَيْر يُحَقّق رَجاءَهُ فَمن لم يقم بها كانَ رجاؤه تمنيّا كَما أن من عطّلها يكون توكله عَجزا وعجزه توكلا. وسر التَّوَكُّل وحَقِيقَته هو اعْتِماد القلب على الله وحده فَلا يضرّهُ مُباشرَة الأسْباب مَعَ خلو القلب من الِاعْتِماد عَلَيْها والركون إلَيْها كَما لا يَنْفَعهُ قَوْله: توكلت على الله مَعَ اعْتِماده على غَيره وركونه إلَيْهِ وثقته بِهِ فتوكل اللِّسان شَيْء وتوكل القلب شَيْء كَما أن تَوْبَة اللِّسان مَعَ إصْرار القلب شَيْء وتوبة القلب وإن لم ينْطق اللِّسان شَيْء فَقَوْل العَبْد توكلت على الله مَعَ اعْتِماد قلبه على غَيره مثل قَوْله تبت إلى الله وهو مصر على مَعْصِيَته مرتكب لَها.

آل عمران 3:169

[فصل في فضل الشهيد] قالَ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ - واللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ - إلّا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ». وَفِي الترمذي عَنْهُ «لَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى اللَّهِ مِن قَطْرَتَيْنِ أوْ أثَرَيْنِ، قَطْرَةِ دَمْعَةٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وقَطْرَةِ دَمٍ تُهْراقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا الأثَرانِ، فَأثَرٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأثَرٌ في فَرِيضَةٍ مِن فَرائِضِ اللَّهِ». وَصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «ما مِن عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لا يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ لَهُ الدُّنْيا وما فِيها، إلّا الشَّهِيدُ لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى» وفي لَفْظٍ: «فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرّاتٍ لِما يَرى مِنَ الكَرامَةِ». «وَقالَ لأم حارثة بنت النعمان، وقَدْ قُتِلَ ابْنُها مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَألَتْهُ أيْنَ هُوَ؟ قالَ: إنَّهُ في الفِرْدَوْسِ الأعْلى». وَقالَ: «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً، فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقالُوا: أيُّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا؟ فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَنْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يَسْألُوا، قالُوا: يا رَبِّ نُرِيدُ أنْ تَرُدَّ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا». وَقالَ: «إنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ خِصالًا أنْ يُغْفَرَ لَهُ مِن أوَّلِ دَفْعَةٍ مِن دَمِهِ، ويُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُحَلّى حِلْيَةَ الإيمانِ، ويُزَوَّجَ مِنَ الحُورِ العِينِ، ويُجارَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ويَأْمَنَ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، ويُوضَعَ عَلى رَأْسِهِ تاجُ الوَقارِ، الياقُوتَةُ مِنهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها. ويُزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِنَ الحُورِ العِينِ، ويُشَفَّعَ في سَبْعِينَ إنْسانًا مِن أقارِبِهِ» ذَكَرَهُ أحمد وصَحَّحَهُ الترمذي. وَقالَ لجابر: «ألا أُخْبِرُكَ ما قالَ اللَّهُ لِأبِيكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ما كَلَّمَ اللَّهُ أحَدًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وكَلَّمَ أباكَ كِفاحًا، فَقالَ: يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً، قالَ: إنَّهُ سَبَقَ مِنِّي (أنَّهم إلَيْها لا يُرْجَعُونَ) قالَ: يا رَبِّ فَأبْلِغْ مَن ورائِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وَقالَ: «لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لَنا لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يَنْكُلُوا عَنِ الحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ هَذِهِ الآياتِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾». وَفِي " المُسْنَدِ " مَرْفُوعًا: «الشُّهَداءُ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ، في قُبَّةٍ خَضْراءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً». وَقالَ: «لا تَجِفُّ الأرْضُ مِن دَمِ الشَّهِيدِ حَتى يَبْتَدِرَهُ زَوْجَتاهُ، كَأنَّهُما طَيْرانِ أضَلَّتا فَصِيلَيْهِما بِبَراحٍ مِنَ الأرْضِ بِيَدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها». وَفِي " المُسْتَدْرَكِ " والنَّسائِيِّ مَرْفُوعًا: «لَأنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي أهْلُ المَدَرِ والوَبَرِ». وَفِيهِما: «ما يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ القَتْلِ إلّا كَما يَجِدُ أحَدُكم مِن مَسِّ القَرْصَةِ». وَفِي " السُّنَنِ ": «يَشْفَعُ الشَّهِيدُ في سَبْعِينَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ». وَفِي " المُسْنَدِ ": «أفْضَلُ الشُّهَداءِ الَّذِينَ إنْ يَلْقَوْا في الصَّفِّ لا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهم حَتّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ في الغُرَفِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ، ويَضْحَكُ إلَيْهِمْ رَبُّكَ، وإذا ضَحِكَ رَبُّكَ إلى عَبْدٍ في الدُّنْيا، فَلا حِسابَ عَلَيْهِ». وَفِيهِ: «الشُّهَداءُ أرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ لَقِيَ العَدُوَّ، فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ إلَيْهِ النّاسُ أعْناقَهُمْ، ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ حَتّى وقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ، لَقِيَ العَدُوَّ فَكَأنَّما يُضْرَبُ جِلْدُهُ بِشَوْكِ الطَّلْحِ أتاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَقَتَلَهُ، هو في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ، خَلَطَ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذاكَ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ أسْرَفَ عَلى نَفْسِهِ إسْرافًا كَثِيرًا لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذَلِكَ في الدَّرَجَةِ الرّابِعَةِ». وَفِي " المُسْنَدِ " و" صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ ": «القَتْلى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جاهَدَ بِمالِهِ ونَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ قاتَلَهم حَتّى يُقْتَلَ، فَذاكَ الشَّهِيدُ المُمْتَحَنُ في خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، لا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إلّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ فَرِقَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا، جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ، قاتَلَ حَتّى يُقْتَلَ، فَتِلْكَ مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وخَطاياهُ، إنَّ السَّيْفَ مَحّاءُ الخَطايا، وأُدْخِلَ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ شاءَ، فَإنَّ لَها ثَمانِيَةَ أبْوابٍ، ولِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أبْوابٍ، وبَعْضُها أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، ورَجُلٌ مُنافِقٌ جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ، قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ، فَإنَّ ذَلِكَ في النّارِ، إنَّ السَّيْفَ لا يَمْحُو النِّفاقَ». وَصَحَّ عَنْهُ: «أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ كافِرٌ وقاتِلُهُ في النّارِ أبَدًا». وَسُئِلَ أيُّ الجِهادِ أفْضَلُ؟ فَقالَ: «مَن جاهَدَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ ونَفْسِهِ قِيلَ: فَأيُّ القَتْلِ أفْضَلُ؟ قالَ: مَن أُهْرِيقَ دَمُهُ، وعُقِرَ جَوادُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ». وَفِي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ ": «إنَّ مِن أعْظَمِ الجِهادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عَنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ» وهو لأحمد والنَّسائِيِّ مُرْسَلًا. وَصَحَّ عَنْهُ: «أنَّهُ لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِهِ يُقاتِلُونَ عَلى الحَقِّ لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهم حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» وفي لَفْظٍ: «حَتّى يُقاتِلَ آخِرُهُمُ المَسِيحَ الدَّجّالَ». فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ تُعْلَمُ حَياةُ الشُّهَداءِ، وأنَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنَّها أكْمَلُ مِن حَياتِهِمْ في هَذِهِ الدُّنْيا، وأتَمُّ وأطْيَبُ، وإنْ كانَتْ أجْسادُهم مُتَلاشِيَةً، ولُحُومُهم مُتَمَزِّقَةً، وأوْصالُهم مُتَفَرِّقَةً، وعِظامُهم نَخِرَةً، فَلَيْسَ العَمَلُ عَلى الطَّلَلِ إنَّما الشَّأْنُ في السّاكِنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] وإذا كانَ الشُّهَداءُ إنَّما نالُوا هَذِهِ الحَياةَ بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ وعَلى أيْدِيهِمْ، فَما الظَّنُّ بِحَياةِ الرُّسُلِ في البَرْزَخِ؟ ولَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ: ؎فالعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ∗∗∗ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي فَلِلرُّسُلِ والشُّهَداءِ والصِّدِّيقِينَ مِن هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي هي يَقْظَةٌ مِن نَوْمِ الدُّنْيا أكْمَلُها وأتَمُّها، وعَلى قَدْرِ حَياةِ العَبْدِ في هَذا العالَمِ يَكُونُ شَوْقُهُ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وسَعْيُهُ وحِرْصُهُ عَلى الظَّفَرِ بِها، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

آل عمران 3:170

[فصل في فضل الشهيد] قالَ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ - واللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ - إلّا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ». وَفِي الترمذي عَنْهُ «لَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى اللَّهِ مِن قَطْرَتَيْنِ أوْ أثَرَيْنِ، قَطْرَةِ دَمْعَةٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وقَطْرَةِ دَمٍ تُهْراقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا الأثَرانِ، فَأثَرٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأثَرٌ في فَرِيضَةٍ مِن فَرائِضِ اللَّهِ». وَصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «ما مِن عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لا يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ لَهُ الدُّنْيا وما فِيها، إلّا الشَّهِيدُ لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى» وفي لَفْظٍ: «فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرّاتٍ لِما يَرى مِنَ الكَرامَةِ». «وَقالَ لأم حارثة بنت النعمان، وقَدْ قُتِلَ ابْنُها مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَألَتْهُ أيْنَ هُوَ؟ قالَ: إنَّهُ في الفِرْدَوْسِ الأعْلى». وَقالَ: «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً، فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقالُوا: أيُّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا؟ فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَنْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يَسْألُوا، قالُوا: يا رَبِّ نُرِيدُ أنْ تَرُدَّ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا». وَقالَ: «إنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ خِصالًا أنْ يُغْفَرَ لَهُ مِن أوَّلِ دَفْعَةٍ مِن دَمِهِ، ويُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُحَلّى حِلْيَةَ الإيمانِ، ويُزَوَّجَ مِنَ الحُورِ العِينِ، ويُجارَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ويَأْمَنَ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، ويُوضَعَ عَلى رَأْسِهِ تاجُ الوَقارِ، الياقُوتَةُ مِنهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها. ويُزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِنَ الحُورِ العِينِ، ويُشَفَّعَ في سَبْعِينَ إنْسانًا مِن أقارِبِهِ» ذَكَرَهُ أحمد وصَحَّحَهُ الترمذي. وَقالَ لجابر: «ألا أُخْبِرُكَ ما قالَ اللَّهُ لِأبِيكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ما كَلَّمَ اللَّهُ أحَدًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وكَلَّمَ أباكَ كِفاحًا، فَقالَ: يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً، قالَ: إنَّهُ سَبَقَ مِنِّي (أنَّهم إلَيْها لا يُرْجَعُونَ) قالَ: يا رَبِّ فَأبْلِغْ مَن ورائِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وَقالَ: «لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لَنا لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يَنْكُلُوا عَنِ الحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ هَذِهِ الآياتِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾». وَفِي " المُسْنَدِ " مَرْفُوعًا: «الشُّهَداءُ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ، في قُبَّةٍ خَضْراءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً». وَقالَ: «لا تَجِفُّ الأرْضُ مِن دَمِ الشَّهِيدِ حَتى يَبْتَدِرَهُ زَوْجَتاهُ، كَأنَّهُما طَيْرانِ أضَلَّتا فَصِيلَيْهِما بِبَراحٍ مِنَ الأرْضِ بِيَدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها». وَفِي " المُسْتَدْرَكِ " والنَّسائِيِّ مَرْفُوعًا: «لَأنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي أهْلُ المَدَرِ والوَبَرِ». وَفِيهِما: «ما يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ القَتْلِ إلّا كَما يَجِدُ أحَدُكم مِن مَسِّ القَرْصَةِ». وَفِي " السُّنَنِ ": «يَشْفَعُ الشَّهِيدُ في سَبْعِينَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ». وَفِي " المُسْنَدِ ": «أفْضَلُ الشُّهَداءِ الَّذِينَ إنْ يَلْقَوْا في الصَّفِّ لا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهم حَتّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ في الغُرَفِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ، ويَضْحَكُ إلَيْهِمْ رَبُّكَ، وإذا ضَحِكَ رَبُّكَ إلى عَبْدٍ في الدُّنْيا، فَلا حِسابَ عَلَيْهِ». وَفِيهِ: «الشُّهَداءُ أرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ لَقِيَ العَدُوَّ، فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ إلَيْهِ النّاسُ أعْناقَهُمْ، ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ حَتّى وقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ، لَقِيَ العَدُوَّ فَكَأنَّما يُضْرَبُ جِلْدُهُ بِشَوْكِ الطَّلْحِ أتاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَقَتَلَهُ، هو في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ، خَلَطَ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذاكَ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ أسْرَفَ عَلى نَفْسِهِ إسْرافًا كَثِيرًا لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذَلِكَ في الدَّرَجَةِ الرّابِعَةِ». وَفِي " المُسْنَدِ " و" صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ ": «القَتْلى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جاهَدَ بِمالِهِ ونَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ قاتَلَهم حَتّى يُقْتَلَ، فَذاكَ الشَّهِيدُ المُمْتَحَنُ في خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، لا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إلّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ فَرِقَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا، جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ، قاتَلَ حَتّى يُقْتَلَ، فَتِلْكَ مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وخَطاياهُ، إنَّ السَّيْفَ مَحّاءُ الخَطايا، وأُدْخِلَ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ شاءَ، فَإنَّ لَها ثَمانِيَةَ أبْوابٍ، ولِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أبْوابٍ، وبَعْضُها أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، ورَجُلٌ مُنافِقٌ جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ، قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ، فَإنَّ ذَلِكَ في النّارِ، إنَّ السَّيْفَ لا يَمْحُو النِّفاقَ». وَصَحَّ عَنْهُ: «أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ كافِرٌ وقاتِلُهُ في النّارِ أبَدًا». وَسُئِلَ أيُّ الجِهادِ أفْضَلُ؟ فَقالَ: «مَن جاهَدَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ ونَفْسِهِ قِيلَ: فَأيُّ القَتْلِ أفْضَلُ؟ قالَ: مَن أُهْرِيقَ دَمُهُ، وعُقِرَ جَوادُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ». وَفِي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ ": «إنَّ مِن أعْظَمِ الجِهادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عَنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ» وهو لأحمد والنَّسائِيِّ مُرْسَلًا. وَصَحَّ عَنْهُ: «أنَّهُ لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِهِ يُقاتِلُونَ عَلى الحَقِّ لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهم حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» وفي لَفْظٍ: «حَتّى يُقاتِلَ آخِرُهُمُ المَسِيحَ الدَّجّالَ». فَصْلٌ وَفِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ تُعْلَمُ حَياةُ الشُّهَداءِ، وأنَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنَّها أكْمَلُ مِن حَياتِهِمْ في هَذِهِ الدُّنْيا، وأتَمُّ وأطْيَبُ، وإنْ كانَتْ أجْسادُهم مُتَلاشِيَةً، ولُحُومُهم مُتَمَزِّقَةً، وأوْصالُهم مُتَفَرِّقَةً، وعِظامُهم نَخِرَةً، فَلَيْسَ العَمَلُ عَلى الطَّلَلِ إنَّما الشَّأْنُ في السّاكِنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] وإذا كانَ الشُّهَداءُ إنَّما نالُوا هَذِهِ الحَياةَ بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ وعَلى أيْدِيهِمْ، فَما الظَّنُّ بِحَياةِ الرُّسُلِ في البَرْزَخِ؟ ولَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ: ؎فالعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ∗∗∗ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي فَلِلرُّسُلِ والشُّهَداءِ والصِّدِّيقِينَ مِن هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي هي يَقْظَةٌ مِن نَوْمِ الدُّنْيا أكْمَلُها وأتَمُّها، وعَلى قَدْرِ حَياةِ العَبْدِ في هَذا العالَمِ يَكُونُ شَوْقُهُ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وسَعْيُهُ وحِرْصُهُ عَلى الظَّفَرِ بِها، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

آل عمران 3:173

في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَضى عَلَيْهِ، فَقالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلى العَجْزِ، ولَكِنْ عَلَيْكَ بِالكَيْسِ، فَإذا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَهَذا قالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» بَعْدَ عَجْزِهِ عَنِ الكَيْسِ، الَّذِي لَوْ قامَ بِهِ، لَقُضِيَ لَهُ عَلى خَصْمِهِ، فَلَوْ فَعَلَ الأسْبابَ الَّتِي يَكُونُ بِها كَيِّسًا، ثُمَّ غُلِبَ فَقالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» لَكانَتِ الكَلِمَةُ قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَها، كَما أنَّ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ، لَمّا فَعَلَ الأسْبابَ المَأْمُورَ بِها، ولَمْ يَعْجِزْ بِتَرْكِها، ولا بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنها، ثُمَّ غَلَبَهُ عَدُوُّهُ، وألْقَوْهُ في النّارِ، قالَ في تِلْكَ الحالِ: «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَوَقَعَتِ الكَلِمَةُ مَوْقِعَها، واسْتَقَرَّتْ في مَظانِّها، فَأثَّرَتْ أثَرَها، وتَرَتَّبَ عَلَيْها مُقْتَضاها. [التَّوَكُّلُ] وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأصْحابُهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا قِيلَ لَهم بَعْدَ انْصِرافِهِمْ مِن أُحُدٍ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ فَتَجَهَّزُوا وخَرَجُوا لِلِقاءِ عَدُوِّهِمْ، وأعْطَوْهُمُ الكَيْسَ مِن نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأثَّرَتِ الكَلِمَةُ أثَرَها، واقْتَضَتْ مُوجَبَها، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ فَجَعَلَ التَّوَكُّلَ بَعْدَ التَّقْوى الَّذِي هو قِيامُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، فَحِينَئِذٍ إنْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، فَهو حَسْبُهُ، وكَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] فالتَّوَكُّلُ والحَسْبُ بِدُونِ قِيامِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها عَجْزٌ مَحْضٌ، فَإنْ كانَ مَشُوبًا بِنَوْعٍ مِنَ التَّوَكُّلِ، فَهو تَوَكُّلُ عَجْزٍ، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، ولا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها الَّتِي لا يَتِمُّ المَقْصُودُ إلّا بِها كُلِّها. وَمِن هاهُنا غَلِطَ طائِفَتانِ مِنَ النّاسِ: إحْداهُما: زَعَمَتْ أنَّ التَّوَكُّلَ وحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ كافٍ في حُصُولِ المُرادِ، فَعُطِّلَتْ لَهُ الأسْبابُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ المُوصِلَةُ إلى مُسَبِّباتِها، فَوَقَعُوا في نَوْعِ تَفْرِيطٍ وعَجْزٍ، بِحَسَبِ ما عَطَّلُوا مِنَ الأسْبابِ، وضَعُفَ تَوَكُّلُهم مِن حَيْثُ ظَنُّوا قُوَّتَهُ بِانْفِرادِهِ عَنِ الأسْبابِ، فَجَمَعُوا الهَمَّ كُلَّهُ، وصَيَّرُوهُ هَمًّا واحِدًا، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ قُوَّةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَكُلَّما قَوِيَ جانِبُ التَّوَكُّلِ بِإفْرادِهِ أضْعَفَهُ التَّفْرِيطُ في السَّبَبِ الَّذِي هو مَحَلُّ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الأسْبابُ، وكَمالُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ فِيها، وهَذا كَتَوَكُّلِ الحَرّاثِ الَّذِي شَقَّ الأرْضَ، وألْقى فِيها البِذْرَ، فَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في زَرْعِهِ وإنْباتِهِ، فَهَذا قَدْ أعْطى التَّوَكُّلَ حَقَّهُ، ولَمْ يَضْعُفْ تَوَكُّلُهُ بِتَعْطِيلِ الأرْضِ، وتَخْلِيَتِها بُورًا، وكَذَلِكَ تَوَكُّلُ المُسافِرِ في قَطْعِ المَسافَةِ مَعَ جِدِّهِ في السَّيْرِ، وتَوَكُّلُ الأكْياسِ مِنَ النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ، والفَوْزِ بِثَوابِهِ، مَعَ اجْتِهادِهِمْ في طاعَتِهِ، فَهَذا هو التَّوَكُّلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَ مَن قامَ بِهِ. وَأمّا تَوَكُّلُ العَجْزِ والتَّفْرِيطِ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ولَيْسَ اللَّهُ حَسْبَ صاحِبِهِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يَكُونُ حَسْبَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إذا اتَّقاهُ، وتَقْواهُ فِعْلُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لا إضاعَتُها. والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّتِي قامَتْ بِالأسْبابِ، ورَأتِ ارْتِباطَ المُسَبِّباتِ بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وأعْرَضَتْ عَنْ جانِبِ التَّوَكُّلِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ وإنْ نالَتْ بِما فَعَلَتْهُ مِنَ الأسْبابِ ما نالَتْهُ، فَلَيْسَ لَها قُوَّةُ أصْحابِ التَّوَكُّلِ، ولا عَوْنُ اللَّهِ لَهم وكِفايَتُهُ إيّاهم ودِفاعُهُ عَنْهُمْ، بَلْ هي مَخْذُولَةٌ عاجِزَةٌ، بِحَسَبِ ما فاتَها مِنَ التَّوَكُّلِ. فالقُوَّةُ كُلُّ القُوَّةِ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، فالقُوَّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكِّلِ، والكِفايَةُ والحَسْبُ والدَّفْعُ عَنْهُ، وإنَّما يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ مِنَ التَّقْوى والتَّوَكُّلِ، وإلّا فَمَعَ تَحَقُّقِهِ بِهِما، لا بُدَّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَهُ وكافِيَهُ. والمَقْصُودُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْشَدَ العَبْدَ إلى ما فِيهِ غايَةُ كَمالِهِ، ونَيْلُ مَطْلُوبِهِ، أنْ يَحْرِصَ عَلى ما يَنْفَعُهُ، ويَبْذُلَ فِيهِ جَهْدَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْفَعُهُ التَّحَسُّبُ، وقَوْلُ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» بِخِلافِ مَن عَجَزَ وفَرَّطَ، حَتّى فاتَتْهُ مَصْلَحَتُهُ، ثُمَّ قالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَإنَّ اللَّهَ يَلُومُهُ، ولا يَكُونُ في هَذا الحالِ حَسْبَهُ، فَإنَّما هو حَسْبُ مَنِ اتَّقاهُ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.

آل عمران 3:175

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الخَوْفِ] وَمِن مَنازِلِ (﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]) مَنزِلَةُ الخَوْفِ. وَهِيَ مِن أجَلِّ مَنازِلِ الطَّرِيقِ وأنْفَعِها لِلْقَلْبِ، وهي فَرْضٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وقالَ تَعالى ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] ومَدَحَ أهْلَهُ في كِتابِهِ وأثْنى عَلَيْهِمْ، فَقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] وفي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أهْوَ الَّذِي يَزْنِي، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» قالَ الحَسَنُ: عَمِلُوا واللَّهِ بِالطّاعاتِ، واجْتَهَدُوا فِيها، وخافُوا أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إحْسانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا. و(الوَجَلُ) و(الخَوْفُ) و(الخَشْيَةُ) و(الرَّهْبَةُ) ألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ غَيْرُ مُتَرادِفَةٍ. قالَ أبُو القاسِمِ الجُنَيْدُ: الخَوْفُ تَوَقُّعُ العُقُوبَةِ عَلى مَجارِي الأنْفاسِ. وَقِيلَ: الخَوْفُ اضْطِرابُ القَلْبِ وحَرَكَتُهُ مِن تَذَكُّرِ المَخُوفِ. وَقِيلَ: الخَوْفُ قُوَّةُ العِلْمِ بِمَجارِي الأحْكامِ، وهَذا سَبَبُ الخَوْفِ، لا أنَّهُ نَفْسُهُ وَقِيلَ: الخَوْفُ هَرَبُ القَلْبِ مِن حُلُولِ المَكْرُوهِ عِنْدَ اسْتِشْعارِهِ. و(الخَشْيَةُ) أخَصُّ مِنَ الخَوْفِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ لِلْعُلَماءِ بِاللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَهي خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِمَعْرِفَةٍ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنِّي أتْقاكم لِلَّهِ، وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً». فالخَوْفُ حَرَكَةٌ، والخَشْيَةُ انْجِماعٌ، وانْقِباضٌ وسُكُونٌ، فَإنَّ الَّذِي يَرى العَدُوَّ والسَّيْلَ ونَحْوَ ذَلِكَ لَهُ حالَتانِ: إحْداهُما: حَرَكَةٌ لِلْهَرَبِ مِنهُ، وهي حالَةُ الخَوْفِ. والثّانِيَةُ: سُكُونُهُ وقَرارُهُ في مَكانٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ فِيهِ، وهي الخَشْيَةُ، ومِنهُ: انْخَشى الشَّيْءُ، والمُضاعَفُ والمُعْتَلُّ أخَوانِ، كَتَقَضِّي البازِيِّ وتَقَضَّضَ. وَأمّا الرَّهْبَةُ فَهي الإمْعانُ في الهَرَبِ مِنَ المَكْرُوهِ، وهي ضِدُّ الرَّغْبَةِ الَّتِي هي سَفَرُ القَلْبِ في طَلَبِ المَرْغُوبِ فِيهِ. وَبَيْنَ الرَّهَبِ والهَرَبِ تَناسُبٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، يَجْمَعُهُما الِاشْتِقاقُ الأوْسَطُ الَّذِي هو عَقْدُ تَقالِيبِ الكَلِمَةِ عَلى مَعْنًى جامِعٍ. وَأمّا الوَجَلُ فَرَجَفانُ القَلْبِ، وانْصِداعُهُ لِذِكْرِ مَن يُخافُ سُلْطانُهُ وعُقُوبَتُهُ، أوْ لِرُؤْيَتِهِ. وَأمّا الهَيْبَةُ فَخَوْفٌ مُقارِنٌ لِلتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ مَعَ المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ. والإجْلالُ: تَعْظِيمٌ مَقْرُونٌ بِالحُبِّ. فالخَوْفُ لِعامَّةِ المُؤْمِنِينَ، والخَشْيَةُ لِلْعُلَماءِ العارِفِينَ، والهَيْبَةُ لِلْمُحِبِّينَ، والإجْلالُ لِلْمُقَرَّبِينَ، وعَلى قَدْرِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ يَكُونُ الخَوْفُ والخَشْيَةُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنِّي لَأعْلَمُكم بِاللَّهِ، وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً» وفي رِوايَةٍ " خَوْفًا " وقالَ «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ولَما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى». فَصاحِبُ الخَوْفِ يَلْتَجِئُ إلى الهَرَبِ، والإمْساكِ، وصاحِبُ الخَشْيَةِ يَلْتَجِئُ إلى الِاعْتِصامِ بِالعِلْمِ، ومَثَلُهُما مَثَلُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِالطِّبِّ، ومَثَلُ الطَّبِيبِ الحاذِقِ، فالأوَّلُ يَلْتَجِئُ إلى الحِمْيَةِ والهَرَبِ، والطَّبِيبُ يَلْتَجِئُ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالأدْوِيَةِ والأدْواءِ. قالَ أبُو حَفْصٍ: الخَوْفُ سَوْطُ اللَّهِ، يُقَوِّمُ بِهِ الشّارِدِينَ عَنْ بابِهِ، وقالَ: الخَوْفُ سِراجٌ في القَلْبِ، بِهِ يُبْصَرُ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكُلُّ أحَدٍ إذا خِفْتَهُ هَرَبْتَ مِنهُ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّكَ إذْ خِفْتَهُ هَرَبْتَ إلَيْهِ. فالخائِفُ هارِبٌ مِن رَبِّهِ إلى رَبِّهِ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: ما فارَقَ الخَوْفُ قَلْبًا إلّا خَرِبَ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ سُفْيانَ: إذا سَكَنَ الخَوْفُ القُلُوبَ أحْرَقَ مَواضِعَ الشَّهَواتِ مِنها، وطَرَدَ الدُّنْيا عَنْها، وقالَ ذُو النُّونِ: النّاسُ عَلى الطَّرِيقِ ما لَمْ يَزُلْ عَنْهُمُ الخَوْفُ، فَإذا زالَ عَنْهُمُ الخَوْفُ ضَلُّوا الطَّرِيقَ، وقالَ حاتِمٌ الأصَمُّ: لا تَغْتَرَّ بِمَكانٍ صالِحٍ، فَلا مَكانَ أصْلَحُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَقِيَ فِيها آدَمُ ما لَقِيَ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ العِبادَةِ، فَإنَّ إبْلِيسَ بَعْدَ طُولِ العِبادَةِ لَقِيَ ما لَقِيَ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ العِلْمِ، فَإنَّ بَلْعامَ بْنَ باعُورا لَقِيَ ما لَقِيَ وكانَ يَعْرِفُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، ولا تَغْتَرَّ بِلِقاءِ الصّالِحِينَ ورُؤْيَتِهِمْ، فَلا شَخْصَ أصْلَحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ولَمْ يَنْتَفِعْ بِلِقائِهِ أعْداؤُهُ والمُنافِقُونَ. والخَوْفُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذاتِهِ، بَلْ هو مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ قَصْدَ الوَسائِلِ، ولِهَذا يَزُولُ بِزَوالِ المَخُوفِ، فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والخَوْفُ يَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ، والمَحَبَّةُ تَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ والصِّفاتِ، ولِهَذا تَتَضاعَفُ مَحَبَّةُ المُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ إذا دَخَلُوا دارَ النَّعِيمِ، ولا يَلْحَقُهم فِيها خَوْفٌ، ولِهَذا كانَتْ مَنزِلَةُ المَحَبَّةِ ومَقامُها أعْلى وأرْفَعَ مِن مَنزِلَةِ الخَوْفِ ومَقامِهِ. والخَوْفُ المَحْمُودُ الصّادِقُ: ما حالَ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ مَحارِمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَإذا تَجاوَزَ ذَلِكَ خِيفَ مِنهُ اليَأْسُ والقُنُوطُ. قالَ أبُو عُثْمانَ: صِدْقُ الخَوْفِ هو الوَرَعُ عَنِ الآثامِ ظاهِرًا وباطِنًا. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: الخَوْفُ المَحْمُودُ ما حَجَزَكَ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ. وَقالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الخَوْفُ هو الِانْخِلاعُ مِن طُمَأْنِينَةِ الأمْنِ بِمُطالَعَةِ الخَبَرِ. يَعْنِي الخُرُوجَ عَنْ سُكُونِ الأمْنِ بِاسْتِحْضارِ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ، الدَّرَجَةُ الأُولى: الخَوْفُ مِنَ العُقُوبَةِ، وهو الخَوْفُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الإيمانُ، وهو خَوْفُ العامَّةِ، وهو يَتَوَلَّدُ مِن تَصْدِيقِ الوَعِيدِ، وذِكْرِ الجِنايَةِ، ومُراقَبَةِ العاقِبَةِ. والخَوْفُ مَسْبُوقٌ بِالشُّعُورِ والعِلْمِ، فَمُحالٌ خَوْفُ الإنْسانِ مِمّا لا شُعُورَ لَهُ بِهِ. وَلَهُ مُتَعَلَّقانِ، أحَدُهُما: نَفْسُ المَكْرُوهِ المَحْذُورِ وُقُوعُهُ، والثّانِي: السَّبَبُ والطَّرِيقُ المُفْضِي إلَيْهِ، فَعَلى قَدْرِ شُعُورِهِ بِإفْضاءِ السَّبَبِ إلى المَخُوفِ، وبِقَدْرِ المُخَوِّفِ يَكُونُ خَوْفُهُ، وما نَقَصَ مِن شُعُورِهِ بِأحَدِ هَذَيْنِ نَقَصَ مِن خَوْفِهِ بِحَسَبِهِ. فَمَن لَمْ يَعْتَقِدْ أنَّ سَبَبَ كَذا يُفْضِي إلى مَحْذُورِ كَذا لَمْ يَخَفْ مِن ذَلِكَ السَّبَبِ، ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ يُفْضِي إلى مَكْرُوهٍ ما، ولَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ لَمْ يَخَفْ مِنهُ ذَلِكَ الخَوْفَ، فَإذا عَرَفَ قَدْرَ المُخَوِّفِ، وتَيَقَّنَ إفْضاءَ السَّبَبِ إلَيْهِ حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ. هَذا مَعْنى تَوَلُّدِهِ مِن تَصْدِيقِ الوَعِيدِ، وذِكْرِ الجِنايَةِ، ومُراقَبَةِ العاقِبَةِ. وَفِي مُراقَبَةِ العاقِبَةِ: زِيادَةُ اسْتِحْضارِ المُخَوِّفِ، وجَعْلُهُ نُصْبَ عَيْنِهِ، بِحَيْثُ لا يَنْساهُ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ عالِمًا بِهِ لَكِنَّ نِسْيانَهُ وعَدَمَ مُراقَبَتِهِ يَحُولُ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الخَوْفِ، فَلِذَلِكَ كانَ الخَوْفُ عَلامَةَ صِحَّةِ الإيمانِ، وتَرَحُّلُهُ مِنَ القَلْبِ عَلامَةُ تَرَحُّلِ الإيمانِ مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. فَصْلٌ. قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: خَوْفُ المَكْرِ في جَرَيانِ الأنْفاسِ المُسْتَغْرِقَةِ في اليَقَظَةِ، المَشُوبَةِ بِالحَلاوَةِ. يُرِيدُ أنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ اليَقَظَةُ بِلا غَفْلَةٍ، واسْتَغْرَقَتْ أنْفاسُهُ فِيها اسْتَحْلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا أحْلى مِنَ الحُضُورِ في اليَقَظَةِ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَخافَ المَكْرَ، وأنْ يُسْلَبَ هَذا الحُضُورَ، واليَقَظَةَ والحَلاوَةَ، فَكَمْ مِن مَغْبُوطٍ بِحالِهِ انْعَكَسَ عَلَيْهِ الحالُ، ورَجَعَ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ إلى قَبِيحِ الأعْمالِ، فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ويَضْرِبُ بِاليَمِينِ عَلى الشِّمالِ؟ بَيْنَما بَدْرُ أحْوالِهِ مُسْتَنِيرًا في لَيالِي التَّمامِ، إذْ أصابَهُ الكُسُوفُ فَدَخَلَ في الظَّلامِ، فَبُدِّلَ بِالأُنْسِ وحْشَةً، وبِالحُضُورِ غَيْبَةً، وبِالإقْبالِ إعْراضًا، وبِالتَّقْرِيبِ إبْعادًا، وبِالجَمْعِ تَفْرِقَةً، كَما قِيلَ: ؎أحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأيّامِ إذْ حَسُنَتْ ∗∗∗ ولَمْ تَخَفْ سُوءَ ما يَأْتِي بِهِ القَدَرُ ؎وَسالَمَتْكَ اللَّيالِي فاغْتَرَرْتَ بِها ∗∗∗ وعِنْدَ صَفْوِ اللَّيالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ [دَرَجَةُ الخاصَّةِ] ولَيْسَ في مَقامِ أهْلِ الخُصُوصِ وحْشَةُ الخَوْفِ، إلّا هَيْبَةَ الجَلالِ، وهي أقْصى دَرَجَةٍ يُشارُ إلَيْها في غايَةِ الخَوْفِ. يَعْنِي أنَّ وحْشَةَ الخَوْفِ إنَّما تَكُونُ مَعَ الِانْقِطاعِ والإساءَةِ، وأهْلُ الخُصُوصِ أهْلُ وُصُولٍ إلى اللَّهِ وقُرْبٍ مِنهُ، فَلَيْسَ خَوْفُهم خَوْفَ وحْشَةٍ، كَخَوْفِ المُسِيئِينَ المُنْقَطِعِينَ، لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَعَهم بِصِفَةِ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ، والمَحَبَّةِ لَهُمْ، وهَذا بِخِلافِ هَيْبَةِ الجَلالِ، فَإنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، وكُلَّما كانَ عَبْدُهُ بِهِ أعْرَفَ وإلَيْهِ أقْرَبَ، كانَتْ هَيْبَتُهُ وإجْلالُهُ في قَلْبِهِ أعْظَمَ، وهي أعْلى مِن دَرَجَةِ خَوْفِ العامَّةِ. قالَ: وهي هَيْبَةٌ تُعارِضُ المُكاشِفَ أوْقاتَ المُناجاةِ، وتَصُونُ المُسامِرَ أحْيانَ المُسامَرَةِ، وتَفْصِمُ المُعايِنَ بِصَدْمَةِ العِزَّةِ. يَعْنِي أنَّ أكْثَرَ ما تَكُونُ الهَيْبَةُ أوْقاتَ المُناجاةِ، وهو وقْتُ تَمَلُّقِ العَبْدِ رَبَّهُ، وتَضَرُّعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، واسْتِعْطافِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ بِآلائِهِ وأسْمائِهِ وأوْصافِهِ، أوْ مُناجاتِهِ بِكَلامِهِ، هَذا هو مُرادُ القَوْمِ بِالمُناجاةِ. وَهَذِهِ المُناجاةُ تُوجِبُ كَشْفَ الغِطاءِ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الرَّبِّ، ورَفْعَ الحِجابِ المانِعِ مِن مُكافَحَةِ القَلْبِ لِأنْوارِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وتَجَلِّيها عَلَيْهِ، فَتُعارِضُهُ الهَيْبَةُ في خِلالِ هَذِهِ الأوْقاتِ، فَيَفِيضُ مِن عَنانِ مُناجاتِهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ وارِدِها. وَأمّا صَوْنُ المُسامِرِ أحْيانَ المُسامَرَةِ: فالمُسامَرَةُ عِنْدَهُمْ: أخَصُّ مِنَ المُناجاةِ، وهي مُخاطَبَةُ القَلْبِ لِلرَّبِّ خِطابَ المُحِبِّ لِمَحْبُوبِهِ، فَإنْ لَمْ يُقارِنْها هَيْبَةُ جَلالِهِ، أخَذَتْ بِهِ في الِانْبِساطِ والإدْلالِ، فَتَجِيءُ الهَيْبَةُ صائِنَةً لِلْمُسامِرِ في مُسامَرَتِهِ عَنِ انْخِلاعِهِ مِن أدَبِ العُبُودِيَّةِ. وَأمّا فَصْمُها المُعايِنَ بِصَدْمَةِ العِزَّةِ فَإنَّ الفَصْمَ هو القَطْعُ أيْ تَكادُ تَقْتُلُهُ وتَمْحَقُهُ بِصَدْمَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِمَعانِيها الثَّلاثَةِ، وهي عِزَّةُ الِامْتِناعِ، وعِزَّةُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وعِزَّةُ السُّلْطانِ والقَهْرِ، فَإذا صَدَمَتِ المُعايِنَ كادَتْ تَفْصِمُهُ وتَمْحَقُ أثَرَهُ، إذْ لا يَقُومُ لِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ شَيْءٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) يا مغرورا بالأماني لعن إبْلِيس وأهبط من منزل العِزّ بترك سَجْدَة واحِدَة أمر بها، وأخرج آدم من الجنَّة بلقمة تناولها وحجب القاتِل عَنْها بعد أن رَآها عيانًا بملء كف من دم وأمر بقتل الزّانِي أشنع القتلات بإيلاج قدر الأُنْمُلَة فِيما لا يحل وأمر بإيساع الظّهْر سياطا بِكَلِمَة قذف أو بقطرة سكر وأبان عضوا من أعضائك بِثَلاثَة دَراهِم فَلا تأمنه أن يحبسك في النّار بِمَعْصِيَة واحِدَة من مَعاصيه ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ دخلت امْرَأة النّار في هرة وإن الرجل ليَتَكَلَّم بِالكَلِمَةِ لا يلقِي لَها بالا يهوي بها في النّار أبعد ما بَين المشرق والمغْرب وإن الرجل ليعْمَل بِطاعَة الله سِتِّينَ سنة فَإذا كانَ عند المَوْت جار في الوَصِيَّة فيختم لَهُ بِسوء عمله فَيدْخل النّار العُمر بآخره والعَمَل بخاتمته من أحدث قبل السَّلام بَطل ما مضى من صلاته ومن أفطر قبل غرُوب الشَّمْس ذهب صِيامه ضائعا ومن أساءَ في آخر عمره لقي ربه في ذَلِك الوَجْه لَو قدمت لقْمَة وجدتها ولَكِن يُؤْذِيك الشره كم جاءَ الثَّواب يسْعى إلَيْك فَوقف بِالبابِ فَرده بواب سَوف ولَعَلَّ وعَسى كَيفَ الفَلاح بَين إيمان ناقص وأمل زائِد ومرض لا طَبِيب لَهُ ولا عائِد وهوى مستيقظ وعقل راقِد ساهِيا في غمرته عَمها في سكرته سابحا في لجّة جَهله مستوحشا من ربه مستأنسا بخلقه ذكر النّاس فاكهته وقوته وذكر الله حَبسه ومَوته لله مِنهُ جُزْء يسير من ظاهره وقَلبه ويقينه لغيره ؎لا كانَ من سواك فِيهِ بَقِيَّة ∗∗∗ يجد السَّبِيل بها إلَيْهِ العذل

آل عمران 3:179

هَذِه الآيَة من كنوز القُرْآن نبه فِيها على حكمته تَعالى المُقْتَضِيَة تَمْيِيز الخَبيث من الطّيب، وأن ذَلِك التَّمْيِيز لا يَقع إلّا برسله فاجتبى مِنهُم من شاءَ وأرسله إلى عباده، فيتميز برسالتهم الخَبيث من الطّيب، والولي من العَدو، ومن يصلح لمجاورته وقربه وكرامته مِمَّن لا يصلح إلّا للوقود، وفي هَذا تَنْبِيه على الحِكْمَة في إرْسال الرُّسُل وأنه لا بُد مِنهُ وأن الله تَعالى لا يَلِيق بِهِ الإخْلال بِهِ وأن من جحد رِسالَة رسله فَما قدره حق قدره ولا عرفه حق مَعْرفَته ونسبه إلى ما لا يَلِيق بِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿وَما قدرُوا الله حق قدره إذْ قالُوا ما أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ فَتَأمل هَذا الموضع حق التَّأمُّل وأعطه حَظه من الفِكر فَلَو لم يكن في هَذا الكتاب سواهُ لَكانَ من أجل ما يُسْتَفاد. والله الهادِي إلى سَبِيل الرشاد.

آل عمران 3:185

(فصل الدُّنْيا كامرأة بغي لا تثبت مَعَ زوج إنَّما تخْطب الأزْواج ليستحسنوا عَلَيْها فَلا ترْضى بالدياثة) ؎ميزت بَين جمالها وفعالها ∗∗∗ فَإذا الملاحة بالقباحة لا تفي ؎حَلَفت لنا أن لا تخون عُهُودنا ∗∗∗ فَكَأنَّها حَلَفت لنا أن لا تفي السّير في طلبَها سير في أرض مسبعَة والسباحة فِيها سباحة في غَدِير التمساح المفروح بِهِ مِنها هو عين المحزون عَلَيْهِ آلامها مُتَوَلّدَة من لذاتها وأحزانها من أفراحها ؎مآرب كانَت في الشَّباب لأهْلها ∗∗∗ عَذاب فَصارَت في المشيب عذابا طائِر الطَّبْع يرى الحبَّة وعين العقل ترى الشّرك غير أن عين الهوى عميا ؎وَعين الرِّضا عَن كل عيب كليلة ∗∗∗ كَما أن عين السخط تبدي المساويا تزخرفت الشَّهَوات لأعين الطباع فغض عَنْها ﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالغَيْبِ﴾ ووَقع تابعوها في بيداء الحسرات وب ﴿أؤلئك عَلى هُدىً مِن رَبهم وأؤلئك هم المفلحون﴾ وهَؤُلاء يُقال لَهُم ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكُم مجرمون﴾ لما عرف الموفقون قدر الحَياة الدُّنْيا وقلة المقام فِيها أماتوا فيها الهوى طلبا لحياة الأبَد لما استيقظوا من نوم الغَفْلَة استرجعوا بالجد ما أنهبه العَدو مِنهُم في زمن البطالة فَلَمّا طالَتْ عَلَيْهِم الطَّرِيق تلمحوا المَقْصد فَقرب عَلَيْهِم البعيد وكلما أمرت لَهُم الحَياة حلى لَهُم تذكر ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾ ؎وَركب سروا اللَّيْل ملق رواقه ∗∗∗ على كل مغْبرّ المطالع قائِم ؎حدوا عَزمات ضاعَت الأرْض بَينها ∗∗∗ فَصارَ سراهم في طُلُوع العزائم ؎تريهم نُجُوم اللَّيْل ما يتبعونه ∗∗∗ على عاتق الشعري وهام النعائم ؎إذا اطردت في معرك الجد قصفوا ∗∗∗ رماح العطايا في صُدُور المكارم

آل عمران 3:186

(فصل) وأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة وقطع العوائد فإن العادة طبيعة خاصة فإذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند الشيطان فلا يقوى باعث الدين على قهرهما. (فصل) القسم الثاني ما لا يدخل تحت الاختيار وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب التي لا صنع للعبد فيها كموت من يعز عليه وسرقة ماله ومرضه ونحو ذلك وهذا نوعان: أحدهما ما لا صنع للعبد الآدمى فيه والثاني ما أصابه من جهة آدمي مثله كالسب والضرب وغيرهما فالنوع الأول للعبد فيه أربع مقامات أحدها مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى والسخط وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلا ودينا ومروءة وهو أعظم المصيبتين. المقام الثاني: مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الإنسانية. المقام الثالث: مقام الرضا وهو أعلى من مقام الصبر وفي وجوبه نزاع والسير متفق على وجوبه المقام الرابع مقام الشكر وهو أعلى من مقام الرضا فإنه يشهد البلية نعمة فيشكر المبتلي عليها وأما النوع الثاني وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف إليها أربعة أخر أحدها مقام العفو والصفح والثاني مقام سلامة القلب من إرادة التشفي والانتقام وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها الثالث مقام شهود القدر وإنه وأن كان ظالما بإيصال هذا الأذى إليك فالذي قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم وأذى الناس مثل الحر والبرد لا حيلة في دفعه فالمنسخط من أذى الحر والبرد غير حازم والكل جار بالقدر وأن اختلفت طرقه وأسبابه المقام الرابع مقام الإحسان إلى المسيء ومقابلة إساءته بإحسانك وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه إلا الله فإن فات العبد هذا المقام العالى فلا يرضى لنفسه بأخس المقامات وأسفلها فصل القسم الثالث ما يكون وروده باختياره فإذا تمكن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه وهذا كالعشق أوله اختيار وآخره اضطرار وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التي لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول المسكر فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله فلما فاته بقي فرضه الصبر عليه في آخره وأن لا يطيع داعي هواه ونفسه وللشيطان ها هنا دسيسة عجيبة وهي أن يخيل إليه أن ينل بعض ما منع قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوى وغايته أن يكون كالتداوى بالخمر والنجاسة وقد أجازه كثير من الفقهاء وهذا من أعظم الجهل فإن هذا التداوى لا يزيل الداء بل يزيده ويقويه وكم ممن تداوى بذلك فكان هلاك دينه ودنياه في هذا الدواء بل الدواء النافع لهذا الداء الصبر والتقوى كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقال ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يستغني أحدهما عن صاحبه. فإن قيل فهل يثاب على الصبر في هذا القسم إذا كان عاصيا مفرطا يتعاطى أسبابه وهل يكون معاقبا على ما تولد منه وهو غير اختيارى له؟ قيل نعم إذا صبر لله تعالى وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور أثيب على صبره لأنه جهاد منه لنفسه وهو عمل صالح والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره فإذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما يتولد منها ولذا كان من دعا إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لأن اتباعهم له تولد عن فعله ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم القيامة وقد قال تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ وقال تعالى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾.

آل عمران 3:190

(فائِدَة الرب تَعالى يَدْعُو عباده في القُرْآن إلى مَعْرفَته من طَرِيقين) أحدهما النّظر في مفعولاته، والثّانِي التفكر في آياته وتدبّرها فَتلك آياته المشهودة وهَذِه آياته المسموعة المعقولة فالنوع الأوّل كَقَوْلِه ﴿إنَّ في خلق السَّماوات والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ إلى آخرها وَقَوله ﴿إنَّ في خلق السَّماوات والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْباب﴾ وَهُوَ كثير في القُرْآن والثّانِي كَقَوْلِه ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآن﴾ وقَوله ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْل﴾ وقَوله ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته﴾ وهو كثير أيْضا. فأمّا المفعولات فَإنَّها دالّة على الأفْعال والأفْعال دالّة على الصِّفات فَإن المَفْعُول يدل على فاعل فعله وذَلِكَ يسْتَلْزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لِاسْتِحالَة صُدُور الفِعْل الِاخْتِيارِيّ من مَعْدُوم أو مَوْجُود لا قدرَة لَهُ ولا حَياة ولا علم ولا إرادَة ثمَّ ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دالّ على إرادَة الفاعِل وأن فعله لَيْسَ بالطبع بِحَيْثُ يكون واحِدًا غير متكرر وما فِيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تَعالى وما فِيها من النَّفْع والإحْسان والخَيْر دال على رَحمته وما فِيها من البَطْش والانتقام والعقوبة دال على غَضَبه وما فِيها من الإكْرام والتقريب والعناية دال على محبّته وما فِيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته وما فِيها من ابْتِداء الشَّيْء في غايَة النَّقْص والضعف ثمَّ سوقه إلى تَمامه ونهايته دال على وُقُوع المعاد وما فِيها من أحْوال النَّبات والحَيَوان وتصرف المِياه دَلِيل على إمْكان المعاد وما فِيها من ظُهُور آثار الرَّحْمَة والنعْمَة على خلقه دَلِيل على صحّة النبوّات وما فِيها من الكمالات الَّتِي لَو عدمتها كانَت ناقِصَة دَلِيل على أن معطي تِلْكَ الكمالات أحَق بها فمفعولاته من أدل شَيْء على صِفاته وصدق ما أخْبرت بِهِ رسله عَنهُ فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبّهة على الِاسْتِدْلال بِالآياتِ المصنوعات قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ أي أن القُرْآن حق فَأخْبر أنّه لا بُد من أن يُرِيهم من آياته المشهودة ما يبيّن لَهُم أن آياته المتلوّة حق ثمَّ أخبر بكفاية شَهادَته على صِحَة خَبره بِما أقامَ من الدَّلائِل والبراهين على صدق رَسُوله فآياته شاهدة بصدقه وهو شاهد بِصدق رَسُوله بآياته وهو الشّاهِد والمشهود لَهُ وهو الدَّلِيل والمدلول عَلَيْهِ فَهو الدَّلِيل بِنَفسِهِ على نَفسه كَما قالَ بعض العارفين: كَيفَ أطلب الدَلِيل على من هو دَلِيل على كل شَيْء فَأي دَلِيل طلبته عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ أظهر مِنهُ ولِهَذا قالَ الرُّسُل لقومهم ﴿أفِي اللَّهِ شَكّ﴾ فَهو أعرف من كل مَعْرُوف وأبين من كل دَلِيل فالأشياء عُرفت بِهِ في الحَقِيقَة وإن كانَ عُرف بها في النّظر والِاسْتِدْلال بأفعاله وأحْكامه عَلَيْهِ.

آل عمران 3:191

(قاعِدَة جليلة) أصل الخَيْر والشَّر من قبل التفكّر فَإن الفِكر مبدأ الإرادَة والطلب في الزّهْد والتّرْك والحب والبغض وأنفع الفِكر الفِكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها فَهَذِهِ أرْبَعَة أفكار هي أجلّ الأفكار ويليها أرْبَعَة فكّر في مصالح الدُّنْيا وطرق تَحْصِيلها وفكّر في مفاسد الدُّنْيا وطرق الِاحْتِراز مِنها فعلى هَذِه الأقْسام الثَّمانِية دارت أفكار العُقَلاء ورَأس القسم الأول الفِكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونَهْيه وطرق العلم بِهِ وبأسمائه وصِفاته من كِتابه وسنة نبيه وما ولاهما وهَذا الفِكر يُثمر لصاحبه المحبَّة والمعرفة فَإذا فكر في الآخِرَة وشرفها ودوامها وفي الدُّنْيا وخستها وفنائها أثمر لَهُ ذَلِك الرَّغْبَة في الآخِرَة والزهد في الدُّنْيا وكلما فكّر في قصر الأمل وضيق الوَقْت أورثه ذَلِك الجدّ والِاجْتِهاد وبذل الوسع في اغتنام الوَقْت وهَذِه الأفكار تعلي همّته وتحييها بعد مَوتها وسفولها وتجعله في واد والنّاس في واد وبإزاء هَذِه الأفكار الأفكار الرَّديئَة الَّتِي تجول في قُلُوب أكثر هَذا الخلق كالفكر فِيما لم يُكَلف الفِكر فِيهِ ولا أعْطى الإحاطَة بِهِ من فضول العلم الَّذِي لا ينفع كالفكر في كَيْفيَّة ذات الرب وصِفاته مِمّا لا سَبِيل للعقول إلى إدْراكه ومِنها الفِكر في الصناعات الدقيقة الَّتِي لا تَنْفَع بل تضر كالفكر في الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير ومِنها الفِكر في العُلُوم الَّتِي لَو كانَت صَحِيحَة لم يُعْط الفِكر فِيها النَّفس كمالا ولا شرفا كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي وأكْثر عُلُوم الفلاسفة الَّتِي لَو بلغ الإنْسان غايتها لم يكمل بذلك ولم يزك نَفسه ومِنها الفِكر في الشَّهَوات واللَّذّات وطرق تَحْصِيلها وهَذا وإن كانَ لنَفس فِيهِ لَذَّة لَكِن لا عاقِبَة لَهُ ومضرّته في عاقِبَة الدُّنْيا قبل الآخِرَة أضْعاف مسرّته ومِنها الفِكر فِيما لم يكن لَو كانَ كَيفَ كانَ يكون كالفكر فِيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضَيْعَة ماذا يصنع وكَيف يتصرّف ويَأْخُذ ويُعْطِي وينتقم ونَحْو ذَلِك من أفكار السّفل ومِنها الفِكر في جزيئات أحْوال النّاس وما جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذَلِك من فكر النُّفُوس المبطلة الفارغة من الله ورَسُوله والدّار الآخِرَة ومِنها الفِكر في دقائق الحِيَل والمَكْر الَّتِي يتَوَصَّل بها إلى أغراضه وهواه مُباحَة كانَت أو مُحرمَة ومِنها الفِكر في أنْواع الشّعْر وصروفه وأفانينه في المَدْح والهجاء والغزل والمراثي ونَحْوها فَإنَّهُ يشغل الإنْسان عَن الفِكر فِيما فِيهِ سعادته وحياته الدائمة ومِنها الفِكر في المقدرات الذهنية الَّتِي لا وجود لَها في الخارِج ولا بِالنّاسِ حاجَة إلَيْها ألْبَتَّةَ وذَلِكَ مَوْجُود في كل علم حَتّى في علم الفِقْه والأُصُول والطب فَكل هَذِه الأفكار مضرّتها أرجح من مَنفَعَتها ويكتفي في مضرّتها شغلها عَن الفِكر فِيما هو أولى بِهِ وأعود عَلَيْهِ بالنفع عاجلا وآجلا. (فصل) عَن بعض السّلف أنه قالَ تفكر ساعَة خير من عبادَة سِتِّينَ سنة وسأل رجل أم الدَّرْداء بعد مَوته عَن عِبادَته فَقالَت كانَ نَهاره أجمعه في بادية التفكر. وَقالَ الحسن تفكر ساعَة خير من قيام لَيْلَة. وَقالَ الفضل التفكر مرْآة تريك حَسَناتك وسيئاتك. وَقيل لإبراهيم إنَّك تطيل الفكرة؟ فَقالَ الفكرة مخ العقل. وَكانَ سُفْيان كثيرا ما يتَمَثَّل: ؎إذا المَرْء كانَت لَهُ فكرة ∗∗∗ فَفي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة وَقالَ الحسن في قوله تَعالى: ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون في الأرض بِغَيْر الحق﴾ قالَ أمنعهم التفكر فِيها. وَقالَ بعض العارفين لَو طالعت قُلُوب المُتَّقِينَ بفكرها إلى ما قدر في حجب الغَيْب من خير الآخرة لم يَصْف لَهُم في الدُّنْيا عَيْش ولم تقر لَهُم فِيها عين. وَقالَ الحسن طول الوحدَة أتم للفكرة وطول الفكرة دَلِيل على طَرِيق الجنَّة. وَقالَ وهب ما طالَتْ فكرة احْدُ قطّ إلا علم وما علم امْرُؤ قطّ إلا عمل وَقالَ عمر بن عبد العزيز الفكرة في نعم الله من أفضل العِبادَة وَقالَ عبد الله بن المُبارك لبَعض أصحابه وقد رَآهُ مفكرا ايْنَ بلغت قالَ الصِّراط وَقالَ بشر لَو فكر النّاس في عَظمَة الله ما عصوه. وَقالَ ابْن عَبّاس رَكْعَتانِ مقتصدتان في تفكر خير من قيام لَيْلَة بِلا قلب وَقالَ أبو سُلَيْمان الفِكر في الدُّنْيا حجاب عَن الآخرة وعقوبة لأهل الولايَة والفكرة في الآخرة تورث الحِكْمَة وتجلي القُلُوب وَقالَ ابْن عَبّاس التفكر في الخَيْر يَدْعُو إلى العَمَل بِهِ وَقالَ الحسن أن أهل العلم لم يزالُوا يعودون بِالذكر على الفِكر والفكر على الذّكر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت بالحكمة. وَمن كَلام الشّافِعِي اسْتَعِينُوا على الكَلام بِالصَّمْتِ وعَلى الاستنباط بالفكرة وهَذا لأن الفكرة عمل القلب والعِبادَة عمل الجوارج والقلب أشرف من الجَوارِح فَكانَ عمله أشرف من عمل الجَوارِح، وأيضا فالتفكر يُوقع صاحبه من الإيمان على ما لا يوقعه عَلَيْهِ العَمَل المُجَرّد فإن التفكر يُوجب لَهُ من انكشاف حقائق الأمور وظهورها لَهُ وتميز مراتبها في الخَيْر والشَّر ومَعْرِفَة مفضولها من فاضلها وأقبحها من قبيحها ومَعْرِفَة أسبابها الموصلة إليها وما يُقاوم تِلْكَ الأسباب ويدْفَع مُوجبها، والتمييز بَين ما يَنْبَغِي السَّعْي في تحصيله وبَين ما يَنْبَغِي السَّعْي في دفع أسبابه والفرق بَين الوَهم والخيال المانِع لأكثر النُّفُوس من انتهاز الفرص بعد إمكانها وبَين السَّبَب المانِع حَقِيقَة فيشتغل بِهِ دون الأول فَما قطع العَبْد عَن كَماله وفلاحه وسعادته العاجلة والآجلة قاطع أعظم من الوَهم الغالِب على النَّفس والخيال الَّذِي هو مركبها بل بحرها الَّذِي لا تنفك سابحة فِيهِ، وإنَّما يقطع هَذا العارِض بفكرة صَحِيحَة وعزم صادِق يُمَيّز بِهِ بَين الوَهم والحقيقة، وكَذَلِكَ إذا فكر في عواقب الأمور وتجاوز فكره مباديها وضعها مواضعها وعلم مراتبها فَإذا ورد عَلَيْهِ وارِد الذَّنب والشهوة فَتَجاوز فكره لذته وفَرح النَّفس بِهِ إلى سوء عاقبته وما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الألم والحزن الَّذِي لا يُقاوم تِلْكَ اللَّذَّة والفرحة ومن فكر في ذَلِك فَإنَّهُ لا يكاد يقدم عَلَيْهِ وكَذَلِكَ إذا ورد على قلبه وارِد الرّاحَة والدعة والكسل والتقاعد عَن مشقة الطّاعات وتعبها حَتّى عبر بفكره إلى ما يترب عَلَيْها من اللَّذّات والخيرات والأفراح الَّتِي تغمر تِلْكَ الآلام الَّتِي في مباديها بِالنِّسْبَةِ إلى كَمال عواقبها وكلما غاص فكره في ذَلِك اشْتَدَّ طلبه لَها وسَهل عَلَيْهِ معاناتها اسْتَقْبلها بنشاط وقُوَّة وعزيمة وكَذَلِكَ إذا فكر في مُنْتَهى ما يستعبده من المال والجاه والصور ونظر إلى غايَة ذَلِك بِعَين فكره اسْتَحى من عقله ونَفسه أن يكون عبدا لذَلِك كَما قيل: ؎لَو فكر العاشق في مُنْتَهى ∗∗∗ حسن الَّذِي يسبيه لم يسبه وَكَذَلِكَ إذا فكر في آخر الأطعمة المفتخرة الَّتِي تفانت عَلَيْها نفوس اشباه الأنعام وما يصير أمرها إليه عند خُرُوجها ارْتَفَعت همته عَن صرفها إلى الاعتناء بها وجعلها معبود قلبه الَّذِي إليه يتَوَجَّه وله يرضى ويغضب ويسْعى ويكدح ويوالي ويعادي كَما جاءَ في المسند عَن النَّبِي أنه قالَ "إن الله جعل طَعام ابْن آدم مثل الدُّنْيا وإن قزحه ملحه فَإنَّهُ يعلم إلى ما يصير " أوْ كَما قالَ. فَإذا وقع فكره على عاقِبَة ذَلِك وآخر أمره وكانَت نَفسه حرَّة أبيه ربابها أن يَجْعَلها عبدا لما آخِره أنتن شَيْء وأخبثه وأفحشه. فصل إذا عرف هَذا فالفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر مِنهُما معرفَة ثالِثَة، ومِثال ذَلِك إذا أحضر في قلبه العاجلة وعيشها ونعيمها وما يقْتَرن بِهِ من الآفات وانقطاعه وزواله ثمَّ أحضر في قلبه الآخرة ونَعِيمها ولذته ودوامه وفضله على نعيم الدُّنْيا وجزم بِهَذَيْنِ العلمين أثمر لَهُ ذَلِك علما ثالِثا وهو أن الآخرة ونَعِيمها الفاضِل الدّائِم أولى عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة، ثمَّ لَهُ في معرفَة الآخرة حالتان إحداهما أن يكون قد سمع ذَلِك من غَيره من غير أن يُباشر قلبه برد اليَقِين بِهِ ولم يفض قلبه إلى مكافحة حَقِيقَة الآخرة، وهَذا حال أكثر النّاس فيتجاذبه داعيان أحدهما داعِي العاجلة وإيثارها وهو أقوى الداعيين عِنْده، لأنه مشاهد لَهُ محسوس وداعي الآخرة وهو أضعف الداعيين عِنْده لأنه داع عَن سَماع لم يُباشر قلبه اليَقِين بِهِ ولا كافحه حَقِيقَته العلمية فَإذا ترك العاجلة للآخرة تريه نَفسه بأنه قد ترك مَعْلُوما لمظنون أو متحققا لموهوم فلسان الحال يُنادي عَلَيْهِ لا أدع ذرة منقودة لدرة موعودة وهَذِه الآفة هي الَّتِي منعت النُّفُوس من الاستعداد للآخرة وأن يسْعى لَها سعيها وهِي من ضعف العلم بها وتيقنها، وإلّا فَمَعَ الجَزْم التّام الَّذِي لا يخالج القلب فِيهِ شكّ لا يَقع التهاون بها وعدم الرَّغْبَة فِيها ولِهَذا لَو قدم لرجل طَعام في غايَة الطّيب واللذة وهو شَدِيد الحاجة إليه ثمَّ قيل لَهُ إنَّه مَسْمُوم فَإنَّهُ لا يقدم عَلَيْهِ لعلمه بِأن سوء ما تجني عاقِبَة تناوله تربو في المضرَّة على لَذَّة أكله فَما بال الإيمان بالآخرة لا يكون في قلبه بِهَذِهِ المنزلَة ما ذاك إلا لضعف شَجَرَة العلم والإيمان بها في القلب وعدم استقرارها فِيهِ وكَذَلِكَ إذا كانَ سائرا في طَرِيق فَقيل لَهُ إن بها قطاعا ولصوصا يقتلُون من وجدوه ويَأْخُذُونَ مَتاعه فإنه لا يسلكها إلا على أحد وجْهَيْن: إما أن لا يصدق المخبر، وإمّا أن يَثِق من نَفسه بغلبتهم وقهرهم والانتصار عَلَيْهِم وآلاف فَمَعَ تَصْدِيقه للْخَبَر تَصْدِيقًا لا يتمارى فِيهِ وعلمه من نَفسه بضعفه وعجزه عَن مقاومتهم فَإنَّهُ لا يسلكها ولَو حصل لَهُ هَذانِ العلمان فِيما يرتكبه من إيثار الدُّنْيا وشهواتها لم يقدم على ذَلِك فَعلم أن إيثاره للعاجلة وترك استعداده للآخرة لا يكون قطّ مَعَ كَمال تَصْدِيقه وإيمانه أبدا. الحالة الثّانِيَة أن يتَيَقَّن ويجزم جزما لا شكّ فِيهِ بِأن لَهُ دارا غير هَذِه الدّار ومعادا لَهُ خلق وأن هَذِه الدّار طَرِيق إلى ذَلِك المعاد ومنزل من منازِل السائرين إليه ويعلم مَعَ ذَلِك أنها باقِيَة ونَعِيمها وعذابها لا يَزُول ولا نِسْبَة لهَذا النَّعيم والعَذاب العاجل إليه إلّا كَما يدْخل الرجل أصبعه في اليم ثمَّ يَنْزِعها فالَّذِي تعلق بها مِنهُ هو كالدنيا بِالنِّسْبَةِ إلى الآخرة فيثمر لَهُ هَذا العلم إيثار الآخرة وطلبها والاستعداد التّام لَها وأن يسْعى لَها سعيها، وهَذا يسْعى تفكرا وتذكرا ونظرا وتأملا واعتبارا وتدبرا واستبصارا، وهَذِه معان مُتَقارِبَة تَجْتَمِع في شَيْء وتتفرق في آخر ويُسمى تفكرا لأنه اسْتِعْمال الفكرة في ذَلِك وإحضاره عِنْده ويُسمى تذكرا لأنه إحضار للْعلم الَّذِي يجب مراعاته بعد ذُهُوله وغيبته عَنهُ ومِنه قوله تَعالى: ﴿إن الَّذين اتَّقوا إذا مسهم طائف من الشَّيْطان تَذكرُوا فَإذا هم مبصرون﴾ وَيُسمى نظرا لأنه التِفات بِالقَلْبِ إلى المنظور فِيهِ ويُسمى تأملا لأنه مُراجعَة للنَّظَر كرة بعد كرة حَتّى يتجلى لَهُ وينكشف لِقَلْبِهِ ويُسمى اعْتِبارا وهو افتعال من العبور لأنه يعبر مِنهُ إلى غَيره فيعبر من ذَلِك الَّذِي قد فكر فِيهِ إلى معرفَة ثالِثَة وهِي المَقْصُود من الِاعْتِبار ولِهَذا يُسمى عِبْرَة وهِي على بِناء الحالات كالجلسة والركبَة والقتلة إيذانا بِأن هَذا العلم والمعرفة قد صار حالا لصاحبه يعبر مِنهُ إلى المَقْصُود بِهِ وقالَ الله تَعالى ﴿إن في ذَلِك لعبرة لمن يخْشى﴾ وقالَ ﴿إن في ذَلِك لعبرة لأولي الأبصار﴾ ويُسمى تدبرا لأنه نظر في أدبار الأمور وهِي أواخرها وعواقبها، ومِنه تدبر القَوْل وقالَ تَعالى ﴿أفلم يدبروا القَوْل﴾ ﴿أفلا يتدبرون القُرْآن ولَو كانَ من عند غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلافا كثيرا﴾ وتدبر الكَلام أن ينظر في أوله وآخره ثمَّ يُعِيد نظره مره بعد مرّة ولِهَذا جاءَ على بِناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين وسمى استبصارا وهو استفعال من التبصر وهو تبين الأمر وانكشافه وتجليه للبصيرة وكل من التَّذَكُّر والتفكر لَهُ فائِدَة غير فائِدَة الآخر فالتذكر يُفِيد تكْرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فِيهِ ويثبت ولا ينمحي فَيذْهب أثره من القلب جملَة، والتفكر يُفِيد تَكْثِير العلم واستجلاب ما لَيْسَ حاصِلا عند القلب فالتفكر يحصله والتذكر يحفظه، ولِهَذا قالَ الحسن: ما زالَ أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت بالحكمة فالتفكر والتذكر بذار العلم وسقيه مطارحته ومذاكرته تلقيحه كَما قالَ بعض السّلف: ملاقاة الرِّجال تلقيح لألبابها فالمذاكرة بها لقاح العقل فالخير والسعادة في خزانَة مفتاحها التفكر فَإنَّهُ لا بُد من تفكر وعلم يكون نتيجته الفِكر وحال يحدث للقلب من ذَلِك العلم فَإن كل من عمل شَيْئا من المحبوب أوْ المَكْرُوه لا بُد أن يبْقى لِقَلْبِهِ حالَة وينصبغ بصبغة من علمه وتلك الحال توجب لَهُ إرادَة وتلك الإرادة توجب وُقُوع العَمَل فهاهُنا خَمْسَة أمور الفِكر وثمرته العلم وثمرتهما الحالة الَّتِي تحدث للقلب وثَمَرَة ذَلِك الإرادة وثمرتها العلم فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح لِلْخَيْراتِ كلها وهَذا يكْشف لَك عَن فضل التفكر وشرفه وأنه من أفضل أعمال القلب وانفعها لَهُ حَتّى قيل تفكر ساعَة خير من عبادَة سنة فالفكر هو الَّذِي ينْقل من موت الفطنة إلى حَياة اليَقَظَة ومن المكاره إلى المحاب ومن الرَّغْبَة والحرص إلى الزّهْد والقناعة، ومن سجن الدُّنْيا إلى فضاء الآخرة، ومن ضيق الجَهْل إلى سَعَة العلم ورحبه، ومن مرض الشَّهْوَة والإخلاد إلى هَذِه الدّار إلى شِفاء الإنابة إلى الله والتجافي عَن دار الغرُور، ومن مُصِيبَة العَمى والصمم والبكم إلى نعْمَة البَصَر والسمع والفهم عَن الله والعقل عَنهُ، ومن أمراض الشُّبُهات إلى برد اليَقِين وثلج الصُّدُور. وَبِالجُمْلَةِ فَأصل كل طاعَة إنَّما هي الفِكر وكَذَلِكَ أصل كل مَعْصِيّة إنَّما يحدث من جانب الفكرة فَإن الشَّيْطان يُصادف أرْض القلب خالِيَة فارغة فيبذر فِيها حب الأفكار الردية فيتولد مِنهُ الأرادات والعزوم فيتولد مِنها العَمَل فَإذا صادف أرْض القلب مَشْغُولَة ببذر الأفكار النافعة فِيما خلق لَهُ وفِيما أمر بِهِ وفيم هيئ لَهُ واعد لَهُ من النَّعيم المُقِيم أو العَذاب الاليم لم يجد لبذره موضعا وهَذا كَما قيل: ؎أتاني هَواها قبل أن اعرف الهوى ∗∗∗ فصادف قلبا فارغًا فتمكنا

آل عمران 3:193

والمعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من دخول الجنة. وقالت طائفة معناه وآتنا ما وعدتنا على الإيمان برسلك. وليس يسهل حذف الاسم والحرف معا إلا أن يقدر على تصديق رسلك وطاعة رسلك وحينئذ فيتكافأ التقديران ويترجح الأول بأنه قد تقدم قولهم ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمرسل ثم توسلوا إليه بإيمانهم أن يؤتيهم ما وعدهم على السنة الرسل فإنهم إنما سمعوا بوعدهم لهم بذلك من الرسل، وذلك أيضا يتضمن التصديق بهم وأنهم بلغوهم وعده فصدقوا به وسألوه أن يؤتيهم إياه وهذا هو الذي ذكره السلف والخلف في الآية. وقيل المعنى آتنا ما وعدتنا من النصر والظفر على ألسنة الرسل. والأول أعم وأكمل. وتأمل كيف تضمن إيمانهم به والإيمان بأمره ونهيه ورسله ووعده ووعيده وأسمائه وصفاته وأفعاله وصدق وعده والخوف من وعيده واستجابتهم لأمره فبمجموع ذلك صاروا مؤمنين بربهم تعالى، فبذلك صح لهم التوسل إلى سؤال ما وعدهم به والنجاة من عذابه. وقد أشكل على بعض الناس سؤالهم أن ينجز لهم ما وعدهم مع أنه فاعل لذلك ولا بد. وأجاب بأن هذا تعبد محض كقوله: ﴿رَبِّ احْكم بِالحَق﴾ وقول الملائكة: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ وخفي على هؤلاء أن الوعد معلق بشروط منها الرغبة إليه سبحانه وتعالى وسؤاله أن ينجزه لهم كما أنه معلق بالإيمان وموافاتهم به وأن لا يلحقه ما يحبطه فإذا سألوه سبحانه أن ينجز لهم ما وعدهم تضمن ذلك توفيقهم وتثبيتهم وإعانتهم على الأسباب التي ينجز لهم بها وعده كان هذا الدعاء من أهم الأدعية وأنفعها وهم أحوج إليه من كثير من الأدعية. وأما قوله ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ فهذا سؤال له سبحانه وتعالى أن ينصرهم على أعدائهم فيحكم لهم عليهم بالنصر والغلبة وكذلك سؤال الملائكة ربهم أن يغفر للتائبين هو من الأسباب التي يوجب بها لهم المغفرة فهو سبحانه نصب الأسباب التي يفعل بها ما يريده بأوليائه وأعدائه وجعلها أسبابا لإرادته كما جعلها أسبابا لوقوع مراده فمنه السبب والمسبب، وإن أشكل عليك ذلك فانظر إلى خلقه الأسباب التي توجب محبته وغضبه فهو يحب ويرضى ويغضب ويسخط عبر الأسباب التي خلقها وشاءها فالكل منه وبه، فهو مبتدأ من مشيئته وعائد إلى حكمته وحده وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد لا يلجه إلا العالمون بالله. ونظير هذه الآية في سؤاله ما وعد به قوله تعالى ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ يسأله إياه عباده المؤمنون ويسأله إياه ملائكته لهم فالجنة تسأل ربها أهلها وأهلها يسألونه إياها والملائكة تسألها لهم والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم، ويوم القيامة يقيمهم سبحانه بين يديه يشفعون فيها لعباده المؤمنين، وفي هذا من تمام ملكه وإظهار رحمته وإحسانه وجوده وكرمه وإعطائه ما سئل ما هو من لوازم أسمائه وصفاته واقتضائها لآثارها ومتعلقاتها فلا يجوز تعطيلها عن آثارها وأحكامها، فالرب تعالى جواد له الجود كله يحب أن يسئل ويطلب منه ويرغب إليه فخلق من يسأله وألهمه سؤاله وخلق له ما يسأله إياه فهو خالق السائل وسؤاله ومسئوله وذلك لمحبته سؤال عباده له ورغبتهم إليه وطلبهم منه وهو يغضب إذا لم يسئل: ؎الله يغضب إن تركت سؤاله ∗∗∗ وبني آدم حين يسئل يغضب وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالا وهو يحب الملحين في الدعاء وكلما ألح العبد عليه في السؤال أحبه وقربه وأعطاه وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه " فلا إله إلا هو أي جناية جنت القواعد الفاسدة على الإيمان وحالت بين القلوب وبين معرفة ربها وأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله و ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ قال أبو نعيم الفضل حدثنا يونس هو ابن أبي إسحاق حدثنا يزيد بن أبي مرثد قال قال أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ: "ما من مسلم يسأل الله الجنة ثلاثا إلا قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار بالله ثلاثا قالت النار اللهم أجره من النار" رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن هناد بن السري عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن يزيد به وقال الحسن بن سفيان حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن ليث عن يونس بن حبان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "ما سأل الله عبد الجنة في يوم سبع مرات إلا قالت الجنة يا رب أن عبدك فلانا يسألني فأدخلينه". وقال أبو يعلى الموصلي حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا جرير عن يونس عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار إن عبدك فلانا استجار مني فأجره، ولا يسأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة يا رب إن عبدك فلانا سألني فأدخله الجنة" وإسناده على شرط الصحيحين وقال أبو داود في مسنده حدثنا شعبة حدثني يونس بن حبان سمع أبا علقمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "من قال أسأل الله الجنة سبعا قالت الجنة اللهم أدخله الجنة " وقال الحسن بن سفيان حدثنا المقدمي حدثنا عمر بن علي عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "أكثروا مسألة الله الجنة واستعيذوا به من النار فإنهما شافعتان مشفعتان، وأن العبد إذا أكثر مسألة الله الجنة قالت الجنة يا رب عبدك هذا الذي سألينك فأسكنه إياي، وتقول النار يا رب عبدك هذا الذي استعاذ بك مني فأعذه" وقد كان جماعة من السلف لا يسألون الله الجنة ويقولون حسبنا أن يجيرنا من النار فمنهم أبو الصهباء صلة بن أشيم صلى ليلة إلى السحر ثم رفع يديه وقال اللهم أجرني من النار أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة؟ ومنهم عطاء السلمي كان لا يسأل الجنة فقال له صالح المري إن أبان حدثني عن أنس أن النبي ﷺ قال: "يقول الله عز وجل انظروا في ديوان عبدي فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته، ومن أستعذ بي من النار أعذته فقال عطاء كفاني أن يجيرني من النار" ذكرها أبو نعيم وقد روى أبو داود في سننه من حديث جابر في قصة صلاة معاذ وتطويله بهم أن النبي ﷺ قال للفتي يعني الذي شكاه: "كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت قال أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ فقال النبي ﷺ: "إني ومعاذا حولها ندندن" وفي سنن أبي داود من حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ: " لا يسئل بوجه الله إلا الجنة" رواه عن أحمد بن عمرو العصفري حدثنا يعقوب بن إسحاق حدثنا سليمان بن معاذ عن محمد فذكره. وقد تقدم في أول الكتاب حديث الليث عن معاوية عن صالح عن عبد الملك ابن أبي بشير يرفع الحديث "ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان تقول الجنة يا رب قد طابت ثماري واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجل إلى بأهلي" الحديث فالجنة تطلب أهلها بالذات وتجذبهم إليه جذبا والنار كذلك وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نزال نذكرهما ولا ننساهما كما روى أبو يعلي الموصلي في مسنده حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا أيوب بن أبي شبيب الصنعاني قال: كان فيما عرضنا على رباح بن زيد حدثني عبد الله بن نمير سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله ﷺ: "يقول لا تنسوا العظيمتين" قلنا: وما العظيمتان يا رسول الله ﷺ قال: "الجنة والنار" وذكر أبو بكر الشافعي من حديث كليب بن حرب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم فإن الجنة لا ينام طالبها وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره، وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة". [فَصْلٌ في الفَرْقِ بَيْنَ تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ] وَقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُما مُقْتَرِنَيْنِ، وذِكْرُ كُلًّا مِنهُما مُنْفَرِدًا عَنِ الآخَرِ، فالمُقْتَرِنانِ كَقَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] والمُنْفَرِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢] وقَوْلِهِ في المَغْفِرَةِ ﴿وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ [آل عمران: ١٤٧] ونَظائِرِهِ. فَهاهُنا أرْبَعَةُ أُمُورٍ: ذُنُوبٌ، وسَيِّئاتٌ، ومَغْفِرَةٌ، وتَكْفِيرٌ. فالذُّنُوبُ: المُرادُ بِها الكَبائِرُ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ: الصَّغائِرُ، وهي ما تَعْمَلُ فِيهِ الكَفّارَةُ، مِنَ الخَطَأِ وما جَرى مَجْراهُ، ولِهَذا جُعِلَ لَها التَّكْفِيرُ، ومِنهُ أُخِذَتِ الكَفّارَةُ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ لَها سُلْطانٌ ولا عَمَلٌ في الكَبائِرِ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ، فَلا تَعْمَلُ في قَتْلِ العَمْدِ، ولا في اليَمِينِ الغَمُوسِ في ظاهِرِ مَذْهَبِ أحْمَدَ وأبِي حَنِيفَةَ. والدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّيِّئاتِ هي الصَّغائِرُ والتَّكْفِيرِ لَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ». وَلَفْظُ المَغْفِرَةِ أكْمَلُ مِن لَفْظِ التَّكْفِيرِ ولِهَذا كانَ مِنَ الكَبائِرِ، والتَّكْفِيرُ مَعَ الصَّغائِرِ، فَإنَّ لَفْظَ المَغْفِرَةِ يَتَضَمَّنُ الوِقايَةَ والحِفْظَ، ولَفْظَ التَّكْفِيرِ يَتَضَمَّنُ السَّتْرَ والإزالَةَ، وعِنْدَ الإفْرادِ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ كَما تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ [محمد: ٢] يَتَناوَلُ صَغائِرَها وكَبائِرَها، ومَحْوَها ووِقايَةَ شَرِّها، بَلِ التَّكْفِيرُ المُفْرَدُ يَتَناوَلُ أسْوَأ الأعْمالِ، كَما قالَ تَعالى ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥]. وَإذا فُهِمَ هَذا فَهْمَ السِّرِّ في الوَعْدِ عَلى المَصائِبِ والهُمُومِ والغُمُومِ والنَّصَبِ والوَصَبِ بِالتَّكْفِيرِ دُونَ المَغْفِرَةِ، كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «ما يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِن هَمٍّ ولا غَمٍّ ولا أذًى - حَتّى الشَّوْكَةُ يَشاكُها - إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِها مِن خَطاياهُ» فَإنَّ المَصائِبَ لا تَسْتَقِلُّ بِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، ولا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ جَمِيعُها إلّا بِالتَّوْبَةِ، أوْ بِحَسَناتٍ تَتَضاءَلُ وتَتَلاشى فِيها الذُّنُوبُ، فَهي كالبَحْرِ لا يَتَغَيَّرُ بِالجِيَفِ، وإذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ. فَلِأهْلِ الذُّنُوبِ ثَلاثَةُ أنْهارٍ عِظامٍ يَتَطَهَّرُونَ بِها في الدُّنْيا، فَإنْ لَمْ تَفِ بِطُهْرِهِمْ طُهِّرُوا في نَهْرِ الجَحِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ: نَهْرُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، ونَهْرُ الحَسَناتِ المُسْتَغْرِقَةِ لِلْأوْزارِ المُحِيطَةِ بِها، ونَهْرُ المَصائِبِ العَظِيمَةِ المُكَفِّرَةِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا أدْخَلَهُ أحَدَ هَذِهِ الأنْهارِ الثَّلاثَةِ، فَوَرَدَ القِيامَةَ طَيِّبًا طاهِرًا، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى التَّطْهِيرِ الرّابِعِ.

آل عمران 3:200

فأمرهم بالصبر، وهو حال الصابر في نفسه. والمصابرة: مقاومة الخصم في ميدان الصبر، فإنها مفاعلة، تستدعي وقوفها بين اثنين، كالمشاتمة والمضاربة - فهي حال المؤمن في الصبر مع خصمه. والمرابطة، وهي الثبات واللزوم، والإقامة على الصبر والمصابرة. فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط. وقد يصبر ولا يصابر، ويرابط من غير تعبد بالتقوى. فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله: التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها. فقال ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾. فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان، فيزيله عن مملكته. وَقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. إنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. فالصَّبْرُ دُونَ المُصابَرَةِ. والمُصابَرَةُ دُونَ المُرابَطَةِ والمُرابَطَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وهو الشَّدُّ. وسُمِّي المُرابِطُ مُرابِطًا لِأنَّ المُرابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهم يَنْتَظِرُونَ الفَزَعَ. ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطاعَةٍ يَنْتَظِرُها: مُرابِطٌ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ». وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها». وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكم عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وصابِرُوا بِقُلُوبِكم عَلى البَلْوى في اللَّهِ. ورابِطُوا بِأسْرارِكم عَلى الشَّوْقِ إلى اللَّهِ. وَقِيلَ: اصْبِرُوا في اللَّهِ. وصابِرُوا بِاللَّهِ. ورابِطُوا مَعَ اللَّهِ. وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلى النَّعْماءِ. وصابِرُوا عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ. ورابِطُوا في دارِ الأعْداءِ. واتَّقَوْا إلَهَ الأرْضِ والسَّماءِ. لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ في دارِ البَقاءِ. فالصَّبْرُ مَعَ نَفْسِكَ، والمُصابَرَةُ بَيْنَكَ وبَيْنَ عَدُوِّكَ، والمُرابَطَةُ الثَّباتُ وإعْدادُ العُدَّةِ. وكَما أنَّ الرِّباطَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِئَلّا يَهْجُمَ مِنهُ العَدُوُّ. فَكَذَلِكَ الرِّباطُ أيْضًا لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَيَمْلِكَهُ ويُخَرِّبَهُ أوْ يُشَعِّثَهُ. وَقِيلَ: تَجَرَّعِ الصَّبْرَ، فَإنْ قَتَلَكَ قَتَلَكَ شَهِيدًا. وإنْ أحْياكَ أحْياكَ عَزِيزًا. وَقِيلَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ غِناءٌ. وبِاللَّهِ تَعالى بَقاءٌ. وفي اللَّهِ بَلاءٌ. ومَعَ اللَّهِ وفاءٌ. وعَنِ اللَّهِ جَفاءٌ. والصَّبْرُ عَلى الطَّلَبِ عُنْوانُ الظَّفَرِ. وفي المِحَنِ عُنْوانُ الفَرَجِ. وَقِيلَ: حالُ العَبْدِ مَعَ اللَّهِ رِباطُهُ. وما دُونَ اللَّهِ أعْداؤُهُ. وَفِي كِتابِ الأدَبِ لِلْبُخارِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ، والسَّماحَةُ». ذَكَرَهُ عَنْ مُوسى بْنِ إسْماعِيلَ. قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَهُ. وَهَذا مِن أجْمَعِ الكَلامِ وأعْظَمِهِ بُرْهانًا، وأوْعَبِهِ لِمَقاماتِ الإيمانِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها. فَإنَّ النَّفْسَ يُرادُ مِنها شَيْئانِ: بَذْلُ ما أُمِرَتْ بِهِ، وإعْطاؤُهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: السَّماحَةُ. وتَرْكُ ما نُهِيَتْ عَنْهُ، والبُعْدُ مِنهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: الصَّبْرُ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في كِتابِهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ، والصَّفْحِ الجَمِيلِ، والهَجْرِ الجَمِيلِ. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ ولا مَعَهُ. والصَّفْحُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا عِتابَ مَعَهُ. والهَجْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا أذى مَعَهُ. وَفِي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ: أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ: أنْزَلْتُ بِعَبْدِي بَلائِي، فَدَعانِي. فَماطَلْتُهُ بِالإجابَةِ، فَشَكانِي. فَقُلْتُ: عَبْدِي، كَيْفَ أرْحَمُكَ مِن شَيْءٍ بِهِ أرْحَمُكَ؟ وَقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] قالَ: أخَذُوا بِرَأْسِ الأمْرِ فَجَعَلَهم رُؤَساءَ. وَقِيلَ: صَبْرُ العابِدِينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا، وصَبْرُ المُحِبِّينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوضًا. كَما قِيلَ: ؎تَبَيَّنَ يَوْمَ البَيْنِ أنَّ اعْتِزامَهُ ∗∗∗ عَلى الصَّبْرِ مِن إحْدى الظُّنُونِ الكَواذِبِ والشَّكْوى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا تُنافِي الصَّبْرَ. فَإنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. والنَّبِيُّ إذا وعَدَ لا يُخْلِفُ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكَذَلِكَ أيُّوبُ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ وجَدَهُ صابِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وَإنَّما يُنافِي الصَّبْرَ شَكْوى اللَّهِ، لا الشَّكْوى إلى اللَّهِ. كَما رَأى بَعْضُهم رَجُلًا يَشْكُو إلى آخَرَ فاقَةً وضَرُورَةً. فَقالَ: يا هَذا، تَشْكُو مَن يَرْحَمُكَ إلى مَن لا يَرْحَمُكَ؟ ثُمَّ أنْشَدَ: ؎وَإذا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فاصْبِرْ لَها ∗∗∗ صَبْرَ الكَرِيمِ فَإنَّهُ بِكَ أعْلَمُ ؎وَإذا شَكَوْتَ إلى ابْنِ آدَمَ إنَّما ∗∗∗ تَشْكُو الرَّحِيمَ إلى الَّذِي لا يَرْحَمُ. [فَصْلٌ المَعاصِي عَدُوٌّ لَدُودٌ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها مَدَدٌ مِنَ الإنْسانِ يَمُدُّ بِهِ عَدُوَّهُ عَلَيْهِ، وجَيْشٌ يُقَوِّيهِ بِهِ عَلى حَرْبِهِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ابْتَلى هَذا الإنْسانَ بِعَدُوٍّ لا يُفارِقُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا يَنامُ مِنهُ ولا يَغْفُلُ عَنْهُ، يَراهُ هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ، يَبْذُلُ جَهْدَهُ في مُعاداتِهِ في كُلِّ حالٍ، ولا يَدَعُ أمْرًا يَكِيدُهُ بِهِ يَقْدِرُ عَلى إيصالِهِ إلَيْهِ إلّا أوْصَلَهُ إلَيْهِ، ويَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِبَنِي جِنْسِهِ مِن شَياطِينِ الجِنِّ، وغَيْرِهِمْ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَقَدْ نَصَبَ لَهُ الحَبائِلَ، وبَغى لَهُ الغَوائِلَ، ومَدَّ حَوْلَهُ الأشْراكَ، ونَصَبَ لَهُ الفِخاخَ والشِّباكَ، وقالَ لِأعْوانِهِ: دُونَكم عَدُوَّكم وعَدُوَّ أبِيكم لا يَفُوتُكم ولا يَكُونُ حَظُّهُ الجَنَّةَ وحَظُّكُمُ النّارَ، ونَصِيبُهُ الرَّحْمَةَ ونَصِيبُكُمُ اللَّعْنَةَ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ ما جَرى عَلَيَّ وعَلَيْكم مِنَ الخِزْيِ والإبْعادِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِهِ ومِن أجْلِهِ، فابْذُلُوا جَهْدَكم أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَنا في هَذِهِ البَلِيَّةِ، إذْ قَدْ فاتَنا شَرِكَةَ صالِحِيهِمْ في الجَنَّةِ. وقَدْ أعْلَمَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مِن عَدُوِّنا وأمَرَنا أنْ نَأْخُذَ لَهُ أُهْبَتَهُ ونُعِدَّ لَهُ عُدَّتَهُ. وَلَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ آدَمَ وبَنِيهِ قَدْ بُلُوا بِهَذا العَدُوِّ وأنَّهُ قَدْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أمَدَهم بِعَساكِرَ وجُنْدٍ يَلْقَوْنَهم بِها، وأمَدَّ عَدُوَّهم أيْضًا بِجُنْدٍ وعَساكِرَ يَلْقاهم بِها، وأقامَ سُوقَ الجِهادِ في هَذِهِ الدّارِ في مُدَّةِ العُمُرِ الَّتِي هي بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ كَنَفَسٍ واحِدٍ مِن أنْفاسِها، واشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ وعْدٌ مُؤَكَّدٌ عَلَيْهِ في أشْرَفِ كُتُبِهِ، وهي التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا أوْفى بِعَهْدِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَسْتَبْشِرُوا بِهَذِهِ الصَّفْقَةِ الَّتِي مَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ قَدْرَها فَلْيَنْظُرْ إلى المُشْتَرِي مَن هُوَ؟ وإلى الثَّمَنِ المَبْذُولِ في هَذِهِ السِّلْعَةِ، وإلى مَن جَرى عَلى يَدَيْهِ هَذا العَقْدُ، فَأيُّ فَوْزٍ أعْظَمُ مِن هَذا؟ وأيُّ تِجارَةٍ أرْبَحُ مِنهُ؟ ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ مَعَهم هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ - وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠-١٣]. وَلَمْ يُسَلِّطْ سُبْحانَهُ هَذا العَدُوَّ عَلى عَبْدِهِ المُؤْمِنِ الَّذِي هو أحَبُّ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ، إلّا لِأنَّ الجِهادَ أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وأهْلَهُ أرْفَعُ الخَلْقِ عِنْدَهُ دَرَجاتٍ، وأقْرَبُهم إلَيْهِ وسِيلَةً، فَعَقَدَ سُبْحانَهُ لِواءَ هَذِهِ الحَرْبِ لِخُلاصَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وهو القَلْبُ الَّذِي مَحَلُّ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وعُبُودِيَّتِهِ والإخْلاصِ لَهُ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، فَوَلّاهُ أمْرَ هَذِهِ الحَرْبِ، وأيَّدَهُ بِجُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُفارِقُونَهُ ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. يَعْقُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، كُلَّما ذَهَبَ بَدَلٌ جاءَ بَدَلٌ آخَرُ يُثَبِّتُونَهُ ويَأْمُرُونَهُ بِالخَيْرِ ويَحُضُّونَهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُونَهُ بِكَرامَةِ اللَّهِ ويُصَبِّرُونَهُ، ويَقُولُونَ: إنَّما هو صَبْرُ ساعَةٍ وقَدِ اسْتَرَحْتَ راحَةَ الأبَدِ. ثُمَّ أمَدَّهُ سُبْحانَهُ بِجُنْدٍ آخَرَ مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ وأنْزَلَ إلَيْهِ كِتابَهُ، فازْدادَ قُوَّةً إلى قُوتِهِ، ومَدَدًا إلى مَدَدِهِ، وعُدَّةً إلى عُدَّتِهِ، وأمَدَّهُ مَعَ ذَلِكَ بِالعَقْلِ وزِيرًا لَهُ ومُدَبِّرًا، وبِالمَعْرِفَةِ مُشِيرَةً عَلَيْهِ ناصِحَةً لَهُ، وبِالإيمانِ مُثَبِّتًا لَهُ ومُؤَيِّدًا وناصِرًا، وبِاليَقِينِ كاشِفًا لَهُ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ، حَتّى كَأنَّهُ يُعايِنُ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ عَلى جِهادِ أعْدائِهِ، فالعَقْلُ يُدَبِّرُ أمْرَ جَيْشِهِ، والمَعْرِفَةُ تَصْنَعُ لَهُ أُمُورَ الحَرْبِ وأسْبابَها ومَواضِعَها اللّائِقَةَ بِها، والإيمانُ يُثَبِّتُهُ ويُقَوِّيهِ ويُصَبِّرُهُ، واليَقِينُ يُقْدِمُ بِهِ ويَحْمِلُ بِهِ الحَمَلاتِ الصّادِقَةَ. ثُمَّ أمَدَّ سُبْحانَهُ القائِمَ بِهَذِهِ الحَرْبِ بِالقُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَجَعَلَ العَيْنَ طَلِيعَتَهُ، والأُذُنَ صاحِبَ خَبَرِهِ، واللِّسانَ تُرْجُمانَهُ، واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ أعْوانَهُ، وأقامَ مَلائِكَتَهُ وحَمَلَةَ عَرْشِهِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ويَسْألُونَ لَهُ أنْ يَقِيَهُ السَّيِّئاتِ ويُدْخِلَهُ الجَنّاتِ، وتَوَلّى سُبْحانَهُ الدَّفْعَ والدِّفاعَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ وقالَ: هَؤُلاءِ حِزْبِي، وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وَهَؤُلاءِ جُنْدِي ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]. وَعَلَّمَ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الحَرْبِ والجِهادِ، فَجَمَعَها لَهم في أرْبَعِ كَلِماتٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وَلا يَتِمُّ أمْرُ هَذا الجِهادِ إلّا بِهَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، فَلا يَتِمُّ الصَّبْرُ إلّا بِمُصابَرَةِ العَدُوِّ، وهو مُقاوَمَتُهُ ومُنازَلَتُهُ، فَإذا صابَرَ عَدُوَّهُ احْتاجَ إلى أمْرٍ آخَرَ وهي المُرابَطَةُ، وهي لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ وحِراسَتُهُ لِئَلّا يَدْخُلَ مِنهُ العَدُوُّ، ولُزُومُ ثَغْرِ العَيْنِ والأُذُنِ واللِّسانِ والبَطْنِ واليَدِ والرِّجْلِ، فَهَذِهِ الثُّغُورُ يَدْخُلُ مِنها العَدُوُّ فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُفْسِدُ ما قَدَرَ عَلَيْهِ، فالمُرابَطَةُ لُزُومُ هَذِهِ الثُّغُورِ، ولا يُخَلِّي مَكانَها فَيُصادِفَ العَدُوُّ الثَّغْرَ خالِيًا فَيَدْخُلَ مِنهُ. فَهَؤُلاءِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، وأعْظَمُهم حِمايَةً وحِراسَةً مِنَ الشَّيْطانِ، وقَدْ أخْلَوُا المَكانَ الَّذِي أُمِرُوا بِلُزُومِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَدَخَلَ مِنهُ العَدُوُّ، فَكانَ ما كانَ. وَجِماعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ وعَمُودُها الَّذِي تَقُومُ بِهِ هو تَقْوى اللَّهِ تَعالى، فَلا يَنْفَعُ الصَّبْرُ ولا المُصابَرَةُ ولا المُرابَطَةُ إلّا بِالتَّقْوى، ولا تَقُومُ التَّقْوى إلّا عَلى ساقِ الصَّبْرِ. التِقاءُ الجَيْشَيْنِ فانْظُرِ الآنَ فِيكَ إلى التِقاءِ الجَيْشَيْنِ، واصْطِدامِ العَسْكَرَيْنِ وكَيْفَ تُدالُ مَرَّةً، ويُدالُ عَلَيْكَ أُخْرى؟ أقْبَلَ مَلِكُ الكَفَرَةِ بِجُنُودِهِ وعَساكِرِهِ، فَوَجَدَ القَلْبَ في حِصْنِهِ جالِسًا عَلى كُرْسِيِّ مَمْلَكَتِهِ، أمْرُهُ نافِذٌ في أعْوانِهِ، وجُنْدُهُ قَدْ حَفُّوا بِهِ، يُقاتِلُونَ عَنْهُ ويُدافِعُونَ عَنْ حَوْزَتِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الهُجُومُ عَلَيْهِ إلّا بِمُخامَرَةِ بَعْضِ أُمَرائِهِ وجُنْدِهِ عَلَيْهِ، فَسَألَ عَنْ أخَصِّ الجُنْدِ بِهِ وأقْرَبِهِمْ مِنهُ مَنزِلَةً، فَقِيلَ لَهُ: هي النَّفْسُ، فَقالَ لِأعْوانِهِ: ادْخُلُوا عَلَيْها مِن مُرادِها، وانْظُرُوا مَواقِعَ مَحَبَّتِها وما هو مَحْبُوبُها فَعِدُوها بِهِ ومَنُّوها إيّاهُ وانْقُشُوا صُورَةَ المَحْبُوبِ فِيها في يَقَظَتِها ومَنامِها، فَإذا اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ وسَكَنَتْ عِنْدَهُ فاطْرَحُوا عَلَيْها كَلالِيبَ الشَّهْوَةِ وخَطاطِيفَها، ثُمَّ جُرُّوها بِها إلَيْكُمْ، فَإذا خامَرَتْ عَلى القَلْبِ وصارَتْ مَعَكم عَلَيْهِ مَلَكْتُمْ ثَغْرَ العَيْنِ والأُذُنِ واللِّسانِ والفَمِ واليَدِ والرِّجْلِ، فَرابِطُوا عَلى هَذا الثُّغُورِ كُلَّ المُرابَطَةِ، فَمَتى دَخَلْتُمْ مِنها إلى القَلْبِ فَهو قَتِيلٌ أوْ أسِيرٌ، أوْ جَرِيحٌ مُثْخَنٌ بِالجِراحاتِ، ولا تُخْلُوا هَذِهِ الثُّغُورَ، ولا تُمَكِّنُوا سَرِيَّةً تَدْخُلُ فِيها إلى القَلْبِ فَتُخْرِجَكم مِنها، وإنْ غُلِبْتُمْ فاجْتَهِدُوا في إضْعافِ السَّرِيَّةِ ووَهَنِها، حَتّى لا تَصِلَ إلى القَلْبِ، فَإنْ وصَلَتْ إلَيْهِ وصَلَتْ ضَعِيفَةً لا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا. ثَغْرُ العَيْنِ فَإذا اسْتَوْلَيْتُمْ عَلى هَذِهِ الثُّغُورِ فامْنَعُوا ثَغْرَ العَيْنِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ اعْتِبارًا، بَلِ اجْعَلُوا نَظَرَهُ تَفَرُّجًا واسْتِحْسانًا وتَلَهِّيًا، فَإنِ اسْتَرَقَ نَظَرُهُ عِبْرَةً فَأفْسِدُوها عَلَيْهِ بِنَظَرِ الغَفْلَةِ والِاسْتِحْسانِ والشَّهْوَةِ، فَإنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ وأعْلَقُ بِنَفْسِهِ وأخَفُّ عَلَيْهِ، ودُونَكم ثَغْرَ العَيْنِ، فَإنَّ مِنهُ تَنالُونَ بُغْيَتَكُمْ، فَإنِّي ما أفْسَدْتُ بَنِي آدَمَ بِشَيْءٍ مِثْلِ النَّظَرِ، فَإنِّي أبْذُرُ بِهِ في القَلْبِ بَذْرَ الشَّهْوَةِ، ثُمَّ أسْقِيهِ بِماءِ الأُمْنِيَّةِ، ثُمَّ لا أزالُ أعِدُهُ وأُمَنِّيهِ حَتّى أُقَوِّيَ عَزِيمَتَهُ وأقُودَهُ بِزِمامِ الشَّهْوَةِ إلى الِانْخِلاعِ مِنَ العِصْمَةِ، فَلا تُهْمِلُوا أمْرَ هَذا الثَّغْرِ وأفْسِدُوهُ بِحَسَبِ اسْتِطاعَتِكُمْ، وهَوِّنُوا عَلَيْهِ أمْرَهُ، وقُولُوا لَهُ: مِقْدارُ نَظْرَةٍ تَدْعُوكَ إلى تَسْبِيحِ الخالِقِ والتَّأمُّلِ لِبَدِيعِ صَنِيعِهِ، وحُسْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي إنَّما خُلِقَتْ لِيَسْتَدِلَّ بِها النّاظِرُ عَلَيْهِ، وما خَلَقَ اللَّهُ لَكَ العَيْنَيْنِ سُدًى، وما خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِيَحْجُبَها عَنِ النَّظَرِ، وإنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ قَلِيلَ العِلْمِ فاسِدَ العَقْلِ، فَقُولُوا لَهُ: هَذِهِ الصُّورَةُ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الحَقِّ ومَجْلًى مِن مَجالِيهِ، فادْعُوهُ إلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ فالقَوْلُ بِالحُلُولِ العامِّ أوِ الخاصِّ، ولا تَقْنَعُوا مِنهُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مِن إخْوانِ النَّصارى، فَمُرُوهُ حِينَئِذٍ بِالعِفَّةِ والصِّيانَةِ والعِبادَةِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا، واصْطادُوا عَلَيْهِ وبِهِ الجُهّالَ، فَهَذا مِن أقْرَبِ خُلَفائِي وأكْبَرِ جُنْدِي، بَلْ أنا مِن جُنْدِهِ وأعْوانِهِ.

النساء 4:3

قوله: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ لما كان المراد الوصف وأن هو السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح وقصده وهو الطيب فتنكح المرأة الموصوفة به أتى بـ (ما) دون من وهذا باب لا ينخرم وهو من ألطف مسالك العربية. (فصل) قال الشافعي: أن لا يكثر عيالكم. فدل على أن قلة العيال. أدنى. قيل: قد قال الشافعي ذلك، وخالف جمهور المفسرين من السلف والخلف، وقالوا: معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تجوروا ولا تميلوا. فإنه يقال: عال الرجل يعول عولا إذا مال وجار. ومنه: عول الفرائض. لأن سهامها زادت. ويقال: عال يعيل عيلة إذا احتاج. قال تعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وقال الشاعر: ؎وما يدري الفقير: متى غناه ∗∗∗ وما يدري الغني: متى يعيل؟ أي متى يحتاج ويفتقر. وأما كثرة العيال فليس من هذا، ولا من هذا، ولكنه من أفعل. يقال: أعال الرجل يعيل، إذا كثر عياله. مثل ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر. هذا قول أهل اللغة. قال الواحدي في بسيطه: ومعنى تعولوا تميلوا وتجوروا، عن جميع أهل التفسير واللغة. وروى ذلك مرفوعا. روت عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ «أن لا تعولوا» قال: لا تجوروا» وروى: «أن لا تميلوا» قال: وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدي وابن مالك وعكرمة والفراء والزجاج وابن قتيبة وابن الأنباري. قلت: ويدل على تعين هذا المعنى من الآية، وإن كان ما ذكره الشافعي لغة حكاه الفراء عن الكسائي - قال: ومن الصحابة من يقول: عال يعول إذا كثر عياله. قال الكسائي: وهي لغة فصيحة سمعتها من العرب، لكن يتعين الأول لوجوه. أحدها: أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يعرف سواه، ولا يعرف: عال يعول، إذا كثر عياله: إلا في حكاية الكسائي، وسائر أهل اللغة على خلافه. الثاني: أن هذا مروي عن النبي ﷺ، ولو كان من الغرائب. فأنه يصلح للترجيح. الثالث: أنه مروي عن عائشة وابن عباس، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين وقد قال الحاكم أبو عبد الله: تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع. الرابع: أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود وإخبار النبي ﷺ أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة يرد هذا التفسير. الخامس: أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون من الظلم والجور فيه إلى غيره. فإنه قال في أولها ٤: ٣ {وَإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى، وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ، وأباح لهم منهن أربعا. ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن. فقال فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ} ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور. وهذا صريح في المقصود. السادس: أنه لا يلتئم قوله ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا﴾ في الأربع فانكحوا واحدة أو تسروا بما شئتم بملك اليمين. فإن ذلك أقرب إلى أن تكثر عيالكم، بل هذا أجنبي من الأول. فتأمله. السابع: أنه من الممتنع أن يقال لهم: فإن خفتم أن لا تعدلوا بين الأربع فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر. فإنه أدنى أن لا تكثر عيالكم. الثامن: أن قوله: ﴿ذلِكَ أدْنى ألّا تَعُولُوا﴾ تعليل لكل واحد من الحكمين المتقدمين، وهما نقلهم من نكاح اليتامى إلى نكاح النساء البوالغ، ومن نكاح الأربع إلى نكاح الواحدة، أو ملك اليمين. ولا يليق تعليل ذلك بقلة العيال. التاسع: أنه سبحانه قال فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا ولم يقل: إن خفتم أن لا تفتقروا وتحتاجوا. ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك. العاشر: أنه سبحانه إذا ذكر حكما منهيا عنه وعلل النهي بعلته، أو أباح شيئا وعلق إباحته بعلة. فلا بد أن تكون العلة مضادة لضد الحكم المعلل. وقد علل سبحانه إباحة نكاح غير اليتامى والاقتصار على الواحدة أو ملك اليمين بأنه أقرب إلى عدم الجور. ومعلوم أن كثرة العيال لا تضاد عدم الحكم المعلل. فلا يحسن التعليل به - والله أعلم. [فَصْلٌ: مَنعُهُ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فاطِمَةَ وبِنْتِ أبِي جَهْلٍ] «واسْتَأْذَنَهُ بَنُو هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ أنْ يُزَوِّجُوا عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْنَةَ أبي جهل، فَلَمْ يَأْذَنْ في ذَلِكَ، وقالَ: إلّا أنْ يُرِيدَ ابن أبي طالب أنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي ويَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإنَّما فاطمة بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي ما رابَها ويُؤْذِينِي ما آذاها، إنِّي أخافُ أنْ تُفْتَنَ فاطمة في دِينِها، وإنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلالًا ولا أُحِلُّ حَرامًا، ولَكِنْ واللَّهِ لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ في مَكانٍ واحِدٍ أبَدًا». وَفِي لَفْظٍ فَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأثْنى عَلَيْهِ، وقالَ: «حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي ووَعَدَنِي فَوَفى لِي». فَتَضَمَّنَ هَذا الحُكْمُ أُمُورًا. أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ إذا شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ أنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها لَزِمَهُ الوَفاءُ بِالشَّرْطِ، ومَتى تَزَوَّجَ عَلَيْها فَلَها الفَسْخُ، ووَجْهُ تَضَمُّنِ الحَدِيثِ لِذَلِكَ أنَّهُ ﷺ أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي فاطمة ويَرِيبُها، وأنَّهُ يُؤْذِيهِ ﷺ ويَرِيبُهُ، ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّهُ ﷺ إنَّما زَوَّجَهُ فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَلى أنْ لا يُؤْذِيَها ولا يَرِيبَها ولا يُؤْذِيَ أباها ﷺ ولا يَرِيبَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا مُشْتَرَطًا في صُلْبِ العَقْدِ، فَإنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ إنَّما دَخَلَ عَلَيْهِ وفي ذِكْرِهِ ﷺ صِهْرَهُ الآخَرَ، وثَناءَهُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ حَدَّثَهُ فَصَدَقَهُ، ووَعَدَهُ فَوَفّى لَهُ تَعْرِيضٌ بعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وتَهْيِيجٌ لَهُ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ جَرى مِنهُ وعْدٌ لَهُ بِأنَّهُ لا يَرِيبُها ولا يُؤْذِيها، فَهَيَّجَهُ عَلى الوَفاءِ لَهُ، كَما وفى لَهُ صِهْرُهُ الآخَرُ. فَيُؤْخَذُ مِن هَذا أنَّ المَشْرُوطَ عُرْفًا كالمَشْرُوطِ لَفْظًا، وأنَّ عَدَمَهُ يُمَلِّكُ الفَسْخَ لِمُشْتَرِطِهِ، فَلَوْ فُرِضَ مِن عادَةِ قَوْمٍ أنَّهم لا يُخْرِجُونَ نِساءَهم مِن دِيارِهِمْ ولا يُمَكِّنُونَ أزْواجَهم مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ واسْتَمَرَّتْ عادَتُهم بِذَلِكَ كانَ كالمَشْرُوطِ لَفْظًا، وهو مُطَّرِدٌ عَلى قَواعِدِ أهْلِ المَدِينَةِ، وقَواعِدِ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الشَّرْطَ العُرْفِيَّ كاللَّفْظِيِّ سَواءٌ، ولِهَذا أوْجَبُوا الأُجْرَةَ عَلى مَن دَفَعَ ثَوْبَهُ إلى غَسّالٍ أوْ قَصّارٍ، أوْ عَجِينَهُ إلى خَبّازٍ، أوْ طَعامَهُ إلى طَبّاخٍ يَعْمَلُونَ بِالأُجْرَةِ، أوْ دَخَلَ الحَمّامَ أوِ اسْتَخْدَمَ مَن يَغْسِلُهُ مِمَّنْ عادَتُهُ يَغْسِلُ بِالأُجْرَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ، ولَمْ يَشْرُطْ لَهم أُجْرَةَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ المِثْلِ. وَعَلى هَذا، فَلَوْ فُرِضَ أنَّ المَرْأةَ مِن بَيْتٍ لا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلى نِسائِهِمْ ضَرَّةً ولا يُمَكِّنُونَهُ مِن ذَلِكَ، وعادَتُهم مُسْتَمِرَّةٌ بِذَلِكَ، كانَ كالمَشْرُوطِ لَفْظًا. وَكَذَلِكَ لَوْ كانَتْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّها لا تُمَكِّنُ إدْخالَ الضَّرَّةِ عَلَيْها عادَةً لِشَرَفِها وحَسَبِها وجَلالَتِها، كانَ تَرْكُ التَّزَوُّجِ عَلَيْها كالمَشْرُوطِ لَفْظًا سَواءٌ. وَعَلى هَذا فَسَيِّدَةُ نِساءِ العالَمِينَ، وابْنَةُ سَيِّدِ ولَدِ آدَمَ أجْمَعِينَ أحَقُّ النِّساءِ بِهَذا، فَلَوْ شَرَطَهُ عَلِيٌّ في صُلْبِ العَقْدِ كانَ تَأْكِيدًا لا تَأْسِيسًا. وَفِي مَنعِ علي مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وبَيْنَ بِنْتِ أبي جهل حِكْمَةٌ بَدِيعَةٌ، وهي أنَّ المَرْأةَ مَعَ زَوْجِها في دَرَجَتِهِ تَبَعٌ لَهُ، فَإنْ كانَتْ في نَفْسِها ذاتَ دَرَجَةٍ عالِيَةٍ، وزَوْجُها كَذَلِكَ، كانَتْ في دَرَجَةٍ عالِيَةٍ بِنَفْسِها وبِزَوْجِها، وهَذا شَأْنُ فاطمة وعلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ولَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِيَجْعَلَ ابْنَةَ أبي جهل مَعَ فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ لا بِنَفْسِها ولا تَبَعًا، وبَيْنَهُما مِنَ الفَرْقِ ما بَيْنَهُما، فَلَمْ يَكُنْ نِكاحُها عَلى سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ مُسْتَحْسَنًا لا شَرْعًا ولا قَدْرًا. وَقَدْ أشارَ ﷺ إلى هَذا بِقَوْلِهِ: «واللَّهِ لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ في مَكانٍ واحِدٍ أبَدًا» فَهَذا إمّا أنْ يَتَناوَلَ دَرَجَةَ الآخَرِ بِلَفْظِهِ أوْ إشارَتِهِ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في قَصْرِ الزَّوْجاتِ عَلى أرْبَعٍ دُونَ السَّرِيّاتِ] وَأمّا قَوْلُهُ: " وقَصَرَ عَدَدَ المَنكُوحاتِ عَلى أرْبَعٍ، وأباحَ مِلْكَ اليَمِينِ بِغَيْرِ حَصْرٍ " فَهَذا مِن تَمامِ نِعْمَتِهِ وكَمالِ شَرِيعَتِهِ، ومُوافَقَتِها لِلْحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ والمَصْلَحَةِ، فَإنَّ النِّكاحَ يُرادُ لِلْوَطْءِ وقَضاءِ الوَطَرِ، ثُمَّ مِن النّاسِ مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ سُلْطانُ هَذِهِ الشَّهْوَةِ فَلا تَنْدَفِعُ حاجَتُهُ بِواحِدَةٍ، فَأطْلَقَ لَهُ ثانِيَةً وثالِثَةً ورابِعَةً، وكانَ هَذا العَدَدُ مُوافِقًا لِعَدَدِ طِباعِهِ وأرْكانِهِ، وعَدَدِ فُصُولِ سَنَتِهِ، ولِرُجُوعِهِ إلى الواحِدَةِ بَعْدَ صَبْرِ ثَلاثٍ عَنْها، والثَّلاثُ أوَّلُ مَراتِبِ الجَمْعِ، وقَدْ عَلَّقَ الشّارِعُ بِها عِدَّةَ أحْكامٍ، ورَخَّصَ لِلْمُهاجِرِ أنْ يُقِيمَ بَعْدَ قَضاءِ نُسُكِهِ بِمَكَّةَ ثَلاثًا، وأباحَ لِلْمُسافِرِ أنْ يَمْسَحَ عَلى خُفَّيْهِ ثَلاثًا، وجَعَلَ حَدَّ الضِّيافَةِ المُسْتَحَبَّةِ أوْ المُوجِبَةِ ثَلاثًا، وأباحَ لِلْمَرْأةِ أنْ تَحُدَّ عَلى غَيْرِ زَوْجِها ثَلاثًا، فَرَحِمَ الضَّرَّةَ بِأنْ جَعَلَ غايَةَ انْقِطاعِ زَوْجِها عَنْها ثَلاثًا ثُمَّ يَعُودُ؛ فَهَذا مَحْضُ الرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ. وَأمّا الإماءُ فَلَمّا كُنَّ بِمَنزِلَةِ سائِرِ الأمْوالِ مِن الخَيْلِ والعَبِيدِ وغَيْرِها لَمْ يَكُنْ لِقَصْرِ المالِكِ عَلى أرْبَعَةٍ مِنهُنَّ أوْ غَيْرِها مِن العَدَدِ مَعْنًى؛ فَكَما لَيْسَ في حِكْمَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ أنْ يُقْصِرَ السَّيِّدُ عَلى أرْبَعَةِ عَبِيدٍ أوْ أرْبَعِ دَوابَّ وثِيابٍ ونَحْوِها، فَلَيْسَ في حِكْمَتِهِ أنْ يُقْصِرَهُ عَلى أرْبَعِ إماءٍ، وأيْضًا فَلِلزَّوْجَةِ حَقٌّ عَلى الزَّوْجِ اقْتَضاهُ عَقْدُ النِّكاحِ يَجِبُ عَلى الزَّوْجِ القِيامُ بِهِ، فَإنْ شارَكَها غَيْرَها وجَبَ عَلَيْهِ العَدْلُ بَيْنَهُما؛ فَقَصْرُ الأزْواجِ عَلى عَدَدٍ يَكُونُ العَدْلُ فِيهِ أقْرَبَ مِمّا زادَ عَلَيْهِ، ومَعَ هَذا فَلا يَسْتَطِيعُونَ العَدْلَ ولَوْ حَرَصُوا عَلَيْهِ، ولا حَقَّ لِإمائِهِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، ولِهَذا لا يَجِبُ لَهُنَّ قَسْمٌ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في إباحَةِ التَّعَدُّدِ لِلرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ] وَأمّا قَوْلُهُ: " وإنَّهُ أباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِأرْبَعِ زَوْجاتٍ، ولَمْ يُبِحْ لِلْمَرْأةِ أنْ تَتَزَوَّجَ بِأكْثَرَ مِن زَوْجٍ واحِدٍ " فَذَلِكَ مِن كَمالِ حِكْمَةِ الرَّبِّ تَعالى لَهم وإحْسانِهِ ورَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ ورِعايَةِ مَصالِحِهِمْ، ويَتَعالى سُبْحانَهُ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ، ويُنَزَّهُ شَرْعُهُ أنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِ هَذا، ولَوْ أُبِيحَ لِلْمَرْأةِ أنْ تَكُونَ عِنْدَ زَوْجَيْنِ فَأكْثَرَ لَفَسَدَ العالَمُ، وضاعَتْ الأنْسابُ، وقَتَلَ الأزْواجُ بَعْضُهم بَعْضًا، وعَظُمَتْ البَلِيَّةُ، واشْتَدَّتْ الفِتْنَةُ، وقامَتْ سُوقُ الحَرْبِ عَلى ساقٍ، وكَيْف يَسْتَقِيمُ حالُ امْرَأةٍ فِيها شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ؟ وكَيْفَ يَسْتَقِيمُ حالُ الشُّرَكاءِ فِيها؟ فَمَجِيءُ الشَّرِيعَةِ بِما جاءَتْ بِهِ مِن خِلافِ هَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى حِكْمَةِ الشّارِعِ ورَحْمَتِهِ وعِنايَتِهِ بِخَلْقِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْف رُوعِيَ جانِبُ الرَّجُلِ، وأطْلَقَ لَهُ أنْ يُسِيمَ طَرْفَهُ ويَقْضِيَ وطَرَهُ، ويَنْتَقِلَ مِن واحِدَةٍ إلى واحِدَةٍ بِحَسَبِ شَهْوَتِهِ وحاجَتِهِ، وداعِي المَرْأةِ داعِيهِ، وشَهْوَتُها شَهْوَتُهُ؟ قِيلَ: لَمّا كانَتْ المَرْأةُ مِن عادَتِها أنْ تَكُونَ مُخَبَّأةً مِن وراءِ الخُدُورِ، ومَحْجُوبَةً في كُنِّ بَيْتِها، وكانَ مِزاجُها أبْرَدَ مِن مِزاجِ الرَّجُلِ، وحَرَكَتُها الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ أقَلَّ مِن حَرَكَتِهِ، وكانَ الرَّجُلُ قَدْ أُعْطِيَ مِن القُوَّةِ والحَرارَةِ الَّتِي هي سُلْطانُ الشَّهْوَةِ أكْثَرَ مِمّا أُعْطِيَتْهُ المَرْأةُ، وبُلِيَ بِما لَمْ تُبْلَ بِهِ؛ أطْلَقَ لَهُ مِن عَدَدِ المَنكُوحاتِ ما لَمْ يُطْلِقْ لِلْمَرْأةِ؛ وهَذا مِمّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ الرِّجالَ، وفَضَّلَهم بِهِ عَلى النِّساءِ، كَما فَضَّلَهم عَلَيْهِنَّ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والخِلافَةِ والمُلْكِ والإمارَةِ ووِلايَةِ الحُكْمِ والجِهادِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وجَعَلَ الرِّجالَ قَوّامِينَ عَلى النِّساءِ ساعِينَ في مَصالِحِهِنَّ، يَدْأبُونَ في أسْبابِ مَعِيشَتِهِنَّ، ويَرْكَبُونَ الأخْطارَ، يَجُوبُونَ القِفارَ، ويُعَرِّضُونَ أنْفُسَهم لِكُلِّ بَلِيَّةٍ ومِحْنَةٍ في مَصالِحِ الزَّوْجاتِ، والرَّبُّ تَعالى شَكُورٌ حَلِيمٌ، فَشَكَرَ لَهم ذَلِكَ، وجَبَرَهم بِأنْ مَكَّنَهم مِمّا لَمْ يُمَكِّنْ مِنهُ الزَّوْجاتِ، وأنْتَ إذا قايَسْت بَيْنَ تَعَبِ الرِّجالِ وشَقائِهِمْ وكَدِّهِمْ ونَصَبِهِمْ في مَصالِحِ النِّساءِ وبَيْنَ ما ابْتُلِيَ بِهِ النِّساءُ مِن الغَيْرَةِ وجَدْت حَظَّ الرِّجالِ مِن تَحَمُّلِ ذَلِكَ التَّعَبِ والنَّصَبِ والدَّأْبِ أكْثَرَ مِن حَظِّ النِّساءِ مِن تَحَمُّلِ الغَيْرَةِ؛ فَهَذا مِن كَمالِ عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ؛ فَلَهُ الحَمْدُ كَما هو أهْلُهُ. وَأمّا قَوْلُ القائِلِ: " إنّ شَهْوَةَ المَرْأةِ تَزِيدُ عَلى شَهْوَةِ الرَّجُلِ " فَلَيْسَ كَما قالَ، والشَّهْوَةُ مَنبَعُها الحَرارَةُ، وأيْنَ حَرارَةُ الأُنْثى مِن حَرارَةِ الذَّكَرِ؟ ولَكِنَّ المَرْأةَ - لِفَراغِها وبَطالَتِها وعَدَمِ مُعاناتِها لِما يَشْغَلُها عَنْ أمْرِ شَهْوَتِها وقَضاءِ وطَرِها - يَغْمُرُها سُلْطانُ الشَّهْوَةِ، ويَسْتَوْلِي عَلَيْها، ولا يَجِدُ عِنْدَها ما يُعارِضُهُ، بَلْ يُصادِفُ قَلْبًا فارِغًا ونَفْسًا خالِيَةً فَيَتَمَكَّنُ مِنها كُلَّ التَّمَكُّنِ؛ فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ شَهْوَتَها أضْعافُ شَهْوَةِ الرَّجُلِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا جامَعَ امْرَأتَهُ أمْكَنَهُ أنْ يُجامِعَ غَيْرَها في الحالِ، «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ عَلى نِسائِهِ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ»، وطافَ سُلَيْمانُ عَلى تِسْعِينَ امْرَأةً في لَيْلَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ لَهُ عِنْدَ كُلِّ امْرَأةٍ شَهْوَةً وحَرارَةً باعِثَةً عَلى الوَطْءِ، والمَرْأةُ إذا قَضى الرَّجُلُ وطَرَهُ فَتَرَتْ شَهْوَتُها، وانْكَسَرَتْ نَفْسُها، ولَمْ تَطْلُبْ قَضاءَها مِن غَيْرِهِ في ذَلِكَ الحِينِ، فَتَطابَقَتْ حِكْمَةُ القَدَرِ والشَّرْعِ والخَلْقِ والأمْرِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.

النساء 4:5

وأيضًا: فالرجل له ولاية الإنفاق على زوجته، كما له ولاية حبسها ومنعها من الخروج من بيته، فالشارع جعل إليه ذلك، وأمره أن يقوم على المرأة ولا يؤتها ماله بل يرزقها ويكسوها فيه، وجعلها الله سبحانه في ذلك بمنزلة الصغير والمجنون مع وليه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكم الّتِى جَعَلَ اللهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾. قال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم. فالسفهاء هم النساء والصبيان وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوامين عليهم، كما جعل ولي الطفل قوامًا عليه والقوام على غيره أمين عليه. ومن قبل قول الزوجة أو الطفل بعد البلوغ في عدم إيصال النفقة إليهما، فقد جعلهما قوامين على الأزواج والأولياء، ولو لم يقبل قول الزوج لم يكن قوامًا على المرأة. فإن المرأة إذا كانت غريما مقبول القول دون الزوج، كانت هي القوامة. وبالجملة فللرجل على امرأته ولاية، حتى في مالها، فإن له أن يمنعها من التبرع به لأنه إنما بذل لها المهر لمالها ونفسها، فليس لها أن تتصرف في ذلك بما يمنع الزوج من كمال استمتاعه، وقد سوى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين نفقة الزوجات، ونفقة المماليك، وجعل المرأة عانية عند الزوج، والعاني: هو الأسير، وهو نوع من الرق، فقال في المرأة: "تُطْعِمُها مِمّا تَأْكُلُ، وتَكْسُوها مِمّا تَلبَسُ". وكذلك قال في الرقيق سواء، فهو أمير على نفقة امرأته ورقيقه، وأولاده، بحكم قيامه عليهم، ولم يوجب الله سبحانه على الأزواج تمليك النساء طعامًا وإداما، ولا دراهم أصلا، وإنما أوجب إطعامهن وكسوتهن بالمعروف، وإيجاب التمليك مما لم يدل عليه كتاب ولا سنة، ولا إجماع.

النساء 4:11

(فائدة) عطية الأولاد المشروع أن يكون على قدر موارثيهم، لأن الله تعالى منع مما يؤدي إلى قطيعة الرحم والتسوية بين الذكر والأنثى مخالفة لما وضعه الشرع من التفصيل فيفضي ذلك إلى العداوة ولأن الشرع أعلم بمصالحنا فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه ولأن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى ولأن الله تعالى جعل الأنثى على النصف من الذكر في الشهادات والميراث والديات، وفي العقيقة بالسنة. ولأن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، فإذا علم الذكر أن الأب زاد الأنثى على العطية التي أعطاها الله وسواها بمن فضله الله عليها أفضى ذلك إلى العداوة والقطيعة، كما إذا فضل عليه من سوى الله بينه وبينه. فأيّ فرق بين أن يفضل من أمر الله بالتسوية بينه وبين أخيه ويسوى بين من أمر الله بالتفضيل بينهما. واعترض ابن عقيل على دليل التفضيل وقال: "بناء العطية حال الحياة والصحة والمال لا حق لأحد فيه، ولهذا لا يجوز له الهبات والعطايا للوارث، وما زاد على الثلث للأجانب عبرة بحال صحته، وقطعا له عن حال مرض الموت فضلا عن الموت. وكذا تعطى الأخوات مع وجود الابن والأب وإن لم يكن لهم حق في الإرث، وتلك عطية من الله على سبيل التحكم لا اختيار لأحد فيه، وهذه عطية من مكلف غير محجور عليه فكانت على حسب اختياره من تفضيل وتسوية. وهذا هو القول الصحيح عندي". قلت: وهذه الحجة ضعيفة جدا فإنها باطلة بما سلمه من امتناع التفضيل بين الأولاد المتساوين في المذكورة والأنوثة، وكيف يصح له قوله إنها عطية من مكلف غير محجور عليه فجازت على حسب اختياره، وأنت قد حجرت عليه في التفضيل بين المتساويين.

النساء 4:12

فإنه سبحانه وتعالى إنما قدم على الميراث وصية من لم يضار الورثة، فإذا كانت الوصية وصية ضرار كانت حرامًا، وكان للورثة إبطالها، وحرم على الموصى له أخذ ذلك بدون رضا الورثة، وأكد سبحانه وتعالى ذلك بقوله: ﴿تِلكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وتأمل كيف ذكر سبحانه وتعالى الضرار في هذه الآية دون التي قبلها، لأن الأولى تضمنت ميراث العمودين، والثانية تضمنت ميراث الأطراف: من الزوجين، والإخوة. والعادة أن الميت قد يضار زوجته وإخوته، ولا يكاد يضار والديه وولده. والضرار نوعان: جنف، وإثم. فإنه قد يقصد الضرار، وهو الإثم، وقد يضار من غير قصد، وهو الجنف، فمن أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار، قصد أو لم يقصد، فللوارث رد هذه الوصية. وإن أوصى بالثلث فما دون ولم يعلم أنه قصد الضرار وجب إمضاؤها. فإن علم الموصى له أن الموصِي إنما أوصى ضرارا لم يحل له الأخذ، ولو اعترف الموصِي أنه إنما أوصى ضرارا لم تجز إعانته على إمضاء هذه الوصية. وقد جوز سبحانه وتعالى إبطال وصية الجنف والإثم، وأن يصلح الوصي أو غيره بين الورثة والموصى له فقال تعالى: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. وكذلك إذا ظهر للحاكم أو الوصي الجنف أو الإثم في الوقف ومصرفه أو بعض شروطه فأبطل ذلك كان مصلحًا لا مفسدا. وليس له أن يعين الواقف على إمضاء الجنف والإثم، ولا يصحح هذا الشرط ولا يحكم به، فإن الشارع قد رده وأبطله. فليس له أن يصحح ما رده الشارع وحرمه، فإن ذلك مضادة له ومناقضة. [فَصْلٌ: سِرٌّ في تَقْدِيمِ العَصَبَةِ البُعَداءِ عَنْ ذَوِي الأرْحامِ وإنْ قَرُبُوا] وَأمّا قَوْلُهُ: " ووِرْثُ ابْنُ ابْنِ العَمِّ وإنْ بَعُدَتْ دَرَجَتُهُ دُونَ الخالَةِ الَّتِي هي شَقِيقَةٌ لِلْأُمِّ " فَنَعَمْ، وهَذا مِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ وجَلالَتِها؛ فَإنَّ ابْنَ العَمِّ مِن عَصَبَتِهِ القائِمِينَ بِنُصْرَتِهِ ومُوالاتِهِ والذَّبِّ عَنْهُ وحَمْلِ العَقْلِ عَنْهُ، فَبَنُو أبِيهِ هم أوْلِياؤُهُ وعَصَبَتُهُ والمُحامُونَ دُونَهُ، وأمّا قَرابَةُ الأُمِّ فَإنَّهم بِمَنزِلَةِ الأجانِبِ، وإنَّما يَنْتَسِبُونَ إلى آبائِهِمْ، فَهم بِمَنزِلَةِ أقارِبِ البَناتِ كَما قالَ القائِلُ: ؎بَنُونا بَنُو أبْنائِنا وبَناتُنا ∗∗∗ بَنُوهُنَّ أبْناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ فَمِن كَمالِ حِكْمَةِ الشّارِعِ أنْ جَعَلَ المِيراثَ لِأقارِبِ الأبِ، وقَدَّمَهم عَلى أقارِبِ الأُمِّ، وإنَّما ورِثَ مَعَهم مِن أقارِبِ الأُمِّ مَن رَكَضَ المَيِّتُ مَعَهم في بَطْنِ الأُمِّ، وهم إخْوانُهُ أوْ مَن قَرُبَتْ قَرابَتُهُ جِدًّا وهُنَّ جَدّاتُهُ لِقُوَّةِ إيلادِهِنَّ وقُرْبِ أوْلادِهِنَّ مِنهُ؛ فَإذا عَدِمَتْ قَرابَةُ الأبِ انْتَقَلَ المِيراثُ إلى قَرابَةِ الأُمِّ، وكانُوا أوْلى مِن الأجانِبِ؛ فَهَذا الَّذِي جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أكْمَلُ شَيْءٍ وأعْدَلُهُ وأحْسَنُهُ.

النساء 4:17

والجَهالَةُ هاهُنا جَهالَةُ العَمَلِ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالتَّحْرِيمِ،، قالَ قَتادَةُ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ كُلَّ ما عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ، عَمْدًا كانَ أوْ لَمْ يَكُنْ، وكُلَّ مَن عَصى اللَّهَ فَهو جاهِلٌ. وَأمّا التَّوْبَةُ مِن قَرِيبٍ فَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها التَّوْبَةُ قَبْلَ المُعايَنَةِ. قالَ عِكْرِمَةُ: قَبْلَ المَوْتِ، وقالَ الضَّحّاكُ: قَبْلَ مُعايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ، وقالَ السُّدِّيُّ، والكَلْبِيُّ: أنْ يَتُوبَ في صِحَّتِهِ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِهِ، وفي المُسْنَدِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ» وفي نُسْخَةِ دَرّاجٍ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعِزَّتِكَ يا رَبِّ لا أبْرَحُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، فَقالَ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِ مَكانِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي». فَهَذا شَأْنُ التّائِبِ مِن قَرِيبٍ، وأمّا إذا وقَعَ في السِّياقِ فَقالَ: إنِّي تُبْتُ الآنَ، لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّها تَوْبَةُ اضْطِرارٍ لا اخْتِيارٍ، فَهي كالتَّوْبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَ مُعايَنَةِ بَأْسِ اللَّهِ. قالُوا: ولِأنَّ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ هي كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي هو مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ، والكَفُّ إنَّما يَكُونُ عَنْ أمْرٍ مَقْدُورٍ، وأمّا المُحالُ فَلا يُعْقَلُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْهُ، ولِأنَّ التَّوْبَةَ هي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، وهَذا لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ الإيقاعُ حَتّى يَتَأتّى مِنهُ الإقْلاعُ. قالُوا: ولِأنَّ الذَّنْبَ عَزْمٌ جازِمٌ عَلى فِعْلِ المُحَرَّمِ، يَقْتَرِنُ بِهِ فِعْلُهُ المَقْدُورُ، والتَّوْبَةُ مِنهُ عَزْمٌ جازِمٌ عَلى تَرْكِ المَقْدُورِ، يَقْتَرِنُ بِهِ التَّرْكُ، والعَزْمُ عَلى غَيْرِ المَقْدُورِ مُحالٌ، والتَّرْكُ في حَقِّ هَذا ضَرُورِيٌّ، لا عَزْمٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ تَرْكِ الطَّيَرانِ إلى السَّماءِ، ونَقْلِ الجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ. والقَوْلُ الثّانِي - وهو الصَّوابُ - أنَّ تَوْبَتَهُ صَحِيحَةٌ مُمْكِنَةٌ، بَلْ واقِعَةٌ، فَإنَّ أرْكانَ التَّوْبَةِ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ، والمَقْدُورُ لَهُ مِنها النَّدَمُ، وفي المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «النَّدَمُ تَوْبَةٌ،» فَإذا تَحَقَّقَ نَدَمُهُ عَلى الذَّنْبِ ولَوْمُهُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ تَوْبَةٌ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تُسْلَبَ التَّوْبَةُ عَنْهُ، مَعَ شِدَّةِ نَدَمِهِ عَلى الذَّنْبِ، ولَوْمِهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ؟ ولا سِيَّما ما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن بُكائِهِ وحُزْنِهِ وخَوْفِهِ، وعَزْمِهِ الجازِمِ، ونِيَّتِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا والفِعْلُ مَقْدُورًا لَهُ لَما فَعَلَهُ. وَإذا كانَ الشّارِعُ قَدْ نَزَّلَ العاجِزَ عَنِ الطّاعَةِ مَنزِلَةَ الفاعِلِ لَها، إذا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، كَقَوْلِهِ: في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كُتِبَ لَهُ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» وفي الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْهُ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكُمْ، قالُوا: وهم بِالمَدِينَةِ؟ قالَ: وهم بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» ولَهُ نَظائِرُ في الحَدِيثِ، فَتَنْزِيلُ العاجِزِ عَنِ المَعْصِيَةِ، التّارِكِ لَها قَهْرًا - مَعَ نِيَّتِهِ تَرْكَها اخْتِيارًا لَوْ أمْكَنَهُ - مَنزِلَةَ التّارِكِ المُخْتارِ أوْلى. يُوَضِّحُهُ أنَّ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الوَعِيدُ تَنْشَأُ مِنَ العَزْمِ عَلَيْهِ تارَةً ومِن فِعْلِهِ تارَةً، ومَنشَأُ المَفْسَدَةِ مَعْدُومٌ في حَقِّ هَذا العاجِزِ فِعْلًا وعَزْمًا، والعُقُوبَةُ تابِعَةٌ لِلْمَفْسَدَةِ. وَأيْضًا فَإنَّ هَذا تَعَذَّرَ مِنهُ الفِعْلُ ما تَعَذَّرَ مِنهُ التَّمَنِّي والوِدادُ، فَإذا كانَ يَتَمَنّى ويَوَدُّ لَوْ واقَعَ الذَّنْبَ، ومِن نِيَّتِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ سَلِيمًا لَباشَرَهُ، فَتَوْبَتُهُ بِالإقْلاعِ عَنْ هَذا الوِدادِ والتَّمَنِّي، والحُزْنِ عَلى فَوْتِهِ، فَإنَّ الإصْرارَ مُتَصَوَّرٌ في حَقِّهِ قَطْعًا، فَيُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ ضِدُّهُ، وهو التَّوْبَةُ، بَلْ هي أوْلى بِالإمْكانِ والتَّصَوُّرِ مِنَ الإصْرارِ، وهَذا واضِحٌ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ المُعايِنِ، ومَن ورَدَ القِيامَةَ أنَّ التَّكْلِيفَ قَدِ انْقَطَعَ بِالمُعايَنَةِ ووُرُودِ القِيامَةِ، والتَّوْبَةُ إنَّما تَكُونُ في زَمَنِ التَّكْلِيفِ، وهَذا العاجِزُ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فالأوامِرُ والنَّواهِي لازِمَةٌ لَهُ، والكَفُّ مُتَصَوَّرٌ مِنهُ عَنِ التَّمَنِّي والوِدادِ، والأسَفِ عَلى فَوْتِهِ، وتَبْدِيلُ ذَلِكَ بِالنَّدَمِ والحُزْنِ عَلى فِعْلِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) قال أبو العالية: "سألت أصحاب محمد عن قوله: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب" وقال قتادة: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل" وقال مجاهد: "من شيخ أو شاب فهو بجهالة" وقال: "من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن خطيئته" وقال هو وعطاء: "الجهالة العمد" وقال مجاهد: "من عمل سوأ خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه" ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ثم قال وروي عن قتادة وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا وروي عن مجاهد والضحاك: "ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا حراما ولكن من جهالته حين دخل فيه" وقال عكرمة: "الدماء كلها جهالة ومما يبين ذلك قوله: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وكل من خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ " وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: "لسنا بعلماء إنما العالم من يخشى الله" وقال ابن مسعود: "وكفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا" وقوله ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه إلا العلماء ولا يكون عالما إلا من يخشاه فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم إلا وهو يخشاه فإذا انتفى العلم انتفت الخشية وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم للخشية حيث يظن أنه يحصل بدونها وهذا ممتنع فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها مواجه لها وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق ونحو ذلك فأمنه في هذه المواطن دليل عدم علمه وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني. فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس فإنها كانت عن علم لا عن جهل وبقوله: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقال: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ وقال عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ وقال: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ وقال موسى لفرعون: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاّ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ وقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ يعني القرآن أو محمدا ﷺ وقال: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ والجحود إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن؟ قيل حجج الله لا تتناقص بل كلها حق يصدق بعضها بعضا وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله أليس ذلك أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله فها العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسألة وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره وينفذ قضائه وقدره ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجا من الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض واتّباع الهوى وإيثار الشهوات وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده فتأمل هذا الموضع حق تأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره ويراد به المقتضى وإن لم يتم بوجود شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمرا وجوديا بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد.

النساء 4:18

والجَهالَةُ هاهُنا جَهالَةُ العَمَلِ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالتَّحْرِيمِ،، قالَ قَتادَةُ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ كُلَّ ما عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ، عَمْدًا كانَ أوْ لَمْ يَكُنْ، وكُلَّ مَن عَصى اللَّهَ فَهو جاهِلٌ. وَأمّا التَّوْبَةُ مِن قَرِيبٍ فَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها التَّوْبَةُ قَبْلَ المُعايَنَةِ. قالَ عِكْرِمَةُ: قَبْلَ المَوْتِ، وقالَ الضَّحّاكُ: قَبْلَ مُعايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ، وقالَ السُّدِّيُّ، والكَلْبِيُّ: أنْ يَتُوبَ في صِحَّتِهِ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِهِ، وفي المُسْنَدِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ» وفي نُسْخَةِ دَرّاجٍ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعِزَّتِكَ يا رَبِّ لا أبْرَحُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، فَقالَ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِ مَكانِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي». فَهَذا شَأْنُ التّائِبِ مِن قَرِيبٍ، وأمّا إذا وقَعَ في السِّياقِ فَقالَ: إنِّي تُبْتُ الآنَ، لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّها تَوْبَةُ اضْطِرارٍ لا اخْتِيارٍ، فَهي كالتَّوْبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَ مُعايَنَةِ بَأْسِ اللَّهِ. قالُوا: ولِأنَّ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ هي كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي هو مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ، والكَفُّ إنَّما يَكُونُ عَنْ أمْرٍ مَقْدُورٍ، وأمّا المُحالُ فَلا يُعْقَلُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْهُ، ولِأنَّ التَّوْبَةَ هي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، وهَذا لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ الإيقاعُ حَتّى يَتَأتّى مِنهُ الإقْلاعُ. قالُوا: ولِأنَّ الذَّنْبَ عَزْمٌ جازِمٌ عَلى فِعْلِ المُحَرَّمِ، يَقْتَرِنُ بِهِ فِعْلُهُ المَقْدُورُ، والتَّوْبَةُ مِنهُ عَزْمٌ جازِمٌ عَلى تَرْكِ المَقْدُورِ، يَقْتَرِنُ بِهِ التَّرْكُ، والعَزْمُ عَلى غَيْرِ المَقْدُورِ مُحالٌ، والتَّرْكُ في حَقِّ هَذا ضَرُورِيٌّ، لا عَزْمٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ تَرْكِ الطَّيَرانِ إلى السَّماءِ، ونَقْلِ الجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ. والقَوْلُ الثّانِي - وهو الصَّوابُ - أنَّ تَوْبَتَهُ صَحِيحَةٌ مُمْكِنَةٌ، بَلْ واقِعَةٌ، فَإنَّ أرْكانَ التَّوْبَةِ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ، والمَقْدُورُ لَهُ مِنها النَّدَمُ، وفي المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «النَّدَمُ تَوْبَةٌ،» فَإذا تَحَقَّقَ نَدَمُهُ عَلى الذَّنْبِ ولَوْمُهُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ تَوْبَةٌ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تُسْلَبَ التَّوْبَةُ عَنْهُ، مَعَ شِدَّةِ نَدَمِهِ عَلى الذَّنْبِ، ولَوْمِهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ؟ ولا سِيَّما ما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن بُكائِهِ وحُزْنِهِ وخَوْفِهِ، وعَزْمِهِ الجازِمِ، ونِيَّتِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا والفِعْلُ مَقْدُورًا لَهُ لَما فَعَلَهُ. وَإذا كانَ الشّارِعُ قَدْ نَزَّلَ العاجِزَ عَنِ الطّاعَةِ مَنزِلَةَ الفاعِلِ لَها، إذا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، كَقَوْلِهِ: في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كُتِبَ لَهُ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» وفي الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْهُ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكُمْ، قالُوا: وهم بِالمَدِينَةِ؟ قالَ: وهم بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» ولَهُ نَظائِرُ في الحَدِيثِ، فَتَنْزِيلُ العاجِزِ عَنِ المَعْصِيَةِ، التّارِكِ لَها قَهْرًا - مَعَ نِيَّتِهِ تَرْكَها اخْتِيارًا لَوْ أمْكَنَهُ - مَنزِلَةَ التّارِكِ المُخْتارِ أوْلى. يُوَضِّحُهُ أنَّ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الوَعِيدُ تَنْشَأُ مِنَ العَزْمِ عَلَيْهِ تارَةً ومِن فِعْلِهِ تارَةً، ومَنشَأُ المَفْسَدَةِ مَعْدُومٌ في حَقِّ هَذا العاجِزِ فِعْلًا وعَزْمًا، والعُقُوبَةُ تابِعَةٌ لِلْمَفْسَدَةِ. وَأيْضًا فَإنَّ هَذا تَعَذَّرَ مِنهُ الفِعْلُ ما تَعَذَّرَ مِنهُ التَّمَنِّي والوِدادُ، فَإذا كانَ يَتَمَنّى ويَوَدُّ لَوْ واقَعَ الذَّنْبَ، ومِن نِيَّتِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ سَلِيمًا لَباشَرَهُ، فَتَوْبَتُهُ بِالإقْلاعِ عَنْ هَذا الوِدادِ والتَّمَنِّي، والحُزْنِ عَلى فَوْتِهِ، فَإنَّ الإصْرارَ مُتَصَوَّرٌ في حَقِّهِ قَطْعًا، فَيُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ ضِدُّهُ، وهو التَّوْبَةُ، بَلْ هي أوْلى بِالإمْكانِ والتَّصَوُّرِ مِنَ الإصْرارِ، وهَذا واضِحٌ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ المُعايِنِ، ومَن ورَدَ القِيامَةَ أنَّ التَّكْلِيفَ قَدِ انْقَطَعَ بِالمُعايَنَةِ ووُرُودِ القِيامَةِ، والتَّوْبَةُ إنَّما تَكُونُ في زَمَنِ التَّكْلِيفِ، وهَذا العاجِزُ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فالأوامِرُ والنَّواهِي لازِمَةٌ لَهُ، والكَفُّ مُتَصَوَّرٌ مِنهُ عَنِ التَّمَنِّي والوِدادِ، والأسَفِ عَلى فَوْتِهِ، وتَبْدِيلُ ذَلِكَ بِالنَّدَمِ والحُزْنِ عَلى فِعْلِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) قال أبو العالية: "سألت أصحاب محمد عن قوله: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب" وقال قتادة: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل" وقال مجاهد: "من شيخ أو شاب فهو بجهالة" وقال: "من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن خطيئته" وقال هو وعطاء: "الجهالة العمد" وقال مجاهد: "من عمل سوأ خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه" ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ثم قال وروي عن قتادة وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا وروي عن مجاهد والضحاك: "ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا حراما ولكن من جهالته حين دخل فيه" وقال عكرمة: "الدماء كلها جهالة ومما يبين ذلك قوله: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وكل من خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ " وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: "لسنا بعلماء إنما العالم من يخشى الله" وقال ابن مسعود: "وكفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا" وقوله ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه إلا العلماء ولا يكون عالما إلا من يخشاه فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم إلا وهو يخشاه فإذا انتفى العلم انتفت الخشية وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم للخشية حيث يظن أنه يحصل بدونها وهذا ممتنع فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها مواجه لها وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق ونحو ذلك فأمنه في هذه المواطن دليل عدم علمه وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني. فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس فإنها كانت عن علم لا عن جهل وبقوله: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقال: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ وقال عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ وقال: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ وقال موسى لفرعون: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاّ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ وقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ يعني القرآن أو محمدا ﷺ وقال: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ والجحود إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن؟ قيل حجج الله لا تتناقص بل كلها حق يصدق بعضها بعضا وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله أليس ذلك أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله فها العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسألة وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره وينفذ قضائه وقدره ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجا من الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض واتّباع الهوى وإيثار الشهوات وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده فتأمل هذا الموضع حق تأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره ويراد به المقتضى وإن لم يتم بوجود شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمرا وجوديا بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد.

النساء 4:19

(فائِدَة جليلة) قَوْله تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تعلمُونَ﴾ وَقَوله عزّ وجلّ ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ فالآية الأولى في الجِهاد الَّذِي هو كَمال القُوَّة الغضبية والثّانية في النِّكاح الَّذِي هو كَمال القُوَّة الشهوانية فالعَبْد يكره مُواجهَة عدوه بقوته الغضبية خشيَة على نَفسه مِنهُ وهَذا المَكْرُوه خير لَهُ في معاشه ومعاده ويُحب المُوادَعَة والمتاركة وهَذا المحبوب شَرّ لَهُ في معاشه ومعاده وكَذَلِكَ يكره المَرْأة لوصف من أوصافها وله في إمْساكها خير كثير لا يعرفهُ ويُحب المَرْأة لوصف من أصافها وله في إمْساكها شَرّ كثير لا يعرفهُ لانسان كَما وصفه وصفه بِهِ خالقه ظلوم جهول فَلا يَنْبَغِي أن يَجْعَل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار على ذَلِك ما اخْتارَهُ الله لَهُ بأمْره ونَهْيه فأنفع الأشْياء لَهُ على الإطْلاق طاعَة ربه بِظاهِرِهِ وباطنه وأضر الأشْياء عَلَيْهِ على الإطْلاق مَعْصِيَته بِظاهِرِهِ وباطنه فَإذا قامَ بِطاعَتِهِ وعبوديته مخلصا لَهُ فَكل ما يجْرِي عَلَيْهِ مِمّا يكرههُ يكون خيرا لَهُ وذا تخلى عَن طاعَته وعبوديته فَكل ما هو فِيهِ من مَحْبُوب هو شَرّ لَهُ فَمن صحت لَهُ معرفَة ربه والفِقْه في أسْمائِهِ وصِفاته علم يَقِينا أن المكروهات الَّتِي تصيبه والمحن التي تنزل بِهِ فِيها ضروب من المصالح والمَنافِع لتي لا يحصيها علمه ولا فكرته بل مصلحَة العَبْد فِيما يكره أعظم مِنها فِيما يحب فعامة مصالح النُّفُوس في مكروهاتها كَما أن عامَّة مضارها وأسْباب هلكتها في محبوباتها فانْظُر إلى غارس جنَّة من الجنات خَبِير بالفلاحة غرس جنَّة وتعاهدها بالسقي والإصلاح حَتّى أثمرت أشجارها فَأقبل عَلَيْها يفصل أوصالها ويقطع أغْصانها لعلمه أنَّها لَو خليّت على حالها لم تطب ثَمَرَتها فيطعمها من شَجَرَة طيبَة الثَّمَرَة حَتّى إذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثَمَرَتها اقبل بقلمها ويقطع أغْصانها الضعيفة الَّتِي تذْهب قوتها ويذيقها ألم القطع والحَدِيد لمصلحتها وكمالها لتصلح ثَمَرَتها أن تكون بِحَضْرَة المُلُوك ثمَّ لا يَدعها ودواعي طبعها من الشّرْب كل وقت بل يعطشها وقتا ويسقيها وقتا ولا يتْرك الماء عَلَيْها دائِما وإن كانَ ذَلِك أنْضَرُ لورقها وأسرع لنباتها ثمَّ يعمد إلى تِلْكَ الزِّينَة الَّتِي زينت بها من الأوراق فيلقي عَنْها كثيرا مِنها لِأن تِلْكَ الزِّينَة تحول بَين ثَمَرَتها وبَين كَمال نضجها واستوائها كَما في شجر العِنَب ونَحْوه فَهو يقطع أعضاءها بالحديد ويلقي عَنْها كثيرا من زينتها وذَلِكَ عين مصلحتها فَلَو أنَّها ذات تَمْيِيز وإدْراك كالحيوان لتوهمت أن ذَلِك إفْساد لَها وإضرار بها وإنَّما هو عين مصلحتها وَكَذَلِكَ الأب الشفيق على ولَده العالم بمصلحته إذا رأى مصْلحَته في إخْراج الدَّم الفاسِد عَنهُ بضع جلده وقطع عروقه وأذاقه الألَم الشَّديد وإن رأى شفاة في قطع عُضْو من أعْضائِهِ أبانه عَنهُ كانَ ذَلِك رَحْمَة بِهِ وشفقة عَلَيْهِ وإن رأى مصْلحَته في أن يمسك عَنهُ العَطاء لم يُعْطه ولم يُوسع عَلَيْهِ لعلمه أن ذَلِك أكبر الأسْباب إلى فَساده وهلاكه وكَذَلِكَ يمنعهُ كثيرا من شهواته حمية لَهُ ومصلحة لا بخلا عَلَيْهِ فأحكم الحاكِمين وأرحم الرّاحِمِينَ وأعلم العالمين الَّذِي هو أرْحم بعباده مِنهُم بِأنْفسِهِم ومن آبائِهِم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكْرهُونَ كانَ خيرا لَهُم من أن لا ينزله بهم نظرا مِنهُ لَهُم وإحسانا إلَيْهِم ولطفا بهم ولَو مكنوا من الاحتيار لأنْفُسِهِمْ لعجزوا عَن القيام بمصالحهم علما وإرادَة وعَملا لكنه سُبْحانَهُ تولى تَدْبِير أُمُورهم بِمُوجب علمه وحكمته ورَحمته أحبُّوا أم كَرهُوا فَعرف ذَلِك الموقنون بأسمائه وصِفاته فَلم يتهموه في شَيْء من أحْكامه وخفي ذَلِك على الجَهْل بِهِ وبأسمائه وصِفاته فنازعوه تَدْبيره وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسِدَة وآرائهم الباطِلَة وسياساتهم الجائرة فَلا لرَبهم عرفُوا ولا لمصالحهم حصلوا والله المُوفق. وَمَتى ظفر العَبْد بِهَذِهِ المعرفَة سكن في الدُّنْيا قبل الآخِرَة في جنَّة لا يشبه فِيها إلّا نعيم الآخِرَة فَإنَّهُ لا يزال راضِيا عَن ربه والرِّضا جنَّة الدُّنْيا ومستراح العارفين فَإنَّهُ طيب النَّفس بِما يجْرِي عَلَيْهِ من المَقادِير الَّتِي هي عين اخْتِيار الله لَهُ وطمأنينتها إلى أحْكامه الدِّينِيَّة وهَذا هو الرِّضا بِالله رَبًّا وبِالإسْلامِ دينا وبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل لَهُ ذَلِك وهَذا الرِّضا هو بِحَسب مَعْرفَته بِعدْل الله وحكمته ورَحمته وحسن اخْتِياره فَكلما كانَ بذلك أعرف كانَ بِهِ أرْضى فقضاء الرب سُبْحانَهُ في عَبده دائر بَين العدْل والمصلحة والحكمَة والرَّحْمَة لا يخرج عَن ذَلِك ألْبَتَّةَ كَما قالَ في الدُّعاء المَشْهُور اللَّهُمَّ إنِّي عَبدك ابْن عَبدك ابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بِكُل اسْم هـ لَك سميت بِهِ نَفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أو استأثرت بِهِ في علم الغَيْب عنْدك أن تجْعَل القُرْآن ربيع قلبِي ونور صَدْرِي وجلاء حزني وذَهاب همي وغمي ما قالَها أحد قطّ إلّا أذهب الله همه وغمه وأبدله مَكانَهُ فرجا قالُوا أفلا نتعلمهن يا رَسُول الله قالَ بِلا يَنْبَغِي لمن يسمعهن أن يتعلمهن والمَقْصُود قَوْله عدل فيّ قضاؤك وهَذا يتَناوَل كل قَضاء يَقْضِيه على عَبده من عُقُوبَة أو ألم وسبب ذَلِك فَهو الَّذِي قضى بِالسَّبَبِ وقضى بالمسبب وهو عدل في هَذا القَضاء وهَذا القَضاء خير لِلْمُؤمنِ كَما قالَ والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لا يقْضِي الله لِلْمُؤمنِ قَضاء إلّا كانَ خيرا لَهُ ولَيْسَ ذَلِك إلّا لِلْمُؤمنِ قالَ العَلامَة ابْن القيم فَسَألت شَيخنا هَل يدْخل في ذَلِك قَضاء الذَّنب فَقالَ نعم بِشَرْطِهِ فأجمل في لَفْظَة بِشَرْطِهِ ما يَتَرَتَّب على الذَّنب من الآثار المحبوبة لله من التَّوْبَة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذَلِك.

النساء 4:22

قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ هذا من الاستثناء السابق زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه فهو غير داخل فيه فمن لم يشترط الدخول فلا يقدر شيئا، ومن قال لا بد من دخوله قدر دخوله في مضمون الجملة الطلبية بالنهي لأن مضمون قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ الإثم والمؤاخذة أي أن الناكح ما نكح أبوه آثم مؤاخذ إلا ما قد سلف قبل النهي وإقامة الحجة فإنه لا تتعلق به المؤاخذة وأحسن من هذا عندي أن يقال لما نهي سبحانه عن نكاح منكوحات الآباء أفاد ذلك أن وطأهن بعد التحريم لا يكون نكاحا ألبتة بل لا يكون إلا سفاحا فلا يترتب عليه أحكام النكاح من ثبوت الفراش ولحوق النسب بل الولد فيه يكون ولد زنية وليس هذا حكم ما سلف قبل التحريم فإن الفراش كان ثابتا فيه والنسب لاحق فأفادا الاستثناء فائدة جليلة عظيمة وهي أن ولد من نكح ما نكح أبوه قبل التحريم ثابت النسب وليس ولد زنا والله أعلم.

النساء 4:23

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ بِنْتِ الأخِ وبِنْتِ العَمِّ ونَحْوِها في النِّكاح] وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ عَلَيْهِ نِكاحَ بِنْتِ أخِيهِ وأُخْتِهِ، وأباحَ لَهُ نِكاحَ بِنْتِ أخِي أبِيهِ وبِنْتِ أُخْتِ أُمِّهِ، وهُما سَواءٌ " فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صادِقَةٌ، والثّانِيَةُ كاذِبَةٌ؛ فَلَيْسَتا سَواءٌ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا في العُرْفِ، ولا في العُقُولِ، ولا في الشَّرِيعَةِ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ شَرْعًا وقَدْرًا وعَقْلًا وفِطْرَةً، ولَوْ تَساوَتْ القَرابَةُ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ البِنْتِ وبِنْتِ الخالَةِ وبِنْتِ العَمَّةِ، وهَذا مِن أفْسَدِ الأُمُورِ، والقَرابَةُ البَعِيدَةُ بِمَنزِلَةِ الأجانِبِ؛ فَلَيْسَ مِن الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ أنْ تُعْطى حُكْمَ القَرابَةِ القَرِيبَةِ، وهَذا مِمّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ العُقَلاءَ، وما خالَفَ شَرْعَهُ في ذَلِكَ فَهو إمّا مَجُوسِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ البِنْتِ والأُمِّ وبَناتِ الأعْمامِ والخالاتِ في نِكاحِ الجَمِيعِ، وإمّا حَرَجٌ عَظِيمٌ عَلى العِبادِ في تَحْرِيمِ نِكاحِ بَناتِ أعْمامِهِمْ وعَمّاتِهِمْ وأخْوالِهِمْ وخالاتِهِمْ؛ فَإنَّ النّاسَ - ولا سِيَّما العَرَبُ - أكْثَرُ بَنُو عَمٍّ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أمّا بُنُوَّةِ عَمٍّ دانِيَةٍ أوْ قاصِيَةٍ، فَلَوْ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ لَكانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ وضِيقٌ؛ فَكانَ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أحْسَنَ الأُمُورِ وألْصَقَها بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

النساء 4:24

قوله تعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وهذا من أشكل مواضع الاستثناء لأن مملوكته إذا كانت محصنة إحصان التزويج فهي حرام عليه والإحصان هاهنا إحصان التزويج بلا ريب إذ لا يصح أن يراد به إحصان العفة ولا إحصان الحرية ولا إحصان الإسلام فهو إحصان التزويج قطعا فكيف يستثنى من المحرمات به لمملوكه فقال كثير من الناس الاستثناء هاهنا منقطع والمعنى لكن ما ملكت أيمانكم فهن لكم حلال، ورد هذا بأنه استثناء من موجب والانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ ورد هذا الرد بأن الانقطاع يقع في الموجب وغيره قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾. وقالت طائفة: الاستثناء على بابه متصل و ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مستثنى من المزوجات ثم اختلفوا: فقالت طائفة من الصحابة منهم ابن عباس وغيره وبعض التابعين: أنه إذا زوج أمته ثم باعها كان بيعها طلاقا وتحل للسيد لأنها ملك يمينه واحتج لهم بالآية. ورد هذا المذهب بأمور: أحدها: أنه لو كان صحيحا لكان وطؤها حلالا لسيدها إذا زوجها لأنها ملك يمينه فكما اجتمع ملك سيدها لها وحلها للزوج فكذلك يجتمع ملك مشتريها لها وحلها للزوج وتناول اللفظ لهما واحد ما دامت مزوجة وينتقل إلى المشتري ما كان يملكه فملكها المشترى مسلوبة منفعة البضع. الثاني: أن المشتري خليفة البائع فانتقل إليه بعقد الشراء ما كان يملكه بائعها وهو كان يملك رقبتها مسلوبة منفعة البضع فإذا فارقها زوجها رجع إليه البضع كما كان يرجع إلى بائعها كذلك فهذا محض الفقه والقياس. الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين "أن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وكانت مزوجة فعتقتها وخيرها النبي ﷺ ﷺ" رواه البخاري ولو بطل النكاح بالشراء لم يخبرها وهذا مما أخذا الأئمة الأربعة وغيرهم فيه برواية ابن عباس وتركوا رأيه فإنه راوي الحديث وهو ممن يقول بيع الأمة طلاقها. وقالت طائفة أخرى: الآية مختصة بالسبايا قال أبو سعيد الخدري: "نزلت في سبايا أوطاس" قالوا: فأباح الله تعالى للمسلمين وطء ما ملكوه من السبي وإن كن محصنات. ثم اختلف هؤلاء متى يباح وطء المسبية؟ فقال الشافعي وأبو الخطاب وغيرهما: يباح وطؤها إذا تم استبراؤها سواء كان زوجها موجودا أو مفقودا واحتجوا بثلاث حجج: إحداها: أن الله سبحانه أباح وطء المسبيات بملك اليمين مستثنيا لهن من المحصنات الثانية ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري "أن رسول الله حين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب النبي ﷺ من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ " أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وفي الترمذي عن أبي سعيد: "أصبنا سبايا يوم أو طاس لهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وهذا صريح في إباحتهن في وإن كن ذوات أزواج وفي الترمذي ومسند أحمد من حديث العرباض بن سارية " أن النبي ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن" فهذا التحريم إلى غاية وهي وضع الحمل فلا بد أن يحصل الحل بعد الغاية ولو كان وجود أزواجهن مانعا من الوطء لكان له غايتان: إحداهما: عدم الزوج، والثاني: وضع الحمل وهو خلاف ظاهر الحديث. قالوا: ولأن ملك الكافر الحربي البضع لم يبق له حرمة ولا عصمة إذ قد ملك المسلمون عليه ما كان يملكه فملكوا رقبة زوجته فكيف يقال ببقاء العصمة في ملك البضع لا سيما والمسلمون يستحقون ملك رقبته وأولاده وسائر أملاكه فما بال ملك البضع وحده باقيا على العصمة فهذا لا نص ولا قياس ولا معنى قالوا فقد أذن النبي ﷺ وطء السبايا بعد انقضاء عدتهن مطلقا ولو كان بقاء الزوج مانعا لم يأذن في وطئهن إلا بعد العلم بموته وهذا المذهب كما تراه قوة وصحة. وقال أصحابنا القاضي وغيره: "إنما يباح وطؤها إذا سبيت وحدها فلو سبيت مع زوجها فهما على نكاحهما ولا يباح وطؤها قالوا لأنها إذا سبيت وحدها فبقاء الزوج مجهول والمجهول كالمعدوم فنزلت منزلة من لا زوج لها فحل وطؤها ولا كذلك إذا كان زوجها معها" ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا وهو إذا سبيت وحدها وعلم بقاء زوجها في دار الحرب؟ وهذا سؤال لا محيد لهم عنه ولا ينجيهم منه إلا قولهم بالحل وإن علم بقاء الزوج استنادا إلى زوال عصمة النكاح بالسبي فإنهم إذا أجابوا بالتزام التحريم خالفوا النصوص خلافا بينا وإن أجابوا بالحل مع تحقيق بقاء الزوج نقضوا أصلهم حيث أسندوا الحل إلى كون المسبية خالية من الزوج تنزيلا للمجهول منزلة المعدوم فقول أبي الخطاب أفقه وأصح وعليه تنزل الآية والأحاديث ويظهر به أن الاستثناء متصل وأن الله تعالى أباح من المحصنات من سباها المسلمون. فإن قيل فعلى ما قررتموه يزول الإحصان بالسبي فلا تدخل في المحصنات فيجيء الانقطاع في الاستثناء؟ قيل: لما كانت محصنة قبل السبي صح شمول الاسم لها فأخرجت الاستثناء. فإن قيل فما تقولون في الأمة المزوجة إذا بيعت محصنة قد ملكت نفسها فهل هي مخصوصة من هذا العموم أو غير داخلة فيه؟ قيل: هاهنا مسلكان للناس: أحدهما: أنها خصت من العموم بالأدلة على أن البيع لا يفسخ النكاح وأن الفرج لا يكون حلالا لشخصين في قت واحد. المسلك الثاني: أنها لم تدخل في المستثنى منه لأن السيد إذا زوجها فقد أخرج منفعة البضع عن ملكه فإذا باعها فقد انتقل إلى المشتري ما كان للبائع فملكها المشتري مسلوبه منفعة البضع فلم تدخل هذه المنفعة في ملكه بعقد البيع فلم تتناولها الآية وهذا المسلك ألطف وأدق من الأول والله أعلم. [فصل مَتى حُرِّمَتْ مُتْعَةُ النِّساءِ] وَمِمّا وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ، إباحَةُ مُتْعَةِ النِّساءِ، ثُمَّ حَرَّمَها قَبْلَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ، واخْتُلِفَ في الوَقْتِ الَّذِي حُرِّمَتْ فِيهِ المُتْعَةُ، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَوْمَ خَيْبَرَ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ العُلَماءِ. مِنهُمُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ. والثّانِي: أنَّهُ عامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وطائِفَةٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ عامَ حُنَيْنٍ، وهَذا في الحَقِيقَةِ هو القَوْلُ الثّانِي، لِاتِّصالِ غَزاةِ حُنَيْنٍ بِالفَتْحِ. والرّابِعُ: أنَّهُ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، وهو وهْمٌ مِن بَعْضِ الرُّواةِ، سافَرَ فِيهِ وهْمُهُ مِن فَتْحِ مَكَّةَ إلى حَجَّةِ الوَداعِ، كَما سافَرَ وهْمُ معاوية مِن عُمْرَةِ الجِعِرّانَةِ إلى حَجَّةِ الوَداعِ، حَيْثُ قالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ عَلى المَرْوَةِ في حَجَّتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَجِّ، وسَفَرُ الوَهْمِ مِن زَمانٍ إلى زَمانٍ، ومِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ومِن واقِعَةٍ إلى واقِعَةٍ كَثِيرًا ما يَعْرِضُ لِلْحُفّاظِ فَمَن دُونَهم. والصَّحِيحُ: أنَّ المُتْعَةَ إنَّما حُرِّمَتْ عامَ الفَتْحِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في " صَحِيحِ مسلم " أنَّهُمُ اسْتَمْتَعُوا عامَ الفَتْحِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِإذْنِهِ، ولَوْ كانَ التَّحْرِيمُ زَمَنَ خَيْبَرَ، لَزِمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ، وهَذا لا عَهْدَ بِمِثْلِهِ في الشَّرِيعَةِ البَتَّةَ، ولا يَقَعُ مِثْلُهُ فِيها، وأيْضًا: فَإنَّ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ فِيها مُسْلِماتٌ، وإنَّما كُنَّ يَهُودِيّاتٍ، وإباحَةُ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ لَمْ تَكُنْ ثَبَتَتْ بَعْدُ، إنَّما أُبِحْنَ بَعْدَ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وبِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾، وهَذا كانَ في آخِرِ الأمْرِ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ أوْ فِيها، فَلَمْ تَكُنْ إباحَةُ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ ثابِتَةً زَمَنَ خَيْبَرَ، ولا كانَ لِلْمُسْلِمِينَ رَغْبَةٌ في الِاسْتِمْتاعِ بِنِساءِ عَدُوِّهِمْ قَبْلَ الفَتْحِ، وبَعْدَ الفَتْحِ اسْتُرِقَّ مَنِ اسْتُرِقَّ مِنهُنَّ وصِرْنَ إماءً لِلْمُسْلِمِينَ. فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُونَ بِما ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «نَهى عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وعَنْ أكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ»، وهَذا صَحِيحٌ صَرِيحٌ؟ قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ قَدْ صَحَّتْ رِوايَتُهُ بِلَفْظَيْنِ هَذا أحَدُهُما. والثّانِي: الِاقْتِصارُ عَلى نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نِكاحِ المُتْعَةِ، وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، هَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قالَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: يَعْنِي أنَّهُ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ، لا عَنْ نِكاحِ المُتْعَةِ، ذَكَرَهُ أبو عمر، وفي " التَّمْهِيدِ ": ثُمَّ قالَ عَلى هَذا أكْثَرُ النّاسِ، انْتَهى، فَتَوَهَّمَ بَعْضُ الرُّواةِ أنَّ يَوْمَ خَيْبَرَ ظَرْفٌ لِتَحْرِيمِهِنَّ فَرَواهُ: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتْعَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ والحُمُرَ الأهْلِيَّةَ»، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى رِوايَةِ بَعْضِ الحَدِيثِ فَقالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُتْعَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ، فَجاءَ بِالغَلَطِ البَيِّنِ. فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ التَّحْرِيمَيْنِ إذا لَمْ يَكُونا قَدْ وقَعا في وقْتٍ واحِدٍ، وأيْنَ المُتْعَةُ مِن تَحْرِيمِ الحُمُرِ؟ قِيلَ: هَذا الحَدِيثُ رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُحْتَجًّا بِهِ عَلى ابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ في المَسْألَتَيْنِ، فَإنَّهُ كانَ يُبِيحُ المُتْعَةَ ولُحُومَ الحُمُرِ، فَناظَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المَسْألَتَيْنِ، ورَوى لَهُ التَّحْرِيمَيْنِ، وقَيَّدَ تَحْرِيمَ الحُمُرِ بِزَمَنِ خَيْبَرَ، وأطْلَقَ تَحْرِيمَ المُتْعَةِ، وقالَ: إنَّكَ امْرُؤٌ تائِهٌ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ المُتْعَةَ، وحَرَّمَ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، كَما قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، فَرَوى الأمْرَيْنِ مُحْتَجًّا عَلَيْهِ بِهِما، لا مُقَيِّدًا لَهُما بِيَوْمِ خَيْبَرَ، واللَّهُ المُوَفِّقُ. وَلَكِنْ هاهُنا نَظَرٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ هَلْ حَرَّمَها تَحْرِيمَ الفَواحِشِ الَّتِي لا تُباحُ بِحالٍ، أوْ حَرَّمَها عِنْدَ الِاسْتِغْناءِ عَنْها، وأباحَها لِلْمُضْطَرِّ؟ هَذا هو الَّذِي نَظَرَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: أنا أبَحْتُها لِلْمُضْطَرِّ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، فَلَمّا تَوَسَّعَ فِيها مَن تَوَسَّعَ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أمْسَكَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الإفْتاءِ بِحِلِّها، ورَجَعَ عَنْهُ. وقَدْ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرى إباحَتَها، ويَقْرَأُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٧٨]، فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ قالَ: «كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ لَنا نِساءٌ، فَقُلْنا: ألا نَخْتَصِي؟ فَنَهانا، ثُمَّ رَخَّصَ لَنا أنْ نَنْكِحَ المَرْأةَ بِالثَّوْبِ إلى أجَلٍ، ثُمَّ قَرَأ عبد الله: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾» [المائدة: ٧٨]. وَقِراءَةُ عبد الله هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ هَذا الحَدِيثِ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: الرَّدُّ عَلى مَن يُحَرِّمُها، وأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَما أباحَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ آخِرَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو الرَّدُّ عَلى مَن أباحَها مُطْلَقًا، وأنَّهُ مُعْتَدٍ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّما رَخَّصَ فِيها لِلضَّرُورَةِ، وعِنْدَ الحاجَةِ في الغَزْوِ، وعِنْدَ عَدَمِ النِّساءِ، وشِدَّةِ الحاجَةِ إلى المَرْأةِ. فَمَن رَخَّصَ فِيها في الحَضَرِ مَعَ كَثْرَةِ النِّساءِ، وإمْكانِ النِّكاحِ المُعْتادِ، فَقَدِ اعْتَدى، واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِما رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ جابر، وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، قالا: «خَرَجَ عَلَيْنا مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (قَدْ أذِنَ لَكم أنْ تَسْتَمْتِعُوا) يَعْنِي: مُتْعَةَ النِّساءِ»، قِيلَ: هَذا كانَ زَمَنَ الفَتْحِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ثُمَّ حَرَّمَها بَعْدَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ ما رَواهُ مسلم في " صَحِيحِهِ "، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «رَخَّصَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ أوْطاسٍ في المُتْعَةِ ثَلاثًا، ثُمَّ نَهى عَنْها». وعامُ أوْطاسٍ: هو عامُ الفَتْحِ؛ لِأنَّ غَزاةَ أوْطاسٍ مُتَّصِلَةٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ. فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُونَ بِما رَواهُ مسلم في " صَحِيحِهِ "، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «كُنّا نَسْتَمْتِعُ بِالقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ والدَّقِيقِ الأيّامَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبي بكر، حَتّى نَهى عَنْها عمر في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ» وفِيما ثَبَتَ عَنْ عمر أنَّهُ قالَ: «مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنا أنْهى عَنْهُما: مُتْعَةُ النِّساءِ، ومُتْعَةُ الحَجِّ» قِيلَ: النّاسُ في هَذا طائِفَتانِ، طائِفَةٌ تَقُولُ: إنَّ عمر هو الَّذِي حَرَّمَها ونَهى عَنْها، وقَدْ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاتِّباعِ ما سَنَّهُ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ، ولَمْ تَرَ هَذِهِ الطّائِفَةُ تَصْحِيحَ حَدِيثِ سبرة بن معبد في تَحْرِيمِ المُتْعَةِ عامَ الفَتْحِ، فَإنَّهُ مِن رِوايَةِ عبد الملك بن الربيع بن سبرة عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ، ولَمْ يَرَ البُخارِيُّ إخْراجَ حَدِيثٍ في " صَحِيحِهِ " مَعَ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وكَوْنِهِ أصْلًا مِن أُصُولِ الإسْلامِ، ولَوْ صَحَّ عِنْدَهُ لَمْ يَصْبِرْ عَنْ إخْراجِهِ والِاحْتِجاجِ بِهِ قالُوا: ولَوْ صَحَّ حَدِيثُ سبرة، لَمْ يَخْفَ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ حَتّى يَرْوِيَ أنَّهم فَعَلُوها،، ويَحْتَجُّ بِالآيَةِ، وأيْضًا ولَوْ صَحَّ لَمْ يَقُلْ عمر: إنَّها كانَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنا أنْهى عَنْها، وأُعاقِبُ عَلَيْها، بَلْ كانَ يَقُولُ: إنَّهُ ﷺ حَرَّمَها ونَهى عَنْها. قالُوا: ولَوْ صَحَّ لَمْ تُفْعَلْ عَلى عَهْدِ الصِّدِّيقِ، وهو عَهْدُ خِلافَةِ النُّبُوَّةِ حَقًّا. والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: رَأتْ صِحَّةَ حَدِيثِ سبرة، ولَوْ لَمْ يَصِحَّ فَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّساءِ» فَوَجَبَ حَمْلُ حَدِيثِ جابر عَلى أنَّ الَّذِي أخْبَرَ عَنْها بِفِعْلِها لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ، ولَمْ يَكُنْ قَدِ اشْتَهَرَ حَتّى كانَ زَمَنُ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمّا وقَعَ فِيها النِّزاعُ ظَهَرَ تَحْرِيمُها واشْتَهَرَ، وبِهَذا تَأْتَلِفُ الأحادِيثُ الوارِدَةُ فِيها. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

النساء 4:25

[فَصْلٌ: سَوّى اللَّهُ بَيْنَ العَبْدِ والحُرِّ في أحْكامٍ وفَرَّقَ بَيْنَهُما في أُخْرى] وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ حَدَّ الرَّقِيقِ عَلى النِّصْفِ مِن حَدِّ الحُرِّ، وحاجَتُهُما إلى الزَّجْرِ واحِدَةٌ " فَلا رَيْبَ أنَّ الشّارِعَ فَرَّقَ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ في أحْكامٍ وسَوّى بَيْنَهُما في أحْكامٍ؛ فَسَوّى بَيْنَهُما في الإيمانِ والإسْلامِ ووُجُوبِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ كالطَّهارَةِ والصَّلاةِ والصَّوْمِ لِاسْتِوائِهِما في سَبَبِهِما، وفَرَّقَ بَيْنَهُما في العِباداتِ المالِيَّةِ كالحَجِّ والزَّكاةِ والتَّكْفِيرِ بِالمالِ؛ لِافْتِراقِهِما في سَبَبِهِما. وَأمّا الحُدُودُ فَلَمّا كانَ وُقُوعُ المَعْصِيَةِ مِن الحُرِّ أقْبَحَ مِن وُقُوعِها مِن العَبْدِ مِن جِهَةِ كَمالِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بِالحُرِّيَّةِ، وأنْ جَعَلَهُ مالِكًا لا مَمْلُوكًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ تَحْتَ قَهْرِ غَيْرِهِ وتَصَرُّفِهِ فِيهِ، ومِن جِهَةِ تَمَكُّنِهِ بِأسْبابِ القُدْرَةِ مِن الِاسْتِغْناءِ عَنْ المَعْصِيَةِ بِما عَوَّضَ اللَّهُ عَنْها مِن المُباحاتِ، فَقابَلَ النِّعْمَةَ التّامَّةَ بِضِدِّها، واسْتَعْمَلَ القُدْرَةَ في المَعْصِيَةِ، فاسْتَحَقَّ مِن العُقُوبَةِ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ مَن هو أخْفَضُ مِنهُ رُتْبَةً وأنْقَصُ مَنزِلَةً؛ فَإنَّ الرَّجُلَ كُلَّما كَمُلَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَتْ عُقُوبَتُهُ إذا ارْتَكَبَ الجَرائِمَ أتَمَّ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّ مَن أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِنَّ مِن النِّساءِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] وهَذا عَلى وفْقِ قَضايا العُقُولِ ومُسْتَحْسِناتها؛ فَإنَّ العَبْدَ كُلَّما كَمُلَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ تَكُونَ طاعَتُهُ لَهُ أكْمَلَ، وشُكْرُهُ لَهُ أتَمَّ، ومَعْصِيَتُهُ لَهُ أقْبَحَ، وشِدَّةُ العُقُوبَةِ تابِعَةٌ لِقُبْحِ المَعْصِيَةِ؛ ولِهَذا كانَ أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ عالِمًا لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَإنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالعِلْمِ أعْظَمُ مِن نِعْمَتِهِ عَلى الجاهِلِ، وصُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنهُ أقْبَحُ مِن صُدُورِها مِن الجاهِلِ، ولا يَسْتَوِي عِنْدَ المُلُوكِ والرُّؤَساءِ مَن عَصاهم مِن خَواصِّهِمْ وحَشَمِهِمْ ومَن هو قَرِيبٌ مِنهم ومَن عَصاهم مِن الأطْرافِ والبُعَداءِ؛ فَجَعَلَ حَدَّ العَبْدِ أخَفَّ مِن حَدِّ الحُرِّ، جَمْعًا بَيْنَ حِكْمَةِ الزَّجْرِ وحِكْمَةِ نَقْصِهِ، ولِهَذا كانَ عَلى النِّصْفِ مِنهُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ والعِدَّةِ، إظْهارًا لِشَرَفِ الحُرِّيَّةِ وخَطَرِها، وإعْطاءً لِكُلِّ مَرْتَبَةٍ حَقَّها مِن الأمْرِ كَما أعْطاها حَقَّها مِن القَدْرِ، ولا تَنْتَقِضُ هَذِهِ الحِكْمَةُ بِإعْطاءِ العَبْدِ في الآخِرَةِ أجْرَيْنِ، بَلْ هَذا مَحْضُ الحِكْمَةِ؛ فَإنَّ العَبْدَ كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا حَقّانِ حَقٌّ لِلَّهِ وحَقٌّ لِسَيِّدِهِ فَأُعْطِيَ بِإزاءِ قِيامِهِ بِكُلِّ حَقٍّ أجْرًا، فاتَّفَقَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ والقَدَرِ والجَزاءِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. [فَصْلٌ: حِكْمَةُ اللَّهِ في الفَرْقِ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ في تَحْصِينِ الرَّجُلِ] وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ الحُرَّةَ القَبِيحَةَ الشَّوْهاءَ تُحْصِنُ الرَّجُلَ، والأمَةَ البارِعَةَ الجَمالِ لا تُحْصِنُهُ " فَتَعْبِيرٌ سَيئ عَنْ مَعْنًى صَحِيحٍ؛ فَإنَّ حِكْمَةَ الشّارِعِ اقْتَضَتْ وُجُوبَ حَدِّ الزِّنا عَلى مَن كَمُلَتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ بِالحَلالِ، فَيَتَخَطّاهُ إلى الحَرامِ، ولِهَذا لَمْ يُوجِبْ كَمالَ الحَدِّ عَلى مَن لَمْ يُحْصَنْ، واعْتَبَرَ لِلْإحْصانِ أكْمَلَ أحْوالِهِ، وهو أنْ يَتَزَوَّجَ بِالحُرَّةِ الَّتِي يَرْغَبُ النّاسُ في مِثْلِها، دُونَ الأمَةِ الَّتِي لَمْ يُبِحْ اللَّهُ نِكاحَها إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فالنِّعْمَةُ بِها لَيْسَتْ كامِلَةً، ودُونَ التَّسَرِّي الَّذِي هو في الرُّتْبَةِ دُونَ النِّكاحِ؛ فَإنَّ الأمَةَ ولَوْ كانَتْ ما عَسى أنْ تَكُونَ لا تَبْلُغُ رُتْبَةَ الزَّوْجَةِ، لا شَرْعًا ولا عُرْفًا ولا عادَةً، بَلْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنهُما رُتْبَةً، والأمَةُ لا تُرادُ لِما تُرادُ لَهُ الزَّوْجَةُ، ولِهَذا كانَ لَهُ أنْ يَمْلِكَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها، ولا قَسْمَ عَلَيْهِ في مِلْكِ يَمِينِهِ، فَأمَتُهُ تَجْرِي في الِابْتِذالِ والِامْتِهانِ والِاسْتِخْدامِ مَجْرى دابَّتِهِ وغُلامِهِ، بِخِلافِ الحَرائِرِ، وكانَ مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ أنْ اعْتَبَرَتْ في كَمالِ النِّعْمَةِ عَلى مَن يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ أنْ يَكُونَ قَدْ عَقَدَ عَلى حُرَّةٍ ودَخَلَ بِها؛ إذْ بِذَلِكَ يَقْضِي كَمالَ وطَرِهِ، ويُعْطِي شَهْوَتَهُ حَقَّها، ويَضَعُها مَواضِعَها، هَذا هو الأصْلُ ومُنْشَأُ الحِكْمَةِ. وَلا يَعْتَبِرُ ذَلِكَ في كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُحْصَنِينَ، ولا يَضُرُّ تَخَلُّفُهُ في كَثِيرٍ مِن المَواضِعِ؛ إذْ شَأْنُ الشَّرائِعِ الكُلِّيَّةِ أنْ تُراعِيَ الأُمُورَ العامَّةَ المُنْضَبِطَةَ، ولا يَنْقُضُها تَخَلُّفُ الحِكْمَةِ في أفْرادِ الصُّوَرِ، كَما هَذا شَأْنُ الخَلْقِ؛ فَهو مُوجِبُ حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ في قَضائِهِ وشَرْعِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ] فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، المُرادُ بِهِ إحْصانُ العِفَّةِ لا إحْصانُ الحُرِّيَّةِ فَمِن أيْنَ حَرَّمْتُمْ نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ؟ قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ تَحْرِيمَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ الإجْماعُ، فَأبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُهُ، وقَدْ قالَ أحْمَدُ في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ: " الكَراهَةُ في إماءِ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَتْ بِالقَوِيَّةِ، إنَّما هو شَيْءٌ تَأوَّلَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ ": هَذا نَصُّهُ. وَهَذا - مِن نَصِّهِ - كالصَّرِيحِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وأقَلُّ ما في ذَلِكَ تَوَقُّفُهُ عَنِ التَّحْرِيمِ، لَكِنْ قالَ الخَلّالُ: تَوَقُّفُ أحْمَدَ في رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ لا يَرُدُّ قَوْلَ مَن قَطَعَ. وَقَدْ رَوى عَنْهُ هَذِهِ المَسْألَةَ أكْثَرُ مِن عِشْرِينَ نَفْسًا: أنَّهُ لا يَجُوزُ. فالمَسْألَةُ إذَنْ مَسْألَةُ نِزاعٍ، والحُجَّةُ تَفْصِلُ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ. قالَ المُبِيحُونَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] فَإذا طابَتْ لَهُ الأمَةُ الكِتابِيَّةُ فَقَدْ أذِنَ لَهُ في نِكاحِها، وقالَ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولَمْ يَذْكُرْ في " المُحَرَّماتِ " الأمَةَ الكِتابِيَّةَ، وقالَ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والمُرادُ " بِالصّالِحِينَ " مَن صَلَحَ لِلنِّكاحِ، هَذا أصَحُّ التَّفْسِيرَيْنِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّهُ " الإيمانُ "، والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْمُرْهم بِإنْكاحِ أهْلِ الصَّلاحِ، والدَّيِّنِ خاصَّةً مِن عَبِيدِهِمْ وإمائِهِمْ، كَما لَمْ يَخُصَّهم بِوُجُوبِ الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ إعْفافُ عَبْدِهِ وأمَتِهِ كَما يَجِبُ عَلَيْهِ الإنْفاقُ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَمامِ مَصالِحِهِ، وحُقُوقِهِ عَلى سَيِّدِهِ، فَقَدْ أطْلَقَ الأمْرَ بِتَزْوِيجِ الإماءِ مُسْلِماتٍ كُنَّ أوْ كافِراتٍ، ولَمْ يَمْنَعْ مِن تَزْوِيجِ الأمَةِ الكافِرَةِ بِمُسْلِمٍ. قالُوا: وقَدْ قالَ: ﴿وَلَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فَدَلَّ عَلى جَوازِ نِكاحِ النَّوْعَيْنِ، وأنَّ هَذا خَيْرٌ مِن هَذا. قالُوا: وقَدْ أباحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وطْأهُنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يُباحَ وطْؤُهُنَّ بِعَقْدِ النِّكاحِ، وعَكْسُهُنَّ المَجُوسِيّاتُ والوَثَنِيّاتُ. قالُوا: فَكُلُّ جِنْسٍ جازَ نِكاحُ حَرائِرِهِمْ جازَ نِكاحُ إمائِهِمْ كالمُسْلِماتِ. قالُوا: ولِأنَّهُ يَجُوزُ نِكاحُها بَعْدَ عِتْقِها، فَيَجُوزُ نِكاحُها قَبْلَهُ كالأمَةِ المُسْلِمَةِ. قالُوا: ولِأنَّها يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ نِكاحُها، فَجازَ لِلْمُسْلِمِ نِكاحُها كالحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ، وعَكْسُهُ الوَثَنِيَّةُ. قالُوا: ولِأنَّهُ تُباحُ ذَبِيحَتُها، فَأُبِيحَ نِكاحُها كالحُرَّةِ. قالَ المُحَرِّمُونَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فَأباحَ تَعالى نِكاحَ الأمَةِ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ: أحَدُها: عَدَمُ الطَّوْلِ لِنِكاحِ الحُرَّةِ. والثّانِي: إيمانُ الأمَةِ المَنكُوحَةِ. والثّالِثُ: خَشْيَةُ العَنَتِ. فَلا تَتَحَقَّقُ الإباحَةُ بِدُونِ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّ الفَرْجَ كانَ حَرامًا قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما أُبِيحُ عَلى هَذا الوَجْهِ، وبِهَذا الشَّرْطِ، فَإذا انْتَفى ذَلِكَ بَقِيَ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ. قالَ المُبِيحُونَ: غايَةُ هَذا أنَّهُ مَفْهُومُ شَرْطٍ، والمَفْهُومُ عِنْدَنا لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قالَ المُحَرِّمُونَ: نَحْنُ نُساعِدُكم عَلى أنَّ المَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، ولَكِنَّ الأصْلَ في الفُرُوجِ التَّحْرِيمُ، ولا يُباحُ مِنها إلّا ما أباحَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أباحَ نِكاحَ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ، فَيَبْقى ما عَداها عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ، عَلى أنَّ الإيمانَ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا في الحِلِّ لَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ فائِدَةٌ، بَلْ كانَ زِيادَةً في اللَّفْظِ، ونُقْصانًا مِنَ المَعْنى، وتَوَهُّمًا لِاخْتِصاصِ الحِلِّ بِبَعْضِ مَحالِّهِ، وكَلامُ العُقَلاءِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ يُصانُ عَنْ ذَلِكَ: يُوَضِّحُهُ أنَّ صِفَةَ الإيمانِ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِها يَدُلُّ عَلى أنَّها هي العِلَّةُ في ثُبُوتِهِ، ولَوْ أُلْغِيَتِ الأوْصافُ الَّتِي عُلِّقَتْ بِها الأحْكامُ لَفَسَدَتِ الشَّرِيعَةُ، لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤]، ونَظائِرُهُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ. قالَ المُبِيحُونَ: لا يُمْكِنُكم الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]، فَلَمْ يُبِحْ نِكاحَ الأمَةِ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ لِنِكاحِ الحُرَّةِ المُؤْمِنَةِ. وَقُلْتُمْ: لا يُباحُ لَهُ نِكاحُ الأمَةِ إذا قَدَرَ عَلى حُرَّةٍ كِتابِيَّةٍ، فَألْغَيْتُمْ وصْفَ الإيمانِ في الأصْلِ، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ عَلى مَن ألْغاهُ في البَدَلِ؟ قالَ المُحَرِّمُونَ - واللَّفْظُ لِأبِي يَعْلى -: لَوْ خَلَّيْنا، والظّاهِرُ لَقُلْنا: إيمانُ المُحْصَناتِ شَرْطٌ، لَكِنْ قامَ دَلِيلُ الإجْماعِ عَلى تَرْكِهِ، ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى تَرْكِ شَرْطِهِ في الفَتَياتِ. قُلْتُ: لَمْ يُجْمَعْ عَلى الأمَةِ، عَلى أنَّ إيمانَ المُحْصَناتِ لَيْسَ شَرْطًا، بَلْ أحَدُ الوَجْهَيْنِ لِلشّافِعِيَّةِ: أنَّهُ إذا قَدَرَ عَلى نِكاحِ حُرَّةٍ كِتابِيَّةٍ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى نِكاحِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ إلى الأمَةِ، وهَذا قَوْلٌ قَوِيٌّ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَقْتَضِيهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ آيَةَ " النِّساءِ " مُتَقَدِّمَةٌ عَلى آيَةِ " المائِدَةِ " الَّتِي فِيها إباحَةُ المُحْصَناتِ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فَحِينَئِذٍ أُبِيحَ نِكاحُ الكِتابِيّاتِ. قالَ المُحَرِّمُونَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]، والإحْصانُ هاهُنا هو إحْصانُ الحُرِّيَّةِ. قالَ القاضِي إسْماعِيلُ في " أحْكامِ القُرْآنِ ": " يَقَعُ الإحْصانُ عَلى العِفَّةِ، ويَقَعُ عَلى الحُرِّيَّةِ، وإنَّما أُرِيدَ بِهَذا المَوْضِعِ الحُرِّيَّةُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ العِفَّةُ لَما جازَ لِمُسْلِمٍ أنْ يَتَزَوَّجَ نَصْرانِيَّةً، ولا يَهُودِيَّةً حَتّى يُثْبِتَ عِفَّتَها، ولَما جازَ لَهُ أيْضًا أنْ يَتَزَوَّجَ - بِهَذِهِ الآيَةِ - مُسْلِمَةً حَتّى يُثْبِتَ عِفَّتَها؛ لِأنَّ اللَّفْظَ جاءَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَعُلِمَ أنَّهُنَّ الحَرائِرُ المُؤْمِناتُ، والحَرائِرُ هُنَّ أهْلُ الكِتابِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]. وَقَدْ حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنا سُفْيانُ، أخْبَرَنا ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: لا يَحِلُّ نِكاحُ إماءِ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]. حَدَّثَنا عَلِيٌّ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنا يُونُسُ: كانَ الحَسَنُ يَكْرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ الأمَةَ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وقالَ: إنَّما رَخَّصَ اللَّهُ في الأمَةِ المُسْلِمَةِ، قالَ تَعالى: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، ثُمَّ ذَكَرَ المَنعَ مِن نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ عَنْ إبْراهِيمَ، ومَكْحُولٍ، وقَتادَةَ، ويَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، وعَنِ الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ. وَأرْفَعُ ما رُوِيَ فِيهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قالَ القاضِي: " حَدَّثَنا ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي الزِّنادِ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ قالَ: سَألْتُ جابِرًا عَنِ الرَّجُلِ لَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وأمَةٌ نَصْرانِيَّةٌ، أيُنْكِحُها إيّاهُ؟ قالَ: لا ". قالَ المُبِيحُونَ: لَمْ يُجْمِعِ النّاسُ عَلى أنَّ الإحْصانَ هاهُنا إحْصانُ الحُرِّيَّةِ. قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عامِرٍ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قالَ: إذا أحْصَنَتْ فَرْجَها، واغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنابَةِ. وَصَحَّ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قالَ: هُنَّ العَفايِفُ. قالُوا: ولَوْ طُولِبْتُمْ بِمَوْضِعٍ واحِدٍ مِنَ القُرْآنِ أُرِيدَ بِالإحْصانِ فِيهِ الحُرِّيَّةُ لا يَصْلُحُ لِغَيْرِها لَمْ تَجِدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا، والَّذِي اطَّرَدَ مَجِيءُ القُرْآنِ بِهِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ شَيْئانِ: العِفَّةُ، والتَّزْوِيجُ، وأمّا الإسْلامُ والحُرِّيَّةُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ إرادَةُ واحِدٍ مِنهُما بِاللَّفْظِ. وَقَوْلُكُمْ: إنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ العِفَّةُ لَما جازَ التَّزْوِيجُ بِالكِتابِيَّةِ، ولا بِالمُسْلِمَةِ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِ عِفَّتِها، فَهَذا هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ، والسُّنَّةُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَمِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ تَحْرِيمُ نِكاحِ البَغايا، فَإنَّهُ مِن أقْبَحِ الأُمُورِ، والنّاسُ إذا اجْتَهَدُوا في تَعْيِيرِ الرَّجُلِ قالُوا: زَوْجُ بَغِيٍّ، ومِثْلُ هَذا فِطْرَةٌ فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْها الخَلْقَ، فَلا تَأْتِي شَرِيعَةٌ بِإباحَتِهِ. والبَغِيُّ خَبِيثَةٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ حَرَّمَ الخَبائِثَ مِنَ المَناكَحِ كَما حَرَّمَها مِنَ المَطاعِمِ، ولَمْ يُبِحْ نِكاحَ المَرْأةِ إلّا بِشَرْطِ إحْصانِها، وقالَ في نِكاحِ الزَّوانِي: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، ولَمْ يَنْسَخْ هَذِهِ الآيَةَ شَيْءٌ، ويَكْفِي في نِكاحِ الحُرَّةِ عَدَمُ اشْتِهارِ زِناها، فَإنَّ الأصْلَ عِفَّتُها، فَعِفَّتُها ثابِتَةٌ بِالأصْلِ، فَلا يَشُقُّ اشْتِراطُها، فَإذا اشْتَهَرَ زِناها حَرُمَ نِكاحُها، فَإذا تابَتْ فالتّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ. وَأمّا ما ذَكَرْتُمْ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والتّابِعِينَ مِنَ التَّحْرِيمِ فَقَدْ عارَضَهم آخَرُونَ. قالَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: إماءُ أهْلِ الكِتابِ بِمَنزِلَةِ حَرائِرِهِمْ. قالَ المُحَرِّمُونَ: وأمّا قِياسُكُمُ التَّزَوُّجَ بِالأمَةِ الكِتابِيَّةِ عَلى وطْئِها فَقِياسٌ فاسِدٌ جِدًّا، فَإنَّ واطِئَ الأمَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ يَنْعَقِدُ ولَدُهُ حُرًّا مُسْلِمًا، فَلا يَضُرُّ وطْءُ الأمَةِ الكافِرَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وأما واطِئُ الأمَةِ بِعَقْدِ النِّكاحِ، فَإنَّ ولَدَهُ يَنْعَقِدُ رَقِيقًا لِمالِكِ الأمَةِ، وفي ذَلِكَ التَّسَبُّبُ إلى إثْباتِ مِلْكِ الكافِرِ عَلى المُسْلِمِ، فافْتَرَقا. وَلِهَذا يَجُوزُ وطْءُ الأمَةِ المُسْلِمَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، ولا يَجُوزُ وطْؤُها بِعَقْدِ النِّكاحِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ، وما ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ يُقْدَرُ بِقَدْرِها، ولَمْ يَجُزْ أنْ يَتَعَدّى، والضَّرُورَةُ تَزُولُ بِنِكاحِ الأمَةِ المُسْلِمَةِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْها كَما اقْتُصِرَ في جَوازِ أكْلِ المَيْتَةِ، ولَحْمِ الخِنْزِيرِ عَلى قَدْرِ الضَّرُورَةِ. قالَ المُبِيحُونَ: هَذا يَنْتَقِضُ عَلَيْكم بِما لَوْ كانَتِ الأمَةُ الكافِرَةُ كَبِيرَةً لا يَحْبَلُ مِثْلُها، أوْ كانَتْ لِمُسْلِمٍ، فَإنَّ الوَلَدَ لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكُ كافِرٍ. قالَ المُحَرِّمُونَ: ألَيْسَ الجَوازُ يُفْضِي إلى هَذا فِيما إذا كانَتِ الأمَةُ لِكافِرٍ، وهي مِمَّنْ تَحْبَلُ؟ ولَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ بَلِ القائِلُ قائِلانِ: قائِلٌ بِالجَوازِ مُطْلَقًا، وقائِلٌ بِالمَنعِ مُطْلَقًا، والشّارِعُ إذا مَنَعَ مِنَ الشَّيْءِ لِمَفْسَدَةٍ تُتَوَقَّعُ مِنهُ سُدَّ بابُ تِلْكَ المَفْسَدَةِ بِالكُلِّيَّةِ، ولِهَذا لَمّا حَرَّمَ نِكاحَ الأمَةِ إلّا عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ وخَوْفِ العَنَتِ خَشْيَةَ إرْقاقِ الوَلَدِ، لَمْ يُبِحْ نِكاحَ العاقِرِ الَّتِي لا تَحْبَلُ، ولا تَلِدُ بِدُونِ الشَّرْطَيْنِ. قالُوا: وأمّا قَوْلُكُمْ: " إنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُها بَعْدَ العِتْقِ، فَجازَ قَبْلَهُ فَحاصِلُهُ قِياسُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ عَلى الحُرَّةِ، وهو قِياسٌ باطِلٌ لِما عُلِمَ مِنَ الفَرْقِ. وَأمّا قَوْلُكُمْ: " إنَّهُ يَجُوزُ لِلْكافِرِ نِكاحُها، فَجازَ لِلْمُسْلِمِ " فَمَن أبْطَلَ القِياسَ، فَإنَّ المَجُوسِيَّةَ يَجُوزُ لِلْمَجُوسِيِّ نِكاحُها، ولا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ، والخَمْرُ والخِنْزِيرُ مالٌ عِنْدَهم دُونَ المُسْلِمِينَ. وَأمّا قِياسُكم حِلَّ النِّكاحِ عَلى حِلِّ الذَّبِيحَةِ فَقِياسٌ فاسِدٌ، فَإنَّ الرِّقَّ لا تَأْثِيرَ لَهُ في الذَّبائِحِ، ولَهُ تَأْثِيرٌ في النِّكاحِ. قالُوا: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، فالمُرادُ بِهِ ما حَلَّ وأُذِنَ فِيهِ، وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ إلّا في ثَلاثَةِ أصْنافٍ مِنَ النِّساءِ: الحَرائِرِ مِنَ المُسْلِماتِ، والحَرائِرِ مِنَ الكِتابِيّاتِ، والإماءِ مِنَ المُسْلِماتِ، فَبَقِيَ الإماءُ الكِتابِيّاتُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِنَّ، فَبَقِينَ عَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ. وَلَمّا أذِنَ في وطْئِهِنَّ بِمِلْكِ اليَمِينِ قُلْنا بِإباحَتِهِ. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فَفي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، أيْ غَيْرَ زُناةٍ. والتَّزَوُّجُ بِمَن لَمْ يُبِحِ اللَّهُ التَّزَوُّجَ بِها حَرامٌ باطِلٌ، فَيَكُونُ زِنًا، عَلى أنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِالإجْماعِ، والعامٌّ إذا خُصَّ فَمِنَ النّاسِ مَن لا يَحْتَجُّ بِهِ، والأكْثَرُونَ عَلى الِاحْتِجاجِ بِهِ، لَكِنَّهُ إذا تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ ضَعُفَ أمْرُهُ. وَقِيلَ: التَّخْصِيصُ بِالمَفْهُومِ، والقِياسِ وقَوْلِ الصَّحابِيِّ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ جِدًّا، وهو إلى أنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ أقْرَبُ. قالُوا: وحِكْمَةُ الشَّرِيعَةِ تَقْتَضِي تَحْرِيمَها، لِاجْتِماعِ النَّقْصَيْنِ فِيها، وهُما نَقْصُ الدِّينِ، ونَقْصُ الرِّقِّ، بِخِلافِ الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ والأمَةِ المُسْلِمَةِ، فَإنَّ أحَدَ النَّقْصَيْنِ جُبِرَ بِعَدَمِ الآخَرِ. وَقالُوا: وقَدْ كانَتْ قَضِيَّةُ المُساواةِ في الكَفاءَةِ تَقْتَضِي كَوْنَ المَرْأةِ كُفُؤًا لِلرَّجُلِ كَما يَكُونُ الرَّجُلُ كُفُؤًا لَها، ولَكِنْ لَمّا كانَ الرِّجالُ قَوّامِينَ عَلى النِّساءِ، والنِّساءُ عَوانٍ عِنْدَهم لَمْ يَشْتَرِطْ مُكافَأتَهُنَّ لِلرِّجالِ، وجازَ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا تُكافِئُهُ لِحاجَتِهِ إلى ذَلِكَ، فَإذا فَقَدَتْ صِفاتِ الكَفاءَةِ جُمْلَةً بِحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مِنها صِفَةٌ واحِدَةٌ في دِينٍ ولا حُرِّيَّةٍ ولا عِفَّةٍ اقْتَضَتْ مَحاسِنُ الشَّرِيعَةِ صِيانَتَهُ عَنْها بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِ، فَهَذا غايَةُ ما يُقالُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:26

وَقَدْ قالَ تَعالى عُقَيْبَ ذِكْرِهِ ما أُحِلَّ لَنا مِنَ النِّساءِ وما حُرِّمَ مِنهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨]. ذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: كانَ إذا نَظَرَ إلى النِّساءِ لَمْ يَصْبِرْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى امْرَأةً، فَأتى زَيْنَبَ فَقَضى حاجَتَهُ مِنها، وقالَ: إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، فَإذا رَأى أحَدُكُمُ امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أهْلَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ»، فَفي هَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ فَوائِدَ: مِنها: الإرْشادُ إلى التَّسَلِّي عَنِ المَطْلُوبِ بِجِنْسِهِ، كَما يَقُومُ الطَّعامُ مَكانَ الطَّعامِ، والثَّوْبُ مَقامَ الثَّوْبِ. وَمِنها: الأمْرُ بِمُداواةِ الإعْجابِ بِالمَرْأةِ المُوَرِّثِ لِشَهْوَتِها بِأنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو قَضاءُ وطَرِهِ مِن أهْلِهِ، وذَلِكَ يَنْقُضُ شَهْوَتَهُ لَها، وهَذا كَما أرْشَدَ المُتَحابِّينَ إلى النِّكاحِ، كَما في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحابِّينَ مِثْلُ النِّكاحِ». فَنِكاحُ المَعْشُوقَةِ هو دَواءُ العِشْقِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَواءً شَرْعًا، وقَدْ تَداوى بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اللَّهِ مُحَرَّمًا، وإنَّما تَزَوَّجَ المَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها، وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسَبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، ولا يَلِيقُ بِنا المَزِيدُ عَلى هَذا. وَأمّا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: فَزَيْدٌ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى طَلاقِها ولَمْ تُوافِقْهُ، وكانَ يَسْتَشِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في فِراقِها، وهو يَأْمُرُهُ بِإمْساكِها، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مُفارِقُها لا بُدَّ، فَأخْفى في نَفْسِهِ أنَّهُ يَتَزَوَّجُها إذا فارَقَها زَيْدٌ، وخَشِيَ مَقالَةَ النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والرَّبُّ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُشَرِّعَ شَرْعًا عامًّا فِيهِ مَصالِحُ عِبادِهِ، فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، أرْسَلَهُ إلَيْها يَخْطُبُها لِنَفْسِهِ، فَجاءَ زَيْدٌ واسْتَدْبَرَ البابَ بِظَهْرِهِ، وعَظُمَتْ في صَدْرِهِ لَمّا ذَكَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناداها مِن وراءِ البابِ: يا زَيْنَبُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، وقامَتْ إلى مِحْرابِها فَصَلَّتْ، فَتَوَلّى اللَّهُ عِزَّ وجَلَّ نِكاحَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وعَقَدَ النِّكاحَ لَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وجاءَ الوَحْيُ بِذَلِكَ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْها، فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَقُولُ: أنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَهَذِهِ قِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْنَبَ. وَلا رَيْبَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ حُبِّبَ إلَيْهِ النِّساءُ، كَما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» هَذا لَفْظُ الحَدِيثِ، لا ما يَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ،» زادَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ في هَذا الحَدِيثِ: «أصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا أصْبِرُ عَنْهُنَّ»، وقَدْ حَسَدَهُ أعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ فَقالُوا: ما هَمَّهُ إلّا النِّكاحُ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ ونافَحَ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]. وَهَذا خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ كانَ عِنْدَهُ سارَّةُ أجْمَلُ نِساءِ العالَمِينَ، وأحَبَّ هاجَرَ وتَسَرّى بِها. وَهَذا داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عِنْدَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، فَأحَبَّ تِلْكَ المَرْأةَ وتَزَوَّجَها فَكَمَّلَ المِائَةَ، وهَذا سُلَيْمانُ ابْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَطُوفُ في اللَّيْلَةِ عَلى تِسْعِينَ امْرَأةً. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ، فَقالَ: عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وقالَ عَنْ خَدِيجَةَ: إنِّي رُزِقْتُ حُبَّها». فَمَحَبَّةُ النِّساءِ مِن كَمالِ الإنْسانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُها نِساءً، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وقَعَ في سَهْمِهِ يَوْمَ جَلُولاءَ جارِيَةٌ كَأنَّ عُنُقَها إبْرِيقٌ مِن فِضَّةٍ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَما صَبَرْتُ عَنْها أنْ قَبَّلْتُها والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وبِهَذا احْتَجَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ مِنَ المَسْبِيَّةِ قَبْلَ الِاسْتِبْراءِ بِغَيْرِ الوَطْءِ، بِخِلافِ الأمَةِ المُشْتَراةِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ انْفِساخَ المِلْكِ لا يُتَوَهَّمُ في المَسْبِيَّةِ بِخِلافِ المُشْتَراةِ، فَقَدْ يَنْفَسِخُ فِيها المِلْكُ، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِأمَةِ غَيْرِهِ. وَقَدْ شَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِعاشِقٍ أنْ تُواصِلَهُ مَعْشُوقَتُهُ بِأنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ فَأبَتْ، وذَلِكَ في قِصَّةِ مُغِيثٍ وبَرِيرَةَ «لَمّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي خَلْفَها ودُمُوعُهُ تَجْرِي عَلى خَدَّيْهِ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ راجَعْتِيهِ؟ فَقالَتْ: أتَأْمُرُنِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لا، إنَّما أشْفَعُ، فَقالَتْ: لا حاجَةَ لِي بِهِ، فَقالَ لِعَمِّهِ: يا عَبّاسُ ألا تَعْجَبُ مِن حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيَرَةَ، ومِن بُغْضِها لَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حُبَّها، وإنْ كانَتْ قَدْ بانَتْ مِنهُ». وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُساوِي بَيْنَ نِسائِهِ في القَسْمِ ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما لا أمْلِكُ» يَعْنِي في الحُبِّ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، يَعْنِي في الحُبِّ والجِماعِ. وَلَمْ يَزَلِ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ والرُّحَماءُ مِنَ النّاسِ يَشْفَعُونَ لِلْعُشّاقِ إلى مَعْشُوقِهِمُ الجائِزِ وصْلُهُنَّ، كَما تَقَدَّمَ مِن فِعْلِ أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، وكَذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِغُلامٍ مِنَ العَرَبِ وُجِدَ في دارِ قَوْمٍ بِاللَّيْلِ، فَقالَ لَهُ: ما قِصَّتُكَ؟ قالَ: لَسْتُ بِسارِقٍ، ولَكِنِّي أصْدُقُكَ: ؎تَعَلَّقْتُ في دارِ الرِّياحِيِّ خُودَةً ∗∗∗ يَذِلُّ لَها مِن حُسْنِ مَنظَرِها البَدْرُ ؎لَها في بَناتِ الرُّومِ حُسْنٌ ومَنظَرُ ∗∗∗ إذا افْتَخَرَتْ بِالحُسْنِ خافَتْها الفَخْرُ ؎فَلَمّا طَرَقْتُ الدّارَ مِن حَرِّ مُهْجَتِي ∗∗∗ أبَيْتُ وفِيها مِن تَوَقُّدِها الجَمْرُ ؎تَبادَرَ أهْلُ الدّارِ بِي ثُمَّ صَيَّحُوا ∗∗∗ هو اللِّصُّ مَحْتُومًا لَهُ القَتْلُ والأسْرُ فَلَمّا سَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شِعْرَهُ، رَقَّ لَهُ، وقالَ لِلْمُهَلَّبِ بْنِ رَباحٍ: اسْمَحْ لَهُ بِها، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، سَلْهُ مَن هُوَ؟ فَقالَ: النَّهّاسُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَقالَ: خُذْها فَهي لَكَ. واشْتَرى مُعاوِيَةُ جارِيَةً فَأُعْجِبَ بِها إعْجابًا شَدِيدًا، فَسَمِعَها يَوْمًا تُنْشِدُ أبْياتًا مِنها: ؎وَفارَقْتُهُ كالغُصْنِ يَهْتَزُّ في الثَّرى ∗∗∗ طَرِيرًا وسِيمًا بَعْدَ ما طَرَّ شارِبُهُ فَسَألَها، فَأخْبَرَتْهُ أنَّها تُحِبُّ سَيِّدَها، فَرَدَّها إلَيْهِ وفي قَلْبِهِ مِنها. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في رَبِيعَةَ أنَّ زُبَيْدَةَ قَرَأتْ في طَرِيقِ مَكَّةَ عَلى حائِطٍ: ؎أما في عِبادِ اللَّهِ أوْ في إمائِهِ ∗∗∗ كَرِيمٌ يُجْلِي الهَمَّ عَنْ ذاهِبِ العَقْلِ ؎لَهُ مُقْلَةٌ أمّا الأماقِي قَرِيحَةٌ ∗∗∗ وأمّا الحَشا فالنّارُ مِنهُ عَلى رِجْلِ فَنَذَرَتْ أنْ تَحْتالَ لِقائِلِها إنْ عَرَفَتْهُ حَتّى تَجْمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُحِبُّهُ، فَبَيْنا هي بِالمُزْدَلِفَةِ، إذْ سَمِعَتْ مَن يُنْشِدُهُما، فَطَلَبَتْهُ، فَزَعَمَ أنَّهُ قالَهُما في ابْنَةِ عَمٍّ لَهُ نَذَرَ أهْلُها أنْ لا يُزَوِّجُوها مِنهُ، فَوَجَّهَتْ إلى الحَيِّ، وما زالَتْ تَبْذُلُ لَهُمُ المالَ حَتّى زَوَّجُوها مِنهُ، وإذا المَرْأةُ أعْشَقُ لَهُ مِنهُ لَها، فَكانَتْ تَعُدُّهُ مِن أعْظَمِ حَسَناتِها، وتَقُولُ: ما أنا بِشَيْءٍ أسَرَّ مِنِّي مِن جَمْعِي بَيْنَ ذَلِكَ الفَتى والفَتاةِ. وَقالَ الخَرائِطِيُّ: وكانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ غُلامٌ وجارِيَةٌ يَتَحابّانِ، فَكَتَبَ الغُلامُ إلَيْها يَوْمًا: ؎وَلَقَدْ رَأيْتُكِ في المَنامِ كَأنَّما ∗∗∗ عاطَيْتِنِي مِن رِيقِ فِيكِ البارِدِ ؎وَكَأنَّ كَفَّكِ في يَدِي وكَأنَّنا ∗∗∗ بِتْنا جَمِيعًا في فِراشٍ واحِدِ ؎فَطَفِقْتُ يَوْمِي كُلَّهُ مُتَراقِدًا ∗∗∗ لِأراكِ في نَوْمِي ولَسْتُ بِراقِدِ فَأجابَتْهُ الجارِيَةُ: ؎خَيْرًا رَأيْتَ وكُلُّ ما أبْصَرْتَهُ ∗∗∗ سَتَنالُهُ مِنِّي بِرَغْمِ الحاسِدِ ؎إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونَ مُعانِقِي ∗∗∗ فَتَبِيتُ مِنِّي فَوْقَ ثَدْيٍ ناهِدِ ؎وَأراكَ بَيْنَ خَلاخِلِي ودَمالِجِي ∗∗∗ وأراكَ فَوْقَ تَرائِبِي ومَجاسِدِي فَبَلَغَ سُلَيْمانَ ذَلِكَ فَأنْكَحَها الغُلامَ وأحْسَنَ حالَهُما عَلى فَرْطِ غَيْرَتِهِ. وَقالَ جامِعُ بْنُ بِرْخِيَّةَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ مُفْتِي المَدِينَةِ: هَلْ في حُبٍّ دَهَمَنا مِن وِزْرٍ؟ فَقالَ سَعِيدٌ: إنَّما تُلامُ عَلى ما تَسْتَطِيعُ مِنَ الأمْرِ، فَقالَ سَعِيدٌ: واللَّهِ ما سَألَنِي أحَدٌ عَنْ هَذا، ولَوْ سَألَنِي ما كُنْتُ أُجِيبُ إلّا بِهِ. أقْسامُ عِشْقِ النِّساءِ فَعِشْقُ النِّساءِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ هو قُرْبَةٌ وطاعَةٌ، وهو عِشْقُ امْرَأتِهِ وجارِيَتِهِ، وهَذا العِشْقُ نافِعٌ؛ فَإنَّهُ أدْعى إلى المَقاصِدِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ لَها النِّكاحَ، وأكَفُّ لِلْبَصَرِ والقَلْبِ عَنِ التَّطَلُّعِ إلى غَيْرِ أهْلِهِ، ولِهَذا يُحْمَدُ هَذا العاشِقُ عِنْدَ اللَّهِ، وعِنْدَ النّاسِ. وَعِشْقٌ: هو مَقْتٌ عِنْدَ اللَّهِ وبُعْدٌ مِن رَحْمَتِهِ، وهو أضَرُّ شَيْءٍ عَلى العَبْدِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وهو عِشْقُ المُرْدانِ، فَما ابْتُلِيَ بِهِ إلّا مَن سَقَطَ مِن عَيْنِ اللَّهِ، وطُرِدَ عَنْ بابِهِ، وأُبْعِدَ قَلْبُهُ عَنْهُ، وهو مِن أعْظَمِ الحُجُبِ القاطِعَةِ عَنِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا سَقَطَ العَبْدُ مِن عَيْنِ اللَّهِ، ابْتَلاهُ بِمَحَبَّةِ المُرْدانِ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ هي الَّتِي جَلَبَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ ما جَلَبَتْ، فَما أُتُوا إلّا مِن هَذا العِشْقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. وَدَواءُ هَذا الدّاءِ: الِاسْتِعانَةُ بِمُقَلِّبِ القُلُوبِ، وصِدْقُ اللَّجَأِ إلَيْهِ، والِاشْتِغالُ بِذِكْرِهِ، والتَّعْوِيضُ بِحُبِّهِ وقُرْبِهِ، والتَّفَكُّرُ في الألَمِ الَّذِي يُعْقِبُهُ هَذا العِشْقُ، واللَّذَّةُ الَّتِي تَفُوتُهُ بِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَواتُ أعْظَمِ مَحْبُوبٍ، وحُصُولُ أعْظَمِ مَكْرُوهٍ، فَإذا أقْدَمَتْ نَفْسُهُ عَلى هَذا وآثَرَتْهُ، فَلْيُكَبِّرْ عَلى نَفْسِهِ تَكْبِيرَ الجِنازَةِ، ولْيَعْلَمْ أنَّ البَلاءَ قَدْ أحاطَ بِهِ. والقِسْمُ الثّالِثُ: العِشْقُ المُباحُ، وهو الواقِعُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، كَعِشْقِ مَن وُصِفَتْ لَهُ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ، أوْ رَآها فَجْأةً مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِها، ولَمْ يُحْدِثْ لَهُ ذَلِكَ العِشْقُ مَعْصِيَةً، فَهَذا لا يُمْلَكُ ولا يُعاقَبُ، والأنْفَعُ لَهُ مُدافَعَتُهُ، والِاشْتِغالُ بِما هو أنْفَعُ لَهُ مِنهُ، ويَجِبُ الكَتْمُ والعِفَّةُ والصَّبْرُ فِيهِ عَلى البَلْوى، فَيُثَبِّتُهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، ويُعَوِّضُهُ عَلى صَبْرِهِ لِلَّهِ وعِفَّتِهِ، وتَرْكِهِ طاعَةَ هَواهُ، وإيثارِ مَرْضاةِ اللَّهِ وما عِنْدَهُ.

النساء 4:27

وَقَدْ قالَ تَعالى عُقَيْبَ ذِكْرِهِ ما أُحِلَّ لَنا مِنَ النِّساءِ وما حُرِّمَ مِنهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨]. ذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: كانَ إذا نَظَرَ إلى النِّساءِ لَمْ يَصْبِرْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى امْرَأةً، فَأتى زَيْنَبَ فَقَضى حاجَتَهُ مِنها، وقالَ: إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، فَإذا رَأى أحَدُكُمُ امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أهْلَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ»، فَفي هَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ فَوائِدَ: مِنها: الإرْشادُ إلى التَّسَلِّي عَنِ المَطْلُوبِ بِجِنْسِهِ، كَما يَقُومُ الطَّعامُ مَكانَ الطَّعامِ، والثَّوْبُ مَقامَ الثَّوْبِ. وَمِنها: الأمْرُ بِمُداواةِ الإعْجابِ بِالمَرْأةِ المُوَرِّثِ لِشَهْوَتِها بِأنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو قَضاءُ وطَرِهِ مِن أهْلِهِ، وذَلِكَ يَنْقُضُ شَهْوَتَهُ لَها، وهَذا كَما أرْشَدَ المُتَحابِّينَ إلى النِّكاحِ، كَما في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحابِّينَ مِثْلُ النِّكاحِ». فَنِكاحُ المَعْشُوقَةِ هو دَواءُ العِشْقِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَواءً شَرْعًا، وقَدْ تَداوى بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اللَّهِ مُحَرَّمًا، وإنَّما تَزَوَّجَ المَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها، وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسَبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، ولا يَلِيقُ بِنا المَزِيدُ عَلى هَذا. وَأمّا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: فَزَيْدٌ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى طَلاقِها ولَمْ تُوافِقْهُ، وكانَ يَسْتَشِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في فِراقِها، وهو يَأْمُرُهُ بِإمْساكِها، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مُفارِقُها لا بُدَّ، فَأخْفى في نَفْسِهِ أنَّهُ يَتَزَوَّجُها إذا فارَقَها زَيْدٌ، وخَشِيَ مَقالَةَ النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والرَّبُّ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُشَرِّعَ شَرْعًا عامًّا فِيهِ مَصالِحُ عِبادِهِ، فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، أرْسَلَهُ إلَيْها يَخْطُبُها لِنَفْسِهِ، فَجاءَ زَيْدٌ واسْتَدْبَرَ البابَ بِظَهْرِهِ، وعَظُمَتْ في صَدْرِهِ لَمّا ذَكَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناداها مِن وراءِ البابِ: يا زَيْنَبُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، وقامَتْ إلى مِحْرابِها فَصَلَّتْ، فَتَوَلّى اللَّهُ عِزَّ وجَلَّ نِكاحَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وعَقَدَ النِّكاحَ لَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وجاءَ الوَحْيُ بِذَلِكَ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْها، فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَقُولُ: أنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَهَذِهِ قِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْنَبَ. وَلا رَيْبَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ حُبِّبَ إلَيْهِ النِّساءُ، كَما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» هَذا لَفْظُ الحَدِيثِ، لا ما يَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ،» زادَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ في هَذا الحَدِيثِ: «أصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا أصْبِرُ عَنْهُنَّ»، وقَدْ حَسَدَهُ أعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ فَقالُوا: ما هَمَّهُ إلّا النِّكاحُ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ ونافَحَ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]. وَهَذا خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ كانَ عِنْدَهُ سارَّةُ أجْمَلُ نِساءِ العالَمِينَ، وأحَبَّ هاجَرَ وتَسَرّى بِها. وَهَذا داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عِنْدَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، فَأحَبَّ تِلْكَ المَرْأةَ وتَزَوَّجَها فَكَمَّلَ المِائَةَ، وهَذا سُلَيْمانُ ابْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَطُوفُ في اللَّيْلَةِ عَلى تِسْعِينَ امْرَأةً. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ، فَقالَ: عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وقالَ عَنْ خَدِيجَةَ: إنِّي رُزِقْتُ حُبَّها». فَمَحَبَّةُ النِّساءِ مِن كَمالِ الإنْسانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُها نِساءً، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وقَعَ في سَهْمِهِ يَوْمَ جَلُولاءَ جارِيَةٌ كَأنَّ عُنُقَها إبْرِيقٌ مِن فِضَّةٍ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَما صَبَرْتُ عَنْها أنْ قَبَّلْتُها والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وبِهَذا احْتَجَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ مِنَ المَسْبِيَّةِ قَبْلَ الِاسْتِبْراءِ بِغَيْرِ الوَطْءِ، بِخِلافِ الأمَةِ المُشْتَراةِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ انْفِساخَ المِلْكِ لا يُتَوَهَّمُ في المَسْبِيَّةِ بِخِلافِ المُشْتَراةِ، فَقَدْ يَنْفَسِخُ فِيها المِلْكُ، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِأمَةِ غَيْرِهِ. وَقَدْ شَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِعاشِقٍ أنْ تُواصِلَهُ مَعْشُوقَتُهُ بِأنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ فَأبَتْ، وذَلِكَ في قِصَّةِ مُغِيثٍ وبَرِيرَةَ «لَمّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي خَلْفَها ودُمُوعُهُ تَجْرِي عَلى خَدَّيْهِ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ راجَعْتِيهِ؟ فَقالَتْ: أتَأْمُرُنِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لا، إنَّما أشْفَعُ، فَقالَتْ: لا حاجَةَ لِي بِهِ، فَقالَ لِعَمِّهِ: يا عَبّاسُ ألا تَعْجَبُ مِن حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيَرَةَ، ومِن بُغْضِها لَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حُبَّها، وإنْ كانَتْ قَدْ بانَتْ مِنهُ». وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُساوِي بَيْنَ نِسائِهِ في القَسْمِ ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما لا أمْلِكُ» يَعْنِي في الحُبِّ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، يَعْنِي في الحُبِّ والجِماعِ. وَلَمْ يَزَلِ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ والرُّحَماءُ مِنَ النّاسِ يَشْفَعُونَ لِلْعُشّاقِ إلى مَعْشُوقِهِمُ الجائِزِ وصْلُهُنَّ، كَما تَقَدَّمَ مِن فِعْلِ أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، وكَذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِغُلامٍ مِنَ العَرَبِ وُجِدَ في دارِ قَوْمٍ بِاللَّيْلِ، فَقالَ لَهُ: ما قِصَّتُكَ؟ قالَ: لَسْتُ بِسارِقٍ، ولَكِنِّي أصْدُقُكَ: ؎تَعَلَّقْتُ في دارِ الرِّياحِيِّ خُودَةً ∗∗∗ يَذِلُّ لَها مِن حُسْنِ مَنظَرِها البَدْرُ ؎لَها في بَناتِ الرُّومِ حُسْنٌ ومَنظَرُ ∗∗∗ إذا افْتَخَرَتْ بِالحُسْنِ خافَتْها الفَخْرُ ؎فَلَمّا طَرَقْتُ الدّارَ مِن حَرِّ مُهْجَتِي ∗∗∗ أبَيْتُ وفِيها مِن تَوَقُّدِها الجَمْرُ ؎تَبادَرَ أهْلُ الدّارِ بِي ثُمَّ صَيَّحُوا ∗∗∗ هو اللِّصُّ مَحْتُومًا لَهُ القَتْلُ والأسْرُ فَلَمّا سَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شِعْرَهُ، رَقَّ لَهُ، وقالَ لِلْمُهَلَّبِ بْنِ رَباحٍ: اسْمَحْ لَهُ بِها، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، سَلْهُ مَن هُوَ؟ فَقالَ: النَّهّاسُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَقالَ: خُذْها فَهي لَكَ. واشْتَرى مُعاوِيَةُ جارِيَةً فَأُعْجِبَ بِها إعْجابًا شَدِيدًا، فَسَمِعَها يَوْمًا تُنْشِدُ أبْياتًا مِنها: ؎وَفارَقْتُهُ كالغُصْنِ يَهْتَزُّ في الثَّرى ∗∗∗ طَرِيرًا وسِيمًا بَعْدَ ما طَرَّ شارِبُهُ فَسَألَها، فَأخْبَرَتْهُ أنَّها تُحِبُّ سَيِّدَها، فَرَدَّها إلَيْهِ وفي قَلْبِهِ مِنها. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في رَبِيعَةَ أنَّ زُبَيْدَةَ قَرَأتْ في طَرِيقِ مَكَّةَ عَلى حائِطٍ: ؎أما في عِبادِ اللَّهِ أوْ في إمائِهِ ∗∗∗ كَرِيمٌ يُجْلِي الهَمَّ عَنْ ذاهِبِ العَقْلِ ؎لَهُ مُقْلَةٌ أمّا الأماقِي قَرِيحَةٌ ∗∗∗ وأمّا الحَشا فالنّارُ مِنهُ عَلى رِجْلِ فَنَذَرَتْ أنْ تَحْتالَ لِقائِلِها إنْ عَرَفَتْهُ حَتّى تَجْمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُحِبُّهُ، فَبَيْنا هي بِالمُزْدَلِفَةِ، إذْ سَمِعَتْ مَن يُنْشِدُهُما، فَطَلَبَتْهُ، فَزَعَمَ أنَّهُ قالَهُما في ابْنَةِ عَمٍّ لَهُ نَذَرَ أهْلُها أنْ لا يُزَوِّجُوها مِنهُ، فَوَجَّهَتْ إلى الحَيِّ، وما زالَتْ تَبْذُلُ لَهُمُ المالَ حَتّى زَوَّجُوها مِنهُ، وإذا المَرْأةُ أعْشَقُ لَهُ مِنهُ لَها، فَكانَتْ تَعُدُّهُ مِن أعْظَمِ حَسَناتِها، وتَقُولُ: ما أنا بِشَيْءٍ أسَرَّ مِنِّي مِن جَمْعِي بَيْنَ ذَلِكَ الفَتى والفَتاةِ. وَقالَ الخَرائِطِيُّ: وكانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ غُلامٌ وجارِيَةٌ يَتَحابّانِ، فَكَتَبَ الغُلامُ إلَيْها يَوْمًا: ؎وَلَقَدْ رَأيْتُكِ في المَنامِ كَأنَّما ∗∗∗ عاطَيْتِنِي مِن رِيقِ فِيكِ البارِدِ ؎وَكَأنَّ كَفَّكِ في يَدِي وكَأنَّنا ∗∗∗ بِتْنا جَمِيعًا في فِراشٍ واحِدِ ؎فَطَفِقْتُ يَوْمِي كُلَّهُ مُتَراقِدًا ∗∗∗ لِأراكِ في نَوْمِي ولَسْتُ بِراقِدِ فَأجابَتْهُ الجارِيَةُ: ؎خَيْرًا رَأيْتَ وكُلُّ ما أبْصَرْتَهُ ∗∗∗ سَتَنالُهُ مِنِّي بِرَغْمِ الحاسِدِ ؎إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونَ مُعانِقِي ∗∗∗ فَتَبِيتُ مِنِّي فَوْقَ ثَدْيٍ ناهِدِ ؎وَأراكَ بَيْنَ خَلاخِلِي ودَمالِجِي ∗∗∗ وأراكَ فَوْقَ تَرائِبِي ومَجاسِدِي فَبَلَغَ سُلَيْمانَ ذَلِكَ فَأنْكَحَها الغُلامَ وأحْسَنَ حالَهُما عَلى فَرْطِ غَيْرَتِهِ. وَقالَ جامِعُ بْنُ بِرْخِيَّةَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ مُفْتِي المَدِينَةِ: هَلْ في حُبٍّ دَهَمَنا مِن وِزْرٍ؟ فَقالَ سَعِيدٌ: إنَّما تُلامُ عَلى ما تَسْتَطِيعُ مِنَ الأمْرِ، فَقالَ سَعِيدٌ: واللَّهِ ما سَألَنِي أحَدٌ عَنْ هَذا، ولَوْ سَألَنِي ما كُنْتُ أُجِيبُ إلّا بِهِ. أقْسامُ عِشْقِ النِّساءِ فَعِشْقُ النِّساءِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ هو قُرْبَةٌ وطاعَةٌ، وهو عِشْقُ امْرَأتِهِ وجارِيَتِهِ، وهَذا العِشْقُ نافِعٌ؛ فَإنَّهُ أدْعى إلى المَقاصِدِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ لَها النِّكاحَ، وأكَفُّ لِلْبَصَرِ والقَلْبِ عَنِ التَّطَلُّعِ إلى غَيْرِ أهْلِهِ، ولِهَذا يُحْمَدُ هَذا العاشِقُ عِنْدَ اللَّهِ، وعِنْدَ النّاسِ. وَعِشْقٌ: هو مَقْتٌ عِنْدَ اللَّهِ وبُعْدٌ مِن رَحْمَتِهِ، وهو أضَرُّ شَيْءٍ عَلى العَبْدِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وهو عِشْقُ المُرْدانِ، فَما ابْتُلِيَ بِهِ إلّا مَن سَقَطَ مِن عَيْنِ اللَّهِ، وطُرِدَ عَنْ بابِهِ، وأُبْعِدَ قَلْبُهُ عَنْهُ، وهو مِن أعْظَمِ الحُجُبِ القاطِعَةِ عَنِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا سَقَطَ العَبْدُ مِن عَيْنِ اللَّهِ، ابْتَلاهُ بِمَحَبَّةِ المُرْدانِ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ هي الَّتِي جَلَبَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ ما جَلَبَتْ، فَما أُتُوا إلّا مِن هَذا العِشْقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. وَدَواءُ هَذا الدّاءِ: الِاسْتِعانَةُ بِمُقَلِّبِ القُلُوبِ، وصِدْقُ اللَّجَأِ إلَيْهِ، والِاشْتِغالُ بِذِكْرِهِ، والتَّعْوِيضُ بِحُبِّهِ وقُرْبِهِ، والتَّفَكُّرُ في الألَمِ الَّذِي يُعْقِبُهُ هَذا العِشْقُ، واللَّذَّةُ الَّتِي تَفُوتُهُ بِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَواتُ أعْظَمِ مَحْبُوبٍ، وحُصُولُ أعْظَمِ مَكْرُوهٍ، فَإذا أقْدَمَتْ نَفْسُهُ عَلى هَذا وآثَرَتْهُ، فَلْيُكَبِّرْ عَلى نَفْسِهِ تَكْبِيرَ الجِنازَةِ، ولْيَعْلَمْ أنَّ البَلاءَ قَدْ أحاطَ بِهِ. والقِسْمُ الثّالِثُ: العِشْقُ المُباحُ، وهو الواقِعُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، كَعِشْقِ مَن وُصِفَتْ لَهُ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ، أوْ رَآها فَجْأةً مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِها، ولَمْ يُحْدِثْ لَهُ ذَلِكَ العِشْقُ مَعْصِيَةً، فَهَذا لا يُمْلَكُ ولا يُعاقَبُ، والأنْفَعُ لَهُ مُدافَعَتُهُ، والِاشْتِغالُ بِما هو أنْفَعُ لَهُ مِنهُ، ويَجِبُ الكَتْمُ والعِفَّةُ والصَّبْرُ فِيهِ عَلى البَلْوى، فَيُثَبِّتُهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، ويُعَوِّضُهُ عَلى صَبْرِهِ لِلَّهِ وعِفَّتِهِ، وتَرْكِهِ طاعَةَ هَواهُ، وإيثارِ مَرْضاةِ اللَّهِ وما عِنْدَهُ.

النساء 4:28

وَقَدْ قالَ تَعالى عُقَيْبَ ذِكْرِهِ ما أُحِلَّ لَنا مِنَ النِّساءِ وما حُرِّمَ مِنهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦-٢٨]. ذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ: كانَ إذا نَظَرَ إلى النِّساءِ لَمْ يَصْبِرْ. وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ رَأى امْرَأةً، فَأتى زَيْنَبَ فَقَضى حاجَتَهُ مِنها، وقالَ: إنَّ المَرْأةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورَةِ شَيْطانٍ، فَإذا رَأى أحَدُكُمُ امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أهْلَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ ما في نَفْسِهِ»، فَفي هَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ فَوائِدَ: مِنها: الإرْشادُ إلى التَّسَلِّي عَنِ المَطْلُوبِ بِجِنْسِهِ، كَما يَقُومُ الطَّعامُ مَكانَ الطَّعامِ، والثَّوْبُ مَقامَ الثَّوْبِ. وَمِنها: الأمْرُ بِمُداواةِ الإعْجابِ بِالمَرْأةِ المُوَرِّثِ لِشَهْوَتِها بِأنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو قَضاءُ وطَرِهِ مِن أهْلِهِ، وذَلِكَ يَنْقُضُ شَهْوَتَهُ لَها، وهَذا كَما أرْشَدَ المُتَحابِّينَ إلى النِّكاحِ، كَما في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مَرْفُوعًا: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحابِّينَ مِثْلُ النِّكاحِ». فَنِكاحُ المَعْشُوقَةِ هو دَواءُ العِشْقِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَواءً شَرْعًا، وقَدْ تَداوى بِهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرْتَكِبْ نَبِيُّ اللَّهِ مُحَرَّمًا، وإنَّما تَزَوَّجَ المَرْأةَ وضَمَّها إلى نِسائِهِ لِمَحَبَّتِهِ لَها، وكانَتْ تَوْبَتُهُ بِحَسَبِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، ولا يَلِيقُ بِنا المَزِيدُ عَلى هَذا. وَأمّا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: فَزَيْدٌ كانَ قَدْ عَزَمَ عَلى طَلاقِها ولَمْ تُوافِقْهُ، وكانَ يَسْتَشِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في فِراقِها، وهو يَأْمُرُهُ بِإمْساكِها، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ مُفارِقُها لا بُدَّ، فَأخْفى في نَفْسِهِ أنَّهُ يَتَزَوَّجُها إذا فارَقَها زَيْدٌ، وخَشِيَ مَقالَةَ النّاسِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، والرَّبُّ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُشَرِّعَ شَرْعًا عامًّا فِيهِ مَصالِحُ عِبادِهِ، فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها مِنهُ، أرْسَلَهُ إلَيْها يَخْطُبُها لِنَفْسِهِ، فَجاءَ زَيْدٌ واسْتَدْبَرَ البابَ بِظَهْرِهِ، وعَظُمَتْ في صَدْرِهِ لَمّا ذَكَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناداها مِن وراءِ البابِ: يا زَيْنَبُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُكِ، فَقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، وقامَتْ إلى مِحْرابِها فَصَلَّتْ، فَتَوَلّى اللَّهُ عِزَّ وجَلَّ نِكاحَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وعَقَدَ النِّكاحَ لَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، وجاءَ الوَحْيُ بِذَلِكَ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَقْتِهِ فَدَخَلَ عَلَيْها، فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وتَقُولُ: أنْتُنَّ زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَهَذِهِ قِصَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَيْنَبَ. وَلا رَيْبَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ حُبِّبَ إلَيْهِ النِّساءُ، كَما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ عَنْهُ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» هَذا لَفْظُ الحَدِيثِ، لا ما يَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ،» زادَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ في هَذا الحَدِيثِ: «أصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا أصْبِرُ عَنْهُنَّ»، وقَدْ حَسَدَهُ أعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ فَقالُوا: ما هَمَّهُ إلّا النِّكاحُ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ ونافَحَ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]. وَهَذا خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ كانَ عِنْدَهُ سارَّةُ أجْمَلُ نِساءِ العالَمِينَ، وأحَبَّ هاجَرَ وتَسَرّى بِها. وَهَذا داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عِنْدَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، فَأحَبَّ تِلْكَ المَرْأةَ وتَزَوَّجَها فَكَمَّلَ المِائَةَ، وهَذا سُلَيْمانُ ابْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَطُوفُ في اللَّيْلَةِ عَلى تِسْعِينَ امْرَأةً. «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ، فَقالَ: عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وقالَ عَنْ خَدِيجَةَ: إنِّي رُزِقْتُ حُبَّها». فَمَحَبَّةُ النِّساءِ مِن كَمالِ الإنْسانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْثَرُها نِساءً، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وقَعَ في سَهْمِهِ يَوْمَ جَلُولاءَ جارِيَةٌ كَأنَّ عُنُقَها إبْرِيقٌ مِن فِضَّةٍ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَما صَبَرْتُ عَنْها أنْ قَبَّلْتُها والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وبِهَذا احْتَجَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ مِنَ المَسْبِيَّةِ قَبْلَ الِاسْتِبْراءِ بِغَيْرِ الوَطْءِ، بِخِلافِ الأمَةِ المُشْتَراةِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ انْفِساخَ المِلْكِ لا يُتَوَهَّمُ في المَسْبِيَّةِ بِخِلافِ المُشْتَراةِ، فَقَدْ يَنْفَسِخُ فِيها المِلْكُ، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِأمَةِ غَيْرِهِ. وَقَدْ شَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِعاشِقٍ أنْ تُواصِلَهُ مَعْشُوقَتُهُ بِأنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ فَأبَتْ، وذَلِكَ في قِصَّةِ مُغِيثٍ وبَرِيرَةَ «لَمّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي خَلْفَها ودُمُوعُهُ تَجْرِي عَلى خَدَّيْهِ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ راجَعْتِيهِ؟ فَقالَتْ: أتَأْمُرُنِي يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لا، إنَّما أشْفَعُ، فَقالَتْ: لا حاجَةَ لِي بِهِ، فَقالَ لِعَمِّهِ: يا عَبّاسُ ألا تَعْجَبُ مِن حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيَرَةَ، ومِن بُغْضِها لَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حُبَّها، وإنْ كانَتْ قَدْ بانَتْ مِنهُ». وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُساوِي بَيْنَ نِسائِهِ في القَسْمِ ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما لا أمْلِكُ» يَعْنِي في الحُبِّ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، يَعْنِي في الحُبِّ والجِماعِ. وَلَمْ يَزَلِ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ والرُّحَماءُ مِنَ النّاسِ يَشْفَعُونَ لِلْعُشّاقِ إلى مَعْشُوقِهِمُ الجائِزِ وصْلُهُنَّ، كَما تَقَدَّمَ مِن فِعْلِ أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، وكَذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِغُلامٍ مِنَ العَرَبِ وُجِدَ في دارِ قَوْمٍ بِاللَّيْلِ، فَقالَ لَهُ: ما قِصَّتُكَ؟ قالَ: لَسْتُ بِسارِقٍ، ولَكِنِّي أصْدُقُكَ: ؎تَعَلَّقْتُ في دارِ الرِّياحِيِّ خُودَةً ∗∗∗ يَذِلُّ لَها مِن حُسْنِ مَنظَرِها البَدْرُ ؎لَها في بَناتِ الرُّومِ حُسْنٌ ومَنظَرُ ∗∗∗ إذا افْتَخَرَتْ بِالحُسْنِ خافَتْها الفَخْرُ ؎فَلَمّا طَرَقْتُ الدّارَ مِن حَرِّ مُهْجَتِي ∗∗∗ أبَيْتُ وفِيها مِن تَوَقُّدِها الجَمْرُ ؎تَبادَرَ أهْلُ الدّارِ بِي ثُمَّ صَيَّحُوا ∗∗∗ هو اللِّصُّ مَحْتُومًا لَهُ القَتْلُ والأسْرُ فَلَمّا سَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شِعْرَهُ، رَقَّ لَهُ، وقالَ لِلْمُهَلَّبِ بْنِ رَباحٍ: اسْمَحْ لَهُ بِها، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، سَلْهُ مَن هُوَ؟ فَقالَ: النَّهّاسُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَقالَ: خُذْها فَهي لَكَ. واشْتَرى مُعاوِيَةُ جارِيَةً فَأُعْجِبَ بِها إعْجابًا شَدِيدًا، فَسَمِعَها يَوْمًا تُنْشِدُ أبْياتًا مِنها: ؎وَفارَقْتُهُ كالغُصْنِ يَهْتَزُّ في الثَّرى ∗∗∗ طَرِيرًا وسِيمًا بَعْدَ ما طَرَّ شارِبُهُ فَسَألَها، فَأخْبَرَتْهُ أنَّها تُحِبُّ سَيِّدَها، فَرَدَّها إلَيْهِ وفي قَلْبِهِ مِنها. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في رَبِيعَةَ أنَّ زُبَيْدَةَ قَرَأتْ في طَرِيقِ مَكَّةَ عَلى حائِطٍ: ؎أما في عِبادِ اللَّهِ أوْ في إمائِهِ ∗∗∗ كَرِيمٌ يُجْلِي الهَمَّ عَنْ ذاهِبِ العَقْلِ ؎لَهُ مُقْلَةٌ أمّا الأماقِي قَرِيحَةٌ ∗∗∗ وأمّا الحَشا فالنّارُ مِنهُ عَلى رِجْلِ فَنَذَرَتْ أنْ تَحْتالَ لِقائِلِها إنْ عَرَفَتْهُ حَتّى تَجْمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُحِبُّهُ، فَبَيْنا هي بِالمُزْدَلِفَةِ، إذْ سَمِعَتْ مَن يُنْشِدُهُما، فَطَلَبَتْهُ، فَزَعَمَ أنَّهُ قالَهُما في ابْنَةِ عَمٍّ لَهُ نَذَرَ أهْلُها أنْ لا يُزَوِّجُوها مِنهُ، فَوَجَّهَتْ إلى الحَيِّ، وما زالَتْ تَبْذُلُ لَهُمُ المالَ حَتّى زَوَّجُوها مِنهُ، وإذا المَرْأةُ أعْشَقُ لَهُ مِنهُ لَها، فَكانَتْ تَعُدُّهُ مِن أعْظَمِ حَسَناتِها، وتَقُولُ: ما أنا بِشَيْءٍ أسَرَّ مِنِّي مِن جَمْعِي بَيْنَ ذَلِكَ الفَتى والفَتاةِ. وَقالَ الخَرائِطِيُّ: وكانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ غُلامٌ وجارِيَةٌ يَتَحابّانِ، فَكَتَبَ الغُلامُ إلَيْها يَوْمًا: ؎وَلَقَدْ رَأيْتُكِ في المَنامِ كَأنَّما ∗∗∗ عاطَيْتِنِي مِن رِيقِ فِيكِ البارِدِ ؎وَكَأنَّ كَفَّكِ في يَدِي وكَأنَّنا ∗∗∗ بِتْنا جَمِيعًا في فِراشٍ واحِدِ ؎فَطَفِقْتُ يَوْمِي كُلَّهُ مُتَراقِدًا ∗∗∗ لِأراكِ في نَوْمِي ولَسْتُ بِراقِدِ فَأجابَتْهُ الجارِيَةُ: ؎خَيْرًا رَأيْتَ وكُلُّ ما أبْصَرْتَهُ ∗∗∗ سَتَنالُهُ مِنِّي بِرَغْمِ الحاسِدِ ؎إنِّي لَأرْجُو أنْ تَكُونَ مُعانِقِي ∗∗∗ فَتَبِيتُ مِنِّي فَوْقَ ثَدْيٍ ناهِدِ ؎وَأراكَ بَيْنَ خَلاخِلِي ودَمالِجِي ∗∗∗ وأراكَ فَوْقَ تَرائِبِي ومَجاسِدِي فَبَلَغَ سُلَيْمانَ ذَلِكَ فَأنْكَحَها الغُلامَ وأحْسَنَ حالَهُما عَلى فَرْطِ غَيْرَتِهِ. وَقالَ جامِعُ بْنُ بِرْخِيَّةَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ مُفْتِي المَدِينَةِ: هَلْ في حُبٍّ دَهَمَنا مِن وِزْرٍ؟ فَقالَ سَعِيدٌ: إنَّما تُلامُ عَلى ما تَسْتَطِيعُ مِنَ الأمْرِ، فَقالَ سَعِيدٌ: واللَّهِ ما سَألَنِي أحَدٌ عَنْ هَذا، ولَوْ سَألَنِي ما كُنْتُ أُجِيبُ إلّا بِهِ. أقْسامُ عِشْقِ النِّساءِ فَعِشْقُ النِّساءِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ هو قُرْبَةٌ وطاعَةٌ، وهو عِشْقُ امْرَأتِهِ وجارِيَتِهِ، وهَذا العِشْقُ نافِعٌ؛ فَإنَّهُ أدْعى إلى المَقاصِدِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ لَها النِّكاحَ، وأكَفُّ لِلْبَصَرِ والقَلْبِ عَنِ التَّطَلُّعِ إلى غَيْرِ أهْلِهِ، ولِهَذا يُحْمَدُ هَذا العاشِقُ عِنْدَ اللَّهِ، وعِنْدَ النّاسِ. وَعِشْقٌ: هو مَقْتٌ عِنْدَ اللَّهِ وبُعْدٌ مِن رَحْمَتِهِ، وهو أضَرُّ شَيْءٍ عَلى العَبْدِ في دِينِهِ ودُنْياهُ، وهو عِشْقُ المُرْدانِ، فَما ابْتُلِيَ بِهِ إلّا مَن سَقَطَ مِن عَيْنِ اللَّهِ، وطُرِدَ عَنْ بابِهِ، وأُبْعِدَ قَلْبُهُ عَنْهُ، وهو مِن أعْظَمِ الحُجُبِ القاطِعَةِ عَنِ اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا سَقَطَ العَبْدُ مِن عَيْنِ اللَّهِ، ابْتَلاهُ بِمَحَبَّةِ المُرْدانِ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ هي الَّتِي جَلَبَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ ما جَلَبَتْ، فَما أُتُوا إلّا مِن هَذا العِشْقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. وَدَواءُ هَذا الدّاءِ: الِاسْتِعانَةُ بِمُقَلِّبِ القُلُوبِ، وصِدْقُ اللَّجَأِ إلَيْهِ، والِاشْتِغالُ بِذِكْرِهِ، والتَّعْوِيضُ بِحُبِّهِ وقُرْبِهِ، والتَّفَكُّرُ في الألَمِ الَّذِي يُعْقِبُهُ هَذا العِشْقُ، واللَّذَّةُ الَّتِي تَفُوتُهُ بِهِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَواتُ أعْظَمِ مَحْبُوبٍ، وحُصُولُ أعْظَمِ مَكْرُوهٍ، فَإذا أقْدَمَتْ نَفْسُهُ عَلى هَذا وآثَرَتْهُ، فَلْيُكَبِّرْ عَلى نَفْسِهِ تَكْبِيرَ الجِنازَةِ، ولْيَعْلَمْ أنَّ البَلاءَ قَدْ أحاطَ بِهِ. والقِسْمُ الثّالِثُ: العِشْقُ المُباحُ، وهو الواقِعُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، كَعِشْقِ مَن وُصِفَتْ لَهُ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ، أوْ رَآها فَجْأةً مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِها، ولَمْ يُحْدِثْ لَهُ ذَلِكَ العِشْقُ مَعْصِيَةً، فَهَذا لا يُمْلَكُ ولا يُعاقَبُ، والأنْفَعُ لَهُ مُدافَعَتُهُ، والِاشْتِغالُ بِما هو أنْفَعُ لَهُ مِنهُ، ويَجِبُ الكَتْمُ والعِفَّةُ والصَّبْرُ فِيهِ عَلى البَلْوى، فَيُثَبِّتُهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، ويُعَوِّضُهُ عَلى صَبْرِهِ لِلَّهِ وعِفَّتِهِ، وتَرْكِهِ طاعَةَ هَواهُ، وإيثارِ مَرْضاةِ اللَّهِ وما عِنْدَهُ.

النساء 4:29

[فصل في قِصَّةُ تَيَمُّمِ عَمْرُو بْنِ العاصِ مِنَ الجَنابَةِ] وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ «احْتَلَمَ أمِيرُ الجَيْشِ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وكانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً، فَخافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الماءِ، فَتَيَمَّمَ وصَلّى بِأصْحابِهِ الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: "يا عمرو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ؟ ". فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الِاغْتِسالِ، وقالَ إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا»، وقدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ مَن قالَ: إنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمّاهُ جُنُبًا بَعْدَ تَيَمُّمِهِ، وأجابَ مَن نازَعَهم في ذَلِكَ بِثَلاثَةِ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا شَكَوْهُ قالُوا: صَلّى بِنا الصُّبْحَ وهو جُنُبٌ، فَسَألَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ: "صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ؟ " اسْتِفْهامًا واسْتِعْلامًا، فَلَمّا أخْبَرَهُ بِعُذْرِهِ وأنَّهُ تَيَمَّمَ لِلْحاجَةِ أقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ. الثّانِي: أنَّ الرِّوايَةَ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ، فَرُوِيَ عَنْهُ فِيها أنَّهُ غَسَلَ مَغابِنَهُ، وتَوَضَّأ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ صَلّى بِهِمْ، ولَمْ يُذْكَرِ التَّيَمُّمُ، وكَأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ أقْوى مِن رِوايَةِ التَّيَمُّمِ، قالَ عبد الحق وقَدْ ذَكَرَها وذَكَرَ رِوايَةَ التَّيَمُّمِ قَبْلَها، ثُمَّ قالَ: وهَذا أوْصَلُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ عَنْ عبد الرحمن بن جبير المصري، عَنْ أبي القيس مولى عمرو عَنْ عمرو. والأُولى الَّتِي فِيها التَّيَمُّمُ، مِن رِوايَةِ عبد الرحمن بن جبير، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ، لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُما أبا قيس. الثّالِثُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرادَ أنْ يَسْتَعْلِمَ فِقْهَ عمرو في تَرْكِهِ الِاغْتِسالَ، فَقالَ لَهُ: "صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ؟ " فَلَمّا أخْبَرَهُ أنَّهُ تَيَمَّمَ لِلْحاجَةِ عَلِمَ فِقْهَهُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما فَعَلَهُ عمرو مِنَ التَّيَمُّمِ - واللَّهُ أعْلَمُ - خَشْيَةَ الهَلاكِ بِالبَرْدِ، كَما أخْبَرَ بِهِ، والصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ في هَذِهِ الحالِ جائِزَةٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ عَلى فاعِلِها، فَعُلِمَ أنَّهُ أرادَ اسْتِعْلامَ فِقْهِهِ وعِلْمِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:31

(لطيفة) وَتَأمَّلْ قَوْله تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ كَيْفَ تَجِدُ تَحْتَهُ بِألْطَفِ دَلالَةٍ وأدَقِّها وأحْسَنِها أنَّهُ مَن اجْتَنَبَ الشِّرْكَ جَمِيعَهُ كُفِّرَتْ عَنْهُ كَبائِرُهُ، وأنَّ نِسْبَةَ الكَبائِرِ إلى الشِّرْكِ كَنِسْبَةِ الصَّغائِرِ إلى الكَبائِرِ فَإذا وقَعَتْ الصَّغائِرُ مُكَفَّرَةً بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ فالكَبائِرُ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِاجْتِنابِ الشِّرْكِ، وتَجِدُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن هَذا المَعْنى، وهو قَوْلُهُ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: «ابْنَ آدَمَ إنّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا ثُمَّ لَقِيَتْنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً». وَقَوْلُهُ: «إنّ اللَّهَ حَرَّمَ النّارَ عَلى مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ خالِصًا مِن قَلْبِهِ». بَلْ مَحْوُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ الكَبائِرِ أعْظَمُ مِن مَحْوِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ لِلصَّغائِرِ. [فَصْلٌ: الذُّنُوبُ كَبائِرُ وصَغائِرُ] وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ والسُّنَّةُ وإجْماعُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ بَعْدَهم والأئِمَّةِ، عَلى أنَّ مِنَ الذُّنُوبِ كَبائِرَ وصَغائِرَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. وَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ». وَهَذِهِ الأعْمالُ المُكَفِّرَةُ لَها ثَلاثُ دَرَجاتٍ: إحْداها: أنْ تَقْصُرَ عَنْ تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ لِضَعْفِها وضَعْفِ الإخْلاصِ فِيها والقِيامِ بِحُقُوقِها، بِمَنزِلَةِ الدَّواءِ الضَّعِيفِ الَّذِي يَنْقُصُ عَنْ مُقاوَمَةِ الدّاءِ كَمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً. الثّانِيَةُ: أنْ تُقاوِمَ الصَّغائِرَ ولا تَرْتَقِيَ إلى تَكْفِيرِ شَيْءٍ مِنَ الكَبائِرِ. الثّالِثَةُ: أنْ تَقْوى عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ وتَبْقى فِيها قُوَّةٌ تُكَفَّرُ بِها بَعْضُ الكَبائِرِ. فَتَأمَّلْ هَذا فَإنَّهُ يُزِيلُ عَنْكَ إشْكالاتٍ كَثِيرَةً. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، قِيلَ: وما هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ: «أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. [عَدَدُ الكَبائِرِ] واخْتَلَفَ النّاسُ في الكَبائِرِ: هَلْ لَها عَدَدٌ يَحْصُرُها؟ عَلى قَوْلَيْنِ. ثُمَّ الَّذِينَ قالُوا بِحَصْرِها اخْتَلَفُوا في عَدَدِها، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هي أرْبَعٌ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هي سَبْعٌ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: هي تِسْعَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: هي إحْدى عَشْرَةَ، وقالَ آخَرُ: هي سَبْعُونَ. وَقالَ أبُو طالِبٍ المَكِّيُّ: جَمَعْتُها مِن أقْوالِ الصَّحابَةِ، فَوَجَدْتُها: أرْبَعَةً في القَلْبِ، وهى: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والإصْرارُ عَلى المَعْصِيَةِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ. وَأرْبَعَةٌ في اللِّسانِ، وهى: شَهادَةُ الزُّورِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ، والسِّحْرُ. وَثَلاثٌ في البَطْنِ: شُرْبُ الخَمْرِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا. واثْنَتانِ في الفَرْجِ، وهُما: الزِّنا، واللِّواطُ. واثْنَتانِ في اليَدَيْنِ، وهُما: القَتْلُ، والسَّرِقَةُ. وَواحِدَةٌ في الرِّجْلَيْنِ، وهى: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ. وَواحِدٌ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الجَسَدِ، وهُوَ: عُقُوقُ الوالِدَيْنِ. والَّذِينَ لَمْ يَحْصُرُوها بِعَدَدٍ، مِنهم مَن قالَ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ في القُرْآنِ فَهو كَبِيرَةٌ، وما نَهى عَنْهُ الرَّسُولُ ﷺ فَهو صَغِيرَةٌ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: ما اقْتَرَنَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وعِيدٌ مِن لَعْنٍ أوْ غَضَبٍ أوْ عُقُوبَةٍ فَهو كَبِيرَةٌ، وما لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو صَغِيرَةٌ. وَقِيلَ: كُلُّ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَدٌّ في الدُّنْيا أوْ وعِيدٌ في الآخِرَةِ، فَهو كَبِيرَةٌ، وما لَمْ يُرَتَّبْ عَلَيْهِ لا هَذا ولا هَذا، فَهو صَغِيرَةٌ. وَقِيلَ: كُلُّ ما اتَّفَقَتِ الشَّرائِعُ عَلى تَحْرِيمِهِ فَهو مِنَ الكَبائِرِ، وما كانَ تَحْرِيمُهُ في شَرِيعَةٍ دُونَ شَرِيعَةٍ فَهو صَغِيرَةٌ. وَقِيلَ: كُلُّ ما لَعَنَ اللَّهُ أوْ رَسُولُهُ فاعِلَهُ فَهو كَبِيرَةٌ. وَقِيلَ: كُلُّ ما ذُكِرَ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. الَّذِينَ لَمْ يُقَسِّمُوها إلى كَبائِرَ والَّذِينَ لَمْ يُقَسِّمُوها إلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، قالُوا: الذُّنُوبُ كُلُّها بِالنِّسْبَةِ إلى الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ومَعْصِيَتِهِ ومُخالَفَةِ أمْرِهِ، كَبائِرُ، فالنَّظَرُ إلى مَن عَصى أمْرَهُ وانْتَهَكَ مَحارِمَهُ، يُوجِبُ أنْ تَكُونَ الذُّنُوبُ كُلُّها كَبائِرَ، وهي مُسْتَوِيَةٌ في هَذِهِ المَفْسَدَةِ. قالُوا: ويُوَضِّحُ هَذا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا تَضُرُّهُ الذُّنُوبُ ولا يَتَأثَّرُ بِها، فَلا يَكُونُ بَعْضُها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أكْبَرَ مِن بَعْضٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ مَعْصِيَتِهِ ومُخالَفَتِهِ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ ذَنْبٍ وذَنْبٍ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ مَفْسَدَةَ الذُّنُوبِ إنَّما هي تابِعَةٌ لِلْجَراءَةِ والتَّوَثُّبِ عَلى حَقِّ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى، ولِهَذا لَوْ شَرِبَ رَجُلٌ خَمْرًا، أوْ وطِئَ فَرْجًا حَرامًا، وهو لا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، لَكانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الجَهْلِ وبَيْنَ مَفْسَدَةِ ارْتِكابِ الحَرامِ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مَن يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، لَكانَ آتِيًا بِإحْدى المَفْسَدَتَيْنِ، وهو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ دُونَ الأوَّلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ تابِعَةٌ لِلْجَراءَةِ والتَّوَثُّبِ. قالُوا: ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ المَعْصِيَةَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِهانَةَ بِأمْرِ المُطاعِ ونَهْيِهِ وانْتِهاكِ حُرْمَتِهِ، وهَذا لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ذَنْبٍ وذَنْبٍ. قالُوا: فَلا يَنْظُرُ العَبْدُ إلى كِبَرِ الذَّنْبِ وصِغَرِهِ في نَفْسِهِ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قَدْرِ مَن عَصاهُ وعَظَمَتِهِ، وانْتِهاكِ حُرْمَتِهِ بِالمَعْصِيَةِ، وهَذا لا يَفْتَرِقُ فِيهِ الحالُ بَيْنَ مَعْصِيَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَإنَّ مَلِكًا مُطاعًا عَظِيمًا لَوْ أمَرَ أحَدَ مَمْلُوكَيْهِ أنْ يَذْهَبَ في مُهِمٍّ لَهُ إلى بَلَدٍ بَعِيدٍ، وأمَرَ آخَرَ أنْ يَذْهَبَ في شُغُلٍ لَهُ إلى جانِبِ الدّارِ، فَعَصَياهُ وخالَفا أمْرَهُ، لَكانا في مَقْتِهِ والسُّقُوطِ مِن عَيْنِهِ سَواءً. قالُوا: ولِهَذا كانَتْ مَعْصِيَةُ مَن تَرَكَ الحَجَّ مِن مَكَّةَ وتَرَكَ الجُمُعَةَ وهو جارُ المَسْجِدِ، أقْبَحَ عِنْدَ اللَّهِ مِن مَعْصِيَةِ مَن تَرَكَ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ، والواجِبُ عَلى هَذا أكْثَرُ مِنَ الواجِبِ عَلى هَذا، ولَوْ كانَ مَعَ رَجُلٍ مِائَتا دِرْهَمٍ ومَنَعَ زَكاتَها، ومَعَ آخَرَ مِائَتا ألْفِ دِرْهَمٍ فَمَنَعَ مِن زَكاتِها؛ لاسْتَوَيا في مَنعِ ما وجَبَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، ولا يَبْعُدُ اسْتِواؤُهُما في العُقُوبَةِ، إذا كانَ كُلٌّ مِنهُما مُصِرًّا عَلى مَنعِ زَكاةِ مالِهِ، قَلِيلًا كانَ المالُ أوْ كَثِيرًا. [فَصْلٌ: الحَقُّ في المَسْألَةِ الحَقُّ في المَسْألَةِ] وَكَشْفُ الغِطاءِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أرْسَلَ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ كُتُبَهُ، وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيُعْرَفَ ويُعْبَدَ ويُوَحَّدَ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، والطّاعَةُ كُلُّها لَهُ، والدَّعْوَةُ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وَقالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ القَصْدَ بِالخَلْقِ والأمْرِ: أنْ يُعْرَفَ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ويُعْبَدَ وحْدَهُ لا يُشْرَكَ بِهِ، وأنْ يَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ، وهو العَدْلُ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أرْسَلَ رُسُلَهُ وأنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وهو العَدْلُ، ومِن أعْظَمِ القِسْطِ التَّوْحِيدُ، وهو رَأْسُ العَدْلِ وقِوامُهُ، وإنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، فالشِّرْكُ أظْلَمُ الظُّلْمِ، والتَّوْحِيدُ أعْدَلُ العَدْلِ، فَما كانَ أشَدَّ مُنافاةً لِهَذا المَقْصُودِ فَهو أكْبَرُ الكَبائِرِ، وتَفاوُتُها في دَرَجاتِها بِحَسَبِ مُنافاتِها لَهُ، وما كانَ أشَدَّ مُوافَقَةً لِهَذا المَقْصُودِ فَهو أوْجَبُ الواجِباتِ وأفْرَضُ الطّاعاتِ. فَتَأمَّلْ هَذا الأصْلَ حَقَّ التَّأمُّلِ، واعْتَبِرْ تَفاصِيلَهُ تَعْرِفْ بِهِ حِكْمَةَ أحْكَمِ الحاكِمِينَ، وأعْلَمِ العالِمِينَ فِيما فَرَضَهُ عَلى عِبادِهِ، وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وتَفاوُتَ مَراتِبِ الطّاعاتِ والمَعاصِي. فَلَمّا كانَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ مُنافِيًا بِالذّاتِ لِهَذا المَقْصُودِ كانَ أكْبَرَ الكَبائِرِ عَلى الإطْلاقِ، وحَرَّمَ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى كُلِّ مُشْرِكٍ، وأباحَ دَمَهُ ومالَهُ وأهْلَهُ لِأهْلِ التَّوْحِيدِ، وأنْ يَتَّخِذُوهم عَبِيدًا لَهم لَمّا تَرَكُوا القِيامَ بِعُبُودِيَّتِهِ، وأبى اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقْبَلَ مِن مُشْرِكٍ عَمَلًا أوْ يَقْبَلَ فِيهِ شَفاعَةً أوْ يَسْتَجِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ دَعْوَةً، أوْ يُقِيلَ لَهُ عَثْرَةً، فَإنَّ المُشْرِكَ أجْهَلُ الجاهِلِينَ بِاللَّهِ، حَيْثُ جَعَلَ لَهُ مِن خَلْقِهِ نِدًّا، وذَلِكَ غايَةُ الجَهْلِ بِهِ، كَما أنَّهُ غايَةُ الظُّلْمِ مِنهُ، وإنْ كانَ المُشْرِكُ لَمْ يَظْلِمْ رَبَّهُ وإنَّما ظَلَمَ نَفْسَهُ.

النساء 4:32

لا تسْأل سوى مَوْلاك، فسؤال العَبْد غير سَيّده تشنيع عَلَيْهِ غرس الخلْوَة يُثمر الأنس استوحش مِمّا لا يَدُوم مَعَك، واستأنس بِمن لا يفارقك عزلة الجاهِل فَساد، وأما عزلة العالم فمعها حذاؤها وسقاؤها إذا اجْتمع العقل واليَقِين في بَيت العزلة واستحضر الفِكر وجَرت بَينهم مُناجاة ؎أتاك حَدِيث لا يمل سَماعه ∗∗∗ شهي إلَيْنا نثره ونظامه ؎إذا ذكرته النَّفس زالَ عناؤها ∗∗∗ وزالَ عَن القلب المَعْنى ظلامه إذا خرجت من عَدوك لَفْظَة سفه فَلا تلحقها بِمِثْلِها تلقّحها ونسل الخِصام نسل مَذْمُوم حميتك لنَفسك أثر الجَهْل بها فَلَو عرفتها حق مَعْرفَتها أعنت الخصم عَلَيْها إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغَضَب ابتدأت بإحراق القادح أوثق غضبك بسلسلة الحلم فَإنَّهُ كلب إن أفلت أتلف من سبقت لَهُ سابِقَة السَّعادَة دلّ على الدَّلِيل قبل الطّلب إذا أرادَ القدر شخصا بذر في أرض قلبه بذر التَّوْفِيق ثمَّ سقاهُ بِماء الرَّغْبَة والرهبة، ثمَّ أقامَ عَلَيْهِ بأطوار المراقبة واستخدم لَهُ حارس العلم فَإذا الزَّرْع قائِم على سوقه إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة وردفهُ قمر العَزِيمَة أشرقت أرض القلب بِنور رَبها إذا جن اللَّيْل تغالب النّوم والسهر فالخوف والشوق في مقدم عَسْكَر اليَقَظَة، والكسل والتواني في كَتِيبَة الغَفْلَة فَإذا حمل العَزْم حمل على الميمنة وانهزمت جنود التَّفْرِيط فَما يطلع الفجْر إلّا وقد قسمت السهْمان وبَردت الغَنِيمَة لأهْلها سفر اللَّيْل لا يطيقه إلّا مُضْمر المجاعة النجائب في الأول وحاملات الزّاد في الأخير لا تسأم من الوُقُوف على الباب ولَو طردت، ولا تقطع الِاعْتِذار ولَو رددت، فَإن فتح الباب للمقبولين دُونك فاهجم هجوم الكَذّابين وادخل دُخُول الطفيلية وابسط كف ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ يا مستفتحا باب المعاش بِغَيْر إقليد التَّقْوى كَيفَ توسع طَرِيق الخَطايا وتشكو ضيق الرزق، ولَو وقفت عند مُراد التَّقْوى لم يفتك مُراد. المعاصِي سد في باب الكسْب وإن العَبْد ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ ؎تالله ما جِئتُكم زائِرًا ∗∗∗ إلّا وجدت الأرْض تطوي لي ؎وَلا انثنى عزمي عَن بابَكم ∗∗∗ إلّا تعثرت بأذيالي الأرْواح في الأشباح كالأطيار في الأبراج وَلَيْسَ ما أعد للاستفراخ كمن هيئ للسباق من أرادَ من العمّال أن يعرف قدره عند السُّلْطان فَلْينْظر ماذا يوليه من العَمَل وبِأيِّ شغل يشْغلهُ كن من أبناء الآخِرَة ولا تكن من أبناء الدُّنْيا فَإن الوَلَد يتبع الأُم الدُّنْيا لا تَساوِي نقل أقدامك إلَيْها فَكيف تعدو خلفها الدُّنْيا جيفة والأسد لا يَقع على الجِيَف الدُّنْيا مجاز والآخِرَة وطن والأوطار إنَّما تطلب في الأوطان

النساء 4:56

فإن قيل فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع ولا يفتر عن أهله بل أهله فيه أبد الآباد كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم طرفة عين؟ قيل: لَعمْرُ الله هذا سؤال يقلقل الجبال فضلا عن قلوب الرجال، وعن هذا السؤال أنكر من أنكر حكمة العزيز الحكيم، ورد الأمر إلى مشيئة محضة لا سبب لها ولا غاية وجوز على الله أن يعذب أهل طاعته وأولياءه وينزلهم إلى أسفل الجحيم وينعم أعداءه المشركين به ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد الآباد وأن يدخل النار من شاء بغير سبب ولا عمل أصلا وأن يفاوت بين أهلها مع مساويهم في الأعمال ويسوي بينهم في العذاب مع تفاوتهم في الأعمال وأن يعذب الرجل بذنب غيره وأن يبطل حسناته كلها فلا يثيبه بها أو يثيب بها غيره وكل ذلك جائز عليه لا يعلم أنه لا يفعله إلا بخبر صادق إذ نسبه ذلك وضده إليه على حد سواء وقالوا ولا مخلص عن هذا السؤال إلا بهذا الأصل وربما تمسكوا بظاهر من القول لم يضعوه على مواضعه ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة وتعليق الأمور بأسبابها وترتيبها عليها وآثار الموازنة والمقابلة وأخطأوا في فهم القرآن كما أخطأوا في وصف الرب بما لا يليق به وفي التجويز عليه ما لا يجوز عليه، وقابلهم مثبتو الأسباب والحكم من القدرية وزعموا أنهم يتخلصون من قبيح القول بما أثبتوه من الحكمة والتعليل ولكن وقعوا في نظيره أو ما هو شر منه حيث أوجبوا على الله سبحانه تخليد من أفنى عمره في طاعته ثم ارتكب كبيرة واحدة ومات مصرا عليها في النار مع أعدائه الكفار أبد الآباد ولم يرقبوا له طاعة ولم يرعوا له إسلاما وهم في هذا المذهب شر قولا من إخوانهم الجبرية فإن أولئك لم يوجبوا على الله ذلك الحكم وإنما جوزوه عليه وجوزوا أن لا يفعله وهؤلاء أوجبوا عليه تخليد أهل الكبائر مع الكفار ولم يجوزوا عليه إخراجهم منها وأصابهم في غلطهم على القرآن والسنة وما يجوز على الرب وما لا يجوز عليه ما أصاب إخوانهم من الجبرية، ولما ظن غيرهم من أهل النظر والبحث أن هذا هو الفساد الذي أخبرت به الرسل وعلموا أن هذا مناف للحكمة والرحمة والعدل والمصلحة قالوا إن ذلك تخويف وتخييل لا حقيقة له يزع النفوس السبعية والبهيمية عن عدوانها وشهواتها فتقوم بذلك مصلحة الوجود وكان من أكبر أسباب إلحاد هؤلاء وكفرهم بالله واليوم الآخر نسبة أولئك مذاهبهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة إلى الرسل وإخبارهم أنهم دعوا إلى الإيمان بها كما أصابهم تعميم في باب مسألة حدوث العالم حيث أخبروهم أن الرسل أخبرت عن الله أنه لم يزل معطلا عن الفعل والفعل غير ممكن منه ثم انقلب من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي عند ابتدائه بلا تجدد سبب ولا أمر قام بالفاعل وقالوا من لم يعتقد هذا فليس بمؤمن ولا مصدق للرسل فهذا في المبدأ وذاك في المعاد ثم جاءت طائفة أخرى فطووا بساط الخلق والأمر جملة وقالوا كل هذا محال وتلبيس وما ثم وجودان بل الوجود كله واحد ليس هناك خالق ومخلوق ورب ومربوب وطاعة ومعصية وما الأمر إلا نسق واحد والتفريق من أحكام الوهم والخيال فالسماوات والأرض والدنيا والآخرة والأزل والأبد والحسن والقبيح كله شيء واحد وهو من عين واحدة ثم استدركوا فقالوا لا بل هو العين ونشأ الناس إلا من شاء الله بين هؤلاء الطوائف الأربع لا يعرفون سوى أقوالهم ومذاهبهم فعظمت البلية واشتدت المصيبة وصار أذكياء الناس زنادقة العالم وأدناهم إلى الخلاص أهل البلادة والبله والعقل والسمع عن هذه الفرق بمعزل ومنازلهم منهما أبعد منزل فنقول وبالله التوفيق والله المستعان وعليه التكلان. (فصل) دل القرآن والسنة والفطرة وأدلة العقول أنه سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ولم يخلق شيئا عبثا ولا سدى ولا باطلا وإنما أوجد العالم العلوي والسفلي ومن فيهما بالحق الذي هو وصفه واسمه وقوله وفعله وهو سبحانه الحق المبين فلا يصدر عنه إلا حق لا يقول إلا حقا ولا يفعل إلا حقا ولا يأمر إلا بالحق ولا يجازي إلا بحق فالباطل لا يضاف إليه بل الباطل ما لم يضف إليه كالحكم الباطل والدين الباطل الذي لم يأذن فيه ولم يشرعه على ألسنة رسله والمعبود الباطل الذي لا يستحق العبادة وليس أهلا لها فعبادته باطلة ودعوته باطلة والقول الباطل هو الكذب والزور والمحال من القول الذي لا يتعلق بحق موجود بل متعلقه باطل لا حقيقة له وهو سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته ومعرفته وأصل عبادته محبته على آلائه ونعمه وعلى كماله وجلاله وذلك أمر فطري ابتدأ الله عليه خلقه وهي فطرته التي فطر الناس عليها كما فطرهم على الإقرار به كما قالت الرسل لأممهم: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فالخلق مفطورون على معرفته وتوحيده فلو خلوا وهذه الفطرة لنشأوا على معرفته وعبادته وحده وهذه الفطرة أمر خلقي خلقوا عليه ولا تبديل لخلقه فمضى الناس على هذه الفطرة قرونا عديدة ثم عرض لها موجب فسادها وخروجها عن الصحة والاستقامة بمنزلة ما يعرض للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة مما يوجب خروجهما عن الصحة إلى الانحراف فأرسل رسله ترد الناس إلى فطرتهم الأولى التي فطروا عليها فانقسم الناس معهم ثلاثة أقسام. منهم من استجاب لهم كل الاستجابة وانقاد إليهم كل الانقياد فرجعت فطرته إلى ما كانت عليه مع ما حصل لها من الكمال والتمام في قوتي العلم النافع والعمل الصالح فازدادت فطرتهم كمالا إلى كمالها فهؤلاء لا يحتاجون في المعاد إلى تهذيب وتأديب ونار تذيب فضلاتهم الخبيثة وتطهرهم من الأردن والأوساخ فإن انقيادهم للرسل أزال عنهم ذلك كله. وقسم استجابوا لهم من وجه دون وجه فبقيت عليهم بقية من الأدران والأوساخ التي تنافي الحق الذي خلقوا له فهيأ لهم العليم الحكيم من الأدوية الابتلاء والامتحان بحسب تلك الأدواء التي قامت بهم فإن وفت بالخلاص منها في هذه الدار وإلا ففي البرزخ فإن وفي بالخلاص وإلا ففي موقف القيامة وأهوالها ما يخلصهم من تلك البقية فإن وفي بها وإلا فلا بد من المداواة بالدواء الأعظم وآخر الطب الكي فيدخلون كير التمحيص والتخليص حتى إذا هذبوا ولم يبق للدواء فائدة أخرجوا من مارستان المرضى إلى دار أهل العافية كما دل على ذلك السنة المتواترة عن النبي ﷺ وصرح به في قوله: "حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة" وكذلك قوله تعالى: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ فلم يأذن لهم في دخولها إلا بعد طيبهم فإنها دار الطيبين فليس فيها شيء من الخبث أصلا ولهذا يلبث هؤلاء في النار على قدر حاجتهم إلى التطهر وزوال الخبث. القسم الثالث قوم لم يستجيبوا للرسل ولا انقادوا لهم بل استمروا على الخروج عن الفطرة ولم يرجعوا إليها واستحكم فسادها فيهم أتم استحكام لا يرجى لهم صلاح فهؤلاء لا يفي مجيء الدنيا ومصائب الموت وما بعده وأهوال القيامة بزوال أوساخهم وأدرانهم ولا يليق بحكمة العليم الحكيم أن يجاور بهم الطيبين في دارهم ولم يخلقوا للفناء فهؤلاء أهل دار الابتلاء والامتحان باقون فيها ببقاء ما معهم من درن الكفر والشرك والنار إنما أوقدت عليهم بأعمالهم الخبيثة فعذابهم بنفس أعمالهم السيئة لهم منها صور من العذاب يناسبها ويشاكلها فالعذاب باق عليهم ما بقيت حقائق تلك الأعمال وما تولد منها فما دامت موجبات العذاب باقية فالعذاب باق. يبقى أن يقال فهل ذهب أثر الفطرة الأولى بالكلية بحيث صارت كأن لم تكن وبطلت بالكلية وانتقل الأمر إلى العارض المفسد لها وعلى هذا فلا سبيل إلى خلاصهم من العذاب إذ هو أثر ذلك الفساد الذي أزال الفطرة أو يقال الفطرة لم تذهب بالكلية وإنما استحكم مرضها وفسادها وأصلها باق كما يستحكم مرض البدن وفساده والحياة قائمة به لكنها حياة لا تنفع فإذا قدر دواء كريه صعب التناول لا سبيل إلى الصحة إلا بتكرير تناوله مرارا كثيرة العدد جدا يزيل ذلك المرض العارض فيظهر أثر الفطرة الأولى فلا يحتاج بعده إلى الدواء هذا سر المسألة ومن يذهب إلى هذا التقدير الثاني فإنه يقول العقل لا يدل على امتناع ذلك إذ ليس فيه ما يحيله ونقول بل قد دل العقل والنقل والفطرة على أن الرب تعالى حكيم رحيم والحكمة والرحمة تأبى بقاء هذه النفوس في العذاب سرمدا أبد الآباد بحيث يدوم عذابها بدوام الله فهذا ليس من الحكمة والرحمة قالوا وقد دلت الدلائل الكثيرة من النصوص والاعتبار على أن ما شرعه الله في هذه الدار وقدره من العذاب والعقوبات فإنما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من الشر الذي فيها ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ وفطما للنفوس عن المعاودة وغير ذلك من الحكم التي إذا حصلت خلا التعذيب عن الحكمة والمصلحة فيبطل فإنه تعذيب عليم حكيم رحيم لا يعذب سدى ولا لنفع يعود إليه بالتعذيب بل كلا الأمرين محال وإذًا لا يقع التعذيب إلا لمصلحة المعذب أو مصلحة غيره ومعلوم أنه لا مصلحة له ولا لغيره في بقائه في العذاب سرمدا أبد الآباد قالوا فمما دل عليه القرآن والسنة أن جنس الآلام لمصلحة بني آدم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ فأخبر أن ألم القتل والجراح في سبيله تمحيص أي تطهير وتصفية للمؤمنين وبشر الصابرين على ألم الجوع والخوف والفقر وفقد الأحباب وغيرهم بصلاته عليهم ورحمته وهدايته وقال تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر الصديق: "يا رسول الله جاءت قاصمة الظهر وإننا لم نعمل سوءا فقال: يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن أليس يصبك الأذى قال: بلى قال: فذلك مما تجزون به" وقال تعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي هذا تبشير وتحذير إذ أعلمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا وهو أرحم أن يثني العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا كما قال ﷺ: "من بلي بشيء من هذه القاذورات فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ومن عوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده" وفي الحديث: "الحدود كفارات لأهلها" وفي الصحيحين من حديث عبادة: "ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له" وفي الصحيح عنه ﷺ: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" وقال: "لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة" وفي حديث آخر: "إن المؤمن إذا مرض خرج مثل البردة في صفائها ولونها" وفي الحديث الآخر: "إن الحمى تنفي الذنوب كما ينفي الكير الخبيث الحديد" وفي حديث آخر: "لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم" ومن أسماء الحمى مكفرة الذنوب وفي الحديث الصحيح: "يقول الله عز وجل يوم القيامة عبدي مرضت فلم تعدني قال كيف أعودك وأنت رب العالمين قال مرض عبدي فلان فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده" وهذا أبلغ من قوله في الإطعام والإسقاء لوجدت ذلك عندي فهو سبحانه عند المبتلى بالمرض رحمة منه له وخيرا وقربا منه لكسر قلبه بالمرض فإنه عند المنكسرة قلوبهم وهذا أكبر من أن يذكر ورب الدنيا والآخرة واحد وحكمته ورحمته موجودة في الدنيا والآخرة بل ظهور رحمته في الآخرة أعظم فعذاب المؤمنين بالنار في الآخرة هو من هذا الباب كعذابهم في الدنيا بالمصائب والحدود وكذلك حبسهم بين الجنة والنار حتى يهذبوا وينقوا وقد علم بالنصوص الصحيحة الصريحة أن عذابهم في النار متفاوت قدرا ووقتا بحسب ذنوبهم وأنهم لا يخرجون منها جملة واحدة بل شيئا بعد شيء حتى يبقى رجل هو آخرهم خروجا وكذلك عذاب الكفار فيها متفاوت تفاوتا عظيما فالمنافقون في دركها الأسفل وأبو طالب أخف أهلها عذابا في ضحضاح من بئر يغلي منه دماغه وآل فرعون في أشد العذاب قالوا فإذا كان العذاب في الدار التي فيها رحمة واحدة من مائة رحمة هو رحمة بأهله ومصلحة لهم ولطف بهم فكيف في الدار التي يظهر فيها مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض وقد قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فأخبر أنه يعذبهم رحمة بهم ليردهم العذاب إليه كما يعذب الأب الشفيق ولده إذا فر منه إلى عدوه ليرجع إلى بره وكرامته وقال الله تعالى: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ وأنت تجد تحت هذه الكلمات أن تعذيبه لكم لا يزيد في ملكه ولا ينتفع به ولا هو سدى خال من حكمة ومصلحة وأنكم إذا بدلتم الشكر والإيمان بالكفر كان عذابكم منكم وكان كفركم هو الذي عذبتم به وإلا فأي شيء يلحقه من عذابكم وأي نفع يصل إليه منه قالوا وحينئذ فالحكمة تقتضي أن النفوس الشريرة لا بد لها من عذاب يهذبها بحسب وقوعها كما دل على ذلك السمع والعقل وذلك يوجب الانتهاء لا الدوام. قالوا والله تعالى لم يخلق الإنسان عبثا وإنما خلقه ليرحمه لا ليعذبه وإنما اكتسب موجب العذاب بعد خلقه له فرحمته له سبقت غضبه وموجب الرحمة فيما سابق على موجب الغضب وغالب له وتعذيبه ليس هو الغاية لخلقه وإنما تعذيبه لحكمة ورحمة والحكمة والرحمة تأبى أن يتصل عذابه سرمدا إلى غير نهاية. أما الرحمة فظاهر، وأما الحكمة فلأنه إنما عذب على أمر طرأ على الفطرة وغيرها ولم يخلق عليه من أصل الخلقة ولا خلق له فهو لم يخلق للإشراك ولا للعذاب وإنما خلق للعبادة والرحمة ولكن طرأ عليه موجب العذاب فاستحق عليه العذاب وذلك الموجب لا دوام له فإنه باطل بخلاف الحق الذي هو موجب الرحمة فإنه دائم بدوام الحق سبحانه وهو الغاية وليس موجب العذاب غاية كما أن العذاب ليس بغاية بخلاف الرحمة فإنها غاية وموجبها غاية فتأمله حق التأمل فإنه سر المسألة. قالوا والرب تعالى تسمى بالغفور الرحيم ولم يتسمى بالمعذب ولا بالمعاقب بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿إنّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ وهو الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ وقال: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ وهذا كثير في القرآن فإنه سبحانه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم ويتسمى ولم يتمدح بأنه المعاقب ولا الغضبان ولا المعذب ولا المسقم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى ولم يثبت. وقد كتب على نفسه كتابا أن رحمته سبقت غضبه، وكذلك هو في أهل النار فإن رحمته فيهم سبقت غضبه فإنه رحمهم أنواعا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم ورحمهم في حال شركهم ورحمهم بإقامة الحجة عليهم ورحمهم بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم وأمهلهم ولم يعاجلهم بل وسعتهم رحمته فرحمته غلبت غضبه ولولا ذلك لخرب العالم وسقطت السماوات على الأرض وخرت الجبال وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه امتنع أن يكون موجب الغضب دائما بدوامه غالبا لرحمته قالوا والتعذيب إما أن يكون عبثا أو لمصلحة وحكمة وكونه عبثا مما ينزه أحكم الحاكمين عنه ونسبته إليه نسبة لما هو من أعظم النقائص إليه وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها وملزوماتها وهي إما أن تعود على الرب تعالى وهو يتعالى عن ذلك ويتقدس عنه وإما أن تعود إلى المخلوق إما نفس المعذب وإما غيره أوهما والأول ممتنع ولا مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية وأما مصلحة غيره فإن كانت هي الاتعاظ والانزجار فقد حصلت وإن كانت تكميل لذته وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك الحال وهو في غاية النعيم فهذا لو كان أقسى الخلق لرق لعدوه من طول عذابه ودوام ما يقاسيه فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبارة العتيدة ومداواتها كيما تصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فتحسمها وتلك المادة شر طارئ على خير خلقت عليه في ابتداء فطرتها قالوا والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد عليها خير محض ومقابله وخير راجح ومقابله وخير وشر متساويان والحكمة تقتضي إيجاد قسمين منها وهما الخير الخالص والراجح وأما الشر الخالص أو الراجح فإن الحكمة لا تقتضي وجوده بل تأبى ذلك فإن كل ما خلقه الله سبحانه فإنما خلقه لحكمة وجودها أولى من عدمها وخلق الدواب الشريرة والأفعال التي هي شر لما يترتب على خلقها من الخير المحبوب فلم يخلق لمجرد الشر الذي لا يستلزم خيرا بوجه ما هذا غاية المحال فالخير هو المقصود بالذات بالقصد الأول والشر إنما قصد قصد الوسائل والمبادئ لا قصد الغايات والنهايات وحينئذ فإذا حصلت الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها كما هو معلوم بالحس والعقل وعلى هذا فالعذاب شر وله غاية تطلب به وهو وسيلة إليها فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد فإذا وصل بها السائر إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة. وسر المسألة أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب فالعذاب من مخلوقاته وذلك مقتضى أنه خلقه لغاية محمودة ولا بد من ظهور أسمائه وأثر صفاته عموما وإطلاقا فإن هذا هو الكمال والرب جل جلاله موصوف بالكمال منزه عن النقص قالوا وقد قال تعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قال أبو سعيد الخدري: "هذه تقضي على كل آية في القرآن" ذكره البيهقي وحرب وغيرهما وقال عبد الله بن مسعود: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا" وعن عمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله ذكره جماعة من المصنفين في السنة وهذا يقتضي أن الدار التي لا يبقى فيها أحد هي التي يلبث فيها أهلها أحقابا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال تعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار" قالوا ويكفينا ما في سورة الأنعام من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه. أحدها استكبارهم منهم أي من إغوائهم وإضلالهم وإنما استكبروا من الكفار. الثاني قوله: ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ وأولياؤهم هم الكفار كما قال تعالى: ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ فحزب الشيطان هم أولياؤه والثالث قوله: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ومع هذا فقال: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ ثم ختم الآية بقوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة فهو عليم بما يفعل بهم حكيم في ذلك. قالوا وقد ورد في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء أهل رحمته وأهل غضبه معا أبّد جزاء أهل الرحمة وأطلق جزاء أهل الغضب كقوله: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ َأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿إنّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وقد يقرن بينهما في الذكر ويقضي لهم بالخلود كقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية بل الخلود هو المكث الطويل كقولهم قيد مخلد وتأبيد كل شيء بحسبه فقد يكون التأبيد لمدة الحياة وقد يكون لمدة الدنيا قال تعالى عن اليهود: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ} ومعلوم أنهم يتمنونه في النار حيث يقولون ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة بقوله: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ وقوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وقوله: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي مقطوع ومن قال لا يمن به عليهم فقد أخطأ أقبح الخطأ ولم يجئ مثل ذلك في عذاب أهل النار وقوله عز وجل: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّار﴾ ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقوله: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ في موضعين من القرآن وقوله: ﴿لَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح وقد زعمت طائفة أن إطلاق هذه الآيات مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة فيكون من باب تخصيص العموم وهذا كأنه قول من قال من السلف في آية الاستثناء أنها تقضي على كل وعيد في القرآن والصحيح أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها ولكن ليس فيها ما يدل على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها هذا ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه بوجه ما وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائما بدوامها وبين أن يكون هي أبدية لا انقطاع لها فلا تستحيل ولا تضمحل فهذا شيء وهذا شيء لا يقال فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إذ كان كل منهما يضمحل وينقطع؟ قيل ما أظهر الفروق بينهما والأمر أبين من أن يحتاج إلى فرق. وأيضا فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذب وإقلاع العذاب عنه وأما عذاب الآخرة فلا يموت من استحق الخلود فيه ولا يقلع العذاب عنه ولا يدفعه عنه أحد كما قال تعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ وهو لازم لا يفارق قال تعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أي لازما ومنه سمى الغريم غريما لملازمة غريمه.

النساء 4:58

[خَطَرُ تَوَلِّي القَضاءِ] جاءَ في القاضِي مِن الوَعِيدِ والتَّخْوِيفِ ما لَمْ يَأْتِ نَظِيرُهُ في المُفْتِي، كَما رَواهُ أبُو داوُد الطَّيالِسِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها ذُكِرَ عِنْدَها القُضاةُ فَقالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتى بِالقاضِي العَدْلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْقى مِن شِدَّةِ الحِسابِ ما يَتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ في تَمْرَةٍ قَطُّ» وَرَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَرْفَعُهُ: «ما مِن حاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ إلّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكٌ آخِذٌ بِقَفاهُ حَتّى يَقِفَ بِهِ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَيَرْفَعَ رَأْسَهُ إلى اللَّهِ فَإنْ أمَرَهُ أنْ يَقْذِفَهُ قَذَفَهُ في مَهْوى أرْبَعِينَ خَرِيفًا» وفي السُّنَنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «القُضاةُ ثَلاثَةٌ، اثْنانِ في النّارِ وواحِدٌ في الجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضى بِهِ فَهو في الجَنَّةِ، ورَجُلٌ قَضى بَيْنَ النّاسِ بِالجَهْلِ فَهو في النّارِ، ورَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجارَ فَهو في النّارِ». وَقالَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ويْلٌ لِدَيّانِ مَن في الأرْضِ مِن دَيّانِ مَن في السَّماءِ، يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ، إلّا مَن أمَرَ بِالعَدْلِ، وقَضى بِالحَقِّ، ولَمْ يَقْضِ عَلى هَوًى، ولا عَلى قَرابَةٍ، ولا عَلى رَغَبٍ ولا رَهَبٍ، وجَعَلَ كِتابَ اللَّهِ مِرْآةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ وفي سُنَنِ أبِي داوُد مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن طَلَبَ قَضاءَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَنالَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الجَنَّةُ، ومَن غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النّارُ» وفي سُنَنِ البَيْهَقِيّ مِن حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ مَعَ القاضِي ما لَمْ يَجُرْ، فَإذا جارَ بَرِئَ اللَّهُ مِنهُ ولَزِمَهُ الشَّيْطانُ» وفِيهِ مِن حَدِيثِ حُسَيْنِ المُعَلِّمِ عَنْ الشَّيْبانِيِّ عَنْ ابْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّ اللَّهَ مَعَ القاضِي ما لَمْ يَجُرْ، فَإذا جارَ وكَّلَهُ إلى نَفْسِهِ». وَفِي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن قَعَّدَ قاضِيًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وفي سُنَنِ البَيْهَقِيّ مِن حَدِيثِ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «وَيْلٌ لِلْأُمَراءِ، ووَيْلٌ لِلْعُرَفاءِ، ووَيْلٌ لِلْأُمَناءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أقْوامٌ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّ نَواصِيَهم كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيّا يَتَجَلْجَلُونَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّهم لَمْ يَلُوا عَمَلًا». [الوَعِيدُ عَلى الإفْتاءِ] وَأمّا المُفْتِي فَفي سُنَنِ أبِي داوُد مِن حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ يَسّارٍ قالَ: سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ عَلَيَّ ما لَمْ أقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا في جَهَنَّمَ، ومَن أفْتى بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ إثْمُهُ عَلى مَن أفْتاهُ ومَن أشارَ عَلى أخِيهِ بِأمْرٍ يَعْلَمُ الرُّشْدَ في غَيْرِهِ فَقَدْ خانَهُ» فَكُلُّ خَطَرٍ عَلى المُفْتِي فَهو عَلى القاضِي، وعَلَيْهِ مِن زِيادَةِ الخَطَرِ ما يَخْتَصُّ بِهِ، ولَكِنْ خَطَرُ المُفْتِي أعْظَمُ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ فَإنَّ فَتْواهُ شَرِيعَةٌ عامَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَفْتِي وغَيْرِهِ وأمّا الحاكِمُ فَحُكْمُهُ جُزْئِيٌّ خاصٌّ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ ولَهُ؛ فالمُفْتِي يُفْتِي حُكْمًا عامًّا كُلِّيًّا أنَّ مَن فَعَلَ كَذا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَذا، ومَن قالَ كَذا لَزِمَهُ كَذا، والقاضِي يَقْضِي قَضاءً مُعَيَّنًا عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فَقَضاؤُهُ خاصٌّ مُلْزِمٌ، وفَتْوى العالِمِ عامَّةٌ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ، فَكِلاهُما أجْرُهُ عَظِيمٌ، وخَطَرُهُ كَبِيرٌ. (فائدة) قال ابن عقيل: "الأموال التي يأخذها القضاة أربعة أقسام: رشوة، وهدية، وأجرة، ورزق. فالرشوة حرام وهي ضربان: رشوة ليميل إلى أحدهما بغير حق فهذه حرام عن فعل حرام على الآخذ والمعطي وهما آثمان، ورشوة يعطاها ليحكم بالحق واستيفاء حق المعطي من دين ونحوه فهي حرام على الحاكم دون المعطي، لأنها للاستنقاذ، فهي كجُعل الآبق وأجرة الوكلاء في الخصومة، وأما الهدية فضربان: هدية كانت قبل الولاية فلا تحرم استدامتها وهدية لم تكن إلا بعد الولاية وهي ضربان: مكروهة وهي الهدية إليه ممن لا حكومة له وهدية ممن قد اتجهت له حكومة فهي حرام على الحاكم والمهدي. وأما الأجرة إن كان للحاكم رزق من الإمام من بين المال حرم عليه أخذ الأجرة قولا واحدا لأنه إنما أجرى له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم فلا وجه لأخذ الأجرة من جهة الخصوم وإن كان الحاكم لا رزق له فعلى وجهين: أحدهما الإباحة لأنه عمل مباح فهو كما لو حكماه ولأنه مع عدم الرزق لا يتعين عليه الحكم فلا يمنع من أخذ الأجرة كالوصي وأمين الحاكم يأكلان من مال اليتيم بقدر الحاجة وأما الرزق من بيت المال فإن كان غنيا لا حاجة له إليه احتمل أن يكره لئلا يضيق على أهل المصالح ويحتمل أن يباح لأنه بذل نفسه لذلك فصار كالعامل في الزكاة والخراج. قلت: أصل هذه المسائل عامل الزكاة وقيم اليتيم فإن الله تعالى أباح لعامل الزكاة جزءا منها فهو يأخذه مع الفقر والغنى والنبي ﷺ منعه من قبول الهدية وقال: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدي إليه أم لا" وفي هذا دليل على أن من أهدي إليه في بيته ولم يكن بسببية العمل على الزكاة جاز له قبوله فيدل ذلك على أن الحاكم إذا أهدى إليه من كان يهدي له قبل الحكم ولم تكن ولايته سبب الهدية فله قبولها. وأما ناظر اليتيم فالله تعالى أمره بالاستعفاف مع الغنى وأباح له الأكل بالمعروف مع الفقر وهو إما اقتراض أو إباحة على الخلاف فيه والحاكم فرع متردد بين أصلين عامل الزكاة وناظر اليتيم فمن نظر إلى عموم الحاجة إليه وحصول المصلحة العامة به ألحقه بعامل الزكاة فيأخذ الرزق مع الغني كما يأخذه عامل الزكاة ومن نظر إلى كونه راعيا منتصبا لمعاملة الرعية بأن لا حظ لهم أنهم ألحقه بولي اليتيم إن احتاج أخذ، وإن استغنى ترك. وهذا أفقه وهو مذهب الخلفيتين الراشدين قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم إن احتاج أكل بالمعروف وإن استغنى ترك" والفرق بينه وبين عامل الزكاة أن عامل الزكاة مستأجر من جهة الإمام لجباية أموال المستحقين لها وجمعها فما يأخذه يأخذه بعمله كمن يستأجره الرجل لجباية أمواله، وأما الحاكم فإنه منتصب لإلزام الناس بشرائع الرب تبارك وتعالى وأحكامه وتبليغها إليهم فهو مبلغ عن الله تعالى عز وجل بفتياه ويتميز عن المفتى بالإلزام بولايته وقدرته والمبلغ عن الله تعالى الملزم للأمة بدينة لا يستحق عليهم شيئا فإن كان محتاجا فله من الفيء ما يسد حاجته وهذا لون وعامل الزكاة لون فالحاكم مفتي في خبره عن حكم الله ورسوله شاهد فيما ثبت عنده ملزم لمن توجه عليه الحق فيشترط له شروط المفتى والشاهد ويتميز بالقدرة على التنفيذ فهو في منصب خلافة من قال: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ فهؤلاء هم الحكام المقدر وجودهم في الأذهان المفقودون في الأعيان الذين جعلهم الله ظلالا يأوي إليها اللهفان ومناهل يردها الظمآن.

النساء 4:59

فَأمَرَ تَعالى بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وأعادَ الفِعْلَ إعْلامًا بِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ تَجِبُ اسْتِقْلالًا مِن غَيْرِ عَرْضِ ما أمَرَ بِهِ عَلى الكِتابِ، بَلْ إذا أمَرَ وجَبَتْ طاعَتُهُ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ ما أمَرَ بِهِ في الكِتابِ أوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَإنَّهُ أُوتِيَ الكِتابَ ومِثْلَهُ مَعَهُ، ولَمْ يَأْمُرْ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ اسْتِقْلالًا، بَلْ حَذَفَ الفِعْلَ وجَعَلَ طاعَتَهم في ضِمْنِ طاعَةِ الرَّسُولِ؛ إيذانًا بِأنَّهم إنّما يُطاعُونَ تَبَعًا لِطاعَةِ الرَّسُولِ، فَمَن أمَرَ مِنهم بِطاعَةِ الرَّسُولِ وجَبَتْ طاعَتُهُ، ومَن أمَرَ بِخِلافِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَلا سَمْعَ لَهُ ولا طاعَةَ كَما صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» وَقالَ: «إنّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ» وقالَ في وُلاةِ الأُمُورِ: «مَن أمَرَكم مِنهم بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلا سَمْعَ لَهُ ولا طاعَةَ». وَقَدْ «أخْبَرَ ﷺ عَنْ الَّذِينَ أرادُوا دُخُولَ النّارِ لَمّا أمَرَهم أمِيرُهم بِدُخُولِها: إنّهم لَوْ دَخَلُوا لَما خَرَجُوا مِنها» مَعَ أنَّهم إنّما كانُوا يَدْخُلُونَها طاعَةً لِأمِيرِهِمْ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، ولَكِنْ لَمّا قَصَّرُوا في الِاجْتِهادِ وبادَرُوا إلى طاعَةِ مَن أمَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وحَمَلُوا عُمُومَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ بِما لَمْ يُرِدْهُ الآمِرُ ﷺ وما قَدْ عُلِمَ مِن دِينِهِ إرادَةُ خِلافِهِ، فَقَصَّرُوا في الِاجْتِهادِ وأقْدَمُوا عَلى تَعْذِيبِ أنْفُسِهِمْ وإهْلاكِها مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ وتَبَيُّنٍ هَلْ ذَلِكَ طاعَةٌ لِلَّهِ ورَسُولِهِ أمْ لا، فَما الظَّنُّ بِمَن أطاعَ غَيْرَهُ في صَرِيحِ مُخالَفَةِ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ؟ ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِرَدِّ ما تَنازَعَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، وأخْبَرَهم أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهم في العاجِلِ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا في العاقِبَةِ. [فصل: النداء بالإيمان] فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان المشعر بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به، كما يقال: يا من أنعم الله عليه وأغناه من فضله، أحسن كما أحسن الله إليك: ويا أيها العالم علم الناس ما ينفعهم، ويا أيها الحاكم احكم بالحق، ونظائره. ولهذا كثيرا ما يقع الخطاب في القرآن بالشرائع كقوله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾. ففي هذا إشارة إلى أنكم إن كنتم مؤمنين فالإيمان يقتضي منكم كذا وكذا فإنه من موجبات الإيمان وتمامه. ثم قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ فقرن بين طاعة الله والرسول وطاعة أولي الأمر، وسلط عليهما عاملًا واحدًا. وقد كان ربما يسبق إلى الوهم أن الأمر يقتضي عكس هذا فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله ولكن الواقع هنا في الآية المناسب. وتحته سر لطيف وهو دلالته على أن ما يأمر به رسوله يجب طاعته فيه وإن لم يكن مأمورًا به بعينه في القرآن طاعة الرسول مفردة ومقرونة. فلا يتوهم متوهم أن ما يأمر به الرسول إن لم يكن في القرآن وإلا فلا تجب طاعته فيه، كما قال النبي ﷺ: " يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله تعالى، ما وجدنا فيه من شئ اتبعناه. ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه". (طاعة أولي الأمر) أما أولو الأمر فلا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول، لا طاعة مفردة مستقلة، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: " على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية الله تعالى فإذا أمر بمعصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة ". فتأمل كيف اقتضت إعادة هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ ولم يقل: وإلى الرسول. فإن الرد إلى القرآن رد إلى الله والرسول، فما حكم به الله تعالى هو بعينه حكم رسوله وما يحكم به الرسول ﷺ هو بعينه حكم الله. فإذا رددتم إلى الله ما تنازعتم فيه يعني كتابة فقد رددتموه إلى رسوله. وكذلك إذا رددتموه إلى رسوله فقد رددتموه إلى الله، وهذا من أسرار القرآن. (من هم أولي الأمر) وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أولي الأمر وعنه فيهم رحمه الله تعالى روايتان: إحداهما: أنهم العلماء، والثانية: أنهم الأمراء. والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعًا فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فان العلماء ولاته حفظا وبيانًا وذبًا عنه وردًا على من الحد فيه وزاغ عنه، وقد وكلهم الله بذلك فقال تعالى: ﴿فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين﴾ فيا لها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس تبعًا لهم، والأمراء ولاته قيامًا وعناية وجهادًا وإلزامًا للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه. وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الإنساني تبع لها ورعية. ثم قال تعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهذا دليل قاطع على أنه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله إلى الله ورسوله لا إلى أحد غير الله ورسوله، فمن أحال الرد على غيرهما فقد ضادَّ أمر الله ومن دعا عند النزاع إلى حكم غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية، فلا يدخل العبد في الإيمان حتى يرد كل ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله، ولهذا قال الله تعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهذا مما ذكرنا آنفًا أنه شرط ينتفي المشروط بانتفائه، فدل على أن من حَكّمَ غير الله ورسوله في موارد مقتضى النزاع كان خارجًا من مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر، وحسبك بهذه الآية العاصمة القاصمة بيانًا وشفاء فإنها قاصمة لظهور المخالفين لها عاصمة للمتمسكين بها الممتثلين ما أمرت به. قال الله تعالى ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وقد اتفق السلف والخلف على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته والرد إلى سنته بعد وفاته. (سعادة الدارين) ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولياء الأمر ورد ما تنازعتم فيه إلىَّ وإلى رسولي خير لكم في معاشكم ومعادَكم، وهو سعادتكم في الدارين فهو خير لكم وأحسن عاقبة. فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلا وآجلًا. ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنه بسبب طاعة الرسول. وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب عليه فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض فكذلك هو في الشر والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه فإنما هو بسبب مخالفة الرسول، ولأن طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين والكهف الذي من لجأ إليه كان من الناجين. فعلم أن شرور الدنيا والآخرة إنما هو الجهل بما جاء به الرسول ﷺ والخروج عنه، وهذا برهان قاطع على أنه لا نجاة للعبد ولا سعادة إلا بالاجتهاد في معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علمًا والقيام به عملا. (كمال السعادة) وكمال هذه السعادة بأمرين آخرين: أحدهما: دعوة الخلق إليه. والثاني: صبره واجتهاده على تلك الدعوة. (الكمال الإنساني) فانحصر الكمال الإنساني على هذه المراتب الأربعة. أحدهما: العلم بما جاء به الرسول ﷺ. والثانية: العمل به. والثالثة: نشره في الناس ودعوتهم إليه. والرابعة: صبره وجهاده في أدائه وتنفيذه. ومن تطلعت همته إلى معرفة ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأراد اتباعهم فهذه طريقهم حقا: ؎فإن شئت وصل القوم فاسلك سبيلهم ∗∗∗ فقد وضحت للسالكين عيانًا [فصل: الرَّدُّ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ] وَمِنها: أنَّهُ جَعَلَ هَذا الرَّدَّ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ ولَوازِمِهِ، فَإذا انْتَفى هَذا الرَّدُّ انْتَفى الإيمانُ؛ ضَرُورَةُ انْتِفاءِ المَلْزُومِ لِانْتِفاءِ لازِمِهِ، ولا سِيَّما التَّلازُمُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَإنَّهُ مِن الطَّرَفَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ الآخَرِ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ هَذا الرَّدَّ خَيْرٌ لَهُمْ، وأنَّ عاقِبَتَهُ أحْسَنُ عاقِبَةً، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن تَحاكَمَ أوْ حاكَمَ إلى غَيْرِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقَدْ حَكَّمَ الطّاغُوتَ وتَحاكَمَ إلَيْهِ، والطّاغُوتُ: كُلُّ ما تَجاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِن مَعْبُودٍ أوْ مَتْبُوعٍ أوْ مُطاعٍ؛ فَطاغُوتُ كُلِّ قَوْمٍ مِن يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ يَتْبَعُونَهُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِن اللَّهِ، أوْ يُطِيعُونَهُ فِيما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ طاعَةٌ لِلَّهِ؛ فَهَذِهِ طَواغِيتُ العالَمِ إذا تَأمَّلْتَها وتَأمَّلْتَ أحْوالَ النّاسِ مَعَها رَأيْت أكْثَرَهم عَدَلُوا مِن عِبادَةِ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الطّاغُوتِ، وعَنْ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ وإلى الرَّسُولِ إلى التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وعَنْ طاعَتِهِ ومُتابَعَةِ رَسُولِهِ إلى طاعَةِ الطّاغُوتِ ومُتابَعَتِهِ، وهَؤُلاءِ لَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ النّاجِينَ الفائِزِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ - وهم الصَّحابَةُ ومَن تَبِعَهم - ولا قَصَدُوا قَصْدَهُمْ، بَلْ خالَفُوهم في الطَّرِيقِ والقَصْدِ مَعًا، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ بِأنَّهم إذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ أعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلدّاعِي، ورَضُوا بِحُكْمِ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنَّهم إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في عُقُولِهِمْ وأدْيانِهِمْ وبَصائِرهمْ وأبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ وتَحْكِيمِ غَيْرِهِ والتَّحاكُمِ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] اعْتَذَرُوا بِأنَّهم إنّما قَصَدُوا الإحْسانَ والتَّوْفِيقَ، أيْ بِفِعْلِ ما يُرْضِي الفَرِيقَيْنِ ويُوَفِّقُ بَيْنَهُما كَما يَفْعَلُهُ مَن يَرُومُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ وبَيْنَ ما خالَفَهُ، ويَزْعُمُ أنَّهُ بِذَلِكَ مُحْسِنٌ قاصِدٌ الإصْلاحَ والتَّوْفِيقَ، والإيمانُ إنّما يَقْتَضِي إلْقاءَ الحَرْبِ بَيْنَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ وبَيْنَ كُلِّ ما خالَفَهُ مِن طَرِيقَةٍ وحَقِيقَةٍ وعَقِيدَةٍ وسِياسَةٍ ورَأْيٍ؛ فَرَخَّصَ الإيمانُ في هَذا الحَرْبِ لا في التَّوْفِيقِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ عَلى نَفْيِ الإيمانِ عَنْ العِبادِ حَتّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ في كُلِّ ما شَجَرَ بَيْنَهم مِن الدَّقِيقِ والجَلِيلِ، ولَمْ يَكْتَفِ في إيمانِهِمْ بِهَذا التَّحْكِيمِ بِمُجَرَّدِهِ حَتّى يَنْتَفِيَ عَنْ صُدُورِهِمْ الحَرَجُ والضِّيقُ عَنْ قَضائِهِ وحُكْمِهِ، ولَمْ يَكْتَفِ مِنهم أيْضًا بِذَلِكَ حَتّى يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، ويَنْقادُوا انْقِيادًا. وَقالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَخْتارَ بَعْدَ قَضائِهِ وقَضاءِ رَسُولِهِ، ومَن تَخَيَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا. فَصْلٌ [فُقَهاءُ الإسْلامِ ومَنزِلَتُهُمْ] القِسْمُ الثّانِي: فُقَهاءُ الإسْلامِ، ومَن دارَتْ الفُتْيا عَلى أقْوالِهِمْ بَيْنَ الأنامِ، الَّذِينَ خُصُّوا بِاسْتِنْباطِ الأحْكامِ، وعَنَوْا بِضَبْطِ قَواعِدِ الحَلالِ والحَرامِ؛ فَهم في الأرْضِ بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ، بِهِمْ يَهْتَدِي الحَيْرانُ في الظَّلْماءِ، وحاجَةُ النّاسِ إلَيْهِمْ أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ، وطاعَتُهم أفْرَضَ عَلَيْهِمْ مِن طاعَةِ الأُمَّهاتِ والآباءِ بِنَصِّ الكِتابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: ٥٩] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وأبُو العالِيَةِ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: أُولُو الأمْرِ هم العُلَماءُ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ. وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ في الرِّوايَةِ الأُخْرى وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: هم الأُمَراءُ، وهو الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنْ أحْمَدَ. [طاعَةُ الأُمَراءِ تابِعَةٌ لِطاعَةِ العُلَماءِ] والتَّحْقِيقُ أنَّ الأُمَراءَ إنّما يُطاعُونَ إذا أمَرُوا بِمُقْتَضى العِلْمِ؛ فَطاعَتُهم تَبَعٌ لِطاعَةِ العُلَماءِ؛ فَإنَّ الطّاعَةَ إنّما تَكُونُ في المَعْرُوفِ وما أوْجَبَهُ العِلْمُ، فَكَما أنَّ طاعَةَ العُلَماءِ تَبَعٌ لِطاعَةِ الرَّسُولِ فَطاعَةُ الأُمَراءِ تَبَعٌ لِطاعَةِ العُلَماءِ، ولَمّا كانَ قِيامُ الإسْلامِ بِطائِفَتَيْ العُلَماءِ والأُمَراءِ، وكانَ النّاسُ كُلُّهم لَهم تَبَعًا، كانَ صَلاحُ العالَمِ بِصَلاحِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، وفَسادُهُ بِفَسادِهِما، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ وغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ: صِنْفانِ مِن النّاسِ إذا صَلَحا صَلَحَ النّاسُ، وإذا فَسَدا فَسَدَ النّاسُ، قِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ: المُلُوكُ، والعُلَماءُ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ؎رَأيْت الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها ؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِك عِصْيانُها ؎وَهَلْ أفْسَدَ الدِّينَ إلّا المُلُوكُ ∗∗∗ وأحْبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها [النَّهْيُ عَنْ أنْ يُقالَ هَذا حُكْمُ اللَّهِ] «وَقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أمِيرَهُ بُرَيْدَةَ أنْ يُنَزِّلَ عَدُوَّهُ إذا حاصَرَهم عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وقالَ: فَإنَّك لا تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أمْ لا، ولَكِنْ أنْزِلْهم عَلى حُكْمِك وحُكْمِ أصْحابِك» فَتَأمَّلْ كَيْف فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ الأمِيرِ المُجْتَهِدِ، ونَهى أنْ يُسَمّى حُكْمُ المُجْتَهِدِينَ حُكْمَ اللَّهِ. وَمِن هَذا لَمّا كَتَبَ الكاتِبُ بَيْنَ يَدَيْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حُكْمًا حَكَمَ بِهِ فَقالَ: هَذا ما أرى اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ، فَقالَ: لا تَقُلْ هَكَذا ولَكِنْ قُلْ: هَذا ما رَأى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. وَقالَ ابْنُ وهْبٍ: سَمِعْت مالِكًا يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ مِن أمْرِ النّاسِ ولا مَن مَضى مِن سَلَفِنا، ولا أدْرَكْت أحَدًا أقْتَدِي بِهِ يَقُولُ في شَيْءٍ: هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ، وما كانُوا يَجْتَرِئُونَ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: نَكْرَهُ كَذا، ونَرى هَذا حَسَنًا؛ فَيَنْبَغِي هَذا، ولا نَرى هَذا، ورَواهُ عَنْهُ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ، وزادَ: ولا يَقُولُونَ حَلالٌ ولا حَرامٌ، أما سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الحَلالُ: ما أحَلَّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، والحَرامُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ. [لَفْظُ الكَراهَةِ يُطْلَقُ عَلى المُحَرَّمِ] قُلْت: وقَدْ غَلِطَ كَثِيرٌ مِن المُتَأخِّرِينَ مِن أتْباعِ الأئِمَّةِ عَلى أئِمَّتِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَيْثُ تَوَرَّعَ الأئِمَّةُ عَنْ إطْلاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ، وأطْلَقُوا لَفْظَ الكَراهَةِ، فَنَفى المُتَأخِّرُونَ التَّحْرِيمَ عَمّا أطْلَقَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ الكَراهَةَ، ثُمَّ سَهُلَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ الكَراهَةِ وخَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى التَّنْزِيهِ، وتَجاوَزَ بِهِ آخَرُونَ إلى كَراهَةِ تَرْكِ الأوْلى، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في تَصَرُّفاتِهِمْ؛ فَحَصَلَ بِسَبَبِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَلى الشَّرِيعَةِ وعَلى الأئِمَّةِ، وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ في الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ: أكْرَهُهُ، ولا أقُولُ هو حَرامٌ، ومَذْهَبُهُ تَحْرِيمُهُ، وإنَّما تَوَرَّعَ عَنْ إطْلاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ لِأجْلِ قَوْلِ عُثْمانَ. وَقالَ أبُو القاسِمِ الخِرَقِيِّ فِيما نَقَلَهُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ: ويُكْرَهُ أنْ يُتَوَضَّأ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومَذْهَبُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وقالَ في رِوايَةِ أبِي داوُد: ويُسْتَحَبُّ أنْ لا يَدْخُلَ الحَمّامَ إلّا بِمِئْزَرٍ لَهُ، وهَذا اسْتِحْبابُ وُجُوبٍ، وقالَ في رِوايَةِ إسْحاقَ بْنِ مَنصُورٍ: إذا كانَ أكْثَرُ مالِ الرَّجُلِ حَرامًا فَلا يُعْجِبُنِي أنْ يُؤْكَلَ مالُهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ. وَقالَ في رِوايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: لا يُعْجِبُنِي أكْلُ ما ذُبِحَ لِلزَّهْرَةِ ولا الكَواكِبِ ولا الكَنِيسَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]. فَتَأمَّلْ كَيْف قالَ: " لا يُعْجِبُنِي " فِيما نَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى تَحْرِيمِهِ، واحْتَجَّ هو أيْضًا بِتَحْرِيمِ اللَّهِ لَهُ في كِتابِهِ، وقالَ في رِوايَةِ الأثْرَمِ: أكْرَهُ لُحُومَ الجَلّالَةِ وألْبانَها، وقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ وغَيْرِهِ، وقالَ في رِوايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: أكْرَهُ أكْلَ لَحْمِ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ؛ لِأنَّ الحَيَّةَ لَها نابٌ والعَقْرَبُ لَها حُمَةٌ ولا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُهُ في تَحْرِيمِهِ، وقالَ في رِوايَةِ حَرْبٍ: إذا صادَ الكَلْبُ مِن غَيْرِ أنْ يُرْسَلَ فَلا يُعْجِبُنِي؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا أرْسَلْت كَلْبَك وسَمَّيْت» فَقَدْ أطْلَقَ لَفْظَهُ " لا يُعْجِبُنِي " عَلى ما هو حَرامٌ عِنْدَهُ. ثم قال ابن القيم: فالسَّلَفُ كانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الكَراهَةَ في مَعْناها الَّذِي اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَكِنْ المُتَأخِّرُونَ اصْطَلَحُوا عَلى تَخْصِيصِ الكَراهَةِ بِما لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وتَرْكُهُ أرْجَحُ مِن فِعْلِهِ، ثُمَّ حَمَلَ مَن حَمَلَ مِنهم كَلامَ الأئِمَّةِ عَلى الِاصْطِلاحِ الحادِثِ، فَغَلِطَ في ذَلِكَ، وأقْبَحُ غَلَطًا مِنهُ مَن حَمَلَ لَفْظَ الكَراهَةِ أوْ لَفْظَ " لا يَنْبَغِي " في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلى المَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ الحادِثِ، وقَدْ اطَّرَدَ في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ اسْتِعْمالُ " لا يَنْبَغِي " في المَحْظُورِ شَرْعًا وقَدَرًا وفي المُسْتَحِيلِ المُمْتَنِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ - وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١] «وَقَوْلِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وما يَنْبَغِي لَهُ، وشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وما يَنْبَغِي لَهُ» وقَوْلِهِ ﷺ: «إنّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ» وقَوْلِهِ ﷺ في لِباسِ الحَرِيرِ: «لا يَنْبَغِي هَذا لِلْمُتَّقِينَ» وأمْثالِ ذَلِكَ. [فَصْلٌ قَوْلُ نُفاةِ القِياسِ] قَدْ أتَيْنا عَلى ذِكْرِ فُصُولٍ نافِعَةٍ وأُصُولٍ جامِعَةٍ في تَقْرِيرِ القِياسِ والِاحْتِجاجِ بِهِ لَعَلَّكَ لا تَظْفَرُ بِها في غَيْرِ هَذا الكِتابِ، ولا بِقَرِيبٍ مِنها، فَلْنَذْكُرْ مَعَ ذَلِكَ ما قابَلَها مِن النُّصُوصِ والأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَمِّ القِياسِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن الدِّينِ، وحُصُولِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ والِاكْتِفاءِ بِالوَحْيَيْنِ، وها نَحْنُ نَسُوقُها مُفَصَّلَةً مُبَيَّنَةً بِحَمْدِ اللَّهِ. قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الرَّدَّ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - هو الرَّدُّ إلى كِتابِهِ، والرَّدَّ إلى الرَّسُولِ ﷺ هو الرَّدُّ إلَيْهِ في حُضُورِهِ وحَياتِهِ وإلى سُنَّتِهِ في غَيْبَتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ، والقِياسُ لَيْسَ بِهَذا ولا هَذا. وَلا يُقالُ: الرَّدُّ إلى القِياسِ هو مِن الرَّدِّ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، لِدَلالَةِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنّما رَدَّنا إلى كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ولَمْ يَرُدَّنا إلى قِياسِ عُقُولِنا وآرائِنا قَطُّ، بَلْ قالَ - تَعالى - لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولَمْ يَقُلْ بِما رَأيْتَ أنْتَ، وقالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وقالَ - تَعالى -: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، وقالَ - تَعالى -: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقالَ: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فَلَوْ كانَ القِياسُ هُدًى لَمْ يَنْحَصِرْ الهُدى في الوَحْيِ، وقالَ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فَنَفى الإيمانَ حَتّى يُوجَدَ تَحْكِيمُهُ وحْدَهُ، وهو تَحْكِيمُهُ في حالِ حَياتِهِ وتَحْكِيمُ سُنَّتِهِ فَقَطْ بَعْدَ وفاتِهِ، وقالَ - تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، أيْ لا تَقُولُوا حَتّى يَقُولَ. قالَ نُفاةُ القِياسِ: والإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ حَرَّمَ ما سَكَتَ عَنْهُ أوْ أوْجَبَهُ قِياسًا عَلى ما تَكَلَّمَ بِتَحْرِيمِهِ أوْ إيجابِهِ تَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإنَّهُ إذا قالَ: " حَرَّمْتُ عَلَيْكم الرِّبا في البُرِّ " فَقُلْنا: ونَحْنُ نَقِيسُ عَلى قَوْلِكَ البَلُّوطَ، فَهَذا مَحْضُ التَّقَدُّمِ. قالُوا: وقَدْ حَرَّمَ - سُبْحانَهُ - أنْ نَقُولَ عَلَيْهِ ما لا نَعْلَمُ، فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدْ واقَعْنا هَذا المُحَرَّمَ يَقِينًا، فَإنّا غَيْرُ عالَمِينَ بِأنَّهُ أرادَ مِن تَحْرِيمِ الرِّبا في الذَّهَبِ والفِضَّةِ تَحْرِيمَهُ في القَدِيدِ مِن اللُّحُومِ، وهَذا قَفْوٌ مِنّا ما لَيْسَ لَنا بِهِ عِلْمٌ، وتَعَدٍّ لِما حُدَّ لَنا، " ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ "، والواجِبُ أنْ نَقِفَ عِنْدَ حُدُودِهِ، ولا نَتَجاوَزَها ولا نُقَصِّرَ بِها. وَلا يُقالُ: فَإبْطالُ القِياسِ وتَحْرِيمُهُ والنَّهْيُ عَنْهُ تَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وتَحْرِيمٌ لِما لَمْ يَنُصَّ عَلى تَحْرِيمِهِ، وقَفْوٌ مِنكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ [عِلْمٌ]؛ لِأنّا نَقُولُ: اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أخْرَجْنا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِنا لا نَعْلَمُ شَيْئًا، وأنْزَلَ عَلَيْنا كِتابَهُ، وأرْسَلَ إلَيْنا رَسُولَهُ يُعَلِّمُنا الكِتابَ والحِكْمَةَ، فَما عَلِمْناهُ وبَيَّنَهُ لَنا فَهو مِن الدِّينِ، وما لَمْ يُعَلِّمْناهُ ولا بَيَّنَ لَنا أنَّهُ مِن الدِّينِ فَلَيْسَ مِن الدِّينِ ضَرُورَةً، وكُلُّ ما لَيْسَ مِن الدِّينِ فَهو باطِلٌ؛ فَلَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ؛ وقَدْ قالَ - تَعالى -: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فاَلَّذِي أكْمَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وبَيَّنَهُ وهو دِينُنا، لا دَيْنَ لَنا سِواهُ، فَأيْنَ فِيما أكْمَلَهُ لَنا " قِيسُوا ما سَكَتُّ عَنْهُ عَلى ما تَكَلَّمْتُ بِإيجابِهِ أوْ تَحْرِيمِهِ أوْ إباحَتِهِ، سَواءٌ كانَ الجامِعُ بَيْنَهُما عِلَّةً أوْ دَلِيلَ عِلَّةٍ أوْ وصْفًا شَبَهِيًّا، فاسْتَعْمِلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ وانْسِبُوهُ إلَيَّ وإلى رَسُولِي وإلى دِينِي واحْكُمُوا بِهِ عَلَيَّ ". قالُوا: وقَدْ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وأخْبَرَ رَسُولُهُ: " إنّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ " ونَهى عَنْهُ، ومِن أعْظَمِ الظَّنِّ ظَنُّ القِياسِيِّينَ، فَإنَّهم لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حَرَّمَ بَيْعَ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ والحَلْوى بِالعِنَبِ والنَّشا بِالبُرِّ، وإنَّما هي ظُنُونٌ مُجَرَّدَةٌ لا تُغْنِي مِن الحَقِّ شَيْئًا. قالُوا: وإنْ لَمْ يَكُنْ قِياسُ الضُّراطِ عَلى " السَّلامُ عَلَيْكم " مِن الظَّنِّ الَّذِي نُهِينا عَنْ اتِّباعِهِ وتَحْكِيمِهِ وأخْبَرَنا أنَّهُ لا يُغْنِي مِن الحَقِّ شَيْئًا فَلَيْسَ في الدُّنْيا ظَنٌّ باطِلٌ، فَأيْنَ الضُّراطُ مِن " السَّلامُ عَلَيْكم "؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ قِياسُ الماءِ الَّذِي لاقى الأعْضاءَ الطّاهِرَةَ الطَّيِّبَةَ عِنْدَ اللَّهِ في إزالَةِ الحَدَثِ عَلى الماءِ الَّذِي لاقى أخْبَثَ العَذِراتِ والمَيْتاتِ والنَّجاساتِ ظَنًّا فَلا نَدْرِي ما الظَّنُّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - القَوْلَ بِهِ وذَمَّهُ في كِتابِهِ وسَلَخَهُ مِن الحَقِّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قِياسُ أعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن عُبّادِ الصُّلْبانِ واليَهُودِ الَّذِي هم أشَدُّ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أوْلِيائِهِ وخِيارِ خَلْقِهِ وِساداتِ الأُمَّةِ وعُلَمائِها وصُلَحائِها في تَكافُؤِ دِمائِهِمْ وجَرَيانِ القِصاصِ بَيْنَهم فَلَيْسَ في الدُّنْيا ظَنٌّ يُذَمُّ اتِّباعُهُ. قالُوا: ومِن العَجَبِ أنَّكم قِسْتُمْ أعْداءَ اللَّهِ عَلى أوْلِيائِهِ في جَرَيانِ القِصاصِ بَيْنَهم فَقَتَلْتُمْ ألْفَ ولِيٍّ لِلَّهِ قَتَلُوا نَصْرانِيًّا واحِدًا يُجاهِرُهم بِسَبِّ اللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ عَلانِيَةً، ولَمْ تَقِيسُوا مَن ضَرَبَ رَأْسَ رَجُلٍ بِدَبُّوسِ فَنَثَرَ دِماغَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى مَن طَعَنَهُ بِمِسَلَّةٍ فَقَتَلَهُ. قالُوا: وسَنُبَيِّنُ لَكم مِن تَناقُضِ أقْيِسَتِكم واخْتِلافِها وشِدَّةِ اضْطِرابِها ما يُبَيِّنُ أنَّها مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ. قالُوا: واللَّهُ - تَعالى - لَمْ يَكِلْ بَيانَ شَرِيعَتِهِ إلى آرائِنا وأقْيِسَتِنا واسْتِنْباطِنا، وإنَّما وكَلَها إلى رَسُولِهِ المُبَيِّنِ عَنْهُ، فَما بَيَّنَهُ عَنْهُ وجَبَ اتِّباعُهُ، وما لَمْ يُبَيِّنْهُ فَلَيْسَ مِن الدِّينِ، ونَحْنُ نُناشِدُكم اللَّهَ: هَلْ اعْتِمادُكم في هَذِهِ الأقْيِسَةِ الشَّبَهِيَّةِ والأوْصافِ الحَدْسِيَّةِ التَّخْمِينِيَّةِ عَلى بَيانِ الرَّسُولِ أمْ عَلى آراءِ الرِّجالِ وظُنُونِهِمْ وحَدْسِهِمْ؟ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فَأيْنَ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنِّي إذا حَرَّمْتُ شَيْئًا أوْ أوْجَبْتُهُ أوْ أبَحْتُهُ فاسْتَخْرَجُوا وصْفًا ما شَبَهِيًّا جامِعًا بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ جَمِيعِ ما سَكَتُّ عَنْهُ فَألْحِقُوهُ بِهِ وقِيسُوا عَلَيْهِ. قالُوا: واللَّهُ - تَعالى - قَدْ نَهى عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ لَهُ، فَكَما لا تُضْرَبُ لَهُ الأمْثالُ لا تُضْرَبُ لِدِينِهِ، وتَمْثِيلُ ما لَمْ يَنُصَّ عَلى حُكْمِهِ بِما نَصَّ عَلَيْهِ لِشَبَهِ ما ضَرَبَ الأمْثالَ لِدِينِهِ، وهَذا بِخِلافِ ما ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن الأمْثالِ في كَثِيرٍ مِن الأحْكامِ الَّتِي سَألَ عَنْها، كَما أمَرَهم بِقَضاءِ الصَّلاةِ الَّتِي نامُوا عَنْها فَقالُوا: «ألا نُصَلِّيها لِوَقْتِها مِن الغَدِ؟ فَقالَ: أيَنْهاكم عَنْ الرِّبا ويَقْبَلُهُ مِنكُمْ»، وكَما «قالَ لِعُمَرَ وقَدْ سَألَهُ عَنْ القُبْلَةِ لِلصّائِمِ أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِماءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ»، وكَما «قالَ لِمَن سَألَتْهُ عَنْ الحَجِّ عَنْ أبِيها أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ»، وكَما «قالَ لِمَن سَألَهُ: هَلْ يُثابُ عَلى وطْءِ زَوْجَتِهِ أرَأيْتُمْ لَوْ وضَعَها في الحَرامِ». [مِن الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ ورَسُولُهُ] وَمِن أحْسَنِ هَذِهِ الأمْثالِ وأبْلَغِها وأعْظَمِها تَقْرِيبًا إلى الأفْهامِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ الحارِثِ الأشْعَرِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أمَرَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا بِخَمْسِ كَلِماتٍ لِيَعْمَلَ بِها ويَأْمُرَ بَنْيِ إسْرائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِها، وإنَّهُ كادَ أنْ يُبْطِئَ بِها، فَقالَ عِيسى: إنّ اللَّهَ أمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِماتٍ لِتَعْمَلَ بِها وتَأْمُرَ بَنْيِ إسْرائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِها، فَإمّا أنْ تَأْمُرَهم وإمّا أنْ آمُرَهُمْ، فَقالَ يَحْيى: أخْشى إنْ سَبَقْتَنِي أنْ يُخْسَفَ بِي أوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النّاسَ في بَيْتِ المَقْدِسِ، فامْتَلَأ المَسْجِدُ وقَعَدُوا عَلى الشُّرَفِ، فَقالَ: إنّ اللَّهَ أمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِماتٍ أنْ أعْمَلَ بِهِنَّ وآمُرَكم أنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أُولاهُنَّ: أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وإنَّ مَثَلَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرى عَبْدًا مِن خالِصِ مالِهِ بِذَهَبٍ أوْ ورِقٍ. فَقالَ: هَذِهِ دارِي وهَذا عَمَلِي، فاعْمَلْ وأدِّ إلَيَّ، فَكانَ يَعْمَلُ ويُؤَدِّي إلى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأيُّكم يَرْضى أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وإنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِالصَّلاةِ، فَإذا صَلَّيْتُمْ فَلا تَلْتَفِتُوا، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ في صَلاتِهِ ما لَمْ يَلْتَفِتْ، وأمَرَكم بِالصِّيامِ، فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ في عِصابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيها مِسْكٌ، وكُلُّهم يُعْجِبُهُ رِيحُها، وإنَّ رِيحَ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ، وأمَرَكم بِالصَّدَقَةِ، فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أسَرَهُ العَدُوُّ فَأوْثَقُوا يَدَيْهِ إلى عُنُقِهِ وقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقالَ: أنا أفْتَدِي مِنكم بِكُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، فَفَدى نَفْسَهُ مِنهُمْ، وأمَرَكم أنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ، فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أثَرِهِ سِراعًا حَتّى إذا أتى عَلى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأحْرَزَ نَفْسَهُ مِنهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِن الشَّيْطانِ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: وأنا آمُرُكم بِخَمْسٍ اللَّهُ أمَرَنِي بِهِنَّ: السَّمْعِ، والطّاعَةِ، والجِهادِ، والهِجْرَةِ، والجَماعَةِ؛ فَإنَّهُ مَن فارَقَ الجَماعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإسْلامِ عَنْ عُنُقِهِ إلّا أنْ يُراجِعَ. ومَن ادَّعى دَعْوى الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهُ مِن جُثاءِ جَهَنَّمَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وإنْ صَلّى وإنْ صامَ؟ فَقالَ: وإنْ صَلّى وإنْ صامَ، فادْعُوا بِدَعْوى اللَّهِ الَّذِي سَمّاكم المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ عِبادَ اللَّهِ»، حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ نَهْرًا بِبابِ أحَدِكم يَغْتَسِلُ مِنهُ خَمْسَ مَرّاتٍ، هَلْ يَبْقى مِن دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ يَمْحُوا اللَّهُ بِهِنَّ الخَطايا ومَثَّلَ ﷺ المُؤْمِنَ القارِئَ لِلْقُرْآنِ بِالأُتْرُجَّةِ في طِيبِ الطَّعْمِ والرِّيحِ، وضِدَّهُ بِالحَنْظَلَةِ، والمُؤْمِنَ الَّذِي لا يَقْرَأُ بِالتَّمْرَةِ في طِيبِ الطَّعْمِ وعَدَمِ الرِّيحِ، والفاجِرَ القارِئَ بِالرَّيْحانَةِ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مُرٌّ، ومَثَّلَ المُؤْمِنَ بِالخامَةِ مِن الزَّرْعِ لا تَزالُ الرِّياحُ تُمِيلُها ولا يَزالُ المُؤْمِنُ يُصِيبُهُ البَلاءُ، ومَثَّلَ المُنافِقَ بِشَجَرَةِ الأرْزِ - وهي الصَّنَوْبَرَةُ - لا تَهْتَزُّ ولا تَمِيلُ حَتّى تُقْطَعَ مَرَّةً واحِدَةً، ومَثَّلَ المُؤْمِنَ بِالنَّخْلَةِ في كَثْرَةِ خَيْرِها ومَنافِعِها وحاجَةِ النّاسِ إلَيْها وانْتِيابِهِمْ لَها لِمَنافِعِهِمْ بِها، وشَبَّهَ أُمَّتَهُ بِالمَطَرِ في نَفْعِ أوَّلِهِ وآخِرِهِ وحَياةِ الوُجُودِ بِهِ، ومَثَّلَ أُمَّتَهُ والأُمَّتَيْنِ الكِتابِيَّتَيْنِ قَبْلَها فِيما خَصَّ اللَّهُ بِهِ أُمَّتَهُ وأكْرَمَها بِهِ بِأُجَراءَ عَمِلُوا بِأجْرٍ مُسَمًّى لِرَجُلٍ يَوْمًا عَلى أنْ يُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ، فَلَمْ يُكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ وتَرَكُوا العَمَلَ مِن أثْناءِ النَّهارِ، فَعَمِلَتْ أُمَّتُهُ بَقِيَّةَ النَّهارِ فاسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ، وضَرَبَ لَهُ ولِأُمَّتِهِ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ مَثَلَ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا، ثُمَّ ابْتَنى فِيها بَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ مائِدَةً، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ، فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ ومِنهم مَن تَرَكَهُ، فاللَّهُ هو المَلِكُ، والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ الدّاعِي، والدّارُ الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، فَمَن أجابَهُ دَخَلَ الإسْلامَ، ومَن دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ دارَ المَلِكِ وأكَلَ مِنها، ومَن لَمْ يُجِبْهُ لَمْ يَدْخُلْ دارِهِ ولَمْ يَأْكُلْ مِنها». ، وفي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، عَلى كَنَفَيْ الصِّراطِ سُورانِ لَهُما أبْوابٌ مُفَتَّحَةٌ، وعَلى الأبْوابِ سُتُورٌ مُرْخاةٌ، وعَلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ ادْخُلُوا الصِّراطَ جَمِيعًا ولا تَعْرُجُوا، وداعٍ يَدْعُو مِن فَوْقِ الصِّراطِ فَإذا أرادَ أنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأبْوابِ قالَ: ويْحَكَ، لا تَفْتَحْهُ، فَإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصِّراطُ الإسْلامُ، والسُّورانِ حُدُودُ اللَّهِ، والأبْوابُ المُفَتَّحَةُ مَحارِمُ اللَّهِ، فَلا يَقَعُ أحَدٌ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ حَتّى يَكْشِفَ السِّتْرَ، والدّاعِي عَلى رَأْسِ الصِّراطِ كِتابُ اللَّهِ، والدّاعِي مِن فَوْقِ الصِّراطِ واعِظُ اللَّهِ في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» فَلْيَتَأمَّلْ العارِفُ قَدْرَ هَذا المَثَلِ، ولْيَتَدَبَّرْهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ، ويَزِنْ بِهِ نَفْسَهُ، ويَنْظُرْ أيْنَ هو مِنهُ؟، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقالَ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنِي دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النّاسُ يَدْخُلُونَها ويَتَعَجَّبُونَ مِنها، ويَقُولُونَ لَوْلا مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، فَكُنْتُ أنا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ»، رَواهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ عَنْهُ ﷺ: «إنّما مَثَلِي ومَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا، فَجَعَلَ الدَّوابُّ والفَراشُ يَقَعْنَ فِيها، فَأنا آخُذُ بِحُجَزِكم مِن النّارِ وأنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيها. ومَثَّلَ مَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ بِالرّاعِي يَرْعى حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ». وَقالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدِ بْنِ خَلّادٍ الرّامَهُرْمُزِيّ: حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ الحَرّانِيُّ ثنا يَحْيى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البابْلُتِّيُّ ثنا صَفْوانُ بْنُ عَمْرٍو قالَ: ثني سُلَيْمُ بْنُ عامِرٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، وأُوتِيتُ الحِكْمَةَ، وضُرِبَ لِي مِن الأمْثالِ مَثَلُ القُرْآنِ، وإنِّي بَيْنا أنا نائِمٌ إذْ أتانِي مَلَكانِ فَقامَ أحَدُهُما عِنْدَ رَأْسِي وقامَ الآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، فَقالَ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: اضْرِبْ مَثَلًا وأنا أُفَسِّرُهُ، فَقالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي وأهْوى إلَيَّ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ ولِتَسْمَعْ أُذُنُكَ ولِيَعِ قَلْبُكَ، قالَ: فَكُنْتُ كَذَلِكَ، أمّا الأُذُنُ فَتَسْمَعُ، وأمّا القَلْبُ فَيَعِي، وأمّا العَيْنُ فَتَنامُ، قالَ: فَضَرَبَ مَثَلًا فَقالَ: بِرْكَةٌ فِيها شَجَرَةٌ ثابِتَةٌ، وفي الشَّجَرَةِ غُصْنٌ خارِجٌ، فَجاءَ ضارِبٌ فَضَرَبَ الشَّجَرَةَ، فَوَقَعَ الغُصْنُ ووَقَعَ مَعَهُ ورَقٌ كَثِيرٌ، كُلُّ ذَلِكَ في البِرْكَةِ لَمْ يَعْدُها، ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ، فَوَقَعَ ورَقٌ كَثِيرٌ، كُلُّ ذَلِكَ في البِرْكَةِ لَمْ يَعُدْها، ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَوَقَعَ ورِقٌ كَثِيرٌ، لا أدْرِي ما وقَعَ فِيها أكْثَرُ أوْ ما خَرَجَ مِنها، قالَ: فَفَسَّرَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلِي، فَقالَ: أمّا البِرْكَةُ فَهي الجَنَّةُ، وأمّا الشَّجَرَةُ فَهي الأُمَّةُ، وأمّا الغُصْنُ فَهو النَّبِيُّ ﷺ، وأمّا الضّارِبُ فَمَلَكُ المَوْتِ: ضَرَبَ الضَّرْبَةَ الأُولى في القَرْنِ الأوَّلِ فَوَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ وأهْلُ طَبَقَتِهِ، وضَرَبَ الثّانِيَةَ في القَرْنِ الثّانِي، فَوَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ في القَرْنِ الثّالِثِ فَلا أدْرِي ما وقَعَ فِيها أكْثَرُ أمْ ما خَرَجَ مِنها». وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْناهُ وعَلا صَوْتُهُ واشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتّى كَأنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكم ومَسّاكُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ، ويَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبُعِهِ السَّبّابَةِ والوُسْطى». وَفِي حَدِيثِ المُسْتَوْرِدِ «بُعِثْتُ في نَفَسِ السّاعَةِ سَبَقْتُها كَما سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ، وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ»، وفي المُسْنَدِ عَنْهُ «، إنّ مَثَلِي ومَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى قَوْمَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ إنِّي رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِي، وأنا النَّذِيرُ العُرْيانُ فالنَّجاءَ، فَأطاعَهُ طائِفَةٌ مِنهم فَأدْلَجُوا عَلى مَهْلِهِمْ فَنَجَوا، وكَذَّبَتْهُ طائِفَةٌ فَأصْبَحُوا مَكانَهم فَصَبَّحَهم الجَيْشُ فَأهْلَكَهم واجْتاحَهُمْ، وكَذَلِكَ مَثَلُ مَن أطاعَنِي واتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ ومَثَلُ مَن عَصانِي وكَذَّبَ بِما جِئْتُ بِهِ مِن الحَقِّ» وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ: «مَثَلِي ومَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِن الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنها طائِفَةٌ قَبِلَتْ الماءَ فَأنْبَتَتْ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتْ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وزَرَعُوا وسَقَوْا، وأصابَ طائِفَةً أُخْرى مِنها إنّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دَيْنِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ: «واللَّهِ ما الفَقْرُ أخْشى عَلَيْكُمْ، وإنَّما أخْشى عَلَيْكم ما يُخْرِجُ اللَّهُ لَكم مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنّ الخَيْرَ لا يَأْتِي إلّا بِالخَيْرِ، وإنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أوْ يَلُمْ، إلّا آكِلَةُ الخَضِرِ أكَلَتْ حَتّى إذا امْتَدَّتْ خاصِرَتاها اسْتَقْبَلَتْ فَثَلَطَتْ وبالَتْ ثُمَّ اجْتَرَّتْ وعادَتْ فَأكَلَتْ، فَمَن أخَذَ مالًا بِحَقِّهِ يُبارَكُ لَهُ فِيهِ، ومَن أخَذَ مالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ». وَقالَتْ مَيْمُونَةُ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَن اتَّقى اللَّهَ فِيها وأصْلَحَ، وإلّا فَهو كاَلَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ، وبَيْنَ النّاسِ في ذَلِكَ كَبُعْدِ الكَوْكَبَيْنِ أحَدُهُما يَطْلُعُ في المَشْرِقِ والآخَرُ يَغِيبُ في المَغْرِبِ، ومَثَّلَ نَفْسَهُ ﷺ في الدُّنْيا بِراكِبٍ مَرَّ بِأرْضٍ فَلاةٍ، فَرَأى شَجَرَةً، فاسْتَظَلَّ تَحْتَها، ثُمَّ راحَ وتَرَكَها». وفي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَضَعُ أحَدُكم أُصْبُعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟»، «وَمَرَّ مَعَ الصَّحابَةِ بِسَخْلَةٍ مَنبُوذَةٍ فَقالَ: أتَرَوْنَ هَذِهِ هانَتْ عَلى أهْلِها، فَواَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيا أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن هَذِهِ عَلى أهْلِها». وَقالَ: «إنّما مَثَلِي ومَثَلُكم ومَثَلُ الدُّنْيا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَلَكُوا مَفازَةً غَبْراءَ لا يَدْرُونَ ما قَطَعُوا مِنها أكْثَرُ أوْ ما بَقِيَ مِنها، فَحَسِرَتْ ظُهُورُهُمْ، ونَفَدَ زادُهُمْ، وسَقَطُوا بَيْنَ ظَهْرَيْ المَفازَةِ، فَأيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ في حُلَّةٍ يَقْطُرُ رَأْسُهُ، فَقالُوا: إنّ هَذا لَحَدِيثُ عَهْدٍ بِرِيفٍ، فانْتَهى إلَيْهِمْ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ، ما شَأْنُكُمْ؟ فَقالُوا: ما تَرى كَيْفَ حَسِرَتْ ظُهُورُنا ونَفَذَتْ أزْوادُنا بَيْنَ ظَهْرَيْ هَذِهِ المَفازَةِ لا نَدْرِي ما قَطَعْنا مِنها أكْثَرُ أمْ ما بَقِيَ؟ فَقالَ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ أوْرَدْتُكم ماءً رَواءً ورِياضًا خُضْرًا؟ قالُوا: حُكْمُكَ، قالَ: تُعْطُونِي عُهُودَكم ومَواثِيقَكم ألّا تَعْصُونِي، فَفَعَلُوا، فَمالَ بِهِمْ فَأوْرَدَهم ماءً رُواءٍ ورِياضًا خُضْرًا، فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ قالَ: هَلُمُّوا إلى رِياضٍ أعْشَبَ مِن رِياضِكم هَذِهِ وماءٍ أرْوى مِن مائِكم هَذا، فَقالَ جُلُّ القَوْمِ: ما قَدَرْنا عَلى هَذا حَتّى كِدْنا أنْ لا نَقْدِرَ عَلَيْهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ: ألَسْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمْ هَذا الرَّجُلَ عُهُودَكم ومَواثِيقَكم أنْ لا تَعْصُوهُ؟ فَقَدْ صَدَقَكم في أوَّلِ حَدِيثِهِ، فَآخِرُ حَدِيثِهِ مِثْلُ أوَّلِهِ، فَراحَ وراحُوا مَعَهُ فَأوْرَدَهم رِياضًا خُضْرًا، وماءً رَواءً، وأتى الآخَرِينَ العَدُوَّ مِن لَيْلَتِهِمْ فَأصْبَحُوا ما بَيْنَ قَتِيلٍ وأسِيرٍ»، وقالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّخْلَةِ أكَلَتْ طَيِّبًا ووَضَعَتْ طَيِّبًا، وإنَّ مَثَلَ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ القِطْعَةِ الجَيِّدَةِ مِن الذَّهَبِ أُدْخِلَتْ في النّارِ فَنُفِخَ عَلَيْها فَخَرَجَتْ جَيِّدَةً». وَرَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ - أوْ النَّحْلَةِ - إنْ شاوَرْتَهُ نَفَعَكَ، وإنْ ماشِيَتَهُ نَفَعَكَ، وإنْ شارَكْتَهُ نَفَعَكَ»، وقالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ والإيمانِ كَمَثَلِ الفَرَسِ في آخِيَّتِهِ يَجُولُ ما يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلى أخِيَّتِهِ؛ وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يَفْتَرِقُ ما يَفْتَرِقُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلى الإيمانِ»، وقالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشْتَكى شَيْءٌ مِنهُ تَداعى سائِرُهُ بِالسَّهَرِ والحُمّى»، وقالَ: «مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَلِ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَكُرُّ إلى هَذِهِ مَرَّةً، وإلى هَذِهِ مَرَّةً»، وقالَ: «مَثَلُ القُرْآنِ كَمَثَلِ الإبِلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ تَعَهَّدَ صاحِبُها عَقْلَها أمْسَكَها، وإنْ أغْفَلَها ذَهَبَتْ، وإذا قامَ صاحِبُ القُرْآنِ بِهِ ذَكَرَهُ، وإذا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ»، وقالَ مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ ماعِزِ بْنِ سُوَيْد العَرْجِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يُتِمُّ صَلاتَهُ مَثَلُ المَرْأةِ الَّتِي حَمَلَتْ حَتّى إذا دَنا نِفاسُها أسْقَطَتْ، فَلا حامِلُ ولا ذاتُ رَضاعٍ؛ ومَثَلُ المُصَلِّي كَمَثَلِ التّاجِرِ لا يَخْلُصُ لَهُ الرِّبْحُ حَتّى يَخْلُصَ لَهُ رَأْسُ المالِ وكَذَلِكَ المُصَلِّي لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ نافِلَةً حَتّى يُؤَدِّيَ الفَرِيضَةَ». وَقالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أوْسِ بْنِ خالِدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «مَثَلُ الَّذِي يَسْمَعُ الحِكْمَةَ ولا يَحْمِلُ إلّا شَرَّها كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى راعِيًا فَقالَ: آجِرْنِي شاةً مِن غَنَمِكَ، فَقالَ: انْطَلِقْ فَخُذْ بِأُذُنِ شاةٍ مِنها، فَذَهَبَ فَأخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الغَنَمِ»، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ حَدَّثَنِي أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ يَقُولُ عَلى هَذا المِنبَرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنّما بَقِيَ مِن الدُّنْيا بَلاءٌ وفِتْنَةٌ، وإنَّما مَثَلُ عَمَلِ أحَدِكم كَمَثَلِ الوِعاءِ إذا طابَ أعْلاهُ طابَ أسْفَلُهُ، وإذا خَبُثَ أعْلاهُ خَبُثَ أسْفَلُهُ». وفي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ رَجُلًا كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكم اسْتَضافَ قَوْمًا فَأضافُوهُ، ولَهم كَلْبَةٌ تَنْبَحُ، قالَ: فَقالَتْ الكَلْبَةُ: واللَّهِ لا أنْبَحُ ضَيْفَ أهْلِي اللَّيْلَةَ، قالَ: فَعَوى جِراؤُها في بَطْنِها فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيًّا لَهم أوْ قَيْلًا لَهُمْ، فَقالَ: مَثَلُ هَذِهِ مَثَلُ أُمَّةٍ تَكُونُ بَعْدَكم يَقْهَرُ سُفَهاؤُها حُكَماءَها ويَغْلِبُ سُفَهاؤُها عُلَماءَها». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَثَلُ القائِمِ في حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فِيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُّوا عَلى سَفِينَةٍ، فَأصابَ بَعْضُهم أعْلاها وبَعْضُهم أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِن الماءِ مَرُّوا عَلى مَن فَوْقَهُمْ، فَقالُوا: لَوْ أنّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فَإنْ هم تَرَكُوهم وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإنْ أخَذُوا عَلى أيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا». وَفِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ عَنْهُ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «إيّاكم ومُحَقَّراتِ الذُّنُوبَ، فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وادٍ، فَجاءَ هَذا بِعُودٍ وهَذا بِعُودٍ، حَتّى حَمَلُوا ما أنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وإنَّ مُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ مَتى يُؤْخَذُ بِها صاحِبُها تُهْلِكُهُ» ، وفي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَرْفَعُهُ «إنّ مَطْعَمَ بْنَ آدَمَ ضَرَبَ مَثَلًا لِلدُّنْيا، فانْظُرْ ما يَخْرُجُ مِن ابْنِ آدَمَ وإنَّ فَرْخَهُ ومِلْحَهُ قَدْ عَلِمَ إلى ما يَصِيرُ». وَقالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلّادٍ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ مَعْدانَ ثنا يُوسُفُ بْنُ مُسْلِمٍ المِصِّيصِيُّ ثنا حَجّاجٌ الأعْوَرُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ عَنْ الحَسَنِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنِّي ضَرَبْتُ لِلدُّنْيا مَثَلًا، ولِابْنِ آدَمَ عِنْدَ المَوْتِ، مَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ لَهُ ثَلاثَةُ أخِلّاءَ، فَلَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ قالَ لِأحَدِهِمْ: إنّكَ كُنْتَ لِي خَلِيلًا، وكُنْتَ أبَرَّ الثَّلاثَةَ عِنْدِي، وقَدْ نَزَلَ بِي مِن أمْرِ اللَّهِ ما تَرى، فَماذا عِنْدَكَ؟ قالَ: يَقُولُ: وماذا عِنْدِي؟ وهَذا أمْرُ اللَّهِ قَدْ غَلَبَنِي، ولا أسْتَطِيعُ أنْ أُنَفِّسَ كُرْبَتَكَ، ولا أُفَرِّجَ غَمَّكَ، ولا أُؤَخِّرَ ساعَتَكَ، ولَكِنْ ها أنا ذا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَخُذْنِي زادًا تَذْهَبُ بِهِ مَعَكَ، فَإنَّهُ يَنْفَعُكَ، قالَ: ثُمَّ دَعا الثّانِيَ فَقالَ: إنّكَ كُنْتَ لِي خَلِيلًا، وكُنْتَ أبَرَّ الثَّلاثَةِ عِنْدِي، وقَدْ نَزَلَ بِي مِن أمْرِ اللَّهِ ما تَرى، فَماذا عِنْدَكَ؟ قالَ: يَقُولُ: وماذا عِنْدِي؟ وهَذا أمْرُ اللَّهِ غَلَبَنِي، ولا أسْتَطِيعُ أنْ أُنَفِّسَ كُرْبَتَكَ، ولا أُفَرِّجَ غَمَّكَ، ولا أُؤَخِّرَ ساعَتَكَ، ولَكِنْ سَأقُومُ عَلَيْكَ في مَرَضِكَ، فَإذا مِتَّ أنْقَيْتُ غُسْلَكَ وجَدَّدْتُ كِسْوَتَكَ وسَتَرْتُ جَسَدَكَ وعَوْرَتَكَ قالَ: ثُمَّ دَعا الثّالِثَ فَقالَ: قَدْ نَزَلَ بِي مِن أمْرِ اللَّهِ ما تَرى، وكُنْتَ أهْوَنَ الثَّلاثَةِ عَلَيَّ، وكُنْتُ لَكَ مُضَيِّعًا، وفِيكَ زاهِدًا، فَما عِنْدَكَ؟ قالَ: عِنْدِي أبِي قَرِينُكَ وحَلِيفُكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أدْخُلُ مَعَكَ قَبْرَكَ حِين تَدْخُلُهُ، وأخْرُجُ مِنهُ حِينَ تَخْرُجُ مِنهُ، ولا أُفارِقُكَ أبَدًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذا مالُهُ وأهْلُهُ وعَمَلُهُ، أمّا الأوَّلُ الَّذِي قالَ خُذْنِي زادًا فَمالُهُ، والثّانِي أهْلُهُ، والثّالِثُ عَمَلُهُ». وَقَدْ رَواهُ أيْضًا بِسِياقِ آخَرَ مِن حَدِيثِ أُبَيٍّ أيْضًا، ولَفْظُهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمًا لِأصْحابِهِ أتَدْرُونَ ما مَثَلُ أحَدِكم ومَثَلُ مالِهِ وأهْلِهِ وعَمَلِهِ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ: إنّما مَثَلُ أحَدِكم ومَثَلُ أهْلِهِ ومالِهِ وعَمَلِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ لَهُ ثَلاثَةُ إخْوَةٍ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ دَعا بَعْضَ إخْوَتِهِ فَقالَ: إنّهُ قَدْ نَزَلَ بِي مِن الأمْرِ ما تَرى، فَمالِي عِنْدَكَ؟ وما لَدَيْكَ؟ فَقالَ: لَكَ عِنْدِي أنْ أُمْرِضَكَ ولا أُزايِلَكَ، وأنْ أقُومَ بِشَأْنِكَ، فَإذا مِتَّ غَسَّلْتُكَ وكَفَّنْتُكَ وحَمَلْتُكَ مَعَ الحامِلِينَ، أحْمِلُكَ طَوْرًا وأُمِيطُ عَنْكَ طَوْرًا، فَإذا رَجَعْتُ أثْنَيْتُ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ هُنا عِنْدَ مَن يَسْألُنِي عَنْكَ، هَذا أخُوهُ الَّذِي هو أهْلُهُ، فَما تَرَوْنَهُ؟ قالُوا: لا نَسْمَعُ طائِلًا يا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْأخِ الآخَرِ: أتَرى ما قَدْ نَزَلَ بِي؟ فَمالِي لَدَيْكَ؟ ومالِي عِنْدَكَ؟ فَيَقُولُ: لَيْسَ عِنْدِي غَناءٌ إلّا وأنْتَ في الأحْياءِ، فَإذا مِتَّ ذَهَبَ بِكَ مَذْهَبٌ وذَهَبَ بِي مَذْهَبٌ، هَذا أخُوهُ الَّذِي هو مالُهُ، كَيْف تَرَوْنَهُ؟ قالُوا: لا نَسْمَعُ طائِلًا يا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِأخِيهِ الآخَرِ: أتَرى ما قَدْ نَزَلَ بِي وما رَدَّ عَلَيَّ أهْلِي ومالِي؟ فَمالِي عِنْدَكَ؟ وما لِي لَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: أنا صاحِبُكَ في لَحْدِكَ، وأنِيسُكَ في وحْشَتِكَ، وأقْعُدُ يَوْمَ الوَزْنِ في مِيزانِكَ فَأُثَقِّلُ مِيزانَكَ. هَذا أخُوهُ الَّذِي هو عَمَلُهُ، كَيْفَ تَرَوْنَهُ؟ قالُوا: خَيْرُ أخٍ وخَيْرُ صاحِبٍ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: فَإنَّ الأمْرَ هَكَذا». وَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصّالِحِ مَثَلُ صاحِبِ المِسْكِ، إمّا أنْ يُحْذِيَكَ وإمّا أنْ يَبِيعَكَ وإمّا أنْ تَجِدَ مِنهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ومَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ صاحِبِ الكِيرِ، إنْ لَمْ يُصِبْكَ مِن شَرَرِهِ أصابَكَ مِن رِيحِهِ»، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «مَثَلُ المُنْفِقِ والبَخِيلِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِما جُبَّتانِ - أوْ جُنَّتانِ - مِن حَدِيدٍ مِن لَدُنْ ثَدْيِهِما إلى تَراقِيِهِما، فَإذا أرادَ المُنْفِقُ أنْ يُنْفِقَ سَبَغَتْ عَلَيْهِ حَتّى يَجُرَّ بَنانَهُ ويَعْفُوَ أثَرَهُ، وإذا أرادَ البَخِيلُ أنْ يُنْفِقَ قُلِّصَتْ ولَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَها فَهو يُوَسِّعُها ولا تَتَّسِعُ»، وقالَ: «مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِن أُمَّتِي ويَتَعَجَّلُونَ أُجُورَهم كَمَثَلِ أُمِّ مُوسى تُرْضِعُ ولَدَها وتَأْخُذُ أجْرَها». [فَصْلٌ فائِدَةُ ضَرْبِ الأمْثالِ] قالُوا: فَهَذِهِ وأمْثالُها مِن الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِتَقْرِيبِ المُرادِ، وتَفْهِيمِ المَعْنى، وإيصالِهِ إلى ذِهْنِ السّامِعِ، وإحْضارِهِ في نَفْسِهِ بِصُورَةِ المِثالِ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ، فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ أقْرَبَ إلى تَعَقُّلِهِ وفَهْمِهِ وضَبْطِهِ واسْتِحْضارِهِ لَهُ بِاسْتِحْضارِ نَظِيرِهِ؛ فَإنَّ النَّفْسَ تَأْنَسُ بِالنَّظائِرِ والأشْباهِ الأُنْسَ التّامَّ، وتَنْفِرُ مِن الغُرْبَةِ والوَحْدَةِ وعَدَمِ النَّظِيرِ؛ فَفي الأمْثالِ مِن تَأْنِيسِ النَّفْسِ وسُرْعَةِ قَبُولِها وانْقِيادِها لِما ضُرِبَ لَها مَثَلُهُ مِن الحَقِّ أمْرٌ لا يَجْحَدُهُ أحَدٌ، ولا يُنْكِرُهُ، وكُلَّما ظَهَرَتْ لَها الأمْثالُ ازْدادَ المَعْنى ظُهُورًا ووُضُوحًا، فالأمْثالُ شَواهِدُ المَعْنى المُرادِ، ومُزَكِّيَةٌ لَهُ، فَهي ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وهي خاصَّةُ العَقْلِ ولُبُّهُ وثَمَرَتُهُ. [فَرْقٌ بَيْنَ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ مِن اللَّهِ ورَسُولِهِ وبَيْنَ القِياسِ] وَلَكِنْ أيْنَ في الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ فَهِمْنا أنَّ الصَّداقَ لا يَكُونُ أقَلَّ مِن ثَلاثَةِ دَراهِمَ أوْ عَشَرَةٍ قِياسًا وتَمْثِيلًا عَلى أقَلِّ ما يُقْطَعُ فِيهِ السّارِقُ؟ هَذا بِالألْغازِ والأحاجِي أشْبَهُ مِنهُ بِالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لِلْفَهْمِ، كَما قالَ إمامُ الحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ البُخارِيُّ في جامِعِهِ الصَّحِيحِ: بابُ مَن شَبَّهَ أصْلًا مَعْلُومًا بِأصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُما لِيُفْهِمَ السّامِعَ، فَنَحْنُ لا نُنْكِرُ هَذِهِ الأمْثالَ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ ورَسُولُهُ، ولا نَجْهَلُ ما أُرِيدَ بِها، وإنَّما نُنْكِرُ أنْ يُسْتَفادَ وُجُوبُ الدَّمِ عَلى مَن قَطَعَ مِن جَسَدِهِ أوْ رَأْسِهِ ثَلاثَ شَعَراتٍ أوْ أرْبَعَ مِن قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ قَوْلَهُ ﷺ في صَدَقَةِ الفِطْرِ: «صاعٌ مِن تَمْرٍ أوْ صاعٌ مِن شَعِيرٍ، أوْ صاعٌ مِن أقِطٍ، أوْ صاعٌ مِن بُرٍّ، أوْ صاعٌ مِن زَبِيبٍ»، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ أعْطى صاعًا مِن إهْلِيلِجٍ جازَ، وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ والِاعْتِبارِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «الوَلَدُ لِلْفِراشِ»، يُسْتَفادُ مِنهُ ومِن دَلالَتِهِ أنَّهُ لَوْ قالَ لَهُ الوَلِيُّ بِحَضْرَةِ الحاكِمِ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي - وهو بِأقْصى الشَّرْقِ وهي بِأقْصى الغَرْبِ - فَقالَ: قَبِلْتُ هَذا التَّزْوِيجَ وهي طالِقٌ ثَلاثًا، ثُمَّ جاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَلَدٍ لِأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ أنَّهُ ابْنُهُ، وقَدْ صارَتْ فِراشًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: " قَبِلْتُ هَذا التَّزْوِيجَ " ومَعَ هَذا لَوْ كانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ يَطَؤُها لَيْلًا ونَهارًا لَمْ تَكُنْ فِراشًا لَهُ، ولَوْ أتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ إلّا أنْ يَدَّعِيَهُ ويَسْتَلْحِقَهُ، فَإنْ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ فَلَيْسَ بِوَلَدِهِ. وَأيْنَ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «إنّ في قَتْلِ الخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ ما كانَ بِالسَّوْطِ والعَصا مِائَةً مِن الإبِلِ»، أنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ بِحَجَرِ المَنجَنِيقِ أوْ بُكُورِ الحَدّادِ أوْ بِمَرازِبِ الحَدِيدِ العِظامِ حَتّى خَلَطَ دِماغَهُ بِلَحْمِهِ وعَظْمِهِ أنَّ هَذا خَطَأٌ شِبْهُ عَمْدٍ لا يُوجِبُ قَوَدًا، وأيْنَ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنْ المُسْلِمِينَ ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإنْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإنَّ الإمامَ أنْ يُخْطِئَ في العَفْوِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يُخْطِئَ في العُقُوبَةِ»، أنَّ مِن عَقَدَ عَلى أُمِّهِ أوْ ابْنَتِهِ أوْ أُخْتِهِ ووَطِئَها فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، وأنَّ هَذا مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: «ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ» فَهَذا في مَعْنى الشُّبْهَةِ الَّتِي تُدْرَأُ بِها الحُدُودُ، وهي الشُّبْهَةُ في المَحَلِّ، أوْ في الفاعِلِ، أوْ في الِاعْتِقادِ، ولَوْ عَرَضَ هَذا عَلى فَهْمٍ مِن فَرْضٍ مِن العالَمِينَ لَمْ يَفْهَمْهُ مِن هَذا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، وأنَّ مَن يَطَأُ خالَتَهُ أوْ عَمَّتَهُ بِمِلْكِ اليَمِينِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّها خالَتُهُ أوْ عَمَّتُهُ، وتَحْرِيمِ اللَّهِ لِذَلِكَ، ويُفْهَمُ هَذا مِن «، ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ»، وأضْعافُ أضْعافِ هَذا مِمّا لا يَكادُ يَنْحَصِرُ. فَهَذا التَّمْثِيلُ والتَّشْبِيهُ هو الَّذِي نُنْكِرُهُ، ونُنْكِرُ أنْ يَكُونَ في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ دَلالَةٌ عَلى فَهْمِهِ بِوَجْهٍ ما. قالُوا: ومِن أيْنَ يُفْهَمُ مِن قَوْله تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦]، ومِن قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢]، تَحْرِيمُ بَيْعِ الكِشْكِ بِاللَّبَنِ، وبَيْعِ الخَلِّ بِالعِنَبِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؟ قالُوا: وقَدْ قالَ - تَعالى -: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، ولَمْ يَقُلْ " إلى قِياساتِكم وآرائِكم " ولَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ أراءَ الرِّجالِ وأقْيِسَتَها حاكِمَةً بَيْنَ الأُمَّةِ أبَدًا. وَقالُوا: وقَدْ قالَ - تَعالى -: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فَإنَّما مَنَعَهم مِن الخِيَرَةِ عِنْدَ حُكْمِهِ وحُكْمِ رَسُولِهِ، لا عِنْدَ آراءِ الرِّجالِ وأقْيِسَتِهِمْ وظُنُونِهِمْ، وقَدْ أمَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ بِاتِّباعِ ما أوْحاهُ إلَيْهِ خاصَّةً وقالَ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقالَ: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقالَ - تَعالى -: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، قالُوا: فَدَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ مِن الدِّينِ فَهو شَرْعُ غَيْرِهِ الباطِلِ. قالُوا: وقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - أنَّ كُلَّ ما سَكَتَ عَنْ إيجابِهِ أوْ تَحْرِيمِهِ فَهو عَفْوٌ عَفا عَنْهُ لِعِبادِهِ، يُباحُ إباحَةُ العَفْوِ؛ فَلا يَجُوزُ تَحْرِيمُهُ ولا إيجابُهُ قِياسًا عَلى ما أوْجَبَهُ أوْ حَرَّمَهُ بِجامِعٍ بَيْنَهُما؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ هَذا القِسْمِ بِالكُلِّيَّةِ وإلْغاءَهُ؛ إذْ المَسْكُوتُ عَنْهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُحَرَّمِ شَبَهٌ ووَصْفٌ جامِعٌ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الواجِبِ، فَلَوْ جازَ إلْحاقُهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قِسْمٌ قَدْ عُفِيَ عَنْهُ، ولَمْ يَكُنْ ما سَكَتَ عَنْهُ قَدْ عَفا عَنْهُ، بَلْ يَكُونُ ما سَكَتَ عَنْهُ قَدْ حَرَّمَهُ قِياسًا عَلى ما حَرَّمَهُ، وهَذا لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَحْرِيمُ ما سَكَتَ عَنْهُ تَبْدِيلًا لِحُكْمِهِ، وقَدْ ذَمَّ - تَعالى - مَن بَدَّلَ غَيْرَ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ بِهِ؛ فَمَن بَدَّلَ غَيْرَ الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ فَهو أوْلى بِالذَّمِّ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنّ مِن أعْظَمِ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ عَلى النّاسِ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» فَإذا كانَ هَذا فِيمَن تَسَبَّبَ إلى تَحْرِيمِ الشّارِعِ صَرِيحًا بِمَسْألَتِهِ عَنْ حُكْمِ ما سَكَتَ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن حَرَّمَ السُّكُوتَ عَنْهُ بِقِياسِهِ وبِرَأْيِهِ؟ يُوَضِّحُهُ أنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ لَمّا كانَ عَفْوًا عَفا اللَّهُ لِعِبادِهِ عَنْهُ، وكانَ البَحْثُ عَنْهُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ إيّاهُ لِما فِيهِ مِن مُقْتَضى التَّحْرِيمِ، لا لِمُجَرَّدِ السُّؤالِ عَنْ حُكْمِهِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ عَفا عَنْ ذَلِكَ وسامَحَ بِهِ عِبادَهُ كَما يَعْفُو عَمّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ مِن أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ؛ فَمِن المَعْلُومِ أنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذِكْرِ لَفْظٍ عامٍّ يُحَرِّمُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَفْوٌ عَنْهُ، فَمَن حَرَّمَهُ بِسُؤالِهِ عَنْ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وقِياسِهِ عَلى المُحَرَّمِ بِالنَّصِّ كانَ أدْخَلَ في الذَّمِّ مِمَّنْ سَألَهُ عَنْ حُكْمِهِ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ فَحَرُمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ، بَلْ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَبْحَثَ عَنْهُ، ولا يَسْألَ عَنْ حُكْمِهِ، اكْتِفاءً بِسُكُوتِ اللَّهِ عَنْ عَفْوِهِ عَنْهُ؛ فَهَكَذا الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يُحَرِّمَ المَسْكُوتَ عَنْهُ بِغَيْرِ النَّصِّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ أصْلَهُ الَّذِي يُلْحَقُ بِهِ. قالُوا: وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا كِتابُ اللَّهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِكَثْرَةِ مَسائِلِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»، فَأمَرَهم أنْ يَتْرُكُوهُ مِن السُّؤالِ ما تَرَكَهُمْ، ولا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ أنْ نَتْرُكَهُ ﷺ وما نَصَّ عَلَيْهِ، فَلا نَقُولَ لَهُ: لِمَ حَرَّمَتْ كَذا؟ لِنُلْحِقَ بِهِ ما سَكَتَ عَنْهُ، بَلْ هَذا أبْلَغُ في المَعْصِيَةِ مِن أنْ نَسْألَهُ عَنْ حُكْمِ شَيْءٍ لَمْ يَحْكم فِيهِ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ واضِحٌ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في نَفْسِ الحَدِيثِ «وَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»، فَجَعَلَ الأُمُورَ ثَلاثَةً، لا رابِعَ لَها: مَأْمُورٌ بِهِ، فالفَرْضُ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ بِحَسَبِ الِاسْتِطاعَةِ، ومَنهِيٌّ عَنْهُ، فالفَرْضُ عَلَيْهِمْ اجْتِنابُهُ بِالكُلِّيَّةِ، ومَسْكُوتٌ عَنْهُ؛ فَلا يُتَعَرَّضُ لِلسُّؤالِ والتَّفْتِيشِ عَنْهُ. وهَذا حُكْمٌ لا يَخْتَصُّ بِحَياتِهِ فَقَطْ، ولا يَخُصُّ الصَّحابَةَ دُونَ مَن بَعْدَهُمْ، بَلْ فُرِضَ عَلَيْنا نَحْنُ امْتِثالُ أمْرِهِ بِحَسَبِ الِاسْتِطاعَةِ، واجْتِنابُ نَهْيِهِ، وتَرْكُ البَحْثِ والتَّفْتِيشِ عَمّا سَكَتَ عَنْهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ التَّرْكُ جَهْلًا وتَجْهِيلًا لِحُكْمِهِ، بَلْ إثْباتٌ لِحُكْمِ العَفْوِ وهو الإباحَةُ العامَّةُ ورَفْعُ الحَرَجِ عَنْ فاعِلِهِ، فَقَدْ اسْتَوْعَبَ الحَدِيثُ أقْسامَ الدِّينِ كُلَّها، فَإنَّها إمّا واجِبٌ وإمّا حَرامٌ وإمّا مُباحٌ؛ والمَكْرُوهُ والمُسْتَحَبُّ فَرْعانِ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ غَيْرُ خارِجَيْنِ عَنْ المُباحِ؛ وقَدْ قالَ - تَعالى -: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، فَوَكَلَ بَيانَهُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لا إلى القَيّاسِينَ والأرائيين، وقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فَقَسَّمَ الحُكْمَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ أذِنَ فِيهِ وهو الحَقُّ وقِسْمٍ افْتُرِيَ عَلَيْهِ وهو ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَأيْنَ أذِنَ لَنا أنْ نَقِيسَ البَلُّوطَ عَلى التَّمْرِ في جَرَيانِ الرِّبا فِيهِ؟ وأنْ نَقِيسَ القَصْدِيرَ عَلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والخَرْدَلَ عَلى البُرِّ؟ فَإنْ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وصّانا بِهَذا فَسَمْعًا وطاعَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وإلّا فَإنّا قائِلُونَ لِمُنازِعِينا: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فَما لَمْ تَأْتِنا بِهِ وصِيَّةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَهو عَيْنُ الباطِلِ، وقَدْ أمَرَنا اللَّهُ بِرَدِّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلَيْهِ وإلى رَسُولِهِ ﷺ؛ فَلَمْ يُبِحْ لَنا قَطُّ أنْ نَرُدَّ ذَلِكَ إلى رَأْيٍ ولا قِياسٍ ولا تَقْلِيدِ إمامٍ ولا مَنامٍ ولا كُشُوفٍ ولا إلْهامٍ ولا حَدِيثِ قَلْبٍ ولا اسْتِحْسانٍ ولا مَعْقُولٍ ولا شَرِيعَةِ الدِّيوانِ ولا سِياسَةِ المُلُوكِ، ولا عَوائِدِ النّاسِ الَّتِي لَيْسَ عَلى شَرائِعِ المُسْلِمِينَ أضَرُّ مِنها، فَكُلُّ هَذِهِ طَواغِيتُ، مَن تَحاكَمَ إلَيْها أوْ دَعا مُنازِعَهُ إلى التَّحاكُمِ إلَيْها فَقَدْ حاكَمَ إلى الطّاغُوتِ. وَقالَ - تَعالى -: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]، قالُوا: ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآيَةَ حَقَّ التَّأمُّلِ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّها نَصٌّ عَلى إبْطالِ القِياسِ وتَحْرِيمِهِ؛ لِأنَّ القِياسَ كُلَّهُ ضَرْبُ الأمْثالِ لِلدَّيْنِ، وتَمْثِيلُ ما لا نَصَّ فِيهِ بِما فِيهِ نَصٌّ، ومَن مَثَّلَ ما لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ أوْ إيجابِهِ بِما حَرَّمَهُ أوْ أوْجَبَهُ فَقَدْ ضَرَبَ لِلَّهِ الأمْثالَ، ولَوْ عَلِمَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ مِثْلُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ لَأعْلَمَنا بِهِ، ولَما أغْفَلَهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ولْيُبَيِّنْ لَنا ما نَتَّقِي كَما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ إذْ يَقُولُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ولَمّا وكَلَهُ إلى آرائِنا ومَقايِيسِنا الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُها بَعْضًا، فَهَذا يَقِيسُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ عَلى ما يَزْعُمُ أنَّهُ نَظِيرُهُ فَيَجِيءُ مُنازِعُهُ فَيَقِيسُ ضِدَّ قِياسِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ويُبْدِي مِن الوَصْفِ الجامِعِ مِثْلَ ما أبْداهُ مُنازِعُوهُ أوْ أظْهَرَ مِنهُ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ القِياسانِ مَعًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَيْسَ أحَدُهُما أوْلى مِن الآخَرِ، فَلَيْسا مِن عِنْدِهِ، وهَذا وحْدَهُ كافٍ في إبْطالِ القِياسِ. وَقَدْ قالَ - تَعالى -: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقالَ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فَكُلُّ ما بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَنْ رَبِّهِ - سُبْحانَهُ - بَيَّنَهُ بِأمْرِهِ وإذْنِهِ، وقَدْ عَلِمْنا يَقِينًا وُقُوعَ كُلِّ اسْمٍ في اللُّغَةِ عَلى مُسَمّاهُ فِيها، وأنَّ اسْمَ البُرِّ لا يَتَناوَلُ الخَرْدَلَ، واسْمَ التَّمْرِ لا يَتَناوَلُ البَلُّوطَ، واسْمَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ لا يَتَناوَلُ القَصْدِيرَ، وأنَّ تَقْدِيرَ نِصابِ السَّرِقَةِ لا يَدْخُلُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَهْرِ، وأنَّ تَحْرِيمَ أكْلِ المَيْتَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ الطَّيِّبَ عِنْدَ اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتًا إذا ماتَ صارَ نَجَسًا خَبِيثًا، وأنَّ هَذا عَنْ البَيانِ الَّذِي ولّاهُ اللَّهُ رَسُولَهُ وبَعَثَهُ بِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ وأشَدَّهُ مُنافاةً لَهُ، فَلَيْسَ هو مِمّا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ قَطْعًا، فَلَيْسَ إذًا مِن الدِّينِ. وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «، ما بَعَثَ اللَّهُ مِن نَبِيٍّ إلّا كانَ حَقًّا عَلَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلى خَيْرِ ما يَعْلَمُهُ لَهُمْ، ويَنْهاهم عَنْ شَرِّ ما يَعْلَمُهُ لَهُمْ»، ولَوْ كانَ الرَّأْيُ والقِياسُ خَيْرًا لَهم لَدَلَّهم عَلَيْهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ، ولَقالَ لَهُمْ: إذا أوْجَبْتُ عَلَيْكم شَيْئًا أوْ حَرَّمْتُهُ فَقِيسُوا عَلَيْهِ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ وصْفٌ جامِعٌ أوْ ما أشْبَهَهُ، أوْ قالَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ يَسْتَلْزِمُهُ، ولَما حَذَّرَهم مِن ذَلِكَ أشَدَّ الحَذَرِ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ -، وقَدْ أحْكَمَ اللِّسانُ كُلَّ اسْمٍ عَلى مُسَمّاهُ لا عَلى غَيْرِهِ، وإنَّما بَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي يَفْهَمُها العَرَبُ مِن لِسانِها، فَإذا نَصَّ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ أوْ نَصَّ رَسُولُهُ عَلى اسْمٍ مِن الأسْماءِ وعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمًا مِن الأحْكامِ وجَبَ ألّا يُوقَعَ ذَلِكَ الحُكْمُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ذَلِكَ الِاسْمُ، ولا يَتَعَدّى بِهِ الوَضْعَ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِيهِ، ولا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ الحُكْمِ شَيْءٌ مِمّا يَقْتَضِيهِ الِاسْمُ؛ فالزِّيادَةُ عَلى ذَلِكَ زِيادَةٌ في الدِّينِ، والنَّقْصُ مِنهُ نَقْصٌ في الدِّينِ؛ فالأوَّلُ القِياسُ، والثّانِي التَّخْصِيصُ الباطِلُ، وكِلاهُما لَيْسَ مِن الدِّينِ، ومَن لَمْ يَقِفْ مَعَ النُّصُوصِ فَإنَّهُ تارَةً يَزِيدُ في النَّصِّ ما لَيْسَ مِنهُ ويَقُولُ: هَذا قِياسٌ، ومَرَّةً يَنْقُصُ مِنهُ بَعْضَ ما يَقْتَضِيهِ ويُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِهِ ويَقُولُ: هَذا تَخْصِيصٌ، ومَرَّةً يَتْرُكُ النَّصَّ جُمْلَةً ويَقُولُ: لَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهِ، أوْ يَقُولُ: هَذا خِلافُ القِياسِ، أوْ خِلافُ الأُصُولِ. قالُوا: ولَوْ كانَ القِياسُ مِن الدِّينِ لَكانَ أهْلُهُ أتْبَعَ النّاسِ لِلْأحادِيثِ، وكانَ كُلَّما تَوَغَّلَ فِيهِ الرَّجُلُ [فِيهِ] كانَ أشَدَّ اتِّباعًا لِلْأحادِيثِ والآثارِ. قالُوا: ونَحْنُ نَرى أنَّ كُلَّما اشْتَدَّ تَوَغُّلُ الرَّجُلِ فِيهِ اشْتَدَّتْ مُخالَفَتُهُ لِلسُّنَنِ، ولا نَرى خِلافَ السُّنَنِ والأُثّارِ إلّا عِنْدَ أصْحابِ الرَّأْيِ والقِياسِ، فَلِلَّهِ كَمْ مِن سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ قَدْ عُطِّلَتْ بِهِ؟، وكَمْ مِن أثَرٍ دُرِسَ حُكْمُهُ بِسَبَبِهِ؟ فالسُّنَنُ والآثارُ عِنْدَ والأرائيين والقِياسِيِّينَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، مُعَطَّلَةٌ أحْكامُها، مَعْزُولَةٌ عَنْ سُلْطانِها ووِلايَتِها، لَها الِاسْمُ ولِغَيْرِها الحُكْمُ، مِنها السِّكَّةُ والخُطْبَةُ ولِغَيْرِها الأمْرُ والنَّهْيُ، وإلّا فَلِماذا تُرِكَ حَدِيثُ العَرايا، وحَدِيثُ قَسْمِ الِابْتِداءِ وأنَّ لِلزَّوْجَةِ حَقَّ العَقْدِ سَبْعَ لَيالٍ إنْ كانَتْ بِكْرًا وثَلاثًا إنْ كانَتْ ثَيِّبًا ثُمَّ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وحَدِيثُ تَغْرِيبِ الزّانِي غَيْرِ المُحْصَنِ. وَحَدِيثُ الِاشْتِراطِ في الحَجِّ وجَوازِ التَّحَلُّلِ بِالشَّرْطِ، وحَدِيثُ المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ، وحَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في أنَّ كَلامَ النّاسِي والجاهِلِ لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ، وحَدِيثُ دَفْعِ اللُّقَطَةِ إلى مَن جاءَ فَوَصَفَ وِعاءَها ووِكاءَها وعِفاصَها، وحَدِيثُ المُصَرّاةِ، وحَدِيثُ القُرْعَةِ بَيْنَ العَبِيدِ إذا أُعْتِقُوا في المَرَضِ ولَمْ يَحْمِلْهم الثُّلُثُ، وحَدِيثُ خِيارِ المَجْلِسِ، وحَدِيثُ إتْمامِ الصَّوْمِ لِمَن أكَلَ ناسِيًا، وحَدِيثُ إتْمامِ صَلاةِ الصُّبْحِ لِمَن طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وقَدْ صَلّى مِنها رَكْعَةً، وحَدِيثُ الصَّوْمِ عَنْ المَيِّتِ، وحَدِيثُ الحَجِّ عَنْ المَرِيضِ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِهِ، وحَدِيثُ الحُكْمِ بِالقافَةِ. وَحَدِيثُ مَن وجَدَ مَتاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وحَدِيثُ بَيْعِ المُدَبَّرِ، وحَدِيثُ القَضاءِ بِالشّاهِدِ مَعَ اليَمِينِ، وحَدِيثُ الوَلَدِ لِلْفِراشِ إذا كانَ مِن أمَةٍ وهو سَبَبُ الحَدِيثِ، وحَدِيثُ تَخْيِيرِ الغُلامِ بَيْنَ أبَوَيْهِ إذا افْتَرَقا، وحَدِيثُ قَطْعِ السّارِقِ في رُبْعِ دِينارٍ وحَدِيثُ رَجْمِ الكِتابِيَّيْنِ في الزِّنا، وحَدِيثُ مَن تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ أُمِرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ وأخْذِ مالِهِ، وحَدِيثُ " لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ "، وحَدِيثُ " لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ "، وحَدِيثُ " لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ ". وَحَدِيثُ المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ، وحَدِيثُ " أعْتَقَ صَفِيَّةَ وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها " وحَدِيثُ أصْدِقْها ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ "، وحَدِيثُ إباحَةِ لُحُومِ الخَيْلِ، وحَدِيثُ " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ "، وحَدِيثُ " لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ "، وحَدِيثُ المُزارَعَةِ والمُساقاةِ، وحَدِيثُ " ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ "، وحَدِيثُ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ تَخْلِيلِ الخَمْرِ، وحَدِيثُ قِسْمَةُ الغَنِيمَةِ لِلرّاجِلِ سَهْمٌ ولِلْفارِسِ ثَلاثَةٌ، وحَدِيثُ " لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ "، وأحادِيثُ حُرْمَةِ المَدِينَةِ، وحَدِيثُ إشْعارِ الهَدْيِ، وحَدِيثُ " إذا لَمْ يَجِدْ المُحْرِمُ الإزارَ فَلْيَلْبَسْ السَّراوِيلَ "، وحَدِيثُ مَنعِ الرَّجُلِ مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ وأنَّهُ جَوْرٌ لا تَجُوزُ الشَّهادَةُ عَلَيْهِ، وحَدِيثُ " أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ "، وحَدِيثُ القَسامَةِ، وحَدِيثُ الوُضُوءِ مِن لُحُومِ الإبِلِ، وأحادِيثُ المَسْحِ عَلى العِمامَةِ. وَحَدِيثُ الأمْرِ بِإعادَةِ الصَّلاةِ لِمَن صَلّى خَلْفَ الصَّفِّ وحْدَهُ، وحَدِيثُ " مَن دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ يُصَلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ "، وحَدِيثُ الصَّلاةِ عَلى الغائِبِ، وحَدِيثُ الجَهْرِ بِآمِينَ في الصَّلاةِ، وحَدِيثُ جَوازِ رُجُوعِ الأبِ فِيما وهَبَهُ لِوَلَدِهِ ولا يَرْجِعُ غَيْرُهُ، وحَدِيثُ الكَلْبِ الأسْوَدِ يَقْطَعُ الصَّلاةَ، وحَدِيثُ الخُرُوجِ إلى العِيدِ مِن الغَدِ إذا عَلِمَ بِالعِيدِ بَعْدَ الزَّوالِ، وحَدِيثُ نَضْحِ بَوْلِ الغُلامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعامَ، وحَدِيثُ الصَّلاةِ عَلى القَبْرِ، وحَدِيثُ مَن زَرَعَ في أرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِن الزَّرْعِ شَيْءٌ ولَهُ نَفَقَتُهُ. وَحَدِيثُ بَيْعِ جابِرٍ بَعِيرَهُ واشْتِراطِ ظَهْرِهِ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّباعِ، وحَدِيثُ لا يَمْنَعُ أحَدُكم جارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدارِهِ، وحَدِيثُ أنَّ أحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ تُوُفُّوا بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجُ، وحَدِيثُ مَن باعَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ فَمالُهُ لِلْبائِعِ، وحَدِيثُ إذا أسْلَمَ وتَحْتَهُ أُخْتانِ اخْتارَ أيَّتَهما شاءَ، وحَدِيثُ الوِتْرِ عَلى الرّاحِلَةِ، وحَدِيثُ كُلُّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ حَرامٌ، وحَدِيثُ مِن السُّنَّةِ وضْعُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى في الصَّلاةِ، وحَدِيثُ لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيها صُلْبَهُ مِن رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، وأحادِيثُ رَفْعِ اليَدَيْنِ في الصَّلاةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ والرَّفْعِ مِنهُ، وأحادِيثُ الِاسْتِفْتاحِ. وَحَدِيثُ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَكْتَتانِ في الصَّلاةِ وحَدِيثُ تَحْرِيمُها التَّكْبِيرُ وتَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ، وحَدِيثُ حَمْلِ الصِّبْيَةِ في الصَّلاةِ، وأحادِيثُ القُرْعَةِ، وأحادِيثُ العَقِيقَةِ، وحَدِيثُ لَوْ أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وحَدِيثُ أيَدَعُ يَدَهُ في فِيكَ تَقْضِمُها كَما يَقْضِمُ الفَحْلُ، وحَدِيثُ إنّ بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الذَّبْحِ بِالسِّنِّ والظُّفْرِ، وحَدِيثُ صَلاةِ الكُسُوفِ والِاسْتِسْقاءِ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ، وحَدِيثُ المُحْرِمُ إذا ماتَ لَمْ يُخَمَّرْ رَأْسُهُ ولَمْ يُقَرَّبْ طِيبًا، إلى أضْعافِ ذَلِكَ مِن الأحادِيثِ الَّتِي كانَ تَرْكُها مِن أجْلِ القَوْلِ بِالقِياسِ والرَّأْيِ؟ فَلَوْ كانَ القِياسُ حَقًّا لَكانَ أهْلُهُ أتْبَعَ الأُمَّةِ لِلْأحادِيثِ ولا حُفِظَ لَهم تَرْكُ حَدِيثٍ واحِدٍ إلّا لِنَصٍّ ناسِخٍ لَهُ، فَحَيْثُ رَأيْنا كُلَّ مَن كانَ أشَدَّ تَوَغُّلًا في القِياسِ والرَّأْيِ كانَ أشَدَّ مُخالَفَةً لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ عَلِمْنا أنَّ القِياسَ لَيْسَ مِن الدِّينِ، وأنَّ شَيْئًا تُتْرَكُ لَهُ السُّنَنُ لَأبْيَنُ شَيْءٍ مُنافاةً لِلدِّينِ، فَلَوْ كانَ القِياسُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَطابَقَ السُّنَّةَ أعْظَمَ مُطابَقَةٍ، ولَمْ يُخالِفْ أصْحابُهُ حَدِيثًا واحِدًا مِنها، ولَكانُوا أسْعَدَ بِها مِن أهْلِ الحَدِيثِ، فَلْيُرُوا أهْلَ الحَدِيثِ والأثَرِ حَدِيثًا واحِدًا صَحِيحًا قَدْ خالَفُوهُ كَما أرَيْناهم آنِفًا ما خالَفُوهُ مِن السُّنَّةِ بِجَرِيرَةِ القِياسِ. قالُوا: وقَدْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى أهْلِ الكِتابِ وعَلَيْنا بَعْدَهم أنْ لا نَقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الأقْيِسَةُ المُتَعارِضَةُ المُتَناقِضَةُ الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُها بَعْضًا بِحَيْثُ لا يَدْرِي النّاظِرُ فِيها أيُّها الصَّوابُ حَقًّا لَكانَتْ مُتَّفِقَةً يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا كالسُّنَّةِ الَّتِي يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، وقالَ - تَعالى -: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ [يونس: ٨٢]، لا بِآرائِنا ولا مَقايِيسِنا، وقالَ: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَما لَمْ يَقُلْهُ - سُبْحانَهُ - ولا هَدى إلَيْهِ فَلَيْسَ مِن الحَقِّ، وقالَ - تَعالى -: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠]، فَقَسَّمَ الأُمُورَ إلى قِسْمَيْنِ لا ثالِثَ لَهُما: إتْباعٌ لِما دَعا إلَيْهِ الرَّسُولُ، واتِّباعُ الهَوى. [فَصْلٌ لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ بِالقِياسِ بَلْ نَهى عَنْهُ] والرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَدَعْ أُمَّتَهُ إلى القِياسِ قَطُّ، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ أنْكَرَ عَلى عُمَرَ وأُسامَةَ مَحْضَ القِياسِ في شَأْنِ الحُلَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ أرْسَلَ بِهِما إلَيْهِما فَلَبِسَها أُسامَةُ قِياسًا لِلُّبْسِ عَلى التَّمَلُّكِ والِانْتِفاعِ والبَيْعِ وكِسْوَتِها لِغَيْرِهِ، ورَدَّها عُمَرُ قِياسًا لِتَمَلُّكِها عَلى لُبْسِها، فَأُسامَةُ أباحَ، وعُمَرُ حَرَّمَ قِياسًا، فَأبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ واحِدٍ مِن القِياسَيْنِ، «وَقالَ لِعُمَرَ: إنّما بَعَثْتُ بِها إلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِها»، «وَقالَ لِأُسامَةَ إنِّي لَمْ أبْعَثْها إلَيْكَ لِتَلْبِسَها، ولَكِنْ بَعَثْتُها إلَيْكَ لِتُشَقِّقَها خُمُرًا لِنِسائِكَ»، والنَّبِيُّ ﷺ إنّما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ في الحَرِيرِ بِالنَّصِّ عَلى تَحْرِيمِ لُبْسِهِ فَقَطْ، فَقاسا قِياسًا أخْطَأ فِيهِ، فَأحَدُهُما قاسَ اللُّبْسَ عَلى المِلْكِ، وعُمَرُ قاسَ التَّمَلُّكَ عَلى اللُّبْسِ، والنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أنَّ ما حَرَّمَهُ مِن اللُّبْسِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ، وما أباحَهُ مِن التَّمَلُّكِ لا يَتَعَدّى إلى اللُّبْسِ، وهَذا عَيْنُ إبْطالِ القِياسِ. وَصَحَّ عَنْهُ ما رَواهُ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «، إنّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، ونَهى عَنْ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمَةً لَكم غَيْرَ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها»، وهَذا الخِطابُ كَما يَعُمُّ أوَّلُهُ لِلصَّحابَةِ ولِمَن بَعْدَهم فَهَكَذا آخِرُهُ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ نَبْحَثَ عَمّا سَكَتَ عَنْهُ لِيُحَرِّمَهُ أوْ يُوجِبَهُ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ثنا عِيسى بْنُ يُونُسَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عُثْمانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى بِضْعٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، أعْظَمُها فِتْنَةً عَلى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُحِلُّونَ الحَرامَ، ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ». قالَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ، فَذَكَرَهُ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم أئِمَّةٌ ثِقاتٌ حُفّاظٌ إلّا جَرِيرَ بْنَ عُثْمانَ فَإنَّهُ كانَ مُنْحَرِفًا عَنْ عَلِيٍّ، ومَعَ هَذا فاحْتَجَّ بِهِ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، وقَدْ رَوى عَنْهُ أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ مِن الِانْحِرافِ عَنْ عَلِيٍّ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ إمامٌ جَلِيلٌ، وكانَ سَيْفًا عَلى الجَهْمِيَّةِ، رَوى عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صِحَّةٌ تَقْرُبُ مِن التَّواتُرِ أنَّهُ قالَ «، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِكَثْرَةِ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ، وما أمَرْتُكم بِهِ فَأتَوْا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»، فَتَضَمَّنَ هَذا الحَدِيثُ أنَّ ما أمَرَ بِهِ أمْرَ إيجابٍ فَهو واجِبٌ، وما نَهى عَنْهُ فَهو حَرامٌ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ مُباحٌ فَبَطَلَ ما سِوى ذَلِكَ، والقِياسُ خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ؛ فَيَكُونُ باطِلًا، والمَقِيسُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ بِلا رَيْبٍ؛ فَيَكُونُ عَفْوًا بِلا رَيْبٍ، فَإلْحاقُهُ بِالمُحَرَّمِ تَحْرِيمٌ لِما عَفا اللَّهُ عَنْهُ. ، وفي قَوْلِهِ «، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ» بَيانٌ جَلِيٌّ أنَّ ما لا نَصَّ فِيهِ فَلَيْسَ بِحَرامٍ ولا واجِبٍ، ودَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ أوامِرَهُ عَلى الوُجُوبِ حَتّى يَجِيءَ ما يَرْفَعُ ذَلِكَ، أوْ يُبَيِّنُ أنَّ مُرادَهُ النَّدْبُ، وأنَّ ما لا نَسْتَطِيعُهُ فَساقِطٌ عَنّا. وَقَدْ رَوى ابْنُ المُغَلِّسِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا أبُو قِلابَةَ الرَّقاشِيُّ ثنا أبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرانِيُّ ثنا سَيْفُ بْنُ هارُونَ البُرْجُمِيُّ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أشْياءَ، فَقالَ: الحَلالُ ما أحَلَّ اللَّهُ، والحَرامُ ما حَرَّمَ اللَّهُ وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو مِمّا عَفا عَنْهُ»، وهَذا إسْنادٌ جَيِّدٌ مَرْفُوعٌ، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ. [فصلٌ: مِن فَضْلِ الأئِمَّةِ] والثّانِي: مَعْرِفَةُ فَضْلِ أئِمَّةِ الإسْلامِ ومَقادِيرِهِمْ وحُقُوقِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، وأنَّ فَضْلَهم وعِلْمَهم ونُصْحَهم لِلَّهِ ورَسُولِهِ لا يُوجِبُ قَبُولَ كُلِّ ما قالُوهُ، وما وقَعَ في فَتاوِيهِمْ مِن المَسائِلِ الَّتِي خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيها ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقالُوا بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ والحَقُّ في خِلافِها لا يُوجِبُ إطْراحَ أقْوالِهِمْ جُمْلَةً وتَنَقُّصَهم والوَقِيعَةَ فِيهِمْ؛ فَهَذانِ طَرَفانِ جائِرانِ عَنْ القَصْدِ، وقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُما، فَلا نُؤَثِّمُ ولا نَعْصِمُ، ولا نَسْلُكُ بِهِمْ مَسْلَكَ الرّافِضَةِ في عَلِيٍّ ولا مَسْلَكَهم في الشَّيْخَيْنِ، بَلْ نَسْلُكُ مَسْلَكَهم أنْفُسَهم فِيمَن قَبْلَهم مِن الصَّحابَةِ، فَإنَّهم لا يُؤَثِّمُونَهم ولا يَعْصِمُونَهُمْ، ولا يَقْبَلُونَ كُلَّ أقْوالِهِمْ ولا يُهْدِرُونَها. فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ عَلَيْنا في الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ مَسْلَكًا يَسْلُكُونَهُ هم في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ وسائِرِ الصَّحابَةِ؟ ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لِمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ، وإنَّما يَتَنافَيانِ عِنْدَ أحَدِ رَجُلَيْنِ: جاهِلٍ بِمِقْدارِ الأئِمَّةِ وفَضْلِهِمْ، أوْ جاهِلٍ بِحَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ، ومَن لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرْعِ والواقِعِ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ الرَّجُلَ الجَلِيلَ الَّذِي لَهُ في الإسْلامِ قَدَمٌ صالِحٌ وآثارٌ حَسَنَةٌ وهو مِن الإسْلامِ وأهْلِهِ بِمَكانٍ قَدْ تَكُونُ مِنهُ الهَفْوَةُ والزَّلَّةُ هو فِيها مَعْذُورٌ بَلْ ومَأْجُورٌ لِاجْتِهادِهِ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يُتْبَعَ فِيها، ولا يَجُوزُ أنْ تُهْدَرَ مَكانَتُهُ وإمامَتُهُ ومَنزِلَتُهُ مِن قُلُوبِ المُسْلِمِينَ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: كُنْتُ بِالكُوفَةِ فَناظَرُونِي في النَّبِيذِ المُخْتَلِفِ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعالَوْا فَلْيَحْتَجَّ المُحْتَجُّ مِنكم عَمَّنْ شاءَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالرُّخْصَةِ، فَإنْ لَمْ يُبَيِّنْ الرَّدَّ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِسَنَدٍ صَحَّتْ عَنْهُ، فاحْتَجُّوا فَما جاءُوا عَنْ أحَدٍ بِرُخْصَةٍ إلّا جِئْناهم بِسَنَدٍ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ في يَدِ أحَدٍ مِنهم إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، ولَيْسَ احْتِجاجُهم عَنْهُ في شِدَّةِ النَّبِيذِ بِشَيْءٍ يَصِحُّ عَنْهُ، إنّما يَصِحُّ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يَنْتَبِذْ لَهُ في الجَرِّ الأخْضَرِ. قالَ ابْنُ المُبارَكِ: فَقُلْتُ لِلْمُحْتَجِّ عَنْهُ في الرُّخْصَةِ: يا أحْمَقُ، عُدْ إنّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَوْ كانَ هاهُنا جالِسًا فَقالَ: هو لَكَ حَلالٌ، وما وصَفْنا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في الشِّدَّةِ كانَ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَحْذَرَ وتَخْشى. فَقالَ قائِلٌ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فالنَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ - وسَمّى عِدَّةً مَعَهُما - كانُوا يَشْرَبُونَ الحَرامَ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: دَعُوا عِنْدَ المُناظَرَةِ تَسْمِيَةَ الرِّجالِ، فَرُبَّ رَجُلٍ في الإسْلامِ مَناقِبُهُ كَذا وكَذا، وعَسى أنْ تَكُونَ مِنهُ زَلَّةٌ، أفَيَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَحْتَجَّ بِها؟ فَإنْ أبَيْتُمْ فَما قَوْلُكم في عَطاءٍ وطاوُسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ؟ قالُوا: كانُوا خِيارًا، قُلْتُ: فَما قَوْلُكم في الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ؟ قالُوا: حَرامٌ، فَقُلْتُ: إنّ هَؤُلاءِ رَأوْهُ حَلالًا، أفَماتُوا وهم يَأْكُلُونَ الحَرامَ؟ فَبُهِتُوا وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهم. قالَ ابْنُ المُبارَكِ: ولَقَدْ أخْبَرَنِي المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ قالَ: رَآنِي أبِي وأنا أنْشُدُ الشِّعْرَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ لا تَنْشُدُ الشِّعْرَ، فَقُلْتُ: يا أبَتِ كانَ الحَسَنُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ، وكانَ ابْنُ سِيرِينَ يُنْشِدُ، فَقالَ: أيْ بُنَيَّ إنْ أخَذْتُ بِشَرِّ ما في الحَسَنِ وبِشَرِّ ما في ابْنِ سِيرِينَ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ المُبارَكِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ، فَإنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِن أعْيانِ الأئِمَّةِ مِن السّابِقِينَ الأوَّلِينَ ومَن بَعْدَهم إلّا ولَهُ أقْوالٌ وأفْعالٌ خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيها السُّنَّةُ. قُلْتُ: وقَدْ قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في أوَّلِ اسْتِذْكارِهِ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا بابٌ واسِعٌ لا يُحْصى، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَغُضُّ مِن أقْدارِهِمْ، ولا يُسَوِّغُ اتِّباعَهم فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قالَ مُجاهِدٌ والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ومالِكٌ وغَيْرُهُمْ: لَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلّا يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ إلّا النَّبِيَّ ﷺ، وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنْ أخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ، قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هَذا إجْماعٌ لا أعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، وقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في هَذا المَعْنى ما يَنْبَغِي تَأمُّلُهُ. فَرَوى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي لَأخافُ عَلى أُمَّتِي مِن بَعْدِي مِن أعْمالٍ ثَلاثَةٍ، قالُوا: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: إنِّي أخافُ عَلَيْهِمْ مِن زَلَّةِ العالِمِ، ومِن حُكْمِ الجائِرِ، ومِن هَوًى مُتَّبَعٍ». وَقالَ زِيادُ بْنُ حُدَيْرٍ: قالَ عُمَرُ: ثَلاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَلَّةُ عالِمٍ، وجِدالُ مُنافِقٍ بِالقُرْآنِ، وأئِمَّةٌ مُضِلُّونَ. وَقالَ الحَسَنُ: قالَ أبُو الدَّرْداءِ: إنّ مِمّا أخْشى عَلَيْكم زَلَّةَ العالِمِ وجِدالَ المُنافِقِ بِالقُرْآنِ، والقُرْآنُ حَقٌّ، وعَلى القُرْآنِ مَنارٌ كَأعْلامِ الطَّرِيقِ. وَكانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ، قَلَّما يُخْطِئُهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ، هَلَكَ المُرْتابُونَ، إنّ وراءَكم فِتَنًا يَكْثُرُ فِيها المالُ، ويُفْتَحُ فِيها القُرْآنُ، حَتّى يَقْرَأهُ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ والمَرْأةُ والصَّبِيُّ والأسْوَدُ والأحْمَرُ، فَيُوشِكُ أحَدُهم أنْ يَقُولَ: قَدْ قَرَأْتُ القُرْآنَ فَما أظُنُّ أنْ يَتْبَعُونِي حَتّى أبْتَدِعَ لَهم غَيْرَهُ، فَإيّاكم وما ابْتَدَعَ، فَإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وإيّاكم وزَيْغَةَ الحَكِيمِ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِ الحَكِيمِ بِكَلِمَةِ الضَّلالَةِ، وإنَّ المُنافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الحَقِّ، فَتَلَقَّوْا الحَقَّ عَمَّنْ جاءَ بِهِ، فَإنَّ عَلى الحَقِّ نُورًا، قالُوا: كَيْفَ زَيْغَةُ الحَكِيمِ؟ قالَ: هي كَلِمَةٌ تَرُوعُكم وتُنْكِرُونَها وتَقُولُونَ ما هَذِهِ، فاحْذَرُوا زَيْغَتَهُ، ولا تَصُدَّنَّكم عَنْهُ، فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَفِيءَ ويُراجِعَ الحَقَّ، وإنَّ العِلْمَ والإيمانَ مَكانُهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن ابْتَغاهُما وجَدَهُما. وَقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: كَيْفَ أنْتُمْ عِنْدَ ثَلاثٍ: زَلَّةِ عالِمٍ، وجِدالِ مُنافِقٍ بِالقُرْآنِ، ودُنْيا تَقْطَعُ أعْناقَكُمْ؟ فَأمّا زَلَّةُ العالِمِ فَإنْ اهْتَدى فَلا تُقَلِّدُوهُ دِينَكم وتَقُولُونَ نَصْنَعُ مِثْلَ ما يَصْنَعُ فُلانٌ، وإنْ أخْطَأ فَلا تَقْطَعُوا إياسَكم مِنهُ فَتُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطانَ وأمّا مُجادَلَةُ مُنافِقٍ بِالقُرْآنِ فَإنَّ لِلْقُرْآنِ مَنارًا كَمَنارِ الطَّرِيقِ، فَما عَرَفْتُمْ مِنهُ فَخُذُوا وما لَمْ تَعْرِفُوا فَكِلُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وأمّا دُنْيا تَقْطَعُ أعْناقَكم فانْظُرُوا إلى مَن هو دُونَكُمْ، ولا تَنْظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكم. وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ويْلٌ لِلْأتْباعِ مِن عَثَراتِ العالِمِ، قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قالَ: يَقُولُ العالِمُ شَيْئًا بِرَأْيِهِ ثُمَّ يَجِدُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتْرُكُ قَوْلَهُ ثُمَّ يَمْضِي الأتْباعُ، ذَكَرَ أبُو عُمَرَ هَذِهِ الآثارَ كُلَّها وغَيْرَهُ. فَإنْ كُنّا قَدْ حَذَّرْنا زَلَّةَ العالِمِ وقِيلَ لَنا: إنّها مِن أخْوَفِ ما يُخافُ عَلَيْنا، وأُمِرْنا مَعَ ذَلِكَ أنْ لا نَرْجِعَ عَنْهُ، فالواجِبُ عَلى مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ إذا بَلَغَتْهُ مَقالَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ أنْ لا يَحْكِيَها لِمَن يَتَقَلَّدُها، بَلْ يَسْكُتُ عَنْ ذِكْرِها إنْ تَيَقَّنَ صِحَّتَها، وإلّا تَوَقَّفَ في قَبُولِها؛ فَكَثِيرًا ما يُحْكى عَنْ الأئِمَّةِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وكَثِيرٌ مِن المَسائِلِ يُخَرِّجُها بَعْضُ الأتْباعِ عَلى قاعِدَةٍ مَتْبُوعِهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الإمامَ لَوْ رَأى أنَّها تُفْضِي إلى ذَلِكَ لَما التَزَمَها، وأيْضًا فَلازِمُ المَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، وإنْ كانَ لازِمُ النَّصِّ حَقًّا؛ لِأنَّ الشّارِعَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّناقُضُ، فَلازِمُ قَوْلِهِ حَقٌّ، وأمّا مَن عَداهُ فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ الشَّيْءَ ويَخْفى عَلَيْهِ لازِمُهُ، ولَوْ عَلِمَ أنَّ هَذا لازِمُهُ لَما قالَهُ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذا مَذْهَبُهُ، ويَقُولُ ما لَمْ يَقُلْهُ، وكُلُّ مَن لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرِيعَةِ وقَدْرِها وبِفَضْلِ الأئِمَّةِ ومَقادِيرِهِمْ وعِلْمِهِمْ ووَرَعِهِمْ ونَصِيحَتِهِمْ لِلدِّينِ تَيَقَّنَ أنَّهم لَوْ شاهَدُوا أمْرَ هَذِهِ الحِيَلِ وما - أفَضْتَ إلَيْهِ مِن التَّلاعُبِ بِالدِّينِ لَقَطَعُوا بِتَحْرِيمِها. وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ أفْتَوْا مِن العُلَماءِ بِبَعْضِ مَسائِلِ الحِيَلِ وأخَذُوا ذَلِكَ مِن بَعْضِ قَواعِدِهِمْ لَوْ بَلَغَهم ما جاءَ في ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ لَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ يَقِينًا، فَإنَّهم كانُوا في غايَةِ الإنْصافِ، وكانَ أحَدُهم يَرْجِعُ عَنْ رَأْيِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم وإنْ كانُوا كُلُّهم مُجْمِعِينَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الشّافِعِيُّ: إذا صَحَّ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاضْرِبُوا بِقَوْلِي الحائِطَ، وهَذا وإنْ كانَ لِسانُ الشّافِعِيِّ فَإنَّهُ لِسانُ الجَماعَةِ كُلِّهِمْ، ومِن الأُصُولِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْها الأئِمَّةُ أنَّ أقْوالَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُنْتَشِرَةِ لا تُتْرَكُ إلّا بِمِثْلِها. يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ القَوْلَ بِتَحْرِيمِ الحِيَلِ قَطْعِيٌّ لَيْسَ مِن مَسالِكِ الِاجْتِهادِ؛ إذْ لَوْ كانَ مِن مَسالِكِ الِاجْتِهادِ لَمْ يَتَكَلَّمْ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ والأئِمَّةُ في أرْبابِ الحِيَلِ بِذَلِكَ الكَلامِ الغَلِيظِ الَّذِي ذَكَرْنا مِنهُ اليَسِيرَ مِن الكَثِيرِ، وقَدْ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى أنَّها بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ؛ فَلا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَن يُفْتِي بِها، ويَجِبُ نَقْضُ حُكْمِهِ، ولا يَجُوزُ الدَّلالَةُ لِلْمُقَلِّدِ عَلى مَن يُفْتِي بِها، وقَدْ نَصَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الأئِمَّةِ، كَما أنَّ المَكِّيِّينَ والكُوفِيِّينَ لا يَجُوزُ تَقْلِيدُهم في مَسْألَةِ المُتْعَةِ والصَّرْفِ والنَّبِيذِ، ولا يَجُوزُ تَقْلِيدُ بَعْضِ المَدَنِيِّينَ في مَسْألَةِ الحُشُوشِ وإتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ بَلْ عِنْدَ فُقَهاءِ الحَدِيثِ أنَّ مَن شَرِبَ النَّبِيذَ المُخْتَلِفَ فِيهِ حُدَّ، وهَذا فَوْقَ الإنْكارِ بِاللِّسانِ، بَلْ عِنْدَ فُقَهاءِ أهْلِ المَدِينَةِ يُفَسَّقُ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ مَن قالَ: لا إنْكارَ في المَسائِلِ المُخْتَلَفِ فِيها، وهَذا خِلافُ إجْماعِ الأئِمَّةِ، ولا يُعْلَمُ إمامٌ مِن أئِمَّةِ الإسْلامِ قالَ ذَلِكَ، وقَدْ نَصَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى أنَّ مَن تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِن الزِّنا يُقْتَلُ، والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ ومالِكٌ لا يَرَوْنَ خِلاف أبِي حَنِيفَةَ فِيمَن تَزَوَّجَ أُمَّهُ وابْنَتَهُ أنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهُ الحَدُّ بِشُبْهَةٍ دَراءَةٍ لِلْحَدِّ، بَلْ عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْتَلُ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ يُحَدُّ حَدَّ الزِّنا في هَذا، مَعَ أنَّ القائِلِينَ بِالمُتْعَةِ والصَّرْفِ مَعَهم سُنَّةٌ وإنْ كانَتْ مَنسُوخَةً، وأرْبابُ الحِيَلِ لَيْسَ مَعَهم سُنَّةٌ، ولا أثَرٌ عَنْ صاحِبٍ، ولا قِياسٌ صَحِيحٌ.