Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — المائدة 5:101 – الأنعام 6:160

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. المائدة 5:101
  2. المائدة 5:103
  3. المائدة 5:105
  4. المائدة 5:109
  5. المائدة 5:114
  6. المائدة 5:116
  7. المائدة 5:118
  8. المائدة 5:119
  9. الأنعام 6:1
  10. الأنعام 6:3
  11. الأنعام 6:8
  12. الأنعام 6:9
  13. الأنعام 6:15
  14. الأنعام 6:25
  15. الأنعام 6:27
  16. الأنعام 6:28
  17. الأنعام 6:31
  18. الأنعام 6:37
  19. الأنعام 6:38
  20. الأنعام 6:44
  21. الأنعام 6:53
  22. الأنعام 6:57
  23. الأنعام 6:76
  24. الأنعام 6:79
  25. الأنعام 6:80
  26. الأنعام 6:81
  27. الأنعام 6:82
  28. الأنعام 6:83
  29. الأنعام 6:89
  30. الأنعام 6:96
  31. الأنعام 6:103
  32. الأنعام 6:108
  33. الأنعام 6:110
  34. الأنعام 6:113
  35. الأنعام 6:121
  36. الأنعام 6:122
  37. الأنعام 6:125
  38. الأنعام 6:127
  39. الأنعام 6:128
  40. الأنعام 6:131
  41. الأنعام 6:141
  42. الأنعام 6:145
  43. الأنعام 6:148
  44. الأنعام 6:149
  45. الأنعام 6:153
  46. الأنعام 6:154
  47. الأنعام 6:160

المائدة 5:101

قالَ أبُو عُمَرَ: وفي سَماعِ أشْهَبَ: سُئِلَ مالِكٌ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنْهاكم عَنْ قِيلَ وقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» فَقالَ: أمّا كَثْرَةُ السُّؤالِ فَلا أدْرِي أهُوَ ما أنْتُمْ فِيهِ مِمّا أنْهاكم عَنْهُ مِن كَثْرَةِ المَسائِلِ؛ فَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ وعابَها، وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ فَلا أدْرِي أهُوَ هَذا أمْ السُّؤالُ في مَسْألَةِ النّاسِ في الِاسْتِعْطاءِ. وَقالَ الأوْزاعِيُّ: عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أبِي لُبابَةَ: ودِدْت أنَّ حَظِيَ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ أنْ لا أسْألَهم عَنْ شَيْءٍ ولا يَسْألُونِي، يَتَكاثَرُونَ بِالمَسائِلِ كَما يَتَكاثَرُ أهْلُ الدَّراهِمِ بِالدَّراهِمِ. قالَ: واحْتَجُّوا أيْضًا بِما رَواهُ ابْنُ شِهابٍ عَنْ عامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ سَمِعَ أباهُ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أعْظَمُ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلى المُسْلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» ورَوى ابْنُ وهْبٍ أيْضًا قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ». وَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طاوُسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وهو عَلى المِنبَرِ: أُحَرِّجُ بِاللَّهِ عَلى كُلِّ امْرِئٍ سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ ما هو كائِنٌ. وَقالَ أبُو عُمَرَ: ورَوى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ ومُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما رَأيْت قَوْمًا خَيْرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما سَألُوهُ إلّا عَنْ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَسْألَةً حَتّى قُبِضَ ﷺ كُلُّهُنَّ في القُرْآنِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ما كانُوا يَسْألُونَهُ إلّا عَمّا يَنْفَعُهم قالَ أبُو عُمَرَ: لَيْسَ الحَدِيثُ مِن الثَّلاثَ عَشْرَةَ مَسْألَةً إلّا ثَلاثً. قُلْت: ومُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ: " ما سَألُوهُ إلّا عَنْ ثَلاثَ عَشَرَ مَسْألَةً " المَسائِلُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ في القُرْآنِ عَنْهُمْ، وإلّا فالمَسائِلُ الَّتِي سَألُوهُ عَنْها وبَيَّنَ لَهم أحْكامَها بِالسُّنَّةِ لا تَكادُ تُحْصى ولَكِنْ إنّما كانُوا يَسْألُونَهُ عَمّا يَنْفَعُهم مِن الواقِعاتِ ولَمْ يَكُونُوا يَسْألُونَهُ عَنْ المُقَدَّراتِ والأُغْلُوطاتِ وعَضْلِ المَسائِلِ، ولَمْ يَكُونُوا يَشْتَغِلُونَ بِتَفْرِيعِ المَسائِلِ وتَوْلِيدِها، بَلْ كانَتْ هِمَمُهم مَقْصُورَةً عَلى تَنْفِيذِ ما أمَرَهم بِهِ، فَإذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ سَألُوا عَنْهُ فَأجابَهُمْ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]. وَقَدْ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الأشْياءِ المَسْئُولِ عَنْها: هَلْ هي أحْكامٌ قَدَرِيَّةٌ أوْ أحْكامٌ شَرْعِيَّةٌ؟ عَلى قَوْلَيْنِ، فَقِيلَ: إنّها أحْكامٌ شَرْعِيَّةٌ عَفا اللَّهُ عَنْها، أيْ سَكَتَ عَنْ تَحْرِيمِها فَيَكُونُ سُؤالُهم عَنْها سَبَبُ تَحْرِيمِها، ولَوْ لَمْ يَسْألُوا لَكانَتْ عَفْوًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الحَجِّ أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَقالَ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ»؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ المَذْكُورُ «إنّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا» الحَدِيثَ ومِنهُ الحَدِيثُ الآخَرُ: «إنّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُّوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمَةً مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها» وفُسِّرَتْ بِسُؤالِهِمْ عَنْ أشْياءَ مِن الأحْكامِ القَدَرِيَّةِ؛ «كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ مَن أبِي يا رَسُولَ اللَّهِ»؟ وقَوْلِ آخَرَ: «أيْنَ أبِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: في النّارِ». والتَّحْقِيقُ أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ النَّهْيَ عَنْ النَّوْعَيْنِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أمّا في أحْكامِ الخَلْقِ والقَدَرِ فَإنَّهُ يَسُوءُهم أنْ يَبْدُوَ لَهم ما يَكْرَهُونَهُ مِمّا سَألُوا عَنْهُ، وأمّا في أحْكامِ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ يَسُوءُهم أنْ يَبْدُوَ لَهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفُهُ مِمّا سَألُوا عَنْهُ، وقَوْله تَعالى: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُرْآنَ إذا نَزَلَ بِها ابْتِداءً بِغَيْرِ سُؤالٍ فَسَألْتُمْ عَنْ تَفْصِيلِها وعِلْمِها أبْدى لَكم وبَيَّنَ لَكُمْ، والمُرادُ بِحِينِ النُّزُولِ زَمَنُهُ المُتَّصِلُ بِهِ، لا الوَقْتُ المُقارِنُ لِلنُّزُولِ، وكَأنَّ في هَذا إذْنًا لَهم في السُّؤالِ عَنْ تَفْصِيلٍ المُنَزَّلِ ومَعْرِفَتِهِ بَعْدَ إنْزالِهِ؛ فَفِيهِ رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ المَنعِ مِن السُّؤالِ عَنْ الأشْياءِ مُطْلَقًا، والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، أيْ ما سَألْتُمْ عَنْها في وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ جاءَكم بَيانُ ما سَألْتُمْ عَنْهُ بِما يَسُوءُكُمْ، والمَعْنى لا تَتَعَرَّضُوا لِلسُّؤالِ عَمّا يَسُوءُكم بَيانُهُ، وإنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ في زَمَنِ الوَحْيِ أبْدى لَكم. وَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ [المائدة: ١٠١] أيْ عَنْ بَيانِها خَبَرًا وأمْرًا، بَلْ طُوِيَ بَيانُها عَنْكم رَحْمَةً ومَغْفِرَةً وحِلْمًا واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ؛ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ عَفا اللَّهُ عَنْ التَّكْلِيفِ بِها تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي عَفا اللَّهُ عَنْ بَيانِها لِئَلّا يَسُوءَكم بَيانُها. وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢] أرادَ نَوْعَ تِلْكَ المَسائِلِ، لا أعْيانَها، أيْ قَدْ تَعَرَّضَ قَوْمٌ مِن قَبْلِكم لِأمْثالِ هَذِهِ المَسائِلِ، فَلَمّا بُيِّنَتْ لَهم كَفَرُوا بِها، فاحْذَرُوا مُشابَهَتَهم والتَّعَرُّضَ لِما تَعْرِضُوا لَهُ. وَلَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَتَعَرَّضَ لِلسُّؤالِ عَمّا إنْ بَدا لَهُ ساءَهُ، بَلْ يَسْتَعْفِي ما أمْكَنَهُ، ويَأْخُذُ بِعَفْوِ اللَّهِ. ومِن هاهُنا قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا صاحِبَ المِيزابِ، لا تُخْبِرْنا، لَمّا سَألَهُ رَفِيقُهُ عَنْ مائِهِ أطاهِرٌ أمْ لا، وكَذَلِكَ لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ أنْ يُبْدِيَ لَهُ مِن أحْوالِهِ وعاقِبَتِهِ ما طَواهُ عَنْهُ وسَتَرَهُ، فَلَعَلَّهُ يَسُوءُهُ إنْ أُبْدِيَ لَهُ، فالسُّؤالُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ تَعَرُّضٌ لِما يَكْرَهُهُ اللَّهُ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَكْرَهَ إبْداءَها، ولِذَلِكَ سَكَتَ عَنْها، واللَّهُ أعْلَمُ. (فَصْلٌ) قالُوا: ومَن تَدَبَّرَ الآثارَ المَرْوِيَّةَ في ذَمِّ الرَّأْيِ وجَدَها لا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْمُومَةِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ آثارَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم بِذَلِكَ؛ لِيَتَبَيَّنَ مُرادُهُمْ: قالَ الخُشَنِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ ثنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ عَنْ مُجالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ أرَأيْت قالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: وثَنًا صالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: سَألْت الشَّعْبِيَّ عَنْ مَسْألَةٍ مِن النِّكاحِ فَقالَ: إنْ أخْبَرْتُك بِرَأْيِي فَبُلْ عَلَيْهِ. قالُوا: فَهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ في رَأْيِهِ، وهو مِن كِبارِ التّابِعِينَ، وقَدْ لَقِيَ مِائَةً وعِشْرِينَ مِن الصَّحابَةِ، وأخَذَ عَنْ جُمْهُورِهِمْ. وَقالَ الطَّحاوِيُّ: ثنا سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خالِدٍ ثنا مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: ما جاءَكم بِهِ هَؤُلاءِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخُذُوهُ وما كانَ مِن رَأْيِهِمْ فاطْرَحُوهُ في الحُشِّ. وَقالَ البُخارِيُّ: حَدَّثَنا سُنَيْدُ بْنُ داوُد ثنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قِيلَ لِجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إنّهم يَكْتُبُونَ ما يَسْمَعُونَ مِنك، قالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، يَكْتُبُونَهُ وأنا أرْجِعُ عَنْهُ غَدًا. قالَ إسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: اجْتِهادُ الرَّأْيِ هو مُشاوَرَةُ أهْلِ العِلْمِ، لا أنْ يَقُولَ هو بِرَأْيِهِ. وَقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ: ثنا الحَوْطِيُّ ثنا إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ سَوادَةَ بْنِ زِيادٍ وعَمْرِو بْنِ المُهاجِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كَتَبَ إلى النّاسِ: أنَّهُ لا رَأْيَ لِأحَدٍ مَعَ سُنَّةٍ سِنَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قالَ أبُو بَصِيرَةَ: سَمِعْت أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: بَلَغَنِي أنَّك تُفْتِي بِرَأْيِك، فَلا تُفْتِ بِرَأْيِك إلّا أنْ يَكُونَ سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقالَ البُخارِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ثنا عَبْدُ الواحِدِ ثنا ابْنُ الزِّبْرِقانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأُسَيْدِيُّ أنَّ أبا وائِلٍ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قالَ: إيّاكَ ومُجالَسَةَ مَن يَقُولُ: أرَأيْت أرَأيْت. وَقالَ أبانُ بْنُ عِيسى بْنِ دِينارٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ ابْنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهابٍ قالَ: دَعُوا السُّنَّةَ تَمْضِي، لا تَعْرِضُوا لَها بِالرَّأْيِ. وَقالَ يُونُسُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ - سَمِعْت عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: ما زالَ أمْرُ بَنْيِ إسْرائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتّى نَشَأ فِيهِمْ المُوَلَّدُونَ أبْناءُ سَبايا الأُمَمِ، فَأخَذُوا فِيهِمْ بِالرَّأْيِ، فَأضَلُّوهم. وَذَكَرَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ قالَ، وهو يَذْكُرُ ما وقَعَ فِيهِ النّاسُ مِن هَذا الرَّأْيِ وتَرْكِهِمْ السُّنَنَ، فَقالَ: إنّ اليَهُودَ والنَّصارى إنّما انْسَلَخُوا مِن العِلْمِ الَّذِي بِأيْدِيهِمْ حِينَ اتَّبَعُوا الرَّأْيَ وأخَذُوا فِيهِ. وَقالَ ابْنُ وهْبٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ أنَّ رَجُلًا سَألَ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شَيْءٍ، فَقالَ: لَمْ أسْمَعْ في هَذا شَيْئًا، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: فَأخْبِرْنِي أصْلَحَك اللَّهُ بِرَأْيِك، فَقالَ: لا، ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي أرْضى بِرَأْيِك، فَقالَ سالِمٌ: إنِّي لَعَلِيُّ إنْ أخْبَرْتُك بِرَأْيِي ثُمَّ تَذْهَبُ فَأرى بَعْدَ ذَلِكَ رَأْيًا غَيْرَهُ فَلا أجِدُك. وَقالَ البُخارِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ ثنا مالِكُ بْنُ أنَسٍ قالَ: كانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ لِابْنِ شِهابٍ: إنّ حالِي لَيْسَ بِشَبَهِ حالِك، أنا أقُولُ بِرَأْيِي مَن شاءَ أخَذَهُ وعَمِلَ بِهِ ومَن شاءَ تَرَكَهُ. وَقالَ الفِرْيابِيُّ: ثنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قالَ: سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْت حَمّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قِيلَ لِأيُّوبَ السِّخْتِيانِيُّ: ما لَك لا تَنْظُرُ في الرَّأْيِ؟ فَقالَ أيُّوبُ: قِيلَ لِلْحِمارِ ما لَك لا تَجْتَرُّ؟ قالَ: أكْرَهُ مَضْغَ الباطِلِ. وَقالَ الفِرْيابِيُّ: ثنا العَبّاسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنُ مَزِيدٍ أخْبَرَنِي أبِي قالَ: سَمِعْت الأوْزاعِيَّ يَقُولُ: عَلَيْك بِآثارِ مَن سَلَفَ وإنْ رَفَضَك النّاسُ، وإيّاكَ وآراءَ الرِّجالِ وإنْ زَخْرَفُوا لَك القَوْلَ وقالَ أبُو زُرْعَةَ: ثنا أبُو مُسْهِرٍ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إذا سُئِلَ لا يُجِيبُ حَتّى يَقُولَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هَذا الرَّأْيُ، والرَّأْيُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ. وَقَدْ رَوى أبُو يُوسُفَ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ كِلاهُما عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: عِلْمُنا هَذا رَأْيٌ، وهو أحْسَنُ ما قَدَرْنا عَلَيْهِ، ومَن جاءَنا بِأحْسَنَ مِنهُ قَبِلْناهُ مِنهُ. وَقالَ الطَّحاوِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ ثنا أشْهَبُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: كُنْت عِنْدَ مالِكٍ فَسُئِلَ عَنْ البَتَّةِ، فَأخَذْت ألْواحِي لِأكْتُبَ ما قالَ، فَقالَ لِي مالِكٌ: لا تَفْعَلْ، فَعَسى في العَشِيِّ أقُولُ إنّها واحِدَةٌ. وَقالَ مَعْنُ بْنُ عِيسى القَزّازَ: سَمِعْت مالِكًا يَقُولُ: إنّما أنا بَشَرٌ أُخْطِئُ وأُصِيبُ، فانْظُرُوا في قَوْلِي، فَكُلُّ ما وافَقَ الكِتابَ والسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وما لَمْ يُوافِقْ الكِتابَ والسُّنَّةَ فاتْرُكُوهُ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أئِمَّةِ الإسْلامِ، وجَزاهم عَنْ نَصِيحَتِهِمْ خَيْرًا، ولَقَدْ امْتَثَلَ وصِيَّتَهم وسَلَكَ سَبِيلَهم أهْلُ العِلْمِ والدِّينِ مِن أتْباعِهِمْ.

المائدة 5:103

(فصل) قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ وقوله: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً﴾ وقوله حكاية عن زكريا أنه قال عن ولده: ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ وقال في الطرف الآخر: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ وقال: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ وهذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة والوقر فهو موجب ذلك ومقتضاه. فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرهما بموجبهما ومقتضاهما وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها فذلك كله مجعول مخلوق له وإن كان العبد فاعلا له باختياره وإرادته. فإن قيل هذا كله معارض بقوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل العباد لها فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله؟ قيل لا تعارض بحمد الله بين نصوص الكتاب بوجه ما والجعل هاهنا جعل شرعي أمري لا كوني قدري فإن الجعل في كتاب الله ينقسم إلى هذه النوعين كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن شاء الله فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الديني الشرعي أي لم يشرع ذلك ولا أمر به ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب وجعلوا ذلك دينا له بلا علم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة الحاصلة بما ألقى الشيطان هي بجعله سبحانه وهذا جعل كوني قدري ومن هذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه: "اللهم اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيبا" فسأل ربه أن يجعله كذلك وهذه كلها أفعال اختيارية واقعة بإرادة العبد واختياره وفي هذا الحديث وسدد لساني وتسديد اللسان جعله ناطقا بالسداد من القول ومثله قوله في الحديث الآخر: "اللهم اجعلني لك مخلصا" ومثله قوله "اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك" ومثله قول المؤمنين: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ فالصبر وثبات الأقدام فعلان اختياريان ولكن التصبير والتثبيت فعل الرب تعالى وهو المسؤول والصبر والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة.

المائدة 5:105

«وَسَألَهُ ﷺ أبُو ثَعْلَبَةَ عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةُ. فَقالَ: ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وانْتَهُوا عَنْ المُنْكَرِ، حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً، وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ودَعْ عَنْكَ العَوامَّ؛ فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلى الجَمْرِ، لِلْعامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أجْرِ خَمْسِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ» ذَكَرَهُ أبُو داوُد. فَإذا أرادَ المُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ بَصِيرَةً في دِينِهِ، وفِقْهًا في سُنَّةِ رَسُولِهِ، وفَهْمًا في كِتابِهِ، وأراهُ ما النّاسُ فِيهِ مِنَ الأهْواءِ والبِدَعِ والضَّلالاتِ وتَنَكُّبِهِمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْلُكَ هَذا الصِّراطَ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلى قَدْحِ الجُهّالِ وأهْلِ البِدَعِ فِيهِ، وطَعْنِهِمْ عَلَيْهِ، وإزْرائِهِمْ بِهِ وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْهُ وتَحْذِيرِهِمْ مِنهُ، كَما كانَ سَلَفُهم مِنَ الكُفّارِ يَفْعَلُونَ مَعَ مَتْبُوعِهِ وإمامِهِ ﷺ، فَأمّا إنْ دَعاهم إلى ذَلِكَ، وقَدَحَ فِيما هم عَلَيْهِ: فَهُنالِكَ تَقُومُ قِيامَتُهم ويَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ ويَنْصِبُونَ لَهُ الحَبائِلَ ويَجْلِبُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلِ كَبِيرِهِمْ ورِجْلِهِ. فَهُوَ غَرِيبٌ في دِينِهِ لِفَسادِ أدْيانِهِمْ، غَرِيبٌ في تَمَسُّكِهِ بِالسُّنَّةِ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالبِدَعِ، غَرِيبٌ في اعْتِقادِهِ لِفَسادِ عَقائِدِهِمْ، غَرِيبٌ في صِلاتِهِ لِسُوءِ صِلاتِهِمْ، غَرِيبٌ في طَرِيقِهِ لِضَلالِ وفَسادِ طُرُقِهِمْ، غَرِيبٌ في نِسْبَتِهِ لِمُخالَفَةِ نَسَبِهِمْ، غَرِيبٌ في مُعاشَرَتِهِ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ يُعاشِرُهم عَلى ما لا تَهْوى أنْفُسُهم. وَبِالجُمْلَةِ: فَهو غَرِيبٌ في أُمُورِ دُنْياهُ وآخِرَتِهِ لا يَجِدُ مِنَ العامَّةِ مُساعِدًا ولا مُعِينًا فَهو عالِمٌ بَيْنَ جُهّالٍ، صاحِبُ سُنَّةٍ بَيْنَ أهْلِ بِدَعٍ، داعٍ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ بَيْنَ دُعاةٍ إلى الأهْواءِ والبِدَعِ، آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ بَيْنَ قَوْمٍ المَعْرُوفُ لَدَيْهِمْ مُنْكَرٌ والمُنْكَرُ مَعْرُوفٌ. (فصل) وَذَكَرَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ أبِي عِمْرانَ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَلَكَيْنِ إلى قَرْيَةٍ، أنْ دَمِّراها بِمَن فِيها، فَوَجَدا رَجُلًا قائِمًا يُصَلِّي في مَسْجِدٍ، فَقالا: يا رَبِّ، إنَّ فِيها عَبْدَكَ فُلانًا يُصَلِّي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: دَمِّراها ودَمِّراهُ مَعَهُمْ، فَإنَّهُ ما تَمَعَّرَ وجْهُهُ فِيَّ قَطُّ. وَذَكَرَ الحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: قالَ: حَدَّثَنِي سُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مِسْعَرٍ: «أنَّ مَلَكًا أُمِرَ أنْ يَخْسِفَ بِقَرْيَةٍ، فَقالَ: يا رَبِّ، إنَّ فِيها فُلانًا العابِدَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ بِهِ فابْدَأْ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ فِيَّ ساعَةً قَطُّ». وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا أصابَ داوُدُ الخَطِيئَةَ قالَ: يا رَبِّ اغْفِرْ لِي: قالَ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وألْزَمْتُ عارَها بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ يا رَبِّ، كَيْفَ وأنْتَ الحَكَمُ العَدْلُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، أنا أعْمَلُ الخَطِيئَةَ وتُلْزِمُ عارَها غَيْرِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، إنَّكَ لَمّا عَمِلْتَ الخَطِيئَةَ لَمْ يُعَجِّلُوا عَلَيْكَ بِالإنْكارِ. وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهُ دَخَلَ عَلى عائِشَةَ، هو ورَجُلٌ آخَرُ، فَقالَ لَها الرَّجُلُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ حَدِّثِينا عَنِ الزَّلْزَلَةِ، فَقالَتْ: إذا اسْتَباحُوا الزِّنا، وشَرِبُوا الخَمْرَ، وضَرَبُوا بِالمَعازِفِ، غارَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في سَمائِهِ، فَقالَ لِلْأرْضِ تَزَلْزَلِي بِهِمْ، فَإنْ تابُوا ونَزَعُوا، وإلّا هَدَمَها عَلَيْهِمْ، قالَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أعَذابًا لَهُمْ؟ قالَتْ: بَلى، مَوْعِظَةً ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، ونَكالًا وعَذابًا وسُخْطًا عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ أنَسٌ: ما سَمِعْتُ حَدِيثًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنا أشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنِّي بِهَذا الحَدِيثِ. وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا حَدِيثًا مُرْسَلًا: «إنَّ الأرْضَ تَزَلْزَلَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها ثُمَّ قالَ: اسْكُنِي، فَإنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكِ بَعْدُ، ثُمَّ التَفَتَ إلى أصْحابِهِ، فَقالَ: إنَّ رَبَّكم لَيَسْتَعْتِبُكم فَأعْتِبُوهُ، ثُمَّ تَزَلْزَلَتْ بِالنّاسِ عَلى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ، يا أيُّها النّاسُ ما كانَتْ هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ إلّا عَنْ شَيْءٍ أحْدَثْتُمُوهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ عادَتْ لا أُساكِنُكم فِيها أبَدًا». وَفِي مَناقِبِ عُمَرَ لِابْنِ أبِي الدُّنْيا «أنَّ الأرْضَ تَزَلْزَلَتْ عَلى عَهْدِ عُمَرَ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَيْها، وقالَ: ما لَكِ؟ ما لَكِ؟ أما إنَّها لَوْ كانَتِ القِيامَةُ حَدَّثَتْ أخْبارَها، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ فَلَيْسَ فِيها ذِراعٌ ولا شِبْرٌ إلّا وهو يَنْطِقُ». وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ صَفِيَّةَ، قالَتْ: زُلْزِلَتِ المَدِينَةُ عَلى عَهْدِ عُمَرَ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ ما هَذا؟ وما أسْرَعَ ما أحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عادَتْ لا أُساكِنُكم فِيها. وَقالَ كَعْبٌ: إنَّما زُلْزِلَتِ الأرْضُ إذا عُمِلَ فِيها بِالمَعاصِي فَتُرْعِدُ فَرَقًا مِنَ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْها. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى الأمْصارِ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ هَذا الرَّجْفَ شَيْءٌ يُعاتِبُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ العِبادَ، وقَدْ كَتَبْتُ إلى الأمْصارِ أنْ يُخْرِجُوا في يَوْمِ كَذا وكَذا في شَهْرِ كَذا وكَذا، فَمَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى - وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤-١٥]. وَقُولُوا كَما قالَ آدَمُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وَقُولُوا كَما قالَ نُوحٌ: ﴿وَإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وَقُولُوا كَما قالَ يُونُسُ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا أسْوَدُ بْنُ عامِرٍ حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا ضَنَّ النّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بِالعِينَةِ، وتَبِعُوا أذْنابَ البَقَرِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلاءً لا يَرْفَعُهُ عَنْهم حَتّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ» رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ. وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ رَأيْنا وما أحَدٌ أحَقَّ بِدِينارِهِ ودِرْهَمِهِ مِن أخِيهِ المُسْلِمِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا ضَنَّ النّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بِالعِينَةِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأخَذُوا أذْنابَ البَقَرِ، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ بَلاءً، فَلا يَرْفَعُهُ عَنْهم حَتّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ». وَقالَ الحَسَنُ: إنَّ الفِتْنَةَ واللَّهِ ما هي إلّا عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى النّاسِ. وَنَظَرَ بَعْضُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى ما يَصْنَعُ بِهِمْ بُخْتَنَصَّرُ، فَقالَ: بِما كَسَبَتْ أيْدِينا سَلَّطْتَ عَلَيْنا مَن لا يَعْرِفُكَ ولا يَرْحَمُنا. وَقالَ بُخْتَنَصَّرُ لِدانْيالَ: ما الَّذِي سَلَّطَنِي عَلى قَوْمِكَ؟ قالَ: عِظَمُ خَطِيئَتِكَ وظُلْمُ قَوْمِي أنْفُسَهم. وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وحُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا أرادَ بِالعِبادِ نِقْمَةً أماتَ الأطْفالَ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ، فَتَنْزِلُ النِّقْمَةُ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَرْحُومٌ». وَذَكَرَ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأْتُ في الحِكْمَةِ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا اللَّهُ مالِكُ المُلُوكِ، قُلُوبُ المُلُوكِ بِيَدَيَّ، فَمَن أطاعَنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ رَحْمَةً، ومَن عَصانِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ نِقْمَةً، فَلا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلُوكِ، ولَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أعْطِفُهم عَلَيْكم. وَفِي مَراسِيلِ الحَسَنِ: إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا جَعَلَ أمْرَهم إلى حُلَمائِهِمْ، وفَيَّأهم عِنْدَ سُمَحائِهِمْ، وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ شَرًّا جَعَلَ أمْرَهم إلى سُفَهائِهِمْ، وفَيَّأهم عِنْدَ بُخَلائِهِمْ. وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أنْتَ في السَّماءِ ونَحْنُ في الأرْضِ، فَما عَلامَةُ غَضَبِكَ مِن رِضاكَ؟ قالَ: إذا اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكم خِيارَكم فَهو مِن عَلامَةِ رِضائِي عَنْكُمْ، وإذا اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكم شِرارَكم فَهو مِن عَلامَةِ سُخْطِي عَلَيْكم. وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى بَعْضِ الأنْبِياءِ: إذا عَصانِي مَن يَعْرِفُنِي سَلَّطْتُ عَلَيْهِ مَن لا يَعْرِفُنِي. وَذَكَرَ أيْضًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِرَفْعِهِ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ أُمَراءَ كَذَبَةً، ووُزَراءَ فَجَرَةً، وأعْوانًا خَوَنَةً، وعُرَفاءَ ظَلَمَةً، وقُرّاءَ فَسَقَةً، سِيماهم سِيماءُ الرُّهْبانِ، وقُلُوبُهم أنْتَنُ مِنَ الجِيَفِ، أهْواؤُهم مُخْتَلِفَةٌ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ لَهم فِتْنَةً غَبْراءَ مُظْلِمَةً فَيَتَهالَكُونَ فِيها، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيُنْقَضَنَّ الإسْلامُ عُرْوَةً عُرْوَةً، حَتّى لا يُقالَ: اللَّهُ اللَّهُ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لِيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم أشْرارَكُمْ، فَيَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ثُمَّ يَدْعُو خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهُمْ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم مَن لا يَرْحَمُ صَغِيرَكُمْ، ولا يُوَقِّرُ كَبِيرَكُمْ». وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما طَفَّفَ قَوْمٌ كَيْلًا، ولا بَخَسُوا مِيزانًا، إلّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القَطْرَ، وما ظَهَرَ في قَوْمٍ الزِّنا إلّا ظَهَرَ فِيهِمُ المَوْتُ، وما ظَهَرَ في قَوْمٍ الرِّبا إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُنُونَ، ولا ظَهَرَ في قَوْمٍ القَتْلُ - يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا - إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، ولا ظَهَرَ في قَوْمٍ عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ إلّا ظَهَرَ فِيهِمُ الخَسْفَ، وما تَرَكَ قَوْمٌ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ إلّا لَمْ تُرْفَعْ أعْمالُهم ولَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُمْ» ورَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ إبْراهِيمَ بْنِ الأشْعَثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ سَعِيدٍ بِهِ. وَفِي المُسْنَدِ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَعَرَفْتُ في وجْهِهِ أنْ قَدْ حَفَزَهُ شَيْءٌ، فَما تَكَلَّمَ حَتّى تَوَضَّأ، وخَرَجَ، فَلَصِقْتُ بِالحُجْرَةِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لَكُمْ: مُرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي فَلا أُجِيبُكُمْ، وتَسْتَنْصِرُونِي فَلا أنْصُرُكُمْ، وتَسْألُونِي فَلا أُعْطِيكُمْ». وَقالَ العُمَرِيُّ الزّاهِدُ: إنَّ مِن غَفْلَتِكَ عَنْ نَفْسِكَ، وإعْراضِكَ عَنِ اللَّهِ أنْ تَرى ما يُسْخِطُ اللَّهَ فَتَتَجاوَزَهُ، ولا تَأْمُرُ فِيهِ، ولا تَنْهى عَنْهُ، خَوْفًا مِمَّنْ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضُرًّا ولا نَفْعًا. وَقالَ: مَن تَرَكَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، مَخافَةً مِنَ المَخْلُوقِينَ، نُزِعَتْ مِنهُ الطّاعَةُ، ولَوْ أمَرَ ولَدَهُ أوْ بَعْضَ مَوالِيهِ لاسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ. وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تَتْلُونَ هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّكم تَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَوْضِعِها ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ - وفي لَفْظٍ: إذا رَأوُا المُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ - أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ مِن عِنْدِهِ». وَذَكَرَ الأوْزاعِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا خَفِيَتِ الخَطِيئَةُ لَمْ تَضُرَّ إلّا صاحِبَها، وإذا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ، ضَرَّتِ العامَّةَ». وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: تُوشِكُ القُرى أنْ تُخَرِّبَ وهي عامِرَةٌ، قِيلَ وكَيْفَ تُخَرَّبُ وهي عامِرَةٌ؟ قالَ: إذا عَلا فُجّارُها أبْرارَها، وسادَ القَبِيلَةَ مُنافِقُوها. وَذَكَرَ الأوْزاعِيُّ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «سَيَظْهَرُ شِرارُ أُمَّتِي عَلى خِيارِها، حَتّى يَسْتَخْفِيَ المُؤْمِنُ فِيهِمْ كَما يَسْتَخْفِي المُنافِقُ فِينا اليَوْمَ». وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ قالَ: «يَأْتِي زَمانٌ يَذُوبُ فِيهِ قَلْبُ المُؤْمِنِ كَما يَذُوبُ المِلْحُ في الماءِ، قِيلَ: مِمَّ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: مِمّا يَرى مِنَ المُنْكَرِ لا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ». وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ جَرِيرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما مِن قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعاصِي، وهم أعَزُّ وأكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ إلّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُجاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُلْقى في النّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتابُهُ في النّارِ، فَيَدُورُ كَما يَدُورُ الحِمارُ بِرَحاهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أهْلُ النّارِ، فَيَقُولُونَ: أيْ فُلانُ، ما شَأْنُكَ؟ ألَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُنا بِالمَعْرُوفِ وتَنْهانا عَنِ المُنْكَرِ؟ قالَ: بَلى، كُنْتُ آمُرُكم بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ وأنْهاكم عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ». وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ حَبْرٌ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ يَغْشى مَنزِلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، فَيَعِظُهم ويُذَكِّرُهم بِأيّامِ اللَّهِ، فَرَأى بَعْضَ بَنِيهِ يَوْمًا يَغْمِزُ النِّساءَ، فَقالَ: مَهْلًا يا بُنَيَّ، مَهْلًا يا بُنَيَّ فَسَقَطَ مِن سَرِيرِهِ، فانْقَطَعَ نُخاعُهُ، وأُسْقِطَتِ امْرَأتُهُ، وقُتِلَ بَنُوهُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِمْ: أنْ أخْبِرْ فُلانًا الخَبَرَ: أنِّي لا أُخْرِجُ مِن صُلْبِكَ صِدِّيقًا أبَدًا، ما كانَ غَضَبُكَ لِي إلّا أنْ قُلْتَ مَهْلًا يا بُنَيَّ. وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إيّاكم ومُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ، فَإنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلى الرَّجُلِ حَتّى يُهْلِكْنَهُ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا، كَمَثَلِ القَوْمِ نَزَلُوا أرْضَ فَلاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ القَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالعُودِ، والرَّجُلُ يَجِيءُ بِالعُودِ، حَتّى جَمَعُوا سَوادًا، وأجَّجُوا نارًا، وأنْضَجُوا ما قَذَفُوا فِيها». وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «إنَّكم لَتَعْمَلُونَ أعْمالًا هي أدَقُّ في أعْيُنِكم مِنَ الشَّعْرِ، وإنْ كُنّا لَنَعُدَّها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُوبِقاتِ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حَتّى ماتَتْ، فَدَخَلَتِ النّارَ، لا هي أطْعَمَتْها، ولا سَقَتْها، ولا تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ». وَفِي الحِلْيَةِ لِأبِي نُعَيْمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: في يَوْمٍ واحِدٍ تَرَكَتْ بَنُو إسْرائِيلَ دِينَهُمْ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَرَكُوهُ، وإذا نُهُوا عَنْ شَيْءٍ رَكِبُوهُ، حَتّى انْسَلَخُوا مِن دِينِهِمْ كَما يَنْسَلِخُ الرَّجُلُ مِن قَمِيصِهِ. وَمِن هاهُنا قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: المَعاصِي بَرِيدُ الكُفْرِ، كَما أنَّ القُبْلَةَ بَرِيدُ الجِماعِ، والغِناءُ بَرِيدُ الزِّنا، والنَّظَرُ بَرِيدُ العِشْقِ، والمَرَضُ بَرِيدُ المَوْتِ. وَفِي الحِلْيَةِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يا صاحِبَ الذَّنْبِ لا تَأْمَن سُوءَ عاقِبَتِهِ، ولَما يَتْبَعُ الذَّنْبَ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ إذا عَمِلْتَهُ، قِلَّةُ حَيائِكَ مِمَّنْ عَلى اليَمِينِ وعَلى الشِّمالِ - وأنْتَ عَلى الذَّنْبِ - أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وضَحِكُكَ وأنْتَ لا تَدْرِي ما اللَّهُ صانِعٌ بِكَ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وفَرَحُكَ بِالذَّنْبِ إذا ظَفِرْتَ بِهِ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وحُزْنُكَ عَلى الذَّنْبِ إذا فاتَكَ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وخَوْفُكَ مِنَ الرِّيحِ إذا حَرَّكَتْ سِتْرَ بابِكَ وأنْتَ عَلى الذَّنْبِ ولا يَضْطَرِبُ فُؤادُكَ مِن نَظَرِ اللَّهِ إلَيْكَ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، ويْحَكَ هَلْ تَدْرِي ما كانَ ذَنْبُ أيُّوبَ فابْتَلاهُ بِالبَلاءِ في جَسَدِهِ وذَهابِ مالِهِ؟ اسْتَغاثَ بِهِ مِسْكِينٌ عَلى ظالِمٍ يَدْرَؤُهُ عَنْهُ، فَلَمْ يُعِنْهُ، ولَمْ يَنْهَ الظّالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ بِلالَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: لا تَنْظُرْ إلى صِغَرِ الخَطِيئَةِ ولَكِنِ انْظُرْ إلى مَن عَصَيْتَ. وَقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: بِقَدْرِ ما يَصْغَرُ الذَّنْبُ عِنْدَكَ يَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ، وبِقَدْرِ ما يَعْظُمُ عِنْدَكَ يَصْغَرُ عِنْدَ اللَّهِ. وَقِيلَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى، يا مُوسى إنَّ أوَّلَ مَن ماتَ مِن خَلْقِي إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن عَصانِي، وإنَّما أعُدُّ مَن عَصانِي مِنَ الأمْواتِ. وَفِي المُسْنَدِ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا أذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإذا تابَ ونَزَعَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ زادَ زادَتْ حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]». وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقالَ حُذَيْفَةُ: إذا أذْنَبَ العَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَصِيرَ قَلْبُهُ كالشّاةِ الرَّيْداءِ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ حَدَّثَنا أبِي عَنْ صالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أمّا بَعْدُ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَإنَّكم أهْلٌ لِهَذا الأمْرِ ما لَمْ تَعْصُوا اللَّهَ، فَإذا عَصَيْتُمُوهُ بَعَثَ عَلَيْكم مَن يَلْحاكم كَما يُلْحى هَذا القَضِيبُ بِقَضِيبٍ في يَدِهِ، ثُمَّ لَحا قَضِيبَهُ فَإذا هو أبْيَضُ يَصْلِدُ». وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ: عَنْ وهْبٍ قالَ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: قالَ في بَعْضِ ما يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي إذا أُطِعْتُ رَضِيتُ، وإذا رَضِيتُ بارَكْتُ، ولَيْسَ لِبِرَكَتِي نِهايَةٌ، وإذا عُصِيتُ غَضِبْتُ، وإذا غَضِبْتُ لَعَنْتُ، ولَعْنَتِي تَبْلُغُ السّابِعَ مِنَ الوَلَدِ ".

المائدة 5:109

﴿ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ قِيلَ: قالُوهُ تَأدُبًا مَعَهُ سُبْحانَهُ، إذْ رَدُّوا العِلْمَ إلَيْهِ. وَقِيلَ: مَعْناهُ لا عِلْمَ لَنا بِحَقِيقَةِ الباطِنِ، وإنَّما أجابَنا مَن أجابَنا ظاهِرًا، والباطِنُ غَيْبٌ، وأنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ. والتَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ عُلُومَهم تَلاشَتْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ واضْمَحَلَّتْ، فَصارَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَلا عِلْمٍ، فَرَدُّوا العِلْمَ كُلَّهُ إلى ولِيِّهِ وأهْلِهِ، ومَن هو أوْلى بِهِ، فَعُلُومُهم وعُلُومُ الخَلائِقِ جَمِيعِهِمْ في جَنْبِ عِلْمِهِ تَعالى كَنَقْرَةِ عُصْفُورٍ في بَحْرٍ مِن بِحارِ العالَمِ.

المائدة 5:114

(فصل) وأما السؤال السابع والعشرون: وهو ما الحكمة في ورود الثناء على الله في التشهد بلفظ الغيبة مع كونه سبحانه هو المخاطب الذي يناجيه العبد والسلام على النبي ﷺ بلفظ الخطاب مع كونه غائبا؟ فجوابه أن الثناء على الله عامة ما يجيء مضافا إلى أسمائه الحسنى الظاهرة دون الضمير إلا أن يتقدم ذكر الاسم الظاهر فيجيء بعده المضمر وهذا نحو قول المصلي: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وقوله في الركوع: "سبحان ربي العظيم" وفي السجود "سبحان ربي الأعلى " وفي هذا من السر أن تعليق الثناء بأسمائه الحسنى هو لما تضمنت معانيها من صفات الكمال ونعوت الجلال فأتى بالاسم الظاهر الدال على المعنى الذي يثنى به ولأجله عليه تعالى ولفظ الضمير لا إشعار له بذلك ولهذا إذا كان ولا بد من الثناء عليه بخطاب المواجهة أتى بالاسم الظاهر مقرونا بميم الجمع الدالة على جميع الأسماء والصفات نحو قوله في رفع رأسه من الركوع "اللهم ربنا لك الحمد" وربما اقتصر على ذكر الرب تعالى لدلالة لفظه على هذا المعنى فتأمله. فإنه لطيف المنزع جدا وتأمل كيف صدر الدعاء المتضمن للثناء والطلب بلفظة "اللهم كما في سيد الاستغفار "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك" الحديث .. رواه البخاري والترمذي والنسائي. وجاء الدعاء المجرد مصدرا بلفظ الرب نحو قول المؤمنين: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ وقول آدم: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ وقول موسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ وقول نوح: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ وكان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي رب اغفر لي" صحيح وسر ذلك أن الله تعالى يسأل بربوبيته المتضمنة قدرته وإحسانه وتربيته عبده وإصلاح أمره ويثنى عليه بإلهيته المتضمنة إثبات ما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى وتدبر طريقة القرآن تجدها كما ذكرت لك فأما الدعاء فقد ذكرنا منه أمثلة وهو في القرآن حيث وقع لا يكاد يجيء إلا مصدرا باسم الرب، وأما الثناء فحيث وقع فمصدر بالأسماء الحسنى وأعظم ما يصدر به اسم الله جل جلاله نحو: ﴿الحمد لله﴾ حيث جاء ونحو: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ وجاء: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ ونحوه ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ حيث وقعت ونحو: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾، ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ ونظائره وجاء في دعاء المسيح: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فذكر الأمرين ولم يجئ في القرآن سواه ولا رأيت أحدا تعرض لهذا ولا نبه عليه سر عجيب دال على كمال معرفة المسيح بربه وتعظيمه له فإن هذا السؤال كان عقيب سؤال قومه له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فخوفهم الله وأعلمهم أن هذا مما لا يليق أن يسأل عنه وأن الإيمان يرده فلما ألحوا في الطلب وخاف المسيح أن يداخلهم الشك إن لم يجابوا إلى ما سألوا بدأ في السؤال باسم ﴿اللَّهُمَّ﴾ الدال على الثناء على الله بجميع أسمائه وصفاته ففي ضمن ذلك تصوره بصورة المثني الحامد الذاكر لأسماء ربه المثني عليه بها وأن المقصود من هذا الدعاء وقضاء هذه الحاجة إنما هو أن يثني على الرب بذلك ويمجده به ويذكر آلاءه ويظهر شواهد قدرته وربوبيته ويكون برهانا على صدق رسوله فيحصل بذلك من زيادة الإيمان والثناء على الله أمر يحسن معه الطلب ويكون كالعذر فيه فأتى بالاسمين اسم الله الذي يثني عليه به واسم الرب الذي يدعي ويسأل به لما كان المقام مقام الأمرين. فتأمل هذا السر العجيب ولا يثب عنه فهمك فإنه من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتابه وله الحمد.

المائدة 5:116

(مسألة) قال تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فهذا شرط دخل على ماضي اللفظ وهو ماضي المعنى قطعا لأن المسيح إما أن يكون هذا الكلام قد صدر منه بعد رفعه إلى السماء أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة وعلى التقديرين فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي وغلط على الله من قال إن هذا القول وقع منه في الدنيا قبل رفعه والتقدير إن أكن أقول هذا فإنك تعلمه وهذا تحريف للآية لأن هذا الجواب إنما صدر منه بعد سؤال الله له عن ذلك والله لم يسأله وهو بين أظهر قومه ولا اتخذوه وأمه إلهين إلا بعد رفعه بمئين من السنين فلا يجوز تحريف كلام الله انتصارا لقاعدة نحوية هدم مائة أمثالها أسهل من تحريف معنى الآية وقال ابن السراج: في أصوله يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين تقديرهما إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي يثبت أنك علمته وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل فيحسن التعليق عليه وهذا الجواب أيضا ضعيف جدا ولا ينبئ عنه اللفظ وليت شعري ما يصنعون بقول النبي ﷺ " إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه" رواه البخاري ومسلم. هل يقول عاقل إن الشرط هنا مستقبل؟ أما التأويل الأول فمنتف هنا قطعا وأما الثاني فلا يخفي وجه التعسف فيه وأنه لم يقصد أنه يثبت في المستقبل أنك أذنبت في الماضي فتوبي ولا قصد هذا المعنى وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام إن كان صدر منك ذنب فيما مضى فاستقبليه بالتوبة لم يرد إلا هذا الكلام وإذا ظهر فساد الجوابين فالصواب أن يقال جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل هل كان كذا ولا يتضمن لنفي قول من قال قد كان كذا فهذا يقتضي الاستقبال وتارة يكون مقصودة ومضمنة جواب سائل هل وقع كذا أو رد قوله قد وقع كذا فإذا علق الجواب هنا على شرط لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى بل لا يصح فيه الاستقبال بحال كمن يقول لرجل هل أعتقت عبدك فيقول إن كنت قد أعتقته فقد أعتقه الله فما للاستقبال هنا معنى قط وكذلك إذا قلته لمن قال صحبت فلانا فيقول إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرا وكذلك إذا قلت له هل أذنبت فيقول إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى الله واستغفرته وكذلك إذا قال هل قلت لفلان كذا وهو يعلم أنه علم بقوله له فيقول إن قلته فقد علمته فقد عرفت أن هذه المواضع كلها مواضع ماض لفظا ومعنى ليطابق السؤال الجواب ويصح التعليق الخبري لا الوعدي فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وتقول إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت وهذه دقيقة خلت منها كتب النحاة والفضلاء وهي كما ترى وضوحا وبرهانا ولله الحمد.

المائدة 5:118

والرَّبُّ تَعالى يُحِبُّ ذاتَهُ وأوْصافَهُ وأسْماءَهُ، فَهو عَفْوٌ يُحِبُّ العَفْوَ، ويُحِبُّ المَغْفِرَةَ، ويُحِبُّ التَّوْبَةَ، ويَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ أعْظَمَ فَرَحٍ يَخْطُرُ بِالبالِ وَكانَ تَقْدِيرُ ما يَغْفِرُهُ ويَعْفُو عَنْ فاعِلِهِ، ويَحْلُمُ عَنْهُ، ويَتُوبُ عَلَيْهِ ويُسامِحُهُ مِن مُوجَبِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وحُصُولُ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ مِن ذَلِكَ، وما يَحْمَدُ بِهِ نَفْسَهُ ويَحْمَدُهُ بِهِ أهْلُ سَماواتِهِ وأهْلُ أرْضِهِ ما هو مِن مُوجَباتِ كَمالِهِ ومُقْتَضى حَمْدِهِ. وَهُوَ سُبْحانَهُ الحَمِيدُ المَجِيدُ، وحَمْدُهُ ومَجْدُهُ يَقْتَضِيانِ آثارَهُما. وَمِن آثارِهِما مَغْفِرَةُ الزَّلّاتِ، وإقالَةُ العَثَراتِ، والعَفْوُ عَنِ السَّيِّئاتِ، والمُسامَحَةُ عَلى الجِناياتِ، مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ. والعِلْمُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالجِنايَةِ ومِقْدارِ عُقُوبَتِها، فَحِلْمُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ، وعَفْوُهُ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، ومَغْفِرَتُهُ عَنْ كَمالِ عِزَّتِهِ وحَكَمْتِهِ، كَما قالَ المَسِيحُ ﷺ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ فَمَغْفِرَتُكَ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِكَ وحِكْمَتِكَ، لَسْتَ كَمَن يَغْفِرُ عَجْزًا، ويُسامِحُ جَهْلًا بِقَدْرِ الحَقِّ، بَلْ أنْتَ عَلِيمٌ بِحَقِّكَ، قادِرٌ عَلى اسْتِيفائِهِ، حَكِيمٌ في الأخْذِ بِهِ. فَمَن تَأمَّلَ سَرَيانَ آثارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ في العالَمِ، وفي الأمْرِ، تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ مَصْدَرَ قَضاءِ هَذِهِ الجِناياتِ مِنَ العَبِيدِ، وتَقْدِيرُها: هو مِن كَمالِ الأسْماءِ والصِّفاتِ والأفْعالِ. وغاياتُها أيْضًا: مُقْتَضى حَمْدِهِ ومَجْدِهِ، كَما هو مُقْتَضى رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ. فَلَهُ في كُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، والآياتُ الباهِرَةُ، والتَّعَرُّفاتُ إلى عِبادِهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، واسْتِدْعاءُ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وذِكْرِهِمْ لَهُ، وشُكْرِهِمْ لَهُ، وتَعَبُّدِهِمْ لَهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، إذْ كَلُّ اسْمٍ فَلَهُ تَعَبُّدٌ مُخْتَصٌّ بِهِ، عِلْمًا ومَعْرِفَةً وحالًا، وأكْمَلُ النّاسِ عُبُودِيَّةً المُتَعَبِّدُ بِجَمِيعِ الأسْماءِ والصِّفاتِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْها البَشَرُ، فَلا تَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمٍ عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمٍ آخَرَ، كَمَن يَحْجُبُهُ التَّعَبُّدُ بِاسْمِهِ القَدِيرِ عَنِ التَّعَبُّدِ بِاسْمِهِ الحَلِيمِ الرَّحِيمِ، أوْ يَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ المُعْطِي عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمِهِ المانِعِ، أوْ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ الرَّحِيمِ والعَفُوِّ والغَفُورِ عَنِ اسْمِهِ المُنْتَقِمِ، أوِ التَّعَبُّدُ بِأسْماءِ التَّوَدُّدِ، والبِرِّ، واللُّطْفِ، والإحْسانِ عَنْ أسْماءِ العَدْلِ، والجَبَرُوتِ، والعَظَمَةِ، والكِبْرِياءِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الكُمَّلِ مِنَ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ، وهي طَرِيقَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن قَلْبِ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والدُّعاءُ بِها يَتَناوَلُ دُعاءَ المَسْألَةِ، ودُعاءَ الثَّناءِ، ودُعاءَ التَّعَبُّدِ، وهو سُبْحانُهُ يَدْعُو عِبادَهُ إلى أنْ يَعْرِفُوهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِها، ويَأْخُذُوا بِحَظِّهِمْ مِن عُبُودِيَّتِها. وَهُوَ سُبْحانُهُ يُحِبُّ مُوجَبَ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ. فَهُوَ عَلِيمٌ يُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ، جَوّادٌ يُحِبُّ كُلَّ جَوّادٍ، وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، عَفُوٌّ يُحِبُّ العَفْوَ وأهْلَهُ، حَيِّيٌّ يُحِبُّ الحَياءَ وأهْلَهُ، بَرٌّ يُحِبُّ الأبْرارَ، شَكُورٌ يُحِبُّ الشّاكِرِينَ، صَبُورٌ يُحِبُّ الصّابِرِينَ، حَلِيمٌ يُحِبُّ أهْلَ الحِلْمِ، فَلِمَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لِلتَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ، والعَفْوِ والصَّفْحِ خَلَقَ مَن يَغْفِرُ لَهُ، ويَتُوبُ عَلَيْهِ ويَعْفُو عَنْهُ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ ما يَقْتَضِي وُقُوعَ المَكْرُوهِ والمَبْغُوضِ لَهُ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَحْبُوبُ لَهُ المُرْضِي لَهُ، فَتَوَسُّطُهُ كَتَوَسُّطِ الأسْبابِ المَكْرُوهَةِ المُفْضِيَةِ إلى المَحْبُوبِ. ؎فَرُبَّما كانَ مَكْرُوهُ العِبادِ إلى ∗∗∗ مَحْبُوبِها سَبَبَ ما مِثْلُهُ سَبَبٌ (فصل) وَتَأمَّلْ أحْوالَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ مَعَ اللَّهِ، وخِطابَهم وسُؤالَهم. كَيْفَ تَجِدُها كُلَّها مَشْحُونَةً بِالأدَبِ قائِمَةً بِهِ؟ قالَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] ولَمْ يَقُلْ: لَمْ أقُلْهُ. وفَرْقٌ بَيْنَ الجَوابَيْنِ في حَقِيقَةِ الأدَبِ. ثُمَّ أحالَ الأمْرَ عَلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالحالِ وسِرِّهِ. فَقالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ بَرَّأ نَفْسَهُ عَنْ عِلْمِهِ بِغَيْبِ رَبِّهِ وما يَخْتَصُّ بِهِ سُبْحانَهُ، فَقالَ ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ أثْنى عَلى رَبِّهِ. ووَصَفَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِعِلْمِ الغُيُوبِ كُلِّها. فَقالَ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ قالَ لَهم غَيْرَ ما أمَرَهُ رَبُّهُ بِهِ - وهو مَحْضُ التَّوْحِيدِ - فَقالَ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ شَهادَتِهِ عَلَيْهِمْ مُدَّةَ مُقامِهِ فِيهِمْ. وأنَّهُ بَعْدَ وفاتِهِ لا اطِّلاعَ لَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ هو المُنْفَرِدُ بَعْدَ الوَفاةِ بِالِاطِّلاعِ عَلَيْهِمْ. فَقالَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]. ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَهادَةٍ وأعَمُّ. فَقالَ: ﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] وهَذا مِن أبْلَغِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ. أيْ شَأْنُ السَّيِّدِ رَحْمَةُ عَبِيدِهِ والإحْسانُ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ عَبِيدُكَ لَيْسُوا عَبِيدًا لِغَيْرِكَ. فَإذا عَذَّبْتَهم - مَعَ كَوْنِهِمْ عَبِيدَكَ - فَلَوْلا أنَّهم عَبِيدُ سُوءٍ مِن أبْخَسِ العَبِيدِ، وأعْتاهم عَلى سَيِّدِهِمْ، وأعْصاهم لَهُ - لَمْ تُعَذِّبْهم. لِأنَّ قُرْبَةَ العُبُودِيَّةَ تَسْتَدْعِي إحْسانَ السَّيِّدِ إلى عَبْدِهِ ورَحْمَتَهُ. فَلِماذا يُعَذِّبُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وأجْوَدُ الأجْوَدِينَ، وأعْظَمُ المُحْسِنِينَ إحْسانًا عَبِيدَهُ؟ لَوْلا فَرْطُ عُتُوِّهِمْ، وإباؤُهم عَنْ طاعَتِهِ، وكَمالُ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] أيْ هم عِبادُكَ. وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرِّهِمْ وعَلانِيَتِهِمْ. فَإذا عَذَّبْتَهُمْ: عَذَّبْتَهم عَلى عِلْمٍ مِنكَ بِما تُعَذِّبُهم عَلَيْهِ. فَهم عِبادُكَ وأنْتَ أعْلَمُ بِما جَنَوْهُ واكْتَسَبُوهُ. فَلَيْسَ في هَذا اسْتِعْطافٌ لَهُمْ، كَما يَظُنُّهُ الجُهّالُ. ولا تَفْوِيضٌ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ والمُلْكِ المُجَرَّدِ عَنِ الحِكْمَةِ، كَما تَظُنُّهُ القَدَرِيَّةُ. وإنَّما هو إقْرارٌ واعْتِرافٌ وثَناءٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ، وكَمالِ عِلْمِهِ بِحالِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ولَمْ يَقُلِ: الغَفُورُ الرَّحِيمُ وَهَذا مِن أبْلَغِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإنَّهُ قالَهُ في وقْتِ غَضَبِ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ، والأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ. فَلَيْسَ هو مَقامَ اسْتِعْطافٍ ولا شَفاعَةٍ. بَلْ مَقامُ بَراءَةٍ مِنهم. فَلَوْ قالَ: فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ لَأشْعَرَ بِاسْتِعْطافِهِ رَبَّهُ عَلى أعْدائِهِ الَّذِينَ قَدِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ. فالمَقامُ مَقامُ مُوافَقَةٍ لِلرَّبِّ في غَضَبِهِ عَلى مَن غَضِبَ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ. فَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الصِّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُسْألُ بِهِما عَطْفَهُ ورَحْمَتَهُ ومَغْفِرَتَهُ إلى ذِكْرِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، المُتَضَمِّنَتَيْنِ لِكَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ. والمَعْنى: إنْ غَفَرْتَ لَهم فَمُغْفِرَتُكَ تَكُونُ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ. لَيْسَتْ عَنْ عَجْزٍ عَنْ الِانْتِقامِ مِنهُمْ، ولا عَنْ خَفاءٍ عَلَيْكَ بِمِقْدارِ جَرائِمِهِمْ، وهَذا لِأنَّ العَبْدَ قَدْ يَغْفِرُ لِغَيْرِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ الِانْتِقامِ مِنهُ. ولِجَهْلِهِ بِمِقْدارِ إساءَتِهِ إلَيْهِ. والكَمالُ: هو مَغْفِرَةُ القادِرِ العالِمِ. وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ. وكانَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في هَذا المَقامِ عَيْنَ الأدَبِ في الخِطابِ. وَفِي بَعْضِ الآثارِ حَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ. لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. واثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ. لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ. ولِهَذا يَقْتَرِنُ كُلٌّ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِالأُخْرى. كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].

المائدة 5:119

(فصل: الرِّضا بِالقَضاءِ يَصِحُّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ) وَغايَتُهُ التَّسْلِيمُ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ. فَأيْنَ هَذا مِنَ الرِّضا بِهِ رَبًّا وإلَهًا ومَعْبُودًا؟ وَأيْضًا فالرِّضا بِهِ رَبًّا فَرْضٌ. بَلْ هو مِن آكَدِ الفُرُوضِ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ. فَمَن لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا، لَمْ يَصِحَّ لَهُ إسْلامٌ ولا عَمَلٌ ولا حالٌ. وَأمّا الرِّضا بِقَضائِهِ: فَأكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. ولَيْسَ بِواجِبٍ. وَقِيلَ: بَلْ هو واجِبٌ، وهُما قَوْلانِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ. فالفَرْقُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ فَرْقُ ما بَيْنَ الفَرْضِ والنَّدْبِ. وفي الحَدِيثِ الإلَهِيِّ الصَّحِيحِ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ أفْضَلُ وأعْلى مِنَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوافِلِ. وَأيْضًا: فَإنَّ الرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ الرِّضا عَنْهُ، ويَسْتَلْزِمُهُ. فَإنَّ الرِّضا بِرُبُوبِيَّتِهِ: هو رِضا العَبْدِ بِما يَأْمُرُهُ بِهِ، ويَنْهاهُ عَنْهُ، ويَقْسِمُهُ لَهُ ويُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ويَمْنَعُهُ مِنهُ. فَمَتى لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَضِيَ بِهِ رَبًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. وإنْ كانَ راضِيًا بِهِ رَبًّا مِن بَعْضِها. فالرِّضا بِهِ رَبًّا مِن كُلِّ وجْهٍ: يَسْتَلْزِمُ الرِّضا عَنْهُ، ويَتَضَمَّنُهُ بِلا رَيْبٍ. وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا مُتَعَلِّقٌ بِذاتِهِ، وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ العامَّةِ والخاصَّةِ، فَهو الرِّضا بِهِ خالِقًا ومُدَبِّرًا، وآمِرًا وناهِيًا، ومَلِكًا، ومُعْطِيًا ومانِعًا، وحَكَمًا، ووَكِيلًا ووَلِيًّا، وناصِرًا ومُعِينًا، وكافِيًا وحَسِيبًا ورَقِيبًا، ومُبْتَلِيًا ومُعافِيًا، وقابِضًا وباسِطًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ رُبُوبِيَّتِهِ. وَأمّا الرِّضا عَنْهُ: فَهو رِضا العَبْدِ بِما يَفْعَلُهُ بِهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ إلّا في الثَّوابِ والجَزاءِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] فَهَذا بِرِضاها عَنْهُ لِما حَصَلَ لَها مِن كَرامَتِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]. والرِّضا بِهِ: أصْلُ الرِّضا عَنْهُ، والرِّضا عَنْهُ: ثَمَرَةُ الرِّضا بِهِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرِّضا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ. والرِّضا عَنْهُ: مُتَعَلِّقٌ بِثَوابِهِ وجَزائِهِ. وَأيْضًا: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ ذَوْقَ طَعْمِ الإيمانِ بِمَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا. ولَمْ يُعَلِّقْهُ بِمَن رَضِيَ عَنْهُ، كَما قالَ ﷺ «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا.». فَجَعَلَ الرِّضا بِهِ قَرِينَ الرِّضا بِدِينِهِ ونَبِيِّهِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ الإسْلامِ، الَّتِي لا يَقُومُ إلّا بِها وعَلَيْها. وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، والإنابَةَ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وخَوْفَهُ ورَجاءَهُ ومَحَبَّتَهُ، والصَّبْرَ لَهُ وبِهِ. والشُّكْرُ عَلى نِعَمِهِ: يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ كُلِّ ما مِنهُ نِعْمَةً وإحْسانًا، وإنْ ساءَ عَبْدُهُ. فالرِّضا بِهِ يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والرِّضا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ والرِّضا بِالإسْلامِ دِينًا: يَتَضَمَّنُ التِزامَ عُبُودِيَّتِهِ، وطاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ. فَجَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ الدِّينَ كُلَّهُ. وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ اتِّخاذَهُ مَعْبُودًا دُونَ ما سِواهُ. واتِّخاذَهُ ولِيًّا ومَعْبُودًا، وإبْطالَ عِبادَةِ كُلِّ ما سِواهُ. وقَدْ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] وقالَ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] وقالَ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. فَهَذا هو عَيْنُ الرِّضا بِهِ رَبًّا. وَأيْضًا: فَإنَّهُ جَعَلَ حَقِيقَةَ الرِّضا بِهِ رَبًّا: أنْ يَسْخَطَ عِبادَةَ ما دُونَهُ. فَمَتى سَخِطَ العَبْدُ عِبادَةَ ما سِوى اللَّهِ مِنَ الآلِهَةِ الباطِلَةِ، حُبًّا وخَوْفًا، ورَجاءً وتَعْظِيمًا، وإجْلالًا - فَقَدْ تَحَقَّقَ بِالرِّضا بِهِ رَبًّا، الَّذِي هو قُطْبُ رَحى الإسْلامِ. وَإنَّما كانَ قُطْبَ رَحى الدِّينِ لِأنَّ جَمِيعَ العَقائِدِ والأعْمالِ، والأحْوالِ: إنَّما تَنْبَنِي عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في العِبادَةِ، وسُخْطِ عِبادَةِ ما سِواهُ. فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذا القُطْبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحًى تَدُورُ عَلَيْهِ. ومَن حَصَلَ لَهُ هَذا القُطْبُ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّحى. ودارَتْ عَلى ذَلِكَ القُطْبِ. فَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ مِن دائِرَةِ الشِّرْكِ إلى دائِرَةِ الإسْلامِ. فَتَدُورُ رَحى إسْلامِهِ وإيمانِهِ عَلى قُطْبِها الثّابِتِ اللّازِمِ. وَأيْضًا: فَإنَّهُ جَعَلَ حُصُولَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الرِّضا مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِ المَرْضِيِّ بِهِ رَبًّا - سُبْحانَهُ - أحَبَّ إلى العَبْدِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأوْلى الأشْياءِ بِالتَّعْظِيمِ، وأحَقَّ الأشْياءِ بِالطّاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا يَجْمَعُ قَواعِدَ العُبُودِيَّةِ، ويُنَّظِمُ فُرُوعَها وشُعَبَها. وَلَمّا كانَتِ المَحَبَّةُ التّامَّةُ مَيْلَ القَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ إلى المَحْبُوبِ: كانَ ذَلِكَ المَيْلُ حامِلًا عَلى طاعَتِهِ وتَعْظِيمِهِ. وكُلَّما كانَ المَيْلُ أقْوى: كانَتِ الطّاعَةُ أتَمَّ، والتَّعْظِيمُ أوْفَرَ. وهَذا المَيْلُ يُلازِمُ الإيمانَ، بَلْ هو رُوحُ الإيمانِ ولُبُّهُ. فَأيُّ شَيْءٍ يَكُونُ أعْلى مِن أمْرٍ يَتَضَمَّنُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَبَّ الأشْياءِ إلى العَبْدِ، وأوْلى الأشْياءِ بِالتَّعْظِيمِ، وأحَقَّ الأشْياءِ بِالطّاعَةِ؟ وَبِهَذا يَجِدُ العَبْدُ حَلاوَةَ الإيمانِ. كَما في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ حَلاوَةَ الإيمانِ: مَن كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما. ومَن كانَ يُحِبُّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ. ومَن كانَ يَكْرَهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفْرِ - بَعْدَ إذْ أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ - كَما يَكْرَهُ أنْ يُلْقى في النّارِ». فَعَلَّقَ ذَوْقَ الإيمانِ بِالرِّضا بِاللَّهِ رَبًا. وعَلَّقَ وُجُودَ حَلاوَتِهِ بِما هو مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. ولا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وهو كَوْنُهُ سُبْحانَهُ أحَبَّ الأشْياءِ إلى العَبْدِ هو ورَسُولُهُ. وَلَمّا كانَ هَذا الحُبُّ التّامُّ، والإخْلاصُ - الَّذِي هو ثَمَرَتُهُ - أعْلى مِن مُجَرَّدِ الرِّضا بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ: كانَتْ ثَمَرَتُهُ أعْلى. وهو وجْدُ حَلاوَةِ الإيمانِ. وثَمَرَةُ الرِّضا: ذَوْقُ طَعْمِ الإيمانِ. فَهَذا وجْدُ حَلاوَةٍ، وذَلِكَ ذَوْقُ طَعْمٍ. واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَإنَّما تَرَتَّبَ هَذا وهَذا عَلى الرِّضا بِهِ وحْدَهُ رَبًّا، والبَراءَةِ مِن عُبُودِيَّةِ ما سِواهُ، ومِيلِ القَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِ، وانْجِذابِ قُوى المُحِبِّ كُلِّها إلَيْهِ. ورِضاهُ عَنْ رَبِّهِ تابِعٌ لِهَذا الرِّضا بِهِ. فَمَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا رَضِيَهُ اللَّهُ لَهُ عَبْدًا. ومَن رَضِيَ عَنْهُ في عَطائِهِ ومَنعِهِ وبَلائِهِ وعافِيَتِهِ: لَمْ يَنَلْ بِذَلِكَ دَرَجَةَ رِضا الرَّبِّ عَنْهُ، إنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا، وبِنَبِيِّهِ رَسُولًا، وبِالإسْلامِ دِينًا، فَإنَّ العَبْدَ قَدْ يَرْضى عَنِ اللَّهِ رَبِّهِ فِيما أعْطاهُ وفِيما مَنَعَهُ، ولَكِنْ لا يَرْضى بِهِ وحْدَهُ مَعْبُودًا وإلَهًا. ولِهَذا إنَّما ضَمِنَ رِضا العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَن رَضِيَ بِهِ رَبًّا. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَن قالَ كُلَّ يَوْمٍ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا: إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ». (فَصْلٌ) إذا عُرِفَ هَذا فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قالَ: وبِهَذا الرِّضا نَطَقَ التَّنْزِيلُ. يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ: عَزَّ وجَلَّ ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]. وَقالَ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ المُجادَلَةِ ﴿وَيُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] وفي آخِرِ سُورَةِ لَمْ يَكُنِ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]. فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ: جَزاءَهم عَلى صِدْقِهِمْ وإيمانِهِمْ، وأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، ومُجاهَدَةِ أعْدائِهِ، وعَدَمِ وِلايَتِهِمْ، بِأنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. فَأرْضاهم. فَرَضُوا عَنْهُ. وإنَّما حَصَلَ لَهم هَذا بَعْدَ الرِّضا بِهِ رَبًّا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا. قَوْلُهُ: وهو الرِّضا عَنْهُ في كُلِّ ما قَضى. هاهُنا ثَلاثَةُ أُمُورٍ: الرِّضاءُ بِاللَّهِ، والرِّضا عَنِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ. فالرِّضا بِهِ فَرْضٌ. والرِّضا عَنْهُ - وإنْ كانَ مِن أجَلِّ الأُمُورِ وأشْرَفِ أنْواعِ العُبُودِيَّةِ - فَلَمْ يُطالِبْ بِهِ العُمُومَ. لِعَجْزِهِمْ ومَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ. وأوْجَبَتْهُ طائِفَةٌ كَما أوْجَبُوا الرِّضا بِهِ، واحْتَجُّوا بِحُجَجٍ. مِنها: أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ راضِيًا عَنْ رَبِّهِ فَهو ساخِطٌ عَلَيْهِ. إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الرِّضا والسَّخَطِ. وسَخَطُ العَبْدِ عَلى رَبِّهِ مُنافٍ لِرِضاهُ بِهِ رَبًّا. قالُوا: وأيْضًا فَعَدَمُ رِضاهُ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ سُوءَ ظَنِّهِ بِهِ، ومُنازَعَتَهُ لَهُ في اخْتِيارِهِ لِعَبْدِهِ، وأنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى يَخْتارُ شَيْئًا ويَرْضاهُ فَلا يَخْتارُهُ العَبْدُ ولا يَرْضاهُ، وهَذا مُنافٍ لِلْعُبُودِيَّةِ. قالُوا: وفي بَعْضِ الآثارِ الإلَهِيَّةِ مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضائِي، ولَمْ يَصْبِرْ عَلى بَلائِي. فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا سِوايَ. وَلا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يَتَخَلَّصُ مِنَ السَّخَطِ عَلى رَبِّهِ إلّا بِالرِّضا عَنْهُ. إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الرِّضا والسَّخَطِ - فَكَلامٌ مَدْخُولٌ. لِأنَّ السُّخْطَ بِالمَقْضِيِّ لا يَسْتَلْزِمُ السُّخْطَ عَلى مَن قَضاهُ، كَما أنَّ كَراهَةَ المَقْضِيِّ وبُغْضَهُ والنُّفْرَةَ عَنْهُ لا تَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ ذَلِكَ بِالَّذِي قَضاهُ وقَدَّرَهُ. فالمَقْضِيُّ قَدْ يَسْخَطُهُ العَبْدُ وهو راضٍ عَمَّنْ قَضاهُ وقَدَّرَهُ. بَلْ قَدْ يَجْتَمِعُ تَسَخُّطُهُ والرِّضا بِنَفْسِ القَضاءِ. كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. وَأمّا قَوْلُكم إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ سُوءَ ظَنِّ العَبْدِ بِرَبِّهِ ومُنازَعَتَهُ لَهُ في اخْتِيارِهِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ هو حُسْنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ في الحالَتَيْنِ. فَإنَّهُ إنَّما يَسْخَطُ المَقْدُورَ ويُنازِعُهُ بِمَقْدُورٍ آخَرَ. كَما يُنازِعُ القَدَرَ الَّذِي يَكْرَهُهُ رَبُّهُ بِالقَدَرِ الَّذِي يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. فَيُنازِعُ قَدَرَ اللَّهِ بِقَدَرِ اللَّهِ بِاللَّهِ لِلَّهِ، كَما يَسْتَعِيذُ بِرِضاهُ مِن سَخَطِهِ، وبِمُعافاتِهِ مِن عُقُوبَتِهِ، ويَسْتَعِيذُ بِهِ مِنهُ. فَأمّا كَوْنُهُ يَخْتارُ لِنَفْسِهِ خِلافَ ما يَخْتارُهُ الرَّبُّ فَهَذا مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ. لا يُسْحَبُ عَلَيْهِ ذَيْلُ النَّفْيِ والإثْباتِ. فاخْتِيارُ الرَّبِّ تَعالى لِعَبْدِهِ نَوْعانِ. أحَدُهُما: اخْتِيارٌ دِينِيٌّ شَرْعِيٌّ. فالواجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ لا يَخْتارَ في هَذا النَّوْعِ غَيْرَ ما اخْتارَهُ لَهُ سَيِّدُهُ. قالَ تَعالى ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فاخْتِيارُ العَبْدِ خِلافَ ذَلِكَ مُنافٍ لِإيمانِهِ وتَسْلِيمِهِ، ورِضاهُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا. النَّوْعُ الثّانِي: اخْتِيارٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ. لا يَسْخَطُهُ الرَّبُّ، كالمَصائِبِ الَّتِي يَبْتَلِي اللَّهُ بِها عَبْدَهُ. فَهَذا لا يَضُرُّهُ فِرارُهُ مِنها إلى القَدَرِ الَّذِي يَرْفَعُها عَنْهُ، ويَدْفَعُها ويَكْشِفُها. ولَيْسَ في ذَلِكَ مُنازَعَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ. وإنْ كانَ فِيهِ مُنازَعَةٌ لِلْقَدَرِ بِالقَدَرِ. فَهَذا يَكُونُ تارَةً واجِبًا، وتارَةً يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وتارَةً يَكُونُ مُباحًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ، وتارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا، وتارَةً يَكُونُ حَرامًا. وَأمّا القَدَرُ الَّذِي لا يُحِبُّهُ ولا يَرْضاهُ - مِثْلَ قَدَرِ المَعائِبِ والذُّنُوبِ - فالعَبْدُ مَأْمُورٌ بِسَخَطِها. ومَنهِيٌّ عَنِ الرِّضا بِها. وَهَذا هو التَّفْصِيلُ الواجِبُ في الرِّضا بِالقَضاءِ. (لطيفة) اجْتَمَعَ وُهَيْبُ بْنُ الوَرْدِ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، ويُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ. فَقالَ الثَّوْرِيُّ: قَدْ كُنْتُ أكْرَهُ مَوْتَ الفُجاءَةِ قَبْلَ اليَوْمِ. وأمّا اليَوْمَ: فَوَدِدْتُ أنِّي مَيِّتٌ. فَقالَ لَهُ يُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ: ولِمَ؟ فَقالَ: لِما أتَخَوَّفُ مِنَ الفِتْنَةِ. فَقالَ يُوسُفُ: لَكِنِّي لا أكْرَهُ طُولَ البَقاءِ. فَقالَ الثَّوْرِيُّ: ولِمَ تَكْرَهُ المَوْتَ؟ قالَ: لَعَلِّي أُصادِفُ يَوْمًا أتُوبُ فِيهِ وأعْمَلُ صالِحًا. فَقِيلَ لِوُهَيْبٍ: أيُّ شَيْءٍ تَقُولُ أنْتَ؟ فَقالَ: أنا لا أخْتارُ شَيْئًا، أحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ. فَقَبَّلَ الثَّوْرِيُّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وقالَ: رُوحانِيَّةٌ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَهَذا حالُ عَبْدٍ قَدِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ حالَةُ الحَياةِ والمَوْتِ. وقَفَ مَعَ اخْتِيارِ اللَّهِ لَهُ مِنها. وقَدْ كانَ وُهَيْبٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ المَقامُ العالِي مِنَ الرِّضا وغَيْرِهِ.

الأنعام 6:1

(فصل) ولما كانت الآلام أدوية للأرواح والأبدان كانت كمالا للحيوان خصوصا لنوع الإنسان فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه وإنما ابتلاه ليعافيه وإنما أماته ليحييه فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب كماله طورا بعد طور إلى آخر كماله بأسباب لا بد منها وكماله موقوف على تلك الأسباب ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ولوازم ذلك ولوازم تلك اللوازم ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته وعلمه وكماله فيفرض أمورا ممتنعة ويقدرها تقديرا ذهنيا ويحسب أنها أكمل من الممكن الواقع ومع هذا فربها يرحمها لجهلها وعجزها ونقصها فإن اعترفت بذلك واعترفت له بكماله وحمده وقامت بمقتضى هذين الاعترافين كان نصيبها من الرحمة أوفر والله سبحانه افتتح الخلق بالحمد وختم أمر هذا العالم بالحمد فقال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وأنزل كتابه بالحمد وشرع دينه بالحمد وأوجب ثوابه وعقابه بالحمد فحمده من لوازم ذاته إذ يستحيل أن يكون إلا محمودا فالحمد سبب الخلق وغايته الحمد أوجبه وللحمد وجد فحمده واسع لما وسعه علمه ورحمته وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلما فلم يوجد شيئا ولم يقدره ولم يشرعه إلا بحمده ولحمده وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات الحميدة ولا بد من لوازمها ولوازم لوازمها ولهذا ملأ حمده سماواته وأرضه وما بينهما وما شاء من شيء بعد مما خلقه ويخلقه بعد هذا الخلق فحمده ملأ ذلك كله وحمده تعالى أنواع حمد على ربوبيته وحمد على تفرده بها وحمد على ألوهيته وتفرده وحمد على نعمته وحمد على منته وحمد على حكمته وحمد على عدله في خلقه وحمد على غناه عن إيجاد الولد والشريك والولي من الذل وحمده على كماله الذي لا يليق بغيره فهو محمود على كل حال وفي كل آن ونفس وعلى كل ما فعل وكل ما شرع وعلى كل ما هو متصف به وعلى كل ما هو منزه عنه وعلى كل ما في الوجود من خير وشر ولذة وألم وعافية وبلاء فكما أن الملك كله له والقدرة كلها له والعزة كلها له والعلم كله له والجمال كله له والحمد كله له كما في الدعاء المأثور "اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله واليك يرجع الأمر كله وأنت أهل لأن تحمد" وما عمرت الدنيا إلا بحمده ولا الجنة إلا بحمده ولا النار إلا بحمده حتى إن أهلها ليحمدونه كما قال الحسن: "لقد دخل أهل النار النار وإن قلوبهم لتحمده ما وجدوا عليه من حجة ولا سبيل". (فائدة) ومن هذا قوله تعالى: ﴿اللهُ ولى الَّذِينَ آمَنُوا يَخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فوحد النور الذي هو سبيله وجمع الظلمات التي هي سبيل الشيطان. ومن فهم هذا فهم السر في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ مع أن فيه سرًا ألطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أين فاض وعماذا حصل وأن أصله كله واحد، وأما الظلمات فهى متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها، وهي كثيرة جدًا، لكل حجاب ظلمة خاصة، ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادي جل جلاله أصلًا لا وصفًا ولا ذاتًا ولا اسمًا ولا فعلًا، وإنما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، فهو جاعل الظلمات ومفعولاتها متعددة متكثرة، بخلاف النور فإنه يرجع إلى اسمه وصفته جل جلاله، تعالى أن يكون كمثله شيء وهو نور السماوات والأرض. قال ابن مسعود: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه ذكره الدارمي عنه. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قلت: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: نور، أنّى أراه،. والمقصود أن الطريق إلى الله تعالى واحد، فإنه الحق المبين والحق واحد، مرجعه إلى واحد. وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد، وطرقه متعددة. وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها، رحمة منه وفضلًا، فهو صحيح لا ينافي ما ذكرناه من وحدة الطريق. وكشف ذلك وإيضاحه أن الطريق وهي واحدة جامعة لكل ما يرضي الله، وما يرضيه متعدد متنوع فجميع ما يرضيه طريق واحد، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، وكلها طرق مرضاته، فهذه التي جعلها الله سبحانه لرحمته، وحكمته كثيرة متنوعة جدًا لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم، ولو جعلها نوعًا واحدًا مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة الاستعدادات وضعفها لم يسلكها إلا واحد بعد واحد، ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت الطرق ليسلك كل امريءٍ إلى ربه طريقًا يقتضيها استعداده وقوته وقبوله. ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد بل تنوع الشريعة الواحدة مع وحدة المعبود ودينه، ومنه الحديث المشهور: " الأنْبِياءُ أوْلادُ عَلات دينهم واحد" فأولاد العلات أن يكون الأب واحدًا والأُمهات متعددة، فشبه دين الأنبياء بالأب الواحد وشرائعهم بالأمهات المتعددة، فإنها وإن تعددت فمرجعها كلها إلى أب واحد. وإذا علم هذا فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم، قد وفر عليه زمانه مبتغيًا به وجه الله فلا يزال كذلك عاكفًا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته. قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى الله ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ على الله﴾ [النساء: ١٠٠]. وقد حكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤي بعد موته وأخبره أنه في تكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ، فإن العبد يموت على ما عاش عليه. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ، والرِّزْقِ، والإماتَةِ، والإحْياءِ، والمُلْكِ، والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ، والتَّألُّهِ، والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوى التُّرابُ بِرَبِّ الأرْبابِ، وكَيْفَ يُسَوى العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ، وكَيْفَ يُسَوى الفَقِيرُ بِالذّاتِ الضَّعِيفُ بِالذّاتِ العاجِزُ بِالذّاتِ المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، القادِرِ بِالذّاتِ، الَّذِي غِناهُ، وقُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ وجُودُهُ، وإحْسانُهُ، وعِلْمُهُ، ورَحْمَتُهُ، وكَمالُهُ المُطْلَقُ التّامُّ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟ فَأيُّ ظُلْمٍ أقْبَحُ مِن هَذا؟ وأيُّ حُكْمٍ أشَدُّ جَوْرًا مِنهُ؟ حَيْثُ عَدَلَ مَن لا عِدْلَ لَهُ بِخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ - ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. فَعَدَلَ المُشْرِكُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، بِمَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، فَيا لَكَ مِن عَدْلٍ تَضَمَّنَ أكْبَرَ الظُّلْمِ وأقْبَحَهُ. وقيل: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ الَّتِي هي المَحَبَّةُ والتَّعْظِيمُ. وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ. وَقِيلَ: الباءُ. بِمَعْنى " عَنْ " والمَعْنى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَنْ رَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. وهَذا لَيْسَ بِقَوِيٍّ. إذْ لا تَقُولُ العَرَبُ عَدَلْتُ بِكَذا، أيْ عَدَلْتُ عَنْهُ. وإنَّما جاءَ هَذا في فِعْلِ السُّؤالِ. نَحْوَ: سَألْتُ بِكَذا. أيْ عَنْهُ. كَأنَّهم ضَمَّنُوهُ: اعْتَنَيْتُ بِهِ واهْتَمَمْتُ. ونَحْوَ ذَلِكَ. (فصل) قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ يَقِيسُونَهُ عَلى غَيْرِهِ ويُسَوُّونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ في الإلَهِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وكُلُّ بِدْعَةٍ ومَقالَةٍ فاسِدَةٍ في أدْيانِ الرُّسُلِ فَأصْلُها مِن القِياسِ الفاسِدِ، فَما أنْكَرَتْ الجَهْمِيَّةُ صِفاتِ الرَّبِّ وأفْعالَهُ وعُلُوَّهُ عَلى خَلْقِهِ واسْتِواءَهُ عَلى عَرْشِهِ وكَلامَهُ وتَكْلِيمَهُ لِعِبادِهِ ورُؤْيَتَهُ في الدّارِ الآخِرَةِ إلّا مِن القِياسِ الفاسِدِ، وما أنْكَرَتْ القَدَرِيَّةُ عُمُومَ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وجَعَلَتْ في مُلْكِهِ ما لا يَشاءُ وأنَّهُ يَشاءُ ما لا يَكُونُ إلّا بِالقِياسِ الفاسِدِ، وما ضَلَّتْ الرّافِضَةُ وعادُوا خِيارَ الخَلْقِ وكَفَّرُوا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ وسَبُّوهم إلّا بِالقِياسِ الفاسِدِ، وما أنْكَرَتْ الزَّنادِقَةُ والدَّهْرِيَّةُ مُعادَ الأجْسامِ وانْشِقاقَ السَّماواتِ وطِّي الدُّنْيا وقالَتْ بِقِدَمِ العالَمِ إلّا بِالقِياسِ الفاسِدِ، وما فَسَدَ ما فَسَدَ مِن أمْرِ العالَمِ وخَرَبَ ما خَرَبَ مِنهُ إلّا بِالقِياسِ الفاسِدِ، وأوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ القِياسُ الفاسِدُ، وهو الَّذِي جَرَّ عَلى آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ مِن صاحِبِ هَذا القِياسِ ما جَرَّ، فَأصْلُ شَرِّ الدُّنْيا والآخِرَةِ جَمِيعُهُ مِن هَذا القِياسِ الفاسِدِ، وهَذِهِ الحِكْمَةُ لا يَدْرِيها إلّا مَن لَهُ اطِّلاعٌ عَلى الواجِبِ والواقِعِ ولَهُ فِقْهٌ في الشَّرْعِ والقَدْرِ. (فصل آخر) قولهُ سبحانه: ﴿الحَمْدُ للهِ الّذِي خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلْونَ﴾. أي يعدلون به غيره، فيجعلون له من خلقه عَدلا وشبها. قال ابن عباس: يريد عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام، بعد أن أقروا بنعمتي وربوبيتي. وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر في هذه الآية. وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلا. والعدل التسوية، يقال: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به، ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره. قال مجاهد قال الأحمر: يقال: عدل الكافر بربه عدلا، وعدولا: إذا سوى به غيره فعبده. وقال الكسائي: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا إذا ساويته به. ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبهين إنهم يقولون في النار لآلهتهم: ﴿تاللهِ إنْ كُنّا لَفِى ضَلاَلٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨]. فاعترفوا أنهم كانوا في أعظم الضلال وأبينه، إذ جعلوا لله شبها وعدلا من خلقه سووهم به في العبادة والتعظيم. وقال تعالى: ﴿رَبِّ السَّمواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِر لِعِبادَتِهِ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا﴾ [مريم: ٦٥]. قال ابن عباس: "شبها ومثلا، وهو من يساميه". وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابها للخالق، ومماثلا له، بحيث يستحق العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميا، أو مشبها لغيره، فإن هذا لم يقله أحد. بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابها له، مساميا، وندا وعدلا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل. وكذلك قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لاَ يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّمواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٣-٧٤]. فنهاهم أن يضربوا له مثلا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلا لخلقه فإن هذا لم يقله أحد، ولم يكونوا يفعلونه. فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء في فطر الناس كلهم. ولكن المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه. فيشبهونهم بالخالق، والله تعالى أجل في صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلا ثم يشبهونه سبحانه بغيره.

الأنعام 6:3

وتأمل كيف أتت السماوات مجموعة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ فإنها أتت مجموعة هنا لحكمة ظاهرة وهي تعلق الظرف بما في اسمه تبارك وتعالى من معنى الإلهية فالمعنى وهو الإله وهو المعبود في كل واحدة من السماوات ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود فذكر الجمع هنا أبلغ وأحسن من الإقتصار على لفظ الجنس الواحد ولما عزب هذا المعنى عن فهم بعض المتسننة فسر الآية بما لا يليق بها فقال الوقف التام على السماوات ثم يبتدئ بقوله ﴿وفي الأرض يعلم﴾ وغلط في فهم الآية وأن معناها ما أخبرتك به وهو قول محققي أهل التفسير.

الأنعام 6:8

إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا تَعَنُّتًا في كُفْرِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ يَعْنُونَ: مَلَكًا نُشاهِدُهُ ونَراهُ، يَشْهَدُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ، وإلّا فالمَلَكُ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا، وبَيَّنَ الحِكْمَةَ في عَدَمِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ بِأنَّهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا - كَما اقْتَرَحُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا ويُصَدِّقُوهُ - لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ، كَما جَرَتْ واسْتَمَرَّتْ بِهِ سُنَّتُهُ تَعالى مَعَ الكُفّارِ في آياتِ الِاقْتِراحِ، إذا جاءَتْهم ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها، فَقالَ ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا - كَما اقْتَرَحُوا - لَما حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهُمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أنْزَلَهُ في صُورَتِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّلَقِّي عَنْهُ، إذِ البَشَرُ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُخاطَبَةِ المَلَكِ ومُباشَرَتِهِ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ وهو أقْوى الخَلْقِ - إذا نَزَلَ عَلَيْهِ المَلَكُ كَرَبَ لِذَلِكَ، وأخَذَهُ البُرَحاءُ «١»، وتَحَدَّرَ مِنهُ العَرَقُ في اليَوْمِ الشّاتِي، وإنْ جَعَلَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ؛ حَصَلَ لَهم لَبْسٌ؛ هَلْ هو رَجُلٌ، أمْ مَلَكٌ؟ فَقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ في هَذِهِ الحالِ ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهم يَقُولُونَ - إذا رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ الإنْسانِ - هَذا إنْسانٌ، ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَهَذا مَعْنى الآيَةِ. [فَصْلٌ غَلَطُ السّالِكِينَ في الفَرْقِ الطَّبِيعِيِّ والشَّرْعِيِّ] فَصْلٌ وأمّا غَلَطُ مَن غَلِطَ مِن أرْبابِ السُّلُوكِ والإرادَةِ في هَذا البابِ فَحَيْثُ ظَنُّوا أنَّ شُهُودَ الحَقِيقَةِ الكَوْنِيَّةِ، والفِناءَ في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، مِن مَقاماتِ العارِفِينَ، بَلْ أجَلُّ مَقاماتِهِمْ، فَسارُوا شائِمِينَ لِبَرْقِ هَذا الشُّهُودِ، سالِكِينَ لِأوْدِيَةِ الفَناءِ فِيهِ، وحَثَّهم عَلى هَذا السَّيْرِ، ورَغَّبَهم فِيهِ ما شَهِدُوهُ مِن حالِ أرْبابِ الفَرْقِ الطَّبْعِيِّ فَأنِفُوا مِن صُحْبَتِهِمْ في الطَّرِيقِ، ورَأوْا مُفارَقَتَهم فَرْضَ عَيْنٍ لا بُدَّ مِنهُ، فَلَمّا عَرَضَ لَهُمُ الفَرْقُ الشَّرْعِيُّ في طَرِيقِهِمْ، ورَدَ عَلَيْهِمْ مِنهُ أعْظَمُ وارِدٍ فَرَّقَ جَمْعِيَّتَهُمْ، وقَسَّمَ وحْدَةَ عَزِيمَتِهِمْ، وحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَيْنِ الجَمْعِ، الَّذِي هو نِهايَةُ مَنازِلِ سِيَرِهِمْ، فافْتَرَقَتْ طُرُقُهم في هَذا الوارِدِ العَظِيمِ. فَمِنهم مَنِ اقْتَحَمَهُ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وقالَ: الِاشْتِغالُ بِالأوْرادِ عَنْ عَيْنِ المَوْرُودِ انْقِطاعٌ عَنِ الغايَةِ، والقَصْدُ مِنَ الأوْرادِ الجَمْعِيَّةُ عَلى الآخَرِ، فَما الِاشْتِغالُ عَنِ المَقْصُودِ بِالوَسِيلَةِ بَعْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ، والرُّجُوعِ مِن حَضْرَتِهِ إلى مَنازِلِ السَّفَرِ إلَيْهِ؟ ورُبَّما أنْشَدَ بَعْضُهُمْ: ؎يُطالَبُ بِالأوْرادِ مَن كانَ غافِلًا ∗∗∗ فَكَيْفَ بِقَلْبٍ كُلُّ أوْقاتِهِ وِرْدُ فَإذا اضْطُرَّ أحَدُهم إلى التَّفْرِقَةِ بِوارِدِ الأمْرِ، قالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الفَرْقُ عَلى اللِّسانِ مَوْجُودًا، والجَمْعُ في القَلْبِ مَشْهُودًا. ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن يُسْقِطُ الأوامِرَ والنَّواهِيَ جُمْلَةً، ويَرى القِيامَ بِها مِن بابِ ضَبْطِ نامُوسِ الشَّرْعِ، ومَصْلَحَةِ العُمُومِ، ومَبادِئِ السَّيْرِ، فَهي الَّتِي تَحُثُّ أهْلَ الغَفْلَةِ عَلى التَّشْمِيرِ لِلسَّيْرِ، فَإذا جَدَّ في المَسِيرِ اسْتَغْنى بِقُرْبِهِ وجَمْعِيَّتِهِ عَنْها. وَمِنهم مَن لا يَرى سُقُوطَها إلّا عَمَّنْ شَهِدَ الحَقِيقَةَ الكَوْنِيَّةَ، ووَصَلَ إلى مَقامِ الفَناءِ فِيها، فَمَن كانَ هَذا مَشْهَدَهُ سَقَطَ عَنْهُ الأمْرُ والنَّهْيُ عِنْدَهم. وَقَدْ يَقُولُونَ: شُهُودُ الإرادَةِ يُسْقِطُ الأمْرَ، وفي هَذا المَشْهَدِ يَقُولُونَ: العارِفُ لا يَسْتَقْبِحُ قَبِيحَةً، ولا يَسْتَحْسِنُ حَسَنَةً. وَيَقُولُ قائِلُهُمُ: العارِفُ لا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، لِاسْتِبْصارِهِ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ. وَيَقُولُونَ: القِيامُ بِالعِبادَةِ مَقامُ التَّلْبِيسِ، ويَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. وَهَذا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، فَإنَّ هَذا داخِلٌ في جَوابِ لَوِ الَّتِي يَنْتَفِي بِها المَلْزُومُ - وهو المُقَدَّمُ - لِانْتِفاءِ اللّازِمِ، وهو الجَوابُ، وهو التّالِي، فانْتِفاءُ جَعْلِ الرَّسُولِ مَلِكًا - كَما اقْتَرَحُوهُ - لِانْتِفاءِ التَّلْبِيسِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والكُفّارُ كانُوا قَدْ قالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] أيْ نُعايِنُهُ ونَراهُ، وإلّا فالمَلَكُ لَمْ يَزَلْ يَأْتِيهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَهُمُ اقْتَرَحُوا نُزُولَ مَلَكٍ يُعايِنُونَهُ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها لَمْ يُجْعَلْ رَسُولُهُ إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، ولا أُنْزِلَ مَلَكًا يَرَوْنَهُ، فَقالَ ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] أيْ لَوَجَبَ العَذابُ وفُرِغَ مِنَ الأمْرِ، ثُمَّ لا يُمْهَلُونَ إنْ أقامُوا عَلى التَّكْذِيبِ. وَهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿وَقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٦] قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] والحَقُّ هاهُنا العَذابُ، ثُمَّ قالَ ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] أيْ لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ آدَمِيٍّ، إذْ لا يَسْتَطِيعُونَ التَّلَقِّيَ عَنِ المَلَكِ في صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها، وحِينَئِذٍ فَيَقَعُ اللَّبْسُ مِنّا عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم لا يَدْرُونَ أرَجُلٌ هُوَ، أمْ مَلَكٌ؟ ولَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَخَلَّطْنا عَلَيْهِمْ، وشَبَّهْنا عَلَيْهِمُ الَّذِي طَلَبُوهُ بِغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: ما يَلْبِسُونَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَزاءٌ لَهم عَلى لُبْسِهِمْ عَلى ضُعَفائِهِمْ، والمَعْنى أنَّهم شَبَّهُوا عَلى ضُعَفائِهِمْ، ولَبَّسُوا عَلَيْهِمُ الحَقَّ بِالباطِلِ، فَشُبِّهَ عَلَيْهِمْ، وتَلَبَّسَ عَلَيْهِمُ المَلَكُ بِالرَّجُلِ. والثّانِي: أنّا نَلْبَسُ عَلَيْهِمْ ما لَبِسُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم خَلَّطُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ مِنهُمْ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ صِدْقَهُ، وطَلَبُوا رَسُولًا مَلَكِيًّا يُعايِنُونَهُ، وهَذا تَلْبِيسٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلَوْ أجَبْناهم إلى ما اقْتَرَحُوهُ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَهُ، ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ لُبْسَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. وَأيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذا بِالتَّلْبِيسِ الَّذِي ذَكَرَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِن تَعْلِيقِ الكائِناتِ والمُثَوَّباتِ والعُقُوباتِ بِالأسْبابِ، وتَعْلِيقِ المَعارِفِ بِالوَسائِطِ، والقَضايا بِالحُجَجِ، والأحْكامِ والعِلَلِ، والِانْتِقامِ بِالجِناياتِ، والمُثَوَّباتِ بِالطّاعاتِ، مِمّا هو مَحْضُ الحِكْمَةِ ومُوجَبُها. وَأثَرُ اسْمِهِ الحَكِيمِ في الخَلْقِ والأمْرِ إنَّما قامَ بِالأسْبابِ، وكَذَلِكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَجَعْلُ الأسْبابِ مَنصُوبَةً لِلتَّلْبِيسِ مِن أعْظَمِ الباطِلِ شَرْعًا وقَدَرًا.

الأنعام 6:9

إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا تَعَنُّتًا في كُفْرِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ يَعْنُونَ: مَلَكًا نُشاهِدُهُ ونَراهُ، يَشْهَدُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ، وإلّا فالمَلَكُ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا، وبَيَّنَ الحِكْمَةَ في عَدَمِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ بِأنَّهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا - كَما اقْتَرَحُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا ويُصَدِّقُوهُ - لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ، كَما جَرَتْ واسْتَمَرَّتْ بِهِ سُنَّتُهُ تَعالى مَعَ الكُفّارِ في آياتِ الِاقْتِراحِ، إذا جاءَتْهم ولَمْ يُؤْمِنُوا بِها، فَقالَ ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا - كَما اقْتَرَحُوا - لَما حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهُمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أنْزَلَهُ في صُورَتِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّلَقِّي عَنْهُ، إذِ البَشَرُ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُخاطَبَةِ المَلَكِ ومُباشَرَتِهِ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ وهو أقْوى الخَلْقِ - إذا نَزَلَ عَلَيْهِ المَلَكُ كَرَبَ لِذَلِكَ، وأخَذَهُ البُرَحاءُ «١»، وتَحَدَّرَ مِنهُ العَرَقُ في اليَوْمِ الشّاتِي، وإنْ جَعَلَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ؛ حَصَلَ لَهم لَبْسٌ؛ هَلْ هو رَجُلٌ، أمْ مَلَكٌ؟ فَقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ في هَذِهِ الحالِ ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، فَإنَّهم يَقُولُونَ - إذا رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ الإنْسانِ - هَذا إنْسانٌ، ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَهَذا مَعْنى الآيَةِ. [فَصْلٌ غَلَطُ السّالِكِينَ في الفَرْقِ الطَّبِيعِيِّ والشَّرْعِيِّ] فَصْلٌ وأمّا غَلَطُ مَن غَلِطَ مِن أرْبابِ السُّلُوكِ والإرادَةِ في هَذا البابِ فَحَيْثُ ظَنُّوا أنَّ شُهُودَ الحَقِيقَةِ الكَوْنِيَّةِ، والفِناءَ في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، مِن مَقاماتِ العارِفِينَ، بَلْ أجَلُّ مَقاماتِهِمْ، فَسارُوا شائِمِينَ لِبَرْقِ هَذا الشُّهُودِ، سالِكِينَ لِأوْدِيَةِ الفَناءِ فِيهِ، وحَثَّهم عَلى هَذا السَّيْرِ، ورَغَّبَهم فِيهِ ما شَهِدُوهُ مِن حالِ أرْبابِ الفَرْقِ الطَّبْعِيِّ فَأنِفُوا مِن صُحْبَتِهِمْ في الطَّرِيقِ، ورَأوْا مُفارَقَتَهم فَرْضَ عَيْنٍ لا بُدَّ مِنهُ، فَلَمّا عَرَضَ لَهُمُ الفَرْقُ الشَّرْعِيُّ في طَرِيقِهِمْ، ورَدَ عَلَيْهِمْ مِنهُ أعْظَمُ وارِدٍ فَرَّقَ جَمْعِيَّتَهُمْ، وقَسَّمَ وحْدَةَ عَزِيمَتِهِمْ، وحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَيْنِ الجَمْعِ، الَّذِي هو نِهايَةُ مَنازِلِ سِيَرِهِمْ، فافْتَرَقَتْ طُرُقُهم في هَذا الوارِدِ العَظِيمِ. فَمِنهم مَنِ اقْتَحَمَهُ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وقالَ: الِاشْتِغالُ بِالأوْرادِ عَنْ عَيْنِ المَوْرُودِ انْقِطاعٌ عَنِ الغايَةِ، والقَصْدُ مِنَ الأوْرادِ الجَمْعِيَّةُ عَلى الآخَرِ، فَما الِاشْتِغالُ عَنِ المَقْصُودِ بِالوَسِيلَةِ بَعْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ، والرُّجُوعِ مِن حَضْرَتِهِ إلى مَنازِلِ السَّفَرِ إلَيْهِ؟ ورُبَّما أنْشَدَ بَعْضُهُمْ: ؎يُطالَبُ بِالأوْرادِ مَن كانَ غافِلًا ∗∗∗ فَكَيْفَ بِقَلْبٍ كُلُّ أوْقاتِهِ وِرْدُ فَإذا اضْطُرَّ أحَدُهم إلى التَّفْرِقَةِ بِوارِدِ الأمْرِ، قالَ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الفَرْقُ عَلى اللِّسانِ مَوْجُودًا، والجَمْعُ في القَلْبِ مَشْهُودًا. ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن يُسْقِطُ الأوامِرَ والنَّواهِيَ جُمْلَةً، ويَرى القِيامَ بِها مِن بابِ ضَبْطِ نامُوسِ الشَّرْعِ، ومَصْلَحَةِ العُمُومِ، ومَبادِئِ السَّيْرِ، فَهي الَّتِي تَحُثُّ أهْلَ الغَفْلَةِ عَلى التَّشْمِيرِ لِلسَّيْرِ، فَإذا جَدَّ في المَسِيرِ اسْتَغْنى بِقُرْبِهِ وجَمْعِيَّتِهِ عَنْها. وَمِنهم مَن لا يَرى سُقُوطَها إلّا عَمَّنْ شَهِدَ الحَقِيقَةَ الكَوْنِيَّةَ، ووَصَلَ إلى مَقامِ الفَناءِ فِيها، فَمَن كانَ هَذا مَشْهَدَهُ سَقَطَ عَنْهُ الأمْرُ والنَّهْيُ عِنْدَهم. وَقَدْ يَقُولُونَ: شُهُودُ الإرادَةِ يُسْقِطُ الأمْرَ، وفي هَذا المَشْهَدِ يَقُولُونَ: العارِفُ لا يَسْتَقْبِحُ قَبِيحَةً، ولا يَسْتَحْسِنُ حَسَنَةً. وَيَقُولُ قائِلُهُمُ: العارِفُ لا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، لِاسْتِبْصارِهِ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ. وَيَقُولُونَ: القِيامُ بِالعِبادَةِ مَقامُ التَّلْبِيسِ، ويَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. وَهَذا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، فَإنَّ هَذا داخِلٌ في جَوابِ لَوِ الَّتِي يَنْتَفِي بِها المَلْزُومُ - وهو المُقَدَّمُ - لِانْتِفاءِ اللّازِمِ، وهو الجَوابُ، وهو التّالِي، فانْتِفاءُ جَعْلِ الرَّسُولِ مَلِكًا - كَما اقْتَرَحُوهُ - لِانْتِفاءِ التَّلْبِيسِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والكُفّارُ كانُوا قَدْ قالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] أيْ نُعايِنُهُ ونَراهُ، وإلّا فالمَلَكُ لَمْ يَزَلْ يَأْتِيهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَهُمُ اقْتَرَحُوا نُزُولَ مَلَكٍ يُعايِنُونَهُ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها لَمْ يُجْعَلْ رَسُولُهُ إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، ولا أُنْزِلَ مَلَكًا يَرَوْنَهُ، فَقالَ ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] أيْ لَوَجَبَ العَذابُ وفُرِغَ مِنَ الأمْرِ، ثُمَّ لا يُمْهَلُونَ إنْ أقامُوا عَلى التَّكْذِيبِ. وَهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿وَقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٦] قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] والحَقُّ هاهُنا العَذابُ، ثُمَّ قالَ ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] أيْ لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ آدَمِيٍّ، إذْ لا يَسْتَطِيعُونَ التَّلَقِّيَ عَنِ المَلَكِ في صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها، وحِينَئِذٍ فَيَقَعُ اللَّبْسُ مِنّا عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم لا يَدْرُونَ أرَجُلٌ هُوَ، أمْ مَلَكٌ؟ ولَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَخَلَّطْنا عَلَيْهِمْ، وشَبَّهْنا عَلَيْهِمُ الَّذِي طَلَبُوهُ بِغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: ما يَلْبِسُونَ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَزاءٌ لَهم عَلى لُبْسِهِمْ عَلى ضُعَفائِهِمْ، والمَعْنى أنَّهم شَبَّهُوا عَلى ضُعَفائِهِمْ، ولَبَّسُوا عَلَيْهِمُ الحَقَّ بِالباطِلِ، فَشُبِّهَ عَلَيْهِمْ، وتَلَبَّسَ عَلَيْهِمُ المَلَكُ بِالرَّجُلِ. والثّانِي: أنّا نَلْبَسُ عَلَيْهِمْ ما لَبِسُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم خَلَّطُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ مِنهُمْ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ صِدْقَهُ، وطَلَبُوا رَسُولًا مَلَكِيًّا يُعايِنُونَهُ، وهَذا تَلْبِيسٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلَوْ أجَبْناهم إلى ما اقْتَرَحُوهُ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَهُ، ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ لُبْسَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. وَأيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذا بِالتَّلْبِيسِ الَّذِي ذَكَرَتْهُ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِن تَعْلِيقِ الكائِناتِ والمُثَوَّباتِ والعُقُوباتِ بِالأسْبابِ، وتَعْلِيقِ المَعارِفِ بِالوَسائِطِ، والقَضايا بِالحُجَجِ، والأحْكامِ والعِلَلِ، والِانْتِقامِ بِالجِناياتِ، والمُثَوَّباتِ بِالطّاعاتِ، مِمّا هو مَحْضُ الحِكْمَةِ ومُوجَبُها. وَأثَرُ اسْمِهِ الحَكِيمِ في الخَلْقِ والأمْرِ إنَّما قامَ بِالأسْبابِ، وكَذَلِكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الثَّوابِ والعِقابِ، فَجَعْلُ الأسْبابِ مَنصُوبَةً لِلتَّلْبِيسِ مِن أعْظَمِ الباطِلِ شَرْعًا وقَدَرًا.

الأنعام 6:15

(لطيفة) ذكر المبرد عن أبي كامل عن إسحاق بن إبراهيم عن رجاء بن عمرو النخعي قال كان بالكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد والاجتهاد فنزل في جوار قوم من النخع فنظر إلى جارية منهن جميلة فهويها وهام بها عقله ونزل بالجارية ما نزل به فأرسل يخطبها من أبيها فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها فلما اشتد عليهما ما يقاسيانه من ألم الهوى أرسلت إليه الجارية قد بلغني شدة محبتك لي وقد اشتد بلائي بك فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي فقال للرسول ولا واحدة من هاتين الخلتين ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهيبها، فلما أبلغها الرسول قوله قالت: وأراه مع هذا يخاف الله والله ما أحد أحق بهذا من أحد، وإن العباد فيه لمشتركون ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها وجعلت تتعبد وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وشوقا إليه حتى ماتت من ذلك، فكان الفتى يأتي قبرها فيبكي عنده ويدعو لها فغلبته عينه ذات يوم على قبرها فرآها في منامه في أحسن منظر فقال كيف أنت؟ وما لقيت بعدي؟ قالت: ؎نعم المحبة يا سؤلي محبتكم ∗∗∗ حب يقود إلى خير وإحسان فقال على ذلك إلام صرت؟ فقالت ؎إلى نعيم وعيش لا زوال له ∗∗∗ في جنة الخلد مُلكٌ ليس بالفاني فقال لها اذكريني هناك فإني لست أنساك. فقالت ولا أنا والله أنساك ولقد سألت مولاي ومولاك أن يجمع بيننا فأعنِّي على ذلك بالاجتهاد. فقال لها متى أراك؟ فقالت ستأتينا عن قريب فترانا فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات رحمه الله تعالى. وقال عبد الله بن المبارك عشق هارون الرشيد جارية من جواريه فأرادها فقالت إن أباك مسني فشغف بها وقال فيها ؎أرى ماء وبي عطش شديد ∗∗∗ ولكن لا سبيل إلى الورود ؎أما يكفيك أنك تملكيني ∗∗∗ وأن الناس عندي كالعبيد ؎وأنك لو قطعت يدي ورجلي ∗∗∗ لقلت من الرضا أحسنتِ زِيدِي فسأل أبا يوسف عن ذلك فقال أو كلما قالت جارية شيئا تصدق قال ابن المبارك فلا أدري ممن أعجب من هارون الرشيد حيث رغب فيها، أو منها حيث رغبت عنه، أو من أبي يوسف حيث سوغ له إتيانها. وكانت بعض النساء المتعبدات وقعت في نفس رجل موسر وكانت جميلة وكانت تخطب فتأبى فبلغ الرجل أنها تريد الحج فاشترى ثلاثمائة بعير ونادى من أراد الحج فليكتر من فلان فاكترت منه المرأة فلما كان في بعض الطريق جاءها فقال إما أن تزوجيني نفسك وإما غير ذلك فقالت ويحك اتق الله فقال ما هو إلا ما تسمعين والله ما أنا بجمال ولا خرجت إلا من أجلك فلما خافت على نفسها قالت ويحك انظر أبقي في الرجال عين لم تنم فقال لا ناموا كلهم قالت أفنامت عين رب العالمين ثم شهقت شهقة خرت ميتة وخر الرجل مغشيا عليه فلما أفاق قال ويحي قتلت نفسا ولم أبلغ شهوتي. (فصل: الصبر عن المعصية ينشأُ من أسباب عديدة) أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءَتها، وأن الله إنما حرَّمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمى الوالد الشفيق والده عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد بالعذاب. السبب الثاني: الحياءُ من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع - وكان حيًا حييًّا - استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه. السبب الثالث: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد. فما أذنب عبد ذنبًا إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصر لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة حتى تسلب النعم كلها، قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها. وقال بعض السلف: أذنبت ذنبًا فحرمت قيام الليل سنة. وقال آخر: أذنبت ذنبًا فحرمت فهم القرآن. وفي مثل هذا قيل: ؎إذا كنت في نعمة فارعها ∗∗∗ فإن المعاصي تزيل النعم وبالجملة فإن المعاصي نار النعم تأْكلها كما تأْكل النار الحطب، عياذًا بالله من زوال نعمته وتحويل عافيته. السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه. وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله. وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين ويضعف بضعفهما. قال الله تعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علمًا وبالاغترار بالله جهلًا. السبب الخامس: محبة الله سبحانه وهي أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه. فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوى سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده، وفي هذا قال عمر: "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه" يعني أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته. فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه. وهاهنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياءَ والطاعة، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط وتذكر واشتياق، ولهذا يتخلف عنها أثرها وموجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى فيه نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه. وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم، فما عمر القلب شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ. السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوى بينها وبين السفلة. السبب السابع: قوة العلم بسوءِ عاقبة المعصية، وقبح أثرها والضرر الناشئ منها: من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمه، وحزنه وألمه، وانحصاره، وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله. وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعريه من زينته والحيرة في أمره وتخلى وليه وناصره عنه، وتولى عدوه المبين له، وتوارى العلم الذي كان مستعدًا له عنه، ونسيان ما كان حاصلًا له أو ضعفه ولا بد، ومرضه الذي إذا استحكم به فهو الموت ولا بد، فإن الذنوب تميت القلوب، ومنها ذله بعد عزة، ومنها أن يصير أسيرًا في يد أعدائه بعد أن كان ملكًا متصرفًا يخافه أعداؤه، ومنها أن يضع تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج فلا رعيته تطيعه إذا أمرها، ولا ينفذ في غيرهم، ومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة، فأخوف الناس أشدهم إساءة، ومنها زوال الأُنس والاستبدال به وحشة، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة، ومنها زوال الرضى واستبداله بالسخط، ومنها زوال الطمأْنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبدال الطرد والبعد منه، ومنها وقوعه في بئر الحسرات، فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرًا، أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه. فيالها نارًا قد عذب بها القلب في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، ومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنيًا بما معه من رأْس مال الإيمان وهو يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأْس ماله أصبح فقيرًا معدمًا، فإما أن يسعى بتحصيل رأْس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير وإلا فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأْس ماله، ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها ضعف بدنه. ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة فتبدل بها مهانة وحقارة، ومنها حصول البغضة والنفرة منه في قلوب الناس. ومنها ضياع أعز الأشياءِ عليه وأنفسها وأعلاها، وهو الوقت الذي لا عوض منه، ولا يعود إليه أبدًا. ومنها طمع عدوه فيه وظفره به، فإنه إذا رآه منقادًا مستجيبًا لما يأْمره اشتد طمعه فيه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير هو وليه دن مولاه الحق، ومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت فيه نكتة أُخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران، قال الله تعالى: ﴿كَلا بَل رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد. ومنها أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتًا مضيعًا حتى يرحل من الدنيا وينزل في الآخرة، فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيق والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أطرافه وقضاءِ جهازه وتعبئة زاده ليوم معاده، وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها فالتعب والعناءُ والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة. ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه، فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه. ومنها أن الذنب يستدعي ذنبا آخر، ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ثالثًا، ثم تجتمع الثلاثة فتستدعى رابعًا، وهلم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته. قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠]، فالمؤمن لا يذهب طيباته في الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة. وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته في الدنيا، ومنها علمه بأن أعماله هى زاده ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته، ومنها علمه بأن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه، ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوى به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث تستقر به، قال الله تعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعملُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّمَآءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أُغلقت عنها. وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه، فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين، ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبًا للصوص وقطاع الطريق. فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة إلى خربة موحشة هي مأْوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟ ومنها أنه بالمعصية قد تعرّض لمحق بركته في كل شيء من أمر دنياه وآخرته فإن الطاعة تجلب للعبد بركات كل شيء والمعصية متحق منه كل بركة. وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علمًا، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علمًا فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته، وفي بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: من ذا الذي أطاعنى فشقى بطاعتى؟ ومن ذاى الذي عصانى فسعد بمعصيتي؟ السبب الثامن: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمع على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها. فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل ولا أضر من التسويف وطول الأمل. السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأُ من هذه الفضلات، فإنها تطلب لها مصرفًا فيضيق عليها المباح فتتعداه إلى الحرام. ومن أعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالته وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولا بد. السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: ثبات شجرة الإيمان في القلب، فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، فإن من باشر قلبه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له، وتحريمه لما حرم عليه، وبغضه له، ومقته لفاعله وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار، وامتنع من أن لا يعمل بموجب هذا العلم. ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط، فإذا قوى سراج الإيمان في القلب، وأضاءَت جهاته كلها به، وأشرق نوره في أرجائه، سرى ذلك النور إلى الأعضاء، وانبعث إليها، فأسرعت الإجابة لداعي الإيمان، وانقادت له طائعة مذللة غير متثاقلة ولا كارهة بل تفرح بدعوته حين يدعوها، كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه إلى محل كرامته. فهو كل وقت يترقب داعيه، ويتأهب لموافاته. ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾.

الأنعام 6:25

وأما الأكنة ففي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ وهي جمع كنان كعنان وأعنة وأصله من الستر والتغطية ويقال كنه وأكنه وكنان بمعنى واحد بل بينهما فرق فأكنة إذا ستره وأخفاه كقوله تعالى: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾ وكنه إذا صانه وحفظه كقوله: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ويشتركان في الستر والكنان ما أكن الشيء وستره وهو كالغلاف وقد أقروا على أنفسهم بذلك فقالوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجاب﴾ فذكروا غطاء القلب وهي الأكنة وغطاء الأذن وهو الوقر وغطاء العين وهو الحجاب والمعنى لا نفقه كلامك ولا نسمعه ولا نراك والمعنى إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفقه ما تقول ولا يراك قال ابن عباس: "قلوبنا في أكنة مثل الكنانة التي فيها السهام" وقال مجاهد: "كجعبة النبل" وقال مقاتل: "عليها غطاء فلا نفقه ما تقول. (فائدة) وهذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة والوقر فهو موجب ومقتضاه فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرهما بموجبهما ومقتضاهما وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها فذلك كله مجعول مخلوق له وإن كان العبد فاعلا له باختياره وإرادته. فإن قيل هذا كله معارض بقوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾؟ والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل العباد لها فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله قيل لا تعارض بحمد الله بين نصوص الكتاب بوجه ما والجعل هاهنا جعل شرعي أمري لا كوني قدري فإن الجعل في كتاب الله ينقسم إلى هذه النوعين كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن شاء الله فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الديني الشرعي أي لم يشرع ذلك ولا أمر به ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب وجعلوا ذلك دينا له بلا علم.

الأنعام 6:27

. وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية، وما أوردوا ما يشفي. فراجع أقوالهم تجدها لا تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. الآية معناها أجل وأعظم مما فسروها به. ولم يتفطنوا لوجه الإضراب ب «بل» ولا للأمر الذي بدا لهم، وكانوا يخفونه وظنوا أن الذي بدا لهم هو العذاب. فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله (ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ) قدروا مضافا محذوفا، وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل، فدخل عليهم أمر آخر، لا جواب لهم عنه. وهو: أن القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه، ويدعون إليه، ويحاربون عليه. ولما علموا أن هذا ورد عليهم، قالوا: إن القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه. قال الواحدي: وعلى هذا أهل التفسير. ولم يصنع أرباب هذا القول شيئا. فإن السياق والإضراب ب «بل» والإخبار عنهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقولهم «والله ربنا ما كنا مشركين» لا يلتئم بهذا الذي ذكروه. فتأمله. وقالت طائفة، منهم الزجاج: «بل» لاتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء، من أمر البعث. وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير، وفيه من التكليف ما ليس بخاف. وأجود من هذا: ما فهمه المبرد من الآية، قال: كأن كفرهم لم يكن باديا لهم، إذا خفيت عليهم مضرته. ومعنى كلامه: أنهم لما خفيت عليهم مضرة عاقبته ووباله، فكأنه كان خفيا عنهم، لم تظهر لهم حقيقته. فلما عاينوا العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره. قال: وهذا كما تقول لمن كنت حدثته في أمر قبل: قد ظهر لك الآن ما كنت قلت لك. وقد كان ظاهرا له قبل هذا. ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذي كانوا ينادون به على رؤوس الأشهاد ويدعون إليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه، لخفاء عاقبته عنهم. ولا يقال لمن أظهر الظلم والفساد، وقتل النفوس وسعى في الأرض بالفساد: إنه أخفى ذلك، لجهله بسوء عاقبته، وخفائها عليه. فمعنى الآية - والله أعلم بما أراد من كلامه -: أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار، وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها، تمنوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون بالله وآياته، ولا يعودون إلى تكذيب رسله. فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك، وأنهم ليس في طبائعهم ولا سجاياهم الإيمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله. وأخبر أنهم كاذبون في زعمهم: أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا. فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الإضراب ب «بل» وتبين معنى الذي بدا لهم، والذي كانوا يخفونه، والحامل لهم على قولهم: «يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا» فالقوم كانوا يعلمون أنهم في الدنيا على باطل، وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن الله، وتيقنوا ذلك وتحققوه، ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم، بل تواصوا بكتمانه. فلم يكن الحامل لهم على تمني الرجوع والإيمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل، فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه. وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل، وأن الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانا، بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه. فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان، ولعادوا إلى الكفر والتكذيب. فإنهم لم يتمنوا الإيمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق، وأن الشرك باطل. وإنما تمنوه لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله. وهذا كمن كان يخفي محبة شخص ومعاشرته، وهو يعلم أن حبه باطل، وأن الرشد في عدوله عنه. فيقال له: إن اطلع عليك وليه عاقبك، وهو يعلم ذلك ويكابر، ويقول: بل محبته ومعاشرته هي الصواب، فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن العقوبة، تمنى أن يعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفي قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة، بل بعد أن مسته العقوبة وأنهكته. فظهر له عند العقوبة ما كان يخفي من معرفته بخطئه، وصواب ما نهاه عنه. ولو رد لعاد لما نهى منه. وتأمل مطابقة الإضراب لهذا المعنى، وهو نفي قولهم: إنا لو رددنا لآمنا وصدقنا. لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق، أي ليس كذلك، بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه، وكنتم تخفونه، فلم يظهر لكم شيء جديد لتكونوا عالمين به لتعذروا، بل ظهر لكم ما كان معلوما، وكنتم تتواصون بإخفائه وكتمانه. والله أعلم.

الأنعام 6:28

. وقد حام أكثر المفسرين حول معنى هذه الآية، وما أوردوا ما يشفي. فراجع أقوالهم تجدها لا تشفي عليلا، ولا تروي غليلا. الآية معناها أجل وأعظم مما فسروها به. ولم يتفطنوا لوجه الإضراب ب «بل» ولا للأمر الذي بدا لهم، وكانوا يخفونه وظنوا أن الذي بدا لهم هو العذاب. فلما لم يروا ذلك ملتئما مع قوله (ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ) قدروا مضافا محذوفا، وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل، فدخل عليهم أمر آخر، لا جواب لهم عنه. وهو: أن القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه، ويدعون إليه، ويحاربون عليه. ولما علموا أن هذا ورد عليهم، قالوا: إن القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه. قال الواحدي: وعلى هذا أهل التفسير. ولم يصنع أرباب هذا القول شيئا. فإن السياق والإضراب ب «بل» والإخبار عنهم بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقولهم «والله ربنا ما كنا مشركين» لا يلتئم بهذا الذي ذكروه. فتأمله. وقالت طائفة، منهم الزجاج: «بل» لاتباع ما أخفاه عنهم الرؤساء، من أمر البعث. وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير، وفيه من التكليف ما ليس بخاف. وأجود من هذا: ما فهمه المبرد من الآية، قال: كأن كفرهم لم يكن باديا لهم، إذا خفيت عليهم مضرته. ومعنى كلامه: أنهم لما خفيت عليهم مضرة عاقبته ووباله، فكأنه كان خفيا عنهم، لم تظهر لهم حقيقته. فلما عاينوا العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره. قال: وهذا كما تقول لمن كنت حدثته في أمر قبل: قد ظهر لك الآن ما كنت قلت لك. وقد كان ظاهرا له قبل هذا. ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذي كانوا ينادون به على رؤوس الأشهاد ويدعون إليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه، لخفاء عاقبته عنهم. ولا يقال لمن أظهر الظلم والفساد، وقتل النفوس وسعى في الأرض بالفساد: إنه أخفى ذلك، لجهله بسوء عاقبته، وخفائها عليه. فمعنى الآية - والله أعلم بما أراد من كلامه -: أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار، وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها، تمنوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون بالله وآياته، ولا يعودون إلى تكذيب رسله. فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك، وأنهم ليس في طبائعهم ولا سجاياهم الإيمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله. وأخبر أنهم كاذبون في زعمهم: أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا. فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الإضراب ب «بل» وتبين معنى الذي بدا لهم، والذي كانوا يخفونه، والحامل لهم على قولهم: «يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا» فالقوم كانوا يعلمون أنهم في الدنيا على باطل، وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن الله، وتيقنوا ذلك وتحققوه، ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم، بل تواصوا بكتمانه. فلم يكن الحامل لهم على تمني الرجوع والإيمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل، فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه. وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل، وأن الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانا، بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه. فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان، ولعادوا إلى الكفر والتكذيب. فإنهم لم يتمنوا الإيمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق، وأن الشرك باطل. وإنما تمنوه لما عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله. وهذا كمن كان يخفي محبة شخص ومعاشرته، وهو يعلم أن حبه باطل، وأن الرشد في عدوله عنه. فيقال له: إن اطلع عليك وليه عاقبك، وهو يعلم ذلك ويكابر، ويقول: بل محبته ومعاشرته هي الصواب، فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن العقوبة، تمنى أن يعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفي قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة، بل بعد أن مسته العقوبة وأنهكته. فظهر له عند العقوبة ما كان يخفي من معرفته بخطئه، وصواب ما نهاه عنه. ولو رد لعاد لما نهى منه. وتأمل مطابقة الإضراب لهذا المعنى، وهو نفي قولهم: إنا لو رددنا لآمنا وصدقنا. لأنه ظهر لنا الآن أن ما قاله الرسل هو الحق، أي ليس كذلك، بل كنتم تعلمون ذلك وتعرفونه، وكنتم تخفونه، فلم يظهر لكم شيء جديد لتكونوا عالمين به لتعذروا، بل ظهر لكم ما كان معلوما، وكنتم تتواصون بإخفائه وكتمانه. والله أعلم.

الأنعام 6:31

[فصل عشرَة أشْياء ضائعة لا ينْتَفع بها] علم لا يعْمل بِهِ وعمل لا إخلاص فِيهِ ولا اقْتِداء. وَمال لا ينْفق مِنهُ فَلا يسْتَمْتع بِهِ جامعه في الدُّنْيا ولا يقدمهُ أمامه إلى الآخِرَة. وقلب فارغ من محبَّة الله والشوق إلَيْهِ والأنس بِهِ. وبدن معطل من طاعَته وخدمته. ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره. وَوقت معطل عَن اسْتِدْراك فارطه، أو اغتنام بر وقربة. وفكر يجول فِيما لا ينفع. وخدمة من لا تقربك خدمته إلى الله، ولا تعود عَلَيْك بصلاح دنياك. وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسبر في قَبضته، ولا يملك لنَفسِهِ حذرا ولا نفعا ولا موتا ولا حَياة ولا نشورا. وَأعظم هَذِه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعَة إضاعَة القلب، وإضاعة الوَقْت. فإضاعة القلب من إيثار الدُّنْيا على الآخِرَة، وإضاعة الوَقْت من طول الأمل فاجْتمع الفساد كُله في إتباع الهوى وطول الأمل، والصَّلاح كُله في اتِّباع لهدى والاستعداد للقاء والله المُسْتَعان.

الأنعام 6:37

قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون حكمته تعالى ومصلحة عباده في الامتناع من إنزال الآيات التي يقترحها الناس على الأنبياء وليس المراد أن أكثر الناس لا يعلمون أن الله قادر فإنه لم ينازع في قدرة الله أحد من المقرين بوجوده سبحانه ولكن حكمته في ذلك لا يعلمها أكثر الناس. (فائدة) ومن فهم هذا فهم سر اقتران قوله تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة وأن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه بل جعلها أمما وهداها إلى غاياتها ومصالحها وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها. (فصل) قال ابن عباس في رواية عطاء: ": ﴿إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ يريد يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني" مثل قوله تعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه﴾ ومثل قوله: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوُابّ﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ﴾ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ ويدل عليه قوله: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْل﴾ وقوله: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ﴾ وقول سليمان: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ وقال مجاهد: " ﴿أمم أمثالكم﴾ أصناف مصنفة تعرف بأسمائها" وقال الزجاج: " ﴿أمم أمثالكم﴾ في أنها تبعث" وقال ابن قتيبة: " ﴿أمم أمثالكم﴾ في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك" وقال سفيان بن عيينة: "ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم" فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمه لم يحفظ واحدة منها وإن أخطأ رجل ترواه وحفظه. قال الخطابي: "ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة" وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره وجب المصير إلى باطنه وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق وإذا كان الأمر كذلك فاعلم أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك انتهى كلامه والله سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوبا محتالا وبعضها متوكلا غير محتال وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمرا مقطوعا وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب له وبعض الذكورة يعول ولده وبعضها لا يعرف ولده ألبتة، وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضع ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه، وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها وبعضها لا يلتمس الولد وبعضها يستفرغ الهم في طلبه وبعضها يعرف الإحسان ويشكره وبعضها ليس ذلك عنده شيئا وبعضها يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحدا يدنو منه وبعضها يحب السفاد ويكثر منه وبعضها لا يفعله في السنة إلا مرة وبعضها يقتصر على أنثاه وبعضها لا يقف على أنثى ولو كانت أمه أو أخته وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها وبعضها لا ترد يد لامس وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار وبعضها لا يأكل إلا الطيب وبعضها لا يأكل إلا الخبائث وبعضها يجمع بين الأمرين وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها وبعضها يؤذي من لا يؤذيها وبعضها حقود لا تنسى الإساءة وبعضها لا يذكرها ألبتة وبعضها لا يغضب وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك ألبتة وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده وبعضها يقبل التعليم بسرعة وبعضها مع الطول وبعضها لا يقبل ذلك بحال وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه وعلى إتقان صنعه وعجيب تدبيره ولطيف حكمته فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته وما يعلم به كل عاقل أنه لم يخلق عبثا ولم يترك سدى وأن له سبحانه في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهانا قاطعا يدل على أنه رب كل شيء ومليكه وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. (فصل) وقد اختلف في الكتاب هاهنا هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ على قولين فقالت طائفة المراد به القرآن وهذا من العام المراد به الخاص أي ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه كقوله: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه والمراد أن كل شيء ذكر فيه مجملا ومفصلا كما قال ابن مسعود: "وقد لعن الواصلة والمستوصلة ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه فقالت امرأة لقد قرأت القرآن فما وجدته فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدته قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ولعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة" وقال الشافعي ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الدلالة عليها. وقالت طائفة المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس وكان هذا القول أظهر في الآية والسياق يدل عليه فإنه قال: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُم﴾ وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول وأنها لم تخلق سدى بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون فذكر مبدأها ونهايتها وأدخل بين هاتين الحالتين قوله: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ أي كلها قد كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي وإنما يناسب ذكر الكتاب الأول. ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا بأن في ذكر القرآن هاهنا الإخبار عن تضمنه لذكر ذلك والإخبار به فلم نفرط فيه من شيء بل أخبرناكم بكل ما كان وما هو كائن إجمالا وتفصيلا ويرجحه أمر آخر وهو أن هذا ذكر عقيب قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله ﷺ وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء ولم يفرط فيه من شيء ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه وكثرة جنوده والأمم التي يحصيها غيره وهذا يتضمن أنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه رب العالمين فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه فهذا استدلال بأمره وذاك بخلقه: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾. وشهد لهذا أيضا قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ولمن نصر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك فإنه قادر على ذلك وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم أذلوا أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة أن لم يؤمنوا ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز عن إنزال آية ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء ثم يميتهم ثم يحشرهم إليه والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات عن النظر والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله ثم أخبر أن الآيات لا تستقل بالهدى ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر بل الأمر كله له من يشأ يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم فهو أظهر القولين والله أعلم. (فصل) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ هَذِهِ القُلُوبَ جَوّالَةٌ، فَمِنها ما يَجُولُ حَوْلَ العَرْشِ، ومِنها ما يَجُولُ حَوْلَ الحُشِّ. مَسْخُ القَلْبِ وَمِنها: مَسْخُ القَلْبِ، فَيُمْسَخُ كَما تُمْسَخُ الصُّورَةُ، فَيَصِيرُ القَلْبُ عَلى قَلْبِ الحَيَوانِ الَّذِي شابَهَهُ في أخْلاقِهِ وأعْمالِهِ وطَبِيعَتِهِ، فَمِنَ القُلُوبِ ما يُمْسَخُ عَلى قَلْبِ خِنْزِيرٍ لِشِدَّةِ شَبَهِ صاحِبِهِ بِهِ، ومِنها ما يُمْسَخُ عَلى قَلْبِ كَلْبٍ أوْ حِمارٍ أوْ حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. قالَ: مِنهم مَن يَكُونُ عَلى أخْلاقِ السِّباعِ العادِيَةِ، ومِنهم مَن يَكُونُ عَلى أخْلاقِ الكِلابِ وأخْلاقِ الخَنازِيرِ وأخْلاقِ الحَمِيرِ، ومِنهم مَن يَتَطَوَّسُ في ثِيابِهِ كَما يَتَطَوَّسُ الطّاوُوسُ في رِيشِهِ، ومِنهم مَن يَكُونُ بَلِيدًا كالحِمارِ، ومِنهم مَن يُؤْثِرُ عَلى نَفْسِهِ كالدِّيكِ، ومِنهم مِن يَأْلَفُ ويُؤْلَفُ كالحَمامِ، ومِنهُمُ الحَقُودُ كالجَمَلِ، ومِنهُمُ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ كالغَنَمِ، ومِنهم أشْباهُ الثَّعالِبِ الَّتِي تَرُوغُ كَرَوَغانِها، وقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الجَحِيمِ والغَيِّ بِالحُمُرِ تارَةً، وبِالكَلْبِ تارَةً، وبِالأنْعامِ تارَةً، وتَقْوى هَذِهِ المُشابَهَةُ باطِنًا حَتّى تَظْهَرَ في الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ ظُهُورًا خَفِيًّا، يَراهُ المُتَفَرِّسُونَ، وتَظْهَرُ في الأعْمالِ ظُهُورًا يَراهُ كُلُّ أحَدٍ، ولا يَزالُ يَقْوى حَتّى تُسْتَشْنَعَ الصُّورَةُ، فَتَنْقَلِبُ لَهُ الصُّورَةُ بِإذْنِ اللَّهِ، وهو المَسْخُ التّامُّ، فَيَقْلِبُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الصُّورَةَ الظّاهِرَةَ عَلى صُورَةِ ذَلِكَ الحَيَوانِ، كَما فَعَلَ بِاليَهُودِ وأشْباهِهِمْ، ويَفْعَلُ بِقَوْمٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ يَمْسَخُهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ. فَسُبْحانَ اللَّهِ! كَمْ مِن قَلْبٍ مَنكُوسٍ وصاحِبُهُ لا يَشْعُرُ؟ وقَلْبٍ مَمْسُوخٍ وقَلْبٍ مَخْسُوفٍ بِهِ؟ وكَمْ مِن مَفْتُونٍ بِثَناءِ النّاسِ عَلَيْهِ ومَغْرُورٍ بِسِتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ ومُسْتَدْرَجٍ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ وكُلُّ هَذِهِ عُقُوباتٌ وإهاناتٌ ويَظُنُّ الجاهِلُ أنَّها كَرامَةٌ. (فصل آخر) مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ما هي عَلى نُفُوسِ الحَيَواناتِ العادِيَّةِ وغَيْرِها، وهَذا هو تَأْوِيلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وَعَلى هَذا الشَّبَهِ اعْتِمادُ أهْلِ التَّعْبِيرِ لِلرُّؤْيا في رُؤْيَةِ هَذِهِ الحَيَواناتِ في المَنامِ عِنْدِ الإنْسانِ وفي دارِهِ، أوْ أنَّها تُحارِبُهُ، وهو كَما اعْتَمَدُوهُ، وقَدْ وقَعَ لَنا ولِغَيْرِنا مِن ذَلِكَ في المَنامِ وقائِعُ كَثِيرَةٌ فَكانَ تَأْوِيلُها مُطابِقًا لِأقْوامٍ عَلى طِباعِ تِلْكَ الحَيَواناتِ، وقَدْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ في قِصَّةِ أُحُدٍ بَقَرًا تُنْحَرُ فَكانَ مَن أُصِيبُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِنَحْرِ الكُفّارِ، فَإنَّ البَقَرَ أنْفَعُ الحَيَواناتِ لِلْأرْضِ وبِها صَلاحُها وفَلاحُها مَعَ ما فِيها مِنَ السَّكِينَةِ والمَنافِعِ والذِّلِّ بِكَسْرِ الذّالِ فَإنَّها ذَلُولٌ مُذَلَّلَةٌ مُنْقادَةٌ غَيْرُ أبِيَّةٍ، والجَوامِيسُ كِبارُهم ورُؤَساؤُهُمْ، رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَأنَّ دِيكًا نَقَرَهُ ثَلاثَ نَقَراتٍ فَكانَ طَعْنَ أبِي لُؤْلُؤَةَ لَهُ، والدِّيكُ رَجُلٌ أعْجَمِيٌّ شِرِّيرٌ. وَمِنَ النّاسِ مَن طَبْعُهُ طَبْعُ خِنْزِيرٍ يَمُرُّ بِالطَّيِّباتِ فَلا يَلْوِي عَلَيْها، فَإذا قامَ الإنْسانُ عَنْ رَجِيعِهِ قَمَّهُ، وهَكَذا كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْمَعُ مِنكَ ويَرى مِنَ المَحاسِنِ أضْعافَ أضْعافِ المَساوِئِ فَلا يَحْفَظُها ولا يَنْقُلُها ولا تُناسِبُهُ، فَإذا رَأى سَقْطَةً أوْ كَلِمَةً عَوْراءَ وجَدَ بُغْيَتَهُ وما يُناسِبُها فَجَعَلَها فاكِهَتَهُ ونُقْلَهُ. وَمِنهم مَن هو عَلى طَبِيعَةِ الطّاوُسِ لَيْسَ لَهُ إلّا التَّطَوُّسُ والتَّزَيُّنُ بِالرِّيشِ ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ مِن شَيْءٍ. وَمِنهم مَن هو عَلى طَبِيعَةِ الجَمَلِ أحْقَدِ الحَيَوانِ، وأغْلَظِهِ كَبِدًا. وَمِنهم مَن هو عَلى طَبِيعَةِ الدُّبِّ أبْكَمُ خَبِيثٌ وعَلى طَبِيعَةِ القِرْدِ. وَأحْمَدُ طَبائِعِ الحَيَواناتِ طَبائِعُ الخَيْلِ الَّتِي هي أشْرَفُ الحَيَواناتِ نُفُوسًا، وأكْرَمُها طَبْعًا وكَذَلِكَ الغَنَمُ، وكُلُّ مَن ألِفَ ضَرْبًا مِن ضُرُوبِ هَذِهِ الحَيَواناتِ اكْتَسَبَ مِن طَبْعِهِ وخُلُقِهِ، فَإنْ تَغَذّى بِلَحْمِهِ كانَ الشَّبَهُ أقْوى فَإنَّ الغاذِيَ شَبِيهٌ بِالمُغْتَذى. وَلِهَذا حَرَّمَ اللَّهُ أكْلَ لُحُومِ السِّباعِ وجَوارِحِ الطَّيْرِ لِما تُورِثُ آكِلَها مِن شِبْهِ نُفُوسِها بِها، واللَّهُ أعْلَمُ. والمَقْصُودُ أنَّ أصْحابَ هَذا المَشْهَدِ لَيْسَ لَهم شُهُودٌ سِوى مِثْلِ نُفُوسِهِمْ وشَهَواتِهِمْ لا يَعْرِفُونَ ما وراءَ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ.

الأنعام 6:38

قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يعلمون حكمته تعالى ومصلحة عباده في الامتناع من إنزال الآيات التي يقترحها الناس على الأنبياء وليس المراد أن أكثر الناس لا يعلمون أن الله قادر فإنه لم ينازع في قدرة الله أحد من المقرين بوجوده سبحانه ولكن حكمته في ذلك لا يعلمها أكثر الناس. (فائدة) ومن فهم هذا فهم سر اقتران قوله تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلاّ أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وكيف جاء ذلك في معرض جوابهم عن هذا السؤال والإشارة به إلى إثبات النبوة وأن من لم يهمل أمر كل دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه بل جعلها أمما وهداها إلى غاياتها ومصالحها وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها. (فصل) قال ابن عباس في رواية عطاء: ": ﴿إلاَّ أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ يريد يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني" مثل قوله تعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه﴾ ومثل قوله: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوُابّ﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ﴾ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ ويدل عليه قوله: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْل﴾ وقوله: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ﴾ وقول سليمان: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ وقال مجاهد: " ﴿أمم أمثالكم﴾ أصناف مصنفة تعرف بأسمائها" وقال الزجاج: " ﴿أمم أمثالكم﴾ في أنها تبعث" وقال ابن قتيبة: " ﴿أمم أمثالكم﴾ في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك" وقال سفيان بن عيينة: "ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم" فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب ومنهم من ينبح نباح الكلب ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام عافته فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمه لم يحفظ واحدة منها وإن أخطأ رجل ترواه وحفظه. قال الخطابي: "ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة" وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره وجب المصير إلى باطنه وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق وإذا كان الأمر كذلك فاعلم أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم على حسب ذلك انتهى كلامه والله سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوبا محتالا وبعضها متوكلا غير محتال وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمرا مقطوعا وبعضها يدخر وبعضها لا تكسب له وبعض الذكورة يعول ولده وبعضها لا يعرف ولده ألبتة، وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضع ولدها وتكفل ولد غيرها وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه، وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها وبعضها لا يلتمس الولد وبعضها يستفرغ الهم في طلبه وبعضها يعرف الإحسان ويشكره وبعضها ليس ذلك عنده شيئا وبعضها يؤثر على نفسه وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحدا يدنو منه وبعضها يحب السفاد ويكثر منه وبعضها لا يفعله في السنة إلا مرة وبعضها يقتصر على أنثاه وبعضها لا يقف على أنثى ولو كانت أمه أو أخته وبعضها لا تمكن غير زوجها من نفسها وبعضها لا ترد يد لامس وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم وبعضها يستوحش منهم وينفر غاية النفار وبعضها لا يأكل إلا الطيب وبعضها لا يأكل إلا الخبائث وبعضها يجمع بين الأمرين وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها وبعضها يؤذي من لا يؤذيها وبعضها حقود لا تنسى الإساءة وبعضها لا يذكرها ألبتة وبعضها لا يغضب وبعضها يشتد غضبه فلا يزال يسترضى حتى يرضى وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك ألبتة وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده وبعضها يقبل التعليم بسرعة وبعضها مع الطول وبعضها لا يقبل ذلك بحال وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه وعلى إتقان صنعه وعجيب تدبيره ولطيف حكمته فإن فيما أودعها من غرائب المعارف وغوامض الحيل وحسن التدبير والتأني لما تريده ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته وما يعلم به كل عاقل أنه لم يخلق عبثا ولم يترك سدى وأن له سبحانه في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهانا قاطعا يدل على أنه رب كل شيء ومليكه وأنه المنفرد بكل كمال دون خلقه وأنه على كل شيء قدير وبكل شيء عليم. (فصل) وقد اختلف في الكتاب هاهنا هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ على قولين فقالت طائفة المراد به القرآن وهذا من العام المراد به الخاص أي ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه كقوله: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه والمراد أن كل شيء ذكر فيه مجملا ومفصلا كما قال ابن مسعود: "وقد لعن الواصلة والمستوصلة ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه فقالت امرأة لقد قرأت القرآن فما وجدته فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدته قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ولعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة" وقال الشافعي ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الدلالة عليها. وقالت طائفة المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس وكان هذا القول أظهر في الآية والسياق يدل عليه فإنه قال: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُم﴾ وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول وأنها لم تخلق سدى بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون فذكر مبدأها ونهايتها وأدخل بين هاتين الحالتين قوله: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ أي كلها قد كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي وإنما يناسب ذكر الكتاب الأول. ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا بأن في ذكر القرآن هاهنا الإخبار عن تضمنه لذكر ذلك والإخبار به فلم نفرط فيه من شيء بل أخبرناكم بكل ما كان وما هو كائن إجمالا وتفصيلا ويرجحه أمر آخر وهو أن هذا ذكر عقيب قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله ﷺ وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء ولم يفرط فيه من شيء ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه وكثرة جنوده والأمم التي يحصيها غيره وهذا يتضمن أنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه رب العالمين فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه فهذا استدلال بأمره وذاك بخلقه: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾. وشهد لهذا أيضا قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ولمن نصر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك فإنه قادر على ذلك وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم أذلوا أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة أن لم يؤمنوا ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز عن إنزال آية ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء ثم يميتهم ثم يحشرهم إليه والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات عن النظر والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله ثم أخبر أن الآيات لا تستقل بالهدى ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر بل الأمر كله له من يشأ يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم فهو أظهر القولين والله أعلم. (فصل) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ هَذِهِ القُلُوبَ جَوّالَةٌ، فَمِنها ما يَجُولُ حَوْلَ العَرْشِ، ومِنها ما يَجُولُ حَوْلَ الحُشِّ. مَسْخُ القَلْبِ وَمِنها: مَسْخُ القَلْبِ، فَيُمْسَخُ كَما تُمْسَخُ الصُّورَةُ، فَيَصِيرُ القَلْبُ عَلى قَلْبِ الحَيَوانِ الَّذِي شابَهَهُ في أخْلاقِهِ وأعْمالِهِ وطَبِيعَتِهِ، فَمِنَ القُلُوبِ ما يُمْسَخُ عَلى قَلْبِ خِنْزِيرٍ لِشِدَّةِ شَبَهِ صاحِبِهِ بِهِ، ومِنها ما يُمْسَخُ عَلى قَلْبِ كَلْبٍ أوْ حِمارٍ أوْ حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا تَأْوِيلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. قالَ: مِنهم مَن يَكُونُ عَلى أخْلاقِ السِّباعِ العادِيَةِ، ومِنهم مَن يَكُونُ عَلى أخْلاقِ الكِلابِ وأخْلاقِ الخَنازِيرِ وأخْلاقِ الحَمِيرِ، ومِنهم مَن يَتَطَوَّسُ في ثِيابِهِ كَما يَتَطَوَّسُ الطّاوُوسُ في رِيشِهِ، ومِنهم مَن يَكُونُ بَلِيدًا كالحِمارِ، ومِنهم مَن يُؤْثِرُ عَلى نَفْسِهِ كالدِّيكِ، ومِنهم مِن يَأْلَفُ ويُؤْلَفُ كالحَمامِ، ومِنهُمُ الحَقُودُ كالجَمَلِ، ومِنهُمُ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ كالغَنَمِ، ومِنهم أشْباهُ الثَّعالِبِ الَّتِي تَرُوغُ كَرَوَغانِها، وقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الجَحِيمِ والغَيِّ بِالحُمُرِ تارَةً، وبِالكَلْبِ تارَةً، وبِالأنْعامِ تارَةً، وتَقْوى هَذِهِ المُشابَهَةُ باطِنًا حَتّى تَظْهَرَ في الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ ظُهُورًا خَفِيًّا، يَراهُ المُتَفَرِّسُونَ، وتَظْهَرُ في الأعْمالِ ظُهُورًا يَراهُ كُلُّ أحَدٍ، ولا يَزالُ يَقْوى حَتّى تُسْتَشْنَعَ الصُّورَةُ، فَتَنْقَلِبُ لَهُ الصُّورَةُ بِإذْنِ اللَّهِ، وهو المَسْخُ التّامُّ، فَيَقْلِبُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الصُّورَةَ الظّاهِرَةَ عَلى صُورَةِ ذَلِكَ الحَيَوانِ، كَما فَعَلَ بِاليَهُودِ وأشْباهِهِمْ، ويَفْعَلُ بِقَوْمٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ يَمْسَخُهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ. فَسُبْحانَ اللَّهِ! كَمْ مِن قَلْبٍ مَنكُوسٍ وصاحِبُهُ لا يَشْعُرُ؟ وقَلْبٍ مَمْسُوخٍ وقَلْبٍ مَخْسُوفٍ بِهِ؟ وكَمْ مِن مَفْتُونٍ بِثَناءِ النّاسِ عَلَيْهِ ومَغْرُورٍ بِسِتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ ومُسْتَدْرَجٍ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ وكُلُّ هَذِهِ عُقُوباتٌ وإهاناتٌ ويَظُنُّ الجاهِلُ أنَّها كَرامَةٌ. (فصل آخر) مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ما هي عَلى نُفُوسِ الحَيَواناتِ العادِيَّةِ وغَيْرِها، وهَذا هو تَأْوِيلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وَعَلى هَذا الشَّبَهِ اعْتِمادُ أهْلِ التَّعْبِيرِ لِلرُّؤْيا في رُؤْيَةِ هَذِهِ الحَيَواناتِ في المَنامِ عِنْدِ الإنْسانِ وفي دارِهِ، أوْ أنَّها تُحارِبُهُ، وهو كَما اعْتَمَدُوهُ، وقَدْ وقَعَ لَنا ولِغَيْرِنا مِن ذَلِكَ في المَنامِ وقائِعُ كَثِيرَةٌ فَكانَ تَأْوِيلُها مُطابِقًا لِأقْوامٍ عَلى طِباعِ تِلْكَ الحَيَواناتِ، وقَدْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ في قِصَّةِ أُحُدٍ بَقَرًا تُنْحَرُ فَكانَ مَن أُصِيبُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِنَحْرِ الكُفّارِ، فَإنَّ البَقَرَ أنْفَعُ الحَيَواناتِ لِلْأرْضِ وبِها صَلاحُها وفَلاحُها مَعَ ما فِيها مِنَ السَّكِينَةِ والمَنافِعِ والذِّلِّ بِكَسْرِ الذّالِ فَإنَّها ذَلُولٌ مُذَلَّلَةٌ مُنْقادَةٌ غَيْرُ أبِيَّةٍ، والجَوامِيسُ كِبارُهم ورُؤَساؤُهُمْ، رَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَأنَّ دِيكًا نَقَرَهُ ثَلاثَ نَقَراتٍ فَكانَ طَعْنَ أبِي لُؤْلُؤَةَ لَهُ، والدِّيكُ رَجُلٌ أعْجَمِيٌّ شِرِّيرٌ. وَمِنَ النّاسِ مَن طَبْعُهُ طَبْعُ خِنْزِيرٍ يَمُرُّ بِالطَّيِّباتِ فَلا يَلْوِي عَلَيْها، فَإذا قامَ الإنْسانُ عَنْ رَجِيعِهِ قَمَّهُ، وهَكَذا كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْمَعُ مِنكَ ويَرى مِنَ المَحاسِنِ أضْعافَ أضْعافِ المَساوِئِ فَلا يَحْفَظُها ولا يَنْقُلُها ولا تُناسِبُهُ، فَإذا رَأى سَقْطَةً أوْ كَلِمَةً عَوْراءَ وجَدَ بُغْيَتَهُ وما يُناسِبُها فَجَعَلَها فاكِهَتَهُ ونُقْلَهُ. وَمِنهم مَن هو عَلى طَبِيعَةِ الطّاوُسِ لَيْسَ لَهُ إلّا التَّطَوُّسُ والتَّزَيُّنُ بِالرِّيشِ ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ مِن شَيْءٍ. وَمِنهم مَن هو عَلى طَبِيعَةِ الجَمَلِ أحْقَدِ الحَيَوانِ، وأغْلَظِهِ كَبِدًا. وَمِنهم مَن هو عَلى طَبِيعَةِ الدُّبِّ أبْكَمُ خَبِيثٌ وعَلى طَبِيعَةِ القِرْدِ. وَأحْمَدُ طَبائِعِ الحَيَواناتِ طَبائِعُ الخَيْلِ الَّتِي هي أشْرَفُ الحَيَواناتِ نُفُوسًا، وأكْرَمُها طَبْعًا وكَذَلِكَ الغَنَمُ، وكُلُّ مَن ألِفَ ضَرْبًا مِن ضُرُوبِ هَذِهِ الحَيَواناتِ اكْتَسَبَ مِن طَبْعِهِ وخُلُقِهِ، فَإنْ تَغَذّى بِلَحْمِهِ كانَ الشَّبَهُ أقْوى فَإنَّ الغاذِيَ شَبِيهٌ بِالمُغْتَذى. وَلِهَذا حَرَّمَ اللَّهُ أكْلَ لُحُومِ السِّباعِ وجَوارِحِ الطَّيْرِ لِما تُورِثُ آكِلَها مِن شِبْهِ نُفُوسِها بِها، واللَّهُ أعْلَمُ. والمَقْصُودُ أنَّ أصْحابَ هَذا المَشْهَدِ لَيْسَ لَهم شُهُودٌ سِوى مِثْلِ نُفُوسِهِمْ وشَهَواتِهِمْ لا يَعْرِفُونَ ما وراءَ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ.

الأنعام 6:44

وَرُبَّما اتَّكَلَ بَعْضُ المُغْتَرِّينَ عَلى ما يَرى مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا وأنَّهُ لا يُغَيِّرُ ما بِهِ، ويَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ، وأنَّهُ يُعْطِيهِ في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ، فَهَذا مِنَ الغُرُورِ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ غَيْلانَ حَدَّثَنا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرانَ التُّجِيبِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إذا رَأيْتَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِ ما يُحِبُّ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ، ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾». وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُتابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وأنْتَ مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فاحْذَرْهُ؛ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ مِنهُ يَسْتَدْرِجُكَ بِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ - ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ - وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣-٣٥]. وَقَدْ رَدَّ سُبْحانَهُ عَلى مَن يَظُنُّ هَذا الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي - وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِي - كَلّا﴾ [الفجر: ١٥-١٧] أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن نَعَّمْتُهُ ووَسَّعْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أكُونُ قَدْ أكْرَمْتُهُ، ولَيْسَ كُلُّ مَنِ ابْتَلَيْتُهُ وضَيَّقْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أكُونُ قَدْ أهَنْتُهُ، بَلْ أبْتَلِي هَذا بِالنِّعَمِ، وأُكْرِمُ هَذا بِالِابْتِلاءِ. وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيا مَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِبُّ ولا يُعْطِي الإيمانَ إلّا مَن يُحِبُّ». وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: رُبَّ مُسْتَدْرَجٍ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو لا يَعْلَمُ، ورُبَّ مَغْرُورٍ بِسَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ وهو لا يَعْلَمُ، ورُبَّ مَفْتُونٍ بِثَناءِ النّاسِ عَلَيْهِ وهو لا يَعْلَمُ.

الأنعام 6:53

أي ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض فابتلى الرؤساء والسادة بالأتباع والموالي والضعفاء فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف أنفة وأنف أن يسلم وقال هذا يمن الله عليه بالهدى والسعادة دوني قال الله تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ويشكرون الله عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية، فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم تعرفون قدر نعمتي وتشكروني عليها وتذكروني بها وتخضعون لي كخضوعهم وتحبوني كحبهم لمننت عليكم كما مننت عليهم ولكن لمنني ونعمي محالّ لا تليق إلا بها ولا تحسن إلا عندها ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص والعلم كقوله هاهنا: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ وقوله: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وقوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾. (فصل) وقد أعلمنا سبحانه أن أفعال عباده كلها واقعة بقضائه وقدره وأما قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ فلا ريب أن هذا تعليل لفعله المذكور وهو امتحان بعض خلقه ببعض كما امتحن السادات والأشراف بالعبيد والضعفاء والموالي فإذا نظر الشريف والسيد إلى العبد والضعيف والمسكين قد أسلم أنف وحمى أن يسلم معه أو بعده ويقول هذا يسبقني إلى الخير والفلاح وأتخلف أنا فلو كان ذلك خيرا وسعادة ما سبقنا هؤلاء إليه فهذا القول منهم هو بعض الحكم والغاية المطلوبة بهذا الامتحان فإن هذا القول دال على إباء واستكبار وترك الانقياد للحق بعد المعرفة التامة به وهذا وإن كان علة فهو مطلوب لغيره والعلل الغائية تارة تطلب لنفسها وتارة تطلب لغيرها فتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه وقول هؤلاء ما قالوه وما يترتب عليه هذا القول موجب لآثار مطلوبة للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزه وقهره وسلطانه وعطائه من يستحق عطاءه ويحسن وضعه عنده ومنعه من يستحق المنع ولا يليق به غيره ولهذا قال تعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون المنعم عليهم فيما من عليهم من بين من لا يعرفها ولا يشكر ربه عليها وكانت فتنة بعضهم ببعض لحصول هذا التمييز الذي ترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء. (فصل) كم لله سبحانه من حكمة وحمد وأمر ونهي وقضاء وقدر في جعل بعض عباده فتنة لبعض كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ﴾ فهو سبحانه جعل أوليائه فتنة لأعدائه وأعداءه فتنته لأوليائه والملوك فتنة للرعية والرعية فتنة لهم والرجال فتنة للنساء وهن فتنة لهم والأغنياء فتنة للفقراء والفقراء فتنة لهم وابتلى كل أحد بضد جعله متقابلا فما استقرت أقدام الأبوين على الأرض إلا وضدهما مقابلهما واستمر الأمر في الذرية كذلك إلى أن يطوي الله الدنيا ومن عليها وكم له سبحانه في مثل هذا الابتلاء والامتحان من حكمة بالغة ونعمة سابغة وحكم نافذ وأمر ونهي وتصريف دال على ربوبيته وإلهيته وملكه وحمده وكذلك ابتلاء عباده بالخير والشر في هذه الدار هو من كمال حكمته ومقتضى حمده التام. (فصل) ولولا هذا الابتلاء والامتحان لما ظهر فضل الصبر والرضا والتوكل والجهاد والعفة والشجاعة والحلم والعفو والصفح والله سبحانه يحب أن يكرم أوليائه بهذه الكمالات ويحب ظهورها عليهم ليثني بها عليهم هو وملائكته وينالوا باتصافهم بها غاية الكرامة واللذة والسرور وإن كانت مرة المبادئ فلا أحلى من عواقبها ووجود الملزم بدون لازمه ممتنع وقد أجرى الله سبحانه حكمته بأن كمال الغايات تابعة لقوة أسبابها وكمالها ونقصانها لنقصانها فمن كمل أسباب النعيم واللذة كملت له غاياتها ومن حرمها حرمها ومن نقصها نقص له من غاياتها وعلى هذا قام الجزاء بالقسط والثواب والعقاب، وكفى بهذا العالم شاهدا لذلك فرب الدنيا والآخرة واحد وحكمته مطردة فيهما وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون.

الأنعام 6:57

[بَيْنَ ابْنِ عَبّاسٍ والخَوارِجِ] وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ عَنْ بُكَيْر بْنِ الأشَجِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أرْسَلَنِي عَلِيٌّ إلى الحَرُورِيَّةِ لِأُكَلِّمَهُمْ، فَلَمّا قالُوا: " لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ " قُلْتُ: أجَلْ، صَدَقْتُمْ، لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ، وإنَّ اللَّهَ حَكَّمَ في رَجُلٍ وامْرَأتِهِ، وحَكَّمَ في قَتْلِ الصَّيْدِ؛ فالحُكْمُ في رَجُلٍ وامْرَأتِهِ والصَّيْدِ أفْضَلُ أمْ الحُكْمُ في الأُمَّةِ يَرْجِعُ بِها، ويَحْقِنُ دِماءَها، ويَلُمُّ شَعَثُها؟ وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ ثنا سِماكٌ الحَنَفِيُّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: قالَ عَلِيٌّ: لا تُقاتِلُوهم حَتّى يَخْرُجُوا، فَإنَّهم سَيَخْرُجُونَ، قالَ: قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أبْرِدْ بِالصَّلاةِ فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أدْخُلَ عَلَيْهِمْ فَأسْمَعَ مِن كَلامِهِمْ وأُكَلِّمَهُمْ، فَقالَ عَلِيٌّ: أخْشى عَلَيْكَ مِنهُمْ، قالَ: وكُنْتُ رَجُلًا حَسَنَ الخُلُقِ لا أُوذِيَ أحَدًا، قالَ: فَلَبِسْتُ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِن اليَمَنِيَّةِ وتَرَجَّلْتُ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وهم قائِلُونَ، فَقالُوا لِي: ما هَذا اللِّباسُ؟ فَتَلَوْتُ عَلَيْهِمْ القُرْآنَ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وَلَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِن اليَمَنِيَّةِ، فَقالُوا لا بَأْسَ، فَما جاءَ بِكَ؟ فَقُلْتُ: أتَيْتُكم مِن عِنْدِ صاحِبِي، وهو ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخَتَنُهُ، وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالوَحْيِ مِنكُمْ، وعَلَيْهِمْ نَزَلَ القُرْآنُ، أبْلَغَكم عَنْهم وأبْلَغَهم عَنْكُمْ، فَما الَّذِي نَقَمْتُمْ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنّ قُرَيْشًا قَوْمٌ خَصِمُونَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. فَقالَ بَعْضُهُمْ: كَلِّمُوهُ، فانْتَحى لِي رَجُلانِ مِنهم أوْ ثَلاثَةٌ، فَقالُوا: إنْ شِئْتَ تَكَلَّمْتَ وإنْ شِئْتَ تَكَلَّمْنا، فَقُلْتُ: بَلْ تَكَلَّمُوا، فَقالُوا: ثَلاثٌ نَقَمْناهُنَّ عَلَيْهِ، جَعَلَ الحُكْمَ إلى الرِّجالِ وقالَ اللَّهُ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فَقُلْتُ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ الحُكْمَ مِن أمْرِهِ إلى الرِّجالِ في رُبْعِ دِرْهَمٍ في الأرْنَبِ وفي المَرْأةِ وزَوْجِها: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ [النساء: ٣٥]، أفَخَرَجْتُ مِن هَذِهِ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالُوا: وأُخْرى مَحا نَفْسَهُ أنْ يَكُونَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَأمِيرُ الكافِرِينَ هُوَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: أرَأيْتُمْ إنْ قَرَأْتُ مِن كِتابِ اللَّهِ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِهِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتَرْجِعُونَ؟ قالُوا: نَعَمْ، قُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُمْ أوْ أراهُ قَدْ بَلَّغَكُمْ، أنَّهُ لَمّا كانَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ جاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: اكْتُبْ: هَذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقاتِلْكَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ لِعَلِيٍّ: " امْحُ يا عَلِيُّ " أفَخَرَجْتُ مِن هَذِهِ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: وأمّا قَوْلُكم قَتَلَ ولَمْ يَسْبِ ولَمْ يَغْنَمْ أفَتَسْبُونَ أُمَّكم وتَسْتَحِلُّونَ مِنها ما تَسْتَحِلُّونَ مِن غَيْرِها؟ فَإنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ بِكِتابِ اللَّهِ وخَرَجْتُمْ مِن الإسْلامِ، فَأنْتُمْ بَيْنَ ضَلالَتَيْنِ، وكُلَّما جِئْتُهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ أقُولُ: أفَخَرَجْتُ مِنها: فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، قالَ: فَرَجَعَ مِنهم ألْفانِ وبَقِيَ سِتَّةُ آلافٍ، ولَهُ طُرُقٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِياسُهُ المَذْكُورُ مِن أحْسَنِ القِياسِ وأوْضَحُهُ. وَقَدْ أنْكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مُخالَفَتَهُ لِلْقِياسِ في مَسْألَةِ الجَدِّ والإخْوَةِ فَقالَ: ألا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ؟ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا ولا جَعَلَ أبَ الأبِ أبًا؟ وهَذا مَحْضُ القِياسِ. وَلَمّا خَصَّ الصِّدِّيقُ أُمَّ الأُمِّ بِالمِيراثِ دُونَ أُمِّ الأبِ قالَ لَهُ بَعْضُ الأنْصارِ: لَقَدْ ورَّثْتَ امْرَأةً مِن مَيِّتٍ لَوْ كانَتْ هي المَيِّتَةُ لَمْ يَرِثْها، وتَرَكْتَ امْرَأةً لَوْ كانَتْ هي المَيِّتَةُ ورِثَ جَمِيعَ ما تَرَكَتْ، فَشَرَّكَ بَيْنَهُما. قالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ: أخْبَرْنا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيى بْنَ سَعِيدٍ عَنْ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: جاءَتْ جَدَّتانِ إلى أبِي بَكْرٍ، فَأعْطى المِيراثَ أُمَّ الأُمِّ دُونَ أُمِّ الأبِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن الأنْصارِ مِن بَنِي حارِثَةَ يُقالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، قَدْ أعْطَيْتَ المِيراثَ الَّتِي لَوْ ماتَتْ لَمْ يَرِثْها، فَجَعَلَ المِيراثَ بَيْنَهُما. وَلَمّا شَهِدَ أبُو بَكْرَةَ وأصْحابُهُ عَلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالحَدِّ ولَمْ يُكْمِلُوا النِّصابَ حَدَّهم عُمَرُ، قِياسًا عَلى القاذِفِ، ولَمْ يَكُونُوا قَذَفَةً بَلْ شُهُودًا؛ وقالَ عُثْمانُ لِعُمَرَ: إنْ نَتَّبِعْ رَأْيَكَ فَرَأْيُكَ أسَدُّ، وإنْ نَتَّبِعْ رَأْيَ مَن قَبْلَكَ فَلَنِعْمَ ذُو الرَّأْيِ كانَ. وَقالَ عَلِيٌّ: اجْتَمَعَ رَأْيِي ورَأْيُ عُمَرَ في بَيْعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ أنْ لا يُبَعْنَ، ثُمَّ رَأيْتُ بَيْعَهُنَّ، فَقالَ لَهُ قاضِيهِ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ رَأْيُكَ مَعَ رَأْيِ عُمَرَ في الجَماعَةِ أحَبُّ إلَيْنا مِن رَأْيِكَ وحْدَكَ في الفُرْقَةِ. وَلَمّا أرْسَلَ عُمَرُ إلى المَرْأةِ فَأسْقَطَتْ جَنِينَها اسْتَشارَ الصَّحابَةَ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وعُثْمانُ: إنّما أنْتَ مُؤَدِّبٌ ولا شَيْءَ عَلَيْكَ؛ وقالَ لَهُ عَلِيٌّ: أمّا المَأْثَمُ فَأرْجُو أنْ يَكُونَ مَحْطُوطًا عَنْكَ، وأرى عَلَيْكَ الدِّيَةَ، فَقاسَهُ عُثْمانُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلى مُؤَدِّبِ امْرَأتِهِ وغُلامِهِ ووَلَدِهِ، وقاسَهُ عَلِيٌّ عَلى قاتِلِ الخَطَأِ، فاتَّبَعَ عُمَرُ قِياسَ عَلِيٍّ. وَلَمّا احْتُضِرَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أوْصى بِالخِلافَةِ إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقاسَ وِلايَتَهُ لِمَن بَعْدَهُ إذْ هو صاحِبُ الحَلِّ والعَقْدِ عَلى وِلايَةِ المُسْلِمِينَ لَهُ إذْ كانُوا هم أهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ، وهَذا مِن أحْسَنِ القِياسِ.

الأنعام 6:76

قوله: ﴿هَذا رَبِّي﴾ قِيلَ: إنَّها عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ. أيْ أهَذا رَبِّي؟، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقِيلَ: إنَّها عَلى وجْهِ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ. فَتَصَوَّرَ بِصُورَةِ المُوافِقِ، لِيَكُونَ أدْعى إلى القَبُولِ. ثُمَّ تَوَسَّلَ بِصُورَةِ المُوافَقَةِ إلى إعْلامِهِمْ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْبُودُ ناقِصًا آفِلًا. فَإنَّ المَعْبُودَ الحَقَّ: لا يَجُوزُ أنْ يَغِيبَ عَنْ عابِدِيهِ وخَلْقِهِ ويَأْفُلُ عَنْهم. فَإنَّ ذَلِكَ مُنافٍ لِرُبُوبِيَّتِهِ لَهم. أوْ أنَّهُ انْتَقَلَ مِن مَراتِبِ الِاسْتِدْلالِ عَلى المَعْبُودِ حَتّى أوْصَلَهُ الدَّلِيلُ إلى الَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ. فَوَجَّهَ إلَيْهِ وجْهَهُ حَنِيفًا مُوَحِّدًا، مُقْبِلًا عَلَيْهِ، مُعْرِضًا عَمّا سِواهُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:79

فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: ﴿إنِّى وجَّهْتُ وجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٩]. وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفتقرة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها. والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبَّر لا يكون إلها. فحاجَّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجته داحضة. فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿أتُحاجُّونِّي فِى اللهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا من أحسن الكلام، أي أتريدون أن تصرفوني عن الإقرار بربي وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتشككوني فيه. وقد أرشدني وبين لي الحق، حتى استبان لي كالعيان، وبين لي بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والآخرة، فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به؟ وقد هداني إلى الحق، وسبيل الرشاد؟ فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إياي في الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك. فخوفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذي يأله مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فإن آلهتكم أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله وحده، وأنه هو الذي يخاف ويرجى. فقال: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا استثناء منقطع. والمعنى: لا أخاف آلهتكم، فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة، لكن إن شاء ربي شيئا نالني وأصابني، لا آلهتكم التي لا تشاء ولا تعلم شيئا، وربي له المشيئة النافذة، وقد وسع كل شيء علما. فمن أولى بأن يخاف ويعبد: هو سبحانه، أم هي؟ ثم قال ﴿أفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له المشيئة التامة، والعلم التام. ثم قال ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكُتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانآً﴾ [الأنعام: ٨١]. وهذا من أحسن قلب الحجة، وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله، وبطلان مذهبه. فإنهم خوفوه بآلهتهم التي لم ينزل الله عليهم سلطانا بعبادتها. وقد تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها. ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم معه آلهة أخرى؟ فأي الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف؟ فريق الموحدين، أم فريق المشركين؟ فحكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذي لا حكم أصح منه. فقال: ﴿الّذِينَ آمَنوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ - أي بشرك - ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. ولما نزلت هذه الآية شق أمرها على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله "وأينُّا لم يظلم نفسه؟ فقال إنما هو الشرك: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ". فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن، وللمشركين بضد ذلك، وهو الضلال والخوف ثم قال: ﴿وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبراهيم عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قال أبو محمد بن حَزْم: وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجْه الدهر والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه. فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عند الله تعالى. وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء. قلت: هم قسمان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات. وقد حكى الشهرسْتاني بعض مناظراتهم في كتابه. (فصل) قوله: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقول لقومه كيف يسوغ في عقل أو عند ذي لب أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا في الإلهية وهي ليست بموضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في إلهيته أشياء لم ينزل بها حجة عليكم ولا شرعها لكم فالذي أشرك بخالقه وفاطره وباريه الذي يقر بأنه خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ومالك الضر والنفع آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا له ومثلا في الإلهية تعبد ويسجد لها ويخضع لها ويتقرب إليها أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلها آخر بل وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله سبحانه بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر وانقادت له العقول فقال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يرد به ما دعوه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجة التي لم تبق لطاعن مطعنا ولا سؤالا ولما كانت بهذه المثابة أشار سبحانه بذكرها وعظمها بالإشارة إليها وأضافها إلى نفسه تعظيما لشأنها فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]. فعلم السامع بإضافته إياها إلى نفسه أنه هو الذي فهمها خليله ولقنها إياه وعنه سبحانه أخذها الخليل وكفى بحجة يكون الله عز وجل ملقنها لخليله وحبيبه أن تكون قاطعة لمواد العناد قامعة لأهل الشرك والإلحاد.

الأنعام 6:80

فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: ﴿إنِّى وجَّهْتُ وجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٩]. وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفتقرة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها. والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبَّر لا يكون إلها. فحاجَّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجته داحضة. فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿أتُحاجُّونِّي فِى اللهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا من أحسن الكلام، أي أتريدون أن تصرفوني عن الإقرار بربي وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتشككوني فيه. وقد أرشدني وبين لي الحق، حتى استبان لي كالعيان، وبين لي بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والآخرة، فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به؟ وقد هداني إلى الحق، وسبيل الرشاد؟ فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إياي في الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك. فخوفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذي يأله مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فإن آلهتكم أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله وحده، وأنه هو الذي يخاف ويرجى. فقال: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا استثناء منقطع. والمعنى: لا أخاف آلهتكم، فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة، لكن إن شاء ربي شيئا نالني وأصابني، لا آلهتكم التي لا تشاء ولا تعلم شيئا، وربي له المشيئة النافذة، وقد وسع كل شيء علما. فمن أولى بأن يخاف ويعبد: هو سبحانه، أم هي؟ ثم قال ﴿أفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له المشيئة التامة، والعلم التام. ثم قال ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكُتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانآً﴾ [الأنعام: ٨١]. وهذا من أحسن قلب الحجة، وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله، وبطلان مذهبه. فإنهم خوفوه بآلهتهم التي لم ينزل الله عليهم سلطانا بعبادتها. وقد تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها. ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم معه آلهة أخرى؟ فأي الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف؟ فريق الموحدين، أم فريق المشركين؟ فحكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذي لا حكم أصح منه. فقال: ﴿الّذِينَ آمَنوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ - أي بشرك - ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. ولما نزلت هذه الآية شق أمرها على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله "وأينُّا لم يظلم نفسه؟ فقال إنما هو الشرك: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ". فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن، وللمشركين بضد ذلك، وهو الضلال والخوف ثم قال: ﴿وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبراهيم عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قال أبو محمد بن حَزْم: وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجْه الدهر والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه. فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عند الله تعالى. وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء. قلت: هم قسمان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات. وقد حكى الشهرسْتاني بعض مناظراتهم في كتابه. (فصل) قوله: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقول لقومه كيف يسوغ في عقل أو عند ذي لب أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا في الإلهية وهي ليست بموضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في إلهيته أشياء لم ينزل بها حجة عليكم ولا شرعها لكم فالذي أشرك بخالقه وفاطره وباريه الذي يقر بأنه خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ومالك الضر والنفع آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا له ومثلا في الإلهية تعبد ويسجد لها ويخضع لها ويتقرب إليها أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلها آخر بل وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله سبحانه بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر وانقادت له العقول فقال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يرد به ما دعوه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجة التي لم تبق لطاعن مطعنا ولا سؤالا ولما كانت بهذه المثابة أشار سبحانه بذكرها وعظمها بالإشارة إليها وأضافها إلى نفسه تعظيما لشأنها فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]. فعلم السامع بإضافته إياها إلى نفسه أنه هو الذي فهمها خليله ولقنها إياه وعنه سبحانه أخذها الخليل وكفى بحجة يكون الله عز وجل ملقنها لخليله وحبيبه أن تكون قاطعة لمواد العناد قامعة لأهل الشرك والإلحاد.

الأنعام 6:81

فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: ﴿إنِّى وجَّهْتُ وجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٩]. وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفتقرة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها. والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبَّر لا يكون إلها. فحاجَّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجته داحضة. فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿أتُحاجُّونِّي فِى اللهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا من أحسن الكلام، أي أتريدون أن تصرفوني عن الإقرار بربي وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتشككوني فيه. وقد أرشدني وبين لي الحق، حتى استبان لي كالعيان، وبين لي بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والآخرة، فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به؟ وقد هداني إلى الحق، وسبيل الرشاد؟ فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إياي في الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك. فخوفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذي يأله مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فإن آلهتكم أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله وحده، وأنه هو الذي يخاف ويرجى. فقال: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا استثناء منقطع. والمعنى: لا أخاف آلهتكم، فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة، لكن إن شاء ربي شيئا نالني وأصابني، لا آلهتكم التي لا تشاء ولا تعلم شيئا، وربي له المشيئة النافذة، وقد وسع كل شيء علما. فمن أولى بأن يخاف ويعبد: هو سبحانه، أم هي؟ ثم قال ﴿أفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له المشيئة التامة، والعلم التام. ثم قال ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكُتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانآً﴾ [الأنعام: ٨١]. وهذا من أحسن قلب الحجة، وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله، وبطلان مذهبه. فإنهم خوفوه بآلهتهم التي لم ينزل الله عليهم سلطانا بعبادتها. وقد تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها. ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم معه آلهة أخرى؟ فأي الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف؟ فريق الموحدين، أم فريق المشركين؟ فحكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذي لا حكم أصح منه. فقال: ﴿الّذِينَ آمَنوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ - أي بشرك - ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. ولما نزلت هذه الآية شق أمرها على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله "وأينُّا لم يظلم نفسه؟ فقال إنما هو الشرك: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ". فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن، وللمشركين بضد ذلك، وهو الضلال والخوف ثم قال: ﴿وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبراهيم عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قال أبو محمد بن حَزْم: وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجْه الدهر والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه. فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عند الله تعالى. وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء. قلت: هم قسمان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات. وقد حكى الشهرسْتاني بعض مناظراتهم في كتابه. (فصل) قوله: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقول لقومه كيف يسوغ في عقل أو عند ذي لب أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا في الإلهية وهي ليست بموضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في إلهيته أشياء لم ينزل بها حجة عليكم ولا شرعها لكم فالذي أشرك بخالقه وفاطره وباريه الذي يقر بأنه خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ومالك الضر والنفع آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا له ومثلا في الإلهية تعبد ويسجد لها ويخضع لها ويتقرب إليها أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلها آخر بل وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله سبحانه بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر وانقادت له العقول فقال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يرد به ما دعوه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجة التي لم تبق لطاعن مطعنا ولا سؤالا ولما كانت بهذه المثابة أشار سبحانه بذكرها وعظمها بالإشارة إليها وأضافها إلى نفسه تعظيما لشأنها فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]. فعلم السامع بإضافته إياها إلى نفسه أنه هو الذي فهمها خليله ولقنها إياه وعنه سبحانه أخذها الخليل وكفى بحجة يكون الله عز وجل ملقنها لخليله وحبيبه أن تكون قاطعة لمواد العناد قامعة لأهل الشرك والإلحاد.

الأنعام 6:82

فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: ﴿إنِّى وجَّهْتُ وجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٩]. وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفتقرة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها. والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبَّر لا يكون إلها. فحاجَّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجته داحضة. فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿أتُحاجُّونِّي فِى اللهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا من أحسن الكلام، أي أتريدون أن تصرفوني عن الإقرار بربي وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتشككوني فيه. وقد أرشدني وبين لي الحق، حتى استبان لي كالعيان، وبين لي بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والآخرة، فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به؟ وقد هداني إلى الحق، وسبيل الرشاد؟ فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إياي في الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك. فخوفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذي يأله مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فإن آلهتكم أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله وحده، وأنه هو الذي يخاف ويرجى. فقال: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا استثناء منقطع. والمعنى: لا أخاف آلهتكم، فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة، لكن إن شاء ربي شيئا نالني وأصابني، لا آلهتكم التي لا تشاء ولا تعلم شيئا، وربي له المشيئة النافذة، وقد وسع كل شيء علما. فمن أولى بأن يخاف ويعبد: هو سبحانه، أم هي؟ ثم قال ﴿أفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له المشيئة التامة، والعلم التام. ثم قال ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكُتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانآً﴾ [الأنعام: ٨١]. وهذا من أحسن قلب الحجة، وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله، وبطلان مذهبه. فإنهم خوفوه بآلهتهم التي لم ينزل الله عليهم سلطانا بعبادتها. وقد تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها. ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم معه آلهة أخرى؟ فأي الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف؟ فريق الموحدين، أم فريق المشركين؟ فحكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذي لا حكم أصح منه. فقال: ﴿الّذِينَ آمَنوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ - أي بشرك - ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. ولما نزلت هذه الآية شق أمرها على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله "وأينُّا لم يظلم نفسه؟ فقال إنما هو الشرك: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ". فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن، وللمشركين بضد ذلك، وهو الضلال والخوف ثم قال: ﴿وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبراهيم عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قال أبو محمد بن حَزْم: وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجْه الدهر والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه. فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عند الله تعالى. وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء. قلت: هم قسمان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات. وقد حكى الشهرسْتاني بعض مناظراتهم في كتابه. (فصل) قوله: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقول لقومه كيف يسوغ في عقل أو عند ذي لب أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا في الإلهية وهي ليست بموضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في إلهيته أشياء لم ينزل بها حجة عليكم ولا شرعها لكم فالذي أشرك بخالقه وفاطره وباريه الذي يقر بأنه خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ومالك الضر والنفع آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا له ومثلا في الإلهية تعبد ويسجد لها ويخضع لها ويتقرب إليها أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلها آخر بل وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله سبحانه بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر وانقادت له العقول فقال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يرد به ما دعوه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجة التي لم تبق لطاعن مطعنا ولا سؤالا ولما كانت بهذه المثابة أشار سبحانه بذكرها وعظمها بالإشارة إليها وأضافها إلى نفسه تعظيما لشأنها فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]. فعلم السامع بإضافته إياها إلى نفسه أنه هو الذي فهمها خليله ولقنها إياه وعنه سبحانه أخذها الخليل وكفى بحجة يكون الله عز وجل ملقنها لخليله وحبيبه أن تكون قاطعة لمواد العناد قامعة لأهل الشرك والإلحاد.

الأنعام 6:83

فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: ﴿إنِّى وجَّهْتُ وجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٩]. وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفتقرة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها. والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبَّر لا يكون إلها. فحاجَّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجته داحضة. فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿أتُحاجُّونِّي فِى اللهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا من أحسن الكلام، أي أتريدون أن تصرفوني عن الإقرار بربي وبتوحيده، وعن عبادته وحده، وتشككوني فيه. وقد أرشدني وبين لي الحق، حتى استبان لي كالعيان، وبين لي بطلان الشرك وسوء عاقبته، وأن آلهتكم لا تصلح للعبادة، وأن عبادتها توجب لعابديها غاية الضرر في الدنيا والآخرة، فكيف تريدون مني أن أنصرف عن عبادته وتوحيده إلى الشرك به؟ وقد هداني إلى الحق، وسبيل الرشاد؟ فالمحاجة والمجادلة إنما فائدتها طلب الرجوع والانتقال من الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم، ومن العمى إلى الإبصار، ومجادلتكم إياي في الإله الحق الذي كل معبود سواه باطل تتضمن خلاف ذلك. فخوفوه بآلهتهم أن تصيبه بسوء، كما يخوف المشرك الموحد بإلهه الذي يأله مع الله أن يناله بسوء، فقال الخليل: ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فإن آلهتكم أقل وأحقر من أن تضر من كفر بها وجحد عبادتها، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله وحده، وأنه هو الذي يخاف ويرجى. فقال: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. وهذا استثناء منقطع. والمعنى: لا أخاف آلهتكم، فإنها لا مشيئة لها ولا قدرة، لكن إن شاء ربي شيئا نالني وأصابني، لا آلهتكم التي لا تشاء ولا تعلم شيئا، وربي له المشيئة النافذة، وقد وسع كل شيء علما. فمن أولى بأن يخاف ويعبد: هو سبحانه، أم هي؟ ثم قال ﴿أفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠]. فتعلمون ما أنتم عليه من إشراك من لا مشيئة له ولا يعلم شيئا ممن له المشيئة التامة، والعلم التام. ثم قال ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكُتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانآً﴾ [الأنعام: ٨١]. وهذا من أحسن قلب الحجة، وجعل حجة المبطل بعينها دالة على فساد قوله، وبطلان مذهبه. فإنهم خوفوه بآلهتهم التي لم ينزل الله عليهم سلطانا بعبادتها. وقد تبين بطلان إلهيتها ومضرة عبادتها. ومع هذا فلا تخافون شرككم بالله وعبادتكم معه آلهة أخرى؟ فأي الفريقين أحق بالأمن وأولى بأن لا يلحقه الخوف؟ فريق الموحدين، أم فريق المشركين؟ فحكم الله سبحانه بين الفريقين بالحكم العدل الذي لا حكم أصح منه. فقال: ﴿الّذِينَ آمَنوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ - أي بشرك - ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. ولما نزلت هذه الآية شق أمرها على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله "وأينُّا لم يظلم نفسه؟ فقال إنما هو الشرك: ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إنَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ". فحكم سبحانه للموحدين بالهدى والأمن، وللمشركين بضد ذلك، وهو الضلال والخوف ثم قال: ﴿وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبراهيم عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قال أبو محمد بن حَزْم: وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجْه الدهر والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه. فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من عند الله تعالى. وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون الحنفاء. قلت: هم قسمان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء وبينهم مناظرات. وقد حكى الشهرسْتاني بعض مناظراتهم في كتابه. (فصل) قوله: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يقول لقومه كيف يسوغ في عقل أو عند ذي لب أن أخاف ما جعلتموه لله شريكا في الإلهية وهي ليست بموضع نفع ولا ضر وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في إلهيته أشياء لم ينزل بها حجة عليكم ولا شرعها لكم فالذي أشرك بخالقه وفاطره وباريه الذي يقر بأنه خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ومالك الضر والنفع آلهة لا تخلق شيئا وهي مخلوقة ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وجعلها ندا له ومثلا في الإلهية تعبد ويسجد لها ويخضع لها ويتقرب إليها أحق بالخوف ممن لم يجعل مع الله إلها آخر بل وحده وأفرده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان والحب والخوف والرجاء فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون فحكم الله سبحانه بينهما بأحسن حكم خضعت له القلوب وأقرت به الفطر وانقادت له العقول فقال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] فتأمل هذا الكلام وعجيب موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يرد به ما دعوه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجة التي لم تبق لطاعن مطعنا ولا سؤالا ولما كانت بهذه المثابة أشار سبحانه بذكرها وعظمها بالإشارة إليها وأضافها إلى نفسه تعظيما لشأنها فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]. فعلم السامع بإضافته إياها إلى نفسه أنه هو الذي فهمها خليله ولقنها إياه وعنه سبحانه أخذها الخليل وكفى بحجة يكون الله عز وجل ملقنها لخليله وحبيبه أن تكون قاطعة لمواد العناد قامعة لأهل الشرك والإلحاد.

الأنعام 6:89

والوِكالَةُ يُرادُ بِها أمْرانِ. أحَدُهُما: التَّوْكِيلُ. وهو الِاسْتِنابَةُ والتَّفْوِيضُ. والثّانِي: التَّوَكُّلُ. وهو التَّعَرُّفُ بِطَرِيقِ النِّيابَةِ عَنِ المُوَكِّلِ. وهَذا مِنَ الجانِبَيْنِ. فَإنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يُوَكِّلُ العَبْدَ ويُقِيمُهُ في حِفْظِ ما وكَّلَهُ فِيهِ. والعَبْدُ يُوكِّلُ الرَّبَّ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ. فَأمّا وكالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ، فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] قالَ قَتادَةُ: وكَّلْنا بِها الأنْبِياءَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرْناهم - يَعْنِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ - وقالَ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: مَعْناهُ: إنْ يَكْفُرْ بِها أهْلُ الأرْضِ، فَقَدْ وكَّلْنا بِها أهْلَ السَّماءِ وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هُمُ الأنْصارُ أهْلُ المَدِينَةِ. والصَّوابُ: أنَّ المُرادَ مَن قامَ بِها إيمانًا، ودَعْوَةً وجِهادًا ونُصْرَةً. فَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ وكَّلَهُمُ اللَّهُ بِها. فَإنْ قُلْتَ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ أحَدًا وكِيلُ اللَّهِ؟ قُلْتُ: لا. فَإنَّ الوَكِيلَ مَن يَتَصَرَّفُ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِطَرِيقِ النِّيابَةِ. واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا نائِبَ لَهُ، ولا يَخْلُفُهُ أحَدٌ، بَلْ هو الَّذِي يَخْلُفُ عَبْدَهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأهْلِ». عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ ما وكَّلَهُ فِيهِ، ورِعايَتِهِ والقِيامِ بِهِ. وَأمّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَهو تَفْوِيضُهُ إلَيْهِ، وعَزْلُ نَفْسِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، وإثْباتُهُ لِأهْلِهِ ووَلِيِّهِ. ولِهَذا قِيلَ في التَّوَكُّلِ: إنَّهُ عَزْلُ النَّفْسِ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيامُها بِالعُبُودِيَّةِ. وهَذا مَعْنى كَوْنِ الرَّبِّ وكِيلَ عَبْدِهِ؛ أيْ كافِيَهُ، والقائِمُ بِأُمُورِهِ ومَصالِحِهِ؛ لِأنَّهُ نائِبُهُ في التَّصَرُّفِ. فَوِكالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ أمْرٌ وتَعَبُّدٌ وإحْسانٌ لَهُ، وخِلْعَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ، لا عَنْ حاجَةٍ مِنهُ، وافْتِقارٍ إلَيْهِ كَمُوالاتِهِ. وَأمّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَتَسْلِيمٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وقِيامٌ بِعُبُودِيَّتِهِ.

الأنعام 6:96

فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن قدرته، وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه، وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب تعالى. وكذلك ارتباط أمره بعلمه وحكمته وعزته، فهو عليم بخلقه وأمره حكيم في خلقه عزيز في خلقه وأمره. ولهذا كان الحكيم من أسمائه الحسنى والحكمة من صفاته العلى، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة، والحكمة هي سنة الرسول ﷺ وهى تتضمن العلم بالحق والعمل به والخبر عنه والأمر به، فكل هذا يسمى حكمة وفي الأثر "الحكمة ضالة المؤمن"، وفي الحديث: "إن من الشعر حكمة" فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدًا استحقه لذاته وصدر عنه خلقه وأمره، فمصدر ذلك كله عن الحكمة، فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة والله أعلم.

الأنعام 6:103

فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته وقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك وقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه فإنه لم يخلقهم في ذاته بل خلقهم خارج عن ذاته ثم بأن عنهم باستوائه على عرشه وهو يعلم ما هم عليه فيراهم وينفذهم بصره ويحيط بهم علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا. وتأمل حسن هذه المقابلة لفظا ومعنى وبين قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصار﴾ فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، وللطفه وخبرته يدرك الأبصار، فلا تخفى عليه فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته، العالي في قربه، القريب في علوه، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾. (فصل) (قصور المعتزلة في فهم كلام الله) ومن أجل ما تقدم من قصور معنى النفي في ﴿لن﴾ وطوله في ﴿لا﴾ يعلم الموفق قصور المعتزلة في فهم كلام الله تعالى حيث جعلوا ﴿لن﴾ تدل على النفي على الدوام واحتجوا بقوله: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبا عن فهم القرآن. وتأمل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ ﴿لا﴾ الدالة على طول النفي ودوامه فإنه لا يدرك أبدا وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق وكيف نفى الرؤية بـ ﴿لن﴾ فقال: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ لأن النفي بها لا يتأبد وقد كذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ ﴿لن﴾ بقوله وقالوا: ﴿يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ فهذا تمن للموت فلو اقتضت ﴿لن﴾ دوام النفي تناقض الكلام، كيف وهي مقرونة بالتأبيد بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد والتأبيد المطلق فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة مقيد كقولك: والله لا أكلمه أبدا والمطلق كقولك والله لا أكفر بربي أبدا وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا ولم يتعرض للآخرة أصلا وذلك لأنهم لحبهم الحياة وكراهتهم للجزاء لا يتمنون وهذا منتف في الآخرة فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله لا كَفَهْم المحرفين له عن مواضعه. قال أبو القاسم السهيلي: على أني أقول إن العرب إنما تنفي بـ ﴿لن﴾ ما كان ممكنا عند المخاطب مظنونا أنه سيكون فتقول له إن لن تكون لما ظن أنه يكون لأن ﴿لن﴾ فيها معنى أن وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن كأنه يقول أيكون أم لا. قلت في النفي لن يكون وهذا كله مقول لتركيبها من لا وإن وتبين لك وجه اختصاصها في القرآن الكريم بالمواضع التي وقعت فيها دون ﴿لا﴾.

الأنعام 6:108

(فصل) وأما التزيين فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُم﴾ وقال: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فأضاف التزيين إليه منه سبحانه خلقا ومشيئة وحذف فاعله تارة ونسبة إلى سببه ومن أجراه على يده تارة وهذا التزيين سبحانه حسن إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ليتميز المطيع منهم من العاصي والمؤمن من الكافر كما قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وهو من الشيطان قبيح وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينه سبحانه له وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه فربما رآه حسنا عقوبة له فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه وهو حجة الله عليه فإذا تمادى في غيه وظلمه ذهب ذلك النور فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول فتزيين الرب تعالى عدل وعقوبته حكمة وتزيين الشيطان إغواء وظلم وهو السبب الخارج عن العبد والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه والرب سبحانه خالق الجميع والجميع واقع بمشيئته وقدرته ولو شاء لهدى خلقه أجمعين والمعصوم من عصمه الله والمخذول من خذله الله ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾. [فَصْلٌ الأدِلَّةُ عَلى المَنعِ مِن فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلى الحَرامِ] الدَّلالَةُ عَلى المَنعِ مِن وُجُوهٍ: الوَجْهُ الأوَّلُ: قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى سَبَّ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ - مَعَ كَوْنِ السَّبِّ غَيْظًا وحَمِيَّةً لِلَّهِ وإهانَةً لِآلِهَتِهِمْ - لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى سَبِّهِمْ اللَّهَ تَعالى، وكانَتْ مَصْلَحَةُ تَرْكِ مَسَبَّتِهِ تَعالى أرْجَحَ مِن مَصْلَحَةِ سَبِّنا لِآلِهَتِهِمْ، وهَذا كالتَّنْبِيهِ بَلْ كالتَّصْرِيحِ عَلى المَنعِ مِن الجائِزِ لِئَلّا يَكُونَ سَبَبًا في فِعْلِ ما لا يَجُوزُ.

الأنعام 6:110

هذا عطف على قوله: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم تلك الآية فلا يؤمنون. واختلف في قوله: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ فقال كثير من المفسرين: المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة قال ابن عباس في رواية عطاء عنه: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي. قال: وهذا كقوله: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾. وقال آخرون: المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم. وهذا معنى حسن. فإن كاف التشبيه تتضمن نوعا من التعليل. كقوله: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُوا عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه: الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر. والتقليب: تحويل الشيء من وجه إلى وجه، وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية ووصولهم إليها كما سألوا: أن يؤمنوا إذ جاءتهم لأنهم رأوها عيانا وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها. فإذا لم يؤمنوا كان ذلك تقليبا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» وروى الترمذي من حديث أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا؟ قال: إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء» قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى حماد عن أيوب وهشام ويعلى بن زياد عن الحسن قال: قالت عائشة رضي الله عنها: «دعوة كان رسول الله ﷺ يكثر أن يدعو بها: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا رسول الله، دعوة كثيرا ما تدعو بها؟ قال: إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله. فإذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه». وقوله: ﴿وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: ابن عباس: أخذلهم وأدعهم في ضلالهم يتمادون. وأما التزيين إليه سبحانه خلقا ومشيئة. وحذف فاعله تارة، ونسبه إلى سببه، ومن أجراه على يده تارة. وهذا التزيين منه سبحانه حسن، إذ هو ابتلاء واختبار للعبد ليتميز المطيع منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، كما قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وهو من الشيطان قبيح. وأيضا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثار سيء العمل على حسنه فإنه لا بد أن يعرفه سبحانه السيئ من الحسن، فإذا آثر القبيح واختاره وأحبه ورضيه لنفسه زينه سبحانه له وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحا. وكل ظالم وفاجر وفاسق لا بد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحا، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه. فربما رآه حسنا عقوبة له، فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه، وهو حجة الله عليه فإذا تمادى في غيه وظلمه ذهب ذلك النور، فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم. ومع هذه فحجة الله قائمة عليه بالرسالة، وبالتعريف الأول. فتزيين الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء وظلم وهو السبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه، وإعراضه، والرب سبحانه خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته، ولو شاء لهدى خلقه أجمعين. والمعصوم من عصمه الله، والمخذول من خذله الله. ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. (فائدة) حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء: أحدهما: رد الحق لمخالفته هواك فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأسا ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته، فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك قال تعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبدا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾. فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فليهنه السلامة. (فصل: الذُّنُوبُ قد تَخْذُلُ صاحَبَها عِنْدَ المَوْتِ، فَتَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخاتِمَةِ الحُسْنى) إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعاقِبُ عَلى السَّيِّئَةِ بِسَيِّئَةٍ أُخْرى، وتَتَضاعَفُ عُقُوبَةُ السَّيِّئاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، كَما يُثِيبُ عَلى الحَسَنَةِ بِحَسَنَةٍ أُخْرى. إذا نَظَرْتَ إلى حالِ كَثِيرٍ مِنَ المُحْتَضِرِينَ وجَدْتَهم يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ حُسْنِ الخاتِمَةِ، عُقُوبَةً لَهم عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ. قالَ الحافِظُ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الإشْبِيلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: واعْلَمْ أنَّ لِسُوءِ الخاتِمَةِ - أعاذَنا اللَّهُ مِنها - أسْبابًا، ولَها طُرُقٌ وأبْوابٌ، أعْظَمُها الِانْكِبابُ عَلى الدُّنْيا، والإعْراضُ عَنِ الأُخْرى، والإقْدامُ والجَرْأةُ عَلى مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُبَّما غَلَبَ عَلى الإنْسانِ ضَرْبٌ مِنَ الخَطِيئَةِ، ونَوْعٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، وجانِبٌ مِنَ الإعْراضِ، ونَصِيبٌ مِنَ الجَرْأةِ والإقْدامِ، فَمَلَكَ قَلْبَهُ، وسَبى عَقْلَهُ وأطْفَأ نُورَهُ وأرْسَلَ عَلَيْهِ حُجُبَهُ فَلَمْ تَنْفَعْ فِيهِ تَذْكِرَةٌ، ولا نَجَحَتْ فِيهِ مَوْعِظَةٌ، فَرُبَّما جاءَهُ المَوْتُ عَلى ذَلِكَ، فَسَمِعَ النِّداءَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ المُرادُ، ولا عَلِمَ ما أرادَ، وإنْ كَرَّرَ عَلَيْهِ الدّاعِي وأعادَ. قالَ: ويُرْوى أنَّ بَعْضَ رِجالِ النّاصِرِ نَزَلَ المَوْتُ بِهِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقالَ: النّاصِرُ مَوْلايَ، فَأعادَ عَلَيْهِ القَوْلَ، فَأعادَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أصابَتْهُ غَشْيَةٌ، فَلَمّا أفاقَ قالَ: النّاصِرُ مَوْلايَ، وكانَ هَذا دَأْبَهُ كُلَّما قِيلَ لَهُ قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ: النّاصِرُ مَوْلايَ، ثُمَّ قالَ لِابْنِهِ: يا فُلانُ، النّاصِرُ إنَّما يَعْرِفُكَ بِسَيْفِكَ، والقَتْلَ القَتْلَ، ثُمَّ ماتَ. قالَ عَبْدُ الحَقِّ: وقِيلَ لِآخَرَ - مِمَّنْ أعْرِفُهُ - قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَجَعَلَ يَقُولُ: الدّارُ الفُلانِيَّةُ أصْلِحُوا فِيها كَذا، والبُسْتانُ الفُلانِيُّ افْعَلُوا فِيهِ كَذا. وَقالَ: وفِيما أذِنَ أبُو طاهِرٍ السَّلَفِيُّ أنْ أُحَدِّثَ بِهِ عَنْهُ: أنَّ رَجُلًا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ بِالفارِسِيَّةِ: دَهْ يازَدَهْ دَهْ وازَدَهْ، تَفْسِيرُهُ: عَشْرٌ بِأحَدَ عَشَرَ. وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أيْنَ الطَّرِيقُ إلى حَمّامِ مِنجابِ قالَ: وهَذا الكَلامُ لَهُ قِصَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ واقِفًا بِإزاءِ دارِهِ، وكانَ بابُها يُشْبِهُ بابَ هَذا الحَمّامِ، فَمَرَّتْ بِهِ جارِيَةٌ لَها مَنظَرٌ، فَقالَتْ: أيْنَ الطَّرِيقُ إلى حَمّامِ مِنجابِ؟ فَقالَ: هَذا حَمّامُ مِنجابِ، فَدَخَلَتِ الدّارَ ودَخَلَ وراءَها، فَلَمّا رَأتْ نَفْسَها في دارِهِ وعَلِمَتْ أنَّهُ قَدْ خَدَعَها، أظْهَرَتْ لَهُ البُشْرى والفَرَحَ بِاجْتِماعِها مَعَهُ، وقالَتْ لَهُ: يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَعَنا ما يَطِيبُ بِهِ عَيْشُنا وتَقَرُّ بِهِ عُيُونُنا، فَقالَ لَها: السّاعَةَ آتِيكِ بِكُلِّ ما تُرِيدِينَ وتَشْتَهِينَ، وخَرَجَ وتَرَكَها في الدّارِ ولَمْ يُغْلِقْها، فَأخَذَ ما يَصْلُحُ ورَجَعَ، فَوَجَدَها قَدْ خَرَجَتْ وذَهَبَتْ، ولَمْ تَخُنْهُ في شَيْءٍ، فَهامَ الرَّجُلُ وأكْثَرَ الذِّكْرَ لَها، وجَعَلَ يَمْشِي في الطُّرُقِ والأزِقَّةِ ويَقُولُ: ؎يا رُبَّ قائِلَةٍ يَوْمًا وقَدْ تَعِبَتْ ∗∗∗ كَيْفَ الطَّرِيقُ إلى حَمّامِ مِنجابِ؟ فَبَيْنَما هو يَوْمًا يَقُولُ ذَلِكَ، إذا بِجارِيَتِهِ أجابَتْهُ مِن طاقٍ: ؎هَلّا جَعَلْتَ سَرِيعًا إذْ ظَفِرْتَ بِها ∗∗∗ حِرْزًا عَلى الدّارِ أوْ قُفْلًا عَلى البابِ فازْدادَ هَيَمانُهُ واشْتَدَّ، ولَمْ يَزَلْ عَلى ذَلِكَ، حَتّى كانَ هَذا البَيْتُ آخِرَ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيا. وَلَقَدْ بَكى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ لَيْلَةً إلى الصَّباحِ، فَلَمّا أصْبَحَ قِيلَ لَهُ: كُلُّ هَذا خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ؟ فَأخَذَ تِبْنَةً مِنَ الأرْضِ، وقالَ: الذُّنُوبُ أهْوَنُ مِن هَذا، وإنَّما أبْكِي مِن خَوْفِ سُوءِ الخاتِمَةِ. وَهَذا مِن أعْظَمِ الفِقْهِ: أنْ يَخافَ الرَّجُلُ أنْ تَخْذُلَهُ ذُنُوبُهُ عِنْدَ المَوْتِ، فَتَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخاتِمَةِ الحُسْنى. وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ لَمّا احْتُضِرَ جَعَلَ يُغْمى عَلَيْهِ ثُمَّ يَفِيقُ ويَقْرَأُ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. فَمِن هَذا خافَ السَّلَفُ مِنَ الذُّنُوبِ، أنْ تَكُونَ حِجابًا بَيْنَهم وبَيْنَ الخاتِمَةِ الحُسْنى. قالَ: واعْلَمْ أنَّ سُوءَ الخاتِمَةِ - أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها - لا تَكُونُ لِمَنِ اسْتَقامَ ظاهِرُهُ وصَلُحَ باطِنُهُ، ما سُمِعَ بِهَذا ولا عُلِمَ بِهِ ولِلَّهِ الحَمْدُ، وإنَّما تَكُونُ لِمَن لَهُ فَسادٌ في العَقْدِ، أوْ إصْرارٌ عَلى الكَبائِرِ، وإقْدامٌ عَلى العَظائِمِ، فَرُبَّما غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى يَنْزِلَ بِهِ المَوْتُ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَيَأْخُذُهُ قَبْلَ إصْلاحِ الطَّوِيَّةِ، ويَصْطَلِمُهُ قَبْلَ الإنابَةِ فَيَظْفَرُ بِهِ الشَّيْطانُ عِنْدَ تِلْكَ الصَّدْمَةِ، ويَخْتَطِفُهُ عِنْدَ تِلْكَ الدَّهْشَةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ. قالَ: ويُرْوى أنَّهُ كانَ بِمِصْرَ رَجُلٌ يَلْزَمُ مَسْجِدًا لِلْأذانِ والصَّلاةِ، وعَلَيْهِ بَهاءُ الطّاعَةِ وأنْوارُ العِبادَةِ، فَرَقِيَ يَوْمًا المَنارَةَ عَلى عادَتِهِ لِلْأذانِ، وكانَ تَحْتَ المَنارَةِ دارٌ لِنَصْرانِيٍّ، فاطَّلَعَ فِيها، فَرَأى ابْنَةَ صاحِبِ الدّارِ فافْتُتِنَ بِها، فَتَرَكَ الأذانَ، ونَزَلَ إلَيْها، ودَخَلَ الدّارَ عَلَيْها، فَقالَتْ لَهُ: ما شَأْنُكَ وما تُرِيدُ؟ قالَ: أُرِيدُكِ، فَقالَتْ: لِماذا؟ قالَ: قَدْ سَبَيْتِ لُبِّي، وأخَذْتِ بِمَجامِعِ قَلْبِي، قالَتْ: لا أُجِيبُكَ إلى رِيبَةٍ أبَدًا، وقالَ: أتَزَوَّجُكِ؟ قالَتْ: أنْتَ مُسْلِمٌ وأنا نَصْرانِيَّةٌ وأبِي لا يُزَوِّجُنِي مِنكَ، قالَ: أتَنَصَّرُ، قالَتْ: إنْ فَعَلْتَ أفْعَلُ، فَتَنَصَّرَ الرَّجُلُ لِيَتَزَوَّجَها، وأقامَ مَعَهم في الدّارِ، فَلَمّا كانَ في أثْناءِ ذَلِكَ اليَوْمِ، رَقِيَ إلى سَطْحٍ كانَ في الدّارِ فَسَقَطَ مِنهُ فَماتَ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِها، وفاتَهُ دِينُهُ. قالَ: ويُرْوى أنَّ رَجُلًا عَشِقَ شَخْصًا فاشْتَدَّ كَلَفُهُ بِهِ، وتَمَكَّنَ حُبُّهُ مِن قَلْبِهِ، حَتّى وقَعَ ألَمٌ بِهِ ولَزِمَ الفِراشَ بِسَبَبِهِ، وتَمَنَّعَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عَلَيْهِ، واشْتَدَّ نِفارُهُ عَنْهُ، فَلَمْ تَزَلِ الوَسائِطُ يَمْشُونَ بَيْنَهُما حَتّى وعَدَهُ بِأنْ يَعُودَهُ، فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ النّاسُ، فَفَرِحَ واشْتَدَّ سُرُورُهُ وانْجَلى غَمُّهُ، وجَعَلَ يَنْتَظِرُ المِيعادَ الَّذِي ضَرَبَ لَهُ، فَبَيْنا هو كَذَلِكَ إذْ جاءَهُ السّاعِي بَيْنَهُما، فَقالَ: إنَّهُ وصَلَ مَعِي إلى بَعْضِ الطَّرِيقِ ورَجَعَ، ورَغَّبْتُ إلَيْهِ وكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: إنَّهُ ذَكَرَنِي وصَرَّحَ بِي، ولا أدْخُلُ مَداخِلَ الرِّيبَةِ ولا أُعَرِّضُ نَفْسِي لِمَواقِعِ التُّهَمِ، فَعاوَدْتُهُ فَأبى وانْصَرَفَ، فَلَمّا سَمِعَ البائِسُ أُسْقِطَ في يَدِهِ، وعادَ إلى أشَدَّ مِمّا كانَ بِهِ، وبَدَتْ عَلَيْهِ عَلائِمُ، فَجَعَلَ يَقُولُ في تِلْكَ الحالِ: ؎يا سَلْمُ يا راحَةَ العَلِيلِ ∗∗∗ ويا شِفا المُدْنَفِ النَّحِيلِ ؎رِضاكِ أشْهى إلى فُؤادِي ∗∗∗ مِن رَحْمَةِ الخالِقِ الجَلِيلِ فَقُلْتُ لَهُ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، قالَ: قَدْ كانَ، فَقُمْتُ عَنْهُ، فَما جاوَزْتُ بابَ دارِهِ حَتّى سَمِعْتُ صَيْحَةَ المَوْتِ، فَعِياذًا بِاللَّهِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ، وشُؤْمِ الخاتِمَةِ.

الأنعام 6:113

(فصل) وأما اللام في قوله: ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فهي على بابها للتعليل فإنها إن كانت تعليلا لفعل العدو وهو إيحاء بعضهم إلى بعض فظاهر وعلى هذا فيكون عطفا على قوله: ﴿غُرُورًا﴾ فإنه مفعول لأجله أي ليغروهم بهذا الوحي ولتصغى إليه أفئدة من يلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه، فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الإيحاء المذكور وهو أربعة أمور غرور من يوحون إليه وإصغاء أفئدتهم إليهم ومحبتهم لذلك وانفعالهم عنده بالاقتراف وإن كان ذلك تعليلا لجعله سبحانه لكل نبي عدوا فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها لأنها مفضية إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من حصولها وعلى التقديرين فاللام لام التعليل والحكمة.

الأنعام 6:121

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في جَعْلِ ذَبِيحَةِ غَيْرِ الكِتابِيِّ مِثْلَ المَيْتَةِ] وَأمّا جَمْعُها بَيْنَ المَيْتَةِ وذَبِيحَةِ غَيْرِ الكِتابِيِّ في التَّحْرِيمِ، وبَيْنَ مَيْتَةِ الصَّيْدِ وذَبِيحَةِ المُحْرِمِ لَهُ، فَأيُّ تَفاوُتٍ في ذَلِكَ؟ وكَأنَّ السّائِلَ رَأى أنَّ الدَّمَ لَمّا احْتَقَنَ في المَيِّتَةِ كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِها، وما ذَبَحَهُ المُحْرِمُ أوْ الكافِرُ غَيْرُ الكِتابِيِّ لَمْ يَحْتَقِنْ دَمُهُ؛ فَلا وجْهَ لِتَحْرِيمِهِ، وهَذا غَلَطٌ وجَهْلٌ؛ فَإنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ لَوْ انْحَصَرَتْ في احْتِقانِ الدَّمِ لَكانَ لِلسُّؤالِ وجْهٌ، فَأمّا إذا تَعَدَّدَتْ عِلَلُ التَّحْرِيمِ لَمْ يَلْزَمْ مِن انْتِفاءِ بَعْضِها انْتِفاءَ الحُكْمِ إذا خَلَفَهُ عِلَّةٌ أُخْرى، وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في الأسْبابِ والعِلَلِ العَقْلِيَّةِ. فَما الَّذِي يُنْكِرُ مِنهُ في الشَّرْعِ؟ فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ سَوَّتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَهُما في كَوْنِهِما مَيْتَةً، وقَدْ اخْتَلَفا في سَبَبِ المَوْتِ، فَتَضَمَّنَتْ جَمْعَها بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ وتَفْرِيقَها بَيْنَ مُتَماثِلَيْنِ؛ فَإنَّ الذَّبْحَ واحِدٌ صُورَةً وحِسًّا وحَقِيقَةً؛ فَجُعِلَتْ بَعْضُ صُوَرِهِ مَخْرَجًا لِلْحَيَوانِ عَنْ كَوْنِهِ مَيْتَةً وبَعْضُ صُوَرِهِ مُوجِبًا لِكَوْنِهِ مَيْتَةً مِن غَيْرِ فَرْقٍ. قِيلَ: الشَّرِيعَةُ لَمْ تُسَوِّ بَيْنَهُما في اسْمِ المَيْتَةِ لُغَةً، وإنَّما سَوَّتْ بَيْنَهُما في الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ؛ فَصارَ اسْمُ المَيْتَةِ في الشَّرْعِ أعَمَّ مِنهُ في اللُّغَةِ، والشّارِعُ يَتَصَرَّفُ في الأسْماءِ اللُّغَوِيَّةِ بِالنَّقْلِ تارَةً وبِالتَّعْمِيمِ تارَةً وبِالتَّخْصِيصِ تارَةً، وهَكَذا يَفْعَلُ أهْلُ العُرْفِ؛ فَهَذا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ شَرْعًا ولا عُرْفًا. وَأمّا الجَمْعُ بَيْنَهُما في التَّحْرِيمِ فَلِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَرَّمَ عَلَيْنا الخَبائِثَ، والخُبْثُ المُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ قَدْ يَظْهَرُ لَنا وقَدْ يَخْفى، فَما كانَ ظاهِرًا لَمْ يُنَصِّبْ عَلَيْهِ الشّارِعُ عَلامَةً غَيْرَ وصْفِهِ، وما كانَ خَفِيًّا نَصَّبَ عَلَيْهِ عَلامَةً تَدُلُّ عَلى خُبْثِهِ؛ فاحْتِقانُ الدَّمِ في المَيْتَةِ سَبَبٌ ظاهِرٌ، وأمّا ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ والمُرْتَدِّ وتارِكِ التَّسْمِيَةِ ومَن أهَلَّ بِذَبِيحَتِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَنَفْسُ ذَبِيحَةِ هَؤُلاءِ أكْسَبَتْ المَذْبُوحَ خُبْثًا أوْجَبَ تَحْرِيمَهُ، ولا يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اسْمِ الأوْثانِ والكَواكِبِ والجِنِّ عَلى الذَّبِيحَةِ يُكْسِبُها خُبْثًا، وذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ وحْدَهُ يُكْسِبُها طِيبًا، إلّا مَن قَلَّ نَصِيبُهُ مِن حَقائِقِ العِلْمِ والإيمانِ وذَوْقِ الشَّرِيعَةِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن الذَّبائِحِ فِسْقًا وهو الخَبِيثُ، ولا رَيْبَ أنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَلى الذَّبِيحَةِ يُطَيِّبُها ويَطْرُدُ الشَّيْطانَ عَنْ الذّابِحِ والمَذْبُوحِ، فَإذا أخَلَّ بِذِكْرِ اسْمِهِ لابَسَ الشَّيْطانُ الذّابِحَ والمَذْبُوحَ، فَأثَّرَ ذَلِكَ خُبْثًا في الحَيَوانِ، والشَّيْطانُ يَجْرِي في مَجارِي الدَّمِ مِن الحَيَوانِ، والدَّمُ مَرْكَبُهُ وحامِلُهُ، وهو أخْبَثُ الخَبائِثِ، فَإذا ذَكَرَ الذّابِحُ اسْمَ اللَّهِ خَرَجَ الشَّيْطانُ مَعَ الدَّمِ فَطابَتْ الذَّبِيحَةُ، فَإذا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ الخُبْثُ. وَأمّا إذا ذَكَرَ اسْمَ عَدُوِّهِ مِن الشَّياطِينِ والأوْثانِ فَإنَّ ذَلِكَ يُكْسِبُ الذَّبِيحَةَ خُبْثًا آخَرَ. يُوَضِّحُهُ أنَّ الذَّبِيحَةَ تَجْرِي مَجْرى العِبادَةِ، ولِهَذا يَقْرِنُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَهُما كَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] وقالَ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] فَأخْبَرَ أنَّهُ إنّما سَخَّرَها لِمَن يَذْكُرُ اسْمَهُ عَلَيْها، وأنَّهُ إنّما يَنالُهُ التَّقْوى - وهو التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِها وذِكْرِ اسْمِهِ عَلَيْها - فَإذا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ عَلَيْها كانَ مَمْنُوعًا مِن أكْلِها، وكانَتْ مَكْرُوهَةً لِلَّهِ، فَأكْسَبَتْها كَراهِيَتَهُ لَها - حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْها اسْمَهُ أوْ ذَكَرَ عَلَيْها اسْمَ غَيْرِهِ - وصْفَ الخُبْثِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ المَيِّتَةِ، وإذا كانَ هَذا في مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ وما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ فَما ذَبَحَهُ عَدُوُّهُ المُشْرِكُ بِهِ الَّذِي هو مِن أخْبَثِ البَرِيَّةِ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ؛ فَإنْ فِعْلَ الذّابِحِ وقَصْدِهِ وخُبْثِهِ لا يُنْكَرُ أنْ يُؤَثِّرَ في المَذْبُوحِ، كَما أنَّ خَبُثَ النّاكِحِ ووَصْفِهِ وقَصْدِهِ يُؤَثِّرُ في المَرْأةِ المَنكُوحَةِ، وهَذِهِ أُمُورٌ إنّما يُصَدِّقُ بِها مَن أشْرَقَ فِيهِ نُورُ الشَّرِيعَةِ وضِياؤُها، وباشَرَ قَلْبُهُ بَشاشَةَ حِكَمِها وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن المَصالِحِ في القُلُوبِ والأبَدانِ، وتَلَقّاها صافِيَةً مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، وأحْكَمَ العَقْدَ بَيْنَها وبَيْنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ الَّتِي لَمْ يَطْمِسْ نُورَ حَقائِقِها ظُلْمَةُ التَّأْوِيلِ والتَّحْرِيفِ.

الأنعام 6:122

فَجمع لَهُ بَين النُّور والحياة كَما جمع لمن أعرض عَن كِتابه بَين المَوْت والظلمة. قالَ ابْن عَبّاس وجَمِيع المُفَسّرين كانَ كافِرًا ضالًّا فهديناه. وَقَوله ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يتَضَمَّن أمورا: أحدها أنه يمشي في النّاس بِالنورِ وهم في الظلمَة فَمثله ومثلهمْ كَمثل قوم أظلم عَلَيْهِم اللَّيْل فضلوا ولم يهتدوا للطريق وآخر مَعَه نور يمشي بِهِ في الطَّرِيق ويراها ويرى ما يحذرهُ فِيها وثانِيها أنه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون مِنهُ لحاجتهم إلى النُّور وثالِثها أنه يمشي بنوره يَوْم القِيامَة على الصِّراط إذا بَقِي أهل الشّرك والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم. (فائدة) وَقَولُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها. .﴾ فَأحْياهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِرُوحِهِ الَّذِي هو وحْيُهُ وهو رُوحُ الإيمانِ والعِلْمِ، وجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ بَيْنَ أهْلِ الظُّلْمَةِ كَما يَمْشِي الرَّجُلُ بِالسِّراجِ المُضِيءِ في الظُّلْمَةِ، فَهو يَرى أهْلَ الظُّلْمَةِ في ظُلُماتِهِمْ وهم لا يَرَوْنَهُ كالبَصِيرِ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَ العُمْيانِ. (فصل) في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فيه أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حي ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ في النّاسِ كَمن مَثَلُهُ فِى الظُّلُماتِ لَيْسَ بخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فجمع بين الأصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه وعفته، وشجاعته وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات، وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته في نفسه، فالقلب الصحيح الحي إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر". وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه. وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حُسْنَ الحسن بنوره، وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذين الأصلين في مواضع من كتابه. فقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِى ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِى به مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنّكَ لَتَهْدِى إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة، والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضئ وتشرق به، كما قال تعالى: ﴿أوَمَن كانَ ميْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلهُ فِى الظُّلماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢]. أي أو من كان كافرا ميت القلب، مغمورًا في ظلمة الجهل: فهديناه لرشده، ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيا بعد موته، مشرقا مستنيرًا بعد ظلمته؟ فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته، وجهله بمعرفته، وتوحيده وشرائع دينه، وترك الأخذ بنصيبه من رضاه، والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته: بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه، فهديناه للإسلام وأنعشناه به، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سخط الله تعالى وعقابه، فأبصر الحق بعد عماه عنه، وعرفه بعد جهله به، واتبعه بعد إعراضه عنه، وحصل له نور وضياء يستضيء به، فيمشي بنوره بين الناس، وهم في سدف الظلام، كما قيل: ؎لَيْلى بِوَجْهِكَ مُشْرِقٌ ∗∗∗ وظَلامُهُ في النّاسِ سارِي ؎النّاسُ في سُدُفِ الظّلا ∗∗∗ م ونَحْنُ فِى ضَوْءِ النّهارِ (فصل: الذكر وحقيقة النور الإلهي) الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ فالأول هو المؤمن استنار بالإيمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره، والآخر هو الغافل عن الله تعالى المعرض عن ذكره ومحبته، والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور، والشقاء كل الشقاء في فواته. ولهذا كان النبي ﷺ يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعله في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه، حتى يقول واجعلني نورًا فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطًا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاته وجملته نورًا، فدين الله عز وجل نور، وكتابه نور، ورسوله نور، وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ، وهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض، ومن أسمائه النور، وأشرقت الظلمات لنور وجهه. وفي دعاء النبي ﷺ يوم الطائف «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» وقال أبن مسعود رضي الله عنه: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه. [فَصْلُ: حَقِيقَةُ الحَياةِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: (بابُ الحَياةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. اسْتِشْهادُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا البابِ ظاهِرٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ بِها: مَن كانَ مَيِّتَ القَلْبِ بِعَدَمِ رُوحِ العِلْمِ والهُدى والإيمانِ، فَأحْياهُ الرَّبُّ تَعالى بِرُوحٍ أُخْرى غَيْرِ الرُّوحِ الَّتِي أحْيا بِها بَدَنَهُ، وهي رُوحُ مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، ومَحَبَّتِهِ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ إذْ لا حَياةَ لِلرُّوحِ إلّا بِذَلِكَ، وإلّا فَهي في جُمْلَةِ الأمْواتِ، ولِهَذا وصَفَ اللَّهُ تَعالى مَن عُدِمَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ، فَقالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل: ٨٠] وَسُمِّيَ وحْيُهُ رُوحًا، لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ والأرْواحِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] فَأخْبَرَ أنَّهُ رُوحٌ تَحْصُلُ بِهِ الحَياةُ، وأنَّهُ نُورٌ تَحْصُلُ بِهِ الإضاءَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]، وقالَ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] فالوَحْيُ حَياةُ الرُّوحِ، كَما أنَّ الرُّوحَ حَياةُ البَدَنِ، ولِهَذا مَن فَقَدَ هَذِهِ الرُّوحَ فَقَدْ فَقَدَ الحَياةَ النّافِعَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَحَياتُهُ حَياةُ البَهائِمِ، ولَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلَهُ جَهَنَّمُ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لِأهْلِ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وعِبادَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقَدْ فُسِّرَتِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ بِالقَناعَةِ والرِّضا، والرِّزْقِ الحَسَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والصَّوابُ: أنَّها حَياةُ القَلْبِ ونَعِيمُهُ، وبَهْجَتُهُ وسُرُورُهُ بِالإيمانِ ومَعْرِفَةُ اللَّهِ، ومَحَبَّتُهُ، والإنابَةُ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا حَياةَ أطْيَبُ مِن حَياةِ صاحِبِها، ولا نَعِيمَ فَوْقَ نَعِيمِهِ إلّا نَعِيمَ الجَنَّةِ، كَما كانَ بَعْضُ العارِفِينَ يَقُولُ: إنَّهُ لَتَمُرُّ بِي أوْقاتٌ أقُولُ فِيها إنْ كانَ أهْلُ الجَنَّةِ في مِثْلِ هَذا إنَّهم لَفي عَيْشٍ طَيِّبٍ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ لَيَمُرُّ بِالقَلْبِ أوْقاتٌ يَرْقُصُ فِيها طَرَبًا. وَإذا كانَتْ حَياةُ القَلْبِ حَياةً طَيِّبَةً تَبِعَتْهُ حَياةُ الجَوارِحِ، فَإنَّهُ مَلَكَها، ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ لِمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ، وهي عَكْسُ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ. وَهَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَكُونُ في الدُّورِ الثَّلاثِ، أعْنِي: دارَ الدُّنْيا، ودارَ البَرْزَخِ، ودارَ القَرارِ، والمَعِيشَةُ الضَّنْكُ أيْضًا تَكُونُ في الدُّورِ الثَّلاثِ، فالأبْرارُ في النَّعِيمِ هُنا وهُنالِكَ، والفُجّارُ في الجَحِيمِ هُنا وهُنالِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠]، وقالَ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] فَذِكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَحَبَّتُهُ وطاعَتُهُ، والإقْبالُ عَلَيْهِ ضامِنٌ لِأطْيَبِ الحَياةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والإعْراضُ عَنْهُ والغَفْلَةُ ومَعْصِيَتُهُ كَفِيلٌ بِالحَياةِ المُنَغَّصَةِ، والمَعِيشَةِ الضَّنْكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. [الحَياةُ المَقْصُودَةُ هُنا ثَلاثَةُ أشْياءَ] [فَصْلٌ الحَياةُ الأُولى حَياةُ العِلْمِ مِن مَوْتِ الجَهْلِ وهي عَشْرُ مَراتِبَ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الحَياةُ في هَذا البابِ: يُشارُ بِها إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ، الحَياةُ الأُولى: حَياةُ العِلْمِ مِن مَوْتِ الجَهْلِ، ولَها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفْسُ الخَوْفِ، ونَفْسُ الرَّجاءِ، ونَفْسُ المَحَبَّةِ. قَوْلُهُ " الحَياةُ في هَذا البابِ " يُرِيدُ: الحَياةَ الخاصَّةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ عَلَيْها القَوْمُ دُونَ الحَياةِ العامَّةِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ، بَلْ بَيْنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ، ولِلْحَياةِ مَراتِبُ ونَحْنُ نُشِيرُ إلَيْها. المَرْتَبَةُ الأُولى: حَياةُ الأرْضِ بِالنَّباتِ، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]، وقالَ في الماءِ: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، وقالَ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وجَعَلَ هَذِهِ الحَياةَ دَلِيلًا عَلى الحَياةِ يَوْمَ المَعادِ، وهَذِهِ حَياةٌ حَقِيقَةٌ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، مُسْتَعْمَلَةٌ في كُلِّ لُغَةٍ، جارِيَةً عَلى ألْسُنِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، قالَ الشّاعِرُ يَمْدَحُ عَبْدَ المُطَّلِبِ: ؎بِشَيْبَةِ الحَمْدِ أحْيا اللَّهُ بَلْدَتَنا ∗∗∗ لَمّا فَقَدْنا الحَيا واجْلَوَّزَ المَطَرُ وَهَذا أكْثَرُ مِن أنْ نَذْكُرَ شَواهِدَهُ. المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: حَياةُ النُّمُوِّ والِاغْتِذاءِ. وهَذِهِ الحَياةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّباتِ والحَيَوانِ الَّذِي يَعِيشُ بِالغِذاءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الشُّعُورِ: هَلْ تُحِلُّها الحَياةُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّوابُ: أنَّها تُحِلُّها حَياةُ النُّمُوِّ والغِذاءِ، دُونَ الحِسِّ والحَرَكَةِ، ولِهَذا لا تُنَجَّسُ بِالمَوْتِ، إذْ لَوْ أوْجَبَ لَها فِراقُ النُّمُوِّ والِاغْتِذاءِ النَّجاسَةَ، لَنَجَسَ الزَّرْعُ والشَّجَرُ لِمُفارَقَتِهِ هَذِهِ الحَياةُ لَهُ، ولِهَذا كانَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الشُّعُورَ لا تَنْجُسُ بِالمَوْتِ. المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: حَياةُ الحَيَوانِ المُتَغَذِّي بِقَدْرٍ زائِدٍ عَلى نُمُوِّهِ واغْتِذائِهِ، وهي إحْساسُهُ وحَرَكَتُهُ، ولِهَذا يَأْلَمُ بِوُرُودِ الكَيْفِيّاتِ المُؤْلِمَةِ عَلَيْهِ، وبِتَفَرُّقِ الِاتِّصالِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الحَياةُ فَوْقَ حَياةِ النَّباتِ، وهَذِهِ الحَياةُ تَقْوى وتَضْعُفُ في الحَيَوانِ الواحِدِ بِحَسَبِ أحْوالِهِ، فَحَياتُهُ بَعْدَ الوِلادَةِ: أكْمَلُ مِنها وهو جَنِينٌ في بَطْنِ أُمِّهِ، وحَياتُهُ وهو صَحِيحٌ مُعافى أكْمَلُ مِنها وهو سَقِيمٌ عَلِيلٌ. فَنَفْسُ هَذِهِ الحَياةِ تَتَفاوَتُ تَفاوُتًا عَظِيمًا في مَحالِّها، فَحَياةُ الحَيَّةِ أكْمَلُ مِن حَياةِ البَعُوضَةِ، ومَن قالَ غَيْرَ هَذا فَقَدَ كابَرَ الحِسَّ والعَقْلَ. المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: حَياةُ الحَيَوانِ الَّذِي لا يَتَغَذّى بِالطَّعامِ والشَّرابِ، كَحَياةِ المَلائِكَةِ، وحَياةِ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَتِها لِأبْدانِها، فَإنَّ حَياتَها أكْمَلُ مِن حَياةِ الحَيَوانِ المُتَغَذِّي، ولِهَذا لا يَلْحَقُها كَلالٌ ولا فُتُورٌ، ولا نَوْمٌ ولا إعْياءٌ، قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وكَذَلِكَ الأرْواحُ إذا تَخَلَّصَتْ مِن هَذِهِ الأبْدانِ، وتَجَرَّدَتْ: صارَ لَها حَياةٌ أُخْرى أكْمَلُ مِن هَذِهِ إنْ كانَتْ سَعِيدَةً، وإنْ كانَتْ شَقِيَّةً كانَتْ عامِلَةً ناصِبَةً في العَذابِ. المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: الحَياةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها المُصَنِّفُ، وهي حَياةُ العِلْمِ مِن مَوْتِ الجَهْلِ، فَإنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ لِأصْحابِهِ، كَما قِيلَ: ؎وَفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ ∗∗∗ وأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ ؎وَأرْواحُهم في وحْشَةٍ مِن جُسُومِهِمْ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهم حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ فَإنَّ الجاهِلَ مَيِّتُ القَلْبِ والرُّوحِ، وإنْ كانَ حَيَّ البَدَنِ فَجَسَدُهُ قَبْرٌ يَمْشِي بِهِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ - لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩-٧٠] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وَشَبَّهَهم في مَوْتِ قُلُوبِهِمْ بِأهْلِ القُبُورِ، فَإنَّهم قَدْ ماتَتْ أرْواحُهُمْ، وصارَتْ أجْسامُهم قُبُورًا لَها، فَكَما أنَّهُ لا يَسْمَعُ أصْحابُ القُبُورِ، كَذَلِكَ لا يَسْمَعُ هَؤُلاءِ، وإذا كانَتِ الحَياةُ هي الحِسُّ والحَرَكَةُ ومَلْزُومُهُما، فَهَذِهِ القُلُوبُ لَمّا لَمْ تُحِسَّ بِالعِلْمِ والإيمانِ، ولَمْ تَتَحَرَّكْ لَهُ: كانَتْ مَيْتَةً حَقِيقِةً، ولَيْسَ هَذا تَشْبِيهًا لِمَوْتِها بِمَوْتِ البَدَنِ، بَلْ ذَلِكَ مَوْتُ القَلْبِ والرُّوحِ. وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ مِن كَلامِ لُقْمانَ، أنَّهُ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ جالِسِ العُلَماءَ، وزاحِمْهم بِرُكْبَتَيْكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِي القُلُوبَ بِنُورِ الحِكْمَةِ، كَما يُحْيِي الأرْضَ بِوابِلِ القَطْرِ، وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ تَعَلَّمُوا العِلْمَ، فَإنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وطَلَبَهُ عِبادَةٌ، ومُذاكَرَتَهٌ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَن لا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وبَذْلَهُ لِأهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأنَّهُ مَعالِمُ الحَلالِ والحَرامِ، ومَنارُ سُبُلِ أهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنِيسُ في الوَحْشَةِ، والصّاحِبُ في الغُرْبَةِ، والمُحَدِّثُ في الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والسِّلاحُ عَلى الأعْداءِ، والزَّيْنُ عِنْدَ الأخِلّاءِ، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أقْوامًا، فَيَجْعَلُهم في الخَيْرِ قادَةً، وأئِمَّةً تُقْتَصُّ آثارُهُمْ، ويُقْتَدى بِأفْعالِهِمْ، ويُنْتَهى إلى رَأْيِهِمْ، تَرْغَبُ المَلائِكَةُ في خُلَّتِهِمْ، وبِأجْنِحَتِها تَمْسَحُهُمْ، يَسْتَغْفِرُ لَهم كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ، وحِيتانُ البَحْرِ وهَوامُّهُ، وسِباعُ البَرِّ وأنْعامُهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ، ومَصابِيحُ الأبْصارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ العَبْدُ بِالعِلْمِ مَنازِلَ الأخْيارِ، والدَّرَجاتِ العُلى في الدُّنْيا والآخِرَةِ، التَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيامَ، ومُدارَسَتُهُ تَعْدِلُ القِيامَ، بِهِ تُوصَلُ الأرْحامُ، وبِهِ يُعْرَفُ الحَلالُ مِنَ الحَرامِ، وهو إمامُ العَمَلِ، والعَمَلُ تابِعٌ لَهُ يُلْهَمُهُ السُّعَداءُ، ويُحْرَمُهُ الأشْقِياءَ. رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُما، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، والوَقْفُ أصَحُّ. والمَقْصُودُ: قَوْلُهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ فالقَلْبُ مَيِّتٌ، وحَياتُهُ بِالعِلْمِ والإيمانِ. المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: حَياةُ الإرادَةِ والهِمَّةِ. وَضَعْفُ الإرادَةِ والطَّلَبِ: مِن ضَعْفِ حَياةِ القَلْبِ، وكُلَّما كانَ القَلْبُ أتَمَّ حَياةٍ، كانَتْ هِمَّتُهُ أعْلى وإرادَتُهُ ومَحَبَّتُهُ أقْوى، فَإنَّ الإرادَةَ والمَحَبَّةَ تَتْبَعُ الشُّعُورَ بِالمُرادِ المَحْبُوبِ، وسَلامَةُ القَلْبِ مِنَ الآفَةِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ طَلَبِهِ وإرادَتِهِ، فَضَعْفُ الطَّلَبِ، وفُتُورُ الهِمَّةِ إمّا مِن نُقْصانِ الشُّعُورِ والإحْسانِ، وإمّا مِن وُجُودِ الآفَةِ المُضْعِفَةِ لِلْحَياةِ، فَقُوَّةُ الشُّعُورِ، وقُوَّةُ الإرادَةِ دَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الحَياةِ، وضَعْفُها دَلِيلٌ عَلى ضَعْفِها، وكَما أنَّ عُلُوَّ الهِمَّةِ، وصِدْقَ الإرادَةِ والطَّلَبِ مِن كَمالِ الحَياةِ: فَهو سَبَبٌ إلى حُصُولِ أكْمَلِ الحَياةِ وأطْيَبِها، فَإنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ إنَّما تُنالُ بِالهِمَّةِ العالِيَةِ، والمَحَبَّةِ الصّادِقَةِ، والإرادَةِ الخالِصَةِ، فَعَلى قَدْرِ ذَلِكَ تَكُونُ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ، وأخَسُّ النّاسِ حَياةً أخَسُّهم هِمَّةً، وأضْعَفُهم مَحَبَّةً وطَلَبًا، وحَياةُ البَهائِمِ خَيْرٌ مِن حَياتِهِ. كَما قِيلَ: ؎نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ∗∗∗ ولَيْلُكُ نَوْمٌ والرَّدى لَكَ لازِمُ ؎وَتَكْدَحُ فِيما سَوْفَ تُنْكِرُ غِبَّهُ ∗∗∗ كَذَلِكَ في الدُّنْيا تَعِيشُ البَهائِمُ ؎تُسَرُّ بِما يَفْنى وتَفْرَحُ بِالمُنى ∗∗∗ كَما غُرَّ بِاللَّذّاتِ في النَّوْمِ حالِمُ والمَقْصُودُ: أنَّ حَياةَ القَلْبِ بِالعِلْمِ والإرادَةِ والهِمَّةِ، والنّاسُ إذا شاهَدُوا ذَلِكَ مِنَ الرَّجُلِ قالُوا: هو حَيُّ القَلْبِ، وحَياةُ القَلْبِ بِدَوامِ الذِّكْرِ، وتَرْكِ الذُّنُوبِ، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ. رَحِمَهُ اللَّهُ: ؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها ؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُهُا ؎وَهَلْ أفْسَدَ الدِّينَ إلّا المُلُو ∗∗∗ كُ وأحْبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها ؎وَباعُوا النُّفُوسَ ولَمْ يَرْبَحُوا ∗∗∗ ولَمْ يَغْلُ في البَيْعِ أثْمانُها ؎فَقَدْ رَتَعَ القَوْمُ في جِيفَةٍ ∗∗∗ يَبِينُ لِذِي اللُّبِّ خُسْرانُها وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: مَن واظَبَ عَلى " يا حَيُّ يا قَيُّومُ. لا إلَهَ إلّا أنْتَ " كَلَّ يَوْمٍ بَيْنَ سُنَّةِ الفَجْرِ وصَلاةِ الفَجْرِ أرْبَعِينَ مَرَّةً أحْيى اللَّهُ بِها قَلْبَهُ. وَكَما أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ حَياةَ البَدَنِ بِالطَّعامِ والشَّرابِ، فَحَياةُ القَلْبِ بِدَوامِ الذِّكْرِ، والإنابَةِ إلى اللَّهِ، وتَرْكِ الذُّنُوبِ، والغَفْلَةِ الجاثِمَةِ عَلى القَلْبِ، والتَّعَلُّقِ بِالرَّذائِلِ والشَّهَواتِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ قَرِيبٍ يُضْعِفُ هَذِهِ الحَياةَ، ولا يَزالُ الضَّعْفُ يَتَوالى عَلَيْهِ حَتّى يَمُوتَ، وعَلامَةُ مَوْتِهِ: أنَّهُ لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أتَدْرُونَ مَن مَيِّتُ القَلْبِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: ؎لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ قالُوا: ومَن هُوَ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا. والرَّجُلُ: هو الَّذِي يَخافُ مَوْتَ قَلْبِهِ، لا مَوْتَ بَدَنِهِ، إذْ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الخَلْقِ يَخافُونَ مَوْتَ أبْدانِهِمْ، ولا يُبالُونَ بِمَوْتِ قُلُوبِهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ مِنَ الحَياةِ إلّا الحَياةَ الطَّبِيعِيَّةَ، وذَلِكَ مِن مَوْتِ القَلْبِ والرُّوحِ، فَإنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّبِيعِيَّةَ شَبِيهَةٌ بِالظِّلِّ الزّائِلِ، والنَّباتِ السَّرِيعِ الجَفافِ، والمَنامِ الَّذِي يُخَيَّلُ كَأنَّهُ حَقِيقَةٌ، فَإذا اسْتَيْقَظَ عَرَفَ أنَّهُ كانَ خَيالًا، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا مِن أوَّلِها إلى آخِرِها أُوتِيَها رَجُلٌ واحِدٌ، ثُمَّ جاءَهُ المَوْتُ: لَكانَ بِمَنزِلَةِ مَن رَأى في مَنامِهِ ما يَسُرُّهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَإذا لَيْسَ في يَدِهِ شَيْءٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المَوْتَ مَوْتانِ: مَوْتٌ إرادِيٌّ، ومَوْتٌ طَبِيعِيٌّ، فَمَن أماتَ نَفْسَهُ مَوْتًا إرادِيًّا كانَ مَوْتُهُ الطَّبِيعِيُّ حَياةً لَهُ، ومَعْنى هَذا أنَّ المَوْتَ الإرادِيَّ: هو قَمْعُ الشَّهَواتِ المُرْدِيَةِ، وإخْمادُ نِيرانِها المُحْرِقَةِ، وتَسْكِينُ هَوائِجِها المُتْلِفَةِ، فَحِينَئِذٍ يَتَفَرَّغُ القَلْبُ والرُّوحُ لِلتَّفَكُّرِ فِيما فِيهِ كَمالُ العَبْدِ، ومَعْرِفَتِهِ، والِاشْتِغالِ بِهِ. ويَرى حِينَئِذٍ أنَّ إيثارَ الظِّلِّ الزّائِلِ عَنْ قَرِيبٍ عَلى العَيْشِ اللَّذِيذِ الدّائِمِ أخْسَرُ الخُسْرانِ، فَأمّا إذا كانَتِ الشَّهَواتُ وافِدَةً، واللَّذّاتُ مُؤْثَرَةً، والعَوائِدُ غالِبَةً، والطَّبِيعَةُ حاكِمَةً، فالقَلْبُ حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ أسِيرًا ذَلِيلًا، أوْ مَهْزُومًا مُخْرَجًا عَنْ وطَنِهِ ومُسْتَقَرِّهِ الَّذِي لا قَرارَ لَهُ إلّا فِيهِ أوْ قَتِيلًا مَيِّتًا، وما لِجُرْحٍ بِهِ إيلامٌ، وأحْسَنُ أحْوالِهِ: أنْ يَكُونَ في حَرْبٍ، يُدالُ لَهُ فِيها مَرَّةً، ويُدالُ عَلَيْهِ مَرَّةً، فَإذا ماتَ العَبْدُ مَوْتَهُ الطَّبِيعِيَّ، كانَتْ بَعْدَهُ حَياةُ رُوحِهِ بِتِلْكَ العُلُومِ النّافِعَةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ، والأحْوالِ الفاضِلَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِإماتَةِ نَفْسِهِ، فَتَكُونُ حَياتُهُ هاهُنا عَلى حَسَبِ مَوْتِهِ الإرادِيِّ في هَذِهِ الدّارِ. وَهَذا مَوْضِعٌ لا يَفْهَمُهُ إلّا ألِبّاءُ النّاسِ وعُقَلاؤُهُمْ، ولا يَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ إلّا أهْلُ الهِمَمِ العَلِيَّةِ، والنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ الأبِيَّةِ. المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ: حَياةُ الأخْلاقِ، والصِّفاتُ المَحْمُودَةُ، الَّتِي هي حَياةٌ راسِخَةٌ لِلْمَوْصُوفِ بِها، فَهو لا يَتَكَلَّفُ التَّرَقِّيَ في دَرَجاتِ الكَمالِ، ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ، لِاقْتِضاءِ أخْلاقِهِ وصِفاتِهِ لِذَلِكَ، بِحَيْثُ لَوْ فارَقَهُ ذَلِكَ لَفارَقَ ما هو مِن طَبِيعَتِهِ وسَجِيَّتِهِ، فَحَياةُ مَن قَدْ طُبِعَ عَلى الحَياءِ والعِفَّةِ والجُودِ والسَّخاءِ، والمُرُوءَةِ والصِّدْقِ والوَفاءِ ونَحْوِها أتَمُّ مِن حَياةِ مَن يَقْهَرُ نَفْسَهُ، ويُغالِبُ طَبْعَهُ، حَتّى يَكُونَ كَذَلِكَ، فَإنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ مَن تُعارِضُهُ أسْبابُ الدّاءِ وهو يُعالِجُها ويَقْهَرُها بِأضْدادِها، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ عُوفِيَ مِن ذَلِكَ. وَكُلَّما كانَتْ هَذِهِ الأخْلاقُ في صاحِبِها أكْمَلَ كانَتْ حَياتُهُ أقْوى وأتَمَّ، ولِهَذا كانَ خَلْقُ الحَياءِ مُشْتَقًّا مِنَ الحَياةِ اسْمًا وحَقِيقَةً، فَأكْمَلُ النّاسِ حَياةً: أكْمَلُهم حَياءً، ونُقْصانُ حَياءِ المَرْءِ مِن نُقْصانِ حَياتِهِ، فَإنَّ الرُّوحَ إذا ماتَتْ لَمْ تُحِسَّ بِما يُؤْلِمُها مِنَ القَبائِحِ، فَلا تَسْتَحِي مِنها، فَإذا كانَتْ صَحِيحَةَ الحَياةِ أحَسَّتْ بِذَلِكَ، فاسْتَحْيَتْ مِنهُ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والصِّفاتِ المَمْدُوحَةِ تابِعَةٌ لِقُوَّةِ الحَياةِ، وضِدِّها مِن نُقْصانِ الحَياةِ، ولِهَذا كانَتْ حَياةُ الشُّجاعِ أكْمَلَ مِن حَياةِ الجَبانِ، وحَياةُ السَّخِيِّ أكْمَلَ مِن حَياةِ البَخِيلِ، وحَياةُ الفَطِنِ الذَّكِيِّ أكْمَلَ مِن حَياةِ الفَدْمِ البَلِيدِ، ولِهَذا لَمّا كانَ الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أكْمَلَ النّاسِ حَياةً حَتّى إنَّ قُوَّةَ حَياتِهِمْ تَمْنَعُ الأرْضَ أنْ تُبْلِيَ أجْسامَهم كانُوا أكْمَلَ النّاسِ في هَذِهِ الأخْلاقِ، ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ مِن أتْباعِهِمْ. فانْظُرِ الآنَ إلى حَياةِ ﴿حَلّافٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠]، ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢]، ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، وحَياةُ جَوّادٍ شُجاعٍ، بَرٍّ عادِلٍ عَفِيفٍ مُحْسِنٍ تَجِدُ الأوَّلَ مَيِّتًا بِالنِّسْبَةِ إلى الثّانِي، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: ؎وَما لِلْمَرْءِ خَيْرٌ في حَياةٍ ∗∗∗ إذا ما عُدَّ مَن سَقْطِ المَتاعِ المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ: حَياةُ الفَرَحِ والسُّرُورِ، وقُرَّةُ العَيْنِ بِاللَّهِ، وهَذِهِ الحَياةُ إنَّما تَكُونُ بَعْدَ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ، الَّذِي تَقَرُّ بِهِ عَيْنُ طالِبِهِ، فَلا حَياةَ نافِعَةً لَهُ بِدُونِهِ، وحَوْلَ هَذِهِ الحَياةِ يُدَنْدِنُ النّاسُ كُلُّهُمْ، وكُلُّهم قَدْ أخْطَأ طَرِيقَها، وسَلَكَ طُرُقًا لا تُفْضِي إلَيْها، بَلْ تَقْطَعُهُ عَنْها، إلّا أقَلَّ القَلِيلِ. فَدارَ طَلَبُ الكُلِّ حَوْلَ هَذِهِ الحَياةِ، وحُرِمَها أكْثَرُهم. وَسَبَبُ حِرْمانِهِمْ إيّاها: ضَعْفُ العَقْلِ والتَّمْيِيزِ والبَصِيرَةِ، وضَعْفُ الهِمَّةِ والإرادَةِ، فَإنَّ مادَّتَها بَصِيرَةٌ وقادَةٌ، وهِمَّةٌ نَقّادَةٌ، والبَصِيرَةُ كالبَصَرِ تَكُونُ عَمًى وعَوَرًا وعَمَشًا ورَمَدًا، وتامَّةَ النُّورِ والضِّياءِ، وهَذِهِ الآفاتُ قَدْ تَكُونُ لَها بِالخِلْقَةِ في الأصْلِ، وقَدْ تَحْدُثُ فِيها بِالعَوارِضِ الكَسْبِيَّةِ. والمَقْصُودُ: أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِن مَراتِبِ الحَياةِ هي أعْلى مَراتِبِها، ولَكِنْ كَيْفَ يَصِلُ إلَيْها مَن عَقْلُهُ مَسْبِيٌّ في بِلادِ الشَّهَواتِ، وأمَلُهُ مَوْقُوفٌ عَلى اجْتِناءِ اللَّذّاتِ، وسِيرَتُهُ جارِيَةٌ عَلى أسْوَأِ العاداتِ، ودِينُهُ مُسْتَهْلَكٌ بِالمَعاصِي والمُخالَفاتِ، وهِمَّتُهُ واقِفَةٌ مَعَ السُّفْلِيّاتِ، وعَقِيدَتُهُ غَيْرُ مُتَلَقّاةٍ مِن مِشْكاةِ النُّبُوّاتِ؟! فَهُوَ في الشَّهَواتِ مُنْغَمِسٌ، وفي الشُّبْهاتِ مُنْتَكِسٌ، وعَنِ النّاصِحِ مُعْرِضٌ، وعَلى المُرْشِدِ مُعْتَرِضٌ، وعَنِ السَّرّاءِ نائِمٌ، وقَلْبُهُ في كُلِّ وادٍ هائِمٌ، فَلَوْ أنَّهُ تَجَرَّدَ مِن نَفْسِهِ، ورَغِبَ عَنْ مُشارَكَةِ أبْناءِ جِنْسِهِ، وخَرَجَ مِن ضِيقِ الجَهْلِ إلى فَضاءِ العِلْمِ، ومِن سِجْنِ الهَوى إلى ساحَةِ الهُدى، ومِن نَجاسَةِ النَّفْسِ، إلى طَهارَةِ القُدْسِ لَرَأى الإلْفَ الَّذِي نَشَأ بِنَشْأتِهِ، وزادَ بِزِيادَتِهِ، وقَوِيَ بِقُوَّتِهِ، وشَرُفَ عِنْدَ نَفْسِهِ وأبْناءِ جِنْسِهِ بِحُصُولِهِ، وسَدِّ قَذًى في عَيْنِ بَصِيرَتِهِ، وشَجا في حَلْقِ إيمانِهِ، ومَرَضًا مُتَرامِيًا إلى هَلاكِهِ، فَإنْ قُلْتَ: قَدْ أشَرْتَ إلى حَياةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ بَيْنَ أمْواتِ الأحْياءِ، فَهَلْ يُمْكِنُكَ وصْفُ طَرِيقِها، لِأصِلَ إلى شَيْءٍ مِن أذْواقِها، فَقَدْ بانَ لِيَ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الحَياةِ حَياةٌ بَهِيمِيَّةٌ، رُبَّما زادَتْ عَلَيْنا فِيهِ البَهائِمُ بِخُلُوِّها عَنِ المُنْكَراتِ والمُنَغِّصاتِ وسَلامَةِ العاقِبَةِ؟ قُلْتُ: لَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ اشْتِياقَكَ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وطَلَبَ عِلْمِها ومَعْرِفَتِها: لَدَلِيلٌ عَلى حَياتِكَ، وأنَّكَ لَسْتَ مِن جُمْلَةِ الأمْواتِ. فَأوَّلُ طَرِيقِها: أنْ تَعْرِفَ اللَّهَ، وتَهْتَدِيَ إلَيْهِ طَرِيقًا يُوَصِّلُكَ إلَيْهِ، ويُحْرِقُ ظُلُماتِ الطَّبْعِ بِأشِعَّةِ البَصِيرَةِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِن شَواهِدِ الآخِرَةِ، فَيَنْجَذِبُ إلَيْها بِكُلِّيَّتِهِ، ويَزْهَدُ في التَّعَلُّقاتِ الفانِيَةِ، ويَدْأبُ في تَصْحِيحِ التَّوْبَةِ، والقِيامِ بِالمَأْمُوراتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وتَرْكِ المَنهِيّاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، ثُمَّ يَقُومُ حارِسًا عَلى قَلْبِهِ، فَلا يُسامِحُهُ بِخَطْرَةٍ يَكْرَهُها اللَّهُ، ولا بِخَطْرَةِ فُضُولٍ لا تَنْفَعُهُ، فَيَصْفُو بِذَلِكَ قَلْبُهُ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ووَسْواسِها، فَيُفْدى مِن أسْرِها، ويَصِيرُ طَلِيقًا، فَحِينَئِذٍ يَخْلُو قَلْبُهُ بِذِكْرِ رَبِّهِ، ومَحَبَّتِهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، ويَخْرُجُ مِن بَيْنِ بُيُوتِ طَبْعِهِ ونَفْسِهِ، إلى فَضاءِ الخُلْوَةِ بِرَبِّهِ وذِكْرِهِ، كَما قِيلَ: ؎وَأخْرُجُ مِن بَيْنِ البُيُوتِ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أُحَدِّثُ عَنْكَ النَّفْسَ في السِّرِّ خالِيًا فَحِينَئِذٍ يَجْتَمِعُ قَلْبُهُ وخَواطِرُهُ وحَدِيثُ نَفْسِهِ عَلى إرادَةِ رَبِّهِ، وطَلَبِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ. فَإذا صَدَقَ في ذَلِكَ رُزِقَ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، واسْتَوْلَتْ رُوحانِيَّتُهُ عَلى قَلْبِهِ، فَجَعَلَهُ إمامَهُ ومُعَلِّمَهُ، وأُسْتاذَهُ وشَيْخَهُ وقُدْوَتَهُ، كَما جَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ ورَسُولَهُ وهادِيًا إلَيْهِ، فَيُطالِعُ سِيرَتَهُ ومَبادِئَ أمْرِهِ، وكَيْفِيَّةَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، ويَعْرِفُ صِفاتِهُ وأخْلاقَهُ، وآدابَهُ في حَرَكاتِهِ وسُكُونِهِ ويَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وعِبادَتِهِ ومُعاشَرَتِهِ لِأهْلِهِ وأصْحابِهِ، حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ مَعَهُ مِن بَعْضِ أصْحابِهِ. فَإذا رَسَخَ قَلْبُهُ في ذَلِكَ: فَتَحَ عَلَيْهِ بِفَهْمِ الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ مِن رَبِّهِ، بِحَيْثُ لَوْ قَرَأ السُّورَةَ شاهَدَ قَلْبُهُ ما أُنْزِلَتْ فِيهِ، وما أُرِيدَ بِها، وحَظَّهُ المُخْتَصَّ بِهِ مِنها مِنَ الصِّفاتِ والأخْلاقِ والأفْعالِ المَذْمُومَةِ، فَيَجْتَهِدُ في التَّخَلُّصِ مِنها كَما يَجْتَهِدُ في الشِّفاءِ مِنَ المَرَضِ المَخُوفِ، وشاهَدَ حَظَّهُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ المَمْدُوحَةِ، فَيَجْتَهِدُ في تَكْمِيلِها وإتْمامِها. فَإذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ انْفَتَحَ في قَلْبِهِ عَيْنٌ أُخْرى، يُشاهِدُ بِها صِفاتِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، حَتّى تَصِيرَ لِقَلْبِهِ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ لِعَيْنِهِ، فَيَشْهَدُ عُلُوَّ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَوْقَ خَلْقِهِ، واسْتِواءَهُ عَلى عَرْشِهِ، ونُزُولَ الأمْرِ مِن عِنْدِهِ بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ، وتَكْلِيمَهُ بِالوَحْيِ، وتَكْلِيمَهُ لِعَبْدِهِ جِبْرِيلَ بِهِ، وإرْسالَهُ إلى مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ، وصُعُودَ الأُمُورِ إلَيْهِ، وعَرْضَها عَلَيْهِ. فَيُشاهِدُ قَلْبُهُ رَبًّا قاهِرًا فَوْقَ عِبادِهِ، آمِرًا ناهِيًا، باعِثًا لِرُسُلِهِ، مُنْزِلًا لِكُتُبِهِ، مَعْبُودًا مُطاعًا، لا شَرِيكَ لَهُ، ولا مَثِيلَ، ولا عَدْلَ لَهُ، لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لَهُ، فَيَشْهَدُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ قائِمًا بِالمُلْكِ والتَّدْبِيرِ، فَلا حَرَكَةَ ولا سُكُونَ، ولا نَفْعَ ولا ضَرَّ، ولا عَطاءَ ولا مَنعَ، ولا قَبْضَ ولا بَسْطَ إلّا بِقُدْرَتِهِ وتَدْبِيرِهِ، فَيَشْهَدُ قِيامَ الكَوْنِ كُلِّهِ بِهِ، وقِيامَهُ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ، فَهو القائِمُ بِنَفْسِهِ، المُقِيمُ لِكُلِّ ما سِواهُ. فَإذا رَسَخَ قَلْبُهُ في ذَلِكَ شَهِدَ الصِّفَةَ المُصَحِّحَةَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وهي الحَياةُ الَّتِي كَمالُها يَسْتَلْزِمُ كَمالَ السَّمْعِ والبَصَرِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ والكَلامِ وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ، وصِفَةَ القَيُّومِيَّةِ الصَّحِيحَةِ المُصَحِّحَةِ لِجَمِيعِ الأفْعالِ، فالحَيُّ القَيُّومُ: مَن لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ، وهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ. فَإذا رَسَخَ قَلْبُهُ في ذَلِكَ: فَتَحَ لَهُ مَشْهَدَ القُرْبِ والمَعِيَّةِ فَيَشْهَدُهُ سُبْحانَهُ مَعَهُ، غَيْرَ غائِبٍ عَنْهُ، قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، بائِنًا مِن خَلْقِهِ، قائِمًا بِالصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ، والخَلْقِ والأمْرِ، فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ الأُنْسُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَأْنَسُ بِهِ بَعْدَ أنْ كانَ مُسْتَوْحِشًا، ويَقْوى بِهِ بَعْدَ أنْ كانَ ضَعِيفًا، ويَفْرَحُ بِهِ بَعْدَ أنْ كانَ حَزِينًا، ويَجِدُ بَعْدَ أنْ كانَ فاقِدًا، فَحِينَئِذٍ يَجِدُ طَعْمَ قَوْلِهِ: " «وَلا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ». فَأطْيَبُ الحَياةِ عَلى الإطْلاقِ حَياةُ هَذا العَبْدِ، فَإنَّهُ مُحِبٌّ مَحْبُوبٌ، مُتَقَرِّبٌ إلى رَبِّهِ، ورَبُّهُ قَرِيبٌ مِنهُ، قَدْ صارَ لَهُ حَبِيبُهُ لِفَرْطِ اسْتِيلائِهِ عَلى قَلْبِهِ ولَهَجِهِ بِذِكْرِهِ وعُكُوفِ هِمَّتِهِ عَلى مَرْضاتِهِ بِمَنزِلَةِ سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدِهِ ورِجْلِهِ، وهَذِهِ آلاتُ إدْراكِهِ وعَمَلِهِ وسَعْيِهِ، فَإنْ سَمِعَ سَمِعَ بِحَبِيبِهِ، وإنْ أبْصَرَ أبْصَرَ بِهِ، وإنْ بَطَشَ بَطَشَ بِهِ، وإنْ مَشى مَشى بِهِ. فَإنْ صَعُبَ عَلَيْكَ فَهْمُ هَذا المَعْنى، وكَوْنُ المُحِبِّ الكامِلِ المَحَبَّةِ يَسْمَعُ ويُبْصِرُ ويَبْطِشُ ويَمْشِي بِمَحْبُوبِهِ، وذاتُهُ غائِبَةٌ عَنْهُ، فاضْرِبْ عَنْهُ صَفْحًا، وخَلِّ هَذا الشَّأْنَ لِأهْلِهِ. ؎خَلِّ الهَوى لِأُناسٍ يُعْرَفُونَ بِهِ ∗∗∗ قَدْ كابَدُوا الحُبَّ حَتّى لانَ أصْعَبُهُ فَإنَّ السّالِكَ إلى رَبِّهِ لا تَزالُ هِمَّتُهُ عاكِفَةً عَلى أمْرَيْنِ؛ اسْتِفْراغُ القَلْبِ في صِدْقِ الحُبِّ، وبَذْلُ الجُهْدِ في امْتِثالِ الأمْرِ، فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَبْدُوَ عَلى سِرِّهِ شَواهِدُ مَعْرِفَتِهِ، وآثارُ صِفاتِهِ وأسْمائِهِ، ولَكِنْ يَتَوارى عَنْهُ ذَلِكَ أحْيانًا، ويَبْدُو أحْيانًا، يَبْدُو مِن عَيْنِ الجُودِ، ويَتَوارى بِحُكْمِ الفَتْرَةِ، والفَتَراتُ أمْرٌ لازِمٌ لِلْعَبْدِ، فَكُلُّ عامِلٍ لَهُ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شِرَّةٌ فَتْرَةٌ، فَأعْلاها فَتْرَةُ الوَحْيِ؛ وهي لِلْأنْبِياءِ، وفَتْرَةُ الحالِ الخاصِّ لِلْعارِفِينَ، وفَتْرَةُ الهِمَّةِ لِلْمُرِيدِينَ، وفَتْرَةُ العَمَلِ لِلْعابِدِينَ، وفي هَذِهِ الفَتَراتِ أنْواعٌ مِنَ الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ، والتَّعَرُّفاتِ الإلَهِيَّةِ، وتَعْرِيفِ قَدْرِ النِّعْمَةِ، وتَجْدِيدِ الشَّوْقِ إلَيْها، ومَحْضِ التَّواجُدِ إلَيْها وغَيْرِ ذَلِكَ. وَلا تَزالُ تِلْكَ الشَّواهِدُ تَتَكَرَّرُ وتَتَزايَدُ، حَتّى تَسْتَقِرَّ، ويَنْصَبِغَ بِها قَلْبُهُ، وتَصِيرُ الفَتْرَةُ غَيْرَ قاطِعَةٍ لَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعْمَةً عَلَيْهِ، وراحَةً لَهُ، وتَرْوِيحًا وتَنْفِيسًا عَنْهُ. فَهِمَّةُ المُحِبِّ إذا تَعَلَّقَتْ رُوحُهُ بِحَبِيبِهِ، عاكِفًا عَلى مَزِيدِ مَحَبَّتِهِ، وأسْبابِ قُوَّتِها، فَهو يَعْمَلُ عَلى هَذا، ثُمَّ يَتَرَقّى مِنهُ إلى طَلَبِ مَحَبَّةِ حَبِيبِهِ لَهُ، فَيَعْمَلُ عَلى حُصُولِ ذَلِكَ، ولا يُعْدَمُ الطَّلَبَ الأوَّلَ، ولا يُفارِقُهُ ألْبَتَّةَ، بَلْ يَنْدَرِجُ في هَذا الطَّلَبِ الثّانِي، فَتَتَعَلَّقُ هِمَّتُهُ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَإنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ لَهُ مَنزِلَةُ " كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ " بِهَذا الأمْرِ الثّانِي، وهو كَوْنُهُ مَحْبُوبًا لِحَبِيبِهِ، كَما قالَ في الحَدِيثِ «فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ» إلَخْ، فَهو يَتَقَرَّبُ إلى رَبِّهِ حِفْظًا لِمَحَبَّتِهِ لَهُ، واسْتِدْعاءً لِمَحَبَّةِ رَبِّهِ لَهُ. فَحِينَئِذٍ يَشُدُّ مِئْزَرَ الجِدِّ في طَلَبِ مَحَبَّةِ حَبِيبِهِ لَهُ بِأنْواعِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ، فَقَلْبُهُ؛ لِلْمَحَبَّةِ والإنابَةِ والتَّوَكُّلِ والخَوْفِ والرَّجاءِ، ولِسانُهُ؛ لِلذِّكْرِ وتِلاوَةِ كَلامِ حَبِيبِهِ، وجَوارِحُهُ: لِلطّاعاتِ، فَهو لا يَفْتُرُ عَنِ التَّقَرُّبِ مِن حَبِيبِهِ. وَهَذا هو السَّيْرُ المُفْضِي إلى هَذِهِ الغايَةِ الَّتِي لا تُنالُ إلّا بِهِ، ولا يُتَوَصَّلُ إلَيْها إلّا مِن هَذا البابِ، وهَذِهِ الطَّرِيقِ، وحِينَئِذٍ تُجْمَعُ لَهُ في سَيْرِهِ جَمِيعُ مُتَفَرِّقاتِ السُّلُوكِ مِنَ الحُضُورِ والهَيْبَةِ والمُراقَبَةِ ونَفْيِ الخَواطِرِ وتَخْلِيَةِ الباطِنِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَشْرَعُ أوَّلًا في التَّقَرُّباتِ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهي ظاهِرُ التَّقَرُّبِ، ثُمَّ يَتَرَقّى مِن ذَلِكَ إلى حالِ التَّقَرُّبِ، وهو الِانْجِذابُ إلى حَبِيبِهِ بِكُلِّيَّتِهِ بِرُوحِهِ وقَلْبِهِ، وعَقْلِهِ وبَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَرَقّى مِن ذَلِكَ إلى حالِ الإحْسانِ، فَيَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ، فَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ مِن باطِنِهِ بِأعْمالِ القُلُوبِ؛ مِنَ المَحَبَّةِ والإنابَةِ والتَّعْظِيمِ والإجْلالِ والخَشْيَةِ، فَيَنْبَعِثُ حِينَئِذٍ مِن باطِنِهِ الجُودُ بِبَذْلِ الرُّوحِ والجُودُ في مَحَبَّةِ حَبِيبِهِ بِلا تَكَلُّفٍ، فَيَجُودُ بِرُوحِهِ ونَفْسِهِ، وأنْفاسِهِ وإرادَتِهِ، وأعْمالِهِ لِحَبِيبِهِ حالًا لا تَكَلُّفًا، فَإذا وجَدَ المُحِبُّ ذَلِكَ فَقَدْ ظَفِرَ بِحالِ التَّقَرُّبِ وسِرِّهِ وباطِنِهِ، وإنْ لَمْ يَجِدْهُ فَهو يَتَقَرَّبُ بِلِسانِهِ وبَدَنِهِ وظاهِرِهِ فَقَطْ، فَلْيَدُمْ عَلى ذَلِكَ، ولْيَتَكَلَّفِ التَّقَرُّبَ بِالأذْكارِ والأعْمالِ عَلى الدَّوامِ، فَعَساهُ أنْ يَحْظى بِحالِ القُرْبِ. وَوَراءَ هَذا القُرْبِ الباطِنِ أمْرٌ آخَرُ أيْضًا، وهو شَيْءٌ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأحْسَنِ مِن عِبارَةِ أقْرَبِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذا المَعْنى، حَيْثُ يَقُولُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ باعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» فَيَجِدُ هَذا المُحِبُّ في باطِنِهِ ذَوْقَ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ ذَوْقًا حَقِيقِيًّا. فَذَكَرَ مِن مَراتِبِ القُرْبِ ثَلاثَةً، ونَبَّهَ بِها عَلى ما دُونَها وما فَوْقَها. فَذَكَرَ تَقَرُّبَ العَبْدِ إلَيْهِ بِالبِرِّ، وتَقَرُّبَهُ سُبْحانَهُ إلى العَبْدِ ذِراعًا، فَإذا ذاقَ العَبْدُ حَقِيقَةَ هَذا التَّقَرُّبِ انْتَقَلَ مِنهُ إلى تَقَرُّبِ الذِّراعِ، فَيَجِدُ ذَوْقَ تَقَرُّبِ الرَّبِّ إلَيْهِ باعًا. فَإذا ذاقَ حَلاوَةَ هَذا القُرْبِ الثّانِي أسْرَعَ المَشْيَ حِينَئِذٍ إلى رَبِّهِ، فَيَذُوقُ حَلاوَةَ إتْيانِهِ إلَيْهِ هَرْوَلَةً، وهاهُنا مُنْتَهى الحَدِيثِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ إذا هَرْوَلَ عَبْدُهُ إلَيْهِ كانَ قُرْبُ حَبِيبِهِ مِنهُ فَوْقَ هَرْوَلَةِ العَبْدِ إلَيْهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ لِعَظِيمِ شاهِدِ الجَزاءِ، أوْ لِأنَّهُ يَدْخُلُ في الجَزاءِ الَّذِي لَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، أوْ إحالَةً لَهُ عَلى المَراتِبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ وقِسْ عَلى هَذا، فَعَلى قَدْرِ ما تَبْذُلُ مِنكَ مُتَقَرِّبًا إلى رَبِّكَ يَتَقَرَّبُ إلَيْكَ بِأكْثَرَ مِنهُ، وعَلى هَذا فَلازِمُ هَذا التَّقَرُّبِ المَذْكُورِ في مَراتِبِهِ؛ أيْ مَن تَقَرَّبَ إلى حَبِيبِهِ بِرُوحِهِ وجَمِيعِ قُواهُ، وإرادَتِهِ وأقْوالِهِ وأعْمالِهِ تَقَرَّبَ الرَّبُّ مِنهُ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ في مُقابَلَةِ تَقَرُّبِ عَبْدِهِ إلَيْهِ. وَلَيْسَ القُرْبُ في هَذِهِ المَراتِبِ كُلِّها قُرْبَ مَسافَةٍ حِسِّيَّةٍ ولا مُماسَّةٍ، بَلْ هو قُرْبٌ حَقِيقِيٌّ، والرَّبُّ تَعالى فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، والعَبْدُ في الأرْضِ. وَهَذا المَوْضِعُ هو سِرُّ السُّلُوكِ، وحَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ، وهو مَعْنى الوُصُولِ الَّذِي يُدَنْدِنُ حَوْلَهُ القَوْمُ. وَمَلاكُ هَذا الأمْرِ هو قَصْدُ التَّقَرُّبِ أوَّلًا، ثُمَّ التَّقَرُّبُ ثانِيًا، ثُمَّ حالُ القُرْبِ ثالِثًا، وهو الِانْبِعاثُ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَبِيبِ. وَحَقِيقَةُ هَذا الِانْبِعاثِ: أنْ تَفْنى بِمُرادِهِ عَنْ هَواكَ، وبِما مِنهُ عَنْ حَظِّكَ، بَلْ يَصِيرُ ذَلِكَ هو مَجْمُوعُ حَظِّكَ ومُرادِكَ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ مَن تَقَرَّبَ إلى حَبِيبِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ جُوزِيَ عَلى ذَلِكَ بِقُرْبٍ هو أضْعافُهُ، وعَرَفْتَ أنَّ أعْلى أنْواعِ التَّقَرُّبِ تَقَرُّبُ العَبْدِ بِجُمْلَتِهِ بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وبِوُجُودِهِ إلى حَبِيبِهِ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَرَّبَ بِكُلِّهِ، ولَمْ تَبْقَ مِنهُ بَقِيَّةٌ لِغَيْرِ حَبِيبِهِ، كَما قِيلَ: ؎لا كانَ مَن لِسِواكَ فِيهِ بَقِيَّةٌ ∗∗∗ يَجِدُ السَّبِيلَ بِها إلَيْهِ العُذَّلُ وَإذا كانَ المُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالأعْمالِ يُعْطِي أضْعافَ أضْعافَ ما تُقُرِّبَ بِهِ، فَما الظَّنُّ بِمَن أُعْطِيَ حالَ التَّقَرُّبِ وذَوْقَهُ ووَجْدَهُ؟ فَما الظَّنُّ بِمَن تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِرُوحِهِ، وجَمِيعِ إرادَتِهِ وهِمَّتِهِ، وأقْوالِهِ وأعْمالِهِ؟ وَعَلى هَذا فَكَما جادَ لِحَبِيبِهِ بِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ أهْلٌ أنْ يُجادَ عَلَيْهِ، بِأنْ يَكُونَ رَبُّهُ سُبْحانَهُ هو حَظُّهُ ونَصِيبُهُ، عِوَضًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، جَزاءً وِفاقًا، فَإنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. وشَواهِدُ هَذا كَثِيرَةٌ. مِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢] فَفَرَّقَ بَيْنَ الجَزاءَيْنِ كَما تَرى، وجَعَلَ جَزاءَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ سُبْحانَهُ حَسْبَهُ وكافِيهِ. وَمِنها: أنَّ الشَّهِيدَ لَمّا بَذَلَ حَياتَهُ لِلَّهِ أعاضَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ حَياةً أكْمَلَ مِنها عِنْدَهُ في مَحَلِّ قُرْبِهِ وكَرامَتِهِ. وَمِنها: أنَّ مَن بَذَلَ لِلَّهِ شَيْئًا أعاضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ. وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وَمِنها: قَوْلُهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ». وَمِنها: قَوْلُهُ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا» الحَدِيثَ. فالعَبْدُ لا يَزالُ رابِحًا عَلى رَبِّهِ أفْضَلَ مِمّا قَدَّمَ لَهُ، وهَذا المُتَقَرِّبُ بِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وعَمَلِهِ يَفْتَحُ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِحَياةٍ لا تُشْبِهُ ما النّاسُ فِيهِ مِن أنْواعِ الحَياةِ، بَلْ حَياةُ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى حَياتِهِ، كَحَياةِ الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَياةِ أهْلِ الدُّنْيا ولَذَّتِهِمْ فِيها، بَلْ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. فَهَذا نَمُوذَجُ مَن بايَنَ شَرَفَ هَذِهِ الحَياةِ وفَضْلَها، وإنْ كانَ عِلْمُ هَذا يُوجِبُ لِصاحِبِهِ حَياةً طَيِّبَةً، فَكَيْفَ إنِ انْصَبَغَ القَلْبُ بِهِ، وصارَ حالًا مُلازِمًا لِذاتِهِ؟ فاللَّهُ المُسْتَعانُ. فَهَذِهِ الحَياةُ: هي حَياةُ الدُّنْيا ونَعِيمُها في الحَقِيقَةِ، فَمَن فَقَدَها فَفَقْدُهُ لِحَياتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ أوْلى بِهِ. ؎هَذِي حَياةُ الفَتى فَإنْ فُقِدَتْ ∗∗∗ فَفَقْدُهُ لِلْحَياةِ ألْيَقُ بِهِ فَلا عَيْشَ إلّا عَيْشَ المُحِبِّينَ، الَّذِينَ قَرَّتْ أعْيُنُهم بِحَبِيبِهِمْ، وسَكَنَتْ نُفُوسُهم إلَيْهِ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم بِهِ، واسْتَأْنَسُوا بِقُرْبِهِ، وتَنَعَّمُوا بِحُبِّهِ، فَفي القَلْبِ فاقَةٌ لا يَسُدُّها إلّا مَحَبَّةُ اللَّهِ والإقْبالُ عَلَيْهِ والإنابَةُ إلَيْهِ، ولا يُلَمُّ شَعَثُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، ومَن لَمْ يَظْفَرْ بِذَلِكَ: فَحَياتُهُ كُلُّها هُمُومٌ وغُمُومٌ، وآلامٌ وحَسَراتٌ، فَإنَّهُ إنْ كانَ ذا هِمَّةٍ عالِيَةٍ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلى الدُّنْيا حَسَراتٍ، فَإنَّ هِمَّتَهُ لا تَرْضى فِيها بِالدُّونِ وإنْ كانَ مَهِينًا خَسِيسًا، فَعَيْشُهُ كَعَيْشِ أخَسِّ الحَيَواناتِ، فَلا تَقَرُّ العُيُونُ إلّا بِمَحَبَّةِ الحَبِيبِ الأوَّلِ. ؎نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوى ∗∗∗ ما الحُبُّ إلّا لِلْحَبِيبِ الأوَّلِ ؎كَمْ مَنزِلٍ في الأرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتى ∗∗∗ وحَنِينُهُ أبَدًا لِأوَّلِ مَنزِلِ المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ: حَياةُ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَتِها الأبْدانَ وخَلاصِها مِن هَذا السِّجْنِ وضِيقِهِ، فَإنَّ مِن ورائِهِ فَضاءً ورَوْحًا ورَيْحانًا وراحَةً، نِسْبَةُ هَذِهِ الدّارِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ بَطْنِ الأُمِّ إلى هَذِهِ الدّارِ، أوْ أدْنى مِن ذَلِكَ، قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لِتَكُنْ مُبادَرَتُكَ إلى الخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيا كَمُبادَرَتِكَ إلى الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ الضَّيِّقِ إلى أحِبَّتِكَ، والِاجْتِماعِ بِهِمْ في البَساتِينِ المُونِقَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الحَياةِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨]. وَيَكْفِي في طِيبِ هَذِهِ الحَياةِ: مُرافَقَةُ الرَّفِيقِ الأعْلى، ومُفارَقَةُ الرَّفِيقِ المُؤْذِي المُنَكِّدِ، الَّذِي تُنَغِّصُ رُؤْيَتُهُ ومُشاهَدَتُهُ الحَياةَ، فَضْلًا عَنْ مُخالَطَتِهِ وعِشْرَتِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، في جِوارِ الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ؎قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحُوا الحَياةَ فَأسْرَفُوا ∗∗∗ في المَوْتِ ألْفُ فَضِيلَةٍ لا تُعْرَفُ ؎مِنها أمانُ لِقائِهِ بِلِقائِهِ ∗∗∗ وفِراقُ كُلِّ مُعاشِرٍ لا يُنْصِفُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ في المَوْتِ مِنَ الخَيْرِ إلّا أنَّهُ بابُ الدُّخُولِ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وجِسْرٌ يُعْبَرُ مِنهُ إلَيْها: لَكَفى بِهِ تُحْفَةً لِلْمُؤْمِنِ. ؎جَزى اللَّهُ عَنّا المَوْتَ خَيْرًا فَإنَّهُ ∗∗∗ أبَرُّ بِنا مِن كُلِّ بِرٍّ وألْطَفُ ؎يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِنَ الأذى ∗∗∗ ويُدْنِي إلى الدّارِ الَّتِي هي أشْرَفُ فالِاجْتِهادُ في هَذا العُمْرِ القَصِيرِ، والمُدَّةِ القَلِيلَةِ، والسَّعْيِ والكَدْحِ، وتَحَمُّلِ الأثْقالِ، والتَّعَبِ والمَشَقَّةِ إنَّما هو لِهَذِهِ الحَياةِ، والعُلُومُ والأعْمالُ وسِيلَةٌ إلَيْها، وهي يَقَظَةٌ، وما قَبْلَها مِنَ الحَياةِ نَوْمٌ، وهي عَيْنٌ، وما قَبْلَها أثَرٌ، وهي حَياةٌ جامِعَةٌ بَيْنَ فَقْدِ المَكْرُوهِ، وحُصُولِ المَحْبُوبِ في مَقامِ الأُنْسِ، وحَضْرَةِ القُدْسِ، حَيْثُ لا يَتَعَذَّرُ مَطْلُوبٌ، ولا يُفْقَدُ مَحْبُوبٌ؛ حَيْثُ الطُّمَأْنِينَةُ والرّاحَةُ، والبَهْجَةُ والسُّرُورُ، حَيْثُ لا عِبارَةَ لِلْعَبْدِ عَنْ حَقِيقَةِ كُنْهِها؛ لِأنَّها في بَلَدٍ لا عَهْدَ لَنا بِهِ، ولا إلْفَ بَيْنَنا وبَيْنَ ساكِنِهِ، فالنَّفْسُ لِإلْفِها لِهَذا السِّجْنِ الضَّيِّقِ النَّكِدِ زَمانًا طَوِيلًا تَكْرَهُ الِانْتِقالَ مِنهُ إلى ذَلِكَ البَلَدِ، وتَسْتَوْحِشُ إذا اسْتَشْعَرَتْ مُفارَقَتَهُ. وَحُصُولُ العِلْمِ بِهَذِهِ الحَياةِ إنَّما وصَلَ إلَيْنا بِخَبَرٍ إلَهِيٍّ عَلى يَدِ أكْمَلِ الخَلْقِ وأعْلَمِهِمْ وأنْصَحِهِمْ ﷺ، فَقامَتْ شَواهِدُها في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، حَتّى صارَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ العِيانِ، فَفَرَّتْ نُفُوسُهم مِن هَذا الظِّلِّ الزّائِلِ، والخَيالِ المُضْمَحِلِّ، والعَيْشِ الفانِي المَشُوبِ بِالتَّنْغِيصِ وأنْواعِ الغَصَصِ، رَغْبَةً عَنْ هَذِهِ الحَياةِ، وشَوْقًا إلى ذَلِكَ المَلَكُوتِ، ووَجْدًا بِهَذا السُّرُورِ، وطَرَبًا عَلى هَذا الحَدِّ، واشْتِياقًا لِهَذا النَّسِيمِ الوارِدِ مِن مَحَلِّ النَّعِيمِ المُقِيمِ. وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ مَن سافَرَ إلى بَلَدِ العَدْلِ والخِصْبِ والأمْنِ والسُّرُورِ صَبَرَ في طَرِيقِهِ عَلى كُلِّ مَشَقَّةٍ وإعْوازٍ وجَدْبٍ، وفارَقَ المُتَخَلِّفِينَ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِمْ، وأجابَ المُنادِي إذا نادى بِهِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، وبَذَلَ نَفْسَهُ في الوُصُولِ بَذْلَ المُحِبِّ بِالرِّضا والسَّماحِ، وواصَلَ السَّيْرَ بِالغُدُوِّ والرَّواحِ، فَحَمِدَ عِنْدَ الوُصُولِ مَسْراهُ، وإنَّما يَحْمَدُ المُسافِرُ السُّرى عِنْدَ الصَّباحِ. ؎عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى ∗∗∗ وفي المَماتِ يَحْمَدُ القَوْمُ اللِّقا وَما هَذا واللَّهِ بِالصَّعْبِ ولا بِالشَّدِيدِ، مَعَ هَذا العُمْرِ القَصِيرِ، الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الدّارِ كَساعَةٍ مِن نَهارٍ ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٤] فَلَوْ أنَّ أحَدَنا يُجَرُّ عَلى وجْهِهِ يَتَّقِي بِهِ الشَّوْكَ والحِجارَةَ إلى هَذِهِ الحَياةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَثِيرًا ولا غَبْنًا في جَنْبِ ما يُوَقّاهُ. فَواحَسْرَتاهُ عَلى بَصِيرَةٍ شاهَدَتْ هاتَيْنِ الحَياتَيْنِ عَلى ما هُما عَلَيْهِ، وعَلى هِمَّةٍ تُؤْثِرُ الأدْنى عَلى الأعْلى، وما ذاكَ إلّا بِتَوْفِيقِ مَن أزِمَّةُ الأُمُورِ بِيَدَيْهِ، ومِنهُ ابْتِداءُ كُلِّ شَيْءٍ وانْتِهاؤُهُ إلَيْهِ، أقْعَدَ نُفُوسَ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشَّقاوَةُ عَنِ السَّفَرِ إلى هَذِهِ الدّارِ، وجَذَبَ قُلُوبَ مَن سَبَقَتْ لَهم مِنهُ الحُسْنى، وأقامَهم في الطَّرِيقِ، وسَهَّلَ عَلَيْهِمْ رُكُوبَ الأخْطارِ، فَأضاعَ أُولَئِكَ مَراحِلَ أعْمارِهِمْ مَعَ المُتَخَلِّفِينَ وقَطَعَ هَؤُلاءِ مَراحِلَ أعْمارِهِمْ مَعَ السّائِرِينَ، وعُقِدَتِ الغَبَرَةُ وثارَ العَجاجُ، فَتَوارى عَنْهُ السّائِرُونَ والمُتَخَلِّفُونَ. وَسَيَنْجَلِي عَنْ قَرِيبٍ، فَيَفُوزُ العامِلُونَ، ويَخْسِرُ المُبْطِلُونَ. وَمِن طِيبِ هَذِهِ الحَياةِ ولَذَّتِها: قالَ النَّبِيُّ ﷺ «ما مِن نَفْسٍ تَمُوتُ لَها عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّها أنْ تَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ لَها الدُّنْيا وما فِيها، إلّا الشَّهِيدُ، فَإنَّهُ يَتَمَنّى الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، لِما يَرى مِن كَرامَةِ اللَّهِ لَهُ» يَعْنِي لِيُقْتَلَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرى. وسَمِعَ بَعْضُ العارِفِينَ مُنْشِدًا يُنْشِدُ: ؎إنَّما العَيْشُ في بَهِيمِيَّةِ اللَّ ∗∗∗ ذَةِ وهو ما يَقُولُهُ الفَلْسَفِيُّ ؎حُكْمُ كَأْسِ المَنُونِ أنْ يَتَساوى ∗∗∗ في حِساها البَلِيدُ والألْمَعِيُّ ؎وَيَصِيرُ الغَبِيُّ تَحْتَ ثَرى الأرْ ∗∗∗ ضِ كَما صارَ تَحْتَها اللَّوْذَعِيُّ ؎فَسَلِ الأرْضَ عَنْهُما إنْ أزالَ الشَّ ∗∗∗ كَّ والشُّبْهَةَ السُّؤالُ الجَلِيُّ فَقالَ: قاتَلَهُ اللَّهُ، ما أشَدَّ مُعانَدَتَهُ لِلدِّينِ والعَقْلِ! هَذا نَفْسُ عَدُوِّ الفِطْرَةِ والشَّرِيعَةِ والعَقْلِ والإيمانِ والحِكْمَةِ، يا مِسْكِينُ أمِن أجْلِ أنَّ المَوْتَ تَساوى فِيهِ الصّالِحُ والطّالِحُ، والعالِمُ والجاهِلُ، وصارُوا جَمِيعًا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، أيَجِبُ أنْ يَتَساوَوْا في العاقِبَةِ؟ أما تَساوى قَوْمٌ سافَرُوا مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ في الطَّرِيقِ؟ فَلَمّا بَلَغُوا القَصْدَ نَزَلَ كُلُّ واحِدٍ في مَكانٍ كانَ مُعَدًّا لَهُ، وتُلُقِّي بِغَيْرِ ما تُلُقِّيَ بِهِ رَفِيقُهُ في الطَّرِيقِ؟ أما لِكُلِّ قَوْمٍ دارٌ فَأُجْلِسَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ؟ وقُوبِلَ هَذا بِشَيْءٍ، وهَذا بِضِدِّهِ؟ أما قَدِمَ عَلى المَلِكِ مَن جاءَهُ بِما يُحِبُّهُ فَأكْرَمَهُ عَلَيْهِ، ومَن جاءَهُ بِما يُسْخِطُهُ فَعاقَبَهُ عَلَيْهِ؟ أما قَدِمَ رَكْبُ المَدِينَةِ فَنَزَلَ بَعْضُهم في قُصُورِها وبَساتِينِها وأماكِنِها الفاضِلَةِ، ونَزَلَ قَوْمٌ عَلى قَوارِعِ الطَّرِيقِ بَيْنَ الكِلابِ؟ أما قَدِمَ اثْنانِ مِن بَطْنِ الأُمِّ الواحِدَةِ، فَصارَ هَذا إلى المُلْكِ، وهَذا إلى الأسْرِ والعَناءِ؟ وَقَوْلُكَ " سَلِ الأرْضَ عَنْهُما " أما إنّا قَدْ سَألْناها، فَأخْبَرَتْنا أنَّها قَدْ ضَمَّتْ أجْسادَهم وجُثَثَهم وأوْصالَهُمْ، لا كُفْرَهم وإيمانَهُمْ، ولا أنْسابَهم وأحْسابَهُمْ، ولا حِلْمَهم وسَفَهَهُمْ، ولا طاعَتَهم ومَعْصِيَتَهُمْ، ولا يَقِينَهم وشَكَّهُمْ، ولا تَوْحِيدَهم وشِرْكَهُمْ، ولا جَوْرَهم وعَدْلَهُمْ، ولا عِلْمَهم وجَهْلَهُمْ، فَأخْبَرَتْنا عَنْ هَذِهِ الجُثَثِ البالِيَةِ والأبْدانِ المُتَلاشِيَةِ، والأوْصالِ المُتَمَزِّقَةِ، وقالَتْ هَذا خَبْرُ ما عِنْدِي. وَأمّا خَبْرُ تِلْكَ الأرْواحِ وما صارَتْ إلَيْهِ، فَسَلُوا عَنْها كُتُبَ رَبِّ العالَمِينَ، ورُسُلَهُ الصّادِقِينَ، وخُلَفاءَهُمُ الوارِثِينَ، سَلُوا القُرْآنَ فَعِنْدَهُ الخَبَرُ اليَقِينُ، وسَلُوا مَن جاءَ بِهِ فَهو بِذَلِكَ أعْرَفُ العارِفِينَ، وسَلُوا العِلْمَ والإيمانَ فَهُما الشّاهِدانِ المَقْبُولانِ، وسَلُوا العُقُولَ والفِطَرَ فَعِنْدَها حَقِيقَةُ الخَبَرِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] تَعالى اللَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ عَنْ هَذا الظَّنِّ والحُسْبانِ، الَّذِي لا يَلِيقُ إلّا بِأجْهَلِ الجاهِلِينَ. ثُمَّ قالَ: النّاظِرُ في هَذا البابِ رَجُلانِ، رَجُلٌ يَنْظُرُ إلى الأشْياءِ، ورَجُلٌ يَنْظُرُ في الأشْياءِ، فالأوَّلُ: يَحارُ فِيها، فَإنَّ صُوَرَها وأشْكالَها وتَخاطِيطَها تَسْتَفْرِغُ ذِهْنَهُ وحِسَّهُ، وتُبَدِّدُ فِكْرَهُ وقَلْبَهُ، فَنَظَرُهُ إلَيْها بِعَيْنِ حِسِّهِ، لا يُفِيدُهُ مِنها ثَمَرَةَ الِاعْتِبارِ، ولا زُبْدَةَ الِاخْتِبارِ؛ لِأنَّهُ لَمّا فَقَدَ الِاعْتِبارَ أوَّلًا، فَإنَّهُ فَقَدَ الِاخْتِيارَ ثانِيًا. وَأمّا النّاظِرُ في الأشْياءِ: فَإنَّ نَظَرَهُ يَبْعَثُهُ عَلى العُبُورِ مِن صُوَرِها إلى حَقائِقِها والمُرادِ بِها، وما اقْتَضى وُجُودُها مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ والعِلْمِ التّامِّ، فَيُفِيدُهُ هَذا النَّظَرُ تَمْيِيزَ مَراتِبِها، ومَعْرِفَةَ نافِعِها مِن ضارِّها، وصَحِيحِها مِن سَقِيمِها، وباقِيها مِن فانِيها، وقِشْرِها مِن لُبِّها، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الوَسِيلَةِ والغايَةِ، وبَيْنَ وسِيلَةِ الشَّيْءِ ووَسِيلَةِ ضِدِّهِ، فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ أنَّ الدُّنْيا قِشْرُهُ والآخِرَةَ لُبُّهُ، وأنَّ الدُّنْيا مَحَلُّ الزَّرْعِ، والآخِرَةَ وقْتُ الحَصادِ، وأنَّ الدُّنْيا مَعْبَرٌ ومَمَرٌّ، والآخِرَةَ دارُ مُسْتَقَرٍّ. وَإذا عَرَفَ أنَّ الدُّنْيا طَرِيقٌ ومَمَرٌّ كانَ حَرِيًّا بِتَهْيِئَةِ الزّادِ لِقَرارِهِ، ويَعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّهُ لَمْ يَنْشَأْ في هَذِهِ الدّارِ لِلِاسْتِيطانِ والخُلُودِ، ولَكِنْ لِلْجَوازِ إلى مَكانٍ آخَرَ، هو المَنزِلُ والمُتَبَوَّأُ، وأنَّ الإنْسانَ دُعِيَ إلى ذَلِكَ بِكُلِّ شَرِيعَةٍ، وعَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وبِكُلِّ إشارَةٍ ودَلِيلٍ، ونُصِبَ لَهُ عَلى ذَلِكَ عِلْمٌ، وضُرِبَ لِأجَلِهِ كُلُّ مَثَلٍ، ونُبِّهَ عَلَيْهِ بِنَشْأتِهِ الأُولى ومَبادِئِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ، وأحْوالِ طَعامِهِ وشَرابِهِ، وأرْضِهِ وسَمائِهِ، بِحَيْثُ أُزِيلَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، وأُوْضِحَتْ لَهُ المَحَجَّةُ، وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، وأُعْذِرَ إلَيْهِ غايَةَ الإعْذارِ، وأُمْهِلَ أتَمَّ الإمْهالِ، فاسْتَبانَ لِذِي العَقْلِ الصَّحِيحِ والفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ أنَّ الظَّعْنَ عَنْ هَذا المَكانِ ضَرُورِيٌّ، والِانْتِقالَ عَنْهُ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فِيهِ، وأنَّ لَهُ مَحَلًّا آخَرَ لَهُ قَدْ أُنْشِئَ ولِأجْلِهِ قَدْ خُلِقَ ولَهُ هُيِّئَ، فَمَصِيرُهُ إلَيْهِ وقُدُومُهُ بِلا رَيْبٍ عَلَيْهِ، وأنَّ دارَهُ هَذِهِ مَنزِلُ عُبُورٍ، لا مَنزِلُ قَرارٍ. وَبِالجُمْلَةِ: مَن نَظَرَ في المَوْجُوداتِ، ولَمْ يَقْنَعْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلَيْها وحْدَها: وجَدَها دالَّةً عَلى أنَّ وراءَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى أكْمَلَ مِنها، وأنَّ هَذِهِ الحَياةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالمَنامِ بِالنِّسْبَةِ إلى اليَقَظَةِ، وكالظِّلِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّخْصِ، وسَمِعَها كُلَّها تُنادِي بِما نادى بِهِ رَبُّها وخالِقُها وفاطِرُها ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] وتُنادِي بِلِسانِ الحالِ، بِما نادى بِهِ رَبُّها بِصَرِيحِ المَقالِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وفي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] ثُمَّ نَدَبَهم إلى المُسابَقَةِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا زَوالَ لَها.: فَقالَ ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وَسَمِعَ بَعْضُ العارِفِينَ مُنْشِدًا يُنْشِدُ عَنْ بَعْضِ الزَّنادِقَةِ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّا المُتَطَبِّبُ: ؎لَعَمْرِيَ ما أدْرِي وقَدْ أذِنَ البِلى ∗∗∗ بِعاجِلِ تِرْحالِي إلى أيْنَ تِرْحالِي ؎وَأيْنَ مَحَلُّ الرُّوحِ بَعْدَ خُرُوجِهِ ∗∗∗ عَنِ الهَيْكَلِ المُنْحَلِّ والجَسَدِ البالِي فَقالَ: وما عَلَيْنا مِن جَهْلِهِ، إذا لَمْ يَدْرِ أيْنَ تِرْحالُهُ؟ ولَكِنَّنا نَدْرِي إلى أيْنَ تِرْحالُنا وتِرْحالُهُ، أمّا تِرْحالُهُ فَإلى دارِ الأشْقِياءِ، ومَحِلِّ المُنْكِرِينَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، والمُكَذِّبِينَ بِما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ المُرْسَلِينَ عَنْ رَبِّهِمْ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ - وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ - قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ - ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٥-١٢]. وَأمّا تِرْحالُنا أيُّها المُسْلِمُونَ المُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ فَإلى نَعِيمٍ دائِمٍ، وخُلُودٍ مُتَّصِلٍ، ومَقامٍ كَرِيمٍ، وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ في جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ، وأقْدَرِ القادِرِينَ، وأحْكَمِ الحاكِمِينَ، الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، وبِيَدِهِ النَّفْعُ والضُّرُّ، الأوَّلُ بِالحَقِّ، المَوْجُودُ بِالضَّرُورَةِ، المَعْرُوفُ بِالفِطْرَةِ، الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ العُقُولُ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ المَوْجُوداتُ، وشَهِدَتْ بِوَحْدانِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وأقَرَّتْ بِها الفِطَرُ، المَشْهُودُ وجُودُهُ وقَيُّومِيَّتُهُ بِكُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ، بِكُلِّ ما كانَ وما هو كائِنٌ وما سَيَكُونُ، الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ مِن أنْواعِ النَّباتاتِ، وبَثَّ بِهِ في الأرْضِ جَمِيعَ الحَيَواناتِ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] الَّذِي يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ، ويُغِيثُ المَلْهُوفَ إذا ناداهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويُفَرِّجُ الكُرُباتِ، ويُقِيلُ العَثَراتِ، الَّذِي يَهْدِي خَلْقَهُ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، ويُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، فَيُحْيِي الأرْضَ بِوابِلِ القَطْرِ، الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ويَرْزُقُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِن خَلْقِهِ وعَبِيدِهِ، الَّذِي يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ويُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، ويُدَبِّرُ الأمْرَ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٨٨-٢] المُسْتَعانُ بِهِ عَلى كُلِّ نائِبَةٍ وفادِحَةٍ، والمَعْهُودُ مِنهُ كُلُّ بِرٍّ وكَرامَةٍ، الَّذِي عَنَتْ لَهُ الوُجُوهُ، وخَشَعَتْ لَهُ الأصْواتُ، وسَبَّحَتْ بِحَمْدِهِ الأرْضُ والسَّماواتُ وجَمِيعُ المَوْجُوداتِ، الَّذِي لا تَسْكُنُ الأرْواحُ إلّا بِحُبِّهِ، ولا تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ إلّا بِذِكْرِهِ، ولا تَزْكُو العُقُولُ إلّا بِمَعْرِفَتِهِ، ولا يُدْرَكُ النَّجاحُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ، ولا تَحْيا القُلُوبُ إلّا بِنَسِيمِ لُطْفِهِ وقُرْبِهِ، ولا يَقَعُ أمْرٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَهْتَدِي ضالٌّ إلّا بِهِدايَتِهِ، ولا يَسْتَقِيمُ ذُو أوَدٍ إلّا بِتَقْوِيمِهِ، ولا يَفْهَمُ أحَدٌ إلّا بِتَفْهِيمِهِ، ولا يُتَخَلَّصُ مِن مَكْرُوهٍ إلّا بِرَحْمَتِهِ، ولا يُحْفَظُ شَيْءٌ إلّا بِكِلاءَتِهِ، ولا يُفْتَتَحُ أمْرٌ إلّا بِاسْمِهِ، ولا يَتِمُّ إلّا بِحَمْدِهِ، ولا يُدْرَكُ مَأْمُولٌ إلّا بِتَيْسِيرِهِ، ولا تُنالُ سَعادَةٌ إلّا بِطاعَتِهِ، ولا حَياةٌ إلّا بِذِكْرِهِ ومَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، ولا طابَتِ الجَنَّةُ إلّا بِسَماعِ خِطابِهِ ورُؤْيَتِهِ، الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا، وأوْسَعَ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَضْلًا وبِرًّا. فَهُوَ الإلَهُ الحَقُّ، والرَّبُّ الحَقُّ، والمَلِكُ الحَقُّ، والمُنْفَرِدُ بِالكَمالِ المُطْلَقِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، المُبَرَّأُ عَنِ النَّقائِصِ والعُيُوبِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، لا يَبْلُغُ المُثْنُونَ وإنِ اسْتَوْعَبُوا جَمِيعَ الأوْقاتِ بِكُلِّ أنْواعِ الثَّناءِ ثَناءً عَلَيْهِ، بَلْ ثَناؤُهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، فَهو كَما أثْنى عَلى نَفْسِهِ هَذا الجارُ. وَأمّا الدّارُ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ حُسْنَها وبَهاءَها، وسِعَتَها ونَعِيمَها، وبَهْجَتَها ورُوحَها وراحَتَها، فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ، فَهي الجامِعَةُ لِجَمِيعِ أنْواعِ الأفْراحِ والمَسَرّاتِ، الخالِيَةُ مِن جَمِيعِ المُنَكِّداتِ والمُنَغِّصاتِ، رَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ، وقَصْرٌ مُشَيَّدٌ، وزَوْجَةٌ حَسْناءُ، وفاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ. فَتِرْحالُنا أيُّها الصّادِقُونَ المُصَدِّقُونَ إلى هَذِهِ الدّارِ بِإذْنِ رَبِّنا وتَوْفِيقِهِ وإحْسانِهِ. وَتِرْحالُ الكاذِبِينَ المُكَذِّبِينَ إلى الدّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ ولِقائِهِ، وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ. وَلَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَ المُوَحِّدِينَ لَهُ الطّالِبِينَ لِمَرْضاتِهِ، السّاعِينَ في طاعَتِهِ، الدّائِبِينَ في خِدْمَتِهِ، المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ وبَيْنَ المُلْحِدِينَ - السّاعِينَ في مَساخِطِهِ، الدّائِبِينَ في مَعْصِيَتِهِ، المُسْتَفْرِغِينَ جُهْدَهم في أهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ - في دارٍ واحِدَةٍ، إلّا عَلى سَبِيلِ الجَوازِ والعُبُورِ، كَما جَمَعَ بَيْنَهُما في هَذِهِ الدُّنْيا، ويَجْمَعُ بَيْنَهم في مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَحاشاهُ مِن هَذا الظَّنِّ السَّيِّئِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وحِكْمَتِهِ. (فَصْلٌ) وَفِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ تُعْلَمُ حَياةُ الشُّهَداءِ، وأنَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنَّها أكْمَلُ مِن حَياتِهِمْ في هَذِهِ الدُّنْيا، وأتَمُّ وأطْيَبُ، وإنْ كانَتْ أجْسادُهم مُتَلاشِيَةً، ولُحُومُهم مُتَمَزِّقَةً، وأوْصالُهم مُتَفَرِّقَةً، وعِظامُهم نَخِرَةً، فَلَيْسَ العَمَلُ عَلى الطَّلَلِ إنَّما الشَّأْنُ في السّاكِنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] وإذا كانَ الشُّهَداءُ إنَّما نالُوا هَذِهِ الحَياةَ بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ وعَلى أيْدِيهِمْ، فَما الظَّنُّ بِحَياةِ الرُّسُلِ في البَرْزَخِ؟ ولَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ: ؎فالعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ∗∗∗ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي فَلِلرُّسُلِ والشُّهَداءِ والصِّدِّيقِينَ مِن هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي هي يَقْظَةٌ مِن نَوْمِ الدُّنْيا أكْمَلُها وأتَمُّها، وعَلى قَدْرِ حَياةِ العَبْدِ في هَذا العالَمِ يَكُونُ شَوْقُهُ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وسَعْيُهُ وحِرْصُهُ عَلى الظَّفَرِ بِها، واللَّهُ المُسْتَعانُ. المَرْتَبَةُ العاشِرَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ الحَياةُ الدّائِمَةُ الباقِيَةُ بَعْدَ طَيِّ هَذا العالَمِ، وذَهابِ الدُّنْيا وأهْلِها في دارِ الحَيَوانِ، وهي الحَياةُ الَّتِي شَمَّرَ إلَيْها المُشَمِّرُونَ، وسابَقَ إلَيْها المُتَسابِقُونَ، ونافَسَ فِيها المُتَنافِسُونَ، وهي الَّتِي أجْرَيْنا الكَلامَ إلَيْها، ونادَتِ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ ورُسُلُ اللَّهِ جَمِيعُهم عَلَيْها، وهي الَّتِي يَقُولُ مَن فاتَهُ الِاسْتِعْدادُ لَها ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا - وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا - وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى - يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي - فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ - ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢١-٢٦]، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها: ﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. والحَياةُ المُتَقَدِّمَةُ كالنَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وكُلُّ ما تَقَدَّمَ مِن وصْفِ السَّيْرِ ومَنازِلِهِ، وأحْوالِ السّائِرِينَ، وعُبُودِيَّتِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فَوَسِيلَةٌ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما الحَياةُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يُدْخِلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟». وَكَما قِيلَ: تَنَفَّسَتِ الآخِرَةُ فَكانَتِ الدُّنْيا نَفَسًا مِن أنْفاسِها، فَأصابَ أهْلُ السَّعادَةِ نَفَسَ نَعِيمِها، فَهم عَلى هَذا النَّفَسِ يَعْمَلُونَ، وأصابَ أهْلُ الشَّقاوَةِ نَفَسَ عَذابِها، فَهم عَلى ذَلِكَ النَّفَسِ يَعْمَلُونَ. وَإذا كانَتْ حَياةُ أهْلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ في هَذِهِ الدّارِ حَياةً طَيِّبَةً، فَما الظَّنُّ بِحَياتِهِمْ في البَرْزَخِ، وقَدْ تَخَلَّصُوا مِن سِجْنِ الدُّنْيا وضِيقِها؟ فَما الظَّنُّ بِحَياتِهِمْ في دارِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي لا يَزُولُ، وهم يَرَوْنَ وجْهَ رَبِّهِمْ تَبارَكَ وتَعالى بُكْرَةً وعَشِيًّا ويَسْمَعُونَ خِطابَهُ؟ فَإنْ قُلْتَ: ما سَبَبُ تَخَلُّفِ النَّفْسِ عَنْ طَلَبِ هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي لا خَطَرَ لَها، وما الَّذِي زَهَّدَها فِيها؟ وما سَبَبُ رَغْبَتِها في الحَياةِ الفانِيَةِ المُضْمَحِلَّةِ، الَّتِي هي كالخَيالِ والمَنامِ؟ أفَسادٌ في تَصَوُّرِها وشُعُورِها؟ أمْ تَكْذِيبٌ بِتِلْكَ الحَياةِ؟ أمْ لِآفَةٍ في العَقْلِ، وعَمًى هُناكَ؟ أمْ إيثارٌ لِلْحاضِرِ المَشْهُودِ بِالعِيانِ عَلى الغائِبِ المَعْلُومِ بِالإيمانِ؟ قِيلَ: بَلْ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ مُرَكَّبَةٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ. وَأقْوى الأسْبابِ في ذَلِكَ: ضَعْفُ الإيمانِ، فَإنَّ الإيمانَ هو رُوحُ الأعْمالِ، وهو الباعِثُ عَلَيْها، والآمِرُ بِأحْسَنِها، والنّاهِي عَنْ أقْبَحِها، وعَلى قَدْرِ قُوَّةِ الإيمانِ يَكُونُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ لِصاحِبِهِ، وائْتِمارُ صاحِبِهِ وانْتِهاؤُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣]. وَبِالجُمْلَةِ: فَإذا قَوِيَ الإيمانُ قَوِيَ الشَّوْقُ إلى هَذِهِ الحَياةِ، واشْتَدَّ طَلَبُ صاحِبِهِ لَها. السَّبَبُ الثّانِي: جُثُومُ الغَفْلَةِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّ الغَفْلَةَ نَوْمُ القَلْبِ، ولِهَذا تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الأيْقاظِ في الحِسِّ نِيامًا في الواقِعِ، فَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ، ضِدَّ حالِ مَن يَكُونُ يَقْظانَ القَلْبِ وهو نائِمٌ، فَإنَّ القَلْبَ إذا قَوِيَتْ فِيهِ الحَياةُ لا يَنامُ إذا نامَ البَدَنُ، وكَمالُ هَذِهِ الحَياةِ كانَ لِنَبِيِّنا ﷺ، ولِمَن أحْيا اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّتِهِ واتِّباعِ رِسالَتِهِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن ذَلِكَ بِحَسْبِ نَصِيبِهِ مِنهُما. فالغَفْلَةُ واليَقَظَةُ يَكُونانِ في الحِسِّ والعَقْلِ والقَلْبِ، فَمُسْتَيْقِظُ القَلْبِ وغافِلُهُ كَمُسْتَيْقِظِ البَدَنِ ونائِمِهِ، وكَما أنَّ يَقَظَةَ الحِسِّ عَلى نَوْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ يَقَظَةُ القَلْبِ عَلى نَوْعَيْنِ. فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِن يَقَظَةِ الحِسِّ: أنَّ صاحِبَها يَنْفُذُ في الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ، ويَتَوَغَّلُ فِيها بِكَسْبِهِ وفَطانَتِهِ، واحْتِيالِهِ وحُسْنِ تَأتِّيهِ. والنَّوْعُ الثّانِي: أنْ يُقْبِلَ عَلى نَفْسِهِ وقَلْبِهِ وذاتِهِ، فَيَعْتَنِي بِتَحْصِيلِ كَمالِهِ، فَيَلْحَظُ عَوالِيَ الأُمُورِ وسَفْسافَها، فَيُؤْثِرُ الأعْلى عَلى الأدْنى، ويُقَدِّمُ خَيْرَ الخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أدْناهُما، ويَرْتَكِبُ أخَفَّ الشَّرَّيْنِ خَشْيَةَ حُصُولِ أقْواهُما، ويَتَحَلّى بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ومَعالِي الشِّيَمِ، فَيَكُونُ ظاهِرُهُ جَمِيلًا، وباطِنُهُ أجْمَلُ مِن ظاهِرِهِ، وسَرِيرَتُهُ خَيْرًا مِن عَلانِيَتِهِ، فَيُزاحِمُ أصْحابَ المَعالِي عَلَيْها كَما يَتَزاحَمُ أهْلُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ عَلَيْهِما، فَبِهَذِهِ اليَقَظَةِ يَسْتَعِدُّ لِلنَّوْعَيْنِ الآخَرَيْنِ مِنهُما. أحَدُهُما: يَقَظَةٌ تَبْعَثُهُ عَلى اقْتِباسِ الحَياةِ الدّائِمَةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا خَطَرَ لَها مِن هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ الفانِيَةِ، الَّتِي لا قِيمَةَ لَها. فَإنْ قُلْتَ: مَثِّلْ لِي كَيْفَ تُقْتَبَسُ الحَياةُ الدّائِمَةُ مِنَ الحَياةِ الفانِيَةِ؟ وكَيْفَ يَكُونُ هَذا؟ فَإنِّي لا أفْهَمُهُ. قُلْتُ: وهَذا أيْضًا مِن نَوْمِ القَلْبِ بَلْ مِن مَوْتِهِ، وهَلْ تُقْتَبَسُ الحَياةُ الدّائِمَةُ إلّا مِن هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ؟ وأنْتَ قَدْ تُشْعِلُ سِراجَكَ مِن سِراجٍ آخَرَ قَدْ أشَفى عَلى الِانْطِفاءِ، فَيَتَّقِدُ الثّانِي ويُضِيءُ غايَةَ الإضاءَةِ، ويَتَّصِلُ ضَوْءُهُ ويَنْطَفِئُ الأوَّلُ، والمُقْتَبِسُ لِحَياتِهِ الدّائِمَةِ مِن حَياتِهِ المُنْقَطِعَةِ إنَّما يَنْتَقِلُ مِن دارٍ مُنْقَطِعَةٍ إلى دارٍ باقِيَةٍ، وقَدْ تَوَسَّطَ المَوْتُ بَيْنَ الدّارَيْنِ، فَهو قَنْطَرَةٌ لا يُعْبَرُ إلى تِلْكَ الدّارِ إلّا عَلَيْها، وبابٌ لا يُدْخَلُ إلَيْها إلّا مِنهُ، فَهُما حَياتانِ في دارَيْنِ بَيْنَهُما المَوْتُ، وكَما أنَّ نُورَ تِلْكَ الدّارِ مُقْتَبَسٌ مِن نُورِ هَذِهِ الدّارِ، فَحَياتُها كَذَلِكَ مُقْتَبَسَةٌ مِن حَياتِها، فَعَلى قَدْرِ نُورِ الإيمانِ في هَذِهِ الدّارِ يَكُونُ نُورُ العَبْدِ في تِلْكَ الدّارِ، وعَلى قَدْرِ حَياتِهِ في هَذِهِ الدّارِ تَكُونُ حَياتُهُ هُناكَ. نَعَمْ؛ هَذا النُّورُ والحَياةُ الَّذِي يُقْتَبَسُ مِنهُ ذَلِكَ النُّورُ والحَياةُ لا يَنْقَطِعُ، بَلْ يُضِيءُ لِلْعَبْدِ في البَرْزَخِ وفي مَوْقِفِ القِيامَةِ، وعَلى الصِّراطِ، فَلا يُفارِقُهُ إلى دارِ الحَيَوانِ، يُطْفَأُ نُورُ الشَّمْسِ وهَذا النُّورُ لا يُطْفَأُ، وتَبْطُلُ الحَياةُ المَحْسُوسَةُ وهَذِهِ الحَياةُ لا تَبْطُلُ، هَذا أحَدُ نَوْعَيْ يَقَظَةِ القَلْبِ. النَّوْعُ الثّانِي: يَقَظَةٌ تَبْعَثُ عَلى حَياةٍ، لا تُدْرِكُها العِبارَةُ، ولا يَنالُها التَّوَهُّمُ، ولا يُطابِقُ فِيها اللَّفْظُ لِمَعْناهُ ألْبَتَّةَ، والَّذِي يُشارُ بِهِ إلَيْها حَياةُ المُحِبِّ مَعَ حَبِيبِهِ الَّذِي لا قِوامَ لِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وحَياتِهِ إلّا بِهِ ولا غِنًى لَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا قُرَّةَ لِعَيْنِهِ، ولا طُمَأْنِينَةَ لِقَلْبِهِ، ولا سُكُونَ لِرُوحِهِ إلّا بِهِ، فَهو أحْوَجُ إلَيْهِ مِن سَمْعِهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ، بَلْ ومِن حَياتِهِ، فَإنَّ حَياتَهُ بِدُونِهِ عَذابٌ وآلامٌ، وهُمُومٌ وأحْزانٌ، فَحَياتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى قُرْبِهِ وحُبِّهِ ومُصاحَبَتِهِ، وعَذابُ حِجابِهِ عَنْهُ أعْظَمُ مِنَ العَذابِ الآخَرِ، كَما أنَّ نَعِيمَ القَلْبِ والرُّوحِ بِإزالَةِ ذَلِكَ الحِجابِ أعْظَمُ مِنَ النَّعِيمِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، والتَّمَتُّعِ بِالحُورِ العِينِ، فَهَكَذا عَذابُ الحِجابِ أعْظَمُ مِن عَذابِ الجَحِيمِ، ولِهَذا جَمَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأوْلِيائِهِ بَيْنَ النَّعِيمَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: رُؤْيَةُ وجْهِهِ الكَرِيمِ في جَنّاتِ عَدْنٍ، وجَمَعَ لِأعْدائِهِ بَيْنَ العَذابَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ - ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥-١٦]. والمَقْصُودُ: أنَّ الغَفْلَةَ هي نَوْمُ القَلْبِ عَنْ طَلَبِ هَذِهِ الحَياةِ، وهي حِجابٌ عَلَيْهِ، فَإنْ كُشِفَ هَذا الحِجابَ بِالذِّكْرِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ بِطالَةٍ ولَعِبٍ واشْتِغالٍ بِما لا يُفِيدُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ مَعاصٍ وذُنُوبٍ صِغارٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ كَبائِرٍ تُوجِبُ مَقْتَ الرَّبِّ تَعالى لَهُ وغَضَبَهُ ولَعْنَتَهُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ بِدَعٍ عَمَلِيَّةٍ يُعَذِّبُ العامِلُ فِيها نَفْسَهُ، ولا تُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ بِدَعٍ قَوْلِيَّةٍ اعْتِقادِيَّةٍ؛ تَتَضَمَّنُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّكْذِيبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ شَكٍّ وتَكْذِيبٍ؛ يَقْدَحُ في أُصُولِ الإيمانِ الخَمْسَةِ، وهِيَ: الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ولِقائِهِ، فَلِغِلَظِ حِجابِهِ وكَثافَتِهِ وظُلْمَتِهِ وسَوادِهِ لا يَرى حَقائِقَ الإيمانِ، ويَتَمَكَّنُ مِنهُ الشَّيْطانُ، يَعِدُهُ ويُمَنِّيهِ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ تَهْوى وتَشْتَهِي، وسُلْطانُ الطَّبْعِ قَدْ ظَفِرَ بِسُلْطانِ الإيمانِ، فَأسَرَهُ وسَجَنَهُ إنْ لَمْ يُهْلِكْهُ، وتَوَلّى تَدْبِيرَ المَمْلَكَةِ واسْتِخْدامَ جُنُودِ الشَّهَواتِ، وأقْطَعَها العَوائِدَ الَّتِي جَرى عَلَيْها العَمَلُ، وأغْلَقَ بابَ اليَقَظَةِ، وأقامَ عَلَيْهِ بَوّابَ الغَفْلَةِ، وقالَ: إيّاكَ أنْ نُؤْتى مِن قِبَلِكَ، واتَّخَذَ حاجِبًا مِنَ الهَوى، وقالَ: إيّاكَ أنْ تُمَكِّنَ أحَدًا يَدْخُلُ عَلَيَّ إلّا مَعَكَ، فَأمْرُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ قَدْ صارَ إلَيْكَ وإلى البَوّابِ، فَيا بَوّابَ الغَفْلَةِ، ويا حاجِبَ الهَوى لِيَلْزَمْ كُلٌّ مِنكُما ثَغْرَهُ، فَإنْ أخْلَيْتُما فَسَدَ أمْرُ مَمْلَكَتِنا، وعادَتِ الدَّوْلَةُ لِغَيْرِنا، وسامَنا سُلْطانُ الإيمانِ شَرَّ الخِزْيِ والهَوانِ، ولا نَفْرَحُ بِهَذِهِ المَدِينَةِ أبَدًا. فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ! إذا اجْتَمَعَتْ عَلى القَلْبِ هَذِهِ العَساكِرُ مَعَ رِقَّةِ الإيمانِ وقِلَّةِ الأعْوانِ، والإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، والِانْخِراطِ في سِلْكِ أبْناءِ الزَّمانِ، وطُولِ الأمَلِ المُفْسِدِ لِلْإنْسانِ أنْ آثَرَ العاجِلَ الحاضِرَ عَلى الغائِبِ المَوْعُودِ بِهِ بَعْدَ طَيِّ هَذِهِ الأكْوانِ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ. فَهَذا فَصْلٌ مُخْتَصَرٌ نافِعٌ في ذِكْرِ الحَياةِ وأنْواعِها، والتَّشْوِيقِ إلى أشْرَفِها وأطْيَبِها، فَمَن صادَفَ مِن قَلْبِهِ حَياةً انْتَفَعَ بِهِ، وإلّا فَخُودٌ تُزَفُّ إلى ضَرِيرٍ مُقْعَدٍ. فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ: قالَ: ولَها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفَسُ الخَوْفِ، ونَفَسُ الرَّجاءِ، ونَفَسُ المَحَبَّةِ. لَمّا كانَ لِكُلِّ حَيَوانٍ مُتَنَفَّسًا، فَإنَّ النَّفَسَ مُوجِبُ الحَياةِ وعَلامَتُها، كانَتْ أنْفاسُ الحَياةِ المُشارُ إلَيْها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفَسُ الخَوْفِ؛ ومَصْدَرُهُ: مُطالَعَةُ الوَعِيدِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِمَن آثَرَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والمَخْلُوقَ عَلى الخالِقِ، والهَوى عَلى الهُدى، والغَيَّ عَلى الرَّشادِ. وَنَفَسُ الرَّجاءِ؛ ومَصْدَرُهُ مُطالَعَةُ الوَعْدِ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِالرَّبِّ تَعالى، وما اللَّهُ أعَدَّ لِمَن آثَرَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وحَكَّمَ الهُدى عَلى الهَوى، والوَحْيَ عَلى الآراءِ، والسُّنَّةَ عَلى البِدْعَةِ، وما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ عَلى عَوائِدِ الخَلْقِ. وَنَفَسٌ بِالمَحَبَّةِ؛ مَصْدَرُهُ مُطالَعَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ومُشاهَدَةُ النَّعْماءِ والآلاءِ. فَإذا ذَكَرَ ذُنُوبَهُ تَنَفَّسَ بِالخَوْفِ، وإذا ذَكَرَ رَحْمَةَ رَبِّهِ وسَعَةَ مَغْفِرَتِهِ وعَفْوِهِ تَنَفَّسَ بِالرَّجاءِ، وإذا ذَكَرَ جَمالَهُ وجَلالَهُ وكَمالَهُ وإحْسانَهُ وإنْعامَهُ تَنَفَّسَ بِالحُبِّ. فَلْيَزِنِ العَبْدُ إيمانَهُ بِهَذِهِ الأنْفاسِ الثَّلاثَةِ، لِيَعْلَمَ ما مَعَهُ مِنَ الإيمانِ، فَإنَّ القُلُوبَ مَفْطُورَةٌ عَلى حُبِّ الجَمالِ والإجْمالِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ جَمِيلٌ، بَلْ لَهُ الجَمالُ التّامُّ الكامِلُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ جَمالُ الذّاتِ، وجَمالُ الصِّفاتِ، وجَمالُ الأفْعالِ، وجَمالُ الأسْماءِ وإذا جُمِعَ جَمالُ المَخْلُوقاتِ كُلِّهِ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ، ثُمَّ كانَتْ جَمِيعُها عَلى جَمالِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، ثُمَّ نُسِبَ هَذا الجَمالُ إلى جَمالِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى، كانَ أقَلَّ مِن نِسْبَةِ سِراجٍ ضَعِيفٍ إلى عَيْنِ الشَّمْسِ. فالنَّفَسُ الصّادِرُ عَنْ هَذِهِ المُلاحَظَةِ والمُطالَعَةِ أشْرَفُ أنْفاسِ العَبْدِ عَلى الإطْلاقِ، فَأيْنَ نَفَسُ المُشْتاقِ المُحِبِّ الصّادِقِ إلى نَفَسِ الخائِفِ الرّاجِي؟ ولَكِنْ لا يَحْصُلُ لَهُ هَذا النَّفَسُ إلّا بِتَحْصِيلِ ذَيْنِكَ النَّفْسَيْنِ، فَإنَّ أحَدَهُما ثَمَرَةُ تَرْكِهِ لِلْمُخالَفاتِ، والثّانِي: ثَمَرَةُ فِعْلِهِ لِلطّاعاتِ، فَمِن هَذَيْنِ النَّفَسَيْنِ يَصِلُ إلى النَّفَسِ الثّالِثِ. [فَصْلٌ الحَياةُ الثّانِيَةُ حَياةُ الجَمْعِ مِن مَوْتِ التَّفْرِقَةِ] قالَ: الحَياةُ الثّانِيَةُ: حَياةُ الجَمْعِ مِن مَوْتِ التَّفْرِقَةِ، ولَها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفَسُ الِاضْطِرارِ، ونَفَسُ الِافْتِقارِ، ونَفَسُ الِافْتِخارِ. وَمُرادُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ بِالجَمْعِ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ: جَمْعُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، وجَمْعُ الخَواطِرِ والعُزُومِ في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا الجَمْعُ الَّذِي هو حَضْرَةُ الوُجُودِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ حَياةَ هَذا الجَمْعِ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ، وسَمّاها حَياةَ الوُجُودِ. وَإنَّما كانَ جَمْعُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ والخَواطِرِ عَلى السَّيْرِ إلَيْهِ حَياةً حَقِيقِيَّةً؛ لِأنَّ القَلْبَ لا سَعادَةَ لَهُ، ولا فَلاحَ ولا نَعِيمَ، ولا فَوْزَ ولا لَذَّةَ، ولا قُرَّةَ عَيْنٍ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو غايَةُ طَلَبِهِ، ونِهايَةُ قَصْدِهِ، ووَجْهُهُ الأعْلى هو كُلُّ بُغْيَتِهِ، فالتَّفْرِقَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْإعْراضِ عَنِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ، واجْتِماعِ القَلْبِ عَلَيْهِ هي مَرَضُهُ إنْ لَمْ يَمُتْ مِنها. قالَ: ولِهَذِهِ الحَياةِ ثَلاثَةُ أنْفاسٍ، نَفَسُ الِاضْطِرارِ؛ وذَلِكَ لِانْقِطاعِ أمَلِهِ مِمّا سِوى اللَّهِ، فَيُضْطَرُّ حِينَئِذٍ بِقَلْبِهِ ورُوحِهِ ونَفْسِهِ وبَدَنِهِ إلى رَبِّهِ ضَرُورَةً تامَّةً، بِحَيْثُ يَجِدُ في كُلِّ مَنبَتِ شَعْرَةٍ مِنهُ فاقَةً تامَّةً إلى رَبِّهِ ومَعْبُودِهِ، فَهَذا النَّفَسُ نَفَسٌ مُضْطَرٌّ إلى ما لا غِنى لَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وضَرُورَتُهُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ رَبَّهُ، وخالِقَهُ وفاطِرَهُ وناصِرَهُ، وحافِظَهُ ومُعِينَهُ ورازِقَهُ، وهادِيَهُ ومُعافِيَهُ، والقائِمَ بِجَمِيعِ مَصالِحِهِ، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ مَعْبُودَهُ وإلَهَهُ، وحَبِيبَهُ الَّذِي لا تَكْمُلُ حَياتُهُ ولا تَنْفَعُ إلّا بِأنْ يَكُونَ هو وحْدَهُ أحَبَّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وأشْوَقَ شَيْءٍ إلَيْهِ، وهَذا الِاضْطِرارُ هو اضْطِرارُ " إيّاكَ نَعْبُدُ " والِاضْطِرارُ الأوَّلُ: اضْطِرارُ " إيّاكَ نَسْتَعِينُ ". وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ نَفَسَ الِافْتِقارِ هو هَذا النَّفَسُ، أوْ مِن نَوْعِهِ، ولَكِنَّ الشَّيْخَ جَعَلَهُما نَفَسَيْنِ، فَجَعَلَ نَفَسَ الِاضْطِرارِ بِدايَةً، ونَفَسَ الِافْتِقارِ تَوَسُّطًا، ونَفَسَ الِافْتِخارِ نِهايَةً، وكَأنَّ نَفَسَ الِاضْطِرارِ يَقْطَعُ الخَلْقَ مِن قَلْبِهِ، ونَفَسَ الِافْتِقارِ يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بِرَبِّهِ. والتَّحْقِيقُ: أنَّهُ نَفَسٌ واحِدٌ مُمْتَدٌّ، أوَّلُهُ انْقِطاعٌ، وآخِرُهُ اتِّصالٌ. وَأمّا نَفَسُ الِافْتِخارِ فَهو نَتِيجَةُ هَذَيْنِ النَّفَسَيْنِ؛ لِأنَّهُما إذا صَحا لِلْعَبْدِ حَصَلَ لَهُ القُرْبُ مِن رَبِّهِ، والأُنْسُ بِهِ، والفَرَحُ بِهِ، وبِالخِلَعِ الَّتِي خَلَعَها رَبُّهُ عَلى قَلْبِهِ ورُوحِهِ مِمّا لا يَقُومُ لِبَعْضِهِ مَمالِكُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها، فَحِينَئِذٍ يَتَنَفَّسُ نَفَسًا آخَرَ، يَجِدُ بِهِ مِنَ التَّفْرِيجِ والتَّرْوِيحِ والرّاحَةِ والِانْشِراحِ ما يُشَبَّهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ بِنَفَسِ مَن جُعِلَ في عُنُقِهِ حَبْلٌ لِيُخْنَقَ بِهِ حَتّى يَمُوتَ، ثُمَّ كُشِفَ عَنْهُ وقَدْ حُبِسَ نَفَسُهُ، فَتَنَفَّسَ نَفَسَ مَن أُعِيدَتْ عَلَيْهِ حَياتُهُ، وتَخَلَّصَ مِن أسْبابِ المَوْتِ. فَإنْ قُلْتَ: ما لِلْعَبْدِ والِافْتِخارِ؟ وأيْنَ العُبُودِيَّةُ مِن نَفَسِ الِافْتِخارِ؟ قُلْتُ: لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ العَبْدَ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ، ويَخْتالُ عَلى بَنِي جِنْسِهِ، بَلْ هو فَرَحٌ وسُرُورٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِما فَتَحَ عَلَيْهِ رَبُّهُ، ومَنَحَهُ إيّاهُ، وخَصَّهُ بِهِ، وأوْلى ما فَرِحَ بِهِ العَبْدُ فَضْلُ رَبِّهِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ تَعالى يُحِبُّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، ويُحِبُّ الفَرَحَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِنَ الشُّكْرِ، ومَن لا يَفْرَحْ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ لا يُعَدُّ شَكُورًا، فَهو افْتِخارٌ بِما هو مَحْضُ مِنَّةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، لا افْتِخارَ بِما مَنَّ العَبْدُ، فَهَذا هو الَّذِي يُنافِي العُبُودِيَّةَ لا ذاكَ. وَهُنا سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو أنَّ هَذا النَّفَسَ يَفْخَرُ عَلى أنْفاسِهِ الَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ، كَما تَفْخَرُ الحَياةُ عَلى المَوْتِ، والعِلْمُ عَلى الجَهْلِ، والسَّمْعُ عَلى الصَّمَمِ، والبَصَرُ عَلى العَمى، فَيَكُونُ الِافْتِخارُ لِلنَّفَسِ عَلى النَّفَسِ، لا لِلْمُتَنَفِّسِ عَلى النّاسِ، واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ الحَياةُ الثّالِثَةُ حَياةُ الوُجُودِ] قالَ: الحَياةُ الثّالِثَةُ: حَياةُ الوُجُودِ. وهي حَياةٌ بِالحَقِّ، ولَها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفَسُ الهَيْبَةِ، وهو يُمِيتُ الِاعْتِدالَ. ونَفَسُ الوُجُودِ، وهو يَمْنَعُ الِانْفِصالَ. ونَفَسُ الِانْفِرادِ وهو يُورِثُ الِاتِّصالَ، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ مَلْحَظٌ لِلنَّظّارَةِ، ولا طاقَةٌ لِلْإشارَةِ. هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ الحَياةِ هي حَياةُ الواجِدِ، وهي أكْمَلُ مِنَ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَها، ووُجُودُ العَبْدِ لِرَبِّهِ هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ في الحَدِيثِ الإلَهِيِّ بِقَوْلِهِ: «فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي» والمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: «ابْنَ آدَمَ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإنْ وجَدْتَنِي وجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وإنْ فُتُّكَ فاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ». وَسَيَأْتِي في بابِ الوُجُودِ مَزِيدٌ لِهَذا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَإنَّما كانَتْ حَياةُ الوُجُودِ أكْمَلَ الحَياةِ، لِشَرَفِها وكَمالِها بِمُوجِدِها؛ وهو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَمَن حُبِيَ بِوُجُودِهِ فَقَدْ فازَ بِأعْلى أنْواعِ الحَياةِ. فَإنْ قُلْتَ: يَصْعُبُ عَلَيَّ فَهْمُ مَعْنى الحَياةِ بِوُجُودِهِ. قُلْتُ: لِأجْلِ الحِجابِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَكَ وبَيْنَ هَذِهِ الحَياةِ، فافْهَمِ الحَياةَ بِوُجُودِ الفَناءِ، وبِوُجُودِ المالِكِ القادِرِ إذا كانَ مَعَكَ وناصِرَكَ، دُونَ مُجَرَّدِ وُجُودِهِ ولا مَعْرِفَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ ألْبَتَّةَ فَحَقِيقَةُ الحَياةِ: هي الحَياةُ بِالرَّبِّ تَعالى، لا الحَياةُ النَّفَسُ والفَناءُ وأسْبابُ العَيْشِ. وَقَدْ تُفَسَّرُ " حَياةُ الوُجُودِ " بِشُهُودِ القَيُّومِيَّةِ، حَيْثُ لا يَرى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا وهو بِاللَّهِ، وهو الَّذِي أقامَهُ، وبِحالِ هَذا الشُّهُودِ، وهو أنْ لا يَلْتَفِتَ بِقَلْبِهِ إلى شَيْءٍ سِوى اللَّهِ، ولا يَخافَهُ ولا يَرْجُوهُ، بَلْ قَدْ قَصَرَ خَوْفَهُ ورَجاءَهُ، وتَوَكُّلَهُ وإنابَتَهُ عَلى الحَيِّ القَيُّومِ، قَيُّومِ الوُجُودِ وقَيِّمِهِ وقِيامِهِ ومُقَيِمِهِ وحْدَهُ، فَمَتى حَصَلَ لَهُ هَذا الشُّهُودُ وهَذا الحالُ، فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ حَياةُ الوُجُودِ. فَتارَةً يَتَنَفَّسُ بِالهَيْبَةِ، وهي سَطْوَةُ نُورِ الصِّفاتِ، وذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ ما يَسْطَعُ نُورُ الوُجُودِ، فَيَقَعُ القَلْبُ في هَيْبَةٍ تَسْتَغْرِقُ حِسَّهُ عَنْ الِالتِفاتِ إلى شَيْءٍ مِن عَوالِمِ النَّفَسِ، وذَلِكَ هو الِاعْتِلالُ الَّذِي يُمِيتُهُ النَّفَسُ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: " ونَفَسُ يُمِيتُ الِاعْتِلالَ " فَتَمُوتُ مِنهُ عِلَلُ أعْمالِهِ، وآثارُ حُظُوظِهِ، وشُهُودُ إنِّيَّتِهِ. قَوْلُهُ: " ونَفَسُ الوُجُودِ " يُرِيدُ بِهِ: وُجُودَ العَبْدِ بِرَبِّهِ، فَيَتَنَفَّسُ بِهَذا الوُجُودِ، كَما يَسْمَعُ بِهِ، ويُبْصِرُ بِهِ، ويَبْطِشُ بِهِ، ويَمْشِي بِهِ. وَلا تُصْغِ إلى غَيْرِ هَذا، فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها.

الأنعام 6:125

(فصل) وأما تضييق الصدر وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ والحرج هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم يقال رجل حرج وحرج أي ضيق الصدر قال الشاعر: لا حرج الصدر ولا عنيف. وقال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس هذه الآية فقال: "هل هنا أحد من بني بكر قال رجل نعم قال ما الحرجة فيكم قالوا الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر". وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: "ايتوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم فقال الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا وحشية فقال عمر كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير" قال ابن عباس: "يجعل صدره ضيقا حرجا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإن ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك" ولما كان القلب محلا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها فإذا أراد الله هداية عبد وسع صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته وإذا أراد ضلاله ضيق صدره وأحرجه فلم يجد محلا يدخل فيه فيعدل عنه ولا يساكنه وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيء ضاق به وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق إلا القلب اللين فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم اتسع وانفسح. وهذا من آيات قدرة الرب تعالى وفي الترمذي وغيره. عن النبي ﷺ: "إذا دخل النور قلبه انفسح وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله" فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى وتضييقه من أسباب الضلال كما أن شرحه من أجل النعم وتضييقه من أعظم النقم فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها وإذا قوي الإيمان وخالطت بشاشته القلوب كان على مكارهها أشرح صدرا منه على شهوتها ومحابها فإذا فارقها كان انفساح روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير كحال من خرج من سجن ضيق إلى فضاء واسع موافق له فإنها سجن المؤمن فإذا بعثه الله يوم القيامة رأى من انشراح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية فهو أصل كل نعمة وأساس كل خير وقد سأل كليم الرحمن موسى بن عمران ربه أن يشرح له صدره لما علم أنه لا يتمكن من تبليغ رسالته والقيام بأعبائها إلا إذا شرح له صدره وقد عدد سبحانه من نعمه على خاتم أنبيائه ورسله شرح صدره له وأخبر عن أتباعه أنه شرح صدورهم للإسلام. فإن قلت فما الأسباب التي تشرح الصدور والتي تضيقه قلت السبب الذي يشرح الصدر النور الذي يقذفه الله فيه فإذا دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه وإذا فقد ذلك النور أظلم وتضايق. فإن قلت فهل يمكن اكتساب هذا النور أم هو وهبي؟ قلت هو وهبي وكسبي واكتسابه أيضا مجرد موهبة من الله تعالى فالأمر كله لله والحمد كله له والخير كله بيديه وليس مع العبد من نفسه شيء ألبتة بل الله واهب الأسباب ومسبباتها وجاعلها أسبابا ومانحها من يشاء ومانعها من يشاء إذا أراد بعبده خيرا وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة والرهبة إليه فإنهما مادتا التوفيق فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق. فإن قلت فالرغبة والرهبة بيده لا بيد العبد؟ قلت نعم والله وهما مجرد فضله ومنته وإنما يجعلهما في المحل الذي يليق بهما ويحبسهما عمن لا يصلح لهما. فإن قلت فما ذنب من لا يصلح؟ قلت أكثر ذنوبه أنه لا يصلح لأن صلاحيته بما اختاره لنفسه وآثره وأحبه من الضلال والغي على بصيرة من أمره فآثر هواه على حق ربه ومرضاته واستحب العمى على الهدى، وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم وجحدا لهيئته والشرك به والسعي في مساخطه أحب إليه من شكره وتوحيده والسعي في مرضاته فهذا من عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه وأي ذنب فوق هذا فإذا أمسك الحكم العدل توفيقه عمن هذا شأنه كان قد عدل فيه وانسدت عليه أبواب الهداية وطرق الرشاد فأظلم قلبه فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه، فلو جاءته كل آية لم تزده إلا ضلالا وكفرا. وإذا تأمل من شرح الله صدره للإسلام والإيمان هذه الآية وما تضمنته من أسرار التوحيد والعذر والعدل وعظمة شأن الربوبية صار لقلبه عبودية أخرى ومعرفة خاصة، وعلم أنه عبد من كل وجه وبكل اعتبار وأن الرب تعالى رب كل شيء وملكيه من الأعيان والصفات والأفعال والأمر كله بيده والحمد كله له وأزمة الأمور بيده ومرجعها كلها إليه، ولهذه الآية شأن فوق عقولنا وأجل من أفهامنا وأعظم مما قال فيها المتكلمون الذين ظلموها معناها ﴿وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ تالله لقد غلظ عنها حجابهم وكثفت عنها أفهامهم ومنعتهم من الوصول إلى المراد بها أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها فإنها تضمنت إثبات التوحيد والعدل الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه والعدل الذي يقوله معطلو الصفات ونفاة القدر. وتضمنت إثبات الحكمة والقدرة والشرع والقدر والسبب والحكم والذنب والعقوبة ففتحت للقلب الصحيح بابا واسعا من معرفة الرب تعالى بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله وحكمته في شرعه وقدره وعدله في عقابه وفضله في ثوابه وتضمنت كمال توحيده وربوبيته وقيوميته وإلهيته وأن مصادر الأمور كلها عن محض إرادته ومردها إلى كمال حكمته وأن المهدي من خصه الله بهدايته وشرح صدره لدينه وشريعته وأن الضال من جعل صدره ضيقا حرجا عن معرفته ومحبته كأنما يتصاعد في السماء وليس ذلك في قدرته وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته وكفر بنعمته وآثر عبادة الشيطان على عبوديته فسد عليه باب توفيقه وهدايته وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها جوارحه وامتلأت بالظلمة جوانحه والذنب له حيث أعرض عن الإيمان واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان ورضي بموالاة الشيطان وهانت عليه معاداة الرحمن فلا يحدث نفسه بالرجوع إلى مولاه ولا يعزم يوما على إقلاعه عن هواه قد ضاد الله في أمره بحب ما يبغضه وببغض ما يحبه ويوالي من يعاديه ويعادي من يواليه يغضب إذا رضي الرب ويرضى إذا غضب هذا وهو يتقلب في إحسانه ويسكن في داره ويتغذى برزقه ويتقوى على معاصيه بنعمه فمن أعدل منه سبحانه عما يصفه به الجاهلون والظالمون إذا جعل الوحي على أمثال هذا من الذين لا يؤمنون.

الأنعام 6:127

وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ الجَنَّةِ بِدارِ السَّلامِ، فَقِيلَ: السَّلامُ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ. وَقِيلَ: السَّلامُ هو السَّلامَةُ، والجَنَّةُ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وعَيْبٍ ونَقْصٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ تَحِيَّتَهم فِيها سَلامٌ. وَلا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها.

الأنعام 6:128

يعني قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم. قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغيرهم "أضللتم منهم كثيرا" فيجيبه سبحانه أولياؤهم من الإنس بقولهم: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر. فاستمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به: من الكفر، والفسوق، والعصيان. فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس. فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مُناهُم. واستمتاع الإنس بالجن: أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى، والشرك به بكل ما يقدرون عليه: من التحسين، والتزيين، والدعاء، وقضاء كثير من حوائجهم، واستخدامهم بالسحر والعزائم، وغيرها. فأطاعهم الإنس فيما يرضيهم: من الشرك، والفواحش، والفجور، وأطاعتهم الجن فيما يرضيهم: من التأثيرات، والإخبار ببعض المغيبات. فتمتع كل من الفريقين بالآخر. وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين لهم كشوف شيطانية وتأثير شيطاني. فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن، وإنما هم من أولياء الشيطان. أطاعوه في الإشراك، ومعصية الله، والخروج عما بعث به رسله، وأنزل به كتبه. فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات، واغتر بهم من قل حظه من العلم والإيمان فوالى أعداء الله، وعادى أولياءه، وحسن الظن بمن خرج عن سبيله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول، وما جاء به، ولم يدعها لأقوال المختلفين، وآراء المتحيرين وشطحات المارقين، وترهات المتصوفين. والبصير الذي نور الله بصيرته بنور الإيمان والمعرفة إذا عرف حقيقة ما عليه أكثر هذا الخلق، وكان ناقدا، لا يروج عليه الزغل، تبين له أنهم داخلون تحت حكم هذه الآية، وهي منطبقة عليهم. فالفاسق يستمتع بالشيطان، بإعانته له على أسباب فسوقه، والشيطان يستمتع به في قبوله منه وطاعته له فيسره ذلك، ويفرح به منه. والمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به، وعبادته له. ويستمتع هو بالشيطان في قضاء حوائجه، وإعانته له. ومن لم يحط علما بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك، وسر امتحان الرب سبحانه كلا من الثقلين بالآخر. ثم قالوا ﴿وَبلَغْنا أجَلَنا الّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ [الأنعام: ١٢٨]. وهو يتناول أجل الموت، وأجل البعث. فكلاهما أجل أجله الله تعالى لعباده وهما الأجلان اللذان قال الله فيهما: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. وكأن هذا - والله أعلم - إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة. فكأنهم يقولون: هذا أمر قد كان إلى وقت وانقطع بانقطاع أجله. فلم يستمر ولم يدم، فبلغ الأمر الذي كان أجله وانتهى إلى غايته. ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها﴾ [الأنعام: ١٢٨]. فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله، فقد بقي زمن العقوبة، فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك، وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت بزواله، وانتهت بانتهائه. والمقصود: أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه، واتخذوه وذريته أولياء من دون الله. (فصل) فَما عَبَدَ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ غَيْرَ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ إلّا وقَعَتْ عِبادَتُهُ لِلشَّيْطانِ، فَيَسْتَمْتِعُ العابِدُ بِالمَعْبُودِ في حُصُولِ غَرَضِهِ، ويَسْتَمْتِعُ المَعْبُودُ بِالعابِدِ في تَعْظِيمِهِ لَهُ، وإشْراكِهِ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو غايَةُ رِضا الشَّيْطانِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فَهَذِهِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى السِّرِّ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ الشِّرْكُ أكْبَرَ الكَبائِرِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُهُ بِغَيْرِ التَّوْبَةِ مِنهُ، وأنَّهُ يُوجِبُ الخُلُودَ في العَذابِ، وأنَّهُ لَيْسَ تَحْرِيمُهُ وقُبْحُهُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْهُ، بَلْ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَشْرَعَ لِعِبادِهِ عِبادَةَ إلَهٍ غَيْرِهِ، كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ما يُناقِضُ أوْصافَ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، وكَيْفَ يُظَنُّ بِالمُنْفَرِدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ والعَظْمَةِ والإجْلالِ أنْ يَأْذَنَ في مُشارَكَتِهِ في ذَلِكَ، أوْ يَرْضى بِهِ؟ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

الأنعام 6:131

قِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُهْلِكَهم بِظُلْمِهِمْ، وشِرْكِهِمْ وهم غافِلُونَ، لَمْ يُنْذَرُوا ولَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ. وَقِيلَ: لَمْ يُهْلِكْهم قَبْلَ التَّذْكِيرِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ قَدْ ظَلَمَهُمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا ولا يُعاقِبُهُ إلّا بِذَنْبِهِ، وإنَّما يَكُونُ مُذْنِبًا إذا خالَفَ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وذَلِكَ إنَّما يُعْلَمُ بِالرُّسُلِ. فَإذا شاهَدَ العَبْدُ القَدَرَ السّابِقَ بِالذَّنْبِ، عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدَّرَهُ سَبَبًا مُقْتَضِيًا لِأثَرِهِ مِنَ العُقُوبَةِ، كَما قَدَّرَ الطّاعَةَ سَبَبًا مُقْتَضِيًا لِلثَّوابِ، وكَذَلِكَ تَقْدِيرُ سائِرِ أسْبابِ الخَيْرِ والشَّرِّ، كَجَعْلِ السُّمِّ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، والنّارِ سَبَبًا لِلْإحْراقِ، والماءِ سَبَبًا لِلْإغْراقِ. فَإذا أقْدَمَ العَبْدُ عَلى سَبَبِ الهَلاكِ - وقَدْ عَرَفَ أنَّهُ سَبَبُ الهَلاكِ - فَهَلَكَ فالحُجَّةُ مُرَكَّبَةٌ عَلَيْهِ، والمُؤاخَذَةُ لازِمَةٌ لَهُ، كالحَرِيقِ مَثَلًا، والذَّنْبُ كالنّارِ، وإتْيانُهُ لَهُ كَتَقْدِيمِهِ نَفْسَهُ لِلنّارِ، ومُلاحَظَةُ الحُكْمِ فِيما لا يُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإنَّما الَّذِي يَشْهَدُهُ عِنْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ مُلاحَظَةُ الأمْرِ، لا مُلاحَظَةُ القَدَرِ. فَجَعْلُ صاحِبِ المَنازِلِ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ مِن مُلاحَظَةِ الجِنايَةِ والقَضِيَّةِ لَيْسَ بِالبَيِّنِ، بَلْ هو مِن مُلاحَظَةِ الجِنايَةِ والأمْرِ، لَكِنَّ مُرادَهُ أنَّ سِرَّ التَّقْدِيرِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ هَذا العَبْدَ لا يَصْلُحُ إلّا لِلْوَقُودِ، كالشَّوْكِ الَّذِي لا يَصْلُحُ إلّا لِلنّارِ، والشَّجَرَةُ تَشْتَمِلُ عَلى الثَّمَرِ والشَّوْكِ، فاقْتَضى عَدْلُهُ سُبْحانَهُ أنْ يَسُوقَ هَذا العَبْدَ إلى ما لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ، وأنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ حُجَّةَ عَدْلِهِ، فَإنْ قَدَّرَ عَلَيْهِ الذَّنْبَ فَواقَعَهُ، فاسْتَحَقَّ ما خُلِقَ لَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ - لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩-٧٠].

الأنعام 6:141

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ بَعْضِ مَقادِيرِ الزَّكاةِ] وَأمّا قَوْلُهُ: " أوْجَبَ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ والتِّجارَةِ رُبُعَ العُشْرِ، وفي الزُّرُوعِ والثِّمارِ نِصْفَ العُشْرِ أوْ العُشْرَ، وفي المَعْدِنِ الخُمُسَ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ ومُراعاتِها لِلْمَصالِحِ؛ فَإنَّ الشّارِعَ أوْجَبَ الزَّكاةَ مُواساةً لِلْفُقَراءِ، وطُهْرَةٌ لِلْمالِ، وعُبُودِيَّةً لِلرَّبِّ، وتَقَرُّبًا إلَيْهِ بِإخْراجِ مَحْبُوبِ العَبْدِ لَهُ وإيثارِ مَرْضاتِهِ. ثُمَّ فَرَضَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأنْفَعْها لِلْمَساكِينِ، وأرْفَقِها بِأرْبابِ الأمْوالِ؛ ولَمْ يَفْرِضْها في كُلِّ مالٍ، بَلْ فَرَضَها في الأمْوالِ الَّتِي تَحْتَمِلُ المُواساةَ، ويَكْثُرُ فِيها الرِّبْحُ والدَّرُّ والنَّسْلُ، ولَمْ يَفْرِضْها فِيما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِن مالِهِ ولا غِنًى لَهُ عَنْهُ كَعَبِيدِهِ وإمائِهِ ومَرْكُوبِهِ ودارِهِ وثِيابِهِ وسِلاحِهِ، بَلْ فَرَضَها في أرْبَعَةِ أجْناسٍ مِن المالِ: المَواشِي، والزُّرُوعِ والثِّمارِ، والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ أكْثَرُ أمْوالِ النّاسِ الدّائِرَةُ بَيْنَهُمْ، وعامَّةُ تَصَرُّفِهِمْ فِيها، وهي الَّتِي تَحْتَمِلُ المُواساةَ، دُونَ ما أسْقَطَ الزَّكاةَ فِيهِ، ثُمَّ قَسَّمَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَذِهِ الأجْناسِ بِحَسَبِ حالِهِ وإعْدادِهِ لِلنَّماءِ إلى ما فِيهِ الزَّكاةُ وإلى ما لا زَكاةَ فِيهِ، فَقَسَّمَ المَواشِيَ إلى قِسْمَيْنِ: سائِمَةٍ تَرْعى بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ ولا خَسارَةٍ فالنِّعْمَةُ فِيها كامِلَةٌ والمِنَّةُ بِها وافِرَةٌ والكُلْفَةُ فِيها يَسِيرَةٌ والنَّماءُ فِيها كَثِيرٌ؛ فَخَصَّ هَذا النَّوْعَ بِالزَّكاةِ، وإلى مَعْلُوفَةٍ بِالثَّمَنِ أوْ عامِلَةٍ في مَصالِحِ أرْبابِها في دَوالِيهِمْ وحُرُوثِهِمْ وحَمْلِ أمْتِعَتِهِمْ؛ فَلَمْ يَجْعَلْ في ذَلِكَ زَكاةً: لِكُلْفَةِ المَعْلُوفَةِ وحاجَةِ المالِكِينَ إلى العَوامِلِ فَهي كَثِيابِهِمْ وعَبِيدِهِمْ وإمائِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ. ثُمَّ قَسَّمَ الزُّرُوعَ والثِّمارَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَجْرِي مَجْرى السّائِمَةِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ في سَقْيِهِ مِن ماءِ السَّماءِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ فَأوْجَبَ فِيهِ العُشْرَ، وقِسْمٍ يُسْقى بِكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ ولَكِنَّ كُلْفَتَهُ دُونَ كُلْفَةِ المَعْلُوفَةِ بِكَثِيرٍ إذْ تِلْكَ تَحْتاجُ إلى العَلَفِ كُلَّ يَوْمٍ فَكانَ مَرْتَبَةً بَيْنَ مَرْتَبَةِ السّائِمَةِ والمَعْلُوفَةِ، فَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ زَكاةً ما شَرِبَ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يُسْقِطْ زَكاتَهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَأوْجَبَ فِيهِ نِصْفَ العُشْرِ. ثُمَّ قَسَّمَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدِهِما ما هو مُعَدٌّ لِلثَّمَنِيَّةِ والتِّجارَةِ بِهِ والتَّكَسُّبِ فَفِيهِ الزَّكاةُ كالنَّقْدَيْنِ والسَّبائِكِ ونَحْوِها، وإلى ما هو مُعَدٌّ لِلِانْتِفاعِ دُونَ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ كَحِلْيَةِ المَرْأةِ وآلاتِ السِّلاحِ الَّتِي يَجُوزُ اسْتِعْمالُ مِثْلِها فَلا زَكاةَ فِيهِ. ثُمَّ قَسَّمَ العُرُوضَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ أُعِدَّ لِلتِّجارَةِ فَفِيهِ الزَّكاةُ، وقِسْمٌ أُعِدَّ لِلْقِنْيَةِ والِاسْتِعْمالِ فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّماءِ فَلا زَكاةَ فِيهِ. ثُمَّ لَمّا كانَ حُصُولُ النَّماءِ والرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ مِن أشَقِّ الأشْياءِ وأكْثَرَ مُعاناةً وعَمَلًا خَفَّفَها بِأنْ جَعَلَ فِيها رُبُعَ العُشْرِ، ولَمّا كانَ الرِّبْحُ والنَّماءُ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ الَّتِي تُسْقى بِالكُلْفَةِ أقَلَّ كُلْفَةً والعَمَلُ أيْسَرَ ولا يَكُونُ في كُلِّ السَّنَةِ جَعَلَهُ ضِعْفَهُ وهو نِصْفُ العُشْرِ، ولَمّا كانَ التَّعَبُ والعَمَلُ فِيما يَشْرَبُ بِنَفْسِهِ أقَلَّ والمَئُونَةُ أيْسَرَ جَعَلَهُ ضِعْفَ ذَلِكَ وهو العُشْرُ، واكْتَفى فِيهِ بِزَكاةٍ عامَّةٍ خاصَّةٍ؛ فَلَوْ أقامَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِدَّةَ أحْوالٍ لِغَيْرِ التِّجارَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكاةٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ نَماؤُهُ وزِيادَتُهُ، بِخِلافِ الماشِيَةِ، وبِخِلافِ ما لَوْ أُعِدَّ لِلتِّجارَةِ؛ فَإنَّهُ عُرْضَةٌ لِلنَّماءِ، ثُمَّ لَمّا كانَ الرِّكازُ مالًا مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا وكُلْفَةُ تَحْصِيلِهِ أقَلُّ مِن غَيْرِهِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى أكْثَرِ مِن اسْتِخْراجِهِ كانَ الواجِبُ فِيهِ ضِعْفَ ذَلِكَ وهو الخُمُسُ. فانْظُرْ إلى تَناسُبِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الكامِلَةِ الَّتِي بَهَرَ العُقُولَ حُسْنُها وكَمالُها، وشَهِدَتْ الفِطَرُ بِحِكْمَتِها، وأنَّهُ لَمْ يُطْرَقْ العالَمُ شَرِيعَةً أفْضَلَ مِنها. وَلَوْ اجْتَمَعَتْ عُقُولُ العُقَلاءِ وفِطَرُ الألِبّاءِ واقْتَرَحَتْ شَيْئًا يَكُونُ أحْسَنَ مُقْتَرَحٍ لَمْ يَصِلْ اقْتِراحُها إلى ما جاءَتْ بِهِ. وَلَمّا لَمْ يَكُنْ كُلُّ مالٍ يَحْتَمِلُ المُواساةَ قَدَّرَ الشّارِعُ لِما يَحْتَمِلُ المُواساةَ نُصُبًا مُقَدَّرَةً لا تَجِبُ الزَّكاةُ في أقَلَّ مِنها، ثُمَّ لَمّا كانَتْ تِلْكَ النُّصُبُ تَنْقَسِمُ إلى ما لا يُجْحِفُ المُواساةَ بِبَعْضِهِ أوْجَبَ الزَّكاةَ مِنها، وإلى ما يُجْحِفُ المُواساةَ بِبَعْضِهِ فَجَعَلَ الواجِبَ مِن غَيْرِهِ كَما دُونَ الخَمْسِ والعِشْرِينَ مِن الإبِلِ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ المُواساةُ لا تُحْتَمَلُ كُلَّ يَوْمٍ ولا كُلَّ شَهْرٍ، إذْ فِيهِ إجْحافٌ بِأرْبابِ الأمْوالِ جَعَلَها كُلَّ عامٍ مَرَّةً كَما جَعَلَ الصِّيامَ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَتْ الصَّلاةُ لا يَشُقُّ فِعْلُها كُلَّ يَوْمٍ وظَّفَها كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ولَمّا كانَ الحَجُّ يَشُقُّ تَكَرُّرُ وُجُوبِهِ كُلَّ عامٍ جَعَلَهُ وظِيفَةَ العُمْرِ. وَإذا تَأمَّلَ العاقِلُ مِقْدارَ ما أوْجَبَهُ الشّارِعُ في الزَّكاةِ وجَدَهُ مِمّا لا يَضُرُّ المُخْرِجَ فَقْدُهُ، ويَنْفَعُ الفَقِيرَ أخْذُهُ، ورَآهُ قَدْ راعى في حالِ صاحِبِ المالِ وجانِبِهِ حَقَّ الرِّعايَةِ، ونَفَعَ الآخِذَ بِهِ، وقَصَدَ إلى كُلِّ جِنْسٍ مِن أجْناسِ الأمْوالِ فَأوْجَبَ الزَّكاةَ في أعْلاهُ وأشْرَفِهِ؛ فَأوْجَبَ زَكاةَ العَيْنِ في الذَّهَبِ والوَرِقِ دُونَ الحَدِيدِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ ونَحْوِها، وأوْجَبَ زَكاةَ السّائِمَةِ في الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ دُونَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ دُونَ ما يَقِلُّ اقْتِناؤُهُ كالصَّيُودِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ودُونَ الطَّيْرِ كُلِّهِ، وأوْجَبَ زَكاةَ الخارِجِ مِن الأرْضِ في أشْرَفَهُ وهو الحُبُوبُ والثِّمارُ دُونَ البُقُولِ والفَواكِهِ والمَقاثِي والمَباطِخِ والأنْوارِ. وَغَيْرُ خافٍ تَمَيُّزُ ما أوْجَبَ فِيهِ الزَّكاةَ عَمّا لَمْ يُوجِبْها في جِنْسِهِ ووَصْفِهِ ونَفْعِهِ وشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ وكَثْرَةِ وُجُودِهِ، وأنَّهُ جارٍ مَجْرى الأمْوالِ لِما عَداهُ مِن أجْناسِ الأمْوالِ، بِحَيْثُ لَوْ فُقِدَ لَأضَرَّ فَقْدُهُ بِالنّاسِ، وتَعَطَّلَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِن مَصالِحِهِمْ، بِخِلافِ ما لَمْ يُوجِبْ فِيهِ الزَّكاةَ فَإنَّهُ جارٍ مَجْرى الفَضَلاتِ والتَّتِمّاتِ الَّتِي لَوْ فُقِدَتْ لَمْ يَعْظُمْ الضَّرَرُ بِفَقْدِها، وكَذَلِكَ راعى في المُسْتَحَقِّينَ لَها أمْرَيْنِ مُهِمَّيْنِ: أحَدَهُما: حاجَةُ الأخْذِ. والثّانِي: نَفْعُهُ؛ فَجَعَلَ المُسْتَحَقِّينَ لَها نَوْعَيْنِ: نَوْعًا يَأْخُذُ لِحاجَتِهِ، ونَوْعًا يَأْخُذُ لِنَفْعِهِ، وحَرَّمَها عَلى مَن عَداهُما.

الأنعام 6:145

وَإنَّما لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ في أكْلِ المَيْتَةِ حَدًّا اكْتِفاءً بِالزّاجِرِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في الطِّباعِ مِن كَراهَتِها، والنَّفْرَةِ عَنْها، وإبْعادِها عَنْها، بِخِلافِ الخَمْرِ. والخِنْزِيرُ أشَدُّ تَحْرِيمًا مِنَ المَيْتَةِ، ولِهَذا أفْرَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِالحُكْمِ عَلَيْهِ أنَّهُ رِجْسٌ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (فَإنَّهُ) وإنْ كانَ عَوْدُهُ إلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ المُحَرَّمِ، فَإنَّهُ يَتَرَجَّحُ اخْتِصاصُ لَحْمِ الخِنْزِيرِ بِهِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: قُرْبُهُ مِنهُ، والثّانِي: تَذْكِيرُهُ دُونَ قَوْلِهِ، فَإنَّها رِجْسٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ أتى (بِالفاءِ) و (إنَّ) تَنْبِيهًا عَلى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ لِتُزْجَرَ النُّفُوسُ عَنْهُ، ويُقابِلُ هَذِهِ العِلَّةَ ما في طِباعِ بَعْضِ النّاسِ مِنِ اسْتِلْذاذِهِ واسْتِطابَتِهِ، فَنَفى عَنْهُ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّهُ رِجْسٌ، وهَذا لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في المَيْتَةِ والدَّمِ، لِأنَّ كَوْنَهُما رِجْسًا أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، ولِهَذا في القُرْآنِ نَظائِرُ، فَتَأمَّلْها. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ تَحْرِيمَ بَيْعِ الأصْنامِ، وهو أعْظَمُ تَحْرِيمًا وإثْمًا، وأشَدُّ مُنافاةً لِلْإسْلامِ مِن بَيْعِ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ.

الأنعام 6:148

وقد أنكر الله سبحانه على من احتج على محبته بمشيئته في ثلاثة مواضع من كتابه في سورة الأنعام والنحل والزخرف فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ وكذلك حكى عنهم في النحل ثم قال: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقال في الزخرف: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ فاحتجوا على محبته لشركهم ورضاه به بكونه أقرهم عليه وأنه لولا محبته له ورضاه به لما شاءه منهم وعارضوا بذلك أمره ونهيه ودعوة الرسل قالوا كيف يأمر بالشيء قد شاء منا خلافه وكيف يكره منا شيئا قد شاء وقوعه ولو كرهه لم يمكنا منه ولحال بيننا وبينه فكذبهم سبحانه في ذلك وأخبر أن هذا تكذيب منهم لرسله وأن رسله متفقون على أنه سبحانه يكره شركهم ويبغضه ويمقته وأنه لولا بغضه وكراهته لما أذاق المشركين بالله عذابه فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه ثم طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن الله أذن فيه وأنه يحبه ويرضى به ومجرد إقراره لهم قدرا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء وإلا كان الظلم والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي محبوبا له مرضيا ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ذلك إنما هو الظن وهو أكذب الحديث وأنهم لذلك كانوا أهل الخرص والكذب ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين إحداهما ما ركبّه فيهم من العقول التي يفرقون بها بين الحسن والقبيح والباطل والأسماع والأبصار التي هي آلة إدراك الحق والتي يفرق بها بينه وبين الباطل والثانية إرسال رسله وإنزال كتبه وتمكينهم من الإيمان والإسلام ولم يؤاخذهم بأحد الأمرين بل بمجموعها لكمال عدله وقطعا لعذرهم من جميع الوجوه ولذلك سمى حجته عليهم بالغة أي قد بلغت غاية البيان وأقصاه بحيث لم يبق معها مقال لقائل ولا عذر لمعتذر ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح قبله ثم ختم الآية بقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته وهذا من تمام حجته البالغة فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته لزم وجوده عند مشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كان هذا من أعظم أدلة التوحيد ومن أبين أدلة بطلان ما أنتم عليه من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه، فما احتججتم به من المشيئة على ما أنتم عليه من الشرك هو من أظهر الأدلة على بطلانه وفساده فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدا له وافتقارا والتجاء إليه وبراءة من الحول والقوة إلا به ورغبة إليه أن يقيلهم مما لو شاء أن لا يقع منهم لما وقع لنفعهم ذلك ولفتح لهم باب الهداية ولكن ذكروه معارضين به أمره ومبطلين به دعوة الرسل فما ازدادوا به إلا ضلالا. والمقصود أنه سبحانه قد فرق بين حجته ومشيئته وقد حكى أبو الحسن الأشعري في مقالاته اتفاق أهل السنة والحديث على ذلك والذي حكى عنه ابن فورك في كتاب تجريده لمقالاته أنه كان يفرق بين ذلك قال: "وكان لا يفرق بين الود والحب والإرادة والمشيئة والرضا وكان لا يقول إن شيئا منها يخص بعض المردات دون بعض بل كان يقول إن كل واحد منها بمعنى صاحبه على جهة التقييد الذي يزول معه الإبهام، وهو أن المؤمن محبوب لله أن يكون مؤمنا من أهل الخير كما علم، والكافر أيضا مراد أن يكون كافرا كما علم من أهل الشر ويحب أن يكون ذلك كذلك كما علم " وكذلك كان يقول في الرضا والاصطفاء والاختيار ويقيد اللفظ بذلك حتى لا يتوهم فيه الخطأ" انتهى والذي عليه أهل الحديث والسنة قاطبه والفقهاء كلهم وجمهور المتكلمين والصوفية أنه سبحانه يكره بعض الأعيان والأفعال والصفات وإن كانت واقعة بمشيئته فهو يبغضها ويمقتها كما يبغض ذات إبليس وذوات جنوده ويبغض أعمالهم ولا يحب ذلك وإن وجد بمشيئته قال الله تعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ وقال: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ وقال: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ﴾ وقال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وقال: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ فهذا إخبار عن عدم محبته لهذه الأمور ورضاه بها بعد وقوعها فهذا صريح في إبطال قول من تأول النصوص على أنه لا يحبها ممن لم تقع منه ويحبها إذا وقعت فهو يحبها ممن وقعت منه ولا يحبها ممن لم تقع منه وهذا من أعظم الباطل والكذب على الله بل هو سبحانه يكرهها ويبغضها قبل وقوعها وحال وقوعها وبعد وقوعها فإنها قبائح وخبائث والله منزه عن محبة القبيح والخبيث بل هو أكره شيء إليه قال الله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ وقد أخبر سبحانه أنه يكره طاعات المنافقين ولأجل ذلك يثبطهم عنها فكيف يحب نفاقهم ويرضاه ويكون أهله محبوبين له مصطفين عنده مرضيين ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء الأفعال بالنسبة إلى الرب سبحانه وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح فلا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين الشكر والكفر ولذلك قالوا لا يجب شكره على نعمه عقلا فعن هذا الأصل قالوا إن مشيئته هي عين محبته وإن كل ما شاءه فهو محبوب له ومرضى له ومصطفى ومختار فلم يمكنهم بعد تأصل هذا الأصل أن يقولوا أنه يبغض الأعيان والأفعال التي خلقها ويحب بعضها بل كل ما فعله وخلقه فهو محبوب له والمكروه المبغوض ما لم يشأه ولم يخلقه وإنما أصلوا هذا الأصل محافظة منهم على القدر فحثوا به على الشرع والقدر والتزموا لأجله لوازم شوشوا بها على القدر والحكمة وكابروا لأجلها صريح العقل وسووا بين أقبح القبائح وأحسن الحسنات في نفس الأمر وقالوا هما سواء لا فرق بينهما إلا بمجرد الأمر والنهي فالكذب عندهم والظلم والبغي والعدوان مساو للصدق والعدل والإحسان في نفس الأمر ليس في هذا ما يقتضي حسنه ولا في هذا ما يقتضي قبحه وجعلوا هذا المذهب شعارا لأهل السنة والقول بخلافه قول أهل البدع من المعتزلة وغيرهم ولعمر الله إنه لمن أبطل الأقوال وأشدها منافاة للعقل والشرع ولفطرة الله التي فطر عليها خلقه وقد بينا بطلانه من أكثر من خمسين وجها في كتاب المفتاح والمقصود أنه لما انضم القول به إلى القول بأنه سبحانه لا يحب شيئا ويبغض شيئا بل كل موجود فهو محبوب له وكل معدوم فهو مكروه له وانضم إلى هذين الآخرين إنكار الحكم والغايات المطلوبة في أفعاله سبحانه وأنه لا يفعل شيئا لمعنى ألبتة وانضم إلى ذلك إنكار الأسباب وأنه لا يفعل شيئا بشيء وإنكار القوى والطبائع والغرائز وأن تكون أسبابا أو يكون لها أثر انسد عليهم باب الصواب في مسائل القدر والتزموا لهذه الأصول الباطلة لوازم هي أظهر بطلانا وفسادا وهي من أول شيء على فساد هذه الأصول وبطلانها فإن فساد اللازم من فساد ملزومه. [فصل الحَثُّ عَلى التَّداوِي ورَبْطِ الأسْبابِ بِالمُسَبَّباتِ] رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ ": مِن حَدِيثِ أبي الزبير، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ، فَإذا أُصِيبَ دَواءُ الدّاءِ، بَرَأ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ عطاء، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ مِن داءٍ إلّا أنْزَلَ لَهُ شِفاءً». وَفِي " مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ ": مِن حَدِيثِ زِيادِ بْنِ عِلاقَةَ، «عَنْ أسامة بن شريك، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وجاءَتِ الأعْرابُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَداوى؟ فَقالَ " نَعَمْ يا عِبادَ اللَّهِ تَداوَوْا، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَضَعْ داءً إلّا وضَعَ لَهُ شِفاءً غَيْرَ داءٍ واحِدٍ "، قالُوا: ما هُوَ؟ قالَ " الهَرَمُ». وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ داءً إلّا أنْزَلَ لَهُ شِفاءً، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ». وَفِي " المُسْنَدِ ": مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُنْزِلْ داءً إلّا أنْزَلَ لَهُ شِفاءً، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ». وَفِي " المُسْنَدِ " و" السُّنَنِ": «عَنْ أبي خزامة، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيها، ودَواءً نَتَداوى بِهِ، وتُقاةً نَتَّقِيها، هَلْ تَرُدُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ فَقالَ: " هي مِن قَدَرِ اللَّهِ». فَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الأحادِيثُ إثْباتَ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ، وإبْطالَ قَوْلِ مَن أنْكَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: «لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ»، عَلى عُمُومِهِ حَتّى يَتَناوَلَ الأدْواءَ القاتِلَةَ، والأدْواءَ الَّتِي لا يُمْكِنُ لِطَبِيبٍ أنْ يُبْرِئَها، ويَكُونُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَعَلَ لَها أدْوِيَةً تُبْرِئُها، ولَكِنْ طَوى عِلْمَها عَنِ البَشَرِ، ولَمْ يَجْعَلْ لَهم إلَيْهِ سَبِيلًا؛ لِأنَّهُ لا عِلْمَ لِلْخَلْقِ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، ولِهَذا عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ الشِّفاءَ عَلى مُصادَفَةِ الدَّواءِ لِلدّاءِ، فَإنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ المَخْلُوقاتِ إلّا لَهُ ضِدٌّ، وكُلُّ داءٍ لَهُ ضِدٌّ مِنَ الدَّواءِ يُعالَجُ بِضِدِّهِ، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ البُرْءَ بِمُوافَقَةِ الدّاءِ لِلدَّواءِ، وهَذا قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ وجُودِهِ، فَإنَّ الدَّواءَ مَتى جاوَزَ دَرَجَةَ الدّاءِ في الكَيْفِيَّةِ، أوْ زادَ في الكَمِّيَّةِ عَلى ما يَنْبَغِي نَقَلَهُ إلى داءٍ آخَرَ، ومَتى قَصَرَ عَنْها لَمْ يَفِ بِمُقاوَمَتِهِ، وكانَ العِلاجُ قاصِرًا، ومَتى لَمْ يَقَعِ المُداوِي عَلى الدَّواءِ، أوْ لَمْ يَقَعِ الدَّواءُ عَلى الدّاءِ، لَمْ يَحْصُلِ الشِّفاءُ، ومَتى لَمْ يَكُنِ الزَّمانُ صالِحًا لِذَلِكَ الدَّواءِ لَمْ يَنْفَعْ، ومَتى كانَ البَدَنُ غَيْرَ قابِلٍ لَهُ أوِ القُوَّةُ عاجِزَةً عَنْ حَمْلِهِ، أوْ ثَمَّ مانِعٌ يَمْنَعُ مِن تَأْثِيرِهِ، لَمْ يَحْصُلِ البُرْءُ لِعَدَمِ المُصادَفَةِ، ومَتى تَمَّتِ المُصادَفَةُ حَصَلَ البُرْءُ بِإذْنِ اللَّهِ ولا بُدَّ، وهَذا أحْسَنُ المَحْمِلَيْنِ في الحَدِيثِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخاصُّ، لا سِيَّما والدّاخِلُ في اللَّفْظِ أضْعافُ أضْعافِ الخارِجِ مِنهُ، وهَذا يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ لِسانٍ ويَكُونُ المُرادُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ داءً يَقْبَلُ الدَّواءَ إلّا وضَعَ لَهُ دَواءً، فَلا يَدْخُلُ في هَذا الأدْواءُ الَّتِي لا تَقْبَلُ الدَّواءَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في الرِّيحِ الَّتِي سَلَّطَها عَلى قَوْمِ عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] أيْ: كُلُّ شَيْءٍ يَقْبَلُ التَّدْمِيرَ، ومِن شَأْنِ الرِّيحِ أنْ تُدَمِّرَهُ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ. وَمَن تَأمَّلَ خَلْقَ الأضْدادِ في هَذا العالَمِ ومُقاوَمَةَ بَعْضِها لِبَعْضٍ، ودَفْعَ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وتَسْلِيطَ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، تَبَيَّنَ لَهُ كَمالُ قُدْرَةِ الرَّبِّ تَعالى، وحِكْمَتُهُ، وإتْقانُهُ ما صَنَعَهُ، وتَفَرُّدُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، والوَحْدانِيَّةِ، والقَهْرِ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَلَهُ ما يُضادُّهُ ويُمانِعُهُ كَما أنَّهُ الغَنِيُّ بِذاتِهِ وكُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجٌ بِذاتِهِ. وَفِي الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الأمْرُ بِالتَّداوِي وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ، كَما لا يُنافِيهِ دَفْعُ داءِ الجَوْعِ والعَطَشِ، والحَرِّ، والبَرْدِ بِأضْدادِها، بَلْ لا تَتِمُّ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ إلّا بِمُباشَرَةِ الأسْبابِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ مُقْتَضَياتٍ لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا وشَرْعًا، وأنَّ تَعْطِيلَها يَقْدَحُ في نَفْسِ التَّوَكُّلِ، كَما يَقْدَحُ في الأمْرِ والحِكْمَةِ ويُضْعِفُهُ مِن حَيْثُ يَظُنُّ مُعَطِّلُها أنَّ تَرْكَها أقْوى في التَّوَكُّلِ، فَإنَّ تَرْكَها عَجْزًا يُنافِي التَّوَكُّلَ الَّذِي حَقِيقَتُهُ اعْتِمادُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ في حُصُولِ ما يَنْفَعُ العَبْدَ في دِينِهِ ودُنْياهُ، ودَفْعِ ما يَضُرُّهُ في دِينِهِ ودُنْياهُ، ولا بُدَّ مَعَ هَذا الِاعْتِمادِ مِن مُباشَرَةِ الأسْبابِ وإلّا كانَ مُعَطِّلًا لِلْحِكْمَةِ والشَّرْعِ فَلا يَجْعَلُ العَبْدُ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا ولا تَوَكُّلَهُ عَجْزًا. وَفِيها رَدٌّ عَلى مَن أنْكَرَ التَّداوِي، وقالَ: إنْ كانَ الشِّفاءُ قَدْ قُدِّرَ فالتَّداوِي لا يُفِيدُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قُدِّرَ فَكَذَلِكَ. وأيْضًا فَإنَّ المَرَضَ حَصَلَ بِقَدَرِ اللَّهِ، وقَدَرُ اللَّهِ لا يُدْفَعُ ولا يُرَدُّ، وهَذا السُّؤالُ هو الَّذِي أوْرَدَهُ الأعْرابُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأمّا أفاضِلُ الصِّحابَةِ فَأعْلَمُ بِاللَّهِ وحِكْمَتِهِ وصِفاتِهِ مِن أنْ يُورِدُوا مِثْلَ هَذا، وقَدْ أجابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِما شَفى وكَفى، فَقالَ: هَذِهِ الأدْوِيَةُ والرُّقى والتُّقى هي مِن قَدَرِ اللَّهِ فَما خَرَجَ شَيْءٌ عَنْ قَدَرِهِ، بَلْ يُرَدُّ قَدَرُهُ بِقَدَرِهِ وهَذا الرَّدُّ مِن قَدَرِهِ)، فَلا سَبِيلَ إلى الخُرُوجِ عَنْ قَدَرِهِ بِوَجْهٍ ما، وهَذا كَرَدِّ قَدَرِ الجُوعِ والعَطَشِ والحَرِّ والبَرْدِ بِأضْدادِها، وكَرَدِّ قَدَرِ العَدُوِّ بِالجِهادِ وكُلٌّ مِن قَدَرِ اللَّهِ الدّافِعُ والمَدْفُوعُ والدَّفْعُ. وَيُقالُ لِمُورِدِ هَذا السُّؤالِ: هَذا يُوجِبُ عَلَيْكَ أنْ لا تُباشِرَ سَبَبًا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تَجْلِبُ بِها مَنفَعَةً أوْ تَدْفَعُ بِها مَضَرَّةً؛ لِأنَّ المَنفَعَةَ والمَضَرَّةَ إنْ قُدِّرَتا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن وُقُوعِهِما، وإنْ لَمْ تُقَدَّرا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلى وُقُوعِهِما، وفي ذَلِكَ خَرابُ الدِّينِ والدُّنْيا وفَسادُ العالَمِ وهَذا لا يَقُولُهُ إلّا دافِعٌ لِلْحَقِّ مُعانِدٌ لَهُ، فَيَذْكُرُ القَدَرَ لِيَدْفَعَ حُجَّةَ المُحِقِّ عَلَيْهِ كالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] و﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾ [النحل: ٣٥] فَهَذا قالُوهُ دَفْعًا لِحُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالرُّسُلِ. وَجَوابُ هَذا السّائِلِ أنْ يُقالَ: بَقِيَ قِسْمٌ ثالِثٌ لَمْ تَذْكُرْهُ، وهو أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ كَذا وكَذا بِهَذا السَّبَبِ، فَإنْ أتَيْتَ بِالسَّبَبِ حَصَلَ المُسَبَّبُ وإلّا فَلا، فَإنْ قالَ: إنْ كانَ قَدَّرَ لِي السَّبَبَ، فَعَلْتُهُ، وإنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ لِي لَمْ أتَمَكَّنْ مِن فِعْلِهِ. قِيلَ: فَهَلْ تَقْبَلُ هَذا الِاحْتِجاجَ مِن عَبْدِكَ، ووَلَدِكَ، وأجِيرِكَ إذا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْكَ فِيما أمَرْتَهُ بِهِ، ونَهَيْتَهُ عَنْهُ فَخالَفَكَ؟ فَإنْ قَبِلْتَهُ، فَلا تَلُمْ مَن عَصاكَ، وأخَذَ مالَكَ، وقَذَفَ عِرْضَكَ، وضَيَّعَ حُقُوقَكَ، وإنْ لَمْ تَقْبَلْهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَقْبُولًا مِنكَ في دَفْعِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَيْكَ؟ وقَدْ رُوِيَ في أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ أنَّ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ قالَ: يا رَبِّ مِمَّنِ الدّاءُ؟ قالَ: " مِنِّي ". قالَ: فَمِمَّنِ الدَّواءُ "؟ قالَ " مِنِّي ". قالَ فَما بالُ الطَّبِيبِ؟ قالَ " رَجُلٌ أُرْسِلُ الدَّواءَ عَلى يَدَيْهِ ". وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: «لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ» تَقْوِيَةٌ لِنَفْسِ المَرِيضِ والطَّبِيبِ، وحَثٌّ عَلى طَلَبِ ذَلِكَ الدَّواءِ والتَّفْتِيشِ عَلَيْهِ، فَإنَّ المَرِيضَ إذا اسْتَشْعَرَتْ نَفْسُهُ أنَّ لِدائِهِ دَواءً يُزِيلُهُ، تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِرُوحِ الرِّجاءِ، وبَرَدَتْ عِنْدَهُ حَرارَةُ اليَأْسِ، وانْفَتَحَ لَهُ بابُ الرَّجاءِ، ومَتى قَوِيَتْ نَفْسُهُ انْبَعَثَتْ حَرارَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُوَّةِ الأرْواحِ الحَيَوانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ والطَّبِيعِيَّةِ، ومَتى قَوِيَتْ هَذِهِ الأرْواحُ قَوِيَتِ القُوى الَّتِي هي حامِلَةٌ لَها، فَقَهَرَتِ المَرَضَ ودَفَعَتْهُ. وَكَذَلِكَ الطَّبِيبُ إذا عَلِمَ أنَّ لِهَذا الدّاءِ دَواءً أمْكَنَهُ طَلَبُهُ والتَّفْتِيشُ عَلَيْهِ. وأمْراضُ الأبْدانِ عَلى وِزانِ أمْراضِ القُلُوبِ، وما جَعَلَ اللَّهُ لِلْقَلْبِ مَرَضًا إلّا جَعَلَ لَهُ شِفاءً بِضَدِّهِ، فَإنْ عَلِمَهُ صاحِبُ الدّاءِ واسْتَعْمَلَهُ وصادَفَ داءَ قَلْبِهِ أبْرَأهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.

الأنعام 6:149

فأخبر أن له الحجة البالغة، وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن العقل دفعها ولا جحدها، ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم، ولو شاءَ ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، ولكن حكمته تأْبى ذلك وعدله يأْبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة، فأقام الحجة وصرّفَ الآيات وضرب الأمثال ونوَّع الأدلة، ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأُمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال، ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم، ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله، وأُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأْى العين، ولا كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا في شأْن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعًا فيه ثم إنجاءَ موسى وقومه ولم يغرق أحد منهم، وأغرق فرعون وقومه لم ينج منهم أحد، فهذا التعرف إلى عباده وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها ألبتة ولا توجد بدون لوازمها.

الأنعام 6:153

وسبيل الله وصراطه المستقيم هو الذي كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وصحابته بدليل قوله عز وجل: ﴿يس والقُرْآنِ الحكِيمِ إنّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١-٤] وقال: ﴿وَإنّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمً﴾ [الحج: ٦٧] وقال: ﴿إنّكَ لَتهْدِى إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فمن اتبع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه في قوله أو فعله فهو مبتدع متبع لسبيل الشيطان غير داخل فيمن وعد الله بالجنة والمغفرة والإحسان". (فائدة) وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فَجَمَعَ سُبُلَ الباطِلِ ووَحَّدَ سَبِيلَهُ الحَقَّ، ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] فَإنَّ تِلْكَ هي طُرُقُ مَرْضاتِهِ الَّتِي يَجْمَعُها سَبِيلُهُ الواحِدُ وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، فَإنَّ طُرُقَ مَرْضاتِهِ كُلُّها تَرْجِعُ إلى صِراطٍ واحِدٍ وسَبِيلٍ واحِدٍ، وهي سَبِيلُهُ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا مِنها وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُسْتَقِيمًا، وقالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ فَقالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وَهَذا لِأنَّ الطَّرِيقَ المُوَّصِلَ إلى اللَّهِ واحِدٌ، وهو ما بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، لا يَصِلُ إلَيْهِ أحَدٌ إلّا مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، ولَوْ أتى النّاسُ مِن كُلِّ طَرِيقٍ، واسْتَفْتَحُوا مِن كُلِّ بابٍ، فالطُّرُقُ عَلَيْهِمْ مَسْدُودَةٌ، والأبْوابُ عَلَيْهِمْ مُغَلَّقَةٌ إلّا مِن هَذا الطَّرِيقِ الواحِدِ، فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّهِ، مُوَصِّلٌ إلى اللَّهِ. فإن قيل فقد قال الله تعالى ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾؟ قيل: هي سبل تجمع في سبيل واحد وهي بمنزلة الجواد والطرق في الطريق الأعظم، فهذه هي شعب الإيمان يجمعها الإيمان وهو شعبة كما يجمع ساق الشجرة أغصانها وشعبها، وهذه السبل هي إجابة داعي داعي الله بتصديق خبره وطاعة أمره وطريق الجنة هي إجابة الداعي إليها ليس إلا.

الأنعام 6:154

قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ فضمن التمام معنى الإنعام فعداه بـ (على) أي إنعاما منا على الذي أحسن، وهذا جزاء على الطاعات بالطاعات.

الأنعام 6:160

(فائدة) قوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ أنث عدد الأمثال لتأويلها بحسنات. ومثله قراءة أبي العالية: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ بالتاء والفعل مسند إلى الإيمان لكنه طاعة وإثابة في المعنى. [فَصْلٌ دَرَجاتُ الرِّضا] [الدَّرَجَةُ الأُولى رِضا العامَّةِ] قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: رِضا العامَّةِ. وهو الرِّضا بِاللَّهِ رَبًّا، وتَسَخُّطُ عِبادَةِ ما دُونِهِ، وهَذا قُطْبُ رَحى الإسْلامِ. وهو يُطَهِّرُ مِنَ الشِّرْكِ الأكْبَرِ. الرِّضا بِاللَّهِ رَبًّا: أنْ لا يَتَّخِذَ رَبًّا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى يَسْكُنُ إلى تَدْبِيرِهِ. ويُنْزِلُ بِهِ حَوائِجَهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: سَيِّدًا وإلَهًا. يَعْنِي فَكَيْفَ أطْلُبُ رَبًّا غَيْرَهُ، وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟ وقالَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] يَعْنِي مَعْبُودًا وناصِرًا ومُعِينًا ومَلْجَأً. وهو مِنَ المُوالاةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الحُبَّ والطّاعَةَ. وقالَ في وسَطِها ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤] أيْ: أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي مَن يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، فَنَتَحاكَمَ إلَيْهِ فِيما اخْتَلَفْنا فِيهِ؟ وهَذا كِتابُهُ سَيِّدُ الحُكّامِ، فَكَيْفَ نَتَحاكَمُ إلى غَيْرِ كِتابِهِ؟ وقَدْ أنْزَلَهُ مُفَصَّلًا، مُبَيَّنًا كافِيًا شافِيًا. وَأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ حَقَّ التَّأمُّلِ، رَأيْتَها هي نَفْسَ الرِّضا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا، ورَأيْتَ الحَدِيثَ يُتَرْجِمُ عَنْها، ومُشْتَقًّا مِنها. فَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَرْضى بِاللَّهِ رَبًّا، ولا يَبْغِي رَبًّا سِواهُ، لَكِنَّهُ لا يَرْضى بِهِ وحْدَهُ ولِيًّا وناصِرًا. بَلْ يُوالِي مِن دُونِهِ أوْلِياءَ. ظَنًّا مِنهُ أنَّهم يُقَرِّبُونَهُ إلى اللَّهِ، وأنَّ مُوالاتَهم كَمُوالاةِ خَواصِّ المَلِكِ. وهَذا عَيْنُ الشِّرْكِ. بَلِ التَّوْحِيدُ: أنْ لا يَتَّخِذَ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ. والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن وصْفِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ. وَهَذا غَيْرُ مُوالاةِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، وعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ. فَإنَّ هَذا مِن تَمامِ الإيمانِ ومِن تَمامِ مُوالاتِهِ. فَمُوالاةُ أوْلِيائِهِ لَوْنٌ واتِّخاذُ الوَلِيِّ مِن دُونِهِ لَوْنٌ. ومَن لَمْ يَفْهَمِ الفُرْقانَ بَيْنَهُما فَلْيَطْلُبِ التَّوْحِيدَ مِن أساسِهِ. فَإنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ أصْلُ التَّوْحِيدِ وأساسُهُ. وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَبْتَغِي غَيْرَهُ حَكَمًا، يَتَحاكَمُ إلَيْهِ، ويُخاصِمُ إلَيْهِ، ويَرْضى بِحُكْمِهِ. وهَذِهِ المَقاماتُ الثَّلاثُ هي أرْكانُ التَّوْحِيدِ: أنْ لا يَتَّخِذَ سِواهُ رَبًّا، ولا إلَهًا، ولا غَيْرَهُ حَكَمًا. وَتَفْسِيرُ الرِّضا بِاللَّهِ رَبًّا: أنْ يَسْخَطَ عِبادَةَ ما دُونَهُ. هَذا هو الرِّضا بِاللَّهِ رَبًّا. وهو مِن تَمامِ الرِّضا بِاللَّهِ رَبًّا. فَمَن أُعْطِيَ الرِّضا بِهِ رَبًّا حَقُّهُ سُخْطُ عِبادَةِ ما دُونَهُ قَطْعًا. لِأنَّ الرِّضا بِتَجْرِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ يَسْتَلْزِمُ تَجْرِيدَ عِبادَتِهِ، كَما أنَّ العِلْمَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِتَوْحِيدِ الإلَهِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: وهو قُطْبُ رَحى الإسْلامِ يَعْنِي أنَّ مَدارَ رَحى الإسْلامِ عَلى أنْ يَرْضى العَبْدُ بِعِبادَةِ رَبِّهِ وحْدَهُ، وأنْ يَسْخَطَ عِبادَةَ غَيْرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العِبادَةَ هي الحُبُّ مَعَ الذُّلِّ. فَكُلُّ مَن ذَلَلْتَ لَهُ وأطَعْتَهُ وأحْبَبْتَهُ دُونَ اللَّهِ، فَأنْتَ عابِدٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: وهو يُطَهِّرُ مِنَ الشِّرْكِ الأكْبَرِ. يَعْنِي أنَّ الشِّرْكَ نَوْعانِ: أكْبَرُ، وأصْغَرُ، فَهَذا الرِّضا يُطَهِّرُ صاحِبَهُ مِنَ الأكْبَرِ. وأمّا الأصْغَرُ: فَيُطَهِّرُ مِنهُ نُزُولُهُ مَنزِلَةَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. (فَصْلٌ) قالَ وهو يَصِحُّ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ: أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أحَبَّ الأشْياءِ إلى العَبْدِ. وأوْلى الأشْياءِ بِالتَّعْظِيمِ، وأحَقَّ الأشْياءِ بِالطّاعَةِ. يَعْنِي أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الرِّضا إنَّما يَصِحُّ بِثَلاثَةِ أشْياءَ أيْضًا. أحَدُها: أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أحَبَّ شَيْءٍ إلى العَبْدِ. وهَذِهِ تُعْرَفُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ أيْضًا. أحَدُها: أنْ تَسْبِقَ مَحَبَّتُهُ إلى القَلْبِ كُلَّ مَحَبَّةٍ. فَتَتَقَدَّمَ مَحَبَّتُهُ المَحابَّ كُلَّها. الثّانِي: أنْ تَقْهَرَ مَحَبَّتُهُ كُلَّ مَحَبَّةٍ. فَتَكُونَ مَحَبَّتُهُ إلى القَلْبِ سابِقَةً قاهِرَةً، ومَحَبَّةُ غَيْرِهِ مُتَخَلِّفَةً مَقْهُورَةً مَغْلُوبَةً مُنْطَوِيَةً في مَحَبَّتِهِ. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ غَيْرِهِ تابِعَةً لِمَحَبَّتِهِ. فَيَكُونَ هو المَحْبُوبَ بِالذّاتِ والقَصْدَ الأوَّلَ. وغَيْرُهُ مَحُبُوبًا تَبَعًا لِحُبِّهِ. كَما يُطاعُ تَبَعًا لِطاعَتِهِ. فَهو في الحَقِيقَةِ المُطاعُ المَحْبُوبُ. وَهَذِهِ الثَّلاثَةُ في كَوْنِهِ أوْلى الأشْياءِ بِالتَّعْظِيمِ والطّاعَةِ أيْضًا. فالحاصِلُ: أنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ المَحْبُوبَ المُعَظَّمَ المُطاعَ. فَمَن لَمْ يُحِبَّهُ ولَمْ يُطِعْهُ. ولَمْ يُعَظِّمْهُ: فَهو مُتَكَبِّرٌ عَلَيْهِ. ومَتى أحَبَّ مَعَهُ سِواهُ، وعَظَّمَ مَعَهُ سِواهُ، وأطاعَ مَعَهُ سِواهُ: فَهو مُشْرِكٌ. ومَتى أفْرَدَهُ وحْدَهُ بِالحُبِّ والتَّعْظِيمِ والطّاعَةِ فَهو عَبْدٌ مُوَحِّدٌ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ الرِّضا عَنِ اللَّهِ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الرِّضا عَنِ اللَّهِ. وبِهَذا نَطَقَتْ آياتُ التَّنْزِيلِ. وهو الرِّضا عَنْهُ في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ. وهَذا مِن أوائِلِ مَسالِكِ أهْلِ الخُصُوصِ. وَفِي الحَدِيثِ الإلَهِيِّ الصَّحِيحِ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ أفْضَلُ وأعْلى مِنَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوافِلِ. وَأيْضًا: فَإنَّ الرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ الرِّضا عَنْهُ، ويَسْتَلْزِمُهُ. فَإنَّ الرِّضا بِرُبُوبِيَّتِهِ: هو رِضا العَبْدِ بِما يَأْمُرُهُ بِهِ، ويَنْهاهُ عَنْهُ، ويَقْسِمُهُ لَهُ ويُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ويَمْنَعُهُ مِنهُ. فَمَتى لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَضِيَ بِهِ رَبًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. وإنْ كانَ راضِيًا بِهِ رَبًّا مِن بَعْضِها. فالرِّضا بِهِ رَبًّا مِن كُلِّ وجْهٍ: يَسْتَلْزِمُ الرِّضا عَنْهُ، ويَتَضَمَّنُهُ بِلا رَيْبٍ. وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا مُتَعَلِّقٌ بِذاتِهِ، وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ العامَّةِ والخاصَّةِ، فَهو الرِّضا بِهِ خالِقًا ومُدَبِّرًا، وآمِرًا وناهِيًا، ومَلِكًا، ومُعْطِيًا ومانِعًا، وحَكَمًا، ووَكِيلًا ووَلِيًّا، وناصِرًا ومُعِينًا، وكافِيًا وحَسِيبًا ورَقِيبًا، ومُبْتَلِيًا ومُعافِيًا، وقابِضًا وباسِطًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ رُبُوبِيَّتِهِ. وَأمّا الرِّضا عَنْهُ: فَهو رِضا العَبْدِ بِما يَفْعَلُهُ بِهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ إلّا في الثَّوابِ والجَزاءِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] فَهَذا بِرِضاها عَنْهُ لِما حَصَلَ لَها مِن كَرامَتِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]. والرِّضا بِهِ: أصْلُ الرِّضا عَنْهُ، والرِّضا عَنْهُ: ثَمَرَةُ الرِّضا بِهِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرِّضا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ. والرِّضا عَنْهُ: مُتَعَلِّقٌ بِثَوابِهِ وجَزائِهِ. وَأيْضًا: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ ذَوْقَ طَعْمِ الإيمانِ بِمَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا. ولَمْ يُعَلِّقْهُ بِمَن رَضِيَ عَنْهُ، كَما قالَ ﷺ «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا.». فَجَعَلَ الرِّضا بِهِ قَرِينَ الرِّضا بِدِينِهِ ونَبِيِّهِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ الإسْلامِ، الَّتِي لا يَقُومُ إلّا بِها وعَلَيْها. وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، والإنابَةَ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وخَوْفَهُ ورَجاءَهُ ومَحَبَّتَهُ، والصَّبْرَ لَهُ وبِهِ. والشُّكْرُ عَلى نِعَمِهِ: يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ كُلِّ ما مِنهُ نِعْمَةً وإحْسانًا، وإنْ ساءَ عَبْدُهُ. فالرِّضا بِهِ يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والرِّضا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ والرِّضا بِالإسْلامِ دِينًا: يَتَضَمَّنُ التِزامَ عُبُودِيَّتِهِ، وطاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ. فَجَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ الدِّينَ كُلَّهُ.