Tafsir Ibn Al-Qayyim — الأعراف 7:175 – التوبة 9:52
المحتويات
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:205
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- التوبة 9:3
- التوبة 9:6
- التوبة 9:7
- التوبة 9:8
- التوبة 9:9
- التوبة 9:10
- التوبة 9:11
- التوبة 9:12
- التوبة 9:14
- التوبة 9:15
- التوبة 9:19
- التوبة 9:20
- التوبة 9:24
- التوبة 9:25
- التوبة 9:26
- التوبة 9:29
- التوبة 9:31
- التوبة 9:34
- التوبة 9:40
- التوبة 9:43
- التوبة 9:46
- التوبة 9:47
- التوبة 9:49
- التوبة 9:52
الأعراف 7:175
فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ مَن آتاهُ كِتابَهُ وعَلَّمَهُ العِلْمَ الَّذِي مَنَعَهُ غَيْرَهُ، فَتَرَكَ العَمَلَ بِهِ، واتَّبَعَ هَواهُ وآثَرَ سَخَطَ اللَّهِ عَلى رِضاهُ، ودُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ، والمَخْلُوقَ عَلى الخالِقِ؛ بِالكَلْبِ الَّذِي هو مِن أخْبَثِ الحَيَواناتِ، وأوْضَعِها قَدْرًا، وأخَسِّها نَفْسًا، وهِمَّتُهُ لا تَتَعَدّى بَطْنُهُ، وأشَدُّها شَرُّها وحِرْصًا، ومِن حِرْصِهِ أنَّهُ لا يَمْشِي إلّا وخَطْمُهُ في الأرْضِ يَتَشَمَّمُ ويَسْتَرْوِحُ حِرْصًا وشَرَهًا، ولا يَزالُ يَشُمُّ دُبُرَهُ دُونَ سائِرِ أجْزائِهِ، وإذا رَمَيْت إلَيْهِ بِحَجَرٍ رَجَعَ إلَيْهِ لِيَعَضَّهُ مِن فَرَطَ نَهْمَتِهِ، وهو مِن أمْهَنِ الحَيَواناتِ، وأحْمَلِها لِلْهَوانِ، وأرْضاها بِالدَّنايا، والجِيَفُ القَذِرَةُ المُرَوِّحَةُ أحَبُّ إلَيْهِ مِن اللَّحْمِ الطَّرِيِّ، والعُذْرَةُ أحَبُّ إلَيْهِ مِن الحَلْوى، وإذا ظَفِرَ بِمَيْتَةٍ تَكْفِي مِائَةَ كَلْبٍ لَمْ يَدَعْ كَلْبًا واحِدًا يَتَناوَلُ مِنها شَيْئًا إلّا هَرَّ عَلَيْهِ وقَهَرَهُ لِحِرْصِهِ وبُخْلِهِ وشَرَهِهِ، ومِن عَجِيبِ أمْرِهِ وحِرْصِهِ أنَّهُ إذا رَأى ذا هَيْئَةٍ رَثَّةٍ وثِيابٍ دَنِيَّةٍ وحالٍ زَرِيَّةٍ نَبَحَهُ وحَمَلَ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ يَتَصَوَّرُ مُشارَكَتَهُ لَهُ ومُنازَعَتَهُ في قَوْلَتِهِ، وإذا رَأى ذا هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وثِيابٍ جَمِيلَةٍ ورِياسَةٍ وضَعَ لَهُ خَطْمَهُ بِالأرْضِ، وخَضَعَ لَهُ، ولَمْ يَرْفَعْ إلَيْهِ رَأْسَهُ.
وَفِي تَشْبِيهِ مَن آثَرَ الدُّنْيا وعاجِلَها عَلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ مَعَ وُفُورِ عِلْمِهِ بِالكَلْبِ في حالِ لَهَثِهِ سِرٌّ بَدِيعٌ، وهو أنَّ هَذا الَّذِي حالُهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِن انْسِلاخِهِ مِن آياتِهِ واتِّباعِهِ هَواهُ إنّما كانَ لِشِدَّةِ لَهَفِهِ عَلى الدُّنْيا لِانْقِطاعِ قَلْبِهِ عَنْ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ فَهو شَدِيدُ اللَّهَفِ عَلَيْها، ولَهَفُهُ نَظِيرُ لَهَفِ الكَلْبِ الدّائِمِ في حالِ إزْعاجِهِ وتَرْكِهِ، واللَّهَفُ واللَّهَثُ شَقِيقانِ وأخَوانِ في اللَّفْظِ والمَعْنى، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الكَلْبُ مُنْقَطِعُ الفُؤادِ، لا فُؤادَ لَهُ، إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، فَهو مَثَلُ الَّذِي يَتْرُكُ الهُدى، لا فُؤادَ لَهُ، إنّما فُؤادُهُ مُنْقَطِعٌ؛ قُلْت: مُرادُهُ بِانْقِطاعِ فُؤادِهِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ فُؤادٌ يَحْمِلُهُ عَلى الصَّبْرِ وتَرْكِ اللَّهَثِ؛ وهَكَذا الَّذِي انْسَلَخَ مِن آياتِ اللَّهِ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ فُؤادٌ يَحْمِلُهُ عَلى الصَّبْرِ عَنْ الدُّنْيا وتَرْكِ اللَّهَفِ عَلَيْها، فَهَذا يَلْهَفُ عَلى الدُّنْيا مِن قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها، وهَذا يَلْهَثُ مِن قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْ الماءِ، فالكَلْبُ مِن أقَلِّ الحَيَواناتِ صَبْرًا عَنْ الماءِ، وإذا عَطِشَ أكَلَ الثَّرى مِن العَطَشِ، وإنْ كانَ فِيهِ صَبْرٌ عَلى الجُوعِ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو مِن أشَدِّ الحَيَواناتِ لَهَثًا، يَلْهَثُ قائِمًا وقاعِدًا وماشِيًا وواقِفًا، وذَلِكَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ؛ فَحَرارَةُ الحِرْصِ في كَبِدِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوامَ اللَّهَثِ، فَهَكَذا مُشْبِهُهُ شِدَّةُ الحِرْصِ وحَرارَةُ الشَّهْوَةِ في قَلْبِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوامَ اللَّهَفِ، فَإنْ حَمَلْت عَلَيْهِ المَوْعِظَةَ والنَّصِيحَةَ فَهو يَلْهَفُ، وإنْ تَرَكْتَهُ ولَمْ تَعِظْهُ فَهو يَلْهَفُ، قالَ مُجاهِدٌ: وذَلِكَ مَثَلُ الَّذِي أُوتِيَ الكِتابَ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْها، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ إلى خَيْرٍ، كالكَلْبِ إنْ كانَ رابِضًا لَهَثَ وإنْ طُرِدَ لَهَثَ، وقالَ الحَسَنُ: هو المُنافِقُ لا يَثْبُتُ عَلى الحَقِّ، دُعِيَ أوْ لَمْ يُدْعَ، وُعِظَ أوْ لَمْ يُوعَظْ، كالكَلْبِ يَلْهَثُ طُرِدَ أوْ تُرِكَ.
وَقالَ عَطاءٌ: يَنْبَحُ إنْ حَمَلْت عَلَيْهِ أوْ لَمْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ إلّا الكَلْبَ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الكَلالِ وحالِ الرّاحَةِ وحالِ الصِّحَّةِ وحالِ المَرَضِ والعَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، وقالَ: إنْ وعَظْتَهُ فَهو ضالٌّ وإنْ تَرَكْتَهُ فَهو ضالٌّ كالكَلْبِ إنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ وإنْ تَرَكْتَهُ عَلى حالِهِ لَهَثَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]
(فائدة)
وَتَأمَّلْ ما في هَذا المَثَلِ مِن الحُكْمِ والمَعْنى: فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو الَّذِي آتاهُ آياتِهِ، فَإنَّها نِعْمَةٌ، واللَّهُ هو الَّذِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، فَأضافَها إلى نَفْسِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ [الأعراف: ١٧٥] أيْ خَرَجَ مِنها كَما تَنْسَلِخُ الحَيَّةُ مِن جِلْدِها، وفارَقَها فِراقَ الجِلْدِ يُسْلَخُ عَنْ اللَّحْمِ، ولَمْ يَقُلْ فَسَلَخْناهُ مِنها لِأنَّهُ هو الَّذِي تَسَبَّبَ إلى انْسِلاخِهِ مِنها بِاتِّباعِ هَواهُ.
وَمِنها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] أيْ لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ كَما قالَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] وكانَ مَحْفُوظًا مَحْرُوسًا بِآياتِ اللَّهِ، مَحْمِيَّ الجانِبِ بِها مِن الشَّيْطانِ، لا يَنالُ مِنهُ شَيْئًا إلّا عَلى غِرَّةٍ وخَطْفَةٍ، فَلَمّا انْسَلَخَ مِن آياتِ اللَّهِ ظَفِرَ بِهِ الشَّيْطانُ ظَفْرَ الأسَدِ بِفَرِيسَتِهِ، فَكانَ مِن الغاوِينَ العامِلِينَ بِخِلافِ عَمَلِهِمْ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الحَقَّ ويَعْمَلُونَ بِخِلافِهِ، كَعُلَماءِ السُّوءِ، ومِنها أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرِّفْعَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ العِلْمِ، فَإنَّ هَذا كانَ مِن العُلَماءِ، وإنَّما هي بِاتِّباعِ الحَقِّ وإيثارِهِ وقَصْدِ مَرْضاةِ اللَّهِ.
فَإنَّ هَذا كُلَّهُ مِن أعْلَمْ أهْلِ زَمانِهِ، ولَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ولَمْ يَنْفَعْهُ بِهِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو الَّذِي يَرْفَعُ عَبْدَهُ إذا شاءَ بِما آتاهُ مِن العِلْمِ، وإنْ لَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ فَهو مَوْضُوعٌ لا يَرْفَعُ أحَدٌ بِهِ رَأْسًا، فَإنَّ الخافِضَ الرّافِعَ سُبْحانَهُ خَفَضَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، والمَعْنى لَوْ شِئْنا فَضَّلْناهُ وشَرَّفْناهُ ورَفَعْنا قَدْرَهُ ومَنزِلَتَهُ بِالآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِعَمَلِهِ بِها، وقالَتْ طائِفَةٌ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَرَفَعْناهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] عائِدٌ عَلى الكُفْرِ، والمَعْنى لَوْ شِئْنا لَرَفَعْنا عَنْهُ الكُفْرَ بِما مَعَهُ مِن آياتِنا، قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ: لَرَفَعْنا عَنْهُ الكُفْرَ بِالإيمانِ وعَصَمْناهُ؛ وهَذا المَعْنى حَقٌّ، والأوَّلُ هو مُرادُ الآيَةِ، وهَذا مِن لَوازِمِ المُرادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ السَّلَفَ كَثِيرًا ما يُنَبِّهُونَ عَلى لازِمِ مَعْنى الآيَةِ فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ مِنها: وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَكَنَ إلى الأرْضِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: سَكَنَ، وقالَ مُقاتِلٌ: رَضِيَ بِالدُّنْيا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَزِمَها وأبْطَأ، والمُخْلِدُ مِن الرِّجالِ: هو الَّذِي يُبْطِئُ مِشْيَتَهُ، ومِن الدَّوابِّ: الَّتِي تَبْقى ثَناياهُ إلى أنْ تَخْرُجَ رُباعِيَّتُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: خَلَدَ وأخْلَدَ، وأصْلُهُ مِن الخُلُودِ وهو الدَّوامُ والبَقاءُ، ويُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ، إذا أقامَ بِهِ، قالَ مالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
؎بِأبْناءِ حَيٍّ مِن قَبائِلِ مالِكٍ ∗∗∗ وعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ أقامُوا فَأخْلَدُوا
قُلْت: ومِنهُ قَوْله تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ قَدْ خُلِقُوا لِلْبَقاءِ؛ لِذَلِكَ لا يَتَغَيَّرُونَ ولا يَكْبَرُونَ، وهم عَلى سِنٍّ واحِدٍ أبَدًا؛ وقِيلَ: هم المُقَرَّطُونَ في آذانِهِمْ والمُسَوَّرُونَ في أيْدِيهِمْ، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِبَعْضِ لَوازِمِها، وذَلِكَ أمارَةُ التَّخْلِيدِ عَلى ذَلِكَ السِّنِّ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] قالَ الكَلْبِيُّ: اتَّبَعَ مَسافِلَ الأُمُورِ وتَرَكَ مَعالِيَها، وقالَ أبُو ورَقٍ: اخْتارَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وقالَ عَطاءٌ: أرادَ الدُّنْيا وأطاعَ شَيْطانَهُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: كانَ هَواهُ مَعَ القَوْمِ يَعْنِي الَّذِينَ حارَبُوا مُوسى وقَوْمَهُ، وقالَ يَمانٌ: اتَّبَعَ امْرَأتَهُ لِأنَّها هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى ما فَعَلَ.
فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِدْراكُ بِلَكِنَّ يَقْتَضِي أنْ يُثْبِتَ بَعْدَها ما نَفى قَبْلَها، أوْ يَنْفِيَ ما أثْبَتَ، كَما تَقُولُ: لَوْ شِئْت لَأعْطَيْتُهُ لَكِنِّي لَمْ أُعْطِهِ، ولَوْ شِئْت لَما فَعَلْت كَذا لَكِنِّي فَعَلْتُهُ؛ فالِاسْتِدْراكُ يَقْتَضِي ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ أوْ لَمْ نَرْفَعْ، فَكَيْفَ اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦]؟ قِيلَ: هَذا مِن الكَلامِ المَلْحُوظِ فِيهِ جانِبُ المَعْنى المَعْدُولِ فِيهِ عَنْ مُراعاةِ الألْفاظِ إلى المَعانِي، وذَلِكَ أنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] أنَّهُ لَمْ يَتَعاطَ الأسْبابَ الَّتِي تَقْتَضِي رَفْعَهُ بِالآياتِ مِن إيثارِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ عَلى هَواهُ، ولَكِنَّهُ آثَرَ الدُّنْيا وأخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى ولَوْ لَزِمَ آياتِنا لَرَفَعْناهُ بِها، فَذَكَرَ المَشِيئَةَ والمُرادُ ما هي تابِعَةٌ لَهُ ومُسَبَّبَةٌ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ لَزِمَها لَرَفَعْناهُ بِها، قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فاسْتَدْرَكَ المَشِيئَةَ بِإخْلادِهِ الَّذِي هو فِعْلُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ [الأعراف: ١٧٦] في مَعْنى ما هو فِعْلُهُ، ولَوْ كانَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ، ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ، فَهَذا مِنهُ شِنْشِنَةٌ «١» نَعْرِفُها مِن قَدَرِيٍّ نافٍ لِلْمَشِيئَةِ العامَّةِ مُبْعِدٍ لِلنُّجْعَةِ في جَعْلِ كَلامِ اللَّهِ مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا، فَأيْنَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ [الأعراف: ١٧٦] مِن قَوْلِهِ: " ولَوْ لَزِمَها " ثُمَّ إذا كانَ اللُّزُومُ لَها مَوْقُوفًا عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وهو الحَقُّ بَطَلَ أصْلُهُ.
وَقَوْلُهُ: " إنّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تابِعَةٌ لِلُزُومِهِ الآياتِ " مِن أفْسَدِ الكَلامِ وأبْطَلَهُ، بَلْ لُزُومُهُ لِآياتِهِ تابِعٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَمَشِيئَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَتْبُوعَةٌ، لا تابِعَةٌ، وسَبَبٌ لا مُسَبَّبٌ، ومُوجِبٌ مُقْتَضٍ لا مُقْتَضًى، فَما شاءَ اللَّهُ وجَبَ وُجُودُهُ، وما لَمْ يَشَأْ امْتَنَعَ وُجُودُهُ.
(فائدة أخرى)
قوله: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ (١٧٥) ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾
تأمل قوله تعالى ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو ثم قال ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ ولم يقل فسلخناه بل أضاف الانسلاخ إليه، وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ الدالة على تخليه عنها بالكلية وهذا شأن الكافر وأما المؤمن ولو عصى الله تبارك وتعالى ما عصاه فإنه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية ثم قال ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ ولم يقل فتبعه فإن في أتبعه إعلاما بأنه أدركه ولحقه كما قال الله تعالى فأتبعوهم مشرقين أي لحقوهم ووصلوا إليهم ثم قال ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ ففي ذلك دليل على أن مجرد العلم لا يرفع صاحبه فهذا قد أخبر الله سبحانه أنه آتاه آياته ولم يرفعه بها فالرفعة بالعلم قدر زائد على مجرد تعلمه ثم أخبر الله عز وجل عن السبب الذي منعه أن يرفع بها فقال ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ وقوله ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أي سكن إليها ونزل بطبعه إليها فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية وبحسب ما يخلد العبد إلى الأرض يهبط من السماء قال سهل قسم الله الأعضاء من الهوى لكل عضو منه حظا فإذا مال عضو منها إلى الهوى رجع ضرره إلى القلب وللنفس سبع حجب سماوية وسبع حجب أرضية فكلما دفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء فإذا دفن النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش ثم ذكر سبحانه مثل المتبع لهواه كمثل الكلب الذي لا يفارقه اللهث في حالتي تركه والحمل عليه فهكذا هذا لا يفارقه اللهث على الدنيا راغبا وراهبا.
والمقصود أن هذه السورة من أولها إلى آخرها في ذكر حال أهل الهوى والشهوات وما آل إليه أمرهم فالعشق والهوى أصل كل بلية.
[فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تَجْعَلُ صاحِبَها مِنَ السَّفَلَةِ]
وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَجْعَلُ صاحِبَها مِنَ السَّفَلَةِ بَعْدَ أنْ كانَ مُهَيَّئًا لِأنْ يَكُونَ مِنَ العِلْيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ قِسْمَيْنِ: عِلْيَةً، وسَفَلَةً، وجَعَلَ عِلِّيِّينَ مُسْتَقَرَّ العِلْيَةِ، وأسْفَلَ سافِلِينَ مُسْتَقَرَّ السَّفَلَةِ، وجَعَلَ أهْلَ طاعَتِهِ الأعْلَيْنَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأهْلَ مَعْصِيَتِهِ الأسْفَلِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَما جَعَلَ أهْلَ طاعَتِهِ أكْرَمَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وأهْلَ مَعْصِيَتِهِ أهْوَنَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وجَعَلَ العِزَّةَ لِهَؤُلاءِ، والذِّلَّةَ والصَّغارَ لِهَؤُلاءِ، كَما في مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ، وجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغارُ عَلى مَن خالَفَ أمْرِي»
فَكُلَّما عَمِلَ العَبْدُ مَعْصِيَةً نَزَلَ إلى أسْفَلَ، دَرَجَةً، ولا يَزالُ في نُزُولٍ حَتّى يَكُونَ مِنَ الأسْفَلِينَ، وكُلَّما عَمِلَ طاعَةً ارْتَفَعَ بِها دَرَجَةً، ولا يَزالُ في ارْتِفاعٍ حَتّى يَكُونَ مِنَ الأعْلَيْنَ.
وَقَدْ يَجْتَمِعُ لِلْعَبْدِ في أيّامِ حَياتِهِ الصُّعُودُ مِن وجْهٍ، والنُّزُولُ مِن وجْهٍ، وأيُّهُما كانَ أغْلَبَ عَلَيْهِ كانَ مِن أهْلِهِ، فَلَيْسَ مَن صَعِدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ ونَزَلَ دَرَجَةً واحِدَةً، كَمَن كانَ بِالعَكْسِ.
وَلَكِنْ يَعْرِضُ هاهُنا لِلنُّفُوسِ غَلَطٌ عَظِيمٌ، وهو أنَّ العَبْدَ قَدْ يَنْزِلُ نُزُولًا بَعِيدًا أبْعَدَ مِمّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِمّا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَلا يَفِي صُعُودُهُ ألْفَ دَرَجَةٍ بِهَذا النُّزُولِ الواحِدِ، كَما في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«إنَّ العَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، لا يُلْقِي لَها بالًا يَهْوِي بِها في النّارِ أبْعَدَ مِمّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ».
فَأيُّ صُعُودٍ يُوازِنُ هَذِهِ النَّزْلَةَ؟ والنُّزُولُ أمْرٌ لازِمٌ لِلْإنْسانِ، ولَكِنْ مِنَ النّاسِ مَن يَكُونُ نُزُولُهُ إلى غَفْلَةٍ، فَهَذا مَتى اسْتَيْقَظَ مِن غَفْلَتِهِ عادَ إلى دَرَجَتِهِ، أوْ إلى أرْفَعَ مِنها بِحَسْبَ يَقَظَتِهِ.
وَمِنهم مَن يَكُونُ نُزُولُهُ إلى مُباحٍ لا يَنْوِي بِهِ الِاسْتِعانَةَ عَلى الطّاعَةِ، فَهَذا مَتى رَجَعَ إلى الطّاعَةِ فَقَدْ يَعُودُ إلى دَرَجَتِهِ، وقَدْ لا يَصِلُ إلَيْها، وقَدْ يَرْتَفِعُ عَنْها، فَإنَّهُ قَدْ يَعُودُ أعْلى هِمَّةً مِمّا كانَ، وقَدْ يَكُونُ أضْعَفَ هِمَّةً، وقَدْ تَعُودُ هِمَّتُهُ كَما كانَتْ.
وَمِنهم مَن يَكُونُ نُزُولُهُ إلى مَعْصِيَةٍ، إمّا صَغِيرَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ، فَهَذا يَحْتاجُ في عَوْدِهِ إلى دَرَجَتِهِ إلى تَوْبَةٍ نَصُوحٍ، وإنابَةٍ صادِقَةٍ.
واخْتَلَفَ النّاسُ هَلْ يَعُودُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلى دَرَجَتِهِ الَّتِي كانَ فِيها، بِناءً عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تَمْحُو أثَرَ الذَّنْبِ، وتَجْعَلُ وجُودَهُ كَعَدَمِهِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، أوْ لا يَعُودُ، بِناءً عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تَأْثِيرُها في إسْقاطِ العُقُوبَةِ، وأمّا الدَّرَجَةُ الَّتِي فاتَتْهُ فَإنَّهُ لا يَصِلُ إلَيْها.
قالُوا: وتَقْرِيرُ ذَلِكَ: أنَّهُ كانَ مُسْتَعِدًّا بِاشْتِغالِهِ بِالطّاعَةِ في الزَّمَنِ الَّذِي عَصى فِيهِ لِصُعُودٍ آخَرَ وارْتِقاءٍ تَحْمِلُهُ أعْمالُهُ السّالِفَةُ، بِمَنزِلَةِ كَسْبِ الرَّجُلِ كُلَّ يَوْمٍ بِجُمْلَةِ مالِهِ الَّذِي يَمْلِكُهُ، وكُلَّما تَضّاعَفَ المالُ تَضّاعَفَ الرِّبْحُ، فَقَدْ راحَ عَلَيْهِ في زَمَنِ المَعْصِيَةِ ارْتِفاعٌ ورِبْحٌ تَحْمِلُهُ أعْمالُهُ، فَإذا اسْتَأْنَفَ العَمَلَ اسْتَأْنَفَ صُعُودًا مِن نُزُولٍ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ صاعِدًا مِن أسْفَلَ إلى أعْلى، وبَيْنَهُما بَوْنٌ عَظِيمٌ.
قالُوا: ومَثَلُ ذَلِكَ رَجُلانِ يَرْتَقِيانِ في سُلَّمَيْنِ لا نِهايَةَ لَهُما، وهُما سَواءٌ، فَنَزَلَ أحَدُهُما إلى أسْفَلَ، ولَوْ دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الصُّعُودَ، فَإنَّ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ يَعْلُو عَلَيْهِ ولا بُدَّ.
وَحَكَمَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ حُكْمًا مَقْبُولًا فَقالَ:
التَّحْقِيقُ أنَّ مِنَ التّائِبِينَ مَن يَعُودُ إلى أرْفَعَ مِن دَرَجَتِهِ، ومِنهم مِن يَعُودُ إلى مِثْلِ دَرَجَتِهِ، ومِنهم مَن لا يَصِلُ إلى دَرَجَتِهِ.
قُلْتُ: وهَذا بِحَسْبِ قُوَّةِ التَّوْبَةِ وكَمالِها، وما أحْدَثَتْهُ المَعْصِيَةُ لِلْعَبْدِ مِنَ الذُّلِّ والخُضُوعِ والإنابَةِ، والحَذَرِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، والبُكاءِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، فَقَدْ تَقْوى هَذِهِ الأُمُورُ، حَتّى يَعُودَ التّائِبُ إلى أرْفَعَ مِن دَرَجَتِهِ، ويَصِيرَ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِنهُ قَبْلَ الخَطِيئَةِ، فَهَذا قَدْ تَكُونُ الخَطِيئَةُ في حَقِّهِ رَحْمَةً، فَإنَّها نَفَتْ عَنْهُ داءَ العُجْبِ، وخَلَّصَتْهُ مِن ثِقَتِهِ بِنَفْسِهِ وإدْلالِهِ بِأعْمالِهِ، ووَضَعَتْ خَدَّ ضَراعَتِهِ وذُلَّهُ وانْكِسارَهُ عَلى عَتَبَةِ بابِ سَيِّدِهِ ومَوْلاهُ، وعَرَّفَتْهُ قَدْرَهُ، وأشْهَدَتْهُ فَقْرَهُ وضَرُورَتَهُ إلى حِفْظِ مَوْلاهُ لَهُ، وإلى عَفْوِهِ عَنْهُ ومَغْفِرَتِهِ لَهُ، وأخْرَجَتْ مِن قَلْبِهِ صَوْلَةَ الطّاعَةِ، وكَسَرَتْ أنْفَهُ مِن أنْ يَشْمَخَ بِها أوْ يَتَكَبَّرَ بِها، أوْ يَرى نَفْسَهُ بِها خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، وأوْقَفَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مَوْقِفَ الخَطّائِينَ المُذْنِبِينَ، ناكِسَ الرَّأْسِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، مُسْتَحِيًا خائِفًا مِنهُ وجِلًا، مُحْتَقِرًا لِطاعَتِهِ مُسْتَعْظِمًا لِمَعْصِيَتِهِ، عَرَفَ نَفْسَهُ بِالنَّقْصِ والذَّمِّ. ورَبُّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالكَمالِ والحَمْدِ والوَفاءِ كَما قِيلَ:
؎اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفاءِ وبِالحَمْ ∗∗∗ دِ ووَلّى المَلامَةَ الرَّجُلا
فَأيُّ نِعْمَةٍ وصَلَتْ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ اسْتَكْثَرَها عَلى نَفْسِهِ ورَأى نَفْسَهُ دُونَها ولَمْ يَرَها أهْلًا، وأيُّ نِقْمَةٍ أوْ بَلِيَّةٍ وصَلَتْ إلَيْهِ رَأى نَفْسَهُ أهْلًا لِما هو أكْبَرُ مِنها، ورَأى مَوْلاهُ قَدْ أحْسَنَ إلَيْهِ، إذْ لَمْ يُعاقِبْهُ عَلى قَدْرِ جُرْمِهِ ولا شَطْرِهِ، ولا أدْنى جُزْءٍ مِنهُ.
فَإنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العُقُوبَةِ لا تَحْمِلُهُ الجِبالُ الرّاسِياتُ، فَضْلًا عَنْ هَذا العَبْدِ الضَّعِيفِ العاجِزِ، فَإنَّ الذَّنْبَ وإنْ صَغُرَ، فَإنَّ مُقابَلَةَ العَظِيمِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ، الكَبِيرِ الَّذِي لا شَيْءَ أكْبَرُ مِنهُ، الجَلِيلِ الَّذِي لا أجَلَّ مِنهُ ولا أجْمَلَ، المُنْعِمِ بِجَمِيعِ أصْنافِ النِّعَمِ دَقِيقِها وجُلِّها - مِن أقْبَحِ الأُمُورِ وأفْظَعِها وأشْنَعِها، فَإنَّ مُقابَلَةَ العُظَماءِ والأجِلّاءِ وساداتِ النّاسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْبِحُهُ كُلُّ أحَدٍ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ.
وَأرْذَلُ النّاسِ وأسْقَطُهم مُرُوءَةً مَن قابَلَهم بِالرَّذائِلِ، فَكَيْفَ بِعَظِيمِ السَّماواتِ والأرْضِ، ومَلِكِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإلَهِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ؟ ولَوْلا أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ومَغْفِرَتَهُ سَبَقَتْ عُقُوبَتَهُ، وإلّا لَتَدَكْدَكَتِ الأرْضُ بِمَن قابَلَهُ بِما لا يَلِيقُ مُقابَلَتُهُ بِهِ، ولَوْلا حِلْمُهُ ومَغْفِرَتُهُ لَزُلْزِلَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مِن مَعاصِي العِبادِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
فَتَأمَّلْ خَتْمَ هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمَيْنِ مِن أسْمائِهِ، وهُما: " الحَلِيمُ، والغَفُورُ " كَيْفَ تَجِدُ تَحْتَ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْلا حِلْمُهُ عَنِ الجُناةِ ومَغْفِرَتُهُ لِلْعُصاةِ لَما اسْتَقَرَّتِ السَّماواتُ والأرْضُ؟
وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ كُفْرِ بَعْضِ عِبادِهِ أنَّهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠].
وَقَدْ أخْرَجَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأبَوَيْنِ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبٍ واحِدٍ ارْتَكَباهُ وخالَفا فِيهِ نَهْيَهُ، ولَعَنَ إبْلِيسَ وطَرَدَهُ وأخْرَجَهُ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ بِذَنْبٍ واحِدٍ ارْتَكَبَهُ وخالَفَ فِيهِ أمْرَهُ، ونَحْنُ مَعاشِرُ الحَمْقى كَما قِيلَ:
؎نَصِلُ الذُّنُوبَ إلى الذُّنُوبِ ونَرْتَجِي ∗∗∗ دَرَجَ الجِنانِ لِذِي النَّعِيمِ الخالِدِ
؎وَلَقَدْ عَلِمْنا أخْرَجَ الأبَوَيْنِ مِن ∗∗∗ مَلَكُوتِهِ الأعْلى بِذَنْبٍ واحِدِ
والمَقْصُودُ أنَّ العَبْدَ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِمّا كانَ قَبْلَ الخَطِيئَةِ وأرْفَعَ دَرَجَةً، وقَدْ تُضْعِفُ الخَطِيئَةُ هِمَّتَهُ وتُوهِنُ عَزْمَهُ، وتُمْرِضُ قَلْبَهُ، فَلا يَقْوى دَواءُ التَّوْبَةِ عَلى إعادَتِهِ إلى الصِّحَّةِ الأوْلى، فَلا يَعُودُ إلى دَرَجَتِهِ، وقَدْ يَزُولُ المَرَضُ بِحَيْثُ تَعُودُ الصِّحَّةُ كَما كانَتْ ويَعُودُ إلى مِثْلِ عَمَلِهِ، فَيَعُودُ إلى دَرَجَتِهِ.
هَذا كُلُّهُ إذا كانَ نُزُولُهُ إلى مَعْصِيَةٍ، فَإنْ كانَ نُزُولُهُ إلى أمْرٍ يَقْدَحُ في أصْلِ إيمانِهِ، مِثْلِ الشُّكُوكِ والرِّيَبِ والنِّفاقِ، فَذاكَ نُزُولٌ لا يُرْجى لِصاحِبِهِ صُعُودٌ إلّا بِتَجْدِيدِ إسْلامِهِ.
الأعراف 7:176
فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ مَن آتاهُ كِتابَهُ وعَلَّمَهُ العِلْمَ الَّذِي مَنَعَهُ غَيْرَهُ، فَتَرَكَ العَمَلَ بِهِ، واتَّبَعَ هَواهُ وآثَرَ سَخَطَ اللَّهِ عَلى رِضاهُ، ودُنْياهُ عَلى آخِرَتِهِ، والمَخْلُوقَ عَلى الخالِقِ؛ بِالكَلْبِ الَّذِي هو مِن أخْبَثِ الحَيَواناتِ، وأوْضَعِها قَدْرًا، وأخَسِّها نَفْسًا، وهِمَّتُهُ لا تَتَعَدّى بَطْنُهُ، وأشَدُّها شَرُّها وحِرْصًا، ومِن حِرْصِهِ أنَّهُ لا يَمْشِي إلّا وخَطْمُهُ في الأرْضِ يَتَشَمَّمُ ويَسْتَرْوِحُ حِرْصًا وشَرَهًا، ولا يَزالُ يَشُمُّ دُبُرَهُ دُونَ سائِرِ أجْزائِهِ، وإذا رَمَيْت إلَيْهِ بِحَجَرٍ رَجَعَ إلَيْهِ لِيَعَضَّهُ مِن فَرَطَ نَهْمَتِهِ، وهو مِن أمْهَنِ الحَيَواناتِ، وأحْمَلِها لِلْهَوانِ، وأرْضاها بِالدَّنايا، والجِيَفُ القَذِرَةُ المُرَوِّحَةُ أحَبُّ إلَيْهِ مِن اللَّحْمِ الطَّرِيِّ، والعُذْرَةُ أحَبُّ إلَيْهِ مِن الحَلْوى، وإذا ظَفِرَ بِمَيْتَةٍ تَكْفِي مِائَةَ كَلْبٍ لَمْ يَدَعْ كَلْبًا واحِدًا يَتَناوَلُ مِنها شَيْئًا إلّا هَرَّ عَلَيْهِ وقَهَرَهُ لِحِرْصِهِ وبُخْلِهِ وشَرَهِهِ، ومِن عَجِيبِ أمْرِهِ وحِرْصِهِ أنَّهُ إذا رَأى ذا هَيْئَةٍ رَثَّةٍ وثِيابٍ دَنِيَّةٍ وحالٍ زَرِيَّةٍ نَبَحَهُ وحَمَلَ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ يَتَصَوَّرُ مُشارَكَتَهُ لَهُ ومُنازَعَتَهُ في قَوْلَتِهِ، وإذا رَأى ذا هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وثِيابٍ جَمِيلَةٍ ورِياسَةٍ وضَعَ لَهُ خَطْمَهُ بِالأرْضِ، وخَضَعَ لَهُ، ولَمْ يَرْفَعْ إلَيْهِ رَأْسَهُ.
وَفِي تَشْبِيهِ مَن آثَرَ الدُّنْيا وعاجِلَها عَلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ مَعَ وُفُورِ عِلْمِهِ بِالكَلْبِ في حالِ لَهَثِهِ سِرٌّ بَدِيعٌ، وهو أنَّ هَذا الَّذِي حالُهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِن انْسِلاخِهِ مِن آياتِهِ واتِّباعِهِ هَواهُ إنّما كانَ لِشِدَّةِ لَهَفِهِ عَلى الدُّنْيا لِانْقِطاعِ قَلْبِهِ عَنْ اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ فَهو شَدِيدُ اللَّهَفِ عَلَيْها، ولَهَفُهُ نَظِيرُ لَهَفِ الكَلْبِ الدّائِمِ في حالِ إزْعاجِهِ وتَرْكِهِ، واللَّهَفُ واللَّهَثُ شَقِيقانِ وأخَوانِ في اللَّفْظِ والمَعْنى، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الكَلْبُ مُنْقَطِعُ الفُؤادِ، لا فُؤادَ لَهُ، إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ، فَهو مَثَلُ الَّذِي يَتْرُكُ الهُدى، لا فُؤادَ لَهُ، إنّما فُؤادُهُ مُنْقَطِعٌ؛ قُلْت: مُرادُهُ بِانْقِطاعِ فُؤادِهِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ فُؤادٌ يَحْمِلُهُ عَلى الصَّبْرِ وتَرْكِ اللَّهَثِ؛ وهَكَذا الَّذِي انْسَلَخَ مِن آياتِ اللَّهِ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ فُؤادٌ يَحْمِلُهُ عَلى الصَّبْرِ عَنْ الدُّنْيا وتَرْكِ اللَّهَفِ عَلَيْها، فَهَذا يَلْهَفُ عَلى الدُّنْيا مِن قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْها، وهَذا يَلْهَثُ مِن قِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْ الماءِ، فالكَلْبُ مِن أقَلِّ الحَيَواناتِ صَبْرًا عَنْ الماءِ، وإذا عَطِشَ أكَلَ الثَّرى مِن العَطَشِ، وإنْ كانَ فِيهِ صَبْرٌ عَلى الجُوعِ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو مِن أشَدِّ الحَيَواناتِ لَهَثًا، يَلْهَثُ قائِمًا وقاعِدًا وماشِيًا وواقِفًا، وذَلِكَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ؛ فَحَرارَةُ الحِرْصِ في كَبِدِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوامَ اللَّهَثِ، فَهَكَذا مُشْبِهُهُ شِدَّةُ الحِرْصِ وحَرارَةُ الشَّهْوَةِ في قَلْبِهِ تُوجِبُ لَهُ دَوامَ اللَّهَفِ، فَإنْ حَمَلْت عَلَيْهِ المَوْعِظَةَ والنَّصِيحَةَ فَهو يَلْهَفُ، وإنْ تَرَكْتَهُ ولَمْ تَعِظْهُ فَهو يَلْهَفُ، قالَ مُجاهِدٌ: وذَلِكَ مَثَلُ الَّذِي أُوتِيَ الكِتابَ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ لَمْ يَحْمِلْها، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَهْتَدِ إلى خَيْرٍ، كالكَلْبِ إنْ كانَ رابِضًا لَهَثَ وإنْ طُرِدَ لَهَثَ، وقالَ الحَسَنُ: هو المُنافِقُ لا يَثْبُتُ عَلى الحَقِّ، دُعِيَ أوْ لَمْ يُدْعَ، وُعِظَ أوْ لَمْ يُوعَظْ، كالكَلْبِ يَلْهَثُ طُرِدَ أوْ تُرِكَ.
وَقالَ عَطاءٌ: يَنْبَحُ إنْ حَمَلْت عَلَيْهِ أوْ لَمْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ إلّا الكَلْبَ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الكَلالِ وحالِ الرّاحَةِ وحالِ الصِّحَّةِ وحالِ المَرَضِ والعَطَشِ، فَضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَن كَذَّبَ بِآياتِهِ، وقالَ: إنْ وعَظْتَهُ فَهو ضالٌّ وإنْ تَرَكْتَهُ فَهو ضالٌّ كالكَلْبِ إنْ طَرَدْتَهُ لَهَثَ وإنْ تَرَكْتَهُ عَلى حالِهِ لَهَثَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]
(فائدة)
وَتَأمَّلْ ما في هَذا المَثَلِ مِن الحُكْمِ والمَعْنى: فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو الَّذِي آتاهُ آياتِهِ، فَإنَّها نِعْمَةٌ، واللَّهُ هو الَّذِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ، فَأضافَها إلى نَفْسِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ [الأعراف: ١٧٥] أيْ خَرَجَ مِنها كَما تَنْسَلِخُ الحَيَّةُ مِن جِلْدِها، وفارَقَها فِراقَ الجِلْدِ يُسْلَخُ عَنْ اللَّحْمِ، ولَمْ يَقُلْ فَسَلَخْناهُ مِنها لِأنَّهُ هو الَّذِي تَسَبَّبَ إلى انْسِلاخِهِ مِنها بِاتِّباعِ هَواهُ.
وَمِنها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] أيْ لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ كَما قالَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] وكانَ مَحْفُوظًا مَحْرُوسًا بِآياتِ اللَّهِ، مَحْمِيَّ الجانِبِ بِها مِن الشَّيْطانِ، لا يَنالُ مِنهُ شَيْئًا إلّا عَلى غِرَّةٍ وخَطْفَةٍ، فَلَمّا انْسَلَخَ مِن آياتِ اللَّهِ ظَفِرَ بِهِ الشَّيْطانُ ظَفْرَ الأسَدِ بِفَرِيسَتِهِ، فَكانَ مِن الغاوِينَ العامِلِينَ بِخِلافِ عَمَلِهِمْ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الحَقَّ ويَعْمَلُونَ بِخِلافِهِ، كَعُلَماءِ السُّوءِ، ومِنها أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الرِّفْعَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ العِلْمِ، فَإنَّ هَذا كانَ مِن العُلَماءِ، وإنَّما هي بِاتِّباعِ الحَقِّ وإيثارِهِ وقَصْدِ مَرْضاةِ اللَّهِ.
فَإنَّ هَذا كُلَّهُ مِن أعْلَمْ أهْلِ زَمانِهِ، ولَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ولَمْ يَنْفَعْهُ بِهِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو الَّذِي يَرْفَعُ عَبْدَهُ إذا شاءَ بِما آتاهُ مِن العِلْمِ، وإنْ لَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ فَهو مَوْضُوعٌ لا يَرْفَعُ أحَدٌ بِهِ رَأْسًا، فَإنَّ الخافِضَ الرّافِعَ سُبْحانَهُ خَفَضَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، والمَعْنى لَوْ شِئْنا فَضَّلْناهُ وشَرَّفْناهُ ورَفَعْنا قَدْرَهُ ومَنزِلَتَهُ بِالآياتِ الَّتِي آتَيْناهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِعَمَلِهِ بِها، وقالَتْ طائِفَةٌ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَرَفَعْناهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] عائِدٌ عَلى الكُفْرِ، والمَعْنى لَوْ شِئْنا لَرَفَعْنا عَنْهُ الكُفْرَ بِما مَعَهُ مِن آياتِنا، قالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ: لَرَفَعْنا عَنْهُ الكُفْرَ بِالإيمانِ وعَصَمْناهُ؛ وهَذا المَعْنى حَقٌّ، والأوَّلُ هو مُرادُ الآيَةِ، وهَذا مِن لَوازِمِ المُرادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ السَّلَفَ كَثِيرًا ما يُنَبِّهُونَ عَلى لازِمِ مَعْنى الآيَةِ فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ مِنها: وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَكَنَ إلى الأرْضِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: سَكَنَ، وقالَ مُقاتِلٌ: رَضِيَ بِالدُّنْيا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَزِمَها وأبْطَأ، والمُخْلِدُ مِن الرِّجالِ: هو الَّذِي يُبْطِئُ مِشْيَتَهُ، ومِن الدَّوابِّ: الَّتِي تَبْقى ثَناياهُ إلى أنْ تَخْرُجَ رُباعِيَّتُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: خَلَدَ وأخْلَدَ، وأصْلُهُ مِن الخُلُودِ وهو الدَّوامُ والبَقاءُ، ويُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ، إذا أقامَ بِهِ، قالَ مالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ:
؎بِأبْناءِ حَيٍّ مِن قَبائِلِ مالِكٍ ∗∗∗ وعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ أقامُوا فَأخْلَدُوا
قُلْت: ومِنهُ قَوْله تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أيْ قَدْ خُلِقُوا لِلْبَقاءِ؛ لِذَلِكَ لا يَتَغَيَّرُونَ ولا يَكْبَرُونَ، وهم عَلى سِنٍّ واحِدٍ أبَدًا؛ وقِيلَ: هم المُقَرَّطُونَ في آذانِهِمْ والمُسَوَّرُونَ في أيْدِيهِمْ، وأصْحابُ هَذا القَوْلِ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِبَعْضِ لَوازِمِها، وذَلِكَ أمارَةُ التَّخْلِيدِ عَلى ذَلِكَ السِّنِّ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] قالَ الكَلْبِيُّ: اتَّبَعَ مَسافِلَ الأُمُورِ وتَرَكَ مَعالِيَها، وقالَ أبُو ورَقٍ: اخْتارَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وقالَ عَطاءٌ: أرادَ الدُّنْيا وأطاعَ شَيْطانَهُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: كانَ هَواهُ مَعَ القَوْمِ يَعْنِي الَّذِينَ حارَبُوا مُوسى وقَوْمَهُ، وقالَ يَمانٌ: اتَّبَعَ امْرَأتَهُ لِأنَّها هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى ما فَعَلَ.
فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِدْراكُ بِلَكِنَّ يَقْتَضِي أنْ يُثْبِتَ بَعْدَها ما نَفى قَبْلَها، أوْ يَنْفِيَ ما أثْبَتَ، كَما تَقُولُ: لَوْ شِئْت لَأعْطَيْتُهُ لَكِنِّي لَمْ أُعْطِهِ، ولَوْ شِئْت لَما فَعَلْت كَذا لَكِنِّي فَعَلْتُهُ؛ فالِاسْتِدْراكُ يَقْتَضِي ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ أوْ لَمْ نَرْفَعْ، فَكَيْفَ اسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦]؟ قِيلَ: هَذا مِن الكَلامِ المَلْحُوظِ فِيهِ جانِبُ المَعْنى المَعْدُولِ فِيهِ عَنْ مُراعاةِ الألْفاظِ إلى المَعانِي، وذَلِكَ أنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] أنَّهُ لَمْ يَتَعاطَ الأسْبابَ الَّتِي تَقْتَضِي رَفْعَهُ بِالآياتِ مِن إيثارِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ عَلى هَواهُ، ولَكِنَّهُ آثَرَ الدُّنْيا وأخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى ولَوْ لَزِمَ آياتِنا لَرَفَعْناهُ بِها، فَذَكَرَ المَشِيئَةَ والمُرادُ ما هي تابِعَةٌ لَهُ ومُسَبَّبَةٌ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ لَزِمَها لَرَفَعْناهُ بِها، قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فاسْتَدْرَكَ المَشِيئَةَ بِإخْلادِهِ الَّذِي هو فِعْلُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ [الأعراف: ١٧٦] في مَعْنى ما هو فِعْلُهُ، ولَوْ كانَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ، ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ، فَهَذا مِنهُ شِنْشِنَةٌ «١» نَعْرِفُها مِن قَدَرِيٍّ نافٍ لِلْمَشِيئَةِ العامَّةِ مُبْعِدٍ لِلنُّجْعَةِ في جَعْلِ كَلامِ اللَّهِ مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا، فَأيْنَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ [الأعراف: ١٧٦] مِن قَوْلِهِ: " ولَوْ لَزِمَها " ثُمَّ إذا كانَ اللُّزُومُ لَها مَوْقُوفًا عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وهو الحَقُّ بَطَلَ أصْلُهُ.
وَقَوْلُهُ: " إنّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تابِعَةٌ لِلُزُومِهِ الآياتِ " مِن أفْسَدِ الكَلامِ وأبْطَلَهُ، بَلْ لُزُومُهُ لِآياتِهِ تابِعٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَمَشِيئَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَتْبُوعَةٌ، لا تابِعَةٌ، وسَبَبٌ لا مُسَبَّبٌ، ومُوجِبٌ مُقْتَضٍ لا مُقْتَضًى، فَما شاءَ اللَّهُ وجَبَ وُجُودُهُ، وما لَمْ يَشَأْ امْتَنَعَ وُجُودُهُ.
(فائدة أخرى)
قوله: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ (١٧٥) ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾
تأمل قوله تعالى ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو ثم قال ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ ولم يقل فسلخناه بل أضاف الانسلاخ إليه، وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ الدالة على تخليه عنها بالكلية وهذا شأن الكافر وأما المؤمن ولو عصى الله تبارك وتعالى ما عصاه فإنه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية ثم قال ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ ولم يقل فتبعه فإن في أتبعه إعلاما بأنه أدركه ولحقه كما قال الله تعالى فأتبعوهم مشرقين أي لحقوهم ووصلوا إليهم ثم قال ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ ففي ذلك دليل على أن مجرد العلم لا يرفع صاحبه فهذا قد أخبر الله سبحانه أنه آتاه آياته ولم يرفعه بها فالرفعة بالعلم قدر زائد على مجرد تعلمه ثم أخبر الله عز وجل عن السبب الذي منعه أن يرفع بها فقال ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ وقوله ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أي سكن إليها ونزل بطبعه إليها فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية وبحسب ما يخلد العبد إلى الأرض يهبط من السماء قال سهل قسم الله الأعضاء من الهوى لكل عضو منه حظا فإذا مال عضو منها إلى الهوى رجع ضرره إلى القلب وللنفس سبع حجب سماوية وسبع حجب أرضية فكلما دفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء فإذا دفن النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش ثم ذكر سبحانه مثل المتبع لهواه كمثل الكلب الذي لا يفارقه اللهث في حالتي تركه والحمل عليه فهكذا هذا لا يفارقه اللهث على الدنيا راغبا وراهبا.
والمقصود أن هذه السورة من أولها إلى آخرها في ذكر حال أهل الهوى والشهوات وما آل إليه أمرهم فالعشق والهوى أصل كل بلية.
[فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تَجْعَلُ صاحِبَها مِنَ السَّفَلَةِ]
وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَجْعَلُ صاحِبَها مِنَ السَّفَلَةِ بَعْدَ أنْ كانَ مُهَيَّئًا لِأنْ يَكُونَ مِنَ العِلْيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ قِسْمَيْنِ: عِلْيَةً، وسَفَلَةً، وجَعَلَ عِلِّيِّينَ مُسْتَقَرَّ العِلْيَةِ، وأسْفَلَ سافِلِينَ مُسْتَقَرَّ السَّفَلَةِ، وجَعَلَ أهْلَ طاعَتِهِ الأعْلَيْنَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأهْلَ مَعْصِيَتِهِ الأسْفَلِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَما جَعَلَ أهْلَ طاعَتِهِ أكْرَمَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وأهْلَ مَعْصِيَتِهِ أهْوَنَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وجَعَلَ العِزَّةَ لِهَؤُلاءِ، والذِّلَّةَ والصَّغارَ لِهَؤُلاءِ، كَما في مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ، وجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغارُ عَلى مَن خالَفَ أمْرِي»
فَكُلَّما عَمِلَ العَبْدُ مَعْصِيَةً نَزَلَ إلى أسْفَلَ، دَرَجَةً، ولا يَزالُ في نُزُولٍ حَتّى يَكُونَ مِنَ الأسْفَلِينَ، وكُلَّما عَمِلَ طاعَةً ارْتَفَعَ بِها دَرَجَةً، ولا يَزالُ في ارْتِفاعٍ حَتّى يَكُونَ مِنَ الأعْلَيْنَ.
وَقَدْ يَجْتَمِعُ لِلْعَبْدِ في أيّامِ حَياتِهِ الصُّعُودُ مِن وجْهٍ، والنُّزُولُ مِن وجْهٍ، وأيُّهُما كانَ أغْلَبَ عَلَيْهِ كانَ مِن أهْلِهِ، فَلَيْسَ مَن صَعِدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ ونَزَلَ دَرَجَةً واحِدَةً، كَمَن كانَ بِالعَكْسِ.
وَلَكِنْ يَعْرِضُ هاهُنا لِلنُّفُوسِ غَلَطٌ عَظِيمٌ، وهو أنَّ العَبْدَ قَدْ يَنْزِلُ نُزُولًا بَعِيدًا أبْعَدَ مِمّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِمّا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَلا يَفِي صُعُودُهُ ألْفَ دَرَجَةٍ بِهَذا النُّزُولِ الواحِدِ، كَما في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:
«إنَّ العَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، لا يُلْقِي لَها بالًا يَهْوِي بِها في النّارِ أبْعَدَ مِمّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ».
فَأيُّ صُعُودٍ يُوازِنُ هَذِهِ النَّزْلَةَ؟ والنُّزُولُ أمْرٌ لازِمٌ لِلْإنْسانِ، ولَكِنْ مِنَ النّاسِ مَن يَكُونُ نُزُولُهُ إلى غَفْلَةٍ، فَهَذا مَتى اسْتَيْقَظَ مِن غَفْلَتِهِ عادَ إلى دَرَجَتِهِ، أوْ إلى أرْفَعَ مِنها بِحَسْبَ يَقَظَتِهِ.
وَمِنهم مَن يَكُونُ نُزُولُهُ إلى مُباحٍ لا يَنْوِي بِهِ الِاسْتِعانَةَ عَلى الطّاعَةِ، فَهَذا مَتى رَجَعَ إلى الطّاعَةِ فَقَدْ يَعُودُ إلى دَرَجَتِهِ، وقَدْ لا يَصِلُ إلَيْها، وقَدْ يَرْتَفِعُ عَنْها، فَإنَّهُ قَدْ يَعُودُ أعْلى هِمَّةً مِمّا كانَ، وقَدْ يَكُونُ أضْعَفَ هِمَّةً، وقَدْ تَعُودُ هِمَّتُهُ كَما كانَتْ.
وَمِنهم مَن يَكُونُ نُزُولُهُ إلى مَعْصِيَةٍ، إمّا صَغِيرَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ، فَهَذا يَحْتاجُ في عَوْدِهِ إلى دَرَجَتِهِ إلى تَوْبَةٍ نَصُوحٍ، وإنابَةٍ صادِقَةٍ.
واخْتَلَفَ النّاسُ هَلْ يَعُودُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلى دَرَجَتِهِ الَّتِي كانَ فِيها، بِناءً عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تَمْحُو أثَرَ الذَّنْبِ، وتَجْعَلُ وجُودَهُ كَعَدَمِهِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، أوْ لا يَعُودُ، بِناءً عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تَأْثِيرُها في إسْقاطِ العُقُوبَةِ، وأمّا الدَّرَجَةُ الَّتِي فاتَتْهُ فَإنَّهُ لا يَصِلُ إلَيْها.
قالُوا: وتَقْرِيرُ ذَلِكَ: أنَّهُ كانَ مُسْتَعِدًّا بِاشْتِغالِهِ بِالطّاعَةِ في الزَّمَنِ الَّذِي عَصى فِيهِ لِصُعُودٍ آخَرَ وارْتِقاءٍ تَحْمِلُهُ أعْمالُهُ السّالِفَةُ، بِمَنزِلَةِ كَسْبِ الرَّجُلِ كُلَّ يَوْمٍ بِجُمْلَةِ مالِهِ الَّذِي يَمْلِكُهُ، وكُلَّما تَضّاعَفَ المالُ تَضّاعَفَ الرِّبْحُ، فَقَدْ راحَ عَلَيْهِ في زَمَنِ المَعْصِيَةِ ارْتِفاعٌ ورِبْحٌ تَحْمِلُهُ أعْمالُهُ، فَإذا اسْتَأْنَفَ العَمَلَ اسْتَأْنَفَ صُعُودًا مِن نُزُولٍ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ صاعِدًا مِن أسْفَلَ إلى أعْلى، وبَيْنَهُما بَوْنٌ عَظِيمٌ.
قالُوا: ومَثَلُ ذَلِكَ رَجُلانِ يَرْتَقِيانِ في سُلَّمَيْنِ لا نِهايَةَ لَهُما، وهُما سَواءٌ، فَنَزَلَ أحَدُهُما إلى أسْفَلَ، ولَوْ دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الصُّعُودَ، فَإنَّ الَّذِي لَمْ يَنْزِلْ يَعْلُو عَلَيْهِ ولا بُدَّ.
وَحَكَمَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ حُكْمًا مَقْبُولًا فَقالَ:
التَّحْقِيقُ أنَّ مِنَ التّائِبِينَ مَن يَعُودُ إلى أرْفَعَ مِن دَرَجَتِهِ، ومِنهم مِن يَعُودُ إلى مِثْلِ دَرَجَتِهِ، ومِنهم مَن لا يَصِلُ إلى دَرَجَتِهِ.
قُلْتُ: وهَذا بِحَسْبِ قُوَّةِ التَّوْبَةِ وكَمالِها، وما أحْدَثَتْهُ المَعْصِيَةُ لِلْعَبْدِ مِنَ الذُّلِّ والخُضُوعِ والإنابَةِ، والحَذَرِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، والبُكاءِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، فَقَدْ تَقْوى هَذِهِ الأُمُورُ، حَتّى يَعُودَ التّائِبُ إلى أرْفَعَ مِن دَرَجَتِهِ، ويَصِيرَ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِنهُ قَبْلَ الخَطِيئَةِ، فَهَذا قَدْ تَكُونُ الخَطِيئَةُ في حَقِّهِ رَحْمَةً، فَإنَّها نَفَتْ عَنْهُ داءَ العُجْبِ، وخَلَّصَتْهُ مِن ثِقَتِهِ بِنَفْسِهِ وإدْلالِهِ بِأعْمالِهِ، ووَضَعَتْ خَدَّ ضَراعَتِهِ وذُلَّهُ وانْكِسارَهُ عَلى عَتَبَةِ بابِ سَيِّدِهِ ومَوْلاهُ، وعَرَّفَتْهُ قَدْرَهُ، وأشْهَدَتْهُ فَقْرَهُ وضَرُورَتَهُ إلى حِفْظِ مَوْلاهُ لَهُ، وإلى عَفْوِهِ عَنْهُ ومَغْفِرَتِهِ لَهُ، وأخْرَجَتْ مِن قَلْبِهِ صَوْلَةَ الطّاعَةِ، وكَسَرَتْ أنْفَهُ مِن أنْ يَشْمَخَ بِها أوْ يَتَكَبَّرَ بِها، أوْ يَرى نَفْسَهُ بِها خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، وأوْقَفَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مَوْقِفَ الخَطّائِينَ المُذْنِبِينَ، ناكِسَ الرَّأْسِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، مُسْتَحِيًا خائِفًا مِنهُ وجِلًا، مُحْتَقِرًا لِطاعَتِهِ مُسْتَعْظِمًا لِمَعْصِيَتِهِ، عَرَفَ نَفْسَهُ بِالنَّقْصِ والذَّمِّ. ورَبُّهُ مُتَفَرِّدٌ بِالكَمالِ والحَمْدِ والوَفاءِ كَما قِيلَ:
؎اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفاءِ وبِالحَمْ ∗∗∗ دِ ووَلّى المَلامَةَ الرَّجُلا
فَأيُّ نِعْمَةٍ وصَلَتْ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ اسْتَكْثَرَها عَلى نَفْسِهِ ورَأى نَفْسَهُ دُونَها ولَمْ يَرَها أهْلًا، وأيُّ نِقْمَةٍ أوْ بَلِيَّةٍ وصَلَتْ إلَيْهِ رَأى نَفْسَهُ أهْلًا لِما هو أكْبَرُ مِنها، ورَأى مَوْلاهُ قَدْ أحْسَنَ إلَيْهِ، إذْ لَمْ يُعاقِبْهُ عَلى قَدْرِ جُرْمِهِ ولا شَطْرِهِ، ولا أدْنى جُزْءٍ مِنهُ.
فَإنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العُقُوبَةِ لا تَحْمِلُهُ الجِبالُ الرّاسِياتُ، فَضْلًا عَنْ هَذا العَبْدِ الضَّعِيفِ العاجِزِ، فَإنَّ الذَّنْبَ وإنْ صَغُرَ، فَإنَّ مُقابَلَةَ العَظِيمِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ، الكَبِيرِ الَّذِي لا شَيْءَ أكْبَرُ مِنهُ، الجَلِيلِ الَّذِي لا أجَلَّ مِنهُ ولا أجْمَلَ، المُنْعِمِ بِجَمِيعِ أصْنافِ النِّعَمِ دَقِيقِها وجُلِّها - مِن أقْبَحِ الأُمُورِ وأفْظَعِها وأشْنَعِها، فَإنَّ مُقابَلَةَ العُظَماءِ والأجِلّاءِ وساداتِ النّاسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ يَسْتَقْبِحُهُ كُلُّ أحَدٍ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ.
وَأرْذَلُ النّاسِ وأسْقَطُهم مُرُوءَةً مَن قابَلَهم بِالرَّذائِلِ، فَكَيْفَ بِعَظِيمِ السَّماواتِ والأرْضِ، ومَلِكِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإلَهِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ؟ ولَوْلا أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ومَغْفِرَتَهُ سَبَقَتْ عُقُوبَتَهُ، وإلّا لَتَدَكْدَكَتِ الأرْضُ بِمَن قابَلَهُ بِما لا يَلِيقُ مُقابَلَتُهُ بِهِ، ولَوْلا حِلْمُهُ ومَغْفِرَتُهُ لَزُلْزِلَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مِن مَعاصِي العِبادِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
فَتَأمَّلْ خَتْمَ هَذِهِ الآيَةِ بِاسْمَيْنِ مِن أسْمائِهِ، وهُما: " الحَلِيمُ، والغَفُورُ " كَيْفَ تَجِدُ تَحْتَ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْلا حِلْمُهُ عَنِ الجُناةِ ومَغْفِرَتُهُ لِلْعُصاةِ لَما اسْتَقَرَّتِ السَّماواتُ والأرْضُ؟
وَقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ كُفْرِ بَعْضِ عِبادِهِ أنَّهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠].
وَقَدْ أخْرَجَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأبَوَيْنِ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبٍ واحِدٍ ارْتَكَباهُ وخالَفا فِيهِ نَهْيَهُ، ولَعَنَ إبْلِيسَ وطَرَدَهُ وأخْرَجَهُ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ بِذَنْبٍ واحِدٍ ارْتَكَبَهُ وخالَفَ فِيهِ أمْرَهُ، ونَحْنُ مَعاشِرُ الحَمْقى كَما قِيلَ:
؎نَصِلُ الذُّنُوبَ إلى الذُّنُوبِ ونَرْتَجِي ∗∗∗ دَرَجَ الجِنانِ لِذِي النَّعِيمِ الخالِدِ
؎وَلَقَدْ عَلِمْنا أخْرَجَ الأبَوَيْنِ مِن ∗∗∗ مَلَكُوتِهِ الأعْلى بِذَنْبٍ واحِدِ
والمَقْصُودُ أنَّ العَبْدَ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِمّا كانَ قَبْلَ الخَطِيئَةِ وأرْفَعَ دَرَجَةً، وقَدْ تُضْعِفُ الخَطِيئَةُ هِمَّتَهُ وتُوهِنُ عَزْمَهُ، وتُمْرِضُ قَلْبَهُ، فَلا يَقْوى دَواءُ التَّوْبَةِ عَلى إعادَتِهِ إلى الصِّحَّةِ الأوْلى، فَلا يَعُودُ إلى دَرَجَتِهِ، وقَدْ يَزُولُ المَرَضُ بِحَيْثُ تَعُودُ الصِّحَّةُ كَما كانَتْ ويَعُودُ إلى مِثْلِ عَمَلِهِ، فَيَعُودُ إلى دَرَجَتِهِ.
هَذا كُلُّهُ إذا كانَ نُزُولُهُ إلى مَعْصِيَةٍ، فَإنْ كانَ نُزُولُهُ إلى أمْرٍ يَقْدَحُ في أصْلِ إيمانِهِ، مِثْلِ الشُّكُوكِ والرِّيَبِ والنِّفاقِ، فَذاكَ نُزُولٌ لا يُرْجى لِصاحِبِهِ صُعُودٌ إلّا بِتَجْدِيدِ إسْلامِهِ.
الأعراف 7:180
فإن قيل فالاسم عندكم هو المسمى أو غيره؟
قيل طالما غلط الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى فإذا قلت قال الله كذا واستوى الله على عرشه وسمع الله ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت الله اسم عربي والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله، والرحمن وزنه فعلان، والرحمن مشتق من الرحمة ونحو ذلك، فالاسم هاهنا للمسمى.
ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسما أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد.
فقوله في الحديث: "سميت به نفسك"
ولم يقل خلقته لنفسك، ولا قال سماك به خلقك دليل على أنه سبحانه تكلم بذلك الاسم وسمى به نفسه كما سمى نفسه في كتبه التي تكلم بها حقيقة بأسمائه وقوله أو استأثرت به في علم الغيب عندك دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره وعلى هذا فقوله "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"
لا ينفي أن يكون له غيرها والكلام جملة واحدة أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة كما يقال لفلان مائة عبدا أعدهم للتجارة وله مائة فرس أعدها للجهاد.
وهذا قول الجمهور وخالفهم ابن حزم فزعم أن أسماءه تنحصر في هذا العدد، وقد دل الحديث على أن التوسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته أحب إليه وأنفع للعبد من التوسل إليه بمخلوقاته وكذلك سائر الأحاديث كما في حديث الاسم الأعظم: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم" وفي الحديث الآخر: "أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد"
وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق"
وكلها أحاديث صحاح رواها ابن حبان والإمام أحمد والحاكم.
وهذا تحقيق لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾.
[فَصْلٌ المَشْهَدُ الثّامِنُ مَشْهَدُ الأسْماءِ والصِّفاتِ]
وَهُوَ مِن أجَلِّ المَشاهِدِ، وهو أعْلى مِمّا قَبْلَهُ وأوْسَعُ.
والمَطْلَعُ عَلى هَذا المَشْهَدِ: مَعْرِفَةُ تَعَلُّقِ الوُجُودِ خَلْقًا وأمْرًا بِالأسْماءِ الحُسْنى، والصِّفاتِ العُلا، وارْتِباطِهِ بِها، وإنْ كانَ العالَمُ بِما فِيهِ مِن بَعْضِ آثارِها ومُقْتَضَياتِها.
وَهَذا مِن أجَلِّ المَعارِفِ وأشْرَفِها، وكُلُّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ لَهُ صِفَةٌ خاصَّةٌ، فَإنَّ أسْماءَهُ أوْصافُ مَدْحٍ وكَمالٍ، وكُلُّ صِفَةٍ لَها مُقْتَضًى وفِعْلٌ إمّا لازِمٌ، وإمّا مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ الفِعْلِ تَعَلُّقٌ بِمَفْعُولٍ هو مِن لَوازِمِهِ، وهَذا في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، كُلُّ ذَلِكَ آثارُ الأسْماءِ الحُسْنى ومُوجِباتُها.
وَمِنَ المُحالِ تَعْطِيلُ أسْمائِهِ عَنْ أوْصافِها ومَعانِيها، وتَعْطِيلُ الأوْصافِ عَمّا تَقْتَضِيهِ وتَسْتَدْعِيهِ مِنَ الأفْعالِ، وتَعْطِيلُ الأفْعالِ عَنِ المَفْعُولاتِ، كَما أنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُ مَفْعُولِهِ عَنْ أفْعالِهِ وأفْعالِهِ عَنْ صِفاتِهِ، وصِفاتِهِ عَنْ أسْمائِهِ، وتَعْطِيلُ أسْمائِهِ وأوْصافِهِ عَنْ ذاتِهِ.
وَإذا كانَتْ أوْصافُهُ صِفاتِ كَمالٍ، وأفْعالُهُ حِكَمًا ومَصالِحَ، وأسْماؤُهُ حُسْنًى فَفَرْضُ تَعْطِيلِها عَنْ مُوجَباتِها مُسْتَحِيلٌ في حَقِّهِ، ولِهَذا يُنْكِرُ سُبْحانَهُ عَلى مَن عَطَّلَهُ عَنْ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، وأنَّهُ بِذَلِكَ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ وإلى ما يَتَنَزَّهُ عَنْهُ، وأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ سَيِّئٌ مِمَّنْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وأنَّ مَن نَسَبَهُ إلى ذَلِكَ فَما قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَظَّمَهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، كَما قالَ تَعالى في حَقِّ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] وقالَ تَعالى في حَقِّ مُنْكِرِي المَعادِ والثَّوابِ والعِقابِ ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وقالَ في حَقِّ مَن جَوَّزَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ، كالأبْرارِ والفُجّارِ، والمُؤْمِنِينَ والكُفّارِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] فَأخْبَرَ أنَّ هَذا حُكْمٌ سَيِّئٌ لا يَلِيقُ بِهِ، تَأْباهُ أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ، وقالَ سُبْحانَهُ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥] عَنْ هَذا الظَّنِّ والحُسْبانِ، الَّذِي تَأْباهُ أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ.
وَنَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، يَنْفِي فِيها عَنْ نَفْسِهِ خِلافَ مُوجَبِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ إذْ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ تَعْطِيلَها عَنْ كَمالِها ومُقْتَضَياتِها.
فاسْمُهُ الحَمِيدُ، المَجِيدُ يَمْنَعُ تَرْكَ الإنْسانِ سُدًى مُهْمَلًا مُعَطَّلًا، لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، ولا يُثابُ ولا يُعاقَبُ، وكَذَلِكَ اسْمُهُ الحَكِيمُ يَأْبى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ اسْمُهُ المَلِكُ واسْمُهُ الحَيُّ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ مُعَطَّلًا مِنَ الفِعْلِ، بَلْ حَقِيقَةُ الحَياةِ الفِعْلُ، فَكُلُّ حَيٍّ فَعّالٌ، وكَوْنُهُ سُبْحانَهُ خالِقًا قَيُّومًا مِن مُوجَباتِ حَياتِهِ ومُقْتَضَياتِها، واسْمُهُ السَّمِيعُ البَصِيرُ يُوجِبُ مَسْمُوعًا ومَرْئِيًا، واسْمُهُ الخالِقُ يَقْتَضِي مَخْلُوقًا، وكَذَلِكَ الرّازِقُ، واسْمُهُ المَلِكُ يَقْتَضِي مَمْلَكَةً وتَصَرُّفًا وتَدْبِيرًا، وإعْطاءً ومَنعًا، وإحْسانًا وعَدْلًا، وثَوابًا وعِقابًا، واسْمُ البَرِّ والمُحْسِنِ، المُعْطِي المَنّانِ ونَحْوِها تَقْتَضِي آثارَها ومُوجَباتِها.
إذا عُرِفَ هَذا، فَمِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ الغَفّارُ، التَّوّابُ، العَفُوُّ فَلا بُدَّ لِهَذِهِ الأسْماءِ مِن مُتَعَلَّقاتٍ، ولا بُدَّ مِن جِنايَةٍ تُغْفَرُ، وتَوْبَةٍ تُقْبَلُ، وجَرائِمَ يُعْفى عَنْها، ولا بُدَّ لِاسْمِهِ الحَكِيمِ مِن مُتَعَلَّقٍ يَظْهَرُ فِيهِ حُكْمُهُ، إذِ اقْتِضاءُ هَذِهِ الأسْماءِ لِآثارِها كاقْتِضاءِ اسْمِ الخالِقِ، الرّازِقِ، المُعْطِي، المانِعِ لِلْمَخْلُوقِ والمَرْزُوقِ والمُعْطى والمَمْنُوعِ، وهَذِهِ الأسْماءُ كُلُّها حُسْنًى.
والرَّبُّ تَعالى يُحِبُّ ذاتَهُ وأوْصافَهُ وأسْماءَهُ، فَهو عَفْوٌ يُحِبُّ العَفْوَ، ويُحِبُّ المَغْفِرَةَ، ويُحِبُّ التَّوْبَةَ، ويَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ أعْظَمَ فَرَحٍ يَخْطُرُ بِالبالِ
وَكانَ تَقْدِيرُ ما يَغْفِرُهُ ويَعْفُو عَنْ فاعِلِهِ، ويَحْلُمُ عَنْهُ، ويَتُوبُ عَلَيْهِ ويُسامِحُهُ مِن مُوجَبِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وحُصُولُ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ مِن ذَلِكَ، وما يَحْمَدُ بِهِ نَفْسَهُ ويَحْمَدُهُ بِهِ أهْلُ سَماواتِهِ وأهْلُ أرْضِهِ ما هو مِن مُوجَباتِ كَمالِهِ ومُقْتَضى حَمْدِهِ.
وَهُوَ سُبْحانَهُ الحَمِيدُ المَجِيدُ، وحَمْدُهُ ومَجْدُهُ يَقْتَضِيانِ آثارَهُما.
وَمِن آثارِهِما مَغْفِرَةُ الزَّلّاتِ، وإقالَةُ العَثَراتِ، والعَفْوُ عَنِ السَّيِّئاتِ، والمُسامَحَةُ عَلى الجِناياتِ، مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ. والعِلْمُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالجِنايَةِ ومِقْدارِ عُقُوبَتِها، فَحِلْمُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ، وعَفْوُهُ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، ومَغْفِرَتُهُ عَنْ كَمالِ عِزَّتِهِ وحَكَمْتِهِ، كَما قالَ المَسِيحُ ﷺ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] أيْ فَمَغْفِرَتُكَ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِكَ وحِكْمَتِكَ، لَسْتَ كَمَن يَغْفِرُ عَجْزًا، ويُسامِحُ جَهْلًا بِقَدْرِ الحَقِّ، بَلْ أنْتَ عَلِيمٌ بِحَقِّكَ، قادِرٌ عَلى اسْتِيفائِهِ، حَكِيمٌ في الأخْذِ بِهِ.
فَمَن تَأمَّلَ سَرَيانَ آثارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ في العالَمِ، وفي الأمْرِ، تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ مَصْدَرَ قَضاءِ هَذِهِ الجِناياتِ مِنَ العَبِيدِ، وتَقْدِيرُها: هو مِن كَمالِ الأسْماءِ والصِّفاتِ والأفْعالِ. وغاياتُها أيْضًا: مُقْتَضى حَمْدِهِ ومَجْدِهِ، كَما هو مُقْتَضى رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ.
فَلَهُ في كُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، والآياتُ الباهِرَةُ، والتَّعَرُّفاتُ إلى عِبادِهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، واسْتِدْعاءُ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وذِكْرِهِمْ لَهُ، وشُكْرِهِمْ لَهُ، وتَعَبُّدِهِمْ لَهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، إذْ كَلُّ اسْمٍ فَلَهُ تَعَبُّدٌ مُخْتَصٌّ بِهِ، عِلْمًا ومَعْرِفَةً وحالًا، وأكْمَلُ النّاسِ عُبُودِيَّةً المُتَعَبِّدُ بِجَمِيعِ الأسْماءِ والصِّفاتِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْها البَشَرُ، فَلا تَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمٍ عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمٍ آخَرَ، كَمَن يَحْجُبُهُ التَّعَبُّدُ بِاسْمِهِ القَدِيرِ عَنِ التَّعَبُّدِ بِاسْمِهِ الحَلِيمِ الرَّحِيمِ، أوْ يَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ المُعْطِي عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمِهِ المانِعِ، أوْ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ الرَّحِيمِ والعَفُوِّ والغَفُورِ عَنِ اسْمِهِ المُنْتَقِمِ، أوِ التَّعَبُّدُ بِأسْماءِ التَّوَدُّدِ، والبِرِّ، واللُّطْفِ، والإحْسانِ عَنْ أسْماءِ العَدْلِ، والجَبَرُوتِ، والعَظَمَةِ، والكِبْرِياءِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الكُمَّلِ مِنَ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ، وهي طَرِيقَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن قَلْبِ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والدُّعاءُ بِها يَتَناوَلُ دُعاءَ المَسْألَةِ، ودُعاءَ الثَّناءِ، ودُعاءَ التَّعَبُّدِ، وهو سُبْحانُهُ يَدْعُو عِبادَهُ إلى أنْ يَعْرِفُوهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِها، ويَأْخُذُوا بِحَظِّهِمْ مِن عُبُودِيَّتِها.
وَهُوَ سُبْحانُهُ يُحِبُّ مُوجَبَ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ.
فَهُوَ عَلِيمٌ يُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ، جَوّادٌ يُحِبُّ كُلَّ جَوّادٍ، وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، عَفُوٌّ يُحِبُّ العَفْوَ وأهْلَهُ، حَيِّيٌّ يُحِبُّ الحَياءَ وأهْلَهُ، بَرٌّ يُحِبُّ الأبْرارَ، شَكُورٌ يُحِبُّ الشّاكِرِينَ، صَبُورٌ يُحِبُّ الصّابِرِينَ، حَلِيمٌ يُحِبُّ أهْلَ الحِلْمِ، فَلِمَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لِلتَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ، والعَفْوِ والصَّفْحِ خَلَقَ مَن يَغْفِرُ لَهُ، ويَتُوبُ عَلَيْهِ ويَعْفُو عَنْهُ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ ما يَقْتَضِي وُقُوعَ المَكْرُوهِ والمَبْغُوضِ لَهُ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَحْبُوبُ لَهُ المُرْضِي لَهُ، فَتَوَسُّطُهُ كَتَوَسُّطِ الأسْبابِ المَكْرُوهَةِ المُفْضِيَةِ إلى المَحْبُوبِ.
؎فَرُبَّما كانَ مَكْرُوهُ العِبادِ إلى ∗∗∗ مَحْبُوبِها سَبَبَ ما مِثْلُهُ سَبَبٌ
والأسْبابُ مَعَ مُسَبَّباتِها أرْبَعَةُ أنْواعٍ: مَحْبُوبٌ يُفْضِي إلى مَحْبُوبٍ، ومَكْرُوهٌ يُفْضِي إلى مَحْبُوبٍ، وهَذانَ النَّوْعانِ عَلَيْهِما مَدارُ أقْضِيَتِهِ وأقْدارِهِ سُبْحانَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُحِبُّهُ وما يَكْرَهُهُ.
والثّالِثُ: مَكْرُوهٌ يُفْضِي إلى مَكْرُوهٍ، والرّابِعُ: مَحْبُوبٌ يُفْضِي إلى مَكْرُوهٍ، وهَذانَ النَّوْعانِ مُمْتَنِعانِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ، إذِ الغاياتُ المَطْلُوبَةُ مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ الَّذِي ما خَلَقَ ما خَلَقَ، ولا قَضى ما قَضى إلّا لِأجْلِ حُصُولِها لا تَكُونُ إلّا مَحْبُوبَةً لِلرَّبِّ مَرْضِيَّةً لَهُ. والأسْبابُ المُوصِلَةُ إلَيْها مُنْقَسِمَةٌ إلى مَحْبُوبٍ لَهُ ومَكْرُوهٍ لَهُ.
فالطّاعاتُ والتَّوْحِيدُ أسْبابٌ مَحْبُوبَةٌ لَهُ، مُوَصِّلَةٌ إلى الإحْسانِ، والثَّوابِ المَحْبُوبِ لَهُ أيْضًا. والشِّرْكُ والمَعاصِي أسْبابٌ مَسْخُوطَةٌ لَهُ، مُوَصِّلَةٌ إلى العَدْلِ المَحْبُوبِ لَهُ، وإنْ كانَ الفَضْلُ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ العَدْلِ، فاجْتِماعُ العَدْلِ والفَضْلِ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ انْفِرادِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، لِما فِيهِما مِن كَمالِ المُلْكِ والحَمْدِ، وتَنَوُّعِ الثَّناءِ، وكَمالِ القُدْرَةِ.
فَإنْ قِيلَ: كانَ يُمْكِنُ حُصُولُ هَذا المَحْبُوبِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ المَكْرُوهِ.
قِيلَ: هَذا سُؤالٌ باطِلٌ، لِأنَّ وُجُودَ المَلْزُومِ بِدُونِ لازِمِهِ مُمْتَنِعٌ، والَّذِي يُقَدَّرُ في الذِّهْنِ وُجُودُهُ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ هَذا المَطْلُوبِ المَحْبُوبِ لِلرَّبِّ، وحُكْمُ الذِّهْنِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَحْبُوبٌ لِلرَّبِّ حُكْمٌ بِلا عِلْمٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَبْغُوضًا لِلرَّبِّ تَعالى لِمُنافاتِهِ حِكْمَتَهُ، فَإذا حَكَمَ الذِّهْنُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَحْبُوبٌ لَهُ، كانَ نِسْبَةً لَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، ويَتَعالى عَنْهُ.
فَلْيُعْطِ اللَّبِيبُ هَذا المَوْضِعَ حَقَّهُ مِنَ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ مَزِلَّةُ أقْدامٍ، ومَضَلَّةُ أفْهامٍ، ولَوْ أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ مَن لا يَعْلَمُ لَقَلَّ الخِلافُ.
وَهَذا المَشْهَدُ أجَلُّ مَن أنْ يُحِيطَ بِهِ كِتابٌ، أوْ يَسْتَوْعِبَهُ خِطابٌ، وإنَّما أشَرْنا إلَيْهِ أدْنى إشارَةٍ تَطَّلِعُ عَلى ما وراءَها، واللَّهُ المُوَفِّقُ المُعِينُ.
(فائدة جليلة)
ما يجري صفة أو خبرا على الرب تبارك وتعالى أقسام أحدها ما يرجع إلى نفس الذات كقولك ذات وموجود وشيء
الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم والقدير والسميع
الثالث: ما يرجع إلى أفعاله نحو: الخالق والرزاق
الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتا إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس والسلام
الخامس: ولم يذكره أكثر الناس وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد نحو المجيد العظيم الصمد فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال ولفظه يدل على هذا فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة فمنه استمجد المرخ والغفار وأمجد الناقة علفا ومنه ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ صفة للعرش لسعته وعظمه وشرفه وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنا بطلب الصلاة من الله على رسوله ﷺ كما علمناه لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه فأتى في هذا المطلوب باسم تقتضيه كما تقول: " اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ولا يحسن إنك أنت السميع البصير" فهو راجع إلى المتوسل إليه بأسمائه وصفاته وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: "ألظوا بياذا الجلال والإكرام " ومنه " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام " فهذا سؤال له وتوسل إليه وبحمده وأنه الذي لا إله إلا هو المنان فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعا عند المسئول وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة وقد فتح لمن بصره الله تعالى تفسر الاسم الإلهي العظيم والصمد ولنرجع إلى المقصود وهو وصفه تعالى بالاسم المتضمن لصفات عديدة فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال وكذلك الصمد قال ابن عباس هو السيد الذي كمل في سؤدده وقال ابن وائل هو السيد الذي انتهى سؤدده وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء وقال ابن الأنباري: "لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم" واشتقاقه يدل على هذا فإنه من الجمع والقصد الذي اجتمع القصد نحوه واجتمعت فيه صفات السؤدد وهذا أصله في اللغة كما قال:
؎ألا بكر الناعي بخير بني أسد ∗∗∗ بعمرو بن يربوع وبالسيد الصمد
والعرب تسمي أشرافها بالصمد لاجتماع قصد القاصدين إليه واجتماع صفات السيادة فيه.
السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد العفو القدير الحميد المجيد وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن فإن الغنى صفة كمال والحمد كذلك واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما وكذلك العفو القدير والحميد المجيد والعزيز الحكيم فتأمله.
فإنه من أشرف المعارف تسليط صفات السلب على أسماء الله تعالى وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا أن تكون متضمنة لثبوت كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله وكذلك الإخبار عنه بالسلوب هو لتضمنها ثبوتا كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ فإنه متضمن لكمال حياته وقيوميته وكذلك قوله تعالى: ﴿وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ متضمن لكمال قدرته وكذلك قوله: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ متضمن لكمال علمه وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ متضمن لكمال صمديته وغناه وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ متضمن لتفرده بكماله وأنه لا نظير له وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ متضمن لعظمته وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به وهذا مطرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب ويجب أن تُعلم هنا أمور.
أحدها: أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد والفاعل والصانع فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق بل هو الفعال لما يريد فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا.
الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة والله أعلم.
الرابع: أن أسماءه عز وجل الحسنى هي أعلام وأوصاف والوصف بها لا ينافي العلمية بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى.
الخامس: أن الاسم من أسمائه له دلالات دلالة على الذات والصفة بالمطابقة ودلالة على أحدهما بالتضمن ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم.
السادس: أن أسماءه الحسنى لها اعتباران اعتبار من حيث الذات واعتبار من حيث الصفات فهي بالاعتبار الأول مترادفة وبالاعتبار الثاني متباينة.
السابع: أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفا كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع.
الثامن: أن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلا ومصدرا ونحو السميع البصير القدير يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ هذا إن كان الفعل متعديا فإن كان لازما لم يخبر عنه به نحو الحي بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال حي.
التاسع: أن أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم فالرب تبارك وتعالى فعاله عن كماله والمخلوق كماله عن فعاله فاشتقت له الأسماء بعد أن كمل بالفعل فالرب لم يزل كاملا فحصلت أفعاله عن كماله لأنه كامل بذاته وصفاته فأفعاله صادرة عن كماله كمل ففعل والمخلوق فعل فكمل الكمال اللائق به
العاشر: إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا إما علم بما كونه أو علم بما شرعه ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه فأمره كله مصلحة وحكمة ولطف وإحسان إذ مصدره أسماؤه الحسنى وفعله كله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة إذ مصدره أسماؤه الحسنى فلا تفاوت في خلقه ولا عبث ولم يخلق خلقه باطلا ولا سدى ولا عبثا وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض.
الحادي عشر: أن أسماءه كلها حسنى ليس فيها اسم غير ذلك أصلا وقد تقدم أن من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل نحو الخالق والرازق والمحيي والمميت وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها لأنه لو فعل الشر لاشتق له منه اسم ولم تكن أسماؤه كلها حسنى وهذا باطل فالشر ليس إليه فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته لا يدخل في أفعاله فالشر ليس إليه لا يضاف إليه فعلا ولا وصفا وإنما يدخل في مفعولاته وفرق بين الفعل والمفعول فالشر قائم بمفعوله المباين له لا بفعله الذي هو فعله فتأمل هذا فإنه خفي على كثير من المتكلمين وزلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الثاني عشر: في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة وهذا هو قطب السعادة ومدار النجاة والفلاح
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها
المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسماء الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ وهو مرتبتان
إحداهما: دعاء ثناء وعبادة والثاني: دعاء طلب ومسألة فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وكذلك لا يسأل إلا بها فلا يقال يا موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب فيكون السائل متوسلا إليه بذلك الاسم ومن تأمل أدعية الرسل ولا سيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا وهذه العبارة أولى من عبارة من قال يتخلق بأسماء الله فإنها ليست بعبارة سديدة وهي منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة وأحسن منها عبارة أبي الحكم بن برهان وهي التعبد وأحسن منها العبارة المطابقة للقرآن وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال فمراتبها أربعة أشدها إنكارا عبارة الفلاسفة وهي التشبه وأحسن منها عبارة من قال التخلق وأحسن منها عبارة من قال التعبد وأحسن من الجميع الدعاء وهي لفظ القرآن.
الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها: فقالت: طائفة من المتكلمين هي حقيقة في العبد مجاز في الرب وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادا الثاني: مقابله وهو أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد وهذا قول أبي العباس الناشئ
الثالث: أنها حقيقة فيهما وهذا قول أهل السنة وهو الصواب واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله وللعبد منها ما يليق به وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر.
الرابع عشر: أن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاث اعتبارات: اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب تبارك وتعالى أو العبد اعتباره مضافا إلى الرب مختصا به اعتباره مضافا إلى العبد مقيدا به فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتا للرب والعبد وللرب منه ما يليق بكماله وللعبد منه ما يليق به وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات والعليم والقدير وسائر الأسماء فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه بل ثبتت له على وجه لا يماثله فيه خلقه ولا يشابههم فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه ومن شبه الله بخلقه فقد كفر ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه بل كما يليق بجلاله وعظمته فقد بريء من فرث التشبيه ودم التعطيل وهذا طريق أهل السنة وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولا به مفتقرا إليه محاطا به كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام تبارك وتعالى وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم وقدرته وإرادته وسائر صفاته فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق فإذا أحطت بهذه القاعدة خبرا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين آفة التعطيل وآفة التشبيه فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم فخلصت من التشبيه فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب والله الموفق للصواب الخامس العشر: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة أمران لفظيان وأمران معنويان فاللفظيان ثبوتي وسلبي فالثبوتي أن يشتق للموصوف منها الموصوف ويخبر بها عنه والسلبي أن لا يعود حكمها إلى غيره ولا يكون خبرا عنه وهي قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات فلنذكر من ذلك مثالا واحدا وهو صفة الكلام فإنه إذا قامت بمحل كانت هو التكلم دون من لم تقم به وأخبر عنه بها وعاد حكمها إليه دون غيره فيقال قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخبر وخاطب وتكلم وكلم ونحو ذلك وامتنعت هذه الأحكام لغيره فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره على عدم قيامها به وهذا هو أصل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية وهو من أصح الأصول طردا وعكسا.
السادس عشر: أن الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" صحيح على الراجح فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه ولهذا قال استأثرت به أي انفردت بعلمه وليس المراد انفراده بالتسمي به لأن هذا الإنفراد ثابت في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه ومن هذا قول النبي ﷺ في حديث الشفاعة: "فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن "
رواه البخاري ومسلم
وتلك المحامد تفي بأسمائه وصفاته.
ومنه قوله: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"
رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.
وأما قوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"
رواه البخاري ومسلم
فالكلام جملة واحدة وقوله: "ومن أحصاها دخل الجنة " صفة لا خبر مستقبل والمعنى له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها وهذا كما تقول لفلان مائة مملوك وقد أعدهم للجهاد فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد وهذا لا خلاف بين العلماء فيه.
السابع عشر: أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ومقترنا بغيره وهو غالب الأسماء فالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم وهذا يسوغ أن يدعى به مفردا ومقترنا بغيره فتقول: يا عزيز يا حليم يا غفور يا رحيم وأن يفرد كل اسم وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعا ونفعا وضرا وعفوا وانتقاما وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد ولذلك لم تجيء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه فلو قلت: يا مذل يا ضار يا مانع وأخبرت بذلك لم تكن مثنيا عليه ولا حامدا له حتى تذكر مقابلها.
الثامن عشر: أن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال وصفات نقص وصفات لا تقتضي كمالا ولا نقصا وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسما رابعا: وهو ما يكون كمالا ونقصا باعتبارين والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول وصفاته كلها صفات كمال محض فهو موصوف من الصفات بأكملها وله من الكمال أكمله وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها فليس في الأسماء أحسن منها ولا يقوم غيرها مقامها ولا يؤدي معناها وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرا بمرادف محض بل هو على سبيل التقريب والتفهيم وإذا عرفت هذا فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص فله من صفة الإدراكات العليم الخبير دون العاقل الفقيه والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر ومن صفات الإحسان البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما وكذلك العلي العظيم دون الرفيع الشريف وكذلك الكريم دون السخي والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل والغفور العفو دون الصفوح الساتر وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه فتأكل ذلك فأسماؤه أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل الصفات فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون.
التاسع عشر: أن من أسمائه الحسنى ما يكون دالا على عدة صفات ويكون ذلك الاسم متناولا لجميعها تناول الاسم الدال على الصفة الواحدة لها كما تقدم بيانه كاسمه العظيم والمجيد والصمد كما قال ابن عباس: فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: "الصمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف: الذي قد كمل في شرفه والعظيم: الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه وسؤدده وهو الله سبحانه إسناده ضعيف" هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفوا أحد وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار هذا لفظه وهذا مما خفي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى ففسر الاسم بدون معناه ونقصه من حيث لا يعلم فمن لم يحط بهذا علما بخس الاسم الأعظم حقه وهضمه معناه فتدبره.
العشرون: وهي الجامعة لما تقدم من الوجوه وهي معرفة الإلحاد في أسمائه حتى لا يقع فيه قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسماء الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها وهو مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادته ل ح د فمنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل قال ابن السكيت: "الملحد المائل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه" ومنه الملتحد وهو مفتعل من ذلك وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أي من تعدل إليه وتهرب إليه وتلتجئ إليه وتبتهل فتميل إليه عن غيره تقول العرب التحد فلان إلى فلان إذا عدل إليه إذا عرف هذا فالإلحاد في أسمائه تعالى أنواع أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإلهية والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته.
ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا وشرعا ولغة وفطرة وهو يقابل إلحاد المشركين فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب وكل من جحد شيئا عما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئا من التشبيه وتنزيههم خليا من التعطيل لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما وأهل السنة وسط في النحل كما أن أهل الإسلام وسط في الملل توقد مصابيح معارفهم من: ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره ويسهل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته ومتابعة رسوله إنه قريب مجيب.
فهذه عشرون فائدة مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الرب تبارك وتعالى فعليك بمعرفتها ومراعاتها ثم اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبا عاقلا ولسانا قائلا ومحلا قابلا وإلا فالسكوت أولى بك فجناب الربوبية أجل وأعز مما يخطر بالبال أو يعبر عنه المقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ حتى ينتهي العلم إلى من أحاط بكل شيء علما.
وعسى الله أن يعين بفضله على تعليق شرح الأسماء الحسنى مراعيا فيه أحكام هذه القواعد بريئا من الإلحاد في أسمائه وتعطيل صفاته فهو المان بفضله والله ذو الفضل العظيم.
الأعراف 7:189
فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس فقال إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ففعلا فإن الله سبحانه اجتباه وهداه فلم يكن ليشرك به بعد ذلك.
(فصل)
[عِلَّةُ العِشْقِ]
والعِشْقُ مُرَكَّبٌ مِن أمْرَيْنِ: اسْتِحْسانٍ لِلْمَعْشُوقِ، وطَمَعٍ في الوُصُولِ إلَيْهِ، فَمَتى انْتَفى أحَدُهُما انْتَفى العِشْقُ، وقَدْ أعْيَتْ عِلَّةُ العِشْقِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ العُقَلاءِ، وتَكَلَّمَ فِيها بَعْضُهم بِكَلامٍ يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهِ إلى الصَّوابِ.
فَنَقُولُ: قَدِ اسْتَقَرَّتْ حِكْمَةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في خَلْقِهِ وأمْرِهِ عَلى وُقُوعِ التَّناسُبِ والتَّآلُفِ بَيْنَ الأشْباهِ، وانْجِذابِ الشَّيْءِ إلى مُوافِقِهِ ومُجانِسِهِ بِالطَّبْعِ، وهُرُوبِهِ مِن مُخالِفِهِ، ونُفْرَتِهِ عَنْهُ بِالطَّبْعِ، فَسِرُّ التَّمازُجِ والِاتِّصالِ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، إنَّما هو التَّناسُبُ والتَّشاكُلُ، والتَّوافُقُ، وسِرُّ التَّبايُنِ والِانْفِصالِ إنَّما هو بِعَدَمِ التَّشاكُلِ والتَّناسُبِ، وعَلى ذَلِكَ قامَ الخَلْقُ والأمْرُ، فالمِثْلُ إلى مِثْلِهِ مائِلٌ، وإلَيْهِ صائِرٌ، والضِّدُّ عَنْ ضِدِّهِ هارِبٌ وعَنْهُ نافِرٌ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩]، فَجَعَلَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ سُكُونِ الرَّجُلِ إلى امْرَأتِهِ كَوْنَها مِن جِنْسِهِ وجَوْهَرِهِ، فَعِلَّةُ السُّكُونِ المَذْكُورِ - وهو الحُبُّ - كَوْنُها مِنهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلَّةَ لَيْسَتْ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، ولا المُوافَقَةِ في القَصْدِ والإرادَةِ، ولا في الخُلُقِ والهَدْيِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ أيْضًا مِن أسْبابِ السُّكُونِ والمَحَبَّةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ في " الصَّحِيحِ " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ»، وفي " مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ "، وغَيْرِهِ في سَبَبِ هَذا الحَدِيثِ: أنَّ امْرَأةً بِمَكَّةَ كانَتْ تُضْحِكُ النّاسَ، فَجاءَتْ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى امْرَأةٍ تُضْحِكُ النّاسَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» الحَدِيثَ.
وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ شَرِيعَتُهُ سُبْحانَهُ أنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَلا تُفَرَّقُ شَرِيعَتُهُ بَيْنَ مُتَماثِلَيْنِ أبَدًا، ولا تَجْمَعُ بَيْنَ مُتَضادَّيْنِ، ومَن ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ، فَإمّا لِقِلَّةِ عِلْمِهِ بِالشَّرِيعَةِ، وإمّا لِتَقْصِيرِهِ في مَعْرِفَةِ التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ، وإمّا لِنِسْبَتِهِ إلى شَرِيعَتِهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا، بَلْ يَكُونُ مِن آراءِ الرِّجالِ، فَبِحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ ظَهَرَ خَلْقُهُ وشَرْعُهُ، وبِالعَدْلِ والمِيزانِ قامَ الخَلْقُ والشَّرْعُ، وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ، والتَّفْرِيقُ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ.
وَهَذا كَما أنَّهُ ثابِتٌ في الدُّنْيا، فَهو كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢].
قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبَعْدَهُ الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أزْواجُهم أشْباهُهم ونُظَراؤُهُمْ».
وَقالَ تَعالى: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أيْ: قَرَنَ كُلَّ صاحِبِ عَمَلٍ بِشَكْلِهِ ونَظِيرِهِ، فَقَرَنَ بَيْنَ المُتَحابَّيْنِ في اللَّهِ في الجَنَّةِ، وقَرَنَ بَيْنَ المُتَحابَّيْنِ في طاعَةِ الشَّيْطانِ في الجَحِيمِ، فالمَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ شاءَ أوْ أبى، وفي " مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ "، وغَيْرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لا يُحِبُّ المَرْءُ قَوْمًا إلّا حُشِرَ مَعَهُمْ».
الأعراف 7:194
وَبِالجُمْلَةِ فَلَمْ يَجِئْ هَذا القِياسُ في القُرْآنِ إلّا مَرْدُودًا مَذْمُومًا، ومِن ذَلِكَ قَوْله تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾
فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ أشْباحٌ وصُوَرٌ خالِيَةٌ عَنْ صِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وأنَّ المَعْنى المُعْتَبَرَ مَعْدُومٌ فِيها، وأنَّها لَوْ دُعِيَتْ لَمْ تُجِبْ؛ فَهي صُوَرٌ خالِيَةٌ عَنْ أوْصافٍ ومَعانٍ تَقْتَضِي عِبادَتَها، وزادَ هَذا تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ أنَّ جَمِيعَ ما لِهَذِهِ الأصْنامِ مِن الأعْضاءِ الَّتِي نَحَتَتْها أيْدِيكم إنّما هي صُوَرٌ عاطِلَةٌ عَنْ حَقائِقِها وصِفاتِها؛ لِأنَّ المَعْنى المُرادَ المُخْتَصَّ بِالرِّجْلِ هو مَشْيُها، وهو مَعْدُومٌ في هَذِهِ الرِّجْلِ؛ والمَعْنى المُخْتَصُّ بِاليَدِ هو بَطْشُها وهو مَعْدُومٌ في هَذِهِ اليَدِ؛ والمُرادُ بِالعَيْنِ إبْصارُها وهو مَعْدُومٌ في هَذِهِ العَيْنِ؛ ومِن الأُذُنِ سَمْعُها وهو مَعْدُومٌ فِيها، والصُّوَرُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ثابِتَةٌ مَوْجُودَةٌ، وكُلُّها فارِغَةٌ خالِيَةٌ عَنْ الأوْصافِ والمَعانِي، فاسْتَوى وُجُودُها وعَدَمُها، وهَذا كُلُّهُ مُدْحِضٌ لِقِياسِ الشَّبَهِ الخالِي عَنْ العِلَّةِ المُؤَثِّرَةِ والوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْحُكْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:195
وَبِالجُمْلَةِ فَلَمْ يَجِئْ هَذا القِياسُ في القُرْآنِ إلّا مَرْدُودًا مَذْمُومًا، ومِن ذَلِكَ قَوْله تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾
فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ أشْباحٌ وصُوَرٌ خالِيَةٌ عَنْ صِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وأنَّ المَعْنى المُعْتَبَرَ مَعْدُومٌ فِيها، وأنَّها لَوْ دُعِيَتْ لَمْ تُجِبْ؛ فَهي صُوَرٌ خالِيَةٌ عَنْ أوْصافٍ ومَعانٍ تَقْتَضِي عِبادَتَها، وزادَ هَذا تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ أنَّ جَمِيعَ ما لِهَذِهِ الأصْنامِ مِن الأعْضاءِ الَّتِي نَحَتَتْها أيْدِيكم إنّما هي صُوَرٌ عاطِلَةٌ عَنْ حَقائِقِها وصِفاتِها؛ لِأنَّ المَعْنى المُرادَ المُخْتَصَّ بِالرِّجْلِ هو مَشْيُها، وهو مَعْدُومٌ في هَذِهِ الرِّجْلِ؛ والمَعْنى المُخْتَصُّ بِاليَدِ هو بَطْشُها وهو مَعْدُومٌ في هَذِهِ اليَدِ؛ والمُرادُ بِالعَيْنِ إبْصارُها وهو مَعْدُومٌ في هَذِهِ العَيْنِ؛ ومِن الأُذُنِ سَمْعُها وهو مَعْدُومٌ فِيها، والصُّوَرُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ثابِتَةٌ مَوْجُودَةٌ، وكُلُّها فارِغَةٌ خالِيَةٌ عَنْ الأوْصافِ والمَعانِي، فاسْتَوى وُجُودُها وعَدَمُها، وهَذا كُلُّهُ مُدْحِضٌ لِقِياسِ الشَّبَهِ الخالِي عَنْ العِلَّةِ المُؤَثِّرَةِ والوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْحُكْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأعراف 7:198
وَمِنهُ في أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ فَإنَّهم كانُوا يَنْظُرُونَ إلى صُورَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ولا يُبْصِرُونَ صُورَةَ نُبُوَّتِهِ، ومَعْناها بِالحاسَّةِ الباطِنَةِ، الَّتِي هي بَصَرُ القَلْبِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الأصْنامِ. ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ كَأنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ. ولا أبْصارَ لَهم يَرَوْنَكَ بِها.
والثّانِي: المُرادُ بِهِ المُقابَلَةُ. تَقُولُ العَرَبُ: دارِي تَنْظُرُ دارَكَ. أيْ تُقابِلُها.
الأعراف 7:199
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ مَكارِمَ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ. ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ ذُكِرَ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: «ما هَذا؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ، فَسَألَ. ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ. فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ».
وَلا رَيْبَ أنَّ لِلْمُطاعِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةَ أحْوالٍ.
أحَدُها: أمْرُهم ونَهْيُهم بِما فِيهِ مَصْلَحَتُهم.
الثّانِي: أخْذُهُ مِنهم ما يَبْذُلُونَهُ مِمّا عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ النّاسَ مَعَهُ قِسْمانِ: مُوافِقٌ لَهُ مُوالٍ، ومُعادٍ لَهُ مُعارِضٌ. وعَلَيْهِ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ واجِبٌ.
فَواجِبُهُ في أمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ: أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ. وهو المَعْرُوفُ الَّذِي بِهِ صَلاحُهم وصَلاحُ شَأْنِهِمْ. ويَنْهاهم عَنْ ضِدِّهِ.
وَواجِبُهُ فِيما يَبْذُلُونَهُ لَهُ مِنَ الطّاعَةِ: أنْ يَأْخُذَ مِنهم ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ، وطُوِّعَتْ لَهُ بِهِ أنْفُسُهُمْ، سَماحَةً واخْتِيارًا. ولا يَحْمِلَهم عَلى العَنَتِ والمَشَقَّةِ فَيُفْسِدَهم.
وَواجِبُهُ عِنْدَ جَهْلِ الجاهِلِينَ عَلَيْهِ: الإعْراضُ عَنْهم. وعَدَمُ مُقابَلَتِهِمْ بِالمِثْلِ والِانْتِقامِ مِنهم لِنَفْسِهِ.
فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي خُذِ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ تَخْسِيسٍ، مِثْلَ قَبُولِ الأعْذارِ، والعَفْوِ والمُساهَلَةِ، وتَرْكِ الِاسْتِقْصاءِ في البَحْثِ، والتَّفْتِيشِ عَنْ حَقائِقِ بَواطِنِهِمْ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: خُذْ ما عَفا لَكَ مِن أمْوالِهِمْ. وهو الفاضِلُ عَنِ العِيالِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وهو كُلُّ مَعْرُوفٍ. وأعْرَفُهُ: التَّوْحِيدُ. ثُمَّ حُقُوقُ العُبُودِيَّةِ وحُقُوقُ العَبِيدِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] يَعْنِي إذا سَفِهَ عَلَيْكَ الجاهِلُ فَلا تُقابِلْهُ بِالسَّفَهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وعَلى هَذا فَلَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ. بَلْ يُعْرِضُ عَنْهُ مَعَ إقامَةِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ.
وَهَكَذا كانَ خُلُقُهُ ﷺ. قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ النّاسِ خُلُقًا». وقالَ: «ما مَسَسْتُ دِيباجًا ولا حَرِيرًا ألْيَنَ مِن كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولا شَمَمْتُ رائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِن رائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. فَما قالَ لِي قَطُّ: أُفٍّ. ولا قالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: ألا فَعَلْتَ كَذا؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما.
وَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أنَّ البِرَّ: هو حُسْنُ الخُلُقِ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِرِّ والإثْمِ؟ فَقالَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ. والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ. وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ».
فَقابَلَ البِرَّ بِالإثْمِ. وأخْبَرَ: أنَّ البِرَّ حُسْنُ الخُلُقِ. والإثْمَ: حَوازُ الصُّدُورِ.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَ الخُلُقِ: هو الدِّينُ كُلُّهُ. وهو حَقائِقُ الإيمانِ، وشَرائِعُ الإسْلامِ. ولِهَذا قابَلَهُ بِالإثْمِ.
(فائدة)
قيل: حجج الله لا تتناقص بل كلها حق يصدق بعضها بعضا، وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله أليس ذلك أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله فها العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسألة وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره وينفذ قضائه وقدره ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجا من الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾
وقال: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض واتّباع الهوى وإيثار الشهوات وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده فتأمل هذا الموضع حق تأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره ويراد به المقتضى وإن لم يتم بوجود شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمرا وجوديا بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد.
[فصل: في سِيرَتُهُ ﷺ في أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ]
فَأمَرَهُ أنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، وألّا تَعْدُوَ عَيْناهُ عَنْهُمْ، وأمَرَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، ويَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، ويُشاوِرَهم في الأمْرِ، وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ.
وَأمَرَهُ بِهَجْرِ مَن عَصاهُ وتَخَلَّفَ عَنْهُ حَتّى يَتُوبَ، ويُراجِعَ طاعَتَهُ، كَما هَجَرَ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وَأمَرَهُ أنْ يُقِيمَ الحُدُودَ عَلى مَن أتى مُوجِباتِها مِنهُمْ، وأنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في ذَلِكَ سَواءً شَرِيفُهم ودَنِيئُهم.
وَأمَرَهُ في دَفْعِ عَدُوِّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، بِأنْ يَدْفَعَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فَيُقابِلَ إساءَةَ مَن أساءَ إلَيْهِ بِالإحْسانِ، وجَهْلَهُ بِالحِلْمِ، وظُلْمَهُ بِالعَفْوِ، وقَطِيعَتَهُ بِالصِّلَةِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عادَ عَدُوُّهُ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ.
وَأمَرَهُ في دَفْعِهِ عَدُوَّهُ مِن شَياطِينِ الجِنِّ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ مِنهُمْ، وجَمَعَ لَهُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ: في (سُورَةِ الأعْرافِ) و(المُؤْمِنُونَ) و(سُورَةِ حم فُصِّلَتْ) فَقالَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ - وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩-٢٠٠] فَأمَرَهُ بِاتِّقاءِ شَرِّ الجاهِلِينَ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وبِاتِّقاءِ شَرِّ الشَّيْطانِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ، وجَمَعَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَكارِمَ الأخْلاقِ والشِّيَمَ كُلَّها، فَإنَّ ولِيَّ الأمْرِ لَهُ مَعَ الرَّعِيَّةِ ثَلاثَةُ أحْوالٍ: فَإنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن حَقٍّ عَلَيْهِمْ يَلْزَمُهُمُ القِيامُ بِهِ، وأمْرٍ يَأْمُرُهم بِهِ، ولا بُدَّ مِن تَفْرِيطٍ وعُدْوانٍ يَقَعُ مِنهم في حَقِّهِ، فَأُمِرَ بِأنْ يَأْخُذَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِمْ ما طَوَّعَتْ بِهِ أنْفُسُهُمْ، وسَمَحَتْ بِهِ، وسَهُلَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَشُقَّ، وهو العَفْوُ الَّذِي لا يَلْحَقُهم بِبَذْلِهِ ضَرَرٌ ولا مَشَقَّةٌ، وأُمِرَ أنْ يَأْمُرَهم بِالعُرْفِ، وهو المَعْرُوفُ الَّذِي تَعْرِفُهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ، والفِطَرُ المُسْتَقِيمَةُ، وتُقِرُّ بِحُسْنِهِ ونَفْعِهِ، وإذا أمَرَ بِهِ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ أيْضًا لا بِالعُنْفِ والغِلْظَةِ. وأمَرَهُ أنْ يُقابِلَ جَهْلَ الجاهِلِينَ مِنهم بِالإعْراضِ عَنْهُ دُونَ أنْ يُقابِلَهُ بِمِثْلِهِ، فَبِذَلِكَ يَكْتَفِي شَرَّهم.
وَقالَ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ - رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ - وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ - ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ - وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ - وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٣-٩٨].
وَقالَ تَعالى في سُورَةِ حم فُصِّلَتْ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ - وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤-٣٦] فَهَذِهِ سِيرَتُهُ مَعَ أهْلِ الأرْضِ إنْسِهِمْ، وجِنِّهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ، وكافِرِهِمْ.
الأعراف 7:200
وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ مَكارِمَ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ. ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ ذُكِرَ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: «ما هَذا؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ، فَسَألَ. ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ. فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ».
وَلا رَيْبَ أنَّ لِلْمُطاعِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةَ أحْوالٍ.
أحَدُها: أمْرُهم ونَهْيُهم بِما فِيهِ مَصْلَحَتُهم.
الثّانِي: أخْذُهُ مِنهم ما يَبْذُلُونَهُ مِمّا عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ النّاسَ مَعَهُ قِسْمانِ: مُوافِقٌ لَهُ مُوالٍ، ومُعادٍ لَهُ مُعارِضٌ. وعَلَيْهِ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ واجِبٌ.
فَواجِبُهُ في أمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ: أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ. وهو المَعْرُوفُ الَّذِي بِهِ صَلاحُهم وصَلاحُ شَأْنِهِمْ. ويَنْهاهم عَنْ ضِدِّهِ.
وَواجِبُهُ فِيما يَبْذُلُونَهُ لَهُ مِنَ الطّاعَةِ: أنْ يَأْخُذَ مِنهم ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ، وطُوِّعَتْ لَهُ بِهِ أنْفُسُهُمْ، سَماحَةً واخْتِيارًا. ولا يَحْمِلَهم عَلى العَنَتِ والمَشَقَّةِ فَيُفْسِدَهم.
وَواجِبُهُ عِنْدَ جَهْلِ الجاهِلِينَ عَلَيْهِ: الإعْراضُ عَنْهم. وعَدَمُ مُقابَلَتِهِمْ بِالمِثْلِ والِانْتِقامِ مِنهم لِنَفْسِهِ.
فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي خُذِ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ تَخْسِيسٍ، مِثْلَ قَبُولِ الأعْذارِ، والعَفْوِ والمُساهَلَةِ، وتَرْكِ الِاسْتِقْصاءِ في البَحْثِ، والتَّفْتِيشِ عَنْ حَقائِقِ بَواطِنِهِمْ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: خُذْ ما عَفا لَكَ مِن أمْوالِهِمْ. وهو الفاضِلُ عَنِ العِيالِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وهو كُلُّ مَعْرُوفٍ. وأعْرَفُهُ: التَّوْحِيدُ. ثُمَّ حُقُوقُ العُبُودِيَّةِ وحُقُوقُ العَبِيدِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] يَعْنِي إذا سَفِهَ عَلَيْكَ الجاهِلُ فَلا تُقابِلْهُ بِالسَّفَهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وعَلى هَذا فَلَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ. بَلْ يُعْرِضُ عَنْهُ مَعَ إقامَةِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ.
وَهَكَذا كانَ خُلُقُهُ ﷺ. قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ النّاسِ خُلُقًا». وقالَ: «ما مَسَسْتُ دِيباجًا ولا حَرِيرًا ألْيَنَ مِن كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولا شَمَمْتُ رائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِن رائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. فَما قالَ لِي قَطُّ: أُفٍّ. ولا قالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: ألا فَعَلْتَ كَذا؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما.
وَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أنَّ البِرَّ: هو حُسْنُ الخُلُقِ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِرِّ والإثْمِ؟ فَقالَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ. والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ. وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ».
فَقابَلَ البِرَّ بِالإثْمِ. وأخْبَرَ: أنَّ البِرَّ حُسْنُ الخُلُقِ. والإثْمَ: حَوازُ الصُّدُورِ.
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَ الخُلُقِ: هو الدِّينُ كُلُّهُ. وهو حَقائِقُ الإيمانِ، وشَرائِعُ الإسْلامِ. ولِهَذا قابَلَهُ بِالإثْمِ.
(فائدة)
قيل: حجج الله لا تتناقص بل كلها حق يصدق بعضها بعضا، وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله أليس ذلك أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله فها العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسألة وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره وينفذ قضائه وقدره ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجا من الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾
وقال: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض واتّباع الهوى وإيثار الشهوات وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده فتأمل هذا الموضع حق تأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره ويراد به المقتضى وإن لم يتم بوجود شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمرا وجوديا بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد.
[فصل: في سِيرَتُهُ ﷺ في أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ]
فَأمَرَهُ أنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، وألّا تَعْدُوَ عَيْناهُ عَنْهُمْ، وأمَرَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، ويَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، ويُشاوِرَهم في الأمْرِ، وأنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ.
وَأمَرَهُ بِهَجْرِ مَن عَصاهُ وتَخَلَّفَ عَنْهُ حَتّى يَتُوبَ، ويُراجِعَ طاعَتَهُ، كَما هَجَرَ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وَأمَرَهُ أنْ يُقِيمَ الحُدُودَ عَلى مَن أتى مُوجِباتِها مِنهُمْ، وأنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في ذَلِكَ سَواءً شَرِيفُهم ودَنِيئُهم.
وَأمَرَهُ في دَفْعِ عَدُوِّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، بِأنْ يَدْفَعَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فَيُقابِلَ إساءَةَ مَن أساءَ إلَيْهِ بِالإحْسانِ، وجَهْلَهُ بِالحِلْمِ، وظُلْمَهُ بِالعَفْوِ، وقَطِيعَتَهُ بِالصِّلَةِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عادَ عَدُوُّهُ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ.
وَأمَرَهُ في دَفْعِهِ عَدُوَّهُ مِن شَياطِينِ الجِنِّ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ مِنهُمْ، وجَمَعَ لَهُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ: في (سُورَةِ الأعْرافِ) و(المُؤْمِنُونَ) و(سُورَةِ حم فُصِّلَتْ) فَقالَ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ - وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩-٢٠٠] فَأمَرَهُ بِاتِّقاءِ شَرِّ الجاهِلِينَ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وبِاتِّقاءِ شَرِّ الشَّيْطانِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ، وجَمَعَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَكارِمَ الأخْلاقِ والشِّيَمَ كُلَّها، فَإنَّ ولِيَّ الأمْرِ لَهُ مَعَ الرَّعِيَّةِ ثَلاثَةُ أحْوالٍ: فَإنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن حَقٍّ عَلَيْهِمْ يَلْزَمُهُمُ القِيامُ بِهِ، وأمْرٍ يَأْمُرُهم بِهِ، ولا بُدَّ مِن تَفْرِيطٍ وعُدْوانٍ يَقَعُ مِنهم في حَقِّهِ، فَأُمِرَ بِأنْ يَأْخُذَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِمْ ما طَوَّعَتْ بِهِ أنْفُسُهُمْ، وسَمَحَتْ بِهِ، وسَهُلَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَشُقَّ، وهو العَفْوُ الَّذِي لا يَلْحَقُهم بِبَذْلِهِ ضَرَرٌ ولا مَشَقَّةٌ، وأُمِرَ أنْ يَأْمُرَهم بِالعُرْفِ، وهو المَعْرُوفُ الَّذِي تَعْرِفُهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ، والفِطَرُ المُسْتَقِيمَةُ، وتُقِرُّ بِحُسْنِهِ ونَفْعِهِ، وإذا أمَرَ بِهِ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ أيْضًا لا بِالعُنْفِ والغِلْظَةِ. وأمَرَهُ أنْ يُقابِلَ جَهْلَ الجاهِلِينَ مِنهم بِالإعْراضِ عَنْهُ دُونَ أنْ يُقابِلَهُ بِمِثْلِهِ، فَبِذَلِكَ يَكْتَفِي شَرَّهم.
وَقالَ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ - رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ - وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ - ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ - وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ - وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٣-٩٨].
وَقالَ تَعالى في سُورَةِ حم فُصِّلَتْ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ - وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤-٣٦] فَهَذِهِ سِيرَتُهُ مَعَ أهْلِ الأرْضِ إنْسِهِمْ، وجِنِّهِمْ، مُؤْمِنِهِمْ، وكافِرِهِمْ.
الأعراف 7:201
(لطيفة)
قال يحيى بن أيوب كان بالمدينة فتى يعجب عمر بن الخطاب رضي الله عنه شأنه فانصرف ليلة من صلاة العشاء فتمثلت له امرأة بين يديه فعرضت له بنفسها ففتن بها ومضت فأتبعها حتى وقف على بابها فأبصر وجلا عن قلبه وحضرته هذه الآية ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾
فخر مغشيا عليه فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت فلم تزل هي وجارية لها يتعاونان عليه حتى ألقياه على باب داره فخرج أبوه فرآه ملقى على باب الدار لما به فحمله وأدخله فأفاق فسأله ما أصابك يا بُني فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره فلما تلا الآية شهق شهقة فخرجت نفسه فبلغ عمر رضي الله عنه قصته فقال ألا آذنتموني بموته؟
فذهب حتى وقف على قبره فنادى يا فلان ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾
فسمع صوتا من داخل القبر قد أعطاني ربي يا عمر.
وذكر الحسن هذه القصة عن عمر رضي الله عنه على وجه آخر قال كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازما للمسجد والعبادة فهويته جارية فحدث نفسه بها ثم إنه تذكر وأبصر فشهق شهقة فغشي عليه منها فجاء عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه؟
فأخبر عمر فأتاه وقد مات فقال لك جنتان.
(فصل)
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ مَن نَسِيَ ما تُقَدِّمُ يَداهُ، فَقالَ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ [الكهف: ٥٧] فَإذا طالَعَ جِنايَتَهُ شَمَّرَ لِاسْتِدْراكِ الفارِطِ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، وتَخَلَّصَ مِن رِقِّ الجِنايَةِ بِالِاسْتِغْفارِ والنَّدَمِ، وطَلَبِ التَّمْحِيصِ، وهو تَخْلِيصُ إيمانِهِ ومَعْرِفَتِهِ مِن خُبْثِ الجِنايَةِ، كَتَمْحِيصِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وهو تَخْلِيصُهُما مِن خُبْثِهِما، ولا يُمْكِنُ دُخُولُهُ الجَنَّةَ إلّا بَعْدَ هَذا التَّمْحِيصِ، فَإنَّها طَيِّبَةٌ لا يَدْخُلُها إلّا طَيِّبٌ، ولِهَذا تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] وقالَ تَعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢] فَلَيْسَ في الجَنَّةِ ذَرَّةُ خُبْثٍ.
وَهَذا التَّمْحِيصُ يَكُونُ في دارِ الدُّنْيا بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: بِالتَّوْبَةِ، والِاسْتِغْفارِ، وعَمَلِ الحَسَناتِ الماحِيَةِ، والمَصائِبِ المُكَفِّرَةِ، فَإنْ مَحَّصَتْهُ هَذِهِ الأرْبَعَةُ وخَلَّصَتْهُ كانَ مِنَ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]، يُبَشِّرُونَهم بِالجَنَّةِ، وكانَ مِنَ الَّذِينَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ المَوْتِ ﴿أنْ لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعِدُونَ - نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ - نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠-٣٢].
وَإنْ لَمْ تَفِ هَذِهِ الأرْبَعَةُ بِتَمْحِيصِهِ وتَخْلِيصِهِ، فَلَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ نَصُوحًا وهي العامَّةُ الشّامِلَةُ الصّادِقَةُ ولَمْ يَكُنِ الِاسْتِغْفارُ النّافِعُ، لا اسْتِغْفارَ مَن في يَدِهِ قَدَحُ السُّكْرِ، وهو يَقُولُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ إلى فِيهِ، ولَمْ تَكُنِ الحَسَناتُ في كَمِّيَّتِها وكَيْفِيَّتِها وافِيَةً بِالتَّكْفِيرِ، ولا المَصائِبُ، وهَذا إمّا لِعِظَمِ الجِنايَةِ، وإمّا لِضَعْفِ المُمَحَّصِ، وإمّا لَهُما - مُحِّصَ في البَرْزَخِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
أحَدُها: صَلاةُ أهْلِ الإيمانِ الجِنازَةَ عَلَيْهِ، واسْتِغْفارُهم لَهُ، وشَفاعَتُهم فِيهِ.
الثّانِي: تَمْحِيصُهُ بِفِتْنَةِ القَبْرِ، ورَوْعَةِ الفَتّانِ، والعَصْرَةِ والِانْتِهارِ، وتَوابِعِ ذَلِكَ.
الثّالِثُ: ما يُهْدِي إخْوانُهُ المُسْلِمُونَ إلَيْهِ مِن هَدايا الأعْمالِ، مِنَ الصَّدَقَةِ عَنْهُ، والحَجِّ، والصِّيامِ عَنْهُ، وقِراءَةِ القُرْآنِ عَنْهُ، والصَّلاةِ، وجَعْلِ ثَوابِ ذَلِكَ لَهُ، وقَدْ أجْمَعَ النّاسُ عَلى وُصُولِ الصَّدَقَةِ والدُّعاءِ، قالَ الإمامُ أحْمَدُ: لا يَخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ، وما عَداهُما فِيهِ اخْتِلافٌ، والأكْثَرُونَ يَقُولُونَ بِوُصُولِ الحَجِّ، وأبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ ثَوابُ الإنْفاقِ، وأحْمَدُ ومَن وافَقَهُ مَذْهَبُهم في ذَلِكَ أوْسَعُ المَذاهِبِ، يَقُولُونَ: يَصِلُ إلَيْهِ ثَوابُ جَمِيعِ القُرَبِ، بِدَنِيِّها ومالِيَّها، والجامِعُ لِلْأمْرَيْنِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِمَن سَألَهُ " يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِن بِرِّ أبَوَيَّ شَيْءٌ أبَرُّهُما بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِما؟ قالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ "، وقَدْ قالَ ﷺ «مَن ماتَ وعَلَيْهِ صِيامٌ صامَ عَنْهُ ولِيُّهُ».
فَإنْ لَمْ تَفِ هَذِهِ بِالتَّمْحِيصِ، مُحِّصَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ في المَوْقِفِ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: أهْوالُ القِيامَةِ، وشِدَّةُ المَوْقِفِ، وشَفاعَةُ الشُّفَعاءِ، وعَفْوُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فَإنْ لَمْ تَفِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ بِتَمْحِيصِهِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن دُخُولِ الكِيرِ، رَحْمَةً في حَقِّهِ لِيَتَخَلَّصَ ويَتَمَحَّصَ، ويَتَطَهَّرَ في النّارِ، فَتَكُونَ النّارُ طُهْرَةً لَهُ وتَمْحِيصًا لِخَبَثِهِ، ويَكُونَ مُكْثُهُ فِيها عَلى حَسَبِ كَثْرَةِ الخَبَثِ وقِلَّتِهِ، وشِدَّتِهِ وضَعْفِهِ وتَراكُمِهِ، فَإذا خَرَجَ خَبَثُهُ وصُفِّيَ ذَهَبُهُ، وصارَ خالِصًا طَيِّبًا، أُخْرِجَ مِنَ النّارِ، وأُدْخِلَ الجَنَّةَ.
قالَ: الثّالِثُ يَعْنِي مِن مَراتِبِ اليَقَظَةِ: الِانْتِباهُ لِمَعْرِفَةِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مِنَ الأيّامِ، والتَّنَصُّلُ مِن تَضْيِيعِها، والنَّظَرُ إلى الظَّنِّ بِها لِتَدارُكِ فائِتِهِا، وتَعْمِيرِ باقِيها.
يَعْنِي أنَّهُ يَعْرِفُ ما مَعَهُ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، فَيَتَدارَكُ ما فاتَهُ في بَقِيَّةِ عُمْرِهِ الَّتِي لا ثَمَنَ لَها، ويَبْخَلُ بِساعاتِهِ بَلْ بِأنْفاسِهِ عَنْ ذَهابِها ضَياعًا في غَيْرِ ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، فَهَذا هو حَقِيقَةُ الخُسْرانِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ النّاسِ، مَعَ تَفاوُتِهِمْ في قَدْرِهِ، قِلَّةً وكَثْرَةً، فَكُلُّ نَفَسٍ يَخْرُجُ في غَيْرِ ما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ فَهو حَسْرَةٌ عَلى العَبْدِ في مَعادِهِ، ووَقْفَةٌ لَهُ في طَرِيقِ سَيْرِهِ، أوْ نَكْسَةٌ إنِ اسْتَمَرَّ، أوْ حِجابٌ إنِ انْقَطَعَ بِهِ.
قالَ: فَأمّا مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ فَإنَّها تَصْفُو بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِنُورِ العَقْلِ، وشَيْمٍ بِرَوْقِ المِنَّةِ، والِاعْتِبارِ بِأهْلِ البَلاءِ.
يَعْنِي أنَّ حَقِيقَةَ مُشاهَدَةِ النِّعْمَةِ يَصْفُو بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَهي النُّورُ الَّذِي أوْجَبَ اليَقَظَةَ، فاسْتَنارَ القَلْبُ بِهِ لِرُؤْيَةِ التَّنَبُّهِ، وعَلى حَسَبِهِ قُوَّةً وضَعْفًا تَصْفُو لَهُ مُشاهَدَةُ النِّعْمَةِ، فَإنَّ مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَأْكَلِهِ ومَلْبَسِهِ، وعافِيَةِ بَدَنِهِ، وقِيامِ وجْهِهِ بَيْنَ النّاسِ، فَلَيْسَ لَهُ نَصِيبٌ مِن هَذا النُّورِ ألْبَتَّةَ، فَنِعْمَةُ اللَّهِ بِالإسْلامِ والإيمانِ، وجَذْبِ عَبْدِهِ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ، والتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ، والتَّلَذُّذِ بِطاعَتِهِ هو أعْظَمُ النِّعَمِ، وهَذا إنَّما يُدْرَكُ بِنُورِ العَقْلِ، وهِدايَةِ التَّوْفِيقِ.
وَكَذَلِكَ شَيْمُهُ بِرَوْقِ مِنَنِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو النَّظَرُ إلَيْها، ومُطالَعَتُها مِن خِلالِ سُحُبِ الطَّبْعِ، وظُلُماتِ النَّفْسِ، والنَّظَرُ إلى أهْلِ البَلاءِ وهم أهْلُ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ، والِابْتِداعِ في دِينِ اللَّهِ فَهَذانَ الصِّنْفانِ هم أهْلُ البَلاءِ حَقًّا، فَإذا رَآهُمْ، وعَلِمَ ما هم عَلَيْهِ، عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ في قَلْبِهِ، وصَفَتْ لَهُ وعَرَفَ قَدْرَها، فالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ وبِضِدِّها تَتَمَيَّزُ الأشْياءُ.
حَتّى إنَّ مِن تَمامِ نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ رُؤْيَةَ أهْلِ النّارِ وما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ.
قالَ: وأمّا مُطالَعَةُ الجِنايَةِ فَإنَّها تَصِحُّ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِتَعْظِيمِ الحَقِّ، ومَعْرِفَةِ النَّفْسِ، وتَصْدِيقِ الوَعِيدِ.
يَعْنِي أنَّ مَن كَمُلَتْ عَظَمَةُ الحَقِّ تَعالى في قَلْبِهِ عَظُمَتْ عِنْدَهُ مُخالَفَتُهُ، لِأنَّ مُخالَفَةَ العَظِيمِ لَيْسَتْ كَمُخالَفَةِ مَن هو دُونَهُ، ومَن عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ وحَقِيقَتَها، وفَقْرَها الذّاتِيَّ إلى مَوْلاها الحَقِّ في كُلِّ لَحْظَةٍ ونَفَسٍ، وشِدَّةَ حاجَتِها إلَيْهِ، عَظُمَتْ عِنْدَهُ جِنايَةُ المُخالَفَةِ لِمَن هو شَدِيدُ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ ونَفَسٍ.
وَأيْضًا فَإذا عَرَفَ حَقارَتَها مَعَ عِظَمِ قَدْرِ مَن خالَفَهُ عَظُمَتِ الجِنايَةُ عِنْدَهُ، فَشَمَّرَ في التَّخَلُّصِ مِنها، وبِحَسَبِ تَصْدِيقِهِ بِالوَعِيدِ ويَقِينِهِ بِهِ، يَكُونُ تَشْمِيرُهُ في التَّخَلُّصِ مِنَ الجِنايَةِ الَّتِي تَلْحَقُ بِهِ.
وَمَدارُ السَّعادَةِ، وقُطْبُ رَحاها عَلى التَّصْدِيقِ بِالوَعِيدِ، فَإذا تَعَطَّلَ مِن قَلْبِهِ التَّصْدِيقُ بِالوَعِيدِ خَرِبَ خَرابًا لا يُرْجى مَعَهُ فَلاحٌ ألْبَتَّةَ، واللَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ إنَّما تَنْفَعُ الآياتُ والنُّذُرُ لِمَن صَدَّقَ بِالوَعِيدِ، وخافَ عَذابَ الآخِرَةِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُونَ بِالإنْذارِ، والمُنْتَفِعُونَ بِالآياتِ دُونَ مَن عَداهُمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣] وقالَ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وقالَ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وأخْبَرَ تَعالى أنَّ أهْلَ النَّجاةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هُمُ المُصَدِّقُونَ بِالوَعِيدِ، الخائِفُونَ مِنهُ، فَقالَ تَعالى ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤].
قالَ: وأمّا مَعْرِفَةُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مِنَ الأيّامِ فَإنَّها تَسْتَقِيمُ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: سَماعُ العِلْمِ، وإجابَةُ داعِي الحُرْمَةِ، وصُحْبَةُ الصّالِحِينَ، ومِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ خَلْعُ العاداتِ.
يَعْنِي أنَّ السّالِكَ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَراتِبِ الأعْمالِ، ونَفائِسِ الكَسْبِ، تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في حالِهِ وإيمانِهِ، وكَذَلِكَ تَفَقُّدُ إجابَةِ داعِي تَعْظِيمِ حُرُماتِ اللَّهِ مِن قَلْبِهِ هَلْ هو سَرِيعُ الإجابَةِ لَها، أمْ هو بَطِيءٌ عَنْها؟ فَبِحَسَبِ إجابَةِ الدّاعِي سُرْعَةً وإبْطاءً تَكُونُ زِيادَتُهُ ونُقْصانُهُ.
وَكَذَلِكَ صُحْبَةُ أرْبابِ العَزائِمِ، والمُشَمِّرِينَ إلى اللَّحاقِ بِالمَلَأِ الأعْلى يَعْرِفُ بِهِ ما مَعَهُ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ.
والَّذِي يَمْلِكُ بِهِ ذَلِكَ كُلَّهُ خُرُوجُهُ عَنِ العاداتِ والمَأْلُوفاتِ، وتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى مُفارَقَتِها، والغُرْبَةِ بَيْنَ أهْلِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ، وما عَلى العَبْدِ أضَرُّ مِن مِلْكِ العاداتِ لَهُ، وما عارَضَ الكُفّارُ الرُّسُلَ إلّا بِالعاداتِ المُسْتَقِرَّةِ، المَوْرُوثَةِ لَهم عَنِ الأسْلافِ الماضِينَ، فَمَن لَمْ يُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلى مُفارَقَتِها والخُرُوجِ عَنْها، والِاسْتِعْدادِ لِلْمَطْلُوبِ مِنهُ، فَهو مَقْطُوعٌ، وعَنْ فَلاحِهِ وفَوْزِهِ مَمْنُوعٌ ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].
الأعراف 7:205
قوله تعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾
وَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: في سِرِّكَ وقَلْبِكَ، والثّانِي: بِلِسانِكَ بِحَيْثُ تُسْمِعُ نَفْسَكَ.
فأمر تعالى نبيه أن يذكره في نفسه.
قال مجاهد وابن جريج: أمر أن يذكره في الصدر بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت أو الصياح. وقد تقدم
حديث أبي موسى: «كنا مع النبي ﷺ في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال: يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».
وتأمل كيف قال في آية الذكر: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ وفي آية الدعاء: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فذكر التضرع فيهما معا. وهو التذلل والتمسكن والانكسار، وهو روح الذكر والدعاء. وخص الدعاء بالخفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها.
وخص الذكر بالخيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف، فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها ولا بد. فمن أكثر من ذكر الله أثمر له ذلك محبته والمحبة ما لم تقرن بالخوف، فإنها لا تنفع صاحبها بل قد تضره. لأنها توجب الإدلال والإنبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن الواجبات وقالوا:
المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب وإقباله على الله ومحبته له وتألهه له. فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل. ولقد حدثني رجل أنه أنكر على رجل من هؤلاء خلوة له ترك فيها حضور الجمعة فقال له الشيخ:
أليس الفقهاء يقولون إذا خاف على شيء من ماله فإن الجمعة تسقط عنه؟
فقال له بلى. فقال له فقلب المريد أعز عليه من ضياع عشرة دراهم، أو كما قال. وهو إذا خرج ضاع قلبه فحفظه لقلبه عذر مسقط للجمعة في حقه.
فقال له: هذا غرور بل الواجب عليه الخروج إلى أمر الله وحفظ قلبه مع الله.
فالشيخ المربي العارف يأمر المريد بأن يخرج إلى الأمر ويراعي حفظ قلبه، أو كما قال.
فتأمل هذا الغرور العظيم كيف آل بهؤلاء إلى الانسلاخ عن الإسلام، جملة فإن من سلك هذا المسلك انسلخ عن الإسلام العام كانسلاخ الحية من قشرها، وهو يظن أنه من خاصة الخاصة. وسبب هذا عدم اقتران الخوف من
الله بحبه وإرادته ولهذا قال بعض السلف من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري. ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ.
ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن. وقد جمع تعالى هذه المقامات الثلاث بقوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾
فابتغاء الوسيلة هو محبته الداعية إلى التقرب إليه. ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف. فهذه طريقة عباده وأوليائه.
وربما آل الأمر بمن عبده بالحب المجرد إلى استحلال المحرمات، ويقول: المحب لا يضره ذنب وقد صنف بعضهم في ذلك مصنفا وذكر فيه أثرا مكذوبا «إذا أحب الله العبد لم تضره الذنوب» وهذا كذب قطعا مناف للإسلام. فالذنوب تضر بالذات لكل أحد كضرر السم للبدن. ولو قدر أن هذا الكلام صح عن بعض الشيوخ. وأما رسول الله ﷺ فمعاذ الله من ذلك - فله محمل، وهو أنه إذا أحبه لم يدعه حبه إياه إلى أن يصر على ذنب. لأن الإصرار على الذنب مناف لكونه محبا لله، وإذا لم يصر على الذنب بل بادر إلى التوبة النصوح منه، فإنه يمحى أثره ولا يضره الذنب. وكلما أذنب وتاب وأناب إلى الله زال عنه أثر الذنب وضرره، فهذا المعنى صحيح.
والمقصود أن تجريد الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب، فإذا اقترن بالخوف جمعه على الطريق ورده إليها كلما شرد، فكأن الخوف سوط يضرب به مطيته لئلا تخرج عن الدرب والرجاء حاد يحدوها يطيب لها السير، والحب قائدها وزمامها الذي يسوقها. فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصا تردها إذا حادت عن الطريق، وتركت تركب تعاسيف خرجت عن الطريق وضلت عنها، فما حفظت حدود الله ومحارمه.
وما وصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب عن هذه الثلاثة فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه.
فتأمل أسرار القرآن وحكمته في اقتران الخيفة بالذكر، والخفية بالدعاء، مع دلالته على اقتران الخيفة بالدعاء والخفية بالذكر أيضا، فإنه قال: اذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ فلم يحتج بعدها أن يقول: «خفية» وقال في الدعاء: ٧: ٥٦ وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا فلم يحتج أن يقول في الأولى ادعوا ربكم تضرعا وخفية فانتظمت كل واحدة من الآيتين، للخفية والخفية والتضرع أحسن انتظام، ودلت على ذلك أكمل دلالة.
وذكر الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء لأن الدعاء مبنى عليه، فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه، إذ طلب ما لا طمع فيه ممتنع وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف إليه كما تقدم. فذكر في كل آية ما هو اللائق بها والأولى بها: من الخوف والطمع، فتبارك من أنزل كلامه شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.
(فائِدَة)
كل ذِي لب يعلم أنه لا طَرِيق للشَّيْطان عَلَيْهِ إلّا من ثَلاث جِهات:
أحدها: التزيّد والإسراف فيزيد على قدر الحاجة فَتَصِير فضلَة وهِي حَظّ الشَّيْطان ومدخله إلى القلب وطَرِيق الِاحْتِراز من إعْطاء النَّفس تَمام مطلوبها من غذاء أو نوم أو لَذَّة أو راحَة فَمَتى أغلقت هَذا الباب حصل الأمان من دُخُول العَدو مِنهُ.
الثّانِيَة: الغَفْلَة فَإن الذاكر في حصن الذّكر فَمَتى غفل فتح باب الحصن فولجه العَدو فيعسر عَلَيْهِ أو يصعب إخْراجه.
الثّالِثَة: تكلّف ما لا يعنيه من جَمِيع الأشْياء.
[فَصْلٌ الفَرْقُ بَيْنَ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ]
قالَ: والذِّكْرُ: هو التَّخَلُّصُ مِنَ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ: أنَّ الغَفْلَةَ تَرْكٌ بِاخْتِيارِ الغافِلِ، والنِّسْيانَ تَرْكٌ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولا تَكُنْ مِنَ النّاسِينَ، فَإنَّ النِّسْيانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَلا يَنْهى عَنْهُ.
(فصل)
الذكر نوعان: أحدهما ذكر أسماء الرب تبارك وتعالى وصفاته والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به تبارك وتعالى.
وهذا أيضًا نوعان:
(أحدهما) إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث، نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونحو ذلك.
فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو سبحان الله عدد خلقه، فهذا أفضل من مجرد سبحان الله، وقولك الحمد لله عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق، أفضل من مجرد قولك الحمد لله.
وهذا في حديث جويرية أن النبي ﷺ قال لها: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته» رواه مسلم.
وفي الترمذي وينن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله على امرأة بين يديها نوى أو حصى تسبح بها فقال: «سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك»
(الثاني) الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته، نحو قولك: الله عز وجل يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد راحلته ونحو ذلك.
وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما أثنى به على نفسه وبما أثنى به رسول الله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل وهذا النوع أيضًا ثلاثة أنواع: حمد، وثناء، ومجد، فالحمد لله الإخبار عنه بصفات كماله سبحانه وتعالى مع محبته والرضاء به، فلا يكون المحب الساكت حامدًا ولا المثني بلا محبة حامدًا حتى تجتمع له المحبة والثناء، فإن كرر المحامد شيئًا بعد الشيء كانت ثناء، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجدًا، وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال: مجدني عبدي.
(النوع الثاني) من الذكر ذكر أمره ونهيه وأحكامه، وهو أيضًا نوعان:
(أحدهما) ذكره بذلك إخبارًا عنه أمر بكذا ونهى عنه كذا وأحب كذا وسخط كذا ورضي كذا.
(والثاني) ذكره عند أمره فيبادر إليه، وعند نهيه فيهرب منه، فذكر أمره ونهيه شيء، وذكره عند أمره ونهيه شيء آخر، فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فذكره أفضل الذكر وأجله وأعظمه.
(فائدة)
فهذا الذكر من الفقه الأكبر وما دونه أفضل الذكر إذا صحت فيه النية.
ومن ذكره سبحانه وتعالى ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله على عبيده، وهذا أيضًا من أجل أنواع الذكر.
فهذه خمسة أنواع وهي تكون بالقلب واللسان تارة، وذلك أفضل الذكر.
وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة، وهي الدرجة الثالثة.
فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعو إلى المراقبة ويزع عن التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئًا منها فثمرته ضعيفة.
الأنفال 8:9
﴿مُرْدِفِينَ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ وفَتْحِها، فَقِيلَ: المَعْنى إنَّهم رِدْفٌ لَكم.
وَقِيلَ: يُرْدِفُ بَعْضُهم بَعْضًا أرْسالًا لَمْ يَأْتُوا دَفْعَةً واحِدَةً.
فَإنْ قِيلَ: هاهُنا ذَكَرَ أنَّهُ أمَدَّهم بِألْفٍ، وفي (سُورَةِ آلِ عِمْرانَ) قالَ: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ - بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾
فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما؟
قِيلَ: قَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الإمْدادِ الَّذِي بِثَلاثَةِ آلافٍ، والَّذِي بِالخَمْسَةِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وكانَ إمْدادًا مُعَلَّقًا عَلى شَرْطٍ، فَلَمّا فاتَ شَرْطُهُ، فاتَ الإمْدادُ، وهَذا قَوْلُ الضحاك ومقاتل، وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ عكرمة.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومجاهد، وقتادة.
والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ عكرمة، اخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وحُجَّةُ هَؤُلاءِ أنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ - إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ - بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٣-١٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: هَذا الإمْدادَ ﴿إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] قالَ هَؤُلاءِ: فَلَمّا اسْتَغاثُوا، أمَدَّهم بِتَمامِ ثَلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ لَمّا صَبَرُوا واتَّقَوْا، فَكانَ هَذا التَّدْرِيجُ ومُتابَعَةُ الإمْدادِ أحْسَنَ مَوْقِعًا، وأقْوى لِنُفُوسِهِمْ، وأسَرَّ لَها مِن أنْ يَأْتِيَ بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، وهو بِمَنزِلَةِ مُتابَعَةِ الوَحْيِ ونُزُولِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
وَقالَتِ الفِرْقَةُ الأُولى: القِصَّةُ في سِياقِ أُحُدٍ، وإنَّما أدْخَلَ ذِكْرَ بَدْرٍ اعْتِراضًا في أثْنائِها، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فَذَكَّرَهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ لَمّا نَصَرَهم بِبَدْرٍ وهم أذِلَّةٌ، ثُمَّ عادَ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ، وأخْبَرَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِهِ لَهُمْ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾، ثُمَّ وعَدَهم أنَّهم إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا، أمَدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ، فَهَذا مِن قَوْلِ رَسُولِهِ، والإمْدادُ الَّذِي بِبَدْرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى، وهَذا بِخَمْسَةِ آلافٍ، وإمْدادُ بَدْرٍ بِألْفٍ، وهَذا مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ، وذَلِكَ مُطْلَقٌ، والقِصَّةُ في (سُورَةِ آلِ عِمْرانَ) هي قِصَّةُ أُحُدٍ مُسْتَوْفاةٌ مُطَوَّلَةٌ، وبَدْرٌ ذُكِرَتْ فِيها اعْتِراضًا، والقِصَّةُ في سُورَةِ الأنْفالِ قِصَّةُ بَدْرٍ مُسْتَوْفاةٌ مُطَوَّلَةٌ، فالسِّياقُ في (آلِ عِمْرانَ) غَيْرُ السِّياقِ في الأنْفالِ.
يُوَضِّحُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ [آل عمران: ١٢٥] قَدْ قالَ مجاهد: إنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ الإمْدادُ المَذْكُورُ فِيهِ، فَلا يَصِحُّ قَوْلُهُ: إنَّ الإمْدادَ بِهَذا العَدَدِ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وإتْيانُهم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يَوْمَ أُحُدٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنفال 8:12
قِيلَ في تَفْسِيرِها: قَوُّوا قُلُوبَهُمْ، وبَشَّرُوهم بِالنَّصْرِ.
وَقِيلَ: احْضُرُوا مَعَهُمُ القِتالَ.
والقَوْلانِ حَقٌّ، فَإنَّهم حَضَرُوا مَعَهُمُ القِتالَ، وثَبَّتُوا قُلُوبَهم.
الأنفال 8:17
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ فالمُرادُ بِهِ القَبْضَةُ مِنَ الحَصْباءِ الَّتِي رَمى بِها وُجُوهَ المُشْرِكِينَ فَوَصَلَتْ إلى عُيُونِ جَمِيعِهِمْ، فَأثْبَتَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الرَّمْيَ بِاعْتِبارِ النَّبْذِ والإلْقاءِ، فَإنَّهُ فَعَلَهُ، ونَفاهُ عَنْهُ بِاعْتِبارِ الإيصالِ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وهَذا فِعْلُ الرَّبِّ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَةُ العَبْدِ، والرَّمْيُ يُطْلَقُ عَلى الخَذْفِ، وهو مَبْدَؤُهُ، وعَلى الإيصالِ، وهو نِهايَتُهُ.
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِيُبْلِى المُوْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ فالبلاءُ الحسن هنا هو النعمة بالظفر والغنيمة والنصر على الأعداءِ، وليس من الابتلاءِ الذي هو الامتحان بالمكروه، بل من أبلاه بلاءً حسنًا إذا أنعم عليه، يقال: أبلاك الله ولا ابتلاك، فأبلاه بالخير، وابتلاه بالمكاره غالبًا كما في الحديث: "إني مبتليك ومبتل لك".
(فصل)
قلت اعتقد جماعة أن المراد بالآية: سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلا في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده. وهذا أغلظ منهم في فهم القرآن، فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال. فيقال: ما صليت، وما صمت إذا صمت، وما ضحيت إذ ضحيت، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته، ولكن الله فعل ذلك. فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد طاعاتهم ومعاصيهم، إذ لا فرق. فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها، أو رميه وحده، تناقضوا، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية.
وبعد: فهذه الآية نزلت في شأن رميه ﷺ المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته. ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه ﷺ مبدأ الرمي وهو الحذف ومن الله سبحانه وتعالى نيابة، وهو الإيصال. فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفي عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته.
ونظير هذا قوله في الآية نفسها: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ، ولكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم ثم قال: وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّهَ رَمى فأخبر أنه وحده هو الذي تفرد بقتلهم، ولم يكن ذلك بكم أنتم، كما تفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن ذلك من رسوله. ولكن وجه الإشارة بالآية: أنه سبحانه أقام أسبابا ظاهرة لدفع المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس. فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه، وبه، وهو خير الناصرين.
(فائدة)
وَقَدْ ظَنَّ طائِفَةٌ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ عَنِ العَبْدِ، وإثْباتِهِ لِلَّهِ، وأنَّهُ هو الفاعِلُ حَقِيقَةً، وهَذا غَلَطٌ مِنهم مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ مَذْكُورَةٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أثْبَتَ لِرَسُولِهِ ابْتِداءَ الرَّمْيِ، ونَفى عَنْهُ الإيصالَ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ بِرَمْيَتِهِ فالرَّمْيُ يُرادُ بِهِ الحَذْفُ والإيصالُ، فَأثْبَتَ لِنَبِيِّهِ الحَذْفَ، ونَفى عَنْهُ الإيصالَ.
وَكانَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ تُبادِرُ المُسْلِمِينَ إلى قَتْلِ أعْدائِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أمامَهُ، إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وصَوْتَ الفارِسِ فَوْقَهُ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ، إذْ نَظَرَ إلى المُشْرِكِ أمامَهُ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إلَيْهِ، فَإذا هو قَدْ خُطِمَ أنْفُهُ، وشُقَّ وجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذَلِكَ أجْمَعُ، فَجاءَ الأنْصارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِن مَدَدِ السَّماءِ الثّالِثَةِ».
وَقالَ أبو داود المازني: «إنِّي لَأتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأضْرِبَهُ، إذْ وقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي، فَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي».
«وَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِالعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسِيرًا، فَقالَ العباس: إنَّ هَذا واللَّهِ ما أسَرَنِي، لَقَدْ أسَرَنِي رَجُلٌ أجْلَحُ، مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، عَلى فَرَسٍ أبْلَقَ ما أراهُ في القَوْمِ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: أنا أسَرْتُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: " اسْكُتْ فَقَدْ أيَّدَكَ اللَّهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ». وأُسِرَ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ ثَلاثَةٌ: العباس، وعقيل، ونَوْفَلُ بْنُ الحارِثِ.
(فصل)
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾
فَغابَ عَنْهم فِقْهُ الآيَةِ وفَهْمُها، والآيَةُ مِن أكْبَرِ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ، والخِطابُ بِها خاصٌّ لِأهْلِ بَدْرٍ. وكَذَلِكَ القَبْضَةُ الَّتِي رَمى بِها النَّبِيُّ ﷺ فَأوْصَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى جَمِيعِ وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِ ﷺ، وهو الرَّمْيُ الَّذِي نَفاهُ عَنْهُ، وأثْبَتَ لَهُ الرَّمْيَ الَّذِي هو في مَحَلِّ قُدْرَتِهِ وهو الخَذْفُ، وكَذَلِكَ القَتْلُ الَّذِي نَفاهُ عَنْهم هو قَتْلٌ لَمْ تُباشِرْهُ أيْدِيهِمْ، وإنَّما باشَرَتْهُ أيْدِي المَلائِكَةِ، فَكانَ أحَدُهم يَشْتَدُّ في أثَرِ الفارِسِ وإذا بِرَأْسِهِ قَدْ وقَعَ أمامَهُ مِن ضَرْبَةِ المَلِكِ، ولَوْ كانَ المُرادُ ما فَهِمَهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا فِقْهَ لَهم في فَهْمِ النُّصُوصِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كُلِّ قَتْلٍ وكُلِّ فِعْلٍ مِن شُرْبٍ أوْ زِنًا أوْ سَرِقَةٍ أوْ ظُلْمٍ فَإنَّ اللَّهَ خالِقُ الجَمِيعِ، وكَلامُ اللَّهِ يُنَزَّهُ عَنْ هَذا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ «ما أنا حَمَلْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» لَمْ يُرِدْ أنَّ اللَّهَ حَمَلَهم بِالقَدَرِ، وإنَّما كانَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَصَرِّفًا بِأمْرِ اللَّهِ مُنَفِّذًا لَهُ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِحَمْلِهِمْ فَنَفَّذَ أوامِرَهُ، فَكَأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي حَمَلَهُمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ «واللَّهِ إنِّي لا أُعْطِي أحَدًا شَيْئًا ولا أمْنَعُهُ» ولِهَذا قالَ: «وَإنَّما أنا قاسِمٌ» فاللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُعْطِي عَلى لِسانِهِ، وهو يَقْسِمُ ما قَسَمَهُ بِأمْرِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ في العَزْلِ «فَسَيَأْتِيها ما قُدِّرَ لَها» لَيْسَ فِيهِ إسْقاطُ الأسْبابِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إذا قَدَّرَ خَلْقَ الوَلَدِ سَبَقَ مِن الماءِ ما يُخْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ ولَوْ كانَ أقَلَّ شَيْءٍ فَلَيْسَ مِن كُلِّ الماءِ يَكُونُ الوَلَدُ، ولَكِنْ أيْنَ في السُّنَّةِ أنَّ الوَطْءَ لا تَأْثِيرَ لَهُ في الوَلَدِ ألْبَتَّةَ ولَيْسَ سَبَبًا لَهُ، وأنَّ الزَّوْجَ أوْ السَّيِّدَ إنْ وطِئَ أوْ لَمْ يَطَأْ فَكِلا الأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى حُصُولِ الوَلَدِ وعَدَمِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ كَما يَقُولُهُ مُنْكِرُو الأسْبابِ؟
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ» ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ نَفِيَ السَّبَبِ كَما زَعَمْتُمْ لَمْ يَدُلَّ عَلى نَفْيِ كُلِّ سَبَبٍ، وإنَّما غايَتُهُ أنَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَيْسا مِن أسْبابِ الشَّرِّ، كَيْفَ والحَدِيثُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؟ وإنَّما يَنْفِي ما كانَ المُشْرِكُونَ يُثْبِتُونَهُ مِن سَبَبِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ لا يُمْكِنُ إبْطالُها ولا صَرْفُها عَنْ مَحَلِّها ولا مُعارَضَتُها بِما هو أقْوى مِنها، لا كَما يَقُولُهُ مَن قَصُرَ عِلْمُهُ: إنّهم كانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ فاعِلًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ.
[مَذاهِبُ النّاسِ في الأسْبابِ]
فالنّاسُ في الأسْبابِ لَهم ثَلاثُ طُرُقٍ: إبْطالُها بِالكُلِّيَّةِ، وإثْباتُها عَلى وجْهٍ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَقْبَلُ سَلْبَ سَبَبِيَّتِها ولا مُعارَضَتَها بِمِثْلِها أوْ أقْوى مِنها كَما يَقُولُهُ الطَّبائِعِيَّةُ والمُنَجِّمُونَ والدَّهْرِيَّةُ، والثّالِثُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ودَلَّ عَلَيْهِ الحِسُّ والعَقْلُ والفِطْرَةُ: إثْباتُها أسْبابًا، وجَوازًا، بَلْ وُقُوعُ سَلْبِ سَبَبِيَّتِها عَنْها إذا شاءَ اللَّهُ ودَفْعُها بِأُمُورٍ أُخْرى نَظِيرَها أوْ أقْوى مِنها، مَعَ بَقاءِ مُقْتَضى السَّبَبِيَّةِ فِيها، كَما تُصْرَفُ كَثِيرٌ مِن أسْبابِ الشَّرِّ بِالتَّوَكُّلِ والدُّعاءِ والصَّدَقَةِ والذِّكْرِ والِاسْتِغْفارِ والعِتْقِ والصِّلَةِ، وتُصْرَفُ كَثِيرٌ مِن أسْبابِ الخَيْرِ بَعْدَ انْعِقادِها بِضِدِّ ذَلِكَ، فَلِلَّهِ كَمْ مِن خَيْرٍ انْعَقَدَ سَبَبُهُ ثُمَّ صُرِفَ عَنْ العَبْدِ بِأسْبابٍ أحْدَثُها مَنَعَتْ حُصُولَهُ وهو يُشاهِدُ السَّبَبَ حَتّى كَأنَّهُ أُخِذَ بِاليَدِ؟ وكَمْ مِن شَرٍّ انْعَقَدَ سَبَبُهُ ثُمَّ صُرِفَ عَنْ العَبْدِ بِأسْبابٍ أحْدَثُها مَنَعَتْ حُصُولَهُ؟، ومَن لا فِقْهَ لَهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَلا انْتِفاعَ لَهُ بِنَفْسِهِ ولا بِعِلْمِهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.
[فَصْلٌ]
قَولُ اللَّهِ تَعالى ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾.
اعْتَقَدَ جَماعَةٌ أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ: سَلْبُ فِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْهُ، وإضافَتُهُ إلى الرَّبِّ تَعالى، وجَعَلُوا ذَلِكَ أصْلًا في الجَبْرِ، وإبْطالِ نِسْبَةِ الأفْعالِ إلى العِبادِ، وتَحْقِيقِ نِسْبَتِها إلى الرَّبِّ وحْدَهُ، وهَذا غَلَطٌ مِنهم في فَهْمِ القُرْآنِ، فَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَجَبَ طَرْدُهُ في جَمِيعِ الأعْمالِ، فَيُقالُ: ما صَلَّيْتَ إذْ صَلَّيْتَ، وما صُمْتَ إذْ صُمْتَ، وما ضَحَّيْتَ إذْ ضَحَّيْتَ، ولا فَعَلْتَ كُلَّ فِعْلٍ إذْ فَعَلْتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإنْ طَرَدُوا ذَلِكَ لَزِمَهم في جَمِيعِ أفْعالِ العِبادِ - طاعَتِهِمْ ومَعاصِيهِمْ - إذْ لا فَرْقَ، فَإنْ خَصُّوهُ بِالرَّسُولِ ﷺ وحْدَهُ وأفْعالِهِ جَمِيعِها، أوْ رَمْيِهِ وحْدَهُ؛ تَناقَضُوا، فَهَؤُلاءِ لَمْ يُوَفَّقُوا لِفَهْمِ ما أُرِيدَ بِالآيَةِ.
وَبَعْدُ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ رَمْيِهِ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَبْضَةٍ مِنَ الحَصْباءِ، فَلَمْ تَدَعْ وجْهَ أحَدٍ مِنهم إلّا أصابَتْهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ الرَّمْيَةَ مِنَ البَشَرِ لا تَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ، فَكانَ مِنهُ ﷺ مَبْدَأُ الرَّمْيِ، وهو الحَذْفُ، ومِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى نِهايَتُهُ، وهو الإيصالُ، فَأضافَ إلَيْهِ رَمْيَ الحَذْفِ الَّذِي هو مَبْدَؤُهُ، ونَفى عَنْهُ رَمْيَ الإيصالِ الَّذِي هو نِهايَتُهُ، ونَظِيرُ هَذا: قَوْلُهُ في الآيَةِ نَفْسِها ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ فَأخْبَرَهُ: أنَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي تَفَرَّدَ بِقَتْلِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِكم أنْتُمْ، كَما تَفَرَّدَ بِإيصالِ الحَصى إلى أعْيُنِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن رَسُولِهِ ولَكِنْ وجْهُ الإشارَةِ بِالآيَةِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أقامَ أسْبابًا ظاهِرَةً، كَدَفْعِ المُشْرِكِينَ، وتَوَلِّى دَفْعِهِمْ، وإهْلاكِهِمْ بِأسْبابٍ باطِنَةٍ غَيْرِ الأسْبابِ الَّتِي تَظْهَرُ لِلنّاسِ، فَكانَ ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ والنُّصْرَةِ مُضافًا إلَيْهِ وبِهِ، وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ.
(فصل)
واسْتَفْتَحَ أبو جهل في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ، وآتانا بِما لا نَعْرِفُهُ فَأحْنِهِ الغَداةَ، اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أحَبَّ إلَيْكَ، وأرْضى عِنْدَكَ، فانْصُرْهُ اليَوْمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].
وَلَمّا وضَعَ المُسْلِمُونَ أيْدِيَهم في العَدُوِّ يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ، وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ واقِفٌ عَلى بابِ الخَيْمَةِ الَّتِي فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهي العَرِيشُ مُتَوَشِّحًا بِالسَّيْفِ في ناسٍ مِنَ الأنْصارِ، «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في وجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ الكَراهِيَةَ لِما يَصْنَعُ النّاسُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَأنَّكَ تَكْرَهُ ما يَصْنَعُ النّاسُ؟ " قالَ: أجَلْ، واللَّهِ كانَتْ أوَّلَ وقْعَةٍ أوْقَعَها اللَّهُ بِالمُشْرِكِينَ، وكانَ الإثْخانُ في القَتْلِ أحَبَّ إلَيَّ مِنِ اسْتِبْقاءِ الرِّجالِ».
وَلَمّا بَرَدَتِ الحَرْبُ ووَلّى القَوْمُ مُنْهَزِمِينَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن يَنْظُرُ لَنا ما صَنَعَ أبو جهل؟ " فانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنا عفراء حَتّى بَرَدَ، وأخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقالَ: أنْتَ أبو جهل؟ فَقالَ: لِمَنِ الدّائِرَةُ اليَوْمَ؟ فَقالَ: لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وهَلْ أخْزاكَ اللَّهُ يا عَدُوَّ اللَّهِ؟ فَقالَ: وهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ فَقَتَلَهُ عبد الله، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: قَتَلْتُهُ: فَقالَ: " اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو " فَرَدَّدَها ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، انْطَلِقْ أرِنِيهِ. فانْطَلَقْنا فَأرَيْتُهُ إيّاهُ فَقالَ: " هَذا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ».
(وَأسَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أمية بن خلف، وابْنَهُ عليا، فَأبْصَرَهُ بلال، وكانَ أمية يُعَذِّبُهُ بِمَكَّةَ، فَقالَ: رَأْسُ الكُفْرِ أمية بن خلف، لا نَجَوْتُ إنْ نَجا، ثُمَّ اسْتَوْخى جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ، واشْتَدَّ عبد الرحمن بِهِما يُحْرِزُهُما مِنهُمْ، فَأدْرَكُوهُمْ، فَشَغَلَهم عَنْ أمية بِابْنِهِ، فَفَرَغُوا مِنهُ، ثُمَّ لَحِقُوهُما، فَقالَ لَهُ عبد الرحمن: ابْرُكْ. فَبَرَكَ فَألْقى نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ مِن تَحْتِهِ حَتى قَتَلُوهُ، وأصابَ بَعْضُ السُّيُوفِ رِجْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قالَ لَهُ أمية قَبْلَ ذَلِكَ: مَنِ الرَّجُلُ المُعَلَّمُ في صَدْرِهِ بِرِيشَةِ نَعامَةٍ؟ فَقالَ: ذَلِكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقالَ ذاكَ الَّذِي فَعَلَ بِنا الأفاعِيلَ، وكانَ مَعَ عبد الرحمن أدْراعٌ قَدِ اسْتَلَبَها، فَلَمّا رَآهُ أمية قالَ لَهُ: أنا خَيْرٌ لَكَ مِن هَذِهِ الأدْراعِ، فَألْقاها وأخَذَهُ، فَلَمّا قَتَلَهُ الأنْصارُ، كانَ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّهُ بلالا، فَجَعَنِي بِأدْراعِي وبِأسِيرِي).
وانْقَطَعَ يَوْمَئِذٍ سَيْفُ عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ ﷺ جِذْلًا مِن حَطَبٍ فَقالَ: (دُونَكَ هَذا)، فَلَمّا أخَذَهُ عكاشة وهَزَّهُ، عادَ في يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلًا شَدِيدًا أبْيَضَ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يُقاتِلُ بِهِ حَتّى قُتِلَ في الرِّدَّةِ أيّامَ أبي بكر.
وَلَقِيَ الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو مُدَجَّجٌ في السِّلاحِ لا يُرى مِنهُ إلّا الحَدَقُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ الزبير بِحَرْبَتِهِ، فَطَعَنَهُ في عَيْنِهِ، فَماتَ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلى الحَرْبَةِ، ثُمَّ تَمَطّى، فَكانَ الجَهْدُ أنْ نَزَعَها، وقَدِ انْثَنى طَرَفاها، قالَ عروة: فَسَألَهُ إيّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهُ إيّاها، فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، ثُمَّ طَلَبَها أبو بكر، فَأعْطاهُ إيّاها، فَلَمّا قُبِضَ أبو بكر، سَألَهُ إيّاها عمر فَأعْطاهُ إيّاها، فَلَمّا قُبِضَ عمر أخَذَها، ثُمَّ طَلَبَها عثمان فَأعْطاهُ إيّاها، فَلَمّا قُبِضَ عثمان، وقَعَتْ عِنْدَ آلِ عَلِيٍّ، فَطَلَبَها عبد الله بن الزبير، وكانَتْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ.
«وَقالَ رفاعة بن رافع: (رُمِيتُ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَفُقِئَتْ عَيْنِي، فَبَصَقَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ودَعا لِي، فَما آذانِي مِنها شَيْءٌ».
وَلَمّا انْقَضَتِ الحَرْبُ أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى وقَفَ عَلى القَتْلى، فَقالَ: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وصَدَّقَنِي النّاسُ، وخَذَلْتُمُونِي ونَصَرَنِي النّاسُ، وأخْرَجْتُمُونِي وآوانِي النّاسُ.
ثُمَّ أمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا إلى قَلِيبٍ مِن قُلُبِ بَدْرٍ، فَطُرِحُوا فِيهِ، ثُمَّ وقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: " يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فُلانُ، ويا فُلانُ هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقّا، فَإنِّي وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقّا "، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما تُخاطِبُ مِن أقْوامٍ قَدْ جَيَّفُوا؟ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ، ولَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ الجَوابَ ". ثُمَّ أقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالعَرْصَةِ ثَلاثًا، وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أقامَ بِعَرْصَتِهِمْ ثَلاثًا».
ثُمَّ ارْتَحَلَ مُؤَيَّدًا مَنصُورًا، قَرِيرَ العَيْنِ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، ومَعَهُ الأُسارى والمَغانِمُ، فَلَمّا كانَ بِالصَّفْراءِ، قَسَمَ الغَنائِمَ وضَرَبَ عُنُقَ النضر بن الحارث بن كلدة، ثُمَّ لَمّا نَزَلَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ، ضَرَبَ عُنُقَ عقبة بن أبي معيط.
وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ مُؤَيَّدًا مُظَفَّرًا مَنصُورًا قَدْ خافَهُ كُلُّ عَدُوٍّ لَهُ المَدِينَةَ وحَوْلَها، فَأسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وحِينَئِذٍ دَخَلَ عبد الله بن أبي المُنافِقُ وأصْحابُهُ في الإسْلامِ ظاهِرًا.
الأنفال 8:22
فَأخْبر سُبْحانَهُ أن محلهم غير قابل لنعمته ومَعَ عدم القبُول ففيهم مانع آخر يمْنَع وصولها إلَيْهِم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها.
وَمِمّا يَنْبَغِي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بَقاء النَّفس على ما خلقت عَلَيْهِ في الأصْل وإهمالها وتخليتها فأسباب الخذلان مِنها وفيها وأسْباب التَّوْفِيق من جعل الله سُبْحانَهُ لَها قابِلَة للنعمة فأسباب التَّوْفِيق مِنهُ ومن فَضله وهو الخالِق لهَذِهِ وهَذِه كَما خلق أجزاء الأرْض هَذِه قابِلَة للنبات وهَذِه غير قابِلَة لَهُ وخلق الشّجر هَذِه تقبل الثَّمَرَة وهَذِه لا تقبلها وخلق النحلة قابِلَة لِأن يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه والزنبور غير قابل لذَلِك وخلق الأرْواح الطّيبَة قابِلَة لذكره وشكره وحجته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده وخلق الأرْواح الخبيثة غير قابِلَة لذَلِك بل لضده وهو الحَكِيم العَلِيم.
(فائدة)
أخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء، وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ينفعها، لعدم قبول المحل، فإنه لا خير فيه، فإن الرجل إنما ينقاد للحق بالخير الذي فيه، والميل إليه، والطلب له، ومحبته، والحرص عليه، والفرح بالظفر به، وهؤلاء ليس في قلوبهم شيء من ذلك، فوصل الهدى إليها ووقع عليها كما يصل الغيث النازل من السماء ويقع على الأرض الغليظة العالية، والتي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلاء، فلا هي قابلة للماء ولا للنبات، فالماء في نفسه رحمة وحياة، ولكن ليس فيها قبول له.
ثم أكد الله هذا المعنى في حقهم بقوله: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى، وهي الكبر والإعراض، وفساد القصد، فلو فهموا لم ينقادوا، ولم يتبعوا الحق. ولم يعملوا به، فالهدى في حق هؤلاء هدى بيان وإقامة حجة، لا هدى توفيق وإرشاد، فلم يتصل الهدى في حقهم بالرحمة.
فإن قيل فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم ولا خير عندهم ألبتة ولو كان عندهم لخرجوا به من النار مع الموحدين فإنه سبحانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من خير فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير؟
قيل الخير في هذا الحديث هو الإيمان بالله ورسله كما في اللفظ الآخر أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان وهو تصديق رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح وأما الخير في الآية فالمراد به القبول والزكاة ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعم عليها فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم لأسمعهم إسماعا ينتفعون به فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة فتلك القابلية ذهب أثرها وتعطلت بالكفر والجحود وعادت كالشيء المعدوم الذي لا ينتفع به وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم ولم يظهر أثرها في انتفاعهم بما عملوه وتيقنوه.
(فصل)
النوع الحادي والعشرون إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما يستلزمه من المفسدة وأن المصلحة في تركه ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن ذلك علة للحكم كقوله تعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون بهو وهو سماع الفهم بأنهم لا خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم وبأن فيهم مانعا آخر يمنع من الانتفاع بالمسموع لو سمعوه وهو الكبر والإعراض فالأول من باب تعليل عدم الحكم بعدم ما يقتضيه والثاني من باب تعليله بوجود مانعه وهذا إنما يصح ممن يأمر وينهى ويفعل للحكم والمصالح وأما من يجرد فعله عن ذلك فإنه لا يضاف عدم الحكم إلا إلى مجرد مسببه فقط ومن هذا تنزيه نفسه عن كثير مما يقدر عليه فلا يفعله لمنافاته لحكمته وحمده كقوله تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ وقوله: ﴿ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ فنزه نفسه عن هذه الأفعال لأنه لا يليق بكماله وينافي حكمته وحمده وعند النفاة أنها ليست مما ينزه الرب عنه لأنها مقدورة له وهو إنما ينزه عما لا يقدر عليه ولكن علمنا أنها لا تقع لعدم مسببه لها لا لقبحها في نفسها.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ مَرْتَبَةُ الإسْماعِ]
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]
وَقَدْ قالَ تَعالى ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩] وهَذا الإسْماعُ أخَصُّ مِن إسْماعِ الحُجَّةِ والتَّبْلِيغِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لَهُمْ، وبِهِ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ ذاكَ إسْماعُ الآذانِ، وهَذا إسْماعُ القُلُوبِ، فَإنَّ الكَلامَ لَهُ لَفْظٌ ومَعْنًى، ولَهُ نِسْبَةٌ إلى الأُذُنِ والقَلْبِ وتَعَلُّقٌ بِهِما، فَسَماعُ لَفْظِهِ حَظُّ الأُذُنِ، وسَماعُ حَقِيقَةِ مَعْناهُ ومَقْصُودِهِ حَظُّ القَلْبِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ نَفى عَنِ الكُفّارِ سَماعَ المَقْصُودِ والمُرادِ الَّذِي هو حَظُّ القَلْبِ، وأثْبَتَ لَهم سَماعَ الألْفاظِ الَّذِي هو حَظُّ الأُذُنِ في قَوْلِهِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢] وهَذا السَّماعُ لا يُفِيدُ السّامِعَ إلّا قِيامَ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تُمَكِّنُهُ مِنها، وأمّا مَقْصُودُ السَّماعِ وثَمَرَتُهُ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَلا يَحْصُلُ مَعَ لَهْوِ القَلْبِ وغَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ، بَلْ يَخْرُجُ السّامِعُ قائِلًا لِلْحاضِرِ مَعَهُ ﴿ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].
والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ ومَرْتَبَةِ الإفْهامِ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ إنَّما تَحْصُلُ بِواسِطَةِ الأُذُنِ، ومَرْتَبَةُ الإفْهامِ أعَمُّ، فَهي أخَصُّ مِن مَرْتَبَةِ الفَهْمِ مِن هَذا الوَجْهِ، ومَرْتَبَةُ الفَهْمِ أخَصُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّها تَتَعَلَّقُ بِالمَعْنى المُرادِ ولَوازِمِهِ ومُتَعَلَّقاتِهِ وإشاراتِهِ، ومَرْتَبَةُ السَّماعِ مَدارُها عَلى إيصالِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ إلى القَلْبِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا السَّماعِ سَماعُ القَبُولِ.
فَهُوَ إذَنْ ثَلاثُ مَراتِبَ: سَماعُ الأُذُنِ، وسَماعُ القَلْبِ، وسَماعُ القَبُولِ والإجابَةِ.
الأنفال 8:23
فَأخْبر سُبْحانَهُ أن محلهم غير قابل لنعمته ومَعَ عدم القبُول ففيهم مانع آخر يمْنَع وصولها إلَيْهِم وهو توليهم وإعراضهم إذا عرفوها وتحققوها.
وَمِمّا يَنْبَغِي أن يعلم أن أسباب الخذلان من بَقاء النَّفس على ما خلقت عَلَيْهِ في الأصْل وإهمالها وتخليتها فأسباب الخذلان مِنها وفيها وأسْباب التَّوْفِيق من جعل الله سُبْحانَهُ لَها قابِلَة للنعمة فأسباب التَّوْفِيق مِنهُ ومن فَضله وهو الخالِق لهَذِهِ وهَذِه كَما خلق أجزاء الأرْض هَذِه قابِلَة للنبات وهَذِه غير قابِلَة لَهُ وخلق الشّجر هَذِه تقبل الثَّمَرَة وهَذِه لا تقبلها وخلق النحلة قابِلَة لِأن يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه والزنبور غير قابل لذَلِك وخلق الأرْواح الطّيبَة قابِلَة لذكره وشكره وحجته وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده وخلق الأرْواح الخبيثة غير قابِلَة لذَلِك بل لضده وهو الحَكِيم العَلِيم.
(فائدة)
أخبر سبحانه أنه قطع عنهم مادة الاهتداء، وهو إسماع قلوبهم وإفهامها ما ينفعها، لعدم قبول المحل، فإنه لا خير فيه، فإن الرجل إنما ينقاد للحق بالخير الذي فيه، والميل إليه، والطلب له، ومحبته، والحرص عليه، والفرح بالظفر به، وهؤلاء ليس في قلوبهم شيء من ذلك، فوصل الهدى إليها ووقع عليها كما يصل الغيث النازل من السماء ويقع على الأرض الغليظة العالية، والتي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلاء، فلا هي قابلة للماء ولا للنبات، فالماء في نفسه رحمة وحياة، ولكن ليس فيها قبول له.
ثم أكد الله هذا المعنى في حقهم بقوله: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
فأخبر أن فيهم مع عدم القبول والفهم آفة أخرى، وهي الكبر والإعراض، وفساد القصد، فلو فهموا لم ينقادوا، ولم يتبعوا الحق. ولم يعملوا به، فالهدى في حق هؤلاء هدى بيان وإقامة حجة، لا هدى توفيق وإرشاد، فلم يتصل الهدى في حقهم بالرحمة.
فإن قيل فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم ولا خير عندهم ألبتة ولو كان عندهم لخرجوا به من النار مع الموحدين فإنه سبحانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من خير فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير؟
قيل الخير في هذا الحديث هو الإيمان بالله ورسله كما في اللفظ الآخر أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان وهو تصديق رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح وأما الخير في الآية فالمراد به القبول والزكاة ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعم عليها فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم لأسمعهم إسماعا ينتفعون به فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة فتلك القابلية ذهب أثرها وتعطلت بالكفر والجحود وعادت كالشيء المعدوم الذي لا ينتفع به وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم ولم يظهر أثرها في انتفاعهم بما عملوه وتيقنوه.
(فصل)
النوع الحادي والعشرون إخباره سبحانه عن تركه بعض مقدوره لما يستلزمه من المفسدة وأن المصلحة في تركه ولو كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة لم يكن ذلك علة للحكم كقوله تعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ فعلل سبحانه عدم إسماعهم السماع الذي ينتفعون بهو وهو سماع الفهم بأنهم لا خير فيهم يحسن معه أن يسمعهم وبأن فيهم مانعا آخر يمنع من الانتفاع بالمسموع لو سمعوه وهو الكبر والإعراض فالأول من باب تعليل عدم الحكم بعدم ما يقتضيه والثاني من باب تعليله بوجود مانعه وهذا إنما يصح ممن يأمر وينهى ويفعل للحكم والمصالح وأما من يجرد فعله عن ذلك فإنه لا يضاف عدم الحكم إلا إلى مجرد مسببه فقط ومن هذا تنزيه نفسه عن كثير مما يقدر عليه فلا يفعله لمنافاته لحكمته وحمده كقوله تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ وقوله: ﴿ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ فنزه نفسه عن هذه الأفعال لأنه لا يليق بكماله وينافي حكمته وحمده وعند النفاة أنها ليست مما ينزه الرب عنه لأنها مقدورة له وهو إنما ينزه عما لا يقدر عليه ولكن علمنا أنها لا تقع لعدم مسببه لها لا لقبحها في نفسها.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ مَرْتَبَةُ الإسْماعِ]
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]
وَقَدْ قالَ تَعالى ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩] وهَذا الإسْماعُ أخَصُّ مِن إسْماعِ الحُجَّةِ والتَّبْلِيغِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لَهُمْ، وبِهِ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ ذاكَ إسْماعُ الآذانِ، وهَذا إسْماعُ القُلُوبِ، فَإنَّ الكَلامَ لَهُ لَفْظٌ ومَعْنًى، ولَهُ نِسْبَةٌ إلى الأُذُنِ والقَلْبِ وتَعَلُّقٌ بِهِما، فَسَماعُ لَفْظِهِ حَظُّ الأُذُنِ، وسَماعُ حَقِيقَةِ مَعْناهُ ومَقْصُودِهِ حَظُّ القَلْبِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ نَفى عَنِ الكُفّارِ سَماعَ المَقْصُودِ والمُرادِ الَّذِي هو حَظُّ القَلْبِ، وأثْبَتَ لَهم سَماعَ الألْفاظِ الَّذِي هو حَظُّ الأُذُنِ في قَوْلِهِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢] وهَذا السَّماعُ لا يُفِيدُ السّامِعَ إلّا قِيامَ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تُمَكِّنُهُ مِنها، وأمّا مَقْصُودُ السَّماعِ وثَمَرَتُهُ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَلا يَحْصُلُ مَعَ لَهْوِ القَلْبِ وغَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ، بَلْ يَخْرُجُ السّامِعُ قائِلًا لِلْحاضِرِ مَعَهُ ﴿ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].
والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ ومَرْتَبَةِ الإفْهامِ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ إنَّما تَحْصُلُ بِواسِطَةِ الأُذُنِ، ومَرْتَبَةُ الإفْهامِ أعَمُّ، فَهي أخَصُّ مِن مَرْتَبَةِ الفَهْمِ مِن هَذا الوَجْهِ، ومَرْتَبَةُ الفَهْمِ أخَصُّ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهي أنَّها تَتَعَلَّقُ بِالمَعْنى المُرادِ ولَوازِمِهِ ومُتَعَلَّقاتِهِ وإشاراتِهِ، ومَرْتَبَةُ السَّماعِ مَدارُها عَلى إيصالِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ إلى القَلْبِ، ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا السَّماعِ سَماعُ القَبُولِ.
فَهُوَ إذَنْ ثَلاثُ مَراتِبَ: سَماعُ الأُذُنِ، وسَماعُ القَلْبِ، وسَماعُ القَبُولِ والإجابَةِ.
الأنفال 8:24
فأخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هي بما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان. فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك.
وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور. وهذا من أحسن التشبيه، فإن أبدانهم قبور لقلوبهم. فقد ماتت قلوبهم وقبرت في أبدانهم. فقال الله تعالى: ﴿إنّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِى القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
ولقد أحسن القائل:
؎وَفِى الجهلِ قَبْلَ الموْتِ مَوْتٌ لأهْلِه ∗∗∗ وأجْسامُهُمْ، قَبْلَ القُبُورِ، قُبُورُ
؎وَأرْواحُهم في وحْشَةٍ مِن جُسُومِهم ∗∗∗ ولَيْسَ لَهم حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ
ولهذا جعل سبحانه وحيه الذي يلقيه إلى الأنبياء روحا، كما قال تعالى: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥]. في موضعين من كتابه، وقال ﴿وَكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ لأن حياة الأرواح والقلوب به، وهذه الحياة الطيبة هي التي خص بها سبحانه من قَبِلَ وحيه، وعمل به فقال:
﴿مَن عَمِلَ صالحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
فخصهم سبحانه وتعالى بالحياة الطيبة في الدارين.
(فصل)
تضمنت هذه الآية أمورا.
أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل باستجابة لله ولرسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية، مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات. فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهرا وباطنا. فهؤلاء هم الأحياء، وإن ماتوا وغيرهم أموات وأن كانوا أحياء الأبدان. ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول ﷺ.
فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة. فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة. وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول.
قال مجاهد لِما يُحْيِيكم يعني: للحق.
وقال قتادة: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. وقال السدي: هو الإسلام، أحياهم به بعد موتهم بالكفر.
قال بن إسحاق وعروة بن الزبير - واللفظ له - لما يحييكم: يعني للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم.
وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة. وهي القيام بما جاء به الرسول ظاهرا وباطنا.
قال الواحدي: والأكثرون على أن معنى قوله: لِما يُحْيِيكم هو الجهاد. وهو قول ابن إسحاق، واختيار أكثر أهل المعاني.
قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم، واجترأ عليهم عدوهم.
قلت: الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة. أما في الدنيا: فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد.
وأما في البرزخ: فقد قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
وأما في الآخرة: فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم، ولهذا قال ابن قتيبة: لما يحييكم يعني الشهادة.
وقال بعض المفسرين: لما يحييكم يعني الجنة. فإنها دار الحيوان، وفيها الحياة الدائمة الطيبة. حكاه أبو علي الجرجاني. والآية تتناول هذا كله. فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد يحيي القلوب الحياة الطيبة، وكمال الحياة في الجنة. والرسول داع إلى الإيمان وإلى الجنة. وهو داع إلى الحياة في الدنيا والآخرة. والإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة حياة بدنه التي بها يدرك النافع والضار ويؤثر ما ينفعه على ما يضره. ومتى نقصت فيه هذه الحياة له من الألم والضعف بحسب ذلك. ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون حياة من هو معافي من ذلك.
وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل، والغي والرشاد، والهوى والضلال فيختار الحق على ضده، فتفيده هذه الحياة قوة التمييز بين النافع والضار في العلوم والإرادات، والأعمال. وتفيده قوة الإيمان والإرادة والحب للحق، وقوة البغض والكراهة للباطل: فشعوره وتميزه ونصرته بحسب نصيبه من هذه الحياة.
كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم، ويكون ميله إلى النافع ونصرته عن المؤلم أعظم فهذا بحسب حياة البدن. وذلك بحسب حياة القلب. فإذا بطلت حياته بطل تمييزه وإن كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار، كما أن الإنسان لا حياة له حتى ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه. فيصير حيا بذلك النفخ. وكان فضل ذلك من جملة الأموات فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول ﷺ من الروح الذي ألقى الله إليه قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾
وقال: ﴿وَكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾
فأخبر أن وحيه روح ونور.
فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ الرسول الملكي فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان.
ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له إحدى الحياتين، وفاتته الأخرى.
قال تعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾
فجمع له بين النور والحياة، كما جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة. قال ابن عباس وجميع المفسرين: كان كافرا ضالا فهديناه.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يتضمن أمورا.
أحدها: أنه يمشي في الناس بالنور، وهم في الظلمة. فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم الليل، فضلوا ولم يهتدوا للطريق. وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها، ويرى ما يحذره فيها.
وثانيها: أنه يمشي بنوره فهم يقتبسون فيه لحاجتهم إلى النور.
وثالثها: أنه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط إذا بقي أهل الشرك والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم.
وقوله: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾
المشهور في الآية: أنه يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. ويحول بين أهل طاعته وبين معصيته وبين أهل معصيته وبين طاعته.
وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين: وفي الآية قول آخر: أن المعنى: أنه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية. فهو بينه وبين قلبه. ذكره الواحدي عن قتادة.
وكان هذا أنسب بالسياق. لأن الاستجابة أصلها بالقلب فلا تنفع الاستجابة بالبدن. دون القلب.
فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه. فيعلم هل استجاب له قلبه، وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه.
وعلى القول الأول: فوجه المناسبة: إنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم. فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة، وعقوبة لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانته، فيكون كقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾.
ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب، وإن استجاب بالجوارح.
وفي الآية سر آخر وهو أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به وهو الاستجابة، وبين القدر والإيمان به. فهي كقوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاؤُنَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ. وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾
والله أعلم.
الأنفال 8:29
والفرقان: هو العز والنصر، والنجاة والنور الذي يفرق بين الحق والباطل.
[فصل: يَجْمُلُ بِالمُفْتِي أنْ يُكْثِرَ مِن الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ بِالتَّوْفِيقِ]
حَقِيقٌ بِالمُفْتِي أنْ يُكْثِرَ الدُّعاءَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرائِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ فاطِرَ السَّمَواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِن الحَقِّ بِإذْنِكَ، إنّكَ تَهْدِي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» وكانَ شَيْخُنا كَثِيرَ الدُّعاءِ بِذَلِكَ، وكانَ إذا أشْكَلَتْ عَلَيْهِ المَسائِلُ يَقُولُ " يا مُعَلِّمَ إبْراهِيمَ عَلِّمْنِي "
وَيُكْثِرُ الِاسْتِعانَةَ بِذَلِكَ اقْتِداءً بِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قالَ لِمالِكِ بْنِ يَخامِرَ السَّكْسَكِيِّ عِنْدَ مَوْتِهِ، وقَدْ رَآهُ يَبْكِي، فَقالَ: واللَّهِ ما أبْكِي عَلى دُنْيا كُنْتُ أُصِيبُها مِنكَ، ولَكِنْ أبْكِي عَلى العِلْمِ والإيمانِ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أتَعَلَّمُهُما مِنكَ، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنّ العِلْمَ والإيمانَ مَكانَهُما، مَن ابْتَغاهُما وجَدَهُما، اطْلُبْ العِلْمَ عِنْدَ أرْبَعَةٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أبِي الدَّرْداءِ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وذَكَرَ الرّابِعَ، فَإنْ عَجَزَ عَنْهُ هَؤُلاءِ فَسائِرُ أهْلِ الأرْضِ عَنْهُ أعْجَزُ، فَعَلَيْكَ بِمُعَلِّمِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْه.
وَكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ عِنْدَ الإفْتاءِ: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ.
وَكانَ مَكْحُولٌ يَقُولُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وكانَ مالِكٌ يَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وكانَ بَعْضُهم يَقُولُ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) ويَسِّرْ لِي أمْرِي (٢٦) واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾
وَكانَ بَعْضُهم يَقُولُ: اللَّهُمَّ وفِّقْنِي واهْدِنِي وسَدِّدْنِي واجْمَعْ لِي بَيْنَ الصَّوابِ والثَّوابِ وأعِذْنِي مِن الخَطَأِ والحِرْمانِ.
وَكانَ بَعْضُهم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ، وجَرَّبْنا نَحْنُ ذَلِكَ فَرَأيْناهُ أقْوى أسْبابِ الإصابَةِ.
والمُعَوِّلُ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى حُسْنِ النِّيَّةِ، وخُلُوصِ القَصْدِ، وصِدْقِ التَّوَجُّهِ في الِاسْتِمْدادِ مِن المُعَلِّمِ الأوَّلِ مُعَلَّمِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّهُ لا يُرَدُّ مَن صَدَقَ في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ لِتَبْلِيغِ دِينِهِ وإرْشادِ عَبِيدِهِ ونَصِيحَتِهِمْ والتَّخَلُّصِ مِن القَوْلِ عَلَيْهِ بِلا عِلْمٍ، فَإذا صَدَقَتْ نِيَّتُهُ ورَغْبَتُهُ في ذَلِكَ لَمْ يَعْدَمْ أجْرًا إنْ فاتَهُ أجْرانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وَسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ، فَقِيلَ لَهُ: رُبَّما اشْتَدَّ عَلَيْنا الأمْرُ مِن جِهَتِكَ، فَلِمَن نَسْألُ بَعْدَكَ؟ فَقالَ: سَلُوا عَبْدَ الوَهّابِ الوَرّاقَ، فَإنَّهُ أهْلٌ أنْ يُوَفَّقَ لِلصَّوابِ.
واقْتَدى الإمامُ أحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اقْتَرِبُوا مِن أفْواهِ المُطِيعِينَ واسْمَعُوا مِنهم ما يَقُولُونَ؛ فَإنَّهم تُجْلى لَهم أُمُورٌ صادِقَةٌ، وذَلِكَ لِقُرْبِ قُلُوبِهِمْ مِن اللَّهِ، وكُلَّما قَرُبَ القَلْبُ مِن اللَّهِ زالَتْ عَنْهُ مُعارَضاتُ السُّوءِ، وكانَ نُورُ كَشْفِهِ لِلْحَقِّ أتَمَّ وأقْوى، وكُلَّما بَعُدَ عَنْ اللَّهِ كَثُرَتْ عَلَيْهِ المُعارَضاتُ، وضَعُفَ نُورُ كَشْفِهِ لِلصَّوابِ؛ فَإنَّ العِلْمَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في القَلْبِ، يُفَرِّقُ بِهِ العَبْدُ بَيْنَ الخَطَأِ والصَّوابِ.
وَقالَ مالِكٌ لِلشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في أوَّلِ ما لَقِيَهُ: إنِّي أرى اللَّهَ قَدْ ألْقى عَلى قَلْبِكَ نُورًا فَلا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]
وَمِن الفُرْقانِ النُّورُ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ العَبْدُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وكُلَّما كانَ قَلْبُهُ أقْرَبَ إلى اللَّهِ كانَ فُرْقانُهُ أتَمَّ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فصل: الفروق الطول]
وهذا باب من الفروق الطول ولعل إن ساعد القدر أن نفرد فيه كتابا كبيرا وإنما نبهنا بما ذكرنا على أصوله واللبيب يكتفي ببعض ذلك والدين كله فرق وكتاب اللّه فرقان محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فرق بين الناس ومن اتقى اللّه جعل له فرقانا ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾
وسمي يوم بدر يوم الفرقان لأنه فرّق بين أولياء اللّه وأعدائه فالهدى كله فرقان، والضلال أصله الجمع كما جمع المشركون بين عبادة اللّه وعبادة الأوثان ومحبته ومحبة الأوثان وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه فجعلوا الأمر واحد واستدلوا بقضائه وقدره على محبته ورضاه وجمعوا بين الربا والبيع فقالوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا}
وجمعوا بين المذكى والميتة، وقالوا: كيف نأكل ما قتلنا ولا نأكل ما قتل اللّه، وجمع المنسلخون عن الشرائع بين الحلال والحرام فقالوا: هذه المرأة خلقها اللّه وهذه خلقها وهذا الحيوان خلقه وهذا خلقه فكيف يحل هذا ويحرم هذا؟ وجمعوا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجاءت طائفة الاتحادية فطموا الوادي على القرى وجمعوا الكل في ذات واحدة وقالوا هي اللّه الذي لا إله إلا هو وقال صاحب فصوصهم وواضع نصوصهم واعلم أن الأمر قرآنا لا فرقانا:
؎ما الأمر إلا نسق واحد ∗∗∗ ما فيه من مدح ولا ذم
؎وإنما السعادة قد خصصت ∗∗∗ والطبع والشارع بالحكم
والمقصود أن أرباب البصائر هم أصحاب الفرقان فأعم الناس فرقانا بين المشتبهات أعظم الناس بصيرة. والتشابه يقع في الأقوال والأعمال والأحوال والأموال والرجال وإنما أتى أكثر أهل العلم من المتشابهات في ذلك كله ولا يحصل الفرقان إلا بنور يقذفه اللّه في قلب من يشاء من عباده يرى في ضوئه حقائق الأمور ويميز بين حقها وباطلها وصحيحها وسقيمها ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾
ولا تستطل هذا الفصل فلعله من أنفع فصول الكتاب والحاجة إليه شديدة فإن رزقك اللّه فيه بصيرة خرجت منه إلى فرقان أعظم منه وهو الفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه أهل التعطيل، والفرق بين إثبات الصفات والعلو والتكليم حقيقة وبين التشبيه والتمثيل، والفرق بين تجريد التوحيد العملي الإرادي وبين هضم أرباب المراتب مراتبهم التي أنزلهم اللّه إياها، والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وبين الالتفات إليها، والفرق بين تقليد العالم وبين الاستضاءة بنور علمه والاستعانة بفهمه والفرق أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والفرق بين الحال الإيماني الرحماني والحال الشيطاني الكفري والحال النفساني، والفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع على كل واحد والحكم المؤول الذي تهابته أن يكون جائزة الاتباع عند الضرورة ولا درك على مخالفه.
[فصل]
ونحن نختم الكتاب بإشارة لطيفة إلى الفروق بين هذه الأمور إذ كل فرق منها يستدعي بسطه كتابا كبيرا، فالفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد المعطلين أن توحيد الرسل إثبات صفات الكمال للّه على وجه التفصيل وعبادته وحده لا شريك له فلا يجعل له ندا في قصد ولا حب ولا خوف ولا رجاء ولا لفظ ولا حلف ولا نذر بل يرفع العبد الأنداد له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته كما أنها معدومة في نفس الأمر لا وجود لها البتة فلا يجعل لها وجودا في قلبه ولا لسانه.
وأما توحيد المعطلين فنفي حقائق أسماءه وصفاته وتعطيلها ومن أمكنه منهم تعطيلها من لسانه عطلها فلا يذكرها ولا يذكر آية تتضمنها ولا حديثا يصرح بشيء منها ومن لم يمكنه تعطيل ذكرها سطا عليها بالتحريف ونفى حقيقتها وجعلها اسما فاعلا لا معنى له أو معناه من جنس الألغاز والأحاجي على أن من طرد تعطيله منهم علم أنه يلزمه في ما حرف إليه النص من المعنى نظير ما فر منه سواه فإن لزمه تمثيل أو تشبيه أو حدوث في الحقيقة لزم في المعنى الذي حمل عليه النص وأن لا يلزم في هذا فهو أولى أن لا يلزم في الحقيقة فلما علم هذا لم يمكنه إلا تعطيل الجميع فهذا طرد لأصل التعطيل والفرق أقرب منه ولكنه مناقض يتحكم بالباطل حيث أثبت اللّه بعض ما أثبته لنفسه ونفى عنه البعض الآخر واللازم الباطل فيهما واحد واللازم الحق لا يفر بينهما.
والمقصود أنهم سموا هذا التعطيل توحيدا وإنما هو إلحاد في أسماء الرب تعالى وصفاته وتعطيل لحقائقها.
[فصل: الفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المعطلة]
والفرق بين تنزيه الرسل وتنزيه المعطلة أن الرسل نزهوه سبحانه عن النقائض والعيوب التي نزه نفسه عنها وهي المنافية لكماله وكمال ربوبيته وعظمته كالسنة والنوم والغفلة والموت واللغوب والظلم وإراداته والتسمي به والشريك والصاحبة والظهير والولد والشفيع بدون إذنه وأن يترك عباده سدى هملا وأن يكون خلقهم عبثا وأن يكون خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا لا لثواب ولا عقاب ولا أمر ولا نهي وأن يستوي بين أوليائه وأعدائه وبين الأبرار والفجار وبين الكفار والمؤمنين وأن يكون في ملكه ما لا يشاء وأن يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه وأن يكون لغيره معه من الأمر شيء وأن يفرض له غفلة أو سهو أو نسيان وأن يخلف وعده أو تبدل كلماته أو يضاف إليه الشر اسما أو وصفا أو فعلا بل أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها كمال، وأفعاله كلها خير وحكمة ومصلحة: فهذا تنزيه الرسل لربهم.
وأما المعطلون فنزهوه عما وصف به نفسه من الكمال فنزهوه عن أن يتكلم أو يكلم واحدا، ونزهوه عن استوائه على عرشه وأن ترفع إليه الأيدي وأن يصعد إليه الكلم الطيب وأن ينزل من عنده شيء أو تعرج إليه الملائكة والروح وأن يكون فوق عباده وفوق جميع مخلوقاته عاليا عليها، ونزهوه أن يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى وأن يمسك السماوات على إصبع والأرض على إصبع والجبال على إصبع، والشجر على إصبع ونزهوه أن يكون له وجه أن يراه المؤمنون بأبصارهم في الجنة وأن يكلمهم ويسلم عليهم ويتجلى لهم ضاحكا وأن ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول من يستغفرني فأغفر له من يسألني فأعطيه فلا نزول عندهم ولا قول، ونزهوه أن يفعل شيئا لشيء بل أفعاله لا لحكمة ولا لغرض مقصود، ونزهوه أن يكون تام المشيئة نافذ الإرادة بل يشاء الشيء ويشاء عباده خلافه فيكون ما شاء العبد دون ما شاء الرب، ولا يشاء الشيء فيكون ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون.
وسموا هذا عدلا كما سموا ذلك التنزيه توحيدا ونزهوه عن أن يحب أو يحب ونزهوه عن الرأفة والرحمة والغضب والرضا نزهه آخرون عن السمع والبصر، وآخرون عن العلم، ونزهه آخرون عن الوجود فقالوا الذي فر إليه هؤلاء المنزهون من التشبيه والتمثيل يلزمنا في الوجود فيجب علينا أن ننزهه عنه. فهذا تنزيه الملحدين والأول تنزيه المرسلين.
[فصل: الفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل]
والفرق بين إثبات حقائق الأسماء والصفات وبين التشبيه والتمثيل ما قاله الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الهدى أن التشبيه والتمثيل أن تقول يد كيدي أو سمع كسمعي أو بصري كبصري ونحو ذلك.
وأما إذا قلت سمع وبصر ويد ووجه واستواء لا يماثل شيئا من صفات المخلوقين بل بين الصفة والصفة من الفرق كما بين الموصوف والموصوف فأي تمثيل هاهنا وأي تشبيه لو لا تلبيس الملحدين فمدار الحق الذي اتفقت عليه الرسل
أن يوصف اللّه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل، إثبات الصفات ونفي مشابهة المخلوقات فمن شبه اللّه بخلقه فقد كفر، ومن جحد حقائق ما وصف اللّه به نفسه فقد كفر؛ ومن أثبت له حقائق الأسماء والصفات ونفى عنه مشابهة المخلوقات فقد هدى إلى صراط مستقيم.
[فصل: الفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب]
والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب: أن تجريد التوحيد أن لا يعطي المخلوق شيئا من حق الخالق وخصائصه فلا يعبد ولا يصلي له ولا يسجد ولا يحلف باسمه ولا ينذر له ولا يتوكل عليه ولا يؤله ولا يقسم به على اللّه ولا يعبد ليقرب إلى اللّه زلفى ولا يساوي برب العالمين في قول القائل ما شاء اللّه وشئت وهذا منك ومن اللّه وأنا باللّه وبك وأنا متوكل على اللّه عليك واللّه لي في السماء وأنت في الأرض وهذا من صدقاتك وصدقات اللّه وأنا تائب إلى اللّه وإليك، وأنا في حسب اللّه وحسبك فيسجد للمخلوق كما يسجد المشركون لشيوخهم، ويحلق رأسه له، ويحلف باسمه، وينذر له، ويسجد لقبره بعد موته، ويستغيث به في حوائجه ومهماته ويرضيه بسخط اللّه ولا يسخطه في رضا اللّه ويتقرب إليه أعظم مما يتقرب إلى اللّه ويحبه ويخافه ويرجوه أكثر مما يحب اللّه ويخافه ويرجوه أو يساويه فإذا هضم المخلوق خصائص الربوبية وأنزله منزلة العبد المحض الذي لا يملك لنفسه فضلا عن غيره ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشور أ لم يكن هذا تنقصا له ولا حطا من مرتبته ولو رغم المشركون وقد صح عن سيد ولد آدم صلوات اللّه وسلامه عليه أنه قال:
«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد اللّه ورسوله» «١».
وقال: أيها الناس ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي، وقال: لا تتخذوا قبري عيدا، وقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، وقال: لا تقولوا ما شاء اللّه وشاء محمد وقال له رجل ما شاء وشئت فقال: أ جعلت للّه ندا؟ وقال له رجل أذنب:
اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال: عرف الحق لأهله، وقد قال تعالى له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾
وقال: قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}
وقال: قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ} وقال: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾
أي لن أجد من دونه من ألتجئ عليه وأعتمد عليه وقال لابنته فاطمة وعمه العباس وعمته صفية: لا أملك لكم من اللّه شيئا «١».
وفي لفظ في الصحيح لا أغني عنكم من اللّه شيئا «٢».
فعظم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم وأبوا ذلك كله وادعوا لشيوخهم ومعبوديهم خلاف هذا كله وزعموا أن من سلبهم ذلك فقد هضمهم مراتبهم وتنقصهم، وقد هضموا جانب الإلهية غاية الهضم وتنقصوه فلهم نصيب وافر من قوله تعالى ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
[فصل: الفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإهدار أقوال العلماء وإلغائها]
والفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى اللّه عليه وآله وسلم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من كان بل تنظر في صحة الحديث.
أولا: فإذا صح لك ما نظرت في معناه.
ثانيا: فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب ومعاذ اللّه أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على اللّه ورسوله بل أذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك، هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها لشبهة أنه أعلم بها منك.
فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقا فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل اقتدى فإنهم كلهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنّة بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به ولذلك سمي تقليدا بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل الأول فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى قال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
[فصل: الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان]
والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: إن أولياء الرحمن: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ هم الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ}
وهم المذكورون في أول سورة البقرة إلى قوله: هُمُ المُفْلِحُونَ. وفي وسطها في قوله: ولكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ إلى قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ}.
وفي أول الأنفال إلى قوله: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وفي أول سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾
وفي آخر سورة الفرقان وفي قوله: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخر الآية وفي قوله: ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ} وفي قوله: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الفائِزُونَ} وفي
قوله: إلّا المُصَلِّينَ. الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ إلى قوله: ﴿فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾، وفي قوله: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ﴾، إلى آخر الآية.
فأولياء الرحمن هم المخلصون لربهم المحكمون لرسوله في الحرم والحل الذين يخالفون غيره لسنته ولا يخالفون سننه لغيرها فلا يبتدعون ولا يدعون إلى بدعة ولا يتحيزون إلى فئة غير اللّه ورسوله وأصحابه ولا يتخذون دينهم لهوا ولعبا ولا يستجيبون سماع الشيطان على سماع القرآن ولا يؤثرون صحبة الافتان على مرضاة الرحمن ولا المعازف والمثاني على السبع المثاني:
؎برئنا إلى اللّه من معشر ∗∗∗ بهم مرض مورد للضنا
؎وكم قلت يا قوم أنتم على ∗∗∗ شفا جرف من سماع الغنى
؎فلما استهانوا بتنبيهنا ∗∗∗ تركنا غويا وما قد جنا
؎وهل يستجيب لداعي الهدى ∗∗∗ غوى أصار الغنى ديدنا
؎فعشنا على ملة المصطفى ∗∗∗ وأتوا على تاتنا تنتنا
ولا يشتبه أولياء الرحمن بأولياء الشيطان إلا على فاقد البصيرة والإيمان وأنى يكون المعرضون عن كتابه وهدى رسوله وسننه المخالفون له إلى غيره أولياءه، وقد ضربوا لمخالفته جأشا وعدلوا عن هدى نبيه وطريقته: وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ} «٣».
فأولياء الرحمن المتلبسون بما يحبه وليهم الداعون إليه المحاربون لمن خرج عنه، وأولياء الشيطان المتلبسون بما يحبه ولهم قولا وعملا ويدعون إليه ويحاربون من نهاهم عنه، فإذا رأيت الرجل يحب السماع الشيطاني ومؤذن الشيطان وإخوان الشيطاني ويدعو إلى ما يحبه الشيطان من الشرك والبدع والفجور علمت أنه من أوليائه، فإن اشتبه عليك فاكشفه في ثلاثة مواطن في صلاته ومحبته للسنّة وأهلها ونفرته عنهم ودعوته إلى اللّه ورسله وتجريد التوحيد والمتابعة وتحكيم السنة فزنه بذلك لا تزنه بحال، ولا كشف، ولا خارق ولو مشى على الماء وطار في الهواء.
[فصل: الفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني]
وبهذا يعلم الفرق بين الحال الإيماني والحال الشيطاني فإن الحال الإيماني ثمرة المتابعة للرسول والإخلاص في العمل وتجريد التوحيد ونتيجة منفعة المسلمين في دينهم ودنياهم وهو إنما يصح الاستقامة على السنّة والوقوف مع الأمر والنهي.
والحال الشيطاني نسبته إما شرك أو فجور وهو ينشأ من قرب الشياطين والاتصال بهم ومشابهتهم وهذا الحال يكون لعباد الأصنام والصلبان والنيران والشيطان فإن صاحبه لما عبد الشيطان خلع عليه حالا يصطاد به ضعفاء العقول والإيمان ولا إله إلا اللّه كم هلك بهؤلاء من الخلق: ﴿لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾
فكل حال خرج صاحبه عن حكم الكتاب ما جاء به الرسول فهو شيطاني كائنا ما كان، وقد سمعت بأحوال السحرة وعباد النار وعباد الصليب وكثير ممن ينتسب إلى الإسلام ظاهرا وهو بري ء منه في الباطل له نصيب من هذا الحال بحسب موالاته للشيطان ومعاداته للرحمن، وقد يكون الرجل صادقا ولكن يكون ملبوسا عليه بجهله فيكون حاله شيطانيا مع زهد وعبادة وإخلاص، ولكن ليس عليه الأمر لقلة علمه بأمور الشياطين والملائكة وجهله بحقائق الإيمان، وقد حكى هؤلاء وهؤلاء من ليس منهم بل هو متشبه صاحب مخابيل ومخاريق ووقع الناس في البلاء بسبب عدم التمييز بين هؤلاء وهؤلاء فحسبوا كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة والفرقان أعز ما في العالم وهو نور يقذفه اللّه في القلب يفرق به بين الحق والباطل ويزن به حقائق الأمور خيرها وشرها وصالحان وفاسدان فمن عدم الفرقان وقع ولا بد في إشراك الشيطان فاللّه المستعان وعليه التكلان.
[فصل: الفرق بين الحكم المنزل والحكم المؤول]
والفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع والحكم والمؤول الذي غايته أن يكون جائز الاتباع وأن الحكم المنزل هو الذي أنزله اللّه على رسول وحكم به بين عباده وهو حكمه الذي لا حكم له سواه.
وأما الحكم المؤول فهو من أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها ولا يكفر ولا يفسق من خالفها فإن أصحابها لم يقولوا هذا حكم اللّه ورسوله بل قالوا اجتهدنا برأينا فمن شاء قبله، ولم يلزموا به الأمة بل قال أبو حنيفة هذا رأيي فمن جاءنا بخير منه قبلناه. ولو كان هو عين حكم اللّه لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه، وكذلك مالك استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطأ فمنعه من ذلك وقال: قد تفرق أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في البلاد وصار عند كل قوم فهو عم غير ما عند الآخرين.
وهذا الشافعي ينهي أصحابه عن تقليده ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه، وهذا الإمام أحمد ينكر على من كتب فتاواه ودوّنها ويقول لا تقلدني ولا تقلد فلانا ولا فلانا وخذ من حيث أخذوا.
ولو علموا رضي اللّه عنهم أن أقوالهم يجب اتباعها لحرموا على أصحابهم مخالفتهم ولما ساغ لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء. ولما كان أحدهم يقول القول ثم يفتي بخلافه فيروى عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك فالرأي والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتباعه، والحكم المنزل لا يحل لمسلم أن يخالفه ولا يخرج عنه.
وأما الحكم المبدل وهو الحكم بغير ما أنزل اللّه فلا يحل تنفيذه به ولا يسوغ اتباعه وصاحبه بين الكفر الفسوق والظلم.
والمقصود التنبيه على بعض أحوال النفس المطمئنة واللوّامة والأمّارة وما تشترك فيه النفوس الثلاثة وما يتميز به بعضها من بعض وأفعال كل واحدة منها واختلافها ومقاصدها ونياتها وفي ذلك تنبيه على ما رواه، وهي نفس واحدة تكون أمّارة تارة، ولوّامة أخرى، ومطمئنة أخرى وأكثر الناس الغالب عليهم الأمارة، وأما المطمئنة فهي أقل النفوس البشرية عددا وأعظمها عند اللّه قدرا وهي التي يقال لها: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
واللّه سبحانه وتعالى المسئول المرجو الإجابة أن يجعل نفوسا مطمئنة إليه عاكفة بهمتها عليه، راهبة منه، راغبة فيما لديه، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأن لا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا ولا يجعلنا من الأخْسَرِينَ أعْمالًا ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الأنفال 8:33
وَتَأمَّلْ قَوْله تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ كَيْفَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إذا كانَ وُجُودُ بَدَنِهِ وذاتِهِ فِيهِمْ دَفَعَ عَنْهم العَذابَ وهم أعْداؤُهُ، فَكَيْفَ وُجُودُ سِرِّهِ والإيمانِ بِهِ ومَحَبَّتِهِ ووُجُودُ ما جاءَ بِهِ إذا كانَ في قَوْمٍ أوْ كانَ في شَخْصٍ؟
أفَلَيْسَ دَفْعُهُ العَذابَ عَنْهم بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى؟
[فائدة بديعة لام كي ولام الجحود]
(لام كي والجحود) حرفان ماضيان بإضمار أن إلا أن لام كي هي لام العلة فلا يقع فيها إلا فعل يكون علة لما بعدها فإن كان ذلك الفعل منفيا لم يخرجها عن أن تكون لام كي كما ذهب إليه الصيمري لأن معنى العلة فيها باق وإنما الفرق بين لام الجحود ولام كي وذلك من ستة أوجه:
أحدها: أن لام الجحود يكون قبلها كون منفي بشرط المضي، إما ما كان أو لم يكن، لا مستقبلا، فلا تقول ما أكون لأزورك، وتكون زمانية ناقصة لا تامة.
ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور، لا تقول ما كان زيد عندك ليذهب ولا أمس ليخرج.
فهذه أربعة فروق.
والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض أن كان الزمانية عبارة عن زمان ماض فلا يكون علة لحادث ولا يتعدى إلى المفعول من أجله ولا إلى الحال وظروف المكان وفي تعديها إلى ظرف الزمان نظر وهذا الذي منعها أن تقع قبلها لام العلة أو يقع بعدها المجرور أو الظرف
وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو أن الفعل بعد لام الجحود لا يكون فاعله إلا عائدا على اسم كان لأن الفعل بعدها في موضع الخبر فلا تقول ما كان زيد ليذهب عمرو كما تقول يا زيد ليذهب عمرو أو لتذهب أنت ولكن تقول ما كان ليذهب وما كنت لأفعل.
والفرق السادس جواز إظهار (أن) بعد لام كي، ولا يجوز إظهارها بعد لام الجحود لأنها جرت في كلامهم نفيا للفعل المستقبل بالسين أو سوف فصارت لام الجحود بإزائها فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدها، وفي هذه النكتة مطلع على فوائد من كتاب الله ومرقاة إلى تدبره كقوله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ فجاء بلام الجحود حيث كان نفيا لأمر متوقع وسبب مخوف في المستقبل ثم قال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب بالمستغفرين على العموم في الأقوال لا يخص مضيا من استقبال ومثله: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى﴾ ثم قال: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى﴾ فلاحظ هذه الآية من مطلع الأخرى تجدها كذلك لام العاقبة أو لام الصيرورة.
وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ فهي في الحقيقة لام كي ولكنها تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله سبحانه وتعالى أي فعل الله تعالى ذلك ليكون كذا وكذا وكذلك قولهم أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت ولم تتعلق اللام بالفعل وإنما المعنى قدر الله أنه يعتق ليموت، فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله.
ونظيره «إنِّي أنْسى لِأسُنَّ»
[ضعيفٌ]
ومن رواه «أُنَسَّى» بالتشديد فقد كشف قناعَ المعنى، وسمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله كالتقاط آل فرعون لموسى فإنهم لم يعلموا عاقبته أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو: لدوا للموت وابنوا للخراب
فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة ومن هو على كل شيء قدير فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء.
الأنفال 8:34
(تحقيق معنى الولاية)
قال: ذكر بعضهم أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن ولا يقول: أنا ولي وفرق بينهما فإن الله تعالى أمر من ظهر منه الإيمان أن يسمى مؤمنا قال تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ الآية.
ولم يأمر من ظهر منه ذلك أن يسمى وليا ولا فرق بينهما فإن الله قد وصف الولي بصفة المؤمن فقال: ﴿وَما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلاّ المُتَّقُونَ﴾ وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن ولأنه إنما يكون وليا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن.
قلت: هذه حجة من منع قول القائل: أنا مؤمن بدون استثناء كما لا يقول: أنا ولي ومن فرق بينهما أجاب بأنه لا يمكنه العلم بأنه ولي لأن الولاية هي القرب من الله عز وجل فوليُّ الله هو القريب منه المختص به.
والولاء هو في اللغة القرب، ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات، وله موانع وآفات وقواطع فلا يعلم العبد هل هو ولي الله أم لا وأما الإيمان فهو أن يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ويلتزم أداء فرائضه وترك محارمه وهذا يمكن أن يعلمه من نفسه بل ويعلمه غيره منه.
والذي يظهر لي من ذلك أن ولاية الله تعالى نوعان عامة وخاصة: فالعامة: ولاية كل مؤمن فمن كان مؤمنا لله تقيا كان له وليا، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه، ولا يمتنع في هذه الولاية أن يقول: أنا ولي إن شاء الله كما يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
والولاية الخاصة: إن علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه مؤثِر له على كل ما سواه في جميع حالاته قد صارت مراضي الله ومحابة هي همه ومتعلق خواطره يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه، وإن سخط الخلق فهذا إذا قال: أنا ولي الله كان صادقا.
وقد ذهب المحققون في مسألة (أنا مؤمن) إلى هذا التفصيل بعينه فقالوا:
له أن يقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، ولا يقول: (أنا مؤمن) لأن قوله: (أنا مؤمن) يفيد الإيمان المطلق الكامل الآتي صاحبه بالواجبات، التارك للمحرمات بخلاف قوله: (آمنت بالله) فتأمله.
الأنفال 8:35
قال ابن عباس، وابن عمر، وعطية، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة: "المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق".
وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير، يقال: مكا، يمكو، مكاء، إذا جمع يديه ثم صفر فيهما، ومنه: مكت است الدابة، إذا خرجت منها الريح بصوت. ولهذا جاء على بناء الأصوات، كالرغاء، والعواء، والثغاء.
قال ابن السكيت: الأصوات كلها مضمومة، إلا حرفين: النداء، والغناء.
وأما التصدية: فهي في اللغة: التصفيق، يقال: صدى يصدى تصدية، إذا صفق بيديه.
قال حسان بن ثابت، يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم:
؎إذا قامَ المَلائِكَةُ انْبَعَثْتُمْ ∗∗∗ صَلاتُكُمُ التَّصَدِّى والمُكاءُ
وهكذا الأشباه يكون المسلمون في الصلوات الفرض والتطوع، وهم في الصفير والتصفيق.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون".
وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبي ﷺ في الطواف ويصفرون ويصفقون، يخلطون عليه صلاته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل.
ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.
فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول، وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثاني.
قال ابن عرفة، وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل جفائي صلتي، أي أقام الجفاء مقام الصلة.
والمقصود: أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به أنواعًا من المعاصي قولًا وفعلًا؟
الأنفال 8:38
(فائدة)
الكُفّارُ المُحارِبُونَ إذا اسْتَوْلَوْا عَلى أمْوالِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أسْلَمُوا كانَتْ لَهُمْ، ولَمْ تُرَدَّ إلى المُسْلِمِينَ، لِأنَّها أُخِذَتْ في اللَّهِ، وأُجُورُهم فِيها عَلى اللَّهِ لِما أتْلَفَهُ الكُفّارُ مِن دِمائِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، فالشُّهَداءُ لا يُضْمَنُونَ، ولَوْ أسْلَمَ قاتِلُ الشَّهِيدِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دِيَةٌ ولا كَفّارَةٌ بِالسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ، واتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ أسْلَمَ جَماعَةٌ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ عَرَفَ مَن قَتَلُوهُ مِثْلَ وحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ قاتِلِ حَمْزَةَ ومِثْلَ قاتِلِ النُّعْمانِ بْنِ قَوْقَلٍ وغَيْرِهِما، فَلَمْ يَطْلُبِ النَّبِيُّ ﷺ أحَدًا بِشَيْءٍ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وَكَذَلِكَ المُرْتَدُّونَ: قَدْ أسْلَمَ طُلَيْحَةُ الأسَدِيُّ بَعْدَ رِدَّتِهِ، وقَدْ قَتَلَ عُكاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، فَلَمْ يُضَمِّنْهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وسائِرُ الصَّحابَةِ لا دِيَةً ولا كَفّارَةً.
وَكَذَلِكَ سائِرُ مَن قَتَلَهُ المُرْتَدُّونَ، والمُحارِبُونَ لَمّا عادُوا إلى الإسْلامِ لَمْ يُضَمِّنْهُمُ المُسْلِمُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وَهَذا فِيهِ نِزاعٌ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وطائِفَةٌ مِن أصْحابِهِما يَنْصُرُونَ الضَّمانَ، وكَثِيرٌ مِن مُتَأخِّرِي أصْحابِ أحْمَدَ يَظُنُّ أنَّ هَذا هو ظاهِرُ مَذْهَبِهِ، وأنَّ عَدَمَ الضَّمانِ هو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيزِ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحْمَدَ نَصَّ عَلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وأنَّ أهْلَ الرِّدَّةِ، والمُحارِبِينَ لا يَضْمَنُونَ ما أتْلَفُوهُ مِنَ النُّفُوسِ، والأمْوالِ كَأهْلِ الحَرْبِ الكُفّارِ الأصْلِيِّينَ، فَإنَّ فِيهِنَّ نِزاعًا في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، والصَّوابُ فِيهِمْ: الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِما.
وَكَذَلِكَ البُغاةُ المُتَأوِّلُونَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ كالمُقْتَتِلِينَ " بِالجَمَلِ "
" وصِفِّينَ " لا يُضَمَّنُونَ ما أتْلَفَهُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في القِتالِ، وهَذا هو المَنصُورُ عِنْدَ أصْحابِ أحْمَدَ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: " وقَعَتِ الفِتْنَةُ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوافِرُونَ، فَأجْمَعُوا أنَّ كُلَّ دَمٍ أوْ جُرْحٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ فَإنَّهُ هَدَرٌ، أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ الجاهِلِيَّةِ. " يَعْنِي: لَمّا كانُوا مُتَأوِّلِينَ أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وإنْ كانُوا مُخْطِئِينَ في التَّأْوِيلِ كالكُفّارِ والمُرْتَدِّينَ، وإنَّما يَضْمَنُ مَن كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ، ويُؤاخَذُ كالطّائِفَتَيْنِ المُقْتَتِلَتَيْنِ عَلى عَصَبِيَّةٍ.
وَكُلٌّ مِنهُما يَعْلَمُ أنَّهُ يُقاتِلُ عَصَبِيَّةً لا عَلى حَقٍّ: فَهَؤُلاءِ تَضْمَنُ كُلُّ طائِفَةٍ ما أتْلَفَتْهُ عَلى الأُخْرى، وفي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨].
والمُحارِبُونَ قُطّاعُ الطَّرِيقِ العالِمُونَ بِأنَّ ما فَعَلُوهُ مُحَرَّمٌ يَضْمَنُونَ، وإذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ سَقَطَتْ عَنْهم حُدُودُ اللَّهِ كَما تَسْقُطُ عَنِ الكُفّارِ المُمْتَنِعِينَ إذا أسْلَمُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
الأنفال 8:39
(فائدة)
والفتنة بعشق الصور تنافي أن يكون دين العبد كله الله، بل ينقص من كون دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق.
وربما أخرجت صاحبه من أن يبقى معه شيء من الدين لله. قال تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾.
فناقض بين كون الفتنة وبين كون الدين كله. فكل منهما يناقض الآخر.
والفتنة قد فسرت بالشرك.
فما حصلت به فتنة القلوب فهو إما شرك، وإما من أسباب الشرك.
وهي جنس تحته أنواع من الشبهات، والشهوات.
(فصل)
لفظ (الفتنة) في كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذي لم يفتتن صاحبه، بل خلص من الافتتان. ويراد بها الامتحان الذي حصل معه افتتان.
فمن الأول: قوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠].
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة﴾ [الأنفال:٣٩] وقوله: ﴿ألا فِى الفِتنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩].
ويطلق على ما يتناول الأمرين، كقوله تعالى: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣].
ومنه قول موسى عليه السلام: ﴿إنْ هِى إلا فِتْنَتُكَ تُضِل بها مَن تَشاءُ وتَهْدِى مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي امتحانك وابتلاؤك، تضل بها من وقع فيها، وتهدى من نجا منها.
وتطلق الفتنة على أعم من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إنّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَة﴾ [التغابن: ١٥].
قال مقاتل "أى بلاء، وشغل عن الآخرة. قال ابن عباس: فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى".
وقال الزجاج: أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به، وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، تناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم، إلا من عصمه الله تعالى.
ويشهد لهذا ما روى أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "كان يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إليهما فأخذهما، فوضعهما في حجره على المنبر، وقال: صدق الله: ﴿إنَما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما".
وقال ابن مسعود رضي الله عنه "لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضُلات الفتن".
ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠].
وهذا عام في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟ وامتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار ولكفار بالمؤمنين. وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم، من أتباع الرسل، فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْراَ ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] هؤلاء.
وقالوا لنوح عليه السلام: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣].
فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء؟ فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة.
فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتنّا الَّذِينَ مِن قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].
فالفتنة قسمت الناس، إلى صادقٍ وكاذبٍ ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ. فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها.
فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّار يفُتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هذا الّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٣،: ١٤].
فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَة لِلظّالِمينَ﴾ [الصافات: ٦٣].
قال قتادة: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿إنّها شَجَرَة تَخْرُجُ فِى أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤].
فأخبرهم أن غذاءها من النار، أي غذيت بالنار.
قال ابن قتيبة: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار، ومن جوهرٍ لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها، وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما يُعلم لم تبق على النار، وإنما دلَّنا الله تعالى على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة، وما في الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك.
والمقصود: أن هذه الشجرة فتنة لهم في الدنيا، بتكذيبهم بها، وفتنة لهم في الآخرة بأكلهم منها.
وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، كان فتنة للكفار، حيث قال عدو الله أبو جهل: أيخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم أفيعجز كل مائةٍ منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فقال أبو الأسد: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشى بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبى الأيمن، وتسعة بمنكبى الأيسر في النار، ونمضى فندخل الجنة.
فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم في الدنيا، وفتنة لهم يوم القيامة.
والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل المؤمنون ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال الحنفاء: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٤-٥].
وقال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنْةً لِلْقَوْمِ الظّالمِينَ﴾ [يونس: ٨٥].
قال مجاهد: المعنى، لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.
وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتنوا بذلك.
وقال الفراء: لا تظهر علينا الكفار، فيروا أنهم على حق وأنا على باطل.
وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم.
وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال:
﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ فقال الله تعالى ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرين﴾.
والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك بهم، فكل من النوعين فتنة للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصح وإلا فبسبيل من هلك، ولهذا قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله سلم: "ما تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أضَرَّ مِنَ النِّساءِ عَلى الرِّجالِ" أو كما قال.
فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوى المزين، وقرنائه وما يراه، ويشاهده، مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلا في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به:
؎فَوَ اللهِ لَوْلا اللهُ يُسْعِدُ عَبْدَهُ ∗∗∗ ِتَوْفِيقِه واللهُ بِالعَبْدِ أرْحَمُ
؎لما ثَبَتَ الإيمانُ يَوْماَ بِقَلْبِهِ ∗∗∗ عَلى هذِه العِلاّتِ، والأمْرُ أعْظَمُ
؎وَلا طاوَعَتْهُ النّفْسُ في تَرْكِ شَهْوَةٍ ∗∗∗ مَخافَةَ نارٍ جَمْرها يَتَضَرَّمُ
؎وَلا خافَ يَوْمًا منْ مَقامِ إلهِهِ ∗∗∗ عَلَيْهِ بحُكْمِ القِسْطِ، إذْ لَيْسَ يَظْلِمُ
(فصل)
والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات.
وقد يجتمعان للعبد. وقد ينفرد بإحداهما.
ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إنْ يَتّبِعُونَ إلا الظّنَّ وما تَهْوى الأنُفُسُ﴾ [النجم: ٢٣].
وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فقال: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتّبِعِ الهَوى فَيضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بَما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦].
وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم. فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال.
ولا ينُجى من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دِقِّ الدين وجِلِّه، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام. وما يثبته الله من الصفات والأفعال، والأسماء، وما ينفيه عنه، كما يتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها، ومقادير نُصبُ الزكاة ومستحقيها، ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة، وصوم رمضان، فلا يجعله رسولا في شيء دون شيء من أمور الدين، بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل، لا يتلقى إلا عنه، ولا يؤخذ إلا منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله، وكل ما خرج عنها فهو ضلال، فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عما سواه، ووزنه بما جاء به الرسول، فإن وافقه قبله، لا لكون ذلك القائل قاله، بل لموافقته للرسالة، وإن خالفه رده، ولو قاله من قاله، فهذا الذي ينجيه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه.
وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت خفى على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفساد في الإرادة.
وأما النوع الثاني من الفتنة. ففتنة الشهوات.
وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعْوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩].
أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر، ثم قال وخضتم كالذي خاضوا فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات.
فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان، من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح.
فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني: فسق الأعمال.
فالأول فساد من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات.
ولهذا كان السلف يقولون "احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه".
وكانوا يقولون "احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".
وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل.
فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصل فتنة الشهوة.
ففتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين، فقال: ﴿وَجَعَلْنا مِنّهم أئمِةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
وجمع بينهما أيضًا في قوله: ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].
فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات. وجمع بينهما في قوله:
﴿واذْكْرُ عِبادَنا إبراهيم وإسْحقَ ويَعْقُوبَ أُولِى الأيْدِى والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥].
فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله، والأبصار: البصائر في أمر الله. وعبارات السلف تدور على ذلك.
(فصل)
إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين مطلوبتين، بهما سعادته وفلاحه وكماله. وهما الهدى، والرحمة.
قال تعالى عن موسى وفتاه:
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
فجمع له بين الرحمة والعلم، وذلك نظير قول أصحاب الكهف: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
فإن الرشد هو العلم بما ينفع، والعمل به. والرشد والهدى إذا أفرد كل منها تضمن الآخر، وإذا قرن أحدهما. فالهدى هو العلم بالحق. والرشد هو العمل به وضدهما الغى واتباع الهوى.
الأنفال 8:42
(فصل)
وأما اللام في قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فلام التعليل على بابها فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع أوليائه وأعدائه على غير ميعاد، ونصرة أوليائه مع قلتهم ورقتهم وضعف عددهم وعدتهم على أصحاب الشوكة والعدد والحد والحديد الذي لا يتوهم بشر أنهم ينصرون عليهم، فكانت تلك آية من أعظم آيات الرب سبحانه صدق بها رسوله وكتابه ليهلك بعدها من اختار لنفسه الكفر والعناد عن بينة فلا يكون له على الله حجة، ويحيي من حي بالإيمان بالله ورسوله عن بينة فلا يبقى عنده شك ولا ريب، وهذا من أعظم الحكم، ونظير هذا قوله: ﴿إنْ هو إلاّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾.
الأنفال 8:45
(فصل: من علامات المحبة التي يستدل بها عليها)
ومنها كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه فمن أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال قائلهم
؎ذكرتك والخطي يخطر بيننا ∗∗∗ وقد نهلت منا المثقفة السمر
وقال آخر
؎ولقد ذكرتك والرماح كأنها ∗∗∗ أشطان بئر في لبان الأدهم
؎فوددت تقبيل السيوف لأنها ∗∗∗ برقت كبارق ثغرك المتبسم
وفي بعض الآثار الإلهية إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب وقال بعض المحبين في محبوبه
؎يذكرنيك الخير والشر والذي ∗∗∗ أخاف وأرجو والذي أتوقع
ومن الذكر الدال على صدق المحبة سبق ذكر المحبوب إلى قلب المحب ولسانه عند أول يقظة من منامه وأن يكون ذكره آخر ما ينام عليه كما قال قائلهم
؎آخر شيء أنت في كل هجعة ∗∗∗ وأول شيء أنت وقت هبوبي
وذكر المحبوب لا يكون عن نسيان مستحكم فإن ذكره بالقوة في نفس المحب ولكن لضيق المحل به يرد عليه ما يغيب ذكره فإذا زال الوارد عاد الذكر كما كان وأعلى أنواع ذكر الحبيب أن يحبس المحب لسانه على ذكره ثم يحبس قلبه على لسانه ثم يحبس قلبه ولسانه على شهود مذكوره وكما أن الذكر من نتائج الحب فالحب أيضا من نتائج الذكر فكل منهما يثمر الآخر وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة فصل ومن علاماتها الانقياد لأمر المحبوب وإيثاره على مراد المحب بل يتحد مراد المحب والمحبوب وهذا هو الاتحاد الصحيح لا الاتحاد الذي يقوله إخوان النصارى من الملاحدة.
فلا اتحاد إلا في المراد وهذا الاتحاد علامة المحبة الصادقة بحيث يكون مراد الحبيب والمحب واحدا فليس بمحب صادق من له إرادة تخالف مراد محبوبه منه بل هذا مريد من محبوبه لا مريد له وإن كان مريدا له فليس مريدا لمراده فالمحبون ثلاثة أقسام منهم من يريد من المحبوب ومنهم من يريد المحبوب ومنهم من يريد مراد المحبوب مع إرادته للمحبوب وهذا أعلى أقسام المحبين وزهد هذا أعلى أنواع الزهد فإنه قد إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب
قال الله تعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل
؎تعصي الإله وأنت تزعم حبه ∗∗∗ هذا محال في القياس بديع
؎لو كان حبك صادقا لأطعته ∗∗∗ إن المحب لمن يحب مطيع
الأنفال 8:46
أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو وجندا لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين فقال تعالى ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾
فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة وفازوا بها بنعمة الباطنة والظاهرة وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾.
وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكدا باليمين فقال تعالى ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط فقال تعالى ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين فقال: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعلق الفلاح بالصبر والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾.
وأخبر عن محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون فقال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾.
وأوصى عبادة بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلى الخاشِعِينَ﴾ وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به إلا الصابرون فقال تعالى ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أو لو الصبر المؤمنون فقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم فقال ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وأن هذه الخصلة لا يلقاها ﴿إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾
وأخبر سبحانه مؤكدا بالقسم ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
وقسم خلقه قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة وخص أهل الميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييز لهم بهذا الحظ الموفور فقال في أربع آيات من كتابه ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾
وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر وذلك على من يسره عليه يسير فقال ﴿إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور فقال ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وأمر رسوله بالصبر لحكمه وأخبر أن صبره إنما هو به وبذلك جميع المصائب تهون فقال ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ وقال ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾.
والصبر آخيّة المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها وساق إيمانه الذي اعتماد له الإ عليها فلا إيمان لمن لا صبر له وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف وصاحبه ممن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وأن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ولم يحظ منهما الإ بالصفقة الخاسرة فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلى أعلى المازل بشكرهم فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
الأنفال 8:48
فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك، وقال: أنا جار لكم من بني كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرَّ عنهم، وأسلمهم، كما قال حسان:
؎دَلاهُمُ بِغُرُورٍ، ثُمَّ أسْلَمَهم ∗∗∗ إنَّ الخبِيثَ لمنْ والاهُ غَرّارُ
وتكلم الناس في قول عدو الله ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ فقال قتادة وابن إسحاق: "صدق عدو الله في قوله ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْن﴾ وكذب في قوله ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم.
وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه".
وقالت طائفة: "إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا، كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه، لا أنه خاف عقابه في الآخرة". وهذا أصح، وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة.
قال الكلبي: "خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فلا يطيعونه".
وهذا فاسد، فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلف غير المراد.
وقال عطاء: "إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك"، وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه.
وقال الزجاج وابن الأنباري: "ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر".
زاد ابن الأنباري قال: "أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب، فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه".
[فصل: ظُهُورُ إبْلِيسَ في صُورَةِ سُراقَةَ الكِنانِيِّ ووَسْوَسَتُهُ لِقُرَيْشٍ]
وَلَمّا عَزَمُوا عَلى الخُرُوجِ، ذَكَرُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ، فَتَبَدّى لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سراقة بن مالك المدلجي، وكانَ مِن أشْرافِ بَنِي كِنانَةَ، فَقالَ لَهُمْ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي جارٌ لَكم مِن أنْ تَأْتِيَكم كِنانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا والشَّيْطانُ جارٌ لَهم لا يُفارِقُهُمْ، فَلَمّا تَعَبَّئُوا لِلْقِتالِ، ورَأى عَدُوُّ اللَّهِ جُنْدَ اللَّهِ قَدْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، فَرَّ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالُوا: إلى أيْنَ يا سراقة؟ ألَمْ تَكُنْ قُلْتَ: إنَّكَ جارٌ لَنا لا تُفارِقُنا؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، إنِّي أخافُ اللَّهَ، واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، وصَدَقَ في قَوْلِهِ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وكَذَبَ في قَوْلِهِ: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وقِيلَ: كانَ خَوْفُهُ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَهْلِكَ مَعَهُمْ، وهَذا أظْهَرُ.
وَذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ في " مُعْجَمِهِ الكَبِيرِ " عَنْ رفاعة بن رافع، قالَ: (لَمّا رَأى إبْلِيسُ ما تَفْعَلُ المَلائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، أشْفَقَ أنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إلَيْهِ، فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وهو يَظُنُّهُ سراقة بن مالك، فَوَكَزَ في صَدْرِ الحارث فَألْقاهُ، ثُمَّ خَرَجَ هارِبًا حَتّى ألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ، ورَفَعَ يَدَيْهِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَظْرَتَكَ إيّايَ، وخافَ أنْ يَخْلُصَ إلَيْهِ القَتْلُ، فَأقْبَلَ أبو جهل بن هشام، فَقالَ: يا مَعْشَرَ النّاسِ! لا يَهْزِمَنَّكم خِذْلانُ سراقة إيّاكُمْ، فَإنَّهُ كانَ عَلى ميعاد مِن مُحَمَّدٍ، ولا يَهُولَنَّكم قَتْلُ عتبة وشيبة والوليد فَإنَّهم قَدْ عُجِّلُوا، فَواللّاتِ والعُزّى، لا نَرْجِعُ حَتّى نَقْرِنَهم بِالحِبالِ، ولا أُلْفِيَنَّ رَجُلًا مِنكم قَتَلَ رَجُلًا مِنهُمْ، ولَكِنْ خُذُوهم أخْذًا حَتّى نُعَرِّفَهم سُوءَ صَنِيعِهِمْ).
وَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ قِلَّةَ حِزْبِ اللَّهِ وكَثْرَةَ أعْدائِهِ، ظَنُّوا أنَّ الغَلَبَةَ إنَّما هي بِالكَثْرَةِ، وقالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ النَّصْرَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لا بِالكَثْرَةِ، ولا بِالعَدَدِ، واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ، حَكِيمٌ يَنْصُرُ مَن يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا، فَعِزَّتُهُ وحِكْمَتُهُ أوْجَبَتْ نَصْرَ الفِئَةِ المُتَوَكِّلَةِ عَلَيْهِ.
وَلَمّا دَنا العَدُوُّ وتَواجَهَ القَوْمُ، «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ، فَوَعَظَهُمْ، وذَكَّرَهم بِما لَهم في الصَّبْرِ والثَّباتِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ العاجِلِ، وثَوابِ اللَّهِ الآجِلِ، وأخْبَرَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ أوْجَبَ الجَنَّةَ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ في سَبِيلِهِ، فَقامَ عمير بن الحمام، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ؟ قالَ: " نَعَمْ ". قالَ: بَخٍ بَخٍ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ما يَحْمِلُكَ عَلى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ قالَ: لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا رَجاءَ أنْ أكُونَ مِن أهْلِها، قالَ: " فَإنَّكَ مِن أهْلِها " قالَ: فَأخْرَجَ تَمَراتٍ مِن قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنهُنَّ، ثُمَّ قالَ: لَئِنْ حَيِيتُ حَتّى آكُلَ تَمَراتِي هَذِهِ، إنَّها لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمى بِما كانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قاتَلَ حَتى قُتِلَ. فَكانَ أوَّلَ قَتِيلٍ».
وَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِلْءَ كَفِّهِ مِنَ الحَصْباءِ، فَرَمى بِها وُجُوهَ العَدُوِّ، فَلَمْ تَتْرُكْ رَجُلًا مِنهم إلّا مَلَأتْ عَيْنَيْهِ، وشُغِلُوا بِالتُّرابِ في أعْيُنِهِمْ، وشُغِلَ المُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِ هَذِهِ الرَّمْيَةِ عَلى رَسُولِهِ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧].
الأنفال 8:49
فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك، وقال: أنا جار لكم من بني كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدو الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرَّ عنهم، وأسلمهم، كما قال حسان:
؎دَلاهُمُ بِغُرُورٍ، ثُمَّ أسْلَمَهم ∗∗∗ إنَّ الخبِيثَ لمنْ والاهُ غَرّارُ
وتكلم الناس في قول عدو الله ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ فقال قتادة وابن إسحاق: "صدق عدو الله في قوله ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْن﴾ وكذب في قوله ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة فأوردهم وأسلمهم.
وكذلك عادة عدو الله بمن أطاعه".
وقالت طائفة: "إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا، كما يخاف الكافر والفاجر أن يقتل أو يؤخذ بجرمه، لا أنه خاف عقابه في الآخرة". وهذا أصح، وهذا الخوف لا يستلزم إيمانا ولا نجاة.
قال الكلبي: "خاف أن يأخذه جبريل فيعرفهم حاله فلا يطيعونه".
وهذا فاسد، فإنه إنما قال لهم ذلك بعد أن فر ونكص على عقبيه، إلا أن يريد أنه إذا عرف المشركون أن الذي أجارهم وأوردهم إبليس لم يطيعوه فيما بعد ذلك، وقد أبعد النجعة إن أراد ذلك، وتكلف غير المراد.
وقال عطاء: "إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك"، وهذا خوف هلاك الدنيا فلا ينفعه.
وقال الزجاج وابن الأنباري: "ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر".
زاد ابن الأنباري قال: "أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب، فإنه لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى، فقال ما قال إشفاقا على نفسه".
[فصل: ظُهُورُ إبْلِيسَ في صُورَةِ سُراقَةَ الكِنانِيِّ ووَسْوَسَتُهُ لِقُرَيْشٍ]
وَلَمّا عَزَمُوا عَلى الخُرُوجِ، ذَكَرُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ، فَتَبَدّى لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ سراقة بن مالك المدلجي، وكانَ مِن أشْرافِ بَنِي كِنانَةَ، فَقالَ لَهُمْ: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي جارٌ لَكم مِن أنْ تَأْتِيَكم كِنانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا والشَّيْطانُ جارٌ لَهم لا يُفارِقُهُمْ، فَلَمّا تَعَبَّئُوا لِلْقِتالِ، ورَأى عَدُوُّ اللَّهِ جُنْدَ اللَّهِ قَدْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، فَرَّ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، فَقالُوا: إلى أيْنَ يا سراقة؟ ألَمْ تَكُنْ قُلْتَ: إنَّكَ جارٌ لَنا لا تُفارِقُنا؟ فَقالَ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، إنِّي أخافُ اللَّهَ، واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ، وصَدَقَ في قَوْلِهِ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وكَذَبَ في قَوْلِهِ: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وقِيلَ: كانَ خَوْفُهُ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَهْلِكَ مَعَهُمْ، وهَذا أظْهَرُ.
وَذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ في " مُعْجَمِهِ الكَبِيرِ " عَنْ رفاعة بن رافع، قالَ: (لَمّا رَأى إبْلِيسُ ما تَفْعَلُ المَلائِكَةُ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، أشْفَقَ أنْ يَخْلُصَ القَتْلُ إلَيْهِ، فَتَشَبَّثَ بِهِ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وهو يَظُنُّهُ سراقة بن مالك، فَوَكَزَ في صَدْرِ الحارث فَألْقاهُ، ثُمَّ خَرَجَ هارِبًا حَتّى ألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ، ورَفَعَ يَدَيْهِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَظْرَتَكَ إيّايَ، وخافَ أنْ يَخْلُصَ إلَيْهِ القَتْلُ، فَأقْبَلَ أبو جهل بن هشام، فَقالَ: يا مَعْشَرَ النّاسِ! لا يَهْزِمَنَّكم خِذْلانُ سراقة إيّاكُمْ، فَإنَّهُ كانَ عَلى ميعاد مِن مُحَمَّدٍ، ولا يَهُولَنَّكم قَتْلُ عتبة وشيبة والوليد فَإنَّهم قَدْ عُجِّلُوا، فَواللّاتِ والعُزّى، لا نَرْجِعُ حَتّى نَقْرِنَهم بِالحِبالِ، ولا أُلْفِيَنَّ رَجُلًا مِنكم قَتَلَ رَجُلًا مِنهُمْ، ولَكِنْ خُذُوهم أخْذًا حَتّى نُعَرِّفَهم سُوءَ صَنِيعِهِمْ).
وَلَمّا رَأى المُنافِقُونَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ قِلَّةَ حِزْبِ اللَّهِ وكَثْرَةَ أعْدائِهِ، ظَنُّوا أنَّ الغَلَبَةَ إنَّما هي بِالكَثْرَةِ، وقالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ النَّصْرَ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لا بِالكَثْرَةِ، ولا بِالعَدَدِ، واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالَبُ، حَكِيمٌ يَنْصُرُ مَن يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا، فَعِزَّتُهُ وحِكْمَتُهُ أوْجَبَتْ نَصْرَ الفِئَةِ المُتَوَكِّلَةِ عَلَيْهِ.
وَلَمّا دَنا العَدُوُّ وتَواجَهَ القَوْمُ، «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ، فَوَعَظَهُمْ، وذَكَّرَهم بِما لَهم في الصَّبْرِ والثَّباتِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ العاجِلِ، وثَوابِ اللَّهِ الآجِلِ، وأخْبَرَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ أوْجَبَ الجَنَّةَ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ في سَبِيلِهِ، فَقامَ عمير بن الحمام، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ؟ قالَ: " نَعَمْ ". قالَ: بَخٍ بَخٍ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ما يَحْمِلُكَ عَلى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟ قالَ: لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا رَجاءَ أنْ أكُونَ مِن أهْلِها، قالَ: " فَإنَّكَ مِن أهْلِها " قالَ: فَأخْرَجَ تَمَراتٍ مِن قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنهُنَّ، ثُمَّ قالَ: لَئِنْ حَيِيتُ حَتّى آكُلَ تَمَراتِي هَذِهِ، إنَّها لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمى بِما كانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قاتَلَ حَتى قُتِلَ. فَكانَ أوَّلَ قَتِيلٍ».
وَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِلْءَ كَفِّهِ مِنَ الحَصْباءِ، فَرَمى بِها وُجُوهَ العَدُوِّ، فَلَمْ تَتْرُكْ رَجُلًا مِنهم إلّا مَلَأتْ عَيْنَيْهِ، وشُغِلُوا بِالتُّرابِ في أعْيُنِهِمْ، وشُغِلَ المُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِ هَذِهِ الرَّمْيَةِ عَلى رَسُولِهِ: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧].
الأنفال 8:53
[فَصْلٌ المَعاصِي تُزِيلُ النِّعَمَ]
وَمِن عُقُوباتِ الذُّنُوبِ: أنَّها تُزِيلُ النِّعَمَ، وتُحِلُّ النِّقَمَ، فَما زالَتْ عَنِ العَبْدِ نِعْمَةٌ إلّا بِذَنْبٍ، ولا حَلَّتْ بِهِ نِقْمَةٌ إلّا بِذَنْبٍ، كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ما نَزَلْ بَلاءٌ إلّا بِذَنْبٍ، ولا رُفِعَ إلّا بِتَوْبَةٍ.
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
وَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣].
فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُغَيِّرُ نِعَمَهُ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى أحَدٍ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يُغَيِّرُ ما بِنَفْسِهِ، فَيُغَيِّرُ طاعَةَ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ، وشُكْرَهُ بِكُفْرِهِ، وأسْبابَ رِضاهُ بِأسْبابِ سُخْطِهِ، فَإذا غَيَّرَ غَيَّرَ عَلَيْهِ، جَزاءً وِفاقًا، وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ.
فَإنْ غَيَّرَ المَعْصِيَةَ بِالطّاعَةِ، غَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ العُقُوبَةَ بِالعافِيَةِ، والذُّلَّ بِالعِزِّ.
وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١].
وَفِي بَعْضِ الآثارِ الإلَهِيَّةِ، عَنِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ قالَ: «وَعِزَّتِي وجَلالِي، لا يَكُونُ عَبْدٌ مِن عَبِيدِي عَلى ما أُحِبُّ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلى ما أكْرَهُ، إلّا انْتَقَلْتُ لَهُ مِمّا يُحِبُّ إلى ما يَكْرَهُ، ولا يَكُونُ عَبْدٌ مِن عَبِيدِي عَلى ما أكْرَهُ، فَيَنْتَقِلُ عَنْهُ إلى ما أُحِبُّ، إلّا انْتَقَلْتُ لَهُ مِمّا يَكْرَهُ إلى ما يُحِبُّ».
وَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ:
؎إذا كُنْتَ في نِعْمَةٍ فارْعَها ∗∗∗ فَإنَّ الذُّنُوبَ تُزِيلُ النِّعَمْ
؎وَحُطْها بِطاعَةِ رَبِّ العِبا ∗∗∗ دِ فَرَبُّ العِبادِ سَرِيعُ النِّقَمْ
؎وَإيّاكَ والظُّلْمَ مَهْما اسْتَطَعْ ∗∗∗ تَ فَظُلْمُ العِبادِ شَدِيدُ الوَخَمْ
؎وَسافِرْ بِقَلْبِكَ بَيْنَ الوَرى ∗∗∗ لِتَبْصُرَ آثارَ مَن قَدْ ظَلَمْ
؎فَتِلْكَ مَساكِنُهم بَعْدَهم ∗∗∗ شُهُودٌ عَلَيْهِمْ ولا تَتَّهِمْ
؎وَما كانَ شَيْءٌ عَلَيْهِمْ أضَ ∗∗∗ رَّ مِنَ الظُّلْمِ وهو الَّذِي قَدْ قَصَمْ
؎فَكَمْ تَرَكُوا مِن جِنانٍ ومِن ∗∗∗ قُصُورٍ وأُخْرى عَلَيْهِمْ أُطُمْ
؎صَلَوْا بِالجَحِيمِ وفاتَ النَّعِي ∗∗∗ مُ وكانَ الَّذِي نالَهم كالحُلُمْ
(فصل آخر)
المَعاصِي تُزِيلُ النِّعَمَ ومِن عُقُوباتِها أنَّها تُزِيلُ النِّعَمَ الحاضِرَةَ، وتَقْطَعُ النِّعَمَ الواصِلَةَ، فَتُزِيلُ الحاصِلَ، وتَمْنَعُ الواصِلَ، فَإنَّ نِعَمَ اللَّهِ ما حُفِظَ مَوْجُودُها بِمِثْلِ طاعَتِهِ، ولا اسْتُجْلِبَ مَفْقُودُها بِمِثْلِ طاعَتِهِ، فَإنَّ ما عِنْدَهُ لا يُنالُ إلّا بِطاعَتِهِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا وآفَةً، سَبَبًا يَجْلِبُهُ، وآفَةً تُبْطِلُهُ، فَجَعَلَ أسْبابَ نِعَمِهِ الجالِبَةِ لَها طاعَتَهُ، وآفاتِها المانِعَةَ مِنها مَعْصِيَتَهُ، فَإذا أرادَ حِفْظَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ ألْهَمَهُ رِعايَتَها بِطاعَتِهِ فِيها، وإذا أرادَ زَوالَها عَنْهُ خَذَلَهُ حَتّى عَصاهُ بِها.
وَمِنَ العَجَبِ عِلْمُ العَبْدِ بِذَلِكَ مُشاهَدَةً في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ، وسَماعًا لِما غابَ عَنْهُ مِن أخْبارِ مَن أُزِيلَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَنْهم بِمَعاصِيهِ، وهو مُقِيمٌ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، كَأنَّهُ مُسْتَثْنًى مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ، أوْ مَخْصُوصٌ مِن هَذا العُمُومِ، وكَأنَّ هَذا أمْرٌ جارٍ عَلى النّاسِ لا عَلَيْهِ، وواصِلٌ إلى الخَلْقِ لا إلَيْهِ، فَأيُّ جَهْلٍ أبْلَغُ مِن هَذا؟ وأيُّ ظُلْمٍ لِلنَّفْسِ فَوْقَ هَذا؟ فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ.
(فائِدَة)
من الآفات الخفية العامَّة أن يكون العَبْد في نعْمَة أنعم الله بها عَلَيْهِ واختارها لَهُ فيملها العَبْد ويطْلب الِانْتِقال مِنها إلى ما يزْعم لجهله أنه خير لَهُ مِنها وربه برحمته لا يُخرجهُ من تِلْكَ النِّعْمَة وبعذره بجهله وسُوء اخْتِياره لنَفسِهِ حَتّى إذا ضاقَ ذرعا بِتِلْكَ النِّعْمَة وسخطها وتبرّم بها واستحكم ملكه لَها سلبه الله إيّاها فَإذا انْتقل إلى ما طلبه ورَأى التَّفاوُت بَين ما كانَ فِيهِ وما صار إلَيْهِ اشْتَدَّ قلقه وندمه وطلب العودة إلى ما كانَ فِيهِ فَإذا أرادَ الله بِعَبْدِهِ خيرا ورشدا أشهده أن ما هو فِيهِ نعْمَة من نعمه عَلَيْهِ ورضاهُ بِهِ وأوزعه شكره عَلَيْهِ فَإذا حدثته نَفسه بالانتقال عَنهُ استخار ربه استخارة جاهِل بمصلحته عاجز عَنْها مفوض إلى الله طالب مِنهُ حسن اخْتِياره لَهُ ولَيْسَ على العَبْد أضرّ من ملله لنعم الله فَإنَّهُ لا يَراها نعْمَة ولا يشكره عَلَيْها ولا يفرح بها بل يسخطها ويشكوها ويعدّها مُصِيبَة هَذا وهِي من أعظم نعم الله عَلَيْهِ فَأكْثر النّاس أعداء نعم الله عَلَيْهِم ولا يَشْعُرُونَ بِفَتْح الله عَلَيْهِم نعمه وهم مجتهدون في دَفعها وردها جهلا وظلما فكم من سعت إلى أحدهم من نعْمَة وهو ساع في ردها بِجهْدِهِ وكم وصلت إلَيْهِ وهو ساع في دَفعها وزوالها بظلمه وجهله قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ وقالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ فَلَيْسَ للنعم أعدى من نفس العَبْد فَهو مَعَ عدوه ظهير على نَفسه فعدوه يطْرَح النّار في نعمه وهو ينْفخ فِيها فَهو الَّذِي مكّنه من طرح النّار ثمَّ أعانَهُ بالنفخ فَإذا اشتدّ ضرامها اسْتَغاثَ من الحَرِيق وكانَ غايَته معاتبة الأقدار
؎وعاجز الرَّأْي مضياع لفرصته ∗∗∗ حَتّى إذا فاتَ أمر عاتب القدرا
(فصل)
اعلم أن هناك أمرين لا ثالث لهما: أحدهما أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك وأنت المعوِّق لوصول فضله إليك وأنت حجر في طريق نفسك، وهذا هو الأغلب على الخليقة، فإن الله سبحانه فيما قضى قضى به أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، وأنه ما استجلبت نعم الله بغير طاعته، ولا استديمت بغير شكره، ولا عوقت وامتنعت بغير معصيته، وكذلك إذا أنعم عليك ثم سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك وإنما أنت المسبب في سلبها عنك، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: ﴿ذَلِكَ بِأنّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نّعْمَةً أنْعَمَها عَلىَ قَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ ما بِأنْفُسِهِمْ وأنّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٥٣]، فما أُزيلت نعم الله بغير معصيته:
؎إذا كُنْتَ فِى نِعْمَةٍ فارْعَها ∗∗∗ فَإنَّ المعاصِى تُزِيلُ النِّعَم
فآقتك من نفسك، وبلاؤك من نفسك، وأنت في الحقيقة الذي بالغت في عداوتك، وبلغت من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدو منك، كما قيل:
؎ما يَبْلُغُ الأعْداءُ مِن جاهِلٍ ∗∗∗ ما يَبْلُغُ الجاهِلُ مِن نَفْسهِ
ومن العجب أن هذا شأْنك مع نفسك وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية، وتتهم أقداره وتعانيها وتلومها، فقد ضيعت فرصتك وفرطت في حظك، وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثم قعدت تعاتب القدر بلسان الحال والقال، فأنت المعنى بقول القائل:
؎وعاجز الرأي مضياع لفرصته ∗∗∗ حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
ولو شعرت برأْيك، وعلمت من أين دهيت ومن أين أُصبت، لأمكنك تدارك ذلك، ولكن قد فسدت الفطرة وانتكس القلب وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه فأعرضت عمن هو أصل بلائك ومصيبتك منه وأقبلت تشكو من كل إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه فإذا شكوته إلى خلقه كنت كما قال بعض العارفين - وقد رأى رجلًا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به - فقال: يا هذا تشكو من يرحمك، إلى من لا يرحمك.
؎وإذا أتَتْكَ مصيبة فاصبر لها ∗∗∗ صبر الكريم فإنه بك أرحم
؎وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ∗∗∗ تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
وإذا علم العبد حقيقة الأمر، وعرف من أين أُتى ومن أي الطرق أُغير على سرحه ومن أي ثغرة سرق متاعه وسلب استحى من نفسه - إن لم يستح من الله - أن يشكو أحدًا من خلقه أو يتظلمهم أو يرى مصيبته وآفته من غيره، قال تعالى ﴿وَمَآ أصابَكم مّن مّصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال: ﴿أوَ لَمّا أصابَتْكم مّصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مّثْلَيْها قُلْتُمْ أنّىَ هَذا قُلْ هو مِن عِندِ أنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال: ﴿مّآ أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ ومَآ أصابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
الأنفال 8:60
قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾
فيهم قولان أحدهما: أنهم الجن المظاهرون لأعدائهم من الإنس على محاربة الله ورسوله وعلى هذا فالآية نص في أن العلم فيها بمعنى المعرفة ولا يمكن أن يقال إنهم كانوا عارفين بأشخاص أولئك جاهلين عداوتهم كما أمكن مثله في الإنس والقول الثاني: أنهم المنافقون وعلى هذا فقوله ﴿لا تعلمونهم﴾ إنما ينبغي حمله على معرفة أشخاصهم لا على معرفة نفاقهم لأنهم كانوا عالمين بنفاق كثير من المنافقين يعلمون نفاقهم ولا يشكون فيه فلا يجوز أن ينفي عنهم علم ما هم عالمون به وإنما ينفي عنهم معرفة أشخاص من هذا الضرب فيكون كقوله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ فتأمله.
(فائدة)
وَكانَ شَيْخِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: " لا يُمْنَعُ أهْلُ الذِّمَّةِ مِن رُكُوبِ جِنْسِ الخَيْلِ، فَلَوْ رَكِبُوا البَراذِينَ الَّتِي لا زِينَةَ فِيها والبِغالَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلا مَنعَ، والحِمارُ الَّذِي تَبْلُغُ قِيمَتُهُ مَبْلَغًا إذا رَكِبَهُ واحِدٌ مِنهم لَمْ أرَ لِلْأصْحابِ فِيهِ مَنعًا، ولَعَلَّهم نَظَرُوا إلى الجِنْسِ، ومِنَ الكَلامِ الشّائِعِ: رُكُوبُ الحِمارِ ذُلٌّ ورُكُوبُ الخَيْلِ عِزٌّ "، انْتَهى.
وَقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ: " ولا يَرْكَبُوا أصْلًا فَرَسًا، وإنَّما يَرْكَبُونَ البِغالَ والحَمِيرَ ".
قالَ أصْحابُهُ: فَتُمْنَعُ أهْلُ الذِّمَّةِ مِن رُكُوبِ الفَرَسِ؛ إذْ في رُكُوبِها الفَضِيلَةُ العَظِيمَةُ والعِزُّ، وهي مَراكِبُ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَحْمُونَ حَوْزَةَ الإسْلامِ ويَذُبُّونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ.
قالَ تَعالى: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ فَجُعِلَ رِباطُ الخَيْلِ لِأجْلِ إرْهابِ الكُفّارِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُمَكَّنُوا مِن رُكُوبِها إذْ فِيهِ إرْهابُ المُسْلِمِينَ.
وَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» ". الأجْرُ والمَغْنَمُ وأهْلُ الجِهادِ هم أهْلُ الخَيْلِ والخَيْرِ لِاسْتِعْمالِهِمُ الخَيْلَ في الجِهادِ، فَهم أحَقُّ بِرُكُوبِ ما عُقِدَ الخَيْرُ بِنَواصِيها مِنَ المَراكِبِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ الخَيْلَ كانَتْ وحْشًا في البَرارِي وأوَّلُ مَن أنَّسَها ورَكِبَها إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ، فَهي مِن مَراكِبِ بَنِي إسْماعِيلَ، وبِها أقامُوا دِينَ الحَنِيفِيَّةِ، وعَلَيْها قاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعْداءَ اللَّهِ، وعَلَيْها فَتَحَ الصَّحابَةُ الفُتُوحَ ونَصَرُوا الإسْلامَ، فَما لِأعْداءِ اللَّهِ الَّذِينَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ولِرُكُوبِها!.
وَقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " لا تُعِزُّوهم وقَدْ أذَلَّهُمُ اللَّهُ، ولا تُقَرِّبُوهم وقَدْ أقْصاهم ".
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخَيْلِ والإبِلِ في الزَّكاةِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " أوْجَبَ الزَّكاةَ في خَمْسٍ مِن الإبِلِ وأسْقَطَها عَنْ آلافٍ مِن الخَيْلِ " فَلَعَمْرُ اللَّهِ إنّهُ أوْجَبَ الزَّكاةَ في هَذا الجِنْسِ دُونَ هَذا كَما في سُنَنِ أبِي داوُد مِن حَدِيثِ عاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ عَفَوْت عَنْ الخَيْلِ والرَّقِيقِ، فَهاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَّةِ؛ مِن كُلِّ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، ولَيْسَ في تِسْعِينَ ومِائَةٍ شَيْءٌ، فَإذا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيها خَمْسَةُ دَراهِمَ» ورَواهُ سُفْيانُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ.
وَقالَ بَقِيَّةُ: حَدَّثَنِي أبُو مُعاذٍ الأنْصارِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «عَفَوْت لَكم عَنْ صَدَقَةِ الجَبْهَةِ، والكَسْعَةِ والنُّخَّةِ» قالَ بَقِيَّةُ: الجَبْهَةُ: الخَيْلُ، والكَسْعَةُ: البِغالُ والحَمِيرُ، والنُّخَّةُ: المُرَبَّياتُ في البُيُوتِ، وفي كِتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: " لا صَدَقَةَ في الجَبْهَةِ والكَسْعَةِ، والكَسْعَةُ الحَمِيرُ، والجَبْهَةُ: الخَيْلُ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لَيْسَ عَلى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ ولا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»
والفَرْقُ بَيْنَ الخَيْلِ والإبِلِ أنَّ الخَيْلَ تُرادُ لِغَيْرِ ما تُرادُ لَهُ الإبِلُ؛ فَإنَّ الإبِلَ تُرادُ لَلدَّرِّ والنَّسْلِ والأكْلِ وحَمْلِ الأثْقالِ والمَتاجِرِ والِانْتِقالِ عَلَيْها مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وأمّا الخَيْلُ فَإنَّما خُلِقَتْ لِلْكَرِّ والفَرِّ والطَّلَبِ والهَرَبِ، وإقامَةِ الدِّينِ، وجِهادِ أعْدائِهِ.
وَلِلشّارِعِ قَصْدٌ أكِيدٌ في اقْتِنائِها وحِفْظِها والقِيامِ عَلَيْها، وتَرْغِيبِ النُّفُوسِ في ذَلِكَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، ولِذَلِكَ عَفا عَنْ أخْذِ الصَّدَقَةِ مِنها؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أرْغَبَ لِلنُّفُوسِ فِيما يُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن اقْتِنائِها ورِباطِها، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾
فَرِباطُ الخَيْلِ مِن جِنْسِ آلاتِ السِّلاحِ والحَرْبِ، فَلَوْ كانَ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنها ما عَساهُ أنْ يَكُونَ ولَمْ يَكُنْ لِلتِّجارَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكاةٌ، بِخِلافِ ما أُعِدَّ لِلنَّفَقَةِ؛ فَإنَّ الرَّجُلَ إذا مَلَكَ مِنهُ نِصابًا فَفِيهِ الزَّكاةُ، وقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هَذا بِعَيْنِهِ في قَوْلِهِ: «قَدْ عَفَوْت لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ، فَهاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَّةِ» أفَلا تَراهُ كَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَ ما أُعِدَّ لِلْإنْفاقِ وبَيْنَ ما أُعِدَّ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ ونَصْرِ دِينِهِ وجِهادِ أعْدائِهِ؟ فَهو مِن جِنْسِ السُّيُوفِ والرِّماحِ والسِّهامِ، وإسْقاطُ الزَّكاةِ في هَذا الجِنْسِ مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ وكَمالِها.
الأنفال 8:64
أيِ: اللَّهُ وحْدَهُ كافِيكَ، وكافِي أتْباعَكَ، فَلا تَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى أحَدٍ.
وَهُنا تَقْدِيرانِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً لِـ" مَن " عَلى الكافِ المَجْرُورَةِ، ويَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ عَلى المَذْهَبِ المُخْتارِ، وشَواهِدُهُ كَثِيرَةٌ وشُبَهُ المَنعِ مِنهُ واهِيَةٌ.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ " مَعَ " وتَكُونَ " مَن " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ، فَإنَّ " حَسْبَكَ " في مَعْنى " كافِيكَ " أيِ اللَّهُ يَكْفِيكَ ويَكْفِي مَنِ اتَّبَعَكَ كَما تَقُولُ العَرَبُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا ∗∗∗ فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
وَهَذا أصَحُّ التَّقْدِيرَيْنِ.
وَفِيها تَقْدِيرٌ ثالِثٌ: أنْ تَكُونَ " مَن " في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، أيْ: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَحَسْبُهُمُ اللَّهُ.
وَفِيها تَقْدِيرٌ رابِعٌ، وهو خَطَأٌ مِن جِهَةِ المَعْنى: وهو أنْ تَكُونَ " مَن " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وأتْباعُكَ، وهَذا وإنْ قالَهُ بَعْضُ النّاسِ فَهو خَطَأٌ مَحْضٌ لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ " الحَسْبَ " و" الكِفايَةَ " لِلَّهِ وحْدَهُ، كالتَّوَكُّلِ والتَّقْوى والعِبادَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].
فَفَرَّقَ بَيْنَ الحَسْبِ والتَّأْيِيدِ، فَجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ، وجَعَلَ التَّأْيِيدَ لَهُ بِنَصْرِهِ وبِعِبادِهِ، وأثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ مِن عِبادِهِ حَيْثُ أفْرَدُوهُ بِالحَسْبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وَلَمْ يَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَإذا كانَ هَذا قَوْلَهُمْ، ومَدَحَ الرَّبُّ تَعالى لَهم بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَسُولِهِ: اللَّهُ وأتْباعُكَ حَسْبُكَ، وأتْباعُهُ قَدْ أفْرَدُوا الرَّبَّ تَعالى بِالحَسْبِ، ولَمْ يُشْرِكُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِهِ فِيهِ، فَكَيْفَ يُشْرِكُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في حَسْبِ رَسُولِهِ؟! هَذا مِن أمْحَلِ المُحالِ وأبْطَلِ الباطِلِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩].
فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ الإيتاءَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
وَجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: وقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، بَلْ جَعَلَهُ خالِصَ حَقِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾.
وَلَمْ يَقُلْ: وإلى رَسُولِهِ، بَلْ جَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ وحْدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ - وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧-٨].
فالرَّغْبَةُ والتَّوَكُّلُ والإنابَةُ والحَسْبُ لِلَّهِ وحْدَهُ، كَما أنَّ العِبادَةَ والتَّقْوى والسُّجُودَ لِلَّهِ وحْدَهُ، والنَّذْرُ والحَلِفُ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
وَنَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].
فالحَسْبُ: هو الكافِي، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ وحْدَهُ كافٍ عَبْدَهُ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ أتْباعَهُ مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الكِفايَةِ؟! والأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّأْوِيلِ الفاسِدِ أكْثَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ هاهُنا.
والمَقْصُودُ أنَّ بِحَسَبِ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ تَكُونُ العِزَّةُ والكِفايَةُ والنُّصْرَةُ، كَما أنَّ بِحَسَبِ مُتابَعَتِهِ تَكُونُ الهِدايَةُ والفَلاحُ والنَّجاةُ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَّقَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ بِمُتابَعَتِهِ، وجَعَلَ شَقاوَةَ الدّارَيْنِ في مُخالَفَتِهِ، فَلِأتْباعِهِ الهُدى والأمْنُ والفَلاحُ والعِزَّةُ والكِفايَةُ والنُّصْرَةُ والوِلايَةُ والتَّأْيِيدُ وطِيبُ العَيْشِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولِمُخالِفِيهِ الذِّلَّةُ والصَّغارُ والخَوْفُ والضَّلالُ والخِذْلانُ والشَّقاءُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقَدْ أقْسَمَ ﷺ بِأنْ «لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ هو أحَبَّ إلَيْهِ مِن ولَدِهِ ووالِدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» وأقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ لا يُؤْمِنَ مَن لا يُحَكِّمَهُ في كُلِّ ما تَنازَعَ فِيهِ هو وغَيْرُهُ، ثُمَّ يَرْضى بِحُكْمِهِ، ولا يَجِدَ في نَفْسِهِ حَرَجًا مِمّا حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ لَهُ تَسْلِيمًا ويَنْقادَ لَهُ انْقِيادًا. وقالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فَقَطَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّخْيِيرَ بَعْدَ أمْرِهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، فَلَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَخْتارَ شَيْئًا بَعْدَ أمْرِهِ ﷺ، بَلْ إذا أمَرَ فَأمْرُهُ حَتْمٌ، وإنَّما الخِيَرَةُ في قَوْلِ غَيْرِهِ إذا خَفِيَ أمْرُهُ وكانَ ذَلِكَ الغَيْرُ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهِ وبِسُنَّتِهِ، فَبِهَذِهِ الشُّرُوطِ يَكُونُ قَوْلُ غَيْرِهِ سائِغَ الِاتِّباعِ، لا واجِبَ الِاتِّباعِ، فَلا يَجِبُ عَلى أحَدٍ اتِّباعُ قَوْلِ أحَدٍ سِواهُ، بَلْ غايَتُهُ أنَّهُ يَسُوغُ لَهُ اتِّباعُهُ، ولَوْ تَرَكَ الأخْذَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ عاصِيًا لِلَّهِ ورَسُولِهِ. فَأيْنَ هَذا مِمَّنْ يَجِبُ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ اتِّباعُهُ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُخالَفَتُهُ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ كُلِّ قَوْلٍ لِقَوْلِهِ؟ فَلا حُكْمَ لِأحَدٍ مَعَهُ، ولا قَوْلَ لِأحَدٍ مَعَهُ، كَما لا تَشْرِيعَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وكُلُّ مَن سِواهُ، فَإنَّما يَجِبُ اتِّباعُهُ عَلى قَوْلِهِ إذا أمَرَ بِما أمَرَ بِهِ، ونَهى عَمّا نَهى عَنْهُ، فَكانَ مُبَلِّغًا مَحْضًا ومُخْبِرًا لا مُنْشِئًا ومُؤَسِّسًا، فَمَن أنْشَأ أقْوالًا وأسَّسَ قَواعِدَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وتَأْوِيلِهِ لَمْ يَجِبْ عَلى الأُمَّةِ اتِّباعُها، ولا التَّحاكُمُ إلَيْها حَتّى تُعْرَضَ عَلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإنْ طابَقَتْهُ ووافَقَتْهُ وشُهِدَ لَها بِالصِّحَّةِ قُبِلَتْ حِينَئِذٍ، وإنْ خالَفَتْهُ وجَبَ رَدُّها واطِّراحُها، فَإنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيها أحَدُ الأمْرَيْنِ جُعِلَتْ مَوْقُوفَةً، وكانَ أحْسَنُ أحْوالِها أنْ يَجُوزَ الحُكْمُ والإفْتاءُ بِها وتَرْكُهُ، وأمّا أنَّهُ يَجِبُ ويَتَعَيَّنُ فَكَلّا ولَمّا.
(فائدة)
الكفاية والحَسْب تكون بقدر الإيمان، قال تعالى: ﴿يأيُّها النَّبى حَسْبُكَ اللهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤].
أي الله حسبك وحسب أتباعك، أي كافيك وكافيهم، فكفايته لهم بحسب اتباعهم لرسوله، وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص.
الأنفال 8:67
«واسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّحابَةَ في أُسارى بَدْرٍ، فَأشارَ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ أنْ يَأْخُذَ مِنهم فِدْيَةً تَكُونُ لَهم قُوَّةً عَلى عَدُوِّهِمْ ويُطْلِقَهُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهم إلى الإسْلامِ، وقالَ عمر: لا واللَّهِ، ما أرى الَّذِي رَأى أبو بكر، ولَكِنْ أرى أنْ تُمَكِّنَنا فَنَضْرِبَ أعْناقَهُمْ، فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وصَنادِيدُها، فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ أبو بكر، ولَمْ يَهْوَ ما قالَ عمر، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أقْبَلَ عمر، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْكِي هو وأبو بكر، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مِن أيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أنْتَ وصاحِبُكَ، فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابُكَ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾.
وَقَدْ تَكَلَّمَ النّاسُ، في أيِّ الرَّأْيَيْنِ كانَ أصْوَبَ، فَرَجَّحَتْ طائِفَةٌ قَوْلَ عمر لِهَذا الحَدِيثِ، ورَجَّحَتْ طائِفَةٌ قَوْلَ أبي بكر، لِاسْتِقْرارِ الأمْرِ عَلَيْهِ، ومُوافَقَتِهِ الكِتابَ الَّذِي سَبَقَ مِنَ اللَّهِ بِإحْلالِ ذَلِكَ لَهُمْ، ولِمُوافَقَتِهِ الرَّحْمَةَ الَّتِي غَلَبَتِ الغَضَبَ، ولِتَشْبِيهِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ في ذَلِكَ بِإبْراهِيمَ وعِيسى، وتَشْبِيهِهِ لعمر بِنُوحٍ ومُوسى، ولِحُصُولِ الخَيْرِ العَظِيمِ الَّذِي حَصَلَ بِإسْلامِ أكْثَرِ أُولَئِكَ الأسْرى، ولِخُرُوجِ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولِحُصُولِ القُوَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالفِداءِ، ولِمُوافَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأبي بكر أوَّلًا، ولِمُوافَقَةِ اللَّهِ لَهُ آخِرًا حَيْثُ اسْتَقَرَّ الأمْرُ عَلى رَأْيِهِ، ولِكَمالِ نَظَرِ الصِّدِّيقِ، فَإنَّهُ رَأى ما يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ آخِرًا، وغَلَّبَ جانِبَ الرَّحْمَةِ عَلى جانِبِ العُقُوبَةِ.
قالُوا: وأمّا بُكاءُ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّما كانَ رَحْمَةً لِنُزُولِ العَذابِ لِمَن أرادَ بِذَلِكَ عَرَضَ الدُّنْيا، ولَمْ يُرِدْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولا أبو بكر، وإنْ أرادَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ، فالفِتْنَةُ كانَتْ تَعُمُّ ولا تُصِيبُ مَن أرادَ ذَلِكَ خاصَّةً، كَما هُزِمَ العَسْكَرُ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِقَوْلِ أحَدِهِمْ: (لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ) وبِإعْجابِ كَثْرَتِهِمْ لِمَن أعْجَبَتْهُ مِنهُمْ، فَهُزِمَ الجَيْشُ بِذَلِكَ فِتْنَةً ومِحْنَةً، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الأمْرُ عَلى النَّصْرِ والظَّفَرِ واللَّهُ أعْلَمُ.
«واسْتَأْذَنَهُ الأنْصارُ أنْ يَتْرُكُوا للعباس عَمِّهِ فِداءَهُ، فَقالَ: لا تَدَعُوا مِنهُ دِرْهَمًا».
واسْتَوْهَبَ مِن سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ جارِيَةً نَفَّلَهُ إيّاها أبو بكر في بَعْضِ مَغازِيهِ فَوَهَبَها لَهُ، فَبَعَثَ بِها إلى مَكَّةَ، فَفَدى بِها ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ، وفَدى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِن عُقَيْلٍ، ورَدَّ سَبْيَ هَوازِنَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ القِسْمَةِ، واسْتَطابَ قُلُوبَ الغانِمِينَ، فَطَيَّبُوا لَهُ، وعَوَّضَ مَن لَمْ يُطَيِّبْ مِن ذَلِكَ بِكُلِّ إنْسانٍ سِتَّ فَرائِضَ، وقَتَلَ عقبة بن أبي معيط مِنَ الأسْرى، وقَتَلَ النضر بن الحارث لِشِدَّةِ عَداوَتِهِما لِلَّهِ ورَسُولِهِ.
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأسْرى لَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِداءَهم أنْ يُعَلِّمُوا أوْلادَ الأنْصارِ الكِتابَةَ» وهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الفِداءِ بِالعَمَلِ، كَما يَجُوزُ بِالمالِ.
وَكانَ هَدْيُهُ أنَّ مَن أسْلَمَ قَبْلَ الأسْرِ، لَمْ يُسْتَرَقَّ، وكانَ يَسْتَرِقُّ سَبْيَ العَرَبِ، كَما يَسْتَرِقُّ غَيْرَهم مِن أهْلِ الكِتابِ، «وَكانَ عِنْدَ عائشة سَبِيَّةٌ مِنهم فَقالَ: أعْتِقِيها فَإنَّها مِن ولَدِ إسْماعِيلَ».
الأنفال 8:68
وقد اختلف السلف في هذا الكتاب السابق فقال جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ أن الغنائم حلال لكم لعاقبكم.
وقال آخرون لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدا إلا بعد الحجة لعاقبكم.
وقال آخرون لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أنه مغفور لهم وإن عملوا ما شاؤا لعاقبهم.
وقال آخرون وهو الصواب لولا كتاب من الله سبق بهذا كله ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والله أعلم.
التوبة 9:3
[تَفْضِيلُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ]
وَمِن هَذا تَفْضِيلُهُ بَعْضَ الأيّامِ والشُّهُورِ عَلى بَعْضٍ، فَخَيْرُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وهو يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، كَما في " السُّنَنِ " عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ».
وَقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ أفْضَلُ مِنهُ، وهَذا هو المَعْرُوفُ عِنْدَ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، قالُوا: لِأنَّهُ يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ، وصِيامُهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ، وما مِن يَوْمٍ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ الرِّقابَ أكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ؛ ولِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْنُو فِيهِ مِن عِبادِهِ، ثُمَّ يُباهِي مَلائِكَتَهُ بِأهْلِ المَوْقِفِ. والصَّوابُ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ لا يُعارِضُهُ شَيْءٌ يُقاوِمُهُ، والصَّوابُ أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ هو يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾
وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّ أبا بكر وعليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أذَّنا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ، لا يَوْمَ عَرَفَةَ.
وَفِي " سُنَنِ أبي داود " بِأصَحِّ إسْنادٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ»
وَكَذَلِكَ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، ويَوْمُ عَرَفَةَ مُقَدِّمَةٌ لِيَوْمِ النَّحْرِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإنَّ فِيهِ يَكُونُ الوُقُوفُ والتَّضَرُّعُ والتَّوْبَةُ والِابْتِهالُ والِاسْتِقالَةُ، ثُمَّ يَوْمُ النَّحْرِ تَكُونُ الوِفادَةُ والزِّيارَةُ، ولِهَذا سُمِّيَ طَوافُهُ طَوافَ الزِّيارَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ طَهُرُوا مِن ذُنُوبِهِمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ أذِنَ لَهم رَبُّهم يَوْمَ النَّحْرِ في زِيارَتِهِ، والدُّخُولِ عَلَيْهِ إلى بَيْتِهِ، ولِهَذا كانَ فِيهِ ذَبْحُ القَرابِينِ، وحَلْقُ الرُّءُوسِ، ورَمْيُ الجِمارِ، ومُعْظَمُ أفْعالِ الحَجِّ، وعَمَلُ يَوْمِ عَرَفَةَ كالطُّهُورِ والِاغْتِسالِ بَيْنَ يَدَيْ هَذا اليَوْمِ. وكَذَلِكَ تَفْضِيلُ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، فَإنَّ أيّامَهُ أفْضَلُ الأيّامِ عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ ثَبَتَ في " صَحِيحِ البُخارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«ما مِن أيّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيها أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن هَذِهِ الأيّامِ العَشْرِ، قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إلّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ»
وَهِيَ الأيّامُ العَشْرُ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والفَجْرِ - ولَيالٍ عَشْرٍ﴾
وَلِهَذا يُسْتَحَبُّ فِيها الإكْثارُ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّكْبِيرِ والتَّهْلِيلِ والتَّحْمِيدِ»، ونِسْبَتُها إلى الأيّامِ كَنِسْبَةِ مَواضِعِ المَناسِكِ في سائِرِ البِقاعِ.
التوبة 9:6
(فائدة)
قول النبي ﷺ لما أنشدته قتيلة بنت الحارث شعرها المعروف ترثي به أخاها النضر
"لو سمعت هذا قبل قتله لم أقتله"
ليس فيه الندم على قتله فإنه لم يقتله إلا بالحق ولكن كان رحيما يقبل الشفاعة ويمنّ على الجاني، فمعناه لو شفعت عندي بما قالت قبل أن أقتله لقبلت شفاعتها وتركته.
التوبة 9:7
[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]
فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟
يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.
والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.
[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفَيْنِ المُتَلازِمَيْنِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَمَتى تَحَقَّقَ أحَدُهُما تَحَقَّقَ الآخَرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ الطَّعْنِ في دِينِنا بَلْ إمْكانُ بَقائِهِ عَلى العَهْدِ دِينًا أقْرَبُ مِن بَقائِهِ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ، بَلْ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وسُنَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلَيْهِ مَعَ المُحارَبَةِ بِاليَدِ ومَنعِ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، وهَذا واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ما يُبَيَّنُ في الحُكْمِ، وإلّا فالوَصْفُ العَدِيمُ التَّأْثِيرِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ وزَنى حُدَّ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ كُلُّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالتَّأْثِيرِ لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما يُقالُ: يُقْتَلُ هَذا لِأنَّهُ زانٍ مُرْتَدٌّ. وقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُ الجَزاءِ مُرَتَّبًا عَلى المَجْمُوعِ، ولِكُلِّ وصْفٍ تَأْثِيرٌ في البَعْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُها مُسْتَلْزِمًا لِلْبَعْضِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [آل عمران: ٢١] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أيِّ الأقْسامِ فُرِضَتْ كانَتْ دَلِيلًا؛ لِأنَّ أقْصى ما يُقالُ: إنَّ نَقْضَ العَهْدِ هو المُبِيحُ لِلْقِتالِ والطَّعْنِ في الدِّينِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مُوجِبٌ لَهُ، فَنَقُولُ إذا كانَ الطَّعْنُ يُغَلِّظُ قِتالَ مَن لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ ويُوجِبُهُ؛ فَلِأنْ يُوجِبَ قَتْلَ مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ ذِمَّةٌ - وهو مُلْتَزِمٌ لِلصَّغارِ - أوْلى، فَإنَّ المُعاهِدَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِهِ ما شاءَ مِن أمْرِ دِينِهِ، والذِّمِّيُّ لَيْسَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِ الإسْلامِ شَيْئًا مِن دِينِهِ الباطِلِ.
الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ مُجَرَّدَ نَكْثِ الأيْمانِ مُقْتَضٍ لِلْمُقاتَلَةِ ولَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الطَّعْنِ في الدِّينِ، وضَرَرُهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ عَلَيْنا، فَإذا كانَ أيْسَرُ الأمْرَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلْمُقاتَلَةِ فَكَيْفَ بِأشَدِّهِما؟
الجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا سَبَّ اللَّهَ والرَّسُولَ أوْ عابَ الإسْلامَ عَلانِيَةً فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ بِما يَرْدَعُهُ ويُنَكَّلُ بِهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُعاهِدْنا عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مُعاهَدًا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ كَما لا يُعاقَبُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ الخِنْزِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا كُنّا عاهَدْناهُ عَلى ألّا يَطْعَنَ في دِينِنا ثُمَّ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ مِن بَعْدِ عَهْدِهِ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ.
قالَ شَيْخُنا: وهَذِهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المُنازِعَ سَلَّمَ لَنا أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ لَكِنَّهُ يَقُولُ: " لَيْسَ كُلُّ ما مُنِعَ مِنهُ يَنْقُضُ عَهْدَهُ كَإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ ". ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مَنَعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا لا يَضُرُّ بِنا ضَرَرًا بَيِّنًا، كَتَرْكِ الغِيارِ مَثَلًا وشُرْبِ الخَمْرِ وإظْهارِ الخِنْزِيرِ، وبَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مُنِعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا فِيهِ غايَةُ الضَّرَرِ بِالمُسْلِمِينَ وبِالدِّينِ، فَإلْحاقُ أحَدِهِما بِالآخَرِ باطِلٌ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ الجَوابُ الخامِسُ: أنَّ النَّكْثَ هو مُخالَفَةُ العَهْدِ، فَمَتى خالَفُوا شَيْئًا مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهو نَكْثٌ مَأْخُوذٌ مِن نَكْثِ الحَبْلِ وهو نَقْضُ قُواهُ، ونَكْثُ الحَبْلِ يَحْصُلُ بِنَقْضِ قُوَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَحْصُلُ بِنَقْضِ جَمِيعِ القُوى، لَكِنْ قَدْ يَبْقى مِن [قُواهُ ما [يَتَمَسَّكُ بِهِ الحَبْلُ، وقَدْ يَهِنُ بِالكُلِّيَّةِ.
وَهَذِهِ المُخالَفَةُ مِنَ المُعاهِدِ قَدْ تُبْطِلُ العَهْدَ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَجْعَلَهُ حَرْبِيًّا، وقَدْ تُشَعِّثُ العَهْدَ حَتّى تُبِيحَ عُقُوبَتَهُمْ، كَما أنَّ فَقْدَ بَعْضِ الشُّرُوطِ في البَيْعِ والنِّكاحِ وغَيْرِهِما قَدْ يُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُبِيحُ الفَسْخَ والإمْساكَ.
وَأمّا مَن قالَ: " يَنْتَقِضُ العَهْدُ بِجَمِيعِ المُخالَفاتِ ". فَظاهِرٌ عَلى قَوْلٍ قالَهُ القاضِي في " التَّعْلِيقِ ".
واحْتَجَّ القاضِي بِأنَّهم لَوْ أظْهَرُوا مُنْكَرًا في دارِ الإسْلامِ مِثْلَ: إحْداثِ البِيَعِ والكَنائِسِ في دارِ الإسْلامِ ورَفْعِ الأصْواتِ بِكُتُبِهِمْ والضَّرْبِ بِالنَّواقِيسِ وإطالَةِ البِناءِ عَلى أبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وكَذَلِكَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُسْلِمِينَ في مَلْبُوسِهِمْ ومَرْكُوبِهِمْ وشُعُورِهِمْ وكُناهم.
قالَ: والجَوابُ أنَّ مِن أصْحابِنا مَن جَعَلَهُ ناقِضًا لِلْعَهْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ - وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: " ومَن نَقَضَ العَهْدَ بِمُخالَفَةِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ عادَ حَرْبِيًّا " - فَعَلى هَذا لا نُسَلِّمُ، وإنْ سَلَّمْناهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها وإنَّما نُهُوا عَنْ فِعْلِها لِما في إظْهارِها مِنَ المُنْكَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في مِلَّتِنا لِأنَّ في فِعْلِها ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ فَبانَ الفَرْقُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ شَيْخُنا: فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى العَقْدُ ألّا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِن عَيْبِ دِينِنا، وأنَّهم مَتى أظْهَرُوهُ فَقَدْ نَكَثُوا وطَعَنُوا في الدِّينِ فَيَدْخُلُونَ في عُمُومِ الآيَةِ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّصِّ.
[فَصْلٌ: كُلُّ مَن طَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ]
وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِنا، ولَكِنْ أقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ بَيْنَهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ المُقاتَلَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] ونَظائِرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ، وإمامُ الكُفْرِ هو الدّاعِي إلَيْهِ المُتَّبَعُ فِيهِ.
وَإنَّما صارَ إمامًا في الكُفْرِ لِأجْلِ الطَّعْنِ، وإلّا فَإنَّ مُجَرَّدَ النَّكْثِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّ الطّاعِنَ في الدِّينِ يَعِيبُهُ ويَذُمُّهُ ويَدْعُو إلى خِلافِهِ، وهَذا شَأْنُ الإمامِ، فَإذا طَعَنَ الذِّمِّيُّ في الدِّينِ كانَ إمامًا في الكُفْرِ فَيَجِبُ قِتالُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] عِلَّةٌ أُخْرى لِقِتالِهِ، فَأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ المُقْتَضِي لِلْقِتالِ - وهو نَكْثُ العَهْدِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - وبَيانُ عَدَمِ المانِعِ مِنَ القِتالِ وهو الإيمانُ العاصِمُ.
وَأمّا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألِفِ فالأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي أحْسَنُ القِراءَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ سَبَبِ القِتالِ - وهو نَكْثُ الأيْمانِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا أيْمانَ لَهم تَعْصِمُهم مِنَ القَتْلِ لِأنَّهم قَدْ نَكَثُوها.
والمُرادُ بِالأيْمانِ هُنا العُهُودُ لا القَسَمُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقاسِمْهم بِاللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما عاهَدَهُمْ، ونُسْخَةُ الكِتابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيها قَسَمٌ، وهَذا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إلى الآخَرِ، ثُمَّ صارَ مُجَرَّدُ الكَلامِ بِالعَهْدِ يُسَمّى يَمِينًا، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ اليَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ العَهْدُ يَمِينًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ هي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ولَمّا كانَ الحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ يَمِينًا، فاسْمُ اليَمِينِ جامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ وإنْ كانَ نَذْرًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ " النَّذْرُ حَلْفَةٌ " ولِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالنَّهْيُ عَنْ [نَقْضِ] العُهُودِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَسَمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَسَمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]
مَعْناهُ: تَتَعاهَدُونَ وتَتَعاقَدُونَ بِهِ، والمَقْصُودُ أنَّ كُلَّ مَن طَعَنَ في دِينِنا بَعْدَ أنْ عاهَدْناهُ عَهْدًا يَقْتَضِي ألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهو إمامٌ في الكُفْرِ لا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ، وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإمامٍ في الكُفْرِ، وهو مَن خالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الهَمُّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِقِتالِهِمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] فَجَعَلَ هَمَّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبًا لِقِتالِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الأذى لَهُ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ سَبَّهُ أعْظَمُ أذًى لَهُ مِن مُجَرَّدِ إخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ، ولِهَذا عَفا ﷺ عامَ الفَتْحِ عَنِ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ولَمْ يَعْفُ عَمَّنْ سَبَّهُ، فالذِّمِّيُّ إذا أظْهَرَ سَبَّهُ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وفَعَلَ ما هو أعْظَمُ مِنَ الهَمِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ وبَدَأ بِالأذى فَيَجِبُ قِتالُهُ.
[فَصْلٌ الأمْرُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤-١٥]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ، ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أشْياءَ: تَعْذِيبِهِمْ بِأذى المُؤْمِنِينَ، وخِزْيِهِمْ، والنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وشِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وذَهابِ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وتَوْبَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُقاتِلُوهم يَحْصُلْ هَذا.
وَإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مُرَتَّبَةً عَلى قِتالِ النّاكِثِ والطّاعِنِ في الدِّينِ - وهي أُمُورٌ مَطْلُوبَةٌ - كانَ سَبَبُها المُقْتَضِي لَها مَطْلُوبًا لِلشّارِعِ - وهو القِتالُ - وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَطْلُوبَةً حاصِلَةً بِالقِتالِ لَمْ يَجُزْ تَعْطِيلُ القِتالِ الَّذِي هو سَبَبُها مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي لَهُ مِن جِهَةِ مَن يُقاتِلُهُ، وهو النَّكْثُ والطَّعْنُ في الدِّينِ.
فَشِفاءُ الصُّدُورِ الحاصِلُ مِن ألَمِ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وذَهابُ الغَيْظِ الحاصِلِ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ، مَقْصُودٌ لِلشّارِعِ مَطْلُوبُ الحُصُولِ، ولا رَيْبَ أنَّ مَن أظْهَرَ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنَّهُ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويُؤْلِمُهم أكْثَرَ مِن سَفْكِ دِماءِ بَعْضِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ هَذا يُثِيرُ الغَضَبَ لِلَّهِ والحَمِيَّةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ.
وَهَذا القَدْرُ لا يَهِيجُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ غَيْظٌ أكْثَرَ مِنهُ، بَلِ المُؤْمِنُ المُسَدَّدُ لا يَغْضَبُ هَذا الغَضَبَ إلّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وذَهابَ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِقَتْلِ السَّبّابِ لِأوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ [تَعْزِيرَهُ] وتَأْدِيبَهُ يُذْهِبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أذْهَبَ التَّعْزِيرُ والتَّأْدِيبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ الرَّسُولَ لَكانَ غَيْظُهم مِن سَبِّ نَبِيِّهِمْ مِثْلَ غَيْظِهِمْ مِن سَبِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا.
الثّانِي: أنَّ شَتْمَهُ أعْظَمُ عِنْدَهم مِن أنْ يُسْفَكَ دِماءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ لَوْ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم إلّا قَتْلُهُ، فَأنْ لا تُشْفى صُدُورُهم إلّا بِقَتْلِ السّابِّ أوْلى وأحْرى.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِتالَهم هو السَّبَبَ في حُصُولِ الشِّفاءِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَصِّلُهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ هو الشّافِيَ لِصُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ هَذا.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأرادَ أنْ يَشْفِيَ صُدُورَ خُزاعَةَ - وهُمُ القَوْمُ المُؤْمِنُونَ - مِن بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ قاتَلُوهم مَكَّنَهم مِنهم نِصْفَ النَّهارِ أوْ أكْثَرَ مَعَ أمانِهِ لِسائِرِ النّاسِ، فَلَوْ كانَ شِفاءُ صُدُورِهِمْ وذَهابُ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ بِدُونِ القَتْلِ لِلَّذِينَ نَكَثُوا أوْ طَعَنُوا لَما فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أمانِهِ النّاسَ.
التوبة 9:8
[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]
فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟
يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.
والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.
[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفَيْنِ المُتَلازِمَيْنِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَمَتى تَحَقَّقَ أحَدُهُما تَحَقَّقَ الآخَرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ الطَّعْنِ في دِينِنا بَلْ إمْكانُ بَقائِهِ عَلى العَهْدِ دِينًا أقْرَبُ مِن بَقائِهِ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ، بَلْ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وسُنَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلَيْهِ مَعَ المُحارَبَةِ بِاليَدِ ومَنعِ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، وهَذا واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ما يُبَيَّنُ في الحُكْمِ، وإلّا فالوَصْفُ العَدِيمُ التَّأْثِيرِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ وزَنى حُدَّ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ كُلُّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالتَّأْثِيرِ لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما يُقالُ: يُقْتَلُ هَذا لِأنَّهُ زانٍ مُرْتَدٌّ. وقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُ الجَزاءِ مُرَتَّبًا عَلى المَجْمُوعِ، ولِكُلِّ وصْفٍ تَأْثِيرٌ في البَعْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُها مُسْتَلْزِمًا لِلْبَعْضِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [آل عمران: ٢١] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أيِّ الأقْسامِ فُرِضَتْ كانَتْ دَلِيلًا؛ لِأنَّ أقْصى ما يُقالُ: إنَّ نَقْضَ العَهْدِ هو المُبِيحُ لِلْقِتالِ والطَّعْنِ في الدِّينِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مُوجِبٌ لَهُ، فَنَقُولُ إذا كانَ الطَّعْنُ يُغَلِّظُ قِتالَ مَن لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ ويُوجِبُهُ؛ فَلِأنْ يُوجِبَ قَتْلَ مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ ذِمَّةٌ - وهو مُلْتَزِمٌ لِلصَّغارِ - أوْلى، فَإنَّ المُعاهِدَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِهِ ما شاءَ مِن أمْرِ دِينِهِ، والذِّمِّيُّ لَيْسَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِ الإسْلامِ شَيْئًا مِن دِينِهِ الباطِلِ.
الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ مُجَرَّدَ نَكْثِ الأيْمانِ مُقْتَضٍ لِلْمُقاتَلَةِ ولَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الطَّعْنِ في الدِّينِ، وضَرَرُهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ عَلَيْنا، فَإذا كانَ أيْسَرُ الأمْرَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلْمُقاتَلَةِ فَكَيْفَ بِأشَدِّهِما؟
الجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا سَبَّ اللَّهَ والرَّسُولَ أوْ عابَ الإسْلامَ عَلانِيَةً فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ بِما يَرْدَعُهُ ويُنَكَّلُ بِهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُعاهِدْنا عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مُعاهَدًا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ كَما لا يُعاقَبُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ الخِنْزِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا كُنّا عاهَدْناهُ عَلى ألّا يَطْعَنَ في دِينِنا ثُمَّ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ مِن بَعْدِ عَهْدِهِ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ.
قالَ شَيْخُنا: وهَذِهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المُنازِعَ سَلَّمَ لَنا أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ لَكِنَّهُ يَقُولُ: " لَيْسَ كُلُّ ما مُنِعَ مِنهُ يَنْقُضُ عَهْدَهُ كَإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ ". ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مَنَعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا لا يَضُرُّ بِنا ضَرَرًا بَيِّنًا، كَتَرْكِ الغِيارِ مَثَلًا وشُرْبِ الخَمْرِ وإظْهارِ الخِنْزِيرِ، وبَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مُنِعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا فِيهِ غايَةُ الضَّرَرِ بِالمُسْلِمِينَ وبِالدِّينِ، فَإلْحاقُ أحَدِهِما بِالآخَرِ باطِلٌ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ الجَوابُ الخامِسُ: أنَّ النَّكْثَ هو مُخالَفَةُ العَهْدِ، فَمَتى خالَفُوا شَيْئًا مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهو نَكْثٌ مَأْخُوذٌ مِن نَكْثِ الحَبْلِ وهو نَقْضُ قُواهُ، ونَكْثُ الحَبْلِ يَحْصُلُ بِنَقْضِ قُوَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَحْصُلُ بِنَقْضِ جَمِيعِ القُوى، لَكِنْ قَدْ يَبْقى مِن [قُواهُ ما [يَتَمَسَّكُ بِهِ الحَبْلُ، وقَدْ يَهِنُ بِالكُلِّيَّةِ.
وَهَذِهِ المُخالَفَةُ مِنَ المُعاهِدِ قَدْ تُبْطِلُ العَهْدَ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَجْعَلَهُ حَرْبِيًّا، وقَدْ تُشَعِّثُ العَهْدَ حَتّى تُبِيحَ عُقُوبَتَهُمْ، كَما أنَّ فَقْدَ بَعْضِ الشُّرُوطِ في البَيْعِ والنِّكاحِ وغَيْرِهِما قَدْ يُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُبِيحُ الفَسْخَ والإمْساكَ.
وَأمّا مَن قالَ: " يَنْتَقِضُ العَهْدُ بِجَمِيعِ المُخالَفاتِ ". فَظاهِرٌ عَلى قَوْلٍ قالَهُ القاضِي في " التَّعْلِيقِ ".
واحْتَجَّ القاضِي بِأنَّهم لَوْ أظْهَرُوا مُنْكَرًا في دارِ الإسْلامِ مِثْلَ: إحْداثِ البِيَعِ والكَنائِسِ في دارِ الإسْلامِ ورَفْعِ الأصْواتِ بِكُتُبِهِمْ والضَّرْبِ بِالنَّواقِيسِ وإطالَةِ البِناءِ عَلى أبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وكَذَلِكَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُسْلِمِينَ في مَلْبُوسِهِمْ ومَرْكُوبِهِمْ وشُعُورِهِمْ وكُناهم.
قالَ: والجَوابُ أنَّ مِن أصْحابِنا مَن جَعَلَهُ ناقِضًا لِلْعَهْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ - وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: " ومَن نَقَضَ العَهْدَ بِمُخالَفَةِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ عادَ حَرْبِيًّا " - فَعَلى هَذا لا نُسَلِّمُ، وإنْ سَلَّمْناهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها وإنَّما نُهُوا عَنْ فِعْلِها لِما في إظْهارِها مِنَ المُنْكَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في مِلَّتِنا لِأنَّ في فِعْلِها ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ فَبانَ الفَرْقُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ شَيْخُنا: فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى العَقْدُ ألّا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِن عَيْبِ دِينِنا، وأنَّهم مَتى أظْهَرُوهُ فَقَدْ نَكَثُوا وطَعَنُوا في الدِّينِ فَيَدْخُلُونَ في عُمُومِ الآيَةِ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّصِّ.
[فَصْلٌ: كُلُّ مَن طَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ]
وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِنا، ولَكِنْ أقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ بَيْنَهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ المُقاتَلَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] ونَظائِرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ، وإمامُ الكُفْرِ هو الدّاعِي إلَيْهِ المُتَّبَعُ فِيهِ.
وَإنَّما صارَ إمامًا في الكُفْرِ لِأجْلِ الطَّعْنِ، وإلّا فَإنَّ مُجَرَّدَ النَّكْثِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّ الطّاعِنَ في الدِّينِ يَعِيبُهُ ويَذُمُّهُ ويَدْعُو إلى خِلافِهِ، وهَذا شَأْنُ الإمامِ، فَإذا طَعَنَ الذِّمِّيُّ في الدِّينِ كانَ إمامًا في الكُفْرِ فَيَجِبُ قِتالُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] عِلَّةٌ أُخْرى لِقِتالِهِ، فَأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ المُقْتَضِي لِلْقِتالِ - وهو نَكْثُ العَهْدِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - وبَيانُ عَدَمِ المانِعِ مِنَ القِتالِ وهو الإيمانُ العاصِمُ.
وَأمّا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألِفِ فالأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي أحْسَنُ القِراءَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ سَبَبِ القِتالِ - وهو نَكْثُ الأيْمانِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا أيْمانَ لَهم تَعْصِمُهم مِنَ القَتْلِ لِأنَّهم قَدْ نَكَثُوها.
والمُرادُ بِالأيْمانِ هُنا العُهُودُ لا القَسَمُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقاسِمْهم بِاللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما عاهَدَهُمْ، ونُسْخَةُ الكِتابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيها قَسَمٌ، وهَذا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إلى الآخَرِ، ثُمَّ صارَ مُجَرَّدُ الكَلامِ بِالعَهْدِ يُسَمّى يَمِينًا، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ اليَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ العَهْدُ يَمِينًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ هي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ولَمّا كانَ الحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ يَمِينًا، فاسْمُ اليَمِينِ جامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ وإنْ كانَ نَذْرًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ " النَّذْرُ حَلْفَةٌ " ولِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالنَّهْيُ عَنْ [نَقْضِ] العُهُودِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَسَمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَسَمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]
مَعْناهُ: تَتَعاهَدُونَ وتَتَعاقَدُونَ بِهِ، والمَقْصُودُ أنَّ كُلَّ مَن طَعَنَ في دِينِنا بَعْدَ أنْ عاهَدْناهُ عَهْدًا يَقْتَضِي ألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهو إمامٌ في الكُفْرِ لا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ، وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإمامٍ في الكُفْرِ، وهو مَن خالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الهَمُّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِقِتالِهِمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] فَجَعَلَ هَمَّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبًا لِقِتالِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الأذى لَهُ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ سَبَّهُ أعْظَمُ أذًى لَهُ مِن مُجَرَّدِ إخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ، ولِهَذا عَفا ﷺ عامَ الفَتْحِ عَنِ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ولَمْ يَعْفُ عَمَّنْ سَبَّهُ، فالذِّمِّيُّ إذا أظْهَرَ سَبَّهُ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وفَعَلَ ما هو أعْظَمُ مِنَ الهَمِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ وبَدَأ بِالأذى فَيَجِبُ قِتالُهُ.
[فَصْلٌ الأمْرُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤-١٥]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ، ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أشْياءَ: تَعْذِيبِهِمْ بِأذى المُؤْمِنِينَ، وخِزْيِهِمْ، والنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وشِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وذَهابِ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وتَوْبَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُقاتِلُوهم يَحْصُلْ هَذا.
وَإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مُرَتَّبَةً عَلى قِتالِ النّاكِثِ والطّاعِنِ في الدِّينِ - وهي أُمُورٌ مَطْلُوبَةٌ - كانَ سَبَبُها المُقْتَضِي لَها مَطْلُوبًا لِلشّارِعِ - وهو القِتالُ - وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَطْلُوبَةً حاصِلَةً بِالقِتالِ لَمْ يَجُزْ تَعْطِيلُ القِتالِ الَّذِي هو سَبَبُها مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي لَهُ مِن جِهَةِ مَن يُقاتِلُهُ، وهو النَّكْثُ والطَّعْنُ في الدِّينِ.
فَشِفاءُ الصُّدُورِ الحاصِلُ مِن ألَمِ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وذَهابُ الغَيْظِ الحاصِلِ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ، مَقْصُودٌ لِلشّارِعِ مَطْلُوبُ الحُصُولِ، ولا رَيْبَ أنَّ مَن أظْهَرَ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنَّهُ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويُؤْلِمُهم أكْثَرَ مِن سَفْكِ دِماءِ بَعْضِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ هَذا يُثِيرُ الغَضَبَ لِلَّهِ والحَمِيَّةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ.
وَهَذا القَدْرُ لا يَهِيجُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ غَيْظٌ أكْثَرَ مِنهُ، بَلِ المُؤْمِنُ المُسَدَّدُ لا يَغْضَبُ هَذا الغَضَبَ إلّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وذَهابَ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِقَتْلِ السَّبّابِ لِأوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ [تَعْزِيرَهُ] وتَأْدِيبَهُ يُذْهِبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أذْهَبَ التَّعْزِيرُ والتَّأْدِيبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ الرَّسُولَ لَكانَ غَيْظُهم مِن سَبِّ نَبِيِّهِمْ مِثْلَ غَيْظِهِمْ مِن سَبِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا.
الثّانِي: أنَّ شَتْمَهُ أعْظَمُ عِنْدَهم مِن أنْ يُسْفَكَ دِماءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ لَوْ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم إلّا قَتْلُهُ، فَأنْ لا تُشْفى صُدُورُهم إلّا بِقَتْلِ السّابِّ أوْلى وأحْرى.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِتالَهم هو السَّبَبَ في حُصُولِ الشِّفاءِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَصِّلُهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ هو الشّافِيَ لِصُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ هَذا.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأرادَ أنْ يَشْفِيَ صُدُورَ خُزاعَةَ - وهُمُ القَوْمُ المُؤْمِنُونَ - مِن بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ قاتَلُوهم مَكَّنَهم مِنهم نِصْفَ النَّهارِ أوْ أكْثَرَ مَعَ أمانِهِ لِسائِرِ النّاسِ، فَلَوْ كانَ شِفاءُ صُدُورِهِمْ وذَهابُ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ بِدُونِ القَتْلِ لِلَّذِينَ نَكَثُوا أوْ طَعَنُوا لَما فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أمانِهِ النّاسَ.
التوبة 9:9
[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]
فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟
يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.
والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.
[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفَيْنِ المُتَلازِمَيْنِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَمَتى تَحَقَّقَ أحَدُهُما تَحَقَّقَ الآخَرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ الطَّعْنِ في دِينِنا بَلْ إمْكانُ بَقائِهِ عَلى العَهْدِ دِينًا أقْرَبُ مِن بَقائِهِ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ، بَلْ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وسُنَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلَيْهِ مَعَ المُحارَبَةِ بِاليَدِ ومَنعِ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، وهَذا واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ما يُبَيَّنُ في الحُكْمِ، وإلّا فالوَصْفُ العَدِيمُ التَّأْثِيرِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ وزَنى حُدَّ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ كُلُّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالتَّأْثِيرِ لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما يُقالُ: يُقْتَلُ هَذا لِأنَّهُ زانٍ مُرْتَدٌّ. وقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُ الجَزاءِ مُرَتَّبًا عَلى المَجْمُوعِ، ولِكُلِّ وصْفٍ تَأْثِيرٌ في البَعْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُها مُسْتَلْزِمًا لِلْبَعْضِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [آل عمران: ٢١] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أيِّ الأقْسامِ فُرِضَتْ كانَتْ دَلِيلًا؛ لِأنَّ أقْصى ما يُقالُ: إنَّ نَقْضَ العَهْدِ هو المُبِيحُ لِلْقِتالِ والطَّعْنِ في الدِّينِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مُوجِبٌ لَهُ، فَنَقُولُ إذا كانَ الطَّعْنُ يُغَلِّظُ قِتالَ مَن لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ ويُوجِبُهُ؛ فَلِأنْ يُوجِبَ قَتْلَ مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ ذِمَّةٌ - وهو مُلْتَزِمٌ لِلصَّغارِ - أوْلى، فَإنَّ المُعاهِدَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِهِ ما شاءَ مِن أمْرِ دِينِهِ، والذِّمِّيُّ لَيْسَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِ الإسْلامِ شَيْئًا مِن دِينِهِ الباطِلِ.
الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ مُجَرَّدَ نَكْثِ الأيْمانِ مُقْتَضٍ لِلْمُقاتَلَةِ ولَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الطَّعْنِ في الدِّينِ، وضَرَرُهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ عَلَيْنا، فَإذا كانَ أيْسَرُ الأمْرَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلْمُقاتَلَةِ فَكَيْفَ بِأشَدِّهِما؟
الجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا سَبَّ اللَّهَ والرَّسُولَ أوْ عابَ الإسْلامَ عَلانِيَةً فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ بِما يَرْدَعُهُ ويُنَكَّلُ بِهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُعاهِدْنا عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مُعاهَدًا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ كَما لا يُعاقَبُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ الخِنْزِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا كُنّا عاهَدْناهُ عَلى ألّا يَطْعَنَ في دِينِنا ثُمَّ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ مِن بَعْدِ عَهْدِهِ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ.
قالَ شَيْخُنا: وهَذِهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المُنازِعَ سَلَّمَ لَنا أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ لَكِنَّهُ يَقُولُ: " لَيْسَ كُلُّ ما مُنِعَ مِنهُ يَنْقُضُ عَهْدَهُ كَإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ ". ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مَنَعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا لا يَضُرُّ بِنا ضَرَرًا بَيِّنًا، كَتَرْكِ الغِيارِ مَثَلًا وشُرْبِ الخَمْرِ وإظْهارِ الخِنْزِيرِ، وبَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مُنِعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا فِيهِ غايَةُ الضَّرَرِ بِالمُسْلِمِينَ وبِالدِّينِ، فَإلْحاقُ أحَدِهِما بِالآخَرِ باطِلٌ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ الجَوابُ الخامِسُ: أنَّ النَّكْثَ هو مُخالَفَةُ العَهْدِ، فَمَتى خالَفُوا شَيْئًا مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهو نَكْثٌ مَأْخُوذٌ مِن نَكْثِ الحَبْلِ وهو نَقْضُ قُواهُ، ونَكْثُ الحَبْلِ يَحْصُلُ بِنَقْضِ قُوَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَحْصُلُ بِنَقْضِ جَمِيعِ القُوى، لَكِنْ قَدْ يَبْقى مِن [قُواهُ ما [يَتَمَسَّكُ بِهِ الحَبْلُ، وقَدْ يَهِنُ بِالكُلِّيَّةِ.
وَهَذِهِ المُخالَفَةُ مِنَ المُعاهِدِ قَدْ تُبْطِلُ العَهْدَ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَجْعَلَهُ حَرْبِيًّا، وقَدْ تُشَعِّثُ العَهْدَ حَتّى تُبِيحَ عُقُوبَتَهُمْ، كَما أنَّ فَقْدَ بَعْضِ الشُّرُوطِ في البَيْعِ والنِّكاحِ وغَيْرِهِما قَدْ يُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُبِيحُ الفَسْخَ والإمْساكَ.
وَأمّا مَن قالَ: " يَنْتَقِضُ العَهْدُ بِجَمِيعِ المُخالَفاتِ ". فَظاهِرٌ عَلى قَوْلٍ قالَهُ القاضِي في " التَّعْلِيقِ ".
واحْتَجَّ القاضِي بِأنَّهم لَوْ أظْهَرُوا مُنْكَرًا في دارِ الإسْلامِ مِثْلَ: إحْداثِ البِيَعِ والكَنائِسِ في دارِ الإسْلامِ ورَفْعِ الأصْواتِ بِكُتُبِهِمْ والضَّرْبِ بِالنَّواقِيسِ وإطالَةِ البِناءِ عَلى أبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وكَذَلِكَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُسْلِمِينَ في مَلْبُوسِهِمْ ومَرْكُوبِهِمْ وشُعُورِهِمْ وكُناهم.
قالَ: والجَوابُ أنَّ مِن أصْحابِنا مَن جَعَلَهُ ناقِضًا لِلْعَهْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ - وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: " ومَن نَقَضَ العَهْدَ بِمُخالَفَةِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ عادَ حَرْبِيًّا " - فَعَلى هَذا لا نُسَلِّمُ، وإنْ سَلَّمْناهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها وإنَّما نُهُوا عَنْ فِعْلِها لِما في إظْهارِها مِنَ المُنْكَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في مِلَّتِنا لِأنَّ في فِعْلِها ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ فَبانَ الفَرْقُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ شَيْخُنا: فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى العَقْدُ ألّا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِن عَيْبِ دِينِنا، وأنَّهم مَتى أظْهَرُوهُ فَقَدْ نَكَثُوا وطَعَنُوا في الدِّينِ فَيَدْخُلُونَ في عُمُومِ الآيَةِ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّصِّ.
[فَصْلٌ: كُلُّ مَن طَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ]
وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِنا، ولَكِنْ أقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ بَيْنَهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ المُقاتَلَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] ونَظائِرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ، وإمامُ الكُفْرِ هو الدّاعِي إلَيْهِ المُتَّبَعُ فِيهِ.
وَإنَّما صارَ إمامًا في الكُفْرِ لِأجْلِ الطَّعْنِ، وإلّا فَإنَّ مُجَرَّدَ النَّكْثِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّ الطّاعِنَ في الدِّينِ يَعِيبُهُ ويَذُمُّهُ ويَدْعُو إلى خِلافِهِ، وهَذا شَأْنُ الإمامِ، فَإذا طَعَنَ الذِّمِّيُّ في الدِّينِ كانَ إمامًا في الكُفْرِ فَيَجِبُ قِتالُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] عِلَّةٌ أُخْرى لِقِتالِهِ، فَأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ المُقْتَضِي لِلْقِتالِ - وهو نَكْثُ العَهْدِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - وبَيانُ عَدَمِ المانِعِ مِنَ القِتالِ وهو الإيمانُ العاصِمُ.
وَأمّا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألِفِ فالأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي أحْسَنُ القِراءَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ سَبَبِ القِتالِ - وهو نَكْثُ الأيْمانِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا أيْمانَ لَهم تَعْصِمُهم مِنَ القَتْلِ لِأنَّهم قَدْ نَكَثُوها.
والمُرادُ بِالأيْمانِ هُنا العُهُودُ لا القَسَمُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقاسِمْهم بِاللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما عاهَدَهُمْ، ونُسْخَةُ الكِتابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيها قَسَمٌ، وهَذا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إلى الآخَرِ، ثُمَّ صارَ مُجَرَّدُ الكَلامِ بِالعَهْدِ يُسَمّى يَمِينًا، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ اليَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ العَهْدُ يَمِينًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ هي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ولَمّا كانَ الحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ يَمِينًا، فاسْمُ اليَمِينِ جامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ وإنْ كانَ نَذْرًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ " النَّذْرُ حَلْفَةٌ " ولِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالنَّهْيُ عَنْ [نَقْضِ] العُهُودِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَسَمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَسَمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]
مَعْناهُ: تَتَعاهَدُونَ وتَتَعاقَدُونَ بِهِ، والمَقْصُودُ أنَّ كُلَّ مَن طَعَنَ في دِينِنا بَعْدَ أنْ عاهَدْناهُ عَهْدًا يَقْتَضِي ألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهو إمامٌ في الكُفْرِ لا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ، وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإمامٍ في الكُفْرِ، وهو مَن خالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الهَمُّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِقِتالِهِمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] فَجَعَلَ هَمَّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبًا لِقِتالِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الأذى لَهُ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ سَبَّهُ أعْظَمُ أذًى لَهُ مِن مُجَرَّدِ إخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ، ولِهَذا عَفا ﷺ عامَ الفَتْحِ عَنِ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ولَمْ يَعْفُ عَمَّنْ سَبَّهُ، فالذِّمِّيُّ إذا أظْهَرَ سَبَّهُ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وفَعَلَ ما هو أعْظَمُ مِنَ الهَمِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ وبَدَأ بِالأذى فَيَجِبُ قِتالُهُ.
[فَصْلٌ الأمْرُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤-١٥]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ، ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أشْياءَ: تَعْذِيبِهِمْ بِأذى المُؤْمِنِينَ، وخِزْيِهِمْ، والنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وشِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وذَهابِ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وتَوْبَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُقاتِلُوهم يَحْصُلْ هَذا.
وَإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مُرَتَّبَةً عَلى قِتالِ النّاكِثِ والطّاعِنِ في الدِّينِ - وهي أُمُورٌ مَطْلُوبَةٌ - كانَ سَبَبُها المُقْتَضِي لَها مَطْلُوبًا لِلشّارِعِ - وهو القِتالُ - وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَطْلُوبَةً حاصِلَةً بِالقِتالِ لَمْ يَجُزْ تَعْطِيلُ القِتالِ الَّذِي هو سَبَبُها مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي لَهُ مِن جِهَةِ مَن يُقاتِلُهُ، وهو النَّكْثُ والطَّعْنُ في الدِّينِ.
فَشِفاءُ الصُّدُورِ الحاصِلُ مِن ألَمِ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وذَهابُ الغَيْظِ الحاصِلِ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ، مَقْصُودٌ لِلشّارِعِ مَطْلُوبُ الحُصُولِ، ولا رَيْبَ أنَّ مَن أظْهَرَ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنَّهُ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويُؤْلِمُهم أكْثَرَ مِن سَفْكِ دِماءِ بَعْضِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ هَذا يُثِيرُ الغَضَبَ لِلَّهِ والحَمِيَّةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ.
وَهَذا القَدْرُ لا يَهِيجُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ غَيْظٌ أكْثَرَ مِنهُ، بَلِ المُؤْمِنُ المُسَدَّدُ لا يَغْضَبُ هَذا الغَضَبَ إلّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وذَهابَ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِقَتْلِ السَّبّابِ لِأوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ [تَعْزِيرَهُ] وتَأْدِيبَهُ يُذْهِبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أذْهَبَ التَّعْزِيرُ والتَّأْدِيبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ الرَّسُولَ لَكانَ غَيْظُهم مِن سَبِّ نَبِيِّهِمْ مِثْلَ غَيْظِهِمْ مِن سَبِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا.
الثّانِي: أنَّ شَتْمَهُ أعْظَمُ عِنْدَهم مِن أنْ يُسْفَكَ دِماءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ لَوْ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم إلّا قَتْلُهُ، فَأنْ لا تُشْفى صُدُورُهم إلّا بِقَتْلِ السّابِّ أوْلى وأحْرى.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِتالَهم هو السَّبَبَ في حُصُولِ الشِّفاءِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَصِّلُهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ هو الشّافِيَ لِصُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ هَذا.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأرادَ أنْ يَشْفِيَ صُدُورَ خُزاعَةَ - وهُمُ القَوْمُ المُؤْمِنُونَ - مِن بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ قاتَلُوهم مَكَّنَهم مِنهم نِصْفَ النَّهارِ أوْ أكْثَرَ مَعَ أمانِهِ لِسائِرِ النّاسِ، فَلَوْ كانَ شِفاءُ صُدُورِهِمْ وذَهابُ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ بِدُونِ القَتْلِ لِلَّذِينَ نَكَثُوا أوْ طَعَنُوا لَما فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أمانِهِ النّاسَ.
التوبة 9:10
[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]
فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟
يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.
والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.
[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفَيْنِ المُتَلازِمَيْنِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَمَتى تَحَقَّقَ أحَدُهُما تَحَقَّقَ الآخَرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ الطَّعْنِ في دِينِنا بَلْ إمْكانُ بَقائِهِ عَلى العَهْدِ دِينًا أقْرَبُ مِن بَقائِهِ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ، بَلْ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وسُنَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلَيْهِ مَعَ المُحارَبَةِ بِاليَدِ ومَنعِ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، وهَذا واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ما يُبَيَّنُ في الحُكْمِ، وإلّا فالوَصْفُ العَدِيمُ التَّأْثِيرِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ وزَنى حُدَّ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ كُلُّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالتَّأْثِيرِ لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما يُقالُ: يُقْتَلُ هَذا لِأنَّهُ زانٍ مُرْتَدٌّ. وقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُ الجَزاءِ مُرَتَّبًا عَلى المَجْمُوعِ، ولِكُلِّ وصْفٍ تَأْثِيرٌ في البَعْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُها مُسْتَلْزِمًا لِلْبَعْضِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [آل عمران: ٢١] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أيِّ الأقْسامِ فُرِضَتْ كانَتْ دَلِيلًا؛ لِأنَّ أقْصى ما يُقالُ: إنَّ نَقْضَ العَهْدِ هو المُبِيحُ لِلْقِتالِ والطَّعْنِ في الدِّينِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مُوجِبٌ لَهُ، فَنَقُولُ إذا كانَ الطَّعْنُ يُغَلِّظُ قِتالَ مَن لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ ويُوجِبُهُ؛ فَلِأنْ يُوجِبَ قَتْلَ مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ ذِمَّةٌ - وهو مُلْتَزِمٌ لِلصَّغارِ - أوْلى، فَإنَّ المُعاهِدَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِهِ ما شاءَ مِن أمْرِ دِينِهِ، والذِّمِّيُّ لَيْسَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِ الإسْلامِ شَيْئًا مِن دِينِهِ الباطِلِ.
الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ مُجَرَّدَ نَكْثِ الأيْمانِ مُقْتَضٍ لِلْمُقاتَلَةِ ولَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الطَّعْنِ في الدِّينِ، وضَرَرُهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ عَلَيْنا، فَإذا كانَ أيْسَرُ الأمْرَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلْمُقاتَلَةِ فَكَيْفَ بِأشَدِّهِما؟
الجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا سَبَّ اللَّهَ والرَّسُولَ أوْ عابَ الإسْلامَ عَلانِيَةً فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ بِما يَرْدَعُهُ ويُنَكَّلُ بِهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُعاهِدْنا عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مُعاهَدًا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ كَما لا يُعاقَبُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ الخِنْزِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا كُنّا عاهَدْناهُ عَلى ألّا يَطْعَنَ في دِينِنا ثُمَّ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ مِن بَعْدِ عَهْدِهِ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ.
قالَ شَيْخُنا: وهَذِهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المُنازِعَ سَلَّمَ لَنا أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ لَكِنَّهُ يَقُولُ: " لَيْسَ كُلُّ ما مُنِعَ مِنهُ يَنْقُضُ عَهْدَهُ كَإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ ". ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مَنَعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا لا يَضُرُّ بِنا ضَرَرًا بَيِّنًا، كَتَرْكِ الغِيارِ مَثَلًا وشُرْبِ الخَمْرِ وإظْهارِ الخِنْزِيرِ، وبَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مُنِعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا فِيهِ غايَةُ الضَّرَرِ بِالمُسْلِمِينَ وبِالدِّينِ، فَإلْحاقُ أحَدِهِما بِالآخَرِ باطِلٌ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ الجَوابُ الخامِسُ: أنَّ النَّكْثَ هو مُخالَفَةُ العَهْدِ، فَمَتى خالَفُوا شَيْئًا مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهو نَكْثٌ مَأْخُوذٌ مِن نَكْثِ الحَبْلِ وهو نَقْضُ قُواهُ، ونَكْثُ الحَبْلِ يَحْصُلُ بِنَقْضِ قُوَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَحْصُلُ بِنَقْضِ جَمِيعِ القُوى، لَكِنْ قَدْ يَبْقى مِن [قُواهُ ما [يَتَمَسَّكُ بِهِ الحَبْلُ، وقَدْ يَهِنُ بِالكُلِّيَّةِ.
وَهَذِهِ المُخالَفَةُ مِنَ المُعاهِدِ قَدْ تُبْطِلُ العَهْدَ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَجْعَلَهُ حَرْبِيًّا، وقَدْ تُشَعِّثُ العَهْدَ حَتّى تُبِيحَ عُقُوبَتَهُمْ، كَما أنَّ فَقْدَ بَعْضِ الشُّرُوطِ في البَيْعِ والنِّكاحِ وغَيْرِهِما قَدْ يُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُبِيحُ الفَسْخَ والإمْساكَ.
وَأمّا مَن قالَ: " يَنْتَقِضُ العَهْدُ بِجَمِيعِ المُخالَفاتِ ". فَظاهِرٌ عَلى قَوْلٍ قالَهُ القاضِي في " التَّعْلِيقِ ".
واحْتَجَّ القاضِي بِأنَّهم لَوْ أظْهَرُوا مُنْكَرًا في دارِ الإسْلامِ مِثْلَ: إحْداثِ البِيَعِ والكَنائِسِ في دارِ الإسْلامِ ورَفْعِ الأصْواتِ بِكُتُبِهِمْ والضَّرْبِ بِالنَّواقِيسِ وإطالَةِ البِناءِ عَلى أبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وكَذَلِكَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُسْلِمِينَ في مَلْبُوسِهِمْ ومَرْكُوبِهِمْ وشُعُورِهِمْ وكُناهم.
قالَ: والجَوابُ أنَّ مِن أصْحابِنا مَن جَعَلَهُ ناقِضًا لِلْعَهْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ - وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: " ومَن نَقَضَ العَهْدَ بِمُخالَفَةِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ عادَ حَرْبِيًّا " - فَعَلى هَذا لا نُسَلِّمُ، وإنْ سَلَّمْناهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها وإنَّما نُهُوا عَنْ فِعْلِها لِما في إظْهارِها مِنَ المُنْكَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في مِلَّتِنا لِأنَّ في فِعْلِها ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ فَبانَ الفَرْقُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ شَيْخُنا: فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى العَقْدُ ألّا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِن عَيْبِ دِينِنا، وأنَّهم مَتى أظْهَرُوهُ فَقَدْ نَكَثُوا وطَعَنُوا في الدِّينِ فَيَدْخُلُونَ في عُمُومِ الآيَةِ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّصِّ.
[فَصْلٌ: كُلُّ مَن طَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ]
وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِنا، ولَكِنْ أقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ بَيْنَهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ المُقاتَلَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] ونَظائِرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ، وإمامُ الكُفْرِ هو الدّاعِي إلَيْهِ المُتَّبَعُ فِيهِ.
وَإنَّما صارَ إمامًا في الكُفْرِ لِأجْلِ الطَّعْنِ، وإلّا فَإنَّ مُجَرَّدَ النَّكْثِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّ الطّاعِنَ في الدِّينِ يَعِيبُهُ ويَذُمُّهُ ويَدْعُو إلى خِلافِهِ، وهَذا شَأْنُ الإمامِ، فَإذا طَعَنَ الذِّمِّيُّ في الدِّينِ كانَ إمامًا في الكُفْرِ فَيَجِبُ قِتالُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] عِلَّةٌ أُخْرى لِقِتالِهِ، فَأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ المُقْتَضِي لِلْقِتالِ - وهو نَكْثُ العَهْدِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - وبَيانُ عَدَمِ المانِعِ مِنَ القِتالِ وهو الإيمانُ العاصِمُ.
وَأمّا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألِفِ فالأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي أحْسَنُ القِراءَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ سَبَبِ القِتالِ - وهو نَكْثُ الأيْمانِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا أيْمانَ لَهم تَعْصِمُهم مِنَ القَتْلِ لِأنَّهم قَدْ نَكَثُوها.
والمُرادُ بِالأيْمانِ هُنا العُهُودُ لا القَسَمُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقاسِمْهم بِاللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما عاهَدَهُمْ، ونُسْخَةُ الكِتابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيها قَسَمٌ، وهَذا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إلى الآخَرِ، ثُمَّ صارَ مُجَرَّدُ الكَلامِ بِالعَهْدِ يُسَمّى يَمِينًا، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ اليَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ العَهْدُ يَمِينًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ هي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ولَمّا كانَ الحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ يَمِينًا، فاسْمُ اليَمِينِ جامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ وإنْ كانَ نَذْرًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ " النَّذْرُ حَلْفَةٌ " ولِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالنَّهْيُ عَنْ [نَقْضِ] العُهُودِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَسَمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَسَمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]
مَعْناهُ: تَتَعاهَدُونَ وتَتَعاقَدُونَ بِهِ، والمَقْصُودُ أنَّ كُلَّ مَن طَعَنَ في دِينِنا بَعْدَ أنْ عاهَدْناهُ عَهْدًا يَقْتَضِي ألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهو إمامٌ في الكُفْرِ لا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ، وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإمامٍ في الكُفْرِ، وهو مَن خالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الهَمُّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِقِتالِهِمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] فَجَعَلَ هَمَّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبًا لِقِتالِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الأذى لَهُ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ سَبَّهُ أعْظَمُ أذًى لَهُ مِن مُجَرَّدِ إخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ، ولِهَذا عَفا ﷺ عامَ الفَتْحِ عَنِ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ولَمْ يَعْفُ عَمَّنْ سَبَّهُ، فالذِّمِّيُّ إذا أظْهَرَ سَبَّهُ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وفَعَلَ ما هو أعْظَمُ مِنَ الهَمِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ وبَدَأ بِالأذى فَيَجِبُ قِتالُهُ.
[فَصْلٌ الأمْرُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤-١٥]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ، ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أشْياءَ: تَعْذِيبِهِمْ بِأذى المُؤْمِنِينَ، وخِزْيِهِمْ، والنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وشِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وذَهابِ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وتَوْبَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُقاتِلُوهم يَحْصُلْ هَذا.
وَإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مُرَتَّبَةً عَلى قِتالِ النّاكِثِ والطّاعِنِ في الدِّينِ - وهي أُمُورٌ مَطْلُوبَةٌ - كانَ سَبَبُها المُقْتَضِي لَها مَطْلُوبًا لِلشّارِعِ - وهو القِتالُ - وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَطْلُوبَةً حاصِلَةً بِالقِتالِ لَمْ يَجُزْ تَعْطِيلُ القِتالِ الَّذِي هو سَبَبُها مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي لَهُ مِن جِهَةِ مَن يُقاتِلُهُ، وهو النَّكْثُ والطَّعْنُ في الدِّينِ.
فَشِفاءُ الصُّدُورِ الحاصِلُ مِن ألَمِ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وذَهابُ الغَيْظِ الحاصِلِ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ، مَقْصُودٌ لِلشّارِعِ مَطْلُوبُ الحُصُولِ، ولا رَيْبَ أنَّ مَن أظْهَرَ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنَّهُ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويُؤْلِمُهم أكْثَرَ مِن سَفْكِ دِماءِ بَعْضِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ هَذا يُثِيرُ الغَضَبَ لِلَّهِ والحَمِيَّةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ.
وَهَذا القَدْرُ لا يَهِيجُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ غَيْظٌ أكْثَرَ مِنهُ، بَلِ المُؤْمِنُ المُسَدَّدُ لا يَغْضَبُ هَذا الغَضَبَ إلّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وذَهابَ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِقَتْلِ السَّبّابِ لِأوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ [تَعْزِيرَهُ] وتَأْدِيبَهُ يُذْهِبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أذْهَبَ التَّعْزِيرُ والتَّأْدِيبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ الرَّسُولَ لَكانَ غَيْظُهم مِن سَبِّ نَبِيِّهِمْ مِثْلَ غَيْظِهِمْ مِن سَبِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا.
الثّانِي: أنَّ شَتْمَهُ أعْظَمُ عِنْدَهم مِن أنْ يُسْفَكَ دِماءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ لَوْ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم إلّا قَتْلُهُ، فَأنْ لا تُشْفى صُدُورُهم إلّا بِقَتْلِ السّابِّ أوْلى وأحْرى.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِتالَهم هو السَّبَبَ في حُصُولِ الشِّفاءِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَصِّلُهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ هو الشّافِيَ لِصُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ هَذا.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأرادَ أنْ يَشْفِيَ صُدُورَ خُزاعَةَ - وهُمُ القَوْمُ المُؤْمِنُونَ - مِن بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ قاتَلُوهم مَكَّنَهم مِنهم نِصْفَ النَّهارِ أوْ أكْثَرَ مَعَ أمانِهِ لِسائِرِ النّاسِ، فَلَوْ كانَ شِفاءُ صُدُورِهِمْ وذَهابُ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ بِدُونِ القَتْلِ لِلَّذِينَ نَكَثُوا أوْ طَعَنُوا لَما فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أمانِهِ النّاسَ.
التوبة 9:11
[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]
فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟
يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.
والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.
[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفَيْنِ المُتَلازِمَيْنِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَمَتى تَحَقَّقَ أحَدُهُما تَحَقَّقَ الآخَرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ الطَّعْنِ في دِينِنا بَلْ إمْكانُ بَقائِهِ عَلى العَهْدِ دِينًا أقْرَبُ مِن بَقائِهِ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ، بَلْ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وسُنَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلَيْهِ مَعَ المُحارَبَةِ بِاليَدِ ومَنعِ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، وهَذا واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ما يُبَيَّنُ في الحُكْمِ، وإلّا فالوَصْفُ العَدِيمُ التَّأْثِيرِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ وزَنى حُدَّ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ كُلُّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالتَّأْثِيرِ لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما يُقالُ: يُقْتَلُ هَذا لِأنَّهُ زانٍ مُرْتَدٌّ. وقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُ الجَزاءِ مُرَتَّبًا عَلى المَجْمُوعِ، ولِكُلِّ وصْفٍ تَأْثِيرٌ في البَعْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُها مُسْتَلْزِمًا لِلْبَعْضِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [آل عمران: ٢١] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أيِّ الأقْسامِ فُرِضَتْ كانَتْ دَلِيلًا؛ لِأنَّ أقْصى ما يُقالُ: إنَّ نَقْضَ العَهْدِ هو المُبِيحُ لِلْقِتالِ والطَّعْنِ في الدِّينِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مُوجِبٌ لَهُ، فَنَقُولُ إذا كانَ الطَّعْنُ يُغَلِّظُ قِتالَ مَن لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ ويُوجِبُهُ؛ فَلِأنْ يُوجِبَ قَتْلَ مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ ذِمَّةٌ - وهو مُلْتَزِمٌ لِلصَّغارِ - أوْلى، فَإنَّ المُعاهِدَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِهِ ما شاءَ مِن أمْرِ دِينِهِ، والذِّمِّيُّ لَيْسَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِ الإسْلامِ شَيْئًا مِن دِينِهِ الباطِلِ.
الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ مُجَرَّدَ نَكْثِ الأيْمانِ مُقْتَضٍ لِلْمُقاتَلَةِ ولَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الطَّعْنِ في الدِّينِ، وضَرَرُهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ عَلَيْنا، فَإذا كانَ أيْسَرُ الأمْرَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلْمُقاتَلَةِ فَكَيْفَ بِأشَدِّهِما؟
الجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا سَبَّ اللَّهَ والرَّسُولَ أوْ عابَ الإسْلامَ عَلانِيَةً فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ بِما يَرْدَعُهُ ويُنَكَّلُ بِهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُعاهِدْنا عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مُعاهَدًا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ كَما لا يُعاقَبُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ الخِنْزِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا كُنّا عاهَدْناهُ عَلى ألّا يَطْعَنَ في دِينِنا ثُمَّ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ مِن بَعْدِ عَهْدِهِ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ.
قالَ شَيْخُنا: وهَذِهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المُنازِعَ سَلَّمَ لَنا أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ لَكِنَّهُ يَقُولُ: " لَيْسَ كُلُّ ما مُنِعَ مِنهُ يَنْقُضُ عَهْدَهُ كَإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ ". ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مَنَعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا لا يَضُرُّ بِنا ضَرَرًا بَيِّنًا، كَتَرْكِ الغِيارِ مَثَلًا وشُرْبِ الخَمْرِ وإظْهارِ الخِنْزِيرِ، وبَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مُنِعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا فِيهِ غايَةُ الضَّرَرِ بِالمُسْلِمِينَ وبِالدِّينِ، فَإلْحاقُ أحَدِهِما بِالآخَرِ باطِلٌ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ الجَوابُ الخامِسُ: أنَّ النَّكْثَ هو مُخالَفَةُ العَهْدِ، فَمَتى خالَفُوا شَيْئًا مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهو نَكْثٌ مَأْخُوذٌ مِن نَكْثِ الحَبْلِ وهو نَقْضُ قُواهُ، ونَكْثُ الحَبْلِ يَحْصُلُ بِنَقْضِ قُوَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَحْصُلُ بِنَقْضِ جَمِيعِ القُوى، لَكِنْ قَدْ يَبْقى مِن [قُواهُ ما [يَتَمَسَّكُ بِهِ الحَبْلُ، وقَدْ يَهِنُ بِالكُلِّيَّةِ.
وَهَذِهِ المُخالَفَةُ مِنَ المُعاهِدِ قَدْ تُبْطِلُ العَهْدَ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَجْعَلَهُ حَرْبِيًّا، وقَدْ تُشَعِّثُ العَهْدَ حَتّى تُبِيحَ عُقُوبَتَهُمْ، كَما أنَّ فَقْدَ بَعْضِ الشُّرُوطِ في البَيْعِ والنِّكاحِ وغَيْرِهِما قَدْ يُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُبِيحُ الفَسْخَ والإمْساكَ.
وَأمّا مَن قالَ: " يَنْتَقِضُ العَهْدُ بِجَمِيعِ المُخالَفاتِ ". فَظاهِرٌ عَلى قَوْلٍ قالَهُ القاضِي في " التَّعْلِيقِ ".
واحْتَجَّ القاضِي بِأنَّهم لَوْ أظْهَرُوا مُنْكَرًا في دارِ الإسْلامِ مِثْلَ: إحْداثِ البِيَعِ والكَنائِسِ في دارِ الإسْلامِ ورَفْعِ الأصْواتِ بِكُتُبِهِمْ والضَّرْبِ بِالنَّواقِيسِ وإطالَةِ البِناءِ عَلى أبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وكَذَلِكَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُسْلِمِينَ في مَلْبُوسِهِمْ ومَرْكُوبِهِمْ وشُعُورِهِمْ وكُناهم.
قالَ: والجَوابُ أنَّ مِن أصْحابِنا مَن جَعَلَهُ ناقِضًا لِلْعَهْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ - وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: " ومَن نَقَضَ العَهْدَ بِمُخالَفَةِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ عادَ حَرْبِيًّا " - فَعَلى هَذا لا نُسَلِّمُ، وإنْ سَلَّمْناهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها وإنَّما نُهُوا عَنْ فِعْلِها لِما في إظْهارِها مِنَ المُنْكَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في مِلَّتِنا لِأنَّ في فِعْلِها ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ فَبانَ الفَرْقُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ شَيْخُنا: فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى العَقْدُ ألّا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِن عَيْبِ دِينِنا، وأنَّهم مَتى أظْهَرُوهُ فَقَدْ نَكَثُوا وطَعَنُوا في الدِّينِ فَيَدْخُلُونَ في عُمُومِ الآيَةِ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّصِّ.
[فَصْلٌ: كُلُّ مَن طَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ]
وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِنا، ولَكِنْ أقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ بَيْنَهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ المُقاتَلَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] ونَظائِرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ، وإمامُ الكُفْرِ هو الدّاعِي إلَيْهِ المُتَّبَعُ فِيهِ.
وَإنَّما صارَ إمامًا في الكُفْرِ لِأجْلِ الطَّعْنِ، وإلّا فَإنَّ مُجَرَّدَ النَّكْثِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّ الطّاعِنَ في الدِّينِ يَعِيبُهُ ويَذُمُّهُ ويَدْعُو إلى خِلافِهِ، وهَذا شَأْنُ الإمامِ، فَإذا طَعَنَ الذِّمِّيُّ في الدِّينِ كانَ إمامًا في الكُفْرِ فَيَجِبُ قِتالُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] عِلَّةٌ أُخْرى لِقِتالِهِ، فَأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ المُقْتَضِي لِلْقِتالِ - وهو نَكْثُ العَهْدِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - وبَيانُ عَدَمِ المانِعِ مِنَ القِتالِ وهو الإيمانُ العاصِمُ.
وَأمّا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألِفِ فالأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي أحْسَنُ القِراءَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ سَبَبِ القِتالِ - وهو نَكْثُ الأيْمانِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا أيْمانَ لَهم تَعْصِمُهم مِنَ القَتْلِ لِأنَّهم قَدْ نَكَثُوها.
والمُرادُ بِالأيْمانِ هُنا العُهُودُ لا القَسَمُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقاسِمْهم بِاللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما عاهَدَهُمْ، ونُسْخَةُ الكِتابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيها قَسَمٌ، وهَذا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إلى الآخَرِ، ثُمَّ صارَ مُجَرَّدُ الكَلامِ بِالعَهْدِ يُسَمّى يَمِينًا، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ اليَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ العَهْدُ يَمِينًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ هي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ولَمّا كانَ الحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ يَمِينًا، فاسْمُ اليَمِينِ جامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ وإنْ كانَ نَذْرًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ " النَّذْرُ حَلْفَةٌ " ولِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالنَّهْيُ عَنْ [نَقْضِ] العُهُودِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَسَمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَسَمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]
مَعْناهُ: تَتَعاهَدُونَ وتَتَعاقَدُونَ بِهِ، والمَقْصُودُ أنَّ كُلَّ مَن طَعَنَ في دِينِنا بَعْدَ أنْ عاهَدْناهُ عَهْدًا يَقْتَضِي ألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهو إمامٌ في الكُفْرِ لا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ، وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإمامٍ في الكُفْرِ، وهو مَن خالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الهَمُّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِقِتالِهِمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] فَجَعَلَ هَمَّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبًا لِقِتالِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الأذى لَهُ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ سَبَّهُ أعْظَمُ أذًى لَهُ مِن مُجَرَّدِ إخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ، ولِهَذا عَفا ﷺ عامَ الفَتْحِ عَنِ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ولَمْ يَعْفُ عَمَّنْ سَبَّهُ، فالذِّمِّيُّ إذا أظْهَرَ سَبَّهُ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وفَعَلَ ما هو أعْظَمُ مِنَ الهَمِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ وبَدَأ بِالأذى فَيَجِبُ قِتالُهُ.
[فَصْلٌ الأمْرُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤-١٥]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ، ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أشْياءَ: تَعْذِيبِهِمْ بِأذى المُؤْمِنِينَ، وخِزْيِهِمْ، والنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وشِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وذَهابِ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وتَوْبَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُقاتِلُوهم يَحْصُلْ هَذا.
وَإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مُرَتَّبَةً عَلى قِتالِ النّاكِثِ والطّاعِنِ في الدِّينِ - وهي أُمُورٌ مَطْلُوبَةٌ - كانَ سَبَبُها المُقْتَضِي لَها مَطْلُوبًا لِلشّارِعِ - وهو القِتالُ - وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَطْلُوبَةً حاصِلَةً بِالقِتالِ لَمْ يَجُزْ تَعْطِيلُ القِتالِ الَّذِي هو سَبَبُها مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي لَهُ مِن جِهَةِ مَن يُقاتِلُهُ، وهو النَّكْثُ والطَّعْنُ في الدِّينِ.
فَشِفاءُ الصُّدُورِ الحاصِلُ مِن ألَمِ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وذَهابُ الغَيْظِ الحاصِلِ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ، مَقْصُودٌ لِلشّارِعِ مَطْلُوبُ الحُصُولِ، ولا رَيْبَ أنَّ مَن أظْهَرَ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنَّهُ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويُؤْلِمُهم أكْثَرَ مِن سَفْكِ دِماءِ بَعْضِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ هَذا يُثِيرُ الغَضَبَ لِلَّهِ والحَمِيَّةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ.
وَهَذا القَدْرُ لا يَهِيجُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ غَيْظٌ أكْثَرَ مِنهُ، بَلِ المُؤْمِنُ المُسَدَّدُ لا يَغْضَبُ هَذا الغَضَبَ إلّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وذَهابَ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِقَتْلِ السَّبّابِ لِأوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ [تَعْزِيرَهُ] وتَأْدِيبَهُ يُذْهِبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أذْهَبَ التَّعْزِيرُ والتَّأْدِيبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ الرَّسُولَ لَكانَ غَيْظُهم مِن سَبِّ نَبِيِّهِمْ مِثْلَ غَيْظِهِمْ مِن سَبِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا.
الثّانِي: أنَّ شَتْمَهُ أعْظَمُ عِنْدَهم مِن أنْ يُسْفَكَ دِماءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ لَوْ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم إلّا قَتْلُهُ، فَأنْ لا تُشْفى صُدُورُهم إلّا بِقَتْلِ السّابِّ أوْلى وأحْرى.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِتالَهم هو السَّبَبَ في حُصُولِ الشِّفاءِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَصِّلُهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ هو الشّافِيَ لِصُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ هَذا.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأرادَ أنْ يَشْفِيَ صُدُورَ خُزاعَةَ - وهُمُ القَوْمُ المُؤْمِنُونَ - مِن بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ قاتَلُوهم مَكَّنَهم مِنهم نِصْفَ النَّهارِ أوْ أكْثَرَ مَعَ أمانِهِ لِسائِرِ النّاسِ، فَلَوْ كانَ شِفاءُ صُدُورِهِمْ وذَهابُ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ بِدُونِ القَتْلِ لِلَّذِينَ نَكَثُوا أوْ طَعَنُوا لَما فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أمانِهِ النّاسَ.
التوبة 9:12
[فَصْلٌ لَيْسَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ عَهْدٌ إلّا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ إنَّهم لا أيْمانَ لَهم لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]
فَنَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِمُشْرِكٍ عَهْدٌ مِمَّنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عاهَدَهم إلّا قَوْمًا ذَكَرَهم فَجَعَلَ لَهم عَهْدًا ما دامُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا، فَعُلِمَ أنَّ العَهْدَ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِ إلّا ما دامَ مُسْتَقِيمًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مُجاهَرَتَنا بِتِلْكَ الأُمُورِ العِظامِ تَقْدَحُ في الِاسْتِقامَةِ كَما تَقْدَحُ مُجاهَرَتُنا بِالِاسْتِقامَةِ فِيها، بَلْ مُجاهَرَتُنا بِسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا وكِتابِهِ وإحْراقِ مَساجِدِنا ودُورِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن مُجاهَرَتِنا بِالمُحارَبَةِ إنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَبْذُلَ دِماءَنا وأمْوالَنا حَتّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا ولا يُجْهَرَ بَيْنَ أظْهُرِنا بِشَيْءٍ مِن أذى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإذا لَمْ يَكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أهْوَنِ الأمْرَيْنِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُونَ لَنا مَعَ القَدْحِ في أعْظَمِهِما؟
يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلًّا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهم عَهْدٌ ولَوْ ظَهَرُوا عَلَيْكم لَمْ يَرْقُبُوا الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهم ولا العَهْدَ، فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنَّهُ إذا ظَهَرَ لَمْ يَرْقُبْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ العَهْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، ومَن جاهَرَنا بِالطَّعْنِ في دِينِنا وسَبِّ رَبِّنا ونَبِيِّنا كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ عَلَيْنا لَمْ يَرْقُبِ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ إذا كانَ هَذا فِعْلُهُ مَعَ وُجُودِ العَهْدِ والذِّلَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعَ القُدْرَةِ والدَّوْلَةِ؟ وهَذا بِخِلافِ مَن لَمْ يُظْهِرْ لَنا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَفِيَ لَنا بِالعَهْدِ ولَوْ ظَهَرَ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ إنَّما هي في أهْلِ الهُدْنَةِ المُقِيمِينَ في دارِهِمْ، قِيلَ: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَها أعَمُّ.
والثّانِي: أنَّها إذا كانَ مَعْناها في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِهِمْ فَثُبُوتُهُ في أهْلِ الذِّمَّةِ المُقِيمِينَ بِدارِنا أوْلى وأحْرى.
[فَصْلٌ انْتِقاضُ العَهْدِ بِنَكْثِهِمْ أيْمانَهُمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ؛ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي عاهَدَنا عَلَيْهِ مِنَ الكَفِّ عَنْ أذانا والطَّعْنِ في دِينِنا، وجَعَلَ عِلَّةَ قِتالِهِ ذَلِكَ، وعَطَفَ الطَّعْنَ في الدِّينِ عَلى نَكْثِ العَهْدِ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَيانًا أنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْقِتالِ، ولِهَذا تُغَلَّظُ عَلى صاحِبِهِ العُقُوبَةُ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ كانَ يُهْدِرُ دِماءَ مَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ ويُمْسِكُ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن نَقَضَ عَهْدَهُ وطَعَنَ في الدِّينِ فَإنَّهُ يُقاتَلُ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ مَن طَعَنَ في الدِّينِ ولَمْ يَنْقُضِ العَهْدَ لَمْ يُقاتَلْ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِوَصْفَيْنِ لا يَثْبُتُ إلّا بِوُجُودِ أحَدِهِما، فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفَيْنِ المُتَلازِمَيْنِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَمَتى تَحَقَّقَ أحَدُهُما تَحَقَّقَ الآخَرُ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ١٤] ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَلا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ الطَّعْنِ في دِينِنا بَلْ إمْكانُ بَقائِهِ عَلى العَهْدِ دِينًا أقْرَبُ مِن بَقائِهِ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ، بَلْ إنْ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلى العَهْدِ مَعَ المُجاهَرَةِ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وسُنَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ أمْكَنَ بَقاؤُهُ عَلَيْهِ مَعَ المُحارَبَةِ بِاليَدِ ومَنعِ إعْطاءِ الجِزْيَةِ، وهَذا واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ ما يُبَيَّنُ في الحُكْمِ، وإلّا فالوَصْفُ العَدِيمُ التَّأْثِيرِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: مَن أكَلَ وزَنى حُدَّ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ كُلُّ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِالتَّأْثِيرِ لَوِ انْفَرَدَتْ، كَما يُقالُ: يُقْتَلُ هَذا لِأنَّهُ زانٍ مُرْتَدٌّ. وقَدْ يَكُونُ مَجْمُوعُ الجَزاءِ مُرَتَّبًا عَلى المَجْمُوعِ، ولِكُلِّ وصْفٍ تَأْثِيرٌ في البَعْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الصِّفاتُ مُتَلازِمَةً، كُلٌّ مِنها لَوْ فُرِضَ تَجَرُّدُهُ لَكانَ مُؤَثِّرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، فَيُذْكَرُ إيضاحًا وبَيانًا لِلْمُوجِبِ.
وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُها مُسْتَلْزِمًا لِلْبَعْضِ مِن غَيْرِ عَكْسٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقِّ﴾ [آل عمران: ٢١] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أيِّ الأقْسامِ فُرِضَتْ كانَتْ دَلِيلًا؛ لِأنَّ أقْصى ما يُقالُ: إنَّ نَقْضَ العَهْدِ هو المُبِيحُ لِلْقِتالِ والطَّعْنِ في الدِّينِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مُوجِبٌ لَهُ، فَنَقُولُ إذا كانَ الطَّعْنُ يُغَلِّظُ قِتالَ مَن لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَهْدٌ ويُوجِبُهُ؛ فَلِأنْ يُوجِبَ قَتْلَ مَن بَيْنَنا وبَيْنَهُ ذِمَّةٌ - وهو مُلْتَزِمٌ لِلصَّغارِ - أوْلى، فَإنَّ المُعاهِدَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِهِ ما شاءَ مِن أمْرِ دِينِهِ، والذِّمِّيُّ لَيْسَ لَهُ أنْ يُظْهِرَ في دارِ الإسْلامِ شَيْئًا مِن دِينِهِ الباطِلِ.
الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ مُجَرَّدَ نَكْثِ الأيْمانِ مُقْتَضٍ لِلْمُقاتَلَةِ ولَوْ تَجَرَّدَ عَنِ الطَّعْنِ في الدِّينِ، وضَرَرُهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ عَلَيْنا، فَإذا كانَ أيْسَرُ الأمْرَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلْمُقاتَلَةِ فَكَيْفَ بِأشَدِّهِما؟
الجَوابُ الرّابِعُ: أنَّ الذِّمِّيَّ إذا سَبَّ اللَّهَ والرَّسُولَ أوْ عابَ الإسْلامَ عَلانِيَةً فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّهُ يُعاقَبُ عَلى ذَلِكَ بِما يَرْدَعُهُ ويُنَكَّلُ بِهِ، فَعُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُعاهِدْنا عَلَيْهِ؛ إذْ لَوْ كانَ مُعاهَدًا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ عَلَيْهِ كَما لا يُعاقَبُ عَلى شُرْبِ الخَمْرِ وأكْلِ الخِنْزِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا كُنّا عاهَدْناهُ عَلى ألّا يَطْعَنَ في دِينِنا ثُمَّ طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ يَمِينَهُ مِن بَعْدِ عَهْدِهِ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ.
قالَ شَيْخُنا: وهَذِهِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ جِدًّا؛ لِأنَّ المُنازِعَ سَلَّمَ لَنا أنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن ذَلِكَ بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُ لَكِنَّهُ يَقُولُ: " لَيْسَ كُلُّ ما مُنِعَ مِنهُ يَنْقُضُ عَهْدَهُ كَإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ ". ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مَنَعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا لا يَضُرُّ بِنا ضَرَرًا بَيِّنًا، كَتَرْكِ الغِيارِ مَثَلًا وشُرْبِ الخَمْرِ وإظْهارِ الخِنْزِيرِ، وبَيْنَ مَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلُ ما مُنِعَ مِنهُ العَهْدُ مِمّا فِيهِ غايَةُ الضَّرَرِ بِالمُسْلِمِينَ وبِالدِّينِ، فَإلْحاقُ أحَدِهِما بِالآخَرِ باطِلٌ.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ الجَوابُ الخامِسُ: أنَّ النَّكْثَ هو مُخالَفَةُ العَهْدِ، فَمَتى خالَفُوا شَيْئًا مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهو نَكْثٌ مَأْخُوذٌ مِن نَكْثِ الحَبْلِ وهو نَقْضُ قُواهُ، ونَكْثُ الحَبْلِ يَحْصُلُ بِنَقْضِ قُوَّةٍ واحِدَةٍ كَما يَحْصُلُ بِنَقْضِ جَمِيعِ القُوى، لَكِنْ قَدْ يَبْقى مِن [قُواهُ ما [يَتَمَسَّكُ بِهِ الحَبْلُ، وقَدْ يَهِنُ بِالكُلِّيَّةِ.
وَهَذِهِ المُخالَفَةُ مِنَ المُعاهِدِ قَدْ تُبْطِلُ العَهْدَ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى تَجْعَلَهُ حَرْبِيًّا، وقَدْ تُشَعِّثُ العَهْدَ حَتّى تُبِيحَ عُقُوبَتَهُمْ، كَما أنَّ فَقْدَ بَعْضِ الشُّرُوطِ في البَيْعِ والنِّكاحِ وغَيْرِهِما قَدْ يُبْطِلُهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ يُبِيحُ الفَسْخَ والإمْساكَ.
وَأمّا مَن قالَ: " يَنْتَقِضُ العَهْدُ بِجَمِيعِ المُخالَفاتِ ". فَظاهِرٌ عَلى قَوْلٍ قالَهُ القاضِي في " التَّعْلِيقِ ".
واحْتَجَّ القاضِي بِأنَّهم لَوْ أظْهَرُوا مُنْكَرًا في دارِ الإسْلامِ مِثْلَ: إحْداثِ البِيَعِ والكَنائِسِ في دارِ الإسْلامِ ورَفْعِ الأصْواتِ بِكُتُبِهِمْ والضَّرْبِ بِالنَّواقِيسِ وإطالَةِ البِناءِ عَلى أبْنِيَةِ المُسْلِمِينَ وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وكَذَلِكَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالمُسْلِمِينَ في مَلْبُوسِهِمْ ومَرْكُوبِهِمْ وشُعُورِهِمْ وكُناهم.
قالَ: والجَوابُ أنَّ مِن أصْحابِنا مَن جَعَلَهُ ناقِضًا لِلْعَهْدِ بِهَذِهِ الأشْياءِ - وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، فَإنَّهُ قالَ: " ومَن نَقَضَ العَهْدَ بِمُخالَفَةِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحُوا عَلَيْهِ عادَ حَرْبِيًّا " - فَعَلى هَذا لا نُسَلِّمُ، وإنْ سَلَّمْناهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ فِيها أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المُسْلِمِينَ فِيها وإنَّما نُهُوا عَنْ فِعْلِها لِما في إظْهارِها مِنَ المُنْكَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في مِلَّتِنا لِأنَّ في فِعْلِها ضَرَرًا بِالمُسْلِمِينَ فَبانَ الفَرْقُ، انْتَهى كَلامُهُ.
قالَ شَيْخُنا: فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدِ اقْتَضى العَقْدُ ألّا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِن عَيْبِ دِينِنا، وأنَّهم مَتى أظْهَرُوهُ فَقَدْ نَكَثُوا وطَعَنُوا في الدِّينِ فَيَدْخُلُونَ في عُمُومِ الآيَةِ لَفْظًا ومَعْنًى، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّصِّ.
[فَصْلٌ: كُلُّ مَن طَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ]
وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] وهُمُ الَّذِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِنا، ولَكِنْ أقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ بَيْنَهُما عَلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ المُقاتَلَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] ونَظائِرِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن نَكَثَ يَمِينَهُ وطَعَنَ في دِينِنا فَهو مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ، وإمامُ الكُفْرِ هو الدّاعِي إلَيْهِ المُتَّبَعُ فِيهِ.
وَإنَّما صارَ إمامًا في الكُفْرِ لِأجْلِ الطَّعْنِ، وإلّا فَإنَّ مُجَرَّدَ النَّكْثِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ وهَذا ظاهِرٌ، فَإنَّ الطّاعِنَ في الدِّينِ يَعِيبُهُ ويَذُمُّهُ ويَدْعُو إلى خِلافِهِ، وهَذا شَأْنُ الإمامِ، فَإذا طَعَنَ الذِّمِّيُّ في الدِّينِ كانَ إمامًا في الكُفْرِ فَيَجِبُ قِتالُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] عِلَّةٌ أُخْرى لِقِتالِهِ، فَأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ المُقْتَضِي لِلْقِتالِ - وهو نَكْثُ العَهْدِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - وبَيانُ عَدَمِ المانِعِ مِنَ القِتالِ وهو الإيمانُ العاصِمُ.
وَأمّا عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألِفِ فالأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي أحْسَنُ القِراءَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ سَبَبِ القِتالِ - وهو نَكْثُ الأيْمانِ والطَّعْنُ في الدِّينِ - ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ لا أيْمانَ لَهم تَعْصِمُهم مِنَ القَتْلِ لِأنَّهم قَدْ نَكَثُوها.
والمُرادُ بِالأيْمانِ هُنا العُهُودُ لا القَسَمُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقاسِمْهم بِاللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وإنَّما عاهَدَهُمْ، ونُسْخَةُ الكِتابِ مَحْفُوظَةٌ لَيْسَ فِيها قَسَمٌ، وهَذا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاهِدَيْنِ يَمُدُّ يَمِينَهُ إلى الآخَرِ، ثُمَّ صارَ مُجَرَّدُ الكَلامِ بِالعَهْدِ يُسَمّى يَمِينًا، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَدُّ اليَمِينِ.
وَقَدْ قِيلَ: سُمِّيَ العَهْدُ يَمِينًا؛ لِأنَّ اليَمِينَ هي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ولَمّا كانَ الحَلِفُ مَعْقُودًا مَشْدُودًا سُمِّيَ يَمِينًا، فاسْمُ اليَمِينِ جامِعٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ وإنْ كانَ نَذْرًا، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ " النَّذْرُ حَلْفَةٌ " ولِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] فالنَّهْيُ عَنْ [نَقْضِ] العُهُودِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَسَمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَسَمٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١]
مَعْناهُ: تَتَعاهَدُونَ وتَتَعاقَدُونَ بِهِ، والمَقْصُودُ أنَّ كُلَّ مَن طَعَنَ في دِينِنا بَعْدَ أنْ عاهَدْناهُ عَهْدًا يَقْتَضِي ألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهو إمامٌ في الكُفْرِ لا يَمِينَ لَهُ فَيَجِبُ قَتْلُهُ بِنَصِّ الآيَةِ، وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاكِثِ الَّذِي لَيْسَ بِإمامٍ في الكُفْرِ، وهو مَن خالَفَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمّا صُولِحَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الهَمُّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِقِتالِهِمْ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] فَجَعَلَ هَمَّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ مُوجِبًا لِقِتالِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الأذى لَهُ.
وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ سَبَّهُ أعْظَمُ أذًى لَهُ مِن مُجَرَّدِ إخْراجِهِ مِن بَلَدِهِ، ولِهَذا عَفا ﷺ عامَ الفَتْحِ عَنِ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ ولَمْ يَعْفُ عَمَّنْ سَبَّهُ، فالذِّمِّيُّ إذا أظْهَرَ سَبَّهُ فَقَدْ نَكَثَ عَهْدَهُ وفَعَلَ ما هو أعْظَمُ مِنَ الهَمِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ وبَدَأ بِالأذى فَيَجِبُ قِتالُهُ.
[فَصْلٌ الأمْرُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤-١٥]
فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِقِتالِ النّاكِثِينَ الطّاعِنِينَ في الدِّينِ، ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أشْياءَ: تَعْذِيبِهِمْ بِأذى المُؤْمِنِينَ، وخِزْيِهِمْ، والنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وشِفاءِ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ، وذَهابِ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وتَوْبَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُقاتِلُوهم يَحْصُلْ هَذا.
وَإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مُرَتَّبَةً عَلى قِتالِ النّاكِثِ والطّاعِنِ في الدِّينِ - وهي أُمُورٌ مَطْلُوبَةٌ - كانَ سَبَبُها المُقْتَضِي لَها مَطْلُوبًا لِلشّارِعِ - وهو القِتالُ - وإذا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مَطْلُوبَةً حاصِلَةً بِالقِتالِ لَمْ يَجُزْ تَعْطِيلُ القِتالِ الَّذِي هو سَبَبُها مَعَ قِيامِ المُقْتَضِي لَهُ مِن جِهَةِ مَن يُقاتِلُهُ، وهو النَّكْثُ والطَّعْنُ في الدِّينِ.
فَشِفاءُ الصُّدُورِ الحاصِلُ مِن ألَمِ النَّكْثِ والطَّعْنِ، وذَهابُ الغَيْظِ الحاصِلِ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ، مَقْصُودٌ لِلشّارِعِ مَطْلُوبُ الحُصُولِ، ولا رَيْبَ أنَّ مَن أظْهَرَ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَإنَّهُ يَغِيظُ المُؤْمِنِينَ ويُؤْلِمُهم أكْثَرَ مِن سَفْكِ دِماءِ بَعْضِهِمْ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ هَذا يُثِيرُ الغَضَبَ لِلَّهِ والحَمِيَّةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ.
وَهَذا القَدْرُ لا يَهِيجُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ غَيْظٌ أكْثَرَ مِنهُ، بَلِ المُؤْمِنُ المُسَدَّدُ لا يَغْضَبُ هَذا الغَضَبَ إلّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ شِفاءَ صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وذَهابَ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ بِقَتْلِ السَّبّابِ لِأوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ [تَعْزِيرَهُ] وتَأْدِيبَهُ يُذْهِبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ، فَلَوْ أذْهَبَ التَّعْزِيرُ والتَّأْدِيبُ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ إذا شَتَمَ الرَّسُولَ لَكانَ غَيْظُهم مِن سَبِّ نَبِيِّهِمْ مِثْلَ غَيْظِهِمْ مِن سَبِّ واحِدٍ مِنهُمْ، وهَذا باطِلٌ قَطْعًا.
الثّانِي: أنَّ شَتْمَهُ أعْظَمُ عِنْدَهم مِن أنْ يُسْفَكَ دِماءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ لَوْ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم لَمْ يَشْفِ صُدُورَهم إلّا قَتْلُهُ، فَأنْ لا تُشْفى صُدُورُهم إلّا بِقَتْلِ السّابِّ أوْلى وأحْرى.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ قِتالَهم هو السَّبَبَ في حُصُولِ الشِّفاءِ، والأصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يُحَصِّلُهُ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ هو الشّافِيَ لِصُدُورِ المُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ هَذا.
الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأرادَ أنْ يَشْفِيَ صُدُورَ خُزاعَةَ - وهُمُ القَوْمُ المُؤْمِنُونَ - مِن بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ قاتَلُوهم مَكَّنَهم مِنهم نِصْفَ النَّهارِ أوْ أكْثَرَ مَعَ أمانِهِ لِسائِرِ النّاسِ، فَلَوْ كانَ شِفاءُ صُدُورِهِمْ وذَهابُ غَيْظِ قُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ بِدُونِ القَتْلِ لِلَّذِينَ نَكَثُوا أوْ طَعَنُوا لَما فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ أمانِهِ النّاسَ.
التوبة 9:14
فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد.
فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضا أُخر أصعب من مرض العشق كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، ولم يزل، وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر.
وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب. فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه، لكن اشتغال القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبرئه، وقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتِي بفتواهم
"قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال"
فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم.
وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهديَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كأنماَ يَصَّعَّدُ فِى السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية. ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن.
(فائدة)
وَأمّا تَأْثِيرُ الجِهادِ في دَفْعِ الهَمِّ والغَمِّ فَأمْرٌ مَعْلُومٌ بِالوِجْدانِ، فَإنَّ النَّفْسَ مَتى تَرَكَتْ صائِلَ الباطِلِ وصَوْلَتَهُ واسْتِيلاءَهُ اشْتَدَّ هَمُّها، وغَمُّها، وكَرْبُها، وخَوْفُها، فَإذا جاهَدَتْهُ لِلَّهِ أبْدَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الهَمَّ والحُزْنَ فَرَحًا ونَشاطًا وقُوَّةً كَما قالَ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾
فَلا شَيْءَ أذْهَبُ لِجَوى القَلْبِ وغَمِّهِ وهَمِّهِ وحُزْنِهِ مِنَ الجِهادِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
التوبة 9:15
فأمر بقتال عدوهم، وأعلمهم أن فيه ست فوائد.
فالغيظ يؤلم القلب، ودواؤه في شفاء غيظه، فإن شفاه بحق اشتفى، وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه، وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق، فإن ذلك يزيد مرضه، ويوجب له أمراضا أُخر أصعب من مرض العشق كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب، وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور، فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر، ولم يزل، وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر.
وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب. فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم، وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه، لكن اشتغال القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه، بسبب جهله بالعلوم النافعة، التي هي شرط في صحته وبرئه، وقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الذين أفتوا بالجهل، فهلك المستفتِي بفتواهم
"قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال"
فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم.
وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه، يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده، وينشرح بالهدى والعلم، قال الله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهديَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كأنماَ يَصَّعَّدُ فِى السَّماءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية. ومنها ما لا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن.
(فائدة)
وَأمّا تَأْثِيرُ الجِهادِ في دَفْعِ الهَمِّ والغَمِّ فَأمْرٌ مَعْلُومٌ بِالوِجْدانِ، فَإنَّ النَّفْسَ مَتى تَرَكَتْ صائِلَ الباطِلِ وصَوْلَتَهُ واسْتِيلاءَهُ اشْتَدَّ هَمُّها، وغَمُّها، وكَرْبُها، وخَوْفُها، فَإذا جاهَدَتْهُ لِلَّهِ أبْدَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الهَمَّ والحُزْنَ فَرَحًا ونَشاطًا وقُوَّةً كَما قالَ تَعالى: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ - ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾
فَلا شَيْءَ أذْهَبُ لِجَوى القَلْبِ وغَمِّهِ وهَمِّهِ وحُزْنِهِ مِنَ الجِهادِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
التوبة 9:19
فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام، وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن، وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة بقوله تعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاة وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشى إلا اللهَ، فَعَسى أُولَئِكَ أن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾
فهؤلاءِ هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم.
التوبة 9:20
فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام، وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن، وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة بقوله تعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاة وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشى إلا اللهَ، فَعَسى أُولَئِكَ أن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾
فهؤلاءِ هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم.
التوبة 9:24
فَكُلُّ مَن قَدَّمَ طاعَةَ أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ قَوْلَ أحَدٍ مِنهم عَلى قَوْلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مَرْضاةَ أحَدٍ مِنهم عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ خَوْفَ أحَدٍ مِنهم ورَجاءَهُ والتَوَكُّلَ عَلَيْهِ عَلى خَوْفِ اللَّهِ ورَجائِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْ مُعامَلَةَ أحَدِهِمْ عَلى مُعامَلَةِ اللَّهِ فَهو مِمَّنْ لَيْسَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وإنْ قالَهُ بِلِسانِهِ فَهو كَذِبٌ مِنهُ، وإخْبارٌ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَنَّ قَدَّمَ حُكْمَ أحَدٍ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَذَلِكَ المُقَدَّمُ عِنْدَهُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلى مَن يُقَدِّمُ قَوْلَ أحَدٍ أوْ حُكْمَهُ، أوْ طاعَتَهُ أوْ مَرْضاتَهُ، ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَحْكُمُ ولا يَقُولُ إلّا ما قالَهُ الرَّسُولُ، فَيُطِيعُهُ، ويُحاكِمُ إلَيْهِ، ويَتَلَقّى أقْوالَهُ كَذَلِكَ، فَهَذا مَعْذُورٌ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا إذا قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى الرَّسُولِ، وعَرَفَ أنَّ غَيْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ هو أوْلى بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى الرَّسُولِ ولا إلى مَن هو أوْلى بِهِ، فَهَذا الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ، وهو داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَإنِ اسْتَحَلَّ عُقُوبَةَ مَن خالَفَهُ وأذَلَّهُ، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى اتِّباعِ شَيْخِهِ، فَهو مِنَ الظَّلَمَةِ المُعْتَدِينَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.
وقال في (الكلام على مسألة السماع)
فلا يُنجِي العبدَ إلا أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه من كل شيء، فطاعة الله ورسوله آثرُ عنده من كل شيء، والله تعالى لم يَرضَ من عباده أن يكون حبُّهم له ولرسوله كحب الأهل والمال، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله، أحبَّ إليهم من أهليهم
وأموالهم ومساكنهم وتجاراتهم وعشائرهم.
والمقصود أن للمحبين ثلاثة أصول، بها تتحقق محبتهم:
الإخلاص وإفراد محبوبهم تبارك وتعالى بالمحبة.
والثاني: الجهاد في سبيله، وهو الذي يُصدِّق إيمانهم ويكذِّبها، قال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وبذلك وصف أهل المحبة في قوله: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
(فائدة)
وجاء ذكر البنين مقدما على الأموال كما في قوله: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾
وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾
وأما تقديمهم على الأموال في تينك الآيتين فلحكمة باهرة وهي أن براءة متضمنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها أحب إليه من الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أن تصور المجاهد فراق أهله وأولاده وآبائه وإخوانه وعشيرته تمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقته ماله فإن تصور مع هذا أن يقتل فيفارقهم فراق الدهر نفرت نفسه عن هذه أكثر وأكثر ولا يكاد عند هذا التصور يخطر له مفارقة ماله بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال.
وتأمل هذا الترتيب البديع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر يطلعك على عظمة هذا الكلام وجلالته فبدأ أولا بذكر أصول العبد وهم آباؤه المتقدمون طبعا وشرفا ورتبة وكان فخر القوم بآبائهم ومحاماتهم عنهم أكثر من محاماتهم عن أنفسهم وأموالهم وحتى عن أبنائهم ولهذا حملتهم محاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احتملوا القتل وسبي الذرية ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم ثم ذكر الفروع وهم الأبناء لأنهم يتلونهم في الرتبة وهم أقرب أقاربهم إليهم وأعلق بقلوبهم وألصق بأكبادهم من الإخوان والعشيرة ثم ذكر الإخوان وهم الكلالة وحواشي النسب فذكر الأصول أولا ثم الفروع ثانيا ثم النظراء ثالثا ثم الأزواج رابعا لأن الزوجة أجنبية عنده ويمكن أن يتعوض عنها بغيرها وهي إنما تراد للشهوة، وأما الأقارب من الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم ويرادون للنصرة والدفاع، وذلك مقدم على مجرد الشهوة، ثم ذكر القرابة البعيدة خامسا وهي العشيرة وبنو العم فإن عشائرهم كانوا بني عمتهم غالبا وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير، ثم انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسا ووصفها بكونها مقترفة أي مكتسبة، لأن القلوب إلى ما اكتسبته من المال أميل وله أحب وبقدره أعرف لما حصل له فيه من التعب والمشقة بخلاف مال جاء عفوا بلا كسب من ميراث أو هبة أو وصية فإن حفظه للأول ومراعاته له وحرصه على بقائه أعظم من الثاني والحس شاهد بهذا وحسبك به، ثم ذكر التجارة سابعا لأن محبة العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقترف فقدم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها، ثم وصف التجارة بكونها مما يخشى كسادها وهذا يدل على شرفها وخطرها وأنه قد بلغ قدرها إلى أنها مخوفة الكساد، ثم ذكر الأوطان ثامنا آخر المراتب لأن تعلق القلب بها دون تعلقه بسائر ما تقدم فإن الأوطان تتشابه وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأول من كل وجه ويكون خيرا منه فمنها عوض، وأما الآباء والأبناء والأقارب والعشائر فلا يتعوض منهما بغيرها، فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأول فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم فمحبة الوطن آخر المراتب، وهذا هو الواقع إلا لعارض يترجح عنده إيثار البعيد على القريب فذلك جزئي لا كلي فلا تناقض به، وأما عند عدم العوارض فهذا هو الترتيب المناسب والواقع.
التوبة 9:25
[فَصْلٌ: في الإشارَةِ إلى بَعْضِ ما تَضَمَّنَتْهُ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ مِنَ المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ والنُّكَتِ الحُكْمِيَّةِ]
[تَسَبَّبَتْ حَرْبُ هَوازِنَ لَهُ ﷺ في إظْهارِ أمْرِ اللَّهِ]
كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ وعَدَ رَسُولَهُ وهو صادِقُ الوَعْدِ، أنَّهُ إذا فَتَحَ مَكَّةَ دَخَلَ النّاسُ في دِينِهِ أفْواجًا، ودانَتْ لَهُ العَرَبُ بِأسْرِها، فَلَمّا تَمَّ لَهُ الفَتْحُ المُبِينُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى أنْ أمْسَكَ قُلُوبَ هَوازِنَ ومَن تَبِعَها عَنِ الإسْلامِ، وأنْ يَجْمَعُوا ويَتَألَّبُوا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ؛ لِيَظْهَرَ أمْرُ اللَّهِ وتَمامُ إعْزازِهِ لِرَسُولِهِ ونَصْرِهِ لِدِينِهِ، ولِتَكُونَ غَنائِمُهم شُكْرانًا لِأهْلِ الفَتْحِ، ولِيُظْهِرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ وعِبادَهُ، وقَهْرَهُ لِهَذِهِ الشَّوْكَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَلْقَ المُسْلِمُونَ مِثْلَها، فَلا يُقاوِمُهم بَعْدُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الباهِرَةِ الَّتِي تَلُوحُ لِلْمُتَأمِّلِينَ، وتَبْدُو لِلْمُتَوَسِّمِينَ.
واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ أنْ أذاقَ المُسْلِمِينَ أوَّلًا مَرارَةَ الهَزِيمَةِ والكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ لِيُطامِنَ رُءُوسًا رُفِعَتْ بِالفَتْحِ، ولَمْ تَدْخُلْ بَلَدَهُ وحَرَمَهُ كَما دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واضِعًا رَأْسَهُ مُنْحَنِيًا عَلى فَرَسِهِ، حَتّى إنَّ ذَقْنَهُ تَكادُ تَمَسُّ سُرُجَهُ تَواضُعًا لِرَبِّهِ وخُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، واسْتِكانَةً لِعِزَّتِهِ، أنْ أحَلَّ لَهُ حَرَمَهُ وبَلَدَهُ، ولَمْ يَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا لِأحَدٍ بَعْدَهُ، ولِيُبَيِّنَ سُبْحانَهُ لِمَن قالَ: (لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ) أنَّ النَّصْرَ إنَّما هو مِن عِنْدِهِ، وأنَّهُ مَن يَنْصُرُهُ فَلا غالِبَ لَهُ، ومَن يَخْذُلُهُ فَلا ناصِرَ لَهُ غَيْرُهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى نَصْرَ رَسُولِهِ ودِينِهِ، لا كَثْرَتُكُمُ الَّتِي أعْجَبَتْكُمْ، فَإنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا، فَوَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، فَلَمّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهم أُرْسِلَتْ إلَيْها خِلَعُ الجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النَّصْرِ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة: ٢٦] وقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّ خِلَعَ النَّصْرِ وجَوائِزَهُ إنَّما تَفِيضُ عَلى أهْلِ الِانْكِسارِ، ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].
وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا مَنَعَ الجَيْشَ غَنائِمَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَغْنَمُوا مِنها ذَهَبًا، ولا فِضَّةً ولا مَتاعًا، ولا سَبْيًا، ولا أرْضًا، كَما رَوى أبو داود، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: سَألْتُ جابرا: (هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الفَتْحِ شَيْئًا؟ قالَ لا) وكانُوا قَدْ فَتَحُوها بِإيجافِ الخَيْلِ والرِّكابِ، وهم عَشَرَةُ آلافٍ، وفِيهِمْ حاجَةٌ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الجَيْشُ مِن أسْبابِ القُوَّةِ، فَحَرَّكَ سُبْحانَهُ قُلُوبَ المُشْرِكِينَ لِغَزْوِهِمْ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمْ إخْراجَ أمْوالِهِمْ ونَعَمِهِمْ وشائِهِمْ وسَبْيِهِمْ مَعَهم نُزُلًا، وضِيافَةً وكَرامَةً لِحِزْبِهِ وجُنْدِهِ، وتَمَّمَ تَقْدِيرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ أطْمَعَهم في الظَّفَرِ، وألاحَ لَهم مَبادِئَ النَّصْرِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلى رَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، وبَرَدَتِ الغَنائِمُ لِأهْلِها، وجَرَتْ فِيها سِهامُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قِيلَ: لا حاجَةَ لَنا في دِمائِكُمْ، ولا في نِسائِكم وذَرارِيِّكُمْ، فَأوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ، فَجاءُوا مُسْلِمِينَ. فَقِيلَ: إنَّ مِن شُكْرِ إسْلامِكم وإتْيانِكم أنْ نَرُدَّ عَلَيْكم نِساءَكم وأبْناءَكم وسَبْيَكم و﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠].
وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ افْتَتَحَ غَزْوَ العَرَبِ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ، وخَتَمَ غَزْوَهم بِغَزْوَةِ حُنَيْنٍ، ولِهَذا يُقْرَنُ بَيْنَ هاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ بِالذِّكْرِ، فَيُقالُ: بَدْرٌ وحُنَيْنٌ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما سَبْعُ سِنِينَ، والمَلائِكَةُ قاتَلَتْ بِأنْفُسِها مَعَ المُسْلِمِينَ في هاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ، والنَّبِيُّ ﷺ رَمى في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ بِالحَصْباءِ فِيهِما، وبِهاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ طُفِئَتْ جَمْرَةُ العَرَبِ لِغَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فالأُولى: خَوَّفَتْهم وكَسَرَتْ مِن حَدِّهِمْ، والثّانِيَةُ اسْتَفْرَغَتْ قُواهُمْ، واسْتَنْفَدَتْ سِهامَهُمْ، وأذَلَّتْ جَمْعَهُمْ، حَتّى لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الدُّخُولِ في دِينِ اللَّهِ.
وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَبَرَ بِها أهْلَ مَكَّةَ، وفَرَّحَهم بِما نالُوهُ مِنَ النَّصْرِ والمَغْنَمِ، فَكانَتْ كالدَّواءِ لِما نالَهم مِن كَسْرِهِمْ، وإنْ كانَ عَيْنَ جَبْرِهِمْ وعَرَّفَهم تَمامَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما صَرَفَ عَنْهم مِن شَرِّ هَوازِنَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم بِهِمْ طاقَةٌ، وإنَّما نُصِرُوا عَلَيْهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، ولَوْ أُفْرِدُوا عَنْهم لَأكَلَهم عَدُوُّهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّهُ تَعالى.
وَفِيها: مِنَ الفِقْهِ أنَّ الإمامَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَبْعَثَ العُيُونَ، ومَن يَدْخُلُ بَيْنَ عَدُوِّهِ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ، وأنَّ الإمامَ إذا سَمِعَ بِقَصْدِ عَدُوِّهِ لَهُ وفي جَيْشِهِ قُوَّةٌ ومَنَعَةٌ، لا يَقْعُدُ يَنْتَظِرُهُمْ، بَلْ يَسِيرُ إلَيْهِمْ، كَما سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هَوازِنَ، حَتّى لَقِيَهم بِحُنَيْنٍ.
وَمِنها: أنَّ الإمامَ لَهُ أنْ يَسْتَعِيرَ سِلاحَ المُشْرِكِينَ وعُدَّتَهُمْ، لِقِتالِ عَدُوِّهِ، كَما اسْتَعارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أدْراعَ صفوان، وهو يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ.
وَمِنها: أنَّ مِن تَمامِ التَّوَكُّلِ اسْتِعْمالَ الأسْبابِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا وشَرْعًا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أكْمَلُ الخَلْقِ تَوَكُّلًا، وإنَّما كانُوا يَلْقَوْنَ عَدُوَّهم وهم مُتَحَصِّنُونَ بِأنْواعِ السِّلاحِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، والبَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ، ولا رُسُوخَ في العِلْمِ يَسْتَشْكِلُ هَذا، ويَتَكايَسُ في الجَوابِ تارَةً بِأنَّ هَذا فَعَلَهُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وتارَةً بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ. ووَقَعَتْ في مِصْرَ مَسْألَةٌ سَألَ عَنْها بَعْضُ الأُمَراءِ، وقَدْ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ، في " تارِيخِهِ الكَبِيرِ " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ بَعْدَ أنْ أهْدَتْ لَهُ اليَهُودِيَّةُ الشّاةَ المَسْمُومَةَ لا يَأْكُلُ طَعامًا قُدِّمَ لَهُ حَتّى يَأْكُلَ مِنهُ مَن قَدَّمَهُ.
قالُوا: وفي هَذا أُسْوَةٌ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ. فَقالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذا، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إلَيْهِ.
وَأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ الحَدِيثِ، وبَعْضُهم بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَها. ولَوْ تَأمَّلَ هَؤُلاءِ أنَّ ضَمانَ اللَّهِ لَهُ العِصْمَةَ لا يُنافِي تَعاطِيَهُ لِأسْبابِها، لَأغْناهم عَنْ هَذا التَّكَلُّفِ، فَإنَّ هَذا الضَّمانَ لَهُ مِن رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى لا يُناقِضُ احْتِراسَهُ مِنَ النّاسِ، ولا يُنافِيهِ، كَما أنَّ إخْبارَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ يُظْهِرُ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ويُعْلِيهِ لا يُناقِضُ أمْرَهُ بِالقِتالِ وإعْدادِ العُدَّةِ والقُوَّةِ ورِباطِ الخَيْلِ، والأخْذِ بِالجِدِّ والحَذَرِ والِاحْتِراسِ مِن عَدُوِّهِ، ومُحارَبَتِهِ بِأنْواعِ الحَرْبِ والتَّوْرِيَةِ، فَكانَ إذا أرادَ الغَزْوَةَ ورّى بِغَيْرِها، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ عاقِبَةِ حالِهِ ومَآلِهِ بِما يَتَعاطاهُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مُفْضِيَةً إلى ذَلِكَ مُقْتَضِيَةً لَهُ، وهو ﷺ أعْلَمُ بِرَبِّهِ، وأتْبَعُ لِأمْرِهِ مِن أنْ يُعَطِّلَ الأسْبابَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مُوجِبَةً لِما وعَدَهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ إظْهارِ دِينِهِ وغَلَبَتِهِ لِعَدُوِّهِ، وهَذا كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ ضَمِنَ لَهُ حَياتَهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالاتِهِ، ويُظْهِرَ دِينَهُ، وهو يَتَعاطى أسْبابَ الحَياةِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والمَسْكَنِ، وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، حَتّى آلَ ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إلى أنْ تَرَكَ الدُّعاءِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَسْئُولَ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ نالَهُ، ولا بُدَّ وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَنَلْهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاشْتِغالِ بِالدُّعاءِ؟
ثُمَّ تَكايَسَ في الجَوابِ، بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ عِبادَةٌ، فَيُقالُ لِهَذا الغالِطِ: بَقِيَ عَلَيْكَ قِسْمٌ آخَرُ - وهو الحَقُّ - أنَّهُ قَدْ قَدَّرَ لَهُ مَطْلُوبَهُ بِسَبَبٍ إنْ تَعاطاهُ حَصَلَ لَهُ المَطْلُوبُ، وإنْ عَطَّلَ السَّبَبَ فاتَهُ المَطْلُوبُ، والدُّعاءُ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، وما مِثْلُ هَذا الغالِطِ إلّا مِثْلُ مَن يَقُولُ: وإنْ كانَ اللَّهُ قَدْ قَدَّرَ لِيَ الشَّبَعَ فَأنا أشْبَعُ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ، إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لِيَ الشَّبَعَ لَمْ أشْبَعْ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ فَما فائِدَةُ الأكْلِ؟ وأمْثالُ هَذِهِ التُّرَّهاتِ الباطِلَةِ المُنافِيَةِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وشَرْعِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَفِيها: جَوازُ عَقْرِ فَرَسِ العَدُوِّ ومَرْكُوبِهِ إذا كانَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلى قَتْلِهِ، كَما عَقَرَ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَمَلَ حامِلِ رايَةِ الكُفّارِ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
وَفِيها: عَفْوُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ، ولَمْ يُعاجِلْهُ، بَلْ دَعا لَهُ، ومَسَحَ صَدْرَهُ حَتّى عادَ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ.
وَمِنها: ما ظَهَرَ في هَذِهِ الغَزاةِ مِن مُعْجِزاتِ النُّبُوَّةِ وآياتِ الرِّسالَةِ، مِن إخْبارِهِ لِشَيْبَةَ بِما أضْمَرَ في نَفْسِهِ ومِن ثَباتِهِ، وقَدْ تَوَلّى عَنْهُ النّاسُ وهو يَقُولُ
؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ
وَقَدِ اسْتَقْبَلَتْهُ كَتائِبُ المُشْرِكِينَ.
وَمِنها: إيصالُ اللَّهِ قَبْضَتَهُ الَّتِي رَمى بِها إلى عُيُونِ أعْدائِهِ عَلى البُعْدِ مِنهُ،
وَبَرَكَتُهُ في تِلْكَ القَبْضَةِ حَتّى مَلَأتْ أعْيُنَ القَوْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ فِيها، كَنُزُولِ المَلائِكَةِ لِلْقِتالِ مَعَهُ حَتّى رَآهُمُ العَدُوُّ جَهْرَةً ورَآهم بَعْضُ المُسْلِمِينَ.
وَمِنها: جَوازُ انْتِظارِ الإمامِ بِقَسْمِ الغَنائِمِ إسْلامَ الكُفّارِ ودُخُولَهم في الطّاعَةِ، فَيَرُدَّ عَلَيْهِمْ غَنائِمَهم وسَبْيَهُمْ، وفي هَذا دَلِيلٌ لِمَن يَقُولُ: إنَّ الغَنِيمَةَ إنَّما تُمْلَكُ بِالقِسْمَةِ لا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْها، إذْ لَوْ مَلَكَها المُسْلِمُونَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ لَمْ يَسْتَأْنِ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَرُدَّها عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فَلَوْ ماتَ أحَدٌ مِنَ الغانِمِينَ قَبْلَ القِسْمَةِ، أوْ إحْرازِها بِدارِ الإسْلامِ، رُدَّ نَصِيبُهُ عَلى بَقِيَّةِ الغانِمِينَ دُونَ ورَثَتِهِ، وهَذا مَذْهَبُ أبي حنيفة، لَوْ ماتَ قَبْلَ الِاسْتِيلاءِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ، ولَوْ ماتَ بَعْدَ القِسْمَةِ فَسَهْمُهُ لِوَرَثَتِهِ.
التوبة 9:26
[فَصْلٌ: في الإشارَةِ إلى بَعْضِ ما تَضَمَّنَتْهُ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ مِنَ المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ والنُّكَتِ الحُكْمِيَّةِ]
[تَسَبَّبَتْ حَرْبُ هَوازِنَ لَهُ ﷺ في إظْهارِ أمْرِ اللَّهِ]
كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ وعَدَ رَسُولَهُ وهو صادِقُ الوَعْدِ، أنَّهُ إذا فَتَحَ مَكَّةَ دَخَلَ النّاسُ في دِينِهِ أفْواجًا، ودانَتْ لَهُ العَرَبُ بِأسْرِها، فَلَمّا تَمَّ لَهُ الفَتْحُ المُبِينُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى أنْ أمْسَكَ قُلُوبَ هَوازِنَ ومَن تَبِعَها عَنِ الإسْلامِ، وأنْ يَجْمَعُوا ويَتَألَّبُوا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ؛ لِيَظْهَرَ أمْرُ اللَّهِ وتَمامُ إعْزازِهِ لِرَسُولِهِ ونَصْرِهِ لِدِينِهِ، ولِتَكُونَ غَنائِمُهم شُكْرانًا لِأهْلِ الفَتْحِ، ولِيُظْهِرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ وعِبادَهُ، وقَهْرَهُ لِهَذِهِ الشَّوْكَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَلْقَ المُسْلِمُونَ مِثْلَها، فَلا يُقاوِمُهم بَعْدُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الباهِرَةِ الَّتِي تَلُوحُ لِلْمُتَأمِّلِينَ، وتَبْدُو لِلْمُتَوَسِّمِينَ.
واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ أنْ أذاقَ المُسْلِمِينَ أوَّلًا مَرارَةَ الهَزِيمَةِ والكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ لِيُطامِنَ رُءُوسًا رُفِعَتْ بِالفَتْحِ، ولَمْ تَدْخُلْ بَلَدَهُ وحَرَمَهُ كَما دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واضِعًا رَأْسَهُ مُنْحَنِيًا عَلى فَرَسِهِ، حَتّى إنَّ ذَقْنَهُ تَكادُ تَمَسُّ سُرُجَهُ تَواضُعًا لِرَبِّهِ وخُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، واسْتِكانَةً لِعِزَّتِهِ، أنْ أحَلَّ لَهُ حَرَمَهُ وبَلَدَهُ، ولَمْ يَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا لِأحَدٍ بَعْدَهُ، ولِيُبَيِّنَ سُبْحانَهُ لِمَن قالَ: (لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ) أنَّ النَّصْرَ إنَّما هو مِن عِنْدِهِ، وأنَّهُ مَن يَنْصُرُهُ فَلا غالِبَ لَهُ، ومَن يَخْذُلُهُ فَلا ناصِرَ لَهُ غَيْرُهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى نَصْرَ رَسُولِهِ ودِينِهِ، لا كَثْرَتُكُمُ الَّتِي أعْجَبَتْكُمْ، فَإنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا، فَوَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، فَلَمّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهم أُرْسِلَتْ إلَيْها خِلَعُ الجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النَّصْرِ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة: ٢٦] وقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّ خِلَعَ النَّصْرِ وجَوائِزَهُ إنَّما تَفِيضُ عَلى أهْلِ الِانْكِسارِ، ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].
وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا مَنَعَ الجَيْشَ غَنائِمَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَغْنَمُوا مِنها ذَهَبًا، ولا فِضَّةً ولا مَتاعًا، ولا سَبْيًا، ولا أرْضًا، كَما رَوى أبو داود، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: سَألْتُ جابرا: (هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الفَتْحِ شَيْئًا؟ قالَ لا) وكانُوا قَدْ فَتَحُوها بِإيجافِ الخَيْلِ والرِّكابِ، وهم عَشَرَةُ آلافٍ، وفِيهِمْ حاجَةٌ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الجَيْشُ مِن أسْبابِ القُوَّةِ، فَحَرَّكَ سُبْحانَهُ قُلُوبَ المُشْرِكِينَ لِغَزْوِهِمْ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمْ إخْراجَ أمْوالِهِمْ ونَعَمِهِمْ وشائِهِمْ وسَبْيِهِمْ مَعَهم نُزُلًا، وضِيافَةً وكَرامَةً لِحِزْبِهِ وجُنْدِهِ، وتَمَّمَ تَقْدِيرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ أطْمَعَهم في الظَّفَرِ، وألاحَ لَهم مَبادِئَ النَّصْرِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلى رَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، وبَرَدَتِ الغَنائِمُ لِأهْلِها، وجَرَتْ فِيها سِهامُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قِيلَ: لا حاجَةَ لَنا في دِمائِكُمْ، ولا في نِسائِكم وذَرارِيِّكُمْ، فَأوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ، فَجاءُوا مُسْلِمِينَ. فَقِيلَ: إنَّ مِن شُكْرِ إسْلامِكم وإتْيانِكم أنْ نَرُدَّ عَلَيْكم نِساءَكم وأبْناءَكم وسَبْيَكم و﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠].
وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ افْتَتَحَ غَزْوَ العَرَبِ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ، وخَتَمَ غَزْوَهم بِغَزْوَةِ حُنَيْنٍ، ولِهَذا يُقْرَنُ بَيْنَ هاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ بِالذِّكْرِ، فَيُقالُ: بَدْرٌ وحُنَيْنٌ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما سَبْعُ سِنِينَ، والمَلائِكَةُ قاتَلَتْ بِأنْفُسِها مَعَ المُسْلِمِينَ في هاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ، والنَّبِيُّ ﷺ رَمى في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ بِالحَصْباءِ فِيهِما، وبِهاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ طُفِئَتْ جَمْرَةُ العَرَبِ لِغَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فالأُولى: خَوَّفَتْهم وكَسَرَتْ مِن حَدِّهِمْ، والثّانِيَةُ اسْتَفْرَغَتْ قُواهُمْ، واسْتَنْفَدَتْ سِهامَهُمْ، وأذَلَّتْ جَمْعَهُمْ، حَتّى لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الدُّخُولِ في دِينِ اللَّهِ.
وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَبَرَ بِها أهْلَ مَكَّةَ، وفَرَّحَهم بِما نالُوهُ مِنَ النَّصْرِ والمَغْنَمِ، فَكانَتْ كالدَّواءِ لِما نالَهم مِن كَسْرِهِمْ، وإنْ كانَ عَيْنَ جَبْرِهِمْ وعَرَّفَهم تَمامَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما صَرَفَ عَنْهم مِن شَرِّ هَوازِنَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم بِهِمْ طاقَةٌ، وإنَّما نُصِرُوا عَلَيْهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، ولَوْ أُفْرِدُوا عَنْهم لَأكَلَهم عَدُوُّهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّهُ تَعالى.
وَفِيها: مِنَ الفِقْهِ أنَّ الإمامَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَبْعَثَ العُيُونَ، ومَن يَدْخُلُ بَيْنَ عَدُوِّهِ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ، وأنَّ الإمامَ إذا سَمِعَ بِقَصْدِ عَدُوِّهِ لَهُ وفي جَيْشِهِ قُوَّةٌ ومَنَعَةٌ، لا يَقْعُدُ يَنْتَظِرُهُمْ، بَلْ يَسِيرُ إلَيْهِمْ، كَما سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هَوازِنَ، حَتّى لَقِيَهم بِحُنَيْنٍ.
وَمِنها: أنَّ الإمامَ لَهُ أنْ يَسْتَعِيرَ سِلاحَ المُشْرِكِينَ وعُدَّتَهُمْ، لِقِتالِ عَدُوِّهِ، كَما اسْتَعارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أدْراعَ صفوان، وهو يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ.
وَمِنها: أنَّ مِن تَمامِ التَّوَكُّلِ اسْتِعْمالَ الأسْبابِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا وشَرْعًا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أكْمَلُ الخَلْقِ تَوَكُّلًا، وإنَّما كانُوا يَلْقَوْنَ عَدُوَّهم وهم مُتَحَصِّنُونَ بِأنْواعِ السِّلاحِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، والبَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ، ولا رُسُوخَ في العِلْمِ يَسْتَشْكِلُ هَذا، ويَتَكايَسُ في الجَوابِ تارَةً بِأنَّ هَذا فَعَلَهُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وتارَةً بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ. ووَقَعَتْ في مِصْرَ مَسْألَةٌ سَألَ عَنْها بَعْضُ الأُمَراءِ، وقَدْ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ، في " تارِيخِهِ الكَبِيرِ " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ بَعْدَ أنْ أهْدَتْ لَهُ اليَهُودِيَّةُ الشّاةَ المَسْمُومَةَ لا يَأْكُلُ طَعامًا قُدِّمَ لَهُ حَتّى يَأْكُلَ مِنهُ مَن قَدَّمَهُ.
قالُوا: وفي هَذا أُسْوَةٌ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ. فَقالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذا، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إلَيْهِ.
وَأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ الحَدِيثِ، وبَعْضُهم بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَها. ولَوْ تَأمَّلَ هَؤُلاءِ أنَّ ضَمانَ اللَّهِ لَهُ العِصْمَةَ لا يُنافِي تَعاطِيَهُ لِأسْبابِها، لَأغْناهم عَنْ هَذا التَّكَلُّفِ، فَإنَّ هَذا الضَّمانَ لَهُ مِن رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى لا يُناقِضُ احْتِراسَهُ مِنَ النّاسِ، ولا يُنافِيهِ، كَما أنَّ إخْبارَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ يُظْهِرُ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ويُعْلِيهِ لا يُناقِضُ أمْرَهُ بِالقِتالِ وإعْدادِ العُدَّةِ والقُوَّةِ ورِباطِ الخَيْلِ، والأخْذِ بِالجِدِّ والحَذَرِ والِاحْتِراسِ مِن عَدُوِّهِ، ومُحارَبَتِهِ بِأنْواعِ الحَرْبِ والتَّوْرِيَةِ، فَكانَ إذا أرادَ الغَزْوَةَ ورّى بِغَيْرِها، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ عاقِبَةِ حالِهِ ومَآلِهِ بِما يَتَعاطاهُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مُفْضِيَةً إلى ذَلِكَ مُقْتَضِيَةً لَهُ، وهو ﷺ أعْلَمُ بِرَبِّهِ، وأتْبَعُ لِأمْرِهِ مِن أنْ يُعَطِّلَ الأسْبابَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مُوجِبَةً لِما وعَدَهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ إظْهارِ دِينِهِ وغَلَبَتِهِ لِعَدُوِّهِ، وهَذا كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ ضَمِنَ لَهُ حَياتَهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالاتِهِ، ويُظْهِرَ دِينَهُ، وهو يَتَعاطى أسْبابَ الحَياةِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والمَسْكَنِ، وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، حَتّى آلَ ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إلى أنْ تَرَكَ الدُّعاءِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَسْئُولَ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ نالَهُ، ولا بُدَّ وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَنَلْهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاشْتِغالِ بِالدُّعاءِ؟
ثُمَّ تَكايَسَ في الجَوابِ، بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ عِبادَةٌ، فَيُقالُ لِهَذا الغالِطِ: بَقِيَ عَلَيْكَ قِسْمٌ آخَرُ - وهو الحَقُّ - أنَّهُ قَدْ قَدَّرَ لَهُ مَطْلُوبَهُ بِسَبَبٍ إنْ تَعاطاهُ حَصَلَ لَهُ المَطْلُوبُ، وإنْ عَطَّلَ السَّبَبَ فاتَهُ المَطْلُوبُ، والدُّعاءُ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، وما مِثْلُ هَذا الغالِطِ إلّا مِثْلُ مَن يَقُولُ: وإنْ كانَ اللَّهُ قَدْ قَدَّرَ لِيَ الشَّبَعَ فَأنا أشْبَعُ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ، إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لِيَ الشَّبَعَ لَمْ أشْبَعْ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ فَما فائِدَةُ الأكْلِ؟ وأمْثالُ هَذِهِ التُّرَّهاتِ الباطِلَةِ المُنافِيَةِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وشَرْعِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَفِيها: جَوازُ عَقْرِ فَرَسِ العَدُوِّ ومَرْكُوبِهِ إذا كانَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلى قَتْلِهِ، كَما عَقَرَ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَمَلَ حامِلِ رايَةِ الكُفّارِ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
وَفِيها: عَفْوُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ، ولَمْ يُعاجِلْهُ، بَلْ دَعا لَهُ، ومَسَحَ صَدْرَهُ حَتّى عادَ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ.
وَمِنها: ما ظَهَرَ في هَذِهِ الغَزاةِ مِن مُعْجِزاتِ النُّبُوَّةِ وآياتِ الرِّسالَةِ، مِن إخْبارِهِ لِشَيْبَةَ بِما أضْمَرَ في نَفْسِهِ ومِن ثَباتِهِ، وقَدْ تَوَلّى عَنْهُ النّاسُ وهو يَقُولُ
؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ
وَقَدِ اسْتَقْبَلَتْهُ كَتائِبُ المُشْرِكِينَ.
وَمِنها: إيصالُ اللَّهِ قَبْضَتَهُ الَّتِي رَمى بِها إلى عُيُونِ أعْدائِهِ عَلى البُعْدِ مِنهُ،
وَبَرَكَتُهُ في تِلْكَ القَبْضَةِ حَتّى مَلَأتْ أعْيُنَ القَوْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ فِيها، كَنُزُولِ المَلائِكَةِ لِلْقِتالِ مَعَهُ حَتّى رَآهُمُ العَدُوُّ جَهْرَةً ورَآهم بَعْضُ المُسْلِمِينَ.
وَمِنها: جَوازُ انْتِظارِ الإمامِ بِقَسْمِ الغَنائِمِ إسْلامَ الكُفّارِ ودُخُولَهم في الطّاعَةِ، فَيَرُدَّ عَلَيْهِمْ غَنائِمَهم وسَبْيَهُمْ، وفي هَذا دَلِيلٌ لِمَن يَقُولُ: إنَّ الغَنِيمَةَ إنَّما تُمْلَكُ بِالقِسْمَةِ لا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْها، إذْ لَوْ مَلَكَها المُسْلِمُونَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ لَمْ يَسْتَأْنِ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَرُدَّها عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فَلَوْ ماتَ أحَدٌ مِنَ الغانِمِينَ قَبْلَ القِسْمَةِ، أوْ إحْرازِها بِدارِ الإسْلامِ، رُدَّ نَصِيبُهُ عَلى بَقِيَّةِ الغانِمِينَ دُونَ ورَثَتِهِ، وهَذا مَذْهَبُ أبي حنيفة، لَوْ ماتَ قَبْلَ الِاسْتِيلاءِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ، ولَوْ ماتَ بَعْدَ القِسْمَةِ فَسَهْمُهُ لِوَرَثَتِهِ.
التوبة 9:29
الجِزْيَةُ هي الخَراجُ المَضْرُوبُ عَلى رُءُوسِ الكُفّارِ إذْلالًا وصَغارًا والمَعْنى: حَتّى يُعْطُوا الخَراجَ عَنْ رِقابِهِمْ.
واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِها، فَقالَ القاضِي في " الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ ": اسْمُها مُشْتَقٌّ مِنَ الجَزاءِ إمّا جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ لِأخْذِها مِنهم صَغارًا، أوْ جَزاءً عَلى أمانِنا لَهم لِأخْذِها مِنهم رِفْقًا.
قالَ صاحِبُ " المُغْنِي ": هي مُشْتَقَّةٌ مِن جَزاهُ بِمَعْنى قَضاهُ لِقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، فَتَكُونُ الجِزْيَةُ مِثْلَ الفِدْيَةِ.
قالَ شَيْخُنا: والأوَّلُ أصَحُّ، وهَذا يَرْجِعُ إلى أنَّها عُقُوبَةٌ أوْ أُجْرَةٌ.
وَأمّا قَوْلُهُ: عَنْ يَدٍ، فَهو في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ: أيْ يُعْطُوها أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ هَذا هو الصَّحِيحُ في الآيَةِ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: المَعْنى مِن يَدٍ إلى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ.
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن يَدِهِ إلى يَدِ الآخِذِ لا باعِثًا بِها ولا مُوَكِّلًا في دَفْعِها.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناهُ عَنْ إنْعامٍ مِنكم عَلَيْهِمْ بِإقْرارِكم لَهم وبِالقَبُولِ مِنهُمْ، والصَّحِيحُ القَوْلُ الأوَّلُ وعَلَيْهِ النّاسُ.
وَأبْعَدَ كُلَّ البُعْدِ ولَمْ يُصِبْ مُرادَ اللَّهِ مَن قالَ: المَعْنى: عَنْ يَدٍ مِنهُمْ، أيْ عَنْ قُدْرَةٍ عَلى أدائِها فَلا تُؤْخَذُ مِن عاجِزٍ عَنْها، وهَذا الحُكْمُ صَحِيحٌ وحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ باطِلٌ، ولَمْ يُفَسِّرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ ولا التّابِعَيْنِ ولا سَلَفِ الأُمَّةِ وإنَّما هو مِن حَذاقَةِ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، حالٌ أُخْرى، فالأوَّلُ حالُ المُسْلِمِينَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، أنْ يَأْخُذُوها بِقَهْرٍ وعَنْ يَدٍ، والثّانِي حالُ الدّافِعِ لَها أنْ يَدْفَعَها وهو صاغِرٌ ذَلِيلٌ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ (الصَّغارِ) الَّذِي يَكُونُونَ عَلَيْهِ وقْتَ أداءِ الجِزْيَةِ فَقالَ عِكْرِمَةُ: أنْ يَدْفَعَها وهو قائِمٌ، ويَكُونَ الآخِذُ جالِسًا.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا لا راكِبًا، ويُطالَ وُقُوفُهُ عِنْدَ إتْيانِهِ بِها ويُجَرَّ إلى المَوْضِعِ الَّذِي تُؤْخَذُ مِنهُ بِالعُنْفِ ثُمَّ تُجَرَّ يَدُهُ ويُمْتَهَنَ.
وَهَذا كُلُّهُ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا هو مُقْتَضى الآيَةِ ولا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا عَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ.
والصَّوابُ في الآيَةِ أنَّ الصَّغارَ هو التِزامُهم لِجَرَيانِ أحْكامِ المِلَّةِ عَلَيْهِمْ، وإعْطاءِ الجِزْيَةِ فَإنَّ التِزامَ ذَلِكَ هو الصَّغارُ.
وَقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: كانُوا يُجَرُّونَ في أيْدِيهِمْ ويُخْتَمُونَ في أعْناقِهِمْ إذا لَمْ يُؤَدُّوا الصَّغارَ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّمِّيَّ إذا بَذَلَ ما عَلَيْهِ والتَزَمَ الصَّغارَ لَمْ يُحْتَجْ إلى أنْ يُجَرَّ بِيَدِهِ ويُضْرَبَ.
وَقَدْ قالَ في رِوايَةِ مُهَنّا بْنُ يَحْيى: يُسْتَحَبُّ أنْ يُتْعَبُوا في الجِزْيَةِ.
قالَ القاضِي: ولَمْ يُرِدْ تَعْذِيبَهم ولا تَكْلِيفَهم فَوْقَ طاقَتِهِمْ وإنَّما أرادَ الِاسْتِخْفافَ بِهِمْ وإذْلالَهم.
قُلْتُ: لَمّا كانَتْ يَدُ المُعْطِي العُلْيا، ويَدُ الآخِذِ السُّفْلى احْتَرَزَ الأئِمَّةُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الجِزْيَةِ، وأخَذُوها عَلى وجْهٍ تَكُونُ يَدُ المُعْطِي السُّفْلى ويَدُ الآخِذِ العُلْيا.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ النَّصارى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أعْمالَ السُّلْطانِ ويَظْهَرُ مِنهُمُ الظُّلْمُ والِاسْتِعْلاءُ عَلى المُسْلِمِينَ وأخْذُ الضَّرائِبِ لا ذِمَّةَ لَهم وأنَّ دِماءَهم مُباحَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِإعْطاءِ الجِزْيَةِ عَلى وجْهِ الصَّغارِ والذُّلِّ.
وَهَذا الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ القاضِي مِن أصَحِّ الِاسْتِنْباطِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَّ القِتالَ إلى غايَةٍ وهي إعْطاءُ الجِزْيَةِ مَعَ الصَّغارِ، فَإذا كانَتْ حالَةُ النَّصْرانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ الجِزْيَةِ مُنافِيَةً لِلذُّلِّ والصَّغارِ فَلا عِصْمَةَ لِدَمِهِ ولا مالِهِ ولَيْسَتْ لَهُ ذِمَّةٌ، ومِن هاهُنا اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تِلْكَ الشُّرُوطَ الَّتِي فِيها صَغارُهم وإذْلالُهُمْ، وأنَّهم مَتى خَرَجُوا عَنْ شَيْءٍ مِنها فَلا عَهْدَ لَهم ولا ذِمَّةَ، وقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنهم ما يَحِلُّ مِن أهْلِ الشِّقاقِ والمُعانَدَةِ.
[فَصْلٌ لَيْسَتِ الجِزْيَةُ أُجْرَةً عَنْ سُكْنى الدّارِ]
٤ - فَصْلٌ
[لَيْسَتِ الجِزْيَةُ أُجْرَةً عَنْ سُكْنى الدّارِ]
قَدْ تَبَيَّنَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الجِزْيَةَ وُضِعَتْ صَغارًا وإذْلالًا لِلْكُفّارِ لا أُجْرَةً عَنْ سُكْنى الدّارِ، وذَكَرْنا أنَّها لَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَوَجَبَتْ عَلى النِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى والعُمْيانِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَما أنِفَتْ مِنها العَرَبُ مِن نَصارى بَنِي تَغْلِبَ وغَيْرِهِمْ والتَزَمُوا ضِعْفَ ما يُؤْخَذُ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن زَكاةِ أمْوالِهِمْ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَكانَتْ مُقَدَّرَةَ المُدَّةِ كَسائِرِ الإجاراتِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَما وجَبَتْ بِوَصْفِ الإذْلالِ والصَّغارِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَكانَتْ مُقَدَّرَةً بِحَسَبِ المَنفَعَةِ، فَإنَّ سُكْنى الدّارِ قَدْ تُساوِي في السَّنَةِ أضْعافَ الجِزْيَةِ المُقَدَّرَةِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَما وجَبَتْ عَلى الذِّمِّيِّ أُجْرَةُ دارٍ أوْ أرْضٍ يَسْكُنُها إذا اسْتَأْجَرَها مِن بَيْتِ المالِ، ولَوْ كانَتْ أُجْرَةً لَكانَ الواجِبُ فِيها ما يَتَّفِقُ عَلَيْهِ المُؤَجِّرُ والمُسْتَأْجِرُ.
وَبِالجُمْلَةِ فَفَسادُ هَذا القَوْلِ يُعْلَمُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
[فَصْلٌ لا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ ولا امْرَأةٍ ولا مَجْنُونٍ]
٨ - فَصْلٌ
وَلا جِزْيَةَ عَلى صَبِيٍّ ولا امْرَأةٍ ولا مَجْنُونٍ.
هَذا مَذْهَبُ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وأتْباعِهِمْ.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ولا أعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلافَهم.
وَقالَ أبُو مُحَمَّدٍ في " المُغْنِي ": " لا نَعْلَمُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا في هَذا ".
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ، ثَنا أيُّوبُ عَنْ نافِعٍ عَنْ أسْلَمَ مَوْلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يُقاتِلُوا إلّا مَن قاتَلَهُمْ، ولا يَقْتُلُوا النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ، ولا يَقْتُلُوا إلّا مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المَواسِي.
[وَكَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ: أنْ يَضْرِبُوا الجِزْيَةَ، ولا يَضْرِبُوها عَلى النِّساءِ والصِّبْيانِ ولا يَضْرِبُوها إلّا عَلى مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المَواسِي].
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مَن أنْبَتَ.
وَهَذا الحَدِيثُ هو الأصْلُ فِيمَن تَجِبُ عَلَيْهِ الجِزْيَةُ ومَن لا تَجِبُ عَلَيْهِ، ألا تَراهُ إنَّما جَعَلَها عَلى الذُّكُورِ المَذْكُورِينَ دُونَ الإناثِ والأطْفالِ، وأسْقَطَها عَمَّنْ لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ وهُمُ الذُّرِّيَّةُ.
[فصل: مِمَّنْ تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ]
فَأجْمَعَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المَجُوسِ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ تَوَقَّفَ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ حَتّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ.
وَذَكَرَ الشّافِعِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ذَكَرَ المَجُوسَ فَقالَ: ما أدْرِي كَيْفَ أصْنَعُ في أمْرِهِمْ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» " وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾، فاللَّهُ سُبْحانَهُ حَكى هَذا عَنْهُمْ، ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُكَذِّبْهم فِيهِ.
فَإنْ قِيلَ: فالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْخُذْها مِن أحَدٍ مِن عُبّادِ الأوْثانِ مَعَ كَثْرَةِ قِتالِهِ لَهم.
قِيلَ: أجَلْ وذَلِكَ لِأنَّ آيَةَ الجِزْيَةِ إنَّما نَزَلَتْ عامَ " تَبُوكَ " في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَتْ جَزِيرَةُ العَرَبِ ولَمْ يَبْقَ بِها أحَدٌ مِن عُبّادِ الأوْثانِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الجِزْيَةِ أخَذَها النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ مِنَ النَّصارى والمَجُوسِ ولِهَذا لَمْ يَأْخُذْها مِن يَهُودِ المَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ ولا مِن يَهُودِ خَيْبَرَ لِأنَّهُ صالَحَهم قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الجِزْيَةِ.
[ادِّعاءُ يَهُودِ خَيْبَرَ إسْقاطَ الجِزْيَةِ عَنْهم ورَدُّ ذَلِكَ]
وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي الَّتِي أوْقَعَتْ عِنْدَ اليَهُودِ أنَّ أهْلَ خَيْبَرَ لا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ مِن جُمْلَةِ اليَهُودِ، ثُمَّ أكَّدُوا أمْرَها بِأنْ زَوَّرُوا كِتابًا فِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أسْقَطَ عَنْهُمُ الكُلَفَ والسُّخَرَ والجِزْيَةَ ووَضَعُوا فِيهِ شَهادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ وغَيْرِهِما، وهَذا الكِتابُ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ مِن عَشَرَةِ أوْجُهٍ:
مِنها: أنَّ أحَدًا مِن عُلَماءِ النَّقْلِ والسِّيَرِ والمَغازِي لَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ ألْبَتَّةَ مَعَ عِنايَتِهِمْ بِضَبْطِ ما هو دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
الثّانِي: أنَّ الجِزْيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ فَحِينَ صالَحَ أهْلَ خَيْبَرَ لَمْ تَكُنِ الجِزْيَةُ نَزَلَتْ حَتّى يَضَعَها عَنْهم.
الثّالِثُ: أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ لَمْ يَكُنْ أسْلَمَ بَعْدُ فَإنَّهُ إنَّما أسْلَمَ عامَ الفَتْحِ بَعْدَ خَيْبَرَ.
الرّابِعُ: أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ تُوُفِّيَ عامَ الخَنْدَقِ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ.
الخامِسُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ كُلَفٌ ولا سُخَرٌ حَتّى تُوضَعَ عَنْهم.
السّادِسُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأهْلِ خَيْبَرَ مِنَ الحُرْمَةِ ورِعايَةِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ ما يَقْتَضِي وضْعَ الجِزْيَةِ عَنْهُمْ، وقَدْ كانُوا مِن أشَدِّ الكُفّارِ عَداوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ فَأيُّ خَيْرٍ حَصَلَ بِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ حَتّى تُوضَعَ عَنْهُمُ الجِزْيَةُ دُونَ سائِرِ الكُفّارِ؟
السّابِعُ: أنَّ الكِتابَ الَّذِي أظْهَرُوهُ ادَّعَوْا أنَّهُ بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهَذا كَذِبٌ قَطْعًا وعَداوَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْيَهُودِ مَعْرُوفَةٌ، وهو الَّذِي قَتَلَ " مَرْحَبًا " اليَهُودِيَّ وأثْخَنَ في اليَهُودِ يَوْمَ خَيْبَرَ حَتّى كانَ الفَتْحُ عَلى يَدَيْهِ.
الثّامِنُ: أنَّ هَذا لا يُعْرَفُ إلّا مِن رِوايَةِ اليَهُودِ وهُمُ القَوْمُ البُهُتُ، أكْذَبُ الخُلْقِ عَلى اللَّهِ وأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَكَيْفَ يُصَدَّقُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما يُخالِفُ كِتابَ اللَّهِ تَعالى؟!
التّاسِعُ: أنَّ هَذا الكِتابَ لَوْ كانَ صَحِيحًا لَأظْهَرُوهُ في أيّامِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وفي أيّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وفي أيّامِ المَنصُورِ والرَّشِيدِ، وكانَ أئِمَّةُ الإسْلامِ يَسْتَثْنُونَهم مِمَّنْ تُوضَعُ عَنْهُمُ الجِزْيَةُ أوْ لَذَكَرَ ذَلِكَ فَقِيهٌ واحِدٌ مِن فُقَهاءِ المُسْلِمِينَ، ولا يَجُوزُ عَلى الأُمَّةِ أنْ تُجْمِعَ عَلى مُخالَفَةِ سُنَّةِ نَبِيِّها، وكَيْفَ يَكُونُ بِأيْدِي أعْداءِ اللَّهِ كِتابٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَحْتَجُّونَ بِهِ كُلَّ وقْتٍ عَلى مَن يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِنهُمْ، ولا يَذْكُرُهُ عالِمٌ واحِدٌ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ؟ وإنِ اغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِالسِّيرَةِ والمَنقُولِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، شَنَّعَ عَلَيْهِ أصْحابُهُ وبَيَّنُوا خَطَأهُ وحَذَّرُوا مِن سَقْطَتِهِ.
العاشِرُ: أنَّ أئِمَّةَ الحَدِيثِ والنَّقْلِ يَشْهَدُونَ بِبُطْلانِ هَذا الكِتابِ، وأنَّهُ زُورٌ مُفْتَعَلٌ وكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ، ولَمّا أظْهَرَهُ اليَهُودُ بَعْدَ الأرْبَعِ مِائَةٍ عَلى عَهْدِ الحافِظِ أبِي بَكْرٍ الخَطِيبِ البَغْدادِيِّ أرْسَلَ إلَيْهِ الوَزِيرُ ابْنُ المُسْلِمَةِ فَأوْقَفَهُ عَلَيْهِ فَقالَ الحافِظُ: هَذا الكِتابُ زُورٌ فَقالَ لَهُ الوَزِيرُ: مِن أيْنَ هَذا؟ فَقالَ: فِيهِ شَهادَةُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ وسَعْدٌ ماتَ يَوْمَ الخَنْدَقِ قَبْلَ خَيْبَرَ، ومُعاوِيَةُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ سَنَةَ ثَمانٍ، وخَيْبَرُ كانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ. فَأعْجَبَ ذَلِكَ الوَزِيرَ.
والمَقْصُودُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْخُذِ الجِزْيَةَ مِن أحَدٍ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّ آيَةَ الجِزْيَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ عامِ تَبُوكَ، وكانَتْ عُبّادُ الأصْنامِ مِنَ العَرَبِ كُلُّهم قَدْ دَخَلُوا في الإسْلامِ فَأخَذَها النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ في الإسْلامِ مِنَ اليَهُودِ ومِنَ النَّصارى ومِنَ المَجُوسِ.
قالَ المُخَصِّصُونَ بِالجِزْيَةِ لِأهْلِ الكِتابِ: المُرادُ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ إعْدامُ الكُفْرِ والشِّرْكِ مِنَ الأرْضِ وأنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، ومُقْتَضى هَذا ألّا يُقَرَّ كافِرٌ عَلى كُفْرِهِ، ولَكِنْ جاءَ النَّصُّ بِإقْرارِ أهْلِ الكِتابِ إذا أعْطَوُا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، فاقْتَصَرْنا بِها عَلَيْهِمْ وأخَذْنا في عُمُومِ الكُفّارِ بِالنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى قِتالِهِمْ إلى أنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.
قالُوا: ولا يَصِحُّ إلْحاقُ عَبَدَةِ الأوْثانِ بِأهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ أغْلَظُ مِن كُفْرِ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ مَعَهم مِنَ التَّوْحِيدِ وبَعْضِ آثارِ الأنْبِياءِ ما لَيْسَ مَعَ عُبّادِ الأصْنامِ، ويُؤْمِنُونَ بِالمَعادِ والجَزاءِ والنُّبُوّاتِ بِخِلافِ عَبَدَةِ الأصْنامِ.
وَعَبَدَةُ الأصْنامِ حَرْبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ مِن عَهْدِ نُوحٍ إلى خاتَمِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ؛ ولِهَذا أثَّرَ هَذا التَّفاوُتُ الَّذِي بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في حِلِّ الذَّبائِحِ وجَوازِ المُناكَحَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ دُونَ عُبّادِ الأصْنامِ، ولا يَنْتَقِضُ هَذا بِالمَجُوسِ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أنْ يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِزْيَةَ إنَّما تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ وأنَّها إنَّما
وُضِعَتْ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً وإلّا لَوْ كانَتِ الجِزْيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ الكُفّارِ لَمْ يَكُنْ أهْلُ الكِتابِ أوْلى بِها مِن غَيْرِهِمْ، ولَقالَ: لَهم حُكْمُ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ يُقاتَلُونَ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.
وَأمّا تَحْرِيمُ ذَبائِحِهِمْ ومُناكَحَتِهِمْ فاتِّفاقٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولِهَذا أنْكَرَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَلى أبِي ثَوْرٍ طَرْدَهُ القِياسَ وإفْتاءَهُ بِحِلِّ ذَبائِحِهِمْ وجَوازِ مُناكَحَتِهِمْ ودَعا عَلَيْهِ أحْمَدُ حَيْثُ أقْدَمَ عَلى مُخالَفَةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والصَّحابَةُ كانُوا أفْقَهَ وأعْلَمَ وأسَدَّ قِياسًا ورَأْيًا فَإنَّهم أخَذُوا في الدِّماءِ بِحَقْنِها مُوافَقَةً لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِعْلِهِ، حَيْثُ أخَذَها مِنهم وأخَذُوا في الأبْضاعِ والذَّبائِحِ بِتَحْرِيمِها احْتِياطًا وإبْقاءً لَها عَلى الأصْلِ، وإلْحاقًا لَهم بِعُبّادِ الأوْثانِ إذْ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ عُبّادِ الأوْثانِ وعُبّادِ النِّيرانِ، فالأصْلُ في الدِّماءِ حَقْنُها وفي الأبْضاعِ والذَّبائِحِ تَحْرِيمُها فَأبْقَوْا كُلَّ شَيْءٍ عَلى أصْلِهِ، وهَذا غايَةُ الفِقْهِ وأسَدُّ ما يَكُونُ مِنَ النَّظَرِ.
[الحِكْمَةُ مِن إبْقاءِ أهْلِ الكِتابِ بَيْنَ أظْهُرِنا]
قالُوا: ولِلَّهِ تَعالى حِكَمٌ في إبْقاءِ أهْلِ الكِتابَيْنِ بَيْنَ أظْهُرِنا فَإنَّهم مَعَ كُفْرِهِمْ شاهِدُونَ بِأصْلِ النُّبُوّاتِ والتَّوْحِيدِ واليَوْمِ الآخِرِ والجَنَّةِ والنّارِ، وفي كُتُبِهِمْ مِنَ البِشاراتِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وذِكْرِ نُعُوتِهِ وصِفاتِهِ وصِفاتِ أُمَّتِهِ ما هو مِن آياتِ نُبُوَّتِهِ وبَراهِينِ رِسالَتِهِ، وما يَشْهَدُ بِصِدْقِ الأوَّلِ والآخِرِ.
وَهَذِهِ الحِكْمَةُ تَخْتَصُّ بِأهْلِ الكِتابِ دُونَ عَبَدَةِ الأوْثانِ فَبَقاؤُهم مِن أقْوى الحُجَجِ عَلى مُنْكِرِ النُّبُوّاتِ والمَعادِ والتَّوْحِيدِ، وقَدْ قالَ تَعالى لِمُنْكِرِي ذَلِكَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ذَكَرَ هَذا عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، يَعْنِي: سَلُوا أهْلَ الكِتابِ هَلْ أرْسَلْنا قَبْلَ مُحَمَّدٍ رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ أمْ كانَ مُحَمَّدٌ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ رَسُولٌ حَتّى يَكُونَ إرْسالُهُ أمْرًا مُنْكَرًا لَمْ يَطْرُقِ العالَمَ رَسُولٌ قَبْلَهُ؟
وَقالَ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، والمُرادُ بِسُؤالِهِمْ سُؤالُ أُمَمِهِمْ عَمّا جاءُوهم بِهِ هَلْ فِيهِ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهم أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِهِ إلَهٌ غَيْرُهُ؟
قالَ الفَرّاءُ: المُرادُ سُؤالُ أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَيُخْبِرُونَهُ عَنْ كُتُبِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ.
وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّقْدِيرُ واسْألْ مَن أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وهم أهْلُ الكِتابِ.
وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ وسَلْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ.
وَعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فالمُرادُ التَّقْرِيرُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أنْكَرَ النُّبُوّاتِ والتَّوْحِيدَ، وأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رَسُولًا أوْ أنْزَلَ كِتابًا أوْ حَرَّمَ عِبادَةَ الأوْثانِ.
فَشَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ بِهَذا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وهي مِن أعْلامِ صِحَّةِ رِسالَتِهِ ﷺ إذْ كانَ قَدْ جاءَ عَلى ما جاءَ بِهِ إخْوانُهُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ مِن رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ولا جاءَ بِضِدِّ ما جاءُوا بِهِ، بَلْ أخْبَرَ بِمِثْلِ ما أخْبَرُوا بِهِ مِن غَيْرِ شاهِدٍ ولا اقْتِرانٍ في الزَّمانِ وهَذِهِ مِن أعْظَمِ آياتِ صِدْقِهِ.
[سَبَبُ وضْعِ الجِزْيَةِ]
والمَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَرْفٍ وهو أنَّ الجِزْيَةَ هَلْ وُضِعَتْ عاصِمَةً لِلدَّمِ، أوْ مَظْهَرًا لِصَغارِ الكُفْرِ وإذْلالِ أهْلِهِ فَهي عُقُوبَةٌ؟
فَمَن راعى فِيها المَعْنى الأوَّلَ قالَ: لا يَلْزَمُ مِن عِصْمَتِها لِدَمِ مَن خَفَّ كُفْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ وهم أهْلُ الكِتابِ - أنْ تَكُونَ عاصِمَةً لِدَمِ مَن يَغْلُظُ كُفْرُهُ.
وَمَن راعى فِيها المَعْنى الثّانِيَ قالَ: المَقْصُودُ إظْهارُ صَغارِ الكُفْرِ وأهْلِهِ وقَهْرِهِمْ وهَذا أمْرٌ لا يَخْتَصُّ أهْلَ الكِتابِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ.
قالُوا: وقَدْ أشارَ النَّصُّ إلى هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فالجِزْيَةُ صَغارٌ وإذْلالٌ، ولِهَذا كانَتْ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ الرِّقِّ.
قالُوا: وإذا جازَ إقْرارُهم بِالرِّقِّ عَلى كُفْرِهِمْ جازَ إقْرارُهم عَلَيْهِ بِالجِزْيَةِ بِالأوْلى؛ لِأنَّ عُقُوبَةَ الجِزْيَةِ أعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ الرِّقِّ؛ ولِهَذا يُسْتَرَقُّ مَن لا تَجِبُ عَلَيْهِ الجِزْيَةُ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ وغَيْرِهِمْ.
فَإنْ قُلْتُمْ: لا يُسْتَرَقُّ عَيْنُ الكِتابِيِّ - كَما هي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ - كُنْتُمْ مَحْجُوجِينَ بِالسُّنَّةِ واتِّفاقِ الصَّحابَةِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْتَرِقُّ سَبايا عَبَدَةِ الأوْثانِ، ويَجُوزُ لِساداتِهِنَّ وطْؤُهُنَّ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ كَما في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ سَبايا " أوْطاسٍ "، وكانَتْ في آخِرِ غَزَواتِ العَرَبِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أنَّهُ قالَ:
" «لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، ولا حائِلٌ حَتّى تُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ» ".
فَجَوَّزَ وطْأهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْراءِ ولَمْ يَشْتَرِطِ الإسْلامَ، وأكْثَرُ ما كانَتْ سَبايا الصَّحابَةِ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقِرُّهم عَلى تَمَلُّكِ السَّبْيِ.
وَقَدْ دَفَعَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلى سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما امْرَأةً مِنَ السَّبْيِ نَفَلَها إيّاهُ، وكانَتْ مِن عُبّادِ الأصْنامِ.
وَأخَذَ عُمَرُ وابْنُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن سَبْيِ " هَوازِنَ "، وكَذَلِكَ غَيْرُهُما مِنَ الصَّحابَةِ.
وَهَذِهِ الحَنَفِيَّةُ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مِن سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ. .
وَفِي الحَدِيثِ: " «مَن قالَ كَذا وكَذا فَكَأنَّما أعْتَقَ أرْبَعَ رِقابٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ» " ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ كِتابٍ، بَلْ أكْثَرُهم مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ.
قالُوا: وإذا جازَ المَنُّ عَلى الأسِيرِ وإطْلاقُهُ بِغَيْرِ مالٍ ولا اسْتِرْقاقٍ فَلَأنْ يَجُوزَ إطْلاقُهُ بِجِزْيَةٍ تُوضَعُ عَلى رَقَبَتِهِ تَكُونُ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، أوْلى وأحْرى، فَضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِ إنْ كانَ عُقُوبَةً فَهو أوْلى بِالجَوازِ مِن عُقُوبَةِ الِاسْتِرْقاقِ، وإنْ كانَ عِصْمَةً فَهو أوْلى بِالجَوازِ مِن عِصْمَتِهِ بِالمَنِّ عَلَيْهِ مَجّانًا، فَإذا جازَ إقامَتُهُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فَإقامَتُهُ بَيْنَهم بِالجِزْيَةِ أجْوَزُ وأحْوَزُ، وإلّا فَيَكُونُ أحْسَنَ حالًا مِنَ الكِتابِيِّ الَّذِي لا يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ إلّا بِالجِزْيَةِ.
فَإنْ قُلْتُمْ: إذا مَنَنّا عَلَيْهِ ألْحَقْناهُ بِمَأْمَنِهِ، ولَمْ نُمَكِّنْهُ مِنَ الإقامَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
قِيلَ: إذا جازَ إلْحاقُهُ بِمَأْمَنِهِ حَيْثُ يَكُونُ قُوَّةً لِلْكُفّارِ وعَوْنًا لَهم وبِصَدَدِ المُحارَبَةِ لَنا مَجّانًا، فَلَأنْ يَجُوزَ هَذا في مُقابَلَةِ مالٍ يُؤْخَذُ مِنهُ يَكُونُ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وإذْلالًا وصَغارًا لِلْكُفْرِ أوْلى وأوْلى.
يُوَضِّحُهُ أنَّهُ إذا جازَتْ مُهادَنَتُهم لِلْمَصْلَحَةِ بِغَيْرِ مالٍ ولا مَنفَعَةٍ تَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَأنْ يَجُوزَ أخْذُ المالِ مِنهم عَلى وجْهِ الذُّلِّ والصَّغارِ وقُوَّةِ المُسْلِمِينَ أوْلى وهَذا لا خَفاءَ بِهِ.
يُوَضِّحُهُ أنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ إذا كانُوا أُمَّةً كَبِيرَةً لا تُحْصى كَأهْلِ الهِنْدِ وغَيْرِهِمْ حَيْثُ لا يُمْكِنُ اسْتِئْصالُهم بِالسَّيْفِ، فَإذْلالُهم وقَهْرُهم بِالجِزْيَةِ أقْرَبُ إلى عِزِّ الإسْلامِ وأهْلِهِ وقُوَّتِهِ مِن إبْقائِهِمْ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فَيَكُونُونَ أحْسَنَ حالًا مِن أهْلِ الكِتابِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّ الجِزْيَةَ مِن بابِ العُقُوباتِ لا أنَّها كَرامَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ فَلا يَسْتَحِقُّها سِواهم.
وَأمّا مَن قالَ إنَّ الجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنى الدّارِ - كَما يَقُولُهُ أصْحابُ الشّافِعِيِّ - فَهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ سَيَأْتِي التَّعَرُّضُ إلَيْها فِيما بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
قالُوا: ولِأنَّ القَتْلَ إنَّما وجَبَ في مُقابَلَةِ الحِرابِ لا في مُقابَلَةِ الكُفْرِ ولِذَلِكَ لا يُقْتَلُ النِّساءُ ولا الصِّبْيانُ ولا الزَّمْنى والعُمْيانُ ولا الرُّهْبانُ الَّذِينَ لا يُقاتِلُونَ بَلْ نُقاتِلُ مَن حارَبَنا.
وَهَذِهِ كانَتْ سِيرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أهْلِ الأرْضِ؛ كانَ يُقاتِلُ مَن حارَبَهُ إلى أنْ يَدْخُلَ في دِينِهِ أوْ يُهادِنَهُ أوْ يَدْخُلَ تَحْتَ قَهْرِهِ بِالجِزْيَةِ، وبِهَذا كانَ يَأْمُرُ سَراياهُ وجُيُوشَهُ إذا حارَبُوا أعْداءَهم كَما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، فَإذا تَرَكَ الكُفّارُ مُحارَبَةَ أهْلِ الإسْلامِ وسالَمُوهم وبَذَلُوا لَهُمُ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ كانَ في ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِأهْلِ الإسْلامِ ولِلْمُشْرِكِينَ.
أمّا مَصْلَحَةُ أهْلِ الإسْلامِ فَما يَأْخُذُونَهُ مِنَ المالِ الَّذِي يَكُونُ قُوَّةً لِلْإسْلامِ مَعَ صَغارِ الكُفْرِ وإذْلالِهِ، وذَلِكَ أنْفَعُ لَهم مِن تَرْكِ الكُفّارِ بِلا جِزْيَةٍ.
وَأمّا مَصْلَحَةُ أهْلِ الشِّرْكِ فَما في بَقائِهِمْ مِن رَجاءِ إسْلامِهِمْ إذا شاهَدُوا أعْلامَ الإسْلامِ وبَراهِينَهُ، أوْ بَلَغَتْهم أخْبارُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَدْخُلَ في الإسْلامِ بَعْضُهم وهَذا أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن قَتْلِهِمْ.
والمَقْصُودُ إنَّما هو أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ولَيْسَ في إبْقائِهِمْ بِالجِزْيَةِ ما يُناقِضُ هَذا المَعْنى كَما أنَّ إبْقاءَ أهْلِ الكِتابِ بِالجِزْيَةِ بَيْنَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ لا يُنافِي كَوْنَ كَلِمَةِ اللَّهِ هي العُلْيا، وكَوْنَ الدِّينِ كُلِّهِ لِلَّهِ، فَإنَّ مِن كَوْنِ الدِّينِ كُلِّهِ لِلَّهِ إذْلالَ الكُفْرِ وأهْلِهِ وصَغارَهُ وضَرْبَ الجِزْيَةِ عَلى رُءُوسِ أهْلِهِ، والرِّقِّ عَلى رِقابِهِمْ فَهَذا مِن دِينِ اللَّهِ ولا يُناقِضُ هَذا إلّا تَرْكُ الكُفّارِ عَلى عِزِّهِمْ وإقامَةِ دِينِهِمْ كَما يُحِبُّونَ بِحَيْثُ تَكُونُ لَهُمُ الشَّوْكَةُ والكَلِمَةُ واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ في الجِزْيَةِ والخَراجِ وما بَيْنَهُما مِنِ اتِّفاقٍ وافْتِراقٍ]
الخَراجُ هو جِزْيَةُ الأرْضِ كَما أنَّ الجِزْيَةَ خَراجُ الرِّقابِ، وهُما حَقّانِ عَلى رِقابِ الكُفّارِ وأرْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ ويَتَّفِقانِ في وُجُوهٍ ويَفْتَرِقانِ في وُجُوهٍ.
فَيَتَّفِقانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما مَأْخُوذٌ مِنَ الكُفّارِ عَلى وجْهِ الصَّغارِ والذِّلَّةِ، وأنَّ مَصْرِفَهُما مَصْرِفُ الفَيْءِ، وأنَّهُما يَجِبانِ في كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً، وأنَّهُما يَسْقُطانِ بِالإسْلامِ عَلى تَفْصِيلٍ نَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَيَفْتَرِقانِ في أنَّ الجِزْيَةَ ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ، والخَراجَ بِالِاجْتِهادِ، وأنَّ الجِزْيَةَ إذا قُدِّرَتْ عَلى الغَنِيِّ لَمْ تَزِدْ بِزِيادَةِ غِناهُ، والخَراجَ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ كَثْرَةِ الأرْضِ وقِلَّتِها، والخَراجَ يُجامِعُ الإسْلامَ حَيْثُ نَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والجِزْيَةَ لا تُجامِعُهُ بِوَجْهٍ؛ ولِذَلِكَ يَجْتَمِعانِ تارَةً في رَقَبَةِ الكافِرِ وأرْضِهِ، ويَسْقُطانِ تارَةً، وتَجِبُ الجِزْيَةُ حَيْثُ لا خَراجَ، والخَراجُ حَيْثُ لا جِزْيَةَ.
التوبة 9:31
(فائدة
ومن تلاعب الشيطان باليهود أيضا: أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم.
ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى، يحرمون عليهم ويحلون لهم. فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم.
ولا يلتفتون: هل ذلك التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا؟
قال عدي بن حاتم: "أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فسألته عن قوله: ﴿اتّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾.
فقلت: يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال: حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فأطاعوهم. فكانت تلك عبادتهم إياهم"
رواه الترمذي وغيره.
وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه، ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه، ويحلل له.
[فصل: الفَرْقُ بَيْنَ الِاتِّباعِ والتَّقْلِيدِ]
قالَ أبُو عُمَرَ في الجامِعِ: بابُ فَسادِ التَّقْلِيدِ ونَفْيِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإتْباعِ، قَوْلُ أبُو عُمَرَ: قَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى التَّقْلِيدَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَقالَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾
رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ وغَيْرِهِ قالَ: لَمْ يَعْبُدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنَّهم أحَلُّوا لَهم وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فاتَّبَعُوهم.
وَقالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: أتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ، فَقالَ: «يا عَدِيُّ ألْقِ هَذا الوَثَنَ مِن عُنُقِك، وانْتَهَيْت إلَيْهِ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ بَراءَةَ حَتّى أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾
قالَ: فَقُلْت: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لَمْ نَتَّخِذْهم أرْبابًا، قالَ: بَلى، ألَيْسَ يُحِلُّونَ لَكم ما حُرِّمَ عَلَيْكم فَتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ عَلَيْكم ما أُحِلَّ لَكم فَتُحَرِّمُونَهُ؟ فَقُلْت: بَلى، قالَ: فَتِلْكَ عِبادَتُهُمْ».
قُلْت: الحَدِيثُ في المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مُطَوَّلًا.
وَقالَ أبُو البَخْتَرِيِّ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أمّا إنّهم لَوْ أمَرُوهم أنْ يَعْبُدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ ما أطاعُوهُمْ، ولَكِنَّهم أمَرُوهم فَجَعَلُوا حَلالَ اللَّهِ حَرامَهُ وحَرامَهُ حَلالَهُ فَأطاعُوهم فَكانَتْ تِلْكَ الرِّبَوِيَّةُ.
وَقالَ وكِيعٌ: ثنا سُفْيانُ والأعْمَشُ جَمِيعًا عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ أبِي ثابِتٍ عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ
قالَ: قِيلَ لِحُذَيْفَةَ في قَوْله تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أكانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟
فَقالَ: لا، ولَكِنْ كانُوا يَحِلُّونَ لَهم الحَرامَ فَيَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ الحَلالَ فَيُحَرِّمُونَهُ.
وَقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] فَمَنَعَهم الِاقْتِداءَ بِآبائِهِمْ مِن قَبُولِ الِاهْتِداءِ، فَقالُوا: إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ، وفي هَؤُلاءِ ومِثْلِهِمْ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ - وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٦-١٦٧]
وَقالَ تَعالى مُعاتِبًا لِأهْلِ الكُفْرِ وذامًّا لَهُمْ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] وقالَ ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] ومِثْلُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ مِن ذَمِّ تَقْلِيدِ الآباءِ والرُّؤَساءِ، وقَدْ احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآياتِ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ ولَمْ يَمْنَعْهم كُفْرُ أُولَئِكَ مِن الِاحْتِجاجِ بِها؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ لَمْ يَقَعْ مِن جِهَةِ كُفْرِ أحَدِهِما وإيمانِ الآخَرِ، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ المُقَلِّدِينَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِلْمُقَلِّدِ، كَما لَوْ قَلَّدَ رَجُلًا فَكَفَرَ وقَلَّدَ آخَرَ فَأذْنَبَ وقَلَّدَ آخَرَ في مَسْألَةٍ فَأخْطَأ وجْهَها كانَ كُلُّ واحِدٍ مَلُومًا عَلى التَّقْلِيدِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وإنْ اخْتَلَفَتْ الآثامُ فِيهِ، وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥].
قالَ: فَإذا بَطَلَ التَّقْلِيدُ بِكُلِّ ما ذَكَرْنا وجَبَ التَّسْلِيمُ لِلْأُصُولِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَها، وهي الكِتابُ والسُّنَّةُ وما كانَ في مَعْناهُما بِدَلِيلٍ جامِعٍ، ثُمَّ ساقَ مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي لا أخافُ عَلى أُمَّتِي مِن بَعْدِي إلّا مِن أعْمالِ ثَلاثَةٍ، قالُوا: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: أخافُ عَلَيْهِمْ زَلَّةَ العالِمِ، ومِن حُكْمٍ جائِرٍ، ومِن هَوًى مُتَّبَعٍ» وبِهَذا الإسْنادِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَرَكْت فِيكم أمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُمْ بِهِما: كِتابَ اللَّهِ، وسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ».
قُلْت: والمُصَنِّفُونَ في السُّنَّةِ جَمَعُوا بَيْنَ فَسادِ التَّقْلِيدِ وإبْطالِهِ وبَيانِ زَلَّةِ العالِمِ لِيُبَيِّنُوا بِذَلِكَ فَسادَ التَّقْلِيدِ، وأنَّ العالِمَ قَدْ يَزِلُّ ولا بُدَّ؛ إذْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، فَلا يَجُوزُ قَبُولُ كُلِّ ما يَقُولُهُ، ويُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنزِلَةِ قَوْلِ المَعْصُومِ؛ فَهَذا الَّذِي ذَمَّهُ كُلُّ عالِمٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وحَرَّمُوهُ، وذَمُّوا أهْلَهُ وهو أصْلُ بَلاءِ المُقَلِّدِينَ وفِتْنَتِهِمْ، فَإنَّهم يُقَلِّدُونَ العالِمَ فِيما زَلَّ فِيهِ وفِيما لَمْ يَزِلَّ فِيهِ، ولَيْسَ لَهم تَمْيِيزٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَيَأْخُذُونَ الدِّينَ بِالخَطَأِ - ولا بُدَّ - فَيَحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ويُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ ويُشَرِّعُونَ ما لَمْ يُشَرِّعْ، ولا بُدَّ لَهم مِن ذَلِكَ إذْ كانَتْ العِصْمَةُ مُنْتَفِيَةً عَمَّنْ قَلَّدُوهُ، والخَطَأُ واقِعٌ مِنهُ ولا بُدَّ.
وَقَدْ ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ كَثِيرٍ هَذا عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا زَلَّةَ العالِمِ، وانْتَظِرُوا فَيْئَتَهُ».
التوبة 9:34
(فصل)
ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله عز وجل في عزة هذَيْن النَّقْدَيْنِ الذَّهَب والفِضَّة، وقصور خيرة العالم عَمّا حاولوا من صنعتهما، والتشبه بِخلق الله إياهما مَعَ شدَّة حرصهم وبلوغ أقصى جهدهمْ واجتهادهم في ذَلِك فَلم يظفروا بسوى الصَّنْعَة ولَو مكنوا أن يصنعوا مثل ما خلق الله من ذَلِك لفسد أمر العالم واستفاض الذَّهَب والفِضَّة في النّاس حَتّى صار كالسعف والفخار، وكانَت تتعطل المصلحَة الَّتِي وضعا لأجلها وكانَت كثرتهما جدا سَبَب تعطل الِانْتِفاع بهما فإنه لا يبْقى لَهما قيمَة ويبْطل كَونهما قيمًا لنفائس الأموال والمعاملات وأرزاق المُقاتلَة، ولم يتسخر بعض النّاس لبَعض إذْ يصير الكل أرباب ذهب وفِضة فَلَو أغنى خلقه كلهم لأفقرهم كلهم فَمن يرضى لنَفسِهِ بامتهانها في الصَّنائِع الَّتِي لا قوام للْعالم إلا بها.
فسبحان من جعل عزتهما سَبَب نظام العالم ولم يجعلهما في العِزَّة كالكبريت الأحمر الَّذِي لا يُوصل إليه فتفوت المصلحَة بِالكُلِّيَّةِ بل وضعهما وأنبتهما في العالم بِقدر اقتضه حكمته ورَحمته ومصالح عباده.
وقرأت بِخَط الفاضِل جِبْرِيل بن روح الأنباري قالَ أخبرني بعض من تداول المَعادِن أنهم أوغلوا في طلبَها إلى بعض نواحي الجَبَل فانْتَهوا إلى مَوضِع وإذا فِيهِ أمثال الجبال من الفضة، ومن دون ذَلِك واد يجري متصلبا بِماء غزير لا يدْرك ولا حِيلَة في عبوره فانصرفوا إلى حَيْثُ يعْملُونَ ما يعبرون بِهِ فَلَمّا هيئوه وعادوا راموا طَرِيق النَّهر فَما وقفُوا لَهُ على أثر ولا عرفُوا إلى أيْنَ يتوجهون فإنصرفوا آيسين، وهَذا أحد ما يدل على بطلان صناعَة الكيمياء وأنها عند التَّحْقِيق زغل وصبغة لا غير.
وَقد ذكرنا بُطْلانها وبينا فَسادها من أربعين وجها في رِسالَة مُفْردَة.
والمَقْصُود أن حِكْمَة الله تَعالى اقْتَضَت عزة هذَيْن الجوهرين، وقلتهما بِالنِّسْبَةِ إلى الحَدِيد والنحاس والرصاص لصلاح أمر النّاس، واعْتبر ذَلِك بِأنَّهُ إذا ظهر الشَّيْء الظريف المستحسن مِمّا يحدثه النّاس من الأمتعة كانَ نفيسا عَزِيزًا ما دامَ فِيهِ قلَّة وهو مَرْغُوب فِيهِ، فَإذا فشى وكثر في أيدي النّاس وقدر عَلَيْهِ الخاص والعام سقط عِنْدهم، وقلت رغباتهم فِيهِ.
وَمن هَذا قَول القائِل:
"نفاسه الشَّيْء من عزته"
وَلِهَذا كانَ أزهد النّاس في العالم أهله وجيرانه وأرغبهم فِيهِ البعداء عَنهُ.
التوبة 9:40
(ومن خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد)
قوله تعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾
قال على أبي بكر، وكان النبي ﷺ قد أنزلت عليه السكينة.
قلت: وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه يذهب إلى خلاف هذا ويقول: "الضمير عائد إلى النبي ﷺ وإلى صاحبه تبعا له فهو الذي أنزلت عليه السكينة وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه" انتهى.
(لطيفة)
قال بعض العارفين: ليست الخاصة من الحزن في شيء.
وقوله رحمه الله: "معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة" كلام في غاية الحسن، فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح وأقبلت إليه وفود التهانى والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدًا، ولهذا قال تعالى حكاية عن نبيه ﷺ أنه قال لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]، فدل أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن؟ وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأى شيء يفرح؟
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، فالفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه.
فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به: من حبيب أو حياة، أو مال، أو نعمة، أو ملك.
يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله، ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها في قلبه ومضرتها في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقّاهم الله نضرة وسرورًا.
فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فهذا هو العلم الذي شمر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم.
؎تلك المكارم لا قعبانِ من لبن ∗∗∗ شيبًا بماءٍ فماذا بعد أبوالا
(فصل)
لما بايع الرَّسُول أهل العقبَة أمر أصْحابه بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَة فَعلمت قُرَيْش أن أصْحابه قد كَثُرُوا وأنَّهم سيمنعونه فأعملت آراءها في اسْتِخْراج الحِيَل فَمنهمْ من رأى الحَبْس، ومِنهُم من رأى النَّفْي، ثمَّ اجْتمع رَأْيهمْ على القَتْل فجاء البَرِيد بالخبر من السَّماء، وأمره أن يُفارق المضجع، فَباتَ عَليّ مَكانَهُ ونهض الصِّدِّيق لرفقة السّفر، فَلَمّا فارقا بيُوت مَكَّة اشْتَدَّ الحذر بالصدّيق فَجعل يذكر الرصد فيسير أمامه، وتارَة يذكر الطّلب فَيتَأخَّر وراءه، وتارَة عَن يَمِينه، وتارَة عَن شِماله إلى أن انتهيا إلى الغار فَبَدَأ الصدّيق بِدُخُولِهِ ليَكُون وقاية لَهُ إن كانَ ثَمَّ موذ وأنْبت الله شَجَرَة لم تكن قبل فأظلمت المَطْلُوب، وأضلّت الطّالِب، وجاءَت عنكبوت فحازت وجه الغار فحاكت ثوب نسجها على منوال السّتْر فأحكمت الشقة حَتّى عمي على القائِف المطلب، وأرْسل حَمامَتَيْنِ فاتخذتا هُناكَ عشا جعل على أبصار الطالبين غشاوة، وهَذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القَوْم بالجنود، فَلَمّا وقف القَوْم على رؤوسهم وصارَ كَلامهم بسمع الرَّسُول والصدّيق قالَ الصدّيق وقد اشْتَدَّ بِهِ القلق يا رَسُول الله لَو أن أحدهم نظر إلى ما تَحت قَدَمَيْهِ لَأبْصَرنا تَحت قَدَمَيْهِ فَقالَ رَسُول الله يا أبا بكر ما ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما.
لما رأى الرَّسُول حزنه قد اشْتَدَّ لكن على نَفسه قوّى قلبه بِبِشارَة ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعنا﴾ فَظهر سر هَذا الاقتران في المَعِيَّة لفظا كَما ظهر حكما ومعنى، إذ يُقال رَسُول الله وصاحب رَسُول الله فَلَمّا ماتَ قيل خَليفَة رَسُول الله، ثمَّ انْقَطَعت إضافَة الخلافَة بِمَوْتِهِ فَقيل أمِير المُؤمنِينَ.
فأقاما في الغار ثَلاثًا ثمَّ خرجا مِنهُ ولسان القدر يَقُول لتدخلنها دُخُولا لم يدْخلهُ أحد قبلك ولا يَنْبَغِي لأحد من بعْدك فَلَمّا استقلا على البَيْداء لحقهما سراقَة بن مالك فَلَمّا شارف الظفر أرسل عَلَيْهِ الرَّسُول سَهْما من سِهام الدُّعاء فساخت قَوائِم فرسه في الأرْض إلى بَطنها، فَلَمّا علم أنه لا سَبِيل لَهُ عَلَيْهِما أخذ يعرض المال على من قد رد مَفاتِيح الكُنُوز، ويقدم الزّاد إلى شبعان
"أبيت عند رَبِّي يطعمني ويسقيني" كانَ تحفة (ثانِي اثْنَيْنِ) مدخرة للصديق دون الجَمِيع فَهو الثّانِي في الإسْلام، وفي بذل النَّفس، وفي الزّهْد، وفي الصُّحْبَة وفي الخلافَة، وفي العُمر، وفي سَبَب المَوْت لِأن الرَّسُول ماتَ عَن أثر السم وأبُو بكر سم فَماتَ.
أسلم على يَدَيْهِ من العشْرَة عُثْمان وطَلْحَة والزُّبَيْر وعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وسعد بن أبي وقّاص، وكانَ عِنْده يَوْم أسلم أرْبَعُونَ ألف دِرْهَم فأنفقها أحْوج ما كانَ الإسْلام إلَيْها، فَلهَذا أجلبت نَفَقَته عَلَيْهِ ما نَفَعَنِي مال ما نَفَعَنِي مال أبي بكر، فَهو خير من مُؤمن آل فِرْعَوْن لِأن ذَلِك كانَ يكتم إيمانه، والصدّيق أعلن بِهِ، وخير من مُؤمن آل ياسين، لِأن ذَلِك جاهد ساعَة، والصديق جاهد سِنِين.
عاين طائِر الفاقَة يحوم حول حب الإيثار ويصيح ﴿من ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حسنا﴾ فَألْقى لَهُ حب المال على روض الرِّضا واستلقى على فراش الفقر فَنقل الطّائِر الحبّ إلى حوصلة المضاعفة ثمَّ علا على أفنان شَجَرَة الصدْق يغرد بفنون المَدْح ثمَّ قالَ في محاريب الإسْلام يَتْلُو ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يتزكى﴾
نطقت بفضله الآيات والأخْبار واجْتمعَ على بيعَته المُهاجِرُونَ والأنْصار فيا مبغضيه في قُلُوبكم من ذكره نار كلما تليت فضائله علا عَلَيْهِم الصغار، أتَرى لم يسمع الروافض الكفّار ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغار﴾
دعِي إلى الإسْلام فَما تلعثم ولا أبى، وسار على المحجة فَما زل ولا كبا، وصبر في مدَّته من مدى العدى على وقع الشبا، وأكْثر في الإنْفاق فَما قلل حَتّى تخَلّل بالعبا، تالله لقد زاد على السبك في كل دِينار دِينار ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغار﴾
من كانَ قرين النَّبِي في شبابه من ذا الَّذِي سبق إلى الإيمان من أصْحابه من الَّذِي أفتى بِحَضْرَتِهِ سَرِيعا في جَوابه من أوّل من صلى مَعَه من آخر من صلّى بِهِ من الَّذِي ضاجعه بعد المَوْت في ترابه فاعرفوا حق الجار.
نَهَضَ يَوْم الرِّدَّة بفهم واستيقاظ وأبان من نَص الكتاب معنى دق عَن حَدِيد الإلحاظ، فالمحب يفرح بفضائله، والمبغض يغتاظ حسرة الرافضي أن يفر من مجْلِس ذكره، ولَكِن أيْن الفِرار؟!
كم وقى الرَّسُول بِالمالِ والنَّفس، وكانَ أخص بِهِ في حَياته، وهو ضجيعه في الرمس، فضائله جليلة، وهِي خليّة عَن اللّبْس
يا عجبا من يُغطي عين ضوء الشَّمْس في نصف النَّهار، لقد دخلا غارا لا يسكنهُ لابث فاستوحش الصّديق من خوف الحَوادِث فَقالَ الرَّسُول ما ظَنك بِاثْنَيْنِ والله الثّالِث؟
فَنزلت السكينَة فارتفع خوف الحادِث فَزالَ القلق، وطاب عَيْش الماكث، فَقامَ مُؤذن النَّصْر يُنادي على رُؤُوس منائر الأمْصار ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغار﴾
حبه والله رَأس الحنيفة، وبغضه يدل على خبث الطوية، فَهو خير الصَّحابَة والقرابة، والحجّة على ذَلِك قَوِيَّة، لَوْلا صِحَة إمامته ما قيل ابْن الحنيفة.
مهلا مهلا فَإن دمَ الروافض قد فار، والله ما أحببناه لهوانا، ولا نعتقد في غَيره هوانا، ولَكِن أخذنا بقول عَليّ وكفانا
"رضيك رَسُول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ "
تالله لقد أخذت من الروافض بالثأر، تالله لقد وجب حق الصدّيق علينا، فَنحْن نقضي بمدائحه، ونَفر بِما نقر بِهِ من السنى عينا، فَمن كانَ رافِضِيًّا فَلا يعد إلَيْنا، وليقل لي أعذار.
(فائدة)
في استئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة وهو كافر دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ السَّكِينَةِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ السَّكِينَةِ
هَذِهِ المَنزِلَةُ مِن مَنازِلِ المَواهِبِ. لا مِن مَنازِلِ المَكاسِبِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّكِينَةَ في كِتابِهِ في سِتَّةِ مَواضِعَ.
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨].
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦].
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة: ٤٠].
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤].
الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦]. الآيَةَ.
وَكانَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الأُمُورُ: قَرَأ آياتَ السَّكِينَةِ.
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ في واقِعَةٍ عَظِيمَةٍ جَرَتْ لَهُ في مَرَضِهِ، تَعْجِزُ العُقُولُ عَنْ حَمْلِها - مِن مُحارَبَةِ أرْواحٍ شَيْطانِيَّةٍ، ظَهَرَتْ لَهُ إذْ ذاكَ في حالِ ضَعْفِ القُوَّةِ - قالَ: فَلَمّا اشْتَدَّ عَلَيَّ الأمْرُ، قُلْتُ لِأقارِبِي ومَن حَوْلِيَ: اقْرَءُوا آياتِ السَّكِينَةِ، قالَ: ثُمَّ أقْلَعَ عَنِّي ذَلِكَ الحالُ، وجَلَسْتُ وما بِي قَلْبَةٌ.
وَقَدْ جَرَّبْتُ أنا أيْضًا قِراءَةَ هَذِهِ الآياتِ عِنْدَ اضْطِرابِ القَلْبِ بِما يَرِدُ عَلَيْهِ. فَرَأيْتُ لَها تَأْثِيرًا عَظِيمًا في سُكُونِهِ وطُمَأْنِينَتِهِ.
وَأصْلُ السَّكِينَةِ هي الطُّمَأْنِينَةُ والوَقارُ، والسُّكُونُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ، عِنْدَ اضْطِرابِهِ مِن شِدَّةِ المَخاوِفِ. فَلا يَنْزَعِجُ بَعْدَ ذَلِكَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِ. ويُوجِبُ لَهُ زِيادَةُ الإيمانِ، وقُوَّةَ اليَقِينِ والثَّباتِ.
وَلِهَذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ إنْزالِها عَلى رَسُولِهِ ﷺ وعَلى المُؤْمِنِينَ في مَواضِعِ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. كَيَوْمِ الهِجْرَةِ، إذْ هو وصاحِبُهُ في الغارِ والعَدُوُّ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ. لَوْ نَظَرَ أحَدُهم إلى ما تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآهُما. وكَيَوْمِ حُنَيْنٍ، حِينَ ولَّوْا مُدَبِّرِينَ مِن شِدَّةِ بَأْسِ الكُفّارِ، لا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عَلى أحَدٍ. وكَيَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ اضْطَرَبَتْ قُلُوبُهم مِن تَحَكُّمِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ، ودُخُولِهِمْ تَحْتَ شُرُوطِهِمُ الَّتِي لا تَحَمَّلُها النُّفُوسُ. وحَسْبُكَ بِضَعْفِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ حَمْلِها - وهو عُمَرُ - حَتّى ثَبَّتَهُ اللَّهُ بِالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلُّ سَكِينَةٍ في القُرْآنِ فَهي طُمَأْنِينَةٌ، إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ: «رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْقُلُ
مِن تُرابِ الخَنْدَقِ، حَتّى وارى التُّرابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ. وهو يَرْتَجِزُ بِكَلِمَةِ» عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎اللهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا ∗∗∗ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا
؎فَأنْزِلْنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وثَبِّتِ الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا
؎إنَّ الأُولى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنْ أرادُوا فِتْنَةً أبَيْنا
وَفِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةُ إنِّي باعِثٌ نَبِيًّا أُمِّيًا، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا مُتَزَيِّنٍ بِالفُحْشِ، ولا قَوّالٍ لِلْخَنا. أُسَدِّدُهُ لِكُلِّ جَمِيلٍ. وأهَبُ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ. ثُمَّ أجْعَلُ السَّكِينَةَ لِباسَهُ، والبَرَّ شِعارَهُ، والتَّقْوى ضَمِيرَهُ. والحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، والصِّدْقَ والوَفاءَ طَبِيعَتَهُ، والعَفْوَ والمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، والعَدْلَ سِيرَتَهُ. والحَقَّ شَرِيعَتَهُ، والهُدى إمامَهُ، والإسْلامَ مِلَّتَهُ، وأحْمَدَ اسْمَهُ.
التوبة 9:43
(فائدة)
تقديم العتاب على الفعل من الله تعالى لا يدل على تحريمه.
وقد عاتب الله تعالى نبيه في خمسة مواضع من كتابه في الأنفال وبراءة والأحزاب، وسورة التحريم، وسورة عبس، خلافا لأبي محمد بن عبد السلام حيث جعل العتب من أدلة النهي.
= وقال البقاعي:
﴿عفا الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿عنك﴾ وهذا كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا: أصلح الله الأمير، والملك - ونحو ذلك.
ولما كان من المعلوم أنه لا يأذن إلا لما يرى أنه يرضي الله من تألفهم ونحوه، بين أنه سبحانه يرضى منه ترك الإذن فقال كناية عن ذلك: ﴿لم أذنت لهم﴾ أي في التخلف عنك تمسكًا بما تقدم من الأمر باللين لهم والصفح عنهم موافقًا لما جبلت عليه من محبة الرفق، وهذا إنما كان في أول الأمر لخوف التنازع والفتنة، وأما الآن فقد علا الدين وتمكن أمر المؤمنين فالمأمور به الإغلاط على المنافقين فهلا تركت الإذن لهم ﴿حتى يتبين لك﴾ أي غاية البيان ﴿الذين صدقوا﴾ أي في التزام الأوامر بما أقروا به من كلمة التوحيد ﴿وتعلم الكاذبين﴾ أي فيما أظهروا من الإيمان باللسان، فإنك إن لم تأذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره.
قال أبو حيان: و ﴿حتى﴾ غاية الاستفهام - انتهى.
وذلك لأنه وإن كان داخلًا على فعل مثبت فمعناه النفي، أي ما لك لم تحملهم على الغزو معك ليتحقق بذلك الحمل من يطيع ومن يعصي، فالحاصل أن الذي فعله ﷺ حسن موافق لما أمره الله به فإنه لا ينطق عن الهوى بل عن أمر الله إما بإيحاء واصل جديد، أو استناد إلى وحي سابق حاصل عتيد، والذي أشار إليه سبحانه أحسن مثل ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك﴾ [الفتح: ٢] من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ومن باب الترقية من مقام عال إلى مقام أعلى تسييرًا فيهم بالعدل لما انكشف أنهم ليسوا بأهل الفضل. =
التوبة 9:46
كَرِهَ اللَّهُ طاعاتِهِمْ، لِخُبْثِ قُلُوبِهِمْ وفَسادِ نِيّاتِهِمْ، فَثَبَّطَهم عَنْها وأقْعَدَهُمْ، وأبْغَضَ قُرْبَهم مِنهُ وجِوارَهُ، لِمَيْلِهِمْ إلى أعْدائِهِ، فَطَرَدَهم عَنْهُ وأبْعَدَهُمْ، وأعْرَضُوا عَنْ وحْيِهِ فَأعْرَضَ عَنْهُمْ، وأشْقاهم وما أسْعَدَهُمْ، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمٍ عَدْلٍ لا مَطْمَعَ لَهم في الفَلاحِ بَعْدَهُ، إلّا أنْ يَكُونُوا مِنَ التّائِبِينَ، فَقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]
ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَتَهُ في تَثْبِيطِهِمْ وإقْعادِهِمْ، وطَرْدِهِمْ عَنْ بابِهِ وإبْعادِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مِن لُطْفِهِ بِأوْلِيائِهِ وإسْعادِهِمْ، فَقالَ، وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧].
(فصل)
وأما التثبيط فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾
والتثبيط رد الإنسان عن الشيء الذي يفعله قال ابن عباس: "يريد خذلهم وكسلهم عن الخروج"
وقال في رواية أخرى: "حبسهم"
قال مقاتل: "وأوحى إلى قلوبهم اقعدوا مع القاعدين"
وقد بين سبحانه حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل وبعد فقال: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾
فلما تركوا الإيمان به وبلقائه وارتابوا بما لا ريب فيه ولم يريدوا الخروج في طاعة الله ولم يستعدوا له ولا أخذوا أهبة ذلك كره سبحانه انبعاث من هذا شأنه فإن من لم يرفع به وبرسوله أو كتابه رأسا ولم يقبل هديته التي أهداها إليه على يد أحب خلقه إليه وأكرمهم عليه ولم يعرف قدر هذه النعمة ولا شكرها بل بدلها كفرا فإن طاعة هذا وخروجه مع رسوله يكرهه الله سبحانه فثبطه لئلا يقع ما يكره من خروجه وأوحى إلى قلبه قدرا وكونا أن يقعد مع القاعدين.
[دَرَجاتُ التَّفْوِيضِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى أنْ يَعْلَمَ أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ قَبْلَ عَمَلِهِ اسْتِطاعَةً]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: الأُولى: أنْ يَعْلَمَ أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ قَبْلَ عَمَلِهِ اسْتِطاعَةً. فَلا يَأْمَنُ مِن مَكْرٍ، ولا يَيْأسُ مِن مَعُونَةٍ، ولا يُعَوِّلُ عَلى نِيَّةٍ.
أيْ يَتَحَقَّقُ أنَّ اسْتِطاعَتَهُ بِيَدِ اللَّهِ، لا بِيَدِهِ، فَهو مالِكُها دُونَهُ. فَإنَّهُ إنْ لَمْ يُعْطِهِ الِاسْتِطاعَةَ فَهو عاجِزٌ. فَهو لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِاللَّهِ، لا بِنَفْسِهِ. فَكَيْفَ يَأْمَنُ المَكْرَ، وهو مُحَرَّكٌ لا مُحَرِّكٌ؟ يُحَرِّكُهُ مَن حَرَكَتُهُ بِيَدِهِ، فَإنْ شاءَ ثَبَّطَهُ وأقْعَدَهُ مَعَ القاعِدِينَ.
كَما قالَ فِيمَن مَنَعَهُ هَذا التَّوْفِيقَ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].
فَهَذا مَكْرُ اللَّهِ بِالعَبْدِ: أنْ يَقْطَعَ عَنْهُ مَوادَّ تَوْفِيقِهِ. ويُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ولا يَبْعَثَ دَواعِيهِ، ولا يُحَرِّكَهُ إلى مِراضَيْهِ ومَحابِّهِ. ولَيْسَ هَذا حَقًّا عَلى اللَّهِ. فَيَكُونُ ظالِمًا بِمَنعِهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. بَلْ هو مُجَرَّدُ فَضْلِهِ الَّذِي يُحْمَدُ عَلى بَذْلِهِ لِمَن بَذَلَهُ، وعَلى مَنعِهِ لِمَن مَنعَهُ إيّاهُ. فَلَهُ الحَمْدُ عَلى هَذا وهَذا.
وَمَن فَهِمَ هَذا فَهِمَ بابًا عَظِيمًا مِن سِرِّ القَدَرِ، وانْجَلَتْ لَهُ إشْكالاتٌ كَثِيرَةٌ. فَهو سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ مِن نَفْسِهِ فِعْلًا يَفْعَلُهُ بِعَبْدِهِ يَقَعُ مِنهُ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. فَيَمْنَعُهُ فِعْلَ نَفْسِهِ بِهِ، وهو تَوْفِيقُهُ؛ لِأنَّهُ يَكْرَهُهُ، ويَقْهَرُهُ عَلى فِعْلِ مَساخِطِهِ، بَلْ يَكِلُهُ إلى نَفْسِهِ وحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، ويَتَخَلّى عَنْهُ. فَهَذا هو المَكْرُ.
قَوْلُهُ: ولا يَيْأسُ مِن مَعُونَةٍ، يَعْنِي إذا كانَ المُحَرِّكُ لَهُ هو الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ. وهو أقْدَرُ القادِرِينَ. وهو الَّذِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِ ورِزْقِهِ. وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ. فَكَيْفَ يَيْأسُ مِن مَعُونَتِهِ لَهُ؟
قَوْلُهُ: ولا يُعَوِّلُ عَلى نِيَّةٍ، أيْ لا يَعْتَمِدُ عَلى نِيَّتِهِ وعَزْمِهِ، ويَثِقُ بِها. فَإنَّ نِيَّتَهُ وعَزْمَهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا بِيَدِهِ. وهي إلى اللَّهِ لا إلَيْهِ. فَلْتَكُنْ ثِقَتُهُ بِمَن هي في يَدِهِ حَقًّا، لا بِمَن هي جارِيَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا.
(مسألة)
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَرْضى لِعَبْدِهِ شَيْئًا، ولا يُعِينُهُ عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: لِأنَّ إعانَتَهُ عَلَيْهِ قَدْ تَسْتَلْزِمُ فَواتَ مَحْبُوبٍ لَهُ أعْظَمَ مِن حُصُولِ تِلْكَ الطّاعَةِ الَّتِي رَضِيَها لَهُ. وقَدْ يَكُونُ وُقُوعُ تِلْكَ الطّاعَةِ مِنهُ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً هي أكْرَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن مَحَبَّتِهِ لِتِلْكَ الطّاعَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ وُقُوعُها مِنهُ مُسْتَلْزِمًا لِمَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، ومُفَوِّتًا لِمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ - لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٦-٤٧].
فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ: أنَّهُ كَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَ رَسُولِهِ ﷺ لِلْغَزْوِ. وهو طاعَةٌ وقُرْبَةٌ، وقَدْ أمَرَهم بِهِ، فَلَمّا كَرِهَهُ مِنهم ثَبَّطَهم عَنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ المَفاسِدِ الَّتِي كانَتْ سَتَتَرَتَّبُ عَلى خُرُوجِهِمْ لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقالَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ فَسادًا وشَرًّا ﴿وَلَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ سَعَوْا فِيما بَيْنَكم بِالفَسادِ والشَّرِّ. ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]. أيْ قابِلُونِ مِنهم مُسْتَجِيبُونَ لَهم. فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ سَعْيِ هَؤُلاءِ بِالفَسادِ وقَبُولِ أُولَئِكَ مِنهم مَنِ الشَّرِّ ما هو أعْظَمُ مِن مَصْلَحَةِ خُرُوجِهِمْ.
فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والرَّحْمَةُ: أنْ مَنَعَهم مِنَ الخُرُوجِ، وأقْعَدَهم عَنْهُ.
فاجْعَلْ هَذا المِثالَ أصْلًا لِهَذا البابِ. وقِسْ عَلَيْهِ.
التوبة 9:47
قوله تعالى: ﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي قابلون ومنقادون.
وقيل: عيون وجواسيس وليس بشيء فإن العيون والجواسيس إنما تكون بين الفئتين غير المختلطتين فيحتاج إلى الجواسيس والعيون وهذه الآية إنما هي في حق المنافقين وهم كانوا مختلطين بالصحابة بينهم فلم يكونوا محتاجين إلى عيون وجواسيس وإذا عرف هذا فسمْعُ الإدراك يتعدى بنفسه وسمع القبول يتعدى باللام تارة وبـ (مِن) أخرى وهذا بحسب المعنى فإذا كان السياق يقتضي القبول عدي بـ (مِن) وإذا كان يقتضي الانقياد عدي باللام.
وأما سمْع الإجابة فيتعدى باللام نحو سمع الله لمن حمده لتضمنه معنى استجاب له ولا حذف هناك، وإنما هو مضمن، وأما سمع الفهم فيتعدى بنفسه لأن مضمونه يتعدى بنفسه.
(فصل)
وَمِن سَمْعِ القَبُولِ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ قابِلُونَ مِنهم مُسْتَجِيبُونَ لَهُمْ، هَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ.
وَأمّا قَوْلُ مَن قالَ: عُيُونٌ لَهم وجَواسِيسُ فَضَعِيفٌ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ عَنْ حِكْمَتِهِ في تَثْبِيطِهِمْ عَنِ الخُرُوجِ بِأنَّ خُرُوجَهم يُوجِبُ الخَبالَ والفَسادَ، والسَّعْيَ بَيْنَ العَسْكَرِ بِالفِتْنَةِ، وفي العَسْكَرِ مَن يَقْبَلُ مِنهُمْ، ويَسْتَجِيبُ لَهُمْ، فَكانَ في إقْعادِهِمْ عَنْهم لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً، حَتّى لا يَقَعُوا في عَنَتِ القَبُولِ مِنهم.
أمّا اشْتِمالُ العَسْكَرِ عَلى جَواسِيسَ وعُيُونٍ لَهم فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِحِكْمَةِ التَّثْبِيطِ والإقْعادِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جَواسِيسَهم وعُيُونَهم مِنهُمْ، وهو سُبْحانُهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ أقْعَدَهم لِئَلّا يَسْعَوْا بِالفَسادِ في العَسْكَرِ، ولِئَلّا يَبْغُوهُمُ الفِتْنَةَ، وهَذِهِ الفِتْنَةُ إنَّما تَنْدَفِعُ بِإقْعادِهِمْ، وإقْعادِ جَواسِيسِهِمْ وعُيُونِهِمْ.
وَأيْضًا فَإنَّ الجَواسِيسَ إنَّما تُسَمّى عُيُونًا هَذا المَعْرُوفُ في الِاسْتِعْمالِ لا تُسَمّى سَمّاعِينَ.
وَأيْضًا فَإنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في إخْوانِهِمُ اليَهُودِ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] أيْ قابِلُونَ لَهُ.
والمَقْصُودُ أنَّ سَماعَ خاصَّةِ الخاصَّةِ المُقَرَّبِينَ هو سَماعُ القُرْآنِ بِالِاعْتِباراتِ الثَّلاثَةِ: إدْراكًا وفَهْمًا، وتَدَبُّرًا، وإجابَةً. وكُلُّ سَماعٍ في القُرْآنِ مَدَحَ اللَّهُ أصْحابَهُ وأثْنى عَلَيْهِمْ، وأمَرَ بِهِ أوْلِياءَهُ فَهو هَذا السَّماعُ.
وَهُوَ سَماعُ الآياتِ، لا سَماعَ الأبْياتِ، وسَماعُ القُرْآنِ، لا سَماعَ مَزامِيرِ الشَّيْطانِ، وسَماعُ كَلامِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ لا سَماعَ قَصائِدِ الشُّعَراءِ، وسَماعُ المَراشِدِ، لا سَماعَ القَصائِدِ، وسَماعُ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، لا سَماعَ المُغَنِّينَ والمُطْرِبِينَ.
فَهَذا السَّماعُ حادٍ يَحْدُو القُلُوبَ إلى جِوارِ عَلّامِ الغُيُوبِ، وسائِقٌ يَسُوقُ الأرْواحَ إلى دِيارِ الأفْرَحِ، ومُحَرِّكٌ يُثِيرُ ساكِنَ العَزَماتِ إلى أعْلى المَقاماتِ وأرْفَعِ الدَّرَجاتِ، ومُنادٍ يُنادِي لِلْإيمانِ، ودَلِيلٌ يَسِيرُ بِالرَّكْبِ في طَرِيقِ الجِنانِ، وداعٍ يَدْعُو القُلُوبَ بِالمَساءِ والصَّباحِ، مِن قِبَلِ فالِقِ الإصْباحِ حَيَّ عَلى الفَلاحِ، حَيَّ عَلى الفَلاحِ.
فَلَمْ يُعْدَمْ مَنِ اخْتارَ هَذا السَّماعَ إرْشادًا لِحُجَّةٍ، وتَبْصِرَةً لِعِبْرَةٍ، وتَذْكِرَةً لِمَعْرِفَةٍ، وفِكْرَةً في آيَةٍ، ودَلالَةً عَلى رُشْدٍ، ورَدًّا عَلى ضَلالَةٍ، وإرْشادًا مِن غَيٍّ، وبَصِيرَةً مِن عَمًى، وأمْرًا بِمَصْلَحَةٍ، ونَهْيًا عَنْ مَضَرَّةٍ ومَفْسَدَةٍ، وهِدايَةً إلى نُورٍ، وإخْراجًا مِن ظُلْمَةٍ، وزَجْرًا عَنْ هَوًى، وحَثًّا عَلى تُقًى، وجَلاءً لِبَصِيرَةٍ، وحَياةً لِقَلْبٍ، وغِذاءً ودَواءً وشِفاءً، وعِصْمَةً ونَجاةً، وكَشْفَ شُبْهَةٍ، وإيضاحَ بُرْهانٍ، وتَحْقِيقَ حَقٍّ، وإبْطالَ باطِلٍ.
[فَصْلٌ: في سَماعِ الإجابَةِ]
وَأمّا سَماعُ الإجابَةِ: فَفي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ مُسْتَجِيبُونَ لَهم. وفي قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] أيْ: مُسْتَجِيبُونَ لَهُ. وهو المُرادُ. وهَذا المُرادُ بِقَوْلِ المُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أيْ أجابَ اللَّهُ حَمْدَ مَن حَمِدَهُ. وهُوَ
السَّمْعُ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَمَّنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا. في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] أيْ لَجَعَلَهم يَسْمَعُونَ سَمْعَ إجابَةٍ وانْقِيادٍ. وقِيلَ: المَعْنى لَأفْهَمَهم. وعَلى هَذا: يَكُونُ المَعْنى لَأسْمَعَ قُلُوبَهم. فَإنَّ سَماعَ القَلْبِ يَتَضَمَّنُ الفَهْمَ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مُرادٌ. فَلَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا لَأفْهَمَهُمْ، ولَجَعَلَهم يَسْتَجِيبُونَ لِما سَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ.
والمَقْصُودُ: أنَّ سَماعَ الإجابَةِ هو سَماعُ انْقِيادِ القَلْبِ، والرُّوحِ، والجَوارِحِ، لِما سَمِعَتْهُ الأُذُنانِ.
(فصل)
والخبال: الفساد والاضطراب فلو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم أمرهم فأوقعوا بينهم الاضطراب والاختلاف قال ابن عباس: "ما زادوكم إلا خبالا عجزا وجبنا" يعني يجبنوهم عن لقاء العدو بتهويل أمرهم وتعظيمهم في صدورهم ثم قال: ﴿وَلأوْضَعُوا خِلالَكُم﴾ أي أسرعوا في الدخول بينكم للتفريق والإفساد قال ابن عباس: "يريد ضعفوا شجاعتكم يعني بالتفريق بينهم لتفريق الكلمة فيجبنوا عن العدو"
وقال الحسن: "لأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات البين"
وقال الكلبي: "ساروا بينكم يبغونكم العيب" قال لبيد:
؎أرانا موضعين لختم عيب ∗∗∗ وسحر بالطعام وبالشراب
أي مسرعين ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
؎تبا لهن بالعرفان لما عرفنني ∗∗∗ وقلن أمرؤ باغ أكل وأوضعا
أي أسرع حتى كلت مطيته: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾
قال قتادة: "وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم"
وقال ابن إسحاق: "وفيكم قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم" ومعناه على هذا القول وفيكم أهل سمع وطاعة لهم لو صحبهم هؤلاء المنافقون أفسدوهم عليكم قلت فتضمن سماعين معنى مستجيبين وقال مجاهد وابن زيد والكلبي: "المعنى وفيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم أي جواسيس والقول هو الأول كما قال تعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي قابلون له ولم يكن في المؤمنين جواسيس للمنافقين فإن المنافقين كانوا مختلطين بالمؤمنين ينزلون معهم ويرحلون ويصلون معهم ويجالسونهم ولم يكونوا متحيزين عنهم قد أرسلوا فيهم العيون ينقلون إليهم أخبارهم فإن هذا إنما يفعله من انحاز عن طائفة ولم يخالطها وأرصد بينهم عيونا له فالقول قول قتادة وابن إسحاق والله أعلم.
فإن قيل انبعاثهم إلى طاعته طاعة له فكيف يكرهها وإذا كان سبحانه يكرهها فهو يحب ضدها لا محالة إذ كراهة أحد الضدين تستلزم محبة الضد الآخر فيكون قعودهم محبوبا له فكيف يعاقبهم عليه؟
قيل هذا سؤال له شأن وهو من أكبر الأسئلة في هذا الباب وأجوبة الطوائف على حسب أصولهم فالجبرية تجيب عنه بأن أفعاله لا تعلل بالحكم والمصالح وكل ممكن فهو جائز عليه ويجوز أن يعذبهم على فعل ما يحبه ويرضاه وترك ما يبغضه ويسخطه والجميع بالنسبة إليه سواء وهذه الفرقة قد سدت على نفسها باب الحكمة والتعليل والقدرية تجيب عنه على أصولها بأنه سبحانه لم يثبطهم حقيقة ولم يمنعهم بل هم منعوا أنفسهم وثبطوها عن الخروج وفعلوا ما لا يريد ولما كان في خروجهم المفسدة التي ذكرها الله سبحانه ألقى في نفوسهم كراهة الخروج مع رسوله قالوا وجعل سبحانه إلقاء كراهة الانبعاث في قلوبهم كراهة مشيئة من غير أن يكره هو سبحانه انبعاثهم فإنه أمرهم به قالوا وكيف يأمرهم بما يكرهه ولا يخفى على من نور الله بصيرته فساد هذين الجوابين وبعدهما من دلالة القرآن فالجواب الصحيح أنه سبحانه أمرهم بالخروج طاعة له ولأمره واتّباعا لرسوله ﷺ ونصرة له وللمؤمنين وأحب لك منهم ورضيه لهم دينا وعلم سبحانه أن خروجهم لو خرجوا لم يقع على هذا الوجه بل يكون خروجهم خروج خذلان لرسوله وللمؤمنين فكان خروجا يتضمن خلاف ما يحبه ويرضاه ويستلزم وقوع ما يكرهه ويبغضه فكان مكروها له من هذا الوجه ومحبوبا له من الوجه الذي خرج عليه أولياؤه وهو يعلم أنه لا يقع منهم إلا على الوجه المكروه إليه فكرهه وعاقبهم على ترك الخروج الذي يحبه ويرضاه لا على ترك الخروج الذي يبغضه ويسخطه وعلى هذا فليس الخروج الذي كرهه منهم طاعة حتى لو فعلوه لم يثبهم عليه ولم يرضه منهم وهذا الخروج المكروه له ضدان أحدهما: الخروج المرضي المحبوب وهذا الضد هو الذي يحبه.
والثاني: التخلف عن رسوله والقعود عن الغزو معه وهذا الضد يبغضه ويكرهه أيضا وكراهته للخروج على الوجه الذي كانوا يخرجون عليه لا ينافي كراهته لهذا الضد فيقول للسائل قعودهم مبغوض له ولكن هاهنا أمران مكروهان له سبحانه وأحدهما أكره له من الآخر لأنه أعظم مفسدة فإن قعودهم مكروه له وخروجهم على الوجه الذي ذكره أكره إليه ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه سبحانه فدفع المكروه الأعلى بالمكروه الأدنى فإن مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه فإن مفسدة قعودهم تختص بهم ومفسدة خروجهم تعود على المؤمنين فتأمل هذا الموضع فإن قلت فهلا وفقهم للخروج الذي يحبه ويرضاه وهو الذي خرج عليه المؤمنون قلت قد تقدم جواب مثل هذا السؤال مرارا وأن حكمته سبحانه تأبى أن يضع التوفيق في غير محله وعند غير أهله فالله أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه وفضله وليس كل محل يصلح لذلك ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته فإن قلت وعلى ذلك فهلا جعل المحال كلها صالحة قلت يأباه كمال ربوبيته وملكه وظهور آثار أسمائه وصفاته في الخلق والأمر وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبا له فإنه يحب أن يذكر ويشكر ويطاع ويوحد ويعبد ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه من استواء أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان وهو محبته لجهاز أعدائه والانتقام منهم وإظهار قدر أوليائه وشرفهم وتخصيصهم بفضله وبذل نفوسهم له في معاداة من عاداه وظهور عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه وأضعاف أضعاف هذه الحكم التي لا سبيل للخلق ولو تناهوا في العلم والمعرفة إلى الإحاطة بها ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفي عليهم كنقرة عصفور في بحر.
التوبة 9:49
وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَلَّما يَخْرُجُ في غَزْوَةٍ إلّا كَنّى عَنْها ووَرّى بِغَيْرِها، إلّا ما كانَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ لِبُعْدِ الشُّقَّةِ وشِدَّةِ الزَّمانِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ وهو في جِهازِهِ للجد بن قيس - أحَدِ بَنِي سَلَمَةَ -:
«يا جد هَلْ لَكَ العامَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟
فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوَتَأْذَنُ لِي ولا تَفْتِنِّي؟ فَواللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أنَّهُ ما مِن رَجُلٍ بِأشَدَّ عَجَبًا بِالنِّساءِ مِنِّي، وإنِّي أخْشى إنْ رَأيْتُ نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أنْ لا أصْبِرَ.
فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: قَدْ أذِنْتُ لَكَ، فَفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾.
(فائدة)
وَقَدْ تَأْتِي الفِتْنَةُ مُرادًا بِها المَعْصِيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]، يَقُولُهُ الجد بن قيس، لَمّا نَدَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ، يَقُولُ: ائْذَنْ لِي في القُعُودِ ولا تَفْتِنِّي بِتَعَرُّضِي لِبَناتِ بَنِي الأصْفَرِ، فَإنِّي لا أصْبِرُ عَنْهُنَّ، قالَ تَعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ: وقَعُوا في فِتْنَةِ النِّفاقِ، وفَرُّوا إلَيْها مِن فِتْنَةِ بَناتِ الأصْفَرِ.
قال ابن زيد: يريد لا تفتني بصباحة وجوههن.
وقال أبو العالية: لا تعرضني للفتنة.
وقوله تعالى: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾.
قال قتادة: "ما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله سلم والرغبة بنفسه عنه أعظم".
فالفتنة التي فر منها - بزعمه - هي فتنة محبة النساء، وعدم صبره عنهن، والفتنة التي وقع فيها هي فتنة الشرك والكفر في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
التوبة 9:52
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ بَعْدَ القُدْرَةِ لا تَعْصِمُ دَمَهُ قَوْله تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا﴾
قالَ السَّلَفُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ بِالقَتْلِ إنْ أظْهَرْتُمْ ما في قُلُوبِكُمْ، وهو كَما قالُوا؛ لِأنَّ العَذابَ عَلى ما يُبْطِنُونَهُ مِن الكُفْرِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ لا يَكُونُ إلّا بِالقَتْلِ؛ فَلَوْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهم بَعْدَ ما ظَهَرَتْ زَنْدَقَتُهم لَمْ يُمَكِّنْ المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَرَبَّصُوا بِالزَّنادِقَةِ أنْ يُصِيبَهم اللَّهُ بِأيْدِيهِمْ؛ لِأنَّهم كُلَّما أرادُوا أنْ يُعَذِّبُوهم عَلى ذَلِكَ أظْهَرُوا الإسْلامَ فَلَمْ يُصابُوا بِأيْدِيهِمْ قَطُّ، والأدِلَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وعِنْدَ هَذا فَأصْحابُ هَذا القَوْلِ يَقُولُونَ: نَحْنُ أسْعَدُ بِالتَّنْزِيلِ والسُّنَّةِ مِن مُخالِفِينا في هَذِهِ المَسْألَةِ المُشَنِّعِينَ عَلَيْنا بِخِلافِها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.