Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — النساء 4:65 – المائدة 5:100

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. النساء 4:65
  2. النساء 4:69
  3. النساء 4:70
  4. النساء 4:77
  5. النساء 4:79
  6. النساء 4:80
  7. النساء 4:85
  8. النساء 4:88
  9. النساء 4:90
  10. النساء 4:93
  11. النساء 4:95
  12. النساء 4:96
  13. النساء 4:100
  14. النساء 4:102
  15. النساء 4:104
  16. النساء 4:113
  17. النساء 4:119
  18. النساء 4:125
  19. النساء 4:130
  20. النساء 4:135
  21. النساء 4:142
  22. النساء 4:146
  23. النساء 4:147
  24. النساء 4:148
  25. النساء 4:157
  26. النساء 4:160
  27. النساء 4:163
  28. النساء 4:164
  29. النساء 4:171
  30. النساء 4:176
  31. المائدة 5:2
  32. المائدة 5:3
  33. المائدة 5:4
  34. المائدة 5:6
  35. المائدة 5:13
  36. المائدة 5:14
  37. المائدة 5:18
  38. المائدة 5:21
  39. المائدة 5:22
  40. المائدة 5:23
  41. المائدة 5:31
  42. المائدة 5:32
  43. المائدة 5:33
  44. المائدة 5:34
  45. المائدة 5:38
  46. المائدة 5:41
  47. المائدة 5:44
  48. المائدة 5:48
  49. المائدة 5:54
  50. المائدة 5:67
  51. المائدة 5:77
  52. المائدة 5:83
  53. المائدة 5:90
  54. المائدة 5:95
  55. المائدة 5:97
  56. المائدة 5:100

النساء 4:65

فَأقْسَمَ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ، وحَتّى يَرْتَفِعَ الحَرَجُ مِن نُفُوسِهِمْ مِن حُكْمِهِ، وحَتّى يُسَلِّمُوا لِحُكْمِهِ تَسْلِيمًا. وهَذا حَقِيقَةُ الرِّضا بِحُكْمِهِ. فالتَّحْكِيمُ: في مَقامِ الإسْلامِ. وانْتِفاءُ الحَرَجِ: في مَقامِ الإيمانِ. والتَّسْلِيمُ: في مَقامِ الإحْسانِ. وَمَتّى خالَطَ القَلْبَ بَشاشَةُ الإيمانِ، واكْتَحَلَتْ بَصِيرَتُهُ بِحَقِيقَةِ اليَقِينِ، وحَيّى بِرُوحِ الوَحْيِ، وتَمَهَّدَتْ طَبِيعَتُهُ، وانْقَلَبَتِ النَّفْسُ الأمّارَةُ مُطَمَئِنَّةً راضِيَةً وادِعَةً، وتَلَقّى أحْكامَ الرَّبِّ تَعالى بِصَدْرٍ واسِعٍ مُنْشَرِحٍ مُسْلِمٍ: فَقَدْ رَضِيَ كُلَّ الرِّضا بِهَذا القَضاءِ الدِّينِيِّ المَحْبُوبِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ. (فائدة) أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفى عنهم الحرج وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان. بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمة بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض فهنا قد يحكم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه ولا يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والانقياد إذ قد يحكمه وينتفى الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه والتسليم أخص من انتفاء الحرج فالحرج مانع والتسليم أمر وجودى ولا يلزم من انتفاء حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا من ومن الرضى به والتسليم له فتأمله. وعند هذا يعلم أن الرب تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق وعند الامتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (فوائد أخرى) وقد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان حتى يزول الحرج من نفوسهم بما حكم به في ذلك أيضا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم فقال تعالى ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فأكد ذلك بضروب من التأكيد أحدها: تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بإن. الثاني: القسم بنفسه سبحانه. الثالث: أنه أتى بالمقسم عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث أي لا يقع منهم إيمان ما حتى يحكموك. الرابع: أنه أتى في الغاية بحتى دون إلا المشعرة بأنه لا يوجد الإيمان إلا بعد حصول التحكيم لأن ما بعد حتى يدخل فيما قبلها. الخامس: أنه أتى المحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم وهو قوله ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي في جميع ما تنازعوا فيه من الدقيقة والجليلة. السادس أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه. السابع: أنه أتى به نكرة في سياق النفي أي لا يجدون نوعا من أنواع الحرج البتة. الثامن: أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم فإنها إما مصدرية أي من قضائك أو موصولة أي من الذي قضيته وهذا يتناول كل فرد من أفراد قضائه. التاسع: أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم وهو قدر زائد على التحكيم وانتفاء الحرج فما كل من حكم انتفى عنه الحرج ولا كل من انتفى عنه الحرج يكون مسلما منقادا فإن التسليم يتضمن الرضا بحكمه والانقياد له. العاشر: أنه أكد فعل التسليم بالمصدر المؤكد ونحن نناشد هؤلاء الجهمية بالله الذي لا إله إلا هو هل يجدون في أنفسهم هذا التسليم والانقياد والتحكيم للنصوص وهل هم مع الرسول وما جاء به بهذه المنزلة فوالله إن قلوبهم وألسنتهم وكتبهم لتشهد عليهم بضد ذلك كما يشهد به عليهم المؤمنون والملائكة وأولو العلم والله سبحانه وكفى بالله شهيدا. (فصل) وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (مَنزِلَةُ التَّسْلِيمِ) وَهِيَ نَوْعانِ: تَسْلِيمٌ لِحُكْمِهِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ. وتَسْلِيمٌ لِحُكْمِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ. فَأمّا الأوَّلُ: فَهو تَسْلِيمُ المُؤْمِنِينَ العارِفِينَ. قالَ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ: التَّحْكِيمُ، وسِعَةُ الصَّدْرِ بِانْتِفاءِ الحَرَجِ، والتَّسْلِيمُ. وَأمّا التَّسْلِيمُ لِلْحُكْمِ الكَوْنِيِّ: فَمَزَلَّةُ أقْدامٍ، ومَضَلَّةُ أفْهامٍ. حَيَّرَ الأنامَ، وأوْقَعَ الخِصامَ. وهي مَسْألَةُ الرِّضا بِالقَضاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وبَيَّنّا أنَّ التَّسْلِيمَ لِلْقَضاءِ يُحْمَدُ إذا لَمْ يُؤْمَرِ العَبْدُ بِمُنازَعَتِهِ ودَفْعِهِ. ولَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، كالمَصائِبِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعِها. وَأمّا الأحْكامُ الَّتِي أُمِرَ بِدَفْعِها: فَلا يَجُوزُ لَهُ التَّسْلِيمُ إلَيْها، بَلِ العُبُودِيَّةُ: مُدافَعَتُها بِأحْكامٍ أُخَرَ أحَبِّ إلى اللَّهِ مِنها. [فَصْلٌ: التَّسْلِيمُ الصّادِرُ عَنِ الرِّضا والِاخْتِيارِ] قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": وَفِي التَّسْلِيمِ والثِّقَةِ والتَّفْوِيضِ: ما في التَّوَكُّلِ مِنَ العِلَلِ. وهو مِن أعْلى دَرَجاتِ سُبُلِ العامَّةِ. يَعْنِي أنَّ العِلَلَ الَّتِي في التَّوَكُّلِ مِن مَعانِي الدَّعْوى، ونِسْبَتِهِ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ أوَّلًا، حَيْثُ زَعَمَ أنَّهُ وكَّلَ رَبَّهِ فِيهِ، وتُوَكَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ. وجَعَلَهُ وكِيلَهُ، القائِمَ عَنْهُ بِمَصالِحِهِ الَّتِي كانَ يُحَصِّلُها لِنَفْسِهِ بِالأسْبابِ والتَّصَرُّفاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِلَلِ المُتَقَدِّمَةِ. وقَدْ عَرَفْتَ ما في ذَلِكَ. وَلَيْسَ في التَّسْلِيمِ إلّا عِلَّةٌ واحِدَةٌ: وهي أنْ لا يَكُونَ تَسْلِيمُهُ صادِرًا عَنْ مَحْضِ الرِّضا والِاخْتِيارِ، بَلْ يَشُوبُهُ كُرْهٌ وانْقِباضٌ، فَيُسَلِّمُ عَلى نَوْعِ إغْماضٍ. فَهَذِهِ عِلَّةُ التَّسْلِيمِ المُؤَثِّرَةِ. فاجْتَهِدْ في الخَلاصِ مِنها. وَإنَّما كانَ لِلْعامَّةِ عِنْدَهُ، لِأنَّ الخاصَّةَ في شُغْلٍ عَنْهُ بِاسْتِغْراقِهِمْ بِالفَناءِ في عَيْنِ الجَمْعِ. وجَعْلُ الفَناءِ غايَةَ الِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ الجَمْعِ: هو الَّذِي أوْجَبَ ما أوْجَبَ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

النساء 4:69

(فائدة: تقديم النبيين على الصديقين) فأما تقديم النبيين على الصديقين فلكون الصديق تابعا للنبي ﷺ فإنما استحق اسم الصديق بكمال تصديقه للنبي، فهو تابع محض. وتأمل تقديم الصديقين على الشهداء، لفضل الصديقين عليهم، وتقديم الشهداء على الصالحين لفضلهم عليهم.

النساء 4:70

(فائدة: تقديم النبيين على الصديقين) فأما تقديم النبيين على الصديقين فلكون الصديق تابعا للنبي ﷺ فإنما استحق اسم الصديق بكمال تصديقه للنبي، فهو تابع محض. وتأمل تقديم الصديقين على الشهداء، لفضل الصديقين عليهم، وتقديم الشهداء على الصالحين لفضلهم عليهم.

النساء 4:77

(فائدة) قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخرةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ جمعت بين التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والحض على فعل الخير والزجر عن فعل الشر إذ قوله: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يتضمن حثهم على كسب الخير وزجرهم عن كسب الشر. (موعظة) من عشق الدُّنْيا نظرت إلى قدرها عِنْده فصيرته من خدمها وعبيدها وأذلّته. وَمن أعرض عَنْها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلّت لَهُ.

النساء 4:79

فالحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هاهُنا: النِّعْمَةُ والمُصِيبَةُ، فالنِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِها عَلَيْكَ، والمُصِيبَةُ إنّما نَشَأتْ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وعَمَلِكَ، فالأوَّلُ فَضْلُهُ، والثّانِي عَدْلُهُ، والعَبْدُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ، جارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فِيهِ قَضاؤُهُ. (فصل) والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا النِّعَمُ والمَصائِبُ الَّتِي تُصِيبُ العَبْدَ مِنَ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ " ما أصابَكَ " ولَمْ يَقُلْ " ما أصَبْتَ ". فَكُلُّ نَقْصٍ وبَلاءٍ وشَرٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَسَبَبُهُ الذُّنُوبُ، ومُخالَفَةُ أوامِرِ الرَّبِّ، فَلَيْسَ في العالَمِ شَرٌّ قَطُّ إلّا الذُّنُوبَ ومُوجِباتِها. وَآثارُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في القُلُوبِ والأبْدانِ والأمْوالِ أمْرٌ مَشْهُودٌ في العالَمِ، لا يُنْكِرُهُ ذُو عَقْلٍ سَلِيمٍ، بَلْ يَعْرِفُهُ المُؤْمِنُ والكافِرُ، والبَرُّ والفاجِرُ. وَشُهُودُ العَبْدِ هَذا في نَفْسِهِ وفي غَيْرِهِ، وتَأمُّلُهُ ومُطالَعَتُهُ مِمّا يُقَوِّي إيمانَهُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وبِالثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ هَذا عَدْلٌ مَشْهُودٌ مَحْسُوسٌ في هَذا العالَمِ، ومَثُوباتٌ وعُقُوباتٌ عاجِلَةٌ، دالَّةٌ عَلى ما هو أعْظَمُ مِنها لِمَن كانَتْ لَهُ بَصِيرَةٌ، كَما قالَ بَعْضُ النّاسِ: إذا صَدَرَ مِنِّي ذَنْبٌ ولَمْ أُبادِرْهُ ولَمْ أتَدارَكْهُ بِالتَّوْبَةِ انْتَظَرْتُ أثَرَهُ السَّيِّئَ، فَإذا أصابَنِي أوْ فَوْقَهُ أوْ دُونَهُ كَما حَسِبْتُ، يَكُونُ هِجِّيرايَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن شَواهِدِ الإيمانِ وأدِلَّتِهِ، فَإنَّ الصّادِقَ مَتى أخْبَرَكَ أنَّكَ إذا فَعَلْتَ كَذا وكَذا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ المَكْرُوهِ كَذا وكَذا، فَجَعَلْتَ كُلَّما فَعَلْتَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ حَصَلَ لَكَ ما قالَ مِنَ المَكْرُوهِ، لَمْ تَزْدَدْ إلّا عِلْمًا بِصِدْقِهِ وبَصِيرَةً فِيهِ، ولَيْسَ هَذا لِكُلِّ أحَدٍ، بَلْ أكْثَرُ النّاسِ تَرِينَ الذُّنُوبُ عَلى قَلْبِهِ، فَلا يَشْهَدُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولا يَشْعُرُ بِهِ ألْبَتَّةَ. وَإنَّما يَكُونُ هَذا القَلْبُ فِيهِ نُورُ الإيمانِ، وأهْوِيَةُ الذُّنُوبِ والمَعاصِي تَعْصِفُ فِيهِ، فَهو يُشاهِدُ هَذا وهَذا، ويَرى حالَ مِصْباحِ إيمانِهِ مَعَ قُوَّةِ تِلْكَ الأهْوِيَةِ والرِّياحِ، فَيَرى نَفْسَهُ كَراكِبِ البَحْرِ عِنْدَ هَيَجانِ الرِّياحِ، وتَقَلُّبِ السَّفِينَةِ وتَكَفُّئِها ولاسِيَّما إذا انْكَسَرَتْ بِهِ وبَقِيَ عَلى لَوْحٍ تَلْعَبُ بِهِ الرِّياحُ، فَهَكَذا المُؤْمِنُ يُشاهِدُ نَفْسَهُ عِنْدَ ارْتِكابِ الذُّنُوبِ، إذا أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَقَلْبُهُ في وادٍ آخَرَ. وَمَتى انْفَتَحَ هَذا البابُ لِلْعَبْدِ انْتَفَعَ بِمُطالَعَةِ تارِيخِ العالَمِ، وأحْوالِ الأُمَمِ، ومُجْرَياتِ الخَلْقِ، بَلِ انْتَفَعَ بِمُجْرَياتِ أهْلِ زَمانِهِ وما يُشاهِدُهُ مِن أحْوالِ النّاسِ وفَهِمَ حِينَئِذٍ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] فَكُلُّ ما تَراهُ في الوُجُودِ مِن شَرٍّ وألَمٍ وعُقُوبَةٍ وجَدْبٍ، ونَقْصٍ في نَفْسِكَ وفي غَيْرِكَ فَهو مِن قِيامِ الرَّبِّ تَعالى بِالقِسْطِ، وهو عَدْلُ اللَّهِ وقِسْطُهُ، وإنْ أجْراهُ عَلى يَدِ ظالِمٍ، فالمُسَلِّطُ لَهُ أعْدَلُ العادِلِينَ، كَما قالَ تَعالى لِمَن أفْسَدَ في الأرْضِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ [الإسراء: ٥] الآيَةَ. فالذُّنُوبُ مِثْلُ السُّمُومِ مُضِرَّةٌ بِالذّاتِ، فَإنْ تَدارَكَها مِن سَقْيٍ بِالأدْوِيَةِ المُقاوِمَةِ لَها، وإلّا قَهَرَتِ القُوَّةَ الإيمانِيَّةَ، وكانَ الهَلاكُ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: المَعاصِي بَرِيدُ الكُفْرِ، كَما أنَّ الحُمّى بَرِيدُ المَوْتِ. فَشُهُودُ العَبْدِ نَقْصَ حالِهِ إذا عَصى رَبَّهُ، وتَغَيُّرُ القُلُوبِ عَلَيْهِ، وجُفُولُها مِنهُ، وانْسِدادُ الأبْوابِ في وجْهِهِ، وتَوَعُّرُ المَسالِكِ عَلَيْهِ، وهَوانُهُ عَلى أهْلِ بَيْتِهِ وأوْلادِهِ وزَوْجَتِهِ وإخْوانِهِ. وتَطَلُّبُهُ ذَلِكَ حَتّى يَعْلَمَ مِن أيْنَ أُتِيَ؟ ووُقُوعُهُ عَلى السَّبَبِ المُوجِبِ لِذَلِكَ مِمّا يُقَوِّي إيمانَهُ، فَإنْ أقْلَعَ وباشَرَ الأسْبابَ الَّتِي تُفْضِي بِهِ إلى ضِدِّ هَذِهِ الحالِ، رَأى العِزَّ بَعْدَ الذُّلِّ، والغِنى بَعْدَ الفَقْرِ، والسُّرُورَ بَعْدَ الحُزْنِ، والأمْنَ بَعْدَ الخَوْفِ، والقُوَّةَ في قَلْبِهِ بَعْدَ ضَعْفِهِ ووَهَنِهِ ازْدادَ إيمانًا مَعَ إيمانِهِ، فَتَقْوى شَواهِدُ الإيمانِ في قَلْبِهِ وبَراهِينُهُ وأدِلَّتُهُ في حالِ مَعْصِيَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]. وَصاحِبُ هَذا المَشْهَدِ مَتى تَبَصَّرَ فِيهِ، وأعْطاهُ حَقَّهُ: صارَ مِن أطِبّاءِ القُلُوبِ العالِمِينَ بِدائِها ودَوائِها، فَنَفَعَهُ اللَّهُ في نَفْسِهِ، ونَفَعَ بِهِ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فائدة) وأما ﴿كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ فالباء متعلقة بما تضمنه الخبر عن معنى الأمر بالاكتفاء، لأنك إذا قلت كفى بالله أو كفاك الله زيدا فإنما تريد أن يكتفي هو به فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر فدخلت الباء لهذا السبب فليست زائدة في الحقيقة وإنما هي كقولك حسبك بزيد ألا ترى أن (حسبك) مبتدأ وله خبر ومع الله فقد يجزم الفعل في جوابه فتقول حسبك ينم الناس، فينم جزم على جواب الأمر الذي في ضمن الكلام حكى هذا سيبويه عن العرب. (فصل) ومما يوضح الأمر في ذلك أنه سبحانه لما قال: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ عقب ذلك بقوله: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وذلك يتضمن أشياء منها تنبيه أمته على أن رسوله الذي شهد له بالرسالة إذا أصابه ما يكره فمن نفسه فما الظن بغيره. ومنها أن حجة الله قد قامت عليهم بإرساله فإذا أصابهم سبحانه بما يسوءهم لم يكن ظالما لهم في ذلك لأنه قد أرسل رسوله إليهم يعلمهم بما فيه مصالحهم وما يجلبها لهم وما فيه مضرتهم وما يجلبها لهم فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ومنها أنه سبحانه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات الدالة على صدقه وأنه رسوله حقا فلا يضره جحد هؤلاء الجاهلين الظالمين المتطيرين به لرسالته ومن شهد له رب السماوات والأرض. ومنها أنهم أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتها حجة على إبطال رسالته فشهد له بالرسالة وأخبر أن شهادته كافيه فكان في ضمن ذلك إبطال قولهم أن المصائب من عند الرسول ﷺ وإثبات أنها من عند أنفسهم بطريق الأولى. ومنها إبطال قول الجهمية المجبرة ومن وافقهم في قولهم: إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب. ومنها إبطال قول القدرية الذين يقولون إن أسباب الحسنات والسيئات ليست من الله بل هي من العبد. ومنها ذم من لم يتدبر القرآن ولم يفقهه وإن إعراضه عن تدبره وفقهه يوجب له من الضلال والشقاء بحسب إعراضه. ومنها إثبات الأسباب وإبطال قول من ينفيها ولا يرى لها ارتباطا بمسبباتها. ومنها أن الخير كله من الله والشر كله من النفس فإن الشر هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها مترتبة عليها والله هو الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت نفس العبد سببه بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل الله ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم أن الحسنة من الله والسيئة من رسوله وأبطله بقوله: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه قال في الرد عليهم: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولم يقل من الله لما جمع بين الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه والسيئة إنما تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس كونها سيئة، ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ولم يقل من عند الله فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ثم قال: ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ ولم يقل من عندك لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها والجميع من عند الله فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب والحسنة من الله بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا، ففرق بين ما من الله وبين ما من عنده والشر لا يضاف إلى الله إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما، فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ولا يسمى باسمه وسنذكر في باب دخول الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء الله. (فصل) قال القدري: قال الله سبحانه: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ وعند الجبري أن الكل فعل الله وليس من العبد شيء. قال الجبري: في الكلام استفهام مقدر تقديره أفمن نفسك فهو إنكار لا إثبات وقرأها بعضهم فمن نفسك بفتح الميم ورفع نفسك أي من أنت حتى تفعلها وقال ولا بد من تأويل الآية وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها: ﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعا من عنده لا من عند العبد. قال السني: أخطأتما جميعا في فهم الآية أقبح الخطأ ومنشأ غلطكما إن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد الاختياري وهذا وهم محض في الآية وإنما المراد بها النعم والمصائب ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذا تارة وهذا تارة فقوله تعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ وقوله: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ وقوله: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ وقوله: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ وقوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ المراد في هذا كله النعم والمصائب وأما قوله: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلاَّ مِثْلَها﴾ وقوله: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ والمراد به في هذا كله الأعمال المأمور بها والمنهي عنها وهو سبحانه إنما قال ما أصابك ولم يقل ما أصبت وما كسبت فما يفعله العبد يقال فيه ما أصبت وكسبت وعملت كقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ وكقوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ وقول المذنب التائب يا رسول الله أصبت ذنبا فأقم علي كتاب الله ولا يقال في هذا أصابك ذنب وأصابتك سيئة وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه أصابك كقوله: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ فجمع الله في الآية بين ما أصابوا بفعلهم وكسبهم وما أصابهم مما ليس فعلا لهم وقوله: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ﴾ وقوله: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ وقوله: ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ فقوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ هو من هذا القسم الذي يصيبه العبد لا باختياره. وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه الآية. قال أبو العالية: "وإن تصبكم حسنة هذا في السراء وإن تصبهم سيئة هذ في الضراء". قال السدي: "الحسنة الخصب تنتج مواشيهم وأنعامهم ويحسن حالهم فتلد نساؤهم الغلمان قالوا هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة قال الضر في أموالهم تشاءموا بمحمد وقالوا هذه من عنده قالوا بتركنا ديننا وإتباعنا محمدا أصابنا ما أصابنا فأنزل الله سبحانه ردا عليهم قل كل من عند الله الحسنة والسيئة" وقال الوالبي عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال ما فتح الله عليك يوم بدر وقال أيضا هو الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد شج في وجهه وكسرت رباعيته وقال أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها وقال أيضا ما أصابك من نكبة فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس: "إن تصبك حسنة الخصب وإن تصبك سيئة الجدب والبلاء" وقال ابن قتيبة في هذه الآية: "الحسنة النعمة والسيئة البلية". فإن قيل فقد حكى أبو الفرج ابن الجوزي عن أبي العالية أنه فسر الحسنة والسيئة في هذه الآية بالطاعة والمعصية وهو من أعلم التابعين؟ فالجواب أنه لم يذكر بذلك إسنادا ولا نعلم صحته عن أبي العالية وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي العالية ما تقدم حكايته أن ذلك في السراء والضراء وهذا هو المعروف عن أبي العالية ولم يذكر ابن أبي حاتم عنه غيره وهو الذي حكاه ابن قتيبة عنه وقد يقال أن المعنيين جميعا مرادان باعتبار أن ما يوفقه الله من الطاعات فهو نعمة في حقه أصابته من الله كما قال: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا وما يقع منه من المعصية فهو مصيبة أصابته من الله وإن كان سببها منه والذي يوضح ذلك أن الله سبحانه إذا جعل السيئة هي الجزاء على المعصية من نفس العبد بقوله: ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه فلا منافاة بين أن تكون سيئة العمل من نفسه وسيئة الجزاء من نفسه ولا ينافي ذلك أن يكون الجميع من الله قضاء وقدرا ولكن هو من الله عدل وحكمة ومصلحة وحسن ومن العبد سيئة وقبيح وقد وري عن ابن عباس أنه كان يقرأها: ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ وأنا قدرتها عليك وهذه القراءة زيادة بيان وإلا فقد دل قوله قبل ذلك: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ على السابق القضاء والقدر النافذ والمعاصي قد تكون بعضها عقوبة بعض فيكون لله على المعصية عقوبتان عقوبة بمعصية تتولد منها وتكون الأولى سببا فيها وعقوبة بمؤلم يكون جزاؤها كما في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود عن النبي ﷺ: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى فالأول كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأما قوله: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم. ويحتمل أن يكون منه ويكون قوله ﴿سيهديهم ويصلح بالهم﴾ إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد له كل وقت نوعا من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئا بعد شيء فإن قلت فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا قلت الخبر قوله: ﴿فلن يضل أعمالهم﴾ أي أنه لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها هذا بعد أن قتلوا ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنهم سيقتلون في سبيله وأنهم بذلوا أنفسهم له فلهم جزاآن جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد وجزاء في الآخرة بدخول الجنة فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور المعنى وعدم التباسه وهو في القرآن كثير والله أعلم وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ وقال: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وقال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ وقال: ﴿وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وقال: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ فضمن التمام معنى الإنعام فعداه بعلى أي أنعاما منا على الذي أحسن وهذا جزاء على الطاعات بالطاعات وأما الجزاء بالمعاصي على المعاصي فكقوله: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ وقوله: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ وهو كثير في القرآن وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات أعني المصائب والمعايب من نفس الإنسان وكلاهما بقدر الله فشر النفس هو الذي أوجب هذا وهذا وكان النبي ﷺ يقول في خطبته المعروفة: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا" فشر النفس نوعان: صفة وعمل، والعمل ينشأ عن الصفة والصفة تتأكد وتقوى بالعمل فكل منهما يمد الآخر وسيئات الأعمال نوعان قد فسرهما الحديث أحدهما مساويها وقبائحها فتكون الإضافة فيه من النوع إلى جنسه وهي إضافة بمعنى من أي السيئات من أعمالنا والثاني أنها ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة عمله فيكون من إضافة المسبب إلى سببه وتكون الإضافة على معنى اللام وقد يرجح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ عنها وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيئ المترتب على ذلك فتضمنت الاستعاذة ثلاثة أمور الاستعاذة من العذاب ومن سببه الذي هو العمل ومن سبب العمل الذي هو الصفة وقد يرجح الثاني أن شر النفس يعم النوعين كما تقدم فسيئات الأعمال ما يسوء من جزائها ونبه بقوله: "سيئات أعمالنا" على أن الذي يسوء من الجزاء إنما هو بسبب الأعمال الإرادية لا من الصفات التي ليست من أعمالنا ولما كانت تلك الصفة شرا استعاذ منها وأدخلها في شر النفس وقال الصديق رضي الله تعالى عن النبي ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: "قل اللهم فاطر االسماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوأ أو أجره إلى مسلم قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك". ولما كان الشر له مصدر يبتدئ منه وغاية ينتهي إليها وكان مصدرها إما من نفس الإنسان، وإما من الشيطان، وغايته أن يعود على صاحبه أو على أخيه المسلم تضمن الدعاء هذه المراتب الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأبينه. (فصل) قال السني: فليس لك أيها القدري أن تحتج بالآية التي نحن فيها لمذهبك لوجوه: أحدها: أنك تقول فعل العبد حسنة كان أو سيئة هو منه لا من الله بل الله سبحانه قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات ولكن هذا أحدث من عند نفسه إرادة فعل بها الحسنات وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات وليست واحدة من الإرادتين من إحداث الرب سبحانه ألبتة ولا أوجبتها مشيئته والآية قد فرقت بين الحسنة والسيئة وأنتم لا تفرقون بينهما فإن الله عندكم لم يشأ هذا ولا هذا قال القدري: إضافة إلى نفس العبد لكونه هو الذي أحدثها وأوجدها وأضاف الحسنة إليه سبحانه لكونه هو الذي أمر بها وشرعها قال السني: الله سبحانه أضاف إلى العبد ما أصابه من سيئة وأضاف إلى نفسه ما أصاب العبد من حسنة ومعلوم أن الذي أصاب العبد هو الذي قام به والأمر لم يقم بالعبد وإنما قام به المأمور وهو الذي أصابه فالذي أصابه لا تصح إضافته إلى الرب عندكم والمضاف إلى الرب لم يقم بالعبد فعلم أن الذي أصابه من هذا وهذا أمر قائم به فلو كان المراد به الأفعال الاختيارية من الطاعات والمعاصي لاستوت الإضافة ولم يصح الفرق وإن افترقا في كون أحدهما مأمورا به والآخر منهيا عنه على أن النهي أيضا من الله كما أن الأمر منه فلو كانت الإضافة لأجل الأمر لاستوى المأمور والمنهي في الإضافة لأن هذا مطلوب إيجاده وهذا مطلوب إعدامه قال القدري: أنا أجوز تعلق الطاعة والمعصية بمشيئة الرب سبحانه وإحداثه على وجه الجزاء لا على سبيل الابتداء وذلك أن الله سبحانه يعاقب عبده بما شاء ويثيبه فكما يعاقبه بخلق الجزاء الذي يسوءه وخلق الثواب الذي يسره ولذلك يحسن أن يعاقبه بخلق المعصية وخلق الطاعة فإن هذا يكون عدلا منه وأما أن يخلق فيه الكفر والمعصية ابتداء بلا سبب فمعاذ الله من ذلك قال السني: هذا توسط حسن جدا لا يأباه العقل ولا الشرع ولكن من ابتدأ الأول وليس هو عندك مقدورا لله ولا واقعا بمشيئته فقد أثبت في ملكه ما لا يقدر عليه وأدخلت فيه ما لا يشاء ونقضت أصلك كله فإنك أصلت أن فعل العبد الاختياري قدرة العبد عليه واختياره له ومشيئته تمنع قدرة الرب عليه ومشيئته له وهذا الأصل لا فرق فيه بين الابتدائي والجزائي قال القدري: فالقرآن قد فرق بين النوعين وجعل الكفر والفسوق الثاني جزاء على الأول فعلم أن الأول من العبد قطعا وإلا لم يستقم جعل أحدهما عقوبة على الآخر وقد صرح بذلك في قوله: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ فأضاف نقض الميثاق إليهم وتقسية القلوب إليه فالأول سبب منهم والثاني جزاء منه سبحانه قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فأضاف عدم الإيمان أولا إليهم إذ هو السبب وتقليب القلوب وتركهم في طغيانهم هو الجزاء ومثله قوله: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ والآيات التي سمعتموها آنفا إنما تدل على هذا. قال السني: نعم هذا حق لكن ليس فيه إخراج السبب عن كونه مقدورا للرب سبحانه واقعا بمشيئته ولو شاء لحال بين العبد وبينه ووفقه لضده فهي البقية التي بقيت عليك من القدر كما أن إنكار إثبات الأسباب واقتضائها لمسبباتها وترتبها عليها هي البقية التي بقيت على الجبري في المسألة أيضا وكلاكما مصيب من وجه مخطئ من وجه ولو تخلص كل منكما من البقية التي بقيت عليه لوجدتما روح الوفاق واصطلحتما على الحق وبالله التوفيق. قال القدري: فما تقول أنت أيها السني في العقل الأول إذا لم يكن جزاء فما وجهه وأنت ممن يقول بالحكمة والتعليل وتنزه الرب سبحانه عن الظلم الذي هو ظلم لا ما يقوله الجبري أنه الجمع بين النقيضين قال السني: لا يلزمني في هذ االمقام بيان ذلك فإني لم أنتصب له إنما انتصبت لإبطال احتجاجك بالآية لمذهبك الباطل وقد وفيت به ولله في ذلك حكم وغايات محمودة لا تبلغها عقول العقلاء ومباحث الأذكياء فالله سبحانه إنما يضع فضله وتوفيقه وإمداده في المحل الذي يصلح له وما لا يصلح له من المحال يدعه غفلا فارغا من الهدى والتوفيق فيجري مع طبعه الذي خلق عليه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ قال القدري: فإذا كان الله سبحانه قد أحدث فيهم تلك الإرادة والمشيئة المستلزمة لوجود الفعل كان ذلك إيجادا منه سبحانه لذلك فيهم كما أوجد الهدى والإيمان في أهله. قال السني هذا معترك النزال وتفرق طرق العالم والله سبحانه أعطى العبد مشيئة وقدرة وإرادة تصلح لهذا ولهذا ثم أمد أهل الفضل بأمور وجودية زائدة على ذلك المشترك أوجب له الهداية والإيمان وأمسك ذلك الإمداد عمن علم أنه لا يصلح له ولا يليق به فانصرفت قوى إرادته ومشيئته إلى ضده اختيارا منه ومحبة لا كرها واضطرارا قال القدري: فهل كان يمكنه إرادة ما لم يعن عليه ولم يوفق له بإمداد زائد على خلق الإرادة قال السني: إن أردت بالإمكان أنه يمكنه فعله لو أراده فنعم هو ممكن بهذا الاعتبار مقدور له وإن أردت به أنه ممكن وقوعه بدون مشيئة الرب وإذنه فليس يمكن فإنه ما شاء الله كان ووجب وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده قال القدري: فقد سلمت حينئذ أنه غير ممكن للعبد إذا لم يشأ الله منه أن يفعله فصار غير مقدور للعبد فقد عوقب على ترك ما لا يقدر على فعله. قال السني: عدم إرادة الله سبحانه للعبد ومشيئته أن يفعل لا يوجب كون الفعل غير مقدور له فإنه سبحانه لا يريد من نفسه أن يعينه عليه مع كونه أقدره عليه ولا يلزم من إقداره عليه وقوعه حتى توجد منه إعانة أخرى فانتفاء تلك الإعانة لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا للعبد فإنه قد يكون قادرا على الفعل لكن يتركه كسلا وتهاونا وإيثارا لفعل ضده فلا يصرف الله عنه ترك الواقع ولا يوجب عدم صرفه كونه عاجزا عن الفعل فإن الله سبحانه يعلم أنه قادر عليه بالقدرة التي أقدره بها ويعلم أنه لا يريده مع كونه قادرا عليه فهو سبحانه مريد له ومنه الفعل ولا يريد من نفسه إعانته وتوفيقه وقطع هذه الإعانة والتوفيق لا يخرج الفعل عن كونه مقدورا له وإن جعلته غير مراد وسر المسألة الفرق بين تعلق الإرادة بفعل العبد وتعلقها بفعله هو سبحانه بعده فمن لم يحط معرفة بهذا الفرق لم يكشف له حجاب المسألة قال الجبري: أما أن تقول أن الله علم أن العبد لا يفعل أو لم يعلم ذلك والثاني محال وإذا كان قد علم أنه لا يفعله صار الفعل ممتنعا قطعا إذ لو فعله لا نقلب العلم القديم جهلا قال السني: هذه حجة باطلة من وجوه أحدهما أن هذا بعينه يقال فيما علم الله أنه لا يفعله وهو مقدور له فإنه لا ينفع ألبتة مع كونه مقدورا له فما كان جوابك عن ذلك فهو جوابنا لك وثانيها أن الله سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه فهو يعلم أنه لا يفعله لعدم إرادته له لا لعدم قدرته عليه وثالثها أن العلم كاشف لا موجب وإنما الموجب مشيئة الرب والعلم يكشف حقائق المعلومات. عدنا إلى الكلام على الآية التي احتج بها القدري وبيان أنه لا حجة فيها من ثلاثة أوجه أحدها أنه قال ما أصابك ولم يقل ما أصبت الثاني أن المراد بالحسنة والسيئة النعمة والمصيبة الثالث أنه قال: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فالإنسان هو فاعل السيئات ويستحق علها العقاب والله هو المنعم عليه بالحسنات عملا وجزاء والعادل فيه بالسيئات قضاء وجزاء ولو كان العمل الصالح من نفس العبد كما كان السيئ من نفسه لكان الأمران كلاهما من نفسه والله سبحانه قد فرق بين النوعين وفي الحديث الصحيح الإلهي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". (فصل) قال الجبري: أول الآية محكم وهو قوله ﴿كل من عند الله﴾ وآخرها متشابه وهو قوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قال القدري: آخرها محكم وأولها متشابه؟ قال السني: أخطأتما جميعا بل كلاهما محكم مبين وإنما أتيتما من قلة الفهم في القرآن وتدبره فليس بين اللفظين تناقض لا في المعنى ولا في العبارة فإنه سبحانه وتعالى ذ كر عن هؤلاء الناكلين عن الجهاد أنهم إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا لرسوله ﷺ هذه من عندك أي بسبب ما أمرتنا به من دينك وتركنا ما كنا عليه أصابتنا هذه السيئات لأنك أمرتنا بما أوجبها فالسيئات هاهنا هي المصائب والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هي التي أمروا بها وقولهم في السيئة التي تصيبهم هذه من عندك تتناول مصائب الجهاد التي حصلت لهم من الهزيمة والجراح وقتل من قتل منهم وتتناول مصائب الرزق على وجه التطير والتشاؤم أي أصابنا هذا بسبب دينك كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ أي إذا جاءهم ما يسرون به ويتنعمون به من النعم قالوا نحن أهل ذلك ومستحقوه وإن أصابهم ما يسوءهم قالوا هذا بسبب ما جاء به موسى وقال أهل القرية للمرسلين إنا تطيرنا بكم وقال قوم صالح له عليه السلام اطيرنا بك وبمن معك وكانوا يقولون لما ينالهم من سبب الحرب هذا منك لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة له وللمصائب الحاصلة من غير جهة العدو وهذا أيضا منك أي بسبب مفارقتنا لديننا ودين آبائنا والدخول في طاعتك وهذه حال كل من جعل طاعة الرسول ﷺ سببا لشر أصابه من السماء أو من الأرض وهؤلاء كثير في الناس وهم الأقلون عند الله تعالى قدرا الأرذلون عنده ومعلوم أنهم لم يقولوا هذه من عندك بمعنى أحدثتها ومن فهم هذا يتبين له أن قوله تعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ لا يناقض قوله تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ بل هذا تحقيق له فإنه سبحانه بين أن النعم والمصائب كلها من عنده فهو الخالق لها المقدر لها المبتلي خلقه بها فهي من عنده ليس بعضها من عنده وبعضها خلقا لغيره فكيف يضاف بعضها إلى الرسول ﷺ وبعضها إلى الله تعالى ومعلوم أن الرسول ﷺ لم يحدثها فلم يبق إلا ظنهم أنه سبب لحصولها إما في الجملة كحال أهل التطير وإما في الواقعة المعينة كحال اللائمين له في الجهاد فأبطل الله سبحانه وذلك الوهم الكاذب والظن الباطل وبين أن ما جاء به لا يوجب الشر ألبتة بل الخير كله فيما جاء ﷺ به والشر بسبب أعمالهم وذنوبهم كما قال الرسل عليهم السلام لأهل القرية طائركم معكم ولا يناقض هذا قول صالح عليه السلام لقومه: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ بل هاتان النسبتان نظير هاتين النسبتين في هذه الآية وهي نسبة السيئة إلى نفس العبد ونسبة الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند الله عز وجل فتأمل اتفاق القرآن وتصديق بعضه بعضا فحيث جعل الطائر معهم والسيئة من نفس العبد فهو على وجهة السبب والموجب أي الشر والشؤم الذي أصابكم هو منكم ومهما فإن أسبابه قائمة بكم كما تقول شرك منك وشؤمك فيك يراد به العمل وطائرك معك وحيث جعل ذلك كله من عنده فهو لأنه الخالق له المجازي به عدلا وحكمة فالطائر يراد به العمل وجزاءه فالمضاف إلى العبد العمل والمضاف إلى الرب الجزاء فطائركم معكم طائر العمل وطائركم عند الله الجزاء فما جاءت به الرسل ليس سببا لشيء من المصائب ولا تكون طاعة الله ورسوله سببا لمصيبة قط بل طاعة الله ورسوله لا توجب إلا خيرا في الدنيا والآخرة ولكن قد يصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة الله ورسوله كما لحقهم يوم أحد ويوم حنين وكذلك ما امتحنوا به من الضراء وأذى الكفار لهم ليس هو بسبب نفس إيمانهم ولا هو موجبه وإنما امتحنوا به ليخلص ما فيهم من الشر فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذهب بالنار ليخلص من غشه والنفوس فيها ما هو من مقتضى طبعها فالامتحان يمحص المؤمن من ذلك الذي هو من موجبات طبعه كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ وقال: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ فطاعة الله ورسوله لا تجلب إلا خيرا ومعصيته لا تجلب إلا شرا ولهذا قال سبحانه: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ فإنهم لو فقهوا الحديث لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله الله على رسوله ما يوجب شرا ألبتة ولعلموا أنه سبب كل خير ولو فقهوا لعلموا أن العقول والفطر تشهد بأن مصالح المعاش والمعاد متعلقة بما جاء به الرسول فلو فقهوا القرآن علموا أنه أمرهم بكل خير ونهاهم عن كل شر وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم حسنه بالعقل وأنه كله مصلحة ورحمة ومنفعة وإحسان بخلاف ما يقوله كثير من أهل الكلام الباطل أنه سبحانه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم فيه بل يأمرهم بما فيه مضرة لهم وقول هؤلاء تصديق وتقرير لقول المتطيرين بالرسل. (فصل) ومما يوضح الأمر في ذلك أنه سبحانه لما قال: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ عقب ذلك بقوله: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وذلك يتضمن أشياء منها تنبيه أمته على أن رسوله الذي شهد له بالرسالة إذا أصابه ما يكره فمن نفسه فما الظن بغيره ومنها أن حجة الله قد قامت عليهم بإرساله فإذا أصابهم سبحانه بما يسوءهم لم يكن ظالما لهم في ذلك لأنه قد أرسل رسوله إليهم يعلمهم بما فيه مصالحهم وما يجلبها لهم وما فيه مضرتهم وما يجلبها لهم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ومنها أنه سبحانه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات الدالة على صدقه وأنه رسوله حقا فلا يضره جحد هؤلاء الجاهلين الظالمين المتطيرين به لرسالته ومن شهد له رب السماوات والأرض ومنها أنهم أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتها حجة على إبطال رسالته فشهد له بالرسالة وأخبر أن شهادته كافيه فكان في ضمن ذلك إبطال قولهم أن المصائب من عند الرسول ﷺ وإثبات أنها من عند أنفسهم بطريق الأولى ومنها إبطال قول الجهمية المجبرة ومن وافقهم في قولهم إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب ومنها إبطال قول القدرية الذين يقولون أن أسباب الحسنات والسيئات ليست من الله بل هي من العبد ومنها ذم من لم يتدبر القرآن ولم يفقهه وإن إعراضه عن تدبره وفقهه يوجب له من الضلال والشقاء بحسب إعراضه ومنها إثبات الأسباب وإبطال قول من ينفيها ولا يرى لها ارتباطا بمسبباتها ومنها أن الخير كله من الله والشر كله من النفس فإن الشر هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها مترتبة عليها والله هو الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت نفس العبد سببه بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل الله ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم أن الحسنة من الله والسيئة من رسوله وأبطله بقوله: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه قال في الرد عليهم: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولم يقل من الله لما جمع بين الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه والسيئة إنما تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس كونها سيئة ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ولم يقل من عند الله فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ثم قال: ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ ولم يقل من عندك لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها والجميع من عند الله فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب والحسنة من الله بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا ففرق بين ما من الله وبين ما من عنده والشر لا يضاف إلى الله إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ولا يسمى باسمه وسنذكر في باب دخول الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء الله. (فصل) وقد اختلف في كاف الخطاب في قوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ هل هي لرسول الله أو هي لكل واحد من الآدميين؟ فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: "الحسنة ما فتح الله عليه يوم بدر من الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته". وقالت طائفة بل المراد جنس ابن آدم كقوله: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ روى سعيد عن قتادة: ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قال عقوبة يا ابن آدم بذنبك ورجحت طائفة القول الأول. واحتجوا بقوله: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ قالوا وأيضا فإنه لم يتقدم ذكر الإنسان ولا خطابه وإنما تقدم ذكر الطائفة قالوا ما حكاه الله عنهم فلو كانوا هم المرادين لقال ما أصابهم أو ما أصابكم على طريق الالتفات قالوا وهذا من باب السبب لأنه إذا كان سيد ولد آدم وهكذا حكمه فكيف بغيره ورجحت طائفة القول الآخر. واحتجت بأن رسول الله ﷺ وعلم معصوم لا يصدر عنه ما يوجب أن تصيبه به سيئة قالوا والخطاب وإن كان له في الصورة فالمراد به الأمة كقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ قالوا ولما كان أول الآية خطابا له أجرى الخطاب جميعه على وجه واحد فأفرده في الثاني والمراد به الجميع، والمعنى وما أصابكم من سيئة فمن أنفسكم فالأول له والثاني لأمته ولهذا لما أفرد إصابة السيئة قال: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وقال: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فأخبر أن الهزيمة بذنوبهم وإعجابهم وأن النصر بما أنزله على رسوله وأيده به إذ لم يكن منه من سبب الهزيمة ما كان منه وجمعت طائفة ثالثة بين القولين وقالوا صورة الخطاب له ﷺ والمراد العموم كقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ وكقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ وقوله: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ قالوا وهذا الخطاب نوعان نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره بطريق الأولى كقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ ونوع يكون الخطاب له وللأمة فأفرده بالخطاب لكونه هو المواجه بالوحي وهو الأصل فيه والمبلغ للأمة والسفير بينهم وبين الله وهذا معنى قول كثير من المفسرين الخطاب له والمراد غيره ولم يريدوا بذلك أنه لم يخاطب بذلك أصلا ولم يرد به ألبتة بل المراد أنه لما كان إمام الخلائق ومقدمهم ومتبوعهم أفرد بالخطاب وتبعته الأمة في حكمه كما يقول السلطان لمقدم العساكر أخرج غدا وأنزل بمكان كذا وأحمل على العدو وقت كذا قالوا فقوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ خطاب له وجميع الأمة داخلون في ذلك بطريق الأولى بخلاف قوله: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ فإن هذا له خاصة قالوا وهذه الشرطية لا تستلزم الوقوع بل تربط الجزاء بالشرط وأما وقوع الشرط والجزاء فلا يدل عليه فهو مقدر في حقه محقق في غيره والله أعلم. قال القدري: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة والنعم والمصائب مقدرة فلم فرق سبحانه بين الحسنات التي هي النعم والسيئات التي هي المصائب فجعل هذه منه سبحانه وهذه من نفس الإنسان والجميع مقدر. قال السني: بينهما فروق الفرق الأول أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع بلا كسب منهم أصلا بل الرب سبحانه ينعم عليهم بالعافية والرزق والنصر وإرسال الرسل وإنزال الكتب وأسباب الهداية فيفعل ذلك من لم يكن منه سبب يقتضيه وينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بغير سبب منهم ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة بلا عمل وأما العقاب فلا يعاقب أحدا إلا بعمله. الفرق الثاني أن عمل الحسنات من إحسان الله ومنه وتفضله عليه بالهداية والإيمان كما قال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ فخلق الرب سبحانه لهم الحياة والسمع والبصر والعقول والأفئدة وإرسال الرسل وتبليغهم البلاغ الذي اهتدوا به وإلهامهم الإيمان وتحبيبه إليهم وتزيينه في قلوبهم وتكريه ضده إليهم كل ذلك من نعمه كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فجميع ما يتقلب فيه العالم من خير الدنيا والآخرة هو نعمة محضة بلا سبب سابق يوجب ذلك لهم ومن غير حول وقوة منهم إلا به وهو خالقهم وخالق أعمالهم الصالحة وخالق جزائها وهذا كله منه سبحانه بخلاف الشر فإنه لا يكون إلا بذنوب العبد وذنبه من نفسه وإذا تدبر العبد هذا علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله فشكر ربه على ذلك فزاده من فضله عملا صالحا ونعما يفيضها عليه وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه وبذنوبه استغفر ربه وتاب فزال عنه سبب الشر فيكون دائما شاكرا مستغفرا فلا يزال الخير يتضاعف له والشر يندفع عنه كما كان النبي ﷺ يقول في خطبته الحمد لله فيشكر الله ثم يقول نستعينه ونستغفره نستعينه على طاعته ونستغفره من معصيته ونحمده على فعله وإحسانه ثم قال ونعوذ بالله من شرور أنفسنا لما استغفره من الذنوب الماضية استعاذ به من الذنوب التي لم تقع بعد ثم قال ومن سيئات أعمالنا فهذه استعاذة من عقوبتها كما تقدم ثم قال من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فهذه شهادة للرب بأنه المتصرف في خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء فإذا هدى عبدا لم يضله أحد وإذا أضله لم يهده أحد وفي ذلك إثبات ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وقضائه وقدره الذي هو عقد نظام التوحيد وأساسه وكل هذا مقدمة بين يدي قوله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فإن الشهادتين إنما تتحققان بحمد الله واستعانته واستغفاره واللجأ إليه والإيمان بأقداره والمقصود أنه سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات بعد أن جمع بينهما في قوله ﴿كل من عند الله﴾ فجمع بينهما الجمع الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو اجتماعهما في قضائه وقدره ومشيئته وخلقه ثم فرق بينهما الفرق الذي ينتفعون به وهو أن هذا الخير والحسنة نعمة منه فاشكروه عليه يزدكم من فضله ونعمه وهذا الشر والسيئة بذنوبكم فاستغفروه يرفعه عنكم وأصله من شرور أنفسكم فاستعيذوا به يخلصكم منها ولا يتم ذلك إلا بالإيمان بالله وحده وهو الذي يهدي ويضل وهو الإيمان بالقدر فادخلوا عليه من بابه فإن أزمة الأمور بيده فإذا فعلتم ذلك صدق منكم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذه الخطبة العظيمة عقد نظام الإسلام والإيمان فلو اقتصر لهم على الجمع دون الفرق أعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه والتوبة من ذنوبه والاستعاذة من شرها وقام في قلبه شاهد الاحتجاج على ربه بالقدر وتلك حجة داحضة تبع الأشقياء فيها إبليس وهي لا تزيد صاحبها إلا شقاء وعذابا كما زادت إبليس طردا وبعدا عن ربه وكما زادت المشركين ضلالا وشقاء حين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا وكما تزيد الذي يقول يوم القيامة لو أن الله هداني لكنت من المتقين حسرة وعذابا ولو اقتصر لهم على الفرق دون الجمع لغابوا به في التوحيد والإيمان بالقدر واللجأ إلى الله في الهداية والتوفيق والاستعاذة به من شر النفس وسيئات العمل والافتقار التام إلى إعانته وفضله وكان في الجمع والفرق بيان حق العبودية. وسيأتي تمام هذا الكلام على هذا الموضع العظيم القدر إن شاء الله بإثبات اجتماع القدر والشرع وافتراقهما. الفرق الثالث أن الحسنة يضاعفها الله سبحانه وينميها ويكتبها للعبد بأدنى سعي ويثيب على الهم بها والسيئة لا يؤاخذ على الهم بها ولا يضاعفها ويبطلها بالتوبة والحسنة الماحية والمصائب المكفرة فكانت الحسنة أولى بالإضافة إليه تعالى والسيئة أولى بالإضافة إلى النفس. الفرق الرابع أن الحسنة التي هي الطاعة والنعمة يحبها ويرضاها فهو سبحانه يحب أن يطاع ويحب أن ينعم ويحسن ويجود وإن قدر المعصية وأراد المنع فالطاعة أحب إليه والبذل والعطاء آثر عنده فكان إضافة نوعي الحسنة له وإضافة نوعي السيئة إلى النفس أولى ولهذا تأدب العارفون من عباده بهذا الأدب فأضافوا إليه النعم والخيرات وأضافوا الشرور إلى محلها كما قال إمام الحنفاء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه. وقال الخضر: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ ثم قال: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾. وقال مؤمنو الجن: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾. الفرق الخامس أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها من كل وجه وبكل اعتبار كما تقدم فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه. وأما السيئة فهو سبحانه إنما قدرها وقضاها لحكمته وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب سبحانه لا يفعل سوأ قط كما لا يوصف به ولا يسمى باسمه بل فعله كله حسن وخير وحكمة كما قال تعالى بيده الخير وقال أعرف الخلق به: "والشر ليس إليك" فهو لا يخلق شرا محضا من كل وجه بل كل ما خلقه ففي خلقه مصلحة وحكمة وإن كان في بعضه شر جزئي إضافي وأما الشر الكلي المطلق من كل وجه فهو تعالى منزه عنه وليس إليه. الفرق السادس أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها فهي أمور وجودية متعلقة بمشيئة الرب وقدره ورحمته وحكمته وليست أمورا عدمية تضاف إلى غير الله بل هي كلها أمور وجودية وكل موجود حادث والله محدثه وخالقه وذلك أن الحسنات إما فعل مأمور أو ترك محظور والترك أمر وجودي فترك الإنسان لما نهى عنه ومعرفته بأنه ذنب قبيح وبأنه سبب العذاب فبغضه له وكراهته له ومنع نفسه إذا هويته وطلبته منه أمور وجودية كما أن معرفته بالحسنات كالعدل والصدق حسنة وفعله لها أمر وجودي والإنسان إنما يثاب على ترك السيئات إذا تركها على وجه الكراهة لها والامتناع عنها وكف للنفس عنها قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الأِيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ وقال: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾. وفي الصحيحين عنه ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" وقد جعل ﷺ البغض في الله من أوثق عرى الإيمان وهو أصل الترك وجعل المنع لله من كمال الإيمان وهو أصل الترك فقال: "من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" وقال: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب الإيمان وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه فلم يكن الترك من الإيمان إلا بهذه الكراهة والبغض والامتناع والمنع لله وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ومعبودهم ليست تركا محضا بل تركا صادرا عن بغض ومعاداة وكراهة هي أمور وجودية هي عبودية للقلب يترتب عليها خلو الجوارح من العمل كما أن التصديق والإرادة والمحبة للطاعة من عبودية القلب يترتب عليها آثارها في الجوارح وهذا الحب والبغض تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وهو إثبات تأله القلب لله ومحبته ونفي تألهه لغيره وكراهته فلا يكفي أن يعبد الله ويحبه ويتوكل عليه وينيب إليه ويخافه ويرجوه حتى يترك عبادة غيره والتوكل عليه والإنابة إليه وخوفه ورجاه ويبغض ذلك وهذه كلها أمور وجودية وهي الحسنات التي يثيب الله عليها وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة ولا يكرهها بقلبه ويكف نفسه عنها بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه ولا يثاب على هذا الترك فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والنائم لكن قد يثاب على اعتقاد تحريمها وإن لم يكن له إليها داعية ألبتة فالترك ثلاثة أقسام قسم يثاب عليه وقسم يعاقب عليه وقسم لا يثاب ولا يعاقب عليه فالأول ترك العالم بتحريمها الكاف نفسه عنها لله مع قدرته عليها والثاني كترك من يتركها لغير الله لا لله فهذا يعاقب على تركه لغير الله كما يعاقب على فعله لغير الله فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب فإذا عبد به غير الله استحق العقوبة. والثالث كترك من لم يخطر على قلبه علما ولا محبة ولا كراهة بل بمنزلة ترك النائم والطفل.

النساء 4:80

[فصل: السُّنَّةُ مَعَ القُرْآنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ] والسُّنَّةُ مَعَ القُرْآنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها: أنْ تَكُونَ مُوافِقَةً لَهُ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَيَكُونُ تَوارُدُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى الحُكْمِ الواحِدِ مِن بابِ تَوارُدِ الأدِلَّةِ وتَظافُرِها. الثّانِي: أنْ تَكُونَ بَيانًا لِما أُرِيدَ بِالقُرْآنِ وتَفْسِيرًا لَهُ. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِحُكْمٍ سَكَتَ القُرْآنُ عَنْ إيجابِهِ أوْ مُحَرِّمَةً لِما سَكَتَ عَنْ تَحْرِيمِهِ، ولا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الأقْسامِ، فَلا تُعارِضُ القُرْآنَ بِوَجْهٍ ما، فَما كانَ مِنها زائِدًا عَلى القُرْآنِ فَهو تَشْرِيعٌ مُبْتَدَأٌ مِن النَّبِيِّ ﷺ: تَجِبُ طاعَتُهُ فِيهِ، ولا تَحِلُّ مَعْصِيَتُهُ، ولَيْسَ هَذا تَقْدِيمًا لَها عَلى كِتابِ اللَّهِ، بَلْ امْتِثالٌ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن طاعَةِ رَسُولِهِ، ولَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُطاعُ في هَذا القِسْمِ لَمْ يَكُنْ لِطاعَتِهِ مَعْنًى، وسَقَطَتْ طاعَتُهُ المُخْتَصَّةُ بِهِ، وإنَّهُ إذا لَمْ تَجِبْ طاعَتُهُ إلّا فِيما وافَقَ القُرْآنَ لا فِيما زادَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ طاعَةٌ خاصَّةٌ تَخْتَصُّ بِهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وكَيْفَ يُمْكِنُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ أنْ لا يَقْبَلَ حَدِيثًا زائِدًا عَلى كِتابِ اللَّهِ؛ فَلا يُقْبَلُ حَدِيثُ تَحْرِيمِ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها، ولا حَدِيثُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضاعَةِ لِكُلِّ ما يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ، ولا حَدِيثُ خِيارِ الشَّرْطِ، ولا أحادِيثُ الشُّفْعَةِ، ولا حَدِيثُ الرَّهْنِ في الحَضَرِ مَعَ أنَّهُ زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، ولا حَدِيثُ مِيراثِ الجَدَّةِ، ولا حَدِيثُ تَخْيِيرِ الأمَةِ إذا أُعْتِقَتْ تَحْتَ زَوْجِها، ولا حَدِيثُ مَنعِ الحائِضِ مِن الصَّوْمِ والصَّلاةِ، ولا حَدِيثُ وُجُوبِ الكَفّارَةِ عَلى مَن جامَعَ في نَهارِ رَمَضانَ، ولا أحادِيثُ إحْدادِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها مَعَ زِيادَتِها عَلى ما في القُرْآنِ مِن العِدَّةِ، فَهَلّا قُلْتُمْ: إنّها نَسْخٌ لِلْقُرْآنِ وهو لا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، وكَيْفَ أوْجَبْتُمْ الوِتْرَ مَعَ أنَّهُ زِيادَةٌ مَحْضَةٌ عَلى القُرْآنِ بِخَبَرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ؟ وكَيْفَ زِدْتُمْ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَجَوَّزْتُمْ الوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ بِخَبَرٍ ضَعِيفٍ؟ وكَيْفَ زِدْتُمْ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَشَرَطْتُمْ في الصَّداقِ أنْ يَكُونَ أقَلُّهُ عَشَرَةَ دَراهِمَ بِخَبَرٍ لا يَصْلُحُ ألْبَتَّةَ وهو زِيادَةٌ مَحْضَةٌ عَلى القُرْآنِ؟ وَقَدْ أخَذَ النّاسُ بِحَدِيثِ: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المُسْلِمَ» وهو زائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وأخَذُوا كُلُّهم بِحَدِيثِ تَوْرِيثِهِ ﷺ بِنْتَ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ البِنْتِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذَ النّاسُ كُلُّهم بِحَدِيثِ اسْتِبْراءِ المَسْبِيَّةِ بِحَيْضَةٍ، وهو زائِدٌ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ، وأخَذُوا بِحَدِيثِ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ مِن قِسْمَةِ الغَنائِمِ، وأخَذُوا كُلُّهم بِقَضائِهِ ﷺ الزّائِدَ عَلى ما في القُرْآنِ مِن أنَّ أعْيانَ بَنِي الأبَوَيْنِ يَتَوارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلّاتِ، الرَّجُلُ يَرِثُ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ دُونَ أخِيهِ لِأبِيهِ، ولَوْ تَتَبَّعْنا هَذا لَطالَ جِدًّا؛ فَسُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أجَلُّ في صُدُورِنا وأعْظَمُ وأفْرَضُ عَلَيْنا أنْ لا نَقْبَلَها إذا كانَتْ زائِدَةً عَلى ما في القُرْآنِ، بَلْ عَلى الرَّأْسِ والعَيْنَيْنِ، وكَذَلِكَ فَرْضٌ عَلى الأُمَّةِ الأخْذُ بِحَدِيثِ القَضاءِ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ وإنْ كانَ زائِدًا عَلى ما في القُرْآنِ، وقَدْ أخَذَ بِهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجُمْهُورُ التّابِعِينَ والأئِمَّةِ، والعَجَبُ مِمَّنْ يَرُدُّهُ؛ لِأنَّهُ زائِدٌ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ ثُمَّ يَقْضِي بِالنُّكُولِ ومَعاقِدُ القُمُطِ ووُجُوهِ الآجُرِّ في الحائِطِ ولَيْسَتْ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وأخَذْتُمْ أنْتُمْ وجُمْهُورُ الأُمَّةِ بِحَدِيثِ: «لا يُقادُ الوالِدُ بِالوَلَدِ» مَعَ ضَعْفِهِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ أنْتُمْ والنّاسُ بِحَدِيثِ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن المَجُوسِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ مَعَ سائِرِ النّاسِ بِقَطْعِ رِجْلِ السّارِقِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ مَعَ زِيادَتِهِ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ أنْتُمْ والنّاسُ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الِاقْتِصاصِ مِن الجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمالِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذَتْ الأُمَّةُ بِأحادِيثِ الحَضانَةِ ولَيْسَتْ في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ أنْتُمْ والجُمْهُورُ بِاعْتِدادِ المُتَوَفّى عَنْها في مَنزِلِها وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ مَعَ النّاسِ بِأحادِيثِ البُلُوغِ بِالسِّنِّ والإنْباتِ وهي زائِدَةٌ عَلى ما في القُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا الِاحْتِلامُ، وأخَذْتُمْ مَعَ النّاسِ بِحَدِيثِ: «الخَراجُ بِالضَّمانِ» مَعَ ضَعْفِهِ، وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وبِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الكالِئِ بِالكالِئِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأضْعافُ أضْعافِ ما ذَكَرْنا، بَلْ أحْكامُ السُّنَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ في القُرْآنِ إنْ لَمْ تَكُنْ أكْثَرَ مِنها لَمْ تَنْقُصْ عَنْها؛ فَلَوْ ساغَ لَنا رَدُّ كُلِّ سُنَّةٍ زائِدَةٍ كانَتْ عَلى نَصِّ القُرْآنِ لَبَطَلَتْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّها إلّا سُنَّةً دَلَّ عَلَيْها القُرْآنُ، وهَذا هو الَّذِي أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ سَيَقَعُ ولا بُدَّ مِن وُقُوعِ خَبَرِهِ. [أنْواعُ دَلالَةِ السُّنَّةِ الزّائِدَةِ عَنْ القُرْآنِ] فَإنْ قِيلَ: السُّنَنُ الزّائِدَةُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ تارَةً تَكُونُ بَيانًا لَهُ، وتارَةً تَكُونُ مُنْشِئَةً لِحُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ القُرْآنُ لَهُ، وتارَةً تَكُونُ مُغَيِّرَةً لِحُكْمِهِ، ولَيْسَ نِزاعُنا في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَإنَّهُما حُجَّةٌ بِاتِّفاقٍ، ولَكِنَّ النِّزاعَ في القِسْمِ الثّالِثِ وهو الَّذِي تَرْجَمْته بِمَسْألَةِ الزِّيادَةِ عَلى النَّصِّ.

النساء 4:85

وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة ﴿يكن له نصيب منها﴾ وفي السيئة ﴿يكن له كفل منها﴾ فإن لفظ الكفل يشعر بالحمل والثقل، ولفظ النصيب يشعر بالحظ الذي ينصب طالبه في تحصيله وإن كان كل منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد، ولكن لما قرن بينهما حسن اختصاص حظ الخير بالنصيب، وحظ الشر بالكفل.

النساء 4:88

قال الفراء «أركسهم» ردهم إلى الكفر، وقال أبو عبيدة: يقال: أركست الشيء وركسته - لغتان - إذا رددته. والركس: قلب الشيء على رأسه، أو ردّ أوله على آخره. والارتكاس الارتداد. قال أمية: ؎فأركسوا في حميم النار، إنهم ∗∗∗ كانوا عصاة، وقالوا الإفك والزورا ومن هذا يقال للروث: الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة. ولهذا المعنى سمي رجيعا والركس والنكس، والمركوس والمنكوس: بمعنى واحد. قال الزجاج: أركسهم نكسهم وردهم. والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار. وأخبر سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله، وإن إركاسه لهم كان بسبب كسبهم وأعمالهم، كما قال ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فهذا توحيده، وهذا عدله لا ما يقوله القدرية والمعطلة من أن التوحيد: إنكار الصفات والعدل والتكذيب بالقدر.

النساء 4:90

فإن قيل: وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب؟ فالجواب: كم لله في ذلك من حكم باهرة منها حصول محبوبة من عبودية الصبر والجهاد وتحمل الأذى فيه والرضى عنه في السراء والضراء والثبات على عبوديته وطاعته مع قوة المعارض وغلبته وشوكته وتمحيص أوليائه من أحكام البشرية ودواعي الطباع ببذل نفوسهم له وأذى أعدائه لهم وتميز الصادق من الكاذب ومن يريده ويعبده على جميع الحالات ممن يعبده على حرف وليحصل له مرتبة الشهادة التي هي من أعلى المراتب ولا شيء أبر عند الحبيب من بذل محبة نفسه في مرضاته ومجاهدة عدوه فكم لله في هذا التسليط من نعمة ورحمة وحكمة وإذا شئت أن تعلم ذلك فتأمل الآيات من أواخر آل عمران من قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فكان هذا التمييز من بعض حكم ذلك التسليط ولولا ذلك التسليط لم تظهر فضيلة الصبر والعفو والحكم وكظم الغيظ ولا حلاوة النصر والظفر والقهر فإن الأشياء يظهر حسنها بأضدادها ولولا ذلك التسليط لم تستوجب الأعداء المحق والإهانة والكبت فاستخرج ذلك التسليط من القوة إلى الفعل ما عند أوليائه فاستحقوا كرامتهم عليه وما عند أعدائه فاستحقوا عقوبتهم عليه فكان هذا التسليط مما أظهر حكمته وعزته ورحمته ونعمته في الفريقين وهو العزيز الحكيم.

النساء 4:93

[فَصْلٌ: هَلْ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبٌ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أمْ لا؟] اخْتَلَفَ النّاسُ هَلْ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبٌ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أمْ لا؟ فَقالَ الجُمْهُورُ: التَّوْبَةُ تَأْتِي عَلى كُلِّ ذَنْبٍ، فَكُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّوْبَةُ مِنهُ وتُقْبَلُ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ المَعْرُوفُ عَنْهُ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وقَدْ ناظَرَ ابْنَ عَبّاسٍ في ذَلِكَ أصْحابُهُ فَقالُوا: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى أنْ قالَ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] فَقالَ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا قَدْ قَتَلُوا وزَنَوْا فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْناهُ كَفّارَةً، فَنَزَلَ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ، فَهَذِهِ في أُولَئِكَ، وأمّا الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فالرَّجُلُ إذا عَرَفَ الإسْلامَ وشَرائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ. وَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: لَمّا نَزَلَتِ الَّتِي في الفُرْقانِ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] عَجِبْنا مِن لِينِها فَلَبِثْنا سَبْعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ نَزَلَتِ الغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ فَنَسَخَتِ اللَّيِّنَةَ، وأرادَ بِالغَلِيظَةِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، وبِاللَّيِّنَةِ آيَةَ الفُرْقانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آيَةُ الفُرْقانِ مَكِّيَّةٌ، وآيَةُ النِّساءِ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ ولَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ. قالَ هَؤُلاءِ: ولِأنَّ التَّوْبَةَ مِن قَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا مُتَعَذَّرَةٌ إذْ لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِاسْتِحْلالِهِ أوْ إعادَةِ نَفْسِهِ الَّتِي فَوَّتَها عَلَيْهِ إلى جَسَدِهِ إذِ التَّوْبَةُ مِن حَقِّ الآدَمِيِّ لا تَصِحُّ إلّا بِأحَدِهِما، وكِلاهُما مُتَعَذَّرٌ عَلى القاتِلِ، فَكَيْفَ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ مِن حَقِّ آدَمِيٍّ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ولَمْ يَسْتَحِلَّهُ مِنهُ؟ وَلا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ هَذا في المالِ إذا ماتَ رَبُّهُ ولَمْ يُوَفِّهِ إيّاهُ لِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن إيصالِ نَظِيرِهِ إلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ. قالُوا: ولا يُرَدُّ عَلَيْنا أنَّ الشِّرْكِ أعْظَمُ مِنَ القَتْلِ وتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنهُ فَإنَّ ذَلِكَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ فالتَّوْبَةُ مِنهُ مُمْكِنَةٌ، وأمّا حَقُّ الآدَمِيِّ فالتَّوْبَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أدائِهِ إلَيْهِ واسْتِحْلالِهِ، وقَدْ تَعَذَّرَ. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذِهِ في حَقِّ التّائِبِ وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَهَذِهِ في حَقِّ غَيْرِ التّائِبِ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ، وعَلَّقَ المَغْفِرَةَ بِالمَشِيئَةِ فَخَصَّصَ وعَلَّقَ وَفِي الَّتِي قَبْلَها عَمَّمَ وأطْلَقَ. واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] فَإذا تابَ هَذا القاتِلُ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَفّارٌ لَهُ. قالُوا: وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثُ الَّذِي قَتَلَ المِائَةَ ثُمَّ تابَ فَنَفَعَتْهُ تَوْبَتُهُ وأُلْحِقَ بِالقَرْيَةِ الصّالِحَةِ الَّتِي خَرَجَ إلَيْها، وصَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ وحَوْلَهُ عِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ بايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ، ولا تَأْتُوا بِبُهْتانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أيْدِيكم وأرْجُلِكُمْ، ولا تَعْصُونِي في مَعْرُوفٍ، فَمَن وفّى مِنكم فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ في الدُّنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو إلى اللَّهِ، إنْ شاءَ عَفا عَنْهُ وإنْ شاءَ عاقَبَهُ، فَبايَعْناهُ عَلى ذَلِكَ». قالُوا: وقَدْ قالَ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى «ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا لَقِيتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً» وَقالَ ﷺ «مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ» وَقالَ «مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» وَقالَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى النّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ» وَفِي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ «أخْرِجُوا مِنَ النّارِ مَن في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» وَفِيهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى «وَعِزَّتِي وجَلالِي لَأُخْرِجَنَّ مِنَ النّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» وَأضْعافُ هَذِهِ النُّصُوصِ كَثِيرٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُدُ في النّارِ أحَدٌ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ. قالُوا: وأمّا هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ فَهي نَظائِرُ أمْثالِها مِن نُصُوصِ الوَعِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] وَقَوْلِهِ ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] وَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وَقَوْلِهِ ﷺ «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ يَتَوَجَّأُ بِها خالِدًا مُخَلَّدًا في نارِ جَهَنَّمَ» ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى طُرُقٍ: أحَدِها: القَوْلُ بِظاهِرِها، وتَخْلِيدِ أرْبابِ هَذِهِ الجَرائِمِ في النّارِ، وهو قَوْلُ الخَوارِجِ والمُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا. فَقالَتِ الخَوارِجُ: هم كُفّارٌ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُدُ في النّارِ إلّا كافِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَيْسُوا بِكُفّارٍ بَلْ فُسّاقٍ مُخَلَّدُونَ في النّارِ، هَذا كُلُّهُ إذا لَمْ يَتُوبُوا. وَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذا الوَعِيدُ في حَقِّ المُسْتَحِلِّ لَها؛ لِأنَّهُ كافِرٌ، وأمّا مَن فَعَلَها مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَها فَلا يَلْحَقُهُ هَذا الوَعِيدُ وعِيدُ الخُلُودِ وإنْ لَحِقَهُ وعِيدُ الدُّخُولِ. وَقَدْ أنْكَرَ الإمامُ أحْمَدُ هَذا القَوْلَ وقالَ: لَوِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ ولَمْ يَفْعَلْهُ كانَ كافِرًا، والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما قالَ: مَن فَعَلَ كَذا وكَذا. وَقالَتْ فِرْقَةٌ ثالِثَةٌ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ النُّصُوصِ مَبْنِيٌّ عَلى ثُبُوتِ العُمُومِ، ولَيْسَ في اللُّغَةِ ألْفاظٌ عامَّةٌ، ومِن هاهُنا أنْكَرَ العُمُومَ مَن أنْكَرَهُ، وقَصْدُهم تَعْطِيلُ هَذِهِ الأدِلَّةِ عَنِ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ بِها، لَكِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَعْطِيلَ الشَّرْعِ جُمْلَةً، بَلْ تَعْطِيلَ عامَّةِ الأخْبارِ، فَهَؤُلاءِ رَدُّوا باطِلًا بَأبْطَلَ مِنهُ، وبِدْعَةً بِأقْبَحَ مِنها، وكانُوا كَمَن رامَ أنْ يَبْنِيَ قَصْرًا فَهَدَمَ مِصْرًا. وَقالَتْ فِرْقَةٌ رابِعَةٌ: في الكَلامِ إضْمارٌ. قالُوا: والإضْمارُ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في هَذا المُضْمَرِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ بِإضْمارِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ كَذا إنْ جازاهُ أوْ إنْ شاءَ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ خامِسَةٌ بِإضْمارِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ كَذا إلّا أنْ يَعْفُوَ، وهَذِهِ دَعْوى لا دَلِيلَ في الكَلامِ عَلَيْها ألْبَتَّةَ ولَكِنَّ إثْباتَها بِأمْرِ خارِجٍ عَنِ اللَّفْظِ. وَقالَتْ فِرْقَةٌ سادِسَةٌ: هَذا وعِيدٌ، وإخْلافُ الوَعِيدِ لا يُذَمُّ بَلْ يُمْدَحُ، واللَّهُ تَعالى يَجُوزُ عَلَيْهِ إخْلافُ الوَعِيدِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ خُلْفُ الوَعْدِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الوَعِيدَ حَقُّهُ فَإخْلافُهُ عَفْوٌ وهِبَةٌ وإسْقاطٌ، وذَلِكَ مُوجَبُ كَرَمِهِ وجُودِهِ وإحْسانِهِ، والوَعْدُ حَقٌّ عَلَيْهِ أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ. قالُوا: ولِهَذا مَدَحَ بِهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ يَقُولُ: ؎نُبِّئْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أوْعَدَنِي ∗∗∗ والعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ وَتَناظَرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، فَقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: يا أبا عَمْرٍو لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ وقَدْ قالَ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآيَةَ، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرٍو: ويْحَكَ يا عَمْرُو، مِنَ العُجْمَةِ أتَيْتَ، إنَّ العَرَبَ لا تَعُدُّ إخْلافَ الوَعِيدِ ذَمًّا بَلْ جُودًا وكَرَمًا، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وَلا يُرْهِبُ ابْنَ العَمِّ ما عِشْتُ صَوْلَتِي ∗∗∗ ولا يَخْتَشِي مِن سَطْوَةِ المُتَهَدِّدِ ؎وَإنِّي إنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي وَقالَتْ فِرْقَةٌ سابِعَةٌ: هَذِهِ النُّصُوصُ وأمْثالُها مِمّا ذُكِرَ فِيهِ المُقْتَضِي لِلْعُقُوبَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ مُقْتَضِي الحُكْمِ وجُودُهُ، فَإنَّ الحُكْمَ إنَّما يَتِمُّ بِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ وانْتِفاءِ مانِعِهِ، وغايَةُ هَذِهِ النُّصُوصِ الإعْلامُ بِأنَّ كَذا سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ ومُقْتَضٍ لَها، وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى ذِكْرِ المَوانِعِ، فَبَعْضُها بِالإجْماعِ، وبَعْضُها بِالنَّصِّ، فالتَّوْبَةُ مانِعٌ بِالإجْماعِ، والتَّوْحِيدُ مانِعٌ بِالنُّصُوصِ المُتَواتِرَةِ الَّتِي لا مَدْفَعَ لَها، والحَسَناتُ العَظِيمَةُ الماحِيَةُ مانِعَةٌ، والمَصائِبُ الكِبارُ المُكَفِّرَةُ مانِعَةٌ، وإقامَةُ الحُدُودِ في الدُّنْيا مانِعٌ بِالنَّصِّ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْطِيلِ هَذِهِ النُّصُوصِ فَلا بُدَّ مِن إعْمالِ النُّصُوصِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وَمِن هاهُنا قامَتِ المُوازَنَةُ بَيْنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ اعْتِبارًا بِمُقْتَضِي العِقابِ ومانِعِهِ وإعْمالًا لِأرْجَحِها. قالُوا: وعَلى هَذا بِناءُ مَصالِحِ الدّارَيْنِ ومَفاسِدِهِما، وعَلى هَذا بِناءُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والأحْكامِ القَدَرِيَّةِ، وهو مُقْتَضى الحِكْمَةِ السّارِيَةِ في الوُجُودِ، وبِهِ ارْتِباطُ الأسْبابِ ومُسَبِّباتِها خَلْقًا وأمْرًا، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ ضِدٍّ ضِدًّا يُدافِعُهُ ويُقاوِمُهُ، ويَكُونُ الحُكْمُ لِلْأغْلَبِ مِنهُما، فالقُوَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وفَسادُ الأخْلاقِ وبَغْيُها مانِعٌ مِن عَمَلِ الطَّبِيعَةِ وفِعْلِ القُوَّةِ، والحُكْمُ لِلْغالِبِ مِنهُما، وكَذَلِكَ قُوى الأدْوِيَةِ والأمْراضِ، والعَبْدُ يَكُونُ فِيهِ مُقْتَضٍّ لِلصِّحَّةِ ومُقْتَضٍ لِلْعَطَبِ، وأحَدُهُما يَمْنَعُ كَمالَ تَأْثِيرِ الآخَرِ ويُقاوِمُهُ، فَإذا تَرَجَّحَ عَلَيْهِ وقَهَرَهُ كانَ التَّأْثِيرُ لَهُ. وَمِن هاهُنا يُعْلَمُ انْقِسامُ الخَلْقِ إلى مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولا يَدْخُلُ النّارَ وعَكْسُهُ، ومَن يَدْخُلُ النّارَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها، ويَكُونُ مُكْثُهُ فِيها بِحَسَبِ ما فِيهِ مِن مُقْتَضى المُكْثِ في سُرْعَةِ الخُرُوجِ وبُطْئِهِ. وَمَن لَهُ بَصِيرَةٌ مُنَوَّرَةٌ يَرى بِها كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وتَفاصِيلِهِ حَتّى كَأنَّهُ يُشاهِدُهُ رَأْيَ عَيْنٍ، ويَعْلَمُ أنَّ هَذا هو مُقْتَضى إلَهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ ورُبُوبِيَّتِهِ وعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ ذَلِكَ، ونِسْبَةُ خِلافِ ذَلِكَ إلَيْهِ نِسْبَةُ ما لا يَلِيقُ بِهِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَصِيرَتِهِ كَنِسْبَةِ الشَّمْسِ والنُّجُومِ إلى بَصَرِهِ، وهَذا يَقِينُ الإيمانِ، وهو الَّذِي يَحْرِقُ السَّيِّئاتِ كَما تَحْرِقُ النّارُ الحَطَبَ. وَصاحِبُ هَذا المَقامِ مِنَ الإيمانِ يَسْتَحِيلُ إصْرارُهُ عَلى السَّيِّئاتِ وإنْ وقَعَتْ مِنهُ وكَثُرَتْ، فَإنَّ ما مَعَهُ مِن نُورِ الإيمانِ يَأْمُرُهُ بِتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ كُلَّ وقْتٍ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ بِعَدَدِ أنْفاسِهِ وهَذا مِن أحَبِّ الخَلْقِ إلى اللَّهِ. فَهَذِهِ مَجامِعُ طُرُقِ النّاسِ في نُصُوصِ الوَعِيدِ.

النساء 4:95

نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر سبحانه عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، ثم أخبر أنه فضلهم عليهم درجات. وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس، من جهة أن القاعدين الذين فضّل عليهم المجاهدون بدرجات، إن كانوا هم والقاعدون الذين فضّل عليهم أولو الضرر المجاهدون بدرجات: هم غير أولي الضرر. فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا. وعلى هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين، وهم لا يستوون والمجاهدون أصلا؟ فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا. فهذا وجه الإشكال. ونحن نذكر ما يزيل الإشكال بحمد الله. فنقول: اختلف القراء في إعراب «غير» فقرئ رفعا ونصبا وهما في السبعة، وقرئ بالجر في غير السبعة. وهي قراءة أبي حبوة. فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء، لأن «غير» يعرب في الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد «إلا» وهو النصب. هذا هو الصحيح. وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أي لا يستوي القاعدون غير مضرورين، أي لا يستوون في حال صحتهم هم والمجاهدون، والاستثناء أصح، فإن «غير» لا تكاد تقع حالا في كلامهم إلا مضافة إلى نكرة، كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وقوله عز وجل أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وقوله ﷺ «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى». فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها. كقوله تعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولو قلت: مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى لجررت «غير» هذا هو المعروف من كلامهم. والكلام في عدم تعريف «غير» بالإضافة، وحسن وقوعها إذ ذاك حالا له مقام آخر. وأما بالرفع: فعلى النعت للقاعدين. هذا هو الصحيح. وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: الذين هم غير أولي الضرر. والذي حمله على هذا: ظنه أن «غير» لا يقبل التعريف بالإضافة. فلا تجزى صفة للمعرفة. وليس مع من ادعى ذلك حجة يعتمد عليها، سوى أن «غير» توغلت في الإبهام. فلا تتعرف بما يضاف إليه. وجواب هذا: أنها إذا دخلت بين متقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما تضاف إليه. وأما قراءة الجر: ففيها وجهان أيضا. أحدهما - وهو الصحيح - أنه نعت للمؤمنين. والثاني - وهو قول المبرد - أنه بدل منه. بناء على أنه نكرة. فلا ينعت به المعرفة. وعلى الأقوال كلها: فهو مفهم معنى الاستثناء، وأن نفي التسوية غير مسلط على ما أضيف إليه «غير». وقوله وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً هو مبين لمعنى نفي المساواة. قالوا: والمعنى: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة واحدة لامتيازهم عنهم بالجهاد بنفسهم ومالهم. ثم أخبر سبحانه أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى، فقال وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى أي المجاهد والقاعد المضرور لاشتراكهم في الإيمان. قالوا: وفي هذا دليل على تفضيل الغني المنفق على الفقير. لأن الله أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله ٩: ٩٢ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ. فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج؟ قالوا: فهذا حكم القاعد من أولي الضرر والمجاهد. وأما القاعد من غير أولي الضرر:

النساء 4:96

وقوله «درجات» قيل: هو نصب على البدل من قوله «أجرا عظيما» وقيل: تأكيد له، وإن كان بغير لفظه. لأنه هو هو في المعنى. قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال ابن زيد: الدرجات التي فضل الله بها المجاهد على القاعد سبع. وهي التي ذكرها الله تعالى في براءة، إذ يقول تعالى: ﴿ذلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ فهذه خمس. ثم قال ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ فهاتان اثنتان. وقيل: الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة. والصحيح: أن الدرجات هي المذكورة في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان. فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها. قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس. فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة» قالوا: وجعل سبحانه تعالى: التفضيل الأول بدرجة فقط، وجعله هاهنا بدرجات، ومغفرة ورحمة. وهذا يدل على أنه يفضل على غير أولي الضرر. فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه. ولكن بقي أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقا، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر فائدة. فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أولي الضرر أيضا. وأيضا فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر. فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم، وبين أن التفضيل على غيرهم. فاللام في القاعدين للعهد. والمعهود: هم غير أولي الضرر، لا المضرورون. وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما» وقال ﷺ «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم. قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر». وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أولي الضرر عن الجهاد لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن حكمهم بطريق منطوقها ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى معذورين من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها وإنما أقعده العجز. فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية.

النساء 4:100

كُلَّما جَدَّ العارِفُ في الِاسْتِقامَةِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والقِيامِ لَهُ بِأمْرِهِ، جِدَّ العَدُوُّ في إغْراءِ السُّفَهاءِ بِهِ، فَهو في هَذِهِ العُقْبَةِ قَدْ لَبِسَ لَأْمَةَ الحَرْبِ، وأخَذَ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ لِلَّهِ وبِاللَّهِ، فَعُبُودِيَّتُهُ فِيها عُبُودِيَّةُ خَواصِّ العارِفِينَ، وهي تُسَمّى عُبُودِيَّةَ المُراغَمَةِ، ولا يَنْتَبِهُ لَها إلّا أُولُو البَصائِرِ التّامَّةِ، ولا شَيْءَ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن مُراغَمَةِ ولِيِّهِ لِعَدُوِّهِ، وإغاظَتِهِ لَهُ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذِهِ العُبُودِيَّةِ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ: أحَدُها: قَوْلُهُ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ سَمّى المُهاجِرَ الَّذِي يُهاجِرُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ مُراغِمًا يُراغِمُ بِهِ عَدُوُّ اللَّهِ وعَدُوُّهُ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن ولِيِّهِ مُراغَمَةَ عَدُوِّهِ، وإغاظَتَهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وقالَ تَعالى في مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأتْباعِهِ ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] فَمُغايَظَةُ الكُفّارِ غايَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلرَّبِّ مَطْلُوبَةٌ لَهُ، فَمُوافَقَتُهُ فِيها مِن كَمالِ العُبُودِيَّةِ، وشَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُصَلِّي إذا سَها في صِلاتِهِ سَجْدَتَيْنِ، وقالَ «إنْ كانَتْ صَلاتُهُ تامَّةً كانَتا تُرْغِمانِ أنْفَ الشَّيْطانِ» وفي رِوايَةٍ " «تَرْغِيمًا لِلشَّيْطانِ» " وسَمّاها المُرْغِمَتَيْنِ. فَمَن تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُراغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وافِرٍ، وعَلى قَدْرِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِرَبِّهِ ومُوالاتِهِ ومُعاداتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن هَذِهِ المُراغَمَةِ، ولِأجْلِ هَذِهِ المُراغَمَةِ حُمِدَ التَّبَخْتُرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، والخُيَلاءُ والتَّبَخْتُرُ عِنْدَ صَدَقَةِ السِّرِّ، حَيْثُ لا يَراهُ إلّا اللَّهُ، لِما في ذَلِكَ مِن إرْغامِ العَدُوِّ، وبَذْلِ مَحْبُوبِهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وَهَذا بابٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ لا يَعْرِفُهُ إلّا القَلِيلُ مِنَ النّاسِ، ومَن ذاقَ طَعْمَهُ ولَذَّتَهُ بَكى عَلى أيّامِهِ الأُوَلِ. وَبِاللَّهِ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وَصاحِبُ هَذا المَقامِ إذا نَظَرَ إلى الشَّيْطانِ، ولاحَظَهُ في الذَّنْبِ، راغَمَهُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَأحْدَثَتْ لَهُ هَذِهِ المُراغَمَةُ عُبُودِيَّةً أُخْرى. فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن بَعْضِ لَطائِفِ أسْرارِ التَّوْبَةِ لا تَسْتَهْزِئْ بِها، فَلَعَلَّكَ لا تَظْفَرُ بِها في مُصَنَّفٍ آخَرَ ألْبَتَّةَ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وبِهِ التَّوْفِيقُ.

النساء 4:102

[فصل هل تصح صلاة من صلى وحده وهو يقدر على الصلاة جماعة أم لا؟] فهذه المسألة مبينة على أصلين: أحدهما أن صلاة الجماعة فرض أم سنة؟ وإذا قلنا هي فرض فهل هي شرط لصحة الصلاة أم تصح بدونها مع عصيان تاركها؟ فهاتان مسألتان: أما المسألة الأولى: فاختلف الفقهاء فيها فقال بوجوبها عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبو عمر الأوزاعي وأبو ثور والإمام أحمد في ظاهر مذهبه ونص عليه الشافعي في مختصر المزني، فقال: وأما الجماعة فلا أرخص في تركها إلا من عذر، وقال ابن المنذر في كتاب الأوسط: ذكر حضور الجماعة على العميان، وإن بعدت منازلهم عن المسجد. ويدل على ذلك أن شهود الجماعة فرض لا ندب، ثم ذكر حديث ابن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرا فهل يسعني أن أصلي في بيتي قال: "تسمع الإقامة". قال: نعم. قال: "فأتها". قال ابن المنذر: ذكر تخويف النفاق على تارك شهود العشاء والصبح في جماعة، ثم قال في أثناء الباب: فدلت الأخبار التي ذكرت على وجوب فرض الجماعة على من لا عذر له، فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير: "لا أجد لك رخصة". فإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى أن لا تكون له رخصة. قال: وفي اهتمامه ﷺ بأن يحرق على قوم تخلفوا عن الصلاة بيوتهم أبين البيان على وجوب فرض الجماعة، إذ غير جائز أن يتهدد رسول الله ﷺ من تخلف عن ندب وعما ليس بفرض. قال: ويؤيده حديث أبي هريرة أن رجلا خرج من المسجد بعدما أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ، ولو كان المرء مخيرا في ترك الجماعة وإتيانها لم يجز أن يعصي من تخلف عما لا يجب عليه أن يحضره، وإنما لما أمر الله جل ذكره بالجماعة في حال الخوف دل على أن ذلك في حال الأمن أوجب، والأخبار المذكورة في أبواب الرخصة في التخلف عن الجماعة لأصحاب الأعذار تدل على فرض الجماعة على من لا عذر له، ولو كان حال العذر وغير حال العذر سواء لم يكن للترخيص في التخلف عنها في أبواب العذر معنى، ودل على تأكيد فرض الجماعة قوله ﷺ: "من يسمع النداء فلم يجب فلا صلاة له". ثم ساق الحديث في ذلك ثم قال: وقال الشافعي ذكر الله الأذان بالصلاة، فقال: ﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾. وقال تعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسَعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وسن رسول الله ﷺ الأذان للصلوات المكتوبات فأشبه ما وصفت أن لا يحل أن تصلي كل مكتوبة إلا في جماعة حتى لا يخلو جماعة مقيمون أو مسافرون من أن يصلي بهم صلاة جماعة فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر وإن تخلف أحد فصلاها منفردا لم تكن عليه إعادتها صلاها قبل الإمام أو بعده إلا صلاة الجمعة فإن من صلاها ظهرا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها لأن إتيانها فرض هذا كله لفظ ابن المنذر، وقالت الحنفية والمالكية: هي سنة مؤكدة ولكنهم يؤثمون تارك السنن المؤكدة ويصححون الصلاة بدونه، والخلاف بينهم وبين من قال أنها واجبة لفظي. وكذلك صرح بعضهم بالوجوب، قال الموجبون: قال الله تعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. ووجه الاستدلال بالآية من وجوه: أحدها أمره سبحانه لهم بالصلاة في الجماعة، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وفي هذا دليل على أن الجماعة فرض على الأعيان إذ لم يسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، ولو كانت الجماعة سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف ولو كانت فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى، ففي الآية دليل على وجوبها على الأعيان، فهذه على ثلاثة أوجه أمره بها أولا ثم أمره بها ثانيا وأنه لم يرخص لهم في تركها حال الخوف. (فائدة) استُدِل على وجوب الجماعة بأن الجمع بين الصلاتين شرع في المطر لأجل تحصيل الجماعة مع أن إحدى الصلاتين قد وقعت خارج الوقت، والوقت واجب فلم لم تكن الجماعة واجبة لما ترك لها الوقت الواجب. اعترض على ذلك بأن الواجب قد يسقط لغير الواجب بك لغير المستحب فإن شطر الصلاة يسقط لسفر الفرجة والتجارة ويسقط غسل الرجلين لأجل لبس الخف وغايته أن يكون مباحا. وهذا الاعتراض فاسد فإن فرض المسافر ركعتين قلم يسقط الواجب لغير الواجب وأيضا فإنه لا محذور في سقوط الواجب لأجل المباح وليس الكلام في ذلك، وإنما المستحيل أن يراعى في العبادة أمر مستحب يتضمن فوات الواجب فهذا هو الذي لا عهد لنا في الشريعة بمثله ألبتة، وبذلك خرج الجواب عن سقوط غسل الرجلين لأجل الخف. واستدل على وجوبها بأن الله تعالى أمر بها في صلاة الخوف التي هي محل التخفيف وسقوط ما لا يسقط في غيرها واحتمال ما لا يحتمل في غيرها فما الظن بصلاة الآمن المقيم. فاعترض على ذلك بأن المقصود الاجتماع في صلاة الخوف فقصد اجتماع المسلمين وإظهار طاعتهم وتعظيم شعار دينهم ولا سيما حيث كانوا مع النبي ﷺ فكان المقصود أن يظهروا للعدو طاعة المسلمين له وتعظيمهم لشأنه حتى أنهم في حال الخوف الذي لا يبقى أحد مع أحد يتبعونه ولا يتفرقون عنه ولا يفارقونه بحال وهذا كما جرى لهم في عمرة القضاء معه حتى قال عروة بن مسعود: "لقد وفدت على الملوك كسرى وقيصر فلم أر ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم محمدا أصحابه" والذي يدل على هذا أنا رأينا الجماعة تسقط عند المطر الذي يبل النعال فكان منادي رسول الله ﷺ ينادي "ألا صلوا في رحالكم " والجمعة تسقط بخشية فوات الخبز الذي في التنور مع كون الجماعة شرطا فيها وتسقط خشية مصادفة غريم يؤذيه ومعلوم أن عذر الحرب ومواقفة الكفار أعظم من هذا كله ومع هذا فأقيم شعارها في تلك الحال فدل على أن المقصود ما ذكرنا. قلت ونحن لا ننكر أن هذا مقصود أيضا مضموم إلى مقصود الجماعة فلا منافاة بينه وبين وجوب الجماعة بل إذا كان هذا أمرا مطلوبا فهو من أدل الدلائل على وجوب الجماعة في تلك الحال ومع أن هذا مقصود أيضا في اجتماع المسلمين في الصلاة وراء إمامهم وأسباب العبادات التي شرعت تلك العبادات بل تلك العبادات تستقر وتدوم وإن زالت أسباب مشروعيتها وهذا كالرمل في الطواف والسعي بين الصفا والمروة.

النساء 4:104

(فصل) قد ذكر الله سبحانه في كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم، وكيف نجاهم بالصبر والطاعة، ثم قال: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِى الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١]. وتمام الكلام في هذا المقام العظيم يتبين بأصول نافعة جامعة. الأول: أن ما يصيب المؤمنين من الشرور والمحن والأذى دون ما يصيب الكفار. والواقع شاهد بذلك. وكذلك ما يصيب الأبرار في هذه الدنيا دون ما يصيب الفجار والفساق والظلمة بكثير. الأصل الثاني: أن ما يصيب المؤمنين في الله تعالى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم الرضا فمعوَّلهم على الصبر، وعلى الاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء، ومؤنته، فإنهم كلما شاهدوا العوض هان عليهم تحمل المشاق والبلاء والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهائم، وقد نبه تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا فِى ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإٍنّهم يَأْلمونَ كَما تَأْلمونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مالا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. فاشتركوا في الألم، وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزلفى من الله تعالى. الأصل الثالث: أن المؤمن إذا أوذي في الله فإنه محمول عنه بحسب طاعته وإخلاصه ووجود حقائق الإيمان في قلبه، حتى يحمل عنه من الأذى ما لو كان شيء منه على غيره لعجز عن حمله، وهذا من دفع الله عن عبده المؤمن، فإنه يدفع عنه كثيرا من البلاء، وإذا كان لابد له من شيء منه دفع عنه ثقله ومؤنته ومشقته وتبعته. الأصل الرابع: أن المحبة كلما تمكنت في القلب ورسخت فيه، كان أذى المحب في رضى محبوبه مستحلى غير مسخوط، والمحبون يفتخرون عند أحبابهم بذلك، حتى قال قائلهم: ؎لَئنْ ساءنِي أنْ نِلْتَنِي بَمساءةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّى خَطَرْتُ بِبالِكَ فما الظن بمحبة المحبوب الأعلى، الذي ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له وإحسان إليه. الأصل الخامس: أن ما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العز والنصر والجاه دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وكسر وهوان، وإن كان في الظاهر بخلافه. الأصل السادس: أن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر، وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له". فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته، ولهذا كان أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأقرب إليهم فالأقرب، يبتلى المرء حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شدد عليه البلاء، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة. الأصل السابع: أن ما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وغلبته له، وأذاه له في بعض الأحيان: أمر لازم، لا بد منه، وهو كالحر الشديد، والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار، حتى للأطفال والبهائم، لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين، فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر، والنفع عن الضر، واللذة عن الألم، لكان ذلك عالما غير هذا، ونشأة أخرى غير هذه النشأة، وكانت تفوت الحكمة التي مزج لأجلها بين الخير والشر، والألم واللذة، والنافع والضار، وإنما يكون تخليص هذا من هذا، وتمييزه في دار أخرى، غير هذه الدار، كما قال تعالى: ﴿لَيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الَخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنّمَ أُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧]. الأصل الثامن: أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم، وقهرهم، وكسرهم لهم أحيانا فيه حكمة عظيمة، لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل. فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إليه، وسؤالهم نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا: ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غَلَبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلِبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له وتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أو لياءه. ومنها: أنهم لو كانوا دائما منصورين، غالبين قاهرين، لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول. فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد. فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة. فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه. ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم. فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش والنصب، وأضدادها. فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمة ممتنع. ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم، ويخلصهم، ويهذبهم كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (١٤٠) ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ (١٤١) أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢) ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ (١٤٤)﴾. فذكر سبحانه أنواعا من الحكم التي لأجلها أديل عليهم الكفار، بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوه من الإيمان، وسلاهم بأنهم وإن مسهم القرح في طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداءهم القرح في عداوته وعداوة رسوله. ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولا بين الناس، فيصيب كلا منهم نصيبه منها، كالأرزاق والآجال. ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم، وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه، ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين مشاهدين، فيعلم إيمانهم واقعا. ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالية عنده، ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه، وأنفعها للعبد. ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين: أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو، وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم، وعدوانهم إذا انتصروا. ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر. وأن حكمته تأبى ذلك فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائما منصورين غالبين لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم فهذا بعض حِكَمِه في نصر عدوهم عليهم، وإدالته في بعض الأحيان. الأصل التاسع: أنه سبحانه وتعالى إنما خلق السماوات والأرض وخلق الموت والحياة وزين الأرض بما عليها لابتلاء عباده، وامتحانهم، ليعلم من يريده ويريد ما عنده ممن يريد الدنيا وزينتها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الّذِي خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ في سِتّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلَ الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلاَ﴾ [هود: ٧]. وقال ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف:٧]. وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيكم أحسَنُ عَمَلاَ﴾ [الملك: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]. وقال تعالى ﴿الم * أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يفُتَنُونَ * ولَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣]. فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنت، أو لا يؤمن، بل يستمر على السيئات والكفر، ولا بد من امتحان هذا وهذا. فأما من قال: آمنت فلا بد أن يمتحنه الرب ويبتليه، ليتبين: هل هو صادق في قوله، آمنت، أو كاذب؟ فإن كان كاذبا رجع على عقبيه، وفر من الامتحان، كما يفر من عذاب الله، وإن كان صادقا ثبت على قوله، ولم يزده الابتلاء والامتحان إلا إيمانا على إيمانه. قال تعالى ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُه وصَدَقَ اللهُ ورَسُولهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيِمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. وأما من لم يؤمن، فإنه يمتحن في الآخرة بالعذاب، ويفتن به، وهي أعظم المحنتين، هذا إن سلم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها، وعقوبتها التي أوقعها الله بمن لم يتبع رسله وعصاهم، فلا بد من المحنة في هذه الدار وفي البرزخ، وفي القيامة لكل أحد، ولكن المؤمن أخف محنة وأسهل بلية. فإن الله يدفع عنه بالإيمان، ويحمل عنه به ويرزقه من الصبر والثبات والرضى والتسليم ما يهون به عليه محنته. وأما الكافر والمنافق والفاجر، فتشتد محنته وبليته وتدوم، فمحنة المؤمن خفيفة منقطعة، ومحنة الكافر والمنافق والفاجر شديدة متصلة. فلا بد من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة، والكافر والمنافق والفاجر، تحصل له اللذة والنعيم ابتداء، ثم يصير إلى الألم، فلا يطمع أحد أن يخلص من المحبة والألم ألبتة. يوضحه: الأصل العاشر: وهو أن الإنسان مدني بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات، واعتقادات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، فإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب من وجه آخر، فلا بد له من الناس ومخالطتهم، ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم. وفي الموافقة ألم وعذاب، إذا كانت على باطل، وفي المخالفة ألم وعذاب، إذا لم يوافق أهواءهم واعتقاداتهم، وإراداتهم ولا ريب أن ألم المخالفة لهم في باطلهم أسهل من الألم المترتب على موافقتهم. واعتبر هذا بمن يطلبون منه الموافقة على ظلم أو فاحشة أو شهادة زور، أو المعاونة على محرم. فإن لم يوافقهم آذوه وظلموه وعادوه، ولكن له العاقبة والنصرة عليهم إن صبر واتقى، وإن وافقهم فرارا من ألم المخالفة أعقبه ذلك من الألم أعظم مما فر منه، والغالب أنهم يسلطون عليه، فيناله من الألم منهم أضعاف ما ناله من اللذة أولا بموافقتهم. فمعرفة هذا ومراعاته من أنفع ما للعبد، فألم يسير يعقب لذة عظيمة دائمة أولى بالاحتمال من لذة يسيرة تعقب ألما عظيما دائما، والتوفيق بيد الله. الأصل الحادي عشر: أن البلاء الذي يصيب العبد في الله لا يخرج عن أربعة أقسام. فإنه إما أن يكون في نفسه، أو في ماله، أو في عرضه أو في أهله ومن يحب. والذي في نفسه قد يكون بتلفها تارة، وبتألمها بدون التلف، فهذا مجموع ما يبتلى به العبد في الله. وأشد هذه الأقسام: المصيبة في النفس. ومن المعلوم أن الخلق كلهم يموتون، وغاية هذا المؤمن أن يستشهد في الله، وتلك أشرف الموتات وأسهلها، فإنه لا يجد الشهيد من الألم إلا مثل ألم القرصة، فليس في قتل الشهيد مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم. فمن عد مصيبة هذا القتل أعظم من مصيبة الموت على الفراش فهو جاهل، بل موت الشهيد من أيسر الميتات وأفضلها وأعلاها ولكن الفارَّ يظن أنه بفراره يطول عمره، فيتمتع بالعيش، وقد أكذب الله سبحانه هذا الظن، حيث يقول: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إن فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذْا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلاَ﴾ [الأحزاب: ١٦]. فأخبر الله أن الفرار من الموت بالشهادة لا ينفع، فلا فائدة فيه، وأنه لو نفع لم ينفع إلا قليلا، إذ لا بد له من الموت، فيفوته بهذا القليل ما هو خير منه وأنفع من حياة الشهيد عند ربه. ثم قال: ﴿مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَة؟ ولا يَجِدُونَ لَهُمُ مِن دُونِ اللهِ ولِيا ولا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧]. فأخبر سبحانه أن العبد لا يعصمه أحد من الله، إن أراد به سوءا غير الموت الذي فر منه، فإنه من الموت لما كان يسوءه، فأخبر الله سبحانه أنه لو أراد به سوءا غيره لم يعصمه أحد من الله، وأنه قد يفر مما يسوءه من القتل في سبيل الله، فيقع فيما يسوءه مما هو أعظم منه. وإذا كان هذا في مصيبة النفس، فالأمر هكذا في مصيبة المال والعرض والبدن، فإن من بخل بماله أن ينفقه في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته، سلبه الله إياه، أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى، بل فيما يعود عليه بمضرته عاجلا وآجلا، وإن حبسه وادخره منعه التمتع به، ونقله إلى غيره. فيكون له مَهْنَؤهُ وعلى مخلِّفه وزوه. وكذلك من رَفَّه بدنه وعرضه وآثر راحته على التعب لله وفي سبيله أتعبه الله سبحانه أضعاف ذلك في غير سبيله، ومرضاته وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب. قال أبو حازم: "لما يلقى الذي لا يتقى الله معالجة الخلق أعظم مما يلقى الذي يتقي الله من معالجة التقوى". واعتبر ذلك بحال إبليس. فإنه امتنع من السجود لآدم فرارا أن يخضع له ويذل، وطلب إعزاز نفسه، فصيره الله أذل الأذلين، وجعله خادما لأهل الفسوق والفجور من ذريته فلم يرض بالسجود له، ورضي أن يخدم هو وبنوه فساق ذريته. وكذلك عباد الأصنام، أنفوا أن يتبعوا رسولا من البشر، وأن يعبدوا إلها واحدا سبحانه، ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار. وكذلك كل من امتنع أن يذل لله، أو يذل ماله في مرضاته، أو يتعب نفسه وبدنه في طاعته ومرضاته عقوبة له، كما قال بعض السلف: "من امتنع أن يمشي مع أخيه خطوات في حاجته أمشاه الله تعالى أكثر منها في غير طاعته".

النساء 4:113

وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وقال عن المسيح عليه السلام: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾. الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردة، ومقترنة بالكتاب. فالمفردة فسرت بالنبوة، وفسرت بعلم القرآن. قال ابن عباس: هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وقال الضحاك: هي القرآن والفهم فيه. وقال مجاهد: هي القرآن، والعلم والفقه، وفي رواية أخرى عنه: هي الإصابة في القول والفعل. وقال النخعي: هي معاني الأشياء وفهمها. وقال الحسن: الورع في دين الله، كأنه فسرها بثمرتها ومقتضاها. وأما الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السنة. كذلك قال الشافعي وغيره من الأئمة. وقيل: هي القضاء بالوحي، وتفسيرها بالسنة أعم وأشهر. وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: أنها معرفة الحق والعمل به، والإصابة في القول والعمل. وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع الإسلام، وحقائق الإيمان.

النساء 4:119

قال الضحاك: "مفروضا أي معلوما" وقال الزجاج: "أى نصيبا افترضته على نفسي" قال الفراء: "يعني ما جعل له عليه السبيل من الناس، فهو كالمفروض". قلت: حقيقة الفرض هو التقدير. والمعنى: أن من اتبع الشيطان وأطاعه فهو من نصيبه المفروض وحظه المقسوم، فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه، فالناس قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه، وأولياء الله وحزبه وخاصته. وقوله ﴿ولأضلنهم﴾ يعني عن الحق ﴿ولأمنينهم﴾، قال ابن عباس: "يريد تعويق التوبة وتأخيرها". وقال الكلبى: "أمُنَيِّهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث". وقال الزجاج: "أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون مع ذلك حظهم من الآخرة". وقيل: "لأمنينهم ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدع". وقيل: "أمنيهم طول البقاء في نعيم الدنيا، فأطيل لهم الأمل فيها ليؤثروها على الآخرة". وقوله: ﴿وَلآمُرَنّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩]. البتك: القطع وهو في هذا الموضع: قطع آذان البحيرة، عن جميع المفسرين، ومن هاهنا كره جمهور أهل العلم تثقيب أذنى الطفل للحلق، ورخص بعضهم في ذلك للأنثى، دون الذكر، لحاجتها إلى الحلية، واحتجوا بحديث أم زَرْعٍ، وفيه: "أناسَ مِن حُلِىّ أُذُنىّ " وقال النبي ﷺ: "كُنْتُ لَكِ كَأبِي زَرْعٍ لأمِّ زَرْعٍ". ونص أحمد رحمه الله على جواز ذلك في حق البنت وكراهته في حق الصبي. وقوله: ﴿وَلآمُرَنّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ [النساء: ١١٩]. قال ابن عباس: "يريد دين الله". وهو قول إبراهيم، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وقتادة، والسُّدى، وسعيد بن المسيَّب، وسعيد بن جُبير. ومعنى ذلك: هو أن الله تعالى فطر عباده على الفطرة المستقيمة؛ وهى ملَّة الإسلام؛ كما قال تعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِى فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولِكنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتّقُوهُ﴾ [الروم: ٣٠-٣١]. ولهذا قال ﷺ: "ما مِن مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمجِّسانِهِ كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، فَهَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ، حَتّى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَها". ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطرَتَ اللهِ الّتِى فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] الآية، متفق عليه. فجمع النبيّ عليه الصلاة والسلام بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر، وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغيروا الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة. ثم قال: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾ فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان، نحو: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا إربك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، والدنيا دول ستكون لك كما كانت لغيرك، ويطول أمله، ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه، ويمنيه الأماني الكاذبة على اختلاف وجوهها، والفرق بين وعده وتمنيته أن الوعد في الخير والتمنية في الطلب والإرادة، فيعده الباطل الذي لا حقيقة له - وهو الغرور - ويمنيه المحال الذي لا حاصل له. ومن تأمل أحوال أكثر الناس وجدهم متعلقين بوعده وتمنيه وهم لا يشعرون أنه يعد الباطل، ويمنى المحال، والنفس المهينة التي لا قدر لها تغتذى بوعده وتمنيته، كما قال القائل: ؎مُنًى إنْ تَكُنْ حَقا تَكُنْ أحْسَنَ المُنى ∗∗∗ وإلا فَقَدْ عِشْنا بِها زَمَنًا رَغْدا فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأمانى الباطلة والوعود الكاذبة، وتفرح بها، كما يفرح بها النساء والصيبان ويتحركون لها، فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيه، فإن الشيطان يمنى أصحابها الظفر بالحق وإدراكه، ويعدهم الوصول إليه من غير طريقه، فكل مبطل فله نصيب من قوله: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾. [فَصْلٌ: الذُّنُوبُ تُدْخِلُ العَبْدَ تَحْتَ لَعْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ] وَمِنها: أنَّ الذُّنُوبَ تُدْخِلُ العَبْدَ تَحْتَ لَعْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ لَعَنَ عَلى مَعاصِي والَّتِي غَيْرُها أكْبَرُ مِنها، فَهي أوْلى بِدُخُولِ فاعِلِها تَحْتَ اللَّعْنَةِ. فَلَعَنَ الواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ، والواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والنّامِصَةَ والمُتَنَمِّصَةَ، والواشِرَةَ والمُسْتَوْشِرَةَ. وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبا ومُؤْكِلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَهُ. وَلَعَنَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ. وَلَعَنَ السّارِقَ. وَلَعَنَ شارِبَ الخَمْرِ وساقِيها وعاصِرَها ومُعْتَصِرَها، وبائِعَها ومُشْتَرِيها، وآكِلَ ثَمَنِها وحامِلَها والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ. وَلَعَنَ مَن غَيَّرَ مَنارَ الأرْضِ وهي أعْلامُها وحُدُودُها. وَلَعَنَ مَن لَعَنَ والِدَيْهِ. وَلَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا يَرْمِيهِ بِسَهْمٍ. وَلَعَنَ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجالِ والمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّساءِ. وَلَعَنَ مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَلَعَنَ مَن أحْدَثَ حَدَثًا أوْ آوى مُحْدِثًا. وَلَعَنَ المُصَوِّرِينَ. وَلَعَنَ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. وَلَعَنَ مَن سَبَّ أباهُ وأُمَّهُ. وَلَعَنَ مَن كَمِهَ أعْمًى عَنِ الطَّرِيقِ. وَلَعَنَ مَن أتى بَهِيمَةً. وَلَعَنَ مَن وسَمَ دابَّةً في وجْهِها. وَلَعَنَ مَن ضارَّ مُسْلِمًا أوْ مَكَرَ بِهِ. وَلَعَنَ زَوّاراتِ القُبُورِ والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ. وَلَعَنَ مَن أفْسَدَ امْرَأةً عَلى زَوْجِها، أوْ مَمْلُوكًا عَلى سَيِّدِهِ. وَلَعَنَ مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها. وَأخْبَرَ أنَّ مَن باتَتْ مُهاجِرَةً لِفِراشِ زَوْجِها لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ. وَلَعَنَ مَنِ انْتَسَبَ إلى غَيْرِ أبِيهِ. وَأخْبَرَ أنَّ مَن أشارَ إلى أخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُهُ. وَلَعَنَ مَن سَبَّ الصَّحابَةَ. مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ مَن أفْسَدَ في الأرْضِ وقَطَعَ رَحِمَهُ، وآذاهُ وآذى رَسُولَهُ ﷺ. وَلَعَنَ مَن كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى. وَلَعَنَ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ بِالفاحِشَةِ. وَلَعَنَ مَن جَعَلَ سَبِيلَ الكافِرِ أهْدى مِن سَبِيلِ المُسْلِمِ. وَلَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المَرْأةِ والمَرْأةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. وَلَعَنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي والرّائِشَ، وهُوَ: الواسِطَةُ في الرِّشْوَةِ. وَلَعَنَ عَلى أشْياءَ أُخْرى غَيْرِ هَذِهِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في فِعْلِ ذَلِكَ إلّا رِضاءُ فاعِلِهِ بِأنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَلْعَنُهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ومَلائِكَتُهُ لَكانَ في ذَلِكَ ما يَدْعُو إلى تَرْكِهِ. وَمِنها: حِرْمانُ دَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعْوَةِ المَلائِكَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ - رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ - وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٧-٩]. فَهَذا دُعاءُ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ التّائِبِينَ المُتَّبِعِينَ لِكِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ الَّذِينَ لا سَبِيلَ لَهم غَيْرُهُما، فَلا يَطْمَعُ غَيْرُ هَؤُلاءِ بِإجابَةِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، إذْ لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفاتِ المَدْعُوِّ لَهُ بِها، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

النساء 4:125

وأما الخلة فتوحيد المحبة فالخليل هو الذي توحد حبه لمحبوبه وهي رتبة لا تقبل المشاركة ولهذا اختص بها في العالم الخليلان إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما قال الله تعالى ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ وصح عن النبي ﷺ أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وفي الصحيح عنه لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن وفي الصحيح أيضا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولما كانت الخلة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله سبحانه إبراهيم الخليل بذبح ولده لما أخذ شعبة من قلبه فأراد سبحانه أن يخلص تلك الشعبة له ولا تكون لغيره فامتحنه بذبح ولده والمراد ذبحه من قلبه لا ذبحه بالمدية فلما أسلما لأمر الله وقدم محبة الله تعالى على محبة الولد خلص مقام الخلة وفدى الولد بالذبح وقيل إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح قال ؎قد تخللت مسلك الروح مني ∗∗∗ وبذا سمي الخليل خليلا والخلة الخليل يستوي فيه المذكر والمؤنث لأنه في الأصل مصدر قولك خليل بين الخلة والخلولة قال ألا أبلغا خلتي جابرا ... بأن خليلك لم يقتل ويجمع على خلال مثل قلة وقلال والخل الود والصديق والخلال أيضا مصدر بمعنى الخالة ومنه قوله تعالى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ وقال في الآية الأخرى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ قال امرؤ القيس ولست بمقلي الخلال ولا قالي والخليل الصديق والأنثى خليلة والخلالة والخلالة والخلالة بكسر الخاء وفتحها وضمها الصداقة والمودة قال وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب وقد ظن بعض من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل، وقال محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله وهذا باطل من وجوه كثيرة منها إن الخلة خاصة والمحبة عامة فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وقال في عباده المؤمنين ﴿يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ ومنها أن النبي ﷺ نفى أن يكون له من أهل الأرض خليل وأخبر أن أحب النساء إليه عائشة ومن الرجال أبوها ومنها أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ومنها أنه قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته. [فَصْلٌ المَحَبَّةُ والخُلَّةُ] وَأمّا ما يَظُنُّهُ بَعْضُ الغالِطِينَ - أنَّ المَحَبَّةَ أكْمَلُ مِنَ الخُلَّةِ، وأنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، ومُحَمَّدًا حَبِيبُ اللَّهِ - فَمِن جَهْلِهِ، فَإنَّ المَحَبَّةَ عامَّةٌ، والخُلَّةَ خاصَّةٌ، والخُلَّةَ نِهايَةُ المَحَبَّةِ، وقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيلٌ غَيْرُ رَبِّهِ مَعَ إخْبارِهِ بِحُبِّهِ لِعائِشَةَ ولِأبِيها ولِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِمْ. وَأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ: ﴿يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. و﴿يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. و﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]. و﴿يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. والشّابُّ التّائِبُ حَبِيبُ اللَّهِ، وخُلَّتُهُ خاصَّةٌ بِالخَلِيلَيْنِ، وإنَّما هَذا مِن قِلَّةِ العِلْمِ والفَهْمِ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ. (فصل: في ذكر إبْراهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﷺ وَهَذا الِاسْم من النّمط المُتَقَدّم فَإن إبْراهِيم بالسُّرْيانيَّة مَعْناهُ أب رَحِيم والله سُبْحانَهُ جعل إبْراهِيم الأب الثّالِث للْعالم فَإن أبانا الأول آدم والأب الثّانِي نوح وأهل الأرْض كلهم من ذُريَّته كَما قالَ تَعالى ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] وَبِهَذا يتَبَيَّن كذب المفترين من العَجم الَّذين يَزْعمُونَ أنهم لا يعْرفُونَ نوحًا ولا ولَده ولا ينسبون إلَيْهِ وينسبون مُلُوكهمْ من آدم إلَيْهِم ولا يذكرُونَ نوحًا في أنسابهم وقد أكذبهم الله عز وجل في ذَلِك فالأب الثّالِث أبُو الآباء وعمود العالم وإمام الحنفاء الَّذِي اتَّخذهُ الله سُبْحانَهُ وتَعالى خَلِيلًا وجعل النُّبُوَّة والكتاب في ذُريَّته ذاك خَلِيل الرَّحْمَن وشَيخ الأنْبِياء كَما سَمّاهُ النَّبِي ﷺ بذلك فَإنَّهُ لما دخل الكَعْبَة وجد المُشْركين قد صورا فِيها صورته وصُورَة إسْماعِيل ابْنه وهما يستقسمان بالأزلام فَقالَ قاتلهم الله لقد علمُوا أن شَيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام ولم يَأْمر الله سُبْحانَهُ رَسُول ﷺ أن يتبع مِلَّة أحد من الأنْبِياء غَيره فَقالَ تَعالى ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ من المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وَأمر أمته بذلك فَقالَ تَعالى ﴿هُوَ اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْل﴾ [الحج: ٧٨] وملة مَنصُوب على إضْمار فعل أي اتبعُوا والزموا مِلَّة أبيكم ودلّ على المَحْذُوف ما تقدم من قَوْله ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] وهَذا هو الَّذِي يُقال لَهُ الإغراء وقيل مَنصُوب انتصاب المصادر، والعامِل فِيهِ مَضْمُون ما تقدم قبله وكانَ رَسُول الله ﷺ يُوصي أصْحابه إذا أصْبحُوا إذا أمْسوا أن يَقُولُوا "أصْبَحْنا على فطْرَة الإسْلام وكلمَة الإخْلاص ودين نَبينا مُحَمَّد وملة أبينا إبْراهِيم حَنِيفا مُسلما وما كانَ من المُشْركين" وَتَأمل هَذِه الألْفاظ كَيفَ جعل الفطْرَة لِلْإسْلامِ فَإنَّهُ فطْرَة الله الَّتِي فطر النّاس عَلَيْها وكلمَة الإخْلاص هي شَهادَة أن لا إلَه إلّا الله والملَّة لإبْراهِيم فَإنَّهُ صاحب الملَّة وهِي التَّوْحِيد وعبادَة الله تَعالى وحده لا شريك لَهُ ومحبته فَوق كل محبَّة والدّين للنَّبِي ﷺ، وهو دينه الكامِل وشرعه التّام الجامِع لذَلِك كُله. وَسَماهُ سُبْحانَهُ إمامًا وأمة وقانتا وحنيفا قالَ تَعالى ﴿وَإذ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] فَأخْبر سُبْحانَهُ أنه جعله إمامًا للنّاس وأن الظّالِم من ذُريَّته لا ينال ربتة الإمامَة والظالم هو المُشرك وأخْبر سُبْحانَهُ أن عَهده بِالإمامَةِ لا ينال من أشرك بِهِ وقالَ تَعالى ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحين﴾ فالأمة هو القدْوَة المعلم للخير والقانِت المُطِيع لله الملازم لطاعته والحنيف المقبل على الله المعرض عَمّا سواهُ ومن فسره بالمائل فَلم يفسره بِنَفس مَوْضُوع اللَّفْظ وإنَّما فسره بِلازِم المَعْنى فَإن الحنف هو الإقبال، ومن أقبل على شَيْء مال عَن غَيره والحنف في الرجلَيْن هو إقبال إحْداهما على الأُخْرى ويلْزمهُ ميلها عَن جِهَتها. قالَ تَعالى ﴿فأقم وجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النّاس عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] فـ (حنيفًا) هو حال مقررة لمضمون قَوْله ﴿فأقم وجهك للدّين﴾ وَلِهَذا فسرت مخلصًا، فَتكون الآيَة قد تَضَمَّنت الصدْق والإخْلاص. فَإن إقامَة الوَجْه للدّين هو إفْراد طلبه بِحَيْثُ لا يبْقى في القلب إرادَة لغيره. والحنيف المُفْرد لا يُرِيد غَيره، فالصدق أن لا يَنْقَسِم طَلَبك، والإفراد أن لا يَنْقَسِم مطلوبك. الأول تَوْحِيد الطّلب، والثّانِي تَوْحِيد المَطْلُوب. والمَقْصُود أن إبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلام هو أبونا الثّالِث وهو امام الحنفاء ويسميه أهل الكتاب عَمُود العالم وجَمِيع أهل الملَل متفقة على تَعْظِيمه وتوليه ومحبته وكانَ خير بنيه سيد ولد آدم مُحَمَّد ﷺ يجله ويعظمه ويبجله ويحترمه فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث المُخْتار بن فلفل عَن أنس بن مالك رَضِي الله تَعالى عَنهُ قالَ جاءَ رجل إلى النَّبِي ﷺ فَقالَ يا خير البَريَّة، فَقالَ رَسُول الله ﷺ ذاك إبْراهِيم وسَماهُ شَيْخه كَما تقدم. وَثَبت في صَحِيح البُخارِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أنه قالَ انكم مَحْشُورُونَ حُفاة عُراة غرلًا ثمَّ قَرَأ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ أول من يكسى يَوْم القِيامَة إبْراهِيم. وَكانَ رَسُول الله ﷺ أشبه الخلق بِهِ كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ قالَ رَأيْت إبْراهِيم فَإذا أقرب النّاس شبها بِهِ صاحبكُم يَعْنِي نَفسه ﷺ وَفِي لفظ آخر "وأما إبْراهِيم فانظروا إلى صاحبكُم" وَكانَ ﷺ يعوذ أوْلاد ابْنَته حسنا وحسَيْنا بتعويذ إبْراهِيم لإسماعيل وإسْحاق. فَفِي صَحِيح البُخارِيّ عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنهُ قالَ "كانَ النَّبِي ﷺ يعوذ الحسن والحُسَيْن ويَقُول إن أباكُما كانَ يعوذ بهما إسْماعِيل وإسْحاق أعوذ بِكَلِمات الله التّامَّة من كل شَيْطان وهامة ومن كل عين لامَّة" وَكانَ ﷺ أول من قرى الضَّيْف أول من اختتن أول من رأى الشيب فَقالَ ما هَذا يا رب قالَ وقار قالَ رب زِدْنِي وقارا. وَقد شهد الله سُبْحانَهُ بِأنَّهُ وفي ما أمر بِهِ فَقالَ تَعالى ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما وفي جَمِيع شرائع الإسْلام ووفى ما أمر بِهِ من تَبْلِيغ الرسالَة وَقالَ تَعالى ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فَلَمّا أتم ما أمر بِهِ من الكَلِمات جعله الله إمامًا لِلْخَلائِقِ يأتمون بِهِ وَكانَ ﷺ كَما قيل قلبه للرحمن وولده للقربان وبدنه للنيران وماله للضيفان وَلما اتَّخذهُ ربه خَلِيلًا والخلة هي كَمال المحبَّة وهِي مرتبَة لا تقبل المُشاركَة والمزاحمة وكانَ قد سَألَ ربه أن يهب لَهُ ولدا صالحا فوهب لَهُ إسْماعِيل فَأخذ هَذا الوَلَد شُعْبَة من قلبه فغار الخَلِيل على قلب خَلِيله أن يكون فِيهِ مَكان لغيره فامتحنه بذَبْحه ليظْهر سر الخلَّة في تَقْدِيمه محبَّة خَلِيله على محبَّة ولَده فَلَمّا استسلم لأمر ربه وعزم على فعله وظهر سُلْطان الخلَّة في الإقْدام على ذبح الوَلَد إيثارًا لمحبة خَلِيله على محبته نسخ الله ذَلِك عَنهُ وفداه بِالذبْحِ العَظِيم لِأن المصلحَة في الذّبْح كانَت ناشئة من العَزْم وتوطين النَّفس على ما أمر بِهِ فَلَمّا حصلت هَذِه المصلحَة عاد الذّبْح مفْسدَة فنسخ في حَقه فَصارَت الذَّبائِح والقرابين من الهَدايا والضحايا سنة في أتْباعه إلى يَوْم القِيامَة وَهُوَ الَّذِي فتح للْأمة باب مناظرة المُشْركين وأهل الباطِل وكسر حججهم. وَقد ذكر الله سُبْحانَهُ مناظراته في القُرْآن مَعَ إمام المعطلين ومناظرته مَعَ قومه المُشْركين وكسر حجج الطّائِفَتَيْنِ بِأحْسَن مناظرة وأقربها إلى الفَهم وحُصُول العلم قالَ تَعالى ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نشاء﴾ [الأنعام: ٨٣] قالَ زيد بن أسلم وغَيره بِالحجَّةِ والعلم. وَلما غلب أعداء الله مَعَه بِالحجَّةِ وظَهَرت حجَّته عَلَيْهِم وكسر أصنامهم فَكسر حججهم ومعبودهم هموا بعقوبته وإلقائه في النّار وهَذا شَأْن المبطلين إذا غلبوا وقامَت عَلَيْهِم الحجَّة همو بالعقوبة كَما قالَ فِرْعَوْن لمُوسى عَلَيْهِ السَّلام وقد أقامَ عَلَيْهِ الحجَّة ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشُّعَراء ٢٩ فأضرموا لَهُ النّار وألقوه في المنجنيق فَكانَت تِلْكَ السفرة من أعظم سفرة سافرها وأبركها عَلَيْهِ فَإنَّهُ ما سافر سفرة أبرك ولا أعظم ولا أرفع لشأنه وأقر لعَينه مِنها وفي تِلْكَ السفرة عرض لَهُ جِبْرِيل بَين السَّماء والأرْض فَقالَ يا إبْراهِيم ألَك حاجَة قالَ أما إلَيْك فَلا قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما في قَوْله تَعالى ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ قالَها نَبِيكُم وقالَها إبْراهِيم حِين ألقِي في النّار فَجعل الله سُبْحانَهُ عَلَيْهِ النّار بردا وسلامًا. وَقد ثَبت في صَحِيح البُخارِيّ من حَدِيث أم شريك أن النَّبِي ﷺ أمر بقتل الوزغ وقالَ كانَت تنفح على إبْراهِيم وَهُوَ الَّذِي بنى بَيت الله وأذن في النّاس بحجه فَكل من حجه واعتمره حصل لإبْراهِيم من مزِيد ثَواب الله وكرامته بِعَدَد الحجّاج والمعتمرين.

النساء 4:130

(فائدة) قال أبو عمر غلام شعبة: سأل أبو موسى أبا العباس يعني ثعلبا هل بين يتفرقان ويفترقان خلاف؟ قال: "نعم أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضل قال: يقال افترقا بالكلام، وتفرقا بالأجسام.

النساء 4:135

وقد اشتملت هده الآية على أسرار عظيمة يجب التنبيه على بعضها لشدة الحاجة إليها. قال تعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فأمر سبحانه بالقيام بالقسط وهو العدل في هذه الآية، وهذا أمر بالقيام به في حق كل أحد عدوًا كان أو وليًا وأحق ما قام له العبد بقصد الأقوال والآراء والمذاهب، إذ هي متعلقة بأمر الله وخبره. فالقيام فيها بالهوى والمعصية مضاد لأمر الله مناف لما بعث به رسوله. والقيام فيها بالقسط وظيفة خلفاء الرسول في أمته وأمنائه بين اتباعه. ولا يستحق اسم الأمانة إلا من قام فيها بالعدل المحض نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولعباده، وأولئك هم الوارثون حقا، لا من يجعل أصحابه ونحلته ومذهبه معيارًا على الحق وميزانًا له، يعادي من خالفه ويوالي من وافقه بمجرد موافقته ومخالفته، فأين هذا من القيام بالقسط الذي فرضه الله على كل أحد؟! وهو في هدا الباب أعظم فرضًا وأكبر وجوبًا. ثم قال: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ الشاهد هو المخبر، فان أخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول، وإن أخبر بباطل فهو شاهد زور، وأمر تعالى أن يكون شهيدًا له مع القيام بالقسط، وهذا يتضمن أن تكون الشهادة بالقسط، وأن تكون لله لا لغيره، وقال في الآية الأخرى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ فتضمنت الآيتان أمورًا أربعة. أحدهما: القيام بالقسط. الثاني: أن يكون لله. الثالث: الشهادة بالقسط. الرابع: أن تكون لله. واحتضنت آية النساء بالقسط والشهادة لله، وآية المائدة بالقيام لله والشهادة بالقسط لسر عجيب من أسرار القرآن ليس هذا موضع ذكره. ثم قال تعالى: الأقربين ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ فأمر سبحانه أن يقام بالقسط ويشهد على كل أحد ولو كان أحب الناس إلى العبد، فيقوم بالقسط على نفسه ووالديه الذين هما اصله وأقاربه الذين هم أخص به والصديق من سائر الناس، فإن كان ما في العبد من محبة لنفسه ولوالديه وأقربيه يمنعه من القيام عليهم بالحق، ولاسيما إذا كان الحق لمن يبغضه ويعاديه قبلهم، فإنه لا يقوم به في هذا الحال إلا من كان الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما، وهذا يمتحن به العبد إيمانه فيعرف منزلة الإيمان من قلبه ومحله منه، وعكس هذا عدل العبد في أعدائه ومن يجفوه، فإنه لا ينبغي أن يحمله بغضه لهم أن يحيف عليهم، كما لا ينبغي أن يحمله حبه لنفسه ووالديه وأقاربه على أن يترك القيام عليهم بالقسط، فلا يدخله ذلك البغض في باطل ولا يقصر به هذا الحب عن الحق. كما قال السلف: " العادل هو الذي إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، وإذا رضي لم يخرجه رضاه عن الحق ". اشتملت الآيتان على هذين الحكمين: وهما القيام بالقسط والشهادة به على الأولياء والأعداء. ثم قال تعالى ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ منكم هو ربهما ومولاهما وهما عبيده، كما أنكم عبيده فلا تحابوا غنيًا لغناه، ولا فقيرًا لفقره فإن الله أولى بهما منكم. وقد يقال: فيه معنى آخر أحسن من هذا، وهو أنهم ربما خافوا من القيام بالقسط وأداء الشهادة على الغني والفقير. أما الغني فخوفًا على ماله، وأما الفقير فلإعدامه وأنه لا شيء له فتتساهل، النفوس في القيام عليه بالحق، فقيل لهم: والله أولى بالغني والفقير منكم، أعلم بهذا وأرحم بهذا، فلا تتركوا أداء الحق والشهادة على غني ولا فقير. ثم قال تعالى: ﴿لا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ نهاهم عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل. وقوله تعالى ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ منصوب الموضع لأنه مفعول لأجله، وتقديره عند البصريين: كراهية أن تعدلوا، أو حذر أن تعدلوا، فيكون اتباعكم للهوى كراهية العدل أو فرارًا منه، وعلى قول الكوفيين التقدير. أن لا تعدلوا، وقول البصريين أحسن وأظهر. ثم قال تعالى: ﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ذكر سبحانه السببين الموجبين لكتمان الحق محذرا منهما ومتوعدا عليهما: أحدهما: اللي والآخر: الإعراض، فإن الحق إذا ظهرت حجته ولم يجد من يروم دفعها طريقًا إلى دفعها أعرض عنها وأمسك عن ذكرها فكان شيطانًا أخرس، وتارة يلويها ويحرفها، اللي مثال الفتل وهو التحريف، وهو نوعان: ليُّ في اللفظ وليُّ في المعنى، فاللي في اللفظ أن يلفظ بها على وجه لا يستلزم الحق، إما بزيادة لفظة أو نقصانها أو إبدالها بغيرها، ولي في كيفية أدائها وإيهام السامع لفظًا وإرادة غيره، كما كان اليهود يلوون ألسنتهم بالسلام على النبي ﷺ وغيره فهذا أحد نوعي اللي. والنوع الثاني منه: لي المعنى وهو تحريفه وتأويل اللفظ على خلاف مراد المتكلم، وبجهالة ما لم يرده أو يسقط منه لبعض المراد به، ونحو هذا من لي المعاني، فقال تعالى: ﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. ولما كان الشاهد مطالبًا بأداء الشهادة على وجهها فلا يكتمها ولا يغيرها كان الإعراض نظير الكتمان. واللي نظير تغييرها وتبديلها، فتأمل ما تحت هذه الآية من كنوز العلم. والمقصود: أن الواجب الذي لا يتم الإيمان بل لا يحصل مسمى الإيمان إلا به، مقابلة النصوص بالتلقي والقبول والإظهار لها ودعوة الخلق إليها، ولا تقابل بالاعتراض تارة وباللي أخرى.

النساء 4:142

إن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله عز وجل، قال الله عز وجل في المنافقين: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾ وقال كعب: من أكثر ذكر الله عز وجل برئ من النفاق ولهذا - والله أعلم - ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾. فإن في ذلك تحذيرًا من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله عز وجل فوقعوا في النفاق. وسئل بعض الصحابة رضي الله عنهم عن الخوارج: منافقون هم؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا. فهذا من علامة النفاق قلة ذكر الله عز وجل، وكثرة ذكره أمان من النفاق، والله عز وجل أكرم من أن يبتلي قلبًا ذاكرًا بالنفاق، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله عز وجل. [فَصْلٌ: المُتَزَيِّنُ بِما لَيْسَ فِيهِ وعُقُوبَتُهُ] وَأمّا قَوْلُهُ: " ومَن تَزَيَّنَ بِما لَيْسَ فِيهِ شانَهُ اللَّهُ " لِما كانَ المُتَزَيِّنُ بِما لَيْسَ فِيهِ ضِدَّ المُخْلِصِ - فَإنَّهُ يُظْهِرُ لِلنّاسِ أمْرًا وهو في الباطِنِ بِخِلافِهِ - عامَلَهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ؛ فَإنَّ المُعاقَبَةَ بِنَقِيضِ القَصْدِ ثابِتَةٌ شَرْعًا وقَدَرًا، ولَمّا كانَ المُخْلِصُ يُعَجَّلُ لَهُ مِن ثَوابِ إخْلاصِهِ الحَلاوَةُ والمَحَبَّةُ والمَهابَةُ في قُلُوبِ النّاسِ عُجِّلَ لِلْمُتَزَيِّنِ بِما لَيْسَ فِيهِ مِن عُقُوبَتِهِ أنْ شانَهُ اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ؛ لِأنَّهُ شانَ باطِنَهُ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُوجِبٌ أسْماءَ الرَّبِّ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا وحِكْمَتِهِ في قَضائِهِ وشَرْعِهِ. هَذا، ولَمّا كانَ مَن تَزَيَّنَ لِلنّاسِ بِما لَيْسَ فِيهِ مِن الخُشُوعِ والدِّينِ والنُّسُكِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ قَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلَوازِمِ هَذِهِ الأشْياءِ ومُقْتَضَياتِها فَلا بُدَّ أنْ تُطْلَبَ مِنهُ، فَإذا لَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ افْتَضَحَ، فَيَشِينُهُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ ظَنَّ أنَّهُ يَزِينُهُ، وأيْضًا فَإنَّهُ أخْفى عَنْ النّاسِ ما أظْهَرَ لِلَّهِ خِلافَهُ، فَأظْهَرَ اللَّهُ مِن عُيُوبِهِ لِلنّاسِ ما أخْفاهُ عَنْهُمْ، جَزاءً لَهُ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ، وكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ يَقُولُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن خُشُوعِ النِّفاقِ، قالُوا: وما خُشُوعُ النِّفاقِ؟ قالَ: أنْ تَرى الجَسَدَ خاشِعًا والقَلْبَ غَيْرَ خاشِعٍ؛ وأساسُ النِّفاقِ وأصْلُهُ هو التَّزَيُّنُ لِلنّاسِ بِما لَيْسَ في الباطِنِ مِن الإيمانِ؛ فَعُلِمَ أنَّ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ مِن كَلامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ مُشْتَقَّةٌ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ، وهُما مِن أنْفَعِ الكَلامِ، وأشْفاهُ لِلسَّقامِ.

النساء 4:146

[فَصْلٌ العاصِي يَفُوتُهُ ثَوابُ المُؤْمِنِينَ] وَمَن فاتَهُ رُفْقَةُ المُؤْمِنِينَ، وحُسْنُ دِفاعِ اللَّهِ عَنْهُمْ، فَإنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، وفاتَهُ كُلُّ خَيْرٍ رَتَّبَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ عَلى الإيمانِ، وهو نَحْوُ مِائَةِ خَصْلَةٍ، كُلُّ خَصْلَةٍ مِنها خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها. فَمِنها: الأجْرُ العَظِيمُ: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦]. وَمِنها: الدَّفْعُ عَنْهم شُرُورَ الدُّنْيا والآخِرَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]. وَمِنها: اسْتِغْفارُ حَمَلَةِ العَرْشِ لَهُمُ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. وَمِنها: مُوالاةُ اللَّهِ لَهُمْ، ولا يَذِلُّ مَن والاهُ اللَّهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وَمِنها: أمْرُهُ مَلائِكَتَهُ بِتَثْبِيتِهِمْ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. وَمِنها: أنَّ لَهُمُ الدَّرَجاتِ عِنْدَ رَبِّهِمْ والمَغْفِرَةَ والرِّزْقَ الكَرِيمَ. وَمِنها: العِزَّةُ: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. وَمِنها: مَعِيَّةُ اللَّهِ لِأهْلِ الإيمانِ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. وَمِنها: الرِّفْعَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وَمِنها: إعْطاؤُهم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ وإعْطاؤُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ ومَغْفِرَةُ ذُنُوبِهِمْ. وَمِنها: الوُدُّ الَّذِي يَجْعَلُهُ سُبْحانَهُ لَهُمْ، وهو أنَّهُ يُحِبُّهم ويُحَبِّبُهم إلى مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ وعِبادِهِ الصّالِحِينَ. وَمِنها: أمانُهم مِنَ الخَوْفِ يَوْمَ يَشْتَدُّ الخَوْفُ: ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]. وَمِنها: أنَّهُمُ المُنْعَمُ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ أُمِرْنا أنْ نَسْألَهُ أنْ يَهْدِيَنا إلى صِراطِهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً. وَمِنها: أنَّ القُرْآنَ إنَّما هو هُدًى لَهم وشِفاءٌ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. والمَقْصُودُ أنَّ الإيمانَ سَبَبٌ جالِبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وكُلُّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَسَبَبُهُ الإيمانُ، وكُلُّ شَرٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَسَبَبُهُ عَدَمُ الإيمانِ، فَكَيْفَ يَهُونُ عَلى العَبْدِ أنْ يَرْتَكِبَ شَيْئًا يُخْرِجُهُ مِن دائِرَةِ الإيمانِ، ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ولَكِنْ لا يَخْرُجُ مِن دائِرَةِ عُمُومِ المُسْلِمِينَ، فَإنِ اسْتَمَرَّ عَلى الذُّنُوبِ وأصَرَّ عَلَيْها خِيفَ عَلَيْهِ أنْ يَرِينَ عَلى قَلْبِهِ، فَيُخْرِجُهُ عَنِ الإسْلامِ بِالكُلِّيَّةِ، ومِن هاهُنا اشْتَدَّ خَوْفُ السَّلَفِ، كَما قالَ بَعْضُهُمْ: أنْتُمْ تَخافُونَ الذُّنُوبَ، وأنا أخافُ الكُفْرَ.

النساء 4:147

وتأمل قوله سبحانه ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده سدى بغير جرم كما يأبى إضاعة سعيهم باطلا فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء. وفى هذا رد لقول من زعم أنه سبحانه يكلفه ما لا يطيقه ثم يعذبه على ما لا يدخل تحت قدرته تعالى الله عن هذا الظن الكاذب والحسبان الباطل علوا كبيرا فشكره سبحانه اقتضى أن لا يعذب المؤمن الشكور ولا يضيع عمله وذلك من لوازم هذه الصفة فهو منزه عن خلاف ذلك كما ينزه عن سائر العيوب والنقائص التي تنافى كماله وغناه وحمده ومن شكر سبحانه أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير ولا يضيع عليه هذا القدر ومن شكره سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقاما يرضيه بين الناس فيشكره له وينوه بذكره ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام وأثنى به عليه ونوه بذكره بين عباده وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه فلا يهلك عليه بين شكره ومغفرته إلا هالك فإنه سبحانه غفور شكور يغفر الكثير من الزلل ويشكر القليل من العمل. ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها واتصف بضدها وهذا شأن اسمائه الحسنى أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها وأبغضهم إليه من اتصف باضدادها ولهذا يبغض الكفور الظالم والجاهل والقاسي القلب والبخيل والجبان والمهين واللئيم وهو سبحانه جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء رحيم يحب الراحمين محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، جواد يحب أهل الجود، ستار يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز. والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر، وكل ما يحبه فهو من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها.

النساء 4:148

المشهور ظلم مبني للمفعول وعلى هذا ففي الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع أي لكن من ظلم فإنه إذا شكا ظالمه وجهر بظلمه له لم يكن آثما وتقدير الدخول في الأول على هذا القول ظاهر فإن مضمون لا يحب كذا أنه يبغضه ويبغض فاعلة إلا من ظلم فإن جهره وشكايته لظالمه حلال له كما قال النبي ﷺ ﷺ: "الواجد يحل عرضه وعقوبته" فعرضه شكاية صاحب الحق له وقوله: ظلمني ومطلني ومنعني حقي وعقوبته ضرب الإمام له حتى يؤدي ما عليه في أصح القولين في مذهب أحمد وهو مذهب مالك. وقيل هو حبسه وقيل هو استثناء متصل والجهر بالسوء هو جهره بالدعاء أن يكشف الله عنه ويأخذ له حقه أو يشكوا ذلك إلى الإمام ليأخذ له بحق وعلى هذا التقدير فيجوز فيه الرفع بدلا من احد المدلول عليه بالجهر أي لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا المظلوم ويجوز فيه النصب بدلا من الجهر والمعنى إلا جهر من ظلم وقرئ من ظلم بالفتح وعلى هذه القراءة فمنقطع ليس إلا أي لكن الظالم يجهر بالسوء من القول.

النساء 4:157

قال ابن السراج: "إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دل على ما يستثنى؛ فعلى الأول لا يحتاج إلى تقدير وعلى الثاني فلا بد من تقدير الرد ولنذكر لذلك أمثلة: المثال الأول: قوله تعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلاّ اتِّباعَ الظَّنّ﴾ فمن لم يشترط التقدير أجراه مجرى المفرغ والمعنى ما عندهم أو ما لهم إلا اتباع الظن وليس اتباع الظن متعلقا بالعلم أصلا ومن اشترط التقدير قال المعنى ما لهم من شعور إلا اتباع الظن والظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو داخل فيه تقدير إذ هو مستحضر بذكره وقائم مقامه في كثير من المواضع فكان في اللفظ إشعاره به صح به دخوله وإخراجه وهذا بعد تقريره فيه ما فيه فإن المستثنى هو اتباع الظن لا الظن نفسه فهو غير داخل في المستثنى منه تحقيقا ولا تقديرا فالأحسن فيه عندي أن يكون التقدير ما لهم به من علم فيتبعونه ويلقون به إن يتبعون إلا الظن فليس اتباع الظن مستثنى من العلم وإنما هو مستثنى من المقصود بالعلم والمراد به هو اتباعه فتأمله. وَقَدِ اخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فَقِيلَ المَعْنى: ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم لِلَّذِينِ صَلَبُوهُ، بِأنْ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى غَيْرِهِ فَصَلَبُوا الشَّبَهَ. وَقِيلَ المَعْنى: ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم لِلنَّصارى، أيْ حَصَلَتْ لَهُمُ الشُّبْهَةُ في أمْرِهِ ولَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّهُ ما قُتِلَ ولا صُلِبَ، ولَكِنْ لَمّا قالَ أعْداؤُهُ: إنَّهم قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ واتَّفَقَ رَفْعُهُ مِنَ الأرْضِ وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في أمْرِهِمْ وصَدَّقَهُمُ النَّصارى في صَلْبِهِ لِتَتِمَّ الشَّناعَةُ عَلَيْهِمْ. وَكَيْفَ كانَ، فالمَسِيحُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ، لَمْ يُقْتَلْ ولَمْ يُصْلَبْ يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الحَوارِيُّونَ في البِلادِ بَعْدَ رَفْعِهِ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ يَدْعُونَ الأُمَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ودِينِهِ والإيمانِ بِعَبْدِهِ ورَسُولِهِ ومَسِيحِهِ، فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في دِينِهِ ما بَيْنَ ظاهِرٍ ومَسْتُورٍ: ظاهِرٌ مَشْهُورٌ ومُخْتَفٍ مَسْتُورٌ. وَأعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ والأذى لِأصْحابِهِ وأتْباعِهِ. وَلَقِيَ تَلامِيذُ المَسِيحِ وأتْباعُهُ مِنَ اليَهُودِ ومِنَ الرُّومِ شِدَّةً شَدِيدَةً مِن قَتْلٍ وعَذابٍ وتَشْرِيدٍ وحَبْسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. (فَصْلٌ نفيس) وَإنْ كانَ المُعَيِّرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن أُمَّةِ الضَّلالِ وعُبّادِ الصَّلِيبِ والصُّوَرِ المَدْهُونَةِ في الحِيطانِ والسُّقُوفِ فَيُقالُ لَهُ: ألا يَسْتَحِي مَن أصْلُ دِينِهِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ ويَعْتَقِدُهُ: أنَّ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ تَبارَكَ وتَعالى نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظْمَتِهِ وعَرْشِهِ ودَخَلَ في فَرْجِ امْرَأةٍ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَبُولُ وتَتَغَوَّطُ فالتَحَمَ بِبَطْنِها، وأقامَ هُناكَ تِسْعَةَ أشْهُرٍ يَتَلَبَّطُ بَيْنَ نَجْوٍ وبَوْلٍ ودَمِ طَمْثٍ، ثُمَّ خَرَجَ إلى القِماطِ والسَّرِيرِ كُلَّما بَكى ألْقَمَتْهُ أُمُّهُ ثَدْيَها، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى المَكْتَبِ بَيْنَ الصِّبْيانِ، ثُمَّ آلَ أمْرُهُ إلى لَطْمِ اليَهُودِ خَدَّيْهِ، وصَفْعِهِمْ قَفاهُ، وبَصْقِهِمْ في وجْهِهِ، ووَضْعِهِمْ تاجًا مِنَ الشَّوْكِ عَلى رَأْسِهِ، والقَصَبَةِ في يَدِهِ اسْتِخْفافًا بِهِ وانْتِهاكًا لِحُرْمَتِهِ، ثُمَّ قَرَّبُوهُ مِن مَرْكَبٍ خُصَّ بِالبَلاءِ، فَشَدُّوهُ عَلَيْهِ ورَبَطُوهُ بِالحِبالِ، وسَمَّرُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وهو يَصِيحُ ويَبْكِي ويَسْتَغِيثُ مِن حَرِّ الحَدِيدِ وألَمِ الصَّلِيبِ. هَذا وهو بِزَعْمِهِمُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وقَسَّمَ الأرْزاقَ والآجالَ، ولَكِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ ورَحِمْتُهُ أنْ مَكَّنَ أعْداءَهُ مِن نَفْسِهِ لِيَنالُوا مِنهُ ما نالُوا فَيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ العَذابَ والسِّجْنَ في الجَحِيمِ، ويَفْدِي أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ وأوْلِياءَهُ، فَيُخْرِجُهم مِن سِجْنِ إبْلِيسَ، فَإنَّ رُوحَ آدَمَ وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وسائِرِ النَّبِيِّينَ عِنْدَهم كانَتْ في سِجْنِ إبْلِيسَ في النّارِ حَتّى خَلَّصَها مِن سِجْنِهِ بِتَمْكِينِ أعْدائِهِ مِن صَلْبِهِ. وَأمّا قَوْلُهم في مَرْيَمَ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّها أُمٌّ المَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ في الحَقِيقَةِ، ووالِدَتُهُ في الحَقِيقَةِ، لا أُمَّ لِابْنِ اللَّهِ إلّا هي والِدَةٌ، ولا والِدَةَ لَهُ غَيْرُها، ولا أبَ إلّا اللَّهُ، ولا والِدَ لَهُ سِواهُ، وإنَّ اللَّهَ اخْتارَها لِنَفْسِهِ ولِوِلادَةِ ولَدِهِ وابْنِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النِّساءِ، ولَوْ كانَتْ كَسائِرِ النِّساءِ لَما ولَدَتْ إلّا عَنْ وطْءِ الرِّجالِ لَها، ولَكِنِ اخْتُصَّتْ عَنِ النِّساءِ بِأنَّها حَبِلَتْ بِابْنِ اللَّهِ، ووَلَدَتِ ابْنَهُ الَّذِي لا ابْنَ لَهُ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، ولا والِدَ لَهُ سِواهُ، وإنَّها عَلى العَرْشِ جالِسَةٌ عَنْ يَسارِ الرَّبِّ تَعالى والِدِ ابْنِها، وابْنُها عَنْ يَمِينِهِ. والنَّصارى يَدْعُونَها ويَسْألُونَها سَعَةَ الرِّزْقِ، وصِحَّةَ البَدَنِ، وطُولَ العُمُرِ، ومَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وأنْ يَكُونَ لَهم عِنْدَ ابْنِها ووالِدِهِ - الَّذِي يَعْتَقِدُ عامَّتُهم أنَّهُ زَوْجُها، ولا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ - سُورًا وسَنَدًا وذُخْرًا وشَفِيعًا ورُكْنًا، ويَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: يا والِدَةَ الإلَهِ اشْفَعِي لَنا! وَهم يُعَظِّمُونَها ويَرْفَعُونَها عَلى المَلائِكَةِ وعَلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، ويَسْألُونَها ما يُسْألُ الإلَهَ مِنَ العافِيَةِ والرِّزْقِ والمَغْفِرَةِ. حَتّى أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ يَقُولُونَ في مُناجاتِهِمْ لَها: يا مَرْيَمُ، يا والِدَةَ الإلَهِ، كُونِي لَنا سُورًا وسَنَدًا وذُخْرًا ورُكْنًا. والنَّسْطُورِيَّةُ تَقُولُ: يا والِدَةَ المَسِيحِ كَوْنِي لَنا كَذَلِكَ. وَيَقُولُونَ لِلْيَعْقُوبِيَّةِ: لا تَقُولُوا: يا والِدَةَ الإلَهِ، وقُولُوا يا والِدَةَ المَسِيحِ، فَقالَتْ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ: المَسِيحُ عِنْدَنا وعِنْدَكم إلَهٌ في الحَقِيقَةِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم في ذَلِكَ؟ ولَكِنَّكم أرَدْتُمْ مُصالَحَةَ المُسْلِمِينَ، ومُقارَنَتَهم في التَّوْحِيدِ. هَذا والأوْقاحُ الَأرْجاسُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الضّالَّةِ تَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى اخْتارَ مَرْيَمَ لِنَفْسِهِ، وتَخَطّاها كَما يَتَخَطّى الرَّجُلُ المَرْأةَ. قالَ النَّظّامُ بَعْدَ أنْ حَكى ذَلِكَ عَنْهُمْ: وهم يُفْصِحُونَ بِهَذا عِنْدَ مَن يَثِقُونَ بِهِ، وقَدْ قالَ ابْنُ الإخْشِيدِ هَذا عَنْهم في المَعُونَةِ. وَقالَ: إلَيْهِ يُشِيرُونَ، ألا تَرَوْنَ أنَّهم يَقُولُونَ: مَن لَمْ يَكُنْ والِدًا يَكُونُ عَقِيمًا والعُقْمُ آفَةٌ وعَيْبٌ. وَهَذا قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، وإلى المُباضَعَةِ يُشِيرُونَ، ومَن خالَطَ القَوْمَ وطاوَلَهم وباطَنَهم عَرَفَ ذَلِكَ مِنهم. فَهَذا كُفْرُهم وشِرْكُهم بِرَبِّ العالَمِينَ ومَسَبَّتُهم لَهُ، ولِهَذا قالَ فِيهِمْ أحَدُ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ: أهِينُوهم ولا تَظْلِمُوهُمْ، فَلَقَدْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً ما سَبَّهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ. وَقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا، وأنا الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ ألِدْ ولَمْ أُوَلَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أحَدٌ، وأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَما بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بِأهْوَنَ عَلَيَّ مِن إعادَتِهِ. فَلَوْ أتى المُوَحِّدُونَ بِكُلِّ ذَنْبٍ وفَعَلُوا كُلَّ قَبِيحٍ وارْتَكَبُوا كُلَّ مَعْصِيَةٍ، ما بَلَغَتْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في جَنْبِ هَذا الكُفْرِ العَظِيمِ بِرَبِّ العالَمِينَ، ومَسَبَّتِهِ هَذا السَّبَّ، وقَوْلِ العَظائِمِ فِيهِ، فَما ظَنُّ هَذِهِ الطّائِفَةِ بِرَبِّ العالَمِينَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ إذا لَقَوْهُ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ويُسْألُ المَسِيحُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ وهم يَسْمَعُونَ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولَ المَسِيحُ مُكَذِّبًا لَهُمْ: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. (فَصْلٌ) فَهَذا أصْلُ دِينِهِمْ وأساسُهُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ. وَأمّا فُرُوعُهُ وشَرائِعُهُ فَهم مُخالِفُونَ لِلْمَسِيحِ في جَمِيعِها، وأكْثَرُ ذَلِكَ بِشَهادَتِهِمْ وإقْرارِهِمْ ولَكِنْ يُحِيلُونَ عَلى البَتارِكَةِ والأساقِفَةِ، فَإنَّ المَسِيحَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ كانَ يَتَدَيَّنُ بِالطَّهارَةِ، ويَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، ويُوجِبُ غُسْلَ الحائِضِ، وطَوائِفُ النَّصارى عِنْدَهم أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، وأنَّ الإنْسانَ يَقُومُ مِن عَلى بَطْنِ المَرْأةِ يَبُولُ ويَتَغَوَّطُ ولا يَمَسُّ ماءً ولا يَسْتَنْجِي، والبَوْلُ والنَّجْوُ يَنْحَدِرُ عَلى ساقِهِ وفَخْذِهِ ويُصَلِّي كَذَلِكَ وصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ تامَّةٌ، ولَوْ تَغَوَّطَ وبالَ وهو يُصَلِّي لَمْ يَضُرَّهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَفْسُوَ ويَضْرَطَ. وَيَقُولُونَ: إنَّ الصَّلاةَ بِالبَوْلِ والغائِطِ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّهارَةِ، لِأنَّها حِينَئِذٍ أبْعَدُ مِن صَلاةِ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ وأقْرَبُ إلى مُخالَفَةِ الأُمَّتَيْنِ. وَيَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّصْلِيبِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وهَذِهِ الصَّلاةُ رَبُّ العالَمِينَ بَرِيءٌ مِنها، وكَذَلِكَ المَسِيحُ وسائِرُ الحَوارِيِّينَ المُبَيِّنِينَ، فَإنَّ هَذا بِالِاسْتِهْزاءِ أشْبَهُ مِنها بِالعِبادَةِ، وحاشا المَسِيحَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صَلاتُهُ أوْ صَلاةُ أحَدٍ مِنَ الحَوارِيِّينَ. والمَسِيحُ كانَ يَقْرَأُ في صَلاتِهِ ما كانَ الأنْبِياءُ وبَنُو إسْرائِيلَ يَقْرَءُونَ في صَلاتِهِمْ مِنَ التَّوْراةِ، والزَّبُورِ. وَطَوائِفُ النَّصارى إنَّما يَقْرَءُونَ في صَلاتِهِمْ كَلامًا قَدْ لَحَّنَهُ لَهُمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ ويُصَلُّونَ بِهِمْ، يَجْرِي مَجْرى النَّوْحِ والأغانِي، فَيَقُولُونَ: هَذا قُدّاسُ فُلانٍ يَنْسِبُونَهُ إلى الَّذِينَ وضَعُوهُ لَهم. وَهم يُصَلُّونَ إلى الشَّرْقِ، وما صَلّى المَسِيحُ إلى الشَّرْقِ قَطُّ، وما صَلّى إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ إلّا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهي قِبْلَةُ داوُدَ والأنْبِياءِ قَبْلَهُ، وقِبْلَةُ بَنِي إسْرائِيلَ. والمَسِيحُ اخْتَتَنَ وأوْجَبَ الخِتانَ كَما أوْجَبَهُ مُوسى وهارُونُ والأنْبِياءُ قَبْلَهُ. والمَسِيحُ حَرَّمَ الخِنْزِيرَ، ولَعَنَ آكِلَهُ، وبالَغَ في ذَمِّهِ - والنَّصارى تُصِرُّ بِذَلِكَ - ولَقَدْ رُفِعَ إلى اللَّهِ وما طَعِمَ مِن لَحْمِهِ وزْنَ شَعِيرَةٍ، والنَّصارى تَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِأكْلِهِ. والمَسِيحُ ما شَرَعَ لَهم هَذا الصَّوْمَ الَّذِي يُصُومُونَهُ قَطُّ، ولا صامَهُ في عُمُرِهِ مَرَّةً واحِدَةً، ولا أحَدٌ مِن أصْحابِهِ، لا صامَ العَذارى في عُمُرِهِ، ولا أكْلَ في الصَّوْمِ ما يَأْكُلُونَهُ، ولا حَرَّمَ ما يُحَرِّمُونَهُ، ولا عَطَّلَ السَّبْتَ يَوْمًا واحِدًا حَتّى لَقِيَ اللَّهَ، ولا اتَّخَذَ الأحَدَ عِيدًا قَطُّ. والنَّصارى تُقِرُّ أنَّهُ رَقى مَرْيَمَ المَجْدَلانِيَّةَ فَأخْرَجَ مِنها سَبْعَ شَياطِينٍ، وأنَّ الشَّياطِينَ قالَتْ لَهُ: أيْنَ تَأْوِي؟ فَقالَ لَها: اسْلُكِي هَذِهِ الدّابَّةَ النَّجِسَةَ يَعْنِي الخِنْزِيرَ. فَهَذِهِ حِكايَةُ النَّصارى عَنْهُ. وَهم يَزْعُمُونَ أنَّ الخِنْزِيرَ مِن أطْهَرَ الدَّوابِّ وأجْمَلِها، وأطْيَبِها. والمَسِيحُ سائِرٌ في الذَّبائِحِ والمُناكَحِ والطَّلاقِ والمَوارِيثِ سِيرَةَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، ولَيْسَ عِنْدَ النَّصارى عَلى مَن زَنى أوْ لاطَ أوْ سَكِرَ حَدٌّ في الدُّنْيا أبَدًا، ولا عَذابٌ في الآخِرَةِ، لِأنَّ القِسَّ والرّاهِبَ يَغْفِرُهُ لَهُمْ، فَكُلَّما أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أهْدى لِلْقِسِّ هَدِيَّةً وأعْطاهُ دِرْهَمًا أوْ غَيْرَها لِيَغْفِرَ لَهُ، وإذا أذْنَبَتِ امْرَأةُ أحَدِهِمْ بَيَّتَها عِنْدَ القِسِّ لِيُطَيِّبَها لَهُ، فَإذا انْصَرَفَتْ مِن عِنْدِهِ وأخْبَرَتْ زَوْجَها أنَّ القِسَّ طَيَّبَها، قَبِلَ ذَلِكَ مِنها وتَبَرَّكَ بِهِ. وَهم يُقِرُّونَ أنَّ المَسِيحَ قالَ: إنَّما جِئْتُكم لَأعْمَلَ بِالتَّوْراةِ وبِوَصايا الأنْبِياءِ قَبْلِي، وما جِئْتُ ناقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، ولَأنْ تَقَعُ السَّماءُ عَلى الأرْضِ أيْسَرُ عَلى اللَّهِ مِن أنْ أنْقُضَ شَيْئًا مِن شَرِيعَةِ مُوسى، ومَن نَقَضَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ يُدْعى ناقِضًا في مَلَكُوتِ السَّماءِ. وَما زالَ هو وأصْحابُهُ كَذَلِكَ إلى أنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا، وقالَ لِأصْحابِهِ: اعْمَلُوا بِما رَأيْتُمُونِي أعْمَلُ، ووَصُّوا النّاسَ بِما وصَّيْتُكم بِهِ، وكُونُوا مَعَهم كَما كُنْتُ مَعَكُمْ، وكُونُوا لَهم كَما كُنْتُ لَكم. وَما زالَ أصْحابُ المَسِيحِ بَعْدَهُ عَلى ذَلِكَ قَرِيبًا مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ أخَذَ القَوْمَ في التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ والتَّقَرُّبِ إلى النّاسِ بِما يَهْوَوْنَ وما تَكْرَهُ اليَهُودُ ومُناقَضَتِهِمْ بِما فِيهِ تَرْكُ دِينِ المَسِيحِ، والِانْسِلاخُ مِنهُ جُمْلَةً، فَرَأوُا اليَهُودَ أنَّهم قالُوا في المَسِيحِ: إنَّهُ ساحِرٌ مُمَخْرِقٌ ولَدُ زِنا، فَقالُوا: هو الرَّتامُ وهو ابْنُ اللَّهِ! ورَأوُا اليَهُودَ يَخْتَتِنُونَ فَتَرَكُوا الخِتانَ! ورَأوْهم يُبالِغُونَ في الطَّهارَةِ فَتَرَكُوها جُمْلَةً! ورَأوْهم يَجْتَنِبُونَ مِن مُؤاكَلَةِ الحائِضِ ومُلامَسَتِها، فَجامَعُوها هُمْ! ورَأوْهم يُحَرِّمُونَ الخِنْزِيرَ، فَأباحُوهُ وجَعَلُوهُ شِعارَ دِينِهِمْ، ورَأوْهم يُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِنَ الذَّبائِحِ والحَيَوانِ فَأباحُوا ما دُونُ الفِيلِ إلى البَعُوضَةِ، وقالُوا: كُلْ ما شِئْتَ ودَعْ ما شِئْتَ لا حَرَجَ. وَرَأوْهم يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ في الصَّلاةِ فاسْتَقْبَلُوا هُمُ الشَّرْقَ، ورَأوْهم يُحَرِّمُونَ عَلى اللَّهِ نَسْخَ شَرِيعَةٍ شَرَعَها، فَجَوَّزُوا هم لِأساقِفَتِهِمْ وبَطارِكَتِهِمْ أنْ يَنْسَخُوا ما شاءُوا ويُحَلِّلُوا ما شاءُوا ويُحَرِّمُوا ما شاءُوا. وَرَأوْهم يُحَرِّمُونَ السَّبْتَ ويَحْفَظُونَهُ فَحَرَّمُوا هُمُ الأحَدَ، وأحَلُّوا السَّبْتَ مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يُعَظِّمُ السَّبْتَ ويَحْفَظُهُ. وَرَأوْهم يَنْفِرُونَ مِنَ الصَّلِيبِ، فَإنَّ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ مَلْعُونٌ مَن تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، والنَّصارى تُقِرُّ بِهَذا، فَعَبَدُوا هُمُ الصَّلِيبَ، كَما أنَّ في التَّوْراةِ تَحْرِيمَ الخِنْزِيرِ نَصًّا فَتَعَبَّدُوا هم بِأكْلِهِ. وَفِيها الأمْرُ بِالِاخْتِتانِ، فَتَعَبَّدُوا بِتَرْكِهِ، مَعَ إقْرارِ النَّصارى أنَّ المَسِيحَ قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّما جِئْتُكم لِأعْمَلَ بِالتَّوْراةِ ووَصايا الأنْبِياءِ قَبْلِي، وما جِئْتُ ناقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، ولَأنْ تَقَعَ السَّماءُ عَلى الأرْضِ، أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ أنْقُضَ شَيْئًا مِن شَرِيعَةِ مُوسى. فَذَهَبَتِ النَّصارى تَنْقُضُها شَرِيعَةً شَرِيعَةً في مُكايَدَةِ اليَهُودِ ومُغايَظَتِهِمْ، وانْضافَ إلى هَذا السَّبَبِ ما في كِتابِهِمُ المَعْرُوفِ عِنْدَهم بِإفْراكِيسَ. (أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى خَرَجُوا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ وأتَوْا أنْطاكِيَةَ وغَيْرَها - مِنَ الشّامِ - فَدَعَوُا النّاسَ إلى دِينِ المَسِيحِ الصَّحِيحِ، فَدَعَوْهم إلى العَمَلِ في التَّوْراةِ، وتَحْرِيمِ ذَبائِحِ مَن لَيْسَ أهْلِها، وإلى الخِتانِ وإقامَةِ السَّبْتِ، وتَحْرِيمِ الخِنْزِيرِ، وتَحْرِيمِ ما حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الأُمَمِ واسْتَثْقَلُوهُ، فاجْتَمَعَ النَّصارى بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وتَشاوَرُوا فِيما يَحْتالُونَ بِهِ عَلى الأُمَمِ لِيُجِيبُوهم إلى دِينِ المَسِيحِ، ويَدْخُلُوا فِيهِ، فاتَّفَقَ رَأْيُهم عَلى مُداخَلَةِ الأُمَمِ، والتَّرْخِيصِ لَهم والِاخْتِلاطِ بِهِمْ، وأكْلِ ذَبائِحِهِمْ، والِانْحِطاطِ في أهْوائِهِمْ، والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِهِمْ وإنْشاءِ شَرِيعَةٍ تَكُونُ بَيْنَ شَرِيعَةِ الإنْجِيلِ وما عَلَيْهِ الأُمَمُ، وأنْشَئُوا في ذَلِكَ كِتابًا، فَهَذا أحَدُ مَجامِعِهِمُ الكِبارِ - وكانُوا كُلَّما أرادُوا إحْداثَ شَيْءٍ اجْتَمَعُوا مَجْمَعًا - وافْتَرَوْا فِيهِ عَلى ما يُرِيدُونَ إحْداثَهُ إلى أنِ اجْتَمَعُوا المَجْمَعَ الَّذِي لَمْ يَجْتَمِعُ لَهم أكْبَرُ مِنهُ في زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الرُّومِيِّ ابْنِ هِيلانَةَ الحَرّانِيَّةِ الفَنْدَقِيَّةِ). وَفِي زَمَنِهِ بُدِّلَ دِينُ المَسِيحِ وهو الَّذِي شادَ دِينَ النَّصْرانِيَّةِ المُبْتَدَعَ، وقامَ بِهِ وقَعَدَ، وكانَ عِدَّتُهم زُهاءَ ألْفَيْ رَجُلٍ، فَقَرَّرُوا تَقْرِيرًا ثُمَّ رَفَضُوهُ ولَمْ يَرْتَضُوهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ ثَلاثُمِائَةٍ وثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنهُمْ، والنَّصارى يُسَمُّونَهُمُ الآباءَ، فَقَرَّرُوا هَذا التَّقْرِيرَ الَّذِي هم عَلَيْهِ اليَوْمَ، وهو أصْلُ الأُصُولِ عِنْدَ جَمِيعِ طَوائِفِهِمْ، لا تَتِمُّ لِأحَدٍ مِنهم نَصْرانِيَّةٌ إلّا بِهِ، ويُسَمُّونَهُ سَنْهُودِسَ وهي الأمانَةُ! ولَفْظُها: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الأبِّ الواحِدِ خالِقِ ما يُرى وما لا يُرى، وبِالرَّبِّ الواحِدِ يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ، بِكْرِ أبِيهِ ولَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إلَهٌ حَقٍّ مِن إلَهٍ حَقٍّ، مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ وخالِقُ كُلَّ شَيْءٍ، الَّذِي مِن أجْلِنا مَعاشِرَ النّاسِ ومِن أجْلِ خَلاصِنا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وتَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، ومِن مَرْيَمَ البَتُولِ، وحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ البَتُولُ، وأُخِذَ وصُلِبَ أيّامَ بِلاطِسَ الرُّومِيِّ، وماتَ ودُفِنَ، وقامَ في اليَوْمِ الثّالِثِ - كَما هو مَكْتُوبٌ - وصَعِدَ إلى السَّماءِ وجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أبِيهِ، وهو مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تارَةً أُخْرى لِلْقَضاءِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ، ونُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الواحِدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن أبِيهِ رُوحُ مَحَبَّتِهِ، وبِمَعْمُودِيَّةٍ واحِدَةٍ لِغُفْرانِ الخَطايا، وبِجَماعَةٍ واحِدَةٍ قِدِّيسِيَّةٍ سَلِيحِيَّةٍ جاثِلِيقِيَّةٍ، وبِقِيامِ أبْدانِنا، وبِالحَياةِ الدّائِمَةِ إلى أبَدَ الآبِدِينَ. فَصَرَّحُوا فِيها بِأنَّ المَسِيحَ رَبٌّ، وأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ بِكْرُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ غَيْرَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، أيْ لَيْسَ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ بَلْ هو رَبٌّ خالِقٌ، وأنَّهُ إلَهٌ حَقٌّ اسْتُلَّ ووُلِدَ مِن إلَهٍ حَقٍّ، وأنَّهُ مُساوٍ لِأبِيهِ في الجَوْهَرِ، وأنَّهُ بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ، وهَذِهِ اليَدُ الَّتِي أُتْقِنَتِ العَوالِمُ بِها عِنْدَهُمْ، هي الَّتِي ذاقَتْ حَرَّ المَسامِيرِ كَما صَرَّحُوا بِهِ في كُتُبِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظُهُمْ: قالُوا: وقَدْ قالَ القُدْوَةُ عِنْدَنا: إنَّ اليَدَ الَّتِي سَمَّرَها اليَهُودُ في الخَشَبَةِ، هي اليَدُ الَّتِي عَجَنَتْ طِينَ آدَمَ وخَلَقَتْهُ، وهي اليَدُ الَّتِي شَبَرَتِ السَّماءَ، وهي اليَدُ الَّتِي كَتَبَتِ التَّوْراةَ لِمُوسى، قالُوا: وقَدْ وصَفُوا صَنِيعَ اليَهُودِ بِهِ - وهَذِهِ ألْفاظُهم - وإنَّهم لَطَمُوا الإلَهَ وضَرَبُوهُ عَلى رَأْسِهِ. قالُوا: وفي بِشارَةِ الأنْبِياءِ بِهِ أنَّ الإلَهَ تَحْبَلُ بِهِ امْرَأةٌ عَذْراءُ وتَلِدُهُ ويُؤْخَذُ ويُصْلَبُ ويُقْتَلُ. قالُوا: وأمّا سَنْهُودِسُ دُونَ الأُمَمِ، قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَبْعُمِائَةٍ مِنَ الآباءِ وهُمُ القُدْوَةُ وفِيهِ: أنَّ مَرْيَمَ حَبِلَتْ بِالإلَهِ وأوْلَدَتْهُ وأرْضَعَتْهُ وسَقَتْهُ وأطْعَمَتْهُ، قالُوا: وعِنْدَنا أنَّ المَسِيحَ ابْنَ آدَمَ وهو رَبُّهُ وخالِقُهُ ورازِقُهُ، وابْنُ ولَدِهِ إبْراهِيمَ ورَبُّهُ وخالِقُهُ ورازِقُهُ، وابْنُ إسْرائِيلَ ورَبُّهُ وخالِقُهُ ورازِقُهُ، وابْنُ مَرْيَمَ ورَبُّها وخالِقُها ورازِقُها. قالُوا: وقَدْ قالَ عُلَماؤُنا: ومَن هو القُدْوَةُ عِنْدَ جَمِيعِ طَوائِفِنا: يَسُوعُ في البَدْءِ لَمْ يَزَلْ كَلِمَةً، والكَلِمَةُ لَمْ تَزَلِ اللَّهَ، واللَّهُ هو الكَلِمَةُ، فَذاكَ الَّذِي ولَدَتْهُ مَرْيَمُ وعايَنَّهُ النّاسُ وكانَ بَيْنَهم هو اللَّهُ، وهو ابْنُ اللَّهِ وهو كَلِمَةُ اللَّهِ. هَذِهِ ألْفاظُهُمْ، قالُوا: فالقَدِيمُ الأزَلِيُّ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ هو الَّذِي عايَنَهُ النّاسُ بِأبْصارِهِمْ ولَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ، وهو الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وخاطَبَ النّاسَ مِن بَطْنِها، حَيْثُ قالَ لِلْأعْمى: أنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ قالَ الأعْمى: ومَن هو حَتّى أُؤْمِنَ بِهِ؟ قالَ: هو المُخاطِبُ لَكَ. فَقالَ: آمَنتُ بِكَ وخَرَّ ساجِدًا. قالُوا: فالَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ هو اللَّهُ، وابْنُ اللَّهِ، وكَلِمَةُ اللَّهِ، قالُوا: وهو الَّذِي وُلِدَ ورَضَعَ وفُطِمَ وأُخِذَ وصُلِبَ وصُفِعَ وكُتِّفَتْ يَداهُ وسُمِّرَ في وجْهِهِ وماتَ ودُفِنَ وذاقَ ألَمَ الصَّلْبِ والتَّسْمِيرِ والقَتْلِ لِأجْلِ خَلاصِ النَّصارى مِن خَطاياهم. قالُوا: ولَيْسَ المَسِيحُ عِنْدَ طَوائِفِنا الثَّلاثَةِ بِنَبِيٍّ ولا عَبْدٍ صالِحٍ بَلْ هو رَبُّ الأنْبِياءِ، وخالِقُهم وباعِثُهم ومُرْسِلُهم وناصِرُهم ومُؤَيِّدُهم ورَبُّ المَلائِكَةِ. قالُوا: ولَيْسَ مَعَ أُمِّهِ بِمَعْنى الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ واللُّطْفِ والمَعُونَةِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ لَها بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلى سائِرِ الإناثِ ولا الحَيَواناتِ، ولَكِنَّهُ مَعَها بِحَبَلِها بِهِ واحْتِواءِ بَطْنِها عَلَيْهِ، فَلِهَذا فارَقَتْ جَمِيعَ إناثِ الحَيَوانِ، وفارَقَ ابْنُها جَمِيعَ الخَلْقِ، فَصارَ اللَّهُ وابْنُهُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ ووَلَدْتُهُ إلَهًا واحِدًا ومَسِيحًا واحِدًا، ورَبًّا واحِدًا، وخالِقًا واحِدًا، لا يَقَعُ بَيْنَهُما فَرْقٌ، ولا يَبْطَلُ الِاتِّحادُ بَيْنَهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا في حَبَلٍ، ولا في وِلادَةٍ، ولا في حالِ نَوْمٍ، ولا مَرَضٍ، ولا صَلْبٍ، ولا مَوْتٍ، ولا دَفْنٍ، بَلْ هو مُتَحِدٌ بِهِ في حالِ الحَبَلِ، فَهو في تِلْكَ الحالِ مَسِيحٌ واحِدٌ، وخالِقٌ واحِدٌ، وإلَهٌ واحِدٌ، ورَبٌّ واحِدٌ، وفي حالِ الوِلادَةِ كَذَلِكَ، وفي حالِ الصَّلْبِ والمَوْتِ كَذَلِكَ، قالُوا: فَمِنّا مَن يُطْلِقُ في لَفْظِهِ وعِبارَتِهِ حَقِيقَةَ هَذا المَعْنى فَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالإلَهِ، ووَلَدَتِ الإلَهَ، وماتَ الإلَهُ، ومِنّا مَن يَمْتَنِعُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ لِبَشاعَةِ لَفْظِها، ويُعْطى مَعْناها وحَقِيقَتَها، ويَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالمَسِيحِ في الحَقِيقَةِ، ووَلَدَتِ المَسِيحَ في الحَقِيقَةِ، وهي أُمُّ المَسِيحِ في الحَقِيقَةِ، والمَسِيحُ إلَهٌ في الحَقِيقَةِ، ورَبٌّ في الحَقِيقَةِ، وابْنُ اللَّهِ في الحَقِيقَةِ، وكَلِمَةُ اللَّهِ في الحَقِيقَةِ، لا ابْنَ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ سِواهُ، ولا أبَّ لِلْمَسِيحِ في الحَقِيقَةِ إلّا هو. قالُوا: فَهَؤُلاءِ يُوافِقُونَ في المَعْنى قَوْلَ مَن يَقُولُ حَبِلَتْ بِالإلَهِ، ووَلَدَتِ الإلَهَ، وقُتِلَ الإلَهُ، وصُلِبَ الإلَهُ ودُفِنَ الإلَهُ، وإنْ مَنَعُوا اللَّفْظَ والعِبارَةَ. قالُوا: وإنَّما مَنَعْنا هَذِهِ العِبارَةَ الَّتِي أطْلَقَها إخْوانُنا، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَلَيْنا إذا قُلْنا: حَبِلَتْ بِالإلَهِ، ووَلَدَتِ الإلَهَ، وأُمُّ إلَهٍ، أنَّ هَذا كُلَّهُ حَلَّ ونَزَلَ بِالإلَهِ الَّذِي هو أبٌ، ولَكِنّا نَقُولُ: حَلَّ هَذا كُلُّهُ ونَزَلَ بِالمَسِيحِ، والمَسِيحُ عِنْدَنا وعِنْدَ طَوائِفِنا إلَهٌ تامٌّ مِن إلَهٍ تامٍّ مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، فَنَحْنُ وإخْوانُنا في الحَقِيقَةِ شَيْءٌ واحِدٌ لا فَرْقَ بَيْنَنا إلّا في العِبارَةِ فَقَطْ، قالُوا: فَهَذا حَقِيقَةُ دِينِنا وإيمانِنا، والآباءُ والقُدْوَةُ قَدْ قالُوا قَبْلَنا وسَنُّوهُ لَنا ومَهَّدُوهُ وهم أعْلَمُ بِالمَسِيحِ مِنّا. وَلا يَخْتَلِفُ المُثَلِّثَةُ عُبّادُ الصَّلِيبِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ أنَّ المَسِيحَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ ولا عَبْدٍ صالِحٍ، ولَكِنَّهُ إلَهٌ حَقٌّ مِن إلَهٍ حَقٍّ مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، وأنَّهُ إلَهٌ تامٌّ مِن إلَهٍ تامٍّ، وأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأوَّلِينَ والآخَرِينَ، ورازِقُهم ومُحْيِيهم وُمُمِيتُهم وباعِثُهم مِنَ القُبُورِ، وحاشِرُهم ومُحاسِبُهُمْ، ومُثِيبُهم ومُعاقِبُهم. والنَّصارى تَعْتَقِدُ أنَّ الأبَ انْخَلَعَ مِن مُلْكِهِ كُلِّهِ، وجَعْلُهُ لِابْنِهِ، فَهو الَّذِي يَخْلُقُ ويُرْزُقُ ويُمِيتُ ويُحْيِي ويُدَبِّرُ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ. ألا تَراهم يَقُولُونَ في أمانَتِهِمْ: ابْنُ اللَّهِ وبِكْرُ أبِيهِ، ولَيْسَ بِمَصْنُوعٍ - إلى قَوْلِهِمْ - بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ وخَلَقَ كُلُّ شَيْءٍ - إلى قَوْلِهِمْ - وهو مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تارَةً أُخْرى لِلْفَصْلِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ؟ وَيَقُولُونَ في صَلَواتِهِمْ ومُناجاتِهِمْ: أنْتَ أيُّها المَسِيحُ يَسُوعُ تُحْيِينا وتُمِيتُنا، وتَرْزُقُنا وتَخْلُقُ أوْلادَنا، وتُقِيمُ أجْسادَنا وتَبْعَثُنا وتُجازِينا. وَقَدْ تَضْمَنُ هَذا كُلُّهُ تَكْذِيبَهُمُ الصَّرِيحَ لِلْمَسِيحِ، وإنْ أوْهَمَتْهم ظُنُونُهُمُ الكاذِبَةُ أنَّهم يُصَدِّقُونَهُ، فَإنَّ المَسِيحَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، وإلَهِي وإلَهُكم. فَشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ مَرْبُوبٌ مَصْنُوعٌ، كَما أنَّهم كَذَلِكَ، وأنَّهُ مِثْلُهم في العُبُودِيَّةِ والحاجَةِ والفاقَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. وَذَكَرَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ كَما أرْسَلَ الأنْبِياءَ قَبْلَهُ. فَفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا: أنَّ المَسِيحَ قالَ في دُعائِهِ: إنَّ الحَياةَ الدّائِمَةَ إنَّما تَجِبُ لِلنّاسِ بِأنْ يَشْهَدُوا أنَّكَ اللَّهُ الواحِدُ الحَقُّ، وأنَّكَ أرْسَلْتَ يَسُوعَ المَسِيحَ. وَهَذا حَقِيقَةُ شَهادَةِ المُسْلِمِينَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ قَتْلِي وأنا رَجُلٌ قُلْتُ لَكُمُ الحَقَّ الَّذِي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ، فَذَكَرَ غايَتَهُ أنَّهُ رَجُلٌ بَلَّغَهم ما قالَهُ اللَّهُ، ولَمْ يَقُلْ وأنا إلَهٌ ولا ابْنُ إلَهٍ، عَلى مَعْنى التَّوالُدِ، وقالَ: إنِّي لَمْ أجِئْ لِأعْمَلَ بِمَشِيئَةِ نَفْسِي ولَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَن أرْسَلَنِي، وقالَ: إنَّ الكَلامَ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ مِنِّي لَيْسَ هو لِي، ولَكِنْ لِلَّذِي أرْسَلَنِي، والوَيْلُ لِي إنْ قُلْتُ شَيْئًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَن أرْسَلَنِي. وَكانَ يُواصِلُ العِبادَةَ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ، ويَقُولُ: ما جِئْتُ لِأُخْدَمَ، بَلْ جِئْتُ لِأخْدِمَ، فَأنْزَلَ نَفْسَهُ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِها، وهي مَنزِلَةُ الخُدّامِ لِلَّهِ، وقالَ: لَسْتُ أُدِينُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ ولا أُحاسِبُهم بِأعْمالِهِمْ، ولَكِنَّ الَّذِي أرْسَلَنِي هو الَّذِي يَلِي ذَلِكَ مِنهم. كُلُّ هَذا في الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِيهِمْ، وفِيهِ أنَّ المَسِيحَ قالَ: يا رَبُّ، قَدْ عَلِمُوا أنَّكَ قَدْ أرْسَلْتَنِي، وقَدْ ذَكَرْتُ لَهُمُ اسْمَكَ، فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وأنَّهُ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. وَفِيهِ: إنَّ اللَّهَ الواحِدَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أرْسَلَ مَن أرْسَلَ مِنَ البَشَرِ إلى جَمِيعِ العالَمِ لِيُقْبِلُوا إلى الحَقِّ. وفِيهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأعْمالَ الَّتِي أعْمَلُ هي الشّاهِداتُ لِي بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَنِي إلى هَذا العالَمِ. وفِيهِ ما أبْعَدَنِي وأتْعَبَنِي إنْ أحْدَثْتُ شَيْئًا مِن قِبَلِ نَفْسِي، ولَكِنْ أتَكَلَّمُ وأُجِيبُ بِما عَلَّمَنِي رَبِّي. وقالَ: إنَّ اللَّهَ مَسَحَنِي وأرْسَلَنِي، وإنَّما أعْبُدُ اللَّهَ الواحِدَ لِيَوْمِ الخَلاصِ. قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ما أكَلَ ولا يَأْكُلُ وما شَرِبَ ولا يَشْرَبُ ولَمْ يَنَمْ ولا يَنامُ ولا ولَدَ ولا يَلِدُ، وما رَآهُ أحَدٌ إلّا ماتَ. وَبِهَذا يَظْهَرُ لَكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى في القُرْآنِ العَظِيمِ: ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ، تَذْكِيرًا لِلنَّصارى بِما قالَ لَهُمُ المَسِيحُ. وَقالَ في دُعائِهِ لَمّا سَألَ رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَ المَيِّتَ: أنا أشْكُرُكَ وأحْمَدُكَ لِأنَّكَ تُجِيبُ دُعائِي في هَذا الوَقْتِ وفي كُلِّ وقْتٍ، فَأسْألُكَ أنْ تُحْيِيَ هَذا المَيِّتَ لِتَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّكَ أرْسَلْتَنِي وأنَّكَ تُجِيبُ دُعائِي. وَفِي الإنْجِيلِ: إنَّ المَسِيحَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السّامِرِيَّةِ ولَحِقَ بِجَلْجالَ قالَ: لَمْ يُكْرَمْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ في وطَنٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ. وَفِي إنْجِيلِ لُوقا: لَمْ يُقْبَلْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ في وطَنِهِ، فَكَيْفَ تَقْبَلُونَنِي، وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ: أنَّ رَجُلًا أقْبَلُ إلى المَسِيحِ وقالَ: أيُّها المُعَلِّمُ الصّالِحُ، أيَّ خَيْرٍ أعْمَلُ لِأنالَ الحَياةَ الدّائِمَةَ؟ فَقالَ لَهُ المَسِيحُ: لِمَ قُلْتَ صالِحًا؟ إنَّما الصّالِحُ اللَّهُ وحْدَهُ، وقَدْ عَرَفْتَ الشُّرُوطَ، لا تَسْرِقْ ولا تَزْنِ ولا تَشْهَدْ بِالزُّورِ ولا تَخُنْ، وأكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ. وَفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا: أنَّ اليَهُودَ لَمّا أرادُوا قَبْضَهُ رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، وقالَ: قَدْ دَنا الوَقْتُ يا إلَهِي فَشَرِّفْنِي لَدَيْكَ، واجْعَلْ لِي سَبِيلًا أنْ أُمَلِّكَ كُلَّ مَن مَلَّكْتَنِي الحَياةَ الدّائِمَةَ. وإنَّما الحَياةُ الباقِيَةُ أنْ يُؤْمِنُوا بِكَ إلَهًا واحِدًا وبِالمَسِيحِ الَّذِي بَعَثْتَ، وقَدْ عَظَّمْتُكَ عَلى أهْلِ الأرْضِ، واحْتَمَلْتُ الَّذِي أمَرْتَنِي بِهِ فَشَرِّفْنِي. فَلَمْ يَدَّعِ سِوى أنَّهُ عَبْدٌ مُرْسَلٌ مَأْمُورٌ مَبْعُوثٌ، وفي إنْجِيلِ مَتّى: لا تَنْسِبُوا أباكم عَلى الأرْضِ فَإنَّ أباكم واحِدٌ الَّذِي في السَّماءِ وحْدَهُ، ولا تَدْعُوا مُعَلِّمِينَ فَإنَّما مُعَلِّمُكُمُ المَسِيحُ وحْدَهُ. والآبُّ في لُغَتِهِمُ الرَّبُّ المُرَبِّي، أيْ لا تَقُولُوا: إلَهُكم ورَبُّكم في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ في السَّماءِ، ثُمَّ أنْزَلَ نَفْسَهُ المَنزِلَةَ الَّتِي أنْزَلَهُ بِها رَبُّهُ ومالِكُهُ، وهو أنَّ غايَتَهُ أنَّهُ يُعَلِّمُ في الأرْضِ، وإلَهُهم هو الَّذِي في السَّماءِ. وَفِي إنْجِيلِ لُوقا، حِينَ دَعا اللَّهَ فَأحْيا ولَدَ المَرْأةِ، فَقالُوا: إنَّ هَذا النَّبِيَّ لَعَظِيمٌ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ تَفَقَّدَ أُمَّتَهُ. وَفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا أنَّ المَسِيحَ أعْلى صَوْتَهُ في البَيْتِ، وقالَ لِلْيَهُودِ: قَدْ عَرَفْتُمُونِي ومَوْضِعِي، ولَمْ آتِ مِن ذاتِي، وقَدْ بَعَثَنِي الحَقُّ وأنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، فَإنْ قُلْتُ إنِّي أجْهَلُهُ كُنْتُ كاذِبًا مِثْلَكُمْ، وأنا أعْلَمُ أنِّي مِنهُ وهو بَعَثَنِي. فَما زادَ في دَعْواهُ عَلى ما ادَّعاهُ الأنْبِياءُ فَأمْسَكَتِ المُثَلِّثَةُ قَوْلَهُ: إنِّي مِنهُ، وقالُوا: إلَهٌ حَقٌّ مِن إلَهٍ حَقٍّ، وفي القُرْآنِ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وقالَ هُودٌ: ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وكَذَلِكَ قالَ صالِحٌ! ولَكِنَّ أُمَّةَ الضَّلالِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ ويَرُدُّونَ المُحْكَمَ. وفي الإنْجِيلِ أيْضًا أنَّهُ قالَ لِلْيَهُودِ، وقَدْ قالُوا لَهُ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ فَقالَ: لَوْ كانَ أباكم لَأطَعْتُمُونِي لِأنِّي رَسُولٌ مِنهُ، خَرَجْتُ مُقْبِلًا، ولَمْ أُقْبِلْ مِن ذاتِي، ولَكِنْ هو بَعَثَنِي، ولَكِنَّكم لا تَقْبَلُونَ وصِيَّتِي، وتَعْجِزُونَ عَنْ سَماعِ كَلامِي، إنَّما أنْتُمْ أبْناءُ الشَّيْطانِ، وتُرِيدُونَ إتْمامَ شَهَواتِهِ. وَفِي الإنْجِيلِ أنَّ اليَهُودَ حاطَتْ بِهِ، وقالَتْ لَهُ: إلى مَتى تُخْفِي أمْرَكَ إنْ كُنْتَ المَسِيحَ الَّذِي نَنْتَظِرُهُ فَأعْلِمْناهُ بِذَلِكَ؟ وَلَمْ تَقُلْ إنْ كُنْتَ اللَّهَ أوِ ابْنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ، ولا فَهْمِهُ عَنْهُ أحَدٌ مِن أعْدائِهِ ولا أتْباعِهِ. وَفِي الإنْجِيلِ أيْضًا: أنَّ اليَهُودَ أرادُوا القَبْضَ عَلَيْهِ فَبَعَثُوا الأعْوانَ وأنَّ الأعْوانَ رَجَعُوا إلى قُوّادِهِمْ، فَقالُوا لَهُمْ: لِمَ لَمْ تَأْخُذُوهُ؟ فَقالُوا: ما سَمِعْنا آدَمِيًّا أنْصَفَ مِنهُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: وأنْتُمْ أيْضًا مَخْدُوعُونَ، أتَرَوْنَ أنَّهُ آمَنَ بِهِ أحَدٌ مِنَ القُوّادِ ومِن رُؤَساءِ أهْلِ الكِتابِ؟ فَقالَ لَهم بَعْضُ أكابِرِهِمْ: أتَرَوْنَ كِتابَكم يَحْكُمُ عَلى أحَدٍ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنهُ؟ فَقالُوا لَهُ: اكْشِفِ الكُتُبَ تَرى أنَّهُ لا يَجِيءُ مِن جِلْجالَ نَبِيٌّ. فَما قالَتِ اليَهُودُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أنْزَلَ نَفْسَهُ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أنْزَلَهُ بِها رَبُّهُ ومالِكُهُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَوْ عَلِمَتْ مِن دَعْواهُ الإلَهِيَّةِ لَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وأنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وكانَ أعْظَمَ أسْبابِ التَّنْفِيرِ عَنْ طاعَتِهِ، لِأنَّ كَذِبَهُ كانَ يُعْلَمُ بِالحِسِّ والعَقْلِ والفِطْرَةِ واتِّفاقِ الأنْبِياءِ. وَلَقَدْ كانَ يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ - لَوْ سَبَقَ في حِكْمَتِهِ أنَّهُ يَبْرُزُ لِعِبادِهِ، ويَنْزِلُ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ، ويُباشِرُهم بِنَفْسِهِ - أنْ لا يَدْخُلَ في فَرْجِ امْرَأةٍ، ويُقِيمُ في بَطْنِها بَيْنَ البَوْلِ والنَّجْوِ والدَّمِ عِدَّةَ أشْهُرٍ، وإذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. لا يَخْرُجُ صَبِيًّا، يَرْضَعُ ويَبْكِي، وإذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، لا يَأْكُلُ مَعَ النّاسِ ولا يَشْرَبُ مَعَ النّاسِ ولا يَنامُ مَعَهُمْ، وإذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلا يَبُولُ ولا يَتَغَوَّطُ، ويَمْتَنِعُ مِنَ الخَرَأةِ إذْ هي مَنقَصَةٌ ابْتُلِيَ بِها الإنْسانُ في هَذِهِ الدّارِ لِنَقْصِهِ وحاجَتِهِ، وهو تَعالى المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ، المَنعُوتِ بِنُعُوتِ الجَلالِ، الَّذِي ما وسِعَتْهُ سَماواتُهُ ولا أرْضُهُ، وكُرْسِيُّهُ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ، فَكَيْفَ وسِعَهُ فَرْجُ امْرَأةٍ، تَعالى رَبُّ العالَمِينَ - وكُلُّكم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ المَسِيحَ كانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويَبُولُ ويَتَغَوَّطُ ويَنامُ. فَيا مَعْشَرَ المُثَلِّثَةِ وعُبّادَ الصَّلِيبِ، أخْبِرُونا مَن كانَ المُمْسِكَ لِلسَّماواتِ والأرْضِ حِينَ كانَ رَبُّها وخالِقُها مَرْبُوطًا عَلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وقَدْ شُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ بِالحِبالِ، وسُمِّرَتِ اليَدُ الَّتِي أتْقَنَتِ العَوالِمَ؟ فَهَلْ بَقِيَتِ السَّماواتُ والأرْضُ خَلْوًا مِن إلَهِها وفاطِرِها؟ وَقَدْ جَرى عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ العَظِيمُ؟ أمْ تَقُولُونَ اسْتَخْلَفَ عَلى تَدْبِيرِها غَيْرَهُ، وهَبَطَ عَنْ عَرْشِهِ لِرَبْطِ نَفْسِهِ عَلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، ولِيَذُوقَ حَرَّ المَسامِيرِ ولِيُوجِبَ اللَّعْنَةَ عَلى نَفْسِهِ، حَيْثُ قالَ في التَّوْراةِ: مَلْعُونٌ مَن تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، أمْ تَقُولُونَ: - وهو في الحَقِيقَةِ قَوْلُكم - لا نَدْرِي ولَكِنْ هَذا في الكُتُبِ، وقَدْ قالَهُ الآباءُ، وهُمُ القُدْوَةُ، والجَوابُ عَلَيْهِمْ. فَنَقُولُ لَكُمْ: وإلّا يا مَعاشِرَ المُثَلِّثَةِ عُبّادَ الصَّلِيبِ، ما الَّذِي دَلَّكم عَلى إلَهِيَّةِ المَسِيحِ؟ (الشُّبْهَةُ الأوْلى) فَإنْ كُنْتُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَيْها بِالقَبْضِ مِن أعْدائِهِ عَلَيْهِ بِزَعْمِكم وسَوْقِهِ إلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِنَ الشَّوْكِ، وهم يَبْصُقُونَ في وجْهِهِ ويَصْفَعُونَهُ، ثُمَّ أرْكَبُوهُ ذَلِكَ المَرْكَبَ الشَّنِيعَ، وشَدُّوا يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ بِالحِبالِ، وضَرَبُوا فِيها المَسامِيرَ، وهو يَسْتَغِيثُ وتَعَلَّقَ ثُمَّ فاضَتْ نَفْسُهُ وأوْدَعَ ضَرِيحَهُ. فَما أصَحَّهُ مِنَ اسْتِدْلالٍ عِنْدَ أمْثالِكم مِمَّنْ هو أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ، وهم عارٌ عَلى جَمِيعِ الأنامِ. وَإنْ قُلْتُمْ: إنَّما اسْتَدْلَلْنا عَلى كَوْنِهِ إلَهًا بِأنَّهُ لَمْ يُوَلَدْ مِنَ البَشَرِ، ولَوْ كانَ مَخْلُوقًا لَكانَ مَوْلُودًا مِنَ البَشَرِ، فَإنْ كانَ هَذا الِاسْتِدْلالُ صَحِيحًا فَآدَمُ إلَهُ المَسِيحِ، وهو أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ إلَهًا مِنهُ لِأنَّهُ لا أُمَّ لَهُ ولا أبَّ لَهُ والمَسِيحُ لَهُ أُمٌّ. وَحَوّاءُ أيْضًا اجْعَلُوها إلَهًا خامِسًا؛ لِأنَّها لا أُمَّ لَها، وهي أعْجَبُ مِن خَلْقِ المَسِيحِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ نَوَّعَ خَلْقَ آدَمَ وبَنِيهِ إظْهارًا لِقُدْرَتِهِ وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَخَلَقَ آدَمَ لا مِن ذَكَرٍ ولا مِن أُنْثى، وخَلَقَ زَوْجَهُ حَوّاءَ مَن ذَكَرٍ لا مِن أُنْثى، وخَلَقَ عَبْدَهُ المَسِيحَ مِن أُنْثى لا مِن ذَكَرٍ، وخَلَقَ سائِرَ النَّوْعِ مِن ذِكْرٍ وأُنْثى. وَإنْ قُلْتُمْ: اسْتَدْلَلْنا عَلى كَوْنِهِ إلَهًا بِأنَّهُ أحْيا المَوْتى، ولا يُحْيِيهِمْ إلّا اللَّهُ، فاجْعَلُوا مُوسى إلَهًا آخَرَ، فَإنَّهُ أتى مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَأْتِ المَسِيحُ بِنَظِيرِهِ ولا ما يُقارِبُهُ، وهو جَعْلُ الخَشَبَةِ حَيَوانًا عَظِيمًا، وهَذا أبْلَغُ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى جِسْمٍ كانَتْ فِيهِ أوَّلًا، فَإنْ قُلْتُمْ: هَذا غَيْرُ إحْياءِ المَوْتى، فَهَذا اليَسَعُ النَّبِيُّ أتى بِإحْياءِ المَوْتى، وهم يُقِرُّونَ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إيلِيا النَّبِيُّ أيْضًا أحْيا صَبِيًّا بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذا مُوسى قَدْ أحْيا بِإذْنِ اللَّهِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ ماتُوا مِن قَوْمِهِ. وَفِي كُتُبِكم مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ عَنِ الأنْبِياءِ والحَوارِيِّينَ: فَهَلْ صارَ أحَدٌ مِنهم إلَهًا بِذَلِكَ؟ وَإنْ قُلْتُمْ: جَعَلْناهُ إلَهًا لِلْعَجائِبِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فَعَجائِبُ مُوسى أعْجَبُ وأعْجَبُ. وَهَذا إيلِياءُ النَّبِيُّ بارَكَ عَلى دَقِيقِ العَجُوزِ ودُهَنِها فَلَمْ يَنْفُذْ ما في جِرابِها مِنَ الدَّقِيقِ وما في قارُورَتِها مِنَ الدُّهْنِ سَبْعَ سِنِينَ. وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِكَوْنِهِ أطْعَمَ مِن أرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ آلافًا مِنَ النّاسِ، فَهَذا مُوسى قَدْ أطْعَمَ أُمَّتَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ المَنِّ والسَّلْوى! وهَذا مُحَمَّدٌ ﷺ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أطْعَمَ العَسْكَرَ كُلَّهُ مِن زادٍ يَسِيرُ جِدًّا حَتّى شَبِعُوا ومَلَئُوا أوْعِيَتَهُمْ، وسَقاهم كُلَّهم مِن ماءٍ يَسِيرٍ لا يَغْمُرُ اليَدَ حَتّى مَلَئُوا كُلَّ سِقاءٍ في العَسْكَرِ، وهَذا مَنقُولٌ عَنْهُ بِالتَّواتُرِ. وَإنْ قُلْتُمْ: جَعَلْناهُ إلَهًا لِأنَّهُ صاحَ بِالبَحْرِ فَسَكَنَتْ أمْواجُهُ، فَقَدْ ضَرَبَ مُوسى البَحْرَ بِعَصاهُ فانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا وقامَ الماءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كالحِيطانِ، وفَجَّرَ مِنَ الحَجَرِ الصَّلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا سارِحَةً. وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيى المَوْتى فَآياتُ مُوسى ومُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ أعْجَبُ مِن ذَلِكَ. وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّهُ ادَّعى ذَلِكَ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ عَنْهُ، أوْ يَكُونَ إنَّما ادَّعى العُبُودِيَّةَ والِافْتِقارَ وأنَّهُ مَرْبُوبٌ ومَصْنُوعٌ مَخْلُوقٌ، فَإنْ كَما كانَ كَما ادَّعَيْتُمْ عَلَيْهِ فَهَذا أخُو المَسِيحِ الدَّجّالِ، ولَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ولا صادِقٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَرِيمًا، وجَزاؤُهُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾. وَكُلُّ مَنِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ مَن دُونِ اللَّهِ فَهو مَن أعْظَمِ أعْداءِ اللَّهِ، كَفِرْعَوْنَ ونَمْرُودَ وأمْثالِهِما مِن أعْداءِ اللَّهِ، فَأخْرَجْتُمُ المَسِيحَ عَنْ كَرامَةِ اللَّهِ ونُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ، وجَعَلْتُمُوهُ أعْظَمَ أعْداءِ اللَّهِ، ولِهَذا كُنْتُمْ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلْمَسِيحِ في صُورَةِ مُحِبٍّ مُوالٍ! ومِن أعْظَمِ ما يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُ المَسِيحِ الدَّجّالِ أنَّهُ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ ورَسُولَهُ مَسِيحَ الهُدى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُهُ، ويُظْهِرُ لِلْخَلائِقِ أنَّهُ كانَ كاذِبًا مُفْتَرِيًا، ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يُقْتَلْ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُصْلَبَ ويُسَمَّرَ ويُبْصَقَ في وجْهِهِ! وَإنْ كانَ المَسِيحُ إنَّما ادَّعى أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ كَما شَهِدَتْ بِهِ الأناجِيلُ كُلُّها ودَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ والفِطْرَةُ وشَهِدْتُمْ أنْتُمْ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ - وهَذا هو الواقِعُ - فَلَمْ تَأْتُوا عَلى إلَهِيَّتِهِ بِبَيِّنَةٍ غَيْرِ تَكْذِيبِهِ في دَعْواهُ، وقَدْ ذَكَرْتُمْ عَنْهُ في أناجِيلِكم في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ ما يُصَرِّحُ بِعُبُودِيَّتِهِ، وأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ، وأنَّهُ ابْنُ البَشَرِ، وأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ غَيْرَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، فَكَذَّبْتُمُوهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وصَدَّقْتُمْ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ وعَلَيْهِ! وَإنْ قُلْتُمْ: إنَّما جَعَلْناهُ إلَهًا لِأنَّهُ أخْبَرَ بِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الأُمُورِ، كَذَلِكَ كانَ الأنْبِياءُ، بَلْ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُخْبِرُ بِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الأُمُورِ ويُخْبِرُ عَنْ حَوادِثَ في المُسْتَقْبَلِ جُزْئِيَّةٍ ويَكُونُ ذَلِكَ كَما أخْبَرَ بِهِ. وَيَقَعُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ لِلْكُهّانِ والمُنَجِّمِينَ والسَّحَرَةِ! وإنْ قُلْتُمْ: إنَّما جَعَلْناهُ إلَهًا لِأنَّهُ سَمّى نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الإنْجِيلِ، كَقَوْلِهِ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي، وإنِّي سائِلُ أبِي، ونَحْوَ ذَلِكَ، وابْنُ الإلَهِ إلَهٌ، قِيلَ: فاجْعَلُوا أنْفُسَكم آلِهَةً كُلُّكُمْ، فَإنَّ في الإنْجِيلِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ سَمّاهُ أباهُ وأباهُمْ، كَقَوْلِهِ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكم. وَفِيهِ: لا تَنَسِبُوا أباكم عَلى الأرْضِ فَإنَّ أباكُمُ الَّذِي في السَّماءِ وحْدَهُ، وهَذا كَثِيرٌ في الإنْجِيلِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الأبَّ عِنْدَهُمْ: الرَّبُّ. وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّ تَلامِيذَهُ ادَّعَوْا ذَلِكَ، وهم أعْلَمُ النّاسِ بِهِ كَذَّبَتْكم أناجِيلُكُمُ الَّتِي بِأيْدِيكُمْ، وكُلُّها صَرِيحَةٌ أظْهَرَ صَراحَةٍ بِأنَّهم ما ادَّعَوْا لَهُ إلّا ما ادَّعاهُ لِنَفْسِهِ مِن أنَّهُ عَبْدٌ. فَهَذا مَتّى يَقُولُ في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن إنْجِيلِهِ مُحْتَجًا بِنُبُوَّةِ أشْعِيا في المَسِيحِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: هَذا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُ وحَبِيبِي الَّذِي ارْتاحَتْ نَفْسِي لَهُ. وَفِي الفَصْلِ الحادِي عَشَرَ مِن إنْجِيلِهِ: إنِّي أشْكُرُكَ يا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ. وَهَذا لُوقا يَقُولُ في آخِرِ إنْجِيلِهِ: إنَّ المَسِيحَ عَرَضَ لَهُ ولِآخَرَ مِن تَلامِيذِهِ في الطَّرِيقِ مَلَكٌ وهُما مَحْزُونانِ، فَقالَ لَهُما وهُما لا يَعْرِفانِهِ: ما بالِكُما مَحْزُونَيْنِ؟ فَقالا: كَأنَّكَ غَرِيبٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ، إذْ كُنْتَ لا تَعْلَمُ ما حَدَثَ فِيها في هَذِهِ الأيّامِ مِن أمْرِ يَسُوعَ النّاصِرِيِّ، فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا تَقِيًّا في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الأُمَّةِ، أخَذُوهُ وقَتَلُوهُ. وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في الإنْجِيلِ! وإنْ قُلْتُمْ: إنَّما جَعَلْناهُ إلَهًا لِأنَّهُ صَعِدَ إلى السَّماءِ فَهَذا أخْنُوخُ وإلْياسُ قَدْ صَعِدا إلى السَّماءِ وهُما حَيّانِ مُكَرَّمانِ لَمْ تَشُكْهُما شَوْكَةٌ ولا طَمَعَ فِيهِما طامِعٌ. والمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صَعِدَ إلى السَّماءِ وهو عَبْدٌ مَحْضٌ وهَذِهِ المَلائِكَةُ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ، وهَذِهِ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ بَعْدَ مُفارَقَتِها الأبْدانُ، ولا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ العُبُودِيَّةِ، وهَلْ كانَ الصُّعُودُ إلى السَّماءِ مُخْرِجٌ عَنِ العُبُودِيَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟ وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّ الأنْبِياءَ سَمَّتْهُ إلَهًا ورَبًّا وسَيِّدًا ونَحْوَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ كَثِيرٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَقَعُ عَلى غَيْرِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الأُمَمِ وفي سائِرِ الكُتُبِ، وما زالَتِ الرُّومُ والفُرْسُ والهِنْدُ والسُّرْيانِيُّونَ والعِبْرانِيُّونَ والقِبْطُ وغَيْرُهم يُسَمُّونَ مُلُوكَهم آلِهَةً وأرْبابًا. وَفِي السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ: أنَّ بَنِي اللَّهِ دَخَلُوا عَلى بَناتِ النّاسِ ورَأوْهُنَّ بارِعاتِ الجَمالِ فَتَزَوَّجُوا مِنهُنَّ. وَفِي السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ قِصَّةُ المَخْرَجِ مِن مِصْرَ إنِّي جَعَلْتُكَ إلَهًا لِفِرْعَوْنَ، وفي المَزْمُورِ الثّانِي والثَّمانِينَ: وقامَ اللَّهُ في جَمِيعِ الآلِهَةِ. هَذا في العِبْرانِيَّةِ، وأمّا مَن نَقَلَهُ إلى السُّرْيانِيَّةِ فَإنَّهُ حَرَّفَهُ، فَقالَ: قامَ اللَّهُ في جَماعَةِ المَلائِكَةِ، وقالَ في هَذا المَزْمُورِ وهو يُخاطِبُ قَوْمًا بِالرُّوحِ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أنَّكم آلِهَةً وأنَّكم أبْناءُ اللَّهِ كُلُّكُمْ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ عَبْدَهُ بِالمَلِكِ كَما سَمّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ. وَسَمّى نَبِيَّهُ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ كَما سَمّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وسَمّاهُ بِالعَزِيزِ وسَمّى نَفْسَهُ كَذَلِكَ، واسْمُ الرَّبِّ واقِعٌ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى في لُغَةِ أُمَّةِ التَّوْحِيدِ، كَما يُقالُ: هو رَبُّ الدّارِ، ورَبُّ المَنزِلِ، ورَبُّ الإبِلِ، ورَبُّ هَذا المَتاعِ. وَقَدْ قالَ أشْعِيا: عَرَفَ الثَّوْرُ مَنِ اقْتَناهُ، والحِمارُ مَرْبَطَ رَبِّهِ، ولَمْ تَعْرِفْ بَنُو إسْرائِيلَ - يَعْنِي مَن خَلَقَهم. وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّهُ صَنَعَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أيْ: صُورَةَ طائِرٍ ثُمَّ نَفَخَ فِيها وصارَتْ لَحْمًا ودَمًا وطائِرًا حَقِيقَةً ولا يَفْعَلُ هَذا إلّا اللَّهُ. قِيلَ: فاجْعَلُوا مُوسى بْنَ عِمْرانَ إلَهَ الآلِهَةِ فَإنَّهُ ألْقى عَصًا فَصارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا، ثُمَّ أمْسَكَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَ. وَإنْ قُلْتُمْ: جَعَلْناهُ إلَهًا بِشَهادَةِ الأنْبِياءِ الرُّسُلِ لَهُ بِذَلِكَ، قالَ عِزْرا حَيْثُ سَباهم بُخْتَ نَصَّرُ إلى أرْضِ بابِلَ، إلى أرْبَعِمِائَةٍ واثْنَيْنِ وثَمانِينَ سَنَةً: يَأْتِي المَسِيحُ ويُخَلِّصُ الشُّعُوبَ والأُمَمَ، وعِنْدَ انْتِهاءِ هَذِهِ المُدَّةِ أتى المَسِيحُ، ومَن يُطِيقُ يُخَلِّصُ الأُمَمَ والشُّعُوبَ غَيْرَ الإلَهِ التّامِّ، قِيلَ لَكُمْ: فاجْعَلُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ آلِهَةً فَإنَّهم خَلَّصُوا الأُمَمَ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ وخَلَّصُوهم مِنَ النّارِ بِإذْنِ اللَّهِ وحْدَهُ. وَلا شَكَّ أنَّ المَسِيحَ خَلَّصَ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ مَن ذَلِّ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، كَما خَلَّصَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ مِن فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وخَلَّصَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن عَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ. وَخَلَّصَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِمُحَمَّدٍ ﷺ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ مِنَ الأُمَمِ والشُّعُوبِ ما لَمْ يُخَلِّصْهُ نَبِيٌّ سِواهُ، فَإنْ وجَبَتْ بِذَلِكَ الإلَهِيَّةُ لِعِيسى بِذَلِكَ فَمُوسى ومُحَمَّدٌ أحَقُّ بِها مِنهُ. وَإنْ قُلْتُمْ: أوْجَبْنا لَهُ بِذَلِكَ الإلَهِيَّةَ لِقَوْلِ أرْمِيا النَّبِيِّ عَنْ وِلادَتِهِ: وفي ذَلِكَ الزَّمانِ (يَقُومُ لِداودَ ابْنٌ)، وهو ضَوْءُ النَّهارِ، يَمْلِكُ المُلْكَ، ويُقِيمُ الحَقَّ والعَدْلَ في الأرْضِ، ويُخَلِّصُ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ اليَهُودِ ومِن بَنِي إسْرائِيلَ ومِن غَيْرِهِمْ، ويَبْقى بَيْتُ المَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقابِلٍ، ويُسَمّى الإلَهَ. فَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ اسْمَ الإلَهِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وغَيْرِها قَدْ أُطْلِقَ عَلى غَيْرِهِ وهو بِمَنزِلَةِ الرَّبِّ والسَّيِّدِ والآبِ، ولَوْ كانَ عِيسى هو اللَّهُ لَكانَ أجَلَّ مَن أنْ يُقالَ: ويُسَمّى الإلَهَ، وكانَ يَقُولُ وهو اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُعْرَفُ بِمِثْلِ هَذا، وفي هَذا الدَّلِيلِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ بِهِ إلَهًا أعْظَمُ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ، وأنَّهُ ابْنُ البَشَرِ، فَإنَّهُ قالَ: ويَقُومُ لِداوُدَ ابْنٌ، فَهَذا الَّذِي قامَ لِداوُدَ هو الَّذِي سَمّى بِالإلَهِ، فَعُلِمَ أنَّ هَذا الِاسْمَ لِمَخْلُوقٍ مَصْنُوعٍ مَوْلُودٍ لا لِرَبِّ العالَمِينَ وخالِقِ السَّماواتِ والأرَضِينَ. فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّما جَعَلْناهُ إلَهًا مِن جِهَةِ قَوْلِ أشْعِيا النَّبِيِّ: قُلْ لِصَهْيُونَ يَفْرَحُ ويَتَهَلَّلُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي ويُخَلِّصُ الشُّعُوبَ، ويُخَلِّصُ مَن آمَنَ بِهِ، ويُخَلِّصُ مَدِينَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُظْهِرُ اللَّهُ ذِراعَهُ الطّاهِرَ فِيها لِجَمِيعِ الأُمَمِ المُتَبَدِّدِينَ، ويَجْعَلُهم أُمَّةً واحِدَةٍ، ويُبْصِرُ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ خَلاصَ اللَّهِ، لِأنَّهُ يَمْشِي مَعَهم وبَيْنَ أيْدِيهِمْ ويَجْمَعُهم إلَهُ إسْرائِيلَ. قِيلَ لَكُمْ: هَذا يَحْتاجُ أوَّلًا إلى أنْ يُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ في نُبُوَّةِ أشْعِيا بِهَذا اللَّفْظِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ ولا غَلَطٍ في التَّرْجَمَةِ، وهَذا غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إلَهٌ تامٌّ، وأنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ ولا مَخْلُوقٍ، فَإنَّهُ نَظِيرُ ما في التَّوْراةِ مِن قَوْلِهِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى ومُحَمَّدًا إلَهَيْنِ. والمُرادُ مَجِيءُ دِينِهِ وكِتابِهِ وشَرْعِهِ وهُداهُ ونُورِهِ. وَأمّا قَوْلُهُ: ويُظْهِرُ اللَّهُ ذِراعَهُ الطّاهِرَ لِجَمِيعِ الأُمَمِ المُتَبَدَّدِينَ، فَفي التَّوْراةِ مِثْلَ هَذا وأبْلَغُ مِنهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَأمّا قَوْلُهُ: ويُبْصِرُ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ خَلاصَ اللَّهِ لِأنَّهُ يَمْشِي مَعَهم وبَيْنَ يَدَيْهِمْ، فَقَدْ قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: لا تَهابُوهم ولا تَخافُوهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ رَبُّكُمُ السّائِرُ بَيْنَ أيْدِيكم وهو مُحارِبٌ عَنْكم. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قالَ مُوسى: إنَّ الشَّعْبَ هو شَعْبُكَ، فَقالَ أنا أمْضِي أمامَكَ. فَقالَ: إنْ لَمْ تَمْضِ أنْتَ أمامَنا، وإلّا فَلا تُصْعِدْنا مِن هاهُنا، وكَيْفَ أعْلَمُ أنا وهَذا الشَّعْبُ أنِّي وجَدْتُ نِعْمَةَ كَذا إلّا بِسَيْرِكَ مَعَنا؟ وَفِي السِّفْرِ الرّابِعِ: إنْ أصْعَدْتَ هَؤُلاءِ بِقُدْرَتِكَ فَيَقُولُونَ لِأهْلِ الأرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنكَ: اللَّهُ فِيما بَيْنَ هَؤُلاءِ القَوْمِ يَرَوْنَهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وغَمامُكَ يُقِيمُ عَلَيْهِمْ، ويَعُودُ غَمامٌ يَسِيرُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ نَهارًا ويَعُودُ نارًا لَيْلًا. وَفِي التَّوْراةِ أيْضًا يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسى: إنِّي آتٍ إلَيْكَ في غِلْظِ الغَمامِ لِكَيْ يَسْمَعَ القَوْمُ مُخاطَبَتِي لَكَ. وَفِي الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وكَلامِ الأنْبِياءِ مِن هَذا كَثِيرٌ، وفِيما حَكى خاتَمُ الأنْبِياءِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى أنَّهُ قالَ: ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي. وَإنْ قُلْتُمْ جَعَلْناهُ إلَهًا لِقَوْلِ زَكَرِيّا في نُبُوَّتِهِ: افْرَحِي يا بِنْتَ صَهْيُونَ لِأنِّي آتِيكِ وأحُلُّ فِيكِ وأتَراءى، وتُؤْمِنُ بِاللَّهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الأُمَمُ الكَثِيرَةُ، ويَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا واحِدًا، ويَحِلُّ هو فِيهِمْ ويَعْرِفُونَ أنِّي أنا اللَّهُ القَوِيُّ السّاكِنُ فِيكَ، ويَأْخُذُ اللَّهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ المُلْكَ مَن يَهُوَدا ويَمْلِكُ عَلَيْهِمْ إلى الأبَدِ. قِيلَ لَكُمْ: إنْ وجَبَتْ لَهُ الإلَهِيَّةُ بِهَذا فَتَجِبُ لِإبْراهِيمَ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وأنْتُمْ مَعَهُمْ، أنَّ اللَّهَ تَجَلّى عَلى إبْراهِيمَ واسْتَعْلَنَ لَهُ وتَراءى لَهُ. وَأمّا قَوْلُهُ: وأحِلُّ فِيكِ، لَمْ يُرِدِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حُلُولَ ذاتِهِ الَّتِي لَمْ تَسَعْها السَّماواتُ والأرْضُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَيْفَ تَحِلُّ ذاتُهُ في مَكانٍ يَكُونُ فِيهِ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا مَعَ شَرارِ الخَلْقِ؟ كَيْفَ وقَدْ قالَ: ويَعْرِفُونَ أنِّي أنا اللَّهُ القَوِيُّ السّاكِنُ فِيكِ؟ أفَتَرى عَرَفُوا قُوَّتَهُ بِالقَبْضِ عَلَيْهِ، وشَدِّ يَدَيْهِ بِالحِبالِ، ورَبْطِهِ عَلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، ودَقِّ المَسامِيرِ في يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ، ووَضْعِ تاجِ الشَّوْكِ عَلى رَأْسِهِ، وهو يَسْتَغِيثُ ولا يُغاثُ؟ وما كانَ المَسِيحُ يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ مُسْتَخْفٍ في غالِبِ أحْوالِهِ. وَلَوْ صَحَّ مَجِيءُ هَذِهِ الألْفاظِ صِحَّةً لا تُدْفَعُ، وصَحَّتْ تَرْجَمَتُها كَما ذَكَرُوهُ، لَكانَ مَعْناها أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والإيمانَ بِهِ، وذِكْرَهُ ودِينَهُ وشَرْعَهُ حَلَّ في تِلْكَ البُقْعَةِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ، لَمّا ظَهَرَ فِيهِ دِينُ المَسِيحِ بَعْدَ رَفْعِهِ حَصَلَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَجِماعُ الأمْرِ أنَّ النُّبُوّاتِ المُتَقَدِّمَةَ والكُتُبَ الإلَهِيَّةَ لَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ واحِدٍ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ابْنُ البَشَرِ إلَهًا تامًّا، إلَهَ حَقٍّ، وأنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ ولا مَرْبُوبٍ، بَلْ لَمْ يَخُصَّهُ إلّا بِما خُصَّ بِهِ أخُوهُ وأوْلى النّاسِ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ. وَكُتُبُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمَةُ وسائِرُ النُّبُوّاتِ مُوافِقَةٌ بِما أخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وذَلِكَ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وجَمِيعُ ما تَسْتَدِلُّ بِهِ المُثَلِّثَةُ عُبّادُ الصَّلِيبِ عَلى إلَهِيَّةِ المَسِيحِ مِن ألْفاظٍ وكَلِماتٍ في الكُتُبِ فَإنَّها مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المَسِيحِ وغَيْرِهِ، كَتَسْمِيَتِهِ ابْنًا وكَلِمَةً ورُوحَ الحَقِّ وإلَهًا، وكَذَلِكَ هو رُوحُ القُدُسِ، أمّا رُوحُ القُدُسِ فَهي سِرُّ اللَّهِ وأمْرُهُ، وقَدْ ورَدَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لِغَيْرِ المَسِيحِ. وَقَدْ أُطْلِقَتْ لِمَعانٍ مِنها جِبْرِيلُ، ومِنها اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، ومِنها الوَحْيُ، وقَدْ أُطْلِقَتْ عَلى المَسِيحِ لِأنَّ رُوحَهُ لَمْ تُخالِطْ نُطْفَةً، والقُدُّوسُ هو الطّاهِرُ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى المَسِيحِ رُوحُ اللَّهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ إضافَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ وناقَةُ اللَّهِ وكَما كانَتِ الأُمَمُ الماضِيَةُ يُطْلِقُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ أبْناءَ اللَّهِ، ومِنها القُرْآنُ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ الشّامِلُ لِكُلِّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ. وَأمّا الرُّوحُ الَّتِي بِها الحَياةُ فَهي النَّفْسُ عَلى قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةُ، وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ ويُشاكِلُ الأجْسامَ المَحْسُوسَةَ تُحْدَثُ، ويُخْرَجُ بِها إلى السَّماءِ بِفَرَحٍ، لا تَمُوتُ ولا تَفْنى، وهي مِمّا لَهُ أوَّلٌ ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ كالجَنَّةِ والنّارِ، واَلْأجْسادُ في المَعادِ وهي بِعَيْنَيْنِ ويَدِينِ، وهي ذُو رِيحَةٍ طَيِّبَةٍ أوْ كَرِيهَةٍ بِحَسْبَ مَحَلِّها، وهي إمّا مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وذَلِكَ غايَةُ الدَّلِيلِ عَلى حُدُوثِها. وَإنَّما سُمِّيَ المَسِيحُ رُوحَ اللَّهِ، لِأنَّهُ ذُو رُوحٍ وجَدٍّ مِن غَيْرِ جُزْءٍ مِن ذِي رُوحٍ، كالنُّطْفَةِ المُنْفَصِلَةِ مِنَ الأبِّ الحَيِّ، وإنَّما اخْتُرِعَ اخْتِراعًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقُدْرَتُهُ خالِصَةٌ. وَسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَتِهِ وأمْرِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍّ ولا نُطْفَةٍ وهَذا ظاهِرٌ. وَكَذَلِكَ ما أُطْلِقَ مِن حُلُولِ رُوحِ القُدُسِ فِيهِ، وظُهُورِ الرَّبِّ فِيهِ أوْ في مَكانِهِ، وقَدْ وقَعَ في نَظِيرِ شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ طَوائِفُ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى الإسْلامِ، واشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ ما يَحِلُّ في قُلُوبِ العارِفِينَ مِنَ الإيمانِ بِهِ ومَعْرِفَتِهِ ونُورِهِ وهُداهُ، فَظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ نَفْسُ ذاتِ الرَّبِّ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، وهو ما في قُلُوبِ المَلائِكَةِ وأنْبِيائِهِ وعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإيمانِ بِهِ ومَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وإجْلالِهِ وتَعْظِيمِهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ فَأوْلِياءُ اللَّهِ يَعْرِفُونَهُ ويُحِبُّونَهُ، ويُجِلُّونَهُ أنْ يُقالَ هو ما في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ مَحَبَّتُهُ ومَعْرِفَتُهُ والمَثَلُ الأعْلى في قُلُوبِهِمْ لا نَفْسَ ذاتِهِ، وهَذا أمُرُّ تَعْتادُهُ النّاسُ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ، يَقُولُ الإنْسانُ لِغَيْرِهِ: أنْتَ في قَلْبِي ولا زِلْتَ في عَيْنِي كَما قالَ القائِلُ: ومِن عَجَبٍ أنِّي أحِنُّ إلَيْهُمُ ... وأسْألُ عَنْهم مَن لَقِيتُ، وهم مَعِي ... وتَطْلُبُهم عَيْنِي، وهم في سَوادِها وَيَشْتاقُهم قَلْبِي، وهم بَيْنَ أضْلُعِي وَقالَ آخَرُ: ؎خَيالُكَ في عَيْنِي وذِكْرُكَ في فَمِي ∗∗∗ ومَثْواكَ في عَيْنِي فَأيْنَ تَغِيبُ وَقالَ آخَرُ في المَعْنى وأجادَ: ؎إنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لا يُصَدِّقُنِي ∗∗∗ إذْ أنْتِ فِيهِ فَدَتْكِ النَّفْسُ لَمْ تَغِبِ ؎أوْ قُلْتُ ما غِبْتِ قالَ الطَّرْفُ ذا كَذِبٌ ∗∗∗ فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ وَقالَ آخَرُ: (فِي المَعْنى مُفْرَدٌ) ؎أحِنُّ إلَيْهِ وهْوَ في القَلْبِ ساكِنٌ ∗∗∗ فَيا عَجَبًا لِمَن يَحِنُّ لِقَلْبِهِ وَمَن غَلُظَ طَبْعُهُ، وكَشَفَ فَهْمُهُ عَنْ فَهْمِ مِثْلِ هَذا، لَمْ يَكْثُرْ عَلَيْهِ أنْ يَفْهَمَ مِن ألْفاظِ الكُتُبِ أنَّ ذاتَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَحِلُّ في الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ وتَتَّحِدُ بِها وتَمْتَزِجُ بِها، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَإنْ قُلْتُمْ: أوْجَبْنا لَهُ الإلَهِيَّةَ مِن قَوْلِ أشْعِيا: مِن أعْجَبِ الأعاجِيبِ أنَّ رَبَّ المَلائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ البَشَرِ. قِيلَ: لَكم هَذا، مَعَ أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى صِحَّةِ الكَلامِ عَنْ أشْعِيا، وأنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ بِالنَّقْلِ مِن تَرْجَمَةٍ إلى تَرْجَمَةٍ، وأنَّهُ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، تَنْبِيهٌ ودَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وأنَّهُ ابْنُ البَشَرِ يُوَلَدُ مِنهُ، لا مِنَ الأحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ. وَإنْ قُلْتُمْ: جَعَلْناهُ إلَهًا مِن قَوْلِ مَتّى في الإنْجِيلِ: إنَّ ابْنَ الإنْسانِ يُرْسِلُ مَلائِكَتَهُ ويَجْمَعُونَ كُلَّ المُلُوكِ فَيُلْقُونَهم في أتُونِ النّارِ. قِيلَ: هَذا كالَّذِي قَبْلَهُ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ المَسِيحَ هو رَبُّ الأرْبابِ ولا أنَّهُ خالِقُ المَلائِكَةِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وأنَّ الضَّمِيرَ في الهاءِ مِنَ المَلائِكَةِ راجِعٌ إلى اللَّهِ لا إلى المَسِيحِ، قَوْلُ مُرْقُسَ في إنْجِيلِهِ في هَذا المَحَلِّ في هَذا المَعْنى: فابْنُ الإنْسانِ يَفْضَحُهُ إذا جاءَ في مِحْرابِهِ ومَلائِكَتِهِ المُقَدِّسِينَ، فافْهَمْ ذَلِكَ. وَيُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ المَسِيحَ سَفِيرًا بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ مَلائِكَةِ العَذابِ في جَمِيعِ مُلُوكِ الكُفْرِ مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِدِينِهِ مِن عَرَصاتِ القِيامَةِ وإدْخالِهِمُ النّارَ. والضَّمِيرُ في المَلائِكَةِ عائِدٌ إلى اللَّهِ لا إلى المَسِيحِ، وإنَّما القَوْمُ جَهَلَةٌ بِمَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَقامِ المَلائِكَةِ، واللِّسانِ العَرَبِيِّ المُتَرْجَمِ بِهِ عَنْ لُغَتِهِمْ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ وحاشَ لِلَّهِ أنْ يُطْلِقَ عَلَيْهِ أنَّهُ رَبُّ المَلائِكَةِ بَلْ هَذا مِن أقْبَحِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، بَلْ ورَبُّ المَلائِكَةِ أوْصاهم بِحِفْظِ المَسِيحِ وتَأْيِيدِهِ بِشَهادَةِ النَّبِيِّ القائِلِ عِنْدَهُمْ: إنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلائِكَتَهُ بِكَ لِيَحْفَظُوكَ. ثُمَّ بِشَهادَةِ لُوقا: إنَّ اللَّهَ أرْسَلَ لَهُ مَلَكًا مِنَ السَّماءِ لِيُقَوِّيَهُ. هَذا الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ، فَحَرَّفَ الكَذّابُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى مَسِيحِهِ ذَلِكَ، ونَسَبُوا إلى الأنْبِياءِ أنَّهم قالُوا: هو رَبُّ المَلائِكَةِ. وَإذا شَهِدَ الإنْجِيلُ واتَّفَقَ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ أنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلائِكَتَهُ بِالمَسِيحِ لِيَحْفَظُوهُ، عُلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ عَبِيدُ اللَّهِ مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ، لَيْسُوا أرْبابًا ولا آلِهَةً. وَقالَ المَسِيحُ لِتَلامِذَتِهِ: مَن قَبِلَكم فَقَدْ قَبِلَنِي، ومَن قَبِلَنِي فَقَدْ قَبِلَ مَن أرْسَلَنِي. وَقالَ المَسِيحُ لِتَلامِذَتِهِ أيْضًا: مَن أنْكَرَنِي قُدّامَ النّاسِ أنْكَرْتُهُ قُدّامَ المَلائِكَةِ. وَقالَ لِلَّذِي يَضْرِبُ عِنْدَ رَئِيسِ الكَهَنَةِ: اغْمِدْ سَيْفَكَ. ولا تَظُنُّ أنِّي لا أسْتَطِيعُ أنْ أدْعُوَ اللَّهَ الأبَ فَيُقِيمَ لِي أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ. فَهَلْ يَقُولُ هَذا مَن هو رَبُّ المَلائِكَةِ وإلَهُهم وخالِقُهُمْ؟ وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةَ بِما نَقَلْتُمُوهُ عَنْ أشْعِيا: تَخْرُجُ عَصا مِن بَيْتِ نَبِيٍّ ويَخْرُجُ مِنها نُورٌ ويَحِلُّ فِيهِ رُوحُ القُدُسِ، رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الكَلِمَةِ والفَهْمِ، رُوحُ الحِيَلِ والقُوَّةِ، رَوْحُ الحِلْمِ وخَوْفُ اللَّهِ وبِهِ يُؤْمِنُونَ وعَلَيْهِ يَتَّكِلُونَ ويَكُونُ لَهُمُ التّاجُ والكَرامَةُ إلى دَهْرِ الدّاهِرَيْنِ. قِيلَ لَكُمْ: هَذا الكَلامُ بَعْدَ المُطالَبَةِ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ عَنْ أشْعِيا، وصِحَّةِ التَّرْجَمَةِ لَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، وأنَّهُ لَمْ تُحَرِّفْهُ التَّراجِمُ، هو حُجَّةٌ عَلى المُثَلِّثَةِ عُبّادِ الصَّلِيبِ لا لَهُمْ، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى مِثْلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وأنَّ المَسِيحَ أُيِّدَ بِرُوحِ القُدُسِ، فَإنَّهُ قالَ: ويَحِلُّ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الكَلِمَةِ والفَهْمِ، رُوحُ الحِيَلِ والقُوَّةِ، رُوحُ العِلْمِ وخَوْفُ اللَّهِ. ولَمْ يَقُلْ: تَحِلُّ فِيهِ حَياةُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحِلَّ اللَّهُ فِيهِ ويَتَّحِدَ بِهِ، ويَتَّخِذَ حِجابًا مِن ناسُوتِهِ. وهَذِهِ الرُّوحُ تَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ، وعِنْدَهم في التَّوْراةِ: إنَّ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ في قُبَّةِ الزَّمانِ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الحِكْمَةِ ورُوحُ الفَهْمِ والعِلْمِ وهي ما يَحْصُلُ بِهِ الهُدى والنَّصْرُ والتَّأْيِيدُ. وَقَوْلُهُ: رُوحُ اللَّهِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّها صِفَتُهُ، فَضْلًا أنْ يَكُونَ هو اللَّهُ، وجِبْرِيلُ يُسَمّى رُوحُ اللَّهِ، والمَسِيحُ اسْمُهُ رُوحُ اللَّهِ. والمُضافُ إلى اللَّهِ إذا كانَ ذاتًا قائِمَةً بِنَفْسِها فَهو إضافَةُ مَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ كَبَيْتِ اللَّهِ، وناقَةِ اللَّهِ ورُوحِ اللَّهِ، لَيْسَ المُرادُ بِهِ بَيْتًا يَسْكُنُهُ، ولا ناقَةً يَرْكَبُها، ولا رُوحًا قائِمَةً بِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ، وقالَ تَعالى: {وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾. فَهَذِهِ الرُّوحُ أيَّدَ بِها عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ. وَأمّا قَوْلُهُ: وبِهِ يُؤْمِنُونَ وعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فَهو عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى العَصا الَّتِي تَنْبُتُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ. وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا وَقالَ مُوسى ﴿ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. وَهُوَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ أيَّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ العِلْمِ وخَوْفِ اللَّهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ والخَشْيَةِ وهُما الأصْلانِ اللَّذانِ جَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: أنا أعْلَمُكم بِاللَّهِ وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً. وَهَذا شَأْنُ العَبْدِ المَحْضِ. وأمّا الإلَهُ الحَقُّ رَبُّ العالَمِينَ فَلا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ ولا خَشْيَةٌ ولا يَعْبُدُ غَيْرَهُ، والمَسِيحُ كانَ قائِمًا بِأوْرادِ العِباداتِ لِلَّهِ أتَمَّ القِيامِ. وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةُ بِقَوْلٍ أشْعِيا: إنَّ غُلامًا وُلِدَ لَنا، وإَنَّنا أعْطَيْناهُ كَذا وكَذا رِئاسَةً عَلى عاتِقَيْهِ وبَيْنَ مَنكِبَيْهِ، ويُدْعى اسْمُهُ مَلِكًا عَظِيمًا إلَهًا قَوِيًّا مُسَلَّطًا رَئِيسًا، قَوِيَّ السَّلامَةِ في كُلِّ الدُّهُورِ، وسُلْطانُهُ كامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَناءٌ. قِيلَ لَكُمْ: لَيْسَ في هَذِهِ البِشارَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها المَسِيحُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. وَلَوْ كانَ المُرادُ بِها المَسِيحَ لَمْ يَدُلَّ عَلى مَطْلُوبِهِمْ، أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَدَلالَتُها عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أظْهَرُ مِن دَلالَتِها عَلى المَسِيحِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي رِئاسَتُهُ عَلى عاتِقِهِ وبَيْنَ مَنكِبَيْهِ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ أنَّ خاتَمَ النُّبُوَّةِ عَلى بَعْضِ كَتِفَيْهِ، وهو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ الَّتِي أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، وعَلامَةُ خَتْمِ دِيوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ في ظَهْرِهِ مِن جِهَةِ أنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ الَّذِي تَقَلَّدَ بِهِ عَلى عاتِقِهِ، ويَرْفَعُهُ إذا ضَرَبَ بِهِ عَلى عاتِقِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَئِيسٌ مُسَلَّطٌ قَوِيُّ السَّلامَةِ، وهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ المُؤَيَّدِ المَنصُورِ المُسَلَّطِ رَئِيسِ السَّلامَةِ، فَإنَّ دِينَهُ الإسْلامُ، ومَنِ اتَّبَعَهُ سَلِمَ مِن خِزْيِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ ومِنَ اسْتِيلاءِ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ. والمَسِيحُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلى أعْدائِهِ كَما سُلِّطَ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ كانَ أعْداؤُهُ مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ قاهِرِينَ لَهُ حَتّى عَمِلُوا بِهِ ما عَمِلُوا عِنْدَ المُثَلِّثَةِ عُبّادِ الصَّلِيبِ. فَأيْنَ مُطابَقَةُ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمَسِيحِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟ وهي مُطابِقَةٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ مِن كُلِّ وجْهٍ، وهو الَّذِي سُلْطانُهُ كامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَناءٌ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّكم لا تَدْعُونَ مُحَمَّدًا إلَهًا بَلْ هو عِنْدَكم عَبْدٌ مَحْضٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ، واللَّهِ إنَّهُ لَكَذَلِكَ عَبْدٌ مَحْضٌ، والعُبُودِيَّةُ أجَلُّ مَراتِبِهِ، واسْمُ الإلَهِ مِن جِهَةِ التَّراجِمِ جاءَ، والمُرادُ بِهِ السَّيِّدُ المُطاعُ لا إلَهَ لَهُ، المَعْبُودُ الخالِقُ الرّازِقُ. وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةَ مِن قَوْلٍ أشْعِيا فِيما زَعَمْتُمْ: ها هي العَذْراءُ تَحْبَلُ وتَلِدُ ابْنًا يُدْعى اسْمَهُ عَمانْوِيلَ، وعَمانُوئِيلُ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ تَفْسِيرُها بِالعَرَبِيَّةِ: إلَهُنا مَعَنا. فَقَدْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ أنَّهُ إلَهٌ. قِيلَ لَكم بَعْدَ ثُبُوتِ هَذا الكَلامِ وتَفْسِيرِهِ: لا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذْراءَ ولَدَتْ رَبَّ العالَمِينَ وخالِقَ السَّماواتِ والأرَضِينَ، فَإنَّهُ قالَ: تَلِدُ ابْنًا وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ لَيْسَ هو رَبُّ العالَمِينَ. وَأمّا قَوْلُهُ: ويُدْعى اسْمَهُ عَمانْوِيلَ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ كَما تُسَمِّي النّاسُ أبْناءَهم بِأنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ والأسْماءِ والأفْعالِ والجُمَلِ المُرَكَّبَةِ مِنَ اسْمَيْنِ أوِ اسْمٍ وفِعْلٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُسَمُّونَ أوْلادَهم عَمانْوِيلَ. وَمِن عُلَمائِكم مَن يَقُولُ: المُرادُ بِالعَذْراءِ هاهُنا غَيْرُ مَرْيَمَ، ويَذْكُرُ في ذَلِكَ قِصَّةً، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ المَسِيحَ لا يُعْرَفُ اسْمُهُ عَمانْوِيلُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ اسْمُهُ، فَكَوْنُهُ يُسَمّى " إلَهُنا مَعَنا " أوْ " بِاللَّهِ حَسْبِي "، أوِ اللَّهُ وحْدَهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إلَهٌ. وَقَدْ حَرَّفَ بَعْضُ المُثَلِّثَةِ عُبّادُ الصَّلِيبِ هَذِهِ الكَلِمَةَ وقالَ: مَعْناها اللَّهُ مَعَنا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بَعْضُ مَن أنْصَفَ مِن عُلَمائِهِمْ وحَكَّمَ رُشْدَهُ عَلى هَواهُ، وهَداهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وبَصَّرَهُ مِن عَماهُ، وقالَ: (أهَذا هو القائِلُ: أنا الرَّبُّ، ولا إلَهَ غَيْرِي، وأنا أُحْيِي وأُمِيتُ وأخْلُقُ وأرْزُقُ؟ أمْ هو القائِلُ لِلَّهِ: إنَّكَ أنْتَ الإلَهُ الحَقُّ وحْدَكَ الَّذِي أرْسَلْتَ يُوسَعَ المَسِيحَ). قالَ: والأوَّلُ باطِلٌ، والثّانِي هو الَّذِي شَهِدَ بِهِ الإنْجِيلُ، ويَجِبُ تَصْدِيقُ الإنْجِيلِ وتَكْذِيبُ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ مَعْبُودٌ. قالَ: ولَيْسَ المَسِيحُ مَخْصُوصًا بِهَذا الِاسْمِ، بَلْ عَمانُوئِيلُ اسْمٌ تُسَمِّي بِهِ النَّصارى واليَهُودُ أوْلادَها. قالَ: وهَذا مَوْجُودٌ في عَصْرِنا هَذا، ومَعْنى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَهم شَرِيفُ القَدْرِ. قالَ: وكَذَلِكَ السُّرْيانُ يُسَمُّونَ أوْلادَهم عَمانْوِيلَ والمُسْلِمُونَ وغَيْرُهم يَقُولُونَ لِلرَّجُلِ: اللَّهُ مَعَكَ، فَإذا سُمِّيَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ: اللَّهُ مَعَكَ، أوِ: اللَّهُ مَعَنا، كانَ هَذا تَبَرُّكًا بِمَعْنى هَذِهِ الِاسْمِ. وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةَ بِقَوْلِ حَبْقُوقَ فِيما حَكاهُ عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ في الأرْضِ يَتَزَيّا ويَخْتَلِطُ مَعَ النّاسِ ويَمْشِي مَعَهم. وَيَقُولُ أرْمِيا أيْضًا بَعْدَ هَذا: اللَّهُ يَظْهَرُ في الأرْضِ ويَتَقَلَّبُ مَعَ البَشَرِ، قِيلَ لَكُمْ: هَذا بَعْدَ احْتِياجِهِ إلى ثُبُوتِ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ أوَّلًا، وإلى ثُبُوتِ هَذا النَّقْلِ عَنْهُما، وإلى مُطابَقَةِ التَّرْجَمَةِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ - وهَذِهِ ثَلاثُ مَقاماتٍ يَعِزُّ عَلَيْكم إثْباتُها - لا تَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ إلَهٌ حَقٌّ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ولا مَصْنُوعٍ، فَفي التَّوْراةِ ما هو مِن هَذا الجِنْسِ وأبْلَغُ ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُوسى إلَهٌ، ولا أنَّهُ خارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ العَبِيدِ لِلَّهِ. وَقَوْلُهُ يَتَزَيّا مِثْلَ: تَجَلّى اللَّهُ وظَهَرَ واسْتَعْلَنَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن ألْفاظِ التَّوْراةِ وغَيْرِها مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وَقَدْ ذُكِرَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَجَلّى وتَزَيّا لِإبْراهِيمَ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى الإلَهِيَّةِ لِأحَدٍ مِنهُمْ، ولَمْ يَزَلْ في عُرْفِ النّاسِ ومُخاطَبَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا: فُلانٌ مَعَنا وهو بَيْنَ أظْهُرِنا ولَمْ يَمُتْ، إذا كانَ عَمَلُهُ وسُنَّتُهُ وسِيرَتُهُ بَيْنَهم ووَصاياهُ يُعْمَلُ بِها بَيْنَهم. وَكَذَلِكَ يَقُولُ القائِلُ لِمَن ماتَ والِدُهُ: ما ماتَ مَن خَلَّفَ مِثْلَكَ، وأنا والِدُكَ. وإذا رَأوْا تِلْمِيذَ العالِمِ يُعَلِّمُ عِلْمَهُ قالُوا: هَذا فُلانٌ باسِمِ أُسْتاذِهِ، كَما كانَ يُقالُ عَنْ عِكْرِمَةَ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ، وعَنْ أبِي حامِدٍ: هَذا الشّافِعِيُّ. وَإذا بَعَثَ المَلِكُ نائِبًا يَقُومُ مَقامَهُ في بَلَدٍ يَقُولُ النّاسَ: جاءَ المَلِكُ وحَكَمَ ورَسَمَ المَلِكُ. وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإلَهِيِّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيُقالُ: يا رَبِّ وكَيْفَ أعُودُكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أما لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: يا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: أما إنَّ عَبْدِي فُلانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أمّا لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. عَبْدِي اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: يا رَبِّ وكَيْفَ أسْقِيكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أما إنَّ عَبْدِي فُلانًا عَطِشَ فاسْتَقاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ، أمّا لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. وأبْلَغُ مِن هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾، فَلَوِ اسْتَحَلَّ المُسْلِمُونَ ما اسْتَحْلَلْتُمْ لَكانَ اسْتِدْلالُهم بِذَلِكَ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا إلَهٌ مِن جِنْسِ اسْتِدْلالِكم لا فَرْقَ بَيْنَهُما!. وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةَ بِقَوْلِهِ في السِّفْرِ الثّالِثِ مِن أسْفُرِ المُلُوكِ: والآنَ يا رَبِّ إلَهَ إسْرائِيلَ، يَتَحَقَّقُ كَلامُكَ لِداوُدَ لِأنَّهُ حَقٌّ أنْ يَكُونَ آيَةً، سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النّاسِ عَلى الأرْضِ، اسْمَعُوا أيَّتُها الشُّعُوبُ كُلُّكُمْ، ولْتَنْصِتِ الأرْضُ وكُلُّ مَن فِيها، فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ شاهِدًا، ويَخْرُجُ مِن مَوْضِعِهِ، ويَنْزِلُ ويَطَأُ عَلى مَشارِقِ الأرْضِ في شَأْنِ خَطِيئَةِ بَنِي يَعْقُوبَ. قِيلَ لَكُمْ: هَذا السِّفْرُ يَحْتاجُ أوَّلًا إلى أنْ يُثْبَتَ، وأنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيٌّ، وأنَّ هَذا لَفَظَهُ، وأنَّ التَّرْجَمَةَ مُطابِقَةٌ لَهُ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْلُومٍ. وبَعْدَ ذَلِكَ فالقَوْلُ في هَذا الكَلامِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ مِمّا ذَكَرْتُمُوهُ وما لَمْ تَذْكُرُوهُ ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَأنَّهُ إلَهٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ ولا مَخْلُوقٍ، وإنَّ قَوْلَهُ: إنَّ اللَّهَ سَيَسْكُنُ مَعَ النّاسِ في الأرْضِ، هو مِثْلَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ، وإذا صارَ في الأرْضِ نُورُهُ وهُداهُ ودِينُهُ ونَبِيُّهُ كانَتْ هَذِهِ سُكْناهُ، لا أنَّهُ بِذاتِهِ المُقَدَّسَةِ يَنْزِلُ عَنْ عَرْشِهِ ويَسْكُنُ مَعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَوْ قُدِّرَ تَقْدِيرُ المُحالاتِ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ هو المَسِيحُ، فَقَدْ سَكَنَ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ فَما المُوجَبُ لِأنْ يَكُونَ المَسِيحُ هو الإلَهُ دُونَ إخْوانِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، أتَرى ذَلِكَ لِلْقُوَّةِ والسُّلْطانِ الَّذِي كانَ لَهُ وهو في الأرْضِ، وقَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ قُبِضَ عَلَيْهِ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ مِن غايَةِ الإهانَةِ والإذْلالِ والقَهْرِ، فَهَذا ثَمَرَةُ سُكْناهُ في الأرْضِ مَعَ خَلْقِهِ؟ وَإنْ قُلْتُمْ: سُكْناهُ في الأرْضِ مَعَ خَلْقِهِ هو ظُهُورُهُ في ناسُوتِ المَسِيحِ، قِيلَ لَكُمْ: أمّا الظُّهُورُ المُمْكِنُ المَعْقُولُ وهو ظُهُورُ مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ ودِينِهِ وكَلامِهِ، فَهَذا لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ناسُوتِ المَسِيحِ وناسُوتِ سائِرِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، ولَيْسَ في هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ما يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِهِ بِناسُوتِ المَسِيحِ. وَأمّا الظُّهُورُ المُسْتَحِيلُ الَّذِي تَأْباهُ العُقُولُ والفِطَرُ والشَّرائِعُ وجَمِيعُ النُّبُوّاتِ، وهو ظُهُورُ ذاتِ الرَّبِّ في ناسُوتِ مَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، واتِّحادِهِ بِهِ وامْتِزاجِهِ واخْتِلاطِهِ فَهَذا مُحالٌ عَقْلًا وشَرْعًا، فَلا يُمْكِنُ أنْ تَنْطِقَ بِهِ نُبُوَّةٌ أصْلًا، بَلِ النُّبُوّاتُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُتَّفِقَةٌ عَلى أُصُولٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدِيمٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكِهِ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ ولا وزِيرَ ولا مُشِيرَ ولا ظَهِيرَ ولا شافِعَ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ. الثّانِي: أنَّهُ لا والِدَ لَهُ ولا ولَدَ ولا كُفْؤَ ولا نَسِيبَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولا زَوْجَةَ. الثّالِثُ: أنَّهُ غَنِيٌّ بِذاتِهِ فَلا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ خَلْقُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ ولا تَعْرِضُ لَهُ الآفاتُ مِنَ الهَرَمِ والمَرَضِ والسِّنَةِ والنَّوْمِ والنِّسْيانِ والنَّدَمِ والخَوْفِ والهَمِّ والحُزْنِ ونَحْوَ ذَلِكَ. الخامِسُ: أنَّهُ لا يُماثِلُ شَيْئًا مِن مَخْلُوقاتِهِ بَلْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ. السّادِسُ: أنَّهُ لا يَحِلُّ في شَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ولا يَحِلُّ في ذاتِهِ شَيْءٌ مِنها، بَلْ هو بائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ بِذاتِهِ، والخَلْقُ بائِنُونَ عَنْهُ. السّابِعُ: أنَّهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وأكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وغالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ولَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ. الثّامِنُ: أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ بَلْ هو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ. التّاسِعُ: أنَّهُ عَلّامٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى ويَعْلَمُ ما كانَ وما يَكُونُ وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ يَكُونُ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ولا ساكِنٍ ولا مُتَحَرِّكٍ إلّا وهو يَعْلَمُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. العاشِرُ: أنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الأصْواتِ بِاخْتِلافِ اللُّغاتِ عَلى تَفَنُّنِ الحاجاتِ، ويَرى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ عَلى الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، قَدْ أحاطَ سَمْعُهُ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ، وبَصَرُهُ بِجَمِيعِ المُبْصِراتِ، وعِلْمُهُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقُدْرَتُهُ بِجَمِيعِ المَقْدُوراتِ، ونَفَذَتْ مَشِيئَتُهُ في جَمِيعِ البَرِيّاتِ، وعَمَّتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، ووَسِعَ كُرْسِيُّهُ الأرْضَ والسَّماواتِ. الحادِي عَشَرَ: أنَّهُ الشّاهِدُ الَّذِي لا يَغِيبُ ولا يَسْتَخْلِفُ أحْدًا عَلى تَدْبِيرِ مُلْكِهِ، ولا يَحْتاجُ إلى مَن يَرْفَعُ إلَيْهِ حَوائِجَ عِبادِهِ أوْ يُعاوِنُهُ عَلَيْها، أوْ يَسْتَعْطِفُهُ عَلَيْهِمْ ويَسْتَرْحِمُهُ لَهم. الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ الأبَدِيُّ الباقِي الَّذِي لا يَضْمَحِلُّ ولا يَتَلاشى ولا يُعْدَمُ ولا يَمُوتُ. الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّهُ المُتَكَلِّمُ المُكَلِّمُ الآمِرُ النّاهِي قائِلُ الحَقِّ وهادِي السَّبِيلِ ومُرْسِلُ الرُّسُلِ ومُنْزِلُ الكُتُبِ والقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ويُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّهُ الصّادِقُ في وعْدِهِ وخَبَرِهِ، فَلا أصْدَقَ مِنهُ قِيلًا. ولا أصْدَقَ مِنهُ حَدِيثًا، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. الخامِسَ عَشَرَ: أنَّهُ تَعالى صَمَدٌ، بِجَمِيعِ مَعانِي الصَّمَدِيَّةِ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ما يُناقِضُ صَمَدِيَّتَهُ. السّادِسَ عَشَرَ: أنَّهُ قُدُّوسٌ سَلامٌ، فَهو المُبَرَّأُ مِن كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ وآفَةٍ. السّابِعَ عَشَرَ: أنَّهُ الكامِلُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّهُ العَدْلُ الَّذِي لا يَجُورُ ولا يَظْلِمُ ولا يَخافُ عِبادُهُ مِنهُ ظُلْمًا. فَهَذا مِمّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الكُتُبِ والرُّسُلِ، وهو مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَ شَرِيعَةٌ بِخِلافِهِ ولا يُخْبِرَ نَبِيٌّ بِخِلافِهِ أصْلًا. فَتَرَكَ المُثَلِّثَةُ عُبّادُ الصَّلِيبِ هَذا كُلَّهُ، وتَمَسَّكُوا بِالمُتَشابِهِ مِنَ المَعانِي والمُجْمَلِ مِنَ الألْفاظِ، وأقْوالِ مَن ضَلُّوا مِن قَبْلُ، وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. وَأُصُولُ المُثَلِّثَةِ ومَقالَتُهم في رَبِّ العالَمِينَ تُخالِفُ هَذا كُلَّهُ أشَدَّ المُخالَفَةِ وتُبايِنُهُ أعْظَمَ المُبايَنَةِ. فَصْلٌ: في أنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ سائِرِ الأنْبِياءِ، فَظُهُورُ نُبُوَّتِهِ تَصْدِيقٌ لِشَهادَتِهِمْ وشَهادَةٌ لَهم بِالصِّدْقِ، فَإرْسالُهُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ في قَوْلِهِ: بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ. فَإنَّ المُرْسَلِينَ بَشَّرُوا بِهِ وأخْبَرُوا بِمَجِيئِهِ، فَمَجِيئُهُ هو نَفْسُ صِدْقِ خَبَرِهِ، فَكَأنَّ مَجِيئَهُ تَصْدِيقٌ لَهم إذْ هو تَأْوِيلُ ما أخْبَرُوا بِهِ، ولا تَنافِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ القَوْلِ الآخَرِ: إنَّ تَصْدِيقَهُ المُرْسَلِينَ بِشَهادَتِهِ بِصِدْقِهِمْ وإيمانِهِ بِهِمْ، فَإنَّهُ صَدَّقَهم بِقَوْلِهِ ومَجِيئِهِ فَشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِنَفْسِ مَجِيئِهِ، وشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِقَوْلِهِ. ومِثْلُ هَذا قَوْلُ المَسِيحِ: مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ. فَإنَّ التَّوْراةَ لَمّا بَشَّرَتْ بِهِ وبِنُبُوَّتِهِ كانَ نَفْسُ ظُهُورِهِ تَصْدِيقًا لَها، ثُمَّ بَشَّرَ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ، فَكانَ ظُهُورُ الرَّسُولِ المُبَشَّرِ بِهِ تَصْدِيقًا لَهُ، كَما كانَ ظُهُورُهُ تَصْدِيقًا لِلتَّوْراةِ، فَعادَةُ اللَّهِ في رُسُلِهِ أنَّ السّابِقَ يُبَشِّرُ بِاللّاحِقِ، واللّاحِقَ يُصَدِّقُ السّابِقَ، فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ولَوْ لَمْ يُبْعَثْ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُخْلِفُ وعْدَهُ ولا يَكْذِبُ خَبَرُهُ وقَدْ كانَ بَشَّرَ إبْراهِيمَ وهاجَرَ بِبِشاراتٍ بَيِّناتٍ ولَمْ نَرَها تَمَّتْ ولا ظَهَرَتْ إلّا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدَ بُشِّرَتْ هاجَرُ مِن ذَلِكَ بِما لَمْ تُبَشَّرْ بِهِ امْرَأةٌ مِنَ العالَمِينَ غَيْرُ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ بِالمَسِيحِ، عَلى أنَّ مَرْيَمَ بُشِّرَتْ بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، وبُشِّرَتْ هاجَرُ بِإسْماعِيلَ مَرَّتَيْنِ، وبُشِّرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِرارًا. ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاجَرَ وبَعْدَ وفاتِها كالمُخاطِبِ لَها عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَفي التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ أجَبْتُ دَعاكَ في إسْماعِيلَ، وبارَكْتُ عَلَيْهِ، وكَثَّرْتُهُ، وعَظَّمْتُهُ جِدًّا جِدًّا. وسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، هَكَذا تَرْجَمَةُ بَعْضِ المُتَرْجِمِينَ. وَأمّا في التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَرْجَمَها اثْنانِ وسَبْعُونَ حَبْرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ فَإنَّهُ يَقُولُ: وسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ وفِيها: لَمّا هَرَبَتْ هاجَرُ مِن سارَّةَ تَزايا لَها مَلَكُ اللَّهِ، وقالَ: يا هاجَرُ أمَةَ سارَّةَ مِن أيْنَ أقْبَلْتِ؟ وإلى أيْنَ تَذْهَبِينَ؟ قالَتْ: هَرَبْتُ مِن سَيِّدَتِي، فَقالَ لَها المَلَكُ: ارْجِعِي إلى سَيِّدَتِكِ واخْضَعِي لَها، فَإنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وزَرْعَكِ حَتّى لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، ها أنْتِ تَحْبَلِينَ وتَلِدِينَ ابْنًا تُسَمِّيهِ إسْماعِيلَ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وخُضُوعَكِ وخُشُوعَكِ، وهو يَكُونُ عَيْنَ النّاسِ، وتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إلَيْهِ بِالخُضُوعِ، ويَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلى تُخُومِ جَمِيعِ إخْوَتِهِ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قِصَّةُ إسْكانِها وابْنِها إسْماعِيلَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، وفِيها: فَقالَ المَلَكُ: يا هاجَرُ لِيَفْرَحْ رَوْعُكِ. فَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى صَوْتَ الصَّبِيِّ، قُومِي فاحْمِلِيهِ وتَمَسَّكِي بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَحَ عَلَيْها فَإذا بِئْرُ ماءٍ فَذَهَبَتْ ومَلَأتِ المَزادَةَ مِنهُ، وسَقَتِ الصَّبِيَّ مِنهُ، وكانَ اللَّهُ مَعَها ومَعَ الصَّبِيِّ حَتّى تَرَبّى، وكانَ مَسْكَنُهُ في بَرِّيَّةِ فارانَ. فَهَذِهِ أرْبَعُ بِشاراتٍ خالِصَةٍ لِأُمِّ إسْماعِيلَ، نَزَلَتِ اثْنَتانِ مِنها عَلى إبْراهِيمَ واثْنَتانِ عَلى هاجَرَ. وفي التَّوْراةِ بِشاراتٌ أُخْرى بِإسْماعِيلَ ووَلَدِهِ وأنَّهم أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وأنَّ نُجُومَ السَّماءِ تُحْصى ولا يُحْصَوْنَ، وهَذِهِ البِشارَةُ إنَّما تَمَّتْ بِظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتِهِ. وإنَّ بَنِي إسْحاقَ كانُوا لَمْ يَزالُوا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ خَوَلًا لِلْفَراعِنَةِ والقِبْطِ حَتّى أنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ وكَلِيمِهِ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وأوْرَثَهم أرْضَ الشّامِ، فَكانَتْ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِمْ، ثُمَّ سَلَبَهم ذَلِكَ وقَطَّعَهم في الأرْضِ أُمَمًا مَسْلُوبًا عِزُّهم ومُلْكُهُمْ، قَدْ أخَذَتْهم سُيُوفُ السُّودانِ، وعَلَتْهم أعْلاجُ الحُمْرانِ حَتّى ظَهَرَتْ تِلْكَ البِشاراتُ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وعَلَتْ وانْتَشَرَتْ في آفاقِ الدُّنْيا، ومُدَّتْ وعَلَتْ بَنُو إسْماعِيلَ عَلى مَن حَوْلَهم فَهَشَّمُوهم هَشْمًا، وطَحَنُوهم طِحْنًا، وانْتَشَرُوا في آفاقِ الدُّنْيا، ومَدَّتِ الأُمَمُ أيْدِيَهم إلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والخُضُوعِ، وعَلَوْهم عُلُوَّ الثُّرَيّا فِيما بَيْنَ الهِنْدِ والحَبَشَةِ والسُّوسِ الأقْصى وبِلادِ التُّرْكِ والصَّقالِبَةِ والخَزَرِ، ومَلَكُوا ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ وحَيْثُ مُلْتَقى أمْواجِ البَحْرَيْنِ. وظَهَرَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عَلى ألْسِنَةِ الأُمَمِ، فَلَيْسَ صَبِيٌّ مِن بَعْدِ ظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ ولا امْرَأةٌ ولا حُرٌّ ولا عَبْدٌ ولا ذَكَرٌ ولا أُنْثى إلّا وهو يَعْرِفُ إبْراهِيمَ والِدَ إسْماعِيلِ. وَأمّا النَّصْرانِيَّةُ وإنْ كانَتْ قَدْ ظَهَرَتْ في أُمَمٍ كَثِيرَةٍ جَلِيلَةٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم في مَحَلِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ هاجَرَ سُلْطانٌ ظاهِرٌ ولا عِزٌّ قاهِرٌ ألْبَتَّةَ، ولا صارَتْ أيْدِي هَذِهِ الأُمَّةِ فَوْقَ أيْدِي الجَمِيعِ، ولا امْتَدَّتْ إلَيْهِمْ أيْدِي الأُمَمُ بِالخُضُوعِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما تَقَدَّمَ مِنَ البِشاراتِ، ويُفِيدُ مَجْمُوعُها العِلْمَ القَطْعِيَّ بِأنَّ المُرادَ بِها مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أُمَّتِهِ. فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ تَأْوِيلُها بِظُهُورِهِ ﷺ لَبَطَلَتِ النُّبُوّاتُ. وَلِهَذا لَمّا عَلِمَ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الإيمانُ بِالأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ إلّا بِالإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، قالُوا: نَحْنُ في انْتِظارِهِ ولَمْ يَجِئْ بَعْدُ. وَلَمّا عَلِمَ بَعْضُ الغُلاةِ في كُفْرِهِ وتَكْذِيبِهِ مِنهم أنَّ هَذا النَّبِيَّ في ولَدِ إسْماعِيلَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ ابْنٌ اسْمُهُ إسْماعِيلُ، وأنَّ هَذا لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعالى. وَلا يَكْثُرُ عَلى أُمَّةِ البَهْتِ وإخْوانِ القُرُودِ وقَتَلَةِ الأنْبِياءِ مِثْلُ ذَلِكَ، كَما لَمْ يَكْثُرْ عَلى المُثَلِّثَةِ وعُبّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوا رَبَّ العالَمِينَ أعْظَمَ مِسَبَّةٍ أنْ يَطْعَنُوا في دِينِنا، ويَنْتَقِصُوا نَبِيَّنا ﷺ.

النساء 4:160

[فصل هَدْيِهِ ﷺ في المَنعِ مِنَ التَّداوِي بِالمُحَرَّماتِ] فَصْلٌ في هَدْيِهِ ﷺ في المَنعِ مِنَ التَّداوِي بِالمُحَرَّماتِ رَوى أبو داود في " سُنَنِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الدّاءَ والدَّواءَ، وجَعَلَ لِكُلِّ داءٍ دَواءً، فَتَداوَوْا، ولا تَداوَوْا بِالمُحَرَّمِ». وَذَكَرَ البُخارِيُّ في " صَحِيحِهِ " عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفاءَكم فِيما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». وَفِي " السُّنَنِ ": عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدَّواءِ الخَبِيثِ». وَفِي " صَحِيحِ مسلم " عَنْ طارق بن سويد الجعفي، أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الخَمْرِ فَنَهاهُ، أوْ كَرِهَ أنْ يَصْنَعَها، فَقالَ: إنَّما أصْنَعُها لِلدَّواءِ فَقالَ: «إنَّهُ لَيْسَ بِدَواءٍ ولَكِنَّهُ داءٌ». وَفِي " السُّنَنِ " أنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ يُجْعَلُ في الدَّواءِ فَقالَ " «إنَّها داءٌ ولَيْسَتْ بِالدَّواءِ». رَواهُ أبو داود والتِّرْمِذِيُّ. وَفِي " صَحِيحِ مسلم " «عَنْ طارق بن سويد الحضرمي قالَ: قُلْتُ: (يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ بِأرْضِنا أعْنابًا نَعْتَصِرُها فَنَشْرَبُ مِنها قالَ: " لا " فَراجَعْتُهُ قُلْتُ إنّا نَسْتَشْفِي لِلْمَرِيضِ قالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفاءٍ ولَكِنَّهُ داءٌ)». وَفِي " سُنَنِ النَّسائِيِّ ": «أنَّ طَبِيبًا ذَكَرَ ضِفْدَعًا في دَواءٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهاهُ عَنْ قَتْلِها». وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن تَداوى بِالخَمْرِ، فَلا شَفاهُ اللَّهُ». المُعالَجَةُ بِالمُحَرَّماتِ قَبِيحَةٌ عَقْلًا وشَرْعًا، أمّا الشَّرْعُ فَما ذَكَرْنا مِن هَذِهِ الأحادِيثِ وغَيْرِها، وأمّا العَقْلُ، فَهو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما حَرَّمَهُ لِخُبْثِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ طَيِّبًا عُقُوبَةً لَها، كَما حَرَّمَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]؛ وإنَّما حَرَّمَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما حَرَّمَ لِخُبْثِهِ، وتَحْرِيمُهُ لَهُ حَمِيَّةً لَهُمْ، وصِيانَةً عَنْ تَناوُلِهِ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُطْلَبَ بِهِ الشِّفاءُ مِنَ الأسْقامِ والعِلَلِ، فَإنَّهُ وإنْ أثَّرَ في إزالَتِها لَكِنَّهُ يُعْقِبُ سَقَمًا أعْظَمَ مِنهُ في القَلْبِ بِقُوَّةِ الخُبْثِ الَّذِي فِيهِ، فَيَكُونُ المُداوى بِهِ قَدْ سَعى في إزالَةِ سُقْمِ البَدَنِ بِسُقْمِ القَلْبِ. وَأيْضًا فَإنَّ تَحْرِيمَهُ يَقْتَضِي تَجَنُّبَهُ والبُعْدَ عَنْهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وفي اتِّخاذِهِ دَواءً حَضٌّ عَلى التَّرْغِيبِ فِيهِ ومُلابَسَتِهِ، وهَذا ضِدُّ مَقْصُودِ الشّارِعِ، وأيْضًا فَإنَّهُ داءٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ صاحِبُ الشَّرِيعَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُتَّخَذَ دَواءً. وَأيْضًا فَإنَّهُ يُكْسِبُ الطَّبِيعَةَ والرُّوحَ صِفَةَ الخُبْثِ؛ لِأنَّ الطَّبِيعَةَ تَنْفَعِلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الدَّواءِ انْفِعالًا بَيِّنًا، فَإذا كانَتْ كَيْفِيَّتُهُ خَبِيثَةً اكْتَسَبَتِ الطَّبِيعَةُ مِنهُ خُبْثًا فَكَيْفَ إذا كانَ خَبِيثًا في ذاتِهِ، ولِهَذا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ الأغْذِيَةَ والأشْرِبَةَ والمَلابِسَ الخَبِيثَةَ، لِما تُكْسِبُ النَّفْسَ مِن هَيْئَةِ الخُبْثِ وصِفَتِهِ. وَأيْضًا فَإنَّ في إباحَةِ التَّداوِي بِهِ، ولا سِيَّما إذا كانَتِ النَّفُوسُ تَمِيلُ إلَيْهِ ذَرِيعَةً إلى تَناوُلِهِ لِلشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، لا سِيَّما إذا عَرَفَتِ النُّفُوسُ أنَّهُ نافِعٌ لَها مُزِيلٌ لِأسْقامِها جالِبٌ لِشِفائِها، فَهَذا أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْها والشّارِعُ سَدَّ الذَّرِيعَةَ إلى تَناوُلِهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، ولا رَيْبَ أنَّ بَيْنَ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إلى تَناوُلِهِ وفَتْحِ الذَّرِيعَةِ إلى تَناوُلِهِ تَناقُضًا وتَعارُضًا. وَأيْضًا فَإنَّ في هَذا الدَّواءِ المُحَرَّمِ مِنَ الأدْواءِ ما يَزِيدُ عَلى ما يُظَنُّ فِيهِ مِنَ الشِّفاءِ، ولْنَفْرِضِ الكَلامَ في أُمِّ الخَبائِثِ الَّتِي ما جَعَلَ اللَّهُ لَنا فِيها شِفاءً قَطُّ، فَإنَّها شَدِيدَةُ المَضَرَّةِ بِالدِّماغِ الَّذِي هو مَرْكَزُ العَقْلِ عِنْدَ الأطِبّاءِ، وكَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ. قالَ أبقراط في أثْناءِ كَلامِهِ في الأمْراضِ الحادَّةِ: ضَرَرُ الخَمْرَةِ بِالرَّأْسِ شَدِيدٌ؛ لِأنَّهُ يُسَرِّعُ الِارْتِفاعَ إلَيْهِ. ويَرْتَفِعُ بِارْتِفاعِهِ الأخْلاطُ الَّتِي تَعْلُو في البَدَنِ، وهو كَذَلِكَ يَضُرُّ بِالذِّهْنِ. وَقالَ صاحِبُ " الكامِلِ ": إنَّ خاصِّيَّةَ الشَّرابِ الإضْرارُ بِالدِّماغِ والعَصَبِ. وأمّا غَيْرُهُ مِنَ الأدْوِيَةِ المُحَرَّمَةِ فَنَوْعانِ: أحَدُهُما: تَعافُهُ النَّفْسُ ولا تَنْبَعِثُ لِمُساعَدَتِهِ الطَّبِيعَةُ عَلى دَفْعِ المَرَضِ بِهِ، كالسُّمُومِ، ولُحُومِ الأفاعِي، وغَيْرِها مِنَ المُسْتَقْذَراتِ، فَيَبْقى كَلًّا عَلى الطَّبِيعَةِ مُثْقِلًا لَها، فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ داءً لا دَواءً. والثّانِي: ما لا تَعافُهُ النَّفْسُ كالشَّرابِ الَّذِي تَسْتَعْمِلُهُ الحَوامِلُ مَثَلًا، فَهَذا ضَرَرُهُ أكْثَرُ مِن نَفْعِهِ، والعَقْلُ يَقْضِي بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، فالعَقْلُ والفِطْرَةُ مُطابِقٌ لِلشَّرْعِ في ذَلِكَ. وَهاهُنا سِرٌّ لَطِيفٌ في كَوْنِ المُحَرَّماتِ لا يُسْتَشْفى بِها، فَإنَّ شَرْطَ الشِّفاءِ بِالدَّواءِ تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ، واعْتِقادُ مَنفَعَتِهِ، وما جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن بَرَكَةِ الشِّفاءِ، فَإنَّ النّافِعَ هو المُبارَكُ، وأنْفَعُ الأشْياءِ أبْرَكُها، والمُبارَكُ مِنَ النّاسِ أيْنَما كانَ هو الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ حَيْثُ حَلَّ، ومَعْلُومٌ أنَّ اعْتِقادَ المُسْلِمِ تَحْرِيمَ هَذِهِ العَيْنِ مِمّا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اعْتِقادِ بَرَكَتِها ومَنفَعَتِها، وبَيْنَ حُسْنِ ظَنِّهِ بِها وتَلَقِّي طَبْعِهِ لَها بِالقَبُولِ، بَلْ كُلَّما كانَ العَبْدُ أعْظَمَ إيمانًا، كانَ أكْرَهَ لَها وأسْوَأ اعْتِقادًا فِيها، وطَبْعُهُ أكْرَهَ شَيْءٍ لَها، فَإذا تَناوَلَها في هَذِهِ الحالِ كانَتْ داءً لَهُ لا دَواءً إلّا أنْ يَزُولَ اعْتِقادُ الخُبْثِ فِيها، وسُوءُ الظَّنِّ والكَراهَةُ لَها بِالمَحَبَّةِ، وهَذا يُنافِي الإيمانَ، فَلا يَتَناوَلُها المُؤْمِنُ قَطُّ إلّا عَلى وجْهِ داءٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النساء 4:163

وَهَذا التَّشْبِيه في أصل الوَحْي لا في قدره وفضل الموحى بِهِ.

النساء 4:164

فَصْلٌ: في مَراتِبِ الهِدايَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وهي عَشْرُ مَراتِبَ: المَرْتَبَةُ الأُولى: مَرْتَبَةُ تَكْلِيمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِعَبْدِهِ يَقَظَةً بِلا واسِطَةٍ، بَلْ مِنهُ إلَيْهِ، وهَذِهِ أعْلى مَراتِبِها، كَما كَلَّمَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ وحْيَهُ إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ كَلَّمَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكْلِيمَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الوَحْيِ الَّذِي ذُكِرَ في أوَّلِ الآيَةِ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ كَلَّمَ وهو التَّكْلِيمُ رَفْعًا لِما يَتَوَهَّمُهُ المُعَطِّلَةُ والجَهْمِيَّةُ والمُعْتَزِلَةُ وغَيْرُهم مِن أنَّهُ إلْهامٌ، أوْ إشارَةٌ، أوْ تَعْرِيفٌ لِلْمَعْنى النَّفْسِيِّ بِشَيْءٍ غَيْرِ التَّكْلِيمِ، فَأكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ المُفِيدِ تَحْقِيقَ النِّسْبَةِ ورَفْعَ تَوَهُّمِ المَجازِ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي ما يُوصَلُ إلى الإنْسانِ كَلامًا بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ، ولَكِنْ لا تُحَقِّقُهُ بِالمَصْدَرِ، فَإذا حَقَّقَتْهُ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ، كالإرادَةِ، يُقالُ: فُلانٌ أرادَ إرادَةً، يُرِيدُونَ حَقِيقَةَ الإرادَةِ، ويُقالُ: أرادَ الجِدارُ، ولا يُقالُ: إرادَةً، لِأنَّهُ مَجازٌ غَيْرُ حَقِيقَةٍ، هَذا كَلامُهُ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهَذا التَّكْلِيمُ غَيْرُ التَّكْلِيمِ الأوَّلِ الَّذِي أرْسَلَهُ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، وفي هَذا التَّكْلِيمِ الثّانِي سَألَ النَّظَرَ لا في الأوَّلِ، وفِيهِ أُعْطِيَ الألْواحَ، وكانَ عَنْ مُواعَدَةٍ مِنَ اللَّهِ لَهُ، والتَّكْلِيمُ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ عَنْ مُواعَدَةٍ، وفِيهِ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أيْ بِتَكْلِيمِي لَكَ بِإجْماعِ السَّلَفِ. وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ أنَّهُ ناداهُ وناجاهُ، فالنِّداءُ مِن بُعْدٍ، والنِّجاءُ مِن قُرْبٍ، تَقُولُ العَرَبُ: إذا كَبُرَتِ الحَلْقَةُ فَهو نِداءٌ، أوْ نِجاءٌ، وقالَ لَهُ أبُوهُ آدَمُ في مُحاجَّتِهِ: «أنْتَ مُوسى الَّذِي اصْطَفاكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وخَطَّ لَكَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ؟»، وكَذَلِكَ يَقُولُ لَهُ أهْلُ المَوْقِفِ إذا طَلَبُوا مِنهُ الشَّفاعَةَ إلى رَبِّهِ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ الإسْراءِ في رُؤْيَةِ مُوسى في السَّماءِ السّادِسَةِ أوِ السّابِعَةِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَةِ، قالَ: وذَلِكَ بِتَفْضِيلِهِ بِكَلامِ اللَّهِ، ولَوْ كانَ التَّكْلِيمُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِن جِنْسِ ما حَصَلَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ لَهُ في هَذِهِ الأحادِيثِ مَعْنًى، ولا كانَ يُسَمّى كِلِيمَ الرَّحْمَنِ وقالَ تَعالى ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] فَفَرَّقَ بَيْنَ تَكْلِيمِ الوَحْيِ، والتَّكْلِيمِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، والتَّكْلِيمِ مِن وراءِ حِجابٍ. (فصل: تكليم الله لموسى) احتج بعض أهل السنة على القائلين من المعتزلة بأن تكليم الله لموسى عليه السلام مجاز بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ فأكد الفعل بالمصدر ولا يصح المجاز مع التوكيد. قال السهيلي: فذاكرت بها شيخنا أبا الحسن فقال: هذا حسن لولا أن سيبويه أجاز في مثل هذا أن يكون مفعولا مطلقا وإن لم يكن منعوتا في اللفظ فيحتمل على هذا أن يريد تكليما ما فلا يكون في الآية حجة قاطعة والحجج عليهم كثيرة. (الوحي وتفسيره) قلت: وهذا ليس بشيء والآية صريحة في أن المراد بها تكليم أخص من الإيحاء فإنه ذكر أنه أوحى إلى نوح والنبيين من بعده وهذا الوحي هو التكليم العام المشترك ثم خص موسى باسم خاص وفعل خاص وهو كلم تكليما ورفع توهم إرادة التكليم العام عن الفعل بتأكيده بالمصدر وهذا يدل على اختصاص موسى بهذا التكليم ولو كان المراد تكليما ما لكان مساويا لما تقدم من الوحي أو دونه وهو باطل وأيضا فإن التأكيد في مثل هذا السياق صريح في التعظيم وتثبيت حقيقة الكلام والتكليم فعلا ومصدرا ووصفه بما يشعر بالتقليل مضاد للسياق فتأمله. وأيضا فإن الله سبحانه قال لموسى: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ فلو كان التكليم الذي حصل له تكليما ما كان مشاركا لسائر الأنبياء فيه فلم يكن لتخصيصه بالكلام معنى وأيضا فإن وصف المصدر هاهنا مؤذن بقلته وإن نوعا من أنواع التكليم حصل له وهذا محال هاهنا فإن الإلهام تكليم ما ولهذا سماه الله تعالى وحيا والوحي تكليم ما فقال: ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ ﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ ونظائره. وقال عبادة بن الصامت: "رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في منامه. فكل هذه الأنواع تسمى تكليما ما، وقد خص الله سبحانه موسى واصطفاه على البشر بكلامه له وأيضا فإن الله سبحانه حيث ذكر موسى ذكر تكليمه له باسم التكليم الخاص دون الاسم العام كقوله: ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي﴾ بل ذكر تكليمه له بأخص من ذلك وهو تكليم خاص كقوله: ﴿وَنادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ فناداه وناجاه والنداء والنجاء أخص من التكليم لأنه تكليم خاص فالنداء تكليم من البعد يسمعه المنادي والنجاء تكليم من القرب وأيضا فإنه اجتمع في هذه الآية ما يمتنع معه حملها على ما ذكره وهو أنه ذكر الوحي المشترك ثم ذكر عموم الأنبياء بعد محمد ونوح ثم ذكر موسى بعينه بعد ذكر النبيين عموما ثم ذكر خصوص تكليمه ثم أكده بالمصدر وكل من له أدنى ذوق في الألفاظ ودلالتها على معانيها يجزم بأن هذا السياق يقتضي تخصيص موسى بتكليم لم يحصل لغيره وأنه ليس تكليما ما، فما ذكره أبو الحسن غير حسن بل باطل قطعا والذي غره ما اختاره سيبويه من حذف صفة المصدر وإرادتها وسيبويه لم يذكر هذا في كل مصدر كان هذا شأنه وإنما ذكر أن هذا مما يسوغ في الجملة فإذا كان في الكلام ما يدل على إرادة التأكيد دون الصفة لم يقل سيبويه ولا أحد أنه موصوف محذوف يدل على تقليله كما إذا قيل: صدقت الرسول تصديقا وآمنت به إيمانا أو قيل قاتل فلان مع رسول الله ﷺ قتالا ونصره نصرا وبين الرسول لأمته تبينا وأرشدهم إرشادا وهداهم هدى فهل يقول سيبويه أو أحد إن هذا يجوز أن يكون موصوفا والمراد تصديقا وإيمانا ما وتبيينا ما وهدى ما فهكذا الآية والله تعالى الموفق للصواب. قال السهيلي: وسألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيدا للفعل والتوكيد لا يعمل فيه المؤكد إذ هو هو في المعنى فما العامل فيه فسكت قليلا ثم قال ما سألني عنه أحد قبلك وأرى أن العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله لو كان اسما لأنه لو كان اسما لكان منصوبا بفعلت المتضمنة فيه ثم عرضت كلامه على نفسي وتأملت الكتاب فإذا هو قد ذهل عما لوح إليه سيبويه في باب المصادر بل صرح وذلك أنه جعل المصدر المؤكد منصوبا بفعل هو التوكيد على الحقيقة واختزل ذلك الفعل وسد المصدر الذي هو معموله مسده كما سدت إياك وزيدا مسد العامل فيهما فصار التقدير ضربت ضربت ضربا فضربت الثانية: هي التوكيد على الحقيقة وقد سد ضربا مسدها وهو معمولها وإنما يقدر عملها فيه على أنه مفعول مطلق لا توكيد هذا معنى قول صاحب الكتاب مع زيادة شرح ومن تأمله هناك وجده كذلك والذي أقول به الآن قول الشيخ أبي الحسن لأن الفعل المختزل معنى والمعاني لا يؤكد بها وإنما يؤكد بالألفاظ وقولك ضربت فعل مشتق من المصدر فهو يدل عليه فكأنك قلت فعلت الضرب فضربت يتضمن المصدر ولذلك تضمره فتقول من كذب فهو شر له وتقيده بالحال نحو قمنا سريعا فسريعا حال من القيام فكما جاز أن تقيده بالحال وأن تكنى عنه جاز أيضا أن تؤكده بضربا كأنك قلت: ضربا ضربا أو نصب ضربا المتضمن ضربا المصرح به وبه يعمل في الثاني يعني فعلت كما كان ذلك في المفعول المطلق إذا قلت ضربت ضربا شديدا أي فعلت ضربا شديدا وليس المؤكد كذلك إنما ينتصب كما ينتصب زيد الثاني في قولك ضربت زيدا مكررا انتصب من حيث كان هو الأول لا أنك أضمرت له فعلا فتأمله.

النساء 4:171

[فصل: تسمية المسيح روح اللّه] يبقى هاهنا أمران: أحدهما: أن يقال: فإذا كان النفخ حصل في مريم من جهة الملك وهو الذي ينفخ الأرواح في سائر البشر، فما وجه تسمية المسيح روح اللّه؟ وإذا كان سائر الناس تحدث أرواحهم من هذه الروح فما خاصية المسيح؟ الثاني: أن يقال فهل تعلق الروح بآدم كانت بواسطة نفخ هذه الروح هو الذي نفخها فيه بإذن اللّه كما نفخها في مريم، أم الرب تعالى هو الذي نفخها بنفسه كما خلقه بيده؟ قيل لعمر اللّه إنهما سؤالان مهمان، فأما الأول فالجواب عنه أن الروح الذي نفخ في مريم هو الروح المضاف إلى اللّه الذي اختصه لنفسه وأضافه إليه وهو روح خاص من بين سائر الأرواح، وليس الملك الموكل بالنفخ في بطون الحوامل من المؤمنين والكفار، فإن اللّه سبحانه وكل بالرحم ملكا ينفخ الروح في الجنين فيكتب رزق المولود وأجله وعمله وشقاوته وسعادته. وأما هذا الروح المرسل إلى مريم فهو روح اللّه الذي اصطفاه من الأرواح لنفسه، فكان بمنزلة الأب لسائر النوع، فإن نفخته لما دخلت في فرجها كان ذلك بمنزلة لقاح الذكر للأنثى من غير أن يكون هناك وطء، وأما ما اختص به آدم فإنه لم يخلق كخلقة المسيح من أم ولا كخلقه سائر النوع من أب وأم، ولا كان الروح الذي نفخ فيه منه هو الملك الذي ينفخ الروح في سائر أولاده، ولو كان كذلك لم يكن لآدم به اختصاص، وإنما ذكر في الحديث ما اختص به على غيره وهو أربعة أشياء: خلق اللّه له بيده ونفخ فيه من روحه يستلزم نافخا ونفخا ومنفوخا منه، فالمنفوخ منه: هو الروح المضافة إلى اللّه، فمنها سرت النفخة في طينة آدم، واللّه تعالى هو الذي نفخ في طينه من تلك الروح، هذا هو الذي دل عليه النص. وأما كون النفخة بمباشرة منه سبحانه كما خلقه بيده أو أنها حصلت بأمره، كما حصلت في مريم عليها السلام، فهذا يحتاج إلى دليل، والفرق بين خلق اللّه له بيده ونفخه فيه من روحه أن اليد غير مخلوقة، والروح مخلوقة، والخلق فعل من أفعال الرب، وأما النفخ فهل هو من أفعاله القائمة به أو هو مفعول من مفعولاته القائمة بغيره المنفصلة عنه؟ وهذا مما لا يحتاج إلى دليل؛ وهذا بخلاف النفخ في فرج مريم، فإنه مفعول من مفعولاته، وأضافه إليه لأنه بإذنه، وأمره فنفخه في آدم هل هو فعل له أو مفعول، وعلى كل تقدير فالروح الذي نفخ منها في آدم روح مخلوقة غير قديمة، وهي مادة روح آدم، فروحه أولى أن تكون حادثة مخلوقة وهو المراد.

النساء 4:176

فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ والهلاك محقق؟ قلت التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد. ((الجزء الخامس))

المائدة 5:2

[فَصْلٌ الإثْمُ والعُدْوانُ] وَأمّا الإثْمُ والعُدْوانُ فَهُما قَرِينانِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ وَكُلٌّ مِنهُما إذا أُفْرِدَ تَضَمَّنَ الآخَرَ، فَكُلُّ إثْمٍ عُدْوانٌ، إذْ هو فِعْلُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، أوْ تَرْكُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَهو عُدْوانٌ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وكُلُّ عُدْوانٍ إثْمٌ، فَإنَّهُ يَأْثَمُ بِهِ صاحِبُهُ، ولَكِنْ عِنْدَ اقْتِرانِهِما فَهُما شَيْئانِ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِما ووَصْفِهِما. فالإثْمُ ما كانَ مُحَرَّمَ الجِنْسِ كالكَذِبِ، والزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، والعُدْوانُ ما كانَ مُحَرَّمَ القَدْرِ والزِّيادَةِ. فالعُدْوانُ: تَعَدِّي ما أُبِيحَ مِنهُ إلى القَدْرِ المُحَرَّمِ والزِّيادَةِ، كالِاعْتِداءِ في أخْذِ الحَقِّ مِمَّنْ هو عَلَيْهِ، إمّا بِأنْ يَتَعَدّى عَلى مالِهِ، أوْ بَدَنِهِ أوْ عِرْضِهِ، فَإذا غَصَبَهُ خَشَبَةً لَمْ يَرْضَ عِوَضَها إلّا دارَهُ، وإذا أتْلَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا أتْلَفَ عَلَيْهِ أضْعافَهُ، وإذا قالَ فِيهِ كَلِمَةً قالَ فِيهِ أضْعافَها، فَهَذا كُلُّهُ عُدْوانٌ وتَعَدٍّ لِلْعَدْلِ. وَهَذا العُدْوانُ نَوْعانِ: عُدْوانٌ في حَقِّ اللَّهِ، وعُدْوانٌ في حَقِّ العَبْدِ، فالعُدْوانُ في حَقِّ اللَّهِ كَما إذا تَعَدّى ما أباحَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الوَطْءِ الحَلالِ في الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ إلى ما حَرَّمَ عَلَيْهِ مِن سِواهُما، كَما قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] وَكَذَلِكَ تَعَدّى ما أُبِيحَ لَهُ مِنهُ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ، فَتَعَدّاهُ إلى أكْثَرَ مِنهُ، فَهو مِنَ العُدْوانِ، كَمَن أُبِيحَ لَهُ إساغَةُ الغُصَّةِ بِجُرْعَةٍ مِن خَمْرٍ، فَتَناوَلَ الكَأْسَ كُلَّها، أوْ أُبِيحَ لَهُ نَظْرَةُ الخِطْبَةِ، والسَّوْمُ، والشَّهادَةُ، والمُعامَلَةُ، والمُداواةُ، فَأطْلَقَ عِنانَ طَرْفِهِ في مَيادِينِ مَحاسِنِ المَنظُورِ، وأسامَ طَرْفَ ناظِرِهِ في تِلْكَ الرِّياضِ والزُّهُورِ، فَتَعَدّى المُباحَ إلى القَدْرِ المَحْظُورِ، وحامَ حَوْلَ الحِمى المَحُوطِ المَحْجُورِ، فَصارَ ذا بَصَرٍ حائِرٍ، وقَلْبٍ عَنْ مَكانِهِ طائِرٍ، أرْسَلَ طَرْفَهُ رائِدًا يَأْتِيهِ بِالخَبَرِ فَخامَرَ عَلَيْهِ، وأقامَ في تِلْكَ الخِيامِ، فَبَعَثَ القَلْبَ في آثارِهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وهو أسِيرٌ يَحْجِلُ في قُيُودِهِ بَيْنَ تِلْكَ الخِيامِ، فَما أقْلَعَتْ لَحْظاتُ ناظِرِهِ حَتّى تَشَحَّطَ بَيْنَهُنَّ قَتِيلًا، وما بَرِحَتْ تَنُوشُهُ سُيُوفُ تِلْكَ الجُفُونِ حَتّى جَنْدَلَتْهُ تَجْدِيلًا، هَذا خَطَرُ العُدْوانِ، وما أمامَهُ أعْظَمُ وأخْطَرُ، وهَذا فَوْتُ الحِرْمانِ، وما حُرِمَهُ مِن فَواتِ ثَوابِ مَن غَضَّ طَرْفَهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أجَلُّ وأكْبَرُ، سافَرَ الطَّرْفُ في مَفاوِزِ مَحاسِنِ المَنظُورِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَرْبَحْ إلّا أذى السَّفَرِ، وغَرَّرَ بِنَفْسِهِ في رُكُوبِ تِلْكَ البَيْداءِ، وما عَرَفَ أنَّ راكِبَها عَلى أعْظَمِ الخَطَرِ؟! يا لَها مِن سَفْرَةٍ لَمْ يَبْلُغِ المُسافِرُ مِنها ما نَواهُ، ولَمْ يَضَعْ فِيها عَنْ عاتِقِهِ عَصاهُ، حَتّى قَطَعَ عَلَيْهِ فِيها الطَّرِيقَ، وقَعَدَ لَهُ فِيها الرَّصَدُ عَلى كُلِّ نَقَبٍ ومَضِيقٍ، لا يَسْتَطِيعُ الرُّجُوعَ إلى وطَنِهِ والإيابَ، ولا لَهُ سَبِيلٌ إلى المُرُورِ والذَّهابِ، يَرى هَجِيرَ الهاجِرَةِ مِن بَعِيدٍ، فَيَظُنُّهُ بَرْدَ الشَّرابِ ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩] وَتَيَقَّنَ أنَّهُ كانَ مَغْرُورًا بِلامِعِ السَّرابِ، تاللَّهِ ما اسْتَوَتْ هَذِهِ الذِّلَّةُ وتِلْكَ اللَّذَّةُ في القِيمَةِ فَيَشْتَرِيها بِها العارِفُ الخَبِيرُ، ولا تَقارَبا في المَنفَعَةِ، فَيَتَحَيَّرُ بَيْنَهُما البَصِيرُ، ولَكِنْ عَلى العُيُونِ غِشاوَةٌ فَلا تُفَرِّقُ بَيْنَ مَواطِنِ السَّلامَةِ ومَواضِعِ العُثُورِ، والقُلُوبُ تَحْتَ أغْطِيَةِ الغَفَلاتِ، راقِدَةٌ فَوْقَ فُرُشِ الغُرُورِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وَمِن أمْثِلَةِ العُدْوانِ تَجاوُزُ ما أُبِيحَ مِنَ المَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ إلى ما لَمْ يُبَحْ مِنها، إمّا بِأنْ يَشْبَعَ، وإنَّما أُبِيحَ لَهُ سَدُّ الرَّمَقِ، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ، والشّافِعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ. وَأباحَ مالِكٌ لَهُ الشِّبَعَ والتَّزَوُّدَ إذا احْتاجَ إلَيْهِ، فَإذا اسْتَغْنى عَنْها وأكَلَها واقِيًا لِمالِهِ، وبُخْلًا عَنْ شِراءِ المُذَكّى ونَحْوِهِ، كانَ تَناوُلُها عُدْوانًا، قالَ تَعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] قالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: لا يَأْكُلُها مِن غَيْرِ اضْطِرارٍ، ولا يَعْدُو شِبَعَهُ، وقِيلَ: " غَيْرَ باغٍ " غَيْرَ طالِبِها وهو يَجِدُ غَيْرَها " ولا عادٍ " أيْ لا يَتَعَدّى ما حُدَّ لَهُ مِنها فَيَأْكُلُ حَتّى يَشْبَعَ، ولَكِنْ سَدَّ الرَّمَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَها، ولا مُتَزَوِّدٍ مِنها. وَقِيلَ: لا يَبْغِي بِتَجاوُزِ الحَدِّ الَّذِي حُدَّ لَهُ مِنها، ولا يَتَعَدّى بِتَقْصِيرِهِ عَنْ تَناوُلِهِ حَتّى يَهْلِكَ، فَيَكُونَ قَدْ تَعَدّى حَدَّ اللَّهِ بِمُجاوَزَتِهِ أوِ التَّقْصِيرِ عَنْهُ، فَهَذا آثِمٌ، وهَذا آثِمٌ، وقالَ مَسْرُوقٌ: مَنِ اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ والشّافِعِيُّ: غَيْرَ باغٍ عَلى السُّلْطانِ ولا عادٍ في سَفَرِهِ، فَلا يَكُونُ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ العاصِيَ بِسَفَرِهِ لا يَتَرَخَّصُ. والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ لِعَشَرَةِ أوْجُهٍ، لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها، إذِ الآيَةُ لا تَعَرُّضَ فِيها لِلسَّفَرِ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، ولا لِلْخُرُوجِ عَلى الإمامِ، ولا هي مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ ولا سِيقَتْ لَهُ، وهي عامَّةٌ في حَقِّ المُقِيمِ والمُسافِرِ، والبَغْيُ والعُدْوانُ فِيها يَرْجِعانِ إلى الأكْلِ المَقْصُودِ بِالنَّهْيِ، لا إلى أمْرٍ خارِجٍ عَنْهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأكْلِ، ولِأنَّ نَظِيرَ هَذا قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] فَهَذا هو الباغِي العادِي، والمُتَجانِفُ لِلْإثْمِ المائِلُ إلى القَدْرِ الحَرامِ مِن أكْلِها، وهَذا هو الشَّرْطُ الَّذِي لا يُباحُ لَهُ بِدُونِهِ، ولِأنَّها إنَّما أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، فَتَقَدَّرَتِ الإباحَةُ بِقَدْرِها، وأعْلَمَهم أنَّ الزِّيادَةَ عَلَيْها بَغْيٌ وعُدْوانٌ وإثْمٌ، فَلا تَكُونُ الإباحَةُ لِلضَّرُورَةِ سَبَبًا لِحِلِّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. والإثْمُ والعُدْوانُ هُما الإثْمُ والبَغْيُ المَذْكُورانِ في سُورَةِ الأعْرافِ، مَعَ أنَّ البَغْيَ غالِبُ اسْتِعْمالِهِ في حُقُوقِ العِبادِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ. وَعَلى هَذا فَإذا قُرِنَ البَغْيُ بِالعُدْوانِ كانَ البَغْيُ ظُلْمَهم بِمُحَرَّمِ الجِنْسِ، كالسَّرِقَةِ والكَذِبِ، والبَهْتِ والِابْتِداءِ بِالأذى، والعُدْوانُ تَعَدِّي الحَقِّ في اسْتِيفائِهِ إلى أكْبَرَ مِنهُ، فَيَكُونُ البَغْيُ والعُدْوانُ في حَقِّهِمْ كالإثْمِ والعُدْوانِ في حُدُودِ اللَّهِ. فَهاهُنا أرْبَعَةُ أُمُورٍ: حَقٌّ لِلَّهِ ولَهُ حَدٌّ، وحَقٌّ لِعِبادِهِ ولَهُ حَدٌّ، فالبَغْيُ والعُدْوانُ والظُّلْمُ تَجاوُزُ الحَدَّيْنِ إلى ما وراءَهُما، أوِ التَّقْصِيرُ عَنْهُما، فَلا يَصِلُ إلَيْهِما. (فائدة) قول النبي ﷺ "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدْي ولجعلتها متعة" ليس فيها ندامة على أفضل مما أتى به من النسك فإن الله لم يكن ليختار له إلا أفضل الأنساك وأعلاها ولكن كان لمحبة تآلف قلوب أصحابه وموافقتهم وتطييب نفوسهم بأن يفعل كما فعلوا، ودّ لو أنه أحل كما أحلّوا ولكن منعه سوق الهدْي، وعلى هذا فيكون الله تعالى قد اختار له أفضل الأنساك بفعله وأعطاه ما تمناه من موافقة أصحابه وتآلف قلوبهم بنيته ومناه فجمع له بين الأمرين وهذا هو اللائق به صلوات الله تعالى وسلامه عليه.

المائدة 5:3

(فصل) وَإذا تَأمَّلت الحِكْمَة الباهرة في هَذا الدّين القويم والملَّة الحنيفية والشريعة المحمدية الَّتِي لا تنال العبارَة كمالها ولا يدْرك الوَصْف حسنها، ولا تقترح عقول العُقَلاء، ولَو اجْتمعت وكانَت على أكمل عقل رجل مِنهُم فَوْقها، وحسب العُقُول الكامِلَة الفاضلة إن أدركت حسنها وشهِدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شَرِيعَة أكمل ولا أجل ولا أعظم مِنها. فَهِيَ نَفسها الشّاهِد والمشهود لَهُ، والحجّة والمحتج لَهُ، والدَّعْوى والبرهان، ولَو لم يَأْتِ الرَّسُول ببرهان عَلَيْها لكفى بها برهانا وآيَة وشاهدا على أنها من عند الله، وكلها شاهدة لَهُ بِكَمال العلم، وكَمال الحِكْمَة، وسعة الرَّحْمَة والبر والإحسان والإحاطة بِالغَيْبِ والشَّهادَة، والعلم بالمبادئ والعواقب، وأنَّها من أعظم نعم الله الَّتِي أنعم بها على عباده، فَما أنعم عَلَيْهِم بِنِعْمَة أجل من أن هداهُم لَها، وجعلهم من أهلها ومِمَّنْ ارتضاهم لَها، فَلهَذا امتن على عباده بأن هداهُم لَها قالَ تَعالى ﴿لقد من الله على المُؤمنِينَ إذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُو عَلَيْهِم آياته ويزكيهم ويُعلمهُم الكتاب والحكمَة وإن كانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ وَقالَ مُعَرفا لِعِبادِهِ ومذكرا لَهُم عَظِيم نعْمَته عَلَيْهِم مستدعيا مِنهُم شكره على أن جعلهم من أهلها ﴿اليَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ الآية. وَتأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال، والنعمة التي أسبغها عليهم بالتمام إيذانا في الدين بأنه لا نقص فيه ولا عيب ولا خلل، ولا شيء خارجا عن الحكمة بوجه، بل هو الكامل في حسنه وجلالته ووصف النعمة بالتمام إيذانا بدوامها واتصالها، وأنه لا يسلبهم إياها بعد إذ أعطاهموها بل يتمها لهم بالدوام في هذا الدار وفي دار القرار. وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين، وإضافة الدين إليهم، إذ هم القائمون به المقيمون له. وأضاف النعمة إليه إذ هو وليها ومسديها والمنعم بها عليهم، فهي نعمة حقا، وهم قابلوها. وأتى في الكمال باللام المؤذنة بالاختصاص، وأنه شيء خصوا به دون الأمم. وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة فجاء «أتممت» في مقابلة أكْمَلْتُ و «عليكم» في مقابلة لَكم و «نعمتي» في مقابلة دِينِكم وأكد ذلك وزاده تقريرا وكمالا وإتماما للنعمة بقوله ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾. [فصل: أقْسامُ النِّعْمَةِ] والنِّعْمَةُ نِعْمَتانِ: نِعْمَةٌ مُطْلَقَةٌ ونِعْمَةٌ مُقَيَّدَةٌ. ١ - فالنِّعْمَةُ المُطْلَقَةُ: هي المُتَّصِلَةُ بِسَعادَةِ الأبَدِ وهي نِعْمَةُ الإسْلامِ والسُّنَّةِ وهي النِّعْمَةُ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ نَسْألَهُ في صَلاتِنا أنْ يَهْدِيَنا صِراطَ أهْلِها ومَن خَصَّهم بِها وجَعَلَهم أهْلَ الرَّفِيقِ الأعْلى حَيْثُ يَقُولُ تَعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. فَهَؤُلاءِ الأصْنافُ الأرْبَعَةُ، هم أهْلُ هَذِهِ النِّعْمَةِ المُطْلَقَةِ، وأصْحابُها أيْضًا هُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا - فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. . .﴾، فَأضافَ الدِّينَ إلَيْهِمْ؛ إذْ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِهَذا الدِّينِ القَيِّمِ دُونَ سائِرِ الأُمَمِ، والدِّينُ تارَةً يُضافُ إلى العَبْدِ، وتارَةً يُضافُ إلى الرَّبِّ، فَيُقالُ الإسْلامُ دِينُ اللَّهِ (الَّذِي) لا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ دِينًا سِواهُ وَلِهَذا يُقالُ في الدُّعاءِ: (اللَّهُمَّ انْصُرْ دِينَكَ الَّذِي أنْزَلْتَهُ مِنَ السَّماءِ) ونُسِبَ الكَمالُ إلى الدِّينِ والتَّمامُ إلى النِّعْمَةِ مَعَ إضافَتِها إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو ولِيُّها ومُسْدِيها إلَيْهِمْ، وهم مَحَلٌّ مَحْضٌ لِنِعَمِهِ قابِلِينَ لَها، ولِهَذا يُقالُ في الدُّعاءِ المَأْثُورِ لِلْمُسْلِمِينَ (واجْعَلْهم مُثْنِينَ بِها عَلَيْكَ قابِلِيها وأتْمِمْها عَلَيْهِمْ). وَأمّا الدِّينُ فَلَمّا كانُوا هُمُ القائِمِينَ بِهِ الفاعِلِينَ لَهُ بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ نَسَبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾، وكانَ الكَمالُ في جانِبِ الدِّينِ والتَّمامُ في جانِبِ النِّعْمَةِ واللَّفْظَتانِ وإنْ تَقارَبَتا وتَوازَنَتا فَبَيْنَهُما فَرْقٌ لَطِيفٌ يَظْهَرُ عِنْدَ التَّأمُّلِ فَإنَّ الكَمالَ أخَصُّ بِالصِّفاتِ والمَعانِي ويُطْلَقُ عَلى الأعْيانِ والذَّواتِ وذَلِكَ بِاعْتِبارِ صِفاتِها وخَواصِّها كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: («كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ»). وَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: " إنَّ لِلْإيمانِ حُدُودًا وفَرائِضَ وسُنَنًا وشَرائِعَ فَمَنِ اسْتَكْمَلَها فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ "، وأمّا التَّمامُ فَيَكُونُ في الأعْيانِ والمَعانِي، ونِعْمَةُ اللَّهِ أعْيانٌ وأوْصافٌ ومَعانٍ. وَأمّا دِينُهُ فَهو شَرْعُهُ المُتَضَمِّنُ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَحابِّهِ فَكانَتْ نِسْبَةُ الكَمالِ إلى الدِّينِ والتَّمامِ إلى النِّعْمَةِ أحْسَنَ كَما كانَتْ إضافَةُ الدِّينِ إلَيْهِمْ والنِّعْمَةِ إلَيْهِ أحْسَنَ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ هي النِّعْمَةُ المُطْلَقَةُ، وهي الَّتِي اخْتَصَّتْ بِالمُؤْمِنِينَ، وإذا قِيلَ: لَيْسَ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو صَحِيحٌ. والنِّعْمَةُ الثّانِيَةُ: النِّعْمَةُ المُقَيَّدَةُ كَنِعْمَةِ الصِّحَّةِ، والغِنى، وعافِيَةِ الجَسَدِ، وبَسْطِ الجاهِ، وكَثْرَةِ الوَلَدِ، والزَّوْجَةِ الحَسَنَةِ، وأمْثالِ هَذِهِ، فَهَذِهِ النِّعْمَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ البَرِّ والفاجِرِ والمُؤْمِنِ والكافِرِ، وإذا قِيلَ: لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ فَهو حَقٌّ، فَلا يَصِحُّ إطْلاقًا السَّلْبُ والإيجابُ إلّا عَلى وجْهٍ واحِدٍ؛ وهو أنَّ النِّعَمَ المُقَيَّدَةَ، لَمّا كانَتِ اسْتِدْراجًا لِلْكافِرِ ومَآلُها إلى العَذابِ والشَّقاءِ فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً وإنَّما كانَتْ بَلِيَّةً كَما سَمّاها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِي كَلّا. . .﴾ [الفجر: ١٥-١٦] الآيَةَ أيْ: لَيْسَ كُلُّ مَن أكْرَمْتُهُ في الدُّنْيا ونَعَّمْتُهُ فِيها فَقَدْ أنْعَمْتُ عَلَيْهِ وإنَّما كانَ ذَلِكَ ابْتِلاءً مِنِّي لَهُ، واخْتِبارًا، ولا كُلُّ مَن قَدَرْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَجَعَلْتُهُ بِقَدْرِ حاجَتِهِ مِن غَيْرِ فَضْلٍ أكُونُ قَدْ أهَنْتُهُ، بَلْ أبْتَلِي عَبْدِي بِالنِّعَمِ كَما أبْتَلِيهِ بِالمَصائِبِ. فَإنْ قِيلَ - فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذا المَعْنى ويَتَّفِقُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥]. فَأثْبَتَ الإكْرامَ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّي أكْرَمَنِي﴾ [الفجر: ١٥] وقالَ: (كَلّا). أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إكْرامًا مِنِّي وإنَّما هو ابْتِلاءٌ فَكَأنَّهُ أثْبَتَ لَهُ الإكْرامَ ونَفاهُ؟ قِيلَ: الإكْرامُ المُثْبَتُ غَيْرُ الإكْرامِ المَنفِيِّ، وهُما مِن جِنْسِ النِّعْمَةِ المُطْلَقَةِ والمُقَيَّدَةِ، فَلَيْسَ هَذا الإكْرامُ المُقَيَّدُ بِمُوجِبٍ لِصاحِبِهِ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الإكْرامِ المُطْلَقِ. وَكَذَلِكَ أيْضًا إذا قِيلَ إنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى الكافِرِ نِعْمَةً مُطْلَقَةً ولَكِنَّهُ رَدَّ نِعْمَةَ اللَّهِ وبَدَّلَها فَهو بِمَنزِلَةِ مَن أُعْطِيَ ما لا يَعِيشُ بِهِ فَرَماهُ في البَحْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] وقالَ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، فَهِدايَتُهُ إيّاهم نِعْمَةٌ مِنهُ عَلَيْهِمْ فَبَدَّلُوا نِعْمَتَهُ وآثَرُوا عَلَيْها الضَّلالَ. فَهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في مَسْألَةِ: هَلْ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ أمْ لا؟ وَأكْثَرُ اخْتِلافِ النّاسِ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما: اشْتِراكُ الألْفاظِ وإجْمالُها، والثّانِيَةُ: مِن جِهَةِ الإطْلاقِ والتَّفْصِيلِ. (فَصْلٌ) فِي أنَّ النِّعْمَةَ المُطْلَقَةَ هي الَّتِي يُفْرَحُ بِها في الحَقِيقَةِ مَعَ بَيانِ مَنزِلَةِ السُّنَّةِ وصاحِبِها ": وَهَذِهِ النِّعْمَةُ المُطْلَقَةُ هي الَّتِي يُفْرَحُ بِها في الحَقِيقَةِ، والفَرَحُ بِها مِمّا يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ، وهو لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. وَقَدْ دارَتْ أقْوالُ السَّلَفِ عَلى أنَّ فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ هي الإسْلامُ والسُّنَّةُ وعَلى حَسَبِ حَياةِ القَلْبِ يَكُونُ فَرَحُهُ بِهِما، وكُلَّما كانَ أرْسَخَ فِيهِما كانَ قَلْبُهُ أشَدَّ فَرَحًا حَتّى إنَّ القَلْبَ لَيَرْقُصُ فَرَحا إذا باشَرَ رُوحَ السُّنَّةِ أحْزَنَ ما يَكُونُ النّاسُ، وهو مُمْتَلِئٌ أمْنًا أخْوَفَ ما يَكُونُ النّاسُ.

المائدة 5:4

وَلَوْلا مزية العلم والتعليم وشرفهما كانَ صيد الكَلْب المعلم والجاهِل سَواء. (فصل) علمت كلبك فَهو يتْرك شَهْوَته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك وخوفا من سطوتك، وكم علمك معلم الشَّرْع وأنت لا تقبل. حرم صيد الجاهِل والممسك لنَفسِهِ فَما ظن الجاهِل الَّذِي أعماله لهوى نَفسه؟! جمع فِيك عقل الملَك وشهوة البَهِيمَة وهوى الشَّيْطان وأنت للْغالِب عَلَيْك من الثَّلاثَة، إن غلبت شهوتك وهواك زِدْت على مرتبَة ملك، وإن غلبك هَواك وشهوتك نقصت عَن مرتبَة كلب. لما صاد الكَلْب لرَبه أُبِيح صَيْده، ولما أمسك على نَفسه حرم ما صاده.

المائدة 5:6

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في غَسْلِ أعْضاءِ الوُضُوءِ] وَأمّا إيجابُهُ لِغَسْلِ المَواضِعِ الَّتِي لَمْ تَخْرُجْ مِنها الرِّيحُ، وإسْقاطُهُ غَسْلَ المَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ، فَما أوْفَقَهُ لِلْحِكْمَةِ، وما أشَدَّهُ مُطابَقَةً لِلْفِطْرَةِ؛ فَإنَّ حاصِلَ السُّؤالِ: لِمَ كانَ الوُضُوءُ في هَذِهِ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ دُونَ باطِنِ المَقْعَدَةِ، مَعَ أنَّ باطِنَ المَقْعَدَةِ أوْلى بِالوُضُوءِ مِن الوَجْهِ واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ؟ وهَذا سُؤالٌ مَعْكُوسٌ، مِن قَلْبٍ مَنكُوسٍ؛ فَإنَّ مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ أنْ كانَ الوُضُوءُ في الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ المَكْشُوفَةِ، وكانَ أحَقُّها بِهِ إمامَها ومُقَدَّمَها في الذِّكْرِ والفِعْلِ وهو الوَجْهُ الَّذِي نَظافَتُهُ ووَضاءَتُهُ عِنْوانٌ عَلى نَظافَةِ القَلْبِ، وبَعْدَهُ اليَدانِ، وهُما آلَةُ البَطْشِ والتَّناوُلِ والأخْذِ، فَهُما أحَقُّ الأعْضاءِ بِالنَّظافَةِ والنَّزاهَةِ بَعْدَ الوَجْهِ، ولَمّا كانَ الرَّأْسُ مَجْمَعَ الحَواسِّ وأعْلى البَدَنِ وأشْرَفَهُ كانَ أحَقَّ بِالنَّظافَةِ، لَكِنْ لَوْ شَرَعَ غَسْلَهُ في الوُضُوءِ لَعَظُمَتْ المَشَقَّةُ، واشْتَدَّتْ البَلِيَّةُ، فَشَرَعَ مَسْحَ جَمِيعِهِ، وأقامَهُ مَقامَ غَسْلِهِ تَخْفِيفًا ورَحْمَةً، كَما أقامَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ مَقامَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. وَلَعَلَّ قائِلًا يَقُولُ: وما يُجْزِئُ مِسْحُ الرَّأْسِ والرِّجْلَيْنِ مِن الغَسْلِ والنَّظافَةِ؟ ولَمْ يَعْلَمْ هَذا القائِلُ أنَّ إمْساسَ العُضْوِ بِالماءِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ وطاعَةً لَهُ وتَعَبُّدًا يُؤَثِّرُ في نَظافَتِهِ وطَهارَتِهِ ما لا يُؤَثِّرُ غَسْلُهُ بِالماءِ والسِّدْرِ بِدُونِ هَذِهِ النِّيَّةِ، والتَّحاكُمُ في هَذا إلى الذَّوْقِ السَّلِيمِ، والطَّبْعِ المُسْتَقِيمِ، كَما أنَّ مَعْكَ الوَجْهِ بِالتُّرابِ امْتِثالًا لِلْآمِرِ وطاعَةً وعُبُودِيَّةً تُكْسِبُهُ وضاءَةً ونَظافَةً وبَهْجَةً تَبْدُو عَلى صَفَحاتِهِ لِلنّاظِرِينَ؛ ولَمّا كانَتْ الرِّجْلانِ تَمَسُّ الأرْضَ غالِبًا، وتُباشِرُ مِن الأدْناسِ ما لا تُباشِرُهُ بَقِيَّةُ الأعْضاءِ كانَتْ أحَقَّ بِالغَسْلِ، ولَمْ يُوَفَّقْ لِلْفَهْمِ عَنْ اللَّهِ ورَسُولِهِ مَن اجْتَزَأ بِمَسْحِهِما مِن غَيْرِ حائِلٍ. فَهَذا وجْهُ اخْتِصاصِ هَذِهِ الأعْضاءِ بِالوُضُوءِ مِن بَيْنِ سائِرِها مِن حَيْثُ المَحْسُوسُ، وأمّا مِن حَيْثُ المَعْنى فَهَذِهِ الأعْضاءُ هي آلاتُ الأفْعالِ الَّتِي يُباشِرُ بِها العَبْدُ ما يُرِيدُ فِعْلَهُ، وبِها يُعْصى اللَّهُ سُبْحانَهُ ويُطاعُ؛ فاليَدُ تَبْطِشُ، والرِّجْلُ تَمْشِي، والعَيْنُ تَنْظُرُ، والأُذُنُ تَسْمَعُ، واللِّسانُ يَتَكَلَّمُ؛ فَكانَ في غَسْلِ هَذِهِ الأعْضاءِ - امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ، وإقامَةً لِمَعْبُودِيَّتِهِ - ما يَقْتَضِي إزالَةَ ما لَحِقَها مِن دَرَنِ المَعْصِيَةِ ووَسَخِها. وَقَدْ أشارَ صاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ إلى هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ حَيْثُ قالَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قالَ: «قُلْت: يا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي عَنْ الوُضُوءِ، قالَ: ما مِنكم مِن رَجُلٍ يَقْرَبُ وُضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْشِقُ فَيَنْثُرُ إلّا خَرَّتْ خَطايا وجْهِهِ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ إلّا خَرَّتْ خَطايا يَدَيْهِ مِن أنامِلِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ إلّا خَرَّتْ خَطايا رَأْسِهِ مِن أطْرافِ شَعْرِهِ مَعَ الماءِ ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ إلّا خَرَّتْ خَطايا رِجْلَيْهِ مِن أنامِلِهِ مَعَ الماءِ، فَإنْ هو قامَ فَصَلّى فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ومَجَّدَهُ بِاَلَّذِي هو أهْلُهُ - أوْ هو لَهُ أهْلٌ - وفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إلّا انْصَرَفَ مِن خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» " وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ - أوْ المُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وجْهَهُ خَرَجَ مِن وجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْها بِعَيْنَيْهِ مَعَ الماءِ - أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ - فَإذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِن يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كانَ بَطَشَتْها يَداهُ مَعَ الماءِ - أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ - فَإذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْها رِجْلاهُ مَعَ الماءِ - أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ - حَتّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِن الذُّنُوبِ» وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: رَجُلانِ مِن أُمَّتِي يَقُومُ أحَدُهُما مِن اللَّيْلِ يُعالِجُ نَفْسَهُ إلى الطَّهُورِ، وعَلَيْهِ عُقَدٌ، فَيَتَوَضَّأُ؛ فَإذا وضَّأ يَدَيْهِ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وإذا وضَّأ وجْهَهُ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وإذا مَسَحَ رَأْسَهُ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وإذا وضَّأ رِجْلَيْهِ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ لِلَّذِي وراءَ الحِجابِ: انْظُرُوا إلى عَبْدِي هَذا يُعالِجُ نَفْسَهُ، ما سَألَنِي عَبْدِي هَذا فَهو لَهُ». وَفِيهِ أيْضًا عَنْ أبِي أُمامَةَ يَرْفَعُهُ: «أيُّما رَجُلٍ قامَ إلى وُضُوئِهِ يُرِيدُ الصَّلاةَ ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ نَزَلَتْ خَطِيئَتُهُ مِن كَفَّيْهِ مَعَ أوَّلِ قَطْرَةٍ، فَإذا تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ نَزَلَتْ خَطِيئَتُهُ مِن لِسانِهِ وشَفَتَيْهِ مَعَ أوَّلِ قَطْرَةٍ، فَإذا غَسَلَ وجْهَهُ نَزَلَتْ خَطِيئَتُهُ مِن سَمْعِهِ وبَصَرِهِ مَعَ أوَّلِ قَطْرَةٍ، فَإذا غَسَلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ ورِجْلَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ سَلِمَ مِن كُلِّ ذَنْبٍ هو لَهُ، ومِن كُلِّ خَطِيئَةٍ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ، فَإذا قامَ إلى الصَّلاةِ رَفَعَ اللَّهُ بِها دَرَجَتَهُ، وإنْ قَعَدَ قَعَدَ سالِمًا» وَفِيهِ أنَّ مَقْصُودَ المَضْمَضَةِ كَمَقْصُودِ غَسْلِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ سَواءٌ، وأنَّهُ حاجَةُ اللِّسانِ والشَّفَتَيْنِ إلى الغَسْلِ كَحاجَةِ بَقِيَّةِ الأعْضاءِ؛ فَمَن أنَكْسُ قَلْبًا وأفْسَدُ فِطْرَةً وأبْطَلُ قِياسًا مِمَّنْ يَقُولُ: إنّ غَسْلَ باطِنِ المَقْعَدَةِ أوْلى مِن غَسْلِ هَذِهِ الأعْضاءِ، وإنَّ الشّارِعَ فَرَّقَ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ؟ هَذا إلى ما في غَسْلِ هَذِهِ الأعْضاءِ المُقارِنِ لِنِيَّةِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ مِن انْشِراحِ القَلْبِ وقُوَّتِهِ، واتِّساعِ الصَّدْرِ، وفَرَحِ النَّفْسِ، ونَشاطِ الأعْضاءِ؛ فَتَمَيَّزَتْ عَنْ سائِرِ الأعْضاءِ بِما أوْجَبَ غَسْلَها دُونَ غَيْرِها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في نَقْضِ الوُضُوءِ بِمَسِّ ذَكَرِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن الأعْضاءِ] وَأمّا قَوْلُهُ: " ونَقْضُ الوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ دُونَ سائِرِ الأعْضاءِ، ودُونَ مَسِّ العَذِرَةِ والبَوْلِ " فَلا رَيْبَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الأمْرُ بِالوُضُوءِ مِن مَسِّ الذَّكَرِ، ورُوِيَ عَنْهُ خِلافُهُ، وأنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقالَ لِلسّائِلِ: «هَلْ هو إلّا بَضْعَةٌ مِنك» وقَدْ قِيلَ: إنّ هَذا الخَبَرَ لَمْ يَصِحَّ، وقِيلَ: بَلْ هو مَنسُوخٌ، وقِيلَ: بَلْ هو مُحْكَمٌ دالٌّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، وحَدِيثُ الأمْرِ دالٌّ عَلى الِاسْتِحْبابِ؛ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَسالِكَ لِلنّاسِ في ذَلِكَ. وَسُؤالُ السّائِلِ يَنْبَنِي عَلى صِحَّةِ حَدِيثِ الأمْرِ بِالوُضُوءِ وإنَّهُ لِلْوُجُوبِ، ونَحْنُ نُجِيبُهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَنَقُولُ: هَذا مِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ وتَمامِ مَحاسِنِها، فَإنَّ مَسَّ الذَّكَرِ بِالوَطْءِ، وهو في مَظِنَّةِ الِانْتِشارِ غالِبًا، والِانْتِشارُ الصّادِرُ عَنْ المَسِّ في مَظِنَّةِ خُرُوجِ المَذْيِ ولا يَشْعُرُ بِهِ؛ فَأُقِيمَتْ هَذِهِ المَظِنَّةُ مَقامَ الحَقِيقَةِ لِخَفائِها وكَثْرَةِ وُجُودِها، كَما أُقِيمَ النَّوْمُ مَقامَ الحَدِيثِ، وكَما أُقِيمَ لَمْسُ المَرْأةِ بِشَهْوَةٍ مَقامَ الحَدَثِ. وَأيْضًا فَإنَّ مَسَّ الذَّكَرِ يُوجِبُ انْتِشارَ حَرارَةِ الشَّهْوَةِ وثَوَرانَها في البَدَنِ، والوُضُوءُ يُطْفِئُ تِلْكَ الحَرارَةِ، وهَذا مُشاهَدٌ بِالحِسِّ، ولَمْ يَكُنْ الوُضُوءُ مِن مَسِّهِ لِكَوْنِهِ نَجِسًا، ولا لِكَوْنِهِ مَجْرى النَّجاسَةِ حَتّى يُورِدَ السّائِلُ مَسَّ العَذِرَةَ والبَوْلَ، ودَعْواهُ بِمُساواةِ مَسِّ الذَّكَرِ لِلْأنْفِ مِن أكْذَبِ الدَّعاوى وأبْطَلْ القِياسِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الجَمْعِ بَيْنَ الماءِ والتُّرابِ في حُكْمِ التَّطْهِيرِ] وَأمّا جَمْعُها بَيْنَ الماءِ والتُّرابِ في التَّطْهِيرِ فاللَّهِ ما أحْسَنَهُ مِن جَمْعٍ، وألْطَفَهُ وألْصَقَهُ بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ؛ وقَدْ عَقَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الإخاءَ بَيْنَ الماءِ والتُّرابِ قَدَرًا وشَرْعًا؛ فَجَمَعَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وخَلَقَ مِنهُما آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ، فَكانا أبَوَيْنِ اثْنَيْنِ لِأبَوَيْنا وأوْلادِهِما؛ وجَعَلَ مِنهُما حَياةَ كُلِّ حَيَوانٍ، وأخْرَجَ مِنهُما أقْواتَ الدَّوابِّ والنّاسِ والأنْعامِ، وكانا أعَمَّ الأشْياءِ وُجُودًا، وأسْهَلَها تَناوُلًا، وكانَ تَعْفِيرُ الوَجْهِ في التُّرابِ لِلَّهِ مِن أحَبِّ الأشْياءِ إلَيْهِ، ولَمّا كانَ عَقْدُ هَذِهِ الأُخُوَّةِ بَيْنَهُما قَدَرًا أحْكَمَ عَقْدٍ وأقْواهُ كانَ عَقْدُ الأُخُوَّةِ بَيْنَهُما شَرْعًا أحْسَنَ عَقْدٍ وأصَحَّهُ، ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٣٦] ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧]. (فائدة: في تقديم غسل الوجه) وأما تقديم غسل الوجه ثم اليد ثم مسح الرأس ثم الرجلين في الوضوء، فمن يقول إن هذا الترتيب واجب وهو الشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما، ومن وافقهما فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوبا لقرائن عديدة: أحدها: أنه أدخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره، ولو أريد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم والممسوح بعدها، فلما عدل إلى ذلك دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله. الثاني أن هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به وهو الوضوء فدخلت الواو عاطفة لأجزائه بعضها على بعض، والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض، فدخلت الواو بين الأجزاء للربط فأفادت الترتيب إذ هو الربط المذكور في الآية، ولا يلزمه من كونها لا تفيد الترتيب بين أفعال لا ارتباط بينها نحو ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ أن لا تفيده بين أجزاء فعل مرتبطة بعضها ببعض. فتأمل هذا الموضع ولطفه، وهذا أحد الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب، وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه. وهو قول ابن أبي موسى من أصحاب أحمد ولعله أرجح الأقوال. الثالث أن لبداءة الرب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء خاصة فيجب مراعاتها، وأن لا تلغى وتهدر فيهدر ما اعتبره الله تعالى، ويؤخر ما قدمه الله. وقد أشار النبي ﷺ إلى أن ما قدمه الله فإنه ينبغي تقديمه ولا يؤخر، بل يقدم ما قدمه الله، ويؤخر ما أخره الله تعالى، فلما طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله تعالى به" رواه الترمذي ومالك وأخرج مسلم نحوه. وفي رواية للنسائي: "ابدءوا بما بدأ الله به" على الأمر. فتأمل بداءته بالصفا معللا ذلك بكون الله تعالى بدأ به فلا ينبغي تأخيره. وهكذا يقول المرتبون للوضوء سواء نحن نبدأ بما بدأ الله به، ولا يجوز تأخير ما قدمه الله تعالى، ويتعين البداءة بما بدأ الله تعالى به. وهذا هو الصواب لمواظبة المبين عن الله تعالى مراده ﷺ على الوضوء المرتب، فاتفق جميع من نقل عنه وضوءه كلهم على إيقاعه مرتبا، ولم ينقل عنه أحد قط أنه أخل بالترتيب مرة واحدة، فلو كان الوضوء المنكوس مشروعا لفعله، ولو في عمره مرة واحدة لتبيين جوازه لأمته. وهذا بحمد الله أوضح. (فائدة) استُدِل على أن النية لا تشترط في طهارة الماء بأن الماء خلق على صفات وطبيعة لا يحتاج في حصول أثرها إلى النية وخلق طهورا وخلق مرويا وخلق مبردا سائلا كل ذلك طبعه ووصفه الذي جعل عليه فكما أنه لا يحتاج إلى النية في حصول الري والتبريد به فكذلك في حصول التطهير يوضحه أنه خلق طاهرا أو طهورا وطاهريته لا تتوقف على نية فكذلك طهوريته. يزيده إيضاحا أن عمله في أقوى الطهارتين وهي طهارة الخبث لا تتوقف على نية فعدم توقف عمله على النية في الطهارة الأخرى أولى وإنما قلنا إنها أقوى الطهارتين لأن سببها وموجبها أمر حسي وخبث مشاهد ولأنه لا بدل لها من التراب فقد ظهرت قوتها حسا وشرعا. يزيده بيانا قوله ﷺ: "خلق الماء طهورا" صريح في أنه مخلوق على هذه الصفة وطهورا منصوب على الحال أي خلق على هذه الحالة من كونه طهورا وإن كانت حالا لازمة فهي كقولهم: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها فهذه الصفة وهي الطهورية مخلوقة معه نويت أو لم تنو. والاستدلال بهذا قريب من الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ يوضح ذلك أيضا أن النية إن اعتبرت بجريان الماء على الأعضاء فهو حاصل نوى أو لم ينو وإن اعتبر حصول الوضاءة والنظافة فكذلك لا يتوقف حصولها على نية وإن اعتبرت لإزالة الحدث المتعلق بالأعضاء فقد بينا أن الخبث المتعلق بها أقوى من الحدث وزوال هذا الأقوى لا يتوقف على النية فكيف للأضعف. يوضحه أيضا أنا رأينا الشريعة قد قسمت أفعال المكلفين إلى قسمين: - قسم يحصل مقصوده والمراد منه بنفس وقوعه فلا يعتبر في صحته نية كأداء الديون ورد الأمانات والنفقات الواجبة وإقامة الحدود وإزالة النجاسات وغسل الطيب عن المحرم واعتداد المفارقة وغير ذلك فإن مصالح هذه الأفعال حاصلة بوجودها ناشئة من ذاتها فإذا وجدت حصلت مصالحها فلم تتوقف صحتها على نية. القسم الثاني: ما لا يحصل مراده ومقصوده منه بمجرده بل لا يكفي فيه بمجرد صورته العارية عن النية كالتلفظ بكلمة الإسلام والتلبية في الإحرام وكصورة التيمم والطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة والصلاة والاعتكاف والصيام ولما كان إزالة الخبث من القسم الأول اكتفى فيه بصورة الفعل لحصول مقصودة. وقد عللنا أن المراد من الوضوء النظافة والوضاءة وقيام العبد بين يدي الرب تبارك وتعالى على أكمل أحواله مستور العورة متجنبا للنجاسة نظيف الأعضاء وضيئها وهذا حاصل بإتيانه بهذه الأفعال نواها أو لم ينوها. يوضحه أن الوضوء غير مراد لنفسه بل مراد لغيره والمراد لغيره لا يجب أن ينوي لأنه وسيلة وإنما تعتبر النية في المراد لنفسه إذ هو المقصود المراد ولهذا كانت نية قطع المسافة في الحج والجمعة غير واجبة ولا تتوقف الصحة عليها وكذلك نية شراء الماء وشراء العبد في عتق الكفار وشراء الطعام فيها غير واجبة إذ هذه وسائل مرادة لغيرها. وكذلك الوضوء وسيلة تراد للصلاة فهي كطهارة المكان والثياب اعتبار النية في العبادات. يوضحه أن النية لو اعتبرت في الوضوء لاعتبرت في سائر شروط الصلاة كستر العورة وإزالة النجاسة وغيرهما ولا أرى منازعي القوم يتمكنون من الجواب عن هذه الكلمات بجواب شاف هذه أجوبتهم في طريقهم فعليك بمراجعتها ونحن لا ترتضي هذا الرأي ولكن لم نر استدلال منازعتهم وأجوبتهم لهم أقوى من هذه الأدلة وما ذاك لضعف المسألة من جانبهم ولكن لأن الكلام في مسألة النية شديد الارتباط بأعمال القلوب ومعرفة مراتبها وارتباطها بأعمال الجوارح وبنائها عليها وتأثيرها فيها صحة وفسادا وإنما هي الأصل المراد المقصود وأعمال الجوارح تبع ومكملة ومتممة وأن النية بمنزلة الروح والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث. فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عليها. وكذلك أيضا لا يتحقق الكلام في المسألة إلا بعد معرفة حقيقة النية وهل هي من جنس المعلوم والتصورات أو من جنس الإرادات والعزوم أو حقيقتها مركبة من الأمرين وأما من قبيل انبساطها وانقسامها على حروف معينة لكل حرف منها جزء من أجزاء النية فلم يحصل معنى النية فضلا عن أن يتمكن من رد قول منازعه في اعتبارها. وكذلك من ظن أنها لا تتحقق إلا بجريان ألفاظ من اللسان يخبر بها عنها لم يحصل أيضا معناها فيجب أن نعلم حقيقتها أولا ومنزلتها من أعمال القلوب وأنه مستحيل عليها الانبساط والانقسام وأنه لا مدخل للألفاظ ألبتة ويفرق بين النية المتعلقة بالمعبود التي هي من لوازم الإسلام وموجباته بل هي روحه وحقيقته التي لا يقبل الله من عامل عملا بدونها ألبتة وبين النية المتعلقة بنفس العمل التي وقع فيها النزاع في بعض المواضع ثم يعرف ارتباطها بالعمل وكيف قصد به تمييز العبادة عن العادة إذ كانا في الصورة واحدا وإنما يتميزان بالنية فإذا عدمت النية كان العمل عاديا لا عباديا والعادات لا يتقرب بها إلى بارى ء البريات وفاطر المخلوقات فإذا عري العمل عن النية كان كالأكل والشرب والنوم الحيواني البهيمي الذي لا يكون عبادة بوجه فضلا أن يؤمر به ويرتب عليه الثواب والعقاب والمدح والذم وما كان هذا سبيله لم يكن من المشروع للتقرب به إلى الرب تبارك وتعالى ولذلك يقصد بها تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض فيميز فرضها عن نفلها ومراتبها بعضها عن بعض وهذه أمور لا تحقق لها إلا بالنية ولا قوام لها بدونها ألبتة وهي مرادة للشارع بل هي وظائف العبودية فكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادات والعادات ولا التمييز بين مراتب تلك الوظائف ومنازلها من العبودية هذا أمر ممتنع عادة وعقلا وشرعا فالنية هي سر العبودية وروحها ومحلها من العمل محل الروح من الجسد ومحال أن يعتبر في العبودية عمل الأرواح له معه بل هو بمنزلة الجسد الخراب وهذا معنى الأثر المروى موقوفا على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: "لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له". وقد قال تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فنهى سبحانه أن يكون أمر عباده بغير العبادة التي قد أخلص عاملها له فيها النية ومعلوم أن إخلاص النية للمعبود أصل لنية أصل العبادة فإذا لم يأمرهم إلا بعمل هو عبادة قد أخلص عاملها النية فيها لربه عز وجل ومعلوم أن النية جزء من العبادة بل هي روح العبادة كما تبين علم أن العمل الذي لم ينو ليس بعبادة ولا مأمور به فلا يكون فاعله متقربا إلى الله تعالى وهذا مما لا يقبل نزاعا. ومن نكت المسألة أن يفرق بين الأفعال التي لا تقع إلا منوية عادة وبين الأفعال التي تقع منوية وغير منوية، فالأولى كالوضوء المرتب عضوا بعد عضو فإنه لا يكاد يتصور وقوعه من غير نية فإن علم الفاعل بما يفعله وقصده له هو النية والعاقل المختار لا يفعل فعلا إلا مسبوقا بتصوره وإرادته وذلك حقيقة النية فليست النية أمرا خارجا عن تصور الفاعل وقصده لما يريد أن يفعله وبهذا يعلم غلط من ظن أن الملتفظ مدخلا في تحصيل النية فإن القائل إذا قال نويت صلاة الظهر أو نويت رفع الحدث إما أن يكون مخبرا أو منشأ فإن كان مخبرا فإما أن يكون إخباره لنفسه أو لغيره وكلاهما عبث لا فائدة فيه لأن الإخبار إنما يفيد إذا تضمن تعريف المخبر ما لم يكن عارفا به وهذا محال في إخباره لنفسه وإن كان إخبارا لغيره بالنية فهو عبث محض وهو غير مشروع ولا مفيد وهو بمثابة إخباره له بسائر أفعاله من صومه وصلاته وحجه وزكاته بل بمنزلة إخباره له إيمانه عن حبه وبغضه بل قد يكون في هذا الإخبار فائدة. وأما إخبار المأمومين أو الإمام أو غيرهما بالنية فعبث محض ولا يصح أن يكون ذلك إنشاء فإن اللفظ لا ينشئ وجود النية وإنما إنشاؤها إحضار حقيقتها في القلب لا إنشاء اللفظ الدال عليها. فعلم بهذا أن التلفط بها عبث محض فتأمل هذه النكتة البديعة والمقصود أن مثل هذه الأفعال المرتبة التي لا تقع إلا عن علم وقصد لا تكون إلا منوية وهذا بخلاف الاغتسال مثلا فإنه قد يقع لتنظيف أو تبريد ونحوهما فإن لم يقصد به رفع حدثه لم يكن منويا وكذلك أفعال الصلاة المرتبة التي يتبع بعضها بعضا لا تقع إلا منوية ولو تكلف الرجل أن يصلى أو يتوضأ بغير نية لتعذر عليه ذلك بل يمكن تصوره فيما إذا قصد تعليم غيره ولم يقصد العبادة، أو صلى وتوضأ مكرها. وأما عاقل مختار عالم بما يفعله يقع فعله وفق قصده فهذا لا يكون إلا منويا، فالنية هي القصد بعينه ولكن بينها وبين القصد فرقان: أحدهما أن القصد معلق بفعل الفاعل نفسه وبفعل غيره، والنية لا تتعلق إلا بنفسه فلا يتصور أن ينوي الرجل فعل غيره ويتصور أن يقصده ويريده. الفرق الثاني: أن القصد لا يكون إلا بفعل مقدور يقصده الفاعل. وأما النية فينوي الإنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه ولهذا في حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي ﷺ: "إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي في ماله ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل عند الله، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته وأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما ذلك شر منزلة عند الله " ثم قال: "وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء". فالنية تتعلق بالمقدور عليه والمعجوز عنه بخلاف القصد والإرادة فإنما لا يتعلقان بالمعجوز عنه لا من فعله ولا من فعل غيره وإذا عرف حقيقة النية ومحلها من الإيمان وشرائعه تبين الكلام في المسألة نفيا وإثباتا بعلم وإنصاف. (فصل) تأمل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها كيف تجدها مشحونة بالحكم المقصودة والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها التي لولاها لكان الناس كالبهائم بل أسوأ حالا فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن وتفريح للقلب وتنشيط للجوارح وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة وألقاه عز النفس من درن المخالفات فهي منظفة للقلب والروح والبدن وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور. وتأمل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي والذنوب كلها منها يدخل إليها ثم جعل في اليدين وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة جعل مكانه المسح وجعل ذلك مخرجا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره كما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان يبطشها يداه مع الماء أو مع آخر قطر فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب" رواه مسلم. وفي صحيح مسلم أيضا عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله ﷺ: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى يخرج من تحت أظفاره" فهذا من أجل حكم الوضوء وفوائده وقال نفاة الحكمة أنه تكليف ومشقة وعناء محض لا مصلحة فيه ولا حكمة شرع لأجلها ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست لأحد غيرهم ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى أن تحت كل شعرة شهوة سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة كما قال النبي ﷺ: "إن تحت كل شعرة جنابة" فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة فيبرد حرارة الشهوة فتسكن النفس وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه فوالله لو أن أبقراط ودونه أوصوا بمثل هذا لخضع أتباعهم لهم فيه وعظموهم عليه غاية التعظيم وأبدوا له من الحكم والفوائد ما قدروا عليه ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهمل جوارحه قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ أمر العبودية بجميع جوارحه كلها على ربه بحظها من عبوديته فيسلم قلبه وبدنه وجوارحه وحواسه وقواه لربه عز وجل واقفا بين مقبلا بكله عليه معرضا عمن سواه متنصلا من إعراضه عنه وجنايته على حقه ولما كان هذا طبعه وذاته أمران يجدد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتا بعد وقت لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربه وينقطع عنه بالكلية وكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه وأفضل هداياه التي ساقها إليه فأبى نفاة الحكمة إلا جعلها كلفة وعناء وتعبا لا لحكمة ولا لمصلحة ألبتة إلا مجرد القهر والمشيئة وقد فتح ذلك الباب فساق الشريعة كلها من أولها إلى آخرها هذا المساق واستدل بما ظهر لك على ما خفي عنك ولعل الحكمة فيما لم تعلمه أعظم منها فيما علمته فإن الذي علمته على قدر عقلك وفهمك وما خفي عنك فهو فوق عقلك وفهمك ولو تتبعنا تفصيل ذلك لجاء عدة أسفار فيكتفي منه بأدنى بينة. والله المستعان.

المائدة 5:13

(فصل) وأما جعله القلب قاسيا فقال تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ والقسوة الشدة والصلابة في كل شيء يقال حجر قاس وأرض قاسية لا تنبت شيئا قال ابن عباس: "قاسية عن الإيمان" وقال الحسن: "طبع عليها" والقلوب ثلاثة: قلب قاس وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق ولا تنطبع فيه وضده القلب اللين المتماسك وهو السليم من المرض الذي يقبل صورة الحق بلينه ويحفظه بتماسكه بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه لميعانه ورخاوته كالمائع الذي إذا طبعت فيه الشيء قبل صورته بما فيه من اللين ولكن رخاوته تمنعه من حفظها فخير القلوب القلب الصلب الصافي اللين فهو يرى الحق بصفائه ويقبله بلينه ويحفظه بصلابته وفي المسند وغيره عن النبي ﷺ: "القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أصلبها وأرقها وأصفاها" وقد ذكر سبحانه أنواع القلوب في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُم﴾ فذكر القلب المريض وهو الضعيف المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق، والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها ولا تنطبع فيه فهذان القلبان شقيان معذبان، ثم ذكر القلب المخبت المطمئن إليه وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به. قال الكلبي: "فتخبت له قلوبهم فترق للقرآن قلوبهم". (فصل) ومن قدحهم في الأنبياء: ما نسبوه إلى نص التوراة. أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها، ونجى لوطا بابنتيه فقط، ظن ابنتاه أن الأرض قد خلت ممن يستبقين منه نسلا. فقالت الصغرى للكبرى: إن أبانا شيخ ولم يبق في الأرض إنسان يأتينا كسبيل البشر، فهلمى نسقى أبانا خمرا ونضاجعه لنستبقى من أبينا نسلا ففعلتا ذلك بزعمهم. فنسبوا لوطا النبي عليه السلام إلى أنه سكر، حتى لم يعرف ابنتيه، ثم وطئهما وأحبلهما وهو لا يعرفهما. فولدت إحداهما ولدا أسمته "مواب" يعني أنه من الأب. والثانية سمت ولدها "بني عمو" يعني أنه من قبيلتها. وقد أجاب بعضهم عن هذا: بأنه كان قبل نزول التوراة، فلم يكن نكاح الأقارب حراما والتوراة تكذبهم. فإن فيها "أن إبراهيم الخليل خاف في ذلك العصر أن يقتله المصريون، حسدا له على زوجته سارة، فأخفى نكاحها، وقال: هي أختى، علما منه بأنه إذا قال ذلك لم يبق للظنون إليهما سبيل". وهذا أظهر دليل على أن تحريم نكاح الأخت كان ثابتا في ذلك الزمان. فما ظنك بنكاح البنت الذي لم يشرع ولا في زمن آدم عليه السلام؟ وعندهم أيضا في التوراة التي بأيديهم قصة أعجب من هذه. وهي أن يهوذا بن يعقوب النبي زوج ولده الأكبر من امرأة يقال لها "تامار" فكان يأتيها مستدبرا، فغضب الله تعالى من فعله. فأماته، فزوجها يهوذا من ولده الآخر. فكان إذا دخل بها أنزل على الأرض، علما منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد مدعوا باسم أخيه، ومنسوبا إلى أخيه. فكره الله تعالى ذلك من فعله، فأماته أيضا. فأمرها يهوذا باللحاق ببيت أبيها إلى أن يكبر ولده شبلا، ويتم عقله، حذرًا من أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت في بيت أبيها. ثم ماتت من بعد زوجة يهوذا، وصعد إلى منزل يقال له مناث ليحرس غنمه، فلما أخبرت المرأة "تامار" بإصعاد حموها إلى المنزل، لبست زى الزوانى، وجلست في مستشرف على طريقه لعلمها بشبقه فلما مر بها خالها زانية، فراودها، فطالبته بالأجرة، فوعدها بجدي، ورهن عندها عصاه وخاتمه، ودخل بها، فعلقت منه. فلما أخبر يهوذا أن كنته علقت من الزنا أذن بإحراقها، فبعث إليه بخاتمه وعصاه. فقالت: من رب هذين أنا حامل. فقال صدقت، ومنى ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها. ولم يستحل معاودتها. ولا تسليمها إلى ولده، وعلقت من هذا الزنا بفارص. قالوا: ومن ولدها داود النبي. ففى ذلك من نسبتهم الزنا والكفر إلى بيت النبوة ما يقارب ما نسبوه إلى لوط عليه السلام وهذا كله عندهم وفي نص كتابهم. وهم يجعلون هذا نسبا لداود وسليمان عليهما السلام ولمسيحهم المنتظر. ومن العجب: أنهم يجعلون المسلمين أولاد زنا، ويسمونهم "ممزيريم" واحدها "ممزير" وهو اسم لولد الزنا. لأن في شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت زوجا غيره فأولادهما أولاد زنا. وزعموا أن ما جاءت به شريعة الإسلام من ذلك هو من موضوعات عبد الله بن سلام قصد به أن يجعل أولاد المسلمين "ممزيريم" بزعمهم. قالوا: وكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد رأى أحلاما تدل على أنه صاحب دولة، فسافر إلى الشام في تجارة لخديجة. واجتمع بأحبار اليهود، وقص عليهم أحلامه، فعلموا أنه صاحب دولة، فأصحبوه عبد الله بن سلام. فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدة، ونسبوا الفصاحة والإعجاز اللذين في القرآن إلى عبد الله بن سلام، وأن من جملة ما قرره عبد الله بن سلام: أن الزوجة لا تحل للمطلق ثلاثا إلا بعد أن ينكحها رجل آخر ليجعل أولاد المسلمين "ممزيريم" أولاد زنا. ولا ريب أن مثل هذا البهت يروج على كثير من حميرهم. وقد خلق الله تعالى لكل باطل وبهت حملة، كما للحق حملة وليس وراء هذا البهت بهت. وليس بمستنكر من أمة قدحت في معبودها وإلهها، ونسبته إلى ما لا يليق بعظمته وجلاله، ونسبت أنبياءه إلى ما لا يليق بهم، ورمتهم بالعظائم، أن ينسبوا محمدا صلى الله تعالى وآله وسلم وبجل وكرم وعظم - إلى ذلك. وعدواته لهم، وملاحمه فيهم، وإجلاؤه لهم من ديارهم وأموالهم، وسبى ذراريهم ونسائهم معلوم، غير مجهول. وقد نسبت هذه الأمة الغضبية عيسى ابن مريم إلى أنه ساحر، ولد بغية. ونسبت أمه إلى الفجور. ونسبت لوطا إلى أنه وطئ ابنتيه وأولدهما وهو سكران من الخمر. ونسبوا سليمان عليه السلام إلى أنه كان ملكا ساحرا. وكان أبوه عندهم ملكا مسيحا. ونسبوا يوسف عليه السلام إلى أنه حل تكة سراويله وتكة سراويل سيدته، وأنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته، وأن الحائط انشق له فرأى أباه يعقوب عليه السلام عاضا على أنامله، فلم يقم حتى نزل جبريل عليه السلام فقال "يا يوسف تكون من الزناة، وأنت معدود عند الله تعالى من الأنبياء؟ " فقام حينئذ. ومعلوم أن ترك الفاحشة عن هذا لا مدح فيه، فإن أفسق الناس لو رأى هذا لولى هاربا وترك الفاحشة. ومنهم من يزعم أن المسيح كان من العلماء، وأنه كان يداوي المرضى بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائه، وأنه داوى جماعة من المرضى في يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود ذلك، فقال لهم: "أخبرونى عن الشاة من الغنم إن وقعت في بئر، أما تنزلون إليها وتحلون السبت لتخليصها؟ قالوا: بلى. قال: فلم أحللتم السبت لتخليص الغنم ولا تحلونه لتخليص الإنسان الذي هو أكبر حرمة من الغنم؟ " فأفحموا. ويحكون أيضا عنه. أنه مشى مع قوم من تلاميذه في جبل، ولم يحضرهم الطعام، فأذن لهم في تناول الحشيش يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود قطع الحشيش في يوم السبت، فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدا مع قوم على غير ملته، وأمروه بقطع النبات وإلقائه لدوابهم لا يقصدون بذلك إبطال السبت، ألستم تجيزون له قطع النبات؟ قالوا: بلى. قال: فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه، وليتغذوا به، لا لقطع السبت. ومن العجب: أن عندهم في التوراة التي بأيديهم: "لا يزول الملك من آل يهودا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح" وهم لا يقدرون أن يجحدوا ذلك. فيقال لهم: إنكم كنتم أصحاب دولة حتى ظهر المسيح، ثم انقضى ملككم، ولم يبق لكم اليوم ملك. وهذا برهان على أن المسيح قد أرسل. ومن حين بعث المسيح وكفروا به وطلبوا قتله، استولت ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم وتفرق شملهم. فيقال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فيقولون: إنه ولد يوسف النجار لِغَيَّة لا لِرَشْدَة وقد كان عرف اسم الله الأعظم سحر به كثيرا من الأشياء. وعند هذه الأمة الغضبية أيضا: أن الله تعالى كان قد أطلع موسى عليه السلام على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا، وبه شق البحر، وعمل المعجزات. فيقال لهم فإذا كان موسى قد عمل المعجزات باسم الله، فلم صدقتم نبوته، وأقررتم بها وجحدتم نبوة عيسى، وقد عمل المعجزات بالاسم الأعظم؟ فأجاب بعضهم عن الإلزام: بأن الله سبحانه وتعالى علم موسى ذلك الاسم، فعلمه بالوحي، وعيسى إنما تعلم من حيطان بيت المقدس. وهذا هو اللائق ببهتهم وكذبهم على الله تعالى وأنبيائه. وهو يسد عليهم العلم بنبوة موسى. لأن كلا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات الظاهرة، التي لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها. فإن كان أحدهما قد تعلمها بحيله أو بعلم. فالآخر يمكن ذلك في حقه. وقد أخبرا جميعا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أجرى ذلك على أيديهما، وأنه ليس من صنعهما. فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين. وأيضا، فإنه لا دليل لهم على أن موسى تلقى تلك المعجزات عن الله تعالى إلا وهو يدل على أن عيسى عليه السلام تلقاها أيضا عن الله تعالى. فإن أمكن القدح في معجزات عيسى أمكن القدح في معجزات موسى عليه السلام. وإن كان ذلك باطلا فهذا أيضا باطل. وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين - مع بعد العهد، وتشتت شمل أمتيهما في الأرض، وانقطاع معجزاتهما - فما الظن بنبوة من معجزاته وآياته تزيد على الألف؟ والعهد بها قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرنا بعد قرن. وأعظهما معجزة كتاب باق غض طرى لم يتغير ولم يتبدل منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وهو القرآن العظيم، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به كأنه كان يشاهده عيانا؟ (فصل) وقد اختلف أقوال الناس في التوراة التي بأيديهم: هل هي مبدلة، أم التبديل والتحريف وقع في التأويل دون التنزيل؟ على ثلاثة أقوال طرفين، ووسط. فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها أو أكثرها مبدلة مغيرة. ليست التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، وتعرض هؤلاء لتناقضها وتكذيب بعضها لبعض: وغلا بعضهم. فجوز الاستجمار بها من البول. وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام، فقالوا: بل التبديل وقع في التأويل، لا في التنزيل. وهذا مذهب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. قال في صحيحه: "يحرفون: يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى ولكنهم يحرفونه: يتأولونه على غير تأويله". وهذا اختيار الرازي في تفسيره. وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع في هذه المسألة بين بعض الفضلاء. فاختار هذا المذهب ووهن غيره، فأنكر عليه، فأحضر لهم خمسة عشر نقلا به. ومن حجة هؤلاء: أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها، وانتشرت جنوبا وشمالا. ولا يعلم عدد نسخها إلا الله تعالى. ومن الممتنع أن يقع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ. بحيث لا يبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة مغيرة. والتغيير على منهاج واحد. وهذا مما يحيله العقل، ويشهد ببطلان. قالوا: وقد قال الله لنبيه ﷺ محتجا على اليهود بها: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم، ولم يمكنهم تغييرها من التوراة، ولهذا لما قرؤوها على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وضع القارئ يده على آية الرجم. فقال له عبد الله بن سلام: "ارْفَعْ يَدَكَ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ". فرفعها فإذا هي تلوح تحتها. فلو كانوا قد بدلوا ألفاظ التوراة لكان هذا من أهم ما يبدلونه. قالوا: وكذلك صفات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومخرجه هو في التوراة بين جدا. ولم يمكنهم إزالته وتغييره. وإنما ذمهم الله تعالى بكتمانهم. وكانوا إذا احتج عليهم بما في التوراة من نعته وصفته يقولون: ليس هو، ونحن ننتظره. قالوا: وقد روى أبو داود في سننه عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: "أتى نَفُر مِنَ اليَهُود. فَدَعَوْا رَسولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وسلَم إلى القُفِّ فأتاهم في بَيْتِ المِدْراسِ، فقالُوا يا أبا القاسم، إنَّ رَجُلًا مِنّا زَنى بامْرَأةٍ، فاحْكُمْ، فَوَضَعُوا لِرَسُولِ الله صلى اللهُ تعالى عليهِ وسلَم وِسادَةً، فَجِلَسَ عَليها ثمَّ قالَ ائْتُونِي بالتَّوْراةِ فأُتِي بها فَنَزَعَ الوِسادَهَ مِن تحْتِهِ، ووَضَعَ التَّوْراةَ عَليها ثمَّ قالَ آمَنتُ بِكِ وبمَن أنْزَلَكِ قالَ ائْتُونى بأعْلَمِكم فأُتِي بِفَتى ثم ذكر قِصَّةَ الرَّجْم". قالوا: فلو كانت مبدلة مغيرة لم يضعها على الوسادة، ولم يقل: "آمَنتُ بِكِ وبَمنَ أنْزَلَكِ". قالوا وقد قال تعالى: ﴿وَتَّمتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السّمِيعُ العَلِيم﴾ [الأنعام: ١١٥] والتوراة من كلماته. قالوا: والآثار التي في كتمان اليهود صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة ومنعهم أولادهم وعوامهم الاطلاع عليها مشهورة، ومن اطلع عليها منهم، قالوا له ليس به. فهذا بعض ما احتجت به هذه الفرقة. وتوسطت طائفة ثالثة. وقالوا: قد زيد فيها، وغير ألفاظ يسيرة، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه. والتبديل في يسير منها جدا. وممن اختار هذا القول شيخنا في كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". قال: وهذا كما في التوراة عندهم: أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: "اذبح ولدك بكرك، ووحيدك إسحاق" زيادة منهم في لفظ التوراة. قلت: وهي باطلة قطعا من عشرة أوجه. والمقصود: أن هذه اللفظة مما زادوها في التوراة. ونحن نذكر السبب الموجب لتغيير ما غير منها، والحق أحق ما اتبع، فلا تغلوا غلو المستهينين لها، المتمسخرين بها، بل معاذ الله من ذلك. ولا نقول: إنها باقية كما أنزلت من كل وجه، كالقرآن. فنقول، وبالله التوفيق: علماء اليهود وأحبارهم يعتقدون أن هذه التوراة التي بأيديهم ليست هي التي أنزلها الله تعالى على موسى بن عمران بعينها. لأن موسى عليه السلام صان التوراة عن بني إسرائيل، خوفا من اختلافهم من بعده في تأويلها، المؤدى إلى تفرقهم أحزابا. وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوى. ودليل ذلك قوله في التوراة: "وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى بني إسرائيل إلى الأئمة من بني لاوى". وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم، لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقوفة عليهم. ولم يبذل موسى عليه السلام من التوراة لبني إسرائيل إلا نصف سورة، وهي التي قال فيها: "وكتب موسى هذه السورة وعلمها بني إسرائيل". هذا نص التوراة عندهم، قال: "وتكون لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل". وفيها: قال الله تعالى: "إن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم". يعني أن هذه السورة مشتملة على ذم طبائعهم، وأنهم سيخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، وتخرب ديارهم، ويسبون في البلاد. فهذه السورة تكون متداولة في أفواههم. كالشاهد عليهم. الموقف لهم على صحة ما قيل لهم. فما نصت التوراة أن هذه السورة لا تنسي من أفواه أولادهم، دل ذلك على أن غيرها من السور ليس كذلك، وأنه يجوز أن ينسي من أفواههم. وهذا يدل على أن موسى عليه السلام لم يعط بني إسرائيل من التوراة إلا هذه السورة فأما بقيتها فدفعها إلى أولاد هارون، وجعلها فيهم، وصانها عمن سواهم. وهؤلاء الأئمة الهارونيون - الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها - قتلهم بختنصر على دم واحد، يوم فتح بيت المقدس، ولم يكن حفظ التوراة فرضا عليهم ولا سنة. بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة. فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم، ورفع كتابهم جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيديهم ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة. فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره، وهو عند بطائح العراق. لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم. وغلا بعضهم فيه حتى قال: هو ابن الله. ولذلك نسب الله تعالى ذلك إلى اليهود، إلى جنسهم، لا إلى كل واحد منهم. فهذه التوراة التي بأيديهم في الحقيقة كتاب عزرا. وفيها كثير من التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه الصلاة والسلام. ثم تداولتها أمة قد مزقها الله تعالى كل ممزق، وشتت شملها فلحقها ثلاثة أمور. أحدها: بعض الزيادة والنقصان. الثاني: اختلاف الترجمة. الثالث: اختلاف التأويل والتفسير. ونحن نذكر من ذلك أمثلة تبين حقيقة الحال. المثال الأول: نص ما تقدم من قوله "ولحم فريسة في الصحراء لا تأكلوه، وللكلب ألقوه". وتقدم بيان تحريفهم هذا النص وحمله على غير محمله. المثال الثاني: قوله في التوراة "نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، به فليؤمنوا". فحرفوا تأويله، إذ لم يمكنهم أن يبدلوا تنزيله، وقالوا: هذه بشارة بنبي من بني إسرائيل. وهذا باطل من وجوه. أحدها: أنه لو أراد ذلك لقال "من أنفسهم" كما قال في حق محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جاءكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكَمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ولم يقل من إخوتكم. الثاني: أن المعهود في التوراة: أن إخوتهم غير بني إسرائيل. ففى الجزء الأول من السفر الخامس قوله "أنتم عابرون في تخوم إخوتكم بني العيص المقدس في سيعير، إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم". فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل، لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق. والروم هم بنو العيص، واليهود بنو إسرائيل، وهم إخوتهم. فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم. الثالث: أن هذه البشارة لو كانت بشمويل أو غيره من بني إسرائيل، لم يصح أن يقال: بنو إسرائيل إخوة بني إسرائيل. وإنما المفهوم من هذا: أن بني إسماعيل أو بني العيص هم إخوة بني إسرائيل. الرابع: أنه قال: "سأقيم لهم نبيا مثلك" وفي موضع آخر "أنزل عليه التوراة مثل توراة موسى". ومعلوم أن شمويل وغيره من أنبياء بني إسرائيل لم يكن فيهم مثل موسى، لا سيما وفي التوراة "لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى". وأيضا فليس في بني إسرائيل من أنزل عليه توراة مثل توراة موسى إلا محمد والمسيح عليهم الصلاة والسلام. والمسيح كان من أنفس بني إسرائيل، لا من إخوتهم، بخلاف محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فإنه من إخوتهم بني إسماعيل. وأيضا. فإن في بعض ألفاظ هذا النص "كلكم له تسمعون" وشمويل لم يأت بزيادة ولا بنسخ، لأنه إنما أرسل ليقوى أيديهم على أهل فلسطين، وليردهم إلى شرع التوراة. فلم يأت بشريعة جديدة، ولا كتاب جديد. وإنما حكمه حكم سائر الأنبياء من بني إسرائيل. فإنهم كانوا يسوسهم الأنبياء. كلما هلك نبي قام فيهم نبي. فإن كانت هذه البشارة لشمويل، فهي بشارة بسائر الأنبياء الذين بعثوا فيهم. ويكونون كلهم مثل موسى عليه السلام، وكلهم قد أنزل عليهم كتاب مثل كتاب موسى عليه السلام. المثال الثالث: قوله في التوراة "جاء الله تعالى من طور سيناء، وأشرق نوره من سيعير، واستعلن من جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين". وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبل السراة، الذي يسكنه بنو العيص، الذين آمنوا بعيسى. ويعلمون أن في هذا الجبل كان مقام المسيح. ويعلمون أن سيناء هو جبل الطور. وأما جبال فاران فهم يحملونها على جبال الشام. وهذا من بهتهم، وتحريف التأويل. فإن جبال فاران هي جبال مكة و"فاران" اسم من أسماء مكة. وقد دل على هذا نص التوراة: أن إسماعيل لما فارق أباه سكن برية فاران، وهي جبال مكة. ولفظ التوراة "أن إسماعيل أقام في برية فاران وأنكحته أمه امرأة من أرض مصر". فثبت بنص التوراة أن جبال فاران مسكن لولد إسماعيل، وإذا كانت التوراة قد أشارت إلى نبوة تنزل على جبال فاران، لزم أنها تنزل على ولد إسماعيل لأنهم سكانها. ومن المعلوم بالضرورة أنها لم تنزل على غير محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من ولد إسماعيل عليه السلام. وهذا من أظهر الأمور بحمد الله تعالى. (فصل) ومما يدل على غلظ أفهام هذه الأمة الغضبية وقلة فقههم، وفساد رأيهم وعقولهم كما في التوراة "أنهم شعب عادم الرأي. فليس فيهم فطانة": أنهم سمعوا في التوراة "يكون ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك، ولا ينضج الجدى بلبن أمه". والمراد بذلك: أنهم أمروا عقيب افتراض الحج إلى بيت المقدس عليهم: أن يستصحبوا معهم إذا حجوا أبكار أغنامهم، وأبكار مستغلات أرضهم، لأنه كان فرض عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة الغنم والبقر وراء أمها سبعة أيام، وفي اليوم الثامن فصاعدا يصلح أن تكون قربانا. فأشار في هذا النص بقوله "لا ينضج الجدى بلبن أمه" إلى أنهم لا يبالغون في إطالة مكث باكور أولاد البقر والغنم وراء أمها، بل يستصحبون أبكارهم اللاتى قد عبرت سبعة أيام منذ ميلادهن معهم إذا حجوا إلى بيت المقدس، ليتخذوا منها القرابين. فتوهم المشايخ البله أن الشرع يريد بالإنضاج إنضاج الطبيخ في القدر، وأنهم نهوا أن يطبخوا لحم الجدى باللبن. ولم يكفهم هذا الغلط في تفسير هذه اللفظة حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن فألغوا لفظ "الجدى" وألغوا لفظ "أمه" وحملوا النص ما لا يحتمله، وإذا أرادوا أن يأكلوا اللحم واللبن أكلوا كلا منهما على حدة. والأمر في هذا ونحوه قريب. (فصل) ولا يستبعد اصطلاح كافة هذه الأمة على المحال، واتفاقهم على أنواع الضلال. فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها وأخذها، انطمست معالم دينها واندرست آثارها. فإن الدولة إنما يكون زوالها بتتابع الغارات والمصافات، وإخراب البلاد وإحراقها، لا تزال هذه الأمور متواترة عليها إلى أن يعود علمها جهلا، وعزها ذلا، وكثرتها قلة. وكلما كانت الأمة أقدم، واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالذل والصغار، كان حظها من اندراس معالم دينها وآثارها أوفر. وهذه الأمة أوفر الأمم حظا من هذا الأمر، لأنها من أقدم الأمم، ولكثرة الأمم التي استولت عليها: من الكلدانيين، والبانليين، والفرس، واليونان، والنصارى وآخر ذلك المسلمون. وما من هذه الأمم إلا من طلب استئصالهم، وبالغ في إحراق بلادهم وكتبهم، وقطع آثارهم إلا المسلمين، فإنهم أعدل الأمم فيهم، وفي غيرهم، حفظا لوصية الله تعالى بهم حيث قال: ﴿يَأيُّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ للهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيا أوْ فَقِيرًا فاللهُ أوْلى بهِما فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرضُوا فَإنَّ اللهَ كانَ بَما تَعْملُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] ويقول: ﴿يَأيُّها الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]. وصادف الإسلام هذه الأمة تحت ذمة الفرس، وذمة النصارى، بحيث لم يبق لهم مدينه ولا جيش. وأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة يهود خيبر والمدينة وما جاورها. فإنهم إنما قصدوا تلك الناحية لما كانوا وعدوا به من ظهور رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وكانوا يقاتلون المشركين من العرب، فيستنصرون عليهم بالإيمان برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قبل ظهوره، ويعدونهم بأنه سيخرج نبي نتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله عز وجل نبيه صلى الله تعالى وآله وسلم سبقهم إليه من كانوا يحاربونهم من العرب، فحملهم الحسد والبغى على الكفر به وتكذيبه. وأشد ما على هذه الأمة الغضبية من ذلك ما نالهم من ملوك العصاة وغيرهم من ملوك، الإسرائيلين الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم، وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنتها ليعلموا رسومها في العبادة، وبنوا لها البيع والهياكل، وعكفوا على عبادتها وتركوا أحكام التوراة أعصارا متصلة. فإذا كان هذا تواتر الآفات على دينهم من قبل ملوكهم ومن قبل أنفسهم، فما الظن بالآفات التي نالتهم من غير ملوكهم، وقتلهم أئمتهم، وإحراقهم كتبهم، ومنعهم من القيام بدينهم؟ فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختان. وكثيرا ما منعوهم من الصلاة، لمعرفتهم بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى العالم بالخراب سوى بلادهم التي هى أرض كنعان. فلما رأت هذه الأمة الجِدَّ من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية زعموا أنها فصول من صلاتهم سموها الحزانة، وصاغوا لها ألحانا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلاتهم على تلحينها وتلاوتها. وسموا القائم بها الحزان. والفرق بينها وبين الصلاة: أن الصلاة بغير لحن، والمصلى يتلو الصلاة وحده، ولا يجهر معه غيره. والحزّان يشاركه غيره في الجهر بالحزانة، ويعاونونه في الألحان. فكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم، قالت اليهود: إنا ننعى أحيانا، وننوح على أنفسنا. فيتركونهم وذلك. فلما قام الإسلام وأقرهم على صلاتهم استصحبوا تلك الحزانة، ولم يعطلوها. فهذه فصول مختصرة في كيد الشيطان وتلاعبه بهذه الأمة، يعرف بها المسلم الحنيف قدر نعمة الله تعالى عز وجل عليه، وما من به عليه من نعمة العلم والإيمان، ويهتدى بها من أراد الله تعالى هدايته من طالبي الحق من هذه الأمة. ومن الله التوفيق والإرشاد إلى سواء الطريق. والحمد لله رب العالمين.

المائدة 5:14

(فصل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وقوله: ﴿وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وهذا الإغراء والإلقاء محض فعله سبحانه والتعادي والتباغض أثره وهو محض فعلهم وأصل ضلال القدرية والجبرية من عدم اهتدائهم إلى الفرق بين فعله سبحانه وفعل العبد فالجبرية جعلوا التعادي والتباغض فعل الرب دون المتعاديين والمتباغضين والقدرية جعلوا ذلك محض فعلهم الذي لا صنع لله فيه ولا قدرة ولا مشيئة وأهل الصراط السوي جعلوا ذلك فعلهم وهو أثر فعل الله وقدرته ومشيئته كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ فالتسيير فعله والسير فعل العباد وهو أثر التسيير وكذلك الهدى والإضلال فعله والاهتداء والضلال أثر فعله وهما أفعالنا القائمة بنا فهو الهادي والعبد المهتدي وهو الذي يضل من يشاء والعبد الضال وهذا حقيقة وهذا حقيقة والطائفتان عن الصراط المستقيم ناكبتان.

المائدة 5:18

قوله في سورة المائدة ردا عليهم قولهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ يعني أن الأب لا يعذب ابنه والحبيب لا يعذب حبيبه. وهاهنا نكتة لطيفة جدا قل من ينتبه لها نحن نقررها بسؤال وجواب. فإن قيل معلوم أن الأب قد يؤدب ولده إذا أذنب والحبيب قد يهجر حبيبه إذا رأى منه بعض ما يكره؟ قيل لو تأملت أيها السائل قوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ لعلمت الفرق بين هذا التعذيب وبين الهجران والتأديب، فإن التعذيب بالذنب ثمرة الغضب المنافي للمحبة، فلو كانت المحبة قائمة كما زعموا لم يكن هناك ذنوب يستوجبون عليها العذاب من المسخ قردة وخنازير وتسلط أعدائهم عليهم يستبيحونهم يستعبدونهم، ويخربون متعبداتهم، ويسبون ذراريهم. فالمحب لا يفعل هذا بحبيبه، ولا الأب بابنه. ومعلوم أن الرحمن الرحيم لا يفعل هذا بأمةٍ إلا بعد فرط إجرامها وعتوها على الله واستكبارها عن طاعته وعبادته، وذلك ينافى كونهم أحبابه فلو أحبوه لما ارتكبوا من غضبه وسخطه ما أوجب لهم ذلك، ولو أحبهم لأدبهم ولم يعذبهم. فالتأديب شيء، والتعذيب شيء. والتأديب يراد به التهذيب والرحمة والإصلاح، والتعذيب للعقوبة والجزاء على القبائح فهذا لون، وهذا لون. (فائدة) ولو لم يكن في محبة الله إلا أنها تنجي محبه من عذابه لكان ينبغي للعبد أن لا يتعوض عنها بشيء أبدا. وسئل بعض العلماء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه فقال في قوله تعالى ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ الآية. وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن يونس عن الحسن رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال والله لا يعذب الله حبيبه ولكن قد يبتليه في الدنيا. وقال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا أبو غالب قال بلغنا أن هذا الكلام في وصية عيسى بن مريم يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالمقت لهم والتمسوا رضاه بسخطهم قالوا يا نبي الله فمن نجالس قال جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقه ومن تذكركم بالله رؤيته ويزهدكم في دنياكم علمه. ويكفي في الإقبال على الله تعالى ثوابا عاجلا أن الله سبحانه وتعالى يقبل بقلوب عباده إلى من أقبل عليه كما أنه يعرض بقلوبهم عمن أعرض عنه فقلوب العباد بيد الله لا بأيديهم. وقال الإمام أحمد حدثنا حسن في تفسير شيبان عن قتادة قال ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله عز وجل بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. وقد روي هذا مرفوعا ولفظه "وما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله عز وجل عليه بقلوب عباده وجعل قلوبهم تفد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل خير إليه أسرع" وإذا كانت القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وكل إحسان وصل إلى العبد فمن الله عز وجل كما قال الله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ فلا ألأم ممن شغل قلبه بحب غيره دونه". قال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية قال حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث قال أوحى الله إلى داود عليه السلام يا داود أحببني وحبب عبادي إلي وحببني إلى عبادي قال يا رب هذا أنا أحبك وأحبب عبادك إليك فكيف أحببك إلى عبادك قال تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن. ومن أفضل ما سئل الله عز وجل حبه وحب من يحبه وحب عمل يقرب إلى حبه ومن أجمع ذلك أن يقول اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب اللهم اجعل حبك أحب إلي من أهلي ومالي ومن الماء البارد على الظمأ اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين اللهم أحي قلبي بحبك واجعلني لك كما تحب اللهم اجعلني أحبك بقلبي كله وأرضيك بجهدي كله اللهم اجعل حبي كله لك وسعيي كله في مرضاتك. وهذا الدعاء هو فسطاط خيمة الإسلام الذي قيامها به وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ والقائمون بحقيقة ذلك هم الذين هم بشهادتهم قائمون والله سبحانه تعرف إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به والله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق من كل وجه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو سبحانه الجميل الذي لا أجمل منه بل لو كان جمال الخلق كلهم على رجل واحد منهم وكانوا جميعهم بذلك الجمال لما كان لجمالهم قط نسبة إلى جمال الله بل كانت النسبة أقل من نسبة سراج ضعيف إلى حذاء جرم الشمس ﴿ولله المثل الأعلى﴾ وقد روى عن النبي ﷺ قوله "إن الله جميل يحب الجمال".

المائدة 5:21

إن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه، وفرق بهم البحر، وأراهم الآيات والعجائب، ونصرهم وآواهم وأعزهم، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين. ثم أمرهم أن يدخلوا القرية التي كتب الله لهم وفي ضمن هذا بشارتهم بأنهم منصورون ومفتوح لهم. وأن تلك القرية لهم. فأبوا طاعته وامتثال أمره، وقابلوا هذا الأمر والبشارة، بقولهم: ﴿اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلاَ إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. وتأمل: تلطف نبي الله تعالى موسى عليه السلام بهم، وحسن خطابه لهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم، وبشارتهم بوعد الله لهم: بأن القرية مكتوبة لهم، ونهيهم عن معصيته بارتدادهم على أدبارهم، وأنهم إن عصوا أمره، ولم يمتثلوا انقلبوا خاسرين. فجمع لهم بين الأمر والنهي، والبشارة والنذارة، والترغيب والترهيب، والتذكير بالنعم السالفة. فقابلوه أقبح المقابلة. فعارضوا أمر الله تعالى بقولهم: ﴿يا مُوسى إنّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]. فلم يوقروا رسول الله وكليمه، حتى نادوه باسمه، ولم يقولوا: يا نبي الله. وقالوا: "إن فيها قوما جبارين" ونسوا قدرة جبار السماوات والأرض الذي يذل الجبابرة لأهل طاعته. وكان خوفهم من أولئك الجبارين - الذين نواصيهم بيد الله - أعظم من خوفهم من الجبار الأعلى سبحانه وكانوا أشد رهبة في صدورهم منه. ثم صرحوا بالمعصية والامتناع من الطاعة. فقالوا: ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ [المائدة: ٢٢]. فأكدوا معصيتهم بأنواع من التأكيد. أحدها: تمهيد عذر العصيان بقولهم: ﴿إنّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]. والثاني: تصريحهم بأنهم غير مطيعين، وصدروا الجملة بحرف تأكيد، وهو "إن" ثم حققوا النفى بأداة "لن" الدالة على نفي المستقبل: أي لا ندخلها الآن، ولا في المستقبل. ثم علقوا دخولها بشرط خروج الجبارين منها فقال لهم: ﴿رَجُلاَنِ مِنَ الّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣]. بطاعته والانقياد إلى أمره، من الذين يخافون الله. هذا قول الأكثرين، وهو الصحيح. وقيل: من الذين يخافونهم من الجبارين، أسلما واتبعا موسى عليه السلام: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣]. أى باب القرية، فاهجموا عليهم، فإنهم قد ملئوا منكم رعبا: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]. ثم أرشدهم إلى ما يحقق النصر والغلبة لهم وهو التوكل. فكان جواب القوم أن ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبّدًا ما دامُوا فِيها، فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلاَ إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. فسبحان من عظم حلمه حيث يقابل أمره بمثل هذه المقابلة، ويواجه رسوله بمثل هذا الخطاب، وهو يحلم عنهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، بل وسعهم حلمه وكرمه، وكان أقصى ما عاقبهم به: أن رددهم في برية التيه أربعين عاما يظل عليهم الغمام من الحر، وينزل عليهم المن والسلوى. وفى الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وشمالك، وبين يديك ومن خلفك. فرأيت رسول الله صلى الله تعالى وسلم أشرق وجهه لذلك وسر به". فما قابلوا نبي الله بهذه المقابلة.

المائدة 5:22

إن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه، وفرق بهم البحر، وأراهم الآيات والعجائب، ونصرهم وآواهم وأعزهم، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين. ثم أمرهم أن يدخلوا القرية التي كتب الله لهم وفي ضمن هذا بشارتهم بأنهم منصورون ومفتوح لهم. وأن تلك القرية لهم. فأبوا طاعته وامتثال أمره، وقابلوا هذا الأمر والبشارة، بقولهم: ﴿اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلاَ إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. وتأمل: تلطف نبي الله تعالى موسى عليه السلام بهم، وحسن خطابه لهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم، وبشارتهم بوعد الله لهم: بأن القرية مكتوبة لهم، ونهيهم عن معصيته بارتدادهم على أدبارهم، وأنهم إن عصوا أمره، ولم يمتثلوا انقلبوا خاسرين. فجمع لهم بين الأمر والنهي، والبشارة والنذارة، والترغيب والترهيب، والتذكير بالنعم السالفة. فقابلوه أقبح المقابلة. فعارضوا أمر الله تعالى بقولهم: ﴿يا مُوسى إنّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]. فلم يوقروا رسول الله وكليمه، حتى نادوه باسمه، ولم يقولوا: يا نبي الله. وقالوا: "إن فيها قوما جبارين" ونسوا قدرة جبار السماوات والأرض الذي يذل الجبابرة لأهل طاعته. وكان خوفهم من أولئك الجبارين - الذين نواصيهم بيد الله - أعظم من خوفهم من الجبار الأعلى سبحانه وكانوا أشد رهبة في صدورهم منه. ثم صرحوا بالمعصية والامتناع من الطاعة. فقالوا: ﴿إنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ [المائدة: ٢٢]. فأكدوا معصيتهم بأنواع من التأكيد. أحدها: تمهيد عذر العصيان بقولهم: ﴿إنّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]. والثاني: تصريحهم بأنهم غير مطيعين، وصدروا الجملة بحرف تأكيد، وهو "إن" ثم حققوا النفى بأداة "لن" الدالة على نفي المستقبل: أي لا ندخلها الآن، ولا في المستقبل. ثم علقوا دخولها بشرط خروج الجبارين منها فقال لهم: ﴿رَجُلاَنِ مِنَ الّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣]. بطاعته والانقياد إلى أمره، من الذين يخافون الله. هذا قول الأكثرين، وهو الصحيح. وقيل: من الذين يخافونهم من الجبارين، أسلما واتبعا موسى عليه السلام: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣]. أى باب القرية، فاهجموا عليهم، فإنهم قد ملئوا منكم رعبا: ﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]. ثم أرشدهم إلى ما يحقق النصر والغلبة لهم وهو التوكل. فكان جواب القوم أن ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبّدًا ما دامُوا فِيها، فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلاَ إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. فسبحان من عظم حلمه حيث يقابل أمره بمثل هذه المقابلة، ويواجه رسوله بمثل هذا الخطاب، وهو يحلم عنهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، بل وسعهم حلمه وكرمه، وكان أقصى ما عاقبهم به: أن رددهم في برية التيه أربعين عاما يظل عليهم الغمام من الحر، وينزل عليهم المن والسلوى. وفى الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وشمالك، وبين يديك ومن خلفك. فرأيت رسول الله صلى الله تعالى وسلم أشرق وجهه لذلك وسر به". فما قابلوا نبي الله بهذه المقابلة.

المائدة 5:23

وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ التَّوَكُّلِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقالَ: ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وقالَ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وقالَ عَنْ أوْلِيائِهِ: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الملك: ٢٩]، وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، وقالَ لَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]، وقالَ لَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقالَ لَهُ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقالَ عَنْ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ: ﴿وَما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ [إبراهيم: ١٢]، وقالَ عَنْ أصْحابِ نَبِيِّهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن ذَلِكَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - في حَدِيثِ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ - «هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، ولا يَكْتَوُونَ، وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَها إبْراهِيمُ ﷺ، حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ. وقالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قالُوا لَهُ: (: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]). وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ وبِكَ آمَنتُ. وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. وإلَيْكَ أنَبْتُ. وبِكَ خاصَمْتُ. اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ أنْ تُضِلَّنِي. أنْتَ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ. والجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُونَ». وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «لَوْ أنَّكم تَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكم كَما يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِماصًا وتَرُوحُ بِطانًا». وَفِي السُّنَنِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ - يَعْنِي إذا خَرَجَ مَن بَيْتِهِ - بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، يُقالُ لَهُ: هُدِيتَ ووُقِيتَ وكُفِيتَ. فَيَقُولُ الشَّيْطانُ لِشَيْطانٍ آخَرَ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟». التَّوَكُّلُ نِصْفُ الدِّينِ. والنِّصْفُ الثّانِي الإنابَةُ، فَإنَّ الدِّينَ اسْتِعانَةٌ وعِبادَةٌ. فالتَّوَكُّلُ هو الِاسْتِعانَةُ، والإنابَةُ هي العِبادَةُ. وَمَنزِلَتُهُ أوْسَعُ المَنازِلِ وأجْمَعُها. ولا تَزالُ مَعْمُورَةً بِالنّازِلِينَ، لِسَعَةِ مُتَعَلِّقِ التَّوَكُّلِ، وكَثْرَةِ حَوائِجَ العالَمِينَ، وعُمُومِ التَّوَكُّلِ، ووُقُوعِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، والأبْرارِ والفُجّارِ، والطَّيْرِ والوَحْشِ والبَهائِمِ. فَأهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ - المُكَلَّفُونَ وغَيْرُهم - في مَقامِ التَّوَكُّلِ، وإنْ تَبايَنَ مُتَعَلِّقُ تَوَكُّلِهِمْ. فَأوْلِياؤُهُ وخاصَّتُهُ يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ في الإيمانِ، ونُصْرَةِ دِينِهِ، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وجِهادِ أعْدائِهِ، وفي مَحابِّهِ وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ. وَدُونَ هَؤُلاءِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في اسْتِقامَتِهِ في نَفْسِهِ، وحِفْظِ حالِهِ مَعَ اللَّهِ، فارِغًا عَنِ النّاسِ. وَدُونَ هَؤُلاءِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في مَعْلُومٍ يَنالُهُ مِنهُ. مِن رِزْقٍ أوْ عافِيَةٍ. أوْ نَصْرٍ عَلى عَدُوٍّ، أوْ زَوْجَةٍ أوْ ولَدٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَدُونَ هَؤُلاءِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في حُصُولِ الإثْمِ والفَواحِشِ. فَإنَّ أصْحابَ هَذِهِ المَطالِبِ لا يَنالُونَها غالِبًا إلّا بِاسْتِعانَتِهِمْ بِاللَّهِ. وتَوَكُّلُهم عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ تَوَكُّلُهم أقْوى مِن تَوَكُّلِ كَثِيرٍ مِن أصْحابِ الطّاعاتِ. ولِهَذا يُلْقُونَ أنْفُسَهم في المَتالِفِ والمَهالِكِ، مُعْتَمِدِينَ عَلى اللَّهِ أنْ يُسَلِّمَهُمْ، ويُظْفِرَهم بِمَطالِبِهِمْ. فَأفْضَلُ التَّوَكُّلِ، التَّوَكُّلُ في الواجِبِ - أعْنِي واجِبَ الحَقِّ، وواجِبَ الخَلْقِ، وواجِبَ النَّفْسِ - وأوْسَعُهُ وأنْفَعُهُ التَّوَكُّلُ في التَّأْثِيرِ في الخارِجِ في مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ. أوْ في دَفْعِ مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ، وهو تَوَكُّلُ الأنْبِياءِ في إقامَةِ دِينِ اللَّهِ، ودَفْعِ فَسادِ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ، وهَذا تَوَكُّلُ ورَثَتِهِمْ. ثُمَّ النّاسُ بَعْدُ في التَّوَكُّلِ عَلى حَسَبِ هِمَمِهِمْ ومَقاصِدِهِمْ، فَمِن مُتَوَكِّلٍ عَلى اللَّهِ في حُصُولِ المُلْكِ، ومِن مُتَوَكِّلٍ في حُصُولِ رَغِيفٍ. وَمَن صَدَقَ تَوَكُّلُهُ عَلى اللَّهِ في حُصُولِ شَيْءٍ نالَهُ. فَإنْ كانَ مَحْبُوبًا لَهُ مَرْضِيًّا كانَتْ لَهُ فِيهِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، وإنْ كانَ مَسْخُوطًا مَبْغُوضًا كانَ ما حَصَلَ لَهُ بِتَوَكُّلِهِ مَضَرَّةً عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مُباحًا حَصَلَتْ لَهُ مَصْلَحَةُ التَّوَكُّلِ دُونَ مَصْلَحَةِ ما تَوَكَّلَ فِيهِ. إنْ لَمْ يَسْتَعِنْ بِهِ عَلى طاعاتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ مَعْنى التَّوَكُّلِ] فَصْلٌ فَلْنَذْكُرْ مَعْنى التَّوَكُّلِ ودَرَجاتِهِ. وما قِيلَ فِيهِ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: التَّوَكُّلُ عَمَلُ القَلْبِ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ. لَيْسَ بِقَوْلِ اللِّسانِ، ولا عَمَلِ الجَوارِحِ، ولا هو مِن بابِ العُلُومِ والإدْراكاتِ. وَمِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُهُ مِن بابِ المَعارِفِ والعُلُومِ فَيَقُولُ: هو عِلْمُ القَلْبِ بِكِفايَةِ الرَّبِّ لِلْعَبْدِ. وَمِنهم مَن يُفَسِّرُهُ بِالسُّكُونِ وخُمُودِ حَرَكَةِ القَلْبِ. فَيَقُولُ: التَّوَكُّلُ هو انْطِراحُ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، كانْطِراحِ المَيِّتِ بَيْنَ يَدِي الغاسِلِ بِقَلْبِهِ كَيْفَ يَشاءُ. وهو تَرْكُ الِاخْتِيارِ، والِاسْتِرْسالِ مَعَ مَجارِي الأقْدارِ. قالَ سَهْلٌ: التَّوَكُّلُ الِاسْتِرْسالُ مَعَ اللَّهِ مَعَ ما يُرِيدُ. وَمِنهم مَن يُفَسِّرُهُ بِالرِّضا. فَيَقُولُ: هو الرِّضا بِالمَقْدُورِ. قالَ بِشْرٌ الحافِي: يَقُولُ أحَدُهُمْ: تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ. يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ، لَوْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، رَضِيَ بِما يَفْعَلُ اللَّهُ. وَسُئِلَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: مَتى يَكُونُ الرَّجُلُ مُتَوَكِّلًا؟ فَقالَ: إذا رَضِيَ بِاللَّهِ وكِيلًا. وَمِنهم مَن يُفَسِّرُهُ بِالثِّقَةِ بِاللَّهِ، والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ. والسُّكُونِ إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطاءٍ: التَّوَكُّلُ أنْ لا يَظْهَرَ فِيكَ انْزِعاجٌ إلى الأسْبابِ، مَعَ شِدَّةٍ فاقَتِكَ إلَيْها، ولا تَزُولُ عَنْ حَقِيقَةِ السُّكُونِ إلى الحَقِّ مَعَ وُقُوفِكَ عَلَيْها. قالَ ذُو النُّونِ: هو تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ، والِانْخِلاعِ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ. وإنَّما يَقْوى العَبْدُ عَلى التَّوَكُّلِ إذا عَلِمَ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ ويَرى ما هو فِيهِ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: التَّوَكُّلُ التَّعَلُّقُ بِاللَّهِ في كُلِّ حالٍ. وَقِيلَ: التَّوَكُّلُ أنْ تَرِدَ عَلَيْكَ مَوارِدُ الفاقاتِ، فَلا تَسْمُوَ إلّا إلى مَن إلَيْهِ الكِفاياتُ. وَقِيلَ: نَفْيُ الشُّكُوكِ، والتَّفْوِيضِ إلى مالِكِ المُلُوكِ. وَقالَ ذُو النُّونِ: خَلْعُ الأرْبابِ وقَطْعُ الأسْبابِ. يُرِيدُ قَطْعَها مِن تَعَلُّقِ القَلْبِ بِها، لا مِن مُلابَسَةِ الجَوارِحِ لَها. وَمِنهم مَن جَعَلَهُ مُرَكَّبًا مِن أمْرَيْنِ أوْ أُمُورٍ. فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخَرّازُ: التَّوَكُّلُ اضْطِرابٌ بِلا سُكُونٍ، وسُكُونٌ بِلا اضْطِرابٍ. يُرِيدُ: حَرَكَةَ ذاتِهِ في الأسْبابِ بِالظّاهِرِ والباطِنِ، وسُكُونًا إلى المُسَبِّبِ، ورُكُونًا إلَيْهِ. ولا يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ مَعَهُ. ولا تَسْكُنُ حَرَكَتُهُ عَنِ الأسْبابِ المُوَصِّلَةِ إلى رِضاهُ. وَقالَ أبُو تُرابٍ النَّخْشَبِيُّ: هو طَرْحُ البَدَنِ في العُبُودِيَّةِ، وتَعَلُّقُ القَلْبِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، والطُّمَأْنِينَةُ إلى الكِفايَةِ. فَإنْ أُعْطِيَ شَكَرَ. وإنْ مُنِعَ صَبَرَ. فَجَعَلَهُ مُرَكَّبًا مِن خَمْسَةِ أُمُورٍ: القِيامِ بِحَرَكاتِ العُبُودِيَّةِ، وتَعَلُّقِ القَلْبِ بِتَدْبِيرِ الرَّبِّ، وسُكُونِهِ إلى قَضائِهِ وقَدْرِهِ، وطُمَأْنِينَتِهِ وكِفايَتِهِ لَهُ، وشُكْرِهِ إذا أعْطى، وصَبْرِهِ إذا مَنَعَ. قالَ أبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ: التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ بِكَمالِ الحَقِيقِيَّةِ، كَما وقَعَ لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الوَقْتِ الَّذِي قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا إلَيْكَ فَلا؛ لِأنَّهُ غائِبٌ عَنْ نَفْسِهِ بِاللَّهِ. فَلَمْ يَرَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ. وَأجْمَعَ القَوْمُ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ لا يُنافِي القِيامَ بِالأسْبابِ. فَلا يَصِحُّ التَّوَكُّلُ إلّا مَعَ القِيامِ بِها، وإلّا فَهو بَطالَةٌ وتَوَكُّلٌ فاسِدٌ. قالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَن طَعَنَ في الحَرَكَةِ فَقَدْ طَعَنَ في السُّنَّةِ. ومَن طَعَنَ في التَّوَكُّلِ فَقَدْ طَعَنَ في الإيمانِ. فالتَّوَكُّلُ حالُ النَّبِيِّ ﷺ، والكَسْبُ سُنَّتُهُ. فَمَن عَمِلَ عَلى حالِهِ فَلا يَتْرُكَنَّ سُنَّتَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي سَعِيدٍ: هو اضْطِرابٌ بِلا سُكُونٍ، وسُكُونٌ بِلا اضْطِرابٍ وقَوْلُ سَهْلٍ أبْيَنُ وأرْفَعُ. وَقِيلَ: التَّوَكُّلُ قَطْعُ عَلائِقِ القَلْبِ بِغَيْرِ اللَّهِ. وَسُئِلَ سَهْلٌ عَنِ التَّوَكُّلِ؟ فَقالَ: قَلْبٌ عاشَ مَعَ اللَّهِ بِلا عَلاقَةٍ. وَقِيلَ: التَّوَكُّلُ هَجْرُ العَلائِقِ، ومُواصَلَةُ الحَقائِقِ. وَقِيلَ: التَّوَكُّلُ أنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَكَ الإكْثارُ والإقْلالُ. وَهَذا مِن مُوجِباتِهِ وآثارِهِ، لا أنَّهُ حَقِيقَتُهُ. وَقِيلَ: هو تَرْكُ كُلِّ سَبَبٍ يُوَصِّلُكَ إلى مُسَبِّبٍ، حَتّى يَكُونَ الحَقُّ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ. وَهَذا صَحِيحٌ مِن وجْهٍ، باطِلٌ مِن وجْهٍ. فَتَرْكُ الأسْبابِ المَأْمُورُ بِها قادِحٌ في التَّوَكُّلِ. وقَدْ تَوَلّى الحَقُّ إيصالَ العَبْدِ بِها. وأمّا تَرْكُ الأسْبابِ المُباحَةِ فَإنَّ تَرْكَها لِما هو أرْجَحُ مِنها مَصْلَحَةً فَمَمْدُوحٌ، وإلّا فَهو مَذْمُومٌ. وَقِيلَ: هو إلْقاءُ النَّفْسِ في العُبُودِيَّةِ، وإخْراجُها مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ. يُرِيدُ اسْتِرْسالَها مَعَ الأمْرِ، وبَراءَتَها مِن حَوْلِها وقُوَّتِها، وشُهُودَ ذَلِكَ بِها، بَلْ بِالرَّبِّ وحْدَهُ. وَمِنهم مَن قالَ: التَّوَكُّلُ هو التَّسْلِيمُ لِأمْرِ الرَّبِّ وقَضائِهِ. وَمِنهم مَن قالَ: هو التَّفْوِيضُ إلَيْهِ في كُلِّ حالٍ. وَمِنهم مَن جَعَلَ التَّوَكُّلَ بِدايَةً، والتَّسْلِيمَ واسِطَةً، والتَّفْوِيضَ نِهايَةً. قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: التَّوَكُّلُ ثَلاثُ دَرَجاتٍ: التَّوَكُّلُ، ثُمَّ التَّسْلِيمُ، ثُمَّ التَّفْوِيضُ. فالمُتَوَكِّلُ يَسْكُنُ إلى وعْدِهِ، وصاحِبُ التَّسْلِيمِ يَكْتَفِي بِعِلْمِهِ، وصاحِبُ التَّفْوِيضِ يَرْضى بِحُكْمِهِ. فالتَّوَكُّلُ بِدايَةٌ، والتَّسْلِيمُ واسِطَةٌ، والتَّفْوِيضُ نِهايَةٌ. فالتَّوَكُّلُ صِفَةُ المُؤْمِنِينَ، والتَّسْلِيمُ صِفَةُ الأوْلِياءِ. والتَّفْوِيضُ صِفَةُ المُوَحِّدِينَ. التَّوَكُّلُ صِفَةُ العَوامِّ. والتَّسْلِيمُ صِفَةُ الخَواصِّ، والتَّفْوِيضُ صِفَةُ خاصَّةِ الخاصَّةِ. التَّوَكُّلُ صِفَةُ الأنْبِياءِ، والتَّسْلِيمُ صِفَةُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ، والتَّفْوِيضُ صِفَةُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. هَذا كُلُّهُ كَلامُ الدَّقّاقِ. ومَعْنى هَذا التَّوَكُّلِ اعْتِمادٌ عَلى الوَكِيلِ، وقَدْ يَعْتَمِدُ الرَّجُلُ عَلى وكِيلِهِ مَعَ نَوْعِ اقْتِراحٍ عَلَيْهِ، وإرادَةٍ وشائِبَةِ مُنازَعَةٍ. فَإذا سَلَّمَ إلَيْهِ زالَ عَنْهُ ذَلِكَ. ورَضِيَ بِما يَفْعَلُهُ وكِيلُهُ. وحالُ المُفَوَّضِ فَوْقَ هَذا. فَإنَّهُ طالِبٌ مُرِيدٌ مِمَّنْ فَوَّضَ إلَيْهِ، مُلْتَمِسٌ مِنهُ أنْ يَتَوَلّى أُمُورَهُ. فَهو رِضًا واخْتِيارٌ، وتَسْلِيمٌ واعْتِمادٌ، فالتَّوَكُّلُ يَنْدَرِجُ في التَّسْلِيمِ، وهو والتَّسْلِيمُ يَنْدَرِجانِ في التَّفْوِيضِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ مُرَكَّبَةٌ في أُمُورٍ] [فَصْلٌ الأُولى مَعْرِفَةُ الرَّبِّ وصِفاتِهِ] فَصْلٌ وَحَقِيقَةُ الأمْرِ: أنَّ التَّوَكُّلَ حالٌ مُرَكَّبَةٌ مِن مَجْمُوعِ أُمُورٍ، لا تَتِمُّ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ إلّا بِها. وكُلٌّ أشارَ إلى واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ، أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ. فَأوَّلُ ذَلِكَ: مَعْرِفَةٌ بِالرَّبِّ وصِفاتِهِ مِن قُدْرَتِهِ، وكِفايَتِهِ، وقَيُّومِيَّتِهِ، وانْتِهاءِ الأُمُورِ إلى عِلْمِهِ، وصُدُورِها عَنْ مَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ. وهَذِهِ المَعْرِفَةُ أوَّلُ دَرَجَةٍ يَضَعُ بِها العَبْدُ قَدَمَهُ في مَقامِ التَّوَكُّلِ. قالَ شَيْخُنا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ولِذَلِكَ لا يَصِحُّ التَّوَكُّلُ ولا يُتَصَوَّرُ مِن فَيْلَسُوفٍ. ولا مِنَ القَدَرِيَّةِ النُّفاةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ يَكُونُ في مُلْكِهِ ما لا يَشاءُ. ولا يَسْتَقِيمُ أيْضًا مِنَ الجَهْمِيَّةِ النُّفاةِ لِصِفاتِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ. ولا يَسْتَقِيمُ التَّوَكُّلُ إلّا مِن أهْلِ الإثْباتِ. فَأيُّ تَوَكُّلٍ لِمَن يَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ لا يَعُمُّ جُزَيْئاتِ العالِمِ سُفْلِيِّهِ وعُلْوِيِّهِ؟ ولا هو فاعِلٌ بِاخْتِيارِهِ؟ ولا لَهُ إرادَةٌ ومَشِيئَةٌ. ولا يَقُومُ بِهِ صِفَةٌ؟ فَكُلُّ مَن كانَ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ أعْلَمُ وأعْرَفُ كانَ تَوَكُّلُهُ أصَحَّ وأقْوى. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ إثْباتٌ في الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ] الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: إثْباتٌ في الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ. فَإنَّ مَن نَفاها فَتَوَكُّلُهُ مَدْخُولٌ. وهَذا عَكْسُ ما يَظْهَرُ في بَدَواتِ الرَّأْيِ: أنَّ إثْباتَ الأسْبابِ يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ، وأنَّ نَفْيَها تَمامُ التَّوَكُّلِ. فاعْلَمْ أنَّ نُفاةَ الأسْبابِ لا يَسْتَقِيمُ لَهم تَوَكُّلٌ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ مِن أقْوى الأسْبابِ في حُصُولِ المُتَوَكَّلِ فِيهِ. فَهو كالدُّعاءِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا في حُصُولِ المَدْعُوِّ بِهِ. فَإذا اعْتَقَدَ العَبْدُ أنَّ تَوَكُّلَهُ لَمْ يَنْصِبْهُ اللَّهُ سَبَبًا. ولا جَعْلَ دُعاءَهُ سَبَبًا لِنَيْلِ شَيْءٍ. فَإنَّ المُتَوَكِّلَ فِيهِ المَدْعُوَّ بِحُصُولِهِ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ حَصَلَ، تَوَكَّلَ أوْ لَمْ يَتَوَكَّلْ، دَعا أوْ لَمْ يَدْعُ، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَحْصُلْ، تَوَكَّلَ أيْضًا أوْ تَرَكَ التَّوَكُّلَ. وَصَرَّحَ هَؤُلاءِ أنَّ التَّوَكُّلَ والدُّعاءَ عُبُودِيَّةٌ مَحْضَةٌ. لا فائِدَةَ لَهُما إلّا ذَلِكَ. ولَوْ تَرَكَ العَبْدُ التَّوَكُّلَ والدُّعاءَ ما فاتَهُ شَيْءٌ مِمّا قُدِّرَ لَهُ. ومِن غُلاتِهِمْ مَن يَجْعَلُ الدُّعاءَ بِعَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلى الخَطَإ والنِّسْيانِ عَدِيمَ الفائِدَةِ؛ إذْ هو مَضْمُونُ الحُصُولِ. وَرَأيْتُ بَعْضَ مُتَعَمِّقِي هَؤُلاءِ - في كِتابٍ لَهُ - لا يُجَوِّزُ الدُّعاءَ بِهَذا. وإنَّما يُجَوِّزُهُ تِلاوَةً لا دُعاءً. قالَ: لِأنَّ الدُّعاءَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الشَّكَّ في وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ. والشَّكُّ في وُقُوعِ ذَلِكَ شَكٌّ في خَبَرِ اللَّهِ. فانْظُرْ إلى ما قادَ إنْكارُ الأسْبابِ مِنَ العَظائِمِ، وتَحْرِيمِ الدُّعاءِ بِما أثْنى اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وأوْلِيائِهِ بِالدُّعاءِ بِهِ وبِطَلَبِهِ. ولَمْ يَزَلِ المُسْلِمُونَ - مِن عَهْدِ نَبِيِّهِمْ ﷺ وإلى الآنَ - يَدْعُونَ بِهِ في مَقاماتِ الدُّعاءَ. وهو مِن أفْضَلِ الدَّعَواتِ. وَجَوابُ هَذا الوَهْمِ الباطِلِ أنْ يُقالَ: بَقِيَ قِسْمٌ ثالِثٌ غَيْرُ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ القِسْمَيْنِ لَمْ تَذْكُرُوهُ. وهو الواقِعُ. وهو أنْ يَكُونَ قَضى بِحُصُولِ الشَّيْءِ عِنْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ والدُّعاءِ. فَنَصَبَ الدُّعاءَ والتَّوَكُّلَ سَبَبَيْنِ لِحُصُولِ المَطْلُوبِ. وَقَضى اللَّهُ بِحُصُولِهِ إذا فَعَلَ العَبْدُ سَبَبَهُ. فَإذا لَمْ يَأْتِ بِالسَّبَبِ امْتَنَعَ المُسَبَّبُ. وهَذا كَما قَضى بِحُصُولِ الوَلَدِ إذا جامَعَ الرَّجُلُ مَن يُحِبُّها. فَإذا لَمْ يُجامِعْ لَمْ يُخْلَقِ الوَلَدُ. وَقَضى بِحُصُولِ الشِّبَعِ إذا أكَلَ، والرِّيِّ إذا شَرِبَ. فَإذا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشْبَعْ ولَمْ يُرْوَ. وَقَضى بِحُصُولِ الحَجِّ والوُصُولِ إلى مَكَّةَ إذا سافَرَ ورَكِبَ الطَّرِيقَ، فَإذا جَلَسَ في بَيْتِهِ لَمْ يَصِلْ إلى مَكَّةَ. وَقَضى بِدُخُولِ الجَنَّةِ إذا أسْلَمَ، وأتى بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. فَإذا تَرَكَ الإسْلامَ ولَمْ يَعْمَلِ الصّالِحاتِ لَمْ يَدْخُلْها أبَدًا. وَقَضى بِإنْضاجِ الطَّعامِ بِإيقادِ النّارِ تَحْتَهُ. وَقَضى بِطُلُوعِ الحُبُوبِ الَّتِي تُزْرَعُ بِشَقِّ الأرْضِ، وإلْقاءِ البَذْرِ فِيها. فَما لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ إلّا الخَيْبَةُ. فَوِزانُ ما قالَهُ مُنْكِرُو الأسْبابِ: أنْ يَتْرُكَ كُلٌّ مِن هَؤُلاءِ السَّبَبَ المُوصِّلَ. ويَقُولُ: إنْ كانَ قُضِيَ لِي وسَبَقَ في الأزَلِ حُصُولُ الوَلَدِ، والشِّبَعُ، والرِّيُّ، والحَجُّ ونَحْوُها. فَلابُدَّ أنْ يَصِلَ إلَيَّ، تَحَرَّكْتُ أوْ سَكَنْتُ، وتَزَوَّجْتُ أوْ تَرَكْتُ، سافَرْتُ أوْ قَعَدْتُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قُضِيَ لِي لَمْ يَحْصُلْ لِي أيْضًا، فَعَلْتُ أوْ تَرَكْتُ. فَهَلْ يَعُدُّ أحَدٌ هَذا مِن جُمْلَةِ العُقَلاءِ؟ وهَلِ البَهائِمُ إلّا أفْقَهُ مِنهُ؟ فَإنَّ البَهِيمَةَ تَسْعى في السَّبَبِ بِالهِدايَةِ العامَّةِ. فالتَّوَكُّلُ مِن أعْظَمَ الأسْبابِ الَّتِي يَحْصُلُ بِها المَطْلُوبُ، ويَنْدَفِعُ بِها المَكْرُوهُ. فَمَن أنْكَرَ الأسْبابَ لَمْ يَسْتَقِمْ مِنهُ التَّوَكُّلُ. ولَكِنَّ مِن تَمامِ التَّوَكُّلِ عَدَمَ الرُّكُونِ إلى الأسْبابِ، وقَطْعَ عَلاقَةِ القَلْبِ بِها؛ فَيَكُونُ حالُ قَلْبِهِ قِيامَهُ بِاللَّهِ لا بِها. وحالُ بَدَنِهِ قِيامَهُ بِها. فالأسْبابُ مَحَلُّ حِكْمَةِ اللَّهِ وأمْرِهِ ودِينِهِ. والتَّوَكُّلُ مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ. فَلا تَقُومُ عُبُودِيَّةُ الأسْبابِ إلّا عَلى ساقِ التَّوَكُّلِ. ولا يَقُومُ ساقُ التَّوَكُّلِ إلّا عَلى قَدَمِ العُبُودِيَّةِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ رُسُوخُ القَلْبِ في مَقامِ تَوْحِيدِ التَّوَكُّلِ] فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: رُسُوخُ القَلْبِ في مَقامِ تَوْحِيدِ التَّوَكُّلِ. فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ تَوَكُّلُ العَبْدِ حَتّى يَصِحَّ لَهُ تَوْحِيدُهُ. بَلْ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ تَوْحِيدُ القَلْبِ. فَما دامَتْ فِيهِ عَلائِقُ الشِّرْكِ، فَتَوَكُّلُهُ مَعْلُولٌ مَدْخُولٌ. وعَلى قَدْرِ تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ تَكُونُ صِحَّةُ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ العَبْدَ مَتى التَفَتَ إلى غَيْرِ اللَّهِ أخَذَ ذَلِكَ الِالتِفاتُ شُعْبَةً مِن شُعَبِ قَلْبِهِ. فَنَقَصَ مِن تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ بِقَدْرِ ذَهابِ تِلْكَ الشُّعْبَةِ ومِن هاهُنا ظَنَّ مَن ظَنَّ أنَّ التَّوَكُّلَ لا يَصِحُّ إلّا بِرَفْضِ الأسْبابِ. وهَذا حَقٌّ. لَكِنَّ رَفْضَها عَنِ القَلْبِ لا عَنِ الجَوارِحِ. فالتَّوَكُّلُ لا يَتِمُّ إلّا بِرَفْضِ الأسْبابِ عَنِ القَلْبِ، وتَعَلُّقِ الجَوارِحِ بِها. فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا مِنها مُتَّصِلًا بِها. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الرّابِعَةُ اعْتِمادُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ واسْتِنادُهُ إلَيْهِ وسُكُونُهُ إلَيْهِ] فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الرّابِعَةُ: اعْتِمادُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، واسْتِنادُهُ إلَيْهِ، وسُكُونُهُ إلَيْهِ. بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ اضْطِرابٌ مِن تَشْوِيشِ الأسْبابِ، ولا سُكُونٍ إلَيْها، بَلْ يَخْلَعُ السُّكُونَ إلَيْها مِن قَلْبِهِ. ويَلْبَسُهُ السُّكُونُ إلى مُسَبِّبِها. وَعَلامَةُ هَذا أنَّهُ لا يُبالِي بِإقْبالِها وإدْبارِها. ولا يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ ويَخْفُقُ عِنْدَ إدْبارِ ما يُحِبُّ مِنها، وإقْبالِ ما يَكْرَهُ؛ لِأنَّ اعْتِمادَهُ عَلى اللَّهِ، وسُكُونَهُ إلَيْهِ، واسْتِنادَهُ إلَيْهِ، قَدْ حَصَّنَهُ مِن خَوْفِها ورَجائِها. فَحالُهُ حالَ مَن خَرَجَ عَلَيْهِ عَدُوٌّ عَظِيمٌ لا طاقَةَ لَهُ بِهِ. فَرَأى حِصْنًا مَفْتُوحًا، فَأدْخَلَهُ رَبُّهُ إلَيْهِ. وأغْلَقَ عَلَيْهِ بابَ الحِصْنِ. فَهو يُشاهِدُ عَدُوَّهُ خارِجَ الحِصْنِ. فاضْطِرابُ قَلْبِهِ وخَوْفُهُ مِن عَدُوِّهِ في هَذِهِ الحالِ لا مَعْنى لَهُ. وَكَذَلِكَ مَن أعْطاهُ مَلِكٌ دِرْهَمًا، فَسَرَقَ مِنهُ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: عِنْدِي أضْعافُهُ. فَلا تَهْتَمَّ. مَتى جِئْتُ إلَيَّ أعْطَيْتُكَ مِن خَزائِنِي أضْعافَهُ. فَإذا عَلِمَ صِحَّةَ قَوْلِ المَلِكِ، ووَثِقَ بِهِ، واطْمَأنَّ إلَيْهِ، وعَلِمَ أنَّ خَزائِنَهُ مَلِيئَةٌ بِذَلِكَ - لَمْ يُحْزِنْهُ فَوْتُهُ. وَقَدْ مُثِّلَ ذَلِكَ بِحالِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ في اعْتِمادِهِ وسُكُونِهِ. وطُمَأْنِينَتُهُ بِثَدْيِ أُمِّهِ لا يَعْرِفُ غَيْرَهُ. ولَيْسَ في قَلْبِهِ التِفاتٌ إلى غَيْرِهِ، كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: المُتَوَكِّلُ كالطِّفْلِ. لا يَعْرِفُ شَيْئًا يَأْوِي إلَيْهِ إلّا ثَدْيَ أُمِّهِ، كَذَلِكَ المُتَوَكِّلُ لا يَأْوِي إلّا إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الخامِسَةُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ] فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الخامِسَةُ: حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَعَلى قَدْرِ حُسْنِ ظَنِّكَ بِرَبِّكَ ورَجائِكَ لَهُ. يَكُونُ تَوَكُّلُكَ عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَكُّلَ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ يَدْعُوهُ إلى التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ. إذْ لا يُتَصَوَّرُ التَّوَكُّلُ عَلى مَن ساءَ ظَنُّكَ بِهِ، ولا التَّوَكُّلُ عَلى مَن لا تَرْجُوهُ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ السّادِسَةُ اسْتِسْلامُ القَلْبِ لِلَّهِ] فَصْلٌ الدَّرَجَةُ السّادِسَةُ: اسْتِسْلامُ القَلْبِ لَهُ، وانْجِذابُ دَواعِيهِ كُلِّها إلَيْهِ، وقَطْعُ مُنازَعاتِهِ. وَبِهَذا فَسَّرَهُ مَن قالَ: أنْ يَكُونَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدِي الغاسِلِ، يُقَلِّبُهُ كَيْفَ أرادَ، لا يَكُونُ لَهُ حَرَكَةٌ ولا تَدْبِيرٌ. وَهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: التَّوَكُّلُ إسْقاطُ التَّدْبِيرِ. يَعْنِي الِاسْتِسْلامَ لِتَدْبِيرِ الرَّبِّ لَكَ. وهَذا في غَيْرِ بابِ الأمْرِ والنَّهْيِ. بَلْ فِيما يَفْعَلُهُ بِكَ. لا فِيما أمَرَكَ بِفِعْلِهِ. فالِاسْتِسْلامُ كَتَسْلِيمِ العَبْدِ الذَّلِيلِ نَفْسَهُ لِسَيِّدِهِ، وانْقِيادِهِ لَهُ، وتَرْكِ مُنازَعاتِ نَفْسِهِ وإرادَتِها مَعَ سَيِّدِهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ السّابِعَةُ التَّفْوِيضُ] فَصْلٌ الدَّرَجَةُ السّابِعَةُ: التَّفْوِيضُ. وَهُوَ رُوحُ التَّوَكُّلِ ولُبُّهُ وحَقِيقَتُهُ. وهو إلْقاءُ أُمُورِهِ كُلِّها إلى اللَّهِ، وإنْزالُها بِهِ طَلَبًا واخْتِيارًا، لا كَرْهًا واضْطِرارًا. بَلْ كَتَفْوِيضِ الِابْنِ العاجِزِ الضَّعِيفِ المَغْلُوبِ عَلى أمْرِهِ: كُلَّ أُمُورِهِ إلى أبِيهِ، العالِمِ بِشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ ورَحْمَتِهِ، وتَمامِ كِفايَتِهِ، وحُسْنِ وِلايَتِهِ لَهُ، وتَدْبِيرِهِ لَهُ. فَهو يَرى أنَّ تَدْبِيرَ أبِيهِ لَهُ خَيْرٌ مِن تَدْبِيرِهِ لِنَفْسِهِ، وقِيامَهُ بِمَصالِحِهِ وتَوَلِّيَهُ لَها خَيْرٌ مِن قِيامِهِ هو بِمَصالِحَ نَفْسِهِ وتَوَلِّيهِ لَها. فَلا يَجِدُ لَهُ أصْلَحَ ولا أرْفَقَ مِن تَفْوِيضِهِ أُمُورَهُ كُلَّها إلى أبِيهِ، وراحَتِهِ مِن حَمْلِ كُلَفِها وثِقَلِ حِمْلِها، مَعَ عَجْزِهِ عَنْها، وجَهْلِهِ بِوُجُوهِ المَصالِحِ فِيها، وعِلْمِهِ بِكَمالِ عَلَمِ مَن فَوَّضَ إلَيْهِ، وقُدْرَتِهِ وشَفَقَتِهِ. [فَصْلٌ ثَمَرَةُ التَّوَكُّلِ] فَصْلٌ فَإذا وضَعَ قَدَمَهُ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ. انْتَقَلَ مِنها إلى دَرَجَةِ الرِّضا. وَهِيَ ثَمَرَةُ التَّوَكُّلِ. ومَن فَسَّرَ التَّوَكُّلَ بِها فَإنَّما فَسَّرَهُ بِأجَلِّ ثَمَراتِهِ، وأعْظَمِ فَوائِدِهِ، فَإنَّهُ إذا تَوَكَّلَ حَقَّ التَّوَكُّلِ رَضِيَ بِما يَفْعَلُهُ وكِيلُهُ. وَكانَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: المَقْدُورُ يَكْتَنِفُهُ أمْرانِ: التَّوَكُّلُ قَبْلَهُ، والرِّضا بَعْدَهُ، فَمَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ قَبْلَ الفِعْلِ. ورَضِيَ بِالمَقْضِيِّ لَهُ بَعْدَ الفِعْلِ فَقَدْ قامَ بِالعُبُودِيَّةِ. أوْ مَعْنى هَذا. قُلْتُ: وهَذا مَعْنى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ في دُعاءِ الِاسْتِخارَةِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وأسْألُكَ مِن فَضْلِكَ العَظِيمِ». فَهَذا تَوَكُّلٌ وتَفْوِيضٌ. ثُمَّ قالَ: «فَإنَّكَ تَعْلَمُ ولا أعْلَمُ، وتَقْدِرُ ولا أقْدِرُ، وأنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ». فَهَذا تَبَرُّؤٌ إلى اللَّهِ مِن العِلْمِ والحَوْلِ والقُوَّةِ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِصِفاتِهِ الَّتِي هي أحَبُّ ما تَوَسَّلَ إلَيْهِ بِها المُتَوَسِّلُونَ. ثُمَّ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَقْضِيَ لَهُ ذَلِكَ الأمْرَ إنْ كانَ فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، عاجِلًا أوْ آجِلًا، وأنْ يَصْرِفَهُ عَنْهُ إنْ كانَ فِيهِ مَضَرَّتُهُ، عاجِلًا أوْ آجِلًا. فَهَذا هو حاجَتُهُ الَّتِي سَألَها. فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلّا الرِّضا بِما يَقْضِيهِ لَهُ. فَقالَ: «واقَدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ». فَقَدِ اشْتَمَلَ هَذا الدُّعاءُ عَلى هَذِهِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والحَقائِقِ الإيمانِيَّةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّوَكُّلُ والتَّفْوِيضُ، قَبْلَ وُقُوعِ المَقْدُورِ، والرِّضا بَعْدَهُ. وهو ثَمَرَةُ التَّوَكُّلِ. والتَّفْوِيضُ عَلامَةُ صِحَّتِهِ، فَإنْ لَمْ يَرْضَ بِما قُضِيَ لَهُ، فَتَفْوِيضُهُ مَعْلُولٌ فاسِدٌ. فَبِاسْتِكْمالِ هَذِهِ الدَّرَجاتِ الثَّمانِي يَسْتَكْمِلُ العَبْدُ مَقامَ التَّوَكُّلِ، وتَثْبُتُ قَدَمُهُ فِيهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ بِشْرٍ الحافِي: يَقُولُ أحَدُهُمْ: تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ. يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ. لَوْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ لَرَضِيَ بِما يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِ. وَقَوْلِ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ وقَدْ سُئِلَ: مَتى يَكُونُ الرَّجُلُ مُتَوَكِّلًا؟ فَقالَ: إذا رَضِيَ بِاللَّهِ وكِيلًا. فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ. فَكَيْفَ يُوَكِّلُ المالِكُ عَلى مُلْكِهِ؟ وكَيْفَ يَسْتَنِيبُهُ فِيما هو مِلْكٌ لَهُ، دُونَ هَذا المُوَكَّلِ؟ فالخاصَّةُ لَمّا تَحَقَّقُوا هَذا نَزَلُوا عَنْ مَقامِ التَّوَكُّلِ وسَلَّمُوهُ إلى العامَّةِ. وبَقِيَ الخِطابُ بِالتَّوَكُّلِ لَهم دُونَ الخاصَّةِ. قِيلَ: لَمّا كانَ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ. كانَ تَوَكُّلُهُ عَلى اللَّهِ تَسْلِيمَ الأمْرِ إلى مَن هو لَهُ، وعَزْلَ نَفْسِهِ عَنْ مُنازَعاتِ مالِكِهِ واعْتِمادَهُ عَلَيْهِ فِيهِ، وخُرُوجَهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ وحَوْلِهُ وقُوَّتِهِ وكَوْنِهِ بِهِ، إلى تَصَرُّفِهِ بِرَبِّهِ وكَوْنِهِ بِهِ سُبْحانَهُ دُونَ نَفْسِهِ. وهَذا مَقْصُودُ التَّوَكُّلِ. وَأمّا عَزْلُ العَبْدِ نَفْسَهُ عَنْ مَقامِ التَّوَكُّلِ: فَهو عَزْلٌ لَها عَنْ حَقِيقَةِ العُبُودِيَّةِ. وَأمّا تَوَجُّهُ الخِطابِ بِهِ إلى العامَّةِ: فَسُبْحانَ اللَّهِ! هَلْ خاطَبَ اللَّهُ بِالتَّوَكُّلِ في كِتابِهِ إلّا خَواصَّ خَلْقِهِ، وأقْرَبَهم إلَيْهِ، وأكْرَمَهم عَلَيْهِ؟ وشَرَطَ في إيمانِهِمْ أنْ يَكُونُوا مُتَوَكِّلِينَ، والمُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ. وَهَذا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ عِنْدَ انْتِفاءِ التَّوَكُّلِ. فَمَن لا تَوَكُّلَ لَهُ لا إيمانَ لَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وقالَ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. وَهَذا يَدُلُّ عَلى انْحِصارِ المُؤْمِنِينَ فِيمَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَأخْبَرَ تَعالى عَنْ رُسُلِهِ بِأنَّ التَّوَكُّلَ مَلْجَأُهم ومَعاذُهم. وأمَرَ بِهِ رَسُولَهُ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ. وقالَ: ﴿وَقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ [يونس: ٨٤]. فَكَيْفَ يَكُونُ مِن أوْهى السُّبُلِ وهَذا شَأْنُهُ؟ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ دَرَجاتُ التَّوَكُّلِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى التَّوَكُّلُ مَعَ الطَّلَبِ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. كُلُّها تَسِيرُ مَسِيرَ العامَّةِ. الدَّرَجَةُ الأُولى: التَّوَكُّلُ مَعَ الطَّلَبِ، ومُعاطاةِ السَّبَبِ عَلى نِيَّةِ شُغْلِ النَّفْسِ بِالسَّبَبِ مَخافَةً، ونَفْعِ الخَلْقِ، وتَرْكِ الدَّعْوى. يَقُولُ: إنَّ صاحِبَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ. ولا يَتْرُكُ الأسْبابَ. بَلْ يَتَعاطاها عَلى نِيَّةِ شُغْلِ النَّفْسِ بِالسَّبَبِ، مَخافَةَ أنْ تَفْرُغَ فَتَشْتَغِلَ بِالهَوى والحُظُوظِ. فَإنْ لَمْ يَشْغَلْ نَفْسَهُ بِما يَنْفَعُها شَغَلَتْهُ بِما يَضُرُّهُ. لا سِيَّما إذا كانَ الفَراغُ مَعَ حِدَّةِ الشَّبابِ، ومِلْكِ الجِدَّةِ، ومَيْلِ النَّفْسِ إلى الهَوى، وتَوالِي الغَفَلاتِ. كَما قِيلَ: ؎إنَّ الشَّبابَ والفَراغَ والجِدَّهْ ∗∗∗ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ وَيَكُونُ أيْضًا قِيامُهُ بِالسَّبَبِ عَلى نِيَّةِ نَفْعِ النَّفْسِ، ونَفْعِ النّاسِ بِذَلِكَ. فَيَحْصُلُ لَهُ نَفْعُ نَفْسِهِ ونَفْعُ غَيْرِهِ. وَأمّا تَضَمُّنُ ذَلِكَ لِتَرْكِ الدَّعْوى فَإنَّهُ إذا اشْتَغَلَ بِالسَّبَبِ تَخَلَّصَ مِن إشارَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ، المُوجِبَةِ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، المُوجِبِ لِدَعْواهُ. فالسَّبَبُ سَتْرٌ لِحالِهِ ومَقامِهِ. وحِجابٌ مُسْبَلٌ عَلَيْهِ. وَمِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَشْهَدَ بِهِ فَقْرُهُ وذُلُّهُ، وامْتِهانُهُ امْتِهانَ العَبِيدِ والفَعَلَةِ. فَيَتَخَلَّصُ مِن رُعُونَةِ دَعْوى النَّفْسِ، فَإنَّهُ إذا امْتَهَنَ نَفْسَهُ بِمُعاطاةِ الأسْبابِ سَلِمَ مِن هَذِهِ الأمْراضِ. فَيُقالُ: إذا كانَتِ الأسْبابُ مَأْمُورًا بِها فَفِيها فائِدَةٌ أجَلُّ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ. وهي المَقْصُودَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، وهَذِهِ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الوَسائِلِ. وهي القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ والأمْرُ الَّذِي خُلِقَ لَهُ العَبْدُ، وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وأُنْزِلَتْ لِأجْلِهِ الكُتُبُ. وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. ولَهُ وُجِدَتِ الجَنَّةُ والنّارُ. فالقِيامُ بِالأسْبابِ المَأْمُورِ بِها مَحْضُ العُبُودِيَّةِ. وحَقُّ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ الَّذِي تَوَجَّهَتْ بِهِ نَحْوَهُ المَطالِبُ. وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ التَّوَكُّلُ مَعَ إسْقاطِ الطَّلَبِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ إسْقاطِ الطَّلَبِ، وغَضُّ العَيْنِ عَنِ السَّبَبِ؛ اجْتِهادًا لِتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ، وقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ، وتَفَرُّغًا إلى حِفْظِ الواجِباتِ. قَوْلُهُ: مَعَ إسْقاطِ الطَّلَبِ. أيْ مِنَ الخَلْقِ لا مِنَ الحَقِّ. فَلا يَطْلُبُ مِن أحَدٍ شَيْئًا. وهَذا مِن أحْسَنِ الكَلامِ وأنْفَعِهِ لِلْمُرِيدِ. فَإنَّ الطَّلَبَ مِنَ الخَلْقِ في الأصْلِ مَحْظُورٌ، وغايَتُهُ: أنْ يُباحَ لِلضَّرُورَةِ، كَإباحَةِ المَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، ونَصَّ أحْمَدُ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ. وكَذَلِكَ كانَ شَيْخُنا يُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ الطَّلَبُ والسُّؤالُ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ في السُّؤالِ: هو ظُلْمٌ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وظُلْمٌ في حَقِّ الخَلْقِ، وظُلْمٌ في حَقِّ النَّفْسِ. أمّا في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ فَلِما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ لِغَيْرِ اللَّهِ، وإراقَةِ ماءِ الوَجْهِ لِغَيْرِ خالِقِهِ، والتَّعَوُّضِ عَنْ سُؤالِهِ بِسُؤالِ المَخْلُوقِينَ، والتَّعَرُّضِ لِمَقْتِهِ إذا سَألَ وعِنْدَهُ ما يَكْفِيهِ يَوْمَهُ. وَأمّا في حَقِّ النّاسِ فَبِمُنازَعَتِهِمْ ما في أيْدِيهِمْ بِالسُّؤالِ، واسْتِخْراجِهِ مِنهم. وأبْغَضُ ما إلَيْهِمْ مَن يَسْألُهم ما في أيْدِيهِمْ، وأحَبُّ ما إلَيْهِمْ مَن لا يَسْألُهم. فَإنَّ أمْوالَهم مَحْبُوباتُهُمْ، ومَن سَألَكَ مَحْبُوبَكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَقْتِكَ وبُغْضِكَ. وَأمّا ظُلْمُ السّائِلِ نَفْسَهُ فَحَيْثُ امْتَهَنَها، وأقامَها في مَقامِ ذُلِّ السُّؤالِ. ورَضِيَ لَها بِذُلِّ الطَّلَبِ مِمَّنْ هو مِثْلُهُ، أوْ لَعَلَّ السّائِلَ خَيْرٌ مِنهُ وأعْلى قَدْرًا. وتَرَكَ سُؤالَ مِن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فَقَدْ أقامَ السّائِلُ نَفْسَهُ مَقامَ الذُّلِّ، وأهانَها بِذَلِكَ. ورَضِيَ أنْ يَكُونَ شَحّاذًا مِن شَحّاذٍ مِثْلِهِ. فَإنَّ مَن تَشْحَذُهُ فَهو أيْضًا شَحّاذٌ مِثْلُكُ. واللَّهُ وحْدَهُ الغَنِيُّ الحَمِيدُ. فَسُؤالُ المَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ سُؤالُ الفَقِيرِ لِلْفَقِيرِ، والرَّبُّ تَعالى كُلَّما سَألْتَهُ كَرُمْتَ عَلَيْهِ، ورَضِيَ عَنْكَ، وأحَبَّكَ. والمَخْلُوقُ كُلَّما سَألْتَهُ هُنْتَ عَلَيْهِ وأبْغَضَكَ ومَقَتَكَ وقَلاكَ، كَما قِيلَ: ؎اللَّهُ يَغْضَبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ ∗∗∗ وبَنِيُّ آدَمَ حِينَ يُسْألُ يَغْضَبُ وَقَبِيحٌ بِالعَبْدِ المُرِيدِ: أنْ يَتَعَرَّضَ لِسُؤالِ العَبِيدِ. وهو يَجِدُ عِنْدَ مَوْلاهُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةً - أوْ ثَمانِيَةً، أوْ سَبْعَةً - فَقالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ وكُنّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ. فَقُلْنا: قَدْ بايَعْناكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَبَسَطْنا أيْدِيَنا وقُلْنا: قَدْ بايَعْناكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلامَ نُبايِعُكَ؟ فَقالَ: أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، والصَّلَواتِ الخَمْسِ - وأسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - ولا تَسْألُوا النّاسَ شَيْئًا. قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أحَدِهِمْ فَما يَسْألُ أحَدًا أنْ يُناوِلَهُ إيّاهُ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا تَزالُ المَسْألَةُ بِأحَدِكم حَتّى يَلْقى اللَّهَ ولَيْسَ في وجْهِهِ مِزْعَةُ لَحْمٍ». وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ - وهو عَلى المِنبَرِ، وذَكَرَ الصَّدَقَةَ والتَّعَفُّفَ عَنِ المَسْألَةِ - واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى. واليَدُ العُلْيا هي المُنْفِقَةُ، والسُّفْلى هي السّائِلَةُ». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن سَألَ النّاسَ تَكَثُّرًا فَإنَّما يَسْألُ جَمْرًا. فَلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ». وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المَسْألَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِها الرَّجُلُ وجْهَهُ، إلّا أنْ يَسْألَ الرَّجُلُ سُلْطانًا، أوْ في الأمْرِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَن أصابَتْهُ فاقَةٌ، فَأنْزَلَها بِالنّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاقَتُهُ. ومَن أنْزَلَها بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عاجِلٍ أوْ آجِلٍ». وَفِي السُّنَنِ والمُسْنَدِ عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَكَفَّلَ لِي أنْ لا يَسْألَ النّاسَ شَيْئًا، أتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ، فَقُلْتُ: أنا. فَكانَ لا يَسْألُ أحَدًا شَيْئًا». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ قَبِيصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إلّا لِأحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتّى يُصِيبَها ثُمَّ يُمْسِكَ. ورَجُلٌ أصابَتْهُ جائِحَةٌ اجْتاحَتْ مالَهُ. فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتّى يُصِيبَ قِوامًا مِن عَيْشٍ - أوْ قالَ: سَدادًا مِن عَيْشٍ - ورَجُلُ أصابَتْهُ فاقَةٌ حَتّى يَقُولَ ثَلاثَةٌ مِن ذَوِي الحِجى مِن قَوْمِهِ: لَقَدْ أصابَتْ فَلانًا فاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتّى يُصِيبَ قِوامًا مِن عَيْشٍ - أوْ قالَ: سِدادًا مِن عَيْشٍ - فَما سِواهُنَّ مِنَ المَسْألَةِ يا قَبِيصَةُ فَسُحْتٌ يَأْكُلُها صاحِبُها سُحْتًا». فالتَّوَكُّلُ مَعَ إسْقاطِ هَذا الطَّلَبِ والسُّؤالِ هو مَحْضُ العُبُودِيَّةِ. قَوْلُهُ: " وغَضِّ العَيْنِ عَنِ التَّسَبُّبِ، اجْتِهادًا في تَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ ". مَعْناهُ: أنَّهُ يُعْرِضُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالسَّبَبِ، لِتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ بِامْتِحانِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ المُتَعاطِيَ لِلسَّبَبِ قَدْ يَظُنُّ أنَّهُ حَصَّلَ التَّوَكُّلَ. ولَمْ يُحَصِّلْهُ لِثِقَتِهِ بِمَعْلُومِهِ، فَإذا أعْرَضَ عَنِ السَّبَبِ صَحَّ لَهُ التَّوَكُّلُ. وَهَذا الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مَذْهَبُ قَوْمٍ مِنَ العُبّادِ والسّالِكِينَ. وكَثِيرٌ مِنهم كانَ يَدْخُلُ البادِيَةَ بِلا زادٍ. ويَرى حَمْلَ الزّادِ قَدْحًا في التَّوَكُّلِ. ولَهم في ذَلِكَ حِكاياتٌ مَشْهُورَةٌ، وهَؤُلاءِ في خِفارَةِ صِدْقِهِمْ، وإلّا فَدَرَجَتُهم ناقِصَةٌ عَنِ العارِفِينَ. ومَعَ هَذا فَلا يُمْكِنُ بَشَرًا ألْبَتَّةَ تَرَكُ الأسْبابِ جُمْلَةً. فَهَذا إبْراهِيمُ الخَوّاصُ كانَ مُجَرَّدًا في التَّوَكُّلِ يُدَقِّقُ فِيهِ. ويَدْخُلُ البادِيَةَ بِغَيْرِ زادٍ. وكانَ لا تُفارِقُهُ الإبْرَةُ والخَيْطُ والرَّكْوَةُ والمِقْراضُ. فَقِيلَ لَهُ: لِمْ تَحْمِلُ هَذا وأنْتَ تَمْنَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؟ فَقالَ: مِثْلُ هَذا لا يُنْقِصُ مِنَ التَّوَكُّلِ لِأنَّ لِلَّهِ عَلَيْنا فَرائِضَ. والفَقِيرُ لا يَكُونُ عَلَيْهِ إلّا ثَوْبٌ واحِدٌ، فَرُبَّما تَخَرَّقَ ثَوْبُهُ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إبْرَةٌ وخُيُوطٌ تَبْدُو عَوْرَتُهُ، فَتَفْسُدُ عَلَيْهِ صَلاتُهُ. وإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَكْوَةٌ فَسَدَتْ عَلَيْهِ طَهارَتُهُ. وإذا رَأيْتَ الفَقِيرَ بِلا رَكْوَةٍ ولا إبْرَةٍ ولا خُيُوطٍ فاتَّهِمْهُ في صَلاتِهِ. أفَلا تَراهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ دِينُهُ إلّا بِالأسْبابِ؟ أوَلَيِسَتْ حَرَكَةُ أقْدامِهِ ونَقْلُها في الطَّرِيقِ والِاسْتِدْلالُ عَلى أعْلامِها - إذا خَفِيَتْ عَلَيْهِ - مِنَ الأسْبابِ؟ فالتَّجَرُّدُ مِنَ الأسْبابِ جُمْلَةً مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وشَرْعًا وحِسًّا. نَعَمْ، قَدْ تَعْرِضُ لِلصّادِقِ أحْيانًا قُوَّةُ ثِقَةٍ بِاللَّهِ. وحالٌ مَعَ اللَّهِ تَحْمِلُهُ عَلى تَرْكِ كُلِّ سَبَبٍ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ. كَما تَحْمِلُهُ عَلى إلْقاءِ نَفْسِهِ في مَواضِعَ الهِلْكَةِ. ويَكُونُ ذَلِكَ الوَقْتُ بِاللَّهِ لا بِهِ. فَيَأْتِيهِ مَدَدٌ مِنَ اللَّهِ عَلى مُقْتَضى حالِهِ. ولَكِنْ لا تَدُومُ لَهُ هَذِهِ الحالُ. ولَيْسَتْ في مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ. فَإنَّها كانَتْ هَجْمَةٌ هَجَمَتْ عَلَيْهِ بِلا اسْتِدْعاءٍ فَحَمَلَ عَلَيْها. فَإذا اسْتَدْعى مِثْلَها وتَكَلَّفَها لَمْ يُجَبْ إلى ذَلِكَ. وفي تِلْكَ الحالِ إذا تَرَكَ السَّبَبَ يَكُونُ مَعْذُورًا لِقُوَّةِ الوارِدِ، وعَجْزِهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالسَّبَبِ. فَيَكُونُ في وارِدِهِ عَوْنٌ لَهُ. ويَكُونُ حامِلًا لَهُ. فَإذا تَعاطى تِلْكَ الحالَ بِدُونِ ذَلِكَ الوارِدِ وقَعَ في الحالِ. وَكُلُّ تِلْكَ الحِكاياتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُحْكى عَنِ القَوْمِ فَهي جُزْئِيَّةٌ حَصَلَتْ لَهم أحْيانًا، لَيْسَتْ طَرِيقًا مَأْمُورًا بِسُلُوكِها، ولا مَقْدُورَةً، وصارَتْ فِتْنَةً لِطائِفَتَيْنِ. طائِفَةٌ ظَنَّتْها طَرِيقًا ومَقامًا، فَعَمِلُوا عَلَيْها. فَمِنهم مَنِ انْقَطَعَ، ومِنهم مَن رَجَعَ، ولَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِمْرارُ عَلَيْها، بَلِ انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ. وَطائِفَةٌ قَدَحُوا في أرْبابِها، وجَعَلُوهم مُخالِفِينَ لِلشَّرْعِ والعَقْلِ. مُدَّعِينَ لِأنْفُسِهِمْ حالًا أكْمَلَ مِن حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أحَدٌ قَطُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ. ولا أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ. وقَدْ «ظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ». ولَمْ يَحْضُرِ الصَّفَّ قَطُّ عُرْيانًا. كَما يَفْعَلُهُ مَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ ولا مَعْرِفَةَ. واسْتَأْجَرَ دَلِيلًا مُشْرِكًا عَلى دِينِ قَوْمِهِ، يَدُلُّهُ عَلى طَرِيقِ الهِجْرَةِ. وقَدْ هَدى اللَّهُ بِهِ العالَمِينَ، وعَصَمَهُ مِنَ النّاسِ أجْمَعِينَ، «وَكانَ يَدَّخِرُ لِأهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ» وهو سَيِّدُ المُتَوَكِّلِينَ. وكانَ إذا سافَرَ في جِهادٍ أوْ حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ حَمَلَ الزّادَ والمَزادَ وجَمِيعَ أصْحابِهِ، وهم أُولُو التَّوَكُّلِ حَقًّا. وَأكْمَلُ المُتَوَكِّلِينَ بَعْدَهم هو مَنِ اشْتَمَّ رائِحَةَ تَوَكُّلِهِمْ مِن مَسِيرَةٍ بَعِيدَةٍ، أوْ لَحِقَ أثَرًا مِن غُبارِهِمْ. فَحالُ النَّبِيِّ ﷺ وحالُ أصْحابِهِ مَحَكُّ الأحْوالِ ومِيزانُها. بِها يُعْلَمُ صَحِيحُها مِن سَقِيمِها. فَإنَّ هِمَمَهم كانَتْ في التَّوَكُّلِ أعْلى مِن هِمَمِ مَن بَعْدَهم. فَإنَّ تَوَكُّلَهم كانَ في فَتْحِ بَصائِرِ القُلُوبِ. وأنْ يُعْبَدَ اللَّهُ في جَمِيعِ البِلادِ، وأنْ يُوَحِّدَهُ جَمِيعُ العِبادِ، وأنْ تُشْرِقَ شُمُوسُ الدِّينِ الحَقِّ عَلى قُلُوبِ العِبادِ، فَمَلَئُوا بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ القُلُوبَ هُدًى وإيمانًا. وفَتَحُوا بِلادَ الكُفْرِ وجَعَلُوها دارَ إيمانٍ. وهَبَّتْ رِياحُ رَوْحِ نَسَماتِ التَّوَكُّلِ عَلى قُلُوبِ أتْباعِهِمْ فَمَلَأتْها يَقِينًا وإيمانًا. فَكانَتْ هِمَمُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَصْرِفَ أحَدُهم قُوَّةَ تَوَكُّلِهِ واعْتِمادِهِ عَلى اللَّهِ في شَيْءٍ يَحْصُلُ بِأدْنى حِيلَةٍ وسَعْيٍ، فَيَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، ويَحْمِلُ عَلَيْهِ قُوى تَوَكُّلِهِ. قَوْلُهُ: وقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ. يُرِيدُ أنَّ المُتَسَبِّبَ قَدْ يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بِالوِلاياتِ الشَّرِيفَةِ في العِبادَةِ، أوِ التِّجاراتِ الرَّفِيعَةِ، والأسْبابِ الَّتِي لَهُ بِها جاهٌ وشَرَفٌ في النّاسِ. فَإذا تَرَكَها يَكُونُ تَرْكُها قَمْعًا لِشَرَفِ نَفْسِهِ، وإيثارًا لِلتَّواضُعِ. وَقَوْلُهُ: وتَفَرُّغًا لِحِفْظِ الواجِباتِ؛ أيْ يَتَفَرَّغُ بِتَرْكِها لِحِفْظِ واجِباتِها الَّتِي تُزاحِمُها تِلْكَ الأسْبابُ. واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ التَّوَكُّلُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّوَكُّلِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّوَكُّلِ، النّازِعَةِ إلى الخَلاصِ مِن عِلَّةِ التَّوَكُّلِ. وهي أنْ يَعْلَمَ أنَّ مِلْكَةَ الحَقِّ تَعالى لِلْأشْياءِ هي مِلْكَةُ عَزَّةٍ. لا يُشارِكُهُ فِيها مُشارِكٌ. فَيَكِلُ شَرِكَتَهُ إلَيْهِ. فَإنَّ مِن ضَرُورَةِ العُبُودِيَّةِ: أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ هو مالِكُ الأشْياءِ وحْدَهُ. يُرِيدُ أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مَتى قَطَعَ الأسْبابَ والطَّلَبَ، وتَعَدّى تَيْنِكَ الدَّرَجَتَيْنِ، فَتَوَكُّلُهُ فَوْقَ تَوَكُّلِ مَن قَبْلَهُ. وهو إنَّما يَكُونُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِحَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ، وأنَّهُ دُونَ مَقامِهِ، فَتَكُونُ مَعْرِفَتُهُ بِهِ وبِحَقِيقَتِهِ نازِعَةً - أيْ باعِثَةً وداعِيَةً - إلى تَخَلُّصِهِ مِن عِلَّةِ التَّوَكُّلِ، أيْ لا يَعْرِفُ عِلَّةَ التَّوَكُّلِ حَتّى يَعْرِفَ حَقِيقَتَهُ. فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُ التَّوَكُّلَ المَعْرِفَةَ الَّتِي تَدْعُوهُ إلى التَّخَلُّصِ مِن عِلَّتِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ المَعْرِفَةَ الَّتِي يَعْلَمُ بِها عِلَّةَ التَّوَكُّلِ. فَقالَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ مِلْكَةَ الحَقِّ لِلْأشْياءِ مَلِكَةُ عَزَّةٍ؛ أيْ مِلْكَةُ امْتِناعٍ وقُوَّةٍ وقَهْرٍ، تَمْنَعُ أنْ يُشارِكَهُ في مُلْكِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مُشارِكٌ. فَهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، الَّذِي لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ في ذَرَّةٍ مِنهُ. كَما هو المُنْفَرِدُ بِعِزَّتِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها مُشارِكٌ. فالمُتَوَكِّلُ يَرى أنَّ لَهُ شَيْئًا قَدْ وكَّلَ الحَقَّ فِيهِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ صارَ وكَيْلَهُ عَلَيْهِ. وهَذا مُخالِفٌ لِحَقِيقَةِ الأمْرِ؛ إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأمْرِ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ. فَلِهَذا قالَ: لا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ. فَيَكِلُ شَرِكَتَهُ إلَيْهِ. فَلِسانُ الحالِ يَقُولُ لِمَن جَعَلَ الرَّبَّ تَعالى وكِيلَهُ: في ماذا وكَّلْتُ رَبَّكَ؟ أفِيما هو لَهُ وحْدَهُ؟ أوْ لَكَ وحْدَكَ؟ أوْ بَيْنَكُما؟ فالثّانِي والثّالِثُ مُمْتَنِعٌ بِتَفَرُّدِهِ بِالمُلْكِ وحْدَهُ. والتَّوْكِيلُ في الأوَّلِ مُمْتَنِعٌ، فَكَيْفَ تُوَكِّلُهُ فِيما لَيْسَ لَكَ مِنهُ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ؟ فَيُقالُ: هاهُنا أمْرانِ: تَوَكُّلٌ، وتَوْكِيلٌ. فالتَّوَكُّلُ: مَحْضُ الِاعْتِمادِ والثِّقَةِ والسُّكُونِ إلى مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. وعِلْمُ العَبْدُ بِتَفَرُّدِ الحَقِّ تَعالى وحْدَهُ بِمِلْكِ الأشْياءِ كُلِّها، وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُشارِكٌ في ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الكَوْنِ: مِن أقْوى أسْبابِ تَوَكُّلِهِ، وأعْظَمِ دَواعِيهِ. فَإذا تَحَقَّقَ ذَلِكَ عِلْمًا ومَعْرِفَةً. وباشَرَ قَلْبَهُ حالًا: لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ اعْتِمادِ قَلْبِهِ عَلى الحَقِّ وحْدَهُ، وثِقَتِهِ بِهِ، وسُكُونِهِ إلَيْهِ وحْدَهُ، وطُمَأْنِينَتِهِ بِهِ وحْدَهُ، لِعِلْمِهِ أنَّ حاجاتِهِ وفاقاتِهِ وضَرُوراتِهِ، وجَمِيعَ مَصالِحِهِ كُلِّها: بِيَدِهِ وحْدَهُ. لا بِيَدِ غَيْرِهِ. فَأيْنَ يَجِدُ قَلْبَهُ مَناصًا مِنَ التَّوَكُّلِ بَعْدَ هَذا؟ فَعِلَّةُ التَّوَكُّلِ حِينَئِدٍ: التِفاتُ قَلْبِهِ إلى مَن لَيْسَ لَهُ شِرْكَةً في مُلْكِ الحَقِّ. ولا يَمْلِكُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. هَذِهِ عِلَّةُ تَوَكُّلِهِ. فَهو يَعْمَلُ عَلى تَخْلِيصِ تَوَكُّلِهِ مِن هَذِهِ العِلَّةِ. نَعَمْ، ومِن عِلَّةٍ أُخْرى. وهي رُؤْيَةُ تَوَكُّلِهِ. فَإنَّهُ التِفاتٌ إلى عَوالِمِ نَفْسِهِ. وَعِلَّةٌ ثالِثَةٌ: وهي صَرْفُهُ قُوَّةَ تَوَكُّلِهِ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ أحَبِّ إلى اللَّهِ مِنهُ. فَهَذِهِ العِلَلُ الثَّلاثُ: هي عِلَلُ التَّوْكِيلِ. وَأمّا التَّوَكُّلُ: فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدَ التَّفْوِيضِ. وهو مِن أخَصِّ مَقاماتِ العارِفِينَ. كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْلَمْتُ نَفَسِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ»، وقالَ تَعالى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] فَكانَ جَزاءُ هَذا التَّفْوِيضِ قَوْلَهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥]، فَإنْ كانَ التَّوَكُّلُ مَعْلُولًا بِما ذَكَرَهُ، فالتَّفْوِيضُ أيْضًا كَذَلِكَ. ولَيْسَ فَلَيْسَ. وَلَوْلا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وأنَّ كُلَّ ما عَدا اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَمَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ ومَتْرُوكٌ، وهو عُرْضَةُ الوَهْمِ والخَطَإ، لَما اعْتَرَضْنا عَلى مَن لا نَلْحَقُ غُبارَهُمْ، ولا نَجْرِي مَعَهم في مِضْمارِهِمْ، ونَراهم فَوْقَنا في مَقاماتِ الإيمانِ، ومَنازِلِ السّائِرِينَ، كالنُّجُومِ الدَّرارِيِّ. ومَن كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُرْشِدْنا إلَيْهِ. ومَن رَأى في كَلامِنا زَيْغًا، أوْ نَقْصًا وخَطَأً، فَلْيَهْدِ إلَيْنا الصَّوابَ. نَشْكُرُ لَهُ سَعْيَهُ. ونُقابِلُهُ بِالقَبُولِ والإذْعانِ والِانْقِيادِ والتَّسْلِيمِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وهو المُوَفِّقُ.

المائدة 5:31

(فصل) ثمَّ تَأمل حِكْمَة عَجِيبَة جعلت للبهائم والوحوش والسِّباع والدَّواب على كثرتها لا يرى مِنها شَيْء ولَيْسَ شَيْئا قَلِيلا فتخفى لقلتها بل قد قيل إنها أكثر من النّاس، واعْتبر ذَلِك بِما تراهُ في الصحاري من أسراب الظباء والبَقر والوعول والذئاب والنُّمُور وضروب الهَوام على اختلافها وسائِر دَواب الأرض وأنواع الطُّيُور الَّتِي هي أضعاف أضعاف بني آدم لا تكاد ترى مِنها شَيْئا مَيتا لا في كناسَة ولا في أوكاره ولا في مساقطه ولا في مراعيه بِطرقِهِ وموارده ومناهله ومعاقله ومعاصمه إلا ما عدا عَلَيْهِ عاد، إمّا افترسه سبع أوْ رَماه صائد أوْ عدا عَلَيْهِ عاد أشغله وأشغل بني جنسه عَن إحراز جِسْمه وإخفاء جيفته، فَدلَّ ذَلِك على أنها إذا احست بِالمَوْتِ ولم تغلب على أنفسها كمنت حَيْثُ لا يُوصل إلى أجسامها وقبرت جيفها قبل نزُول البَين بها، ولَوْلا ذَلِك لامتلأت الصحاري بجيفها وأفسدت الهَواء بروائحها، فَعاد ضَرَر ذَلِك بِالنّاسِ وكانَ سَبِيلا إلى وُقُوع الوباء، وقد دلّ على هَذا قوله تَعالى في قصَّة ابْني آدم ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ وَأما ما جعل عيشه بَين النّاس كالأنعام والدَّواب فلقدرة الإنسان على نَقله واحتياله في دفع أذيته منع مِمّا جعل في الوحوش كالسباع فَتَأمل هَذا الَّذِي حار بَنو آدم فِيهِ وفِيما يَفْعَلُونَ بِهِ كَيفَ جعل طبعا في البَهائِم، وكَيف تعلموه من الطير. وَتَأمل الحِكْمَة في إرسال الله تَعالى لِابْنِ آدم الغُراب المُؤَذّن اسْمه بغربة القاتِل من أخيه وغربته هو من رَحْمَة الله تَعالى وغربته من أبيه وأهله واستيحاشه مِنهُم واستيحاشهم مِنهُ. وَهُوَ من الطُّيُور الَّتِي تنفر مِنها الإنس ومن نعيقها وتستوحش بها، فَأرْسل إليه مثل هَذا الطّائِر حَتّى صار كالمُعلِّم لَهُ والأستاذ وصارَ بِمَنزِلَة المتعلم والمستند، ولا تنكر حكمة هَذا الباب وارتباط المسميات فِيهِ بأسمائها فقد قالَ النَّبِي ﷺ "إذا بعثتم إلي بريدا فابعثوه حسن الِاسْم حسن الوَجْه" وَكانَ يسْأل عَن اسْم الأرض إذا نزلها واسم الرَّسُول إذا جاءَ إليه، ولما جاءَهُم سُهَيْل ابْن عَمْرو يَوْم الحُدَيْبِيَة قالَ قد سهل أمركم، ولما أراد تَغْيِير اسْم حزن بسهل قالَ لم يزل معنى اسْمه فِيهِ وفي ذريته. وَلما سَألَ عمر بن الخطاب الرجل عَن اسْمه واسم أبيه وداره ومنزله فأخبره أنه جَمْرَة بن شهاب وأن داره بالحرقة وأن مَسْكَنه مِنها ذات لظى. قالَ لَهُ ادَّرَكَ بَيْتك فقد احْتَرَقَ فَكانَ كَما قالَ. وشواهد هَذا الباب أكثر من أن نذْكر هاها هُنا وهَذا باب لطيف المنزع شَدِيد المُناسبَة بَين الأسماء والمسببات وكَثِيرًا ما أولع النّاس قَدِيما وحديثا بنعيق الغُراب واستدلالهم بِهِ على البَين والاغتراب وينسبونه إلى الشؤم وينفرون مِنهُ وينفر مِنهُم فَكانَ جَدِيرًا أن يُرْسل هَذا الطّائِر إلى القاتِل من ابْني آدم دون غَيره من الطُّيُور فَكَأنَّهُ صُورَة طائِره الَّذِي ألزمهُ في عُنُقه وطار عنه من عمله، ولا تظن أن إرسال الغُراب وقع اتِّفاقًا خالِيا من الحِكْمَة فَإنّك إذا خَفِي عَلَيْك وجه الحِكْمَة فَلا تنكرها، واعْلَم أن خفاءها من لطفها وشرفها، وللَّه تَعالى فِيما يخفي وجه الحِكْمَة فِيهِ على البشر الحكم الباهرة المتضمنة للغايات المحمودة.

المائدة 5:32

(فصل) النوع السادس ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من أجل كقوله: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ وقد ظنت طائفة أن قوله ﴿من أجل ذلك﴾ تعليل لقوله ﴿فأصبح من النادمين﴾ أي من أجل قتله لأخيه وهذا ليس بشيء لأنه يشوش صحة النظم وتقل الفائدة بذكره ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظيم شأن القتل حين جعل علة لهذا الكتابة فتأمله. فإن قلت كيف يكون قتل أحد بني آدم للآخر علة لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم. قلت الرب سبحانه يجعل أقضيته وأقداره عللا وأسبابا لشرعة وأمره فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري وذلك أن القتل عنده لما كان من أعلى أنواع الظلم والفساد فخم أمره وعظم شأنه وجعل إثمه أعظم من إثم غيره ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه فإذا كان قاتل الأنفس كلها يصلى النار وقاتل النفس الواحدة يصلاها صح تشبيهه به كما يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير وإن اختلف مقدار الإثم وكذلك من زنى مرة واحدة وآخر زنى مرارا كثيرة كلاهما آثم وإن اختلف قدر الإثم وهذا معنى قول مجاهد: "من قتل نفسا واحدة يصلى النار بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعا. وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه وإن شئت قلت التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها فإنه لا يختلف بقلة القتل وكثرته كما لو شرب قطرة فإن حده حد من شرب راوية ومن زنى بامرأة واحدة حده حد من زنى بألف وهذا تأويل الحسن وابن زيد قالا: "يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا" ولك أن تجعل التشبيه في الأذى والغم الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم فقد جعلهم كلهم خصماءه وأوصل إليهم من الأذى والغم ما يشبه القتل وهذا تأويل ابن الأنباري وفي الآية تأويلات أخر. [فَصْلٌ جَرِيمَةُ القَتْلِ] وَلَمّا كانَتْ مَفْسَدَةُ القَتْلِ هَذِهِ المَفْسَدَةَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. وَقَدْ أشْكَلَ فَهْمُ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وقالَ: مَعْلُومٌ أنَّ إثْمَ قاتِلِ مِائَةٍ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِن إثْمِ قاتِلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وإنَّما أتَوْهُ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ التَّشْبِيهَ في مِقْدارِ الإثْمِ والعُقُوبَةِ، واللَّفْظُ لَمْ يَدُلَّ عَلى هَذا، ولا يَلْزَمُ مِن تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ أخْذُهُ بِجَمِيعِ أحْكامِهِ. وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وَذَلِكَ لا يُوجِبُ أنَّ لُبْثَهم في الدُّنْيا إنَّما كانَ هَذا المِقْدارَ. وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن صَلّى العِشاءَ في جَماعَةٍ فَكَأنَّما قامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، ومَن صَلّى الفَجْرَ في جَماعَةٍ فَكَأنَّما قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ»، أيْ: مَعَ العِشاءِ كَما جاءَ في لَفْظٍ آخَرَ، وأصْرَحُ مِن هَذا قَوْلُهُ: «مَن صامَ رَمَضانَ وأتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ فَكَأنَّما صامَ الدَّهْرَ»، وقَوْلُهُ ﷺ: «مَن قَرَأ " ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ " فَكَأنَّما قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ»، ومَعْلُومٌ أنَّ ثَوابَ فاعِلِ هَذِهِ الأشْياءَ لَمْ يَبْلُغْ ثَوابَ المُشَبَّهِ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْرُهُما سَواءً، ولَوْ كانَ قَدْرُ الثَّوابِ سَواءً لَمْ يَكُنْ لِمُصَلِّي العِشاءِ والفَجْرِ جَماعَةً في قِيامِ اللَّيْلِ مَنفَعَةٌ غَيْرُ التَّعَبِ والنَّصَبِ، وما أُوتِيَ أحَدٌ - بَعْدَ الإيمانِ - أفْضَلَ مِنَ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ﷺ. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. فَإنْ قِيلَ: فَفي أيِّ شَيْءٍ وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ قاتِلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وقاتِلِ النّاسِ جَمِيعًا؟ قِيلَ: في وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: أحَدُها: أنَّ كُلًّا مِنهُما عاصٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ مُخالِفٌ لِأمْرِهِ مُتَعَرِّضٌ لِعُقُوبَتِهِ، وكُلٌّ مِنهُما قَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ولَعْنَتِهِ، واسْتِحْقاقِ الخُلُودِ في نارِ جَهَنَّمَ، وإعْدادِهِ عَذابًا عَظِيمًا، وإنَّما التَّفاوُتُ في دَرَجاتِ العَذابِ، فَلَيْسَ إثْمُ مَن قَتَلَ نَبِيًّا أوْ إمامًا عادِلًا أوْ عالِمًا يَأْمُرُ النّاسَ بِالقِسْطِ، كَإثْمِ مَن قَتَلَ مَن لا مَزِيَّةَ لَهُ مِن آحادِ النّاسِ. الثّانِي: أنَّهُما سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ إزْهاقِ النَّفْسِ. الثّالِثُ: أنَّهُما سَواءٌ في الجَراءَةِ عَلى سَفْكِ الدَّمِ الحَرامِ، فَإنَّ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الفَسادِ في الأرْضِ، أوْ لِأخْذِ مالِهِ: فَإنَّهُ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ كُلِّ مَن ظَفَرَ بِهِ وأمْكَنَهُ قَتْلُهُ، فَهو مُعادٍ لِلنَّوْعِ الإنْسانِيِّ. وَمِنها: أنَّهُ يُسَمّى قاتِلًا أوْ فاسِقًا أوْ ظالِمًا أوْ عاصِيًا بِقَتْلِهِ واحِدًا، كَما يُسَمّى كَذَلِكَ بِقَتْلِهِ النّاسَ جَمِيعًا. وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَواصُلِهِمْ كالجَسَدِ الواحِدِ، إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالحُمّى والسَّهَرِ، فَإذا أتْلَفَ القاتِلُ مِن هَذا الجَسَدِ عُضْوًا، فَكَأنَّما أتْلَفَ سائِرَ الجَسَدِ، وآلَمَ جَمِيعَ أعْضائِهِ، فَمَن آذى مُؤْمِنًا واحِدًا فَكَأنَّما آذى جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، وفي أذى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أذى جَمِيعِ النّاسِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يُدافِعُ عَنِ النّاسِ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ، فَإيذاءُ الخَفِيرِ إيذاءُ المَخْفُورِ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ، إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ». وَلَمْ يَجِئْ هَذا الوَعِيدُ في أوَّلِ زانٍ ولا أوَّلِ سارِقٍ ولا أوَّلِ شارِبِ مُسْكِرٍ، وإنْ كانَ أوَّلُ المُشْرِكِينَ قَدْ يَكُونُ أوْلى بِذَلِكَ مِن أوَّلِ قاتِلٍ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ الشِّرْكَ؛ ولِهَذا رَأى النَّبِيُّ ﷺ عَمْرَو بْنَ لَحْيٍ الخُزاعِيَّ يُعَذَّبُ أعْظَمَ العَذابِ في النّارِ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]. أيْ فَيَقْتَدِي بِكم مَن بَعْدَكُمْ، فَيَكُونُ إثْمُ كَفْرِهِ عَلَيْكُمْ، وكَذَلِكَ حُكْمُ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فاتُّبِعَ عَلَيْها. وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَجِيءُ المَقْتُولُ يَوْمَ القِيامَةِ، ناصِيَتُهُ ورَأْسُهُ بِيَدِهِ، وأوْداجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، يَقُولُ: يا رَبِّ سَلْ هَذا فِيمَ قَتَلَنِي؟» فَذَكَرُوا لِابْنِ عَبّاسٍ التَّوْبَةَ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ٩٣]. ثُمَّ قالَ: ما نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولا بُدِّلَتْ، وأنّى لَهُ التَّوْبَةُ؟ قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِيهِ أيْضًا عَنْ نافِعٍ قالَ: نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَوْمًا إلى الكَعْبَةِ، فَقالَ: ما أعْظَمَكِ وأعْظَمَ حُرْمَتَكِ، والمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ حُرْمَةً مِنكِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: أوَّلُ ما يُنْتِنُ مِنَ الإنْسانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ لا يَأْكُلَ إلّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، ومَنِ اسْتَطاعَ أنْ لا يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِن دَمٍ أهْراقَهُ فَلْيَفْعَلْ. وَفِي صَحِيحِهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَزالُ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرامًا». وَذَكَرَ البُخارِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مِن ورَطاتِ الأُمُورِ الَّتِي لا مَخْرَجَ لِمَن أوْقَعَ نَفْسَهُ فِيها: سَفْكُ الدَّمِ الحَرامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «سِبابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ». وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ ﷺ «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ: «مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يُرَحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا». هَذِهِ عُقُوبَةُ قاتِلِ عَدُوِّ اللَّهِ إذا كانَ في عَهْدِهِ وأمانِهِ، فَكَيْفَ عُقُوبَةُ قاتِلِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ؟ وإذا كانَتِ امْرَأةٌ قَدْ دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حَتّى ماتَتْ جُوعًا وعَطَشًا، فَرَآها النَّبِيُّ ﷺ في النّارِ والهِرَّةُ تَخْدِشُها في وجْهِها وصَدْرِها، فَكَيْفَ عُقُوبَةُ مَن حَبَسَ مُؤْمِنًا حَتّى ماتَ بِغَيْرِ جُرْمٍ؟ وفي بَعْضِ السُّنَنِ عَنْهُ ﷺ: «لَزَوالُ الدُّنْيا أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ».

المائدة 5:33

جعل الله عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق: أن تقطع أطرافه، وتقطع عليه الطرق كلها بالنفي من الأرض، فلا يسير فيها إلا خائفًا. [فَصْلٌ: تَوْبَةُ المُحارِبِ] وَأمّا اعْتِبارُ تَوْبَةِ المُحارِبِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيُقالُ: أيْنَ في نُصُوصِ الشّارِعِ هَذا التَّفْرِيقُ؟ بَلْ نَصَّهُ عَلى اعْتِبارِ تَوْبَةِ المُحارِبِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ إمّا مِن بابِ التَّنْبِيهِ عَلى اعْتِبارِ تَوْبَةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ فَإنَّهُ إذا دَفَعَتْ تَوْبَتُهُ عَنْهُ حَدَّ حِرابِهِ مَعَ شِدَّةِ ضَرَرِها وتَعَدِّيهِ فَلَأنْ تَدْفَعَ التَّوْبَةَ ما دُونَ حَدِّ الحِرابِ بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «التّائِبُ مِن الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» واللَّهُ تَعالى جَعَلَ الحُدُودَ عُقُوبَةً لِأرْبابِ الجَرائِمِ، ورَفَعَ العُقُوبَةَ عَنْ التّائِبِ شَرْعًا وقَدَرًا؛ فَلَيْسَ في شَرْعِ اللَّهِ ولا قَدَرِهِ عُقُوبَةُ تائِبٍ ألْبَتَّةَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْت حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، قالَ: ولَمْ يَسْألْهُ عَنْهُ، فَحَضَرَتْ الصَّلاةُ فَصَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ قامَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فَأعادَ قَوْلَهُ، قالَ: ألَيْسَ قَدْ صَلَّيْت مَعَنا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَك» فَهَذا لَمّا جاءَ تائِبًا بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ولَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الحَدَّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ، وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وهو الصَّوابُ. فَإنْ قِيلَ: فَماعِزٌ جاءَ تائِبًا والغامِدِيَّةُ جاءَتْ تائِبَةً، وأقامَ عَلَيْهِما الحَدَّ. قِيلَ: لا رَيْبَ أنَّهُما جاءا تائِبَيْنِ، ولا رَيْبَ أنَّ الحَدَّ أُقِيمَ عَلَيْهِما، وبِهِما احْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الآخَرِ، وسَألْت شَيْخَنا عَنْ ذَلِكَ؛ فَأجابَ بِما مَضْمُونُهُ بِأنَّ الحَدَّ مُطَهِّرٌ، وأنَّ التَّوْبَةَ مُطَهِّرَةٌ، وهُما اخْتارا التَّطْهِيرَ بِالحَدِّ عَلى التَّطْهِيرِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، وأبَيا إلّا أنْ يُطَهَّرا بِالحَدِّ، فَأجابَهُما النَّبِيُّ ﷺ إلى ذَلِكَ وأرْشَدَ إلى اخْتِيارِ التَّطْهِيرِ بِالتَّوْبَةِ عَلى التَّطْهِيرِ بِالحَدِّ، «فَقالَ في حَقِّ ماعِزٍ: هَلّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ولَوْ تَعَيَّنَ الحَدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ لَما جازَ تَرْكُهُ، بَلْ الإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَتْرُكَهُ كَما قالَ لِصاحِبِ الحَدِّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ: «اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك» وبَيْنَ أنْ يُقِيمَ كَما أقامَهُ عَلى ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ لَمّا اخْتارا إقامَتَهُ وأبَيا إلّا التَّطْهِيرَ بِهِ، ولِذَلِكَ رَدَّهُما النَّبِيُّ ﷺ مِرارًا وهُما يَأْبَيانِ إلّا إقامَتَهُ عَلَيْهِما، وهَذا المَسْلَكُ وسَطُ مَسْلَكِ مَن يَقُولُ: لا تَجُوزُ إقامَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ألْبَتَّةَ، وبَيْنَ مَسْلَكِ مَن يَقُولُ: لا أثَرَ لِلتَّوْبَةِ في إسْقاطِهِ ألْبَتَّةَ، وإذا تَأمَّلْت السُّنَّةَ رَأيْتها لا تَدُلُّ إلّا عَلى هَذا القَوْلِ الوَسَطِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المائدة 5:34

جعل الله عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق: أن تقطع أطرافه، وتقطع عليه الطرق كلها بالنفي من الأرض، فلا يسير فيها إلا خائفًا. [فَصْلٌ: تَوْبَةُ المُحارِبِ] وَأمّا اعْتِبارُ تَوْبَةِ المُحارِبِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيُقالُ: أيْنَ في نُصُوصِ الشّارِعِ هَذا التَّفْرِيقُ؟ بَلْ نَصَّهُ عَلى اعْتِبارِ تَوْبَةِ المُحارِبِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ إمّا مِن بابِ التَّنْبِيهِ عَلى اعْتِبارِ تَوْبَةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ فَإنَّهُ إذا دَفَعَتْ تَوْبَتُهُ عَنْهُ حَدَّ حِرابِهِ مَعَ شِدَّةِ ضَرَرِها وتَعَدِّيهِ فَلَأنْ تَدْفَعَ التَّوْبَةَ ما دُونَ حَدِّ الحِرابِ بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «التّائِبُ مِن الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» واللَّهُ تَعالى جَعَلَ الحُدُودَ عُقُوبَةً لِأرْبابِ الجَرائِمِ، ورَفَعَ العُقُوبَةَ عَنْ التّائِبِ شَرْعًا وقَدَرًا؛ فَلَيْسَ في شَرْعِ اللَّهِ ولا قَدَرِهِ عُقُوبَةُ تائِبٍ ألْبَتَّةَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْت حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، قالَ: ولَمْ يَسْألْهُ عَنْهُ، فَحَضَرَتْ الصَّلاةُ فَصَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ قامَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فَأعادَ قَوْلَهُ، قالَ: ألَيْسَ قَدْ صَلَّيْت مَعَنا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَك» فَهَذا لَمّا جاءَ تائِبًا بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ولَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الحَدَّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ، وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وهو الصَّوابُ. فَإنْ قِيلَ: فَماعِزٌ جاءَ تائِبًا والغامِدِيَّةُ جاءَتْ تائِبَةً، وأقامَ عَلَيْهِما الحَدَّ. قِيلَ: لا رَيْبَ أنَّهُما جاءا تائِبَيْنِ، ولا رَيْبَ أنَّ الحَدَّ أُقِيمَ عَلَيْهِما، وبِهِما احْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الآخَرِ، وسَألْت شَيْخَنا عَنْ ذَلِكَ؛ فَأجابَ بِما مَضْمُونُهُ بِأنَّ الحَدَّ مُطَهِّرٌ، وأنَّ التَّوْبَةَ مُطَهِّرَةٌ، وهُما اخْتارا التَّطْهِيرَ بِالحَدِّ عَلى التَّطْهِيرِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، وأبَيا إلّا أنْ يُطَهَّرا بِالحَدِّ، فَأجابَهُما النَّبِيُّ ﷺ إلى ذَلِكَ وأرْشَدَ إلى اخْتِيارِ التَّطْهِيرِ بِالتَّوْبَةِ عَلى التَّطْهِيرِ بِالحَدِّ، «فَقالَ في حَقِّ ماعِزٍ: هَلّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ولَوْ تَعَيَّنَ الحَدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ لَما جازَ تَرْكُهُ، بَلْ الإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَتْرُكَهُ كَما قالَ لِصاحِبِ الحَدِّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ: «اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك» وبَيْنَ أنْ يُقِيمَ كَما أقامَهُ عَلى ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ لَمّا اخْتارا إقامَتَهُ وأبَيا إلّا التَّطْهِيرَ بِهِ، ولِذَلِكَ رَدَّهُما النَّبِيُّ ﷺ مِرارًا وهُما يَأْبَيانِ إلّا إقامَتَهُ عَلَيْهِما، وهَذا المَسْلَكُ وسَطُ مَسْلَكِ مَن يَقُولُ: لا تَجُوزُ إقامَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ألْبَتَّةَ، وبَيْنَ مَسْلَكِ مَن يَقُولُ: لا أثَرَ لِلتَّوْبَةِ في إسْقاطِهِ ألْبَتَّةَ، وإذا تَأمَّلْت السُّنَّةَ رَأيْتها لا تَدُلُّ إلّا عَلى هَذا القَوْلِ الوَسَطِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المائدة 5:38

[فَصْلٌ: القَطْعُ لِإفْسادِ الأمْوالِ] وَجَعَلَ سُبْحانَهُ القَطْعَ بِإزاءِ فَسادِ الأمْوالِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ مِنهُ، لِأنَّهُ يَأْخُذُ الأمْوالَ في الِاخْتِفاءِ، ويُنَقِّبُ الدُّورَ، ويَتَسَوَّرُ مِن غَيْرِ الأبْوابِ، فَهو كالسِّنَّوْرِ والحَيَّةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَيْكَ مِن حَيْثُ لا تَعْلَمُ، فَلَمْ تَرْتَفِعْ مَفْسَدَةُ سَرِقَتِهِ إلى القَتْلِ، ولا تَنْدَفِعُ بِالجَلْدِ، فَأحْسَنُ ما دُفِعَتْ بِهِ مَفْسَدَتُهُ إبانَةُ العُضْوِ الَّذِي يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى الجِنايَةِ، وجُعِلَ الجَلْدُ بِإزاءِ إفْسادِ العُقُولِ وتَمْزِيقِ الأعْراضِ بِالقَذْفِ. فَدارَتْ عُقُوباتُهُ سُبْحانَهُ الشَّرْعِيَّةُ عَلى هَذِهِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ، كَما دارَتِ الكَفّاراتُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ: العِتْقِ، وهو أعْلاها، والإطْعامِ، والصِّيامِ. (لطيفة) سمع بعض العَرَب قارِئًا يقْرَأ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ الله﴾ [والله غَفُور رَحِيم] قالَ لَيْسَ هَذا كَلام الله تَعالى. فَقالَ القارئ أتكذب بِكَلام الله تَعالى؟! فَقالَ لا ولَكِن لَيْسَ هَذا بِكَلام الله، فَعاد إلى حفظه وقَرَأ ﴿والله عَزِيز حَكِيم﴾ فَقالَ الأعرابِي صدقت عز فَحكم فَقطع، ولَو غفر ورحم لما قطع. وَلِهَذا إذا ختمت آيَة الرَّحْمَة باسم عَذاب أو بِالعَكْسِ ظهر تنافر الكَلام وعدم انتظامه. (فصل) وَلَمّا كانَ داعِي السَّرِقَةِ قَوِيًّا ومَفْسَدَتُها كَذَلِكَ، قَطَعَ فِيها اليَدَ. وَتَأمَّلْ حِكْمَتَهُ في إفْسادِ العُضْوِ الَّذِي باشَرَ بِهِ الجِنايَةَ، كَما أفْسَدَ عَلى قاطِعِ الطَّرِيقِ يَدَهُ ورِجْلَهُ اللَّتَيْنِ هُما آلَةُ قَطْعِهِ، ولَمْ يُفْسِدْ عَلى القاذِفِ لِسانَهُ الَّذِي جَنى بِهِ، إذْ مَفْسَدَتُهُ تَزِيدُ عَلى مَفْسَدَةِ الجِنايَةِ ولا يَبْلُغُها، فاكْتَفى مِن ذَلِكَ بِإيلامِ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِالجَلْدِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا أفْسَدَ عَلى الزّانِي فَرْجَهُ الَّذِي باشَرَ بِهِ المَعْصِيَةَ. قِيلَ: لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَفْسَدَةَ ذَلِكَ تَزِيدُ عَلى مَفْسَدَةِ الجِنايَةِ، إذْ فِيهِ قَطْعُ النَّسْلِ وتَعْرِيضُهُ لِلْهَلاكِ. الثّانِي: أنَّ الفَرْجَ عُضْوٌ مَسْتُورٌ، لا يَحْصُلُ بِقَطْعِهِ مَقْصُودُ الحَدِّ مِنَ الرَّدْعِ والزَّجْرِ لِأمْثالِهِ مِنَ الجُناةِ، بِخِلافِ قَطْعِ اليَدِ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا قَطَعَ يَدَهُ أبْقى لَهُ يَدًا أُخْرى تُعَوِّضُ عَنْها، بِخِلافِ الفَرْجِ. الرّابِعُ: أنَّ لَذَّةَ الزِّنا عَمَّتْ جَمِيعَ البَدَنِ، فَكانَ الأحْسَنُ أنْ تَعُمَّ العُقُوبَةُ جَمِيعَ البَدَنِ، وذَلِكَ أوْلى مِن تَخْصِيصِها بِبُضْعَةٍ مِنهُ. فَعُقُوباتُ الشّارِعِ جاءَتْ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأوْفَقِها لِلْعَقْلِ، وأقْوَمِها بِالمَصْلَحَةِ. والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلَيْها العُقُوباتُ الشَّرْعِيَّةُ أوِ القَدَرِيَّةُ أوْ يَجْمَعُها اللَّهُ لِلْعَبْدِ، وقَدْ يَرْفَعُها عَمَّنْ تابَ وأحْسَنَ. [فَصْلٌ: الفَرْقُ بَيْنَ اليَدِ في الدِّيَةِ وفي السَّرِقَةِ] وَأمّا قَطْعُ اليَدِ في رُبُعِ دِينارٍ وجَعْلُ دِيَتِها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ فَمِن أعْظَمِ المَصالِحِ والحِكْمَةِ؛ فَإنَّهُ احْتاطَ في المَوْضِعَيْنِ لِلْأمْوالِ والأطْرافِ، فَقَطَعَها في رُبُعِ دِينارٍ حِفْظًا لِلْأمْوالِ، وجَعَلَ دِيَتَها خَمْسَمِائَةِ دِينارٍ حِفْظًا لَها وصِيانَةً، وقَدْ أوْرَدَ بَعْضُ الزَّنادِقَةِ هَذا السُّؤالَ وضَمَّنَهُ بَيْتَيْنِ، فَقالَ: ؎يَدٌ بِخَمْسِمِئِي مِن عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ∗∗∗ ما بالُها قُطِعَتْ في رُبُعِ دِينارِ ؎تَناقُضٌ ما لَنا إلّا السُّكُوتُ لَهُ ∗∗∗ ونَسْتَجِيرُ بِمَوْلانا مِن العارِ فَأجابَهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ بِأنَّها كانَتْ ثَمِينَةً لَمّا كانَتْ أمِينَةً، فَلَمّا خانَتْ هانَتْ، وضَمَّنَهُ النّاظِمُ قَوْلَهُ: ؎يَدٌ بِخَمْسِ مِئِي مِن عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ∗∗∗ لَكِنَّها قُطِعَتْ في رُبْعِ دِينارِ ؎حِمايَةُ الدَّمِ أغْلاها وأرْخَصَها ∗∗∗ خِيانَةُ المالِ فانْظُرْ حِكْمَةَ البارِي وَرُوِيَ أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أجابَ بِقَوْلِهِ: ؎هُناكَ مَظْلُومَةٌ غالَتْ بِقِيمَتِها ∗∗∗ وها هُنا ظَلَمَتْ هانَتْ عَلى البارِي وَأجابَ شَمْسُ الدِّينِ الكُرْدِيُّ بِقَوْلِهِ: ؎قُلْ لِلْمَعَرِّيِّ عارٌ أيُّما عارِ ∗∗∗ جَهْلُ الفَتى وهْوَ عَنْ ثَوْبِ التُّقى عارِ ؎لا تَقْدَحَنَّ زِنادَ الشِّعْرِ عَنْ حِكَمٍ ∗∗∗ شَعائِرُ الشَّرْعِ لَمْ تُقْدَحْ بِأشْعارِ ؎فَقِيمَةُ اليَدِ نِصْفُ الألْفِ مِن ذَهَبٍ ∗∗∗ فَإنْ تَعَدَّتْ فَلا تَسْوى بِدِينارِ [فَصْلٌ: الفَرْقُ بَيْنَ السّارِقِ والمُنْتَهِبِ] وَأمّا قَطْعُ يَدِ السّارِقِ في ثَلاثَةِ دَراهِمَ، وتَرْكُ قَطْعِ المُخْتَلِسِ والمُنْتَهِبِ والغاصِبِ فَمِن تَمامِ حِكْمَةِ الشّارِعِ أيْضًا؛ فَإنَّ السّارِقَ لا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ مِنهُ، فَإنَّهُ يَنْقُبُ الدُّورَ ويَهْتِكُ الحِرْزَ ويَكْسِرُ القُفْلَ، ولا يُمْكِنُ صاحِبَ المَتاعِ الِاحْتِرازُ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَشْرَعْ قَطْعَهُ لَسَرَقَ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا، وعَظُمَ الضَّرَرُ، واشْتَدَّتْ المِحْنَةُ بِالسُّرّاقِ، بِخِلافِ المُنْتَهِبِ والمُخْتَلِسِ؛ فَإنَّ المُنْتَهِبَ هو الَّذِي يَأْخُذُ المالَ جَهْرَةً بِمَرْأى مِن النّاسِ، فَيُمْكِنُهم أنْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ، ويُخَلِّصُوا حَقَّ المَظْلُومِ، أوْ يَشْهَدُوا لَهُ عِنْدَ الحاكِمِ، وأمّا المُخْتَلِسُ فَإنَّهُ إنّما يَأْخُذُ المالَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن مالِكِهِ وغَيْرِهِ، فَلا يَخْلُو مِن نَوْعِ تَفْرِيطٍ يُمَكِّنُ بِهِ المُخْتَلِسَ مِن اخْتِلاسِهِ، وإلّا فَمَعَ كَمالِ التَّحَفُّظِ والتَّيَقُّظِ لا يُمْكِنُهُ الِاخْتِلاسُ، فَلَيْسَ كالسّارِقِ، بَلْ هو بِالخائِنِ أشْبَهُ؛ وأيْضًا فالمُخْتَلِسُ إنّما يَأْخُذُ المالَ مِن غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهِ غالِبًا، فَإنَّهُ الَّذِي يُغافِلُكَ ويَخْتَلِسُ مَتاعَكَ في حالِ تَخَلِّيكَ عَنْهُ وغَفْلَتِكَ عَنْ حِفْظِهِ، وهَذا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ مِنهُ غالِبًا، فَهو كالمُنْتَهِبِ؛ وأمّا الغاصِبُ فالأمْر فِيهِ ظاهِرٌ، وهو أوْلى بِعَدَمِ القَطْعِ مِن المُنْتَهِبِ، ولَكِنْ يَسُوغُ كَفُّ عُدْوانِ هَؤُلاءِ بِالضَّرْبِ والنَّكالِ والسِّجْنِ الطَّوِيلِ والعُقُوبَةِ بِأخْذِ المالِ كَما سَيَأْتِي. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ورَدَتْ السُّنَّةُ بِقَطْعِ جاحِدِ العارِيَّةِ، وغايَتُهُ أنَّهُ خائِنٌ، والمُعِيرُ سَلَّطَهُ عَلى قَبْضِ مالِهِ. والِاحْتِرازُ مِنهُ مُمْكِنٌ بِأنْ لا يَدْفَعَ إلَيْهِ المالَ؛ فَبَطَلَ ما ذَكَرْتُمْ مِن الفَرْقِ. قِيلَ: لَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ صَحَّ الحَدِيثُ بِأنَّ «امْرَأةً كانَتْ تَسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُهُ، فَأمَرَ بِها النَّبِيُّ ﷺ فَقُطِعَتْ يَدُها»، فاخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في سَبَبِ القَطْعِ: هَلْ كانَ لِسَرِقَتِها؟ وعَرَّفَها الرّاوِي بِصِفَتِها؛ لِأنَّ المَذْكُورَ هو سَبَبُ القَطْعِ كَما يَقُولُهُ الشّافِعِيِّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ أوْ كانَ السَّبَبُ المَذْكُورُ هو سَبَبَ القَطْعِ مِمّا يَقُولُهُ أحْمَدُ ومَن وافَقَهُ؟ ونَحْنُ في هَذا المَقامِ لا نَنْتَصِرُ لِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ ألْبَتَّةَ، فَإنْ كانَ الصَّحِيحُ قَوْلَ الجُمْهُورِ انْدَفَعَ السُّؤالُ، وإنْ كانَ الصَّحِيحُ هو القَوْلَ الآخَرَ فَمُوافَقَتُهُ لِلْقِياسِ والحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ ظاهِرٌ جِدًّا؛ فَإنَّ العارِيَّةَ مِن مَصالِحِ بَنِي آدَمَ الَّتِي لا بُدَّ لَهم مِنها، ولا غِنًى لَهم عَنْها، وهي واجِبَةٌ عِنْدَ حاجَةِ المُسْتَعِيرِ وضَرُورَتُهُ إلَيْها إمّا بِأُجْرَةٍ أوْ مَجّانًا، ولا يُمَكَّنُ المُعِيرَ كُلَّ وقْتٍ أنْ يَشْهَدَ عَلى العارِيَّةِ، ولا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ بِمَنعِ العارِيَّةِ شَرْعًا وعادَةً وعُرْفًا، ولا فَرْقَ في المَعْنى بَيْنَ مَن تَوَصَّلَ إلى أخْذِ مَتاعِ غَيْرِهِ بِالسَّرِقَةِ وبَيْنَ مَن تَوَصَّلَ إلَيْهِ بِالعارِيَّةِ وجَحَدَها، وهَذا بِخِلافِ جاحِدِ الوَدِيعَةِ؛ فَإنَّ صاحِبَ المَتاعِ فَرَّطَ حَيْثُ ائْتَمَنَهُ. [فَصْلٌ: حِكْمَةُ جَعْلِ نِصابِ السَّرِقَةِ رُبُعَ دِينارٍ] وَأمّا تَخْصِيصُ القَطْعِ بِهَذا القَدْرِ فَلِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مِقْدارٍ يُجْعَلُ ضابِطًا لِوُجُوبِ القَطْعِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ فِلْسٍ أوْ حَبَّةِ حِنْطَةٍ أوْ تَمْرَةٍ، ولا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِهَذا، وتُنَزَّهُ حِكْمَةُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ وإحْسانُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِن ضابِطٍ، وكانَتْ الثَّلاثَةُ دَراهِمَ أوَّلَ مَراتِبِ الجَمْعِ، وهي مِقْدارُ رُبُعِ دِينارٍ، وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وغَيْرُهُ مِن التّابِعِينَ: كانُوا لا يَقْطَعُونَ في الشَّيْءِ التّافِهِ؛ فَإنَّ عادَةَ النّاسِ التَّسامُحُ في الشَّيْءِ الحَقِيرِ مِن أمْوالِهِمْ، إذْ لا يَلْحَقُهم ضَرَرٌ بِفَقْدِهِ، وفي التَّقْدِيرِ بِثَلاثَةِ دَراهِمَ حِكْمَةٌ ظاهِرَةٌ؛ فَإنَّها كِفايَةُ المُقْتَصِدِ في يَوْمِهِ لَهُ ولِمَن يَمُونُهُ غالِبًا، وقُوتُ اليَوْمِ لِلرَّجُلِ وأهْلِهِ لَهُ خَطَرٌ عِنْدَ غالِبِ النّاسِ؛ وفي الأثَرِ المَعْرُوفِ: «مَن أصْبَحَ آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعافًى في بَدَنِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها». [فَصْلٌ: سُقُوطُ الحَدِّ عامَ المَجاعَةِ] المِثالُ الثّالِثُ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أسْقَطَ القَطْعَ عَنْ السّارِقِ في عامِ المَجاعَةِ، قالَ السَّعْدِيُّ: حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ إسْماعِيلَ الخَزّازُ ثنا عَلِيُّ بْنُ المُبارَكِ ثنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي حَسّانُ بْنُ زاهِرٍ أنَّ ابْنَ حُدَيْرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُمَرَ قالَ: لا تُقْطَعُ اليَدُ في عِذْقٍ ولا عامِ سَنَةٍ. قالَ السَّعْدِيُّ: سَألْت أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ هَذا الحَدِيثِ فَقالَ: العِذْقُ النَّخْلَةُ، وعامُ سَنَةٍ: المَجاعَةُ، فَقُلْت لِأحْمَدَ: تَقُول بِهِ؟ فَقالَ: إي لَعَمْرِي، قُلْت: إنْ سَرَقَ في مَجاعَةٍ لا تَقْطَعُهُ؟ فَقالَ: لا، إذا حَمَلَتْهُ الحاجَةُ عَلى ذَلِكَ والنّاسُ في مَجاعَةٍ وشِدَّةٍ. قالَ السَّعْدِيُّ: وهَذا عَلى نَحْوِ قَضِيَّةِ عُمَرَ في غِلْمانِ حاطِبٍ، ثنا أبُو النُّعْمانِ عارِمٌ ثنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ ابْنِ حاطِبٍ أنَّ غِلْمَةً لِحاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ سَرَقُوا ناقَةً لِرَجُلٍ مِن مُزَيْنَةَ، فَأتى بِهِمْ عُمَرُ، فَأقَرُّوا، فَأرْسَلَ إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطِبٍ فَجاءَ فَقالَ لَهُ: إنّ غِلْمانَ حاطِبٍ سَرَقُوا ناقَةَ رَجُلٍ مِن مُزَيْنَةَ وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ، فَقالَ عُمَرُ: يا كَثِيرُ بْنَ الصَّلْتِ اذْهَبْ فاقْطَعْ أيْدِيَهُمْ، فَلَمّا ولّى بِهِمْ رَدَّهم عُمَرُ ثُمَّ قالَ: أما واللَّهُ لَوْلا أنِّي أعْلَمُ أنَّكم تَسْتَعْمِلُونَهم وتُجِيعُونَهم حَتّى إنّ أحَدَهم لَوْ أكَلَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَلَّ لَهُ لَقَطَعْت أيْدِيَهُمْ، واَيْمُ اللَّهِ إذا لَمْ أفْعَلْ لَأُغَرِّمَنَّكَ غَرامَةً تُوجِعُكَ، ثُمَّ قالَ: يا مُزَنِيُّ بِكَمْ أُرِيدَتْ مِنك ناقَتُك؟ قالَ: بِأرْبَعِ مِائَةٍ، قالَ عُمَرُ: اذْهَبْ فَأعْطِهِ ثَمانِي مِائَةٍ. وَذَهَبَ أحْمَدُ إلى مُوافَقَةِ عُمَرَ في الفَصْلَيْنِ جَمِيعًا؛ في مَسائِلِ إسْماعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ الشّالَنْجِيِّ الَّتِي شَرَحَها السَّعْدِيُّ بِكِتابٍ سَمّاهُ المُتَرْجِمُ، قالَ: سَألْت أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ الرَّجُلِ يَحْمِلُ الثَّمَرَ مِن أكْمامِهِ، فَقالَ: فِيهِ الثَّمَنُ مَرَّتَيْنِ وشَرَبُ نَكالٍ، وقالَ: وكُلُّ مَن دَرَأْنا عَنْهُ الحَدُّ والقَوَدُ أضْعَفْنا عَلَيْهِ الغُرْمَ، وقَدْ وافَقَ أحْمَدَ عَلى سُقُوطِ القَطْعِ في المَجاعَةِ الأوْزاعِيُّ، وهَذا مَحْضُ القِياسِ، ومُقْتَضى قَواعِدِ الشَّرْعِ؛ فَإنَّ السَّنَةَ إذا كانَتْ سَنَةَ مَجاعَةٍ وشِدَّةٍ غَلَبَ عَلى النّاسِ الحاجَةُ والضَّرُورَةُ، فَلا يَكادُ يَسْلَمُ السّارِقُ مِن ضَرُورَةٍ تَدْعُوهُ إلى ما يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ، ويَجِبُ عَلى صاحِبِ المالِ بَذْلُ ذَلِكَ لَهُ، إمّا بِالثَّمَنِ أوْ مَجّانًا، عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ؛ والصَّحِيحُ وُجُوبُ بَذْلِهِ مَجّانًا؛ لِوُجُوبِ المُواساةِ وإحْياءِ النُّفُوسِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ والإيثارِ بِالفَضْلِ مَعَ ضَرُورَةِ المُحْتاجِ، وهَذِهِ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ تَدْرَأُ القَطْعَ عَنْ المُحْتاجِ، وهي أقْوى مِن كَثِيرٍ مِن الشُّبَهِ الَّتِي يَذْكُرُها كَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ، بَلْ إذا وازَنْت بَيْنَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وبَيْنَ ما يَذْكُرُونَهُ ظَهَرَ لَك التَّفاوُتُ، فَأيْنَ شُبْهَةُ كَوْنِ المَسْرُوقِ مِمّا يُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ، وكَوْنُ أصْلِهِ عَلى الإباحَةِ كالماءِ، وشُبْهَةُ القَطْعِ بِهِ مَرَّةً، وشُبْهَةُ دَعْوى مِلْكِهِ بِلا بَيِّنَةٍ، وشُبْهَةُ إتْلافِهِ في الحِرْزِ بِأكْلٍ أوْ احْتِلابٍ مِن الضَّرْعِ، وشُبْهَةُ نُقْصانِ مالِيَّتِهِ في الحِرْزِ بِذَبْحٍ أوْ تَحْرِيقٍ ثُمَّ إخْراجُهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن الشُّبَهِ الضَّعِيفَةِ جِدًّا إلى هَذِهِ الشُّبْهَةِ القَوِيَّةِ؟ لا سِيَّما وهو مَأْذُونٌ لَهُ في مُغالَبَةِ صاحِبِ المالِ عَلى أخْذِ ما يَسُدُّ رَمَقَهُ. وَعامُ المَجاعَةِ يَكْثُرُ فِيهِ المَحاوِيجُ والمُضْطَرُّونَ، ولا يَتَمَيَّزُ المُسْتَغْنِي مِنهم والسّارِقُ لِغَيْرِ حاجَةٍ مِن غَيْرِهِ، فاشْتَبَهَ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ بِمَن لا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَدُرِئَ. نَعَمْ إذا بانَ أنَّ السّارِقَ لا حاجَةَ بِهِ وهو مُسْتَغْنٍ عَنْ السَّرِقَةِ قُطِعَ. [فَصْلٌ: القَطْعُ ومُوجِبُهُ] وَأمّا القَطْعُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِ عَدْلًا، وعُقُوبَةَ السّارِقِ؛ فَكانَتْ عُقُوبَتُهُ بِهِ أبْلَغَ وأرْدَعَ مِن عُقُوبَتِهِ بِالجَلْدِ، ولَمْ تَبْلُغْ جِنايَتُهُ حَدَّ العُقُوبَةِ بِالقَتْلِ؛ فَكانَ ألْيَقَ العُقُوباتِ بِهِ إبانَةَ العُضْوِ الَّذِي جَعَلَهُ وسِيلَةً إلى أذى النّاسِ، وأخْذِ أمْوالِهِمْ، ولَمّا كانَ ضَرَرُ المُحارِبِ أشَدَّ مِن ضَرَرِ السّارِقِ وعُدْوانُهُ أعْظَمَ؛ ضَمَّ إلى قَطْعِ يَدِهِ قَطْعَ رِجْلِهِ؛ لِيَكُفَّ عُدْوانَهُ، وشَرَّ يَدِهِ الَّتِي بَطَشَ بِها، ورِجْلِهِ الَّتِي سَعى بِها، وشَرَعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن خِلافٍ لِئَلّا يُفَوِّتَ عَلَيْهِ مَنفَعَةَ الشِّقِّ بِكَمالِهِ، فَكَفَّ ضَرَرَهُ وعُدْوانَهُ، ورَحِمَهُ بِأنْ أبْقى لَهُ يَدًا مِن شِقٍّ ورِجْلًا مِن شِقٍّ. [فَصْلٌ: حِكْمَةُ قَطْعِ يَدِ السّارِقِ دُونَ لِسانِ القاذِفِ (مَثَلًا)] وَأمّا قَوْلُهُ: " وقَطَعَ يَدَ السّارِقِ الَّتِي باشَرَ بِها الجِنايَةَ، ولَمْ يَقْطَعْ فَرْجَ الزّانِي وقَدْ باشَرَ بِهِ الجِنايَةَ، ولا لِسانَ القاذِفِ وقَدْ باشَرَ بِهِ القَذْفَ " فَجَوابُهُ أنَّ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَصْلًا نافِعًا في الحُدُودِ ومَقادِيرِها، وكَمالِ رُتَبِها عَلى أسْبابِها، واقْتِضاءِ كُلِّ جِنايَةٍ لِما رُتِّبَ عَلَيْها دُونَ غَيْرِها، وأنَّهُ لَيْسَ وراءَ ذَلِكَ لِلْعُقُولِ اقْتِراحٌ، ونُورِدُ أسْئِلَةً لَمْ يُورِدْها هَذا السّائِلُ، ونَنْفَصِلُ عَنْها بِحَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ أحْسَنَ انْفِصالٍ، واللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ. إنّ اللَّهَ جَلَّ ثَناؤُهُ وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ لَمّا خَلَقَ العِبادَ وخَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ وجَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْلُوَ عِبادَهُ ويَخْتَبِرَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ في حِكْمَتِهِ بُدٌّ مِن تَهْيِئَةِ أسْبابِ الِابْتِلاءِ في أنْفُسِهِمْ وخارِجًا عَنْها، فَجَعَلَ في أنْفُسِهِمْ العُقُولَ الصَّحِيحَةَ والأسْماعَ والأبْصارَ والإرادَةَ والشَّهَواتِ والقُوى والطَّبائِعَ والحُبَّ والبُغْضَ والمَيْلَ والنُّفُورَ والأخْلاقَ المُتَضادَّةَ المُقْتَضِيَةَ لِآثارِها اقْتِضاءَ السَّبَبِ لِمُسَبِّبِهِ واَلَّتِي في الخارِجِ الأسْبابُ الَّتِي تَطْلُبُ النُّفُوسُ حُصُولَها فَتُنافِسُ فِيهِ، وتَكْرَهُ حُصُولَهُ فَتَدْفَعُهُ عَنْها، ثُمَّ أكَّدَ أسْبابَ هَذا الِابْتِلاءِ بِأنْ وكَّلَ بِها قُرَناءَ مِن الأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ الظّالِمَةِ الخَبِيثَةِ وقُرَناءَ مِن الأرْواحِ الخَيِّرَةِ العادِلَةِ الطَّيِّبَةِ، وجَعَلَ دَواعِيَ القَلْبِ ومُيُولَهُ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَهُما؛ فَهو إلى داعِي الخَيْرِ مَرَّةً وإلى داعِي الشَّرِّ مَرَّةً، لِيَتِمَّ الِابْتِلاءُ في دارِ الِامْتِحانِ، وتَظْهَرَ حِكْمَةُ الثَّوابِ والعِقابِ في دارِ الجَزاءِ، وكِلاهُما مِن الحَقِّ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِهِ ومِن أجْلِهِ، وهُما مُقْتَضى مُلْكِ الرَّبِّ وحَمْدِهِ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ مُلْكُهُ وحَمْدُهُ فِيهِما كَما ظَهَرَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، وأوْجَبَ ذَلِكَ في حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وعَدْلِهِ بِحُكْمِ إيجابِهِ عَلى نَفْسِهِ أنْ أرْسَلَ رُسُلَهُ وأنْزَلَ كُتُبَهُ وشَرَعَ شَرائِعَهُ لِيُتِمَّ ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، وأقامَ سُوقَ الجِهادِ لِما حَصَلَ مِن المُعاداةِ والمُنافَرَةِ بَيْنَ هَذِهِ الأخْلاقِ والأعْمالِ والإراداتِ كَما حَصَلَ بَيْنَ مَن قامَتْ بِهِ. فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن حُصُولِ مُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ وما قارَنَها مِن الأسْبابِ مِن التَّنافُسِ والتَّحاسُدِ والِانْقِيادِ لِدَواعِي الشَّهْوَةِ والغَضَبِ وتَعَدِّي ما حُدَّ لَهُ والتَّقْصِيرُ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا تُعُبِّدَ بِهِ، وسَهَّلَ ذَلِكَ عَلَيْها اغْتِرارُها بِمَوارِدِ المَعْصِيَةِ مَعَ الإعْراضِ مِن مَصادِرِها، وإيثارِها ما تَتَعَجَّلُهُ مِن يَسِيرِ اللَّذَّةِ في دُنْياها عَلى ما تَتَأجَّلُهُ مِن عَظِيمِ اللَّذَّةِ في أُخْراها، ونُزُولِها عَلى الحاضِرِ المُشاهَدِ، وتَجافِيها عَنْ الغائِبِ المَوْعُودِ وذَلِكَ مُوجِبُ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن جَهْلِها وظُلْمِها؛ فاقْتَضَتْ أسْماءُ الرَّبِّ الحُسْنى وصِفاتُهُ العُلْيا وحِكْمَتُهُ البالِغَةُ ونِعْمَتُهُ السّابِغَةُ ورَحْمَتُهُ الشّامِلَةُ وجُودُهُ الواسِعُ أنْ لا يَضْرِبَ عَنْ عِبادِهِ الذِّكْرَ صَفْحًا، وأنْ لا يَتْرُكَهم سُدًى، ولا يُخَلِّيَهم ودَواعِيَ أنْفُسِهِمْ وطَبائِعِهِمْ، بَلْ رَكَّبَ في فِطَرِهِمْ وعُقُولِهِمْ مَعْرِفَةَ الخَيْرِ والشَّرِّ والنّافِعِ والضّارِّ والألَمِ واللَّذَّةِ ومَعْرِفَةِ أسْبابِها، ولَمْ يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتّى عَرَّفَهم بِهِ مُفَصَّلًا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، وقَطَعَ مَعاذِيرَهم بِأنْ أقامَ عَلى صِدْقِهِمْ مِن الأدِلَّةِ والبَراهِينِ ما لا يَبْقى مَعَهُ لَهم عَلَيْهِ حُجَّةٌ، لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ، وصَرَفَ لَهم طُرُقَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وضَرَبَ لَهم الأمْثالَ وأزالَ عَنْهم كُلَّ إشْكالٍ، ومَكَّنَهم مِن القِيامِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ غايَةَ التَّمْكِينِ، وأعانَهم عَلَيْهِ بِكُلِّ سَبَبٍ، وسَلَّطَهم عَلى قَهْرِ طِباعِهِمْ بِما يَجُرُّهم إلى إيثارِ العَواقِبِ عَلى المُبادِي ورَفْضِ اليَسِيرِ الفانِي مِن اللَّذَّةِ إلى العَظِيمِ الباقِي مِنها، وأرْشَدَهم إلى التَّفْكِيرِ والتَّدَبُّرِ وإيثارِ ما تَقْضِي بِهِ عُقُولُهم وأخْلاقُهم مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وأكْمَلَ لَهم دِينَهُمْ، وأتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ بِما أوْصَلَهُ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ مِن أسْبابِ العُقُوبَةِ والمَثُوبَةِ والبِشارَةِ والنِّذارَةِ والرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، وتَحْقِيقِ ذَلِكَ بِالتَّعْجِيلِ لِبَعْضِهِ في دارِ المِحْنَةِ لِيَكُونَ عَلَمًا وإمارَةً لِتَحْقِيقِ ما أخَّرَهُ عَنْهم في دارِ الجَزاءِ والمَثُوبَةِ، ويَكُونُ العاجِلُ مُذَكِّرًا بِالآجِلِ، والقَلِيلُ المُنْقَطِعُ بِالكَثِيرِ المُتَّصِلِ، والحاضِرُ الفائِتُ مُؤْذِنًا بِالغائِبِ الدّائِمِ، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ وأحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وسُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَظُنُّهُ بِهِ مَن لَمْ يُقَدِّرْهُ مِمَّنْ أنْكَرَ أسْماءَهُ وصِفاتِهِ وأمْرَهُ ونَهْيَهُ ووَعْدَهُ ووَعِيدَهُ، وظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ فَأرْداهُ ظَنُّهُ فَأصْبَحَ مِن الخاسِرِينَ. فَكانَ مِن بَعْضِ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ ورَحْمَتِهِ أنْ شَرَعَ العُقُوباتِ في الجِناياتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، في الرُّءُوسِ والأبْدانِ والأعْراضِ والأمْوالِ، كالقَتْلِ والجِراحِ والقَذْفِ والسَّرِقَةِ؛ فَأحْكَمَ سُبْحانَهُ وُجُوهَ الزَّجْرِ الرّادِعَةَ عَنْ هَذِهِ الجِناياتِ غايَةَ الإحْكامِ، وشَرَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّدْعِ والزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ المُجاوَزَةِ لِما يَسْتَحِقُّهُ الجانِي مِن الرَّدْعِ؛ فَلَمْ يَشْرَعْ في الكَذِبِ قَطْعَ اللِّسانِ ولا القَتْلَ، ولا في الزِّنا الخِصاءَ، ولا في السَّرِقَةِ إعْدامَ النَّفْسِ. وَإنَّما شَرَعَ لَهم في ذَلِكَ ما هو مُوجِبُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ مِن حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ وإحْسانِهِ وعَدْلِهِ لِتَزُولَ النَّوائِبُ، وتَنْقَطِعَ الأطْماعُ عَنْ التَّظالُمِ والعُدْوانِ، ويَقْتَنِعَ كُلُّ إنْسانٍ بِما آتاهُ مالِكُهُ وخالِقُهُ؛ فَلا يَطْمَعُ في اسْتِلابِ غَيْرِهِ حَقَّهُ. (فَصْلٌ) [لَيْسَ مِن الحِكْمَةِ إتْلافُ كُلِّ عُضْوٍ وقَعَتْ بِهِ مَعْصِيَةٌ] وَأمّا مُعاقَبَةُ السّارِقِ بِقَطْعِ يَدِهِ وتَرْكِ مُعاقَبَةِ الزّانِي بِقَطْعِ فَرْجِهِ فَفي غايَةِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ولَيْسَ في حِكْمَةِ اللَّهِ ومَصْلَحَةِ خَلْقِهِ وعِنايَتِهِ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ أنْ يُتْلِفَ عَلى كُلِّ جانٍ كُلَّ عُضْوٍ عَصاهُ بِهِ، فَيَشْرَعُ قَلْعَ عَيْنِ مَن نَظَرَ إلى المُحَرَّمِ وقَطْعَ أُذُنِ مَن اسْتَمَعَ إلَيْهِ، ولِسانِ مَن تَكَلَّمَ بِهِ، ويَدِ مَن لَطَمَ غَيْرَهُ عُدْوانًا، ولا خَفاءَ بِما في هَذا مِن الإسْرافِ والتَّجاوُزِ في العُقُوبَةِ وقَلْبِ مَراتِبِها؛ وأسْماءُ الرَّبِّ الحُسْنى وصِفاتُهُ العُلْيا وأفْعالُهُ الحَمِيدَةُ تَأْبى ذَلِكَ، ولَيْسَ مَقْصُودُ الشّارِعِ مُجَرَّدَ الأمْنِ مِن المُعاوَدَةِ لَيْسَ إلّا، ولَوْ أُرِيدَ هَذا لَكانَ قَتَلَ صاحِبَ الجَرِيمَةِ فَقَطْ، وإنَّما المَقْصُودُ الزَّجْرُ والنَّكالُ والعُقُوبَةُ عَلى الجَرِيمَةِ، وأنْ يَكُونَ إلى كَفِّ عُدْوانِهِ أقْرَبَ، وأنْ يَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ، وأنْ يُحْدِثَ لَهُ ما يَذُوقُهُ مِن الألَمِ تَوْبَةً نَصُوحًا، وأنْ يُذَكِّرَهُ ذَلِكَ بِعُقُوبَةِ الآخِرَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الحِكَمِ والمَصالِحِ. [الحِكْمَةُ في حَدِّ السَّرِقَةِ] ثُمَّ إنّ في حَدِّ السَّرِقَةِ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنَّ السَّرِقَةَ إنّما تَقَعُ مِن فاعِلِها سِرًّا كَما يَقْتَضِيهِ اسْمُها، ولِهَذا يَقُولُونَ: " فُلانٌ يَنْظُرُ إلى فُلانٍ مُسارَقَةً " إذا كانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ نَظَرًا خَفِيًّا لا يُرِيدُ أنْ يَفْطِنَ لَهُ، والعازِمُ عَلى السَّرِقَةِ مُخْتَفٍ كاتِمٌ خائِفٌ أنْ يُشْعَرَ بِمَكانِهِ فَيُؤْخَذَ بِهِ، ثُمَّ هو مُسْتَعِدٌّ لِلْهَرَبِ والخَلاصِ بِنَفْسِهِ إذا أخَذَ الشَّيْءَ، واليَدانِ لِلْإنْسانِ كالجَناحَيْنِ لِلطّائِرِ في إعانَتِهِ عَلى الطَّيَرانِ، ولِهَذا يُقالُ: " وصَلْت جَناحَ فُلانٍ " إذا رَأيْته يَسِيرُ مُنْفَرِدًا فانْضَمَمْت إلَيْهِ لِتَصْحَبَهُ، فَعُوقِبَ السّارِقُ بِقَطْعِ اليَدِ قَصًّا لِجَناحِهِ، وتَسْهِيلًا لِأخْذِهِ إنْ عاوَدَ السَّرِقَةَ، فَإذا فَعَلَ بِهِ هَذا في أوَّلِ مَرَّةٍ بَقِيَ مَقْصُوصَ أحَدِ الجَناحَيْنِ ضَعِيفًا في العَدْوِ، ثُمَّ يَقْطَعُ في الثّانِيَةِ رِجْلَهُ فَيَزْدادُ ضَعْفًا في عَدْوِهِ، فَلا يَكادُ يَفُوتُ الطّالِبَ، ثُمَّ تُقْطَعُ يَدُهُ الأُخْرى في الثّالِثَةِ ورِجْلُهُ الأُخْرى في الرّابِعَةِ، فَيَبْقى لَحْمًا عَلى وضَمٍ، فَيَسْتَرِيحُ ويُرِيحُ. [أقْسامُ الذُّنُوبِ] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الذُّنُوبَ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: قِسْمًا فِيهِ الحَدُّ، فَهَذا لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ كَفّارَةً اكْتِفاءً بِالحَدِّ. وَقِسْمًا لَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ حَدًّا، فَشَرَعَ فِيهِ الكَفّارَةَ، كالوَطْءِ في نَهارِ رَمَضانَ، والوَطْءِ في الإحْرامِ، والظِّهارِ، وقَتْلِ الخَطَأِ، والحِنْثِ في اليَمِينِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وَقِسْمًا لَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ حَدًّا ولا كَفّارَةً، وهو نَوْعانِ: أحَدُهُما: ما كانَ الوازِعُ عَنْهُ طَبِيعِيًّا، كَأكْلِ العَذِرَةِ، وشُرْبِ البَوْلِ والدَّمِ. والثّانِي: ما كانَتْ مَفْسَدَتُهُ أدْنى مِن مَفْسَدَةِ ما رُتِّبَ عَلَيْهِ الحَدُّ، كالنَّظَرِ والقُبْلَةِ واللَّمْسِ والمُحادَثَةِ، وسَرِقَةِ فِلْسٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ. الكَفّاراتُ في ثَلاثَةِ أنْواعٍ وَشَرَعَ الكَفّاراتِ في ثَلاثَةِ أنْواعٍ: أحَدُها: ما كانَ مُباحَ الأصْلِ، ثُمَّ عَرَضَ تَحْرِيمُهُ فَباشَرَهُ في الحالَةِ الَّتِي عَرَضَ فِيها التَّحْرِيمُ، كالوَطْءِ في الإحْرامِ والصِّيامِ، وطَرْدُهُ: الوَطْءُ في الحَيْضِ والنِّفاسِ، بِخِلافِ الوَطْءِ في الدُّبُرِ، ولِهَذا كانَ إلْحاقُ بَعْضِ الفُقَهاءِ لَهُ بِالوَطْءِ في الحَيْضِ لا يَصِحُّ، فَإنَّهُ لا يُباحُ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ التَّلَوُّطِ، وشُرْبِ المُسْكِرِ. النَّوْعُ الثّانِي: ما عُقِدَ لِلَّهِ مِن نَذْرٍ أوْ بِاللَّهِ مِن يَمِينٍ، أوْ حَرَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ أرادَ حِلَّهُ، فَشَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حِلَّهُ بِالكَفّارَةِ وسَمّاها نِحْلَةً، ولَيْسَتْ هَذِهِ الكَفّارَةُ ماحِيَةً لِهَتْكِ حُرْمَةِ الِاسْمِ بِالحِنْثِ، كَما ظَنَّهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ، فَإنَّ الحِنْثَ قَدْ يَكُونُ واجِبًا، وقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وقَدْ يَكُونُ مُباحًا، وإنَّما الكَفّارَةُ حِلٌّ لِما عَقَدَهُ. النَّوْعُ الثّالِثُ: ما تَكُونُ فِيهِ جابِرَةً لِما فاتَ، كَكَفّارَةِ قَتْلِ الخَطَأِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ إثْمٌ، وكَفّارَةِ قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً، فَإنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الجَوابِرِ، والنَّوْعُ الأوَّلُ مِن بابِ الزَّواجِرِ، والنَّوْعُ الوَسَطُ مِن بابِ التَّحِلَّةِ لِما مِنهُ العَقْدُ. (لا يَجْتَمِعُ الحَدُّ والتَّعْزِيرُ) لا يَجْتَمِعُ الحَدُّ والتَّعْزِيرُ في مَعْصِيَةٍ، بَلْ إنْ كانَ فِيها حَدٌّ اكْتُفِيَ بِهِ وإلّا اكْتُفِيَ بِالتَّعْزِيرِ، ولا يَجْتَمِعُ الحَدُّ والكَفّارَةُ في مَعْصِيَةٍ، بَلْ كُلُّ مَعْصِيَةٍ فِيها حَدٌّ فَلا كَفّارَةَ فِيها، وما فِيهِ كَفّارَةٌ فَلا حَدَّ فِيهِ، وهَلْ يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ والكَفّارَةُ في المَعْصِيَةِ الَّتِي لا حَدَّ فِيها؟ فِيهِ وجْهانِ: وهَذا كالوَطْءِ في الإحْرامِ والصِّيامِ، ووَطْءِ الحائِضِ، وإذا أوْجَبْنا فِيهِ الكَفّارَةَ، فَقِيلَ: يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ لِما انْتَهَكَ مِنَ الحُرْمَةِ بِرُكُوبِ الجِنايَةِ، وقِيلَ: لا تَعْزِيرَ في ذَلِكَ، اكْتِفاءً بِالكَفّارَةِ لِأنَّها جابِرَةٌ وماحِيَةٌ. (فائدة) قول النبي ﷺ: "رأى عيسى رجلا يسرق فقال: سرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت بصري" قيل هو استفهام من المسيح لا أنه إخبار والمعنى: أسرقت فلما حلف له صدقه. ويرد هذا قوله: "وكذبت بصري". وقيل: لما رآه المسيح أخذ المال بصورة السارق فقال: "سرقت؟ " قال: كلا أي ليس بسرقة إما لأنه ماله أو له فيه حق أو لأنه أخذه ليقلبه ويعيده والمسيح عليه السلام أحال على ظاهر ما رأى فلما حلف له قال: "آمنت بالله وكذبت نفسي" في ظني أنها سرقة لا أنه كذب نفسه في أخذه المال عيانا فالتكذيب واقع على الظن لا على العيان، وهكذا الرواية "كذبت نفسي" ولا تنافي بينها وبين رواية "وكذبت بصري" لأن البصر ظن أن ذلك الأخذ سرقة فأنا كذبته في ظن أنه رأى سرقة ولعله إنما رأى أخذا ليس بسرقة. وفي الحديث معنى ثالث ولعله أليق به وهو أن المسيح عليه السلام لعظمة وقار الله في قلبه وجلاله ظن أن هذا الحالف بوحدانية الله تعالى صادقا عمله إيمانه بالله على تصديقه وجوز أن يكون بصره قد كذبه وأراه ما لم ير فقال: "آمنت بالله وكذبت بصري" ولا ريب أن البصر يعرض له الغلط ورؤية بعض الأشياء بخلاف ما هي عليه ويخيل ما لا وجود له في الخارج فإذا حكم عليه العقل تبين غلطه والمسيح صلوات الله عليه وسلامه حكم إيمانه على بصره ونسب الغلط إليه والله أعلم.

المائدة 5:41

وقوله: ﴿أُولِئك الّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ عقيب قوله: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لقوم آخرين لم يأتوك يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾. مما يدل على أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكسبه ذلك تحريفا للحق عن مواضعه، فإنه إذا قبل الباطل أحبه ورضيه، فإذا جاء الحق بخلافه رده وكذبه إن قدر على ذلك، وإلا حرفه، كما تصنع الجهمية بآيات الصفات وأحاديثها، يردون هذه بالتأويل الذي هو تكذيب بحقائقها، وهذه بكونها أخبار آحاد لا يجوز الاعتماد عليها في باب معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته. فهؤلاء وإخوانهم من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فإنها لو طهرت لما أعرضت عن الحق، وتعوضت بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله، كما أن المنحرفين من أهل الإرادة لما لم تطهر قلوبهم تعوّضوا بالسماع الشيطاني عن السماع القرآني الإيماني. قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله". فالقلب الطاهر، لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث، لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذي لم يطهره الله تعالى، فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه، بحسب ما فيه من النجاسة. فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض، لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح. ودلت الآية على أن طهارة القلب موقوفة على إرادة الله تعالى، وأنه سبحانه لما لم يرد أن يطهر قلوب القائلين بالباطل، المحرفين للحق، لم يحصل لها الطهارة. ولا يصح أن تفسر الإرادة هاهنا بالإرادة الدينية، وهي الأمر والمحبة، فإنه سبحانه قد أراد ذلك لهم أمرا ومحبة، ولم يرده منهم كونا فأراد الطهارة لهم وأمرهم بها، ولم يرد وقوعها منهم، لما له في ذلك من الحكمة التي فواتها أكره إليه من فوات الطهارة منهم. وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير في القدر. ودلت الآية على أن من لم يطهر الله قلبه فلا بد أن يناله الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، بحسب نجاسة قلبه وخبثه. ولهذا حرم الله سبحانه الجنة على من في قلبه نجاسة وخبث، ولا يدخلها إلا بعد طيبه وطهره. فإنها دار الطيبين. ولهذا يقال لهم: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. أى ادخلوها بسبب طيبكم. والبشارة عند الموت لهؤلاء دون غيرهم، كما قال تعالى: ﴿الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجنَّةَ بِما كُنْتمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. فالجنة لا يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث. فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرًا من نجاساته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر في الدنيا فإن كانت نجاسته عينية، كالكافر، لم يدخلها بحال. وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر في النار من تلك النجاسة، ثم يخرج منها، حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيهَذَّبون وينقَّون من بقايا بقيت عليهم، قصرت بهم عن الجنة، ولم توجب لهم دخول النار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة، فلا يدخل المصلى عليه حتى يتطهر. وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة، فلا يدخلها إلا طيب طاهر. فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب. ولهذا شرع للمتوضئ أن يقول عقيب وضوئه: "أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحّمدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ". فطهارة القلب بالتوبة، وطهارة البدن بالماء. فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله تعالى، والوقوف بين يديه ومناجاته. وسألت شيخ الإسلام عن معنى دعاء النبي ﷺ: "الّلهُمَّ طَهِّرْنِي مِن خَطايايَ بِالماءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ". كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر "والماء البارد" والحار أبلغ في الإنقاء؟ فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا، فيرتخى القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه، فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضعفه، والماء يغسل الخبث ويطفئ النار، فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطايا. هذا معنى كلامه، وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح. فاعلم أن هاهنا أربعة أمور: أمران حسيان، وأمران معنويان. فالنجاسة التي تزول بالماء هي ومزيلها حسيان، وأثر الخطايا التي تزول بالتوبة والاستغفار هي ومزيلها معنويان، وصلاح القلب وحياته ونعيمه لا يتم إلا بهذا وهذا. فذكر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من كل شطر قسما نبه به على القسم الآخر. فتضمن كلامه الأقسام الأربعة في غاية الاختصار، وحسن البيان. كما في حديث الدعاء بعد الوضوء: "اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ". فإنه يتضمن ذكر الأقسام الأربعة. ومن كمال بيانه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وتحقيقه لما يخبر به، ويأمر به: تمثيله الأمر المطلوب المعنوي بالأمر المحسوس. وهذا كثير في كلامه، كقوله في حديث على بن أبى طالب: " سَلِ اللهَ الهُدى والسَّدادَ، واذْكُرْ بِالهُدى هِدايَتَكَ الطّرِيقَ، وبِالسَّدادِ سَدادَ السَّهْم". هذا من أبلغ التعليم والنصح، حيث أمره أن يذكر إذا سأل الله الهدى إلى طريق رضاه وجنته: كونه مسافرا، وقد ضل عن الطريق، ولا يدرى أين يتوجه، فطلع له رجل خبير بالطريق عالم بها، فسأله أن يدله على الطريق، فهكذا شأن طريق الآخرة تمثيلا لها بالطريق المحسوس للمسافر. وحاجة المسافر إلى الله سبحانه: إلى أن يهديه تلك الطريق، أعظم من حاجة المسافر إلى بلد من يدله على الطريق الموصل إليها. وكذلك السداد، وهو إصابة القصد قولا وعملا، فمثله مثل رامي السهم، إذا وقع سهمه في نفس الشيء الذي رماه، فقد سدد سهمه وأصاب ولم يقع باطلا، فهكذا المصيب للحق في قوله وعمله بمنزلة المصيب في رميه. وكثيرا ما يقرن في القرآن هذا وهذا. فمنه قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧]. أمر الحاج بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد، ثم نبههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقوى. فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يبلغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل إلا بزاد من التقوى، فجمع بين الزادين، ومنه قوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِى سَوْءاتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى، زينة الظاهر والباطن، وكمال الظاهر والباطن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمنِ اتَّبَعَ هُداىَ فَلا يضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣]. فنفى عنه الضلال، الذي هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح، ومنه قول امرأة العزيز عن يوسف عليه السلام لما أرته النسوة اللائمات لها في حبه: ﴿فَذلِكُنَّ الَّذِي لمُتُنَّنِي فِيه﴾ [يوسف: ٣٢] فأرتهن جماله الظاهر. ثم قالت: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]. فأخبرت عن جماله الباطن بعفته، فأخبرتهن بجمال باطنه، وأرتهن جمال ظاهره. فنبه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله: "اللهُمَّ طَهِّرْني مِن خطايايَ بِالماءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ". على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما يطهرهما ويبردهما ويقويهما، وتضمن دعاؤه سؤال هذا وهذا، والله تعالى أعلم. وقريب من هذا: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "كان إذا خَرَجَ مِنَ الخلاءِ قالَ: غُفْرانَكَ". وفى هذا من السر والله أعلم، أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر ويريح قلبه منه ويخففه. وأسرار كلماته وأدعيته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فوق ما يخطر بالبال. فإن قيل فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب أضدادها أم إلى مشيئته لوقوعها؟ قيل القرآن قد نطق بهذا وبهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: ﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾. (فصل) وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾، ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعا﴾ وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده كما أن مشيئته تستلزم وجوده فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده وقد أخبر سبحانه أن العباد لا يشاءون إلا بعد مشيئته ولا يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته فقال: ﴿وَما تَشاءُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّه﴾ وقال: ﴿وَما يَذْكُرُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾. فإن قيل فهل يكون الفعل مقدورا للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن يفعله؟ قيل إن أريد بكونه مقدورا سلامة آلة العبد التي يتمكن بها من الفعل وصحة أعضائه ووجوده قواه وتمكينه من أسباب الفعل وتهيئة طريق فعله وفتح الطريق له فنعم هو مقدور بهذا الاعتبار، وإن أريد بكونه مقدورا القدرة المقارنة للفعل وهي الموجبة له التي إذا وجدت لم يتخلف عنها الفعل فليس بمقدور بهذا الاعتبار. وتقرير ذلك أن القدرة نوعان قدرة مصححة وهي قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآلة وهي مناط التكليف، وهذه متقدمة على الفعل غير موجبة له. وقدرة مقارنة للفعل مستلزمة له لا يتخلف الفعل عنها، وهذه ليست شرطا في التكليف فلا يتوقف صحته وحسنه عليها، فإيمان من لم يشأ الله إيمانه وطاعة من لم يشأ طاعته مقدور بالاعتبار الأول غير مقدور بالاعتبار الثاني. وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا يطاق كما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. فإذا قيل هل خلق لمن علم أنه لا يؤمن قدرة على الإيمان أم لم يخلق له قدرة؟ قيل خلق له قدرة مصححة متقدمة على الفعل هي مناط الأمر والنهي ولم يخلق له قدرة موجبة للفعل مستلزمة له لا يتخلف عنها فهذه فضله يؤتيه من يشاء وتلك عدله التي تقوم بها حجته على عبده. فإن قيل فهل يمكنه الفعل ولم يخلق له هذه القدرة؟ قيل هذا هو السؤال السابق بعينه وقد عرفت جوابه وبالله التوفيق.

المائدة 5:44

[الكُفْرُ] فَأمّا الكُفْرُ فَنَوْعانِ: كُفْرٌ أكْبَرُ، وكُفْرٌ أصْغَرُ. فالكَفْرُ الأكْبَرُ هو المُوجِبُ لِلْخُلُودِ في النّارِ. والأصْغَرُ مُوجِبٌ لِاسْتِحْقاقِ الوَعِيدِ دُونَ الخُلُودِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى - وكانَ مِمّا يُتْلى فَنُسِخَ لَفْظُهُ - " لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكم فَإنَّهُ كُفْرٌ بِكم " وقَوْلِهِ ﷺ في الحَدِيثِ «اثْنَتانِ في أُمَّتِي، هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، والنِّياحَةُ» وقَوْلُهُ في السُّنَنِ «مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ» وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ «مَن أتى كاهِنًا أوْ عَرّافًا، فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ» وقَوْلِهِ: «لا تَرْجِعُوا بِعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ» وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعامَّةِ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، بَلْ إذا فَعَلَهُ فَهو بِهِ كُفْرٌ، ولَيْسَ كَمَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وكَذَلِكَ قالَ طاوُسٌ، وقالَ عَطاءٌ: هو كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ. وَمِنهم مَن تَأوَّلَ الآيَةَ عَلى تَرْكِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ جاحِدًا لَهُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وهو تَأْوِيلٌ مَرْجُوحٌ، فَإنَّ نَفْسَ جُحُودِهِ كُفْرٌ، سَواءٌ حَكَمَ أوْ لَمْ يَحْكم. وَمِنهم مَن تَأوَّلَها عَلى تَرْكِ الحُكْمِ بِجَمِيعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، قالَ: ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الحُكْمُ بِالتَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وهَذا تَأْوِيلُ عَبْدِ العَزِيزِ الكِنانِيِّ، وهو أيْضًا بَعِيدٌ، إذِ الوَعِيدُ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ بِالمُنَزَّلِ، وهو يَتَناوَلُ تَعْطِيلَ الحُكْمِ بِجَمِيعِهِ وبِبَعْضِهِ. وَمِنهم مَن تَأوَّلَها عَلى الحُكْمِ بِمُخالَفَةِ النَّصِّ، تَعَمُّدًا مِن غَيْرِ جَهْلٍ بِهِ ولا خَطَأٍ في التَّأْوِيلِ، حَكاهُ البَغَوِيُّ عَنِ العُلَماءِ عُمُومًا. وَمِنهم مَن تَأوَّلَها عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والضَّحاكِ وغَيْرِهِما، وهو بَعِيدٌ، وهو خِلافُ ظاهِرِ اللَّفْظِ، فَلا يُصارُ إلَيْهِ. وَمِنهم مَن جَعَلَهُ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ. والصَّحِيحُ أنَّ الحُكْمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ يَتَناوَلُ الكُفْرَيْنِ، الأصْغَرَ والأكْبَرَ بِحَسَبِ حالِ الحاكِمِ، فَإنَّهُ إنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ، وعَدَلَ عَنْهُ عِصْيانًا، مَعَ اعْتِرافِهِ بِأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ، فَهَذا كُفْرٌ أصْغَرُ، وإنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، وأنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ، مَعَ تَيَقُّنِهِ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، فَهَذا كُفْرٌ أكْبَرُ، وإنْ جَهِلَهُ وأخْطَأهُ فَهَذا مُخْطِئٌ، لَهُ حُكْمُ المُخْطِئِينَ. والقَصْدُ أنَّ المَعاصِيَ كُلَّها مِن نَوْعِ الكُفْرِ الأصْغَرِ، فَإنَّها ضِدُّ الشُّكْرِ، الَّذِي هو العَمَلُ بِالطّاعَةِ، فالسَّعْيُ إمّا شُكْرٌ، وإمّا كَفْرٌ، وإمّا ثالِثٌ، لا مِن هَذا ولا مِن هَذا، واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ الكُفْرُ الأكْبَرُ] وَأمّا الكُفْرُ الأكْبَرُ، فَخَمْسَةُ أنْواعٍ: كُفْرُ تَكْذِيبٍ، وكُفْرُ اسْتِكْبارٍ وإباءٍ مَعَ التَّصْدِيقِ، وكُفْرُ إعْراضٍ، وكُفْرُ شَكٍّ، وكُفْرُ نِفاقٍ. فَأمّا كُفْرُ التَّكْذِيبِ فَهو اعْتِقادُ كَذِبِ الرُّسُلِ، وهَذا القِسْمُ قَلِيلٌ في الكُفّارِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أيَّدَ رُسُلَهُ، وأعْطاهم مِنَ البَراهِينِ والآياتِ عَلى صِدْقِهِمْ ما أقامَ بِهِ الحُجَّةَ، وأزالَ بِهِ المَعْذِرَةَ، قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وَإنَّ سُمِّيَ هَذا كُفْرَ تَكْذِيبٍ أيْضًا فَصَحِيحٌ، إذْ هو تَكْذِيبٌ بِاللِّسانِ. وَأمّا كُفْرُ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ فَنَحْوُ كُفْرِ إبْلِيسَ، فَإنَّهُ لَمْ يَجْحَدْ أمْرَ اللَّهِ ولا قابَلَهُ بِالإنْكارِ، وإنَّما تَلَقّاهُ بِالإباءِ والِاسْتِكْبارِ، ومِن هَذا كُفْرُ مَن عَرَفَ صِدْقَ الرَّسُولِ، وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَمْ يَنْقَدْ لَهُ إباءً واسْتِكْبارًا، وهو الغالِبُ عَلى كُفْرِ أعْداءِ الرُّسُلِ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وَقَوْلِ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [إبراهيم: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] وهو كُفْرُ اليَهُودِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقالَ ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] وهو كُفْرُ أبِي طالِبٍ أيْضًا، فَإنَّهُ صَدَّقَهُ ولَمْ يَشُكَّ في صِدْقِهِ، ولَكِنْ أخَذَتْهُ الحَمِيَّةُ، وتَعْظِيمُ آبائِهِ أنْ يَرْغَبَ عَنْ مِلَّتِهِمْ، ويَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ. وَأمّا كُفْرُ الإعْراضِ فَأنْ يُعْرِضَ بِسَمْعِهِ وقَلْبِهِ عَنِ الرَّسُولِ، لا يُصَدِّقُهُ ولا يُكَذِّبُهُ، ولا يُوالِيهِ ولا يُعادِيهِ، ولا يُصْغِي إلى ما جاءَ بِهِ ألْبَتَّةَ، كَما قالَ أحَدُ بَنِي عَبْدِ يالِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: واللَّهِ أقُولُ لَكَ كَلِمَةً، إنْ كُنْتَ صادِقًا، فَأنْتَ أجَلُّ في عَيْنِي مِن أنْ أرُدَّ عَلَيْكَ، وإنْ كُنْتَ كاذِبًا، فَأنْتَ أحْقَرُ مِن أنْ أُكَلِّمَكَ. وَأمّا كُفْرُ الشَّكِّ فَإنَّهُ لا يَجْزِمُ بِصِدْقِهِ ولا يُكَذِّبُهُ، بَلْ يَشُكُّ في أمْرِهِ، وهَذا لا يَسْتَمِرُّ شَكُّهُ إلّا إذا ألْزَمَ نَفْسَهُ الإعْراضَ عَنِ النَّظَرِ في آياتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ جُمْلَةً، فَلا يَسْمَعُها ولا يَلْتَفِتُ إلَيْها، وأمّا مَعَ التِفاتِهِ إلَيْها، ونَظَرِهِ فِيها فَإنَّهُ لا يَبْقى مَعَهُ شَكٌّ، لِأنَّها مُسْتَلْزِمَةٌ لِلصِّدْقِ، ولا سِيَّما بِمَجْمُوعِها، فَإنَّ دَلالَتَها عَلى الصِّدْقِ كَدَلالَةِ الشَّمْسِ عَلى النَّهارِ. وَأمّا كُفْرُ النِّفاقِ فَهو أنْ يُظْهِرَ بِلِسانِهِ الإيمانَ، ويَنْطَوِيَ بِقَلْبِهِ عَلى التَّكْذِيبِ، فَهَذا هو النِّفاقُ الأكْبَرُ، وسَيَأْتِي بَيانُ أقْسامِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. [فَصْلٌ الجُحُودُ نَوْعانِ مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ] وَكُفْرُ الجَحُودِ نَوْعانِ: كُفْرٌ مُطَلَقٌ عامٌّ، وكُفْرٌ مُقَيَّدٌ خاصٌّ. فالمُطْلَقُ: أنْ يَجْحَدَ جُمْلَةَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ، وإرْسالَهُ الرَّسُولَ. والخاصُّ المُقَيَّدُ أنْ يَجْحَدَ فَرْضًا مِن فُرُوضِ الإسْلامِ، أوْ تَحْرِيمَ مُحَرَّمٍ مِن مُحَرَّماتِهِ، أوْ صِفَةٍ وصَفَ اللَّهُ بِها نَفْسَهُ، أوْ خَبَرًا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، عَمْدًا، أوْ تَقْدِيمًا لِقَوْلِ مَن خالَفَهُ عَلَيْهِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ. وَأمّا جَحْدُ ذَلِكَ جَهْلًا، أوْ تَأْوِيلًا يُعْذَرُ فِيهِ صاحِبُهُ فَلا يُكَفَّرُ صاحِبُهُ بِهِ، كَحَدِيثِ الَّذِي جَحَدَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وأمَرَ أهْلَهُ أنْ يَحْرِقُوهُ ويَذْرُوهُ في الرِّيحِ، ومَعَ هَذا فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ورَحِمَهُ لِجَهْلِهِ، إذْ كانَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَهُ مَبْلَغَ عِلْمِهِ، ولَمْ يَجْحَدْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى إعادَتِهِ عِنادًا أوْ تَكْذِيبًا.

المائدة 5:48

أخبر أن مرجعهم إليه عند إخباره بتعدد شرائعهم ومنهاهجم كما ذكر ذلك بعينه عند إخباره بتعدد وجهتهم وقبلتهم فقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْرات أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ وتحت هذا سر بديع يفهمه من يفهمه وهو أنه عند الاختلاف في الطرائق والمذاهب والشرائع والقبل يكون أقربها إلى الحق ما كان أدل على الله وأوصل إليه لأن مرجع الجميع إليه يوم القيامة وحده وإن اختلفت أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم فمرجعهم إلى رب واحد وإله واحد فهكذا ينبغي أن يكون مرد الجميع ورجوعهم كلهم إليه وحده في الدنيا فلا يعبدون غيره ولا يدينون بغير دينه إذ هو إلههم الحق في الدنيا والآخرة فإذا كان أكثر الناس قد أبي ذلك إلا كفورا وذهابا في الطرق الباطلة وعبادة غيره وإن دانوا غير دينه فاستبقوا أنتم أيها المؤمنين للخيرات وبادروا إليها ولا تذهبوا مع الذين يسارعون في الباطل والكفر فتأمل هذا السر البديع في السورتين يوم الفصل والبعث. وفي قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ سر آخر أيضا وهو أن هذا الاختلاف دليل على يوم الفصل وهو اليوم الذي يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق ويبين لهم حقيقة ما اختلفوا فيه فنفس الاختلاف دليل على يوم الفصل والبعث وقد أوضح ذلك قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ فذكر تعالى حكمتين بالغتين في بعثة الأموات بعدما أماتهم: إحداهما: أن يبين للناس الذي اختلفوا فيه وهذا بيان عياني تشترك فيه الخلائق كلهم والذي حصل في الدنيا بيان إيماني اختص به بعضهم. الحكمة الثانية: علم المبطل بأنه كان كاذبا وإن كان على باطل وأن نسبة أهل الحق إلى الباطل من افترائه وكذبه وبهتانه فيخزيه ذلك أعظم خزي فتأمل أسرار كلام الرب تعالى وما تضمنته آيات الكتاب المجيد من الحكمة البالغة الشاهدة بأنه كلام رب العالمين والشاهدة لرسوله بأنه الصادق المصدوق، وهذا كله من مقتضى حكمته وحمده تعالى وهو معنى كونه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ولم يخلق ذلك باطلا بل خلقه خلقا صادرا عن الحق آيلا إلى الحق مشتملا على الحق.

المائدة 5:54

وصفهم بست صفات: أحدها: محبتهم له. والثانية: محبته لهم. والثالثة: ذلُّهم ولينُهم على أوليائه. والرابعة: عِزّهم وشدّتهم على أعدائه. والخامسة: جهادهم في سبيله. والسادسة: احتمالهم لومَ الخلق لهم على ذلك، وأنهم ليسوا ممن يصدُّه الكلامُ والعَذْلُ عن الجهاد في سبيل الله، وأنهم ليسوا بمنزلة مَن يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحبه الله، ولا بمنزلة مَن أظهر من مكروهات الرب تبارك وتعالى ما يُلامون عليه، ويُسمّون بالملامتية إظهارًا منهم لما يُلامون عليه في الظاهر، وهم مُنطَوون في الباطن على الصدق والإخلاص، سترًا لحالهم عن الناس، فهم فعلوا ذلك لعدم احتمالهم الملامَ، والأولون احتملوا الملام فيما لا يحبه الله، وأحبّاء الله فعلوا ما أحبَّه الله، ولم تأخذهم فيه لومة لائم. فالأقسام ثلاثة: أحدها: مَن يصدُّه اللوم عن مَحابِّ الله. والثاني: مَن لا تأخذه في محبة الله لومة لائم. والثالث: من يُظهِر ما يُلام عليه إخفاءً لقيامه بمحابِّ الله. فالأول مفرِّط، والثالث مؤمن ضعيف، والوسط هو الوسط الخيار، وهو المؤمن القوي، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وأعلى ما يحبه الله ورسوله الجهاد في سبيل الله، واللائمون عليه كثير، إذ أكثرُ النفوس تكرهه، واللائمون عليه ثلاثة أقسام: منافق، ومخذِّل مفتِّر للهمة، ومُرجِف مُضعِف للقوة والقدرة. [فَصْلٌ المَحَبَّةُ المَحْمُودَةُ والمَحَبَّةُ المَذْمُومَةُ] وَلَمّا كانَتِ المَحَبَّةُ جِنْسًا تَحْتَهُ أنْواعٌ مُتَفاوِتَةٌ في القَدْرِ والوَصْفِ، كانَ أغْلَبَ ما يُذْكَرُ فِيها في حَقِّ اللَّهِ تَعالى ما يُخْتَصُّ بِهِ ويَلِيقُ بِهِ مِن أنْواعِها، وما لا تَصْلُحُ إلّا لَهُ وحْدَهُ، مِثْلَ العِبادَةِ والإنابَةِ ونَحْوِها، فَإنَّ العِبادَةَ لا تَصْلُحُ إلّا لَهُ وحْدَهُ، وكَذا الإنابَةُ، وقَدْ ذَكَرَ المَحَبَّةَ بِاسْمِها المُطْلَقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾. وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وَأعْظَمُ أنْواعِ المَحَبَّةِ المَذْمُومَةِ: المَحَبَّةُ مَعَ اللَّهِ الَّتِي يُسَوِّي المُحِبُّ فِيها بَيْنَ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ومَحَبَّتِهِ لِلنِّدِّ الَّذِي اتَّخَذَهُ مِن دُونِهِ. وَأعْظَمُ أنْواعِها المَحْمُودَةِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ هي أصْلُ السَّعادَةِ ورَأْسُها الَّتِي لا يَنْجُو أحَدٌ مِنَ العَذابِ إلّا بِها، والمَحَبَّةُ المَذْمُومَةُ الشِّرْكِيَّةُ هي أصْلُ الشَّقاوَةِ ورَأْسُها الَّتِي لا يَبْقى في العَذابِ إلّا أهْلُها، فَأهْلُ المَحَبَّةِ الَّذِينَ أحَبُّوا اللَّهَ وعَبَدُوهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لا يَدْخُلُونَ النّارَ، ومَن دَخَلَها مِنهم بِذُنُوبِهِ فَإنَّهُ لا يَبْقى فِيها مِنهم أحَدٌ. وَمَدارُ القُرْآنِ عَلى الأمْرِ بِتِلْكَ المَحَبَّةِ ولَوازِمِها، والنَّهْيِ عَنِ المَحَبَّةِ الأُخْرى ولَوازِمِها، وضَرَبَ الأمْثالَ والمَقايِيسَ لِلنَّوْعَيْنِ، وذَكَرَ قَصَصَ النَّوْعَيْنِ، وتَفْصِيلَ أعْمالِ النَّوْعَيْنِ وأوْلِيائِهِمْ ومَعْبُودَ كُلٍّ مِنهُما، وإخْبارِهِ عَنْ فِعْلِهِ بِالنَّوْعَيْنِ، وعَنْ حالِ النَّوْعَيْنِ في الدُّورِ الثَّلاثَةِ: دارِ الدُّنْيا، ودارِ البَرْزَخِ، ودارِ القَرارِ، والقُرْآنُ جاءَ في شَأْنِ النَّوْعَيْنِ. وَأصْلُ دَعْوَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، إنَّما هي عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، المُتَضَمِّنَةُ لِكَمالِ حُبِّهِ، وكَمالِ الخُضُوعِ والذُّلِّ لَهُ، والإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، ولَوازِمِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعَةِ والتَّقْوى. وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن نَفْسِي، فَقالَ: لا يا عُمَرُ حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ، قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، قالَ: الآنَ يا عُمَرُ». فَإذا كانَ هَذا شَأْنَ مَحَبَّةِ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ ﷺ ووُجُوبِ تَقْدِيمِها عَلى مَحَبَّةِ نَفْسِ الإنْسانِ ووَلَدِهِ ووالِدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، فَما الظَّنُّ بِمَحَبَّةِ مُرْسِلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ووُجُوبِ تَقْدِيمِها عَلى مَحَبَّةِ ما سِواهُ؟ وَمَحَبَّةُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ تَخْتَصُّ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ في قَدْرِها وصِفَتِها وإفْرادِهِ سُبْحانَهُ بِها: فَإنَّ الواجِبَ لَهُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلى العَبْدِ مِن ولَدِهِ ووالِدِهِ، بَلْ مِن سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ونَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فَيَكُونُ إلَهُهُ الحَقُّ ومَعْبُودُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، والشَّيْءُ قَدْ يُحَبُّ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، وقَدْ يُحَبُّ بِغَيْرِهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ يُحَبُّ لِذاتِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ إلّا اللَّهَ وحْدَهُ، ولا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ، و﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. والتَّألُّهُ: هو المَحَبَّةُ والطّاعَةُ والخُضُوعُ. (فائدة) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ادَّعى قَوْمٌ مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ المِحْنَةِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وَقالَ " ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] " إشارَةٌ إلى دَلِيلِ المَحَبَّةِ وثَمَرَتِها، وفائِدَتِها. فَدَلِيلُها وعَلامَتُها: اتِّباعُ الرَّسُولِ. وَفائِدَتُها وثَمَرَتُها: مَحَبَّةُ المُرْسَلِ لَكم. فَما لَمْ تَحْصُلِ المُتابَعَةُ. فَلَيْسَتْ مَحَبَّتُكم لَهُ حاصِلَةً. ومَحَبَّتُهُ لَكم مُنْتَفِيَةً. وَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فَقَدْ ذَكَرَ لَهم أرْبَعَ عَلاماتٍ أحَدُها: أنَّهم أذِلَّةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ قِيلَ: مَعْناهُ أرِقّاءُ، رُحَماءُ مُشْفِقُونَ عَلَيْهِمْ. عاطِفُونَ عَلَيْهِمْ. فَلَمّا ضَمَّنَ أذِلَّةً هَذا المَعْنى عَدّاهُ بِأداةِ " عَلى ". قالَ عَطاءٌ: لِلْمُؤْمِنِينَ كالوَلَدِ لِوالِدِهِ، والعَبْدِ لِسَيِّدِهِ. وعَلى الكافِرِينَ كالأسَدِ عَلى فَرِيسَتِهِ ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. العَلامَةُ الثّالِثَةُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالنَّفْسِ واليَدِ، واللِّسانِ والمالِ، وذَلِكَ تَحْقِيقُ دَعْوى المَحَبَّةِ. العَلامَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهم لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ. وهَذا عَلامَةُ صِحَّةِ المَحَبَّةِ فَكُلُّ مُحِبٍّ يَأْخُذُهُ اللَّوْمُ عَنْ مَحْبُوبِهِ فَلَيْسَ بِمُحِبٍّ عَلى الحَقِيقَةِ. كَما قِيلَ: ؎لا كانَ مَن لِسِواكَ فِيهِ بَقِيَّةٌ ∗∗∗ يَجِدُ السَّبِيلَ بِها إلَيْهِ اللُّوَمُ. (فصل) قوله تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ لَمّا كانَ الذُّلُّ مِنهم ذُلَّ رَحْمَةٍ وعَطْفٍ وشَفَقَةٍ وإخْباتٍ عَدّاهُ بِأداةِ عَلى تَضْمِينًا لِمَعانِي هَذِهِ الأفْعالِ. فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذُلَّ الهَوانِ الَّذِي صاحِبُهُ ذَلِيلٌ. وإنَّما هو ذُلُّ اللِّينِ والِانْقِيادِ الَّذِي صاحِبُهُ ذَلُولٌ، فالمُؤْمِنُ ذَلُولٌ. كَما في الحَدِيثِ «المُؤْمِنِ كالجَمَلِ الذَّلُولِ. والمُنافِقُ والفاسِقُ ذَلِيلٌ» وَأرْبَعَةٌ يَعْشَقُهُمُ الذُّلُّ أشَدَّ العِشْقِ: الكَذّابُ. والنَّمّامُ. والبَخِيلُ. والجَبّارُ. وَقَوْلُهُ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ هو مِن عِزَّةِ القُوَّةِ والمَنَعَةِ والغَلَبَةِ. قالَ عَطاءٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ كالوالِدِ لِوَلَدِهِ. وعَلى الكافِرِينَ كالسَّبُعِ عَلى فَرِيسَتِهِ. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وهَذا عَكْسُ حالِ مَن قِيلَ فِيهِمْ: ؎كِبْرًا عَلَيْنا، وجُبْنًا عَنْ عَدُوِّكُمُ ∗∗∗ لَبِئْسَتِ الخِلَّتانِ: الكِبْرُ، والجُبْنُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيَّ: أنْ تَواضَعُوا، حَتّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ. ولا يَبْغِيَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ». وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «ألا أُخْبِرُكم بِأهْلِ النّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ». وَفِي حَدِيثِ احْتِجاجِ الجَنَّةِ والنّارِ «أنَّ النّارَ قالَتْ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا الجَبّارُونَ، والمُتَكَبِّرُونَ؟ وقالَتِ الجَنَّةُ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا ضُعَفاءُ النّاسِ وسَقْطُهُمْ». وَهُوَ في الصَّحِيحِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: العِزَّةُ إزارِي. والكِبْرِياءُ رِدائِي. فَمَن نازَعَنِي عَذَّبْتُهُ». وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لا يَزالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتّى يُكْتَبَ في دِيوانِ الجَبّارِينَ. فَيُصِيبُهُ ما أصابَهُمْ». «وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ عَلى الصِّبْيانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ». «وَكانَتِ الأمَةُ تَأْخُذُ بِيَدِهِ ﷺ. فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ.» «وَكانَ ﷺ إذا أكَلَ لَعِقَ أصابِعَهُ الثَّلاثَ». «وَكانَ ﷺ يَكُونُ في بَيْتِهِ في خِدْمَةِ أهْلِهِ، ولَمْ يَكُنْ يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ قَطُّ». وَكانَ ﷺ «يَخْصِفُ نَعْلَهُ، ويُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، ويَحْلِبُ الشّاةَ لِأهْلِهِ، ويَعْلِفُ البَعِيرَ ويَأْكُلُ مَعَ الخادِمِ. ويُجالِسُ المَساكِينَ، ويَمْشِي مَعَ الأرْمَلَةِ واليَتِيمِ في حاجَتِهِما، ويَبْدَأُ مَن لَقِيَهُ بِالسَّلامِ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ مَن دَعاهُ. ولَوْ إلى أيْسَرِ شَيْءٍ». «وَكانَ ﷺ هَيِّنَ المُؤْنَةِ، لَيِّنَ الخُلُقِ. كَرِيمَ الطَّبْعِ. جَمِيلَ المُعاشَرَةِ. طَلْقَ الوَجْهِ بَسّامًا، مُتَواضِعًا مِن غَيْرِ ذِلَّةٍ، جَوادًا مِن غَيْرِ سَرَفٍ، رَقِيقَ القَلْبِ رَحِيمًا بِكُلِّ مُسْلِمٍ خافِضَ الجَناحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيِّنَ الجانِبِ لَهُمْ». وَقالَ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِمَن يَحْرُمُ عَلى النّارِ - أوْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النّارُ - تَحْرُمُ عَلى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقالَ: «لَوْ دُعِيتُ إلى ذِراعٍ - أوْ كُراعٍ - لَأجَبْتُ، ولَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِراعٌ - أوْ كُراعٌ - لَقَبِلْتُ» رَواهُ البُخارِيُّ. وَكانَ ﷺ «يَعُودُ المَرِيضَ. ويَشْهَدُ الجِنازَةَ. ويَرْكَبُ الحِمارَ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ العَبْدِ». «وَكانَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ عَلى حِمارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِن لِيفٍ عَلَيْهِ إكافٌ مِن لِيفٍ». [فَصْلٌ: أنْواعُ المَحَبَّةِ] وَهاهُنا أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ المَحَبَّةِ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَها، وإنَّما ضَلَّ مَن ضَلَّ بِعَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَها. أحَدُها: مَحَبَّةُ اللَّهِ، ولا تَكْفِي وحْدَها في النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ والفَوْزِ بِثَوابِهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ وعُبّادَ الصَّلِيبِ واليَهُودَ وغَيْرَهم يُحِبُّونَ اللَّهَ. الثّانِي: مَحَبَّةُ ما يُحِبُّ اللَّهُ، وهَذِهِ هي الَّتِي تُدْخِلُهُ في الإسْلامِ، وتُخْرِجُهُ مِنَ الكُفْرِ، وأحَبُّ النّاسِ إلى اللَّهِ أقْوَمُهم بِهَذِهِ المَحَبَّةِ وأشَدُّهم فِيها. الثّالِثُ: الحُبُّ لِلَّهِ وفِيهِ، وهي مِن لَوازِمِ مَحَبَّةِ ما يُحِبُّ، ولا تَسْتَقِيمُ مَحَبَّةُ ما يُحِبُّ إلّا فِيهِ ولَهُ. الرّابِعُ: المَحَبَّةُ مَعَ اللَّهِ، وهي المَحَبَّةُ الشِّرِكِيَّةُ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا مَعَ اللَّهِ لا لِلَّهِ، ولا مِن أجْلِهِ، ولا فِيهِ، فَقَدِ اتَّخَذَهُ نِدًّا مِن دُونِ اللَّهِ، وهَذِهِ مَحَبَّةُ المُشْرِكِينَ. وَبَقِيَ قِسْمٌ خامِسٌ لَيْسَ مِمّا نَحْنُ فِيهِ: وهي المَحَبَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ، وهي مَيْلُ الإنْسانِ إلى ما يُلائِمُ طَبْعَهُ، كَمَحَبَّةِ العَطْشانِ لِلْماءِ، والجائِعِ لِلطَّعامِ، ومَحَبَّةِ النَّوْمِ والزَّوْجَةِ والوَلَدِ، فَتِلْكَ لا تُذَمُّ إلّا إذا ألْهَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وشَغَلَتْ عَنْ مَحَبَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]. وَقالَ تَعالى ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].

المائدة 5:67

إنَّ مِن تَمامِ التَّوَكُّلِ اسْتِعْمالَ الأسْبابِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا وشَرْعًا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أكْمَلُ الخَلْقِ تَوَكُّلًا، وإنَّما كانُوا يَلْقَوْنَ عَدُوَّهم وهم مُتَحَصِّنُونَ بِأنْواعِ السِّلاحِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، والبَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾. وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ، ولا رُسُوخَ في العِلْمِ يَسْتَشْكِلُ هَذا، ويَتَكايَسُ في الجَوابِ تارَةً بِأنَّ هَذا فَعَلَهُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وتارَةً بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ. ووَقَعَتْ في مِصْرَ مَسْألَةٌ سَألَ عَنْها بَعْضُ الأُمَراءِ، وقَدْ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ، في " تارِيخِهِ الكَبِيرِ " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ بَعْدَ أنْ أهْدَتْ لَهُ اليَهُودِيَّةُ الشّاةَ المَسْمُومَةَ لا يَأْكُلُ طَعامًا قُدِّمَ لَهُ حَتّى يَأْكُلَ مِنهُ مَن قَدَّمَهُ. قالُوا: وفي هَذا أُسْوَةٌ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ. فَقالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذا، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إلَيْهِ. وَأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ الحَدِيثِ، وبَعْضُهم بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَها. ولَوْ تَأمَّلَ هَؤُلاءِ أنَّ ضَمانَ اللَّهِ لَهُ العِصْمَةَ لا يُنافِي تَعاطِيَهُ لِأسْبابِها، لَأغْناهم عَنْ هَذا التَّكَلُّفِ، فَإنَّ هَذا الضَّمانَ لَهُ مِن رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى لا يُناقِضُ احْتِراسَهُ مِنَ النّاسِ، ولا يُنافِيهِ، كَما أنَّ إخْبارَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ يُظْهِرُ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ويُعْلِيهِ لا يُناقِضُ أمْرَهُ بِالقِتالِ وإعْدادِ العُدَّةِ والقُوَّةِ ورِباطِ الخَيْلِ، والأخْذِ بِالجِدِّ والحَذَرِ والِاحْتِراسِ مِن عَدُوِّهِ، ومُحارَبَتِهِ بِأنْواعِ الحَرْبِ والتَّوْرِيَةِ، فَكانَ إذا أرادَ الغَزْوَةَ ورّى بِغَيْرِها، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ عاقِبَةِ حالِهِ ومَآلِهِ بِما يَتَعاطاهُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مُفْضِيَةً إلى ذَلِكَ مُقْتَضِيَةً لَهُ، وهو ﷺ أعْلَمُ بِرَبِّهِ، وأتْبَعُ لِأمْرِهِ مِن أنْ يُعَطِّلَ الأسْبابَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مُوجِبَةً لِما وعَدَهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ إظْهارِ دِينِهِ وغَلَبَتِهِ لِعَدُوِّهِ، وهَذا كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ ضَمِنَ لَهُ حَياتَهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالاتِهِ، ويُظْهِرَ دِينَهُ، وهو يَتَعاطى أسْبابَ الحَياةِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والمَسْكَنِ، وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، حَتّى آلَ ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إلى أنْ تَرَكَ الدُّعاءِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَسْئُولَ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ نالَهُ، ولا بُدَّ وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَنَلْهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاشْتِغالِ بِالدُّعاءِ؟ ثُمَّ تَكايَسَ في الجَوابِ، بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ عِبادَةٌ، فَيُقالُ لِهَذا الغالِطِ: بَقِيَ عَلَيْكَ قِسْمٌ آخَرُ - وهو الحَقُّ - أنَّهُ قَدْ قَدَّرَ لَهُ مَطْلُوبَهُ بِسَبَبٍ إنْ تَعاطاهُ حَصَلَ لَهُ المَطْلُوبُ، وإنْ عَطَّلَ السَّبَبَ فاتَهُ المَطْلُوبُ، والدُّعاءُ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، وما مِثْلُ هَذا الغالِطِ إلّا مِثْلُ مَن يَقُولُ: وإنْ كانَ اللَّهُ قَدْ قَدَّرَ لِيَ الشَّبَعَ فَأنا أشْبَعُ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ، إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لِيَ الشَّبَعَ لَمْ أشْبَعْ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ فَما فائِدَةُ الأكْلِ؟ وأمْثالُ هَذِهِ التُّرَّهاتِ الباطِلَةِ المُنافِيَةِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وشَرْعِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فائدة) عتبة بن أبي وقاص الذي كسر رباعية النبي ﷺ يوم أحد قال بعض العلماء بالأخبار إنه استقرى نسله فلا يبلغ أحد منهم الحلم إلا أبخر وأهتم يعرف ذلك فيهم من شؤم الآباء على الأبناء. واختلف فيما وقع للنبي ﷺ من هذا ونحوه فقيل هو قبل نزول قوله: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾. وقيل العصمة الموعود بها عصمة النفس من القتل لا عصمته من أذاهم بالكلية بل أبقى الله تعالى لرسوله ثواب ذلك الأذى ولأمته حسن التأسي به إذا أوذي أحدهم نظر إلى ما جرى عليه وصبر، وللمؤذين الأشقياء الأخذة الرابية.

المائدة 5:77

فهذا خطاب للنصارى لأنه في سياق خطابه معهم بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ فوصفهم بأنهم قد ضلوا أولا، ثم أضلوا كثيرا وهم أتباعهم. فهذا قبل مبعث النبي محمد ﷺ حيث ضلوا في أمر المسيح وأضلوا أتباعهم فلما بعث النبي ﷺ ازدادوا ضلالا آخر بتكذيبهم له وكفرهم به فتضاعف الضلال في حقهم هذا قول طائفة منهم الزمخشري وغيره وهو ضعيف فإن هذا كله وصف لأسلافهم الذين هم لهم تبع فوصفهم بثلاث صفات إحداها أنهم قد ضلوا من قبلهم والثانية: أضلوا أتباعهم والثالثة: أنهم ضلوا عن سواء السبيل فهذه صفات لأسلافهم الذين نهي هؤلاء عن اتباع أهوائهم فلا يصح أن يكون وصفا للموجودين في زمن النبي ﷺ لأنهم هم المنهيون أنفسهم لا المنهي عنهم فتأمله. وإنما سر الآية أنها اقتضت تكرار الضلال في النصارى ضلالا بعد ضلال لفرط جهلهم بالحق وهي نظير الآية التي تقدمت في تكرار الغضب في حق اليهود ولهذا كان النصارى أخص بالضلال من اليهود ووجه تكرار هذا الضلال أن الضلال قد أخطأ نفس مقصوده فيكون ضالا فيه فيقصد ما لا ينبغي أن يقصده ويعبد من لا ينبغي أن يعبده وقد يصيب مقصودا حقا لكن يضل في طريق طلبة والسبيل الموصلة إليه فالأول ضلال في الغاية والثاني ضلال في الوسيلة ثم إذا دعا غيره إلى ذلك فقد أضله وأسلاف النصارى اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة فضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه وزعموا أن إلههم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به وضلوا عن السبيل الموصلة إليه فلا اهتدوا إلى المطلوب ولا إلى الطريق الموصل إليه ودعوا أتباعهم إلى ذلك فضلوا عن الحق وعن طريقه وأضلوا كثيرا فكانوا أدخل في الضلال من اليهود فوصفوا بأخص الوصفين والذي يحقق ذلك أن اليهود إنما أتوا من فساد الإرادة والحسد وإيثار ما كان لهم على قومهم من السحت والرياسة فخافوا أن يذهب بالإسلام فلم يؤتوا من عدم العلم بالحق فإنهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم ولهذا لم يوبخهم الله تعالى ويقرعهم إلا بإراداتهم الفاسدة من الكبر والحسد وإيثار السحت والبغي وقتل الأنبياء ووبخ النصارى بالضلال والجهل الذي هو عدم العلم بالحق فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة ومن عدم إرادته والعمل بها أخرى يتركب منها، فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به وإيثار غير عليه بعد معرفته فلم يكن ضلالا محضا وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه فإذا تبين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية وبقوا مغضوبا عليهم ضالين ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيله إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق والبغي يمنعه من إرادته كان العبد أحوج شيء إلى أن يسأل الله تعالى كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم تعريفا وبيانا وإرشادا وإلهاما وتوفيقا وإعانة فيعلمه ويعرفه ثم يجعله مريدا له قاصدا لاتباعه فيخرج بذلك عن طريقة المغضوب عليهم الذين عدلوا عنه على عمد وعلم والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال. (فائدة) كان السلف يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبّادنا ففيه شبه من النصارى. وهذا كما قالوا، فإن من فسد من العلماء فاستعمل أخلاق اليهود من تحريف الكلم عن مواضعه، وكتمان ما أنزل الله إذا كان فيه فوات غرضه وحسد من آتاه الله من فضله وطلب قتله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، ويدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم إلى غير ذلك من الأخلاق التي ذم بها اليهود من الكفر واللي والكتمان والتحريف والتحيل على المحارم وتلبيس الحق بالباطل فهذا شبهه باليهود ظاهر. وأما من فسد من العُبّاد فعبد الله بمقتضى هواه لا بما بعث به رسوله ﷺ وغلا في الشيوخ فأنزلهم منزلة الربوبية، وجاوز ذلك إلى نوع من الحلول أو الاتحاد فشبهه بالنصارى ظاهر. فعلى المسلم أن يبعد من هذين الشبهين غاية البعد، ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه وأن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين إنه قريب مجيب. (فصل) وَقَدْ نَهى اللَّهُ عَنِ الغُلُوِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]. والغُلُوُّ نَوْعانِ: نَوْعٌ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطِيعًا. كَمَن زادَ في الصَّلاةِ رَكْعَةً، أوْ صامَ الدَّهْرَ مَعَ أيّامِ النَّهْيِ، أوْ رَمى الجَمَراتِ بِالصَّخْراتِ الكِبارِ الَّتِي يُرْمى بِها في المَنجَنِيقِ، أوْ سَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ عَشْرًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَمْدًا. وَغُلُوٌّ يُخافُ مِنهُ الِانْقِطاعُ والِاسْتِحْسارُ. كَقِيامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ. وسَرْدِ الصِّيامِ الدَّهْرَ أجْمَعَ. بِدُونِ صَوْمِ أيّامِ النَّهْيِ. والجَوْرِ عَلى النُّفُوسِ في العِباداتِ والأوْرادِ، الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ هَذا الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ. فَسَدِّدُوا وقارِبُوا ويَسِّرُوا. واسْتَعِينُوا بِالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ. وشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» يَعْنِي اسْتَعِينُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِالأعْمالِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ. فَإنَّ المُسافِرَ يَسْتَعِينُ عَلى قَطْعِ مَسافَةِ السَّفَرِ بِالسَّيْرِ فِيها. وَقالَ ﷺ «لِيُصَلِّ أحَدُكم نَشاطَهُ. فَإذا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ» رَواهُما البُخارِيُّ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ - قالَها ثَلاثًا - وهُمُ المُتَعَمِّقُونَ المُتَشَدِّدُونَ». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ، فَواللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتّى تَمَلُّوا». وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ. فَأوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ. ولا تُبَغِّضَنَّ إلى نَفْسِكَ عِبادَةَ اللَّهِ». أوْ كَما قالَ. وَقَوْلُهُ: ولا يُحْمَلا عَلى عِلَّةٍ تُوهِنُ الِانْقِيادَ. يُرِيدُ: أنْ لا يَتَأوَّلَ في الأمْرِ والنَّهْيِ عِلَّةً تَعُودُ عَلَيْهِما بِالإبْطالِ، كَما تَأوَّلَ بَعْضُهم تَحْرِيمَ الخَمْرِ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِإيقاعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، والتَّعَرُّضِ لِلْفَسادِ. فَإذا أمِنَ مِن هَذا المَحْذُورِ مِنهُ جازَ شُرْبُهُ. كَما قِيلَ: ؎أدِرْها فَما التَّحْرِيمُ فِيها لِذاتِها ∗∗∗ ولَكِنْ لِأسْبابٍ تَضَمَّنَّها السُّكْرُ ؎إذا لَمْ يَكُنْ سُكْرٌ يُضِلُّ عَنِ الهُدى ∗∗∗ فَسِيّانِ ماءٌ في الزُّجاجَةِ أوْ خَمْرُ وَقَدْ بَلَغَ هَذا بِأقْوامٍ إلى الِانْسِلاخِ مِنَ الدِّينِ جُمْلَةً. وقَدْ حَمَلَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ جَعَلُوا تَحْرِيمَ ما عَدا شَرابِ خَمْرِ العِنَبِ مُعَلَّلًا بِالإسْكارِ. فَلَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ ما شاءَ، ما لَمْ يُسْكِرْ. وَمِنَ العِلَلِ الَّتِي تُوهِنُ الِانْقِيادَ: أنْ يُعَلِّلَ الحُكْمَ بِعِلَّةٍ ضَعِيفَةٍ، لَمْ تَكُنْ هي الباعِثَةَ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ. فَيَضْعُفَ انْقِيادُ العَبْدِ إذا قامَ عِنْدَهُ أنَّ هَذِهِ هي عِلَّةُ الحَكَمِ. ولِهَذا كانَتْ طَرِيقَةُ القَوْمِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِعِلَلِ التَّكالِيفِ خَشْيَةَ هَذا المَحْذُورِ. وَفِي بَعْضِ الآثارِ القَدِيمَةِ: يا بَنِي إسْرائِيلَ. لا تَقُولُوا: لِمَ أمَرَ رَبُّنا؟ ولَكِنْ قُولُوا: بِمَ أمَرَ رَبُّنا؟ وَأيْضًا فَإنَّهُ إذا لَمْ يَمْتَثِلِ الأمْرَ حَتّى تَظْهَرَ لَهُ عِلَّتُهُ، لَمْ يَكُنْ مُنْقادًا لِلْأمْرِ. وَأقَلُّ دَرَجاتِهِ: أنْ يَضْعُفَ انْقِيادُهُ لَهُ. وَأيْضًا فَإنَّهُ إذا نَظَرَ إلى حِكَمِ العِباداتِ والتَّكالِيفِ مَثَلًا. وجَعَلَ العِلَّةَ فِيها هي جَمْعِيَّةَ القَلْبِ، والإقْبالَ بِهِ عَلى اللَّهِ. فَقالَ: أنا أشْتَغِلُ بِالمَقْصُودِ عَنِ الوَسِيلَةِ. فاشْتَغَلَ بِجَمْعِيَّتِهِ وخَلْوَتِهِ عَنْ أوْرادِ العِباراتِ فَعَطَّلَها، وتَرَكَ الِانْقِيادَ بِحَمْلِهِ الأمْرَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي أذْهَبَتِ انْقِيادَهُ. وَكُلُّ هَذا مِن تَرْكِ تَعَظُّمِ الأمْرِ والنَّهْيِ. وَقَدْ دَخَلَ مِن هَذا الفَسادِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الطَّوائِفِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. فَما يَدْرِي ما أوْهَنَتِ العِلَلُ الفاسِدَةُ مِن الِانْقِيادِ إلّا اللَّهُ. فَكَمْ عَطَّلَتْ لِلَّهِ مِن أمْرٍ. وأباحَتْ مِن نَهْيٍ. وحَرَّمَتْ مِن مُباحٍ؟! وَهِيَ الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ عَلى ذَمِّها.

المائدة 5:83

[حَقِيقَةُ المَعْرِفَةِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: (بابُ المَعْرِفَةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] المَعْرِفَةُ: إحاطَةٌ بِعَيْنِ الشَّيْءِ كَما هو. قُلْتُ: وقَعَ في القُرْآنِ لَفْظُ المَعْرِفَةِ ولَفْظُ العِلْمِ، فَلَفْظُ المَعْرِفَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وَأمّا لَفْظُ العِلْمِ فَهو أوْسَعُ إطْلاقًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القصص: ٨٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ [النمل: ٤٠]، وقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الحديد: ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] وهَذا كَثِيرٌ. واخْتارَ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ اسْمَ العِلْمِ وما تَصَرَّفَ مِنهُ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ عالِمٌ، وعَلِيمٌ، وعَلّامٌ، وعَلِمَ، ويَعْلَمُ، وأخْبَرَ أنَّ لَهُ عِلْمًا دُونَ لَفْظِ المَعْرِفَةِ في القُرْآنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الِاسْمَ الَّذِي اخْتارَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ أكْمَلُ نَوْعِهِ المُشارِكُ لَهُ في مَعْناهُ. وَإنَّما جاءَ لَفْظُ المَعْرِفَةِ في القُرْآنِ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] إلى قَوْلِهِ ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وَهَذِهِ الطّائِفَةُ تُرَجِّحُ المَعْرِفَةَ عَلى العِلْمِ جِدًّا، وكَثِيرٌ مِنهم لا يَرْفَعُ بِالعِلْمِ رَأْسًا، ويُعِدُّهُ قاطِعًا وحِجابًا دُونَ المَعْرِفَةِ، وأهْلُ الِاسْتِقامَةِ مِنهُمْ: أشَدُّ النّاسِ وصِيَّةً لِلْمُرِيدِينَ بِالعِلْمِ، وعِنْدَهم أنَّهُ لا يَكُونُ ولِيٌّ لِلَّهِ كامِلُ الوِلايَةِ مِن غَيْرِ أُولِي العِلْمِ أبَدًا، فَما اتَّخَذَ اللَّهُ ولا يَتَّخِذُ ولِيًّا جاهِلًا، والجَهْلُ رَأْسُ كُلِّ بِدْعَةٍ وضَلالَةٍ ونَقْصٍ، والعِلْمُ أصْلُ كُلِّ خَيْرٍ وهُدًى وكَمالٍ.

المائدة 5:90

[بَعْضُ الأغْلاطِ الَّتِي وقَعَ فِيها أهْلُ الألْفاظِ وأهْلُ المَعانِي] قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فَلَفْظُ الخَمْرِ عامٌّ في كُلِّ مُسْكِرٍ، فَإخْراجُ بَعْضِ الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ عَنْ شُمُولِ اسْمِ الخَمْرِ لَها تَقْصِيرٌ بِهِ وهَضْمٌ لِعُمُومِهِ، بَلْ الحَقُّ ما قالَهُ صاحِبُ الشَّرْعِ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وإخْراجُ بَعْضِ أنْواعِ المَيْسِرِ عَنْ شُمُولِ اسْمِهِ لَها تَقْصِيرٌ أيْضًا بِهِ، وهَضْمٌ لِمَعْناهُ، فَما الَّذِي جَعَلَ النَّرْدَ الخالِيَ عَنْ العِوَضِ مِن المَيْسِرِ وأخْرَجَ الشِّطْرَنْجَ عَنْهُ، مَعَ أنَّهُ مِن أظْهَرْ أنْواعِ المَيْسِرِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن السَّلَفِ إنّهُ مَيْسِرٌ؟ وقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: هو مَيْسِرُ العَجَمِ. (فائدة) فعل المَأْمُور مَقْصُود لذاته وترك المنْهِي مَقْصُود لتكميل فعل المَأْمُور فَهو مَنهِيّ عَنهُ لأجل كَونه يخل بِفعل المَأْمُور أو يُضعفهُ وينقصه كَما نبه سُبْحانَهُ على ذَلِك في النَّهْي عَن الخمر والميسر بكونهما يصدان عَن ذكر الله وعَن الصَّلاة فالمنهيات قواطع وموانع صادة عَن فعل المأمورات أو عَن كمالها فالنهي عَنْها من باب المَقْصُود لغيره والأمر بالواجبات من باب المَقْصُود لنَفسِهِ. وقال أيضًا: فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد فإن معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق وثبت بها الأمر وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات إنما نهى عنها لأنها صادة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوتة لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذي وضعه الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذي به يعرف الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلي له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه إنما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في إيجابِ الحَدِّ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِن الخَمْرِ] وَأمّا قَوْلُهُ: " أوْجَبَ الحَدَّ في القَطْرَةِ الواحِدَةِ مِن الخَمْرِ دُونَ الأرْطالِ الكَثِيرَةِ مِن البَوْلِ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ، ومُطابِقَتِها لِلْعُقُولِ والفِطَرِ، وقِيامِها بِالمَصالِحِ؛ فَإنَّ ما جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في طِباعِ الخَلْقِ النَّفْرَةَ عَنْهُ ومُجانَبَتَهُ اكْتَفى بِذَلِكَ عَنْ الوازِعِ عَنْهُ بِالحَدِّ؛ لِأنَّ الوازِعَ الطَّبِيعِيَّ كافٍ في المَنعِ مِنهُ. وَأمّا ما يَشْتَدُّ تَقاضِي الطِّباعِ لَهُ فَإنَّهُ غَلَّظَ العُقُوبَةَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ شِدَّةِ تَقاضِي الطَّبْعِ لَهُ، وسَدِّ الذَّرِيعَةِ إلَيْهِ مِن قُرْبٍ وبُعْدٍ، وجَعَلَ ما حَوْلَهُ حِمًى، ومَنَعَ مِن قُرْبانِهِ، ولِهَذا عاقَبَ في الزِّنا بِأشْنَعِ القِتْلاتِ، وفي السَّرِقَةِ بِإبانَةِ اليَدِ، وفي الخَمْرِ بِتَوْسِيعِ الجَلْدِ ضَرَبًا بِالسَّوْطِ، ومَنَعَ قَلِيلَ الخَمْرِ وإنْ كانَ لا يُسْكِرُ إذْ قَلِيلُهُ داعٍ إلى كَثِيرِهِ؛ ولِهَذا كانَ مَن أباحَ مِن نَبِيذِ التَّمْرِ المُسْكِرِ القَدْرَ الَّذِي لا يُسْكِرُ خارِجًا عَنْ مَحْضِ القِياسِ والحِكْمَةِ ومُوجِبِ النُّصُوصِ، وأيْضًا فالمَفْسَدَةُ الَّتِي في شُرْبِ الخَمْرِ والضَّرَرِ المُخْتَصِّ والمُتَعَدِّي أضْعافُ الضَّرَرِ والمَفْسَدَةِ الَّتِي في شُرْبِ البَوْلِ وأكْلِ القاذُوراتِ، فَإنَّ ضَرَرَها مُخْتَصٌّ بِمُتَناوِلِها. (فائدة) إنّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ الخَمْرَ لِما فِيها مِن المَفاسِدِ الكَثِيرَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى زَوالِ العَقْلِ، وهَذا لَيْسَ مِمّا نَحْنُ فِيهِ، لَكِنْ حَرَّمَ القَطْرَةَ الواحِدَةَ مِنها، وحَرَّمَ إمْساكَها لِلتَّخْلِيلِ ونَجَسِها، لِئَلّا تُتَّخَذَ القَطْرَةُ ذَرِيعَةً إلى الحُسْوَةِ ويُتَّخَذَ إمْساكُها لِلتَّخْلِيلِ ذَرِيعَةً إلى إمْساكِها لِلشُّرْبِ، ثُمَّ بالَغَ في سَدِّ الذَّرِيعَةِ فَنَهى عَنْ الخَلِيطَيْنِ، وعَنْ شُرْبِ العَصِيرِ بَعْدَ ثَلاثٍ، وعَنْ الِانْتِباذِ في الأوْعِيَةِ الَّتِي قَدْ يَتَخَمَّرُ النَّبِيذُ فِيها ولا يَعْلَمُ بِهِ، حَسْمًا لِمادَّةِ قُرْبانِ المُسْكِرِ، وقَدْ صَرَّحَ ﷺ بِالعِلَّةِ في تَحْرِيمِ القَلِيلِ فَقالَ: «لَوْ رَخَّصْت لَكم في هَذِهِ لَأوْشَكَ أنْ تَجْعَلُوها مِثْلَ هَذِهِ». (فائدة) اعترض نفاة المعاني والحكم على مثبتيها في الشريعة بأن قالوا الشرع قد فرق بين المتماثلات فأوجب الحد بشرب الخمر، ولم يحد بشرب الدم والبول وأكل العذرة، وهي أخبث من الخمر، وأوجب قطع اليد في سرقه ربع دينار، ومنع قطعها في نهبه ألف دينار، وأوجب الحد في رمي الرجل بالفاحشة، ولم يوجبه في رميه بالكفر، وهو أعظم منه، ولم يرتب على الربا حدا مع كونه من الكبائر، ورتب الحد على شرب الخمر والزنا وهما من الكبائر. فأجاب المثبتون بأن قالوا: هذا مما يدل على اعتبار المعاني والحكم ونصب الشرع بحسب مصالح العباد فإن الشارع ينظر إلى المحرم مفسدته، ثم ينظر إلى وازعه وداعيه، فإذا عظمت مفسدته رتب عليها من العقوبة بحسب تلك المفسدة، ثم إن كان في الطباع التي ركبها الله تعالى في بني آدم وازعا عنه اكتفى بذلك الوازع عن الحد فلم يرتب على شرب البول والدم والقيء وأكل العذرة حدا، لما في طباع الناس من الامتناع عن هذه الأشياء، فلا تكثر مواقعتها بحيث يدعو إلى الزجر بالحد، بخلاف شرب الخمر والزنا والسرقة فإن الباعث عليها قوي فلولا ترتيب الحدود عليها لعمت مفاسدها وعظمت المصيبة بارتكابها، وأما النهبة فلم يرتب عليها حدا إما لأن بواعث الطباع لا تدعو إليها غالبا خوف الفضيحة والاشتهار وسرعة الأخذ. وإما لأن مفسدتها تندفع بإغاثة الناس ومنعهم المنتهب وأخذهم على يده. وأما الربا فلم يرتب عليها حدا فقيل لأنه يقع في الأسواق وفي الملأ، فوكلت إزالته إلى إنكار الناس، بخلاف السرقة والفواحش وشرب الخمر فإنها إنما تقع غالبا سرا فلو وكلت إزالته إلى الناس لم تزل. وأحسن من هذا أن يقال لما كان المرابي إنما يقضي له برأس ماله فقط فإن أخذ الزيادة قضى عليه بردها إلى غريمة وإن لم يأخذها لم يقض له بها كانت مفسدة الربا منتفيه بذلك فإن غريمة لو سأله لم يعطه إلا رأس ماله فحيث رضي بإعطائه الزيادة فقد رضي باستهلاكها وبذلها مجانا والأخذ لها رضي بأكل النار، وأجود من هذين أن يقال ذنب الربا أكبر من أن يطهره الحد فإن المرابي محارب لله ورسوله آكل للجمر والحد إنما شرع طهرة وكفارة والمرابي لا يزول عنه إثم الربا بالحد لأن حرمته أعظم من ذلك فهو كحرمة مفطر رمضان عمدا من غير عذر ومانع الزكاة بخلا وتارك صلاة العصر وتارك الجمعة عمدا فإن الحدود كفارات وطهر فلا تعمل إلا في ذنب يقبل التكفير والطهر ومن هذا عدم إيجاب الحد بأكل أموال اليتامي لأن آكلها قد وجبت له النار فلا يؤثر الحد في إسقاط ما وجب له من النار وكذلك ترك الصلاة هو أعظم من أن يرتب عليه حد ونظير هذا اليمين الغموس هي أعظم إثما من أن يكون فيها حد أو كفارة. وإذا تأملت أسرار هذه الشريعة الكاملة وجدتها في غاية الحكمة ورعاية المصالح لا تفرق بين متماثلين ألبتة ولا تسوى بين مختلفين ولا تحرم شيئا لمفسدة وتبيح ما مفسدته مساوية لما حرمته أو رجحته عليه ولا تبيح شيئا لمصلحة وتحرم ما مصلحته تساويه لما إباحته ألبتة، ولا يوجد فيما جاء به الرسول شيء من ذلك ألبتة، ولا يلزمه الأقوال المستندة إلى آراء الناس وظنونهم واجتهاداتهم. ففي تلك من التفريق بين المتماثلات، والجمع بين المختلفات وإباحة الشيء وتحريم نظره وأمثال ذلك ما فيها.

المائدة 5:95

[فَصْلٌ: تَغْرِيمُ المالِ ومُوجِبُهُ] وَأمّا تَغْرِيمُ المالِ - وهو العُقُوبَةُ المالِيَّةُ - فَشَرَعَها في مَواضِعَ: مِنها تَحْرِيقُ مَتاعِ الغالِّ مِن الغَنِيمَةِ، ومِنها حِرْمانُ سَهْمِهِ، ومِنها إضْعافُ الغُرْمِ عَلى سارِقِ الثِّمارِ المُعَلَّقَةِ، ومِنها إضْعافُهُ عَلى كاتِمِ الضّالَّةِ المُلْتَقَطَةِ، ومِنها أخْذُ شَطْرِ مالِ مانِعِ الزَّكاةِ، ومِنها عَزْمُهُ ﷺ عَلى تَحْرِيقِ دُورِ مَن لا يُصَلِّي في الجَماعَةِ لَوْلا ما مَنَعَهُ مِن إنْفاذِهِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ الذُّرِّيَّةِ والنِّساءِ فِيها فَتَتَعَدّى العُقُوبَةُ إلى غَيْرِ الجانِي، وذَلِكَ لا يَجُوزُ كَما لا يَجُوزُ عُقُوبَةُ الحامِلِ، ومِنها عُقُوبَةُ مَن أساءَ عَلى الأمِيرِ في الغَزْوِ بِحِرْمانِ سَلَبِ القَتِيلِ لِمَن قَتَلَهُ، حَيْثُ شَفَعَ فِيهِ هَذا المُسِيءُ، وأمَرَ الأمِيرُ بِإعْطائِهِ، فَحُرِمَ المَشْفُوعُ لَهُ عُقُوبَةً لِلشّافِعِ الآمِرِ. [التَّغْرِيمُ نَوْعانِ مَضْبُوطٌ، وغَيْرُ مَضْبُوطٍ] وَهَذا الجِنْسُ مِن العُقُوباتِ نَوْعانِ: نَوْعٌ مَضْبُوطٌ، ونَوْعٌ غَيْرُ مَضْبُوطٍ؛ فالمَضْبُوطُ ما قابَلَ المُتْلَفَ إمّا لِحَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَإتْلافِ الصَّيْدِ في الإحْرامِ أوْ لِحَقِّ الآدَمِيِّ كَإتْلافِ مالِهِ، وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ تَضْمِينَ الصَّيْدِ مُتَضَمِّنٌ لِلْعُقُوبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾. وَمِنهُ مُقابَلَةُ الجانِي بِنَقِيضِ قَصْدِهِ مِن الحِرْمانِ، كَعُقُوبَةِ القاتِلِ لِمُوَرِّثِهِ بِحِرْمانِ مِيراثِهِ، وعُقُوبَةِ المُدَبَّرِ إذا قَتَلَ سَيِّدَهُ بِبُطْلانِ تَدْبِيرِهِ، وعُقُوبَةِ المُوصى لَهُ بِبُطْلانِ وصِيَّتِهِ، ومِن هَذا البابِ عُقُوبَةُ الزَّوْجَةِ النّاشِزَةِ بِسُقُوطِ نَفَقَتِها وكِسْوَتِها. وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي غَيْرُ المُقَدَّرِ فَهَذا الَّذِي يَدْخُلُهُ اجْتِهادُ الأئِمَّةِ بِحَسَبِ المَصالِحِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَأْتِ فِيهِ الشَّرِيعَةُ بِأمْرٍ عامٍّ، وقَدْرٍ لا يُزادُ فِيهِ ولا يُنْقَصُ كالحُدُودِ، ولِهَذا اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ: هَلْ حُكْمُهُ مَنسُوخٌ أوْ ثابِتٌ؟ والصَّوابُ أنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَصالِحِ، ويَرْجِعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الأئِمَّةِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ؛ إذْ لا دَلِيلَ عَلى النَّسْخِ، وقَدْ فَعَلَهُ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ ومَن بَعْدَهم مِن الأئِمَّةِ.

المائدة 5:97

قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما في تَفْسِيرها لَو ترك النّاس كلهم الحَج لوقعت السَّماء على الأرْض وَقالَ: لَو ترك النّاس كلهم الحَج لما نظرُوا. وَأخْبر النَّبِي ﷺ أن في آخر الزَّمان يرفع الله بَيته من الأرْض وكَلامه من المَصاحِف وصدور الرِّجال فَلا يبْقى لَهُ في الأرْض بَيت يحجّ ولا كَلام يُتْلى فَحِينَئِذٍ يقرب خراب العالم. وَهَكَذا النّاس اليَوْم إنَّما قيامهم بِقِيام آثار نَبِيّهم وشرائعه بَينهم وقيام أمورهم حُصُول مصالحهم واندفاع أنْواع البلاء والشَّر عَنْهُم بِحَسب ظُهُورها بَينهم وقيامها وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشَّر بهم عند تعطلها والإعراض عَنْها والتحاكم إلى غَيرها واتخاذ سواها. وَمن تَأمل تسليط الله سُبْحانَهُ على من سلطه على البِلاد والعباد من الأعْداء علم أن ذَلِك بِسَبَب تعطيلهم لدين نَبِيّهم وسننه وشرائعه فَسلط الله عَلَيْهِم من أهلكهم وانتقم مِنهُم حَتّى إن البِلاد الَّتِي لآثار الرَّسُول ﷺ وسننه وشرائعه فِيها ظُهُور دفع عَنْها بِحَسب ظُهُور ذَلِك بَينهم.

المائدة 5:100

[فَصْلٌ: فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها] والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى اخْتارَ مِن كُلِّ جِنْسٍ مِن أجْناسِ المَخْلُوقاتِ أطْيَبَهُ، واخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ وارْتَضاهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ تَعالى طَيِّبٌ لا يُحِبُّ إلّا الطَّيِّبَ، ولا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ والكَلامِ والصَّدَقَةِ إلّا الطَّيِّبَ، فالطَّيِّبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو مُخْتارُهُ تَعالى. وَأمّا خَلْقُهُ تَعالى فَعامٌّ لِلنَّوْعَيْنِ، وبِهَذا يُعْلَمُ عُنْوانُ سَعادَةِ العَبْدِ وشَقاوَتِهِ، فَإنَّ الطَّيِّبَ لا يُناسِبُهُ إلّا الطَّيِّبُ ولا يَرْضى إلّا بِهِ، ولا يَسْكُنُ إلّا إلَيْهِ، ولا يَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ إلّا بِهِ، فَلَهُ مِنَ الكَلامِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ الَّذِي لا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا هُوَ، وهو أشَدُّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَنِ الفُحْشِ في المَقالِ، والتَّفَحُّشِ في اللِّسانِ والبَذاءِ والكَذِبِ والغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ والبُهْتِ وقَوْلِ الزُّورِ وكُلِّ كَلامٍ خَبِيثٍ. وَكَذَلِكَ لا يَأْلَفُ مِنَ الأعْمالِ إلّا أطْيَبَها، وهي الأعْمالُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلى حُسْنِها الفِطَرُ السَّلِيمَةُ مَعَ الشَّرائِعِ النَّبَوِيَّةِ، وزَكَّتْها العُقُولُ الصَّحِيحَةُ، فاتَّفَقَ عَلى حُسْنِها الشَّرْعُ والعَقْلُ والفِطْرَةُ، مِثْلَ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، ويُؤْثِرَ مَرْضاتَهُ عَلى هَواهُ، ويَتَحَبَّبَ إلَيْهِ جَهْدَهُ وطاقَتَهُ، ويُحْسِنَ إلى خَلْقِهِ ما اسْتَطاعَ، فَيَفْعَلَ بِهِمْ ما يُحِبُّ أنْ يَفْعَلُوا بِهِ، ويُعامِلُوهُ بِهِ، ويَدَعَهم مِمّا يُحِبُّ أنْ يَدَعُوهُ مِنهُ، ويَنْصَحَهم بِما يَنْصَحُ بِهِ نَفْسَهُ، ويَحْكُمَ لَهم بِما يُحِبُّ أنْ يُحْكَمَ لَهُ بِهِ، ويَحْمِلَ أذاهم ولا يُحَمِّلَهم أذاهُ، ويَكُفَّ عَنْ أعْراضِهِمْ ولا يُقابِلَهم بِما نالُوا مِن عِرْضِهِ، وإذا رَأى لَهم حَسَنًا أذاعَهُ، وإذا رَأى لَهم سَيِّئًا كَتَمَهُ، ويُقِيمَ أعْذارَهم ما اسْتَطاعَ فِيما لا يُبْطِلُ شَرِيعَةً، ولا يُناقِضُ لِلَّهِ أمْرًا ولا نَهْيًا. وَلَهُ أيْضًا مِنَ الأخْلاقِ أطْيَبُها وأزْكاها، كالحِلْمِ والوَقارِ والسَّكِينَةِ والرَّحْمَةِ والصَّبْرِ والوَفاءِ، وسُهُولَةِ الجانِبِ ولِينِ العَرِيكَةِ والصِّدْقِ، وسَلامَةِ الصَّدْرِ مِنَ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ، والتَّواضُعِ وخَفْضِ الجَناحِ لِأهْلِ الإيمانِ، والعِزَّةِ والغِلْظَةِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، وصِيانَةِ الوَجْهِ عَنْ بَذْلِهِ وتَذَلُّلِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، والعِفَّةِ والشَّجاعَةِ والسَّخاءِ والمُرُوءَةِ، وكُلِّ خُلُقٍ اتَّفَقَتْ عَلى حُسْنِهِ الشَّرائِعُ والفِطَرُ والعُقُولُ. وَكَذَلِكَ لا يَخْتارُ مِنَ المَطاعِمِ إلّا أطْيَبَها، وهو الحَلالُ الهَنِيءُ المَرِيءُ الَّذِي يُغَذِّي البَدَنَ والرُّوحَ أحْسَنَ تَغْذِيَةٍ، مَعَ سَلامَةِ العَبْدِ مِن تَبِعَتِهِ. وَكَذَلِكَ لا يَخْتارُ مِنَ المَناكِحِ إلّا أطْيَبَها وأزْكاها، ومِنَ الرّائِحَةِ إلّا أطْيَبَها وأزْكاها، ومِنَ الأصْحابِ والعُشَراءِ إلّا الطَّيِّبِينَ مِنهُمْ، فَرُوحُهُ طَيِّبٌ، وبَدَنُهُ طَيِّبٌ، وخُلُقُهُ طَيِّبٌ وعَمَلُهُ طَيِّبٌ، وكَلامُهُ طَيِّبٌ، ومَطْعَمُهُ طَيِّبٌ، ومَشْرَبُهُ طَيِّبٌ، ومَلْبَسُهُ طَيِّبٌ، ومَنكَحُهُ طَيِّبٌ، ومَدْخَلُهُ طَيِّبٌ، ومَخْرَجُهُ طَيِّبٌ، ومُنْقَلَبُهُ طَيِّبٌ، ومَثْواهُ كُلُّهُ طَيِّبٌ. فَهَذا مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وَمِنَ الَّذِينَ يَقُولُ لَهم خَزَنَةُ الجَنَّةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] وهَذِهِ الفاءُ تَقْتَضِي السَّبَبِيَّةَ، أيْ: بِسَبَبِ طِيبِكُمُ ادْخُلُوها. وَقالَ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦]، وقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِأنَّ الكَلِماتِ الخَبِيثاتِ لِلْخَبِيثِينَ والكَلِماتِ الطَّيِّباتِ لَلطَّيِّبِينَ، وفُسِّرَتْ بِأنَّ النِّساءَ الطَّيِّباتِ لِلرِّجالِ الطَّيِّبِينَ، والنِّساءَ الخَبِيثاتِ لِلرِّجالِ الخَبِيثِينَ، وهي تَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ، فالكَلِماتُ والأعْمالُ والنِّساءُ الطَّيِّباتُ لِمُناسِبِها مِنَ الطَّيِّبِينَ، والكَلِماتُ والأعْمالُ والنِّساءُ الخَبِيثَةُ لِمُناسِبِها مِنَ الخَبِيثِينَ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الطَّيِّبَ بِحَذافِيرِهِ في الجَنَّةِ، وجَعَلَ الخَبِيثَ بِحَذافِيرِهِ في النّارِ، فَجَعَلَ الدُّورَ ثَلاثَةً: دارًا أُخْلِصَتْ لَلطَّيِّبِينَ، وهي حَرامٌ عَلى غَيْرِ الطَّيِّبِينَ، وقَدْ جَمَعَتْ كُلَّ طَيِّبٍ وهي الجَنَّةُ. ودارًا أُخْلِصَتْ لِلْخَبِيثِ والخَبائِثِ ولا يَدْخُلُها إلّا الخَبِيثُونَ وهي النّارُ. وَدارًا امْتَزَجَ فِيها الطَّيِّبُ والخَبِيثُ وخُلِطَ بَيْنَهُما وهي هَذِهِ الدّارُ؛ ولِهَذا وقَعَ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ بِسَبَبِ هَذا الِامْتِزاجِ والِاخْتِلاطِ، وذَلِكَ بِمُوجَبِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، فَإذا كانَ يَوْمُ مَعادِ الخَلِيقَةِ مَيَّزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَجَعَلَ الطَّيِّبَ وأهْلَهُ في دارٍ عَلى حِدَةٍ لا يُخالِطُهم غَيْرُهُمْ، وجَعَلَ الخَبِيثَ وأهْلَهُ في دارٍ عَلى حِدَةٍ لا يُخالِطُهم غَيْرُهُمْ، فَعادَ الأمْرُ إلى دارَيْنِ فَقَطْ: الجَنَّةِ وهي دارُ الطَّيِّبِينَ، والنّارِ وهي دارُ الخَبِيثِينَ، وأنْشَأ اللَّهُ تَعالى مِن أعْمالِ الفَرِيقَيْنِ ثَوابَهم وعِقابَهُمْ، فَجَعَلَ طَيِّباتِ أقْوالِ هَؤُلاءِ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ هي عَيْنَ نَعِيمِهِمْ ولَذّاتِهِمْ، أنْشَأ لَهم مِنها أكْمَلَ أسْبابِ النَّعِيمِ والسُّرُورِ، وجَعَلَ خَبِيثاتِ أقْوالِ الآخَرِينَ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ هي عَيْنَ عَذابِهِمْ وآلامِهِمْ، فَأنْشَأ لَهم مِنها أعْظَمَ أسْبابِ العِقابِ والآلامِ حِكْمَةً بالِغَةً وعِزَّةً باهِرَةً قاهِرَةً لِيُرِيَ عِبادَهُ كَمالَ رُبُوبِيَّتِهِ وكَمالَ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وعَدْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ولِيَعْلَمَ أعْداؤُهُ أنَّهم كانُوا هُمُ المُفْتَرِينَ الكَذّابِينَ لا رُسُلُهُ البَرَرَةُ الصّادِقُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨-٣٩]. والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَعَلَ لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عُنْوانًا يُعْرَفانِ بِهِ، فالسَّعِيدُ الطَّيِّبُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا طَيِّبٌ، ولا يَأْتِي إلّا طَيِّبًا، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا طَيِّبٌ، ولا يُلابِسُ إلّا طَيِّبًا، والشَّقِيُّ الخَبِيثُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الخَبِيثُ، ولا يَأْتِي إلّا خَبِيثًا، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا الخَبِيثُ، فالخَبِيثُ يَتَفَجَّرُ مِن قَلْبِهِ الخُبْثُ عَلى لِسانِهِ وجَوارِحِهِ، والطَّيِّبُ يَتَفَجَّرُ مِن قَلْبِهِ الطِّيبُ عَلى لِسانِهِ وجَوارِحِهِ. وقَدْ يَكُونُ في الشَّخْصِ مادَّتانِ فَأيُّهُما غَلَبَ عَلَيْهِ كانَ مِن أهْلِها، فَإنْ أرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا طَهَّرَهُ مِنَ المادَّةِ الخَبِيثَةِ قَبْلَ المُوافاةِ، فَيُوافِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُطَهَّرًا فَلا يَحْتاجُ إلى تَطْهِيرِهِ بِالنّارِ فَيُطَهِّرُهُ مِنها بِما يُوَفِّقُهُ لَهُ مِنَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والحَسَناتِ الماحِيَةِ، والمَصائِبِ المُكَفِّرَةِ، حَتّى يَلْقى اللَّهَ وما عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، ويُمْسِكُ عَنِ الآخَرِ مَوادَّ التَّطْهِيرِ، فَيَلْقاهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمادَّةٍ خَبِيثَةٍ ومادَّةٍ طَيِّبَةٍ، وحِكْمَتُهُ تَعالى تَأْبى أنْ يُجاوِرَهُ أحَدٌ في دارِهِ بِخَبائِثِهِ فَيُدْخِلَهُ النّارَ طُهْرَةً لَهُ وتَصْفِيَةً وسَبْكًا، فَإذا خَلُصَتْ سَبِيكَةُ إيمانِهِ مِنَ الخَبَثِ صَلُحَ حِينَئِذٍ لِجِوارِهِ ومُساكَنَةِ الطَّيِّبِينَ مِن عِبادِهِ. وَإقامَةُ هَذا النَّوْعِ مِنَ النّاسِ في النّارِ عَلى حَسَبِ سُرْعَةِ زَوالِ تِلْكَ الخَبائِثِ مِنهم وبُطْئِها، فَأسْرَعُهم زَوالًا وتَطْهِيرًا أسْرَعُهم خُرُوجًا، وأبْطَؤُهم أبْطَؤُهم خُرُوجًا، ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وَلَمّا كانَ المُشْرِكُ خَبِيثَ العُنْصُرِ خَبِيثَ الذّاتِ لَمْ تُطَهِّرِ النّارُ خُبْثَهُ، بَلْ لَوْ خَرَجَ مِنها لَعادَ خَبِيثًا كَما كانَ، كالكَلْبِ إذا دَخَلَ البَحْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، فَلِذَلِكَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلى المُشْرِكِ الجَنَّةَ. وَلَمّا كانَ المُؤْمِنُ الطَّيِّبُ المُطَيِّبُ مُبَرَّءًا مِنَ الخَبائِثِ كانَتِ النّارُ حَرامًا عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي تَطْهِيرَهُ بِها، فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ العُقُولَ والألْبابَ، وشَهِدَتْ فِطَرُ عِبادِهِ وعُقُولُهم بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ورَبُّ العالَمِينَ لا إلَهَ إلّا هو.