Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الأعراف 7:4 – الأعراف 7:172

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الأعراف 7:4
  2. الأعراف 7:8
  3. الأعراف 7:9
  4. الأعراف 7:16
  5. الأعراف 7:17
  6. الأعراف 7:20
  7. الأعراف 7:21
  8. الأعراف 7:22
  9. الأعراف 7:23
  10. الأعراف 7:26
  11. الأعراف 7:29
  12. الأعراف 7:30
  13. الأعراف 7:31
  14. الأعراف 7:32
  15. الأعراف 7:33
  16. الأعراف 7:35
  17. الأعراف 7:37
  18. الأعراف 7:43
  19. الأعراف 7:46
  20. الأعراف 7:47
  21. الأعراف 7:48
  22. الأعراف 7:49
  23. الأعراف 7:54
  24. الأعراف 7:55
  25. الأعراف 7:56
  26. الأعراف 7:57
  27. الأعراف 7:58
  28. الأعراف 7:80
  29. الأعراف 7:96
  30. الأعراف 7:99
  31. الأعراف 7:143
  32. الأعراف 7:154
  33. الأعراف 7:155
  34. الأعراف 7:157
  35. الأعراف 7:158
  36. الأعراف 7:167
  37. الأعراف 7:168
  38. الأعراف 7:169
  39. الأعراف 7:172

الأعراف 7:4

وأما الفاء فهي موضوعة للتعقيب وقد تكون للتسبيب والترتيب وهما راجعان إلى معنى التعقيب لأن الثاني بعدهما أبدا إنما يجيء في عقب الأول فالسبب نحو ضربته فبكى والترتيب: ﴿أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ دخلت الفاء لترتيب اللفظ لأن الهلاك يجب تقديمه في الذكر لأن الاهتمام به أولى وإن كان مجيء البأس قبله في الوجود. ومن هذا أن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد بعد ذلك جده دخلت ثم لترتيب الكلام لا لترتيب المعنى في الوجود وهذا معنى قول بعض النحاة: أنها تأتي للترتيب في الخبر لا في المخبر وعندي في الآية تقديران آخران أحسن من هذا أحدهما: أن يكون المراد بالإهلاك إرادة الهلاك وعبر بالفعل عن الإرادة وهو كثير فترتب مجيء البأس على الإرادة ترتب المراد على الإرادة. والثاني وهو ألطف أن يكون الترتيب ترتيب تفصيل على جملة فذكر الإهلاك ثم فصله بنوعين أحدهما مجيء البأس بياتا أي ليلا والثاني مجيئه وقت القائلة وخص هذين الوقتين لأنهما وقت راحتهم وطمأنينتهم فجاءهم بأس الله أسكن ما كانوا وأروحه في وقت طمأنينتهم وسكونهم على عادته سبحانه في أخذ الظالم في وقت بلوغ آماله وكرمه وفرحه وركونه إلى ما هو فيه. وكذلك قوله: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ والمقصود أن الترتيب هنا ترتيب التفصيل على الجمل وهو ترتيب علمي لا خارجي فإن الذهن يشعر بالشيء جملة أولا ثم بطلب تفصيله بعد ذلك وأما في الخارج فلم يقع إلا مفصلا فتأمل هذا الموضع الذي خفي على كثير من الناس حتى ظن أن الترتيب في الآية كترتيب الإخبار أي إنا أخبرناكم بهذا قبل هذا.

الأعراف 7:8

(الطبقة الحادية عشرة) طبقة أقوام خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا: فعملوا حسنات وكبائر، ولقوا الله مصرّين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم، فإذا وزنت بها رجحت كفة الحسنات، فهؤلاءِ أيضًا ناجون فائزون قال تعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَق فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُون﴾ [الأعراف: ٨-٩]. قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف. وهذه الموازنة تكون بعد القصاص، واستيفاءِ المظلومين حقوقهم من حسناته، فإذا بقي شيء منها وزن هو وسيئاته. ولكن هنا مسألة، وهي: إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات، هل يلغى المرجوح جملة ويصير الأثر للراجح فيثاب على حسناته كلها، أو يسقط من الحسنات ما قابلها من السيئات المرجوحة ويبقى التأْثير للرجحان فيثاب عليه وحده؟ فيه قولان: هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة، وأما من ينفي ذلك فلا عبرة عنده بهذا، وإنما هو موكول إلى محض المشيئة، وعلى القول الأول فيذهب أثر السيئات جملة بالحسنات الراجحة، وعلى القول الثاني يكون تأْثيرها في نقصان ثوابه لا في حصول العقاب له، ويترجح هذا القول الثاني بأن السيئات لو لم تحبط ما قبلها من الحسنات، وكان العمل والتأْثير للحسنات كلها لم يكن فرق بين وجودها وعدمها، ولكان لا فرق بين المحسن الذي محض عمله حسنات، وبين من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا. وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت في نقصان ثوابه ولا بد، فإنه لو اشتغل في زمن إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه، وإذا كان كذلك فقد ترجح القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأْثير المغلوب المرجوح وصار الحكم للغالب دونه لاستهلاكه في جنبه كما يستهلك يسير النجاسة في الماءِ الكثير والماءُ إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث"، والله أعلم.

الأعراف 7:9

(الطبقة الحادية عشرة) طبقة أقوام خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا: فعملوا حسنات وكبائر، ولقوا الله مصرّين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم، فإذا وزنت بها رجحت كفة الحسنات، فهؤلاءِ أيضًا ناجون فائزون قال تعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَق فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُون﴾ [الأعراف: ٨-٩]. قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف. وهذه الموازنة تكون بعد القصاص، واستيفاءِ المظلومين حقوقهم من حسناته، فإذا بقي شيء منها وزن هو وسيئاته. ولكن هنا مسألة، وهي: إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات، هل يلغى المرجوح جملة ويصير الأثر للراجح فيثاب على حسناته كلها، أو يسقط من الحسنات ما قابلها من السيئات المرجوحة ويبقى التأْثير للرجحان فيثاب عليه وحده؟ فيه قولان: هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة، وأما من ينفي ذلك فلا عبرة عنده بهذا، وإنما هو موكول إلى محض المشيئة، وعلى القول الأول فيذهب أثر السيئات جملة بالحسنات الراجحة، وعلى القول الثاني يكون تأْثيرها في نقصان ثوابه لا في حصول العقاب له، ويترجح هذا القول الثاني بأن السيئات لو لم تحبط ما قبلها من الحسنات، وكان العمل والتأْثير للحسنات كلها لم يكن فرق بين وجودها وعدمها، ولكان لا فرق بين المحسن الذي محض عمله حسنات، وبين من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا. وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت في نقصان ثوابه ولا بد، فإنه لو اشتغل في زمن إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه، وإذا كان كذلك فقد ترجح القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأْثير المغلوب المرجوح وصار الحكم للغالب دونه لاستهلاكه في جنبه كما يستهلك يسير النجاسة في الماءِ الكثير والماءُ إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث"، والله أعلم.

الأعراف 7:16

قال جمهور المفسرين والنحاة: حذف "على" فانتصب بالفعل. والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك. والظاهر: أن الفعل مضمر، فإن القاعد على الشيء ملازم له، فكأنه قال: لألزمنه، ولأرصدنه، ولأعوجنه، ونحو ذلك. قال ابن عباس: "دينك الواضح" وقال ابن مسعود: "هو كتاب الله" وقال جابر: "هو الإسلام" وقال مجاهد: "هو الحق". والجميع عبارات عن معنى واحد، وهو الطريق الموصل إلى الله تعالى، وقد تقدم حديث سبرة بن أبي الفاكه: "إن الشَّيْطانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بأطْرُقِهِ كُلِّها" الحديث. فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك.

الأعراف 7:17

وقوله: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْديهِمْ﴾. قال ابن عباس، في رواية عطية عنه: "مِن قِبَل الدنيا" وفي رواية علي عنه "أشككهم في آخرتهم". وكذلك قال الحسن: "من قبل الآخرة، تكذيبا بالبعث والجنة والنار". وقال مجاهد: "من بين أيديهم من حيث يبصرون" ومن خلفهم. قال ابن عباس: "أرغبهم في دنياهم" وقال الحسن: "من قبل دنياهم أزينها لهم وأشَهيها لهم". وعن ابن عباس رواية أخرى: "من قبل الآخرة". وقال أبو صالح: "أشككهم في الآخرة وأباعدها عليهم" وقال مجاهد أيضًا: "من حيث لا يبصرون". ﴿وعن أيمانهم﴾ قال ابن عباس: "أشبه عليهم أمر دينهم" وقال أبو صالح: "الحق أشككهم فيه" وعن ابن عباس أيضًا: "من قبل حسناتهم". قال الحسن: "من قبل الحسنات أثبطهم عنها". وقال أبو صالح أيضًا: " ﴿من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾: أُنفِّقُه عليهم وأُرَغِّبُهم فيه". وقال الحسن " ﴿وعن شمائلهم﴾ السيئات يأمرهم بها ويحثهم عليها ويرغبهم فيها ويزينها في أعينهم". وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "ولم يقل من فوقهم؛ لأنه علم أن الله من فوقهم". قال الشعبي: "فالله عز وجل أنزل الرحمة عليهم من فوقهم". وقال قتادة: "أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك. لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله". قال الواحدي: "وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات، حسن؛ لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، تريد: اجعلني من المقدمين عندك، ولا تجعلني، من المؤخرين" وأنشد لابن الدمينة: ؎ألُبْنى أفِي يُمْنى يَديْكِ جَعَلْتِنِي ∗∗∗ فَأفْرَحُ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمالِكِ؟ وروى أبو عبيد عن الأصمعي: "هو عندنا باليمين: أي بمنزلة حسنة، وبضد ذلك هو عندنا بالشمال"، وأنشد: ؎رَأيْتُ بَنِي العَلاتِ لَمّا تَظافَرُوا ∗∗∗ يَحُوزُونَ سَهْمي بَيْنَهم في الشَّمائِلِ أى ينزلوني بالمنزلة السيئة. وحكى الأزهري عن بعضهم في هذه الآية ﴿لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ "أى لأغوينهم حتى يكذبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة ﴿ومن خلفهم﴾ بأمر البعث ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أي لأضلنهم فيما يعملون؛ لأن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت يداك، وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئا؛ لأنهما الأصل في التصرف، فجعلتا مثلا لجميع ما يعمل بغيرهما". وقال آخرون منهم أبو إسحاق والزمخشري، واللفظ لأبي إسحاق: ذكر هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد، أي: لآتينهم من جميع الجهات، والله أعلم، أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم. وقال الزمخشري: ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِسَوْطِكَ وأجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. وهذا يوافق ما حكيناه عن قتادة: "أتاك من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك". وهذا القول أعم فائدة ولا يناقض ما قاله السلف، فإن ذلك على جهة التمثيل لا التعيين. قال شقيق: "ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢]. وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على من أخلفه، فأقرأ: ﴿وَما مِن دابّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦]. ومن قبل يميني يأتيني من قبل النساء، فأقرأ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. ومن قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]. قلت: السبل التي يسلكها الإنسان أربعة لا غير، فإنه تارة يأخذ على جهة يمينه، وتارة على شماله، وتارة أمامه، وتارة يرجع خلفه، فأي سبيل سلكها من هذه وجد الشيطان عليها رصدا له، فإن سلكها في طاعة وجده عليها يُثبِّطه عنها ويقطعه، أو يعوقه ويبطئه، وإن سلكها لمعصية وجده عليها حاملا له وخادما ومعينا وممنيا، ولو اتفق له الهبوط إلى أسفل لأتاه من هناك. ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناء فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]. قال الكلبي: "ألزمناهم قرناء من الشياطين". وقال مقاتل: "هيأنا لهم قرناء من الشياطين". وقال ابن عباس: "ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة". والمعنى: زينوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها. وقال الكلبى: "زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث، وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالة". وهذا اختيار الفراء. وقال ابن زيد: "زينوا لهم ما مضى من خبث أعمالهم، وما يستقبلون منها". والمعنى: على هذا زينوا لهم ما عملوه فلم يتوبوا منه وما يعزمون عليه فلا ينوون تركه. فقول عدو الله تعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْديِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ يتناول الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فإن ملك الحسنات عن اليمين يستحث صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يثبطه عنه، وإن ملك السيئات عن الشمال ينهاه عنها فيأتيه الشيطان من تلك الجهة يحرضه عليها، وهذا يفصل ما أجمله في قوله: ﴿فَبِعزَّتِكَ لأغْوِينَّهم أجْمَعينَ﴾ [ص: ٨٢]. (فائدة) في جمع لفظ الشمائل في قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم، فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم بل الجمع هاهنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضى توزيع الأفراد ونظيره: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾.

الأعراف 7:20

(فصل) وأول كيد الشّيْطانِ ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ (٢٠) وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾. فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي، وبه سمى صوت الحلي وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْه مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم، وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة يدل على فساد في دينه، قال الشاعر: ؎إنِّي كَأنِّي أرى مَن لا حَياءَ لَهُ ∗∗∗ ولا أمانَةَ وسْطَ النّاسِ عُرْيانا فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، يُجَمِّل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها. ثم قال: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكْين﴾ [الأعراف: ٢٠]. أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا في الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم، فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود. فشام عدو الله الأبوين، فأحسَّ منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وكان عبد الله بن عباس يقرؤها (مَلِكَين) بكسر اللام، ويقول: لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠]. وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب؟ وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه؟، فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلًا، وإنما كذبهما عدو الله وغرَّهما، وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح، وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون، ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود في الجنة، وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه، أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعده القدر، ولما فرغ الله سبحانه من تقديره فأخذتهما سنة الغَفْلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل: ؎واسْتَيْقَظُوا وأرادَ اللهُ غَفْلَتَهم ∗∗∗ لِيَنْفُذَ القَدَرُ المَحْتُومُ في الأزَلِ إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله ﴿أو تكونا من الخالدين﴾ [الأعراف: ٢٠]. فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله، والاعتذار عنه، وإنما يعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه، فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين، وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع، والآخر: ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده. فقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يْبلى﴾ [طه: ١٢٠]. فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها في قوله: ﴿إلا أنْ تَكونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فتأمله، ثم قال: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّى لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد: أحدها: تأكيده بالقسم. الثاني: تأكيده بـ إنّ. الثالث: تقديم المعمول على العامل، إيذانا بالاختصاص. أي نصيحتي مختصة بكما، وفائدتها إليكما لا إلى. الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد: أي النصح صفتي وسجيتي، ليس أمرا عارضا لي. الخامس: إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم. السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين، فكأنه قال لهما: الناصحون لكما في ذلك كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشئ: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به. ؎سَعى نَحْوَها حَتّى تجاوَزَ حَدَّهُ ∗∗∗ وكَثَّرَ فارْتابَتْ، ولَوْ شاءَ قَلَّلا وورّث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١]. فأكدوا خبرهم بالشهادة وبـ إن وبلام التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]. ثم قال تعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]. قال أبو عبيدة: "خذلهما وخلاهما، من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر". وذكر الأزهري لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: "أصله الرجل العطشان يتدلى في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدى نفعا، فيقال: دلاه، إذا أطمعه"، ومنه قول أبى جندب الهذلي: ؎أحُصُّ، فَلاَ أُجِيرُ ومَن أُجِرْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ كَمَن تَدَلّى بِالغُرُورِ أحص: أي أقطع. الثاني: "فدلاهما بغرور، أي جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهي الجراءة"، قال شمر: "يقال: ما دَلَّكَ علي أي ما جرأك علي"، وأنشد لقيس بن زهير: ؎أظنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِى ∗∗∗ وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ قلت: أصل التدلية في اللغة الإرسال والتعليق. يقال: دلى الشيء في مهواة، إذا أرسله بتعليق. وتدلى الشيء بنفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]. قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر. ودلاها بالتخفيف إذا نزعها من البئر، فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا أرسلها، ودلاها يدلوها دلوا، إذا نزعها وأخرجها، ومنه الإدلاء، وهو التوصل إلى الرجل برحم منه، ويشاركه في الاشتقاق الأكبر الدلالة وهي التوصل إلى الشيء بإبانته وكشفه، ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله، وكان عبد الله بن مسعود يتشبه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في هديه ودله وسمته، فالهدى الطريقة التي عليها العبد، من أخلاقه وأقواله وأعماله، والدل ما يدل من ظاهره على باطنه، والسمت هيأته ووقاره ورزانته. والمقصود: ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين. قال مطرف بن عبد الله: "قال لهما إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما وحلف لهما، وإنما يخدع المؤمن بالله" قال قتادة: "وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله خدعنا"، فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم، وفي الصحيح: "أن عيسى ابن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق، فقال: سرقت؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت بصرى". وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله، فظنه المسيح سرقة، وهذا تكلف، وإنما كان الله سبحانه وتعالى في قلب المسيح عليه السلام أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له في اليمين بالله، كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له بالله عز وجل، وقال: ما ظننت أحدا يحلف بالله تعالى كاذبا. (فصل) وأما كيده للأبوين: فقد قص الله [الأعراف: ٢٠-٢٢] سبحانه علينا قصته معهما، وأنه لم يزل يخدعهما، ويعدهما، ويمنيهما الخلود في الجنة، حتى حلف لهما بالله جهد يمينه: إنه ناصح لهما، حتى اطمأنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما، فجرى عليهما من المحبة والخروج من الجنة ونزع لباسهما عنهما ما جرى، وكان ذلك بكيده ومكره الذي جرى به القلم، وسبق به القدر، ورد الله سبحانه كيده عليه، وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته، فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال وأجملها، وعاد عاقبة مكره عليه. ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وظن عدو الله بجهله أن الغلبة والظفر له في هذه الحرب، ولم يعلم بكمين جيش: ﴿رَبّنا ظَلَمْنا أنْفَسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. ولا بإقبال دولة ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢]. وظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من أجل أكلة أكلها. وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع في غير مقتل في غير مقتل، فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة. بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هُدِيَ لأحسن الشيم.

الأعراف 7:21

(فصل) وأول كيد الشّيْطانِ ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ (٢٠) وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾. فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي، وبه سمى صوت الحلي وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْه مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم، وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة يدل على فساد في دينه، قال الشاعر: ؎إنِّي كَأنِّي أرى مَن لا حَياءَ لَهُ ∗∗∗ ولا أمانَةَ وسْطَ النّاسِ عُرْيانا فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، يُجَمِّل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها. ثم قال: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكْين﴾ [الأعراف: ٢٠]. أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا في الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم، فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود. فشام عدو الله الأبوين، فأحسَّ منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وكان عبد الله بن عباس يقرؤها (مَلِكَين) بكسر اللام، ويقول: لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠]. وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب؟ وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه؟، فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلًا، وإنما كذبهما عدو الله وغرَّهما، وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح، وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون، ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود في الجنة، وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه، أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعده القدر، ولما فرغ الله سبحانه من تقديره فأخذتهما سنة الغَفْلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل: ؎واسْتَيْقَظُوا وأرادَ اللهُ غَفْلَتَهم ∗∗∗ لِيَنْفُذَ القَدَرُ المَحْتُومُ في الأزَلِ إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله ﴿أو تكونا من الخالدين﴾ [الأعراف: ٢٠]. فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله، والاعتذار عنه، وإنما يعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه، فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين، وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع، والآخر: ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده. فقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يْبلى﴾ [طه: ١٢٠]. فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها في قوله: ﴿إلا أنْ تَكونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فتأمله، ثم قال: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّى لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد: أحدها: تأكيده بالقسم. الثاني: تأكيده بـ إنّ. الثالث: تقديم المعمول على العامل، إيذانا بالاختصاص. أي نصيحتي مختصة بكما، وفائدتها إليكما لا إلى. الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد: أي النصح صفتي وسجيتي، ليس أمرا عارضا لي. الخامس: إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم. السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين، فكأنه قال لهما: الناصحون لكما في ذلك كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشئ: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به. ؎سَعى نَحْوَها حَتّى تجاوَزَ حَدَّهُ ∗∗∗ وكَثَّرَ فارْتابَتْ، ولَوْ شاءَ قَلَّلا وورّث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١]. فأكدوا خبرهم بالشهادة وبـ إن وبلام التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]. ثم قال تعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]. قال أبو عبيدة: "خذلهما وخلاهما، من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر". وذكر الأزهري لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: "أصله الرجل العطشان يتدلى في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدى نفعا، فيقال: دلاه، إذا أطمعه"، ومنه قول أبى جندب الهذلي: ؎أحُصُّ، فَلاَ أُجِيرُ ومَن أُجِرْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ كَمَن تَدَلّى بِالغُرُورِ أحص: أي أقطع. الثاني: "فدلاهما بغرور، أي جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهي الجراءة"، قال شمر: "يقال: ما دَلَّكَ علي أي ما جرأك علي"، وأنشد لقيس بن زهير: ؎أظنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِى ∗∗∗ وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ قلت: أصل التدلية في اللغة الإرسال والتعليق. يقال: دلى الشيء في مهواة، إذا أرسله بتعليق. وتدلى الشيء بنفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]. قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر. ودلاها بالتخفيف إذا نزعها من البئر، فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا أرسلها، ودلاها يدلوها دلوا، إذا نزعها وأخرجها، ومنه الإدلاء، وهو التوصل إلى الرجل برحم منه، ويشاركه في الاشتقاق الأكبر الدلالة وهي التوصل إلى الشيء بإبانته وكشفه، ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله، وكان عبد الله بن مسعود يتشبه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في هديه ودله وسمته، فالهدى الطريقة التي عليها العبد، من أخلاقه وأقواله وأعماله، والدل ما يدل من ظاهره على باطنه، والسمت هيأته ووقاره ورزانته. والمقصود: ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين. قال مطرف بن عبد الله: "قال لهما إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما وحلف لهما، وإنما يخدع المؤمن بالله" قال قتادة: "وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله خدعنا"، فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم، وفي الصحيح: "أن عيسى ابن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق، فقال: سرقت؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت بصرى". وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله، فظنه المسيح سرقة، وهذا تكلف، وإنما كان الله سبحانه وتعالى في قلب المسيح عليه السلام أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له في اليمين بالله، كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له بالله عز وجل، وقال: ما ظننت أحدا يحلف بالله تعالى كاذبا. (فصل) وأما كيده للأبوين: فقد قص الله [الأعراف: ٢٠-٢٢] سبحانه علينا قصته معهما، وأنه لم يزل يخدعهما، ويعدهما، ويمنيهما الخلود في الجنة، حتى حلف لهما بالله جهد يمينه: إنه ناصح لهما، حتى اطمأنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما، فجرى عليهما من المحبة والخروج من الجنة ونزع لباسهما عنهما ما جرى، وكان ذلك بكيده ومكره الذي جرى به القلم، وسبق به القدر، ورد الله سبحانه كيده عليه، وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته، فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال وأجملها، وعاد عاقبة مكره عليه. ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وظن عدو الله بجهله أن الغلبة والظفر له في هذه الحرب، ولم يعلم بكمين جيش: ﴿رَبّنا ظَلَمْنا أنْفَسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. ولا بإقبال دولة ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢]. وظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من أجل أكلة أكلها. وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع في غير مقتل في غير مقتل، فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة. بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هُدِيَ لأحسن الشيم.

الأعراف 7:22

(فصل) وأول كيد الشّيْطانِ ومكره: أنه كاد الأبوين بالأيمان الكاذبة: أنه ناصح لهما، وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ (٢٠) وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ (٢١) فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾. فالوسوسة: حديث النفس والصوت الخفي، وبه سمى صوت الحلي وسواسا، ورجل موسوس بكسر الواو، ولا يفتح فإنه لحن، وإنما قيل له: موسوس؛ لأن نفسه توسوس إليه، قال تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْه مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. وعلم عدو الله أنهما إذا أكلا من الشجرة بدت لهما عوراتهما، فإنها معصية، والمعصية تهتك ستر ما بين الله وبين العبد، فلما عصيا انهتك ذلك الستر فبدت لهما سوآتهما فالمعصية تبدي السوأة الباطنة والظاهرة، ولهذا رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في رؤياه الزناة والزواني عراة بادية سوآتهم، وهكذا إذا رؤي الرجل أو المرأة في منامه مكشوف السوأة يدل على فساد في دينه، قال الشاعر: ؎إنِّي كَأنِّي أرى مَن لا حَياءَ لَهُ ∗∗∗ ولا أمانَةَ وسْطَ النّاسِ عُرْيانا فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسا ظاهرا يواري العورة ويسترها، ولباسا باطنا من التقوى، يُجَمِّل العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها. ثم قال: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكْين﴾ [الأعراف: ٢٠]. أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا في الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها، وهذا باب كيده الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم، فإنه يجري منه مجرى الدم حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب، وكذلك علم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه، فإنه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود. فشام عدو الله الأبوين، فأحسَّ منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وكان عبد الله بن عباس يقرؤها (مَلِكَين) بكسر اللام، ويقول: لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملكين فأتاهما من جهة الملك، ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأخرى: ﴿قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠]. وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدو الله آدم عليه السلام أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب؟ وكان آدم عليه السلام أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولا سيما مما نهاه الله عز وجل عنه؟، فالجواب: أن آدم وحواء عليهما السلام لم يطمعا في ذلك أصلًا، وإنما كذبهما عدو الله وغرَّهما، وخدعهما بأن سمى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح، وسموا أخاها بلقيمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية، وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسموا أبلغ الكفر، وهو جحد صفات الرب، تنزيها، وسموا مجالس الفسوق مجالس الطيبة. فلما سماها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون، ولم يكن آدم عليه السلام قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود في الجنة، وحصلت الشبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه، أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعده القدر، ولما فرغ الله سبحانه من تقديره فأخذتهما سنة الغَفْلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل: ؎واسْتَيْقَظُوا وأرادَ اللهُ غَفْلَتَهم ∗∗∗ لِيَنْفُذَ القَدَرُ المَحْتُومُ في الأزَلِ إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله ﴿أو تكونا من الخالدين﴾ [الأعراف: ٢٠]. فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله، والاعتذار عنه، وإنما يعتذر عن الأب في كون ذلك راج عليه وولج سمعه، فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين، وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع، والآخر: ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يردده. فقال: ﴿يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يْبلى﴾ [طه: ١٢٠]. فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها في قوله: ﴿إلا أنْ تَكونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فتأمله، ثم قال: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّى لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. فتضمن هذا الخبر أنواعا من التأكيد: أحدها: تأكيده بالقسم. الثاني: تأكيده بـ إنّ. الثالث: تقديم المعمول على العامل، إيذانا بالاختصاص. أي نصيحتي مختصة بكما، وفائدتها إليكما لا إلى. الرابع: إتيانه باسم الفاعل الدال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد: أي النصح صفتي وسجيتي، ليس أمرا عارضا لي. الخامس: إتيانه بلام التأكيد في جواب القسم. السادس: أنه صور نفسه لهما ناصحا من جملة الناصحين، فكأنه قال لهما: الناصحون لكما في ذلك كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشئ: كل أحد معى على هذا وأنا من جملة من يشير عليك به. ؎سَعى نَحْوَها حَتّى تجاوَزَ حَدَّهُ ∗∗∗ وكَثَّرَ فارْتابَتْ، ولَوْ شاءَ قَلَّلا وورّث عدو الله هذا المكر لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين كما كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جاءوه: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١]. فأكدوا خبرهم بالشهادة وبـ إن وبلام التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]. ثم قال تعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]. قال أبو عبيدة: "خذلهما وخلاهما، من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر". وذكر الأزهري لهذه اللفظة أصلين: أحدهما قال: "أصله الرجل العطشان يتدلى في البئر ليروى من الماء فلا يجد فيها ماء فيكون قد تدلى فيها بالغرور. فوضعت التدلية موضع الإطماع فيما لا يجدى نفعا، فيقال: دلاه، إذا أطمعه"، ومنه قول أبى جندب الهذلي: ؎أحُصُّ، فَلاَ أُجِيرُ ومَن أُجِرْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ كَمَن تَدَلّى بِالغُرُورِ أحص: أي أقطع. الثاني: "فدلاهما بغرور، أي جرأهما على أكل الشجرة، وأصله: دللهما من الدلال والدالة وهي الجراءة"، قال شمر: "يقال: ما دَلَّكَ علي أي ما جرأك علي"، وأنشد لقيس بن زهير: ؎أظنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِى ∗∗∗ وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ قلت: أصل التدلية في اللغة الإرسال والتعليق. يقال: دلى الشيء في مهواة، إذا أرسله بتعليق. وتدلى الشيء بنفسه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩]. قال عامة أهل اللغة: يقال: أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر. ودلاها بالتخفيف إذا نزعها من البئر، فأدلى دلوه يدليه إدلاء إذا أرسلها، ودلاها يدلوها دلوا، إذا نزعها وأخرجها، ومنه الإدلاء، وهو التوصل إلى الرجل برحم منه، ويشاركه في الاشتقاق الأكبر الدلالة وهي التوصل إلى الشيء بإبانته وكشفه، ومنه الدل وهو ما يدل على العبد من أفعاله، وكان عبد الله بن مسعود يتشبه برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في هديه ودله وسمته، فالهدى الطريقة التي عليها العبد، من أخلاقه وأقواله وأعماله، والدل ما يدل من ظاهره على باطنه، والسمت هيأته ووقاره ورزانته. والمقصود: ذكر كيد عدو الله ومكره بالأبوين. قال مطرف بن عبد الله: "قال لهما إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما وحلف لهما، وإنما يخدع المؤمن بالله" قال قتادة: "وكان بعض أهل العلم يقول من خادعنا بالله خدعنا"، فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم، وفي الصحيح: "أن عيسى ابن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق، فقال: سرقت؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فقال المسيح: آمنت بالله وكذبت بصرى". وقد تأوله بعضهم على أنه لما حلف له جوز أن يكون قد أخذ من ماله، فظنه المسيح سرقة، وهذا تكلف، وإنما كان الله سبحانه وتعالى في قلب المسيح عليه السلام أجل وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره لما اجتهد له في اليمين بالله، كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له بالله عز وجل، وقال: ما ظننت أحدا يحلف بالله تعالى كاذبا. (فصل) وأما كيده للأبوين: فقد قص الله [الأعراف: ٢٠-٢٢] سبحانه علينا قصته معهما، وأنه لم يزل يخدعهما، ويعدهما، ويمنيهما الخلود في الجنة، حتى حلف لهما بالله جهد يمينه: إنه ناصح لهما، حتى اطمأنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما، فجرى عليهما من المحبة والخروج من الجنة ونزع لباسهما عنهما ما جرى، وكان ذلك بكيده ومكره الذي جرى به القلم، وسبق به القدر، ورد الله سبحانه كيده عليه، وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته، فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال وأجملها، وعاد عاقبة مكره عليه. ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وظن عدو الله بجهله أن الغلبة والظفر له في هذه الحرب، ولم يعلم بكمين جيش: ﴿رَبّنا ظَلَمْنا أنْفَسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. ولا بإقبال دولة ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢]. وظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من أجل أكلة أكلها. وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع في غير مقتل في غير مقتل، فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة. بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هُدِيَ لأحسن الشيم.

الأعراف 7:23

(لطيفة) حذرا من فائت ما، انتفع آدم في بلية وعصى بكمال وعلم ولا رد عنه عز ﴿اسجدوا﴾ وإنما خلصه ذل ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾.

الأعراف 7:26

(لطيفة) وَكَما جَمَعَ بَيْنَ اللِّباسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾، فَذَكَرَ - سُبْحانَهُ - زِينَةَ ظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ونَبَّهَهم بِالحِسِّيِّ عَلى المَعْنَوِيِّ؛ وفَهْمُ هَذا القَدْرِ زائِدٌ عَلى فَهْمِ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ ووَضْعِهِ في أصْلِ اللِّسانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى، زينة الظاهر والباطن، وكمال الظاهر والباطن. (فصل) قوله ﷺ في الحَدِيث "إن الله جميل يحب الجمال" يتَناوَل جمال الثِّياب المسؤول عَنهُ في نفس الحَدِيث، ويدخل فِيهِ بطرِيق العُمُوم الجمال من كل شَيْء كَما في الحَدِيث الآخر إن الله نظيف يحب النَّظافَة وفي الصَّحِيح إن الله طيب لا يقبل إلّا طيبا وفي السّنَن إن الله يحب أن يرى أثر نعْمَته على عَبده وفيها عَن أبي الأحْوَص الجُشَمِي قالَ رَآنِي النَّبِي وعليَّ أطمار فَقالَ هَل لَك من مال قلت نعم قالَ من أي المال قلت من كل ما أتى الله من الإبِل والشاه قالَ فلتر نعْمَته وكرامته عَلَيْك فَهو سُبْحانَهُ يحب ظُهُور أثر نعْمَته على عَبده فَإنَّهُ من الجمال الَّذِي يُحِبهُ وذَلِكَ من شكره على نعمه وهو جمال باطِن فيحب أن يرى على عَبده الجمال الظّاهِر بِالنعْمَةِ والجمال الباطِن بالشكر عَلَيْها ولمحبته سُبْحانَهُ للجمال أنزل على عباده لباسا وزينة تجمّل ظواهرهم وتقوى تجمّل بواطنهم فَقالَ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِك خير﴾ وَقالَ في أهل الجنَّة ﴿ولقاهم نضرة وسُرُورًا وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ فجمل وُجُوههم بالنظرة وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير وهو سُبْحانَهُ كَما يحب الجمال في الأقْوال والأفْعال واللباس والهيأة يبغض القَبِيح من الأقْوال والأفْعال والثياب والهيأة فيبغض القَبِيح وأهله ويُحب الجمال وأهله ولَكِن ضل في هَذا المَوْضُوع فريقان فريق قالُوا كل ما خلقه جميل فَهو يحب كل ما خلقه ونحن نحب جَمِيع ما خلقه فَلا نبغض مِنهُ شَيْئا قالُوا ومن رأى الكائنات مِنهُ رَآها كلها جميلَة وأنْشد منشدهم ؎وَإذا رَأيْت الكائنات بعينهم ∗∗∗ فَجَمِيع ما يحوي الوُجُود مليح واحْتَجُّوا بقوله تَعالى ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقَوله ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقَوله ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ والعارف عِنْدهم هو الَّذِي يُصَرح بِإطْلاق الجمال ولا يرى في الوُجُود قبيحا، وهَؤُلاء قد عدمت الغيرَة لله من قُلُوبهم والبغض في الله والمعاداة فِيهِ وإنكار المُنكر والجهاد في سَبيله وإقامَة حُدُوده ويرى جمال الصُّور من الذُّكُور والإناث من الجمال الَّذِي يُحِبهُ الله فيتعبدون بفسقهم ورُبما غلا بَعضهم حَتّى يزْعم أن معبوده يظْهر في تِلْكَ الصُّورَة ويحل فِيها وإن كانَ اتحاديا قالَ هي مظهر من مظاهر الحق ويسميها المظاهر الجمالية. (فصل) وقابلهم في الفَرِيق الثّانِي فَقالُوا قد ذمّ الله سُبْحانَهُ جمال الصُّور وتَمام القامَة والخلقة فَقالَ عَن المنافقين ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ وقالَ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ أي أمْوالًا ومناظر قالَ الحسن هو الصُّور وفي صَحِيح مُسلم عَنهُ إن الله لا ينظر إلى صوركم وأمْوالكم وإنَّما ينظر إلى قُلُوبكم وأعْمالكم قالُوا ومَعْلُوم أنه لم ينف نظر الإدْراك وإنَّما نفى نظر المحبَّة قالُوا وقد حرّم علينا لِباس الحَرِير والذَّهَب وآنية والذَّهَب الفضة وذَلِكَ من أعظم جمال الدُّنْيا وقالَ ولا تَمُدَّن عَيْنك إلى ما متّعنا بِهِ أزْواجًا مِنهُم زهرَة الحَياة الدُّنْيا لنفتنهم فِيهِ وفي الحَدِيث البذاذة من الإيمان وقد ذمّ الله المسرفين والسرف كَما يكون في الطَّعام والشراب يكون في اللباس. وَفصل النزاع أن يُقال الجمال في الصُّورَة واللباس والهيأة ثَلاثَة أنْواع مِنهُ ما يحمد ومِنه ما يذم ومِنه ما لا يتَعَلَّق بِهِ مدح ولا ذمّ فالمحمود مِنهُ ما كانَ لله وأعان على طاعَة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة لَهُ كَما كانَ النَّبِي يتجمّل للوفود وهو نَظِير لِباس آلَة الحَرْب لِلْقِتالِ ولباس الحَرِير في الحَرْب والخُيَلاء فِيهِ فَإن ذَلِك مَحْمُود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوّه والمذموم مِنهُ ما كانَ للدنيا والرياسة والفَخْر والخُيَلاء والتوسل إلى الشَّهَوات وأن يكون هو غايَة العَبْد وأقصى مطلبه فَإن كثيرا من النُّفُوس لَيْسَ لَها همّة في سوى ذَلِك وأما ما لا يحمد ولا يذم هو ما خلا عَن هذَيْن القصدين وتجرّد عَن الوصفين والمَقْصُود أن هَذا الحَدِيث الشريف مُشْتَمل على أصلين عظيمين فأوله معرفَة وآخره سلوك فَيعرف الله سُبْحانَهُ بالجمال الَّذِي لا يماثله فِيهِ شَيْء ويعبد بالجمال الَّذِي يُحِبهُ من الأقْوال والأعمال والأخلاق فيحب من عَبده أن يجمل لِسانه بِالصّدقِ وقَلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل وجوارحه بِالطّاعَةِ وبدنه بِإظْهار نعمه عَلَيْهِ في لِباسه وتطهيره لَهُ من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الأظْفار فيعرفه بِصِفات بالجمال ويتعرف إلَيْهِ بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الَّذِي هو وصفه ويعبده بالجمال الَّذِي هو شَرعه ودينه فَجمع الحَدِيث قاعدتين المعرفَة والسلوك.

الأعراف 7:29

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَما كَتَبَ عَلَيْكم تَكُونُونَ. وَقالَ مُجاهِدٌ: كَما بَدَأكم تَعُودُونَ شَقِيًّا، وسَعِيدًا. وَقالَ أيْضًا: يَبْعَثُ المُسْلِمَ مُسْلِمًا والكافِرَ كافِرًا. وَقالَ أبُو العالِيَةِ: عادُوا إلى عِلْمِهِ فِيهِمْ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]. وَهَذا يَتَضَمَّنُ إثْباتَ عِلْمِهِ، وقَدَرِهِ السّابِقِ، وأنَّ الخَلْقَ يَصِيرُونَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وكَوْنُ هَذا مُرادَ الآيَةُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَإنَّ الآيَةَ اقْتَضَتْ حُكْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُعِيدُهم كَما بَدَأهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى المَعادِ بِالبُداءَةِ. والثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ هَدى فَرِيقًا وأضَلَّ فَرِيقًا، فالأمْرُ كُلُّهُ لَهُ: بَدْؤُهم وإعادَتُهُمْ، وهِدايَةُ مَن هَدى مِنهم وإضْلالُ مَن أضَلَّ مِنهُمْ، ولَيْسَ في شُرَكائِهِمْ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وَأمّا أمْرُ المَلَكِ " «بِكَتْبِ شَقاوَةِ العَبْدِ وسَعادَتِهِ في بَطْنِ أُمِّهِ» " وَقَوْلُهُ " «الشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» " فَحَقٌّ لا يُخالِفُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بَلْ قَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، وكَلِمَةُ الصَّحابَةِ قَبْلَهم عَلى ذَلِكَ. وَأمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «فِي الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: " أنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا» " فَمِثْلُ ذَلِكَ سَواءً. و" كافِرًا " حالٌ مُقَدَّرَةٌ لا مُقارَنَةٌ، أيْ طُبِعَ مُقَدَّرًا كُفْرُهُ، وإلّا فَهو في حالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وطِفْلًا لا يَعْقِلُ كُفْرًا ولا إيمانًا. فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ هَكَذا فَلِمَ قَتَلَهُ الخَضِرُ؟ فالجَوابُ ما قالَهُ لِمُوسى: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الغُلامِ لِمَصْلَحَةٍ، وأمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالكَفِّ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ، والذُّرِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ، فَكانَ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ يَشْهَدُها أُولُو الألْبابِ. (فائدة: الحِكْمَة الَّتِي لأجلها يُعاد بَنو آدم غرلًا) لما وعد الله سُبْحانَهُ وهو صادِق الوَعْد الَّذِي لا يخلف وعده أنه يُعِيد الخلق كَما بدأهم أول مرّة كانَ من صدق وعده أن يُعِيدهُ على الحالة الَّتِي بدأه عَلَيْها من تَمام أعْضائِهِ وكمالها قالَ الله تَعالى ﴿يَوْم نطوي السَّماء كطي السّجل للكتب كَما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنّا كُنّا فاعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقالَ تَعالى ﴿كَما بَدَأكم تعودُونَ﴾ وَأيْضًا فَإن الخِتان إنَّما شرع في الدُّنْيا لتكميل الطَّهارَة والتنزه من البَوْل وأهل الجنَّة لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ فَلَيْسَ هُناكَ نَجاسَة تصيب الغرلة فَيحْتاج إلى التَّحَرُّز مِنها، والقلفة لا تمنع لَذَّة الجِماع ولا تعوقه هَذا إن قدر استمرارهم على تِلْكَ الحالة الَّتِي بعثوا عَلَيْها، وإلّا فَلا يلْزم من كَونهم يبعثون كَذَلِك أن يستمروا على تِلْكَ الحالة الَّتِي بعثوا عَلَيْها فَإنَّهُم يبعثون حُفاة عُراة بُهما ثمَّ يكسون ويمد خلقهمْ ويُزاد فِيهِ بعد ذَلِك يُزاد في خلق أهل الجنَّة والنّار وإلّا فوقت قيامهم من القُبُور يكونُونَ على صورتهم الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا وعَلى صفاتهم وهيئاتهم وأحوالهم فيبعث كل عبد على ما ماتَ عَلَيْهِ ثمَّ ينشئهم الله سُبْحانَهُ كَما يَشاء وهل تبقى تِلْكَ الغرلة الَّتِي كملت خلقهمْ في القُبُور أو تَزُول يُمكن هَذا وهَذا ولا يعلم إلّا بِخَبَر يجب المصير إلَيْهِ والله سُبْحانَهُ وتَعالى أعلم.

الأعراف 7:30

(فصل) روى ابن عبد البر بإسناده عن موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ قال: "من ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بعمل أهل الضلالة ومن ابتدأ خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بعمل أهل الهدى ابتدأ خلق إبليس على الضلالة وعمل بعمل أهل السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالة" فقال: "وكان من الكافرين وابتدأ خلق السحرة على الهدى وعملوا بعمل أهل الضلالة ثم هداهم الله إلى الهدى والسعادة وتوفاهم عليها مسلمين" فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبين أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم صائرون إليه وأنهم قد يعملون قبل ذلك غيره وأن من ابتدئ على الضلالة أي كتب أن يموت ضالا فقد يكون قبل ذلك عاملا بعمل أهل الهدى وحينئذ فمن ولد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمنع أن يعرض لها ما يغيرها فيصير إلى ما سبق به القدر كما في الحديث الصحيح: "إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة" وقال سعيد بن جبير في قوله: "كما بدأ كم تعودون قال كما كتب عليكم تكونون" وقال مجاهد: "كما بدأكم تعودون شقي وسعيد" وقال أيضا: "يبعث المسلم مسلما والكافر كافرا" وقال أبو العالية: "عادوا إلى علمه فيهم فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة" قلت هذا المعنى صحيح في نفسه دل عليه القرآن والسنة والآثار السلفية وإجماع أهل السنة وأما كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه والذي يظهر من الآية أن معناها معنى نظرائها وأمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى وعلى المعاد بالمبدأ فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان فقال ﴿كما بدأكم تعودون﴾ كقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ وقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية وقوله: ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ إلى قوله: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الأِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي على رجع الإنسان حيا بعد موته هذا هو الصواب في معنى الآية يبقى أن يقال فكيف يرتبط هذا بقوله ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾؟ فيقال هذا الذي أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية. ومن تأمل الآية علم أن القول أولى بها ووجه الارتباط أن الآية تضمنت قواعد الدين علما وعملا واعتقادا فأمر سبحانه فيها بالقسط هو الذي هو حقيقة شرعه ودينه وهو يتضمن التوحيد فإنه أعدل العدل والعدل في معاملة الخلق والعدل في العبادة وهو الاقتصاد في السنة ويتضمن الأمر بالإقبال على الله وإقامة عبوديته في ثبوته ويتضمن الإخلاص له وهو عبوديته وحده لا شريك له فهذا ما فيها من العمل ثم أخبر بمبدأهم ومعادهم فتضمن ذلك حدوث الخلق وإعادته فذلك الإيمان بالمبدأ والمعاد ثم أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال فريقا هدى وفريفا حق عليهم الضلالة فتضمنت الآية الإيمان بالقدر والشرع والمبدأ والمعاد والأمر بالعدل والإخلاص ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا الخبر ولم يطع هنا الأمر بأنه قدوا للشيطان دون ربه وأنه على ضلال وهو يحسب أنه على هدى والله أعلم. فإن قيل: فما الفرق بين قوله: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وبين قوله: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾؟ قيل: الفرق من وجهين لفظي ومعنوي أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أكثر منها في قوله: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ وقد تقدم أن الحذف مع كثرة الحواجز أحسن وأما المعنوي فإن من في قوله: ﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ واقعة على الأمة والجماعة وهي مؤنثة لفظا ألا تراه يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا﴾ ثم قال: ﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي من تلك الأمم أمم حقت عليهم الضلالة ولو قال: بدل ذلك ضلت لتعينت التاء ومعنى الكلامين واحد وإذا كان معنى الكلامين واحدا كان إثبات التاء أحسن من تركها لأنها ثابتة فيما هو في معنى الكلام الآخر. وأما: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ فالفريق مذكر ولو قال: فريقا ضلوا لكان بغير تاء وقولهم: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ في معناه فجاء بغير تاء وهذا أسلوب لطيف من أساليب العربية تدع العرب حكم اللفظ الواجب له في قياس لغتها إذا كان في معنى كلمة لا يجب لها ذلك الحكم تراهم يقولون هو أحسن الفتيان وأجمله لأنه في معنى هو أحسن فتى وأجمله. ونظيره تصحيحهم حول وعور لأنه في معنى أحول وأعور ونظائره كثيرة جدا فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس لا يجوزه فما ظنك به حيث يجوزه القياس والاستعمال وأحسن من هذا أن يقول إنهم أرادوا أحسن شيء وأجمله فجعلوا مكان شيء قولهم الفتيان تنبيها على أنه أحسن شيء من هذا الجنس فلو اقتصروا على ذكر شيء لم يدل على الجنس المفضل عليه. ومن هذا قوله ﷺ: "أحناه على ولد في صغره وأرعاه في ذات يده " رواه البخاري ومسلم وأحمد فهذا يدل على أن التقدير هناك أحسن شيء وأجمله لأنه أحسن فتى إذ لو كان التقدير أحسن فتى لكان نظيره هنا أحنى امرأة على ولد وكان يقال أحناها وأرعاها فلما عدل إلى التذكير دل على أنهم أرادوا أحسن شيء من هذا الجنس وأرعاه.

الأعراف 7:31

(فائدة) قوله تعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ جمعت أصول أحكام الشريعة كلها، فجمع الأمر والنهي والإباحة والخبر. (فائدة أخرى) قالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ مِن أئِمَّةِ الطِّبِّ: مَن أرادَ عافِيَةَ الجِسْمِ فَلْيُقَلِّلْ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، ومَن أرادَ عافِيَةَ القَلْبِ فَلْيَتْرُكِ الآثامَ. وَقالَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ: راحَةُ الجِسْمِ في قِلَّةِ الطَّعامِ، وراحَةُ الرُّوحِ في قِلَّةِ الآثامِ، وراحَةُ اللِّسانِ في قِلَّةِ الكَلامِ. والذُّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنزِلَةِ السُّمُومِ، إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أضْعَفَتْهُ، ولا بُدَّ وإذا ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُقاوَمَةِ الأمْراضِ، قالَ طَبِيبُ القُلُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها ؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُها (لطيفة) سَألَ سهل التسترِي الرجل يَأْكُل في اليَوْم أكلَة؟ قالَ أكل الصديقين. قيل لَهُ فأكلتين؟ قالَ أكل المُؤمنِينَ. قيل لَهُ فَثَلاث أكلات؟ فَقالَ قل لأهله يبنوا لَهُ معلفا. [فَصْلٌ: المُفْسِدُ الرّابِعُ مِن مُفْسِداتِ القَلْبِ الطَّعامُ] والمُفْسِدُ لَهُ مِن ذَلِكَ نَوْعانِ: أحَدُهُما ما يُفْسِدُهُ لِعَيْنِهِ وذاتِهِ كالمُحَرَّماتِ، وهي نَوْعانِ: مُحَرَّماتٌ لِحَقِّ اللَّهِ، كالمَيْتَةِ والدَّمِ، ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، وذِي النّابِ مِنَ السِّباعِ والمِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ، ومُحَرَّماتٌ لِحَقِّ العِبادِ، كالمَسْرُوقِ والمَغْصُوبِ والمَنهُوبِ، وما أُخِذَ بِغَيْرِ رِضا صاحِبِهِ، إمّا قَهْرًا وإمّا حَياءً وتَذَمُّمًا. والثّانِي: ما يُفْسِدُهُ بِقَدْرِهِ وتَعَدِّي حَدِّهِ، كالإسْرافِ في الحَلالِ، والشِّبَعِ المُفْرِطِ، فَإنَّهُ يُثْقِلُهُ عَنِ الطّاعاتِ، ويَشْغَلُهُ بِمُزاوَلَةِ مُؤْنَةِ البِطْنَةِ ومُحاوَلَتِها، حَتّى يَظْفَرَ بِها، فَإذا ظَفِرَ بِها شَغَلَهُ بِمُزاوَلَةِ تَصَرُّفِها ووِقايَةِ ضَرَرِها، والتَّأذِّي بِثِقَلِها، وقَوّى عَلَيْهِ مَوادَّ الشَّهْوَةِ، وطُرُقَ مَجارِي الشَّيْطانِ ووَسَّعَها، فَإنَّهُ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ، فالصَّوْمُ يُضَيِّقُ مَجارِيَهُ ويَسُدُّ عَلَيْهِ طُرُقَهُ، والشِّبَعُ يَطْرُقُها ويُوَسِّعُها، ومَن أكَلَ كَثِيرًا شَرِبَ كَثِيرًا، فَنامَ كَثِيرًا، فَخَسِرَ كَثِيرًا، وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ «ما مَلَأ آدَمِيٌّ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنِهِ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» ويُحْكى أنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ عَرَضَ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ لَهُ يَحْيى: هَلْ نِلْتَ مِنِّي شَيْئًا قَطُّ؟ قالَ: لا، إلّا أنَّهُ قُدِّمَ إلَيْكَ الطَّعامُ لَيْلَةً فَشَهَّيْتُهُ إلَيْكَ حَتّى شَبِعْتَ مِنهُ، فَنِمْتَ عَنْ وِرْدِكَ، فَقالَ يَحْيى: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ لا أشْبَعَ مِن طَعامٍ أبَدًا، فَقالَ إبْلِيسُ: وأنا، لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ لا أنْصَحَ آدَمِيًّا أبَدًا. [فَصْلٌ: الأدَبُ هو الدِّينُ كُلُّهُ] فَإنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مِنَ الأدَبِ. والوُضُوءَ وغُسْلَ الجَنابَةِ مِنَ الأدَبِ. والتَّطَهُّرَ مِنَ الخُبْثِ مِنَ الأدَبِ. حَتّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ طاهِرًا. ولِهَذا كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَجَمَّلَ الرَّجُلُ في صَلاتِهِ. لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: أمَرَ اللَّهُ بِقَدْرٍ زائِدٍ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ. وهو أخْذُ الزِّينَةِ. فَقالَ تَعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فَعَلَّقَ الأمْرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ، لا بِسَتْرِ العَوْرَةِ، إيذانًا بِأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ: أنْ يَلْبَسَ أزْيَنَ ثِيابِهِ، وأجْمَلَها في الصَّلاةِ. وَكانَ لِبَعْضِ السَّلَفِ حُلَّةٌ بِمَبْلَغٍ عَظِيمٍ مِنَ المالِ. وكانَ يَلْبَسُها وقْتَ الصَّلاةِ. ويَقُولُ: رَبِّي أحَقُّ مَن تَجَمَّلْتُ لَهُ في صَلاتِي. وَمَعْلُومٌ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُحِبُّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ. لاسِيَّما إذا وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَأحْسَنُ ما وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِمَلابِسِهِ ونِعْمَتِهِ الَّتِي ألْبَسَهُ إيّاها ظاهِرًا وباطِنًا. وَمِنَ الأدَبِ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ المُصَلِّيَ: «أنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ». فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: هَذا مِن كَمالِ أدَبِ الصَّلاةِ: أنْ يَقِفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مُطْرِقًا، خافِضًا طَرْفَهُ إلى الأرْضِ. ولا يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى فَوْقٍ. قالَ: والجَهْمِيَّةُ - لَمّا لَمْ يَفْقَهُوا هَذا الأدَبَ، ولا عَرَفُوهُ - ظَنُّوا أنَّ هَذا دَلِيلٌ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ فَوْقَ سَمَواتِهِ عَلى عَرْشِهِ. كَما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ. واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُ وجَمِيعُ أهْلِ السُّنَّةِ. قالَ: وهَذا مِن جَهْلِهِمْ. بَلْ هَذا دَلِيلٌ لِمَن عَقَلَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ؛ إذْ مِنَ الأدَبِ مَعَ المُلُوكِ: أنَّ الواقِفَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَطْرُقُ إلى الأرْضِ. ولا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَيْهِمْ. فَما الظَّنُّ بِمَلِكِ المُلُوكِ سُبْحانَهُ؟ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ - في نَهْيِهِ ﷺ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ - إنَّ القُرْآنَ هو أشْرَفُ الكَلامِ. وهو كَلامُ اللَّهِ. وحالَتا الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حالَتا ذُلٍّ وانْخِفاضٍ مِنَ العَبْدِ. فَمِنَ الأدَبِ مَعَ كَلامِ اللَّهِ: أنْ لا يُقْرَأ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. ويَكُونَ حالُ القِيامِ والِانْتِصابِ أوْلى بِهِ. وَمِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ: أنْ لا يَسْتَقْبِلَ بَيْتَهُ ولا يَسْتَدْبِرَهُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ. كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ وسَلْمانَ وأبِي هُرَيْرَةَ، وغَيْرِهِمْ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والصَّحِيحُ: أنَّ هَذا الأدَبَ: يَعُمُّ الفَضاءَ والبُنْيانَ. كَما ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. وَمِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ، في الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الصَّلاةِ: وضَعُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى حالَ قِيامِ القِراءَةِ، فَفي المُوَطَّأِ لِمالِكٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وكانَ النّاسُ يُؤْمَرُونَ بِهِ ولا رَيْبَ أنَّهُ مِن أدَبِ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ المُلُوكِ والعُظَماءِ. فَعَظِيمُ العُظَماءِ أحَقُّ بِهِ. وَمِنها: السُّكُونُ في الصَّلاةِ. وهو الدَّوامُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أنَّ أبا الخَيْرِ أخْبَرَهُ قالَ: سَألْنا عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] أهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ دائِمًا؟ قالَ: لا. ولَكِنَّهُ إذا صَلّى لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِهِ، ولا عَنْ شِمالِهِ ولا خَلْفَهُ. قُلْتُ: هُما أمْرانِ. الدَّوامُ عَلَيْها. والمُداوَمَةُ عَلَيْها. فَهَذا الدَّوامُ. والمُداوَمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وفُسِّرَ الدَّوامُ بِسُكُونِ الأطْرافِ والطُّمَأْنِينَةِ. وَأدَبِهِ في اسْتِماعِ القِراءَةِ: أنْ يُلْقِيَ السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ. وَأدَبُهُ في الرُّكُوعِ: أنْ يَسْتَوِيَ. ويُعَظِّمَ اللَّهَ تَعالى، حَتّى لا يَكُونَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ أعْظَمُ مِنهُ. ويَتَضاءَلَ ويَتَصاغَرَ في نَفْسِهِ. حَتّى يَكُونَ أقَلَّ مِنَ الهَباءِ. والمَقْصُودُ: أنَّ الأدَبَ مَعَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى: هو القِيامُ بِدِينِهِ، والتَّأدُّبُ بِآدابِهِ ظاهِرًا وباطِنًا. وَلا يَسْتَقِيمُ لِأحَدٍ قَطُّ الأدَبُ مَعَ اللَّهِ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَتُهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَتُهُ بِدِينِهِ وشَرْعِهِ، وما يُحِبُّ وما يَكْرَهُ. ونَفْسٌ مُسْتَعِدَّةٌ قابِلَةٌ لَيِّنَةٌ، مُتَهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا وحالًا. واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ: هَدْيِهِ ﷺ في حِفْظِ الصِّحَّةِ] لَمّا كانَ اعْتِدالُ البَدَنِ وصِحَّتُهُ وبَقاؤُهُ إنَّما هو بِواسِطَةِ الرُّطُوبَةِ المُقاوِمَةِ لِلْحَرارَةِ، فالرُّطُوبَةُ مادَّتُهُ، والحَرارَةُ تُنْضِجُها وتَدْفَعُ فَضَلاتِها، وتُصْلِحُها وتُلَطِّفُها، وإلّا أفْسَدَتِ البَدَنَ ولَمْ يُمْكِنْ قِيامُهُ، وكَذَلِكَ الرُّطُوبَةُ هي غِذاءُ الحَرارَةِ، فَلَوْلا الرُّطُوبَةُ لَأحْرَقَتِ البَدَنَ وأيْبَسَتْهُ وأفْسَدَتْهُ، فَقِوامُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما بِصاحِبَتِها، وقِوامُ البَدَنِ بِهِما جَمِيعًا، وكُلٌّ مِنهُما مادَّةٌ لِلْأُخْرى. فالحَرارَةُ مادَّةٌ لِلرُّطُوبَةِ تَحْفَظُها وتَمْنَعُها مِنَ الفَسادِ والِاسْتِحالَةِ، والرُّطُوبَةُ مادَّةٌ لِلْحَرارَةِ تَغْذُوها وتَحْمِلُها، ومَتى مالَتِ احْداهُما إلى الزِّيادَةِ عَلى الأُخْرى حَصَلَ لِمِزاجِ البَدَنِ الِانْحِرافُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، فالحَرارَةُ دائِمًا تُحَلِّلُ الرُّطُوبَةَ، فَيَحْتاجُ البَدَنُ إلى ما بِهِ يُخْلَفُ عَلَيْهِ ما حَلَّلَتْهُ الحَرارَةُ - لِضَرُورَةِ بَقائِهِ - وهو الطَّعامُ والشَّرابُ، ومَتى زادَ عَلى مِقْدارِ التَّحَلُّلِ، ضَعُفَتِ الحَرارَةُ عَنْ تَحْلِيلِ فَضَلاتِهِ، فاسْتَحالَتْ مَوادَّ رَدِيئَةً، فَعاثَتْ في البَدَنِ، وأفْسَدَتْ، فَحَصَلَتِ الأمْراضُ المُتَنَوِّعَةُ بِحَسَبِ تَنَوُّعِ مَوادِّها وقَبُولِ الأعْضاءِ واسْتِعْدادِها، وهَذا كُلُّهُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، فَأرْشَدَ عِبادَهُ إلى إدْخالِ ما يُقِيمُ البَدَنَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ عِوَضَ ما تَحَلَّلَ مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بِقَدْرِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ البَدَنُ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَمَتى جاوَزَ ذَلِكَ كانَ إسْرافًا، وكِلاهُما مانِعٌ مِنَ الصِّحَّةِ جالِبٌ لِلْمَرَضِ، أعْنِي عَدَمَ الأكْلِ والشُّرْبِ، أوِ الإسْرافَ فِيهِ. فَحِفْظُ الصِّحَّةِ كُلُّهُ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ الإلَهِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ أنَّ البَدَنَ دائِمًا في التَّحَلُّلِ والِاسْتِخْلافِ، وكُلَّما كَثُرَ التَّحَلُّلُ ضَعُفَتِ الحَرارَةُ لِفَناءِ مادَّتِها، فَإنَّ كَثْرَةَ التَّحَلُّلِ تُفْنِي الرُّطُوبَةَ، وهي مادَّةُ الحَرارَةِ، وإذا ضَعُفَتِ الحَرارَةُ، ضَعُفَ الهَضْمُ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى تَفْنى الرُّطُوبَةُ، وتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ جُمْلَةً، فَيَسْتَكْمِلُ العَبْدُ الأجَلَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ. فَغايَةُ عِلاجِ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ حِراسَةُ البَدَنِ إلى أنْ يَصِلَ إلى هَذِهِ الحالَةِ، لا أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ بَقاءَ الحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ اللَّتَيْنِ بَقاءُ الشَّبابِ والصِّحَّةِ والقُوَّةِ بِهِما، فَإنَّ هَذا مِمّا لَمْ يَحْصُلْ لِبَشَرٍ في هَذِهِ الدّارِ، وإنَّما غايَةُ الطَّبِيبِ أنْ يَحْمِيَ الرُّطُوبَةَ عَنْ مُفْسِداتِها مِنَ العُفُونَةِ وغَيْرِهِ، ويَحْمِيَ الحَرارَةَ عَنْ مُضْعِفاتِها، ويَعْدِلَ بَيْنَهُما بِالعَدْلِ في التَّدْبِيرِ الَّذِي بِهِ قامَ بَدَنُ الإنْسانِ، كَما أنَّ بِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وسائِرُ المَخْلُوقاتِ، إنَّما قِوامُها بِالعَدْلِ، ومَن تَأمَّلَ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ وجَدَهُ أفْضَلَ هَدْيٍ يُمْكِنُ حِفْظُ الصِّحَّةِ بِهِ، فَإنَّ حِفْظَها مَوْقُوفٌ عَلى حُسْنِ تَدْبِيرِ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَلْبَسِ والمَسْكَنِ، والهَواءِ والنَّوْمِ، واليَقَظَةِ والحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والمَنكَحِ والِاسْتِفْراغِ والِاحْتِباسِ، فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ عَلى الوَجْهِ المُعْتَدِلِ المُوافِقِ المُلائِمِ لِلْبَدَنِ والبَلَدِ والسِّنِّ والعادَةِ، كانَ أقْرَبَ إلى دَوامِ الصِّحَّةِ أوْ غَلَبَتِها إلى انْقِضاءِ الأجَلِ. وَلَمّا كانَتِ الصِّحَّةُ والعافِيَةُ مِن أجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، وأجْزَلِ عَطاياهُ، وأوْفَرِ مِنَحِهِ، بَلِ العافِيَةُ المُطْلَقَةُ أجَلُّ النِّعَمِ عَلى الإطْلاقِ، فَحَقِيقٌ لِمَن رُزِقَ حَظًّا مِنَ التَّوْفِيقِ مُراعاتُها وحِفْظُها وحِمايَتُها عَمّا يُضادُّها، وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ». وَفِي الترمذي وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عبيد الله بن محصن الأنصاري، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أصْبَحَ مُعافًى في جَسَدِهِ، آمِنًا في سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيا». وَفِي الترمذي أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أوَّلُ ما يُسْألُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّعِيمِ، أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، ونَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ». وَمِن هاهُنا قالَ مَن قالَ مِنَ السَّلَفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قالَ: عَنِ الصِّحَّةِ. وَفِي " مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ للعباس: «يا عباس، يا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ! سَلِ اللَّهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ». وَفِيهِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَلُوا اللَّهَ اليَقِينَ والمُعافاةَ، فَما أُوتِيَ أحَدٌ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العافِيَةِ»، فَجَمَعَ بَيْنَ عافِيَتَيِ الدِّينِ والدُّنْيا، ولا يَتِمُّ صَلاحُ العَبْدِ في الدّارَيْنِ إلّا بِاليَقِينِ والعافِيَةِ، فاليَقِينُ يَدْفَعُ عَنْهُ عُقُوباتِ الآخِرَةِ، والعافِيَةُ تَدْفَعُ عَنْهُ أمْراضَ الدُّنْيا في قَلْبِهِ وبَدَنِهِ. وَفِي " سُنَنِ النَّسائِيِّ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «سَلُوا اللَّهَ العَفْوَ والعافِيَةَ والمُعافاةَ، فَما أُوتِيَ أحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِن مُعافاةٍ». وَهَذِهِ الثَّلاثَةُ تَتَضَمَّنُ إزالَةَ الشُّرُورِ الماضِيَةِ بِالعَفْوِ، والحاضِرَةِ بِالعافِيَةِ، والمُسْتَقْبَلَةِ بِالمُعافاةِ، فَإنَّها تَتَضَمَّنُ المُداوَمَةَ والِاسْتِمْرارَ عَلى العافِيَةِ. وَفِي الترمذي مَرْفُوعًا: «ما سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ العافِيَةِ». وَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى: عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! لَأنْ أُعافى فَأشْكُرَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُبْتَلى فَأصْبِرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَرَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ مَعَكَ العافِيَةَ». وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: ما أسْألُ اللَّهَ بَعْدَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ؟ فَقالَ: " «سَلِ اللَّهَ العافِيَةَ "، فَأعادَ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ في الثّالِثَةِ: سَلِ اللَّهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ».

الأعراف 7:32

وهذا دليل على أنها فواحش في نفسها لا تستحسنها العقول. فتعلق التحريم بها لفحشها. فإن ترتيب الحكم على الوصف المناسب المشتق. يدل على أنه هو العلة المقتضية له. وهذا دليل في جميع الآيات التي ذكرناها. تدل على أنه حرمها لكونها فواحش، وحرم الخبيث لكونه خبيثا. وأمر بالمعروف لكونه معروفا. والعلة يجب أن تغاير المعلول. فلو كان كونه فاحشة هو معنى كونه منهيا عنه، وكونه خبيثا هو معنى كونه محرما: كانت العلة عين المعلول. وهذا محال. فتأمله وكذا تحريم الإثم والبغي دليل على أن هذا وصف ثابت له قبل التحريم. ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ فعلل النهي في الموضعين بكون المنهي عنه فاحشة. ولو كان جهة كونه فاحشة هو النهي لكان تعليلا للشيء بنفسه، ولكان بمنزلة أن يقال: لا تقربوا الزنا فإنه يقول لكم لا تقربوه، أو فإنه منهي عنه. وهذا محال من وجهين. أحدهما: أنه يتضمن إخلاء الكلام من الفائدة. والثاني: أنه تعليل للنهي بالنهي! (فائدة) "الدنيا سجن المؤمن" فيه تفسيران صحيحان: أحدهما: أن المؤمن قيده إيمانه عن المحظورات، والكافر مطلق التصرف. الثاني: أن ذلك باعتبار العواقب فالمؤمن لو كان أنعم الناس فذلك بالإضافة إلى مآله في الجنة كالسجن. والكفار عكسه فإنه لو كان أشد الناس بؤسا فذلك بالنسبة إلى النار جنته.

الأعراف 7:33

[فَصْلٌ: المُحَرَّماتُ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ] وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ القَوْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ في الفُتْيا والقَضاءِ، وجَعَلَهُ مِن أعْظَمِ المُحَرَّماتِ، بَلْ جَعَلَهُ في المَرْتَبَةِ العُلْيا مِنها، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فَرَتَّبَ المُحَرَّماتِ أرْبَعَ مَراتِبَ، وبَدَأ بِأسْهَلِها وهو الفَواحِشُ، ثُمَّ ثَنّى بِما هو أشَدُّ تَحْرِيمًا مِنهُ وهو الإثْمُ والظُّلْمُ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِما هو أعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنهُما وهو الشِّرْكُ بِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ رَبَّعَ بِما هو أشَدُّ تَحْرِيمًا مِن ذَلِكَ كُلِّهِ وهو القَوْلُ عَلَيْهِ بِلا عِلْمٍ، وهَذا يَعُمُّ القَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِلا عِلْمٍ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وفي دِينِهِ وشَرْعِهِ وقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] فَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ بِالوَعِيدِ عَلى الكَذِبِ عَلَيْهِ في أحْكامِهِ، وقَوْلِهِمْ لِما لَمْ يُحَرِّمْهُ: هَذا حَرامٌ، ولِما لَمْ يَحِلَّهُ: هَذا حَلالٌ، وهَذا بَيانٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ إلّا بِما عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحَلَّهُ وحَرَّمَهُ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَقُولَ: أحَلَّ اللَّهُ كَذا، وحَرَّمَ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْت، لَمْ أُحِلَّ كَذا، ولَمْ أُحَرِّمْ كَذا؛ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ وُرُودَ الوَحْيِ المُبِينِ بِتَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ أحَلَّهُ اللَّهُ ورَحِمَهُ اللَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ أوْ بِالتَّأْوِيلِ. (فائدة) وَدَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَحْرِيمُ كُلِّ فاحِشَةٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ، وكُلُّ ظُلْمٍ وعُدْوانٍ في مالٍ أوْ نَفْسٍ أوْ عِرْضٍ، وكُلُّ شِرْكٍ بِاللَّهِ وإنْ دَقَّ في قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ أوْ إرادَةٍ بِأنْ يَجْعَلَ لِلَّهِ عَدْلًا بِغَيْرِهِ في اللَّفْظِ أوْ القَصْدِ أوْ الِاعْتِقادِ، وكُلُّ قَوْلٍ عَلى اللَّهِ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ عَنْهُ ولا عَنْ رَسُولِهِ في تَحْرِيمٍ أوْ تَحْلِيلٍ أوْ إيجابٍ أوْ إسْقاطٍ أوْ خَبَرٍ عَنْهُ بِاسْمٍ أوْ صِفَةٍ نَفْيًا أوْ إثْباتًا أوْ خَبَرًا عَنْ فِعْلِهِ؛ فالقَوْلُ عَلَيْهِ بِلا عِلْمٍ حَرامٌ في أفْعالِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ. [فَصْلٌ القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ] وَأمّا القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ فَهو أشَدُّ هَذِهِ المُحَرَّماتِ تَحْرِيمًا، وأعْظَمُها إثْمًا، ولِهَذا ذُكِرَ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ مِنَ المُحَرَّماتِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْها الشَّرائِعُ والأدْيانُ، ولا تُباحُ بِحالٍ، بَلْ لا تَكُونُ إلّا مُحَرَّمَةً، ولَيْسَتْ كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، الَّذِي يُباحُ في حالٍ دُونَ حالٍ. فَإنَّ المُحَرَّماتِ نَوْعانِ: مُحَرَّمٌ لِذاتِهِ لا يُباحُ بِحالٍ، ومُحَرَّمٌ تَحْرِيمًا عارِضًا في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى في المُحَرَّمِ لِذاتِهِ ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى ما هو أعْظَمُ مِنهُ فَقالَ ﴿والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى ما هو أعْظَمُ مِنهُ، فَقالَ ﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الأعراف: ٣٣] ثُمَّ انْتَقَلَ مِنهُ إلى ما هو أعْظَمُ مِنهُ، فَقالَ ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فَهَذا أعْظَمُ المُحَرَّماتِ عِنْدَ اللَّهِ وأشَدُّها إثْمًا، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، ونِسْبَتَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وتَغْيِيرَ دِينِهِ وتَبْدِيلَهُ، ونَفْيَ ما أثْبَتَهُ وإثْباتَ ما نَفاهُ، وتَحْقِيقَ ما أبْطَلَهُ وإبْطالَ ما حَقَّقَهُ، وعَداوَةَ مَن والاهُ ومُوالاةَ مَن عاداهُ، وحُبَّ ما أبْغَضَهُ وبُغْضَ ما أحَبَّهُ، ووَصَفَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأقْوالِهِ وأفْعالِهِ. فَلَيْسَ في أجْناسِ المُحَرَّماتِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنهُ، ولا أشَدُّ إثْمًا، وهو أصْلُ الشِّرْكِ والكُفْرِ، وعَلَيْهِ أُسِّسَتِ البِدَعُ والضَّلالاتُ، فَكُلُّ بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ في الدِّينِ أساسُها القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ. وَلِهَذا اشْتَدَّ نَكِيرُ السَّلَفِ والأئِمَّةِ لَها، وصاحُوا بِأهْلِها مِن أقْطارِ الأرْضِ، وحَذَّرُوا فِتْنَتَهم أشَدَّ التَّحْذِيرِ، وبالَغُوا في ذَلِكَ ما لَمْ يُبالِغُوا مِثْلَهُ في إنْكارِ الفَواحِشِ، والظُّلْمِ والعُدْوانِ، إذْ مَضَرَّةُ البِدَعِ وهَدْمُها لِلدِّينِ ومُنافاتُها لَهُ أشُدُّ، وقَدْ أنْكَرَ تَعالى عَلى مَن نَسَبَ إلى دِينِهِ تَحْلِيلَ شَيْءٍ أوْ تَحْرِيمَهُ مِن عِنْدِهِ، بِلا بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ، فَقالَ ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] الآيَةَ. فَكَيْفَ بِمَن نَسَبَ إلى أوْصافِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ؟ أوْ نَفى عَنْهُ مِنها ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ؟ قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لِيَحْذَرْ أحَدُكم أنْ يَقُولَ: أحَلَّ اللَّهُ كَذا، وحَرَّمَ اللَّهُ كَذا، فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ، لَمْ أُحِلَّ هَذا، ولَمْ أُحَرِّمْ هَذا. يَعْنِي التَّحْلِيلَ والتَّحْرِيمَ بِالرَّأْيِ المُجَرَّدِ، بِلا بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وَأصْلُ الشِّرْكَ والكُفْرِ هو القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ، فَإنَّ المُشْرِكَ يَزْعُمُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ، يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، ويَشْفَعُ لَهُ عِنْدَهُ، ويَقْضِي حاجَتَهُ بِواسِطَتِهِ، كَما تَكُونُ الوَسائِطُ عِنْدَ المُلُوكِ، فَكُلُّ مُشْرِكٍ قائِلٌ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ، دُونَ العَكْسِ، إذِ القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ قَدْ يَتَضَمَّنُ التَّعْطِيلَ والِابْتِداعَ في دِينِ اللَّهِ، فَهو أعَمُّ مِنَ الشِّرْكِ، والشِّرْكُ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ. وَلِهَذا كانَ الكَذِبُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوجِبًا لِدُخُولِ النّارِ، واتِّخاذِ مَنزِلَةٍ مِنها مُبَوَّءًا، وهو المَنزِلُ اللّازِمُ الَّذِي لا يُفارِقُهُ صاحِبُهُ، لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْقَوْلِ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ، كَصَرِيحِ الكَذِبِ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما انْضافَ إلى الرَّسُولِ فَهو مُضافٌ إلى المُرْسِلِ، والقَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ صَرِيحٍ افْتِراءُ الكَذِبِ عَلَيْهِ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]. فَذُنُوبُ أهْلِ البِدَعِ كُلُّها داخِلَةٌ تَحْتَ هَذا الجِنْسِ فَلا تَتَحَقَّقُ التَّوْبَةُ مِنهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ مِنَ البِدَعِ. وَأنّى بِالتَّوْبَةِ مِنها لِمَن لَمْ يَعْلَمْ أنَّها بِدْعَةٌ، أوْ يَظُنُّها سُنَّةً، فَهو يَدْعُو إلَيْها، ويَحُضُّ عَلَيْها؟ فَلا تَنْكَشِفُ لِهَذا ذُنُوبُهُ الَّتِي تَجِبُّ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنها إلّا بِتَضَلُّعِهِ مِنَ السُّنَّةِ، وكَثْرَةِ اطِّلاعِهِ عَلَيْها، ودَوامِ البَحْثِ عَنْها والتَّفْتِيشِ عَلَيْها، ولا تَرى صاحِبَ بِدْعَةٍ كَذَلِكَ أبَدًا. فَإنَّ السُّنَّةَ بِالذّاتِ تَمْحَقُ البِدْعَةَ، ولا تَقُومُ لَها، وإذا طَلَعَتْ شَمْسُها في قَلْبِ العَبْدِ قَطَعَتْ مِن قَلْبِهِ ضَبابَ كُلِّ بِدْعَةٍ، وأزالَتْ ظُلْمَةَ كُلِّ ضَلالَةٍ، إذْ لا سُلْطانَ لِلظُّلْمَةِ مَعَ سُلْطانِ الشَّمْسِ، ولا يَرى العَبْدُ الفَرْقَ بَيْنَ السُّنَّةِ والبِدْعَةِ، ويُعِينُهُ عَلى الخُرُوجِ مِن ظُلْمَتِها إلى نُورِ السُّنَّةِ، إلّا المُتابَعَةُ، والهِجْرَةُ بِقَلْبِهِ كُلَّ وقْتٍ إلى اللَّهِ، بِالِاسْتِعانَةِ والإخْلاصِ، وصِدْقِ اللَّجْإ إلى اللَّهِ، والهِجْرَةِ إلى رَسُولِهِ، بِالحِرْصِ عَلى الوُصُولِ إلى أقْوالِهِ وأعْمالِهِ وهَدْيِهِ وسُنَّتِهِ «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ» ومَن هاجَرَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَهو حَظُّهُ ونَصِيبُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ: لا يُفْتِي ولا يَحْكُمُ إلّا بِما يَكُونُ عالِمًا بِالحَقِّ فِيهِ] إذا نَزَلَتْ بِالحاكِمِ أوْ المُفْتِي النّازِلَةُ فَإمّا أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالحَقِّ فِيها أوْ غالِبًا عَلى ظَنِّهِ بِحَيْثُ قَدْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في طَلَبِهِ ومَعْرِفَتِهِ، أوْ لا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالحَقِّ فِيها ولا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يُفْتِيَ، ولا يَقْضِيَ بِما لا يَعْلَمُ، ومَتى أقْدَمَ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ، ودَخَلَ تَحْتَ قَوْله تَعالى ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فَجَعَلَ القَوْلَ عَلَيْهِ بِلا عِلْمٍ أعْظَمَ المُحَرَّماتِ الأرْبَعِ الَّتِي لا تُباحُ بِحالٍ؛ ولِهَذا حَصَرَ التَّحْرِيمَ فِيها بِصِيغَةِ الحَصْرِ. وَدَخَلَ تَحْتَ قَوْله تَعالى ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ودَخَلَ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن أفْتى بِغَيْرِ عِلْمٍ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى مَن أفْتاهُ» وكانَ أحَدُ القُضاةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ ثُلُثاهم في النّارِ، وإنْ كانَ قَدْ عَرَفَ الحَقَّ في المَسْألَةِ عِلْمًا أوْ ظَنًّا غالِبًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يُفْتِيَ ولا يَقْضِيَ بِغَيْرِهِ بِالإجْماعِ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ الإسْلامِ، وهو أحَدُ القُضاةِ الثَّلاثَةِ والمُفْتِينَ الثَّلاثَةِ والشُّهُودِ الثَّلاثَةِ، وإذا كانَ مَن أفْتى أوْ حَكَمَ أوْ شَهِدَ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُرْتَكِبًا لِأعْظَمِ الكَبائِرِ، فَكَيْفَ مَن أفْتى أوْ حَكَمَ أوْ شَهِدَ بِما يَعْلَمُ خِلافَهُ؟ فالحاكِمُ والمُفْتِي والشّاهِدُ كُلٌّ مِنهم مُخْبِرٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ؛ فالحاكِمُ مُخْبِرٌ مُنَفِّذٌ، والمُفْتِي مُخْبِرٌ غَيْرُ مُنَفِّذٍ، والشّاهِدُ مُخْبِرٌ عَنْ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ المُطابِقِ لِلْحُكْمِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ؛ فَمَن أخْبَرَ مِنهم عَمّا يَعْلَمُ خِلافَهُ فَهو كاذِبٌ عَلى اللَّهِ عَمْدًا ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ولا أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وعَلى دِينِهِ، وإنْ أخْبَرُوا بِما لَمْ يَعْلَمُوا فَقَدْ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ جَهْلًا، وإنْ أصابُوا في الباطِنِ، وأخْبَرُوا بِما لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ لَهم في الإخْبارِ بِهِ. وَهم أسْوَأُ حالًا مِن القاذِفِ إذا رَأى الفاحِشَةَ وحْدَهُ فَأخْبَرَ بِها فَإنَّهُ كاذِبٌ عِنْدَ اللَّهِ، وإنْ أخْبَرَ بِالواقِعِ؛ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ في الإخْبارِ بِها إلّا إذا كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ، فَإنْ كانَ كاذِبًا عِنْدَ اللَّهِ في خَبَرٍ مُطابِقٍ لِمَخْبَرِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ في الإخْبارِ بِهِ فَكَيْفَ بِمَن أخْبَرَ عَنْ حُكْمِهِ بِما لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ حَكَمَ بِهِ، ولَمْ يَأْذَنْ لَهُ في الإخْبارِ بِهِ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧]، وقالَ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] والكَذِبُ عَلى اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ التَّكْذِيبَ بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. وَهَذِهِ الآياتُ وإنْ كانَتْ في حَقِّ المُشْرِكِينَ والكُفّارِ فَإنَّها مُتَناوِلَةٌ لِمَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ في تَوْحِيدِهِ ودِينِهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولا تَتَناوَلُ المُخْطِئَ المَأْجُورَ إذا بَذَلَ جَهْدَهُ واسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في إصابَةِ حُكْمِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، فَإنَّ هَذا هو الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلا يَتَناوَلُ المُطِيعَ لِلَّهِ وإنْ أخْطَأ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الغَيْرَةِ] وَمِن مَنازِلِ " إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ " مَنزِلَةُ الغَيْرَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي الأحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، ومِن غَيْرَتِهِ: حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ. وما أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ أثْنى عَلى نَفْسِهِ. وما أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ. مِن أجْلِ ذَلِكَ: أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ». وَفِي الصَّحِيحِ أيْضًا، مِن حَدِيثِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قالَ «إنَّ اللَّهَ يَغارُ، وإنَّ المُؤْمِنَ يَغارُ، وغَيْرَةُ اللَّهِ: أنْ يَأْتِيَ العَبْدُ ما حُرِّمَ عَلَيْهِ». وَفِي الصَّحِيحِ أيْضًا: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ «أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعِدٍ؟! لَأنا أغْيَرُ مِنهُ. واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي». وَمِمّا يَدْخُلُ في الغَيْرَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]. قالَ السَّرِيُّ لِأصْحابِهِ: أتَدْرُونَ ما هَذا الحِجابُ؟ حِجابُ الغَيْرَةِ. ولا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ. إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلِ الكُفّارَ أهْلًا لِفَهْمِ كَلامِهِ، ولا أهْلًا لِمَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ ومَحَبَّتِهِ. فَجَعَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِ وكَلامِهِ وتَوْحِيدِهِ حِجابًا مَسْتُورًا عَنِ العُيُونِ، غَيْرَةً عَلَيْهِ أنْ يَنالَهُ مَن لَيْسَ أهْلًا بِهِ. والغَيْرَةُ مَنزِلَةٌ شَرِيفَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، جَلِيلَةُ المِقْدارِ. ولَكِنَّ الصُّوفِيَّةَ المُتَأخِّرِينَ مِنهم مَن قَلَبَ مَوْضُوعَها. وذَهَبَ بِها مَذْهَبًا باطِلًا. سَمّاهُ غَيْرَةً فَوَضَعَها في غَيْرِ مَوْضِعِها. ولُبِّسَ عَلَيْهِ أعْظَمُ تَلْبِيسٍ. كَما سَتَراهُ. والغَيْرَةُ نَوْعانِ: غَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْءِ. وغَيْرَةٌ عَلى الشَّيْءِ. والغَيْرَةُ مِنَ الشَّيْءِ: هي كَراهَةُ مُزاحَمَتِهِ ومُشارَكَتِهِ لَكَ في مَحْبُوبِكَ. والغَيْرَةُ عَلى الشَّيْءِ: هي شِدَّةُ حِرْصِكَ عَلى المَحْبُوبِ أنْ يَفُوزَ بِهِ غَيْرُكَ دُونَكَ أوْ يُشارِكَكَ في الفَوْزِ بِهِ. والغَيْرَةُ أيْضًا نَوْعانِ: غَيْرَةُ العَبْدِ مِن نَفْسِهِ عَلى نَفْسِهِ، كَغَيْرَتِهِ مِن نَفْسِهِ عَلى قَلْبِهِ، ومِن تَفْرِقَتِهِ عَلى جَمْعِيَّتِهِ، ومِن إعْراضِهِ عَلى إقْبالِهِ، ومِن صِفاتِهِ المَذْمُومَةِ عَلى صِفاتِهِ المَمْدُوحَةِ. وَهَذِهِ الغَيْرَةُ خاصِّيَّةُ النَّفْسِ الشَّرِيفَةِ الزَّكِيَّةِ العُلْوِيَّةِ. وما لِلنَّفْسِ الدَّنِيَّةِ المَهِينَةِ فِيها نَصِيبٌ. وعَلى قَدْرِ شَرَفِ النَّفْسِ وعُلُوِّ هِمَّتِها تَكُونُ هَذِهِ الغَيْرَةُ. ثُمَّ الغَيْرَةُ أيْضًا نَوْعانِ: غَيْرَةُ الحَقِّ تَعالى عَلى عَبْدِهِ، وغَيْرَةُ العَبْدِ لِرَبِّهِ لا عَلَيْهِ. فَأمّا غَيْرَةُ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ: فَهي أنْ لا يَجْعَلَهُ لِلْخَلْقِ عَبْدًا. بَلْ يَتَّخِذُهُ لِنَفْسِهِ عَبْدًا. فَلا يَجْعَلُ لَهُ فِيهِ شُرَكاءَ مُتَشاكِسِينَ. بَلْ يُفْرِدُهُ لِنَفْسِهِ. ويَضِنُّ بِهِ عَلى غَيْرِهِ. وهَذِهِ أعْلى الغَيْرَتَيْنِ. وَغَيْرَةُ العَبْدِ لِرَبِّهِ، نَوْعانِ أيْضًا: غَيْرَةٌ مِن نَفْسِهِ. وغَيْرَةٌ مِن غَيْرِهِ. فالَّتِي مِن نَفْسِهِ: أنْ لا يَجْعَلَ شَيْئًا مِن أعْمالِهِ وأقْوالِهِ وأحْوالِهِ وأوْقاتِهِ وأنْفاسِهِ لِغَيْرِ رَبِّهِ، والَّتِي مِن غَيْرِهِ: أنْ يَغْضَبَ لِمَحارِمِهِ إذا انْتَهَكَها المُنْتَهِكُونَ. ولِحُقُوقِهِ إذا تَهاوَنَ بِها المُتَهاوِنُونَ. وَأمّا الغَيْرَةُ عَلى اللَّهِ: فَأعْظَمُ الجَهْلِ وأبْطَلُ الباطِلِ. وصاحِبُها مِن أعْظَمِ النّاسِ جَهْلًا. ورُبَّما أدَّتْ بِصاحِبِها إلى مُعاداتِهِ وهو لا يَشْعُرُ. وإلى انْسِلاخِهِ مِن أصْلِ الدِّينِ والإسْلامِ. وَرُبَّما كانَ صاحِبُها شَرًّا عَلى السّالِكِينَ إلى اللَّهِ مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ. بَلْ هو مِن قُطّاعِ طَرِيقِ السّالِكِينَ حَقِيقَةً. وأخْرَجَ قَطْعَ الطَّرِيقِ في قالَبِ الغَيْرَةِ. وأيْنَ هَذا مِنَ الغَيْرَةِ لِلَّهِ؟ الَّتِي تُوجِبُ تَعْظِيمَ حُقُوقِهِ، وتَصْفِيَةَ أعْمالِهِ وأحْوالِهِ لِلَّهِ؟ فالعارِفُ يَغارُ لِلَّهِ. والجاهِلُ يَغارُ عَلى اللَّهِ. فَلا يُقالُ: أنا أغارُ عَلى اللَّهِ. ولَكِنْ أنا أغارُ لِلَّهِ. وَغَيْرَةُ العَبْدِ مِن نَفْسِهِ: أهَمُّ مِن غَيْرَتِهِ مِن غَيْرِهِ. فَإنَّكَ إذا غِرْتَ مِن نَفْسِكَ صَحَّتْ لَكَ غَيْرَتُكَ لِلَّهِ مِن غَيْرِكَ، وإذا غِرْتَ لَهُ مِن غَيْرِكَ، ولَمْ تَغِرْ مِن نَفْسِكَ: فالغَيْرَةُ مَدْخُولَةٌ مَعْلُولَةٌ ولا بُدَّ. فَتَأمَّلْها وحَقِّقِ النَّظَرَ فِيها. فَلْيَتَأمَّلِ السّالِكُ اللَّبِيبُ هَذِهِ الكَلِماتِ في هَذا المَقامِ، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أقْدامُ كَثِيرٍ مِنَ السّالِكِينَ. واللَّهُ الهادِي والمُوَفِّقُ المُثَبِّتُ. كَما حُكِيَ عَنْ واحِدٍ مِن مَشْهُورِي الصُّوفِيَّةِ، أنَّهُ قالَ: لا أسْتَرِيحُ حَتّى لا أرى مَن يَذْكُرُ اللَّهَ. يَعْنِي غَيْرَةً عَلَيْهِ مِن أهْلِ الغَفْلَةِ وذِكْرِهِمْ. والعَجَبُ أنَّ هَذا يُعَدُّ مِن مَناقِبِهِ ومَحاسِنِهِ. وَغايَةُ هَذا: أنْ يُعْذَرَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ. وهو مِن أقْبَحِ الشَّطَحاتِ. وذِكْرُ اللَّهِ عَلى الغَفْلَةِ وعَلى كُلِّ حالٍ خَيْرٌ مِن نِسْيانِهِ بِالكُلِّيَّةِ. والألْسُنُ مَتى تَرَكَتْ ذِكْرَ اللَّهِ - الَّذِي هو مَحْبُوبُها - اشْتَغَلَتْ بِذِكْرِ ما يُبْغِضُهُ ويَمْقُتُ عَلَيْهِ. فَأيُّ راحَةٍ لِلْعارِفِ في هَذا؟ وهَلْ هو إلّا أشَقُّ عَلَيْهِ، وأكْرَهُ إلَيْهِ؟ وَقَوْلٌ آخَرُ: لا أُحِبُّ أنْ أرى اللَّهَ ولا أنْظُرَ إلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ؟ قالَ: غَيْرَةً عَلَيْهِ مِن نَظَرِ مِثْلِي. فانْظُرْ إلى هَذِهِ الغَيْرَةِ القَبِيحَةِ، الدّالَّةِ عَلى جَهْلِ صاحِبِها، مَعَ أنَّهُ في خِفارَةِ ذُلِّهِ وتَواضُعِهِ وانْكِسارِهِ واحْتِقارِهِ لِنَفْسِهِ. [فَصْلٌ دَلالَةُ الفِعْلِ في النَّفْسِ] وَأمّا الأصْلُ الثّانِي - وهو دَلالَتُهُ عَلى أنَّ الفِعْلَ في نَفْسِهِ حَسَنٌ وقَبِيحٌ - فَكَثِيرٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ - قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ - فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ - يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ - قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨-٣٣] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ فِعْلَهم فاحِشَةٌ قَبْلَ نَهْيِهِ عَنْهُ، وأمَرَ بِاجْتِنابِهِ بِأخْذِ الزِّينَةِ، والفاحِشَةُ هاهُنا هي طَوافُهم بِالبَيْتِ عُراةً - الرِّجالُ والنِّساءُ - غَيْرُ قُرَيْشٍ ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] أيْ لا يَأْمُرُ بِما هو فاحِشَةٌ في العُقُولِ والفِطَرِ، ولَوْ كانَ إنَّما عُلِمَ كَوْنُهُ فاحِشَةً بِالنَّهْيِ، وأنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ فاحِشَةً إلّا تَعَلُّقُ النَّهْيِ بِهِ، لَصارَ مَعْنى الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِما يَنْهى عَنْهُ، وهَذا يُصانُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ آحادُ العُقَلاءِ، فَضْلًا عَنْ كَلامِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، وأيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِما يَنْهى عَنْهُ؟ فَإنَّهُ لَيْسَ لِمَعْنى كَوْنِهِ فاحِشَةً عِنْدَهم إلّا أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، لا أنَّ العُقُولَ تَسْتَفْحِشُهُ. ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩] والقِسْطُ عِنْدَهم هو المَأْمُورُ بِهِ، لا أنَّهُ قِسْطٌ في نَفْسِهِ، فَحَقِيقَةُ الكَلامِ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِما أمَرَ بِهِ. ثُمَّ قالَ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] دَلَّ عَلى أنَّهُ طَيِّبٌ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وأنَّ وصْفَ الطَّيِّبِ فِيهِ مانِعٌ مِن تَحْرِيمِهِ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ. ثُمَّ قالَ ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ولَوْ كانَ كَوْنُها فَواحِشَ إنَّما هو لِتَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بِها، ولَيْسَتْ فَواحِشَ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكانَ حاصِلُ الكَلامِ: قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ ما حَرَّمَ، وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الإثْمِ والبَغْيِ، فَكَوْنُ ذَلِكَ فاحِشَةً وإثْمًا وبَغْيًا بِمَنزِلَةِ كَوْنِ الشِّرْكِ شِرْكًا، فَهو شِرْكٌ في نَفْسِهِ قَبْلَ النَّهْيِ وبَعْدَهُ. فَمَن قالَ: إنَّ الفاحِشَةَ والقَبائِحَ والآثامَ إنَّما صارَتْ كَذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ، فَهو بِمَنزِلَةِ مَن يَقُولُ: الشِّرْكُ إنَّما صارَ شِرْكًا بَعْدَ النَّهْيِ، ولَيْسَ شِرْكًا قَبْلَ ذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا وهَذا مُكابَرَةٌ صَرِيحَةٌ لِلْعَقْلِ والفِطْرَةِ، فالظُّلْمُ ظُلْمٌ في نَفْسِهِ قَبْلَ النَّهْيِ وبَعْدَهُ، والقَبِيحُ قَبِيحٌ في نَفْسِهِ قَبْلَ النَّهْيِ وبَعْدَهُ، والفاحِشَةُ كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ الشِّرْكَ، لا أنَّ هَذِهِ الحَقائِقَ صارَتْ بِالشَّرْعِ كَذَلِكَ. نَعَمْ، الشّارِعُ كَساها بِنَهْيِهِ عَنْها قُبْحًا إلى قُبْحِها، فَكانَ قُبْحُها مِن ذاتِها، وازْدادَتْ قُبْحًا عِنْدَ العَقْلِ بِنَهْيِ الرَّبِّ تَعالى عَنْها وذَمِّهِ لَها، وإخْبارِهِ بِبُغْضِها وبُغْضِ فاعِلِها، كَما أنَّ العَدْلَ والصِّدْقَ والتَّوْحِيدَ، ومُقابَلَةَ نِعَمِ المُنْعِمِ بِالثَّناءِ والشُّكْرِ حَسَنٌ في نَفْسِهِ، وازْدادَ حُسْنًا إلى حُسْنِهِ بِأمْرِ الرَّبِّ بِهِ، وثَنائِهِ عَلى فاعِلِهِ، وإخْبارِهِ بِمَحَبَّتِهِ ذَلِكَ ومَحَبَّةِ فاعِلِهِ. بَلْ مِن أعْلامِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ، ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ، ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ. فَلَوْ كانَ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا ومُنْكَرًا وخَبِيثًا وطَيِّبًا إنَّما هو لِتَعَلُّقِ الأمْرِ والنَّهْيِ والحِلِّ والتَّحْرِيمِ بِهِ، لَكانَ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: يَأْمُرُهم بِما يَأْمُرُهم بِهِ، ويَنْهاهم عَمّا يَنْهاهم عَنْهُ، ويُحِلُّ لَهم ما يُحِلُّ لَهُمْ، ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ ما يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ! وأيُّ فائِدَةٍ في هَذا؟ وأيُّ عِلْمٍ يَبْقى فِيهِ لِنُبُوَّتِهِ؟ وكَلامُ اللَّهِ يُصانُ عَنْ ذَلِكَ، وأنْ يُظَنَّ بِهِ ذَلِكَ، وإنَّما المَدْحُ والثَّناءُ والعِلْمُ الدّالُّ عَلى نُبُوَّتِهِ أنَّ ما يَأْمُرُ بِهِ تَشْهَدُ العُقُولُ الصَّحِيحَةُ حُسْنَهُ وكَوْنَهُ مَعْرُوفًا، وما يَنْهى عَنْهُ تَشْهَدُ قُبْحَهُ وكَوْنَهُ مُنْكَرًا، وما يُحِلُّهُ تَشْهَدُ كَوْنَهُ طَيِّبًا، وما يُحَرِّمُهُ تَشْهَدُ كَوْنَهُ خَبِيثًا، وهَذِهِ دَعْوَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وهي بِخِلافِ دَعْوَةِ المُتَغَلِّبِينَ المُبْطِلِينَ، والكَذّابِينَ والسَّحَرَةِ، فَإنَّهم يَدْعُونَ إلى ما يُوافِقُ أهْواءَهم وأغْراضَهم مِن كُلِّ قَبِيحٍ ومُنْكَرٍ وبَغْيٍ وإثْمٍ وظُلْمٍ. وَلِهَذا قِيلَ لِبَعْضِ الأعْرابِ وقَدْ أسْلَمَ، لَمّا عَرَفَ دَعْوَتَهُ ﷺ عَنْ أيِّ شَيْءٍ أسْلَمْتَ؟ وما رَأيْتَ مِنهُ مِمّا دَلَّكَ عَلى أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ ما أمَرَ بِشَيْءٍ، فَقالَ العَقْلُ: لَيْتَهُ نَهى عَنْهُ، ولا نَهى عَنْ شَيْءٍ، فَقالَ العَقْلُ: لَيْتَهُ أمَرَ بِهِ، ولا أحَلَّ شَيْئًا، فَقالَ العَقْلُ: لَيْتَهُ حَرَّمَهُ، ولا حَرَّمَ شَيْئًا، فَقالَ العَقْلُ: لَيْتَهُ أباحَهُ، فانْظُرْ إلى هَذا الأعْرابِيِّ، وصِحَّةِ عَقْلِهِ وفِطْرَتِهِ، وقُوَّةِ إيمانِهِ، واسْتِدْلالِهِ عَلى صِحَّةِ دَعْوَتِهِ بِمُطابَقَةِ أمْرِهِ لِكُلِّ ما حَسُنَ في العَقْلِ، وكَذَلِكَ مُطابَقَةُ تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ، ولَوْ كانَ جِهَةُ الحُسْنِ والقُبْحِ والطِّيبِ والخُبْثِ مُجَرَّدَ تَعَلُّقِ الأمْرِ والنَّهْيِ والإباحَةِ والتَّحْرِيمِ بِهِ لَمْ يَحْسُنْ مِنهُ هَذا الجَوابُ، ولَكانَ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: وجَدْتُهُ يَأْمُرُ ويَنْهى، ويُبِيحُ ويُحَرِّمُ، وأيُّ دَلِيلٍ في هَذا؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]. وَهَؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أنَّ الظُّلْمَ في حَقِّ عِبادِهِ هو المُحَرَّمُ والمَنهِيُّ عَنْهُ، لا أنَّ هُناكَ في نَفْسِ الأمْرِ ظُلْمًا نَهى عَنْهُ، وكَذَلِكَ الظُّلْمُ الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ هو المُمْتَنِعُ المُسْتَحِيلُ، لا أنَّ هُناكَ أمْرًا مُمْكِنًا مَقْدُورًا لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ ظُلْمًا، فَلَيْسَ في نَفْسِ الأمْرِ عِنْدَهم ظُلْمٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ ولا مُنَزَّهٌ عَنْهُ، إنَّما هو المُحَرَّمُ في حَقِّهِ، والمُسْتَحِيلُ في حَقِّهِ، فالظُّلْمُ المُنَزَّهُ عَنْهُ عِنْدَهم هو الجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وجَعْلُ الجِسْمِ الواحِدِ في مَكانَيْنِ في آنٍ واحِدٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. والقُرْآنُ صَرِيحٌ في إبْطالِ هَذا المَذْهَبِ أيْضًا، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٧] أيْ لا أُؤاخِذُ عَبْدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا أمْنَعُهُ مِن أجْرِ ما عَمِلَهُ مِن صالِحٍ، ولِهَذا قالَ قَبْلَهُ ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] المُتَضَمِّنِ لِإقامَةِ الحُجَّةِ، وبُلُوغِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وإذا آخَذْتُكم بَعْدَ التَّقَدُّمِ فَلَسْتُ بِظالِمٍ، بِخِلافِ مَن يُؤاخِذُ العَبْدَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَذَلِكَ الظُّلْمُ الَّذِي تَنَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ. وَقالَ تَعالى ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] يَعْنِي لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِن سَيِّئاتِ ما لَمْ يَعْمَلْهُ، ولا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِ ما عَمِلَ، ولَوْ كانَ الظُّلْمُ هو المُسْتَحِيلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ الخَوْفِ مِنهُ مَعْنًى، ولا لِلْأمْنِ مِن وُقُوعِهِ فائِدَةٌ. وَقالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] أيْ لا يَحْمِلُ المُسِيءُ عِقابَ ما لَمْ يَعْمَلْهُ، ولا يُمْنَعُ المُحْسِنُ مِن ثَوابِ عَمَلِهِ. وَقالَ تَعالى ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَوْ أهْلَكَهم مَعَ إصْلاحِهِمْ لَكانَ ظالِمًا، وعِنْدَهم يَجُوزُ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِظُلْمٍ لَوْ فَعَلَ، ويُأوِّلُونَ الآيَةَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّهُ لا يُهْلِكُهم مَعَ إصْلاحِهِمْ، وعُلِمَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وخِلافُ خَبَرِهِ ومَعْلُومِهِ مُسْتَحِيلٌ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ الظُّلْمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الآيَةَ لَمْ يُقْصَدْ بِها هَذا قَطْعًا ولا أُرِيدَ بِها، ولا تَحْتَمِلُهُ بِوَجْهٍ، إذْ يَئُولُ مَعْناها إلى أنَّهُ ما كانَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ بِسَبَبِ اجْتِماعِ النَّقِيضَيْنِ وهم مُصْلِحُونَ، وكَلامُهُ تَعالى يَتَنَزَّهُ عَنْ هَذا ويَتَعالى عَنْهُ. وَكَذَلِكَ عِنْدَ هَؤُلاءِ أيْضًا العَبَثُ والسُّدى والباطِلُ، كُلُّها هي المُسْتَحِيلاتُ المُمْتَنِعَةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ المَقْدُورِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْها، إذْ نَسَبَهُ إلَيْها أعْداؤُهُ المُكَذِّبُونَ بِوَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، المُنْكِرُونَ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الخَلْقِ عَبَثًا وباطِلًا، وحِكْمَتُهُ وعِزَّتُهُ تَأْبى ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ، لا تُؤْمَرُونَ ولا تُنْهَوْنَ، ولا تُثابُونَ ولا تُعاقَبُونَ، والعَبَثُ قَبِيحٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قُبْحَ هَذا مُسْتَقِرٌّ في الفِطَرِ والعُقُولِ، ولِذَلِكَ أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ إنْكارَ مُنَبِّهٍ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ، وأنَّهم لَوْ فَكَّرُوا وأبْصَرُوا لَعَلِمُوا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ، ولا يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَبَثًا، لا لِأمْرٍ ولا لِنَهْيٍ، ولا لِثَوابٍ ولا لِعِقابٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والجَزاءِ مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ والفِطَرِ، وأنَّ مَن جَوَّزَ عَلى اللَّهِ الإخْلالَ بِهِ فَقَدْ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وإلى ما تَأْباهُ أسْماؤُهُ الحُسْنى وصِفاتُهُ العُلْيا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] قالَ الشّافِعِيُّ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، وقالَ غَيْرُهُ: لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ، وهُما مُتَلازِمانِ، فَأنْكَرَ عَلى مَن يَحْسَبُ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ قَبِيحٌ تَأْباهُ حِكْمَتُهُ وعِزَّتُهُ، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ، ولِهَذا اسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَتْرُكُهُ سُدًى بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٧] إلى آخِرِ السُّورَةِ، ولَوْ كانَ قُبْحُهُ إنَّما عُلِمَ بِالسَّمْعِ لَكانَ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ خِلافُ السَّمْعِ، وخِلافُ ما أعْلَمَناهُ وأخْبَرَنا بِهِ، ولَمْ يَكُنْ إنْكارُهُ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا في نَفْسِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ خِلافَ ما أخْبَرَ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لَيْسَ وجْهَ الكَلامِ. وَكَذَلِكَ إنْكارُهُ سُبْحانَهُ قُبْحَ الشِّرْكِ بِهِ في إلَهِيَّتِهِ، وعِبادَةَ غَيْرِهِ مَعَهُ بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ الأمْثالِ، وأقامَ عَلى بُطْلانِهِ مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، ولَوْ كانَ إنَّما قَبُحَ بِالشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الأدِلَّةِ والأمْثالِ مَعْنًى. وَعِنْدَ نُفاةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَأْمُرَ بِالإشْراكِ بِهِ وبِعِبادَةِ غَيْرِهِ! وإنَّما عُلِمَ قُبْحُهُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْهُ!. فَيا عَجَبًا! أيُّ فائِدَةٍ تَبْقى في تِلْكَ الأمْثالِ والحُجَجِ، والبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى قُبْحِهِ في صَرِيحِ العُقُولِ والفِطَرِ؟ وأنَّهُ أقْبَحُ القَبِيحِ وأظْلَمُ الظُّلْمِ؟ وأيُّ شَيْءٍ يَصِحُّ في العَقْلِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِلْمٌ بِقُبْحِ الشِّرْكِ الذّاتِيِّ، وأنَّ العِلْمَ بِقُبْحِهِ بَدِيهِيٌّ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وأنَّ الرُّسُلَ نَبَّهُوا الأُمَمَ عَلى ما في عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِن قُبْحِهِ، وأنَّ أصْحابَهُ لَيْسَتْ لَهم عُقُولٌ ولا ألْبابٌ ولا أفْئِدَةٌ، بَلْ نَفى عَنْهُمُ السَّمْعَ والبَصَرَ، والمُرادُ سَمْعُ القَلْبِ وبَصَرُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، وذَلِكَ وصْفُ قُلُوبِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبَصِرُ ولا تَنْطِقُ، وشَبَّهَهم بِالأنْعامِ الَّتِي لا عُقُولَ لَها تُمَيِّزُ بِها بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، والحَقِّ والباطِلِ، ولِذَلِكَ اعْتَرَفُوا في النّارِ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وأنَّهم لَوْ رَجَعُوا إلى أسْماعِهِمْ وعُقُولِهِمْ لَعَلِمُوا حُسْنَ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وقُبْحَ مُخالَفَتِهِمْ. قالَ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْهم ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وكَمْ يَقُولُ لَهم في كِتابِهِ " أفَلا تَعْقِلُونَ "، " لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ". فَيُنَبِّهُهم عَلى ما في عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، ويَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِها، ويُخْبِرُ أنَّهُ أعْطاهُمُوها لِيَنْتَفِعُوا بِها، ويُمَيِّزُوا بِها بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ والحَقِّ والباطِلِ. وَكَمْ في القُرْآنِ مِن مَثَلٍ عَقْلِيٍّ وحِسِّيٍّ يُنَبِّهُ بِهِ العُقُولَ عَلى حُسْنِ ما أمَرَ بِهِ، وقُبْحِ ما نَهى عَنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِضَرْبِ الأمْثالِ لِلْعُقُولِ مَعْنًى، ولَكانَ إثْباتُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ والنَّهْيِ دُونَ ضَرْبِ الأمْثالِ، وتَبْيِينِ جِهَةِ القُبْحِ المَشْهُودَةِ بِالحُسْنِ والعَقْلِ. والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِهَذا لِمَن تَدَبَّرَهُ.

الأعراف 7:35

(لطيفة) ودّع ابْن عون رجلا فَقالَ عَلَيْك بتقوى الله فَإن المتقي لَيست عَلَيْهِ وحْشَة. وَقالَ زيد بن أسلم كانَ يُقال من اتَّقى الله أحبه النّاس وإن كَرهُوا. وَقالَ الثَّوْريّ لِابْنِ أبي ذِئْب إن اتَّقَيْت الله كَفاك النّاس، وإن اتَّقَيْت النّاس لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَقالَ سُلَيْمان بن داوُد: أوتينا مِمّا أُوتِيَ النّاس ومِمّا لم يؤتوا، وعلّمنا مِمّا علّم النّاس ومِمّا لم يعلمُوا، فَلم نجد شَيْئا أفضل من تقوى الله في السِّرّ والعَلانِيَة، والعدْل في الغَضَب والرِّضا والقَصْد في الفقر والغنى. وَفِي الزّهْد للْإمام أحْمد أثر إلهي: "ما من مَخْلُوق اعْتصمَ بمخلوق دوني إلّا قطعت أسباب السَّماوات والأرْض دونه، فَإن سَألَني لم أعْطه، وإن دَعاني لم أجبه، وإن استغفرني لم أغفر لَهُ، وما من مَخْلُوق اعْتصمَ بِي دون خلقي إلّا ضمنت السَّماوات والأرْض رزقه، فَإن سَألَني أعْطيته، وإن دَعاني أجَبْته، وإن استغفرني غفرت لَهُ.

الأعراف 7:37

قوله تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية: "أي ما سبق لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة ثم قرأ عطية: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ " والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال: "يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ" فالكتاب على هذا القول الكتاب الأول ونصيبهم ما كتب لهم من الشقاوة وأسبابها. وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس: "ينالهم ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال فإذا فني نصيبهم واستكملوه جاءتهم رسلنا يتوفونهم. ورجح بعضهم هذا القول لمكان حتى التي هي للغاية يعني أنهم يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت. ولمن نصر القول الأول أن يقول ﴿حتى﴾ في هذا الموضع هي التي تدخل على الجمل ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في كقوله: فيا عجبا حتى كليب تسبني والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين فهو نصيبهم من الشقاوة ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك. فعمت الآية هذا النصيب كله. وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح وأن المراد ما سبق لهم في أم الكتاب وقالت طائفة المراد بالكتاب القرآن. قال الزجاج: "معنى نصيبهم من الكتاب ما أخبر الله من جزائهم نحو قوله: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ". قال أرباب هذا القول وهذا هو الظاهر لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع ثم أخبر أنه ينالهم نصيبهم منه. والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء منه العذاب والشقاء، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة، فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم، وقريب من هذا قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به. قال الحسن: "تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به". (فصل) وقوله تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ ذكر الصنفين المبطلين. أحدهما: منشئ الباطل والفرية وواضعها وداعي الناس إليها. والثاني: مكذب بالحق. فالأول: كفره بالافتراء وإنشاء الباطل والثاني: كفره بجحود الحق. وهذان النوعان يعرضان لكل مبطل. فان انضاف إلى ذلك دعوته إلى باطلة وصد الناس عن الحق، استحق تضعيف العذاب لكفره وشره. ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ فلما كفروا وصدوا عباده عن سبيله عذبهم عذابين: عذابا بكفرهم وعذابا بصدهم عن سبيله، وحيث يذكر الكفر المجرد لا يعدد العذاب، كقوله تعالى: ﴿والكافرون لهم عذاب أليم﴾ وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ يعني ينالهم ما كتب لهم في الدنيا من الحياة والرزق وغير ذلك ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ زالوا وفارقوا وبطلت تلك الدعوة ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والأِنْسِ في النّارِ﴾ ادخلوا في جملة هذه الأمم كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعًا قالت أخراهم لأولاهم} كل أمة متأخرة لأسلافها ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ ضاعفه عليهم بما أضلونا وصدونا عن طاعة رسلك، قال الله تعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ من الأتباع والمتبوعين بحسب ضلالة وكفره ﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لا تعلم كل طائفة بما فيه أختها من العذاب المضاعف ﴿وَقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ فإنكم جئتم بعدنا فأرسلت فيكم الرسل وبينوا لكم الحق وحذروكم من ضلالنا ونهوكم عن اتباعنا وتقليدنا، فأبيتم إلا اتباعنا وتقليدنا وترك الحق الذي أتتكم به الرسل. فأي فضل كان لكم علينا، وقد ضللتم كما ضللنا، وتركتم الحق كما تركنا، فضللتم انتم بنا كما ضللنا نحن بقوم آخرين. فأي فضل كان لكم علينا ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فلله ما أشفاها من موعظة وما أبلغها من نصيحة لو صادفت من القلوب حياة فان هذه الآية وأمثالها مما يذكر قلوب السائرين إلى الله وأما أهل البطالة فليس عندهم من ذلك خبر.

الأعراف 7:43

وأما قَول أهل الجنَّة ﴿الحَمد لله الَّذِي هدانا لهَذا وما كُنّا لنهتدي لَوْلا أن هدانا الله﴾ فَيحْتَمل أن يَكُونُوا أرادوا الهِدايَة إلى طَرِيق الجنَّة، وأن يَكُونُوا أرادوا الهِدايَة في الدُّنْيا الَّتِي أوصلتهم إلى دار النَّعيم. وَلَو قيل إن كلا الأمريْنِ مُراد لَهُم وأنهم حمدوا الله على هدايته لَهُم في الدُّنْيا وهدايتهم إلى طَرِيق الجنَّة كانَ أحسن وأبلغ. (فائدة) قال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّه﴾ ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم، بل الهدى كله منه، ولولا هدايته لهم لما اهتدوا. (فصل) وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن الجنة إنما تدخل برحمة الله تعالى وليس عمل العبد مستقلا بدخولها وإن كان سببا ولهذا أثبت الله تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونفى رسول الله دخولها بالأعمال بقوله "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" ولا تنافي بين الأمرين لوجهين: أحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال ويدل على هذا حديث أبي هريرة الذي سيأتي إن شاء الله تعالى أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم رواه الترمذي والثاني: أن الباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلا للآخر والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره وأن لم يكن مستقلا بحصوله وقد جمع النبي ﷺ بين الأمرين بقوله: "سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجو بعمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله ﷺ قال: "ولا أنا ألا أن يتغمدني الله برحمته". ومن عرف الله تعالى وشهد مشهد حقه عليه ومشهد تقصيره وذنوبه وأبصر هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به. والله سبحانه وتعالى المستعان. [فَصْلٌ: القَدَرِيَّةُ النُفاةُ] الصِّنْفُ الثّانِي: القَدَرِيَّةُ النُفاةُ، الَّذِينَ يُثْبِتُونَ نَوْعًا مِنَ الحِكْمَةِ والتَّعْلِيلِ ولَكِنْ لا يَقُومُ بِالرَّبِّ، ولا يَرْجِعُ إلَيْهِ، بَلْ يَرْجِعُ إلى مُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ المَخْلُوقِ ومَنفَعَتِهِ. فَعِنْدَهُمْ: أنَّ العِباداتِ شُرِعَتْ أثْمانًا لِما يَنالُهُ العِبادُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، وأنَّها بِمَنزِلَةِ اسْتِيفاءِ أُجْرَةِ الأجِيرِ. قالُوا: ولِهَذا يَجْعَلُها اللَّهُ تَعالى عِوَضًا كَقَوْلِهِ ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] وقَوْلِهِ ﷺ فِيما يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ «يا عِبادِي، إنَّما هي أعْمالُكم أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكم إيّاها» وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] قالُوا: وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَزاءً وأجْرًا وثَوابًا، لِأنَّهُ يَثُوبُ إلى العامِلِ مِن عَمَلِهِ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنهُ. قالُوا: ولَوْلا ارْتِباطُهُ بِالعَمَلِ لَمْ يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ جَزاءً ولا أجْرًا ولا ثَوابًا مَعْنًى. قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ الوَزْنُ، فَلَوْلا تَعَلُّقُ الثَّوابِ والعِقابِ بِالأعْمالِ واقْتِضاؤُها لَها، وكَوْنُها كالأثْمانِ لَها لَمْ يَكُنْ لِلْوَزْنِ مَعْنًى، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ - ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩]. وَهاتانِ الطّائِفَتانِ مُتَقابِلَتانِ أشَدَّ التَّقابُلِ، وبَيْنَهُما أعْظَمُ التَّبايُنِ. فالجَبْرِيَّةُ لَمْ تَجْعَلْ لِلْأعْمالِ ارْتِباطًا بِالجَزاءِ ألْبَتَّةَ، وجَوَّزَتْ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ مَن أفْنى عُمْرَهُ في طاعَتِهِ، ويُنَعِّمَ مَن أفْنى عُمْرَهُ في مَعْصِيَتِهِ، وكِلاهُما بِالنِسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ، وجَوَّزَتْ أنْ يَرْفَعَ صاحِبَ العَمَلِ القَلِيلِ عَلى مَن هو أعْظَمُ مِنهُ عَمَلًا، وأكْثَرُ وأفْضَلُ دَرَجاتٍ، والكُلُّ عِنْدَهم راجِعٌ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ، مِن غَيْرِ تَعْلِيلٍ ولا سَبَبٍ، ولا حِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا بِالثَوابِ، وهَذا بِالعِقابِ. والقَدَرِيَّةُ أوْجَبَتْ عَلى اللَّهِ رِعايَةَ الأصْلَحِ، وجَعَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَحْضِ الأعْمالِ وثَمَنًا لَها، وأنَّ وُصُولَ الثَّوابِ إلى العَبْدِ بِدُونِ عَمَلِهِ فِيهِ تَنْغِيصٌ بِاحْتِمالِ مِنَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ بِلا ثَمَنٍ. فَقاتَلَهُمُ اللَّهُ، ما أجْهَلَهم بِاللَّهِ وأغَرَّهم بِهِ! جَعَلُوا تَفَضُّلَهُ وإحْسانَهُ إلى عَبْدِهِ بِمَنزِلَةِ صَدَقَةِ العَبْدِ عَلى العَبْدِ، حَتّى قالُوا: إنَّ إعْطاءَهُ ما يُعْطِيهِ أُجْرَةً عَلى عَمَلِهِ أحَبُّ إلى العَبْدِ وأطْيَبُ لَهُ مِن أنْ يُعْطِيَهُ فَضْلًا مِنهُ بِلا عَمَلٍ. فَقابَلَتْهُمُ الجَبْرِيَّةُ أشَدَّ المُقابَلَةِ، ولَمْ يَجْعَلُوا لِلْأعْمالِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ ألْبَتَّةَ. والطائِفَتانِ جائِرَتانِ، مُنْحَرِفَتانِ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبادَهُ، وجاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وهو أنَّ الأعْمالَ أسْبابٌ مُوَصِّلَةٌ إلى الثَّوابِ والعِقابِ، مُقْتَضِيَةٌ لَهُما كاقْتِضاءِ سائِرِ الأسْبابِ لِمُسَبَّباتِها، وأنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مِن تَوْفِيقِ اللَّهِ وفَضْلِهِ ومَنِّهِ، وصَدَقَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، إنْ أعانَهُ عَلَيْها ووَفَّقَهُ لَها، وخَلَقَ فِيهِ إرادَتَها والقُدْرَةَ عَلَيْها، وحَبَّبَها إلَيْهِ، وزَيَّنَها في قَلْبِهِ وكَرَّهَ إلَيْهِ أضْدادُها، ومَعَ هَذا فَلَيْسَتْ ثَمَنًا لِجَزائِهِ وثَوابِهِ، ولا هي عَلى قَدْرِهِ، بَلْ غايَتُها إذا بَذَلَ العَبْدُ فِيها نُصْحَهُ وجُهْدَهُ، وأوْقَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ أنْ تَقَعَ شُكْرًا لَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ طالَبَهُ بِحَقِّهِ لَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ بَقِيَّةٌ لَمْ يَقُمْ بِشُكْرِها، فَلِذَلِكَ لَوْ عَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ لَعَذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، ولَوْ رَحِمَهم لَكانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهم مِن أعْمالِهِمْ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولِهَذا نَفى النَّبِيُّ ﷺ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما قالَ «لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا مِنكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِنكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ،» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» وأثْبَتَ سُبْحانَهُ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ولا تَنافِي بَيْنَهُما، إذْ تَوارُدُ النَّفْيِ والإثْباتِ لَيْسَ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، فالمَنفِيُّ اسْتِحْقاقُها بِمُجَرَّدِ الأعْمالِ، وكَوْنِ الأعْمالِ ثَمَنًا وعِوَضًا لَها، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ، الَّتِي زَعَمَتْ أنَّ التَفَضُّلَ بِالثَوابِ ابْتِداءً مُتَضَمِّنٌ لِتَكْرِيرِ المِنَّةِ. وَهَذِهِ الطّائِفَةُ مِن أجْهَلِ الخَلْقِ بِاللَّهِ، وأغْلَظِهِمْ عَنْهُ حِجابًا، وحُقَّ لَهم أنْ يَكُونُوا مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، ويَكْفِي في جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ في مِنَّتِهِ، وأنَّ مِن تَمامِ الفَرَحِ والسُرُورِ، والغِبْطَةِ واللَّذَّةِ اغْتِباطُهم بِمِنَّةِ سَيِّدِهِمْ ومَوْلاهُمُ الحَقِّ، وأنَّهم إنَّما طابَ لَهم عَيْشُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم مِنهُ مَنزِلَةً، وأقْرَبُهم إلَيْهِ أعْرَفُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم إقْرارًا بِها، وذِكْرًا لَها، وشُكْرًا عَلَيْها، ومَحَبَّةً لَهُ لِأجْلِها، فَهَلْ يَتَقَلَّبُ أحَدٌ قَطٌّ إلّا في مِنَّتِهِ؟ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. واحْتِمالُ مِنَّةِ المَخْلُوقِ إنَّما كانَتْ نَقْصًا لِأنَّهُ نَظِيرُهُ، فَإذا مَنَّ عَلَيْهِ اسْتَعْلى عَلَيْهِ، ورَأى المَمْنُونُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ دُونَهُ، هَذا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِنَّةُ عَلى أُمَّتِهِ، وكانَ أصْحابُهُ يَقُولُونَ: " اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ " ولا نَقْصَ في مِنَّةِ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ولا عارَ عَلَيْهِ في احْتِمالِها، وكَذَلِكَ السَّيِّدُ عَلى عَبْدِهِ، فَكَيْفَ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي إنَّما يَتَقَلَّبُ الخَلائِقُ في بَحْرِ مِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ، ومَحْضِ صَدَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، بِلا عِوَضٍ مِنهُمُ ألْبَتَّةَ؟ وإنْ كانَتْ أعْمالُهم أسْبابًا لِما يَنالُونَهُ مِن كَرَمِهِ وجُودِهِ، فَهو المَنّانُ عَلَيْهِمْ، بِأنْ وفَّقَهم لِتِلْكَ الأسْبابِ وهَداهم لَها، وأعانَهم عَلَيْها، وكَمَّلَها لَهُمْ، وقَبِلَها مِنهم عَلى ما فِيها؟ وهَذا هو المَعْنى الَّذِي أثْبَتَ بِهِ دُخُولَ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. فَهَذِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا ارْتِباطَ بَيْنَ الأعْمالِ والجَزاءِ، ولا هي أسْبابٌ لَهُ، وإنَّما غايَتُها أنْ تَكُونَ أماراتٍ. قالُوا: ولَيْسَتْ أيْضًا مُطَّرِدَةً، لِتَخَلُّفِ الجَزاءِ عَنْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَحْضُ الأمْرِ الكَوْنِيِّ والمَشِيئَةِ. فالنُّصُوصُ مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ هَؤُلاءِ، كَما هي مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ أُولَئِكَ، وأدِلَّةُ المَعْقُولِ والفِطْرَةِ أيْضًا تُبْطِلُ قَوْلَ الفَرِيقَيْنِ، وتُبَيِّنُ لِمَن لَهُ قَلْبٌ ولُبٌّ مِقْدارَ قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، وهُمُ الفِرْقَةُ الوَسَطُ، المُثْبِتُونَ لِعُمُومِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وخَلْقِهِ العِبادَ وأعْمالَهُمْ، ولِحِكْمَتِهِ التّامَّةِ المُتَضَمِّنَةِ رَبْطَ الأسْبابِ بِمُسَبَّباتِها، وانْعِقادَها بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وتَرْتِيبَها عَلَيْها عاجِلًا وآجِلًا. وَكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المُنْحَرِفَتَيْنِ تَرَكَتْ نَوْعًا مِنَ الحَقِّ، وارْتَكَبَتْ لِأجْلِهِ نَوْعًا مِنَ الباطِلِ، بَلْ أنْواعًا، وهَدى اللَّهُ أهْلَ السُّنَّةِ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].

الأعراف 7:46

(الطبقة الثانية عشر) قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما فتقاوما فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة. فهؤلاء هم أهل الأعراف، لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب. وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل هذه الطبقة في سورة الأعراف - بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم، ثم مناداة أهل الجنة أهل النار - فقال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ، ونادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهُمَ يَطْمَعُونَ وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٦-٤٧]، فقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] أي بين أهل الجنة والنار حجاب، قيل: هو السور الذي يضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذي يلى المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلى الكفار من جهته العذاب. والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار قيل: هو هذا السور الذي يضرب بينهم وقيل جبل بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف. قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم ما يشاءُ ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته. قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلي قال: كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحده بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨-٩]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِين﴾ [الأعراف: ٤٧]، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنا أتمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى في قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، فكان الطمع للنور الذي في أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا. يريد آخر أهل الجنة دخولًا ممن لم يدخل النار. وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأُعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول الأول، وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على الأعراف حتى يقضى الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما. وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أُولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا. وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم. والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها. وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة. وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين: الأول اختيار أبي عبد الله الحاكم، والثاني هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ﷺ ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: ﴿وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] صريح في أنهم من بني آدم ليسوا من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، يعني يعرفون الفريقين بسيماهم، ﴿وَنادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، أي نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطمَعُونَ﴾ الضميرات في الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها. قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم. وقال الحسن: الذي [جعل] الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون، وفي هذا رد على وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين، فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله، ومراده منه. ثم قال تعالى: ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا في الدخول إليها، وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم، ثم قال تعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونهم بِسِيماهُمْ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، فقالوا لهم: ﴿ما أغْنى عَنكم جَمْعُكم وما كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على أهل الحق ولا استكباركم، وهذا إما نفى، وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفخم. ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون وفي رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الجنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]. وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم جموعهم واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهم اللهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]، والقولان قويان محتملان، والله أعلم. فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار. ((الجزء السادس))

الأعراف 7:47

(الطبقة الثانية عشر) قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما فتقاوما فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة. فهؤلاء هم أهل الأعراف، لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب. وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل هذه الطبقة في سورة الأعراف - بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم، ثم مناداة أهل الجنة أهل النار - فقال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ، ونادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهُمَ يَطْمَعُونَ وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٦-٤٧]، فقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] أي بين أهل الجنة والنار حجاب، قيل: هو السور الذي يضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذي يلى المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلى الكفار من جهته العذاب. والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار قيل: هو هذا السور الذي يضرب بينهم وقيل جبل بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف. قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم ما يشاءُ ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته. قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلي قال: كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحده بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨-٩]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِين﴾ [الأعراف: ٤٧]، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنا أتمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى في قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، فكان الطمع للنور الذي في أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا. يريد آخر أهل الجنة دخولًا ممن لم يدخل النار. وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأُعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول الأول، وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على الأعراف حتى يقضى الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما. وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أُولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا. وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم. والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها. وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة. وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين: الأول اختيار أبي عبد الله الحاكم، والثاني هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ﷺ ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: ﴿وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] صريح في أنهم من بني آدم ليسوا من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، يعني يعرفون الفريقين بسيماهم، ﴿وَنادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، أي نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطمَعُونَ﴾ الضميرات في الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها. قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم. وقال الحسن: الذي [جعل] الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون، وفي هذا رد على وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين، فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله، ومراده منه. ثم قال تعالى: ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا في الدخول إليها، وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم، ثم قال تعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونهم بِسِيماهُمْ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، فقالوا لهم: ﴿ما أغْنى عَنكم جَمْعُكم وما كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على أهل الحق ولا استكباركم، وهذا إما نفى، وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفخم. ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون وفي رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الجنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]. وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم جموعهم واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهم اللهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]، والقولان قويان محتملان، والله أعلم. فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار. ((الجزء السادس))

الأعراف 7:48

(الطبقة الثانية عشر) قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما فتقاوما فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة. فهؤلاء هم أهل الأعراف، لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب. وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل هذه الطبقة في سورة الأعراف - بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم، ثم مناداة أهل الجنة أهل النار - فقال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ، ونادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهُمَ يَطْمَعُونَ وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٦-٤٧]، فقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] أي بين أهل الجنة والنار حجاب، قيل: هو السور الذي يضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذي يلى المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلى الكفار من جهته العذاب. والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار قيل: هو هذا السور الذي يضرب بينهم وقيل جبل بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف. قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم ما يشاءُ ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته. قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلي قال: كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحده بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨-٩]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِين﴾ [الأعراف: ٤٧]، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنا أتمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى في قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، فكان الطمع للنور الذي في أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا. يريد آخر أهل الجنة دخولًا ممن لم يدخل النار. وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأُعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول الأول، وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على الأعراف حتى يقضى الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما. وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أُولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا. وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم. والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها. وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة. وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين: الأول اختيار أبي عبد الله الحاكم، والثاني هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ﷺ ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: ﴿وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] صريح في أنهم من بني آدم ليسوا من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، يعني يعرفون الفريقين بسيماهم، ﴿وَنادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، أي نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطمَعُونَ﴾ الضميرات في الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها. قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم. وقال الحسن: الذي [جعل] الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون، وفي هذا رد على وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين، فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله، ومراده منه. ثم قال تعالى: ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا في الدخول إليها، وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم، ثم قال تعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونهم بِسِيماهُمْ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، فقالوا لهم: ﴿ما أغْنى عَنكم جَمْعُكم وما كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على أهل الحق ولا استكباركم، وهذا إما نفى، وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفخم. ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون وفي رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الجنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]. وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم جموعهم واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهم اللهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]، والقولان قويان محتملان، والله أعلم. فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار. ((الجزء السادس))

الأعراف 7:49

(الطبقة الثانية عشر) قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما فتقاوما فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة. فهؤلاء هم أهل الأعراف، لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب. وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل هذه الطبقة في سورة الأعراف - بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم، ثم مناداة أهل الجنة أهل النار - فقال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ، ونادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهُمَ يَطْمَعُونَ وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٦-٤٧]، فقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] أي بين أهل الجنة والنار حجاب، قيل: هو السور الذي يضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذي يلى المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلى الكفار من جهته العذاب. والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار قيل: هو هذا السور الذي يضرب بينهم وقيل جبل بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف. قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم ما يشاءُ ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته. قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلي قال: كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحده بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨-٩]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف. فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِين﴾ [الأعراف: ٤٧]، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنا أتمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى في قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، فكان الطمع للنور الذي في أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا. يريد آخر أهل الجنة دخولًا ممن لم يدخل النار. وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأُعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول الأول، وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على الأعراف حتى يقضى الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما. وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أُولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا. وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم. والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها. وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة. وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين: الأول اختيار أبي عبد الله الحاكم، والثاني هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ﷺ ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: ﴿وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] صريح في أنهم من بني آدم ليسوا من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، يعني يعرفون الفريقين بسيماهم، ﴿وَنادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، أي نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطمَعُونَ﴾ الضميرات في الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها. قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم. وقال الحسن: الذي [جعل] الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون، وفي هذا رد على وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين، فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله، ومراده منه. ثم قال تعالى: ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا في الدخول إليها، وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم، ثم قال تعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونهم بِسِيماهُمْ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، فقالوا لهم: ﴿ما أغْنى عَنكم جَمْعُكم وما كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على أهل الحق ولا استكباركم، وهذا إما نفى، وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفخم. ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون وفي رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الجنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]. وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم جموعهم واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهم اللهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]، والقولان قويان محتملان، والله أعلم. فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار. ((الجزء السادس))

الأعراف 7:54

(فصل) الجَهْمِيَّةُ رَدُّوا مُحْكَمَ قَوْلِهِ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقَوْلِهِ ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وغَيْرِها مِن النُّصُوصِ المُحْكَمَةِ بِالمُتَشابِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]: وقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] والآيَتانِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ صِفاتِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ داخِلَةٌ في مُسَمّى اسْمِهِ؛ فَلَيْسَ " اللَّهُ " اسْمًا لِذاتٍ لا سَمْعَ لَها ولا بَصَرَ لَها ولا حَياةَ لَها ولا كَلامَ لَها ولا عِلْمَ، ولَيْسَ هَذا رَبَّ العالَمِينَ، وكَلامُهُ تَعالى وعِلْمُهُ وحَياتُهُ وقُدْرَتُهُ ومَشِيئَتُهُ ورَحْمَتُهُ داخِلَةٌ في مُسَمّى اسْمِهِ؛ فَهو سُبْحانَهُ بِصِفاتِهِ وكَلامِهِ الخالِقُ، وكُلُّ ما سِواهُ مَخْلُوقٌ، وأمّا إضافَةُ القُرْآنِ إلى الرَّسُولِ فَإضافَةُ تَبْلِيغٍ مَحْضٍ، لا إنْشاءٍ. والرِّسالَةُ تَسْتَلْزِمُ تَبْلِيغَ كَلامِ المُرْسَلِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْسَلِ كَلامٌ يُبَلِّغُهُ الرَّسُولُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا؛ ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن السَّلَفِ؛ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا فَقَدْ أنْكَرَ رِسالَةَ رُسُلِهِ فَإنَّ حَقِيقَةَ رِسالَتِهِمْ تَبْلِيغُ كَلامِ مَن أرْسَلَهُمْ؛ فالجَهْمِيَّةُ وإخْوانُهم رَدُّوا تِلْكَ النُّصُوصَ المُحْكَمَةَ بِالمُتَشابِهِ، ثُمَّ صَيَّرُوا الكُلَّ مُتَشابِهًا، ثُمَّ رَدُّوا الجَمِيعَ، فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ فِعْلًا يَقُومُ بِهِ يَكُونُ بِهِ فاعِلًا كَما لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ كَلامًا يَقُومُ بِهِ يَكُونُ بِهِ مُتَكَلِّمًا؛ فَلا كَلامَ لَهُ عِنْدَهم ولا أفْعالَ، بَلْ كَلامُهُ وفِعْلُهُ عِنْدَهم مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ صِفَةً لَهُ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنّما يُوصَفُ بِما قامَ بِهِ لا بِما لَمْ يَقُمْ بِهِ. (فائدة) لَيْسَ في الوُجُود المُمكن سَبَب واحِد مُسْتَقل بالتأثير بل لا يُؤثر سَبَب ألْبَتَّةَ إلّا بانضمام سَبَب آخر إلَيْهِ وانْتِفاء مانع يمْنَع تَأْثِيره هَذا في الأسْباب المشهودة بالعيان، وفي الأسْباب الغائبة والأسباب المعنوية كتأثير الشَّمْس في الحَيَوان والنبات فَإنَّهُ مَوْقُوف على أسباب أخر من وجود مَحل قابل وأسْباب أخر تنضم إلى ذَلِك السَّبَب وكَذَلِكَ حُصُول الوَلَد مَوْقُوف على عدَّة أسباب غير وطْء الفَحْل وكَذَلِكَ جَمِيع الأسْباب مَعَ مسبباتها فَكل ما يخاف ويرجى من المَخْلُوقات فأعلى غاياته أن يكون جُزْء سَبَب غير مُسْتَقل بالتأثير ولا يسْتَقلّ بالتأثير وحده دون توقف تَأْثِيره على غَيره إلّا الله الواحِد القهّار فَلا يَنْبَغِي أن يُرْجى ولا يخاف غَيره وهَذا برهان قَطْعِيّ على أن تعلق الرَّجاء والخَوْف بِغَيْرِهِ باطِل فَإنَّهُ لَو فرض أن ذَلِك سَبَب مُسْتَقل وحده بالتأثير لكانَتْ سببيته من غَيره لا مِنهُ فَلَيْسَ لَهُ من نَفسه قُوَّة يفعل بها فَإنَّهُ لا حول ولا قُوَّة إلّا بِالله فَهو الَّذِي بِيَدِهِ الحول كُله والقُوَّة كلها فالحول والقُوَّة الَّتِي يُرْجى لأجلهما المَخْلُوق ويخاف إنَّما هما لله وبِيَدِهِ في الحَقِيقَة فَكيف يخاف ويرجى من لا حول لَهُ ولا قُوَّة بل خوف المَخْلُوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المَكْرُوه بِمن يرجوه ويخافه فَإنَّهُ على قدر خوفك من غير الله يُسَلط عَلَيْك وعَلى قدر رجائك لغيره يكون الحرمان وهَذا حال الخلق أجمعه وإن ذهب عَن أكْثَرهم علما وحالا فَما شاءَ الله كانَ ولا بُد وما لم يَشَأْ لم يكن ولَو اتّفقت عَلَيْهِ الخليقة. (فصل) تَأمل اخْتِلاف سير الكَواكِب وما فِيهِ من العَجائِب، كَيفَ تَجِد بَعْضها لا يسير إلّا مَعَ رفقته لا يفرد عَنْهُم سيره أبدا بل لا يَسِيرُونَ إلا جَمِيعًا، وبَعضها يسير سيرا مُطلقًا غير مُقَيّد برفيق ولا صاحب، بل إذا اتّفق لَهُ مصاحبته في منزل وافقه فِيهِ لَيْلَة وفارقه اللَّيْلَة الأخرى، فَبينا تراهُ ورفيقه وقرينه إذْ رأيتهما مفترقين متابعدين كَأنَّهُما لم يتصاحبا قطّ، وهَذِه السيارة لَها في سَيرها سيران مُخْتَلِفانِ غايَة الِاخْتِلاف سير عام يسير بها فلكها، وسير خاص تسير هي في فلكها، كَما شبهوا ذَلِك بنملة تدب على رحى ذات الشمال والرحى تَأْخُذ ذات اليَمين، فللنملة في ذَلِك حركتان مُخْتَلِفَتانِ إلى جِهَتَيْنِ متاينتين إحداهما بِنَفسِها والأخرى مُكْرَهَة عَلَيْها تبعا للرحى تجذبها إلى غير جِهَة مقصدها، وبِذَلِك يَجْعَل التَّقْدِيم فِيها كل منزلَة إلى جِهَة الشرق ثمَّ يسير فلكها وبمنزلتها إلى جِهَة الغرب فسل الزَّنادِقَة والمعطلة أي طبيعة اقْتَضَت هَذا وأي فلك أوجبه وهلا كانَت كلها راتبة أوْ منتقلة أوْ على مِقْدار واحِد وشكل واحِد وحركة واحِدَة وجريان واحِد، وهل هَذا إلا صنع من بهرت العُقُول حكمته وشهِدت مصنوعاته ومتبدعاته بأنه الخالِق البارئ المصور الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء، أحسن كل شَيْء خلقه وأتقن كل ما صنعه وأنه العَلِيم الحَكِيم الَّذِي خلق فسوى وقدر فهدى، وأن هَذِه إحدى آياته الدّالَّة عَلَيْهِ وعجائب مصنوعاته الموصلة للأفكار إذا سافَرت فِيها إليه، وأنه خلق مسخر مربوب مُدبر ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ (٥٤)﴾ فَإن قلت فَما الحِكْمَة في كَون بعض النُّجُوم راتبا وبَعضها منتقلا قيل إنَّها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدّلالَة والحكم الَّتِي نشأت من تنقلها في منازلها ومسيرها في بروجها ولَو كانَت كلها منتقلة لم يكن لمسيرها منازِل تعرف بها ولا رسم يُقاس عَلَيْها لأنه إنَّما يُقاس مسير المتنقلة مِنها بالراتب كَما يُقاس مسير السائرين على الأرض بالمنازل الَّتِي يَمرونَ عَلَيْها فَلَو كانَت كلها بِحال واحِدَة لاختلط نظامها ولبطلت الحكم والفوائد والدلآلات الَّتِي في اختلافها ولتشبث المُعَطل بذلك وقالَ لَو كانَ فاعلها ومبدعها مُخْتارًا لم تكن على وجه واحِد وأمر واحِد وقدر واحِد فَهَذا التَّرْتِيب والنظام الَّذِي هي عَلَيْهِ من ادل الدَّلائِل على وجود الخالِق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته.

الأعراف 7:55

هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة، وهذا تارة. ويراد به مجموعهما. وهما متلازمان. فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره، أو دفعه. ومن يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقا. والمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر. ولهذا أنكر الله تعالى على عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا نفعا، وذلك كثير في القرآن. كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكم أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ. قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ، أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. فنفي سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر، القاصر والمعتدي. فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم. وهذا في القرآن كثير بيّن: أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع ودفع الضر. ودعاء المسألة، ويدعى خوفا ورجاء، ودعاء العبادة. فعلم أن النوعين متلازمان: فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ يتناول نوعي الدعاء. وبكل منهما فسرت الآية. قيل: أعطيه إذا سألني. وقيل: أثيبه إذا عبدني. والقولان متلازمان. وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا. فتأمله فإنه موضع عظيم النفع، قل من يفطن له. وأكثر ألفاظ القرآن الدالة على معنيين فصاعدا هي من هذا القبيل. ومثال ذلك قوله: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فسر «الدلوك» بالزوال، وفسر بالغروب. وحكيا قولين في كتب التفسير. وليسا بقولين، بل اللفظ يتناولهما معا. فإن الدلوك هو الميل. ودلوك الشمس ميلها ولهذا الميل مبدأ ومنتهى. فمبدؤه الزوال، ومنتهاه الغروب. فاللفظ متناول لهما بهذا الإعتبار لا بتناول المشترك لمعنييه. ولا اللفظ لحقيقته ومجازه. ومثاله أيضا تفسير الغاسق: بالليل والقمر، وأن ذلك ليس باختلاف، بل يتناولهما لتلازمهما. فإن القمر آية الليل. ونظائره كثيرة. ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾. قيل: لولا دعاؤكم إياه. وقيل: دعاؤه إياكم إلى عبادته فيكون المصدر مضافا إلى المفعول. وعلى الأول مضافا إلى الفاعل. وهو الأرجح من القولين. وعلى هذا: فالمراد به نوعا الدعاء والعبادة أظهر، أي ما يعبأ لكم ربي لولا أنكم تعبدونه. عبادة تستلزم مسألته. فالنوعان داخلان فيه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فالدعاء يتضمن النوعين، وهو في دعاء العبادة أظهر. ولهذا عقبه بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ فسر الدعاء في الآية بهذا وهذا وقد روى سفيان عن منصور عن زرّ عن نسيع الكندي عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «إن الدعاء هو العبادة». ثم قرأ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم. إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ رواه الترمذي ، وقال حديث حسن صحيح. وأما قوله تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ وقوله: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ﴾ وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأصنامهم وآلهتهم فالمراد به دعاء العبادة، المتضمن دعاء المسألة. فهو في دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة: أحدها: أنهم قالوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم هو عبادتهم لهم. والثاني: أن الله تعالى فسّر هذا الدعاء في موضع آخر بأنه العبادة. كقوله ﴿وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وقوله: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وهو كثير في القرآن. فدعاؤهم لآلهتهم وعبادتهم لها. الثالث: أنهم إنما كانوا يعبدونها يتقربون بها إلى الله. فإذا جاءتهم الحاجات والكربات والشدائد دعوا الله وحده وتركوها. ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة. وقوله تعالى: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هو دعاء العبادة. والمعنى: اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته، لا تعبدوا معه غيره. وأما قول إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ فالمراد بالسمع هنا: السمع الخاص، وهو سمع الإجابة والقبول، لا السمع العام. لأنه سميع لكل مسموع. وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب. وسمع الرب تبارك وتعالى له إثابته على الثناء، وإجابته للطلب. فهو سميع لهذا ولهذا. وأما قول زكريا عليه السلام: ﴿وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ فقد قيل: إنه دعاء المسألة، والمعنى: إنك عودتني إجابتك وإسعافك، ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه، كما حكي أن رجلا سأل رجلا وقال: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا وكذا. فقال: مرحبا بمن توسل إلينا بنا، وقضى حاجته. وهذا ظاهر هنا. ويدل عليه: أنه قدم ذلك أمام طلبه الولد، وجعله وسيلة إلى ربه، فطلب منه أن يجاريه على عادته التي عوده: من قضاء حوائجه وإجابته إلى ما سأله. ويدل عليه: أنه قدم ذلك أمام طلبه الولد، وجعله وسيلة إلى ربه، فطلب منه أن يجاريه وأما قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ فهذا الدعاء المشهور، وأنه دعاء المسألة، وهو سبب النزول، قالوا: «كان النبي ﷺ يدعو ربه، فيقول مرة: يا الله، ومرة: يا رحمن فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو إلهين، فأنزل الله تعالى هذه الآية» قال ابن عباس: «سمع المشركون النبي ﷺ يدعو في سجوده: يا رحمن يا رحيم فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو مثنى مثنى. فأنزل الله هذه الآية قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ. وقيل: إن الدعاء هاهنا بمعنى التسمية، كقولهم: دعوت ولدي سعيدا. وادعه بعبد الله ونحوه. والمعنى: سموا ربكم الله أو سموه الرحمن: فالدعاء هاهنا بمعنى التسمية. وهذا قول الزمخشري. والذي حمله على هذا قوله: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ فإن المراد بتعدده: معنى «أي» وعمومها هنا تعدد الأسماء ليس إلا. والمعنى: أي اسم سميتموه به من أسماء الله تعالى. إما الله وإما الرحمن، فله الأسماء الحسنى، أي فللمسمى سبحانه الأسماء الحسنى. والضمير في «له» يعود إلى المسمى. فهذا الذي أوجب له أن يحمل الدعاء في هذه الآية على التسمية. وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المراد بالدعاء في الآية وليس هو عين المراد بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن، وهو دعاء السؤال، ودعاء الثناء ولكنه متضمن معنى التسمية فليس المراد مجرد التسمية الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب. فعلى هذا المعنى: يصح أن يكون في «تدعوا» معنى تسموا. فتأمله. والمعنى أيّا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم. والله أعلم. وأما قوله تعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ، إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة. والمعنى: إنا كنا من قبل نخلص له العبادة. وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم، لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السماوات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب. وكذلك قول الفتية أصحاب الكهف: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوا مِن دُونِهِ إلهًا﴾ أي لن نعبد غيره. وكذلك قوله تعالى: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾؟ وأما قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم. فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فهذا من دعاء المسألة، يبكتهم الله عز وجل ويخزيهم يوم القيامة بإراءتهم أن شركاءهم لا يستجيبون لدعوتهم. وليس المراد اعبدوهم. وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾. وهذا التقرير نافع في مسألة الصلاة، وأنها: هل نقلت عن مسماها في اللغة، فصارت حقيقة شرعية منقولة استعملت في هذه العبادة مجازا، للعلاقة بينها وبين المسمي اللغوي، أو هي باقية على الوضع اللغوي وضم إليها أركان وشرائع؟ وعلى ما قررناه: لا حاجة إلى شيء من ذلك. فإن المصلي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء، إما دعاء عبادة وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، وهو في الحالين داع. فما خرجت الصلاة عن حقيقة الدعاء، فتأمله إذا عرفت هذا. فقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ يتناول نوعي الدعاء ولكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن دعاء العبادة. ولهذا أمر بإخفائه وإسراره قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وأن الله ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله، وقال: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾. وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة. أحدها: أنه أعظم إيمانا، لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع دعاءه الخفي. وليس كالذي قال: إن الله يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا وثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم. ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات، وإنما تخفض عندهم الأصوات، ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى. فإذا كان ربنا يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به. ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده. فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل إذا انكسر قلبه، وذلت جوارحه، وخشع صوته، حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته، وكسرته، وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق. فقلبه سائل طالب مبتهل، ولسانه لشدة ذله وضراعته ومسكنته ساكت. وهذه الحالة لا يتأتى معها رفع الصوت بالدعاء أصلا. ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص. وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء. فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته. فكلما خفض صوته كان أبلغ في حمده وتجريده همته وقصده للمدعو سبحانه وتعالى. وسادسها: وهو من النكت السرية البديعة جدا - أنه دال على قرب صاحبه من الله، وأنه لاقترابه منه، وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه. فيسأله مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد. ولهذا: أثنى سبحانه وتعالى على عبده زكريا بقوله: إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا فكلما استحضر القلب قرب الله تعالى منه، وأنه أقرب إليه من كل قريب، وتصور ذلك أخفى دعاءه ما أمكنه ولم يتأت له رفع الصوت به، بل يراه غير مستحسن كما أن من خاطب جليسا له يسمع خفي كلامه فبالغ في رفع الصوت استهجن ذلك منه ولله المثل الأعلى سبحانه. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح. لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» وقال تعالى: وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ. أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ وقد جاء أن سبب نزولها: أن الصحابة قالوا: «يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ وهذا يدل على إرشادهم للمناجاة في الدعاء، لا للنداء الذي هو رفع الصوت فإنهم عن هذا سألوا، فأجيبوا بأن ربهم تبارك وتعالى قريب لا يحتاج في دعائه وسؤاله إلى النداء، وإنما يسأل مسألة القريب المناجى، لا مسألة البعيد المنادى. وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص، ليس قربا عاما من كل أحد، فهو قريب من داعيه وقريب من عابده، و «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» «١» وهو أخص من قرب الإنابة وقرب الإجابة، الذي لم يثبت أكثر المتكلمين سواه، بل هو قرب خاص من الداعي والعابد، كما قال النبي ﷺ راويا عن ربه تبارك وتعالى: «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا» فهذا قربه من عابده. وأما قربه من داعيه وسائله فكما قال تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾. وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فيه الإشارة والإعلام بهذا القرب. وأما قربه تبارك وتعالى من محبه فنوع آخر وبناء آخر، وشأن آخر، كما قد ذكرناه في كتاب التحفة المكية. على أن العبارة تنبو عنه ولا تحصل في القلب حقيقة معناه أبدا، لكن بحسب قوة المحبة وضعفها يكون تصديق العبد بهذا القرب. وإياك ثم إياك أن تعبر عنه بغير هذه العبارة النبوية، أو يقع في قلبك غير معناها ومرادها فتزل بك قدم بعد ثبوتها وقد ضعف تمييز خلائق في هذا المقام وساء تعبيرهم فوقعوا في أنواع من الطامات والشطح، وقابلهم من غلظ حجابه، فأنكر محبة العبد لربه جملة وقربه منه وأعاد ذلك إلى مجرد الثواب المخلوق فهو عنده المحبوب القريب ليس إلا. وقد ذكرنا من طرق الرد على هؤلاء وهؤلاء في كتاب التحفة أكثر من مائة طريق. والمقصود هاهنا: الكلام على هذه الآية. وسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكلّ لسانه وتضعف بعض قواه. وهذا نظير من يقرأ ويكرر رافعا صوته، فإنه لا يطول له ذلك بخلاف من يخفض صوته. وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات. فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل له هناك تشويش ولا غيره، وإذا جهر به تفطنت له الأرواح الشريرة والباطولية الخبيثة من الجن والإنس، فشوشت عليه ولا بد، ومانعته وعارضته ولو لم يكن من ذلك إلا أن تعلقها به يفرق عليه همته فيضعف أثر الدعاء لكفى. ومن له تجربة يعرف هذا. فإذا أسر الدعاء وأخفاه أمن هذه المفسدة. وتاسعها: أن أعظم النعم هو الإقبال على الله، والتعبد له، والانقطاع إليه والتبتل إليه. ولكل نعمة حاسد على قدرها، دقت أو جلت، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة. فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وأن لا يقصد إظهارها له. وقد قال يعقوب ليوسف: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار، فأصبح يقلب كفيه. ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله وأن لا يطلعوا عليه أحدا ويتكتمون به غاية التكتم كما أنشد بعضهم في ذلك: ؎من سارروه فأبدى السر مجتهدا ∗∗∗ لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا ؎وأبعدوه فلم يظفر بقربهم ∗∗∗ وأبدلوه مكان الإنس إيحاشا ؎لا يأمنون مذيعا بعض سرهم ∗∗∗ حاشا ودادهم من ذلكم حاشا والقوم أعظم شيء كتمانا لأحوالهم مع الله وما وهب الله لهم من محبته والأنس به وجمعية القلب عليه، ولا سيما للمبتدي والسالك. فإذا تمكن أحدهم وقوي وثبتت أصول تلك الشجرة الطبية التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه بحيث لا يخشى من العواصف، فإنه إذا أبدي حاله وشأنه مع الله ليقتدي به ويؤتم به لم يبال. وهذا باب عظيم النفع وإنما يعرفه أهله. وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على الله فهو من أعظم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء والستر عن أعين الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة. وعاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب كما قال النبي ﷺ: «أفضل الدعاء الحمد لله» فسمى «الحمد لله» دعاء، وهو ثناء محض. لأن الحمد يتضمن الحب والثناء. والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب لمحبوبه، فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب من ربه حاجة ما. فتأمل هذا الموضع فإذا تأملته لا تحتاج إلى ما قيل: إن الذكر متعرض للنوال وإن لم يكن مصرحا بالسؤال، فهو داع بما تضمنه ثناؤه من التعرض، كما قال أمية بن أبي الصلت في ممدوحه: ؎أأذكر حاجتي، أم قد كفاني ∗∗∗ حباؤك؟ إن شيمتك الحباء ؎إذا اثنى عليك المرء يوما ∗∗∗ كفاه من تعرضه الثناء وعلى هذه الطريقة التي ذكرناها نفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب وهو طلب المحب، فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه. والمقصود أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه. (فصل) قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ قيل: المراد أنه لا يحب المعتدين في الدعاء. كالذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك. وقد روى أبو داود في سننه من حديث حماد ابن سلمة عن سعيد الجريري عن ابي معاوية أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: «اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بنى سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب أو يسأله أن يطلعه على غيبه أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء. فكل سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب رسله. وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضا في الدعاء. قال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء، والنداء في الدعاء والصياح وبعد: فالآية أعم من ذلك كله، وإن كان الاعتداء في الدعاء مرادا بها فهو من جملة المراد والله لا يحب المعتدين في كل شيء، دعاء كان أو غيره، كما قال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾. وعلى هذا فيكون قد أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان، وهم الذين يدعون معه غيره. فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا. فإن أعظم العدوان هو الشرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها. فهذا العدوان لا بد أن يكون داخلا في قوله: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ. ومن العدوان: أن يدعوه دعاء غير متضرع، بل دعاء مدلّ، كالمستغني بما عنده المدل على ربه به. وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته. فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد. ومن الاعتداء: أن تعبده بما لا يشرعه، وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه. فإن هذا الاعتداء في دعاء الثناء والعبادة، وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب. وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين. أحدهما: محبوب للرب تبارك وتعالى مرضى له، وهو الدعاء تضرعا وخفية. والثاني: مكروه له مبغوض مسخوط، وهو الاعتداء، فأمر بما يحبه الله وندب إليه، وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير. وهو أنه لا يحب فاعله، ومن لم يحبه الله فأي خير يناله؟ وفي قوله: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ عقب قوله: ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً دليل على أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم. فقسمت الآية الناس إلى قسمين: داع لله تضرعا وخفية، ومعتد بترك ذلك. فصل وقوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾. قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله. فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ وقال عطية في الآية: ولا تعصوا في الأرض، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم. وقال غير واحد من السلف: إذا قحط المطر فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم، وتقول: اللهم ألعنهم، فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطر. وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ: هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول. فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. ومن تدبر هذا حق التدبر وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين - وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي حق غيره عموما وخصوصا. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (فصل) قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ إنما كرر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع. فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية، ثم أمر بأن يكون الدعاء أيضا خوفا وطمعا، وفصل بين الجملتين بجملتين إحداهما خبرية متضمنة للنهي، وهي قوله إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ والثانية طلبية، وهي قوله: ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها والجملتان مقررتان مقويتان للجملة الأولى، مؤكدتان لمضمونها. ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضادها ويناقضها أمر بدعائه خوفا وطمعا، ثم قرر ذلك وأكد مضمونه بجملة خبرية، وهي قوله: إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ فتعلق هذه الجملة بقوله: وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا كتعلق قوله: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ بقوله: ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً. ولما كان قوله تعالى: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ مشتملا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي الحب والخوف والرجاء، عقبها بقوله: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أي إنما ينال الرحمة من دعاه خوفا وطمعا، فهو المحسن والرحمة قريب منه. لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة. لما كان دعاء التضرع والخفية يقابله الاعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ذلك بقوله: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾. وانتصاب قوله «تضرعا، وخفية، وخوفا، وطمعا» قيل: هو على الحال أي ادعوه متضرعين مخفين خائفين طامعين، وهذا هو الذي رجحه السهيلي وغيره. وقيل: هو نصب على المفعول له. وهذا قول كثير من النحاة. وقيل: هو نصب على المصدر. وفيه على هذا تقديران. أحدهما: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظ المصدر، والمعنى تضرعوا إليه تضرعا وأخفوا خفية. الثاني: أنه منصوب بالفعل المذكور لأنه في معنى المصدر، فإن الداعي متضرع في حصول مطلوبه خائف من فواته. فكأنه قال: تضرعوا تضرعا. والصحيح في هذا: أنه منصوب على الحال، والمعنى إليه، فإن المعنى ادعوا ربكم متضرعين إليه خائفين طامعين. ويكون وقوع المصدر موقع الاسم على حد قوله: ﴿وَلكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وقولهم: رجل عدل، ورجل صوم. قال الشاعر فإنما هي إقبال وإدبار وهو أحسن من أن يقال: ادعوه متضرعين خائفين وأبلغ. والذي حسنه أن المأمور به هنا شيئان: الدعاء الموصوف المقيد بصفة معينة وهي صفة التضرع والخوف والطمع. فالمقصود تقييد المأمور به بتلك الصفة، وتقييد الموصوف الذي هو صاحبها بها. فأتى بالحال على لفظ المصدر لصلاحيته لأن يكون صفة للفاعل وصفة للفعل المأمور به. فتأمل هذه النكتة فإنك إذا قلت: اذكر ربك تضرعا فإنك تريد: اذكره متضرعا إليه، واذكره ذكر تضرع، فأنت مريد للأمرين معا. ولذلك إذا قلت: ادعه طمعا أي ادعه دعاء طمع وادعه طامعا في فضله، وكذلك إذا قلت: ادعه رغبة ورهبة، كقوله تعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ كقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ وادعه دعاء رغبة ورهبة. فتأمل هذا الباب تجده كذلك، فأتى فيه المصدر الدال على وصف المأمور به بتلك الصفة، وعلى تقييد الفاعل بها تقييد صاحب الحال بالحال. ومما يدل على هذا: أنك تجد مثل هذا صالحا وقوعه جوابا لكيف. فإذا قيل: كيف ادعوه؟ قيل: تضرعا وخفية، وتجد اقتضاء «كيف» لهذا أشد من اقتضاء «لم» ولو كان مفعولا له لكان جوابا للم، ولا تحسن هنا. ألا ترى أن المعنى ليس عليه. فإنه يصح أن يقال لم أدعوه؟ فيقول تضرعا وخفية. وهذا واضح، ولا هو انتصاب على المصدر المبين للنوع الذي لا يتقيد به الفاعل لما ذكرناه من صلاحيته جوابا لكيف. وبالجملة فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال، بل الإتيان بالحال هاهنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده المصدر مع زيادة فائدة الحال، فهو أتم معنى ولا تنافي بينهما. والله أعلم. (فصل) قول الله تعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾. فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفا وطمعا، فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم. فإن الله هو الغني الحميد، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وقوله: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة بمفهومه فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين. فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة، وإنما أختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته. وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدا ببعد وقربا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته. والله سبحانه يحب المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه. والإحسان هاهنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه. فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية فهذا هو مقام الإحسان كما قال النبي ﷺ: «وقد سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه» وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمة الله قريب من صاحبه، فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه؟ قال بان عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة؟ وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: «قرأ رسول الله ﷺ: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ، ثم قال: هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» (فصل) وأما الإخبار عن الرحمة - وهي مؤنثة بالتاء - بقوله «قريب» وهو مذكر ففيه اثنا عشر مسلكا نذكرها ونبين ما فيها من صحيح وسقيم ومقارب. المسلك الأول: أن فعيلا على ضربين: أحدهما يأتي بمعنى فاعل كقدير وسميع وعليم. والثاني: يأتي بمعنى مفعول كقتيل وجريح، وكف خضيب. وطرف كحيل وشعر دهين، كله بمعنى مفعول. فإذا أتى بمعنى فاعل فقياسه أن يجري مجراه في إلحاق التاء به مع المؤنث دون المذكر كجميل وجميلة وشريف وشريفة وصبيح وصبيحة وصبي وصبية ومليح ومليحة وطويل وطويلة ونحوه. وإذا أتى بمعنى مفعول فلا يخلو إما أن يصحب الموصوف كرجل قتيل وامرأة قتيل أو يفرد عنه. فإن صحب الموصوف استوى فيه المذكر والمؤنث كرجل قتيل وامرأة قتيل، وإن لم يصحب الموصوف فإنه يؤنث إذا جرى على المؤنث نحو قتيلة بني فلان. ومنه قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ - إلى قوله - والنَّطِيحَةُ هذا حكم فعيل، وفعول قريب منه لفظا ومعنى، فإنهما مشتبهان في الوزن والدلالة على المبالغة وورودها بمعنى فاعل ومفعول. ولما كان فعيل أخف استغنى به عن فاعل في المضاعف كجليل وعزيز وذليل كراهية منهم لثقل التضعيف إذا قالوا: جالل وعازز وذالل، فأتوا بفعيل مفصولا فيه بين المثلين بالياء الساكنة، ولم يأتوا في هذا بفعول لأن فعيلا أخف منه ولخفته أيضا اطرد بناؤه من فعل كشريف وظريف وجميل ونبيل وليس لفعول بناء يطرد منه، ولخفته أيضا كان في أسماء الله تعالى أكثر من فعول. فإن الرحيم والقدير والحسيب والجليل والرقيب ونظائره أكثر من ألفاظ الرؤوف والغفور والشكور والصبور والودود والعفو، ولا يعرف إلا هذه الألفاظ الستة. وإذا ثبت التشابه بين فعيل وفعول فيما ذكرنا وكانوا قد خصوا فعولا الذي بمعنى فاعل بتجريده من التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث وشركوا بينهما في لفظ المذكر فقالوا: رجل صبور وشكور وامرأة صبور وشكور ونظائرهما وأما عدو وعدوة فشاذ. فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر والمؤنث كرجل ملولة وفروقة وامرأة كذلك، وإن كان فعول في معنى مفعول لحقته التاء في المؤنث كحلوبة وركوبة. فإذا تقرر ذلك فقريب في الآية هو فعيل بمعنى فاعل وليس المراد أنه بمعنى قارب بل بمعنى اسم الفاعل العام. فكان حقه أن يكون بالتاء ولكنهم أجروه مجرى فعيل بمعنى مفعول فلم يلحقوه التاء كما جرى فعيل بمعنى مفعول مجرى فعيل بمعنى فاعل في إلحاقة التاء كما قالوا خصلة حميدة وفعلة ذميمة بمعنى محمودة ومذمومة فحملوا على جميلة وشريفة في لحاق التاء فحملوا قريبا على امرأة قتيل وكف خضيب وعين كحيل في عدم إلحاق التاء حملا لكل من البابين على الآخر. ونظيره قوله تعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِ العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ فحمل رميما وهي بمعنى فاعل على امرأة قتيل وبابه فهذا المسلك هو من أقوى مسالك النجاة وعليه يعتمدون وقد اعترض عليه بثلاثة اعتراضات. أحدها: أن ذلك يستلزم التسوية بين اللازم والمعتدي فإن فعيلا بمعنى مفعول بابه الفعل المتعدي وفعيلا بمعنى فاعل بابه الفعل اللازم لأنه غالب ما يأتي من فعل المضموم العين فلو جرى على أحدهما حكم الآخر لكن ذلك تسوية بين اللازم والمتعدي وهو ممتنع. الاعتراض الثاني: أن هذا إن ادعى على وجه العموم فباطل، وإن ادعى على سبيل الخصوص فما الضابط وما الفرق بين ما يسوغ فيه هذا الاستعمال وما لا يسوغ؟ الاعتراض الثالث: أن العرب قد نطقت في فعيل بالتاء وهو بمعنى مفعول وجردته من التاء وهو بمعنى فاعل قال جرير يرثي خالته: ؎نعم القرين وكنت علق مضنة ∗∗∗ وارى بنعق بلية الأحجار فجرد القرين من التاء وهو بمعنى فاعل. وقال: ؎فسقاك حيث حللت غير فقيدة ∗∗∗ هزج الرواح وديمة لا تقلع فقرن فقيده بالتاء وهو فعيل بمعنى مفعول أي غير مفقودة. وقال الفرزدق: ؎فداويته عامين وهي قريبة ∗∗∗ أراها وتدنو لي مرارا وأرشف ويقولون: امرأة فتين وسريح وهريت فجردوه عن التاء، وهو بمعنى فاعل وقالوا: امرأة فروك وهلوك ورشوف وأنوف ورضوف فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور. وقالوا امرأة عروب فجردوه أيضا ثم قالوا امرأة ملولة وفروقة فقرنوه بالتاء وهو بمعنى فاعل أيضا. ودعوى أن التاء هاهنا للمبالغة لا دليل عليها فقد رأيت اشتراك فعول وفعيل في الاقتران بالتاء والتجرد منها. فدعوى أصالة المجرد منهما وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها ومع مقابلها قياس اللغة في اقتران المؤنث وتجريد المذكر. وأما ما استشهد تم به من قوله تعالى: {مَن يُحْيِ العِظامَ وهي رَمِيمٌ فهو على وفق قياس العربية، فإن العظام جمع عظم وهو مذكر ولكن جمعه جمع تكسير وجمع التكسير جوز أن يراعى فيه تأنيث الجماعة وباعتباره قال: «وهي» ولم يقل وهو. ويراعى فيه معنى الواحد وباعتباره قال «رميم» كما يقال: عظم «رميم» مع أن رميما يطلق على المذكر مفردا وجمعا. قال جرير: ؎آل المهلب جذ الله دابرهم ∗∗∗ أمسوا رميما فلا أصل ولا طرف فهذا الاعتراض على هذا المسلك. (فصل) المسلك الثاني: أن قريبا في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر: ؎أري رجلا منهم أسيفا كأنما ∗∗∗ يضم إلى كشحيه كفا مخضبا فكف مؤنث ولكن تأويله بمعنى عضو وطرف فذكر صفته فكذلك تؤوّل الرحمة وهي مؤنثة بالإحسان فيذكر خبرها. قالوا وتأويل الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكف بعضو لوجهين أحدهما: أن الرحمة معنى قائم بالراحم والإحسان هو بر المرحوم ومعنى القرب في البر من الحسنين أظهر منه في الرحمة. الثاني: أن ملاحظة الإحسان بالرحمة الموصوفة بالقرب من المحسنين هو مقابلة للإحسان الذي صدر منهم باعتبار المقابلة ازداد المعنى قوة واللفظ جزالة حتى كأنه قال إن إحسان الله قريب من أهل الإحسان، كما قال تعالى: ٥٥: ٦٠ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ فذكر قريبا ليفهم منه أنه صفة المذكر وهو الإحسان فيفهم المقابلة المطلوبة. قالوا: ومن تأويل بمذكر ما أنشده الفراء: ؎وقائع في مضر تسعة ∗∗∗ وفي وائل كانت العاشرة فتأول الوقائع وهو مؤنثة بأيام الحرب المذكرة فأنث العدد الجاري عليها فقال «تسعة» ولولا هذا التأويل لقال تسع لأن الوقائع مؤنثة. قالوا: وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال: جاءته كتابي أي صحيفتي. وفي قول الشاعر: ؎يا أيها الراكب المربى مطيته ∗∗∗ سائل بني أسد ما هذه الصوت أي ما هذه الصيحة مع أنه حمل أصل على فرع فلأن يجوز تأويل مؤنث بمذكر لكونه حمل فرع على أصل أولى وأحرى وهذا وجه وجيه. وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين. أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه لجاز أن يقال: كلمتني زيد، وأكرمتني عمرو، وكلمني هند وأكرمني زينب، تأويلا لزيد وعمرو بالنفس والجثة وتأويلا لهند وزينب بالشخص والشبح. وهذا باطل، وهذا الاعتراض غير لازم، فإنهم لم يدّعوا إطراد ذلك وإنما ادّعوا أنه مما يسوغ أن يستعمل، وفرق بين ما يسوغ في بعض الأحيان وبين ما يطرد، كرفع الفاعل ونصب المفعول وهم لم يدعوا أنه من القسم الثاني. ثم إن هذا الاعتراض مردود بكل ما يسوغ استعماله بمسوغ وهو غير مطرد وهو أكثر من أن يذكر هاهنا ولا ينكره نحوي أصلا. وهل هذا إلا اعتراض على قواعد العربية بالتشكيكات والمناقضات؟ وأهل العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك. فلو أنهم قالوا يجوز تأويل كل مؤنث بمذكر يوافقه وبالعكس لصح النقض وإنما قالوا يسوغ أحيانا تأويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمنها التأويل كالفائدة التي ذكرناها من تأويل الرحمة بالإحسان. الاعتراض الثاني: أن حمل الرحمة على الإحسان إما أن يكون حملا على حقيقته أو مجازه وهما ممتنعان. فإن الرحمة والإحسان متغايران لا يلزم من أحدهما وجود الآخر، لأن الرحمة قد توجد وافرة في حق من لا يتمكن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها. وقد يوجد الإحسان ممن لا رحمة في طباعه كالملك القاسي فإنه قد يحسن إلى بعض أعدائه وغيرهم لمصلحة ملكه مع أنه لا رحمة عنده. وإذا تبين انفكاك أحدهما عن الآخر لم يجز إطلاقه عليه لا حقيقة ولا مجازا. أما الحقيقة فظاهر. وأما المجاز: فإن شرطه خطور المعنى المجازي بالبال ليصح انتقال الذهن إليه فإذا كان منفكا عن الحقيقة لم يخطر بالذهن. وهذا الاعتراض أفسد من الذي قبله. وهو من باب التعنت والمناكدة. وأين هذا من قول أكثر المتكلمين - ولعل هذا المعترض منهم -: أنه لا معنى للرحمة غائيّا إلا الإحسان المحض. وأما الرقة الحنان التي في الشاهد فلا يوصف الله بها وإنما رحمته مجرد إحسانه، ومع أنا لا نرتضي هذا القول بل نثبت لله تعالى الرحمة حقيقة كما أثبتها لنفسه منزهة مبرأة عن خواص صفات المخلوقين كما نقوله في سائر صفاته من إرادته وسمعه وبصره وعلمه وحياته وسائر صفات كماله - فلم نذكره إلا لنبين فساد اعتراض هذا المعترض على قول أئمته ومن قال بقول المتكلمين. ثم نقول: الرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو إرادته، استلزام الخاص للعام، فكما يستحيل وجود الخاص بدون العام فكذلك الرحمة بدون الإحسان أو إرادته يستحيل وجودها. وأما قضية الأم العاجزة: فإنها وإن لم تكن تقدر على الإحسان بالفعل فهي محسنة بالإرادة فرحمتها لا تنفك عن إرادتها التامة للإحسان التي يقترن بها مقدورها إما بدعاء وإما بإيثار بما تقدر عليه ونحو ذلك، فتخلف بعض الإحسان الذي لا تقدر عليه عن رحمتها لا يخرج رحمتها عن استلزامها للإحسان المقدور وهذا واضح وأما الملك القاسي إذا أحسن فإن إحسانه لا يكون رحمة فهذا لأن الإحسان أعم من الرحمة والأعم لا يستلزم الأخص، وهم لم يدعوا ذلك فلا يلزمهم. وأيضا فإن الإحسان قد يقال إنه يستلزم الرحمة وما فعله الملك المذكور ليس بإحسان في الحقيقة، وإن كانت صورته صورة الإحسان. وبالجملة: فالعنت والمناكدة على هذا الاعتراض أبين من أن يتكلف معه رده وإبطاله. (فصل) المسلك الثالث: إن «قريب» في الآية من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف، فكأنه قال: إن مكان الرحمة قريب من المحسنين، ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره. ومن ذلك قول حسان: ؎يسقون من ورد البريص عليهم ∗∗∗ بردى يصفق بالرحيق السلسل فقال: «يصفق» بالياء و «بردى» هي مؤنث لأنه أراد ماء بردى. ومنه قول النبي ﷺ وقد أخذ بيديه ذهبا وحريرا فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي» فقال: «حرام» بالإفراد والمخبر عنه مثنى، كأنه قال: استعمال هذين حرام. وهذا المسلك ضعيف جدا لأن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لا يسوغ ادعاؤه مطلقا وإلا لا لتلبس الخطاب وفسد التفاهم وتعطلت الأدلة. إذ ما من لفظ أمر أو نهي أو خبر متضمن مأمورا به ومنهيا عنه ومخبرا إلا ويمكن على هذا أن يقدر له لفظ مضاف، يخرجه عن تعلق الأمر والنهي والخبرية، فيقول الملحد في قوله: ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ أي معرفة حج البيت وكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي معرفة الصيام. وإذا فتح هذا الباب فسد التخاطب وتعطلت الأدلة، وإنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة، كما إذا قيل: أكلت الشاة فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها فحذف المضاف لا يلبس، وكذلك إذا قلت أكل فلان كد فلان إذا أكل ماله، فإن المفهوم أكل ثمرة كده فحذف المضاف هنا لا يلبس ونظائره كثيرة. وليس منه وسْئَلِ القَرْيَةَ وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به فإن القرية اسم للسكان في مسكن مجتمع فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه من الشراب، والذنوب للدلو الملآن ماء والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ونظائره. ثم إنهم لكثرة استعمالهم لهذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة وعلى المسكن بحسب سياق الكلام وبساطه، وإنما يفعلون هذا حيث لا لبس فيه ولا إضمار في ذلك ولا حذف. فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه. وإذا عرفت هذا فقوله: إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ليس في اللفظ ما يدل على إرادة موضع ولا مكان أصلا فلا يجوز دعوى إضماره بل دعوى إضماره خطأ قطعا. لأنه يتضمن الأخبار بأن المتكلم أراد المحذوف ولم ينصب على إرادته دليلا لا صريحا ولا لزومها. فدعوى المدعي أنه أراده: دعوى باطلة. وأما قوله «بردى يصفق» فليس أيضا من باب حذف المضاف بل أراد ببردى النهر، وهو مذكر، فوصفه بصفة المذكر فقال «يصفق» فلم يذكر بناء على خذف المضاف، وإنما ذكر بناء على أن بردى المراد به النهر. فإن قلت: فلا بد من حذف مضاف لأنهم إنما يسقون ماء بردى لأنفس النهر. قلت: هذا إن كان مراد الشاعر فلم يلزم منه صحة ما ادعاه من أنه ذكر «يصفق» باعتبار الماء المحذوف، فإن تذكيره إنما يكون باعتبار إرادة النهر وهو مذكر، فلا يدل على ما ادعوه. وأما قوله ﷺ: «هذان حرام» ففي إفراد الخبر سر بديع جدا وهو التنبيه والإشارة على أن كل واحد منهما بمفرده موصوف بأنه حرام، فلو ثنّى الخبر لم يكن فيه تنبيه على هذا المعنى. فلهذا أفرد الخبر، فكأنه قال: كل واحد من هذين حرام فدل إفراد الخبر على إرادة الأخبار عن كل واحد واحد بمفرده. فتأمله فإنه من بديع اللغة. وقد تقدم بيانه في هذا التعليق في مسألة: «كلا وكلتا» وأن قولهم: كلاهما قائم بالإفراد لا يدل على أن «كلا» مفرد كما ذهب إليه البصريون بل هو مثنى حقيقة، وإنما أفردوا الخبر للدلالة على أن الأخبار عن كل واحد منهما بالقيام. وقد قررنا ذلك بما فيه كفايية. (فصل) المسلك الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كأنه قال: إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين، أو لطف قريب، أو بر قريب ونحو ذلك وحذف الموصوف كثير. فمنه قول الشاعر: ؎قامت تبكيه على قبره ∗∗∗ من لي بعدك يا عامر ؎تركتني في الدار ذا غربة ∗∗∗ قد ذل من ليس له ناصر المعنى تركتني شخصا أو إنسانا ذا غربة. ولولا ذلك لقالت: تركتني غربة. ومنه قول آخر: ؎فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ∗∗∗ فراقك لم أبخل وأنت صديق أراد وأنت شخص أو إنسان صديق. وعلى هذا المسلك حمل سيبويه قولهم للمرأة: حائض وطامث وطالق. فقال: كأنهم قالوا: شيء حائض وشيء طامث، وهذا المسلك أيضا ضعيف لثلاثة أوجه. أحدها: أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما يحسن بشرطين أن تكون الصفة خاصة يعلم ثبوتها لذلك الموصوف بعينه لا لغيره. الثاني: أن تكون الصفة قد غلب استعمالها مفردة على الموصوف كالبر والفاجر والعالم والجاهل والمتقي والرسول والنبي ونحو ذلك مما غلب استعمال الصفة فيه مجردة عن الموصوف فلا يكاد يجيء ذكر الموصوف معها كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ. وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وقوله: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وقوله: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وقوله: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وهو كثير جدا في القرآن وكلام العرب. وبدون ذلك لا يحسن الاقتصار على الصفة فلا يحسن أن تقول: جاءني طويل ورأيت جميلا أو قبيحا، وأنت تريد جاءني رجل طويل ورأيت رجلا جميلا أو قبيحا، ولا تقول سكنت في قريب، تريد في مكان قريب مع دلالة السكنى على المكان. الثاني: أن الشيء أعم المعلومات فإنه يشمل الواجب والممكن، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فصيحا بليغا فضلا عن أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأي فصاحة وبلاغة في قول القائل في حائض وطامث وطالق: شيء حائض وشيء طامث وشيء طالق؟ وهو لو صرح بهذا لاستهجنه السامع. فكيف يقدر في الكلام معه أنه لا يتضمن فائدة أصلا؟ إذ كونه شيئا أمر معلوم عام لا يدل على مدح ولا ذم ولا كمال ولا نقصان. وينبغي أن يتفطن هاهنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل بمجرد الاحتمال النحوي الأعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا المقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن، مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ: والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا بالجر: إنه قسم. ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به. ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ أن المقيمين مجرور بواو القسم. ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى بكثير. بل القرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم. فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي. فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه. وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله. الوجه الثالث: أن طالقا وحائضا وطامثا إنما حذفت تاؤه لعدم الحاجة إليها فإن التاء إنما دخلت للفرق بين المذكر والمؤنث في محل اللبس، فإذا كانت الصفة خاصة بالمؤنث فلا لبس، فلا حاجة إلى التاء هذا هو الصواب. في ذلك وهو المذهب الكوفي. فإن قلت: هذا خلاف مذهب سيبويه. قلت: فكان ماذا؟ وهل يرتضي محصل برد موجب الدليل الصحيح لكونه خلاف قول عالم معين؟ هذه طريقة الخفافيش. فأما أهل البصائر فإنهم لا يردون الدليل وموجبه بقول معين أبدا، وقليل ما هم. ولا ريب أن أبا بشر رحمه الله ضرب في هذا العلم بالقدح المعلى، وأحرز من قصبات سبقه، واستولى من أمده على ما لم يستول عليه غيره، فهو المصلّى في هذا المضمار، ولكن لا يوجب ذلك أن يعتقد أنه أحاط بجميع كلام العرب، وأنه لا حق إلا ما قاله. وكم لسيبويه من نص قد خالفه جمهور أصحابه فيه، والمبرزون منهم؟ ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال الكلام به. ولا تنس قوله في باب الصفة المشبهة: مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى الوجه والوجه إلى الضمير ومخالفة جميع البصريين والكوفيين في ذلك. فسيبويه رحمه الله ممن يؤخذ من قوله ويترك وإما أن نعتقد صحة قوله في كل شيء فكلا. وسنفرد إن شاء الله كتابا للحكومة بين البصريين والكوفيين فيما اختلفوا فيه وبيان الراجح من ذلك وبالله التوفيق والتأييد. فإن قلت: يكفي في رد ما اخترتموه في طامث وحائض وطالق من المذهب الكوفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ فهذا وصف يختص به الإناث وقد جاء بالتاء قلت: ليس في هذا ولله الحمد رد لهذا المذهب ولا إبطال له، فإن دخول التاء هاهنا يتضمن فائدة لا تحصل بدونها فتعين الإتيان بها، وهي أن المراد بالمرضعة فاعلة الرضاع، فالمراد الفعل لا مجرد الوصف ولا أريد الوصف المجرد بكونها من أهل الإرضاع لقيل: مرضع كحائض وطامث ألا ترى إلى قوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» فإن المراد به الموصوفة بكونها من أهل الحيض لا من يجري دمها فالحائض والمرضع وصف عام يقال على من لها ذلك وصفا وإن لم يكن قائما بها، ويقال على من قام بها بالفعل أدخلت التاء هاهنا إيذانا بأن المراد من تفعل الرضاع فإنها تذهل عما ترضعه لشدة هول زلزلة الساعة. وأكد هذا المعنى بقوله: {عَمّا أرْضَعَتْ) فعلم أن المراد المرضعة التي ترضع بالفعل لا بالقوة والتهيؤ. وترجيح هذا المذهب له موضع غير هذا. (فصل) المسلك الخامس: أن هذا من باب اكتساب المضاف حكم المضاف إليه إذا كان صالحا للحذف والاستغناء عنه بالثاني. كقول الشاعر: ؎لما أتى خبر الزبير تواضعت ∗∗∗ سور المدينة والجبال الخشع وقال الآخر: ؎مشين كما اهتزت رماح تسفهت ∗∗∗ أعاليها مر الرياح النواسم وقال الآخر: ؎بغي النفوس معيدة نعماءهما ∗∗∗ نقما، وإن عمهت وطال غرورها فأنث في الأول «السور» المضاف إلى المدينة، وفي الثاني «المر» المضاف إلى الرياح وفي الثالث «البغي» المضاف إلى النفوس لتأنيث المضاف إليه مع أن التذكير أصل والتأنيث فرع فحمل الأصل على الفرع فلأن يجوز تذكير المؤنث لإضافته إلى غير مؤنث أولى، لأنه حمل للفرع على الأصل، ومن الأول أيضا قول الشاعر: ؎وتشرق بالأمر الذي قد أذعته ∗∗∗ كما شرقت صدر القناة من الدم فأنث الصدر لإضافته إلى القناة. وأنشدني بعض أصحابنا لأبي محمد بن حزم في هذا المعنى بإسناد لا يحضرني: ؎تجنب صديقا مثل ما واحذر الذي ∗∗∗ تواه كعمرو بين عرب وأعجم ؎فإن صديق السوء يردى وشاهدي ∗∗∗ كما شرقت صدر القناة من الدم ومنه قول النابغة: ؎حتى استغثن بأهل الملح ضاحية ∗∗∗ يركضن قد قلقت عقد الأطانيب ومنه قول لبيد: ؎فمضى وقدمها، وكانت عادة ∗∗∗ منه إذا هي عرّدت أقدامها وهذا المسلك - وإن كان قد ارتضاه غير واحد من الفضلاء - فليس بقوي، لأنه إنما يعرف مجيئه في الشعر، ولا يعرف في الكلام الفصيح منه إلا النادر، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه. والذي قواه هاهنا شدة اتصال المضاف بالمضاف إليه، وكونه جزؤه حقيقة، فكأنه قال: ذهبت إصبع وإصبعان من أصابعه. وحمل القرآن على المكثور الذي خلافه أفصح منه: ليس بسهل. (فصل) المسلك السادس: أن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر، لكونه تبعا له ومعنى من معانيه. فإذا ذكر أغنى عن ذكره لأنه يفهم منه. ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ فاستغني عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها. ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ المعنى: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله إذ إرضاؤه هو إرضاء رسوله فلم يحتج أن يقول: يرضوهما. فعلى هذا يكون الأصل في الآية: إن الله قريب من المحسنين. وأن رحمة الله قريبة من المحسنين فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ذلك ظهور المعنى. وهذا المسلك مسلك حسن إذا كسى تعبيرا أحسن من هذا. وهو مسلك لطيف المنزع دقيق على الافهام. وهو من أسرار القرآن. والذي ينبغي أن يعبر عنه به: أن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه لأن الصفة لا تفارق موصوفها. فإذا كانت قريبة من المحسنين فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب منه، بل قرب رحمته تبع لقربه هو تبارك وتعالى من المحسنين. وقد تقدم في أول الآية أن الله تعالى قريب من أهل الإحسان بإثابته ومن أهل سؤاله بإجابته، وذكرنا شواهد ذلك، وأن الإحسان يقتضي قرب الرب من عبده كما أن العبد قرب من ربه الإحسان، وأن من تقرب منه شبرا تقرب الله منه ذراعا ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا. فالرب تبارك وتعالى قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم، قربه يستلزم قرب رحمته. ففي حذف التاء هاهنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن الله تعالى قريب من المحسنين وذلك يستلزم القربين قربه وقرب رحمته. ولو قال إن رحمة الله قريبة من المحسنين لم يدل على قربه تعالى منهم، لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم وهو قرب رحمته فلا تستهن بهذا المسلك. فإن له شأنا. وهو متضمن لسر بديع من أسرار الكتاب. وما أظن صاحب هذا المسلك قصد هذا المعنى ولا ألم به. وإنما أراد أن الإخبار عن قرب الله تعالى من المحسنين كاف عن الاخبار عن قرب رحمته منهم. فهو مسلك سابع: في الآية وهو المختار، وهو من أليق ما قيل فيها. وإن شئت قلت قربه تبارك وتعالى من المحسنين وقرب رحمته منهم متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فإذا كانت رحمته قريبة منهم فهو أيضا قريب منهم، وإذا كان المعنيان متلازمين صح إرادة كل واحد منهما، فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ لها وأشرفه وأجله على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد وهو قربه تبارك وتعالى من عبده الذي هو غاية الأماني ونهاية الآمال وقرة العيون وحياة القلوب وسعادة العبد كلها فكان في العدول عن قريبة إلى قريب من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلف بعده إلا غلبت عليه من شقاوته ولا قوة إلا بالله. (فصل) المسلك الثامن: أن الرحمة مصدر والمصادر كما لا تثنى ولا تجمع فحقها أن لا تؤنث وهذا المسلك ضعيف جدا فإن الله سبحانه حيث ذكر الرحمة أجرى عليها التأنيث كقوله: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وقوله فيما حكى عنه رسوله ﷺ: «إن رحمتي غلبت أو سبقت غضبي» ولو كان حذف التاء من الرحمة لكونها مصدرا والمصادر لاحظ للتأنيث فيها لم يعد عليها الضمير إلا مذكرا وكذلك ما كان من المصادر بالتاء كالقدرة والإرادة والحكمة والهمة ونظائرها وفي بطلان ذلك دليل على بطلان هذا المسلك. (فصل) المسلك التاسع: أن القريب يراد به شيئان أحدهما: النسب والقرابة فهذا بالتاء تقول فلانة قريبة لي والثاني قرب المكان وهذا بلا تاء تقول جلست فلانة قريبا مني ولا تقول قريبة مني وهذا مسلك الفراء رحمه الله وجماعة وهو أيضا ضعيف فإن هذا إنما هو إذا كان لفظ القريب ظرفا فإنه يذكر كما قال تقول جلست المرأة مني قريبا. فأما إذا كان اسما محضا فلا. (فصل) المسلك العاشر: أن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ فيه حذف التاء كما تقول طلع الشمس وطلعت وهذا المسلك أيضا فاسد فإن هذا إنما يكون إذا أسند الفعل إلى ظاهر المؤنث فأما إذا أسند إلى ضميره فلا بد من التاء كقولك الشمس طلعت وتقول الشمس طالعة ولا تقول طالع لأن في الصفة ضميرها فهي بمعنى الفعل في ذلك سواء. (فصل) المسلك الحادي عشر: أن قريبا مصدر لا وصف وهو بمنزلة النقيض فجرد من التاء، لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء. ولهذا تقول: امرأة عدل، ولا تقول: عدلة، وامرأة صوم وصلاة وصدق وبر ونظائره. وهذا المسلك من أفسد ما قيل في: «قريب» فإنه لا يعرف استعماله مصدرا أبدا، وإنما هو وصف والمصدر هو «قرب» لا «قريب». (فصل) المسلك الثاني عشر: أن فعيلا وفعولا مطلقا يستوي فيهما المذكر والمؤنث حقيقيا كان أو غير حقيقي، كما قال امرؤ القيس: ؎برهرهة رودة رخصة ∗∗∗ كخرعوبة البانة المنفطر ؎قطيع القيام، فتور الكلام ∗∗∗ تفتر عن ذي عزوب خصر وقال أيضا: ؎له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ∗∗∗ قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا وقال جرير: ؎أتنفعك الحياة وأمّ عمرو ∗∗∗ قريب لا تزور ولا تزار؟ وقال جرير أيضا: ؎كأن لم نحارب يابثين لو أنها ∗∗∗ تكشف غماها وأنت صديق وقال أيضا: ؎دعون الهوى ثم ارتهن قلوبنا ∗∗∗ بأسهم أعداء، وهن صديق قالوا: وشواهد ذلك كثيرة. وفي هذا المسلك غنية عن تلك التعسفات والتأويلات. وهذا المسلك ضعيف أيضا. وممن رده أب عبد الله بن مالك، فقال: هذا القول ضعيف، لأن قائله إما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع وغيره يستحق ما يستحقه فعول من الجري على المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع خاصة محمول على فعول. فالأول مردود لإجماع أهل العربية على التزام التاء في ظريفة وشريفة وأشباههما وزنا ودلالة ولذلك احتاج علماؤهم أن يقولوا في قوله تعالى: {وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا وقوله: ولَمْ أكُ بَغِيًّا أن الأصل هو بغوي على فعول، فلذلك لم تلحقه التاء، ثم أعلّ بإبدال الواو ياء والضمة كسرة، فصار لفظه كلفظ فعيل، ولو كان فعيلا أصلا للحقته التاء، فقيل: لم أك بغية. والثاني أيضا مردود لأن لفعيل على فعول من المزايا ما لا يليق به أن يكون تبعا له، بل العكس أولى أن يكون فعولا تبعا لفعيل، ولأنه يتضمن حمل فعيل على فعول، وهما مختلفان لفظا ومعنى أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأنّ قريبا لا مبالغة فيه لأنه يوصف به كل ذي قرب وإن قل، وفعول لا بد فيه من المبالغة. وأيضا فإن الدال على المبالغة لا بد أن يكون له بنية لا مبالغة فيها، ثم يقصد به المبالغة، فتغير بنيته كضارب وضروب، وعالم وعليم. وقريب ليس كذلك فلا مبالغة فيه. وأما بيت امرؤ القيس فلا حجة فيه لوجوه. أحدها: أنه نادر فلا حكم له فلا كثرت صوره ولا جاء على الأصل كاستحوذ واستوثق البعير، وأغيمت السماء وأغور وأحول، وما كان كذلك فلا حكم له. الثاني: أن يكون أراد قطيعة القيام، ثم حذف التاء للإضافة، فإنها يجوز حذفها عند الفراء وغيره، وعليه حمل قوله تعالى: ﴿وَإقامَ الصَّلاةِ﴾ أي إقامتها، لأن المعروف في ذلك إنما هو لفظ الإقامة. ولا يقال «إقام» دون إضافة كما لا يقال «إراد» في إرادة ولا «إقال» في إقالة، لأنهم جعلوا هذه التاء عوضا عن ألف إفعال أو عينه، لأن أصل إقامة إقوام فنقلت حركة العين إلى الفاء فانقلبت ألفا فالتقت ألفان فحذفت إحداهما فجاؤوا بالتاء عوضا، فلزمت إلا مع الإضافة، فإن حذفها جائز عند قوم قياسا، وعند آخرين سماعا. ومثلها في اللزوم: تاء عدة وزنة. وأصلهما وعد ووزن، فحذفت الواو، وجعلت التاء عوضا منها فلزمت. وقد تحذف للإضافة كقول الشاعر: ؎إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ∗∗∗ وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا أي أخلفوك عدة الأمر، فحذف التاء. وعلى هذه اللغة قرأ بعض القراء ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً بالهاء أي عدته. فحذف التاء. الثالث: أن يكون فعيل في قوله «قطيع القيام» بمعنى مفعول، لأن صاحب المحكم حكى أنه يقال قطعه وأقطعه إذا بكتّه، وقطع هو فهو قطيع القول. فقطيع على هذا بمعنى مقطوع أي مبكت، فحذف التاء على هذا التوجيه ليس مخالفا للقياس. وإن جعل قطيعا مبنيا على قطع كسريع من سرع: فحقه على ذلك أن يلحقه التاء عند جريه على المؤنث أنه شبه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، فأجرى مجراه. فهذا تمام اثني عشر مسلكا في هذه الآية، أصحها المسلك المركب من السادس والسابع. وباقيها ضعيف واه ومحتمل والمبتدي والمقلد لا يدرك هذه الدقائق، والفاضل المنصف لا يخفى عليه قويها من ضعيفها. وليكن هذا آخر الكلام على الآية والله أعلم.

الأعراف 7:56

هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة، وهذا تارة. ويراد به مجموعهما. وهما متلازمان. فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره، أو دفعه. ومن يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقا. والمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر. ولهذا أنكر الله تعالى على عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا نفعا، وذلك كثير في القرآن. كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكم أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ. قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ، أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. فنفي سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر، القاصر والمعتدي. فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم. وهذا في القرآن كثير بيّن: أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع ودفع الضر. ودعاء المسألة، ويدعى خوفا ورجاء، ودعاء العبادة. فعلم أن النوعين متلازمان: فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ يتناول نوعي الدعاء. وبكل منهما فسرت الآية. قيل: أعطيه إذا سألني. وقيل: أثيبه إذا عبدني. والقولان متلازمان. وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعا. فتأمله فإنه موضع عظيم النفع، قل من يفطن له. وأكثر ألفاظ القرآن الدالة على معنيين فصاعدا هي من هذا القبيل. ومثال ذلك قوله: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ فسر «الدلوك» بالزوال، وفسر بالغروب. وحكيا قولين في كتب التفسير. وليسا بقولين، بل اللفظ يتناولهما معا. فإن الدلوك هو الميل. ودلوك الشمس ميلها ولهذا الميل مبدأ ومنتهى. فمبدؤه الزوال، ومنتهاه الغروب. فاللفظ متناول لهما بهذا الإعتبار لا بتناول المشترك لمعنييه. ولا اللفظ لحقيقته ومجازه. ومثاله أيضا تفسير الغاسق: بالليل والقمر، وأن ذلك ليس باختلاف، بل يتناولهما لتلازمهما. فإن القمر آية الليل. ونظائره كثيرة. ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾. قيل: لولا دعاؤكم إياه. وقيل: دعاؤه إياكم إلى عبادته فيكون المصدر مضافا إلى المفعول. وعلى الأول مضافا إلى الفاعل. وهو الأرجح من القولين. وعلى هذا: فالمراد به نوعا الدعاء والعبادة أظهر، أي ما يعبأ لكم ربي لولا أنكم تعبدونه. عبادة تستلزم مسألته. فالنوعان داخلان فيه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فالدعاء يتضمن النوعين، وهو في دعاء العبادة أظهر. ولهذا عقبه بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ فسر الدعاء في الآية بهذا وهذا وقد روى سفيان عن منصور عن زرّ عن نسيع الكندي عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «إن الدعاء هو العبادة». ثم قرأ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم. إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ رواه الترمذي ، وقال حديث حسن صحيح. وأما قوله تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ وقوله: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ﴾ وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأصنامهم وآلهتهم فالمراد به دعاء العبادة، المتضمن دعاء المسألة. فهو في دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة: أحدها: أنهم قالوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم هو عبادتهم لهم. والثاني: أن الله تعالى فسّر هذا الدعاء في موضع آخر بأنه العبادة. كقوله ﴿وَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكم أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وقوله: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وهو كثير في القرآن. فدعاؤهم لآلهتهم وعبادتهم لها. الثالث: أنهم إنما كانوا يعبدونها يتقربون بها إلى الله. فإذا جاءتهم الحاجات والكربات والشدائد دعوا الله وحده وتركوها. ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة. وقوله تعالى: ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هو دعاء العبادة. والمعنى: اعبدوه وحده وأخلصوا عبادته، لا تعبدوا معه غيره. وأما قول إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ فالمراد بالسمع هنا: السمع الخاص، وهو سمع الإجابة والقبول، لا السمع العام. لأنه سميع لكل مسموع. وإذا كان كذلك فالدعاء هنا يتناول دعاء الثناء ودعاء الطلب. وسمع الرب تبارك وتعالى له إثابته على الثناء، وإجابته للطلب. فهو سميع لهذا ولهذا. وأما قول زكريا عليه السلام: ﴿وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ فقد قيل: إنه دعاء المسألة، والمعنى: إنك عودتني إجابتك وإسعافك، ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه، كما حكي أن رجلا سأل رجلا وقال: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا وكذا. فقال: مرحبا بمن توسل إلينا بنا، وقضى حاجته. وهذا ظاهر هنا. ويدل عليه: أنه قدم ذلك أمام طلبه الولد، وجعله وسيلة إلى ربه، فطلب منه أن يجاريه على عادته التي عوده: من قضاء حوائجه وإجابته إلى ما سأله. ويدل عليه: أنه قدم ذلك أمام طلبه الولد، وجعله وسيلة إلى ربه، فطلب منه أن يجاريه وأما قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ فهذا الدعاء المشهور، وأنه دعاء المسألة، وهو سبب النزول، قالوا: «كان النبي ﷺ يدعو ربه، فيقول مرة: يا الله، ومرة: يا رحمن فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو إلهين، فأنزل الله تعالى هذه الآية» قال ابن عباس: «سمع المشركون النبي ﷺ يدعو في سجوده: يا رحمن يا رحيم فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو مثنى مثنى. فأنزل الله هذه الآية قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ. وقيل: إن الدعاء هاهنا بمعنى التسمية، كقولهم: دعوت ولدي سعيدا. وادعه بعبد الله ونحوه. والمعنى: سموا ربكم الله أو سموه الرحمن: فالدعاء هاهنا بمعنى التسمية. وهذا قول الزمخشري. والذي حمله على هذا قوله: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ فإن المراد بتعدده: معنى «أي» وعمومها هنا تعدد الأسماء ليس إلا. والمعنى: أي اسم سميتموه به من أسماء الله تعالى. إما الله وإما الرحمن، فله الأسماء الحسنى، أي فللمسمى سبحانه الأسماء الحسنى. والضمير في «له» يعود إلى المسمى. فهذا الذي أوجب له أن يحمل الدعاء في هذه الآية على التسمية. وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المراد بالدعاء في الآية وليس هو عين المراد بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن، وهو دعاء السؤال، ودعاء الثناء ولكنه متضمن معنى التسمية فليس المراد مجرد التسمية الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب. فعلى هذا المعنى: يصح أن يكون في «تدعوا» معنى تسموا. فتأمله. والمعنى أيّا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم. والله أعلم. وأما قوله تعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ، إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ فهذا دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة. والمعنى: إنا كنا من قبل نخلص له العبادة. وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم، لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره، فإن الله سبحانه يسأله من في السماوات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لا بمجرد السؤال والطلب. وكذلك قول الفتية أصحاب الكهف: ﴿رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوا مِن دُونِهِ إلهًا﴾ أي لن نعبد غيره. وكذلك قوله تعالى: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾؟ وأما قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم. فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فهذا من دعاء المسألة، يبكتهم الله عز وجل ويخزيهم يوم القيامة بإراءتهم أن شركاءهم لا يستجيبون لدعوتهم. وليس المراد اعبدوهم. وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾. وهذا التقرير نافع في مسألة الصلاة، وأنها: هل نقلت عن مسماها في اللغة، فصارت حقيقة شرعية منقولة استعملت في هذه العبادة مجازا، للعلاقة بينها وبين المسمي اللغوي، أو هي باقية على الوضع اللغوي وضم إليها أركان وشرائع؟ وعلى ما قررناه: لا حاجة إلى شيء من ذلك. فإن المصلي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء، إما دعاء عبادة وثناء، أو دعاء طلب ومسألة، وهو في الحالين داع. فما خرجت الصلاة عن حقيقة الدعاء، فتأمله إذا عرفت هذا. فقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ يتناول نوعي الدعاء ولكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن دعاء العبادة. ولهذا أمر بإخفائه وإسراره قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وأن الله ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله، وقال: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾. وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة. أحدها: أنه أعظم إيمانا، لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع دعاءه الخفي. وليس كالذي قال: إن الله يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا وثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم. ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات، وإنما تخفض عندهم الأصوات، ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى. فإذا كان ربنا يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به. ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده. فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل إذا انكسر قلبه، وذلت جوارحه، وخشع صوته، حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته، وكسرته، وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق. فقلبه سائل طالب مبتهل، ولسانه لشدة ذله وضراعته ومسكنته ساكت. وهذه الحالة لا يتأتى معها رفع الصوت بالدعاء أصلا. ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص. وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء. فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته. فكلما خفض صوته كان أبلغ في حمده وتجريده همته وقصده للمدعو سبحانه وتعالى. وسادسها: وهو من النكت السرية البديعة جدا - أنه دال على قرب صاحبه من الله، وأنه لاقترابه منه، وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه. فيسأله مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد. ولهذا: أثنى سبحانه وتعالى على عبده زكريا بقوله: إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا فكلما استحضر القلب قرب الله تعالى منه، وأنه أقرب إليه من كل قريب، وتصور ذلك أخفى دعاءه ما أمكنه ولم يتأت له رفع الصوت به، بل يراه غير مستحسن كما أن من خاطب جليسا له يسمع خفي كلامه فبالغ في رفع الصوت استهجن ذلك منه ولله المثل الأعلى سبحانه. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح. لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» وقال تعالى: وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ. أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ وقد جاء أن سبب نزولها: أن الصحابة قالوا: «يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ وهذا يدل على إرشادهم للمناجاة في الدعاء، لا للنداء الذي هو رفع الصوت فإنهم عن هذا سألوا، فأجيبوا بأن ربهم تبارك وتعالى قريب لا يحتاج في دعائه وسؤاله إلى النداء، وإنما يسأل مسألة القريب المناجى، لا مسألة البعيد المنادى. وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص، ليس قربا عاما من كل أحد، فهو قريب من داعيه وقريب من عابده، و «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» «١» وهو أخص من قرب الإنابة وقرب الإجابة، الذي لم يثبت أكثر المتكلمين سواه، بل هو قرب خاص من الداعي والعابد، كما قال النبي ﷺ راويا عن ربه تبارك وتعالى: «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا» فهذا قربه من عابده. وأما قربه من داعيه وسائله فكما قال تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾. وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فيه الإشارة والإعلام بهذا القرب. وأما قربه تبارك وتعالى من محبه فنوع آخر وبناء آخر، وشأن آخر، كما قد ذكرناه في كتاب التحفة المكية. على أن العبارة تنبو عنه ولا تحصل في القلب حقيقة معناه أبدا، لكن بحسب قوة المحبة وضعفها يكون تصديق العبد بهذا القرب. وإياك ثم إياك أن تعبر عنه بغير هذه العبارة النبوية، أو يقع في قلبك غير معناها ومرادها فتزل بك قدم بعد ثبوتها وقد ضعف تمييز خلائق في هذا المقام وساء تعبيرهم فوقعوا في أنواع من الطامات والشطح، وقابلهم من غلظ حجابه، فأنكر محبة العبد لربه جملة وقربه منه وأعاد ذلك إلى مجرد الثواب المخلوق فهو عنده المحبوب القريب ليس إلا. وقد ذكرنا من طرق الرد على هؤلاء وهؤلاء في كتاب التحفة أكثر من مائة طريق. والمقصود هاهنا: الكلام على هذه الآية. وسابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكلّ لسانه وتضعف بعض قواه. وهذا نظير من يقرأ ويكرر رافعا صوته، فإنه لا يطول له ذلك بخلاف من يخفض صوته. وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات. فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل له هناك تشويش ولا غيره، وإذا جهر به تفطنت له الأرواح الشريرة والباطولية الخبيثة من الجن والإنس، فشوشت عليه ولا بد، ومانعته وعارضته ولو لم يكن من ذلك إلا أن تعلقها به يفرق عليه همته فيضعف أثر الدعاء لكفى. ومن له تجربة يعرف هذا. فإذا أسر الدعاء وأخفاه أمن هذه المفسدة. وتاسعها: أن أعظم النعم هو الإقبال على الله، والتعبد له، والانقطاع إليه والتبتل إليه. ولكل نعمة حاسد على قدرها، دقت أو جلت، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة. فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وأن لا يقصد إظهارها له. وقد قال يعقوب ليوسف: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار، فأصبح يقلب كفيه. ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله وأن لا يطلعوا عليه أحدا ويتكتمون به غاية التكتم كما أنشد بعضهم في ذلك: ؎من سارروه فأبدى السر مجتهدا ∗∗∗ لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا ؎وأبعدوه فلم يظفر بقربهم ∗∗∗ وأبدلوه مكان الإنس إيحاشا ؎لا يأمنون مذيعا بعض سرهم ∗∗∗ حاشا ودادهم من ذلكم حاشا والقوم أعظم شيء كتمانا لأحوالهم مع الله وما وهب الله لهم من محبته والأنس به وجمعية القلب عليه، ولا سيما للمبتدي والسالك. فإذا تمكن أحدهم وقوي وثبتت أصول تلك الشجرة الطبية التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه بحيث لا يخشى من العواصف، فإنه إذا أبدي حاله وشأنه مع الله ليقتدي به ويؤتم به لم يبال. وهذا باب عظيم النفع وإنما يعرفه أهله. وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبال على الله فهو من أعظم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء والستر عن أعين الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة. وعاشرها: أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكر سمي دعاء لتضمنه الطلب كما قال النبي ﷺ: «أفضل الدعاء الحمد لله» فسمى «الحمد لله» دعاء، وهو ثناء محض. لأن الحمد يتضمن الحب والثناء. والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب لمحبوبه، فهو أحق أن يسمى داعيا من السائل الطالب من ربه حاجة ما. فتأمل هذا الموضع فإذا تأملته لا تحتاج إلى ما قيل: إن الذكر متعرض للنوال وإن لم يكن مصرحا بالسؤال، فهو داع بما تضمنه ثناؤه من التعرض، كما قال أمية بن أبي الصلت في ممدوحه: ؎أأذكر حاجتي، أم قد كفاني ∗∗∗ حباؤك؟ إن شيمتك الحباء ؎إذا اثنى عليك المرء يوما ∗∗∗ كفاه من تعرضه الثناء وعلى هذه الطريقة التي ذكرناها نفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب وهو طلب المحب، فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه. والمقصود أن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه. (فصل) قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ قيل: المراد أنه لا يحب المعتدين في الدعاء. كالذي يسأل ما لا يليق به من منازل الأنبياء وغير ذلك. وقد روى أبو داود في سننه من حديث حماد ابن سلمة عن سعيد الجريري عن ابي معاوية أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: «اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بنى سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» وعلى هذا فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لا يفعله الله، مثل يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب أو يسأله أن يطلعه على غيبه أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء. فكل سؤال يناقض حكمة الله أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب رسله. وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضا في الدعاء. قال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء، والنداء في الدعاء والصياح وبعد: فالآية أعم من ذلك كله، وإن كان الاعتداء في الدعاء مرادا بها فهو من جملة المراد والله لا يحب المعتدين في كل شيء، دعاء كان أو غيره، كما قال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾. وعلى هذا فيكون قد أمر بدعائه وعبادته وأخبر أنه لا يحب أهل العدوان، وهم الذين يدعون معه غيره. فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانا. فإن أعظم العدوان هو الشرك، وهو وضع العبادة في غير موضعها. فهذا العدوان لا بد أن يكون داخلا في قوله: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ. ومن العدوان: أن يدعوه دعاء غير متضرع، بل دعاء مدلّ، كالمستغني بما عنده المدل على ربه به. وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته. فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد. ومن الاعتداء: أن تعبده بما لا يشرعه، وتثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولا أذن فيه. فإن هذا الاعتداء في دعاء الثناء والعبادة، وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب. وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين. أحدهما: محبوب للرب تبارك وتعالى مرضى له، وهو الدعاء تضرعا وخفية. والثاني: مكروه له مبغوض مسخوط، وهو الاعتداء، فأمر بما يحبه الله وندب إليه، وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير. وهو أنه لا يحب فاعله، ومن لم يحبه الله فأي خير يناله؟ وفي قوله: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ عقب قوله: ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً دليل على أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم. فقسمت الآية الناس إلى قسمين: داع لله تضرعا وخفية، ومعتد بترك ذلك. فصل وقوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾. قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله. فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ وقال عطية في الآية: ولا تعصوا في الأرض، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم. وقال غير واحد من السلف: إذا قحط المطر فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم، وتقول: اللهم ألعنهم، فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطر. وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ: هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول. فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة. فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. ومن تدبر هذا حق التدبر وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين - وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي حق غيره عموما وخصوصا. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (فصل) قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ إنما كرر الأمر بالدعاء لما ذكره معه من الخوف والطمع. فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية، ثم أمر بأن يكون الدعاء أيضا خوفا وطمعا، وفصل بين الجملتين بجملتين إحداهما خبرية متضمنة للنهي، وهي قوله إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ والثانية طلبية، وهي قوله: ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها والجملتان مقررتان مقويتان للجملة الأولى، مؤكدتان لمضمونها. ثم لما تم تقريرها وبيان ما يضادها ويناقضها أمر بدعائه خوفا وطمعا، ثم قرر ذلك وأكد مضمونه بجملة خبرية، وهي قوله: إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ فتعلق هذه الجملة بقوله: وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا كتعلق قوله: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ بقوله: ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً. ولما كان قوله تعالى: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ مشتملا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي الحب والخوف والرجاء، عقبها بقوله: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أي إنما ينال الرحمة من دعاه خوفا وطمعا، فهو المحسن والرحمة قريب منه. لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة. لما كان دعاء التضرع والخفية يقابله الاعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ذلك بقوله: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾. وانتصاب قوله «تضرعا، وخفية، وخوفا، وطمعا» قيل: هو على الحال أي ادعوه متضرعين مخفين خائفين طامعين، وهذا هو الذي رجحه السهيلي وغيره. وقيل: هو نصب على المفعول له. وهذا قول كثير من النحاة. وقيل: هو نصب على المصدر. وفيه على هذا تقديران. أحدهما: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظ المصدر، والمعنى تضرعوا إليه تضرعا وأخفوا خفية. الثاني: أنه منصوب بالفعل المذكور لأنه في معنى المصدر، فإن الداعي متضرع في حصول مطلوبه خائف من فواته. فكأنه قال: تضرعوا تضرعا. والصحيح في هذا: أنه منصوب على الحال، والمعنى إليه، فإن المعنى ادعوا ربكم متضرعين إليه خائفين طامعين. ويكون وقوع المصدر موقع الاسم على حد قوله: ﴿وَلكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وقولهم: رجل عدل، ورجل صوم. قال الشاعر فإنما هي إقبال وإدبار وهو أحسن من أن يقال: ادعوه متضرعين خائفين وأبلغ. والذي حسنه أن المأمور به هنا شيئان: الدعاء الموصوف المقيد بصفة معينة وهي صفة التضرع والخوف والطمع. فالمقصود تقييد المأمور به بتلك الصفة، وتقييد الموصوف الذي هو صاحبها بها. فأتى بالحال على لفظ المصدر لصلاحيته لأن يكون صفة للفاعل وصفة للفعل المأمور به. فتأمل هذه النكتة فإنك إذا قلت: اذكر ربك تضرعا فإنك تريد: اذكره متضرعا إليه، واذكره ذكر تضرع، فأنت مريد للأمرين معا. ولذلك إذا قلت: ادعه طمعا أي ادعه دعاء طمع وادعه طامعا في فضله، وكذلك إذا قلت: ادعه رغبة ورهبة، كقوله تعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ كقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ وادعه دعاء رغبة ورهبة. فتأمل هذا الباب تجده كذلك، فأتى فيه المصدر الدال على وصف المأمور به بتلك الصفة، وعلى تقييد الفاعل بها تقييد صاحب الحال بالحال. ومما يدل على هذا: أنك تجد مثل هذا صالحا وقوعه جوابا لكيف. فإذا قيل: كيف ادعوه؟ قيل: تضرعا وخفية، وتجد اقتضاء «كيف» لهذا أشد من اقتضاء «لم» ولو كان مفعولا له لكان جوابا للم، ولا تحسن هنا. ألا ترى أن المعنى ليس عليه. فإنه يصح أن يقال لم أدعوه؟ فيقول تضرعا وخفية. وهذا واضح، ولا هو انتصاب على المصدر المبين للنوع الذي لا يتقيد به الفاعل لما ذكرناه من صلاحيته جوابا لكيف. وبالجملة فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال، بل الإتيان بالحال هاهنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده المصدر مع زيادة فائدة الحال، فهو أتم معنى ولا تنافي بينهما. والله أعلم. (فصل) قول الله تعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾. فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفا وطمعا، فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم. فإن الله هو الغني الحميد، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وقوله: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة بمفهومه فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين. فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة، وإنما أختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته. وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدا ببعد وقربا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته. والله سبحانه يحب المحسنين ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه. والإحسان هاهنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه. فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية فهذا هو مقام الإحسان كما قال النبي ﷺ: «وقد سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه» وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمة الله قريب من صاحبه، فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه؟ قال بان عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة؟ وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: «قرأ رسول الله ﷺ: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ، ثم قال: هل تدرون ما قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة» (فصل) وأما الإخبار عن الرحمة - وهي مؤنثة بالتاء - بقوله «قريب» وهو مذكر ففيه اثنا عشر مسلكا نذكرها ونبين ما فيها من صحيح وسقيم ومقارب. المسلك الأول: أن فعيلا على ضربين: أحدهما يأتي بمعنى فاعل كقدير وسميع وعليم. والثاني: يأتي بمعنى مفعول كقتيل وجريح، وكف خضيب. وطرف كحيل وشعر دهين، كله بمعنى مفعول. فإذا أتى بمعنى فاعل فقياسه أن يجري مجراه في إلحاق التاء به مع المؤنث دون المذكر كجميل وجميلة وشريف وشريفة وصبيح وصبيحة وصبي وصبية ومليح ومليحة وطويل وطويلة ونحوه. وإذا أتى بمعنى مفعول فلا يخلو إما أن يصحب الموصوف كرجل قتيل وامرأة قتيل أو يفرد عنه. فإن صحب الموصوف استوى فيه المذكر والمؤنث كرجل قتيل وامرأة قتيل، وإن لم يصحب الموصوف فإنه يؤنث إذا جرى على المؤنث نحو قتيلة بني فلان. ومنه قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ - إلى قوله - والنَّطِيحَةُ هذا حكم فعيل، وفعول قريب منه لفظا ومعنى، فإنهما مشتبهان في الوزن والدلالة على المبالغة وورودها بمعنى فاعل ومفعول. ولما كان فعيل أخف استغنى به عن فاعل في المضاعف كجليل وعزيز وذليل كراهية منهم لثقل التضعيف إذا قالوا: جالل وعازز وذالل، فأتوا بفعيل مفصولا فيه بين المثلين بالياء الساكنة، ولم يأتوا في هذا بفعول لأن فعيلا أخف منه ولخفته أيضا اطرد بناؤه من فعل كشريف وظريف وجميل ونبيل وليس لفعول بناء يطرد منه، ولخفته أيضا كان في أسماء الله تعالى أكثر من فعول. فإن الرحيم والقدير والحسيب والجليل والرقيب ونظائره أكثر من ألفاظ الرؤوف والغفور والشكور والصبور والودود والعفو، ولا يعرف إلا هذه الألفاظ الستة. وإذا ثبت التشابه بين فعيل وفعول فيما ذكرنا وكانوا قد خصوا فعولا الذي بمعنى فاعل بتجريده من التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث وشركوا بينهما في لفظ المذكر فقالوا: رجل صبور وشكور وامرأة صبور وشكور ونظائرهما وأما عدو وعدوة فشاذ. فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر والمؤنث كرجل ملولة وفروقة وامرأة كذلك، وإن كان فعول في معنى مفعول لحقته التاء في المؤنث كحلوبة وركوبة. فإذا تقرر ذلك فقريب في الآية هو فعيل بمعنى فاعل وليس المراد أنه بمعنى قارب بل بمعنى اسم الفاعل العام. فكان حقه أن يكون بالتاء ولكنهم أجروه مجرى فعيل بمعنى مفعول فلم يلحقوه التاء كما جرى فعيل بمعنى مفعول مجرى فعيل بمعنى فاعل في إلحاقة التاء كما قالوا خصلة حميدة وفعلة ذميمة بمعنى محمودة ومذمومة فحملوا على جميلة وشريفة في لحاق التاء فحملوا قريبا على امرأة قتيل وكف خضيب وعين كحيل في عدم إلحاق التاء حملا لكل من البابين على الآخر. ونظيره قوله تعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِ العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ فحمل رميما وهي بمعنى فاعل على امرأة قتيل وبابه فهذا المسلك هو من أقوى مسالك النجاة وعليه يعتمدون وقد اعترض عليه بثلاثة اعتراضات. أحدها: أن ذلك يستلزم التسوية بين اللازم والمعتدي فإن فعيلا بمعنى مفعول بابه الفعل المتعدي وفعيلا بمعنى فاعل بابه الفعل اللازم لأنه غالب ما يأتي من فعل المضموم العين فلو جرى على أحدهما حكم الآخر لكن ذلك تسوية بين اللازم والمتعدي وهو ممتنع. الاعتراض الثاني: أن هذا إن ادعى على وجه العموم فباطل، وإن ادعى على سبيل الخصوص فما الضابط وما الفرق بين ما يسوغ فيه هذا الاستعمال وما لا يسوغ؟ الاعتراض الثالث: أن العرب قد نطقت في فعيل بالتاء وهو بمعنى مفعول وجردته من التاء وهو بمعنى فاعل قال جرير يرثي خالته: ؎نعم القرين وكنت علق مضنة ∗∗∗ وارى بنعق بلية الأحجار فجرد القرين من التاء وهو بمعنى فاعل. وقال: ؎فسقاك حيث حللت غير فقيدة ∗∗∗ هزج الرواح وديمة لا تقلع فقرن فقيده بالتاء وهو فعيل بمعنى مفعول أي غير مفقودة. وقال الفرزدق: ؎فداويته عامين وهي قريبة ∗∗∗ أراها وتدنو لي مرارا وأرشف ويقولون: امرأة فتين وسريح وهريت فجردوه عن التاء، وهو بمعنى فاعل وقالوا: امرأة فروك وهلوك ورشوف وأنوف ورضوف فجردوه وهو بمعنى فاعل كصبور. وقالوا امرأة عروب فجردوه أيضا ثم قالوا امرأة ملولة وفروقة فقرنوه بالتاء وهو بمعنى فاعل أيضا. ودعوى أن التاء هاهنا للمبالغة لا دليل عليها فقد رأيت اشتراك فعول وفعيل في الاقتران بالتاء والتجرد منها. فدعوى أصالة المجرد منهما وشذوذ المقرون مقابلة بمثلها ومع مقابلها قياس اللغة في اقتران المؤنث وتجريد المذكر. وأما ما استشهد تم به من قوله تعالى: {مَن يُحْيِ العِظامَ وهي رَمِيمٌ فهو على وفق قياس العربية، فإن العظام جمع عظم وهو مذكر ولكن جمعه جمع تكسير وجمع التكسير جوز أن يراعى فيه تأنيث الجماعة وباعتباره قال: «وهي» ولم يقل وهو. ويراعى فيه معنى الواحد وباعتباره قال «رميم» كما يقال: عظم «رميم» مع أن رميما يطلق على المذكر مفردا وجمعا. قال جرير: ؎آل المهلب جذ الله دابرهم ∗∗∗ أمسوا رميما فلا أصل ولا طرف فهذا الاعتراض على هذا المسلك. (فصل) المسلك الثاني: أن قريبا في الآية من باب تأويل المؤنث بمذكر موافق له في المعنى كقول الشاعر: ؎أري رجلا منهم أسيفا كأنما ∗∗∗ يضم إلى كشحيه كفا مخضبا فكف مؤنث ولكن تأويله بمعنى عضو وطرف فذكر صفته فكذلك تؤوّل الرحمة وهي مؤنثة بالإحسان فيذكر خبرها. قالوا وتأويل الرحمة بالإحسان أولى من تأويل الكف بعضو لوجهين أحدهما: أن الرحمة معنى قائم بالراحم والإحسان هو بر المرحوم ومعنى القرب في البر من الحسنين أظهر منه في الرحمة. الثاني: أن ملاحظة الإحسان بالرحمة الموصوفة بالقرب من المحسنين هو مقابلة للإحسان الذي صدر منهم باعتبار المقابلة ازداد المعنى قوة واللفظ جزالة حتى كأنه قال إن إحسان الله قريب من أهل الإحسان، كما قال تعالى: ٥٥: ٦٠ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ فذكر قريبا ليفهم منه أنه صفة المذكر وهو الإحسان فيفهم المقابلة المطلوبة. قالوا: ومن تأويل بمذكر ما أنشده الفراء: ؎وقائع في مضر تسعة ∗∗∗ وفي وائل كانت العاشرة فتأول الوقائع وهو مؤنثة بأيام الحرب المذكرة فأنث العدد الجاري عليها فقال «تسعة» ولولا هذا التأويل لقال تسع لأن الوقائع مؤنثة. قالوا: وإذا جاز تأويل المذكر بمؤنث في قول من قال: جاءته كتابي أي صحيفتي. وفي قول الشاعر: ؎يا أيها الراكب المربى مطيته ∗∗∗ سائل بني أسد ما هذه الصوت أي ما هذه الصيحة مع أنه حمل أصل على فرع فلأن يجوز تأويل مؤنث بمذكر لكونه حمل فرع على أصل أولى وأحرى وهذا وجه وجيه. وقد اعترض عليه باعتراضين فاسدين غير لازمين. أحدهما: أنه لو جاز تأويل المؤنث بمذكر يوافقه وعكسه لجاز أن يقال: كلمتني زيد، وأكرمتني عمرو، وكلمني هند وأكرمني زينب، تأويلا لزيد وعمرو بالنفس والجثة وتأويلا لهند وزينب بالشخص والشبح. وهذا باطل، وهذا الاعتراض غير لازم، فإنهم لم يدّعوا إطراد ذلك وإنما ادّعوا أنه مما يسوغ أن يستعمل، وفرق بين ما يسوغ في بعض الأحيان وبين ما يطرد، كرفع الفاعل ونصب المفعول وهم لم يدعوا أنه من القسم الثاني. ثم إن هذا الاعتراض مردود بكل ما يسوغ استعماله بمسوغ وهو غير مطرد وهو أكثر من أن يذكر هاهنا ولا ينكره نحوي أصلا. وهل هذا إلا اعتراض على قواعد العربية بالتشكيكات والمناقضات؟ وأهل العربية لا يلتفتون إلى شيء من ذلك. فلو أنهم قالوا يجوز تأويل كل مؤنث بمذكر يوافقه وبالعكس لصح النقض وإنما قالوا يسوغ أحيانا تأويل أحدهما بالآخر لفائدة يتضمنها التأويل كالفائدة التي ذكرناها من تأويل الرحمة بالإحسان. الاعتراض الثاني: أن حمل الرحمة على الإحسان إما أن يكون حملا على حقيقته أو مجازه وهما ممتنعان. فإن الرحمة والإحسان متغايران لا يلزم من أحدهما وجود الآخر، لأن الرحمة قد توجد وافرة في حق من لا يتمكن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها. وقد يوجد الإحسان ممن لا رحمة في طباعه كالملك القاسي فإنه قد يحسن إلى بعض أعدائه وغيرهم لمصلحة ملكه مع أنه لا رحمة عنده. وإذا تبين انفكاك أحدهما عن الآخر لم يجز إطلاقه عليه لا حقيقة ولا مجازا. أما الحقيقة فظاهر. وأما المجاز: فإن شرطه خطور المعنى المجازي بالبال ليصح انتقال الذهن إليه فإذا كان منفكا عن الحقيقة لم يخطر بالذهن. وهذا الاعتراض أفسد من الذي قبله. وهو من باب التعنت والمناكدة. وأين هذا من قول أكثر المتكلمين - ولعل هذا المعترض منهم -: أنه لا معنى للرحمة غائيّا إلا الإحسان المحض. وأما الرقة الحنان التي في الشاهد فلا يوصف الله بها وإنما رحمته مجرد إحسانه، ومع أنا لا نرتضي هذا القول بل نثبت لله تعالى الرحمة حقيقة كما أثبتها لنفسه منزهة مبرأة عن خواص صفات المخلوقين كما نقوله في سائر صفاته من إرادته وسمعه وبصره وعلمه وحياته وسائر صفات كماله - فلم نذكره إلا لنبين فساد اعتراض هذا المعترض على قول أئمته ومن قال بقول المتكلمين. ثم نقول: الرحمة لا تنفك عن إرادة الإحسان فهي مستلزمة للإحسان أو إرادته، استلزام الخاص للعام، فكما يستحيل وجود الخاص بدون العام فكذلك الرحمة بدون الإحسان أو إرادته يستحيل وجودها. وأما قضية الأم العاجزة: فإنها وإن لم تكن تقدر على الإحسان بالفعل فهي محسنة بالإرادة فرحمتها لا تنفك عن إرادتها التامة للإحسان التي يقترن بها مقدورها إما بدعاء وإما بإيثار بما تقدر عليه ونحو ذلك، فتخلف بعض الإحسان الذي لا تقدر عليه عن رحمتها لا يخرج رحمتها عن استلزامها للإحسان المقدور وهذا واضح وأما الملك القاسي إذا أحسن فإن إحسانه لا يكون رحمة فهذا لأن الإحسان أعم من الرحمة والأعم لا يستلزم الأخص، وهم لم يدعوا ذلك فلا يلزمهم. وأيضا فإن الإحسان قد يقال إنه يستلزم الرحمة وما فعله الملك المذكور ليس بإحسان في الحقيقة، وإن كانت صورته صورة الإحسان. وبالجملة: فالعنت والمناكدة على هذا الاعتراض أبين من أن يتكلف معه رده وإبطاله. (فصل) المسلك الثالث: إن «قريب» في الآية من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف، فكأنه قال: إن مكان الرحمة قريب من المحسنين، ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره. ومن ذلك قول حسان: ؎يسقون من ورد البريص عليهم ∗∗∗ بردى يصفق بالرحيق السلسل فقال: «يصفق» بالياء و «بردى» هي مؤنث لأنه أراد ماء بردى. ومنه قول النبي ﷺ وقد أخذ بيديه ذهبا وحريرا فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي» فقال: «حرام» بالإفراد والمخبر عنه مثنى، كأنه قال: استعمال هذين حرام. وهذا المسلك ضعيف جدا لأن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لا يسوغ ادعاؤه مطلقا وإلا لا لتلبس الخطاب وفسد التفاهم وتعطلت الأدلة. إذ ما من لفظ أمر أو نهي أو خبر متضمن مأمورا به ومنهيا عنه ومخبرا إلا ويمكن على هذا أن يقدر له لفظ مضاف، يخرجه عن تعلق الأمر والنهي والخبرية، فيقول الملحد في قوله: ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ أي معرفة حج البيت وكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي معرفة الصيام. وإذا فتح هذا الباب فسد التخاطب وتعطلت الأدلة، وإنما يضمر المضاف حيث يتعين ولا يصح الكلام إلا بتقديره للضرورة، كما إذا قيل: أكلت الشاة فإن المفهوم من ذلك أكلت لحمها فحذف المضاف لا يلبس، وكذلك إذا قلت أكل فلان كد فلان إذا أكل ماله، فإن المفهوم أكل ثمرة كده فحذف المضاف هنا لا يلبس ونظائره كثيرة. وليس منه وسْئَلِ القَرْيَةَ وإن كان أكثر الأصوليين يمثلون به فإن القرية اسم للسكان في مسكن مجتمع فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه من الشراب، والذنوب للدلو الملآن ماء والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ونظائره. ثم إنهم لكثرة استعمالهم لهذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة وعلى المسكن بحسب سياق الكلام وبساطه، وإنما يفعلون هذا حيث لا لبس فيه ولا إضمار في ذلك ولا حذف. فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه. وإذا عرفت هذا فقوله: إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ ليس في اللفظ ما يدل على إرادة موضع ولا مكان أصلا فلا يجوز دعوى إضماره بل دعوى إضماره خطأ قطعا. لأنه يتضمن الأخبار بأن المتكلم أراد المحذوف ولم ينصب على إرادته دليلا لا صريحا ولا لزومها. فدعوى المدعي أنه أراده: دعوى باطلة. وأما قوله «بردى يصفق» فليس أيضا من باب حذف المضاف بل أراد ببردى النهر، وهو مذكر، فوصفه بصفة المذكر فقال «يصفق» فلم يذكر بناء على خذف المضاف، وإنما ذكر بناء على أن بردى المراد به النهر. فإن قلت: فلا بد من حذف مضاف لأنهم إنما يسقون ماء بردى لأنفس النهر. قلت: هذا إن كان مراد الشاعر فلم يلزم منه صحة ما ادعاه من أنه ذكر «يصفق» باعتبار الماء المحذوف، فإن تذكيره إنما يكون باعتبار إرادة النهر وهو مذكر، فلا يدل على ما ادعوه. وأما قوله ﷺ: «هذان حرام» ففي إفراد الخبر سر بديع جدا وهو التنبيه والإشارة على أن كل واحد منهما بمفرده موصوف بأنه حرام، فلو ثنّى الخبر لم يكن فيه تنبيه على هذا المعنى. فلهذا أفرد الخبر، فكأنه قال: كل واحد من هذين حرام فدل إفراد الخبر على إرادة الأخبار عن كل واحد واحد بمفرده. فتأمله فإنه من بديع اللغة. وقد تقدم بيانه في هذا التعليق في مسألة: «كلا وكلتا» وأن قولهم: كلاهما قائم بالإفراد لا يدل على أن «كلا» مفرد كما ذهب إليه البصريون بل هو مثنى حقيقة، وإنما أفردوا الخبر للدلالة على أن الأخبار عن كل واحد منهما بالقيام. وقد قررنا ذلك بما فيه كفايية. (فصل) المسلك الرابع: أنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كأنه قال: إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين، أو لطف قريب، أو بر قريب ونحو ذلك وحذف الموصوف كثير. فمنه قول الشاعر: ؎قامت تبكيه على قبره ∗∗∗ من لي بعدك يا عامر ؎تركتني في الدار ذا غربة ∗∗∗ قد ذل من ليس له ناصر المعنى تركتني شخصا أو إنسانا ذا غربة. ولولا ذلك لقالت: تركتني غربة. ومنه قول آخر: ؎فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ∗∗∗ فراقك لم أبخل وأنت صديق أراد وأنت شخص أو إنسان صديق. وعلى هذا المسلك حمل سيبويه قولهم للمرأة: حائض وطامث وطالق. فقال: كأنهم قالوا: شيء حائض وشيء طامث، وهذا المسلك أيضا ضعيف لثلاثة أوجه. أحدها: أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما يحسن بشرطين أن تكون الصفة خاصة يعلم ثبوتها لذلك الموصوف بعينه لا لغيره. الثاني: أن تكون الصفة قد غلب استعمالها مفردة على الموصوف كالبر والفاجر والعالم والجاهل والمتقي والرسول والنبي ونحو ذلك مما غلب استعمال الصفة فيه مجردة عن الموصوف فلا يكاد يجيء ذكر الموصوف معها كقوله تعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ. وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ وقوله: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وقوله: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وقوله: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وهو كثير جدا في القرآن وكلام العرب. وبدون ذلك لا يحسن الاقتصار على الصفة فلا يحسن أن تقول: جاءني طويل ورأيت جميلا أو قبيحا، وأنت تريد جاءني رجل طويل ورأيت رجلا جميلا أو قبيحا، ولا تقول سكنت في قريب، تريد في مكان قريب مع دلالة السكنى على المكان. الثاني: أن الشيء أعم المعلومات فإنه يشمل الواجب والممكن، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فصيحا بليغا فضلا عن أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأي فصاحة وبلاغة في قول القائل في حائض وطامث وطالق: شيء حائض وشيء طامث وشيء طالق؟ وهو لو صرح بهذا لاستهجنه السامع. فكيف يقدر في الكلام معه أنه لا يتضمن فائدة أصلا؟ إذ كونه شيئا أمر معلوم عام لا يدل على مدح ولا ذم ولا كمال ولا نقصان. وينبغي أن يتفطن هاهنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل بمجرد الاحتمال النحوي الأعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا المقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن، مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ: والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا بالجر: إنه قسم. ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به. ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ أن المقيمين مجرور بواو القسم. ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى بكثير. بل القرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم. فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي. فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه. وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله. الوجه الثالث: أن طالقا وحائضا وطامثا إنما حذفت تاؤه لعدم الحاجة إليها فإن التاء إنما دخلت للفرق بين المذكر والمؤنث في محل اللبس، فإذا كانت الصفة خاصة بالمؤنث فلا لبس، فلا حاجة إلى التاء هذا هو الصواب. في ذلك وهو المذهب الكوفي. فإن قلت: هذا خلاف مذهب سيبويه. قلت: فكان ماذا؟ وهل يرتضي محصل برد موجب الدليل الصحيح لكونه خلاف قول عالم معين؟ هذه طريقة الخفافيش. فأما أهل البصائر فإنهم لا يردون الدليل وموجبه بقول معين أبدا، وقليل ما هم. ولا ريب أن أبا بشر رحمه الله ضرب في هذا العلم بالقدح المعلى، وأحرز من قصبات سبقه، واستولى من أمده على ما لم يستول عليه غيره، فهو المصلّى في هذا المضمار، ولكن لا يوجب ذلك أن يعتقد أنه أحاط بجميع كلام العرب، وأنه لا حق إلا ما قاله. وكم لسيبويه من نص قد خالفه جمهور أصحابه فيه، والمبرزون منهم؟ ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال الكلام به. ولا تنس قوله في باب الصفة المشبهة: مررت برجل حسن وجهه بإضافة حسن إلى الوجه والوجه إلى الضمير ومخالفة جميع البصريين والكوفيين في ذلك. فسيبويه رحمه الله ممن يؤخذ من قوله ويترك وإما أن نعتقد صحة قوله في كل شيء فكلا. وسنفرد إن شاء الله كتابا للحكومة بين البصريين والكوفيين فيما اختلفوا فيه وبيان الراجح من ذلك وبالله التوفيق والتأييد. فإن قلت: يكفي في رد ما اخترتموه في طامث وحائض وطالق من المذهب الكوفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ فهذا وصف يختص به الإناث وقد جاء بالتاء قلت: ليس في هذا ولله الحمد رد لهذا المذهب ولا إبطال له، فإن دخول التاء هاهنا يتضمن فائدة لا تحصل بدونها فتعين الإتيان بها، وهي أن المراد بالمرضعة فاعلة الرضاع، فالمراد الفعل لا مجرد الوصف ولا أريد الوصف المجرد بكونها من أهل الإرضاع لقيل: مرضع كحائض وطامث ألا ترى إلى قوله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» فإن المراد به الموصوفة بكونها من أهل الحيض لا من يجري دمها فالحائض والمرضع وصف عام يقال على من لها ذلك وصفا وإن لم يكن قائما بها، ويقال على من قام بها بالفعل أدخلت التاء هاهنا إيذانا بأن المراد من تفعل الرضاع فإنها تذهل عما ترضعه لشدة هول زلزلة الساعة. وأكد هذا المعنى بقوله: {عَمّا أرْضَعَتْ) فعلم أن المراد المرضعة التي ترضع بالفعل لا بالقوة والتهيؤ. وترجيح هذا المذهب له موضع غير هذا. (فصل) المسلك الخامس: أن هذا من باب اكتساب المضاف حكم المضاف إليه إذا كان صالحا للحذف والاستغناء عنه بالثاني. كقول الشاعر: ؎لما أتى خبر الزبير تواضعت ∗∗∗ سور المدينة والجبال الخشع وقال الآخر: ؎مشين كما اهتزت رماح تسفهت ∗∗∗ أعاليها مر الرياح النواسم وقال الآخر: ؎بغي النفوس معيدة نعماءهما ∗∗∗ نقما، وإن عمهت وطال غرورها فأنث في الأول «السور» المضاف إلى المدينة، وفي الثاني «المر» المضاف إلى الرياح وفي الثالث «البغي» المضاف إلى النفوس لتأنيث المضاف إليه مع أن التذكير أصل والتأنيث فرع فحمل الأصل على الفرع فلأن يجوز تذكير المؤنث لإضافته إلى غير مؤنث أولى، لأنه حمل للفرع على الأصل، ومن الأول أيضا قول الشاعر: ؎وتشرق بالأمر الذي قد أذعته ∗∗∗ كما شرقت صدر القناة من الدم فأنث الصدر لإضافته إلى القناة. وأنشدني بعض أصحابنا لأبي محمد بن حزم في هذا المعنى بإسناد لا يحضرني: ؎تجنب صديقا مثل ما واحذر الذي ∗∗∗ تواه كعمرو بين عرب وأعجم ؎فإن صديق السوء يردى وشاهدي ∗∗∗ كما شرقت صدر القناة من الدم ومنه قول النابغة: ؎حتى استغثن بأهل الملح ضاحية ∗∗∗ يركضن قد قلقت عقد الأطانيب ومنه قول لبيد: ؎فمضى وقدمها، وكانت عادة ∗∗∗ منه إذا هي عرّدت أقدامها وهذا المسلك - وإن كان قد ارتضاه غير واحد من الفضلاء - فليس بقوي، لأنه إنما يعرف مجيئه في الشعر، ولا يعرف في الكلام الفصيح منه إلا النادر، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه. والذي قواه هاهنا شدة اتصال المضاف بالمضاف إليه، وكونه جزؤه حقيقة، فكأنه قال: ذهبت إصبع وإصبعان من أصابعه. وحمل القرآن على المكثور الذي خلافه أفصح منه: ليس بسهل. (فصل) المسلك السادس: أن هذا من باب الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر، لكونه تبعا له ومعنى من معانيه. فإذا ذكر أغنى عن ذكره لأنه يفهم منه. ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ فاستغني عن خبر الأعناق بالخبر عن أصحابها. ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ المعنى: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فاستغنى بإعادة الضمير إلى الله إذ إرضاؤه هو إرضاء رسوله فلم يحتج أن يقول: يرضوهما. فعلى هذا يكون الأصل في الآية: إن الله قريب من المحسنين. وأن رحمة الله قريبة من المحسنين فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ذلك ظهور المعنى. وهذا المسلك مسلك حسن إذا كسى تعبيرا أحسن من هذا. وهو مسلك لطيف المنزع دقيق على الافهام. وهو من أسرار القرآن. والذي ينبغي أن يعبر عنه به: أن الرحمة صفة من صفات الرب تبارك وتعالى والصفة قائمة بالموصوف لا تفارقه لأن الصفة لا تفارق موصوفها. فإذا كانت قريبة من المحسنين فالموصوف تبارك وتعالى أولى بالقرب منه، بل قرب رحمته تبع لقربه هو تبارك وتعالى من المحسنين. وقد تقدم في أول الآية أن الله تعالى قريب من أهل الإحسان بإثابته ومن أهل سؤاله بإجابته، وذكرنا شواهد ذلك، وأن الإحسان يقتضي قرب الرب من عبده كما أن العبد قرب من ربه الإحسان، وأن من تقرب منه شبرا تقرب الله منه ذراعا ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا. فالرب تبارك وتعالى قريب من المحسنين ورحمته قريبة منهم، قربه يستلزم قرب رحمته. ففي حذف التاء هاهنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن الله تعالى قريب من المحسنين وذلك يستلزم القربين قربه وقرب رحمته. ولو قال إن رحمة الله قريبة من المحسنين لم يدل على قربه تعالى منهم، لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم وهو قرب رحمته فلا تستهن بهذا المسلك. فإن له شأنا. وهو متضمن لسر بديع من أسرار الكتاب. وما أظن صاحب هذا المسلك قصد هذا المعنى ولا ألم به. وإنما أراد أن الإخبار عن قرب الله تعالى من المحسنين كاف عن الاخبار عن قرب رحمته منهم. فهو مسلك سابع: في الآية وهو المختار، وهو من أليق ما قيل فيها. وإن شئت قلت قربه تبارك وتعالى من المحسنين وقرب رحمته منهم متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر فإذا كانت رحمته قريبة منهم فهو أيضا قريب منهم، وإذا كان المعنيان متلازمين صح إرادة كل واحد منهما، فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ لها وأشرفه وأجله على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد وهو قربه تبارك وتعالى من عبده الذي هو غاية الأماني ونهاية الآمال وقرة العيون وحياة القلوب وسعادة العبد كلها فكان في العدول عن قريبة إلى قريب من استدعاء الإحسان وترغيب النفوس فيه ما لا يتخلف بعده إلا غلبت عليه من شقاوته ولا قوة إلا بالله. (فصل) المسلك الثامن: أن الرحمة مصدر والمصادر كما لا تثنى ولا تجمع فحقها أن لا تؤنث وهذا المسلك ضعيف جدا فإن الله سبحانه حيث ذكر الرحمة أجرى عليها التأنيث كقوله: ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وقوله فيما حكى عنه رسوله ﷺ: «إن رحمتي غلبت أو سبقت غضبي» ولو كان حذف التاء من الرحمة لكونها مصدرا والمصادر لاحظ للتأنيث فيها لم يعد عليها الضمير إلا مذكرا وكذلك ما كان من المصادر بالتاء كالقدرة والإرادة والحكمة والهمة ونظائرها وفي بطلان ذلك دليل على بطلان هذا المسلك. (فصل) المسلك التاسع: أن القريب يراد به شيئان أحدهما: النسب والقرابة فهذا بالتاء تقول فلانة قريبة لي والثاني قرب المكان وهذا بلا تاء تقول جلست فلانة قريبا مني ولا تقول قريبة مني وهذا مسلك الفراء رحمه الله وجماعة وهو أيضا ضعيف فإن هذا إنما هو إذا كان لفظ القريب ظرفا فإنه يذكر كما قال تقول جلست المرأة مني قريبا. فأما إذا كان اسما محضا فلا. (فصل) المسلك العاشر: أن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ فيه حذف التاء كما تقول طلع الشمس وطلعت وهذا المسلك أيضا فاسد فإن هذا إنما يكون إذا أسند الفعل إلى ظاهر المؤنث فأما إذا أسند إلى ضميره فلا بد من التاء كقولك الشمس طلعت وتقول الشمس طالعة ولا تقول طالع لأن في الصفة ضميرها فهي بمعنى الفعل في ذلك سواء. (فصل) المسلك الحادي عشر: أن قريبا مصدر لا وصف وهو بمنزلة النقيض فجرد من التاء، لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء. ولهذا تقول: امرأة عدل، ولا تقول: عدلة، وامرأة صوم وصلاة وصدق وبر ونظائره. وهذا المسلك من أفسد ما قيل في: «قريب» فإنه لا يعرف استعماله مصدرا أبدا، وإنما هو وصف والمصدر هو «قرب» لا «قريب». (فصل) المسلك الثاني عشر: أن فعيلا وفعولا مطلقا يستوي فيهما المذكر والمؤنث حقيقيا كان أو غير حقيقي، كما قال امرؤ القيس: ؎برهرهة رودة رخصة ∗∗∗ كخرعوبة البانة المنفطر ؎قطيع القيام، فتور الكلام ∗∗∗ تفتر عن ذي عزوب خصر وقال أيضا: ؎له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ∗∗∗ قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا وقال جرير: ؎أتنفعك الحياة وأمّ عمرو ∗∗∗ قريب لا تزور ولا تزار؟ وقال جرير أيضا: ؎كأن لم نحارب يابثين لو أنها ∗∗∗ تكشف غماها وأنت صديق وقال أيضا: ؎دعون الهوى ثم ارتهن قلوبنا ∗∗∗ بأسهم أعداء، وهن صديق قالوا: وشواهد ذلك كثيرة. وفي هذا المسلك غنية عن تلك التعسفات والتأويلات. وهذا المسلك ضعيف أيضا. وممن رده أب عبد الله بن مالك، فقال: هذا القول ضعيف، لأن قائله إما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع وغيره يستحق ما يستحقه فعول من الجري على المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإما أن يريد أن فعيلا في هذا الموضع خاصة محمول على فعول. فالأول مردود لإجماع أهل العربية على التزام التاء في ظريفة وشريفة وأشباههما وزنا ودلالة ولذلك احتاج علماؤهم أن يقولوا في قوله تعالى: {وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا وقوله: ولَمْ أكُ بَغِيًّا أن الأصل هو بغوي على فعول، فلذلك لم تلحقه التاء، ثم أعلّ بإبدال الواو ياء والضمة كسرة، فصار لفظه كلفظ فعيل، ولو كان فعيلا أصلا للحقته التاء، فقيل: لم أك بغية. والثاني أيضا مردود لأن لفعيل على فعول من المزايا ما لا يليق به أن يكون تبعا له، بل العكس أولى أن يكون فعولا تبعا لفعيل، ولأنه يتضمن حمل فعيل على فعول، وهما مختلفان لفظا ومعنى أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأنّ قريبا لا مبالغة فيه لأنه يوصف به كل ذي قرب وإن قل، وفعول لا بد فيه من المبالغة. وأيضا فإن الدال على المبالغة لا بد أن يكون له بنية لا مبالغة فيها، ثم يقصد به المبالغة، فتغير بنيته كضارب وضروب، وعالم وعليم. وقريب ليس كذلك فلا مبالغة فيه. وأما بيت امرؤ القيس فلا حجة فيه لوجوه. أحدها: أنه نادر فلا حكم له فلا كثرت صوره ولا جاء على الأصل كاستحوذ واستوثق البعير، وأغيمت السماء وأغور وأحول، وما كان كذلك فلا حكم له. الثاني: أن يكون أراد قطيعة القيام، ثم حذف التاء للإضافة، فإنها يجوز حذفها عند الفراء وغيره، وعليه حمل قوله تعالى: ﴿وَإقامَ الصَّلاةِ﴾ أي إقامتها، لأن المعروف في ذلك إنما هو لفظ الإقامة. ولا يقال «إقام» دون إضافة كما لا يقال «إراد» في إرادة ولا «إقال» في إقالة، لأنهم جعلوا هذه التاء عوضا عن ألف إفعال أو عينه، لأن أصل إقامة إقوام فنقلت حركة العين إلى الفاء فانقلبت ألفا فالتقت ألفان فحذفت إحداهما فجاؤوا بالتاء عوضا، فلزمت إلا مع الإضافة، فإن حذفها جائز عند قوم قياسا، وعند آخرين سماعا. ومثلها في اللزوم: تاء عدة وزنة. وأصلهما وعد ووزن، فحذفت الواو، وجعلت التاء عوضا منها فلزمت. وقد تحذف للإضافة كقول الشاعر: ؎إن الخليط أجدوا البين وانجردوا ∗∗∗ وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا أي أخلفوك عدة الأمر، فحذف التاء. وعلى هذه اللغة قرأ بعض القراء ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً بالهاء أي عدته. فحذف التاء. الثالث: أن يكون فعيل في قوله «قطيع القيام» بمعنى مفعول، لأن صاحب المحكم حكى أنه يقال قطعه وأقطعه إذا بكتّه، وقطع هو فهو قطيع القول. فقطيع على هذا بمعنى مقطوع أي مبكت، فحذف التاء على هذا التوجيه ليس مخالفا للقياس. وإن جعل قطيعا مبنيا على قطع كسريع من سرع: فحقه على ذلك أن يلحقه التاء عند جريه على المؤنث أنه شبه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، فأجرى مجراه. فهذا تمام اثني عشر مسلكا في هذه الآية، أصحها المسلك المركب من السادس والسابع. وباقيها ضعيف واه ومحتمل والمبتدي والمقلد لا يدرك هذه الدقائق، والفاضل المنصف لا يخفى عليه قويها من ضعيفها. وليكن هذا آخر الكلام على الآية والله أعلم.

الأعراف 7:57

أخْبَرَ سُبْحانَهُ: أنَّهُما إحْياءانِ، وأنَّ أحَدَهُما مُعْتَبَرٌ بِالآخَرِ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِياسًا آخَرَ أنَّ مِن الأرْضِ ما يَكُونُ أرْضًا طَيِّبَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ أخْرَجَتْ نَباتَها بِإذْنِ رَبِّها، ومِنها ما تَكُونُ أرْضًا خَبِيثَةً لا تُخْرِجُ نَباتَها إلّا نَكِدًا، أيْ قَلِيلًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ، فَهَذِهِ إذا أنْزَلَ عَلَيْها الماءَ لَمْ تُخْرِجْ ما أخْرَجَتْ الأرْضُ الطَّيِّبَةُ، فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ الوَحْيَ الَّذِي أنْزَلَهُ مِن السَّماءِ عَلى القُلُوبِ بِالماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى الأرْضِ بِحُصُولِ الحَياةِ بِهَذا وهَذا، وشَبَّهَ القُلُوبَ بِالأرْضِ إذْ هي مَحَلُّ الأعْمالِ كَما أنَّ الأرْضَ مَحَلُّ النَّباتِ، وأنَّ القَلْبَ الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِالوَحْيِ ولا يَزْكُو عَلَيْهِ ولا يُؤْمِنُ بِهِ كالأرْضِ الَّتِي لا تَنْتَفِعُ بِالمَطَرِ ولا تُخْرِجُ نَباتَها بِهِ إلّا قَلِيلًا لا يَنْفَعُ، وأنَّ القَلْبَ الَّذِي آمَنَ بِالوَحْيِ وزَكا عَلَيْهِ وعَمِلَ بِما فِيهِ كالأرْضِ الَّتِي أخْرَجَتْ نَباتَها بِالمَطَرِ؛ فالمُؤْمِنُ إذا سَمِعَ القُرْآنَ وعَقَلَهُ وتَدَبَّرَهُ بانَ أثَرُهُ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ بِالبَلَدِ الطَّيِّبِ الَّذِي يُمْرِعُ ويُخْصِبُ ويَحْسُنُ أثَرُ المَطَرِ عَلَيْهِ فَيُنْبِتُ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، والمُعْرِضُ عَنْ الوَحْيِ عَكْسُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ. (فائدة بديعة) (كل) لفظ دال على الإحاطة بالشيء وكأنه من لفظ الإكليل والكلالة والكلة مما هو في معنى الإحاطة بالشيء وهو اسم واحد في لفظه جمع في معناه ولو لم يكن معناه معنى الجمع لما جاز أن يؤكد به الجمع لأن التوكيد تكرار للمؤكد فلا يكون إلا مثله إن كان جمعا فجمع وإن كان واحدا فواحد وحقه أن يكون مضافا إلى اسم منكر شائع في الجنس من حيث اقتضى الإحاطة فإن أضفته إلى معرفة كقولك كل إخوتك ذاهب قبح إلا في الابتداء لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن كان خبره بلفظ الإفراد تنبيها على أن أصله أن يضاف إلى نكرة لأن النكرة شائعة في الجنس وهو أيضا يطلب جنسا يحيط به فإما أن تقول كل واحد من إخوتك ذاهب فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل وهو إضافته إلى اسم مفرد نكرة فإن لم تجعله مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة كقولك رأيت كل إخوتك وضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله لأنك لم تضفه إلى جنس ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس كما كان في قولهم كلهم ذاهب وكل القوم عاقل فإن أضفته إلى جنس معرف باللام نحو قوله تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ حسن ذلك لأن اللام للجنس لا للعهد ولو كانت للعهد لقبح كما إذا قلت خذ من كل الثمرات التي عندك لأنها إذا كانت جملة معرفة معهودة وأردت معنى الإحاطة فيها فالأحسن أن تأتي بالكلام على أصله فتؤكد المعرفة بـ كل فتقول خذ من الثمرات التي عندك كلها لأنك لم تضطر عن إخراجها عن التوكيد كما اضطررت في النكرة حين قلت لقيت كل رجل لأن النكرة لا تؤكد وهي أيضا شائعة في الجنس كما تقدم. فإن قيل: فإذا استوى الأمران كقولك كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها فلم اختص أحد النظمين بالقرآن في موضع دون موضع؟ قيل: هذا لا يلزم لأن كل واحد منه فصيح ولكن لا بد من فائدة في الاختصاص. أما قوله تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ فـ (مِن) هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف وإنما تريد الثمرات نفسها إلا أنه أخرج منها شيئا وأدخل من لبيان الجنس كله ولو قال أخرجنا به من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف وأن مفعول أخرجنا فيما بعد ولم يتوهم ذلك مع تقديم كل لعلم المخاطبين أن (كلا) إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس وإذا تأخرت وكانت توكيدا اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة جنسا شائعا كان أو معهودا معروفا. وأما قوله تعالى: ﴿كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ولم يقل من الثمرات كلها ففيها الحكمة التي في الآية قبلها ومزيد فائدة وهو أنه تقدمها في النظم قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ فلو قال بعدها كلي من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أنه يريد الثمرات المذكورة قبل هذا أعني (ثمرات النخيل والأعناب) لأن اللام إنما تنصرف إلى المعهود فكان الابتداء بكل أحصن للمعنى وأجمع للجنس وأرفع للبس وأبدع في النظم فتأمله. وإذا قطعت عن الإضافة وأخذ عنها فحقها أن تكون ابتداء ويكون خبرها جمعا ولا بد من مذكورين قبلها لأنها إن لم تذكر قبلها جملة ولا أضيف إلى جملة بطل معنى الإحاطة فيها ولم يعقل لها معنى وإنما وجب أن يكون خبرها جمعا لأنها اسم في معنى الجمع فتقول كل ذاهبون إذا تقدم ذكر قوم لأنك معتمد في المعنى عليهم وإن كنت مخبرا عن كل فصارت بمنزلة قولك الرهط ذاهبون والنفر منطلقون لأن الرهط والنفر اسمان مفردان ولكنهما في معنى الجمع والشاهد لما بيناه قوله سبحانه: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ وإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ لم تجد خبرها إلا مفردا للحكمة التي قدمتها قبل وهي أن الأصل إضافتها إلى النكرة المفردة فتقول كل إخوتك ذاهب أي كل واحد منهم ذاهب ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن الإضافة فقلت كل ذاهبون لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها وعلى ما في معناها من معنى الجمع واعتمادها إذا أضيفتها على الاسم المفرد إما لفظا وإما تقديرا كقوله ﷺ: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " رواه البخاري ومسلم ولم يقل راعون ومسئولون ومنه كلكم سيروى ومنه قول عمر: "أو كلكم يجد ثوبين" ولم يقل تجدون ومثله قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ وقال تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ فجمع وقال تعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. فإن قيل: فقد ورد في القرآن ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وهذا يناقض ما أصلتم؟ قيل: إن في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ دون غيره أما قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين ذكر مؤمنين وظالمين فلو قال: (يعملون) وجمعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف فكان لفظ الإفراد أدل على المعنى المراد كأنه يقول: كل فهو يعمل على شاكلته وأما قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فلأنه ذكر قرونا وأمما وختم ذكرهم بذكر (قوم تبع) فلو قال كل كذبوا وكل إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة بأنهم كذبوا الرسل فلما قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ﴾ علم أنه يريد كل فريق منهم لأن إفراد الخبر عن كل حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم ومثله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وأما قولنا: في كل إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة فإنما يريد أنها مبتدأة يخبر عنها أو مبتدأة باللفظ منصوبة بفعل بعدها لا قبلها أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها نحو: ﴿وَكُلًا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ وقول الشاعر: بكل تداوينا ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت مفردة كقولك ضربت كلا ومررت بكل وإن لم يقبح كلا ضربت وبكل مررت من أجل أن تقديم العامل عليها يقطعها عن المذكور قبلها في اللفظ لأن العامل اللفظي له صدر الكلام وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيء تعتمد عليه قبلها ولا بعدها فقبح ذلك وأما إذا كان العامل معنويا نحو كل ذاهبون فليس بقاطع لها عما قبلها من المذكورين لأنه لا وجود له في اللفظ فإذا قلت ضربت زيدا وعمرا وخالدا وشتمت كلا وضربت كلا لم يجز ولم يعد بخبر لما قدمناه إذا عرفت هذا فقولك كل إخوتك ضربت سواء رفعت أو نصبت يقتضي وقوع الضرب بكل واحد منهم وإذا قلت كل إخوتك ضربني يقتضي أيضا أن كل واحد منهم ضربك فلو قلت كل إخوتي ضربوني وكل القوم جاءوني احتمل ذلك واحتمل أن يكونوا اجتمعوا في الضرب والمجيء لأنك أخبرت عن جملتهم بخبر واقع عن الجملة بخلاف قولك: كل إخوانك جاءني فإنما هو إخبار عن كل واحد منهم وأن الإخبار بالمجيء عنهم جميعهم فتأمل على هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ كيف أفرد الخبر لأنه لم يرد اجتماعهم فيه وقال تعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ فجمع لما أريد الاجتماع في المجيء وهذا أحسن مما تقدم من الفرق فتأمله. ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ بل هو تحقيق له وشاهد لأن القنوت هنا هو العبودية العامة التي تشترك فيها أهل السماوات والأرض لا يختص بها بعضهم عن بعض ولا يختص بزمان دون زمان وهي عبودية القهر فالقنوت هنا قنوت قهر وذل لا قنوت طاعة ومحبة وهذا بخلاف قوله تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ فإنه أفرد لما لم يجتمعوا في الفناء. ونظيره قوله ﷺ: "وكلكم مسئول عن رعيته " فإن الله يسأل كل راع بمفرده. ومما جاء مجموعا لاجتماع الخبر قوله تعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ومما أفرد لعدم اجتماع الخبر قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ لأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ فأفرد لما لم يجتمعوا في التكذيب. ونظيره في سورة ق: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ وتأمل كيف كشف قناع هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ كيف أفرد (آتيه) لما كان المقصود الإشارة إلى أنهم وإن أتوه جميعا فكل واحد منهم منفرد عن كل فريق من صاحب أو قريب أو رفيق بل هو وحده منفرد فكأنه إنما أتاه وحده وإن أتاه مع غيره لانقطاع تبعيته للغير وانفراده بشأن نفسه فهذا عندي أحسن من الفرق بالإضافة وقطعها والفرق بذلك فرقه السهيلي رحمه الله تعالى فتأمل الفرقين وستقرأ الأمثلة والشواهد.

الأعراف 7:58

أخْبَرَ سُبْحانَهُ: أنَّهُما إحْياءانِ، وأنَّ أحَدَهُما مُعْتَبَرٌ بِالآخَرِ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِياسًا آخَرَ أنَّ مِن الأرْضِ ما يَكُونُ أرْضًا طَيِّبَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ أخْرَجَتْ نَباتَها بِإذْنِ رَبِّها، ومِنها ما تَكُونُ أرْضًا خَبِيثَةً لا تُخْرِجُ نَباتَها إلّا نَكِدًا، أيْ قَلِيلًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ، فَهَذِهِ إذا أنْزَلَ عَلَيْها الماءَ لَمْ تُخْرِجْ ما أخْرَجَتْ الأرْضُ الطَّيِّبَةُ، فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ الوَحْيَ الَّذِي أنْزَلَهُ مِن السَّماءِ عَلى القُلُوبِ بِالماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى الأرْضِ بِحُصُولِ الحَياةِ بِهَذا وهَذا، وشَبَّهَ القُلُوبَ بِالأرْضِ إذْ هي مَحَلُّ الأعْمالِ كَما أنَّ الأرْضَ مَحَلُّ النَّباتِ، وأنَّ القَلْبَ الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِالوَحْيِ ولا يَزْكُو عَلَيْهِ ولا يُؤْمِنُ بِهِ كالأرْضِ الَّتِي لا تَنْتَفِعُ بِالمَطَرِ ولا تُخْرِجُ نَباتَها بِهِ إلّا قَلِيلًا لا يَنْفَعُ، وأنَّ القَلْبَ الَّذِي آمَنَ بِالوَحْيِ وزَكا عَلَيْهِ وعَمِلَ بِما فِيهِ كالأرْضِ الَّتِي أخْرَجَتْ نَباتَها بِالمَطَرِ؛ فالمُؤْمِنُ إذا سَمِعَ القُرْآنَ وعَقَلَهُ وتَدَبَّرَهُ بانَ أثَرُهُ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ بِالبَلَدِ الطَّيِّبِ الَّذِي يُمْرِعُ ويُخْصِبُ ويَحْسُنُ أثَرُ المَطَرِ عَلَيْهِ فَيُنْبِتُ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، والمُعْرِضُ عَنْ الوَحْيِ عَكْسُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ. (فائدة بديعة) (كل) لفظ دال على الإحاطة بالشيء وكأنه من لفظ الإكليل والكلالة والكلة مما هو في معنى الإحاطة بالشيء وهو اسم واحد في لفظه جمع في معناه ولو لم يكن معناه معنى الجمع لما جاز أن يؤكد به الجمع لأن التوكيد تكرار للمؤكد فلا يكون إلا مثله إن كان جمعا فجمع وإن كان واحدا فواحد وحقه أن يكون مضافا إلى اسم منكر شائع في الجنس من حيث اقتضى الإحاطة فإن أضفته إلى معرفة كقولك كل إخوتك ذاهب قبح إلا في الابتداء لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن كان خبره بلفظ الإفراد تنبيها على أن أصله أن يضاف إلى نكرة لأن النكرة شائعة في الجنس وهو أيضا يطلب جنسا يحيط به فإما أن تقول كل واحد من إخوتك ذاهب فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل وهو إضافته إلى اسم مفرد نكرة فإن لم تجعله مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة كقولك رأيت كل إخوتك وضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله لأنك لم تضفه إلى جنس ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس كما كان في قولهم كلهم ذاهب وكل القوم عاقل فإن أضفته إلى جنس معرف باللام نحو قوله تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ حسن ذلك لأن اللام للجنس لا للعهد ولو كانت للعهد لقبح كما إذا قلت خذ من كل الثمرات التي عندك لأنها إذا كانت جملة معرفة معهودة وأردت معنى الإحاطة فيها فالأحسن أن تأتي بالكلام على أصله فتؤكد المعرفة بـ كل فتقول خذ من الثمرات التي عندك كلها لأنك لم تضطر عن إخراجها عن التوكيد كما اضطررت في النكرة حين قلت لقيت كل رجل لأن النكرة لا تؤكد وهي أيضا شائعة في الجنس كما تقدم. فإن قيل: فإذا استوى الأمران كقولك كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها فلم اختص أحد النظمين بالقرآن في موضع دون موضع؟ قيل: هذا لا يلزم لأن كل واحد منه فصيح ولكن لا بد من فائدة في الاختصاص. أما قوله تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ فـ (مِن) هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف وإنما تريد الثمرات نفسها إلا أنه أخرج منها شيئا وأدخل من لبيان الجنس كله ولو قال أخرجنا به من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف وأن مفعول أخرجنا فيما بعد ولم يتوهم ذلك مع تقديم كل لعلم المخاطبين أن (كلا) إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس وإذا تأخرت وكانت توكيدا اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة جنسا شائعا كان أو معهودا معروفا. وأما قوله تعالى: ﴿كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ولم يقل من الثمرات كلها ففيها الحكمة التي في الآية قبلها ومزيد فائدة وهو أنه تقدمها في النظم قوله تعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ فلو قال بعدها كلي من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أنه يريد الثمرات المذكورة قبل هذا أعني (ثمرات النخيل والأعناب) لأن اللام إنما تنصرف إلى المعهود فكان الابتداء بكل أحصن للمعنى وأجمع للجنس وأرفع للبس وأبدع في النظم فتأمله. وإذا قطعت عن الإضافة وأخذ عنها فحقها أن تكون ابتداء ويكون خبرها جمعا ولا بد من مذكورين قبلها لأنها إن لم تذكر قبلها جملة ولا أضيف إلى جملة بطل معنى الإحاطة فيها ولم يعقل لها معنى وإنما وجب أن يكون خبرها جمعا لأنها اسم في معنى الجمع فتقول كل ذاهبون إذا تقدم ذكر قوم لأنك معتمد في المعنى عليهم وإن كنت مخبرا عن كل فصارت بمنزلة قولك الرهط ذاهبون والنفر منطلقون لأن الرهط والنفر اسمان مفردان ولكنهما في معنى الجمع والشاهد لما بيناه قوله سبحانه: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ وإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ لم تجد خبرها إلا مفردا للحكمة التي قدمتها قبل وهي أن الأصل إضافتها إلى النكرة المفردة فتقول كل إخوتك ذاهب أي كل واحد منهم ذاهب ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن الإضافة فقلت كل ذاهبون لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها وعلى ما في معناها من معنى الجمع واعتمادها إذا أضيفتها على الاسم المفرد إما لفظا وإما تقديرا كقوله ﷺ: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " رواه البخاري ومسلم ولم يقل راعون ومسئولون ومنه كلكم سيروى ومنه قول عمر: "أو كلكم يجد ثوبين" ولم يقل تجدون ومثله قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ وقال تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ فجمع وقال تعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. فإن قيل: فقد ورد في القرآن ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ وهذا يناقض ما أصلتم؟ قيل: إن في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ دون غيره أما قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين ذكر مؤمنين وظالمين فلو قال: (يعملون) وجمعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف فكان لفظ الإفراد أدل على المعنى المراد كأنه يقول: كل فهو يعمل على شاكلته وأما قوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فلأنه ذكر قرونا وأمما وختم ذكرهم بذكر (قوم تبع) فلو قال كل كذبوا وكل إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة بأنهم كذبوا الرسل فلما قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ﴾ علم أنه يريد كل فريق منهم لأن إفراد الخبر عن كل حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم ومثله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وأما قولنا: في كل إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة فإنما يريد أنها مبتدأة يخبر عنها أو مبتدأة باللفظ منصوبة بفعل بعدها لا قبلها أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها نحو: ﴿وَكُلًا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ وقول الشاعر: بكل تداوينا ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت مفردة كقولك ضربت كلا ومررت بكل وإن لم يقبح كلا ضربت وبكل مررت من أجل أن تقديم العامل عليها يقطعها عن المذكور قبلها في اللفظ لأن العامل اللفظي له صدر الكلام وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيء تعتمد عليه قبلها ولا بعدها فقبح ذلك وأما إذا كان العامل معنويا نحو كل ذاهبون فليس بقاطع لها عما قبلها من المذكورين لأنه لا وجود له في اللفظ فإذا قلت ضربت زيدا وعمرا وخالدا وشتمت كلا وضربت كلا لم يجز ولم يعد بخبر لما قدمناه إذا عرفت هذا فقولك كل إخوتك ضربت سواء رفعت أو نصبت يقتضي وقوع الضرب بكل واحد منهم وإذا قلت كل إخوتك ضربني يقتضي أيضا أن كل واحد منهم ضربك فلو قلت كل إخوتي ضربوني وكل القوم جاءوني احتمل ذلك واحتمل أن يكونوا اجتمعوا في الضرب والمجيء لأنك أخبرت عن جملتهم بخبر واقع عن الجملة بخلاف قولك: كل إخوانك جاءني فإنما هو إخبار عن كل واحد منهم وأن الإخبار بالمجيء عنهم جميعهم فتأمل على هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ كيف أفرد الخبر لأنه لم يرد اجتماعهم فيه وقال تعالى: ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ فجمع لما أريد الاجتماع في المجيء وهذا أحسن مما تقدم من الفرق فتأمله. ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ بل هو تحقيق له وشاهد لأن القنوت هنا هو العبودية العامة التي تشترك فيها أهل السماوات والأرض لا يختص بها بعضهم عن بعض ولا يختص بزمان دون زمان وهي عبودية القهر فالقنوت هنا قنوت قهر وذل لا قنوت طاعة ومحبة وهذا بخلاف قوله تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ فإنه أفرد لما لم يجتمعوا في الفناء. ونظيره قوله ﷺ: "وكلكم مسئول عن رعيته " فإن الله يسأل كل راع بمفرده. ومما جاء مجموعا لاجتماع الخبر قوله تعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ومما أفرد لعدم اجتماع الخبر قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ لأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ فأفرد لما لم يجتمعوا في التكذيب. ونظيره في سورة ق: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ وتأمل كيف كشف قناع هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ كيف أفرد (آتيه) لما كان المقصود الإشارة إلى أنهم وإن أتوه جميعا فكل واحد منهم منفرد عن كل فريق من صاحب أو قريب أو رفيق بل هو وحده منفرد فكأنه إنما أتاه وحده وإن أتاه مع غيره لانقطاع تبعيته للغير وانفراده بشأن نفسه فهذا عندي أحسن من الفرق بالإضافة وقطعها والفرق بذلك فرقه السهيلي رحمه الله تعالى فتأمل الفرقين وستقرأ الأمثلة والشواهد.

الأعراف 7:80

[فَصْلٌ: عُقُوبَةُ اللِّواطِ] وَلَمّا كانَتْ مَفْسَدَةُ اللِّواطِ مِن أعْظَمِ المَفاسِدِ؛ كانَتْ عُقُوبَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن أعْظَمِ العُقُوباتِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ: هَلْ هو أغْلَظُ عُقُوبَةً مِنَ الزِّنا، أوِ الزِّنا أغْلَظُ عُقُوبَةً مِنهُ، أوْ عُقُوبَتُهُما سَواءٌ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: فَذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وخالِدُ بْنُ زَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ومالِكٌ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، والإمامُ أحْمَدُ - في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ - والشّافِعِيُّ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ - إلى أنَّ عُقُوبَتَهُ أغْلَظُ مِن عُقُوبَةِ الزِّنا، وعُقُوبَتُهُ القَتْلُ عَلى كُلِّ حالٍ، مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ. وَذَهَبَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، والشّافِعِيُّ - في ظاهِرِ مَذْهَبِهِ -، والإمامُ أحْمَدُ - في الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ عَنْهُ -، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ: إلى أنَّ عُقُوبَتَهُ وعُقُوبَةَ الزّانِي سَواءٌ. وَذَهَبَ الحاكِمُ وأبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ عُقُوبَتَهُ دُونَ عُقُوبَةِ الزّانِي، وهي التَّعْزِيرُ. قالُوا: لِأنَّهُ مَعْصِيَةٌ مِنَ المَعاصِي لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ ولا رَسُولُهُ ﷺ فِيهِ حَدًّا مُقَدَّرًا، فَكانَ فِيهِ التَّعْزِيرُ، كَأكْلِ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ. قالُوا: ولِأنَّهُ وطْءٌ في مَحَلٍّ لا تَشْتَهِيهِ الطِّباعُ، بَلْ رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى عَلى النَّفْرَةِ مِنهُ حَتّى الحَيَوانُ البَهِيمُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدٌّ كَوَطْءِ الأتانِ وغَيْرِها. قالُوا: ولِأنَّهُ لا يُسَمّى زانِيًا لُغَةً ولا شَرْعًا ولا عُرْفًا، فَلا يَدْخُلُ في النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى حَدِّ الزّانِينَ. قالُوا: وقَدْ رَأيْنا قَواعِدَ الشَّرِيعَةِ، أنَّ المَعْصِيَةَ إذا كانَ الوازِعُ عَنْها طَبِيعِيًّا اكْتُفِيَ بِذَلِكَ الوازِعِ مِنَ الحَدِّ، وإذا كانَ في الطِّباعِ تَقاضِيها، جُعِلَ في الحَدِّ بِحَسَبِ اقْتِضاءِ الطِّباعِ لَها، ولِهَذا جُعِلَ الحَدُّ في الزِّنا والسَّرِقَةِ وشُرْبِ المُسْكِرِ دُونَ أكْلِ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ. قالُوا: وطَرْدُ هَذا، أنَّهُ لا حَدَّ في وطْءِ البَهِيمَةِ ولا المَيِّتَةِ، وقَدْ جَبَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الطِّباعَ عَلى النَّفْرَةِ مِن وطْءِ الرَّجُلِ رَجُلًا مِثْلَهُ أشَدَّ نَفْرَةٍ، كَما جَبَلَها عَلى النَّفْرَةِ مِنَ اسْتِدْعاءِ الرَّجُلِ مَن يَطَؤُهُ بِخِلافِ الزِّنا، فَإنَّ الدّاعِيَ فِيهِ مِنَ الجانِبَيْنِ. قالُوا: ولِأنَّ أحَدَ النَّوْعَيْنِ إذا اسْتَمْتَعَ بِشَكْلِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحَدُّ، كَما تَساحَقَتِ المَرْأتانِ واسْتَمْتَعَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما بِالأُخْرى. قالَ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ: وهو جُمْهُورُ الأُمَّةِ، وحَكاهُ غَيْرُ واحِدٍ إجْماعًا لِلصَّحابَةِ، لَيْسَ في المَعاصِي أعْظَمُ مَفْسَدَةً مِن هَذِهِ المَفْسَدَةِ، وهي تَلِي مَفْسَدَةَ الكُفْرِ، ورُبَّما كانَتْ أعْظَمَ مِن مَفْسَدَةِ القَتْلِ، كَما سَنُبَيِّنُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. قالُوا: ولَمْ يَبْتَلِ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الكَبِيرَةِ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وعاقَبَهم عُقُوبَةً لَمْ يُعاقِبْ بِها أحَدًا غَيْرَهُمْ، وجَمَعَ عَلَيْهِمْ مِن أنْواعِ العُقُوباتِ بَيْنَ الإهْلاكِ، وقَلْبِ دِيارِهِمْ عَلَيْهِمْ، والخَسْفِ بِهِمْ، ورَجْمِهِمْ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ، فَنَكَّلَ بِهِمْ نَكالًا لَمْ يُنَكِّلْهُ أُمَّةً سِواهُمْ، وذَلِكَ لِعِظَمِ مَفْسَدَةِ هَذِهِ الجَرِيمَةِ الَّتِي تَكادُ الأرْضُ تَمِيدُ مِن جَوانِبِها إذا عُمِلَتْ عَلَيْها، وتَهْرُبُ المَلائِكَةُ إلى أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ إذا شاهَدُوها، خَشْيَةَ نُزُولِ العَذابِ عَلى أهْلِها، فَيُصِيبُهم مَعَهُمْ، وتَعِجُّ الأرْضُ إلى رَبِّها تَبارَكَ وتَعالى، وتَكادُ الجِبالُ تَزُولُ عَنْ أماكِنِها، وقَتْلُ المَفْعُولِ بِهِ خَيْرٌ لَهُ مِن وطْئِهِ، فَإنَّهُ إذا وطِئَهُ قَتَلَهُ قَتْلًا لا تُرْجى الحَياةُ مَعَهُ بِخِلافِ قَتْلِهِ فَإنَّهُ مَظْلُومٌ شَهِيدٌ، ورُبَّما يَنْتَفِعُ بِهِ في آخِرَتِهِ. قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى هَذا: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ حَدَّ القاتِلِ إلى خِيَرَةِ الوَلِيِّ، إنْ شاءَ قَتَلَ وإنْ شاءَ عَفا، وحَتَّمَ قَتْلَ اللُّوطِيِّ حَدًّا، كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّرِيحَةُ الَّتِي لا مُعارِضَ لَها، بَلْ عَلَيْها عَمَلُ أصْحابِهِ وخُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ -. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ: أنَّهُ وجَدَ في بَعْضِ ضَواحِي العَرَبِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَما تُنْكَحُ المَرْأةُ، فَكَتَبَ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فاسْتَشارَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَكانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أشَدَّهم قَوْلًا فِيهِ، فَقالَ: ما فَعَلَ هَذا إلّا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ واحِدَةٌ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلَ اللَّهُ بِها، أرى أنْ يُحَرَّقَ بِالنّارِ، فَكَتَبَ أبُو بَكْرٍ إلى خالِدٍ فَحَرَّقَهُ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: يُنْظَرُ أعْلى بِناءٍ في القَرْيَةِ، فَيُرْمى اللُّوطِيُّ مِنها مُنْكَبًّا، ثُمَّ يُتْبَعُ بِالحِجارَةِ. وَأخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدَّ مِن عُقُوبَةِ اللَّهِ قَوْمَ لُوطٍ، وابْنُ عَبّاسٍ هو الَّذِي رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ». رَواهُ أهْلُ السُّنَنِ وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهُ، واحْتَجَّ الإمامُ أحْمَدُ بِهَذا الحَدِيثِ، وإسْنادُهُ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ. قالُوا: وثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللَّهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللَّهُ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» ولَمْ يَجِئْ عَنْهُ لَعْنَةُ الزّانِي ثَلاثَ مَرّاتٍ في حَدِيثٍ واحِدٍ، وقَدْ لَعَنَ جَماعَةً مِن أهْلِ الكَبائِرِ، فَلَمْ يَتَجاوَزْ بِهِمْ في اللَّعْنِ مَرَّةً واحِدَةً، وكَرَّرَ لَعْنَ اللُّوطِيَّةِ، وأكَّدَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وأطْبَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى قَتْلِهِ، لَمْ يَخْتَلِفْ مِنهم فِيهِ رَجُلانِ، وإنَّما اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم في صِفَةِ قَتْلِهِ، فَظَنَّ النّاسُ أنَّ ذَلِكَ اخْتِلافًا مِنهم في قَتْلِهِ، فَحَكاها مَسْألَةَ نِزاعٍ بَيْنَ الصَّحابَةِ، وهي بَيْنَهم مَسْألَةُ إجْماعٍ لا مَسْألَةُ نِزاعٍ. قالُوا: ومَن تَأمَّلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وَقَوْلَهُ في اللِّواطِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]. تَبَيَّنَ لَهُ تَفاوُتُ ما بَيْنَهُما، وأنَّهُ سُبْحانَهُ نَكَّرَ الفاحِشَةَ في الزِّنا، أيْ هو فاحِشَةٌ مِنَ الفَواحِشِ، وعَرَّفَها في اللِّواطِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّهُ جامِعٌ لِمَعانِي اسْمِ الفاحِشَةِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ الرَّجُلُ، ونِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، أيْ أتَأْتُونَ الخَصْلَةَ الَّتِي اسْتَقَرَّ فُحْشُها عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فَهي لِظُهُورِ فُحْشِها وكَمالِهِ غَنِيَّةٌ عَنْ ذِكْرِها، بِحَيْثُ لا يَنْصَرِفُ الِاسْمُ إلى غَيْرِها، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩]. أيِ الفَعْلَةَ الشَّنْعاءَ الظّاهِرَةَ المَعْلُومَةَ لِكُلِّ أحَدٍ. ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ شَأْنَ فُحْشِها بِأنَّها لَمْ يَعْمَلْها أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ قَبْلَهُمْ، فَقالَ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾، ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ بِأنْ صَرَّحَ بِما تَشْمَئِزُّ مِنهُ القُلُوبُ، وتَنْبُو عَنْهُ الأسْماعُ، وتَنْفِرُ مِنهُ الطِّباعُ أشَدَّ نَفْرَةٍ، وهو إتْيانُ الرَّجُلِ رَجُلًا مِثْلَهُ يَنْكِحُهُ كَما يَنْكِحُ الأُنْثى، فَقالَ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ [الأعراف: ٨١]. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى اسْتِغْنائِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وأنَّ الحامِلَ لَهم عَلَيْهِ لَيْسَ إلّا مُجَرَّدَ الشَّهْوَةِ لا الحاجَةَ الَّتِي لِأجْلِها مالَ الذَّكَرُ إلى الأُنْثى، ومِن قَضاءِ الوَطَرِ ولَذَّةِ الِاسْتِمْتاعِ، وحُصُولِ المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ الَّتِي تَنْسى المَرْأةُ لَها أبَوَيْها، وتَذْكُرُ بَعْلَها، وحُصُولِ النَّسْلِ الَّذِي هو حِفْظُ هَذا النَّوْعِ الَّذِي هو أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ، وتَحْصِينِ المَرْأةِ وقَضاءِ وطَرِها، وحُصُولِ عَلاقَةِ المُصاهَرَةِ الَّتِي هي أُخْتُ النَّسَبِ، وقِيامِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ، وخُرُوجِ أحَبِّ الخَلْقِ إلى اللَّهِ مِن جِماعِهِنَّ كالأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والمُؤْمِنِينَ، ومُكاثَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ الأنْبِياءَ بِأُمَّتِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَصالِحِ النِّكاحِ، والمَفْسَدَةُ الَّتِي في اللِّواطِ تُقاوِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وتُرْبِي عَلَيْهِ بِما لا يُمْكِنُ حَصْرُ فَسادِهِ، ولا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهُ إلّا اللَّهُ. ثُمَّ أكَّدَ قُبْحَ ذَلِكَ بِأنَّ اللُّوطِيَّةَ عَكَسُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْها الرِّجالَ، وقَلَبُوا الطَّبِيعَةَ الَّتِي رَكَّبَها اللَّهُ في الذُّكُورِ، وهي شَهْوَةُ النِّساءِ دُونَ الذُّكُورِ، فَقَلَبُوا الأمْرَ، وعَكَسُوا الفِطْرَةَ والطَّبِيعَةَ فَأتَوُا الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ، ولِهَذا قَلَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ دِيارَهُمْ، فَجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، وكَذَلِكَ قُلِبُوا هُمْ، ونُكِّسُوا في العَذابِ عَلى رُؤُوسِهِمْ. ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ قُبْحَ ذَلِكَ بِأنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالإسْرافِ وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١]. فَتَأمَّلْ هَلْ جاءَ مِثْلُ ذَلِكَ أوْ قَرِيبٌ مِنهُ في الزِّنا؟ وَأكَّدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]. ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ الذَّمَّ بِوَصْفَيْنِ في غايَةِ القُبْحِ فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]. وَسَمّاهم مُفْسِدِينَ في قَوْلِ نَبِيِّهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠]. وَسَمّاهم ظالِمِينَ في قَوْلِ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١]. فَتَأمَّلْ مَن عُوقِبَ بِمِثْلِ هَذِهِ العُقُوباتِ، ومَن ذَمَّهُ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذِهِ المَذَمّاتِ، ولَمّا جادَلَ فِيهِمْ خَلِيلُهُ إبْراهِيمُ المَلائِكَةَ، وقَدْ أخْبَرُوهُ بِإهْلاكِهِمْ قِيلَ لَهُ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦]. وَتَأمَّلْ خُبْثَ اللُّوطِيَّةِ وفَرْطَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى اللَّهِ حَيْثُ جاءُوا نَبِيَّهم لُوطًا لَمّا سَمِعُوا بِأنَّهُ قَدْ طَرَقَهُ أضْيافٌ هم مِن أحْسَنِ البَشَرِ صُوَرًا، فَأقْبَلَ اللُّوطِيَّةُ إلَيْهِمْ يُهَرْوِلُونَ، فَلَمّا رَآهم قالَ لَهُمْ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]. فَفَدى أضْيافَهُ بِبَناتِهِ يُزَوِّجُهم بِهِمْ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وأضْيافِهِ مِنَ العارِ الشَّدِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾، فَرَدُّوا عَلَيْهِ، ولَكِنْ رَدَّ جَبّارٍ عَنِيدٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. فَنَفَثَ نَبِيُّ اللَّهِ مِنهُ نَفْثَةَ مَصْدُورٍ خَرَجَتْ مِن قَلْبٍ مَكْرُوبٍ، فَقالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فَنَفَّسَ لَهُ رُسُلُ اللَّهِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ، وأعْلَمُوهُ أنَّهم مِمَّنْ لَيْسُوا يُوصَلُ إلَيْهِمْ، ولا إلَيْهِ بِسَبَبِهِمْ، فَلا تَخَفْ مِنهُمْ، ولا تَعْبَأْ بِهِمْ، وهَوِّنْ عَلَيْكَ، فَقالُوا: ﴿يالُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ وبَشَّرُوهُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ لَهُ ولِقَوْمِهِ مِنَ الوَعِيدِ المُصِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. فاسْتَبْطَأ نَبِيُّ اللَّهِ مَوْعِدَ هَلاكِهِمْ، وقالَ: أُرِيدُ أعْجَلَ مِن هَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فَواللَّهِ ما كانَ بَيْنَ إهْلاكِ أعْداءِ اللَّهِ ونَجاةِ نَبِيِّهِ وأوْلِيائِهِ إلّا ما بَيْنَ السَّحَرِ وطُلُوعِ الفَجْرِ، وإذا بِدِيارِهِمْ قَدِ اقْتُلِعَتْ مِن أصْلِها، ورُفِعَتْ نَحْوَ السَّماءِ حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ نُباحَ الكِلابِ ونَهِيقَ الحَمِيرِ، فَبَرَزَ المَرْسُومُ الَّذِي لا يُرَدُّ مِن عِنْدِ الرَّبِّ الجَلِيلِ، إلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ جِبْرائِيلَ، بِأنْ قَلَبَها عَلَيْهِمْ كَما أخْبَرَ بِهِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] فَجَعَلَهم آيَةً لِلْعالَمِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، ونَكالًا وسَلَفًا لِمَن شارَكَهم في أعْمالِهِمْ مِنَ المُجْرِمِينَ، وجَعَلَ دِيارَهم بِطَرِيقِ السّالِكِينَ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ - وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ - إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٥-٧٧]. أخَذَهم عَلى غِرَّةٍ وهم نائِمُونَ، وجاءَهم بَأْسُهُ وهم في سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ، فَقُلِبَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ آلامًا، فَأصْبَحُوا بِها يُعَذَّبُونَ. ؎مَآرِبُ كانَتْ في الحَياةِ لِأهْلِها ∗∗∗ عَذابًا فَصارَتْ في المَماتِ عَذابًا ذَهَبَتِ اللَّذّاتُ وأعْقَبَتِ الحَسَراتِ، وانْقَضَتِ الشَّهَواتُ، وأوْرَثَتِ الشِّقْواتِ، وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا، وعُذِّبُوا طَوِيلًا، رَتَعُوا مَرْتَعًا وخِيمًا فَأعْقَبَهم عَذابًا ألِيمًا، أسْكَرَتْهم خَمْرَةُ تِلْكَ الشَّهَواتِ، فَما اسْتَفاقُوا مِنها إلّا في دِيارِ المُعَذَّبِينَ، وأرْقَدَتْهم تِلْكَ الغَفْلَةُ، فَما اسْتَيْقَظُوا مِنها إلّا وهم في مَنازِلِ الهالِكِينَ، فَنَدِمُوا واللَّهِ أشَدَّ النَّدامَةِ حِينَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وبَكَوْا عَلى ما أسْلَفُوهُ بَدَلَ الدُّمُوعِ بِالدَّمِ، فَلَوْ رَأيْتَ الأعْلى والأسْفَلَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، والنّارُ تَخْرُجُ مِن مَنافِذِ وُجُوهِهِمْ وأبْدانِهِمْ وهم بَيْنَ أطْباقِ الجَحِيمِ، وهم يَشْرَبُونَ بَدَلَ لَذِيذِ الشَّرابِ كُئُوسَ الحَمِيمِ، ويُقالُ لَهم وهم عَلى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ - اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]. وَقَدْ قَرَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَسافَةَ العَذابِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ وبَيْنَ إخْوانِهِمْ في العَمَلِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم أنْ يَقَعَ الوَعِيدُ: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. ؎فَيا ناكِحِي الذُّكْرانِ يَهْنِيكُمُ البُشْرى ∗∗∗ فَيَوْمَ مَعادِ النّاسِ إنَّ لَكم أجْرًا ؎كُلُوا واشْرَبُوا وازْنُوا ولُوطُوا وأبْشِرُوا ∗∗∗ فَإنَّ لَكم زَفَرًا إلى الجَنَّةِ الحَمْرا ؎فَإخْوانُكم قَدْ مَهَّدُوا الدّارَ قَبْلَكُمُ ∗∗∗ وقالُوا إلَيْنا عَجِّلُوا لَكُمُ البُشْرى وَها نَحْنُ أسْلافٌ لَكم في انْتِظارِكُمُ ؎سَيَجْمَعُنا الجَبّارُ في نارِهِ الكُبْرى ∗∗∗ ولا تَحْسَبُوا أنَّ الَّذِينَ نَكَحْتُمُو ؎يَغِيبُونَ عَنْكم بَلْ تَرَوْنَهم جَهْرًا ∗∗∗ ويَلْعَنُ كُلًّا مِنكُما بِخَلِيلِهِ ؎وَيَشْقى بِهِ المَحْزُونُ في الكَرَّةِ الأُخْرى ∗∗∗ يُعَذِّبُ كُلًّا مِنهُما بِشَرِيكِهِ كَما اشْتَرَكا في لَذَّةٍ تُوجِبُ الوِزْرا [فَصْلُ: دَواءِ اللِّواطِ] فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ مَعَ هَذا كُلِّهِ دَواءٌ لِهَذا الدّاءِ العُضالِ؟ ورُقْيَةٌ لِهَذا السِّحْرِ القَتّالِ؟ وما الِاحْتِيالُ لِدَفْعِ هَذا الخَبالِ؟ وهَلْ مِن طَرِيقٍ قاصِدٍ إلى التَّوْفِيقِ؟ وهَلْ يُمْكِنُ السَّكْرانَ بِخَمْرِ الهَوى أنْ يُفِيقَ؟ وهَلْ يَمْلِكُ العاشِقُ قَلْبَهُ والعِشْقُ قَدْ وصَلَ إلى سُوَيْدائِهِ؟ وهَلْ لِلطَّبِيبِ بَعْدَ ذَلِكَ حِيلَةٌ في بُرْئِهِ مِن سُوَيْدائِهِ؟ وإنْ لامَهُ لائِمٌ التَذَّ بِمَلامِهِ ذِكْرًا لِمَحْبُوبِهِ، وإنْ عَذَلَهُ عاذِلٌ أغْراهُ عَذْلُهُ، وسارَ بِهِ في طَرِيقِ مَطْلُوبِهِ، يُنادِي عَلَيْهِ شاهِدُ حالِهِ بِلِسانِ مَقالِهِ: ؎وَقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتِ فَلَيْسَ ∗∗∗ لِي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ ؎وَأهَنْتِنِي فَأهَنْتُ نَفْسِي جاهِدًا ∗∗∗ ما مَن يَهُونُ عَلَيْكِ مِمَّنْ يُكْرَمُ ؎أشْبَهْتِ أعْدائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهم ∗∗∗ إذْ كانَ حَظِّي مِنكِ حَظِّي مِنهُمْ ؎أجِدُ المَلامَةَ في هَواكِ لَذِيذَةً ∗∗∗ حُبًّا لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ وَلَعَلَّ هَذا هو المَقْصُودُ بِالسُّؤالِ الأوَّلِ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْتاءُ، والدّاءُ الَّذِي طَلَبَ لَهُ الدَّواءَ. قِيلَ: نَعَمْ، الجَوابُ مِن رَأْسٍ: " «ما أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن داءٍ إلّا جَعَلَ لَهُ دَواءً،» عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ ". والكَلامُ في دَواءِ داءِ تَعَلُّقِ القَلْبِ بِالمَحَبَّةِ الهَوائِيَّةِ مِن طَرِيقَيْنِ: أحَدُهُما: حَسْمُ مادَّتِهِ قَبْلَ حُصُولِها. والثّانِي: قَلْعُها بَعْدَ نُزُولِهِ، وكِلاهُما يَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ومُتَعَذِّرٌ عَلى مَن لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ، فَإنَّ أزِمَّةَ الأُمُورِ بِيَدَيْهِ. فَأمّا الطَّرِيقُ المانِعُ مِن حُصُولِ هَذا الدّاءِ، فَأمْرانِ: غَضُّ البَصَرِ كَما تَقَدَّمَ، فَإنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ، ومَن أطْلَقَ لَحَظاتِهِ دامَتْ حَسَراتُهُ. الطَّرِيقُ الثّانِي المانِعُ مِن حُصُولِ تَعَلُّقِ القَلْبِ: اشْتِغالُ القَلْبِ بِما يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ، ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوُقُوعِ فِيهِ، وهو إمّا خَوْفٌ مُقْلِقٌ أوْ حُبٌّ مُزْعِجٌ، فَمَتى خَلا القَلْبُ مِن خَوْفِ ما فَواتُهُ أضَرُّ عَلَيْهِ مِن حُصُولِ هَذا المَحْبُوبِ، أوْ خَوْفِ ما حُصُولُهُ أضَرُّ عَلَيْهِ مِن فَواتِ هَذا المَحْبُوبِ، أوْ مَحَبَّتِهِ ما هو أنْفَعُ لَهُ وخَيْرٌ لَهُ مِن هَذا المَحْبُوبِ، وفَواتُهُ أضَرُّ عَلَيْهِ مِن فَواتِ هَذا المَحْبُوبِ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن عِشْقِ الصُّوَرِ. وَشَرْحُ هَذا: أنَّ النَّفْسَ لا تَتْرُكُ مَحْبُوبًا إلّا لِمَحْبُوبٍ أعْلى مِنهُ، أوْ خَشْيَةَ مَكْرُوهٍ حُصُولُهُ أضَرُّ عَلَيْهِ مِن فَواتِ هَذا المَحْبُوبِ، وهَذا يَحْتاجُ صاحِبُهُ إلى أمْرَيْنِ إنْ فَقَدَهُما أوْ أحَدَهُما لَمْ يَنْتَفِعْ بِنَفْسِهِ. أحَدُهُما: بَصِيرَةٌ صَحِيحَةٌ يُفَرِّقُ بِها بَيْنَ دَرَجاتِ المَحْبُوبِ والمَكْرُوهِ، فَيُؤْثِرُ أعْلى المَحْبُوبَيْنِ عَلى أدْناهُما، ويَحْتَمِلُ أدْنى المَكْرُوهَيْنِ لِيَخْلُصَ مِن أعْلاهُما، وهَذا خاصَّةُ العَقْلِ، ولا يُعَدُّ عاقِلًا مَن كانَ بِضِدِّ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ تَكُونُ البَهائِمُ أحْسَنَ حالًا مِنهُ. الثّانِي: قُوَّةُ عَزْمٍ وصَبْرٍ يَتَمَكَّنُ بِهِ مِن هَذا الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَكَثِيرًا ما يَعْرِفُ الرَّجُلُ قَدْرَ التَّفاوُتِ، ولَكِنْ يَأْبى لَهُ ضَعْفُ نَفْسِهِ وهَمَّتِهِ وعَزِيمَتِهِ عَلى أشْياءَ لا تَنْفَعُ مِن خِسَّتِهِ وحِرْصِهِ ووَضاعَةِ نَفْسِهِ وخِسَّةِ هِمَّتِهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَنْتَفِعُ بِنَفْسِهِ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، وقَدْ مَنَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إمامَةَ الدِّينِ إلّا مِن أهْلِ الصَّبْرِ واليَقِينِ، فَقالَ تَعالى، وبِقَوْلِهِ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِنهُمْ: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. وَهَذا هو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ، ويَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ، وضِدُّهُ لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ في نَفْسِهِ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، فالأوَّلُ يَمْشِي في نُورِهِ ويَمْشِي النّاسُ في نُورِهِ، والثّانِي قَدْ طُفِئَ نُورُهُ، فَهو يَمْشِي في الظُّلُماتِ ومَن تَبِعَهُ في ظُلْمَتِهِ، والثّالِثُ يَمْشِي في نُورِهِ وحْدَهُ. (فائدة) قال أصحاب أحمد: "إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك إذا رأى، لأن خالد ابن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فاستشار أصحاب النبي ﷺ علي بن أبي طالب وكان أشدهم قولا فقال: "إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتهم أرى أن يحرقوا بالنار" فأجمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ على أن يحرقوا بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقوا ثم حرقهم ابن الزبير، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك. ونص أحمد فيمن طعن في الصحابة على أنه قد وجب على السلطان عقوبته، وليس للسلطان أن يعفوا عنه بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب وإلا أعاد عليه العقوبة.

الأعراف 7:96

[فَصْلٌ: المَعاصِي تَمْحَقُ البَرَكَةَ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَمْحَقُ بَرَكَةَ العُمُرِ، وبَرَكَةَ الرِّزْقِ، وبَرَكَةَ العِلْمِ، وبَرَكَةَ العَمَلِ، وبَرَكَةَ الطّاعَةِ. وَبِالجُمْلَةِ أنَّها تَمْحَقُ بَرَكَةَ الدِّينِ والدُّنْيا، فَلا تَجِدُ أقَلَّ بَرَكَةٍ في عُمُرِهِ ودِينِهِ ودُنْياهُ مِمَّنْ عَصى اللَّهَ، وما مُحِقَتِ البَرَكَةُ مِنَ الأرْضِ إلّا بِمَعاصِي الخَلْقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَألَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا - لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦-١٧]. وَإنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ. وَفِي الحَدِيثِ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ، فَإنَّهُ لا يُنالُ ما عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِطاعَتِهِ، وإنَّ اللَّهَ جَعَلَ الرَّوْحَ والفَرَحَ في الرِّضى واليَقِينِ، وجَعَلَ الهَمَّ والحُزْنَ في الشَّكِّ والسُّخْطِ». وَقَدْ تَقَدَّمَ الأثَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ: «أنا اللَّهُ، إذا رَضِيتُ بارَكْتُ، ولَيْسَ لِبَرَكَتِي مُنْتَهًى، وإذا غَضِبْتُ لَعَنْتُ، ولَعْنَتِي تُدْرِكُ السّابِعَ مِنَ الوَلَدِ». وَلَيْسَتْ سَعَةُ الرِّزْقِ والعَمَلِ بِكَثْرَتِهِ، ولا طُولُ العُمُرِ بِكَثْرَةِ الشُّهُورِ والأعْوامِ، ولَكِنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ وطُولَ العُمُرِ بِالبَرَكَةِ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ عُمْرَ العَبْدِ هو مُدَّةُ حَياتِهِ، ولا حَياةَ لِمَن أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ واشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ، بَلْ حَياةُ البَهائِمِ خَيْرٌ مِن حَياتِهِ، فَإنَّ حَياةَ الإنْسانِ بِحَياةِ قَلْبِهِ ورُوحِهِ، ولا حَياةَ لِقَلْبِهِ إلّا بِمَعْرِفَةِ فاطِرِهِ، ومَحَبَّتِهِ، وعِبادَتِهِ وحْدَهُ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والطُّمَأْنِينَةِ بِذِكْرِهِ، والأُنْسِ بِقُرْبِهِ، ومَن فَقَدَ هَذِهِ الحَياةَ فَقَدَ الخَيْرَ كُلَّهُ، ولَوْ تَعَرَّضَ عَنْها بِما تَعَوَّضَ مِمّا في الدُّنْيا، بَلْ لَيْسَتِ الدُّنْيا بِأجْمَعِها عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الحَياةِ، فَمِن كُلِّ شَيْءٍ يَفُوتُ العَبْدَ عِوَضٌ، وإذا فاتَهُ اللَّهُ لَمْ يُعَوِّضْ عَنْهُ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ. وَكَيْفَ يُعَوَّضُ الفَقِيرُ بِالذّاتِ عَنِ الغَنِيِّ بِالذّاتِ، والعاجِزُ بِالذّاتِ عَنِ القادِرِ بِالذّاتِ، والمَيِّتُ عَنِ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، والمَخْلُوقُ عَنِ الخالِقِ، ومَن لا وُجُودَ لَهُ ولا شَيْءَ لَهُ مِن ذاتِهِ ألْبَتَّةَ عَمَّنْ غِناهُ وحَياتُهُ وكَمالُهُ ووُجُودُهُ ورَحْمَتُهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟ وكَيْفَ يُعَوَّضُ مَن لا يَمْلِكُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ عَمَّنْ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ. وَإنَّما كانَتْ مَعْصِيَةُ اللَّهِ سَبَبًا لِمَحْقِ بَرَكَةِ الرِّزْقِ والأجَلِ، لِأنَّ الشَّيْطانَ مُوَكَّلٌ بِها وبِأصْحابِها، فَسُلْطانُهُ عَلَيْهِمْ، وحَوالَتُهُ عَلى هَذا الدِّيوانِ وأهْلِهِ وأصْحابِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ يَتَّصِلُ بِهِ الشَّيْطانُ ويُقارِنُهُ، فَبَرَكَتُهُ مَمْحُوقَةٌ، ولِهَذا شُرِعَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ واللُّبْسِ والرُّكُوبِ والجِماعِ لِما في مُقارَنَةِ اسْمِ اللَّهِ مِنَ البَرَكَةِ، وذِكْرُ اسْمِهِ يَطْرُدُ الشَّيْطانَ فَتَحْصُلُ البَرَكَةُ ولا مُعارِضَ لَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ لا يَكُونُ لِلَّهِ فَبَرَكَتُهُ مَنزُوعَةٌ، فَإنَّ الرَّبَّ هو الَّذِي يُبارِكُ وحْدَهُ، والبَرَكَةُ كُلُّها مِنهُ، وكُلُّ ما نُسِبَ إلَيْهِ مُبارَكٌ، فَكَلامُهُ مُبارَكٌ، ورَسُولُهُ مُبارَكٌ، وعَبْدُهُ المُؤْمِنُ النّافِعُ لِخَلْقِهِ مُبارَكٌ، وبَيْتُهُ الحَرامُ مُبارَكٌ، وكِنانَتُهُ مِن أرْضِهِ، وهي الشّامُ أرْضُ البَرَكَةِ، وصَفَها بِالبَرَكَةِ في سِتِّ آياتٍ مِن كِتابِهِ، فَلا مُبارِكَ إلّا هو وحْدَهُ، ولا مُبارَكَ إلّا ما نُسِبَ إلَيْهِ، أعْنِي إلى أُلُوهِيَّتِهِ ومَحَبَّتِهِ ورِضاهُ، وإلّا فالكَوْنُ كُلُّهُ مَنسُوبٌ إلى رُبُوبِيَّتِهِ وخَلْقِهِ، وكُلُّ ما باعَدَهُ مِن نَفْسِهِ مِنَ الأعْيانِ والأقْوالِ والأعْمالِ فَلا بَرَكَةَ فِيهِ، ولا خَيْرَ فِيهِ، وكُلُّ ما كانَ مِنهُ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ فَفِيهِ مِنَ البَرَكَةِ عَلى حَسَبِ قُرْبِهِ مِنهُ. وَضِدُّ البَرَكَةِ اللَّعْنَةُ؛ فَأرْضٌ لَعَنَها اللَّهُ أوْ شَخْصٌ لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ عَمَلٌ لَعَنَهُ اللَّهُ أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ، وكُلَّما اتَّصَلَ بِذَلِكَ وارْتَبَطَ بِهِ وكانَ مِنهُ بِسَبِيلٍ فَلا بَرَكَةَ فِيهِ ألْبَتَّةَ. وَقَدْ لَعَنَ عَدُوَّهُ إبْلِيسَ وجَعَلَهُ أبْعَدَ خَلْقِهِ مِنهُ، فَكُلُّ ما كانَ جِهَتَهُ فَلَهُ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ بِقَدْرِ قُرْبِهِ واتِّصالِهِ بِهِ، فَمِن هاهُنا كانَ لِلْمَعاصِي أعْظَمُ تَأْثِيرٍ في مَحْقِ بَرَكَةِ العُمُرِ والرِّزْقِ والعِلْمِ والعَمَلِ، وكُلُّ وقْتٍ عَصَيْتَ اللَّهَ فِيهِ، أوْ مالٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ، أوْ بَدَنٍ أوْ جاهٍ أوْ عِلْمٍ أوْ عَمَلٍ فَهو عَلى صاحِبِهِ لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ مِن عُمُرِهِ ومالِهِ وقُوَّتِهِ وجاهِهِ وعِلْمِهِ وعَمَلِهِ إلّا ما أطاعَ اللَّهَ بِهِ. وَلِهَذا مِنَ النّاسِ مَن يَعِيشُ في هَذِهِ الدّارِ مِائَةَ سَنَةٍ أوْ نَحْوَها، ويَكُونُ عُمُرُهُ لا يَبْلُغُ عِشْرِينَ سَنَةً أوْ نَحْوَها، كَما أنَّ مِنهم مَن يَمْلِكُ القَناطِيرَ المُقَنْطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ويَكُونُ مالُهُ في الحَقِيقَةِ لا يَبْلُغُ ألْفَ دِرْهَمٍ أوْ نَحْوَها، وهَكَذا الجاهُ والعِلْمُ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ ﷺ «الدُّنْيا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ ما فِيها، إلّا ذِكْرُ اللَّهِ وما والاهُ، أوْ عالِمٌ أوْ مُتَعَلِّمٌ». وَفِي أثَرٍ آخَرَ: «الدُّنْيا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ ما فِيها إلّا ما كانَ لِلَّهِ» فَهَذا هو الَّذِي فِيهِ البَرَكَةُ خاصَّةً، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

الأعراف 7:99

وَلَوْ بَلَغَ العَبْدُ مِنَ الطّاعَةِ ما بَلَغَ، فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُفارِقَهُ هَذا الحَذَرُ. وقَدْ خافَهُ خِيارُ خَلْقِهِ، وصَفْوَتِهِ مِن عِبادِهِ. قالَ شُعَيْبٌ ﷺ، وقَدْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ [الأعراف: ٨٨]- إلى قَوْلِهِ - ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الأعراف: ٨٩] فَرَدَّ الأمْرَ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ، أدَبًا مَعَ اللَّهِ، ومَعْرِفَةً بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وُوُقُوفًا مَعَ حَدِّ العُبُودِيَّةِ. وكَذَلِكَ قالَ إبْراهِيمُ ﷺ لِقَوْمِهِ - وقَدْ خَوَّفُوهُ بِآلِهَتِهِمْ - فَقالَ ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] فَرَدَّ الأمْرَ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ. وقَدْ قالَ تَعالى ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ: هَلْ يُكْرَهُ أنْ يَقُولَ العَبْدُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ لا تُؤَمِّنِّي مَكْرَكَ؟ فَكانَ بَعْضُ السَّلَفُ يَدْعُو بِذَلِكَ. ومُرادُهُ: لا تَخْذُلْنِي، حَتّى آمَنَ مَكْرَكَ ولا أخافَهُ، وكَرِهَهُ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ. وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ عَنْ إسْحاقَ عَنْ مُطَرِّفٍ: أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لا تُنْسِنِي ذِكْرَكَ، ولا تُؤَمِّنِّي مَكْرَكَ. ولَكِنْ أقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُنْسِنِي ذِكْرَكَ، وأعُوذُ بِكَ أنْ آمَنَ مَكْرَكَ، حَتّى تَكُونَ أنْتَ تُؤَمِّنُنِي. وَبِالجُمْلَةِ: فَمَن أُحِيلَ عَلى نَفْسِهِ، فَقَدْ مُكِرَ بِهِ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ - مَوْلى بَنِي هاشِمٍ - حَدَّثَنا الصَّلْتُ بْنُ طَرِيفٍ المِعْوَلِيِّ حَدَّثَنا غَيْلانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: وجَدْتُ هَذا الإنْسانَ مُلْقًى بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيْنَ الشَّيْطانِ. فَإنْ يَعْلَمِ اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ خَيْرًا: جَبَذَهُ إلَيْهِ. وإنْ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا: وكَلَهُ إلى نَفْسِهِ. ومَن وكَلَهُ إلى نَفْسِهِ فَقَدْ هَلَكَ. وَقالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ: حَدَّثَنا ثابِتٌ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: لَوْ أُخْرِجَ قَلْبِي فَجُعِلَ في يَدِي هَذِهِ في اليَسارِ. وجِيءَ بِالخَيْرِ فَجُعِلَ في هَذِهِ اليُمْنى. ثُمَّ قُرِّبْتُ مِنَ الأُخْرى ما اسْتَطَعْتُ أنْ أُولِجَ في قَلْبِي شَيْئًا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَضَعُهُ. وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَرَحَ مِن أسْبابِ المَكْرِ، ما لَمْ يُقارِنْهُ خَوْفٌ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. وَقالَ قَوْمُ قارُونَ لَهُ ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] فالفَرَحُ مَتى كانَ بِاللَّهِ، وبِما مَنَّ اللَّهُ بِهِ، مُقارِنًا لِلْخَوْفِ والحَذَرِ: لَمْ يَضُرَّ صاحِبَهُ، ومَتى خَلا عَنْ ذَلِكَ: ضَرَّهُ ولا بُدَّ.

الأعراف 7:143

وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن أعلم الخلق به في زمانه وهو كليمه ونجيه وصفيه من أهل الأرض أنه سأل ربه تعالى النظر إليه فقال له ربه تبارك وتعالى: ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوه عديدة: أحدها: أنه لا يظن بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه بل ما هو من أبطل الباطل وأعظم المحال وهو عند فروخ اليونان والصابئة والفرعونية بمنزلة أن يسأله أن يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك مما يتعالى الله عنه، فيا لله العجب كيف صار أتباع الصابئة والمجوس والمشركين عباد الأصنام وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بالله تعالى من موسى بن عمران، وبما يستحيل عليه ويجب له وأشد تنزيها له منه. الوجه الثاني أن الله سبحانه وتعالى لم ينكر عليه سؤاله ولو كان محالا لأنكره عليه، ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه تبارك وتعالى أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ (٤٧)﴾. الوجه الثالث أنه أجابه بقوله ﴿لَنْ تَرانِي﴾ ولم يقل لا تراني ولا إني لست بمرئي ولا تجوز رؤيتي. والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله. وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يرى ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه الوجه الرابع وهو قوله ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف. الوجه الخامس أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه وليس هذا بممتنع في مقدوره بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية ولو كانت مجالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته ولو كانت الرؤيا محالا لكان ذلك نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، فالأمران عندكم سواء. الوجه السادس قوله سبحانه وتعالى ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته تبارك وتعالى فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب عليه فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامتهم ويريهم نفسه؟! فأعلم سبحانه وتعالى موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف. الوجه السابع أن ربه سبحانه وتعالى قد كلمه منه إليه وخاطبه وناجاه وناداه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم أحدا أو يراه أحد، ولهذا سأله موسى عليه السلام النظر إليه وأسمعه كلامه، وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطا به وتكليمه لم يخبره باستحالة ذلك عليه ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله كما لم يثبت الجبل لتجليه وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ فإنما يدل على النفي في المستقبل ولا يدل على دوام النفي ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أطلقت قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾.

الأعراف 7:154

تَأمل حال الكليم مُوسى عَلَيْهِ السَّلام وما آلت إليه محنته وفتونه من أول وِلادَته إلى مُنْتَهى أمره حَتّى كَلمه الله تكليما وقربه مِنهُ وكتب لَهُ التَّوْراة بِيَدِهِ ورَفعه إلى أعلى السَّماوات واحْتمل لَهُ ما لا يحْتَمل لغيره، فَإنَّهُ رمى الألواح على الأرض حَتّى تَكَسَّرَتْ أخذ بلحية نَبِي الله هارُون وجره إليه ولَطم وجه ملك المَوْت ففقأ عينه وخاصم ربه لَيْلَة الإسراء في شَأْن رَسُول الله وربه يُحِبهُ على ذَلِك كُله، ولا سقط شَيْء مِنهُ من عينه، ولا سَقَطت مَنزِلَته عِنْده بل هو الوَجِيه عند الله القَرِيب، ولَوْلا ما تقدم لَهُ من السوابق وتحمل الشدائد والمحن العِظام في الله ومقاسات الأمر الشَّديد بَين فِرْعَوْن وقَومه ثمَّ بني إسْرائِيل وما آذوه بِهِ وما صَبر عَلَيْهِم لله لم يكن ذَلِك. ثمَّ تَأمل حال المَسِيح وصَبره على قومه واحتماله في الله وما تحمله مِنهُم حَتّى رَفعه الله إلَيْهِ وطهره من الَّذين كفرُوا وانتقم من أعدائه وقطعهم في الأرض ومزقهم كل ممزق وسلبهم ملكهم وفخرهم إلى آخر الدَّهْر.

الأعراف 7:155

وقوله تعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ أي اختار منهم، وبهذا يحصل جواب السؤال الذي تورده القدرية يقولون في الكفر والمعاصي هل هي واقعة باختيار الله أم بغير اختياره فإن قلتم باختياره فكل مختار مرضي مصطفى محبوب فتكون مرضية محبوبة له، وإن قلتم بغير اختياره لم يكن بمشيئته واختياره. وجوابه أن يقال ما تعنون بالاختيار العام في اصطلاح المتكلمين وهو المشيئة والإرادة. أم تعنون به الاختيار الخاص الواقع في القرآن والسنة وكلام العرب. وإن أردتم بالاختيار الأول فهي واقعة باختياره بهذا الاعتبار لكن لا يجوز أن يطلق ذلك عليها لما في لفظ الاختيار من معنى الاصطفاء والمحبة بل يقال واقعة بمشيئته وقدرته، وإن أردتم بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب فهي غير واقعة باختياره بهذا المعنى وإن كانت واقعة بمشيئته. فإن قيل فهل تقولون إنها واقعة بإرادته أم لا تطلقون ذلك؟ قيل لفظ الإرادة في كتاب الله نوعان إرادة كونية شاملة لجميع المخلوقات كقوله: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وقوله: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ وقوله: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ونظائر ذلك وإرادة دينية أمرية لا يجب وقوع مرادها كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ وقوله: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ فهي مرادة بالمعنى الأول غير مرادة بالمعنى الثاني. وكذلك إن قيل هل هي واقعة بإذنه أم لا؟ والإذن أيضا نوعان كوني كقوله: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وديني أمري كقوله: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُم﴾ وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ ولفظ الاختيار مشتق من الخير المخالف للشر، ولما كان الأصل في الحي أنه يريد ما ينفعه وما هو خير سميت الإرادة اختيارا وهذا يتضمن أن الإرادة اختيارا لا ترجح نوعا على نوع إلا لمرجح رجح ذلك النوع عند الفاعل. والمقصود أنه يذكر العلم عند التخصيصات كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ لا خلاف بين الناس أن المعنى على علم منا بأنهم أهل الاختيار فالجملة في موضع نصب على الحال أي اخترناهم عالمين بهم وبأحوالهم وما يقتضي اختيارهم من قبل خلقهم. ذكر سبحانه اختيارهم وحكمته في اختياره إياهم وذكر علمه الدال على مواضع حكمته واختياره. (فائدة) "اخترت" أصله أن يتعدى بحرف الجر لأنه يتضمن إخراج شيء من شيء وجاء محذوفا في قوله تعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ لتضمن الفعل معنى فعل غير متعد كأنه نخل قومه وميزهم وسبرهم ونحو ذلك فمن هاهنا والله أعلم أسقط حرف الجر كما سقط من "أمرتك الخير" أي ألزمتك وكلفتك لأن الأمر إلزام وتكليف ومنه تمرون الديار أي تعدونها وتجاوزونها ومنه رحبتك الديار أي وسعتك. (فائدة أخرى) الاختيار تقديم المجرور في باب اخترت وتأخير المفعول المجرد عن حرف الجر فتقول اخترت من الرجال زيدا ويجوز فيه التأخير فإذا أسقطت الحرف لم يحسن تأخير ما كان مجرورا به في الأصل فيقبح أن تقول اخترت زيدا الرجال واخترت عشرة الرجال أي من الرجال لما يوهم من كون المجرور في موضع النعت للعشرة وأنه ليس في موضع المفعول الثاني وأيضا فإن الرجال معرفة فهو أحق بالتقديم للاهتمام به كما لزم في تقديم المجرور الذي هو خبر عن النكرة من قولك في الدار رجل لكون المجرور معرفة وكأنه المخبر عنه فإذا حذفت حرف الجر لم يكن بد من التقديم للاسم الذي كان مجرورا نحو اخترت الرجال عشرة والحكمة في ذلك أن المعنى الداعي الذي من أجله حذف حرف الجر هو معنى غير لفظ فلم يقو على حذف حرف الجر إلا مع اتصاله به وقربه منه ووجه ثان وهو أن القليل الذي اختير من الكثير إذا كان مما يتبعض ثم ولي الفعل الذي هو اخترت توهم أنه مختار منه أيضا لأن كل ما يتبعض يجوز فيه أن يختار وأن يختار منه فألزموه التأخير وقدموا الاسم المختار منه وكان أولى بذلك لما سبق من القول فإن كان مما لا يتبعض نحو زيد وعمرو فربما جاز على قلة في الكلام نحو قول الشاعر: ومنا الذي اختير الرجال سماحة. وليس هذا كقولك اخترت فرسا الخيل لأن الفرس اسم جنس فقد يتبعض مثله ويختار منه وزيد من حيث كان جسما يتبعض ومن حيث كان علما على شيء بعينه لا يتبعض فتأمل هذا الموضع. فإن قيل: فما مقصود موسى بقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبلُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. فقد ذكر فيه وجوه: فقال السدي: لما ماتوا قام موسى يبكي، ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ وقال محمد بن إسحاق: اخترت منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، أرجع إليهم وليس معى منهم رجل واحد؟ فما الذي يصدقونى به، أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ وعلى هذا، فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا. فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك، ولا يتهمونني. وقال الزجاج: المعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل أن تبتليهم بما أوجب عليهم الرجفة. قلت: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود. والذي يظهر - والله أعلم بمراده ومراد نبيه: أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه، وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل، حين عبد قومهم العجل، ولم ينكروا عليهم. يقول موسى: إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم. ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك، ولم تهلكهم، فليسعهم اليوم ما وسعهم من قبل. وهذا كما يقول من وأخذه سيده بجرم: لو شئت وأخذتني من قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم، ولكن وسعني عفوك أولا، فليسعني اليوم. ثم قال نبي الله ﴿أتهْلِكُنا بما فَعَلَ السُّفَهاء مِنّا﴾ فقال ابن الأنباري وغيره: هذا استفهام على معنى الجحد، أي لست تفعل ذلك. والسفهاء هنا: عبدة العجل. قال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ قومهم العجل، فقال: ﴿أتُهْلِكُنا بما فَعَلَ السُّفَهاء مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وإنما كان إهلاكهم بقولهم: ﴿أرِنا اللهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] ثم قال ﴿إنّ هِى إلا فِتْنَتُكَ﴾. وهذا من تمام الاستعطاف، أي ما هي إلا ابتلاؤك واختبارك لعبادك. فأنت ابتليتهم وامتحنتهم، فالأمر كله لك وبيدك، لا يكشفه إلا أنت، كما لم يمتحن به ويختبر به إلا أنت. فنحن عائذون بك منك. ولاجئون منك إليك.

الأعراف 7:157

وقد سمى الله التكاليف الشاقة أغلالا في قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِم﴾ فشبهها بالأغلال لشدتها وصعوبتها قال الحسن: "هي الشدائد التي كانت في العبادة كقطع أثر البول وقتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وتتبع العروق من اللحم" وقال ابن قتيبة: "هي تحريم الله سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد ﷺ وجعلها أغلالا لأن التحريم يمنع كما يقبض الغل اليد". (فصل) إذا كان لا معنى عند نفاة الحكمة عن الرب، والحسن والقبح الفطريين - للمعروف: إلا ما أمر به، فصار معروفا بالأمر فقط، ولا للمنكر: إلا ما نهى عنه. فصار منكرا بنهيه فقط فأي معنى لقوله تعالى: {يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ. وهل حاصل ذلك زائد على أن يقال: يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عما ينهاهم عنه؟ وهذا كلام ينزه عنه كلام آحاد العقلاء، فضلا عن كلام رب العالمين. وهل دلت الآية إلا على أنه أمرهم بالمعروف الذي تعرفه العقول، وتقر بحسنه الفطر، فأمرهم بما هو معروف في نفسه عند كل عقل سليم. ونهاهم عما هو منكر في الطباع والعقول بحيث إذا عرض أمره ونهيه على العقل السليم قبله أعظم قبول، وشهد بحسنه كما قال بعض الأعراب، وقد سئل: بم عرفت أنه رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل: ليته ينهي عنه. ولا نهى عن شيء، فقال: ليته أمر به. فهذا الأعرابي أعرف بالله ودينه ورسوله من هؤلاء، وقد أقر عقله وفطرته بحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه، حتى كان في حقه من أعلام نبوته وشواهد رسالته. ولو كان جهة كونه معروفا ومنكرا هو الأمر المجرد لم يكن فيه دليل. بل كان يطلب له الدليل من غيره. ومن سلك ذلك المسلك الباطل لم يمكنه أن يستدل على صحة نبوته بنفس دعوته ودينه. ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به، والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه، وشواهد نبوته. ومن يثبت لذلك صفات وجودية أوجبت حسنه وقبول العقول ولضده صفات أوجبت قبحه ونفور العقل عنه، فقد سد على نفسه باب الاستدلال بنفس الدعوة، وجعلها مستدلا عليه فقط. ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ فهذا صريح في أن الحلال كان طيبا قبل حله. وأن الخبيث كان خبيثا قبل تحريمه. ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس التحليل والتحريم لوجهين اثنين. أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ، الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل. فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل، ويحرم عليهم ما يحرم. وهذا أيضا باطل. فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني. فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيبا آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معا. فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار الشريعة، ويشرفك على محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها. وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين: أن تكون بخلاف ما وردت به. وأن الله تعالى منزه عن ذلك، كما يتنزه عن سائر ما يليق به. (فَصْلٌ) قالَ السّائِلُ: مَشْهُورٌ عِنْدَكم في الكِتابِ والسُّنَّةِ أنَّ نَبِيَّكم كانَ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لَكِنَّهم مَحَوْهُ عَنْهُما لِسَبَبِ الرِّئاسَةِ والمَأْكَلَةِ، فالعَقْلُ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ، أفَكُلُّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى مَحْوِ اسْمِهِ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِن رَبِّهِمْ شَرْقًا وغَرْبًا جَنُوبًا وشَمالًا؟! هَذا أمْرٌ يَسْتَشْكِلُهُ العَقْلُ أعْظَمُ مِن نَفْيِهِمْ بِألْسِنَتِهِمْ، لِأنَّهُ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ عَمّا قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ والرُّجُوعُ عَمّا مَحَوْا أبْعَدُ. والجَوابُ: أنَّ هَذا السُّؤالَ مَبْنِيٌّ عَلى فَهْمٍ فاسِدٍ، وهو أنَّ المُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ اسْمَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّرِيحَ وهو مُحَمَّدٌ بِالعَرَبِيَّةِ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ - وهُما الكِتابانِ المُتَضَمِّنانِ الشَّرِيعَتَيْنِ - وأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ مَحَوْا ذَلِكَ الِاسْمَ وأسْقَطُوهُ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ الكَنائِسِ، وتَواصَوْا بِذَلِكَ بُعْدًا وقُرْبًا، وشَرْقًا وغَرْبًا. وهَذا لَمْ يَقُلْهُ عالِمٌ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، ولا أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ في كِتابِهِ عَنْهُمْ، ولا رَسُولُهُ، ولا بَكَّتَهم بِهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، ولا قالَهُ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ولا الأئِمَّةُ بَعْدَهُمْ، ولا عُلَماءُ التَّفْسِيرِ، ولا المُعْتَنُونَ بِأخْبارِ الأُمَمِ وتَوارِيخِهِمْ. وإنْ قُدِّرَ أنَّهُ قالَهُ بَعْضُ عَوامِ المُسْلِمِينَ يَقْصِدُ بِهِ نَصْرَ الرَّسُولِ، فَقَدْ قِيلَ: يَضُرُّ الصَّدِيقُ الجاهِلُ أكْثَرَ مِمّا يَضُرُّ العَدُوُّ العاقِلُ. وإنَّما أُتِيَ هَؤُلاءِ مِن قِلَّةِ فَهْمِ القُرْآنِ، وظَنُّوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ دَلَّ عَلى الِاسْمِ الخاصِّ بِالعَرَبِيَّةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ المَخْصُوصَيْنِ، وإنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ ألْبَتَّةَ. فَهَذِهِ ثَلاثُ مَقاماتٍ: الأوَّلُ: أنَّ الرَّبَّ سُبْحانَهُ إنَّما أخْبَرَ عَنْ كَوْنِ رَسُولِهِ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ، أيِ الإخْبارُ عَنْهُ وصِفَتُهُ ومَخْرَجُهُ ونَعْتُهُ، ولَمْ يُخْبِرْ بِأنَّ صَرِيحَ الِاسْمِ العَرَبِيِّ مَذْكُورٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذا واقِعٌ في الكِتابَيْنِ كَما سَنَذْكُرُ ألْفاظَهُما إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذا أبْلَغُ مِن ذِكْرِهِ بِمُجَرَّدِ اسْمِهِ، فَإنَّ الِاشْتِراكَ قَدْ يَقَعُ في الِاسْمِ فَلا يَحْصُلُ التَّعْرِيفُ والتَّمْيِيزُ، ولا يَشاءُ أحَدٌ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ هو إلّا فَعَلَ، إذا الحِوالَةُ إنَّما وقَعَتْ عَلى مُجَرَّدِ الِاسْمِ، وهَذا لا يَحْصُلُ بِهِ بَيانٌ ولا تَعْرِيفٌ ولا هُدًى، بِخِلافِ ذِكْرِهِ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ وعَلاماتِهِ ودَعْوَتِهِ وصِفَةِ أُمَّتِهِ، ووَقْتِ مَخْرَجِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنَّ هَذا يُعَيِّنُهُ ويُمَيِّزُهُ ويَحْصُرُ نَوْعَهُ في شَخْصِهِ. وهَذا القَدْرُ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِها مِنَ النُّبُوّاتِ، الَّتِي بِأيْدِي أهْلِ الكِتابِ كَما سَنَذْكُرُها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى تَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى مَن خالَفَهُ وجَحَدَ نُبُوَّتَهُ، ولا سِيَّما أهْلُ العِلْمِ والكِتابِ، فَإنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ بِما يَعْلَمُونَ بُطْلانَهُ قَطْعًا لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ، وهو بِمَنزِلَةِ مَن يَقُولُ لِرَجُلٍ: عَلامَةُ صِدْقِي أنَّكَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، وصِفَتُكَ كَيْتَ وكَيْتَ، وتَعْرِفُ كَيْتَ وكَيْتَ، ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ بِضِدِّهِ، فَهَذا لا يَصْدُرُ مِمَّنْ لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ، ولا يُصَدِّقُهُ أحَدٌ عَلى ذَلِكَ، ولا يَتْبَعُهُ أحَدٌ، بَلْ يَنْفِرُ العُقَلاءُ كُلُّهم عَنْ تَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ، والعادَةُ تُحِيلُ سُكُوتَهم عَنِ الطَّعْنِ عَلَيْهِ والرَّدِّ والتَّهْجِينِ لِقَوْلِهِ. وَمِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ، وزادَهُ شَرَفًا وصَلاةً وسَلامًا، نادى مُعْلِنًا في هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما أعْلَمُ الأُمَمِ في الأرْضِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِأنَّ ذِكْرَهُ ونَعْتَهُ وصِفَتَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَهم في كُتُبِهِمْ، وهو يَتْلُو عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لَيْلًا ونَهارًا، سِرًّا وجَهارًا في كُلِّ مَجْمَعٍ، وكُلِّ نادٍ، يَدْعُوهم لِذَلِكَ - يَعْنِي إلى تَصْدِيقِهِ والإيمانِ بِهِ - فَمِنهم مَن يُصَدِّقُهُ ويُؤْمِنُ بِهِ، ويُخْبِرُ بِما في كُتُبِهِمْ مَن نَعْتِهِ وصِفَتِهِ وذِكْرِهِ، كَما سَيَمُرُّ بِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَغايَةُ المُكَذِّبِ الجاحِدِ أنْ يَقُولَ: هَذا الوَصْفُ حَقٌّ، ولَكِنْ لَسْتَ أنْتَ المُرادَ بِهِ بَلْ نَبِيٌّ آخَرُ، وهَذا غايَةُ ما يُمْكِنُهُ مِنَ المُكابَرَةِ، ولَمْ تُجْزِ عَنْهُ هَذِهِ المُكابَرَةُ إلّا كَشْفَ عَوْرَتِهِ وإبْداءَ الفَضِيحَةِ بِالكَذِبِ والبُهْتانِ، فَإنَّ الصِّفاتِ والنُّعُوتَ والعَلاماتِ المَذْكُورَةَ عِنْدَهم مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، بِحَيْثُ لا يَشُكُّ مَن عَرَفَها ورَآهُ أنَّهُ هو كَما عَرَفَهُ سَلْمانُ، وكَما عَرَفَهُ هِرَقْلُ بِتِلْكَ العَلاماتِ المَذْكُورَةِ الَّتِي سَألَ عَنْها أبا سُفْيانَ، وطابَقَتْ ما عِنْدَهُ، فَقالَ: إنْ يَكُنْ ما تَقُولُ حَقًّا فَإنَّهُ نَبِيٌّ، وسَيَمْلِكُ ما تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ. وَكَذَلِكَ مَن قَدَّمْنا ذِكْرَهم مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِينَ عَرَفُوهُ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم. قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ وَقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾. وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ إنَّما هي بِالنَّعْتِ والصِّفَةِ المَكْتُوبَةِ عِنْدَهُمُ الَّتِي هي مُنْطَبِقَةٌ عَلَيْهِ، كَما قالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ: واللَّهِ لَأحَدُنا أعْرَفُ بِهِ مِنَ ابْنِهِ، إنَّ أحَدَنا لَيَخْرُجُ مِن عِنْدِ امْرَأتِهِ وما يَدْرِي ما يَحْدُثُ بَعْدَهُ. وَلِهَذا أثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى مَن عَرَفَ الحَقَّ مِنهُمْ، ولَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ اتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا حَضَرَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ يَدَيِ النَّجاشِيِّ وقَرَءُوا القُرْآنَ، سَمِعَ ذَلِكَ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، فانْحَدَرَتْ دُمُوعُهم مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ مِن خِيارِ أصْحابِهِ ثَمانِينَ رَجُلًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَبَكَوْا ورَقُّوا، وقالُوا: نَعْرِفُ واللَّهِ، أنَّهُ الحَقُّ، فَأسْلَمُوا وذَهَبُوا إلى النَّجاشِيِّ فَأخْبَرُوهُ فَأسْلَمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ الآياتِ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةً مِنَ القِسِّيسِينَ وخَمْسَةً مِنَ الرُّهْبانِ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ بَكَوْا وقالُوا: رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، وهُمُ القَوْمُ الصّالِحُونَ الَّذِينَ طَمِعُوا أنْ يُدْخِلَهُمُ اللَّهُ فِيهِمْ، والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ عَرَفُوا أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّعْتِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، فَلَمْ يَمْلِكُوا أعْيُنَهم مِنَ البُكاءِ، وقُلُوبَهم مِنَ المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾. قالَ إمامُ أهْلَ التَّفْسِيرِ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ خَرُّوا سُجَّدًا، وقالُوا: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾. كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ وعَدَ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ أنْ يَبْعَثَ في آخِرِ الزَّمانِ نَبِيًّا عَظِيمَ الشَّأْنِ، يَظْهَرُ دِينُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وتَنْتَشِرُ دَعْوَتُهُ في أقْطارِ الأرْضِ، وعَلى رَأْسِ أُمَّتِهِ تَقُومُ السّاعَةُ. وَأهْلُ الكِتابِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِهَذا النَّبِيِّ، فالسُّعَداءُ مِنهم عَرَفُوا الحَقَّ فَآمَنُوا بِهِ واتَّبَعُوهُ، والأشْقِياءُ قالُوا: نَحْنُ نَنْتَظِرُهُ، ولَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ رَسُولًا، وأُولَئِكَ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ مِنَ الرَّسُولِ عَرَفُوهُ أنَّهُ الرَّسُولُ المَوْعُودُ، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ إيمانًا بِهِ وبِرَسُولِهِ، وتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ الَّذِي أنْجَزَهُ فَرَأوْهُ عِيانًا فَقالُوا: سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا. وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قالَ يُونُسُ - وكانَ نَصْرانِيًّا فَأسْلَمَ -: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ: بِسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، مِن مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إلى أُسْقُفِّ نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ (سَلَمٌ أنْتُمْ) إنِّي أحْمَدُ إلَيْكم إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، أمّا بَعْدُ فَإنِّي أدْعُوكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ العِبادِ، وأدْعُوكم إلى وِلايَةِ اللَّهِ مِن وِلايَةِ العِبادِ، فَإنْ أبَيْتُمْ فالجِزْيَةَ، فَإنْ أبَيْتُمْ فَقَدَ آذَنْتُكم بِحَرْبٍ، والسَّلامُ. فَلَمّا أتى الأُسْقُفَّ الكِتابُ وقَرَأهُ قَطَعَ بِهِ، وذُعِرَ مِنهُ ذُعْرًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ عُمانَ، يُقالُ لَهُ: شُرَحْبِيلُ بْنُ وداعَةَ، وكانَ مِن هَمَذانَ ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يُدْعى إلى مُعْضِلَةٍ قَبْلَهُ، فَدَفَعَ الأُسْقُفُّ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى شُرَحْبِيلَ فَقَرَأهُ، فَقالَ الأُسْقُفُّ: ما رَأْيُكَ يا أبا مَرْيَمَ؟ فَقالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتَ ما وعَدَ اللَّهُ إبْراهِيمَ في ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَما نَأْمَنُ أنْ يَكُونَ هَذا هو ذاكَ الرَّجُلُ؟، لَيْسَ لِي في النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كانَ أمْرًا مِنَ الدُّنْيا أشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ بِرَأْيٍ وجَهِدْتُ لَكَ. فَقالَ: تَنَحَّ فاجْلِسْ، فَتَنَحّى فَجَلَسَ ناحِيَةً. فَبَعَثَ الأُسْقُفُّ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ وهو فَتًى مِن ذِي أصْبَحَ مِن حِمْيَرَ، فَأقْرَأهُ الكِتابَ وسَألَهُ عَنِ الرَّأْيِ، فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فَقالَ لَهُ الأُسْقُفُّ: نَحِّ فاجْلِسْ، فَجَلَسَ ناحِيَةً. فَبَعَثَ الأُسْقُفُّ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ، يُقالُ لَهُ: جَبّارُ بْنُ فَيْضٍ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَأقْرَأهُ الكِتابَ وسَألَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ وعَبْدِ اللَّهِ، فَأمَرَهُ الأُسْقُفَّ فَتَنَحّى ناحِيَةً. فَلَمّا اجْتَمَعَ الرَّأْيُ مِنهم عَلى تِلْكَ المَقالَةِ جَمِيعًا أمَرَ الأُسْقُفُّ بِالنّاقُوسِ فَضُرِبَ بِهِ، ورُفِعَتِ المُسُوحُ بِالصَّوامِعِ، وكَذَلِكَ كانُوا يَفْعَلُونَ إذا فَزِعُوا بِالنَّهارِ، وإذا كانَ فَزَعُهم بِاللَّيْلِ ضُرِبَ بِالنّاقُوسِ، ورُفِعَتِ النِّيرانُ في الصَّوامِعِ، فاجْتَمَعَ أهْلُ الوادِي أعْلاهُ وأسْفَلُهُ، وطُولُهُ مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلرّاكِبِ السَّرِيعِ، وفِيهِ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ قَرْيَةً وعِشْرُونَ ومِائَةُ ألْفِ مُقاتِلٍ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَألَهم عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُ أهْلِ الرَّأْيِ أنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ وداعَةَ الهَمَذانِيَّ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ، وجَبّارَ بْنَ فَيْضٍ، فَيَأْتُوا بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فانْطَلَقَ الوَفْدُ حَتّى إذا كانُوا بِالمَدِينَةِ، وضَعُوا ثِيابَ السَّفَرِ عَنْهُمْ، ولَبِسُوا حُلَلًا لَهم يَجُرُّونَها مِن حِبَرَةٍ وخَواتِيمِ الذَّهَبِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا حَتّى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَصَدَّوْا لِكَلامِهِ نَهارًا طَوِيلًا، فَلَمْ يُكَلِّمْهم وعَلَيْهِمْ تِلْكَ الحُلَلُ والخَواتِيمُ الذَّهَبُ، فانْطَلَقُوا يَتَّبِعُونَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وكانا مَعْرِفَةً لَهُمْ، كانا يَبْعَثانِ العِيرَ إلى نَجْرانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَيَشْتَرِي لَهُما مِن بُرِّها وثَمَرِها، فَوَجَدُوهُما في ناسٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ في مَجْلِسٍ، فَقالُوا: يا عُثْمانُ، ويا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إنَّ نَبِيَّكم كَتَبَ إلَيْنا بِكِتابٍ، فَأقْبَلْنا مُجِيبِينَ لَهُ، فَأتَيْناهُ فَسَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ سَلامَنا، فَتَصَدَّيْنا لِكَلامِهِ نَهارًا طَوِيلًا فَأعْيانا أنْ يُكَلِّمَنا، فَما الرَّأْيُ مِنكُما، أنَعُودُ أمْ نَرْجِعُ إلَيْهِ؟ فَقالا لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - وهو في القَوْمِ -: ما تَرى يا أبا الحَسَنِ في هَؤُلاءِ القَوْمِ؟ فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعُثْمانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أرى أنْ يَضَعُوا حُلَلَهم هَذِهِ وخَواتِيمَهم ويَلْبَسُوا ثِيابَ سَفَرِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ. فَفَعَلَ وفَدُ نَجْرانَ ذَلِكَ، ووَضَعُوا حُلَلَهم وخَواتِيمَهُمْ، ثُمَّ عادُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمُوا فَرَدَّ سَلامَهُمْ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ نَبِيًّا لَقَدْ أتَوْنِي في المَرَّةِ الأُولى وإنَّ إبْلِيسَ لَمَعَهُمْ، ثُمَّ سَألَهم وسَألُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وبِهِمُ المَسْألَةُ حَتّى قالُوا لَهُ: ما تَقُولُ في عِيسى؟ فَإنّا نُحِبُّ أنْ نَعْلَمَ ما تَقُولُ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ، فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَما أخْبَرَهُمُ الخَبَرَ أقْبَلُ مُشْتَمِلًا عَلى الحَسَنِ والحُسَيْنِ في خَمِيلٍ لَهُ، وفاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ إلى المُلاعَنَةِ، ولَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقالَ شُرَحْبِيلُ لِصاحِبَيْهِ: يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ، ويا جَبّارَ بْنَ فَيْضٍ، قَدْ عَلِمْتُما أنَّ الوادِيَ إذا اجْتَمَعَ أعْلاهُ وأسْفَلُهُ لَمْ يَرِدُوا ولَمْ يُصْدِرُوا إلّا عَنْ رَأْيِي، وإنِّي واللَّهِ أرى أمْرًا مُقْبِلًا، واللَّهِ لَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ مَلِكًا مَبْعُوثًا فَكُنّا أوَّلَ العَرَبِ طَعْنًا في عَيْنِهِ ورَدِّ عَلَيْهِ أمْرِهِ، لا يَذْهَبُ لَنا مِن صَدْرِهِ ولا مِن صُدُورِ قَوْمِهِ حَتّى يُصِيبَنا بِجائِحَةٍ، وإنّا لَأدْنى العَرَبِ مِنهم جِوارًا، ولَئِنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَلاعَنّاهُ لا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنّا شَعْرَةٌ ولا ظُفُرٌ إلّا هَلَكَ، فَقالَ لَهُ صاحِباهُ: فَما الرَّأْيُ يا أبا مَرْيَمَ؟ فَقَدْ وضَعَتْكَ الأُمُورُ عَلى ذِراعٍ فَهاتِ رَأْيَكَ، فَقالَ: رَأْيِي أنْ أُحَكِّمَهُ، فَإنِّي أرى الرَّجُلَ لا يَحْكُمُ شَطَطًا أبَدًا، فَقالا لَهُ: أنْتَ وذاكَ. فَلَقِيَ شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ خَيْرًا مِن مُلاعِنَتِكَ، فَقالَ: وما هُوَ؟ قالَ شُرَحْبِيلُ: حَكَّمْتُكَ اليَوْمَ إلى اللَّيْلِ ولَيْلَتَكَ إلى الصَّباحِ، فَمَهْما حَكَمْتَ فِينا فَهو جائِزٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَعَلَّ وراءَكَ أحَدًا يُثَرِّبُ عَلَيْكَ؟ فَقالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: سَلْ صاحِبَيَّ، فَسَألَهُما فَقالا: ما تَرِدُ المَوارِدُ ولا تَصْدُرُ إلّا عَنْ رَأْيِ شُرَحْبِيلَ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُلاعِنْهُمْ، حَتّى إذا كانَ الغَدُ أتَوْهُ فَكَتَبَ لَهم كِتابَ صُلْحٍ ومُوادَعَةٍ، فَقَبَضُوا كِتابَهم وانْصَرَفُوا إلى نَجْرانَ. فَتَلَقّاهُمُ الأُسْقُفُّ، ووُجُوهُ نَجْرانَ عَلى مَسِيرِ لَيْلَةٍ مِن نَجْرانَ، ومَعَ الأُسْقُفِّ أخٌ لَهُ مِن أُمِّهِ، وهو ابْنُ عَمِّهِ مِنَ النَّسَبِ يُقالُ لَهُ أبُو عَلْقَمَةَ، فَدَفَعَ الوَفْدُ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الأُسْقُفِّ، فَبَيْنَما هو يَقْرَؤُهُ وأبُو عَلْقَمَةَ مَعَهُ وهُما يَسِيرانِ إذْ كُبَّتْ بِأبِي عَلْقَمَةَ ناقَتُهُ، فَتَعَّسَ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُكَنِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ الأُسْقُفُّ عِنْدَ ذَلِكَ: قَدْ واللَّهِ تَعَّسْتَ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَقالَ لَهُ أبُو عَلْقَمَةَ: لا جَرَمَ واللَّهِ لا أحِلُّ عَنْها عَقْدًا حَتّى آتِيَهُ، فَضَرَبَ وجْهَ ناقَتِهِ نَحْوَ المَدِينَةِ، وثَنى الأُسْقُفُّ ناقَتَهُ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ: افْهَمْ عَنِّي، إنَّما قُلْتُ هَذا لِيَبْلُغَ عَنِّي العَرَبَ مَخافَةَ أنْ يَرَوْا أنّا أخَذَتْنا حُمْقَةٌ، أوْ نَجَعْنا لِهَذا الرَّجُلِ بِما لَمْ يَنْجَعْ بِهِ العَرَبُ، ونَحْنُ أعَزُّهم وأجْمَعُهم دارًا. فَقالَ لَهُ أبُو عَلْقَمَةَ: واللَّهِ لا أقْبَلُكَ بَعْدَ ما خَرَجَ مِن رَأْسِكَ أبَدًا، ثُمَّ ضَرَبَ ناقَتَهُ وهو يَقُولُ: ؎إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها مُخالِفًا دِينَ النَّصارى دِينُها حَتّى أتى النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَإذا عُرِفَ هَذا فالعِلْمُ بِأنَّهُ ﷺ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ يُعْرَفُ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: أحَدُها: إخْبارُ مَن قَدْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ قَطْعًا بِأنَّهُ مَذْكُورٌ عِنْدَهم في كُتُبِهِمْ، فَقَدْ أخْبَرَ بِهِ مَن قامَ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ عَلى صِدْقِهِ فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، إذْ تَكْذِيبُهُ والحالَةُ هَذِهِ مُمْتَنِعٌ لِذاتِهِ، هَذا لَوْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ إلّا مِن مُجَرَّدِ خَبَرِهِ، فَكَيْفَ إذا تَطابَقَتِ الأدِلَّةُ عَلى صِحَّةِ ما أخْبَرَ بِهِ. الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الإخْبارَ بِهِ مِن أعْظَمِ أدِلَّةِ صِدْقِهِ وصِفَةِ نُبُوَّتِهِ، وهَذا يَسْتَحِيلُ أنْ يَصْدُرَ إلّا مِن واثِقٍ كُلَّ الوُثُوقِ بِذَلِكَ وأنَّهُ عَلى يَقِينٍ جازِمٍ بِهِ. الثّالِثُ: أنَّ المُؤْمِنِينَ بِهِ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ الَّذِي آثَرُوا الحَقَّ عَلى الباطِلِ صَدَّقُوهُ في ذَلِكَ وشَهِدُوا لَهُ بِما قالَ. الرّابِعُ: أنَّ المُكَذِّبِينَ الجاحِدِينَ لِنُبُوَّتِهِ لَمْ يُمْكِنْهم إنْكارُ البِشارَةِ والإخْبارُ بِنُبُوَّتِهِ وأنَّهُ نَبِيٌّ عَظِيمُ الشَّأْنِ صِفَتُهُ كَذا وكَذا، ونَعْتُهُ كَذا وكَذا، وصِفَةُ أُمَّتِهِ ومَخْرَجُهُ، ومَنشَؤُهُ، وشَأْنُهُ، لَكِنَّهم جَحَدُوا أنَّهُ هو الَّذِي وقَعَتْ بِهِ البِشارَةُ، وأنَّهُ نَبِيٌّ آخَرُ غَيْرُهُ، وعَلِمُوا هم والمُؤْمِنُونَ بِهِ مِن قَوْمِهِمْ أنَّهم رَكِبُوا مَتْنَ المُكابَرَةِ وامْتَطَوْا غارِبَ البَهْتِ. الخامِسُ: أنَّ كَثِيرًا مِنهم صَرَّحَ لِخاصَّتِهِ وبِطانَتِهِ بِأنَّهُ هو بِعَيْنِهِ، وأنَّهُ عازِمٌ عَلى عَداوَتِهِ ما بَقِيَ كَما تَقَدَّمَ. السّادِسُ: أنَّ إخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ إخْباراتِهِ بِما عِنْدَهم في كُتُبِهِمْ مِن شَأْنِ أنْبِيائِهِمْ وقَوْمِهِمْ، وما جَرى لَهُمْ، وقَصَصِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ وأُمَمِهِمْ، وشَأْنِ المَبْدَأِ والمَعادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ فِيهِ، ومُطابَقَتَهُ لِما عِنْدَهُمْ، وتِلْكَ الأخْبارُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ولَمْ يُكَذِّبُوهُ يَوْمًا واحِدًا في شَيْءٍ مِنها، وكانُوا أحْرَصَ شَيْءٍ عَلى أنْ يَظْفَرُوا مِنهُ بِكَذِبَةٍ واحِدَةٍ أوْ غَلْطَةٍ أوْ سَهْوٍ فَيُنادُونَ بِها عَلَيْهِ، ويَجِدُونَ بِها السَّبِيلَ إلى تَنْفِيرِ النّاسِ عَنْهُ، فَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، ولَمْ يَظْفَرُوا بِقَوْلٍ أنَّهُ أخْبَرَ بِكَذا وكَذا في كُتُبِنا وهو كاذِبٌ فِيهِ، بَلْ كانُوا يُصَدِّقُونَهُ في ذَلِكَ، وهم مُصِرُّونَ عَلى عَدَمِ اتِّباعِهِ، وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى صِدْقِهِ فِيما أخْبَرَ بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعَلَمُ إلّا بِمُجَرَّدِ خَبَرِهِ. السّابِعُ: أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا لِأعْدائِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم وأخْبَرَ بِهِ لِأعْدائِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ وأخْبَرَ بِهِ لِأتْباعِهِ، فَلَوْ كانَ هَذا باطِلًا لا صِحَّةَ لَهُ، لَكانَ ذَلِكَ تَسْلِيطًا لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ، فَيُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وتَسْلِيطًا لِأهْلِ الكِتابِ عَلى الإنْكارِ، وتَسْلِيطًا لِأتْباعِهِ عَلى الرُّجُوعِ عَنْهُ، والتَّكْذِيبِ لَهُ بَعْدَ تَصْدِيقِهِ، وذَلِكَ يَنْقُضُ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِإخْبارِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وهو بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ يُخْبِرُ بِما يَشْهَدُ بِكَذِبِهِ، ويَجْعَلُ إخْبارَهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ ويَجْعَلُ إخْبارَهُ تَصْدِيقًا، وهَذا لا يَصْدُرُ مِن عاقِلٍ ولا مَجْنُونٍ. فَهَذِهِ الوُجُوهُ يُعْلَمُ بِها صِدْقُ ما أخْبَرَ بِهِ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ مِن غَيْرِ جِهَةِ إخْبارِهِ، فَكَيْفَ وقَدْ عُلِمَ وُجُودُ ما أخْبَرَ بِهِ. الثّامِنُ: أنَّهُ إنْ قُدِّرَ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِشارَةَ الأنْبِياءِ بِهِ، وإخْبارَهم بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يَكُونُوا ذَكَرُوهُ وأخْبَرُوا بِهِ وبَشَّرُوا بِنُبُوَّتِهِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ما قالَهُ الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ وصَلَ إلى المُتَأخِّرِينَ وأحاطُوا بِهِ عِلْمًا، وهَذا مِمّا يُعْلَمُ بِالاضْطِرادِ، فَكَمْ مِن قَوْلٍ قَدْ قالَهُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا عِلْمَ لِلْيَهُودِ والنَّصارى بِهِ، فَإذا أخْبَرَ بِهِ مَن قامَ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ عَلى صِدْقِهِ لَمْ يَكُنْ جَهْلُهم بِهِ مُوجِبًا لِرَدِّهِ وتَكْذِيبِهِ. التّاسِعُ: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في نُسَخٍ غَيْرِ هَذِهِ النُّسَخِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ، فَأُزِيلَ مِن بَعْضِها، ونُسِخَتْ هَذِهِ مِمّا أُزِيلُ مِنهُ. وقَوْلُهم إنَّ نُسَخَ التَّوْراةِ مُتَّفِقَةٌ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها - كَذِبٌ ظاهِرٌ، فَهَذِهِ التَّوْراةُ الَّتِي بِأيْدِي النَّصارى، تُخالِفُ التَّوْراةَ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ، والَّتِي بِأيْدِي السّامِرَةِ تُخالِفُ هَذِهِ وهَذِهِ، وهَذِهِ نُسَخُ الإنْجِيلِ يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضًا، ويُناقِضُهُ، فَدَعْواهم أنَّ نُسَخَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ شَرْقًا وغَرْبًا مِنَ البَهْتِ والكَذِبِ الَّذِي يُرَوِّجُونَهُ عَلى أشْباهِ الأنْعامِ، حَتّى أنَّ هَذِهِ التَّوْراةَ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ فِيها مِنَ الزِّيادَةِ والتَّحْرِيفِ والنُّقْصانِ مِمّا لا يَخْفى عَلى الرّاسِخِينَ في العِلْمِ، وهم يَعْلَمُونَ قَطْعًا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في التَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ حِكايَةَ نُزُولِ الألْواحِ، وكَيْفَ رَمى بِها مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِصَّةِ وفاةِ مُوسى. وَنَفْسُ الألْواحِ كانَتْ هي التَّوْراةُ، ووَفاةُ مُوسى إنَّما حَدَثَتْ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ بِسِنِينَ عَدِيدَةٍ. وَمِنها حِكايَةُ مُوسى أنَّهُ نَسَخَ ما في الألْواحِ بِخَطِّهِ، ولا في الإنْجِيلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وَكَيْفَ يَكُونُ في الإنْجِيلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَسِيحِ قِصَّةُ صَلْبِهِ، وما جَرى لَهُ، وأنَّهُ كَذا وكَذا وصُلِبَ يَوْمَ كَذا وكَذا، وصُلِبَ ودُفِنَ وقامَ مِنَ القَبْرِ بَعْدَ ثَلاثٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مِن كَلامِ شُيُوخِ النَّصارى، وغايَتُهُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الحَوارِيِّينَ خَلَطُوهُ بِالإنْجِيلِ وسَمَّوُا الجَمِيعَ إنْجِيلًا، ولِذَلِكَ كانَتِ الأناجِيلُ عِنْدَهم أرْبَعَةً يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضًا. وَمِن بُهْتِهِمْ وكَذِبِهِمْ قَوْلُهُمْ: إنَّ التَّوْراةَ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي اليَهُودِ والسّامِرَةِ سَواءٌ. والنَّصارى لا يُقِرُّونَ أنَّ الإنْجِيلَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلى المَسِيحِ، وأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، بَلْ كُلُّ فِرَقِهِمْ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّها أرْبَعَةُ (أناجِيلَ) تَوارِيخَ ألَّفَها أرْبَعَةُ رِجالٍ مَعْرُوفُونَ في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ولا يَعْرِفُونَ الإنْجِيلَ عَلى غَيْرِ هَذا. إنْجِيلٌ ألَّفَهُ (مَتّى) تِلْمِيذُ المَسِيحِ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِن رَفْعِ المَسِيحِ، وكُتِبَ بِالعِبْرانِيَّةِ في بَلَدِ يَهُودا بِالشّامِ. وَإنْجِيلٌ ألَّفَهُ (مُرْقُسُ) الهارُونِيُّ تِلْمِيذُ شَمْعُونَ بَعْدَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِن رَفْعِ المَسِيحِ، وكَتَبَهُ بِاليُونانِيَّةِ في بَلَدِ أنْطاكِيَةَ مِن بِلادِ الرُّومِ، ويَقُولُونَ إنَّ شَمْعُونَ المَذْكُورَ هو ألَّفَهُ، ثُمَّ مُحِيَ اسْمُهُ مِن أوَّلِهِ ونُسِبَ إلى تِلْمِيذِهِ مُرْقُسَ. وَإنْجِيلٌ ألَّفَهُ (لُوقا) الطَّبِيبُ الأنْطاكِيُّ تِلْمِيذُ شَمْعُونَ بَعْدَ تَأْلِيفِ مُرْقُسَ. وَإنْجِيلٌ ألَّفَهُ (يُوحَنّا) تِلْمِيذُ المَسِيحِ (بَعْدَ رَفْعِهِ) بِبِضْعٍ وسِتِّينَ سَنَةً، كَتَبَهُ بِاليُونانِيَّةِ. وَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ يُسَمُّونَهُ الإنْجِيلَ، وبَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ ما يَعْلَمُهُ الواقِفُ عَلَيْها، وبَيْنَ تَوْراةِ السّامِرَةِ واليَهُودِ والنَّصارى مِن ذَلِكَ ما يَعْلَمُهُ الواقِفُ عَلَيْها. فَدَعْوى الكاذِبِ الباحِثِ أنَّ نُسَخَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ شَرْقًا وغَرْبًا، بُعْدًا وقُرْبًا مِن أعْظَمِ الفِرْيَةِ والكَذِبِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ ما بَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والتَّناقُضِ، لِمَن أرادَ الوُقُوفَ عَلَيْها، ولَوْلا الإطالَةُ وقَصْدُ ما هو أهَمُّ مِنهُ لَذَكَرْنا مِنهُ طَرَفًا كَبِيرًا. وَقَدْ وبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى سُبْحانَهُ وجُلَّ شَأْنُهُ، وبَكَّتَهم عَلى لِسانِ رَسُولِهِ بِالتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ والإخْفاءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وَأمّا التَّحْرِيفُ: فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وكَذَلِكَ لَيُّ اللِّسانِ بِالكِتابِ لِيَحْسَبَهُ السّامِعُ مِنهُ وما هو مِنهُ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ: أحَدُها: لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ، وهو خَلْطُهُ بِهِ بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. الثّانِي: كِتْمانُ الحَقِّ. الثّالِثُ: إخْفاؤُهُ وهو قَرِيبٌ مِن كِتْمانِهِ. الرّابِعُ: تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ، وهو نَوْعانِ: تَحْرِيفُ لَفْظِهِ، وتَحْرِيفُ مَعْناهُ. الخامِسُ: لَيُّ اللِّسانِ بِهِ لِيَلْتَبِسَ عَلى السّامِعِ اللَّفْظُ المُنَزَّلُ بِغَيْرِهِ. وَهَذِهِ الأُمُورُ إنَّما ارْتَكَبُوها لِأغْراضٍ لَهم دَعَتْهم إلى ذَلِكَ. فَإذا عادَوُا الرَّسُولَ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وكَذَّبُوهُ وقاتَلُوهُ، فَهم إلى أنْ يَجْحَدُوا نَعْتَهُ وصِفَتَهُ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ ويُزِيلُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَتَأوَّلُوهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ - أقْرَبُ بِكَثِيرٍ، وهَكَذا فَعَلُوا، ولَكِنْ لِكَثْرَةِ البِشاراتِ وَتَنَوُّعِها غُلِبُوا عَلى كِتْمانِها وإفْضائِها فَصارُوا إلى تَحْرِيفِ التَّأْوِيلِ وإزالَةِ مَعْناها عَمّا لا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وجَعْلِها لِمَعْدُومٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعالى ولا وُجُودَ لَهُ ألْبَتَّةَ. العاشِرُ: أنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بِعُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ شَهِدَ لَهُ عُدُولُهم فَلا يَقْدَحُ جَحْدُ الكَفَرَةِ الكاذِبِينَ المُعانِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. وَقالَ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾. وَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾. وَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾. وَإذا شَهِدَ واحِدٌ مِن هَؤُلاءِ لَمْ يُوزَنْ بِهِ مِلْءُ الأرْضِ مِنَ الكَفَرَةِ، ولا تُعارَضُ شَهادَتُهُ بِجُحُودِ مِلْءِ الأرْضِ مِنَ الكَفَرَةِ، كَيْفَ والشّاهِدُ لَهُ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ أضْعافُ أضْعافِ المُكَذِّبِينَ لَهُ مِنهُمْ؟ وَلَيْسَ كُلُّ مَن قالَ مِن أشْباهِ الحَمِيرِ مِن عُبّادِ الصَّلِيبِ وأُمَّةِ الغَضَبِ، أنَّهُ مِن عُلَمائِهِمْ فَهو كَذَلِكَ - يَعْنِي عالِمًا -، كَما قالُوا، وإذا كانَ أكْثَرُ عَوامِ المُسْلِمِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُ مِن عُلَمائِهِمْ - يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ - لَيْسَ كَذَلِكَ فِيما ظَنَّ بِغَيْرِهِمْ؟ يَعْنِي عُلَماءَ المُسْلِمِينَ - . وَعُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَلَيْسَ عُلَماؤُهم إلّا مَن آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ، وإنْ دَخَلَ فِيهِمْ مَن عَلِمَ ولَمْ يَعْمَلْ كَعُلَماءِ السُّوءِ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم نُبُوَّتَهُ قادِحًا في شَهادَةِ العُلَماءِ القائِلِينَ بِعِلْمِهِمْ. الحادِي عَشَرَ: أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أنَّهُ لا ذِكْرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَعْتِهِ ولا صِفَتِهِ ولا عَلامَتِهِ في الكُتُبِ الَّتِي بِأيْدِي أهْلِ الكِتابِ اليَوْمَ، لَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ مَذْكُورًا في الكُتُبِ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي أسْلافِهِمْ وقْتَ مَبْعَثِهِ ولا تَكُونُ اتَّصَلَتْ عَلى وجْهِها إلى هَؤُلاءِ، بَلْ حَرَّفَها أُولَئِكَ وبَدَّلُوا وكَتَمُوا، تَواصَوْا وكَتَبُوا ما أرادُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ اشْتُهِرَتْ تِلْكَ الكُتُبُ وتَناقَلَها خَلَفُهم عَنْ سَلَفِهِمْ، فَصارَتِ المُغَيَّرَةُ المُبْدَلَةُ هي المَشْهُورَةُ، والصَّحِيحَةُ بَيْنَهم خَفِيَّةٌ جِدًّا، ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، بَلْ هو في غايَةِ الإمْكانِ. فَهَؤُلاءِ السّامِرَةُ غَيَّرُوا مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ ثُمَّ اشْتُهِرَتِ النُّسَخُ المُغَيَّرَةُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فَلا يَعْرِفُونَ سِواها، وهُجِرَتْ بَيْنَهُمُ النُّسْخَةُ الصَّحِيحَةُ بِالكُلِّيَّةِ، وكَذَلِكَ التَّوْراةُ الَّتِي بِأيْدِي النَّصارى. وَهَكَذا تُبَدَّلُ الأدْيانُ والكُتُبُ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَوَلّى حِفْظَ القُرْآنِ بِذاتِهِ وضَمَنَ لِلْأُمَّةِ أنْ لا تَجْتَمِعَ عَلى ضَلالَةٍ - لَأصابَهُ ما أصابَ الكُتُبَ قَبْلَهُ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ تَخْلُوَ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ عَنِ الإخْبارِ بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَطْرُقِ العالَمَ مِن حِينِ خُلِقَ إلى قِيامِ السّاعَةِ أمْرٌ أعْظَمُ مِنهُ، ولا شَأْنٌ أكْبَرُ مِنهُ، فَإنَّ العِلْمَ بِهِ طَبَقَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، واسْتَمَرَّ عَلى تَعاقُبِ القُرُونِ وإلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها، ومِثْلُ هَذا النَّبَأِ العَظِيمِ لا بُدَّ أنْ تُطابِقَ الرُّسُلُ عَلى الإخْبارِ بِهِ. وإذا كانَ الدَّجّالُ - رَجُلٌ كاذِبٌ يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ وبَقاؤُهُ في الأرْضِ أرْبَعُونَ يَوْمًا وقِيلَ سِتَّةُ أشْهُرٍ - قَدْ تَطابَقَتِ الرُّسُلُ عَلى الإخْبارِ بِهِ، وأنْذَرَ بِهِ كُلُّ نَبِيِّ قَوْمَهُ مِن نُوحٍ إلى خاتَمِ الأنْبِياءِ، وخاتَمِ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ أجْمَعِينَ، فَكَيْفَ تَتَطابَقُ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها عَلى السُّكُوتِ عَنِ الإخْبارِ بِهَذا النَّبَأِ العَظِيمِ، وبِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَطْرُقِ العالَمَ أمْرٌ أعْظَمُ مِنهُ، ولا تَطَرُقُهُ أبَدًا. هَذا مِمّا لا يَسُوغُهُ عَقْلُ عاقِلٍ، وتَأْباهُ حِكْمَةُ أحْكَمِ الحاكِمِينَ، بَلِ الأمْرُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وما بَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَبِيًّا إلّا أخَذَ عَلَيْهِ المِيثاقَ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما بَعَثَ اللَّهُ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ المِيثاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ المِيثاقَ عَلى أُمَّتِهِ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وهم أحْياءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيُبايِعُنَّهُ. (فَصْلٌ) فَهَذِهِ الوُجُوهُ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ العِلْمِ بِوُجُودِ نَعْتِهِ وصِفَتِهِ والخَبَرِ عَنْهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ... ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ ما ورَدَ فِيها مِنَ البِشارَةِ بِهِ، ونَعْتِهِ وصِفَتِهِ وصِفَةِ أُمَّتِهِ، وذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ مِن وُجُوهٍ: (١ - بِشاراتُ التَّوْراةِ) الوَجْهُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ في التَّوْراةِ: (أُقِيمُ لِبَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ أجْعَلُ كَلامِي في فِيهِ، ويَقُولُ لَهم ما آمُرُهُ، والَّذِي لا يَقْبَلُ قَوْلَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِي أنا أنْتَقِمُ مِنهُ ومِن سِبْطِهِ). تَأْوِيلُ أهْلِ الكِتابِ لِهَذا النَّصِّ: فَهَذا النَّصُّ مِمّا لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ مِنهم جَحْدُهُ وإنْكارُهُ: ولَكِنْ لِأهْلِ الكِتابِ فِيهِ أرْبَعَةُ طُرُقٍ: أحَدُها: حَمْلُهُ عَلى المَسِيحِ، وهَذِهِ طَرِيقُ النَّصارى، وهو دَلِيلٌ يُخالِفُ مُعْتَقَدَهم في المَسِيحِ. وَأمّا اليَهُودُ فَلَهم فِيهِ ثَلاثَةُ طُرُقٍ: أحَدُها: عَلى حَذْفِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ (أأُقِيمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ) أيْ لا أفْعَلُ هَذا. فَهُوَ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ الِاسْتِفْهامِ. الثّانِي: أنَّهُ خَبَرٌ ووَعِيدٌ ولَكِنَّ المُرادَ بِهِ شَمْوَئِيلُ النَّبِيُّ فَإنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. والبِشارَةُ إنَّما وقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِن إخْوَتِهِمْ، وإخْوَةُ القَوْمِ هم بَنُو أبِيهِمْ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ. الثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيٌّ يَبْعَثُهُ اللَّهُ في آخِرِ الزَّمانِ يُقِيمُ بِهِ مُلْكَ اليَهُودِ ويَعْلُو بِهِ شَأْنُهم وهم يَنْتَظِرُونَهُ الآنَ ويُسَمُّونَهُ المُنْتَظَرَ. قالَ المُسْلِمُونَ: البِشارَةُ صَرِيحَةٌ في النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لا تُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِهِ، لِأنَّها إنَّما وقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِن إخْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْفُسِهِمْ، والمَسِيحُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِها هو المَسِيحُ لَقالَ: أُقِيمَ لَهم نَبِيًّا مِن أنْفُسِهِمْ. كَما قالَ تَعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ، وإخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ هم بَنُو إسْماعِيلَ، ولا يُقالُ في لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ إنْ بَنِي إسْرائِيلَ هم إخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما أنَّ إخْوَةَ زَيْدٍ لا يَدْخُلُ فِيهِمْ زَيْدٌ نَفْسَهُ. وَأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: نَبِيًّا مِثْلَكَ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صاحِبُ شَرِيعَةٍ عامَّةٍ مِثْلَ مُوسى، وهَذا يُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلى شَمْوَئِيلَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أيْضًا، ويُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلى يُوشَعَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا مِن إخْوَتِهِمْ. الثّانِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مُوسى، في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ: لا يَقُومُ في بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلُ مُوسى. الثّالِثُ: أنَّ يُوشَعَ نَبِيٌّ في زَمَنِ مُوسى، وهو كالِبُ، وهَذا الوَعْدُ إنَّما هو بِنَبِيٍّ يُقِيمُهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مُوسى. وَبِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ يَبْطُلُ حَمْلُهُ عَلى هارُونَ، مَعَ أنَّ هارُونَ تُوُفِّيَ قَبْلَ مُوسى، ونَبَّأهُ اللَّهُ تَعالى مَعَ مُوسى في حَياتِهِ، ويَبْطَلُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ رابِعٍ أيْضًا وهُوَ: أنَّ في هَذِهِ البِشارَةِ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابًا يَظْهَرُ لِلنّاسِ مِن فِيهِ، وهَذا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ بَعْدَ مُوسى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا مِن عَلاماتِ نُبُوَّتِهِ الَّتِي أخْبَرَ بِها الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ، قالَ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾. فالقُرْآنُ نَزَلَ عَلى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وظَهَرَ لِلْأُمَّةِ مِن فِيهِ، ولا تَصِحُّ هَذِهِ البِشارَةُ عَلى المَسِيحِ بِاتِّفاقِ النَّصارى، لِأنَّها إنَّما جاءَتْ بِواحِدٍ مِن إخْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وبَنُو إسْرائِيلَ وإخْوَتُهم كُلُّهم عَبِيدٌ لِلَّهِ، لَيْسَ فِيهِمْ إلَهٌ، والمَسِيحُ عِنْدَهم إلَهٌ مَعْبُودٌ، وهو أجَلُّ عِنْدِهِمْ مِن أنْ يَكُونَ مِن إخْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العَبِيدِ، والبِشارَةُ وقَعَتْ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ يُقِيمُهُ اللَّهُ مِن جُمْلَةِ عِبادِهِ وإخْوَتِهِمْ، وغايَتُهُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا لا غايَةَ لَهُ فَوْقَها، وهَذا لَيْسَ هو المَسِيحُ عِنْدَ النَّصارى. وأمّا مَقالَتُهم أنَّهُ عَلى حَذْفِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى (أأُقِيمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا مِثْلَكَ) - عادَةٌ لَهم مَعْرُوفَةٌ في تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ عَنْ مَواضِعِهِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وقَوْلُهم لِما يُبَدِّلُونَهُ ويُحَرِّفُونَهُ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وَحَمْلُ هَذا الكَلامُ عَلى الِاسْتِفْهامِ والإنْكارِ غايَةُ ما يَكُونُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ. وَهَذا التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أخْبَرَ بِها عَنِ اللَّهِ مِن تَحْرِيفِهِمْ وتَبْدِيلِهِمْ، فَأظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ إلى كُلِّ ذِي لُبٍّ وعَقْلٍ، فازْدادَ إيمانًا إلى إيمانِهِ، وازْدادَ الكافِرُونَ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ. قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وتَجَلّى مِن ساعِيرَ، وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، ومَعَهُ رَبْواتُ الأطْهارُ عَنْ يَمِينِهِ، وهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ: نُبُوَّةِ مُوسى، ونُبُوَّةِ عِيسى، ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَمَجِيئُهُ مِن سَيْناءَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ونَبَأهُ عَلَيْهِ إخْبارٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ. وَتَجَلِّيهِ مِن ساعِيرَ هو مَظْهَرُ عِيسى المَسِيحِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وساعِيرُ: قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ هُناكَ إلى اليَوْمِ، وهَذِهِ بِشارَةٌ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ. وَفارانُ: هي مَكَّةُ، وشَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى نُبُوَّةَ مُوسى بِمَجِيءِ الصُّبْحِ، وفَلْقِهِ، ونُبُوَّةَ المَسِيحِ بَعْدَها بِإشْراقِهِ وضِيائِهِ، ونُبُوَّةَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُما ﷺ بِاسْتِعْلانِ الشَّمْسِ وظُهُورِها وظُهُورِ ضَوْئِها في الآفاقِ، ووَقَعَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ بِهِ سَواءً، فَإنَّ اللَّهَ صَدَعَ بِنُبُوَّةِ مُوسى لَيْلَ الكُفْرِ فَأضاءَ فَجْرَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وزادَ الضِّياءُ والإشْراقُ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ، وكَمُلَ الضِّياءُ واسْتَعْلَنَ وطَبَقَ الأرْضَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَذِكْرُ هَذِهِ النُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ البِشارَةُ نَظِيرُ ذِكْرِها في أوَّلِ سُورَةِ التِّينِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ فَذَكَرَ أمْكِنَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، والتِّينِ والزَّيْتُونِ: المُرادُ بِهِ مَنبَتُهُما وأرْضُهُما، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي هي مَظْهَرُ المَسِيحِ، وطُورِ سِينِينَ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى فَهو مَظْهَرُ نُبُوَّتُهُ، ووَهَذا البَلَدِ الأمِينِ: مَكَّةُ، حَرَمُ اللَّهِ وأمْنُهُ الَّتِي هي مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ نَظِيرُ تِلْكَ الثَّلاثَةِ سَواءٌ. قالَتِ اليَهُودُ: فارانُ هي أرْضُ الشّامِ ولَيْسَتْ أرْضَ الحِجازِ، ولَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ مَن بَهْتِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ، وعِنْدَهم في التَّوْراةِ: أنَّ إسْماعِيلَ لَمّا فارَقَ أباهُ سَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، هَكَذا نَطَقَتِ التَّوْراةُ ولَفْظُها (وَأقامَ إسْماعِيلُ في بَرِّيَّةِ فارانَ وأنْكَحَتْهُ أُمُّهُ امْرَأةً مِن أرْضِ مِصْرَ). وَلا يَشْكُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ أنَّ فارانَ مَسْكَنٌ لِآلِ إسْماعِيلَ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّوْراةُ نُبُوَّةً تَنْزِلُ بِأرْضِ فارانَ، وتَضَمَّنَتْ نُبُوَّةً تَنْزِلُ عَلى عَظِيمٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وتَضَمَّنَتِ انْتِشارَ أُمَّتِهِ وأتْباعِهِ حَتّى يَمْلَئُوا السَّهْلَ والجَبَلَ، كَما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ. وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا شُبْهَةٌ أصْلًا أنَّ هَذِهِ هي نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي نَزَلَتْ بِفارانَ عَلى أشْرَفِ ولَدِ إسْماعِيلَ حَتّى مَلَأ الأرْضَ ضِياءً ونُورًا، ومَلَأ أتْباعُهُ السَّهْلَ والجَبَلَ، ولا يَكْثُرُ عَلى الشَّعْبِ الَّذِي نَطَقَتِ التَّوْراةُ بِأنَّهم عادِمُو الرَّأْيِ والفَطانَةِ أنْ يَنْقَسِمُوا إلى جاهِلٍ بِذَلِكَ وجاحِدٍ مُكابِرٍ مُعانِدٍ. وَلَفْظُ التَّوْراةِ فِيهِمْ: أنَّهُمُ الشَّعْبُ عادِمُ الرَّأْيِ، ولَيْسَ فِيهِمْ فَطانَةٌ. وَيُقالُ لِهَؤُلاءِ المُكابِرِينَ: أيُّ نُبُوَّةٍ خَرَجَتْ مِنَ الشّامِ فاسْتَعْلَنَتِ اسْتِعْلانَ ضِياءِ الشَّمْسِ، وظَهَرَتْ فَوْقَ ظُهُورِ النُّبُوَّتَيْنِ قَبْلَها؟! وهَلْ هَذا إلّا بِمَنزِلَةِ مُكابَرَةِ مَن يَرى الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ مِنَ المَشْرِقِ فَيُغالِطُ ويُكابِرُ ويَقُولُ بَلْ طَلَعَتْ مِنَ المَغْرِبِ؟ قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الأوَّلِ: (إنَّ المَلَكَ ظَهَرَ لِهاجَرَ أُمِّ إسْماعِيلَ، فَقالَ: يا هاجَرُ، مِن أيْنَ أقْبَلْتِ؟ وإلى أيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمّا شَرَحَتْ لَهُ الحالَ، قالَ: ارْجِعِي فَإنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وزَرْعَكِ حَتّى لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وها أنْتِ تَحْبَلِينَ وتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إسْماعِيلَ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وخُضُوعَكِ، ووَلَدُكِ يَكُونُ وحْشِيَّ النّاسِ، وتَكُونُ يَدُهُ عَلى الكُلِّ، ويَدُ الكُلِّ مَبْسُوطَةٌ إلَيْهِ بِالخُضُوعِ). وَهَذِهِ بِشارَةٌ تضمنت أنَّ يَدَ ابْنِها عَلى يَدِ كُلِّ الخَلائِقِ، وأنَّ كَلِمَتَهُ العُلْيا، وأنَّ يَدَ ابْنِها عالِيَةٌ، ويَدَ الخَلْقِ تَحْتَ يَدِهِ، فَمَن هَذا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.

الأعراف 7:158

قَوْلُهُ في نُبُوَّةِ أرْمِيا: قَبْلَ أنْ أخْلُقَكَ قَدْ عَظَّمْتُكَ مِن قَبْلِ أنْ أُصَوِّرَكَ في البَطْنِ، وأرْسَلْتُكَ وجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلْأجْناسِ كُلِّهِمْ. فَهَذِهِ بِشارَةٌ عَلى لِسانِ أرْمِيا لِمَن بَعْدُهُ، وهو إمّا المَسِيحُ وإمّا مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما، لا تَعْدُوهُما إلى غَيْرِهِما، ومُحَمَّدٌ أوْلى بِها لِأنَّ المَسِيحَ إنَّما كانَ نَبِيًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَرَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾. والنَّصارى تُقِرُّ بِذَلِكَ، ولَمْ يَدَّعِ المَسِيحُ أنَّهُ رَسُولٌ إلى سائِرِ الأجْناسِ مِن أهْلِ الأرْضِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مِن عَهِدَ مُوسى إلى المَسِيحِ إنَّما كانُوا يُبْعَثُونَ إلى قَوْمِهِمْ، بَلْ عِنْدَهم في الإنْجِيلِ أنَّ المَسِيحَ قالَ لِلْحِوارِيَّيْنِ: لا تَسْلُكُوا إلى سَبِيلِ الأجْناسِ، ولَكِنِ اخْتَصِرُوا عَلى الغَنَمِ الرّابِضَةِ مَن نَسْلِ إسْرائِيلَ. وَأمّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهو الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلى سائِرِ أجْناسٍ الأرْضِ وطَوائِفِ بَنِي آدَمَ. وَهَذِهِ البِشارَةُ مُطابَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾. وَلِقَوْلِهِ ﷺ: بُعِثْتُ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ. وَقَوْلِهِ: وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ وبُعِثْتُ إلى النّاسِ عامَّةً. وَقَدِ اعْتَرَفَتِ النَّصارى بِهَذِهِ البِشارَةِ ولَمْ يُنْكِرُوها، لَكِنْ قالَ بَعْضُ زُعَمائِهِمْ إنَّها بِشارَةُ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وإلْياسَ، واليَسَعَ، وأنَّهم سَيَأْتُونَ في آخِرِ الزَّمانِ، وهَذا مِن أعْظَمِ البَهْتِ والجُرْأةِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِافْتِراءِ عَلَيْهِ: فَإنَّهُ لا يَأْتِي مَن قَدْ ماتَ إلى يَوْمِ المِيقاتِ المَعْلُومِ.

الأعراف 7:167

[فَصْلٌ: ضَرَرُ الذُّنُوبِ في القَلْبِ كَضَرَرِ السُّمُومِ في الأبْدانِ] مِما يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ، أنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ تَضُرُّ، ولا بُدَّ أنَّ ضَرَرَها في القَلْبِ كَضَرَرِ السُّمُومِ في الأبْدانِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها في الضَّرَرِ، وهَلْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ شَرٌّ وداءٌ إلّا سَبَبُهُ الذُّنُوبُ والمَعاصِي، فَما الَّذِي أخْرَجَ الأبَوَيْنِ مِنَ الجَنَّةِ، دارِ اللَّذَّةِ والنَّعِيمِ والبَهْجَةِ والسُّرُورِ إلى دارِ الآلامِ والأحْزانِ والمَصائِبِ؟ وَما الَّذِي أخْرَجَ إبْلِيسَ مِن مَلَكُوتِ السَّماءِ وطَرَدَهُ ولَعَنَهُ، ومَسَخَ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ فَجَعَلَ صُورَتَهُ أقْبَحَ صُورَةٍ وأشْنَعَها، وباطِنَهُ أقْبَحَ مِن صُورَتِهِ وأشْنَعَ، وبُدِّلَ بِالقُرْبِ بُعْدًا، وبِالرَّحْمَةِ لَعْنَةً، وبِالجَمالِ قُبْحًا، وبِالجَنَّةِ نارًا تَلَظّى، وبِالإيمانِ كُفْرًا، وبِمُوالاةِ الوَلِيِّ الحَمِيدِ أعْظَمَ عَداوَةٍ ومُشاقَّةٍ، وبِزَجَلِ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّهْلِيلِ زَجَلَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والكَذِبِ والزُّورِ والفُحْشِ، وبِلِباسِ الإيمانِ لِباسَ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، فَهانَ عَلى اللَّهِ غايَةَ الهَوانِ، وسَقَطَ مِن عَيْنِهِ غايَةَ السُّقُوطِ، وحَلَّ عَلَيْهِ غَضَبُ الرَّبِّ تَعالى فَأهْواهُ، ومَقَتَهُ أكْبَرَ المَقْتِ فَأرْداهُ، فَصارَ قَوّادًا لِكُلِّ فاسِقٍ ومُجْرِمٍ، رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالقِيادَةِ بَعْدَ تِلْكَ العِبادَةِ والسِّيادَةِ، فَعِياذًا بِكَ اللَّهُمَّ مِن مُخالَفَةِ أمْرِكَ وارْتِكابِ نَهْيِكَ. وَما الَّذِي أغْرَقَ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم حَتّى عَلا الماءُ فَوْقَ رَأْسِ الجِبالِ؟ وما الَّذِي سَلَّطَ الرِّيحَ العَقِيمَ عَلى قَوْمِ عادٍ حَتّى ألْقَتْهم مَوْتى عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٌ، ودَمَّرَتْ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن دِيارِهِمْ وحُرُوثِهِمْ وزُرُوعِهِمْ ودَوابِّهِمْ، حَتّى صارُوا عِبْرَةً لِلْأُمَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ وَما الَّذِي أرْسَلَ عَلى قَوْمِ ثَمُودَ الصَّيْحَةَ حَتّى قَطَعَتْ قُلُوبَهم في أجْوافِهِمْ وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ؟ وَما الَّذِي رَفَعَ قُرى اللُّوطِيَّةِ حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ نَبِيحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، فَأهْلَكَهم جَمِيعًا، ثُمَّ أتْبَعَهم حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أمْطَرَها عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ ما لَمْ يَجْمَعْهُ عَلى أُمَّةٍ غَيْرِهِمْ، ولِإخْوانِهِمْ أمْثالُها، وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ؟ وما الَّذِي أرْسَلَ عَلى قَوْمِ شُعَيْبٍ سَحابَ العَذابِ كالظُّلَلِ، فَلَمّا صارَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ نارًا تَلَظّى؟ وَما الَّذِي أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ في البَحْرِ، ثُمَّ نَقَلَتْ أرْواحَهم إلى جَهَنَّمَ، فالأجْسادُ لِلْغَرَقِ، والأرْواحُ لِلْحَرْقِ؟ وَما الَّذِي خَسَفَ بِقارُونَ ودارِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ؟ وَما الَّذِي أهْلَكَ القُرُونَ مِن بَعْدِ نُوحٍ بِأنْواعِ العُقُوباتِ، ودَمَّرَها تَدْمِيرًا؟ وَما الَّذِي أهْلَكَ قَوْمَ صاحِبِ يس بِالصَّيْحَةِ حَتّى خَمَدُوا عَنْ آخِرِهِمْ؟ وَما الَّذِي بَعَثَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ، وقَتَلُوا الرِّجالَ، وسَبُوا الذُّرِّيَّةَ والنِّساءَ، وأحْرَقُوا الدِّيارَ، ونَهَبُوا الأمْوالَ، ثُمَّ بَعَثَهم عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثانِيَةً فَأهْلَكُوا ما قَدَرُوا عَلَيْهِ وتَبَّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا؟ وَما الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ العُقُوباتِ، مَرَّةً بِالقَتْلِ والسَّبْيِ وخَرابِ البِلادِ، ومَرَّةً بِجَوْرِ المُلُوكِ، ومَرَّةً بِمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وآخِرُ ذَلِكَ أقْسَمَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. قالَ الإمامُ أحْمَدُ حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنا صَفْوانُ بْنُ عُمَرَ وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: لَمّا فُتِحَتْ قُبْرُصُ فُرِّقَ بَيْنَ أهْلِها، فَبَكى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَرَأيْتُ أبا الدَّرْداءِ جالِسًا وحْدَهُ يَبْكِي، فَقُلْتُ: يا أبا الدَّرْداءِ ما يُبْكِيكَ في يَوْمٍ أعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الإسْلامَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ويْحَكَ يا جُبَيْرُ، ما أهْوَنُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذا أضاعُوا أمْرَهُ، بَيْنَما هي أُمَّةٌ قاهِرَةٌ ظاهِرَةٌ لَهُمُ المُلْكُ، تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ فَصارُوا إلى ما تَرى. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ: أنْبَأنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: سَمِعْتُ أبا البَخْتَرِيِّ يَقُولُ: أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يَهْلِكَ النّاسُ حَتّى يَعْذِرُوا مِن أنْفُسِهِمْ». وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا ظَهَرَتِ المَعاصِي في أُمَّتِي عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أما فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أُناسٌ صالِحُونَ؟ قالَ: بَلى، قُلْتُ: كَيْفَ يُصْنَعُ بِأُولَئِكَ؟ قالَ: يُصِيبُهم ما أصابَ النّاسَ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ». وَفِي مَراسِيلِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لا تَزالُ هَذِهِ الأُمَّةُ تَحْتَ يَدِ اللَّهِ وفي كَنَفِهِ ما لَمْ يُمالِئْ قُرّاؤُها أُمَراءَها، وما لَمْ يُزَكِّ صُلَحاؤُها فُجّارَها، وما لَمْ يُهِنْ خِيارَها أشْرارُها، فَإذا هم فَعَلُوا ذَلِكَ رَفَعَ اللَّهُ يَدَهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ جَبابِرَتُهم فَسامُوهم سُوءَ العَذابِ، ثُمَّ ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالفاقَةِ والفَقْرِ». وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ». وَفِيهِ أيْضًا عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ أنْ تَتَداعى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِن كُلِّ أُفُقٍ، كَما تَتَداعى الأكَلَةُ عَلى قَصْعَتِها، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أمِنَ قِلَّةٍ بِنا يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكم غُثاءٌ كَغُثاءِ السَّيْلِ، تُنْزَعُ المَهابَةُ مِن قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، ويُجْعَلُ في قُلُوبِكُمُ الوَهَنُ، قالُوا وما الوَهَنُ؟ قالَ: حُبُّ الحَياةِ وكَراهَةُ المَوْتِ». وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهم أظْفارٌ مِن نُحاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهم وصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَن هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ ويَقَعُونَ في أعْراضِهِمْ». وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ قَوْمٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيا بِالدِّينِ، ويَلْبَسُونَ لِلنّاسِ مُسُوكَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، ألْسِنَتُهم أحْلى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلُوبُهم قُلُوبُ الذِّئابِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أبِي يَغْتَرُّونَ؟ وعَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ، لَأبْعَثَنَّ أُولَئِكَ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيمَ فِيها حَيْرانَ». وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ عَلَيٌّ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقى مِنَ الإسْلامِ إلّا اسْمُهُ، ولا مِنَ القُرْآنِ إلّا رَسْمُهُ، مَساجِدُهم يَوْمَئِذٍ عامِرَةٌ، وهي خَرابٌ مِنَ الهُدى، عُلَماؤُهم شَرُّ مَن تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ، مِنهم خَرَجَتِ الفِتْنَةُ وفِيهِمْ تَعُودُ. وَذَكَرَ مِن حَدِيثِ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: إذا ظَهَرَ الزِّنا والرِّبا في قَرْيَةٍ أذِنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَلاكِها. وَفِي مَراسِيلِ الحَسَنِ: إذا أظْهَرَ النّاسُ العِلْمَ، وضَيَّعُوا العَمَلَ، وتَحابُّوا بِالألْسُنِ، وتَباغَضُوا بِالقُلُوبِ، وتَقاطَعُوا بِالأرْحامِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهم. وَفِي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كُنْتُ عاشِرَ عَشْرَةِ رَهْطٍ مِنَ المُهاجِرِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأقْبَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقالَ: «يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ خَمْسُ خِصالٍ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ تُدْرِكُوهُنَّ: ما ظَهَرَتِ الفاحِشَةُ في قَوْمٍ حَتّى أعْلَنُوا بِها إلّا ابْتُلُوا بِالطَّواعِينِ والأوْجاعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في أسْلافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، ولا نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ابْتُلُوا بِالسِّنِينَ وشِدَّةِ المَئُونَةِ وجَوْرِ السُّلْطانِ، وما مَنَعَ قَوْمٌ زَكاةَ أمْوالِهِمْ إلّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّماءِ فَلَوْلا البَهائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، ولا خَفَرَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأخَذُوا بَعْضَ ما في أيْدِيهِمْ، وما لَمْ تَعْمَلْ أئِمَّتُهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ في كِتابِهِ إلّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهم بَيْنَهُمْ». وَفِي المُسْنَدِ والسُّنَنِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، كانَ إذا عَمِلَ العامِلُ فِيهِمْ بِالخَطِيئَةِ جاءَهُ النّاهِي تَعْذِيرًا، فَإذا كانَ مِنَ الغَدِ جالَسَهُ وواكَلَهُ وشارَبَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلى خَطِيئَةٍ بِالأمْسِ، فَلَمّا رَأى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مِنهُمْ، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ثُمَّ لَعَنَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ السَّفِيهِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَكم كَما لَعَنَهُمْ». وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَمْرٍو الصَّنْعانِيِّ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ: إنِّي مُهْلِكٌ مِن قَوْمِكَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِن خِيارِهِمْ، وسِتِّينَ ألْفًا مِن شِرارِهِمْ، قالَ: يا رَبِّ، هَؤُلاءِ الأشْرارُ، فَما بالُ الأخْيارِ؟ قالَ: لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، وكانُوا يُؤاكِلُونَهم ويُشارِبُونَهم. وَذَكَرَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ أبِي عِمْرانَ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَلَكَيْنِ إلى قَرْيَةٍ، أنْ دَمِّراها بِمَن فِيها، فَوَجَدا رَجُلًا قائِمًا يُصَلِّي في مَسْجِدٍ، فَقالا: يا رَبِّ، إنَّ فِيها عَبْدَكَ فُلانًا يُصَلِّي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: دَمِّراها ودَمِّراهُ مَعَهُمْ، فَإنَّهُ ما تَمَعَّرَ وجْهُهُ فِيَّ قَطُّ. وَذَكَرَ الحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: قالَ: حَدَّثَنِي سُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مِسْعَرٍ: «أنَّ مَلَكًا أُمِرَ أنْ يَخْسِفَ بِقَرْيَةٍ، فَقالَ: يا رَبِّ، إنَّ فِيها فُلانًا العابِدَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ بِهِ فابْدَأْ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ فِيَّ ساعَةً قَطُّ». وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا أصابَ داوُدُ الخَطِيئَةَ قالَ: يا رَبِّ اغْفِرْ لِي: قالَ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وألْزَمْتُ عارَها بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ يا رَبِّ، كَيْفَ وأنْتَ الحَكَمُ العَدْلُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، أنا أعْمَلُ الخَطِيئَةَ وتُلْزِمُ عارَها غَيْرِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، إنَّكَ لَمّا عَمِلْتَ الخَطِيئَةَ لَمْ يُعَجِّلُوا عَلَيْكَ بِالإنْكارِ.

الأعراف 7:168

(فصل) اعلمْ أنَّ اليَهُودَ مُبَدَّدُونَ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها وجَنُوبِها وشَمالِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ وَما مِن جَماعَةٍ مِنهم في بَلْدَةٍ إلّا إذا قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن أهْلِ دِينِهِمْ مِن بِلادٍ بَعِيدَةٍ يُظْهِرُ لَهُمُ الخُشُونَةَ في دِينِهِ والمُبالَغَةَ في الِاحْتِياطِ، فَإنْ كانَ مِن فُقَهائِهِمْ شَرَعَ في إنْكارِ أشْياءَ عَلَيْهِمْ يُوهِمُهم قِلَّةَ دِينِهِمْ وعَمَلِهِمْ، وكُلَّما شَدَّدَ عَلَيْهِمْ قالُوا: هَذا هو العالِمُ، فَأعْلَمُهم أعْظَمُهم تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَتَراهُ أوَّلَ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ لا يَأْكُلُ مِن أطْعِمَتِهِمْ وذَبائِحِهِمْ، ويَتَأمَّلُ سِكِّينَ الذّابِحِ ويَشْرَعُ في الإنْكارِ عَلَيْهِ بِبَعْضِ أمْرِهِ، ويَقُولُ: لا آكُلُ إلّا مِن ذَبِيحَةِ يَدِي. فَتَراهم مَعَهُ في عَذابٍ، ويَقُولُونَ: هَذا عالِمٌ غَرِيبٌ قَدِمَ عَلَيْنا فَلا يَزالُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الحَلالَ، ويُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ الآصارَ والأغْلالَ، ويَفْتَحُ لَهم أبْوابَ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، وكُلَّما فَعَلَ هَذا قالُوا: هَذا هو العالِمُ الرَّبّانِيُّ والحاخامُ الفاضِلُ، فَإذا رَآهُ رَئِيسُهم قَدْ مَشى حالُهُ وقِيلَ بَيْنِهِمْ مَقالَهُ، وزَنَ نَفْسَهُ مَعَهُ فَإذا رَأى أنَّهُ أزْرى بِهِ وطَعَنَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ، فَإنَّ النّاسَ في الغالِبِ يَمِيلُونَ مَعَ الغَرِيبِ، ويَنْسُبُهُ أصْحابُهُ إلى الجَهْلِ وقِلَّةِ الدِّينِ، ولا يُصَدِّقُونَهُ لِأنَّهم يَرَوْنَ القادِمَ قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ وضَيَّقَ، وكُلَّما كانَ الرَّجُلُ أعْظَمَ تَشْدِيدًا وتَضْيِيقًا كانَ أفْقَهَ عِنْدِهِمْ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ هَذا الرَّأْيِ فَيَأْخُذُ في مَدْحِهِ وشُكْرِهِ، فَيَقُولُ: لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ ثَوابَ فُلانٍ إذْ قَوّى نامُوسَ الدِّينِ في قُلُوبِ هَذِهِ الجَماعَةِ، شَيَّدَ أساسَهُ، وأحْكَمَ سِياجَ الشَّرْعِ، فَيَبْلُغُ القادِمُ قَوْلَهُ فَيَقُولُ: هَذا ما عِنْدَكم أفْقَهُ مِنهُ، ولا أعْلَمُ مِنهُ وإذا لَقِيَهُ يَقُولُ: لَقَدْ زَيَّنَ اللَّهُ بِكَ أهْلَ بَلَدِنا ونَعَّشَ بِكَ هَذِهِ الطّائِفَةَ. وَإنْ كانَ القادِمُ عَلَيْهِمْ حَبْرًا مِن أحْبارِهِمْ فَهُناكَ تَرى العَجَبَ العَجِيبَ مِنَ النّامُوسِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ والسُّنَنِ الَّتِي يُحْدِثُها، ولا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أحَدٌ، بَلْ تَراهم مُسَلِّمِينَ لَهُ، وهو يَجْتَلِبُ دَرَّهم ويَجْتَلِبُ دِرْهَمَهم. وإذا بَلَغَهُ عَنْ يَهُودِيٍّ طَعْنٌ عَلَيْهِ، صَبَرَ عَلَيْهِ حَتّى يَرى مِنهُ جُلُوسًا عَلى قارِعَةِ الطَّرِيقِ يَوْمَ السَّبْتِ، أوْ يَبْلُغَهُ أنَّهُ اشْتَرى مِن مُسْلِمٍ لَبَنًا أوْ خَمْرًا أوْ خَرَجَ عَنْ بَعْضِ أحْكامِ المِشْنا، والتَّلْمُودِ، حَرَّمَهُ بَيْنَ مَلَأِ اليَهُودِ، وأباحَهم عِرْضَهُ، ونَسَبَهُ إلى الخُرُوجِ عَنِ اليَهُودِيَّةِ، فَيَضِيقُ بِهِ البَلَدُ عَلى هَذا الحالِ، فَلا يَسَعُهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَبْرِ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ، فَيَقُولُ لِلْيَهُودِ: إنَّ فُلانًا قَدْ أبْصَرَ رُشْدَهُ وراجَعَ الحَقَّ وأقْلَعَ عَمّا كانَ فِيهِ، وهو اليَوْمَ يَهُودِيٌّ عَلى الوَضْعِ، فَيَعُودُونَ بِالتَّعْظِيمِ والإكْرامِ. وَأذْكُرُ لَكَ مَسْألَةً مِن مَسائِلِ شَرْعِهِمُ المُبَدَّلِ أوِ المَنسُوخِ، تُعْرَفُ بِمَسْألَةِ البَياما والجالُوسِ وهِيَ: أنْ عِنْدَهم في التَّوْراةِ: إذا أقامَ أخَوانِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وماتَ أحَدُهُما ولَمْ يُعَقِّبْ فَلا تَصِيرُ امْرَأةُ المَيِّتِ إلى رَجُلٍ أجْنَبِيٍّ بَلْ حَمُوها يَنْكِحُها، وأوَّلُ ولَدٍ يُولَدُ لَها يُنْسَبُ إلى أخِيهِ الدّارِجِ، فَإنْ أبى أنْ يَنْكِحَها خَرَجَتْ مُتَشَكِّيَةً إلى مَشْيَخَةِ قَوْمِهِ قائِلَةً: قَدْ أبى حَمْوِي أنْ يَسْتَبْقِيَ اسْمًا لِأخِيهِ في بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يُرِدْ نِكاحِي، فَيُحْضِرُهُ ويُكَلِّفُهُ أنْ يَقِفَ ويَقُولَ: ما أرَدْتُ نِكاحَها، فَتَتَناوَلَ المَرْأةُ نَعْلَهُ فَتُخْرِجُهُ مِن رِجْلِهِ وتُمْسِكُهُ بِيَدِها وتَبْصُقُ في وجْهِهِ، وتُنادِي عَلَيْهِ: كَذا فَلْيُصْنَعْ بِالَّذِي لا يَبْنِي بَيْتَ أخِيهِ، ويُدْعى فِيما بَعْدُ بِالمَخْلُوعِ النَّعْلِ، ويُنْبَذُ بَنُوهُ بِهَذا اللَّقَبِ. وَفِي هَذا كالتَّلْجِئَةِ لَهُ إلى نِكاحِها، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلى المَرْأةِ وعَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما اسْتَحى وخَجِلَ مِن شَيْلِ نَعْلِهِ مِن رِجْلِهِ والبَصْقِ في وجْهِهِ، ونَبْذِهِ بِاللَّقَبِ المُسْتَكْرَهِ الَّذِي يَبْقى عَلَيْهِ وعَلى أوْلادِهِ عارُهُ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن نِكاحِها، فَإنْ كانَ مِنَ الزُّهْدِ فِيها والكَراهَةِ لَها، بِحَيْثُ يَرى أنَّ هَذا كُلَّهُ أسْهَلُ عَلَيْهِ مِن أنْ يُبْتَلى بِها، وهانَ عَلَيْهِ هَذا كُلُّهُ في التَّخَلُّصِ مِنها لَمْ يُكْرَهْ عَلى نِكاحِها. هَذا عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ونَشَأ لَهم مِن ذَلِكَ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وهُوَ: أنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَرْأةِ مُحِبًّا لَها، وهي في غايَةِ الكَراهَةِ لَهُ، فَأحْدَثُوا بِهَذا الفَرْعِ حُكْمًا في غايَةِ الظُّلْمِ والفَضِيحَةِ، فَإذا جاءَتْ إلى الحاكِمِ أحْضَرُوهُ مَعَها ولَقَّنُوها، أنْ تَقُولَ: إنَّ حَمْوِي لا يُقِيمُ لِأخِيهِ اسْمًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَرُدْ نِكاحِي، وهو عاشِقٌ لَها، فَيُلْزِمُونَها بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، وأنَّها أرادَتْهُ فامْتَنَعَ - فَإذا قالَتْ ذَلِكَ ألْزَمَهُ الحاكِمُ أنْ يَقُومَ ويَقُولَ: ما أرَدْتُ نِكاحَها، ونِكاحُها غايَةُ سُؤْلِهِ وأُمْنِيَتِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِالكَذِبِ فَيُخْرِجُ نَعْلَهُ مِن رِجْلِهِ إلّا أنَّهُ لا شَيْلَ هُنا ويُبْصَقُ في وجْهِهِ، ويُنادى عَلَيْهِ: هَذا جَزاءُ مَن لا يَبْنِي بَيْتَ أخِيهِ، فَلَمْ يَكْفِهِمْ أنْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، وأقامُوهُ مَقامَ الخِزْيِ وألْزَمُوهُ بِالكَذِبِ والبُصاقِ في وجْهِهِ والعِتابِ عَلى ذَنْبٍ جَرَّهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، كَما قِيلَ: ؎وَجَرْمٍ جَرَّهُ سُفَهاءُ قَوْمٍ ∗∗∗ وحَلَّ بِغَيْرِ جارِمِهِ العَذابُ أفَلا يَسْتَحِي مِن تَعْيِيرِ المُسْلِمِينَ مَن هَذا شَرْعُهُ ودِينُهُ؟!

الأعراف 7:169

(فائِدَة جليلة) كل من آثر الدُّنْيا من أهل العلم واستحبها فَلا بُد أن يَقُول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خَبره وإلزامه لِأن أحْكام الرب سُبْحانَهُ كثيرا ما تَأتي على خلاف أغراض النّاس ولا سِيما أهل الرياسة والَّذين يتبعُون الشُّبُهات فَإنَّهُم لا تتمّ لَهُم أغراضهم إلّا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا فَإذا كانَ العالم والحاكِم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذَلِك إلّا بِدفع ما يضاده من الحق ولا سِيما إذا قامَت لَهُ شُبْهَة فتتفق الشُّبْهَة والشهوة ويثور الهوى فيخفى الصَّواب وينطمس وجه الحق وإن كانَ الحق ظاهرا لا خَفاء بِهِ ولا شبة فِيهِ أقدم على مُخالفَته وقالَ لي مخرج بِالتَّوْبَةِ وفي هَؤُلاءِ وأشباههم قالَ تَعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوات﴾ وقالَ تَعالى فيهم أيْضا ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سيغفر لنا وإن يَأْتِيهم عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تعقلون﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أنهم أخذُوا العرض الأدْنى مَعَ علمهمْ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِم وقالُوا سيغفر لنا وإن عرض لَهُم عرض آخر أخَذُوهُ فهم مصرون على ذَلِك وذَلِكَ هو الحامِل لَهُم على أن يَقُولُوا على الله غير الحق فَيَقُولُونَ هَذا حكمه وشرعه ودينه وهم يعلمُونَ أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذَلِك أولا يعلمُونَ أن ذَلِك دينه وشرعه وحكمه فَتارَة يَقُولُونَ على الله مالا يعلمُونَ وتارَة يَقُولُونَ عَلَيْهِ ما يعلمُونَ بُطْلانه وَأما الَّذين يَتَّقُونَ فيعلمون أن الدّار الآخِرَة خير من الدُّنْيا فَلا يحملهم حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدُّنْيا على الآخِرَة وطَرِيق ذَلِك أن يَتَمَسَّكُوا بِالكتاب والسّنة ويستعينوا بِالصبرِ والصَّلاة ويتفكروا في الدُّنْيا وزوالها وخستها والآخِرَة وإقبالها ودوامها وهَؤُلاء لا بُد أن يبتدعوا في الدّين مَعَ الفُجُور في العَمَل فيجتمع لَهُم الأمْرانِ فَإن اتِّباع الهوى يعمي عين القلب فَلا يُمَيّز بَين السّنة والبدعة أو ينكسه فَيرى البِدْعَة سنة والسّنة بِدعَة فَهَذِهِ آفَة العلماء إذا آثروا الدُّنْيا واتبعُوا الرياسات والشهوات وهَذِه الآيات فيهم إلَيّ قَوْله ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فَهَذا مثل عالم السوء الَّذِي يعْمل بِخِلاف علمه.

الأعراف 7:172

«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فَقالَ: إنّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خُلِقَ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ، وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ، وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقالَ: إنّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَ النّارَ». [فَصْلٌ الخِلافُ في خَلْقِ الأجْسادِ قَبْلَ الأرْواحِ أوِ العَكْسُ] وَأمّا قَوْلُ إسْحاقَ: إنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أنَّها الأرْواحُ قَبْلَ الأجْسادِ، فَإسْحاقُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قالَ بِما بَلَغَهُ، وانْتَهى إلى عِلْمِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِإجْماعٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ: هَلْ خُلِقَتِ الأجْسادُ قَبْلَ الأرْواحِ، أوْ مَعَها؟ عَلى قَوْلَيْنِ حَكاهُما شَيْخُنا، وغَيْرُهُ. وَهَلْ مَعْنى الآيَةِ أخْذُ الذُّرِّيَّةِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وإشْهادُهم بِما فَطَرَهم عَلَيْهِ، أوْ إخْراجُهم مِن ظَهْرِ آدَمَ واسْتِنْطاقُهُمْ؟ عَلى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ. والَّذِينَ قالُوا: " إنَّ الأرْواحَ خُلِقَتْ قَبْلَ الأجْسادِ " لَيْسَ مَعَهم نَصٌّ مِن كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وغايَةُ ما مَعَهم قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. وَأمّا الأحادِيثُ الَّتِي فِيها أنَّهُ " أخْرَجَهم مِثْلَ الذَّرِّ "، فَهَذا هَلْ هو أشْباحُهم أوْ أمْثالُهُمْ؟ فِيهِ قَوْلانِ، ولَيْسَ فِيها صَرِيحٌ بِأنَّها أرْواحُهم. والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، والسُّنَّةُ، والِاعْتِبارُ أنَّ الأرْواحَ إنَّما خُلِقَتْ مَعَ الأجْسادِ، أوْ بَعْدَها، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ جَسَدَ آدَمَ قَبْلَ رُوحِهِ، فَلَمّا سَوّاهُ وأكْمَلَ خَلْقَهُ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، فَكانَ تَعَلُّقُ الرُّوحِ بِهِ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِهِ. وَكَذَلِكَ سُنَّتُهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ أوْلادِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفَقُ عَلى صِحَّتِهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إنَّ خَلْقَ أحَدِكم يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» ". وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ النّاسِ حَيْثُ ظَنَّ أنَّ نَفْخَ الرُّوحِ إرْسالُ الرُّوحِ وبَعْثُها إلَيْهِ، وأنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ ذَلِكَ، ونَفْخَها تُعَلُّقُها بِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُرادَ الحَدِيثِ، بَلْ إذا تَكامَلَ خَلْقُ الجَنِينِ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ المَلِكَ فَنَفَخَ فِيهِ نَفْخَةً، فَتَحْدُثُ الرُّوحُ بِتِلْكَ النَّفْخَةِ، فَحِينَئِذٍ حَدَثَتْ لَهُ الرُّوحُ بِواسِطَةِ النَّفْخَةِ. وَكَذَلِكَ كانَ خَلْقُ المَسِيحِ: أرْسَلَ اللَّهُ المَلَكَ إلى أُمِّهِ، فَنَفَخَ في فَرْجِها نَفْخَةً فَحَمَلَتْ بِالمَسِيحِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا - قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧-١٩]. وَهَذا صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ مَن قالَ: " إنَّ هَذِهِ الرُّوحَ الَّتِي خاطَبَها هي رُوحُ المَسِيحِ "، فَإنَّ رُوحَ المَسِيحِ إنَّما حَدَثَتْ مِن تِلْكَ النَّفْخَةِ الَّتِي نَفَخَها رَسُولُ اللَّهِ، وكَيْفَ يَقُولُ المَسِيحُ لِأُمِّهِ: أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا؟ وكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١]، أيْ مِن رُوحِ ولَدِها، فَتَكُونُ رُوحُ المَسِيحِ هي النّافِخَةَ لِنَفْسِها في بَطْنِ أُمِّهِ؟! وَهَذا قَوْلٌ تَكْثُرُ الدَّلائِلُ عَلى بُطْلانِهِ، وإنَّما أشَرْنا إلى ذَلِكَ إشارَةً. وقال في (كتاب الروح) ما نصه: المسألة الثامنة عشرة [وهي تقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخر خلقها عنها] فهذه المسألة للناس فيها قولان معروفان حكاهما شيخ الإسلام وغيره، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعا. ونحن نذكر حجج الفريقين وما هو الأولى منها بالصواب. قال من ذهب إلى تقدم خلقها على خلق البدن: قال اللّه تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ قالوا ثم للترتيب والمهلة فقد تضمنت الآية أن خلقها مقدم على أمر اللّه للملائكة بالسجود لآدم. ومن المعلوم قطعا أن أبداننا حادثة بعد ذلك، فعلم أنها الأرواح. قالوا: ويدل عليه قوله سبحانه: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة، ففي الموطأ: حدثنا: مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عن عمر بن الخطاب سأل عن هذه الآية: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم فقال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يسأل عنها فقال: «خلق اللّه آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، وخلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون» فقال رجل: يا رسول اللّه ففيم العلم؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن اللّه إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار». قال الحاكم: هذا حديث على شرط مسلم، وروى الحاكم أيضا من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: «لما خلق اللّه آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة أمثال الذر، ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا} من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: من هؤلاء يا رب؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه؛ فقال: يا رب من هذا؟ فقال: هذا ابنك داود يكون في آخر الأمم، قال: كم جعلت له من العمر؟ قال: ستين سنة، قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة، فقال اللّه تعالى: ﴿إذا يكتب ويختم فلا يبدل، فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ فقال: أو لم تجعلها لابنك داود؟ قال: فجحد فجحد ذريته ونسي فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريته- قال هذا على شرط مسلم. ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح﴾. ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن أول من جحد آدم». وزاد محمد بن سعد: ثم أكمل اللّه لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة. وفي صحيح الحاكم أيضا من حديث أبي جعفر الرازي حدثنا الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية قال جمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أرواحا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق: وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أ لَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ} قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم: أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ} فلا تشركوا بي شيئا فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، فقالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، ورفع لهم أبوهم آدم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك، فقال رب لو سويت بين عبادك، فقال إني أحب أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة فذلك قوله: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ وهو قوله تعالى: {فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} وهو قوله تعالى: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ وقوله تعالى: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ وكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فدخل من فيها. وهذا إسناد صحيح. فقال إسحاق بن راهويه: حدثنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد عن راشد بن سعد عن الرحمن بن أبي قتادة البصري عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام أن رجلا قال: يا رسول اللّه أ نبدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ فقال: «إن اللّه لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار». قال إسحاق: وأنبأنا النضر، حدثنا أبو معشر عن سعيد المقبري ونافع مولى الزبير عن أبي هريرة قال: لما أراد اللّه أن يخلق آدم- فذكر خلق آدم- فقال له آدم: أي يدي أحب إليك أن أريك ذريتك فيها؟ فقال: يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين، فبسط يمينه فإذا فيها ذريته كلها ما هو خالق إلى يوم القيامة، الصحيح على هيئته، والمبتلي على هيئته، والأنبياء على هيئتهم، فقال ألا أعفيتهم كلهم؟ فقال: إني أحب أن أشكر». وذكر الحديث. وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا الليث بن سعد، حدثني ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد اللّه بن سلام قال: «خلق اللّه آدم ثم قال بيديه فقبضهما، فقال: اختر يا آدم، فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يديه يمين، فبسطها فإذا فيها ذريته، فقال: من هؤلاء يا رب؟ قال: من قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة. قال: وأخبرنا إسحاق حدثنا جعفر بن عون، أنبأنا هشام بن سعد زيد بن أسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة. وحدثنا إسحاق وعمرو بن زرارة، أخبرنا إسماعيل عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية قال: مسح ربك ظهر آدم فخرجت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ ميثاقهم: أ لَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا. ورواه أبو جمرة الضبعي ومجاهد وخبيب بن أبي ثابت وأبو صالح وغيرهم عن ابن عباس. وقال إسحاق أخبرنا جرير عن منصور عن مجاهد عن عبد اللّه بن عمرو في هذه الآية قال: أخذهم كما يؤخذ المشط بالرأس. وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن الزبير بن موسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: إن اللّه ضرب منكبه الأيمن فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة، ثم ضرب منكبه الأيسر فخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار، ثم أخذ عهده على الإيمان به والمعرفة له ولأمره والتصديق وبأمره من بني آدم كلهم وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا. وذكر محمد بن نصر من تفسير السدي عن ابن مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية. لما أخرج اللّه آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ وكهيئة الذر فقال لهم: أدخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: أدخلوا النار ولا أبالي} فذلك حيث يقول: وأصْحابُ اليَمِينِ} وأصْحابُ الشِّمالِ} ثم أخذ منهم الميثاق فقال: أ لَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى} فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ، أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ} فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن اللّه ربه، ولا مشرك إلا وهو يقول: إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ} فذلك قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وقوله تعالى: {فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ قال: يعني يوم أخذ عليهم الميثاق. قال إسحاق: وأخبرنا روح بن عبادة حدثنا موسى بن عبيدة الربذي قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول في هذه الآية: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ الآية أقروا له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل أن يخلق أجسادها. قال: وحدثنا الفضل بن موسى عن عبد الملك عن عطاء في هذه الآية قال: أخرجوا من صلب آدم حين أخذ منهم الميثاق ثم ردوا في صلبه. قال إسحاق: وأخبرنا علي بن الأجلع عن الضحاك قال: إن اللّه أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى أن تقوم الساعة فأخرجهم مثل الذر فقال: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ ثم قبض بيمينه فقال: هؤلاء في الجنة، وقبض أخرى فقال: هؤلاء في النار. قال إسحاق: وأخبرنا أبو عامر العقدي وأبو نعيم الملائي قال: حدثنا هشام ابن سعد عن يحيى وليس بابن سعيد قال: قلت لابن المسيب: ما تقول في العزل؟ قال: إن شئت حدثتك حديثا هو حق، إن اللّه سبحانه لما خلق آدم أراه كرامة لم يرها أحد من خلق اللّه، أراه كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، فمن حدثك أن يزيد فيهم شيئا أو ينقص منهم فقد كذب ولو كان لي سبعون ما باليت. وفي تفسير ابن عيينة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا} قال: يوم أخذه الميثاق. قال إسحاق: فقد كانوا في ذلك الوقت مقرين وذلك أن اللّه عز وجل أخبر أنه قال: أ لَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى واللّه تعالى لا يخاطب إلا من يفهم عنه المخاطبة ولا يجيب إلا من فهم السؤال، فإجابتهم إياه بقولهم دليل على أنهم قد فهموا عن اللّه وعقلوا عنه استشهاده إياهم: أ لَسْتُ بِرَبِّكم فأجابوه من بعد عقل منهم للمخاطبة وفهم لها بأن ﴿قالُوا بَلى﴾ فأقروا له بالربوبية. [فصل: الدليل على أن الأرواح خلقت بعد الأبدان] واحتجوا أيضا بما رواه أبو عبد اللّه بن منده أخبرنا محمد بن صابر البخاري، حدثنا محمد بن المنذر بن سعيد الهروي، حدثنا جعفر بن محمد بن هارون المصيصي، حدثنا عتبة بن السكن، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا عطاء بن عجلان، عن يونس بن حلبس، عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: «إن اللّه خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف». فهذا بعض ما احتج به هؤلاء. قال الآخرون: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: ذكر الدليل على أن الأرواح خلقت بعد خلق الأبدان، الثاني: الجواب عما استدللتم به. فأما المقام الأول: فقد قال تعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين وأصرح منه قوله يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ} الآية، وهذا صريح في أن خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق أصله. فإن قيل: فهذا لا ينفي تقدم خلق الأرواح على أجسادها وإن خلقت بعد خلق أبي البشر كما دلت عليه الآثار المتقدمة. قيل: سنبين إن شاء اللّه تعالى أن الآثار المذكورة لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا. وغايتها أن تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها، وقدر كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد، ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة، كما قاله أبو محمد بن حزم، فهل تحمل الآثار ما لا طاقة لها به؟ نعم، الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولا، فيجي ء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق، كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقدارا وآجالا وصفات وهيئات ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره لها لا تزيد عليه ولا تنقص منه. فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدر السابق، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية، فمن قاله من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه. وأما حديث مالك فقال أبو عمر: هو حديث منقطع، مسلم بن يسار لم يلق عمر بن الخطاب، وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة، وهو أيضا مع الإسناد لا يقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول، قيل: إنه مدني وليس بمسلم بن يسار البصري. قال ابن أبي خيثمة: قرأت على يحيى بن معين حديث مالك هذا عن زيد بن أبي أنيسة فكتب بيده على مسلم بن يسار «لا يعرف». ثم ساقه أبو عمر من طريق النسائي (أخبرنا) محمد بن وهب حدثنا محمد ابن سلمة قال: حدثني أبو عبد الرحيم قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة. ثم ساقه من طريق سخبرة (حدثنا) أحمد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد عن مسلم عن نعيم، قال أبو عمر: وزيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة أن الذي لم يذكره حفظ، وإنما الزيادة من الحافظ المتقن. وجملة القول في هذا الحديث: أنه حديث ليس إسناده بالقائم لأن مسلم ابن يسار ونعيم بن ربيعة جميعا غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره جماعة يطول ذكرهم. ومراد أبو عمر الأحاديث الدالة على القدر السابق، فإنها هي التي ساقها بعد ذلك، فذكر حديث عبد اللّه بن عمر في القدر وقال في آخره: وسأله رجل من مزينة أو جهينة، فقال: يا رسول اللّه ففيم العمل؟ فقال: «إن أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ييسرون لعمل أهل النار». قال: وروى هذا المعنى في القدر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد اللّه بن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو سريحة الغفاري وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمرو وعمران بن حصين وعائشة وأنس بن مالك وسراقة بن جعشم وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت، وأكثر أحاديث هؤلاء لها طرق شتى ثم ساق كثيرا منها بإسناده. وأما حديث أبي صالح عن أبي هريرة فإنما يدل على استخراج الذرية وتمثلهم في صور الذر، وكان منهم حينئذ المشرق والمظلم، وليس فيه أنه سبحانه خلق أرواحهم قبل الأجساد وأقرها بموضع واحد، ثم سل كل روح من تلك الأرواح عند حدوث بدنها إليه، نعم هو سبحانه يخص كل بدن بالروح التي قدر أن يكون له في ذلك الوقت، وأما أنه خلق نفس ذلك البدن في ذلك الوقت وفرغ من خلقها وأودعها مكان في معطلة عن بدنها حتى إذا أحدث بدنها أرسلها إليه من ذلك المكان فلا بدل شيء من الأحاديث ذلك البتة لمن تأملها. وأما حديث أبي بن كعب فليس هو عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وغايته: لو صح، ولم يصح أن يكون من كلام أبي وهذا الإسناد يروي به أشياء منكرة جدا مرفوعة وموقوفة، وأبو جعفر الرازي وثق وضعف، وقال علي بن المديني: كان ثقة، وقال أيضا: كان يخلط، وقال ابن معين: هو ثقة، وقال أيضا: يكتب حديثه إلا أنه يخطئ، وقال الإمام أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال أيضا: صالح الحديث، وقال الفلاس: سيئ الحفظ، وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، وقال ابن حيان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير. قلت: ومما ينكر هذا الحديث قوله: فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فدخل في فيها. ومعلوم أن الروح الذي أرسل إلى مريم ليس هو روح المسيح بل ذلك الروح الذي نفخ فيها فحملت بالمسيح قال تعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا، قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ فروح المسيح لا يخاطبها عن نفسه بهذه المخاطبة قطعا، وفي بعض طرق حديث أبي جعفر هذا أن روح المسيح هو الذي خاطبها وهو الذي أرسل إليها. وهاهنا أربع مقامات: - أحدها: أن اللّه سبحانه وتعالى استخرج صورهم وأمثالهم فميز شقيهم وسعيدهم ومعافاهم ومبتلاهم. - والثاني: أن اللّه سبحانه أقام عليهم الحجة حينئذ وأشهدهم بربوبيته واستشهد عليهم ملائكته. - الثالث: أن هذا هو تفسير قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. - الرابع: أنه أقر تلك الأرواح كلها بعد إخراجها بمكان وفرغ من خلقها، وإنما يتجدد كل وقت إرسال جملة منها بعد جملة إلى أبدانها. فأما المقام الأول فالآثار متظاهرة به مرفوعة وموقوفة. وأما المقام الثاني فإنما أخذ من أخذه من المفسرين من الآية، وظنوا أنه تفسيرها، وهذا قول جمهور المفسرين من أهل الأثر، وقال أبو إسحاق: جائز أن يكون اللّه سبحانه جعل لأمثال الذر التي أخرجها فهما تعقل به كما قال ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾. وقد سخر مع داود الجبال تسبح معه والطير. وقال ابن الأنباري: مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن اللّه أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم في صور الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون، فاعترفوا بذلك وقبلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم، كما جعل للجبل عقلا حين خوطب، وكما فعل ذلك بالبعير لما سجد، والنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت. وقال الجرجاني: ليس بين قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن اللّه مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته» وبين الآية اختلاف بحمد اللّه؛ لأنه عز وجل إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته، لأن ذرية آدم لذريته، بعضهم من بعض وقوله تعالى: {أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ أي عن الميثاق المأخوذ عليهم، فإذا قالوا ذلك كانت الملائكة شهودا عليهم بأخذ الميثاق. قال: وفي هذا دليل على التفسير الذي جاءت به الرواية من أن اللّه تعالى قال للملائكة: اشهدوا، فقالوا: شهدنا. قال: وزعم بعض أهل العلم أن الميثاق إنما أخذ على الأرواح دون الأجساد، لأن الأرواح هي التي تعقل وتفهم، ولها الثواب وعليها العقاب، والأجساد أموات لا تعقل ولا تفهم، قال: وكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، وذكر أنه قول أبي هريرة، قال إسحاق: وأجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم وأشهدهم، قال الجرجاني: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ والأجساد قد بليت واضمحلت في الأرض والأرواح ترزق وتفرح، وهي التي تلد وتألم وتفرح وتحزن وتعرف وتنكر، وبيان ذلك في الأحلام موجود، وأن الإنسان يصبح وأثر لذة الفرح وألم الحزن باق في نفسه مما تلاقي الروح دون الجسد، قال: وحاصل الفائدة في هذا الفصل أنه سبحانه قد أثبت الحجة على كل منفوس ممن يبلغ وممن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم، وبالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين، وبالمواعظ بالمثلات المنقولة إليهم أخبارها، غير أنه عز وجل لا يطالب أحدا منهم من الطاعة إلا بقدر ما لزمه من الحجة وركب فيهم من القدرة وآتاهم من الأدلة. وبين سبحانه ما هو عامل في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي، وحجب عنا علم ما قدره في غير البالغين، إلا أنا نعلم أنه عدل لا يجوز في حكمه، وحكيم لا تفاوت في صنعه، وقادر لا يسأل عما يفعل، له الخلق والأمر، تبارك اللّه رب العالمين. [فصل: معنى الآية: وإذا أخذ ربك ... ] ونازع هؤلاء غيرهم في معنى الآية، وقالوا: معنى قوله ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم بما أظهر لهم آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم، فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما يشهد على أنه بارئه ونافذ الحكم فيه. فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ يزيدهم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا نحن كفرة، وكما تقول: قد شهدت جوارحي بقولك تريد قد عرفته، فكأن جوارحي لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت، ومن هذا أعلامه وتبينه أيضا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلهَ إلّا هُوَ﴾ يريد أعلم وبين، فأشبه ذلك شهادة من شهد عن الحكام وغيرهم. هذا كلام ابن الأنباري. وزاد الجرجاني بيانا لهذا القول فقال حاكيا عن أصحابه: إن اللّه لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن وما لم يكن بعد مما هو كائن، كالكائن إذ علمه بكونه مانع من غير كونه شائع في مجاز العربية أن يوضع ما هو منتظر بعد مما يقع بعد موقع الواقع لسبق علمه بوقوعه، كما قال عز وجل في موضع من القرآن كقوله تعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ وقال: فيكون تأويل قوله ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ وإذ يأخذ ربك﴾ وكذلك قوله ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أي ويشهدهم بما ركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب، وكل من ولد بلغ الحنث وعقل الضر والنفع، وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب، صار كأن اللّه تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل وأراه من الآيات والدلائل على حدوثه، وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه، وإذا لم يجز ذلك فلا بد له من خالق هو غيره ليس كمثله، وليس من مخلوق يبلغ هذا المبلغ ولم يقدح فيه مانع من فهم إلا إذا مرّ به أمر يفزع إلى اللّه عز وجل حين يرفع رأسه إلى السماء ويشير إليها بإصبعه علما منه بأن خالقه تعالى فوقه. وإذا كان العقل الذي منه الفهم والإفهام مؤديا إلى معرفة ما ذكرنا ودالا عليه، فكل من بلغ هذا المبلغ فقد أخذ عليه العهد والميثاق، وجائز أن يقال: أقر وأذعن وأسلم، كما قال اللّه عز وجل ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا}. قال: واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه»، وقوله عز وجل ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها ثم قال تعالى وحَمَلَها الإنْسانُ﴾. فالأمانة هاهنا عهد وميثاق، فامتناع السماوات والأرض والجبال من حمل الأمانة لأجل خلوها من العقل الذي يكون به الفهم والإفهام، وحمل الإنسان إياها لمكان العقل فيه، قال: وللعرب فيها ضروب نظم، فمنها قوله: ؎ضمن القنان لفقعس بثباتها ∗∗∗ إن القنان لفقعس لا يأتلى والقنان جبل}، فذكر أنه قد ضمن لفقعس، وضمانه له أنهم كانوا إذا حل بهم أمر من هزيمة أو خوف لجئوا إليه، فجعل ذلك كالضمان لهم، منه قول النابغة: ؎كأجارف الجولان هلل ربه ∗∗∗ وحوارن} منها خاشع متضائل وأجارف الجولان جبالها وحوران الأرض التي إلى جانبها، وقال هذا القائل: إن في قوله تعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ دليلا على هذا التأويل، لأنه عز وجل أعلم أن هذا الأخذ للعهد عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. والغفلة هاهنا لا تخلوا من أحد وجهين: إما أن تكون عن يوم القيامة أو عن أخذ الميثاق، فأما يوم القيامة فلم يذكر سبحانه في كتابه أنه أخذ عليهم عهدا وميثاقا بمعرفة البعث والحساب، وإنما ذكر معرفته فقط، وأما أخذ الميثاق الأطفال والإسقاط، إن كان هذا العهد مأخوذا عليهم كما قال المخالف فهم لم يبلغوا بعد أخذ هذا الميثاق عليهم مبلغا يكون منهم غفلة عنه فيجحدونه وينكرونه، فمتى تكون هذه الغفلة منهم وهو عز وجل لا يؤاخذهم بما لم يكن منهم، وذكر ما لا يجوز ولا يكون محال. وقوله تعالى أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ} فلا يخلو هذا الشرك الذي يؤاخذون به أن يكون منهم أنفسهم أو من آبائهم، فإن كان منهم فلا يجوز أن يكون ذلك إلا بعد البلوغ وثبوت الجحد عليهم، إذ الطفل لا يكون منه شرك ولا غيره، وإن كان من غيرهم فالأمة مجمعة على أن لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} كما قال عز وجل في الكتاب وليس هذا بمخالف لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: أن اللّه مسح ظهر آدم وأخرج منه ذريته فأخذ عليهم العهد، لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم اقتص قول اللّه عز وجل فجاء مثل نظمه فوضع الماضي من اللفظ موضع المستقبل. قال: وهذا شبيه القصة بقصة قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، فجعل سبحانه ما أنزل على الأنبياء من الكتاب والحكمة من ميثاقا أخذه من أممهم بعدهم يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾، ثم قال للأمم أ أقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ فجعل سبحانه بلوغ الأمم كتابه المنزل على أنبيائهم حجة عليهم كأخذ الميثاق عليهم وجعل معرفتهم به إقرارا منهم. قلت: وشبيه به أيضا قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ فهذا ميثاقه الذي أخذه عليهم بعد إرسال رسله إليهم بالإيمان به وتصديقه، ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ. وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فهذا عهده إليهم على ألسنة رسله، ومثله قوله تعالى لبني إسرائيل ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ومثله ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ وقوله تعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، فهذا ميثاق أخذه منهم بعد بعثهم كما أخذ من أممهم بعد إنذارهم، وهذا الميثاق الذي لعن سبحانه من نقضه، وعقبه بقوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ فإنما عاقبهم بنقضهم الميثاق الذي أخذه عليهم على ألسنة رسله، وقد صرح به في قوله تعالى وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ} ولما كانت هذه الآية ونظيرها في سورة مدنية، خاطب بالتذكير بهذا الميثاق فيها أهل الكتاب، فإنه ميثاق أخذه عليهم بالإيمان به وبرسله، ولما كانت هذه آية الأعراف في سورة مكية، ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقر بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك، وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة، وينقطع به العذر، وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك، فلا بد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به، وذلك ما فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته وأن فاطرهم ربهم، وأنهم مخلوقون مربوبون، ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم، ويعرفونهم حقه عليهم، وأمره ونهيه ووعده ووعيده. ونظم الآية إنما يدل على هذا من وجوه متعددة: - أحدها: أنه قال ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل آدم، وبنو آدم غير آدم. - الثاني: أنه قال ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل ظهر، وهذا بدل بعض من كل أو بدل اشتمال، وهو أحسن. - الثالث: أنه قال ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ولم يقل ذريته. - الرابع: أنه قال ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أي جعلهم شاهدين على أنفسهم، فلا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار لا يذكر شهادة قبلها. - الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة ﴿إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. - السادس: تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة ﴿إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ ومعلوم أنهم بالإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعا ذلك الوقت فهذا لا يذكره أحد منهم. - السابع: قوله تعالى أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ} فذكر حكمتين في هذا التعريف والإشهاد إحداهما أن لا يدعو الغفلة، والثانية أن لا يدعو التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد يتبع في تقليده غيره. - الثامن: قوله تعالى: ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ أي لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه. وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الأعذار والإنذار. - التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليهم بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف يصرفون عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم أن اللّه ربهم وخالقهم؛ وهذا كثير في القرآن فهذه هي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقوله تعالى: ﴿أ في اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاللّه تعالى إنما ذكرهم على ألسنة رسله بهذا الإقرار والمعرفة ولم يذكرهم قط بإقرار سابق على إيجادهم ولا أقام به عليهم حجة. - العاشر: أنه جعل هذا آية: وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها، بحيث لا يتخلف عنها المدلول، وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة على مطلوب معين مستلزمة للعلم به، فقال تعالى: {وكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ أي مثل هذا التفصيل والتبيين نفصل الآيات لعلهم يرجعون من الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الإيمان. وهذه الآيات التي فصّلها هي التي بينها في كتابه من أنواع مخلوقاته، وهي آيات أفقية ونفسية وهي آيات في نفوسهم وذواتهم، وآيات في الأقطار والنواحي مما يحدثه الرب تبارك وتعالى، مما يدل على وجوده ووحدانيته وصدق رسله، وعلى المعاد والقيامة. ومن أبينها ما أشهد به كل واحد على نفسه من أنه ربه وخالقه ومبدعه، وأنه مربوب مخلوق مصنوع حادث بعد أن لم يكن، ومحال أن يكون حدث بلا محدث، أو يكون هو المحدث لنفسه، فلا بد له من موجد أوجده، ليس كمثله شيء. وهذا الإقرار والمشاهدة فطرة فطروا عليها، ليست بمكتسبة، وهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مطابقة لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» ولقوله تعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾. ومن المفسرين من لم يذكر إلا هذا القول فقط كالزمخشري، ومنهم من لم يذكر إلا القول الأول فقط، ومنهم من حكى القولين كابن الجوزي والواحدي والماوردي وغيرهم. وقال الحسن بن يحيى الجرجاني: فاعترض معترض في هذا الفصل بحديث يروى عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «إن اللّه مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد ثم ردهم في ظهره»، وقال: إن هذا مانع من جواز التأويل ذهبت إليه لامتناع ردهم في الظهر إن كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل، قيل له: إن معنى ثم ردهم في ظهره ثم يردهم في ظهره كما قلنا إن معنى أخذ ربك: يأخذ ربك، فيكون معناه: ثم يردهم في ظهره بوفاتهم، لأنهم إذا ماتوا ردوا إلى الأرض للدفن، آدم خلق منها ردوا فيها، فإذا ردوا فيها فقد ردوا في آدم وفي ظهره، إذ كان آدم خلق منها وفيها رد، وبعض الشيء من الشيء، وفيما ذهبتم إليه من تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوت بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى إلا أن يرد تأويله إلى ما ذكرناه لأنه عز وجل قال: وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ولم يذكر آدم في الفصل إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم أولاده، وفي الحديث: أنه} «مسح ظهر آدم»، فلا يمكن رد ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتفاق إلا بالتأويل الذي ذكرناه. قال الجرجاني: وأنا أقول: ونحن نذهب إلى ما روي في الآية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وما ذهب إليه أهل العلم من السلف الصالح أمثل، وله أقبل وبه آنس، واللّه ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى. على أن بعض أصحابنا من أهل السنّة قد ذكر في الرد على هذا القائل معنى يحتمل ويسوغ في النظم الجاري ومجاز العربية بسهولة، وإمكان من غير تعسف ولا استكراه، وهو أن يكون قوله تعالى: {وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مبتدأ خبر من اللّه عز وجل عما كان منه في أخذ العهد عليهم، وإذ تقتضي جوابا يجعل جوابه قوله تعالى: {قالُوا بَلى وانقطع هذا الخبر بتمام قصته، ثم ابتدأ عز وجل خبرا آخر يذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة، فقالوا: شهدنا، يعني نشهد، كما قال الحطيئة: ؎شهد الحطيئة حين يلقى ربه ∗∗∗ أن الوليد أحق بالعذر بمعنى يشهد الحطيئة، يقول تعالى: نشهد أنكم ستقولون يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أي عما هم فيه من الحساب والمناقشة والمؤاخذة بالكفر، ثم أضاف خبرا آخر فقال: أوْ تَقُولُوا بمعنى وأن تقولوا، لأن أو بمعنى واو النسق، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ فتأويله: ونشهد أن تقولوا يوم القيامة: إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ} أي أنهم أشركوا وحملونا على مذهبهم في الشرك في صبانا فجرينا على مذاهبهم واقتدينا بهم، فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم، والذنب في ذلك لهم، قالوا: إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ} يدل على ذلك قولهم: أ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ أي حملهم إيانا على الشرك، فتكون القصة الأولى خبرا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق عليهم، والقصة الثانية خبر عما يقول المشركون يوم القيامة من الاعتذار. وقال: فيما ادعاه المخالف أنه تفاوت فيما بين الكتاب والخبر لاختلاف ألفاظهما فيهما قولا يجب قبوله بالنظائر والعبر التي تأيد بها لمخالفته، فقال: إن الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن اللّه مسح ظهر آدم، أفاد زيادة خبر كان في القصة التي ذكر اللّه تعالى في الكتاب بعضها ولم يذكر كلها ولو أخبر صلى اللّه عليه وآله وسلم به سوى هذه الزيادة التي أخبر بها مما عسى أن يكون قد كان في ذلك الوقت الذي أخذ فيه العهد مما يضمنه اللّه كتابه لما كان في ذلك خلاف ولا تفاوت بل كان زيادة في الفائدة. وكذلك الألفاظ إذا اختلف في ذاتها وكان مرجعها إلى أمر واحد لم يوجب تناقضا كما قال عز وجل في كتابه في خلق آدم فذكر مرة أنه خلق من تراب ومرة أنه خلق من حمأ مسنون، ومرة من طين لازب، ومرة من صلصال كالفخار. فهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها أيضا في الأحوال مختلفة إذ الصلصال غير الحمأ، والحمأة غير التراب إلا أن مرجعها كلها في الأصل إلى جوهر واحد وهو التراب ومن التراب تدرجت هذه الأحوال. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته معنى واحد في الأصل إلا أن قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم مسح ظهر آدم زيادة في الخبر عن اللّه عز وجل ومسحه عز وجل ظهر آدم واستخراج ذريته منه مسح لظهور ذريته واستخراج ذريتهم من ظهورهم كما ذكر تعالى لأنا قد علمنا أن جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه لكن لما كان الطبق الأول من صلبه ثم الثاني من صلب الأول ثم الثالث من صلب الثاني جاز أن ينسب ذلك كله إلى ظهر آدم لأنهم فرعه وهو أصلهم. وكما جاز أن يكون ما ذكر اللّه عز وجل أنه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ظهر آدم جاز أن يكون ما ذكر صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه استخرجه من ظهر آدم من ذريته إذ الأصل والفرع شيء واحد، وفيه أيضا أنه عز وجل لما أضاف الذرية إلى آدم في الخبر احتمل أن يكون الخبر عن الذرية وعن آدم كما قال عز وجل: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ} والخبر في الظاهر عن الأعناق والنعت للأسماء المكنية فيها وهو مضاف إليها، كما كان آدم مضافا إليه هناك، وليسا جميعا بالمقصودين في الظاهر بالخير، ولا يحتمل أن يكون قوله خاضعين للأعناق، لأن وجه جمعها خاضعات ومنه قول الشاعر: ؎وتشرق بالقول الذي قد أذعته ∗∗∗ كما شرقت صدر القناة من الدم فالصدر مذكر، وقوله شرقت أنت لإضافة الصدر إلى القناة. فهذا بعض كلام السلف والخلف في هذه الآية، وعلى تقدير فلا تدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقا مستقرا، وإنما غايتها أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم، ثم ردهم إلى أصلهم إن صح الخبر بذلك، والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد. [فصل: الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق الأبدان] وأما الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها فمن وجوه: أحدها: أن خلق أبي البشر وأصلهم كان هكذا، فإن اللّه سبحانه أرسل جبريل فقبض قبضة من الأرض ثم خمرها حتى صارت طينا، ثم صوره، ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوره، فلما دخلت الروح فيه صار لحما ودما حيا ناطقا. ففي تفسير أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: لما فرغ اللّه عز وجل من خلق ما أحب، استوى على العرش، فجعل إبليس ملكا على سماء الدنيا، وكان من الخزان قبله من ملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان أهل الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنا، فوقع في صدره وقال: ما أعطاني اللّه هذا إلا لمزية لي. وفي لفظ لمزية لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع اللّه على ذلك منه، فقال اللّه للملائكة: إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالوا ربنا وما يكون حال الخليفة، وما يصنعون في الأرض؟ قال اللّه: تكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعهم بعضا، قالوا: ربنا أ تَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} يعني من شأن إبليس، فجعل جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقال الأرض: إني أعوذ باللّه منك أن تقبض مني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فبعث ملك الموت. فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ باللّه أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء. ولذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به قبل الرب عز وجل حتى عاد طينا لازبا، واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ. فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ}، لخلقه اللّه بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه، فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعا إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة، فذلك حين يقول: مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ} ويقول: لأمر ما خلقت! ودخل من فيه فخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكته، فلما بلغ الحين الذي يريد اللّه جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس، فقالت الملائكة: قل الحمد للّه، فقال: الحمد للّه، فقال له اللّه: يرحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، وقبل أن يبلغ الروح رجليه نهض عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ} وذكر باقي الحديث. قال يونس بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهب، حدثنا ابن زيد قال: لما خلق اللّه النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا وقالوا: ربما لم خلقت هذه النار؟ ولأي شيء خلقتها؟ قال: لمن عصاني من خلقي. ولم يكن للّه يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، إنما خلق آدم بعد ذلك، وقرأ قوله تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ قال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه ليت ذلك الحين، ثم قال: وقالت الملائكة: ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ لا يرون له خلقا غيرهم، قال: لا! إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة. وذكر الحديث. قال ابن إسحاق: فيقال واللّه أعلم: خلق اللّه آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسه نار، فيقال واللّه أعلم: لما انتهى الروح إلى رأسه عطس فقال: الحمد للّه ... وذكر الحديث. والقرآن والحديث والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده، فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح، ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه، ولما تعجبت من خلق النار، وقالت: لأي شيء خلقتها؟ وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن والكافر والطيب والخبيث. ولما كانت أرواح الكفار كلها تبعا لإبليس، بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة قبل كفره، فإن اللّه سبحانه إنما حكم عليه بالكفر بعد خلق بدن آدم وروحه، ولم يكن قبل ذلك كافرا، فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة وهو لم يكن كافرا إذ ذاك؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه، فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره، إلا أن يقال: كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه، والذي احتجوا به على تقديم خلق الأرواح يخالف ذلك. وفي حديث أبي هريرة في تخليق العالم الأخبار عن خلق أجناس العالم تأخر خلق آدم إلى يوم الجمعة، ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام، فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن خلقها تابع لخلق الذرية، وأن خلق آدم وحده هو الذي وقع في تلك الأيام الستة، وأما خلق ذريته فعلى الوجه المشاهد المعاين. ولو كان للروح وجود قبل البدن وهي حية عالمة ناطقة لكانت ذاكرة لذلك في هذا العالم شاعرة به ولو بوجه ما. ومن الممتنع أن تكون حية عالمة ناطقة عارفة بربها، وهي بين ملأ من الأرواح، ثم تنتقل إلى هذا البدن ولا تشعر بحالها قبل ذلك بوجه ما. وإذا كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل وتعلم ما كانت عليه هاهنا مع أنها اكتسبت بالبدن أمورا عاقتها عن كثير من كمالها، فلأن تشعر بحالها الأول وهي غير معوقة هناك بطريق الأولى، إلا أن يقال: تعلقها بالبدن واشتغالها بتدبيره منعها من شعورها بحالها الأول. فيقال: هب أنه منعها من شعورها به على التفصيل والكمال فهل يمنعها عن أدنى شعور بوجه ما مما كانت عليه قبل تعلقها بالبدن، ومعلوم أن تعلقها بالبدن لم يمنعها عن الشعور بأول أحوالها وهي في البدن، فكيف يمنعها من الشعور بما كان قبل ذلك. وأيضا فإنها لو كانت موجودة قبل البدن لكانت عالمية حية ناطقة عاقلة، فلما تعلقت بالبدن سلبت ذلك كله، ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئا فشيئا، وهذا لو كان لكان أعجب الأمور أن تكون الروح كاملة عاقلة ثم تعود ناقصة ضعيفة جاهلة، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها، فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدل على هذا؟ وقد قال تعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ فهذه الحال التي أخرجنا عليها هي حالنا الأصلية، والعلم والعقل والمعرفة والقوة طارئ علينا، حادث فينا بعد أن لم يكن، ولم نكن نعلم قبل ذلك شيئا البتة، إذ لم يكن لنا وجود نعلم ونعقل به. وأيضا فلو كانت مخلوقة قبل الأجساد وهي على ما هي الآن من طيب وخبث وكفر وإيمان وخير وشر لكان ذلك ثابتا لها قبل الأعمال، وهي إنما اكتسبت هذه الصفات والهيئات من أعمالها التي سعت في طلبها واستعانت عليها بالبدن فلم تكن لتتصف بتلك الهيئات والصفات قبل قيامها بالأبدان التي بها عملت تلك الأعمال. وإن كان قدر لها قبل إيجادها ذلك ثم خرجت إلى هذه الدار على ما قدر لها فنحن لا ننكر الكتاب والقدر السابق لها من اللّه، ولو دل دليل على أنها خلقت جملة ثم أودعت في مكان حية عالمة ناطقة ثم كل وقت تبرز إلى أبدانها شيئا فشيئا لكنا أول قائل به. فاللّه سبحانه على كل شيء قدير ولكن لا نخبر عنه خلقا وأمرا إلا بما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم، ومعلوم أن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يخبر عنه بذلك، وإنما أخبر بما في الحديث الصحيح: «إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح» فالملك وحده يرسل إليه، فينفخ فيه، فإذا نفخ فيه كان ذلك سبب حدوث الروح فيه، ولم يقل: يرسل الملك إليه بالروح فيدخلها في بدنه، وإنما أرسل إليه الملك فأحدث فيه الروح بنفخته فيه، لا أن اللّه سبحانه أرسل إليه الروح التي كانت موجودة قبل ذلك بالزمان الطويل مع الملك، ففرق بين أن يرسل إليه الملك لينفخ فيه الروح، وبين أن يرسل إليه روح مخلوقة قائمة بنفسها مع الملك، وتأمل ما دل عليه النص من هذين المعنيين وباللّه التوفيق. [فَصْلٌ ضَلالُ القَدَرِيَّةِ في مَعْنى الفِطْرَةِ والرَّدُّ عَلَيْهِمْ] قالَ شَيْخُنا: واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَمّا صارَتِ القَدَرِيَّةُ يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلى قَوْلِهِمُ الفاسِدِ، صارَ النّاسُ يَتَأوَّلُونَهُ تَأْوِيلاتٍ يُخْرِجُونَهُ بِها عَنْ مُقْتَضاهُ، فالقَدَرِيَّةُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الإسْلامِ، واللَّهُ لا يُضِلُّ أحَدًا، ولَكِنْ أبَواهُ يُضِلّانِهِ، والحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ لَمْ يُولَدْ أحَدٌ مِنهم عَلى الإسْلامِ أصْلًا، ولا جَعَلَ اللَّهُ أحَدًا مُسْلِمًا، ولا كافِرًا، ولَكِنَّ هَذا أحْدَثَ لِنَفْسِهِ الكُفْرَ، وهَذا أحْدَثَ لِنَفْسِهِ الإسْلامَ، واللَّهُ لَمْ يَفْعَلْ واحِدًا مِنهُما عِنْدَهم بِلا نِزاعٍ عِنْدَ القَدَرِيَّةِ، ولَكِنْ هو دَعاهُما إلى الإسْلامِ، وأزاحَ عِلَلَهُما، وأعْطاهُما قُدْرَةً مُماثِلَةً فِيهِما تَصْلُحُ لِلْإيمانِ، والكُفْرِ، ولَمْ يَخْتَصَّ المُؤْمِنُ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي حُصُولَ الإيمانِ، فَإنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم غَيْرُ مَقْدُورٍ، ولَوْ كانَ مَقْدُورًا لَكانَ ظُلْمًا، وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُعْتَزِلَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مُتَأخَّرِيهِمْ كَأبِي الحُسَيْنِ يَقُولُ: إنَّهُ خَصَّ المُؤْمِنَ بِداعِي الإيمانِ، ويَقُولُ: عِنْدَ الدّاعِي والقُدْرَةِ يَجِبُ وُجُودُ الإيمانِ، فَهَذا في الحَقِيقَةِ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، فَهَذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ. الثّانِي: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَحْصُلُ إلّا بِالنَّظَرِ المَشْرُوطِ بِالعَقْلِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ عِنْدَهم ضَرُورِيَّةً، أوْ تَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنِ احْتَجَّتِ القَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ: " «فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ» " مِن جِهَةِ كَوْنِهِ أضافَ التَّغْيِيرَ إلى الأبَوَيْنِ، يُقالُ لَهُمْ: أنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَقْدِرُ اللَّهُ ولا أحَدٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهُما يَهُودِيَّيْنِ ولا نَصْرانِيَّيْنِ، ولا مَجُوسِيَّيْنِ، بَلْ هُما فَعَلا بِأنْفُسِهِما ذَلِكَ بِلا قُدْرَةٍ مِن غَيْرِهِما، ولا فِعْلٍ مِن غَيْرِهِما، فَحِينَئِذٍ لا حُجَّةَ لَكم في قَوْلِهِ: " «فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ» ". وَأهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَقْدِرُ عَلى جَعْلِ الهُدى، والضَّلالِ في قَلْبِ أحَدٍ، فَقَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ دَعْوَةُ الأبَوَيْنِ إلى ذَلِكَ، وتَرْغِيبُهُما فِيهِ، وتَرْبِيَةُ الوَلَدِ عَلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ المُعَلِّمُ بِالصَّبِيِّ، وذَكَرَ الأبَوَيْنِ بِناءً عَلى الغالِبِ المُعْتادِ، وإلّا فَقَدَ يَقَعُ ذَلِكَ مِن أحَدِهِما، ومِن غَيْرِهِما حَقِيقَةً وحُكْمًا. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، فَأجابُوا بِكَلام شاهِدِينَ مُقِرِّينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، ثُمَّ وُلِدُوا عَلى ذَلِكَ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: فَقَوْلُهُ: " ثُمَّ وُلِدُوا عَلى ذَلِكَ " زِيادَةٌ مِنهُ لَيْسَتْ في الكِتابِ، ولا جاءَتْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ. وَسَنَذْكُرُ الأخْبارَ المَرْوِيَّةَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ لِنُبَيِّنَ لِلنّاظِرِ فِيها أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ فِيها، وأنَّهُ لا دَلِيلَ في شَيْءٍ مِنها أنَّ الأطْفالَ يُولَدُونَ، وهم عارِفُونَ بِاللَّهِ مِن وقْتِ سُقُوطِهِمْ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ. قُلْتُ: قَوْلُهُ: " ثُمَّ وُلِدُوا عَلى ذَلِكَ " إنْ أرادَ بِهِ أنَّهم وُلِدُوا حالَ سُقُوطِهِمْ وخُرُوجِهِمْ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ عالِمِينَ بِاللَّهِ، وتَوْحِيدِهِ، وأسْمائِهِ، وصِفاتِهِ فَقَدْ أصابَ في الرَّدِّ عَلَيْهِ، وإنْ أرادَ أنَّهم وُلِدُوا عَلى حُكْمِ ذَلِكَ الأخْذِ، وأنَّهم لَوْ تُرِكُوا لَما عَدَلُوا عَنْهُ إذا عَقَلُوا، فَهو الصَّوابُ الَّذِي لا يُرَدُّ. قالَ مُحَمَّدٌ: فَمِن أجْلِ ما رُوِيَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَدَّثَنا يَحْيى قالَ: قَرَأْتُ عَلى مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الخَطّابِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها؟ فَقالَ: " إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ، وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ، وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن عَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فَيَدْخُلُ بِهِ النّارَ». حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنانٍ الرُّهاوِيُّ، عَنْ أبِيهِ، أخْبَرَنا زَيْدُ بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ الأزْدِيِّ، قالَ مُسْلِمٌ: سَألْتُ نُعَيْمًا، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ نُعَيْمٌ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجاءَ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْها؟ فَقالَ. . . الحَدِيثَ، وهَذا يُبَيِّنُ عِلَّةَ الحَدِيثِ الأوَّلِ، وأنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن عُمَرَ. قالَ: وحَدَّثَنا إسْحاقُ، أخْبَرَنا حَكّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي مُحَمَّدٍ رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ قالَ: «سَألْتُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْها كَما سَألْتَنِي، فَقالَ: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، ثُمَّ أجَّلَهُ فَمَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأخْرَجَ ذَرًّا، فَقالَ: ذَرٌّ ذَرّاتُهم لِلْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ بِما شِئْتُ مِن عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِمُ لَهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأخْرَجَ ذَرًّا، فَقالَ: ذَرٌّ ذَرّاتُهم لِلنّارِ يَعْمَلُونَ بِما شِئْتُ مِن عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِمُ لَهم بِأسْوَأِ أعْمالِهِمْ فَأُدْخِلُهُمُ النّارَ» ". قُلْتُ: هَذا الحَدِيثُ أدْخَلَهُ مالِكٌ في " مُوَطَّئِهِ " عَلى ما فِيهِ مِنَ العِلَّةِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ عِلَّتَهُ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن عُمَرَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم في هَذا الإسْنادِ بَيْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ وبَيْنَ عُمَرَ رَجُلًا مَجْهُولًا. وَقالَ أبُو القاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِنانِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ هَذا مِن عُمَرَ، رَواهُ عَنْ نُعَيْمٍ، عَنْ عُمَرَ. وَقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ: قَرَأْتُ عَلى يَحْيى بْنِ مَعِينٍ حَدِيثَ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ، فَكَتَبَ بِيَدِهِ عَلى مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ: " لا يُعْرَفُ ". وَقالَ أبُو عُمَرَ: " هَذا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ بِهَذا الإسْنادِ؛ لِأنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ هَذا لَمْ يَلْقَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وبَيْنَهُما في هَذا الحَدِيثِ نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ، وهَذا أيْضًا - مَعَ هَذا الإسْنادِ - لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ هَذا مَجْهُولٌ، قِيلَ: إنَّهُ مَدَنِيٌّ، ولَيْسَ بِمُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ البَصْرِيِّ ". قالَ: " وجُمْلَةُ القَوْلِ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقائِمِ؛ لِأنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ ونُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ جَمِيعًا غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ العِلْمِ. وَلَكِنْ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ ثابِتَةٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُها مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِ. " انْتَهى. وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ تِلْكَ الأحادِيثِ. قالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: أخْبَرَنا بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ قالَ: أخْبَرَنِي الزُّبَيْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَتادَةَ النَّصْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ هِشامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُبْتَدَأُ الأعْمالُ، أمْ قَدْ قُضِيَ القَضاءُ؟ فَقالَ: " إنَّ اللَّهَ لَمّا أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أفاضَ بِهِمْ في كَفَّيْهِ فَقالَ: هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ، وهَؤُلاءِ لِلنّارِ، فَأهْلُ الجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ النّارِ». أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنا حَمّادٌ، ثَنا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ أبِي نَضْرَةَ «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ: أبُو عَبْدِ اللَّهِ دَخَلَ عَلَيْهِ أصْحابُهُ يَعُودُونَهُ، وهو يَبْكِي، فَقالُوا: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، وأُخْرى بِيَدِهِ الأُخْرى، فَقالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وهَذِهِ لِهَذِهِ، ولا أُبالِي " فَلا أدْرِي في أيِّ القَبْضَتَيْنِ أنا». أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ رافِعٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ طِينًا، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى إذا كانَ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ خَلَقَهُ، وصَوَّرَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى إذا كانَ صَلْصالًا كالفَخّارِ كانَ إبْلِيسُ يَمُرُّ بِهِ فَيَقُولُ: خُلِقْتَ لِأمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ نَفَخَ اللَّهُ فِيهِ مِن رُوحِهِ. قالَ: يا رَبِّ ما ذُرِّيَّتِي؟ قالَ: اخْتَرْ يا آدَمُ. قالَ: أخْتارُ يَمِينَ رَبِّي - وكِلْتا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ - ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ كَفَّهُ فَإذا كُلُّ مَن هو كائِنٌ مِن ذُرِّيَّتِهِ في كَفِّ الرَّحْمَنِ» ". أخْبَرَنا النَّضْرُ، أخْبَرَنا أبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، ونافِعٍ مَوْلى الزُّبَيْرِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: " «لَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَ آدَمَ - فَذَكَرَ خَلْقَ آدَمَ - فَقالَ لَهُ: يا آدَمُ، أيُّ يَدَيَّ أحَبُّ إلَيْكَ أنْ أُرِيَكَ ذُرِّيَّتَكَ فِيها؟ فَقالَ: يَمِينُ رَبِّي - وكِلْتا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ - فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فَإذا فِيها ذُرِّيَّتُهُ كُلُّهُمْ: ما هو خالِقٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، الصَّحِيحُ عَلى هَيْئَتِهِ، والمُبْتَلى عَلى هَيْئَتِهِ، والأنْبِياءُ عَلى هَيْئاتِهِمْ، فَقالَ: ألا أغْنَيْتَهم كُلَّهُمْ؟ فَقالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أُشْكَرَ». . . . " وذَكَرَ الحَدِيثَ. وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، ثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، أخْبَرَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَجْلانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، ثُمَّ قالَ: بِيَدَيْهِ، فَقَبَضَهُما، فَقالَ: اخْتَرْ يا آدَمُ، فَقالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وكِلْتا يَدَيْكَ يَمِينٌ، فَبَسَطَها، فَإذا فِيها ذُرِّيَّتُهُ، فَقالَ مَن هَؤُلاءِ يا رَبِّ؟ قالَ: مَن قَضَيْتُ أنْ أخْلُقَ مِن ذُرِّيَّتِكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ. حَدَّثَنا إسْحاقُ، ثَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ الخُزاعِيُّ، أخْبَرَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: " «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِن ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هو خالِقُها مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ». . . " وذَكَرَ الحَدِيثَ. ثَنا إسْحاقُ، وعَمْرُو بْنُ زُرارَةَ قالَ: أنا إسْماعِيلُ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَسَحَ رَبُّكَ ظَهْرَ آدَمَ فَخَرَجَتْ مِنهُ كُلُّ نَسَمَةٍ هو خالِقُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِ " نُعْمانَ " هَذا الَّذِي وراءَ عَرَفَةَ فَأخَذَ مِيثاقَهم ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا. ثَنا إسْحاقُ، ثَنا وكِيعٌ، ثَنا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَ آدَمَ وهو بِبَطْنِ نُعْمانَ - وادٍ - إلى جَنْبِ عَرَفَةَ فَأخْرَجَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ فَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا. ثُمَّ ساقَهُ إسْحاقُ مِن طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ثُمَّ قالَ: أخْبَرَنا المَخْزُومِيُّ - وهو المُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ - ثَنا أبُو هِلالٍ، عَنْ أبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: مَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَ آدَمَ، فَأخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ في آذِيٍّ مِنَ الماءِ. أخْبَرَنا جَرِيرٌ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: مَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَ آدَمَ، فَخَرَجَتْ مِنهُ كُلُّ ذُرِّيَّةٍ بَدَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَعُرِضُوا عَلَيْهِ. حَدَّثَنا المُلائِيُّ، ثَنا المَسْعُودِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلى آدَمَ مِيثاقَهُ أنَّهُ رَبُّهُ، وكَتَبَ أجَلَهُ ورِزْقَهُ ومُصِيباتِهِ، ثُمَّ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ ولَدَهُ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنَّهُ رَبُّهُمْ، فَكَتَبَ أجَلَهم ورِزْقَهم ومُصِيباتِهِمْ. حَدَّثَنا وكِيعٌ، ثَنا الأعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: مَسَحَ اللَّهُ ظَهْرَ آدَمَ، فَأخْرَجَ كُلَّ طَيِّبٍ في يَمِينِهِ، وفي يَدِهِ الأُخْرى كُلُّ خَبِيثٍ. ثَنا يَحْيى، ثَنا المَسْعُودِيُّ، أخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، فَأخَذَ مِيثاقَهُ أنَّهُ رَبُّهُ، وكَتَبَ أجَلَهُ ورِزْقَهُ ومُصِيبَتَهُ، ثُمَّ أخْرَجَ ولَدَهُ مِن ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَأخَذَ مَواثِيقَهم أنَّهُ رَبُّهُمْ، فَكَتَبَ آجالَهُمْ، وأرْزاقَهُمْ، ومُصِيباتِهِمْ. وَقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: مَسَحَ اللَّهُ عَلى صُلْبِ آدَمَ، فَأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ ما يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأخَذَ مِيثاقَهم أنَّهُ رَبُّهم فَأعْطَوْهُ ذَلِكَ، فَلا يَسْألُ أحَدًا - كافِرًا أوْ غَيْرَهُ - مَن رَبُّكَ؟ إلّا قالَ: اللَّهُ. قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ. قالَ إسْحاقُ: وأخْبَرَنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخَذَهم كَما يُؤْخَذُ بِالمُشْطِ مِنَ الرَّأْسِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وحَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرانِيُّ، ثَنا حَجّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ مُوسى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ مَنكِبَ آدَمَ الأيْمَنَ، فَخَرَجَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ لِلْجَنَّةِ بَيْضاءَ نَقِيَّةً، فَقالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ ضَرَبَ مَنكِبَهُ الأيْسَرَ، فَخَرَجَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ لِلنّارِ سَوْداءَ، فَقالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ النّارِ، ثُمَّ أخَذَ عَهْدَهم عَلى الإيمانِ بِهِ، والمَعْرِفَةِ لَهُ، وبِأمْرِهِ، والتَّصْدِيقِ لَهُ وبِأمْرِهِ مِن بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، فَآمَنُوا، وصَدَّقُوا، وعَرَفُوا، وأقَرُّوا. قالَ إسْحاقُ: وحَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ عُبادَةَ، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ مُوسى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بِهَذا الحَدِيثِ، وزادَ: قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وبَلَغَنِي أنَّهُ أخْرَجَهم عَلى كَفِّهِ أمْثالَ الخَرْدَلِ. قالَ إسْحاقُ: وحَدَّثَنا حَكّامُ بْنُ سَلْمٍ الرّازِيُّ، حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ: جَمَعَهم يَوْمَئِذٍ جَمْعًا، ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَجَعَلَهم أرْواحًا، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ، ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُمْ، وتَكَلَّمُوا، وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ والمِيثاقَ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّماواتِ والأرَضِينَ السَّبْعَ، وأُشْهِدُ عَلَيْكم أباكم آدَمَ، أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ نَعْلَمْ هَذا. اعْلَمُوا أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرِي، ولا رَبَّ غَيْرِي، ولا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، فَإنِّي سَأُرْسِلُ إلَيْكم رُسُلًا يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي، ومِيثاقِي، وأُنْزِلُ عَلَيْكم كُتُبِي. قالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا، ولا رَبَّ غَيْرُكَ، ولا إلَهَ لَنا غَيْرُكَ. فَأقَرُّوا يَوْمَئِذٍ بِالطّاعَةِ، ورُفِعَ لَهم أبُوهم آدَمُ، فَنَظَرَ، فَرَأى فِيهِمُ الغَنِيَّ والفَقِيرَ، وحَسَنَ الصُّورَةِ ودُونَ ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَبِّ، لَوْ سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبادِكَ! فَقالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أُشْكَرَ، ورَأى فِيهِمُ الأنْبِياءَ مِثْلَ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ، وخُصُّوا بِمِيثاقٍ آخَرَ في الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، فَهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧]. . . إلى قَوْلِهِ:. . . ﴿غَلِيظًا﴾، وهو الَّذِي يَقُولُ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦]، وفي ذَلِكَ قالَ: ﴿وَما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وفي ذَلِكَ قالَ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤]، كانَ في عِلْمِهِ يَوْمَ أقَرُّوا بِما أقَرُّوا بِهِ، ومَن يُكَذِّبُ بِهِ ومَن يُصَدِّقُ. قالَ: وكانَ رُوحُ عِيسى مِن تِلْكَ الأرْواحِ الَّتِي أخَذَ عَلَيْها العَهْدَ والمِيثاقَ في زَمَنِ آدَمَ، فَأرْسَلَ ذَلِكَ إلى مَرْيَمَ حَتّى ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها﴾ [مريم: ١٦]. . .، إلى قَوْلِهِ:. . . (حَمَلَتْهُ). . .، حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها، وهو رُوحُ عِيسى. وَفِي تَفْسِيرِ أسْباطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، وعَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «وَعَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ أُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾. . . الآيَةَ، قالَ: لَمّا أخْرَجَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ أنْ يَهْبِطَ مِنَ السَّماءِ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِ آدَمَ اليُمْنى، فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً بَيْضاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ، وكَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَقالَ لَهُمْ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، ومَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى، فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً سَوْداءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَقالَ: ادْخُلُوا النّارَ، ولا أُبالِي، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]،: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١]، ثُمَّ أخَذَ مِنهُمُ المِيثاقَ فَقالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، فَأعْطاهُ طائِفَةٌ طائِعِينَ، وطائِفَةٌ كارِهِينَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ - أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣] فَلِذَلِكَ لَيْسَ أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ إلّا وهو يَعْرِفُ أنَّ رَبَّهُ اللَّهُ، ولا مُشْرِكٌ إلّا وهو يَقُولُ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، فَلِذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] قالَ: يَعْنِي يَوْمَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ». قالَ إسْحاقُ: وأخْبَرَنا رُوحُ بْنُ عُبادَةَ، ثَنا مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾، فَأقَرُّوا لَهُ بِالإيمانِ، والمَعْرِفَةِ: الأرْواحُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ أجْسادَها. قالَ إسْحاقُ: وحَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ مُوسى، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ حِينَ أخَذَ مِنهُمُ المِيثاقَ، ثُمَّ رُدُّوا في صُلْبِهِ. قالَ إسْحاقُ: وأخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ الأجْلَحِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أخْرَجَ مِن ظَهْرِ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ ما يَكُونُ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَأخْرَجَهم مِثْلَ الذَّرِّ، فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى، قالَتِ المَلائِكَةُ: شَهِدْنا أنْ يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ، وقَبَضَ أُخْرى، فَقالَ: هَؤُلاءِ في النّارِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وحَدَّثَنا بُنْدارٌ، ثَنا أبُو أحْمَدَ، ثَنا سُفْيانُ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] قالَ: أخْذُهُ المِيثاقَ. قالَ مُحَمَّدٌ: فَقَدْ ذَكَرْنا ما حَضَرَنا مِنَ الأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ السَّلَفِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها أنَّ الطِّفْلَ يَسْقُطُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ وهو عارِفٌ بِاللَّهِ، ولا في شَيْءٍ مِنها دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ. قُلْتُ: أبُو مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدَّ أنَّهم وُلِدُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ مَعْرِفَةً حاصِلَةً مَعَهم بِالفِعْلِ، وإنَّما أرادَ أنَّهم وُلِدُوا عَلى حُكْمِ تِلْكَ الفِطْرَةِ والمِيثاقِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَوْ خُلُّوا وفِطَرَهم لَما عَدَلُوا عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ. قالَ مُحَمَّدٌ: فَيُقالُ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ مِن دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: " «أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَيْها» " هي المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ؟ أوْ هَلْ يُحْكى عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ؟ أوْ هَلْ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِقِياسٍ؟ فَإنْ أتى بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الدَّلائِلِ، وإلّا بانَ باطِلُ دَعْواهُ. فَإنْ هو رَجَعَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: اسْتِشْهادُ اللَّهِ ذُرِّيَّةَ آدَمَ عَلى أنَّهُ رَبُّهم دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ مُتَقَدِّمَةٌ عِنْدَهم كَما اسْتَشْهَدَهم عَلَيْهِ، فَهَذِهِ غايَةُ حُجَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ. قالَ: لِأنَّ كُلَّ مُسْتَشْهَدٍ عَلى شَيْءٍ لَمْ تَتَقَدَّمِ المَعْرِفَةُ عِنْدَهُ بِما اسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِشْهادِ، فَإنَّ المُسْتَشْهِدَ دَعاهُ إلى أنْ شَهِدَ بِقَوْلِ الزُّورِ، واللَّهُ لا يَأْمُرُ أحَدًا بِذَلِكَ. فَيُقالُ لَهُ: إنَّ إجابَتَكَ عَنْ غَيْرِ ما تَسْألُ عَنْهُ، واحْتِجاجَكَ لَهُ هو الدَّلِيلُ عَلى عَجْزِكَ، وعَلى أنَّهُ لا حُجَّةَ لَكَ، إنّا لَمْ نَسْألْكَ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وقالَ لَهُمْ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فَأجابُوهُ بِأنْ قالُوا: بَلى - هَلْ كانُوا عارِفِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أمْ لا - إنَّما سَألْناكَ عَنْ وقْتِ سُقُوطِهِمْ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ: هَلْ عِنْدَكَ حُجَّةٌ تُثْبِتُ أنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ عارِفُونَ؟ فَإنْ قالَ: إنَّ ثُبُوتَ المَعْرِفَةِ لَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم وُلِدُوا عَلى ذَلِكَ، فَهم في وقْتِ الوِلادَةِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: فَقَدْ كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُقِرِّينَ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ أنَّهُ قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُخاطِبُ إلّا مَن يَفْهَمُ عِنْدَ المُخاطَبَةِ، ولا يُجِيبُ إلّا مَن فَهِمَ السُّؤالَ، فَإجابَتُهم إيّاهُ بِقَوْلِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم قَدْ فَهِمُوا عَنِ اللَّهِ، وعَقَلُوا عَنْهُ اسْتِشْهادَهُ إيّاهُمْ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فَأجابُوهُ مِن بَعْدِ عَقْلِهِمْ لِلْمُخاطَبَةِ وفَهْمِهِمْ لَها بِأنْ قالُوا: بَلى، فَأقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. فَيُقالُ لَهُ: فَهَكَذا تَقُولُ: إنَّ الطِّفْلَ إذا سَقَطَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ فَهو مِن ساعَتِهِ يَفْهَمُ المُخاطَبَةَ إنْ خُوطِبَ، ويُجِيبُ عَنْها، ويُقِرُّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، كَإقْرارِ الَّذِينَ أقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ في الوَقْتِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، فَإنْ قالَ: " نَعَمْ " كابَرَ عَقْلُهُ وأكْذَبَهُ العِيانُ، وإنْ قالَ: " لا " أقُولُ: ذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ، فَجُعِلَ حالُهم في وقْتِ الوِلادَةِ خِلافَ حالِهِمْ في الوَقْتِ الأوَّلِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهُمْ، فَيُقالُ لَهُ: فَكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَكُونُوا في الوَقْتِ الأوَّلِ عارِفِينَ، وهم في وقْتِ الوِلادَةِ غَيْرُ عارِفِينَ كَما كانُوا في الوَقْتِ الأوَّلِ، فَقَدْ فَهِمُوا المُخاطَبَةَ، وعَقَلُوها، وأجابُوا مُقِرِّينَ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وهم في وقْتِ الوِلادَةِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ. قُلْتُ: كُلُّ مَن قالَ بِأنَّ العَهْدَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهم أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ وخُوطِبُوا، وأقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ رُدُّوا في صُلْبِهِ، فَإنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ حالِهِمْ ذَلِكَ الوَقْتَ وحالِهِمْ وقْتَ الوِلادَةِ قَطْعًا، ولا يَقُولُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ولا غَيْرُهُ: إنَّهم وُلِدُوا عارِفِينَ فاهِمِينَ يَفْهَمُونَ السُّؤالَ، ويَرُدُّونَ الجَوابَ، فالأقْسامُ أرْبَعَةٌ: أحَدُها: اسْتِواءُ حالَتِهِمْ وقْتَ أخْذِ العَهْدِ، ووَقْتَ سُقُوطِهِمْ - في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ. الثّانِي: اسْتِواءُ الوَقْتَيْنِ في عَدَمِ ذَلِكَ. الثّالِثُ: حُصُولُ المَعْرِفَةِ عِنْدَ السُّقُوطِ، وعَدَمُها عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ، وهَذِهِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ باطِلَةٌ لا يَقُولُ بِواحِدٍ مِنها. الرّابِعُ: مَعْرِفَتُهم وفَهْمُهم وقْتَ أخْذِ العَهْدِ دُونَ وقْتِ السُّقُوطِ، وهَذا يَقُولُهُ كُلُّ مَن يَقُولُ: إنَّهُ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ أبِيهِمْ آدَمَ، وكَلَّمَهُمْ، وخاطَبَهُمْ، وأشْهَدَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَتَهُ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ رَدَّهم في صُلْبِهِ. وَهَذا قَوْلُ جَماهِيرٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، واعْتَمَدُوا عَلى ما ذَكَرْنا مِن هَذِهِ الآثارِ مَرْفُوعِها ومَوْقُوفِها. وَأحْسَنُ شَيْءٍ فِيها حَدِيثُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقَدْ ذَكَرْنا كَلامَ الأئِمَّةِ فِيهِ، عَلى أنَّ إسْحاقَ قَدْ رَواهُ عَنْ حَكّامِ بْنِ سَلْمٍ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي مُحَمَّدٍ رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ قالَ: «سَألْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْها، فَقالَ: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، ثُمَّ أجْلَسَهُ فَمَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأخْرَجَ ذَرًّا، فَقالَ: ذَرٌّ ذَرّاتُهم لِلْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ بِما شِئْتُ مِن عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِمُ لَهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأخْرَجَ ذَرًّا، فَقالَ: ذَرٌّ ذَرّاتُهم لِلنّارِ يَعْمَلُونَ بِما شِئْتُ مِن عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِمُ لَهم بِأسْوَأِ أعْمالِهِمْ، فَأُدْخِلُهُمُ النّارَ» "، فَهَذا لا ذِكْرَ فِيهِ لِمُخاطَبَتِهِمْ، وسُؤالِهِمْ واسْتِنْطاقِهِمْ، وهو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأحادِيثِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هو المَحْفُوظُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَأمّا سائِرُ الأحادِيثِ فالمَرْفُوعُ الصَّحِيحُ مِنها إنَّما فِيهِ إثْباتُ القَبْضَتَيْنِ، وتَمْيِيزُ أهْلِ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ قَبْلَ إخْراجِهِمْ إلى دارِ التَّكْلِيفِ: مِثْلُ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، ثَنا حَمّادٌ، ثَنا الجُرَيْرِيُّ، «عَنْ أبِي نَضْرَةَ أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ: أبُو عَبْدِ اللَّهِ دَخَلَ عَلَيْهِ أصْحابُهُ يَعُودُونَهُ، وهو يَبْكِي، فَقالُوا لَهُ: ما يُبْكِيكَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، وأُخْرى بِيَدِهِ الأُخْرى، فَقالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وهَذِهِ لِهَذِهِ، ولا أُبالِي " فَلا أدْرِي في أيِّ القَبْضَتَيْنِ أنا»! وَكَذَلِكَ حَدِيثُ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَرْفَعُهُ - الَّذِي تَقَدَّمَ هو وغَيْرُهُ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي فِيها: " «إنَّ اللَّهَ أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ، وأراهُ إيّاهُمْ، وجَعَلَ أهْلَ السَّعادَةِ في قَبْضَتِهِ اليُمْنى، وأهْلَ الشَّقاوَةِ في القَبْضَةِ الأُخْرى» ". وَأمّا الآثارُ الَّتِي فِيها أنَّهُ اسْتَنْطَقَهُمْ، وأشْهَدَهُمْ، وخاطَبَهم فَهي بَيْنَ مَوْقُوفَةٍ، ومَرْفُوعَةٍ لا يَصِحُّ إسْنادُها كَحَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وحَدِيثِ هِشامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: فَإنَّ في إسْنادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، وراشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وفِيهِما مَقالٌ، وقَتادَةُ النَّصْرِيُّ، وهو مَجْهُولٌ. وَبِالجُمْلَةِ، فالآثارُ في إخْراجِ الذُّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ آدَمَ، وحُصُولِهِمْ في القَبْضَتَيْنِ كَثِيرَةٌ لا سَبِيلَ إلى رَدِّها، وإنْكارِها، ويَكْفِي وُصُولُها إلى التّابِعِينَ، فَكَيْفَ بِالصَّحابَةِ؟ ومِثْلُها لا يُقالُ بِالرَّأْيِ والتَّخْمِينِ، ولَكِنْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ مِن هَذِهِ الآثارِ إثْباتُ القَدَرِ، وأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، وعَلِمَ الشَّقِيَّ والسَّعِيدَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وسَواءٌ كانَ ما اسْتَخْرَجَهُ فَرَآهُ آدَمُ هو أمْثالُهُمْ، أوْ أعْيانُهُمْ، فَأمّا نُطْقُهم فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي تَقُومُ بِها الحُجَّةُ، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ: فَإنَّ القُرْآنَ يَقُولُ فِيهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فَذَكَرَ الأخْذَ مِن ظُهُورِ بَنِي آدَمَ لا مِن نَفْسِ ظَهْرِ آدَمَ، " وذُرِّيَّتَهم " يَتَناوَلُ كُلَّ مَن ولَدُوهُ إنْ كانَ كَثِيرًا، كَما قالَ في تَمامِ الآيَةِ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ - ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣-٣٤]، وقالَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]، وقالَ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، فاسْمُ " الذُّرِّيَّةِ " يَتَناوَلُ الكِبارَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، فَشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ في القُرْآنِ يُرادُ بِها إقْرارُهُ، فَمَن أقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ. قالَ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، كَما احْتَجَّ الفُقَهاءُ بِذَلِكَ عَلى صِحَّةِ الإقْرارِ. وَفِي حَدِيثِ ماعِزِ بْنِ مالِكٍ: " فَلَمّا «شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ» " أيْ أقَرَّ أرْبَعَ مَرّاتٍ، وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، فَإنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِما هو كُفْرٌ، فَكانَ ذَلِكَ شَهادَتَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. وَمِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فَشَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ هي إقْرارُهم وهي أداءُ الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ولَفْظُ " شَهِدَ فُلانٌ "، و" أشْهَدَ بِهِ " يُرادُ بِهِ تَحَمَّلَ الشَّهادَةَ، ويُرادُ بِهِ أداؤُها. فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. والثّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. وَقَوْلِهِ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، مِن هَذا الثّانِي لَيْسَ المُرادُ: أنَّهُ جَعَلَهم يَتَحَمَّلُونَ الشَّهادَةَ عَلى أنْفُسِهِمْ، ويُؤَدُّونَها في وقْتٍ آخَرَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ إنَّما يُشْهِدُ عَلى الرَّجُلِ غَيْرَهُ، كَما في قِصَّةِ آدَمَ، لِما أشْهَدَ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ، وكَما في شَهادَةِ المَلائِكَةِ، وشَهادَةِ الجَوارِحِ عَلى أصْحابِها، ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى (أشْهَدَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ)، لَكِنْ هَذا اللَّفْظُ حَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ إنَّما يُرادُ بِهِ شَهادَةُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ، بِمَعْنى أداءِ الشَّهادَةِ عَلى نَفْسِهِ، وقَوْلُهم " ﴿بَلى شَهِدْنا﴾ ": هو إقْرارُهم بِأنَّهُ رَبُّهُمْ، ومَن أخْبَرَ بِأمْرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَإنَّ قَوْلَهُمْ: " ﴿بَلى شَهِدْنا﴾ " مَعْناهُ: أنْتَ رَبُّنا، وهَذا إقْرارٌ مِنهم بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُمْ، وجَعْلِهِمْ شُهَداءَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما أقَرُّوا بِهِ، وقَوْلُهُ: " أشْهَدَهم " يَقْتَضِي أنَّهُ هو الَّذِي جَعَلَهم شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ رَبُّهُمْ، وهَذا الإشْهادُ مُقِرُّونَ بِأخْذِهِمْ مِن ظُهُورِ آبائِهِمْ، وهَذا الأخْذُ المَعْلُومُ المَشْهُودُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ هو أخْذُ المَنِيِّ مِن أصْلابِ الآباءِ، ونُزُولُهُ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ هُنا الأُمَّهاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، وهم كانُوا مُتَّبِعِينَ لِدِينِ آبائِهِمْ لا لِدِينِ الأُمَّهاتِ، كَما قالُوا: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ولِهَذا قالَ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤]، فَهو سُبْحانَهُ يَقُولُ: اذْكُرْ حِينَ أُخِذُوا مِن أصْلابِ الآباءِ فَخُلِقُوا حِينَ وُلِدُوا عَلى الفِطْرَةِ مُقِرِّينَ بِالخالِقِ، شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، فَهَذا الإقْرارُ حُجَّةٌ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، فَهو يَذْكُرُ أخْذَهُ لَهُمْ، وإشْهادَهُ إيّاهم عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ فَسَوّى، وقَدَّرَ فَهَدى، فَأخْذُهم يَتَضَمَّنُ خَلْقَهُمْ، والإشْهادُ يَتَضَمَّنُ هُداهُ لَهم إلى هَذا الإقْرارِ، فَإنَّهُ قالَ: " أشْهَدَهم " أيْ جَعَلَهم شاهِدِينَ، فَهَذا الإشْهادُ مِن لَوازِمِ الإنْسانِ، وكُلُّ إنْسانٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مُقِرًّا بِرُبُوبِيَّتِهِ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ مَخْلُوقٌ، واللَّهَ خالِقُهُ، وهَذا أمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِبَنِي آدَمَ لا يَنْفِكُّ مِنهُ مَخْلُوقٌ، وهو مِمّا جُبِلُوا عَلَيْهِ، فَهو عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ لَهم لا يُمْكِنُ أحَدًا جَحْدُهُ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: (أنْ تَقُولُوا)، أيْ كَراهِيَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾، أيْ عَنْ هَذا الإقْرارِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وعَلى نُفُوسِنا بِالعُبُودِيَّةِ، فَإنَّهم ما كانُوا غافِلِينَ عَنْ هَذا، بَلْ كانَ هَذا مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُمُ الَّتِي لَمْ يَخْلُ مِنها بَشَرٌ قَطُّ، بِخِلافِ كَثِيرٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ ضَرُورِيَّةً، ولَكِنْ قَدْ يَغْفُلُ عَنْها كَثِيرٌ مِن بَنِي آدَمَ مِن عُلُومِ العَدَدِ والحِسابِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّها إذا تَصَوَّرَتْ كانَتْ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ غافِلٌ عَنْها. وَأمّا الِاعْتِرافُ بِالخالِقِ فَإنَّهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ لازِمٌ لِلْإنْسانِ لا يَغْفُلُ عَنْهُ أحَدٌ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُهُ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهُ، وإنْ قُدِّرَ أنَّهُ نَسِيَهُ. ولِهَذا يُسَمّى التَّعْرِيفُ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا، فَإنَّهُ تَذْكِيرٌ بِعُلُومٍ فِطْرِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وقَدْ يَنْساها العَبْدُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «يَقُولُ اللَّهُ لِلْكافِرِ: فاليَوْمَ أنْساكَ كَما نَسِيتَنِي» ". ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ لَهم حُجَّتَيْنِ يَدْفَعُهُما هَذا الإشْهادُ: إحْداهُما: أنْ يَقُولُوا: ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾، فَبَيَّنَ أنَّ هَذا عِلْمٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ لا بُدَّ لِكُلِّ بَشَرٍ مِن مَعْرِفَتِهِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ حُجَّةَ اللَّهِ في إبْطالِ التَّعْطِيلِ، وأنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الصّانِعِ عِلْمٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ، وهو حُجَّةٌ عَلى نَفْيِ التَّعْطِيلِ. والثّانِي: أنْ يَقُولُوا: ﴿إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، وهم آباؤُنا المُشْرِكُونَ: أيْ أفَتُعاقِبُنا بِذُنُوبِ غَيْرِنا؟ فَإنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا عارِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهم ووَجَدُوا آباءَهم مُشْرِكِينَ، وهم ذَرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ، ومُقْتَضى الطَّبِيعَةِ العادِيَّةِ أنْ يَحْتَذِيَ الرَّجُلُ حَذْوَ أبِيهِ حَتّى في الصِّناعاتِ، والمَساكِنِ، والمَلابِسِ، والمَطاعِمِ إذْ كانَ هو الَّذِي رَبّاهُ، ولِهَذا كانَ أبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ، فَإذا كانَ هَذا مُقْتَضى العادَةِ والطَّبِيعَةِ، ولَمْ يَكُنْ في فِطَرِهِمْ وعُقُولِهِمْ ما يُناقِضُ ذَلِكَ، قالُوا: نَحْنُ مَعْذُورُونَ، وآباؤُنا هُمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا، ونَحْنُ كُنّا ذُرِّيَّةً لَهم بَعْدَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَنا ما يُبَيِّنُ خَطَأهُمْ: فَإذا كانَ في فِطَرِهِمْ ما شَهِدُوا بِهِ مِن أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ هو رَبُّهُمْ، كانَ مَعَهم ما يُبَيِّنُ بُطْلانَ هَذا الشِّرْكِ، وهو التَّوْحِيدُ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ. فَإذا احْتَجُّوا بِالعادَةِ الطَّبِيعِيَّةِ مِنِ اتِّباعِ الآباءِ كانَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمُ الفِطْرَةَ الطَّبِيعِيَّةَ الفِعْلِيَّةَ السّابِقَةَ لِهَذِهِ العادَةِ الطّارِئَةِ، وكانَتِ الفِطْرَةُ المُوجِبَةُ لِلْإسْلامِ سابِقَةً لِلتَّرْبِيَةِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِها، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ نَفْسَ العَقْلِ الَّذِي بِهِ يَعْرِفُونَ التَّوْحِيدَ حُجَّةٌ في بُطْلانِ الشِّرْكِ لا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى رَسُولٍ، فَإنَّهُ جَعَلَ ما تَقَدَّمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ بِدُونِ هَذا. وهَذا لا يُناقِضُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فَإنَّ الرَّسُولَ يَدْعُو إلى التَّوْحِيدِ، ولَكِنَّ الفِطْرَةَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يُعْلَمُ بِهِ إثْباتُ الصّانِعِ، لَمْ يَكُنْ في مُجَرَّدِ الرِّسالَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَهَذِهِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إقْرارَهم بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، ومَعْرِفَتُهم بِذَلِكَ أمْرٌ لازِمٌ لِكُلِّ بَنِي آدَمَ، بِهِ تَقُومُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى في تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَلا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَقُولَ يَوْمَ القِيامَةِ إنِّي كُنْتُ عَنْ هَذا غافِلًا، ولا أنَّ الذَّنْبَ كانَ لِأبِي المُشْرِكِ دُونِي لِأنَّهُ عارِفٌ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا في التَّعْطِيلِ، والإشْراكِ بَلْ قامَ بِهِ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ العَذابَ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ - لِكَمالِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ - لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بَعْدَ إرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ فاعِلًا لِما يَسْتَحِقُّ بِهِ الذَّمَّ والعِقابَ: فَلِلَّهِ عَلى عَبْدِهِ حُجَّتانِ قَدْ أعَدَّهُما عَلَيْهِ لا يُعَذِّبُهُ إلّا بَعْدَ قِيامِهِما: إحْداهُما: ما فَطَرَهُ عَلَيْهِ، وخَلَقَهُ عَلَيْهِ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهُ رَبُّهُ، ومَلِيكُهُ وفاطِرُهُ، وحَقُّهُ عَلَيْهِ لازِمٌ. والثّانِيَةُ: إرْسالُ رُسُلِهِ إلَيْهِ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ، وتَقْرِيرِهِ وتَكْمِيلِهِ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ شاهِدُ الفِطْرَةِ، والشِّرْعَةِ، ويُقِرُّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ كانَ كافِرًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فَلَمْ يُنَفِّذْ عَلَيْهِمُ الحُكْمَ إلّا بَعْدَ إقْرارٍ وشاهِدَيْنِ وهَذا غايَةُ العَدْلِ.