Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — التوبة 9:55 – التوبة 9:129

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. التوبة 9:55
  2. التوبة 9:59
  3. التوبة 9:63
  4. التوبة 9:65
  5. التوبة 9:66
  6. التوبة 9:67
  7. التوبة 9:69
  8. التوبة 9:72
  9. التوبة 9:73
  10. التوبة 9:90
  11. التوبة 9:92
  12. التوبة 9:100
  13. التوبة 9:101
  14. التوبة 9:102
  15. التوبة 9:103
  16. التوبة 9:109
  17. التوبة 9:110
  18. التوبة 9:111
  19. التوبة 9:112
  20. التوبة 9:115
  21. التوبة 9:117
  22. التوبة 9:118
  23. التوبة 9:119
  24. التوبة 9:120
  25. التوبة 9:122
  26. التوبة 9:124
  27. التوبة 9:125
  28. التوبة 9:127
  29. التوبة 9:128
  30. التوبة 9:129

التوبة 9:55

ولم يصب من قال: إن الآية على التقديم والتأخير، كالجرجاني، حيث قال: ينتظم قوله ﴿فى الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بعد فصل آخر ليس بموضعه، على تأويل ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنّما يُرِيدُ اللهُ ليُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهذا القول يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما. وهو منقطع، واختاره قتادة وجماعة، وكأنهم لما أشكل عليهم وجه تعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا، وأن سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك، فروا إلى التقديم والتأخير. وأما الذين رأوا أن الآية على وجهها ونظمها فاختلفوا في هذا التعذيب، فقال الحسن البصري: يعذبهم بأخذ الزكاة منها والإنفاق في الجهاد، واختاره ابن جرير، وأوضحه. فقال: العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله عليهم فيها من حقوقه وفرائضه، إذ كان يؤخذ منه ذلك، وهو غير طيب النفس، ولا راج من الله جزاء، ولا من الآخذ منه حمدا ولا شكرا، بل على صغار منه وكره. وهذا أيضا عدول عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها، وذهاب عن مقصود الآية. وقالت طائفة: تعذيبهم بها أنهم يتعرضون بكفرهم لغنيمة أموالهم، وسبي أولادهم فإن هذا حكم الكافر، وهم في الباطن كذلك. وهذا أيضا من جنس ما قبله فإن الله سبحانه أقر المنافقين، وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر وتولى سرائرهم، فلو كان المراد ما ذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه من غنيمة أموالهم وسبي أولادهم، فإن الإرادة هاهنا كونية بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان ولا بد، وما لم يشأ لم يكن. والصواب، والله أعلم، أن يقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة: بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم في جمعها ومقاساة أنواع المشاق في ذلك، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه، وهو حريص بجهده على تحصيلها. والعذاب هنا هو الألم والمشقة والتعب، كقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ" وقوله: "إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ". أي يتألم ويتوجع، لا أنه يعاقب بأعمالهم، وهكذا من كانت الدنيا كل همه أو أكبر همه كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: " مَن كانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِناهُ في قَلْبِهِ، وجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ. ومَن كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، ولَمْ يأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلا ما قُدِّرَ لَهُ". ومن أبلغ العذاب في الدنيا: تشتيت الشمل وتفرق القلوب، وكون الفقر نصب عيني العبد لا يفارقه، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب، على أن أكثرهم لا يزال يشكو أو يصرخ منه. وفي الترمذي أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "يَقُولُ اللهُ تَباركَ وتَعالى: ابْنَ آدَم، تَفَرَّغْ لِعبادَتِي أمْلأ صَدْرَكَ غِنًى، وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلأتُ يَدَيْكَ شُغْلا، ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ". وهذا أيضا من أنواع العذاب، وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه، ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب. ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث: همّ لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضى، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه، كما في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: "لَوْ كانَ لابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغى لهَما ثالِثا". وقد مثل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا. وذكر ابن أبي الدنيا أن الحسن البصري كتب إلى عمر بن عبد العزيز "أما بعد: فإن الدنيا دار ظعن، ليست بدار إقامة، إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها. هي كالسم يأكله من لا يعرفه، وهو حتفه فكن فيها كالمداوى جراحه، يحتمى قليلا، مخافة ما يكره طويلا، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة، الخداعة الختّالة، التي قد تزينت بخدعها، وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى، ونسى المعاد فشَغل بها لُبَّه، حتى زّلت عنها قدمه، فعظمت عليه ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه، وحسرات الفوت. وعاشق لم ينل منها بغيته، فعاش بغُصته، وذهب بكمده، ولم يدرك منها ما طلب، ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد. فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، وُصِل الرخاء منها بالبلاء، وجُعل البقاء فيها إلى فناء. سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا، لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل. فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ وعنها زاجر؟ فما لها عند الله قدر ولا وزن، ولا نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا تُنقِصُه عند الله جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خالقُه، أو يرفع ما وضع مليكه. فزواها عن الصالحين اختيارا، وبسطها لأعدائه اغترارا. فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أُكْرِم بها، ونسي ما صنع الله عز وجل برسوله ﷺ حين شد الحجر على بطنه". وقال الحسن أيضا: إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخُشب. فأهينوها فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها. وهذا باب واسع. وأهل الدنيا وعشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم في طلبها. ولما كانت هي أكبر هَمّ من لا يؤمن بالآخرة، ولا يرجو لقاء ربه، كان عذابه بها بحسب حرصه عليها، وشدة اجتهاده في طلبها. وإذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق فانٍ في حب معشوقه، وكلما رام قربا من معشوقه نأى عنه، ولا يفى له ويهجره ويصل عدوه. فهو مع معشوقه في أنكد عيش، يختار الموت دونه، فمعشوقه قليل الوفاء، كثير الجفاء، كثير الشركاء، سريع الاستحالة، عظيم الخيانة، كثير التلون، لا يأمن عاشقه معه على نفسه ولا على ماله، مع أنه لا صبر له عنه ولا يجد عنه سبيلا إلى سلوة تريحه، ولا وصال يدوم له، فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا العاجل لكفى به، فكيف إذا حيل بينه وبين لذاته كلها، وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا به على قدر لذته به، التي شغلته عن سعيه في طلب زاده، ومصالح معاده؟، وسنعود إلى تمام الكلام في هذا الباب في باب ذكر علاج مرض القلب بحب الدنيا إن شاء الله تعالى، إذ المقصود بيان أن من أحب شيئا سوى الله تعالى، ولم تكن محبته له لله تعالى، ولا لكونه معينا له على طاعة الله تعالى: عذب به في الدنيا قبل يوم القيامة. كما قيل: ؎أنْتَ القَتِيلُ بِكلِّ مَن أحْبَبْتَهُ ∗∗∗ فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ في الهَوى مَن تَصْطَفِي فإذا كان يوم المعاد ولّى الحكَم العدل سبحانه كل محب ما كان يحبه في الدنيا. فكان معه: إما منعما أو معذبا. ولهذا: "يُمَثَّلُ لِصاحِبِ المالِ مالُهُ شُجاعًا أقْرَعَ يَأْخُذُ بِلِهزمَتَيه، يعني شدقيه، يقُولُ: أنا مالُكَ، أنا كَنزُكَ، ويُصَفّحُ لَهُ صَفائحَ مِن نارٍ يُكْوى بِها جَبِينُهُ وجَنبهُ وظَهْرُهُ". وكذلك عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على غير طاعة الله تعالى جمع الله بينهما في النار، وعذب كلٌ منهما بصاحبه. قال تعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئذٍ بَعْضهم لِبَعْضٍ عَدُو إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. وأخبر سبحانه أن الذين توادوا في الدنيا على الشرك يكفر بعضهم ببعض يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضا ومأواهم النار وما لهم من ناصرين. فالمحب مع محبوبه دنيا وأخرى. ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة للخلق: "ألَيْسَ عَدْلا مِنِّي أنْ أُوَلّى كُلَّ رَجُلٍ مِنكم ما كانَ يَتَوَلّى في دارِ الدُّنْيا؟ ". وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبّ". (موعظة) وفي حديث مناجاة موسى الذي رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل حدثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهب ابن منبه فذكره وفيه ولا تعجبكما زينته ولا ما متع به ولا تمدان إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ولكني أرغب بكما عن نعيمها ذلك وأزويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي، وقديما ما خرت لهم في ذلك فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعى الشفيق غنمه عن مراعى الهلكة وانى لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعى الشفيق ابله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوإنهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى واعلم أنه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجههم من أثر السجود أولئك أوليائي حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك " وذكر الحديث. وقال أحمد حدثنا عون بن جابر قال سمعت محمد بن داود عن أبيه عن وهب قال قال الحواريون يا عيسى من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ قال الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أن سيتركهم فصار استكثارهم منها استقلالا وذكرهم إياها فواتا وفرحهم بما أصابوا منها حزنا فما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها وخربت بينهم فليسوا يعمرونها وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم رفضوها فكانوا بها هم الفرحين ونظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات فأحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ويضيئون به لهم خبر عجيب وعندهم الخبر العجيب بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه عملوا ليسوا يرون نائلا مع ما نالوا ولا أمانا دون ما يرجون ولا خوفا دون ما يحذرون وحدثنا روح حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قيل لعيسى ابن مريم يا رسول الله لو اتخذت حمارا تركبه لحاجتك؟ قال أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئا يشغلني به وقال اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب المرء عند كنزه. وقال اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز. وقال يا بني إسرائيل اجعلوا بيوتكم كمنازل الأضياف فما لكم في العالم من منزل إن أنتم إلا عابرى سبيل. وقال يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا؟ قالوا يا روح الله من يقدر على ذلك قال إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا. وقال أكل الخبز البر وشرب ماء عذب ونوم على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس. قال أحمد وحدثنا بهز عن الأعمش عن خيثمة قال قال المسيح بشدة ما يدخل الغنى الجنة. وقال المسيح حلاوة الدنيا مرارة الآخرة ومرارة الدنيا حلاوة الآخرة وقال يا بني إسرائيل تهاونوا بالدنيا تهن عليكم وأهينوا الدنيا تكرم عليكم الآخرة ولا تكرموا الدنيا تهن عليكم الآخرة فإن الدنيا ليست بأهل الكرامة وكل يوم تدعو إلى الفتنة والخسارة وقال إسحاق بن هانئ في مسائلة قال أبو عبد الله وأنا أخرج من داره قال الحسن: أهينوا الدنيا فوالله لأهنأ ما تكون حين تهان. وقال الحسن والله ما أبالي شرقت أم غربت قال وقال لي أبو عبد الله يا إسحاق ما أهون الدنيا على الله عز وجل وقال الدنيا قليلها يجزى وكثيرها لا يجزى قالوا وقد تواتر عن السلف أن حب الدنيا رأس الخطايا وأصلها وقد روى فيه حديث مرفوع لا يثبت ولكنه يروى عن المسيح قال عبد الله بن أحمد حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن بديل بن ميسرة قال حدثني جعفر بن خرفاش أن عيسى ابن مريم عليه السلام قال رأس الخطيئة حب الدنيا والنساء حبالة الشيطان والخمر جماع كل شر وقال الإمام أحمد حدثنا عمر بن سعد أبو داود الحفرى عن سفيان قال كان عيسى ابن مريم يقول حب الدنيا أصل كل خطيئة والمال فيه داء كثير قالوا وما داؤه قال لا يسلم من الفخر والخيلاء قالوا فإن سلم قال يشغله اصلاحه عن ذكر الله عز وجل قالوا وذلك معلوم بالتجربة والمشاهدة فإن حبها يدعو إلى خطيئة ظاهرة وباطنة ولا سيما خطيئة يتوقف تحصيلها عليها فيسكر عاشقها حبها عن علمه بتلك الخطيئة وقبحها وعن كراهتها واجتنابها وحبها يوقع في الشبهات ثم في المكروهات ثم في المحرمات وطالما أوقع في الكفر بل جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا فإن الرسل لما نهوهم عن الشرك والمعاصي التي كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا ولا تنس خطيئة الأبوين قديما، فإنما كان سببها حب الخلود في الدنيا ولا تنس ذنب ابليس وسببه حب الرياسة التي محبتها شر من محبة الدنيا وبسببها كفر فرعون وهامان وجنودهما وأبو جهل وقومه واليهود فحب الدنيا والرياسة هو الذي عمر النار بأهلها والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة بأهلها والسكر بحب الدنيا أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير وصاحب هذا السكر لا يفيق منه إلا في ظلمة اللحد ولو انكشف عنه غطاؤه في الدنيا لعلم ما كان فيه من السكر وإنه اشد من سكر الخمر والدنيا تسحر العقول أعظم سحر. قال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر قال سمعت مالك بن دينار يقول اتقوا السحارة اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء وقال يحيى بن معاذ الرازى الدنيا خمر الشيطان من سكر منها فلا يفيق إلا في عسكر الموتى نادما بين الخاسرين وأقل ما في حبها أنه يلهي عن حب الله وذكره ومن الهاه ماله عن ذكر الله فهو من الخاسرين وإذا لها القلب عن ذكر الله سكنه الشيطان وصرفه حيث أراد ومن فقهه في الشر أنه يرضيه ببعض أعمال الخير ليريه أنه يفعل فيها الخير وقد تعبد لها قلبه فأين يقع ما يفعله من البر مع تعبده لها وقد لعنه رسول الله ودعا عليه فقال لعن عبد الدينار والدرهم وقال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم أن أعطى رضى وإن منع سخط وهذا تفسير منه وبيان لعبوديتها وقد عرضت الدنيا على النبي بحذافيرها وتعرضت له فدفع في صدرها باليدين وردها على عقبيها ثم عرضت بعده على أصحابه وتعرضت لهم فمنهم من سلك سبيله ودفعها عنه وهم القليل ومنهم من استعرضها وقال ما فيك قالت في الحلال والشبهة والمكروه والحرام فقالوا هاتى حلالك ولا حاجة لنا فيما عداه فأخذوا حلالها ثم تعرضت لمن بعدهم فطلبوا حلالها فلم يجدوه فطلبوا مكروهها وشبهها فقالت قد أخذه من قبلكم فقالوا هاتى حرامك فأخذوه فطلبه من بعدهم فقالت هو في أيدى الظلمة قد استأثروا به عليكم فتحيلوا على تحصيله منهم بالرغبة والرهبة فلا يمد فأجر يده إلى شيء من الحرام إلا وجد أفجر منه وأقوى قد سبقه إليه هذا وكلهم ضيوف وما بأيديهم عارية كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ما أصبح أحد في الدنيا إلا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤادة. (فصل) قالوا وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا ومفسدا للدين من وجوه: أحدها أن حبها يقتضى تعظيمها وهي حقيرة عند الله ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقر الله وثانيها أن الله لعنها ومقتها وأبغضها إلا ما كان له فيها ومن أحب ما لعنه الله ومقته وأبغضه فقد تعرض للفتنة ومقته وغضبه وثالثها إنه إذا أحبها صيرها غايته وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله وسائل إليه وإلى الدار الآخرة فعكس الأمر وقلب الحكمة فانعكس قلبه وانعكس سيره إلى وراء فهاهنا أمران: أحدهما جعل الوسيلة غاية. والثاني التوسل بأعمال الآخرة إلى الدنيا وهذا شر معكوس من كل وجه وقلب منكوس غاية الانتكاس وهذا هو الذي انطبق عليه حذو القذة بالقذة قوله تعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلاَّ النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ وقوله تعالى ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضا وتدل على معنى واحد وهو أن من أراد بعمله الدنيا وزينتها دون الله والدار الآخرة فحظه ما أراد وهو نصيبه ليس له نصيب غيره. والأحاديث عن رسول الله مطابقة لذلك مفسرة له كحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: "الغازى والمتصدق والقارئ الذين أرادوا بذلك الدنيا والنصيب" وهو في صحيح مسلم. وفى سنن النسائي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي فقال يا رسول الله رجل غزا يلتمس الأجر والذكر ما له فقال رسول الله لا شيء له فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله لا شيء له ثم قال إن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا" وابتغى به وجهه فهذا قد بطل أجره وحبط عمله مع أنه قصد حصول الأجر لما ضم إليه قصد الذكر بين الناس فلم يخلص عمله لله فبطل كله. وفى مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رجلا قال: "يارسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرض الدنيا فقال له رسول الله لا أجر له فأعظم الناس ذلك وقالوا للرجل عد لرسول الله لعله لم يفهم فعاد فقال يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرض الدنيا فقال رسول الله لا أجر له ثم أعاد الثالثة فقال رسول الله لا أجر له". وفى المسند أيضا وسنن النسائي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال أن رسول الله قال: "من غزا في سبيل الله عز وجل وهو لا ينوى في غزاته إلا عقالا فله ما نوى". وفى المسند والسنن عن يعلى بن منبه قال: "كان رسول الله يبعثني في سرايا فبعثني ذات يوم في سرية وكان رجلا يركب بغلا فقلت له ارحل فإن النبي قد بعثني في سرية فقال ما أنا بخارج معك حتى تجعل لي ثلاثة دنانير ففعلت فلما رجعت من غزاتي ذكرت ذلك لرسول الله فقال النبي ليس له من غزاته هذه ومن دنياه وآخرته إلا ثلاثة دنانير". وفى سنن أبي داود أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو فقال يا عبد الله بن عمر أن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا يا عبد الله بن عمر على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال". وفى المسند والسنن عن أبي ايوب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول: "انها ستفتح عليكم الامصار وتضربون فيها بعوثا فيكره الرجل منكم البعث فيخلص من قومه ويعرض نفسه على القبائل يقول من أكفيه بعث كذا وكذا إلا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه" فانظر محبة الدنيا ماذا حرمت هذا المجاهد من المجاهدين من الأجر وأفسدت عليه عمله وجعلته أول الداخلين إلى النار. ورابعها أن محبتها تعترض بين العبد وبين فعل ما يعود عليه نفعه في الآخرة لاشتغاله عنه بمحبوبه والناس ها هنا مراتب فمنهم من يشغله محبوبه عن الإيمان وشرائعه ومنهم من يشغله عن الواجبات التي تجب عليه لله ولخلقه فلا يقوم بها ظاهرا ولا باطنا ومنهم من يشغله حبها عن كثير من الواجبات ومنهم من يشغله عن واجب يعارض تحصيلها وأن قام بغيره ومنهم من يشغله عن القيام بالواجب في الوقت الذي ينبغى على الوجه الذي ينبغى فيفرط في وقته وفي حقوقه ومنهم من يشغله عن عبودية قلبه في الواجب وتفريغه لله عند أدائه فيؤديه ظاهر إلا باطنا وأين هذا من عشاق الدنيا ومحبيها هذا من أندرهم وأقل درجات حبها أن يشغل عن سعادة العبد وهو تفريغ القلب لحب الله ولسانه لذكره وجمع قلبه على لسانه وجمع لسانه وقلبه على ربه فعشقها ومحبتها تضر بالآخرة ولا بد كما أن محبة الآخرة تضر بالدنيا وفي هذا الحديث قد روى مرفوعا من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته اضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى فصل: وخامسها أن محبتها تجعلها أكثر هم العبد وقد روى الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله: " من كانت الآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا أكبر همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له". وسادسها أن محبها أشد الناس عذابا بها وهو معذب في دوره الثلاث يعذب في الدنيا بتحصيلها والسعى فيها ومنازعة أهلها وفي دار البرزخ بفواتها والحسرة عليها وكونه قد حيل بينه وبين محبوبه على وجه لا يرجوا اجتماعه به ابدا ولم يحصل له هناك محبوب يعوضه عنه فهذا اشد الناس عذابا في قبره يعمل الهم والغم والحزن والحسرة في روحه ما تعمل الديدان وهوام الأرض في جسمه كما قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه أن حزقيل كان فيمن سبى بختنصر فذكر عنه حديثا طويلا وفي آخره قال فبينا أنا نائم على شط الفرات إذ أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى وضعنى بقاع من الأرض قد كانت معركة قال وإذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بددت الطير والسباع لحومهم وفرقت أوصالهم قال لي إن قوما يزعمون أن من مات منهم أو قتل فقد انفلت منى وذهبت عنه قدرتى فادعهم قال حزقبل فدعوتهم فإذا كل عظم قد أقبل إلى مفصله الذي انقطع منه ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم بمفصله الذي فارق حتى أم بعضها بعظائم نبت عليها اللحم ثم نبتت عليها العروق ثم انبسطت الجلود وأنا أنظر إلى ذلك ثم قال ادع أرواحهم قال فدعوتها فإذا كل روح قد أقبل إلى جسده الذي فارق فلما جلسوا سألتهم فيم كنتم قالوا إنا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك فقال هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم كذلك سنتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم قال فنظر في أعمالنا فوجدنا نعبد الأوثان فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه وسلط الغم على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا ولا يستريح عاشق الدنيا فقولهم كنا نعبد الأوثان فسيان عبادة الأثمان وعبادة الأوثان تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم. والمقصود أن محب الدنيا يعذب في قبره ويعذب يوم لقاء ربه قال تعالى ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ قال بعض السلف يعذبهم بجمعها وتزهق أنفسهم بحبها وهم كافرون بمنع حق الله فيها فصل: وسابعها أن عاشقها ومحبها الذي يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلهم عقلا إذ آثر الخيال على الحقيقة والمنام على اليقظة والظل الزائل على النعيم الدائم والدار الفانية على الدار الباقية وباع حياة الأبد في ارغد عيش بحياة إنما هي أحلام نوم أو كظل زائل أن اللبيب بمثلها لا يخدع كما نزل أعرابي بقوم فقدموا له طعاما فأكل ثم قام إلى ظل خيمة فنام فاقتلعوا الخيمة فأصابته فانتبه وهو يقول: ؎وإن امرؤ دنياه أكبر همه ∗∗∗ لمستمسك منها بحبل غرور وكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت: ؎يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ∗∗∗ أن اغترارا بظل زائل حمق قال يونس بن عبد الأعلى ما شبهت الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب فبينما هو كذلك انتبه وقال ابن أبي الدنيا حدثني أبو على الطائى حدثنا عبد الرحمن البخارى عن ليث قال رأى عيسى ابن مريم الدنيا في صورة عجوز عليها من كل زينة فقال كم تزوجتى قالت لا أحصيهم قال فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك قالت بل كلهم قتلته فقال عيسى بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونوا منك على حذر ؎أرى أشقياء الناس لا يسأمونها ∗∗∗ على أنهم فيها عراة وجوع ؎أراها وإن كانت تحب فإنها ∗∗∗ سحابة صيف عن قليل تقشع أشبه الأشياء بالدنيا الظل تحسب له حقيقة ثابتة وهو في تقلص وانقباض فتتبعه لتدركه فلا تلحقه وأشبه الأشياء بها السراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وأشبه الأشياء بها المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره فإذا استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له وأشبه الأشياء بها عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر غدارة بالأزواج تزينت للخطاب بكل زينة وسترت كل قبيح فاغتر بها من لم يجاوز بصره ظاهرها فطلب النكاح فقالت لا مهر إلا نقد الآخرة فإننا ضرتان واجتماعنا غير مأذون فيه ولا مستباح فآثر الخطاب العاجلة وقالوا ما على من وأصل حبيبته من جناح فلما كشف قناعها وحل إزارها إذا كل آفة وبلية فمنهم من طلق واستراح ومنهم من اختار المقام فما استتمت ليلة عرسه إلا بالعويل والصياح تالله لقد إذن مؤذنها على رءوس الخلائق يحي على غير الفلاح فقام المجتهدون والمسلمون لها فواصلوا في طلبها الغدو بالرواح وسروا ليلهم فلم يحمد القوم السرى عند الصباح طاروا في صيدها فما رجع أحد منهم إلا وهو مكسور الجناح فوقعوا في شبكتها فأسلمتهم للذباح. قال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن على بن شقيق حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض قال قال ابن عباس رضي الله عنهما يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال أتعرفون هذه؟ فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم يقذف بها في جهنم فتنادى يا رب أين أتباعى وأشياعى فيقول الله عز وجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها.

التوبة 9:59

تَأمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ الإيتاءَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وَجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: وقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، بَلْ جَعَلَهُ خالِصَ حَقِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: وإلى رَسُولِهِ، بَلْ جَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ وحْدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ - وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾. فالرَّغْبَةُ والتَّوَكُّلُ والإنابَةُ والحَسْبُ لِلَّهِ وحْدَهُ، كَما أنَّ العِبادَةَ والتَّقْوى والسُّجُودَ لِلَّهِ وحْدَهُ، والنَّذْرُ والحَلِفُ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. (فائِدَة) ما أخذ العَبْد ما حرم عَلَيْهِ إلّا من جِهَتَيْنِ: إحْداهما سوء ظَنّه بربه وأنه لَو أطاعه وآثره لم يُعْطه خيرا مِنهُ حَلالا والثّانيِة أن يكون عالما بذلك وأن من ترك لله شَيْئا أعاضه خيرا مِنهُ ولَكِن تغلب شَهْوَته صبره وهواه عقل فالأول من ضعف علمه، والثّانِي من ضعف عقله وبصيرته. قالَ يحي بن معاذ من جمع الله عَلَيْهِ قلبه في الدُّعاء لم يردَّهُ. قلت إذا اجْتمع عَلَيْهِ قلبه وصدقت ضَرُورَته وفاقته وقَوي رجاؤه فَلا يكاد يُردُّ دعاؤه.

التوبة 9:63

[فَصْلٌ المُحادُّ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ] الدَّلِيلُ السّابِعُ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١] فَجَعَلَهم مُؤْذِينَ لَهُ بِقَوْلِهِمْ: (هُوَ أُذُنٌ) ثُمَّ قالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَجَعَلَهم بِهَذا مُحادِّينَ، ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ مَن أظْهَرَ مَسَبَّةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ والطَّعْنَ في دِينِهِ أعْظَمُ مُحادَّةً لَهُ ولِرَسُولِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ مُحادٌّ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] والأذَلُّ أبْلَغُ مِنَ الذَّلِيلِ، ولا يَكُونُ أذَلَّ حَتّى يَخافَ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ دَمُهُ ومالُهُ مَعْصُومًا لا يُسْتَباحُ فَلَيْسَ بِأذَلَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم أيْنَما ثُقِفُوا فَعَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ إلّا مَعَ العَهْدِ، فَعُلِمَ أنَّ مَن لَهُ عَهْدٌ وحَبْلٌ يَأْمَنُ بِهِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ لا ذِلَّةَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتْ عَلَيْهِ المَسْكَنَةُ، فَإنَّ المَسْكَنَةَ قَدْ تَكُونُ مَعَ عَدَمِ الذِّلَّةِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ الحادِّينَ في الأذَلِّينَ، فَلا يَكُونُ لَهم عَهْدٌ؛ إذِ العَهْدُ يُنافِي الذِّلَّةَ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ، وهَذا ظاهِرٌ فَإنَّ الأذَلَّ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ يَمْتَنِعُ بِها مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ، فَإذا كانَ لَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِهِ نَصْرُهُ ومَنعُهُ فَلَيْسَ بِأذَلَّ، فَثَبَتَ أنَّ المُحادَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ لا يَكُونُ لَهُ عَهْدٌ يَعْصِمُهُ.

التوبة 9:65

(فصل: من قِصَّةِ تَبُوكَ) وَقَدْ كانَ رَهْطٌ مِنَ المُنافِقِينَ، مِنهم وديعة بن ثابت أخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ومِنهم رَجُلٌ مِن أشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ يُقالُ لَهُ: مخشي بن حمير، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الأصْفَرِ كَقِتالِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؟! واللَّهِ لَكَأنّا بِكم غَدًا مُقَرَّنِينَ في الحِبالِ - إرْجافًا وتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ - فَقالَ مخشي بن حمير: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي أُقاضى عَلى أنْ يُضْرَبَ كُلٌّ مِنّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وإنّا نَنْفَلِتُ أنْ يَنْزِلَ فِينا قُرْآنٌ لِمَقالَتِكم هَذِهِ وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «أدْرِكِ القَوْمَ فَإنَّهم قَدِ احْتَرَقُوا فَسَلْهم عَمّا قالُوا، فَإنْ أنْكَرُوا فَقُلْ: بَلْ قُلْتُمْ كَذا وكَذا، فانْطَلَقَ إلَيْهِمْ عمار فَقالَ لَهم ذَلِكَ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، فَقالَ وديعة بن ثابت: كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] فَقالَ مخشي بن حمير: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِيَ اسْمِي واسْمُ أبِي، فَكانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَسَمّى عبد الرحمن، وسَألَ اللَّهَ أنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ بِمَكانِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ». وَذَكَرَ ابن عائذ في " مَغازِيهِ " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ تَبُوكَ في زَمانٍ قَلَّ ماؤُها فِيهِ، فاغْتَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَرْفَةً بِيَدِهِ مِن ماءٍ فَمَضْمَضَ بِها فاهُ ثُمَّ بَصَقَهُ فِيها، فَفارَتْ عَيْنُها حَتّى امْتَلَأتْ، فَهي كَذَلِكَ حَتّى السّاعَةِ قُلْتُ: في " صَحِيحِ مسلم " أنَّهُ قالَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْها: «إنَّكم سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَ تَبُوكَ، وإنَّكم لَنْ تَأْتُوها حَتّى يُضْحِيَ النَّهارُ، فَمَن جاءَها فَلا يَمَسَّنَّ مِن مائِها شَيْئًا حَتّى آتِيَ، قالَ: فَجِئْناها وقَدْ سَبَقَ إلَيْها رَجُلانِ، والعَيْنُ مِثْلَ الشِّراكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِن ماءٍ، فَسَألَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مَسِسْتُما مِن مائِها شَيْئًا؟ قالا: نَعَمْ، فَسَبَّهُما النَّبِيُّ ﷺ وقالَ لَهُما ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا مِنَ العَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى اجْتَمَعَ في شَيْءٍ، وغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ثُمَّ أعادَهُ فِيها، فَجَرَتِ العَيْنُ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ حَتّى اسْتَقى النّاسُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُوشِكُ يا معاذ إنْ طالَتْ بِكَ حَياةٌ أنْ تَرى ما هاهُنا قَدْ مُلِئَ جِنانًا».

التوبة 9:66

(فصل: من قِصَّةِ تَبُوكَ) وَقَدْ كانَ رَهْطٌ مِنَ المُنافِقِينَ، مِنهم وديعة بن ثابت أخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ومِنهم رَجُلٌ مِن أشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ يُقالُ لَهُ: مخشي بن حمير، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الأصْفَرِ كَقِتالِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؟! واللَّهِ لَكَأنّا بِكم غَدًا مُقَرَّنِينَ في الحِبالِ - إرْجافًا وتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ - فَقالَ مخشي بن حمير: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي أُقاضى عَلى أنْ يُضْرَبَ كُلٌّ مِنّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وإنّا نَنْفَلِتُ أنْ يَنْزِلَ فِينا قُرْآنٌ لِمَقالَتِكم هَذِهِ وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «أدْرِكِ القَوْمَ فَإنَّهم قَدِ احْتَرَقُوا فَسَلْهم عَمّا قالُوا، فَإنْ أنْكَرُوا فَقُلْ: بَلْ قُلْتُمْ كَذا وكَذا، فانْطَلَقَ إلَيْهِمْ عمار فَقالَ لَهم ذَلِكَ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، فَقالَ وديعة بن ثابت: كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] فَقالَ مخشي بن حمير: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِيَ اسْمِي واسْمُ أبِي، فَكانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وتَسَمّى عبد الرحمن، وسَألَ اللَّهَ أنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ بِمَكانِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ». وَذَكَرَ ابن عائذ في " مَغازِيهِ " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ تَبُوكَ في زَمانٍ قَلَّ ماؤُها فِيهِ، فاغْتَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَرْفَةً بِيَدِهِ مِن ماءٍ فَمَضْمَضَ بِها فاهُ ثُمَّ بَصَقَهُ فِيها، فَفارَتْ عَيْنُها حَتّى امْتَلَأتْ، فَهي كَذَلِكَ حَتّى السّاعَةِ قُلْتُ: في " صَحِيحِ مسلم " أنَّهُ قالَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْها: «إنَّكم سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَ تَبُوكَ، وإنَّكم لَنْ تَأْتُوها حَتّى يُضْحِيَ النَّهارُ، فَمَن جاءَها فَلا يَمَسَّنَّ مِن مائِها شَيْئًا حَتّى آتِيَ، قالَ: فَجِئْناها وقَدْ سَبَقَ إلَيْها رَجُلانِ، والعَيْنُ مِثْلَ الشِّراكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِن ماءٍ، فَسَألَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ مَسِسْتُما مِن مائِها شَيْئًا؟ قالا: نَعَمْ، فَسَبَّهُما النَّبِيُّ ﷺ وقالَ لَهُما ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا مِنَ العَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى اجْتَمَعَ في شَيْءٍ، وغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ثُمَّ أعادَهُ فِيها، فَجَرَتِ العَيْنُ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ حَتّى اسْتَقى النّاسُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُوشِكُ يا معاذ إنْ طالَتْ بِكَ حَياةٌ أنْ تَرى ما هاهُنا قَدْ مُلِئَ جِنانًا».

التوبة 9:67

(فائدة) والنسيان في لسان العرب يكون للترك عمدا أو يكون ضد الذكر. قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أي تركوا طاعة الله والإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ فتركهم الله من رحمته، وهذا لا خلاف فيه ولا يجهله من له أقل علم بتأويل القرآن.

التوبة 9:69

وقد ذم الله سبحانه من اتبع الظن وما تهوى الأنفس فالظن الشبهات وما تهوى الأنفس الشهوات وهما اللذان ذكرهما في سورة براءة في قوله تعالى: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾. فذكر الاستمتاع بالخلاق وهو التمتع بالشهوات وهو نصيبهم الذي آثروه في الدنيا على حظهم من الآخرة. فالخوض الذي اتبعوا فيه الشبهات فاستمتعوا بالشهوات وخاضوا بالشبهات فنشأ عنهما التفرق المذموم الذي ذم الله أهله في كتابه ونهى عباده المؤمنين عن التشبه بهم فقال: ﴿ولا تَكونُوا كالّذينَ تَفَرّقوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥-١٠٦] قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف. وقد أخبر سُبْحانَهُ عَن حبوط أعمال أهل الشَّهَوات والشبهات فَقالَ تَعالى ﴿كالَّذِين من قبلكم كانُوا أشد مِنكُم قُوَّة وأكْثر أمْوالًا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كَما استمتع الَّذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالَّذي خاضُوا﴾ فَهَذا الِاسْتِمْتاع بالخلاق هو استمتاعهم بنصيبهم من الشَّهَوات. ثمَّ قالَ ﴿وخضتم كالَّذي خاضُوا﴾ وهَذا هو الخَوْض بِالباطِلِ في دين الله وهو خوض أهل الشُّبُهات. ثمَّ قالَ ﴿أُولَئِكَ حبطت أعْمالهم في الدُّنْيا والآخِرَة وأُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ فعلق سُبْحانَهُ حبوط الأعْمال والخسران بِاتِّباع الشَّهَوات الَّذِي هو الِاسْتِمْتاع بالخلاق، وباتباع الشُّبُهات الَّذِي هو الخَوْض بِالباطِلِ. (فائدة) والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات. وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعْوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾. أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر، ثم قال ﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات. فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان، من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح. فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني: فسق الأعمال. فالأول فساد من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات. ولهذا كان السلف يقولون "احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه". (فصل) وَقَدْ اخْتُلِفَ في مَحَلِّ هَذا الكافِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقِيلَ: هو رَفْعٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ أنْتُمْ كاَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، وقِيلَ: نَصْبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، والتَّشْبِيهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ في أعْمالِ الَّذِينَ مِن قَبْلُ، وقِيلَ: إنّ التَّشْبِيهَ فِي العَذابِ، ثُمَّ قِيلَ: العامِلُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَعَنَهم وعَذَّبَهم كَما لَعَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلُ، وقِيلَ: بَلْ العامِلُ ما تَقَدَّمَ، أيْ وعْدُ اللَّهِ المُنافِقِينَ كَوَعْدِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، ولَعْنُهم كَلَعْنِهِمْ، ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ كالعَذابِ الَّذِي لَهم والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْحَقَهم بِهِمْ في الوَعِيدِ، وسَوّى بَيْنَهم فِيهِ كَما تُساوَوْا في الأعْمالِ، وكَوْنُهم كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فَرْقٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، فَعَلَّقَ الحُكْمَ بِالوَصْفِ الجامِعِ المُؤَثِّرِ، وألْغى الوَصْفَ الفارِقَ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ مُشارَكَتَهم في الأعْمالِ اقْتَضَتْ مُشارَكَتَهم في الجَزاءِ فَقالَ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] فَهَذِهِ هي العِلَّةُ المُؤَثِّرَةُ والوَصْفُ الجامِعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] هو الحُكْمُ، واَلَّذِينَ مِن قَبْلُ هم الأصْلُ، والمُخاطَبُونَ الفَرْعُ. قالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ قالَ: بِذَنْبِهِمْ، ويُرْوى عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَمْتَعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِن الآخِرَةِ في الدُّنْيا، وقالَ آخَرُونَ: بِنَصِيبِهِمْ مِن الدُّنْيا. وَحَقِيقَةُ الأمْرِ أنَّ الخَلاقَ هو النَّصِيبُ والحَظُّ، كَأنَّهُ الَّذِي خُلِقَ لِلْإنْسانِ وقُدِّرَ لَهُ، كَما يُقالُ قَسْمُهُ الَّذِي قُسِمَ لَهُ، ونَصِيبُهُ الَّذِي نُصِبَ لَهُ أيْ أُثْبِتَ، وقِطُّهُ الَّذِي قُطَّ لَهُ أيْ قُطِعَ ومِنهُ قَوْله تَعالى: ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إنّما يَلْبَسُ الحَرِيرُ في الدُّنْيا مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ» والآيَةُ تَتَناوَلُ ما ذَكَرَهُ السَّلَفُ كُلَّهُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ فَبِتِلْكَ القُوَّةِ الَّتِي كانَتْ فِيهِمْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَعْمَلُوا لِلدُّنْيا والآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الأمْوالُ والأوْلادُ، وتِلْكَ القُوَّةُ والأمْوالُ والأوْلادُ هي الخَلاقُ، فاسْتَمْتَعُوا بِقُوَّتِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ في الدُّنْيا، ونَفْسُ الأعْمالِ الَّتِي عَمِلُوها بِهَذِهِ القُوَّةِ مِن الخَلاقِ الَّذِي اسْتَمْتَعُوا بِهِ، ولَوْ أرادُوا بِذَلِكَ اللَّهَ والدّارَ الآخِرَةَ لَكانَ لَهم خَلاقٌ في الآخِرَةِ، فَتَمَتُّعُهم بِها أخْذُ حُظُوظِهِمْ العاجِلَةِ، وهَذا حالُ مَن لَمْ يَعْمَلْ إلّا لِدُنْياهُ، سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ مِن جِنْسِ العِباداتِ أوْ غَيْرِها، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَ الفُرُوعِ فَقالَ: ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ حُكْمَهم حُكْمُهُمْ، وأنَّهُ يَنالُهم ما نالَهُمْ؛ لِأنَّ حُكْمَ النَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ فَقِيلَ: الَّذِي صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوا، وقِيلَ: لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ كَخَوْضِ القَوْمِ الَّذِي خاضُوا، وهو فاعِلُ الخَوْضِ، وقِيلَ: الَّذِي مَصْدَرِيَّةٌ كَما أيْ كَخَوْضِهِمْ، وقِيلَ: هي مَوْضِعُ الَّذِينَ. والمَقْصُودُ أنَّهُ سُبْحانَهُ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالخَلاقِ وبَيْنَ الخَوْضِ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ فَسادَ الدِّينِ إمّا أنْ يَقَعَ بِالِاعْتِقادِ الباطِلِ والتَّكَلُّمِ بِهِ وهو الخَوْضُ، أوْ يَقَعُ في العَمَلِ بِخِلافِ الحَقِّ والصَّوابِ وهو الِاسْتِمْتاعُ بِالخَلاقِ، فالأوَّلُ البِدَعُ، والثّانِي اتِّباعُ الهَوى، وهَذانِ هُما أصْلُ كُلِّ شَرٍّ وفِتْنَةٍ وبَلاءٍ، وبِهِما كُذِّبَتْ الرُّسُلُ، وعُصِيَ الرَّبُّ، ودُخِلَتْ النّارُ، وحَلَّتْ العُقُوباتُ، فالأوَّلُ مِن جِهَةِ الشُّبُهاتِ، والثّانِي مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ، ولِهَذا كانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: احْذَرُوا مِن النّاسِ صِنْفَيْنِ: صاحِبُ هَوًى فِتْنَتُهُ هَواهُ، وصاحِبُ دُنْيا أعْجَبَتْهُ دُنْياهُ. وَكانُوا يَقُولُونَ: احْذَرُوا فِتْنَةَ العالِمِ الفاجِرِ والعابِدِ الجاهِلِ؛ فَإنَّ فِتْنَتَهُما فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ، فَهَذا يُشْبِهُ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الحَقَّ ويَعْمَلُونَ بِخِلافِهِ، وهَذا يُشْبِهُ الضّالِّينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَفِي صِفَةِ الإمامِ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ الدُّنْيا ما كانَ أصَبَرَهُ، وبِالماضِينَ ما كانَ أشْبَهَهُ، أتَتْهُ البِدَعُ فَنَفاها، والدُّنْيا فَأباها، وهَذِهِ حالُ أئِمَّةِ المُتَّقِينَ الَّذِينَ وصَفَهم اللَّهُ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فَبِالصَّبْرِ تُتْرَكُ الشَّهَواتُ، وبِاليَقِينِ تُدْفَعُ الشُّبُهاتُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقَوْله تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥]. وَفِي بَعْضِ المَراسِيلِ: «إنّ اللَّهَ يُحِبُّ البَصَرَ النّاقِدَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهاتِ، ويُحِبُّ العَقْلَ الكامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَواتِ». فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ وهو داءُ العُصاةِ وقَوْلُهُ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ إشارَةٌ إلى الشُّبُهاتِ وهو داءُ المُتَبَدِّعَةِ وأهْلِ الأهْواءِ والخُصُوماتِ، وكَثِيرًا ما يَجْتَمِعانِ فَقَلَّ مَن تَجِدُهُ فاسِدَ الِاعْتِقادِ إلّا وفَسادُ اعْتِقادِهِ يَظْهَرُ في عَمَلِهِ. والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ مَن يَسْتَمْتِعُ بِخَلاقِهِ كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ بِخَلاقِهِمْ، ويَخُوضُ كَخَوْضِهِمْ، وأنَّهم لَهم مِن الذَّمِّ والوَعِيدِ كَما لِلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ثُمَّ حَضَّهم عَلى القِياسِ والِاعْتِبارِ بِمَن قَبْلَهم فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠]. فَتَأمَّلْ صِحَّةَ هَذا القِياسِ وإفادَتَهُ لِمَن عُلِّقَ عَلَيْهِ مِن الحُكْمِ، وأنَّ الأصْلَ والفَرْعَ قَدْ تَساوَيا في المَعْنى الَّذِي عُلِّقَ بِهِ العِقابُ، وأكَّدَهُ كَما تَقَدَّمَ بِضَرْبٍ مِن الأوْلى، وهو شِدَّةُ القُوَّةِ وكَثْرَةُ الأمْوالِ والأوْلادِ، فَإذا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلى اللَّهِ عِقابُ الأقْوى مِنهم بِذَنْبِهِ فَكَيْفَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ عِقابُ مَن هو دُونَهُ؟

التوبة 9:72

وتأمل قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ كيف جاء بالرضوان مبتدأ منكرا مخبرا عنه بأنه أكبر من كل ما وعدوا به فأيسر شيء من رضوانه أكبر من الجنات وما فيها من المساكن الطيبة وما حوته، ولهذا لما يتجلى لأوليائه في جنات عدن ويمنيهم أي شيء يريدون فيقولون ربنا وأي شيء نريد أفضل مما أعطيتنا؟ فيقول تبارك وتعالى: "إن لكم عندي أفضل من ذلك أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا". (فائدة) إنَّ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أكْبَرُ مِنَ الجَنَّةِ وما فِيها. لِأنَّ الرِّضا صِفَةُ اللَّهِ والجَنَّةَ خَلْقُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾. وَهَذا الرِّضا جَزاءٌ عَلى رِضاهم عَنْهُ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ أفْضَلَ الجَزاءِ، كانَ سَبَبُهُ أفْضَلَ الأعْمالِ. إنَّ العَبْدَ إذا رَضِيَ بِهِ وعَنْهُ في جَمِيعِ الحالاتِ: لَمْ يَتَخَيَّرْ عَلَيْهِ المَسائِلَ. وأغْناهُ رِضاهُ بِما يَقْسِمُهُ لَهُ ويُقَدِّرُهُ ويَفْعَلُهُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ. وجَعَلَ ذِكْرَهُ في مَحَلِّ سُؤالِهِ. بَلْ يَكُونُ مِن سُؤالِهِ لَهُ الإعانَةُ عَلى ذِكْرِهِ، وبُلُوغُ رِضاهُ. فَهَذا يُعْطى أفْضَلَ ما يُعْطاهُ سائِلٌ. كَما جاءَ في الحَدِيثِ «مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ». فَإنَّ السّائِلِينَ سَألُوهُ. فَأعْطاهُمُ الفَضْلَ الَّذِي سَألُوهُ. والرّاضُونَ رَضُوا عَنْهُ فَأعْطاهم رِضاهُ عَنْهُمْ، ولا يَمْنَعُ الرِّضا سُؤالُهُ أسْبابَ الرِّضا، بَلْ أصْحابُهُ مُلِحُّونَ في سُؤالِهِ ذَلِكَ. (فائدة أخرى) يَسِيرٌ مِن رِضْوانِهِ - ولا يُقالُ لَهُ يَسِيرٌ - أكْبَرُ مِنَ الجَنّاتِ وما فِيها. وَفِي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ «فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّهم إذا رَأوْهُ - سُبْحانَهُ - لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى شَيْءٍ مِمّا هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، حَتّى يَتَوارى عَنْهُمْ». [فصل: دَرَجاتُ حُرُماتِ اللَّهِ] [الدَّرَجَةُ الأُولى تَعْظِيمُ الأمْرِ والنَّهْيِ] قالَ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: تَعْظِيمُ الأمْرِ والنَّهْيِ، لا خَوْفًا مِنَ العُقُوبَةِ، فَتَكُونُ خُصُومَةً لِلنَّفْسِ، ولا طَلَبًا لِلْمَثُوبَةِ. فَيَكُونُ مُسْتَشْرِفًا لِلْأُجْرَةِ، ولا مُشاهِدًا لِأحَدٍ. فَيَكُونُ مُتَزَيِّنًا بِالمُراءاةِ. فَإنَّ هَذِهِ الأوْصافَ كُلَّها مِن شُعَبِ عِبادَةِ النَّفْسِ. هَذا المَوْضِعُ يَكْثُرُ في كَلامِ القَوْمِ. والنّاسُ بَيْنَ مُعَظِّمٍ لَهُ ولِأصْحابِهِ، مُعْتَقِدٍ أنَّ هَذا أرْفَعُ دَرَجاتِ العُبُودِيَّةِ: أنْ لا يَعْبُدَ اللَّهَ ويَقُومَ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ خَوْفًا مِن عِقابِهِ، ولا طَمَعًا في ثَوابِهِ. فَإنَّ هَذا واقِفٌ مَعَ غَرَضِهِ وحَظِّ نَفْسِهِ. وأنَّ المَحَبَّةَ تَأْبى ذَلِكَ. فَإنَّ المُحِبَّ لا حَظَّ لَهُ مَعَ مَحْبُوبِهِ. فَوُقُوفُهُ مَعَ حَظِّهِ عِلَّةٌ في مَحَبَّتِهِ، وأنَّ طَمَعَهُ في الثَّوابِ تَطَلُّعٌ إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى أُجْرَةً. فَفي هَذا آفَتانِ: تَطَلُّعُهُ إلى الأُجْرَةِ، وإحْسانُ ظَنِّهِ بِعَمَلِهِ؛ إذْ تَطَلُّعُهُ إلى اسْتِحْقاقِهِ الأجْرَ، وخَوْفُهُ مِنَ العِقابِ: خُصُومَةٌ لِلنَّفْسِ، فَإنَّهُ لا يَزالُ يُخاصِمُها إذا خالَفَتْ. ويَقُولُ: أما تَخافِينَ النّارَ، وعَذابَها، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهْلِها؟ فَلا تَزالُ الخُصُومَةُ بِذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ. وَمِن وجْهٍ آخَرَ أيْضًا: وهو أنَّهُ كالمُخاصِمِ عَنْ نَفْسِهِ، الدّافِعِ عَنْها خَصْمَهُ الَّذِي يُرِيدُ هَلاكَهُ، وهو عَيْنُ الِاهْتِمامِ بِالنَّفْسِ، والِالتِفاتِ إلى حُظُوظِها، مُخاصَمَةً عَنْها، واسْتِدْعاءً لِما تَلْتَذُّ بِهِ. وَلا يُخَلِّصُهُ مِن هَذِهِ المُخاصَمَةِ، وذَلِكَ الِاسْتِشْرافِ إلّا تَجْرِيدُ القِيامِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ مِن كُلِّ عِلَّةٍ. بَلْ يَقُومُ بِهِ تَعْظِيمًا لِلْآمِرِ النّاهِي. وأنَّهُ أهْلٌ أنْ يُعْبَدَ، وتُعَظَّمَ حُرُماتُهُ. فَهو يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ والتَّعْظِيمَ والإجْلالَ لِذاتِهِ، كَما في الأثَرِ الإسْرائِيلِيِّ: لَوْ لَمْ أخْلُقْ جَنَّةً ولا نارًا، أما كُنْتُ أهْلًا أنْ أُعْبَدَ؟ وَمِنهُ قَوْلُ القائِلِ: ؎هَبِ البَعْثَ لَمْ تَأْتِنا رُسْلُهُ ∗∗∗ وجاحِمَةَ النّارِ لَمْ تُضْرَمِ ؎ألَيْسَ مِنَ الواجِبِ المُسْتَحَ ∗∗∗ قِّ عَلى ذَوِي الوَرى الشُّكْرُ لِلْمُنْعِمِ؟ فالنُّفُوسُ العَلِيَّةُ الزَّكِيَّةُ تَعْبُدُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ أنْ يُعْبَدَ، ويُجَلَّ ويُحَبَّ ويُعَظَّمَ. فَهو لِذاتِهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبادَةِ. قالُوا: ولا يَكُونُ العَبْدُ كَأجِيرِ السُّوءِ. إنْ أُعْطِيَ أجْرَهُ عَمِلَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَعْمَلْ. فَهَذا عَبْدُ الأُجْرَةِ لا عَبْدُ المَحَبَّةِ والإرادَةِ. قالُوا: والعُمّالُ شاخِصُونَ إلى مَنزِلَتَيْنِ: مَنزِلَةِ الآخِرَةِ، ومَنزِلَةِ القُرْبِ مِنَ المُطاعِ. قالَ تَعالى في حَقِّ نَبِيِّهِ داوُدَ: ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]. فالزُّلْفى مَنزِلَةُ القُرْبِ، وحُسْنُ المَآبِ حُسْنُ الثَّوابِ والجَزاءِ. وقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] والحُسْنى: الجَزاءُ. والزِّيادَةُ: مَنزِلَةُ القُرْبِ. ولِهَذا فُسِّرَتْ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وهَذانِ هُما اللَّذانِ وعَدَهُما فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ إنْ غَلَبُوا مُوسى، فَقالُوا لَهُ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣]، وقالَ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. قالُوا: والعارِفُونَ عَمَلُهم عَلى المَنزِلَةِ والدَّرَجَةِ. والعُمّالُ عَمَلُهم عَلى الثَّوابِ والأُجْرَةِ. وشَتّانَ ما بَيْنَهُما. (فَصْلٌ) وَطائِفَةٌ ثانِيَةٌ تَجْعَلُ هَذا الكَلامَ مِن شَطَحاتِ القَوْمِ ورَعُوناتِهِمْ. وتَحْتَجُّ بِأحْوالِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ والصِّدِّيقِينَ، ودُعائِهِمْ وسُؤالِهِمْ، والثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِخَوْفِهِمْ مِنَ النّارِ، ورَجائِهِمْ لِلْجَنَّةِ. كَما قالَ تَعالى في حَقِّ خَواصِّ عِبادِهِ الَّذِينَ عَبَدَهُمُ المُشْرِكُونَ: إنَّهم يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ - كَما تَقَدَّمَ - وقالَ عَنْ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ: ﴿وَزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: ٨٩]- إلى أنْ قالَ - ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. أيْ رَغَبًا فِيما عِنْدَنا، ورَهَبًا مِن عَذابِنا. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " إنَّهم " عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. والرَّغَبُ والرَّهَبُ: رَجاءُ الرَّحْمَةِ، والخَوْفُ مِنَ النّارِ عِنْدَهم أجْمَعِينَ. وَذَكَرَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ الَّذِينَ هم خَواصُّ خَلْقِهِ. وأثْنى عَلَيْهِمْ بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ. وجَعَلَ مِنها: اسْتِعاذَتَهم بِهِ مِنَ النّارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا - إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٥-٦٦]. وأخْبَرَ عَنْهُمْ: أنَّهم تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِإيمانِهِمْ أنْ يُنْجِيَهم مِنَ النّارِ. فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٦] فَجَعَلُوا أعْظَمَ وسائِلِهِمْ إلَيْهِ: وسِيلَةَ الإيمانِ، وأنْ يُنْجِيَهم مِنَ النّارِ. وَأخْبَرَ تَعالى عَنْ ساداتِ العارِفِينَ أُولِي الألْبابِ: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَهُ جَنَّتَهُ. ويَتَعَوَّذُونَ بِهِ مِن نارِهِ. فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] الآياتِ إلى آخِرِها، ولا خِلافَ أنَّ المَوْعُودَ بِهِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ: هي الجَنَّةُ الَّتِي سَألُوها. وَقالَ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ ﷺ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ - رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٢-٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ - يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ - إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧-٨٩]. فَسَألَ اللَّهَ الجَنَّةَ، واسْتَعاذَ بِهِ مِنَ النّارِ. وهو الخِزْيُ يَوْمَ البَعْثِ. وَأخْبَرَنا سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّةِ: أنَّها كانَتْ وعْدًا عَلَيْهِ مَسْئُولًا؛ أيْ يَسْألُهُ إيّاها عِبادُهُ وأوْلِياؤُهُ. وَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ: أنْ يَسْألُوا لَهُ في وقْتِ الإجابَةِ - عُقَيْبَ الأذانِ - أعْلى مَنزِلَةٍ في الجَنَّةِ. وأخْبَرَ: أنَّ مَن سَألَها لَهُ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفاعَتُهُ. «وَقالَ لَهُ سُلَيْمٌ الأنْصارِيُّ: أمّا إنِّي أسْألُ اللَّهَ الجَنَّةَ، وأسْتَعِيذُ بِهِ مِنَ النّارِ، لا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ ولا دَنْدَنَةَ مُعاذٍ، فَقالَ: أنا ومُعاذٌ حَوْلَها نُدَنْدِنُ». وَفِي الصَّحِيحِ - في حَدِيثِ المَلائِكَةِ السَّيّارَةِ الفُضَّلِ عَنْ كُتّابِ النّاسِ - إنَّ اللَّهَ تَعالى يَسْألُهم عَنْ عِبادِهِ - وهو أعْلَمُ تَبارَكَ وتَعالى - فَيَقُولُونَ: «أتَيْناكَ مِن عِنْدِ عِبادٍ لَكَ يُهَلِّلُونَكَ، ويُكَبِّرُونَكَ، ويَحْمَدُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: وهَلْ رَأوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لا يا رَبِّ. ما رَأوْكَ. فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: كَيْفَ لَوْ رَأوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأوْكَ لَكانُوا لَكَ أشَدَّ تَمْجِيدًا. قالُوا: يا رَبِّ. ويَسْألُونَكَ جَنَّتَكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَأوْها؟ فَيَقُولُونَ: لا وعِزَّتِكَ ما رَأوْها. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأوْها؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأوْها لَكانُوا لَها أشَدَّ طَلَبًا. قالُوا: ويَسْتَعِيذُونَ بِكَ مِنَ النّارِ، فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: وهَلْ رَأوْها؟ فَيَقُولُونَ: لا وعِزَّتِكَ ما رَأوْها. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأوْها؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأوْها لَكانُوا أشَدَّ مِنها هَرَبًا. فَيَقُولُ: إنِّي أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وأعْطَيْتُهم ما سَألُوا، وأعَذْتُهم مِمّا اسْتَعاذُوا». والقُرْآنُ والسُّنَّةُ مَمْلُوءانِ مِنَ الثَّناءِ عَلى عِبادِهِ وأوْلِيائِهِ بِسُؤالِ الجَنَّةِ ورَجائِها، والِاسْتِعاذَةِ مِنَ النّارِ، والخَوْفِ مِنها. قالُوا: وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأصْحابِهِ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ النّارِ». وقالَ لِمَن سَألَهُ مُرافَقَتَهُ في الجَنَّةِ: «أعِنِّي عَلى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». قالُوا: والعَمَلُ عَلى طَلَبِ الجَنَّةِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ مَقْصُودُ الشّارِعِ مِن أُمَّتِهِ لِيَكُونا دائِمًا عَلى ذِكْرٍ مِنهُما فَلا يَنْسَوْنَهُما. ولِأنَّ الإيمانَ بِهِما شَرْطٌ في النَّجاةِ، والعَمَلَ عَلى حُصُولِ الجَنَّةِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ هو مَحْضُ الإيمانِ. قالُوا: وقَدْ حَضَّ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ وأُمَّتَهُ، فَوَصَفَها وجَلّاها لَهم لِيَخْطُبُوها، وقالَ: «ألا مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإنَّها - ورَبِّ الكَعْبَةِ - نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، ورَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ، وزَوْجَةٌ حَسْناءُ، وفاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ، وقَصْرٌ مَشِيدٌ، ونَهْرٌ مُطَّرِدٌ - الحَدِيثَ - فَقالَ الصَّحابَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَها. فَقالَ: قُولُوا: إنْ شاءَ اللَّهُ». وَلَوْ ذَهَبْنا نَذْكُرُ ما في السُّنَّةِ مِن قَوْلِهِ: «مَن عَمِلِ كَذا وكَذا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ» تَحْرِيضًا عَلى عَمَلِهِ لَها، وأنْ تَكُونَ هي الباعِثَةُ عَلى العِلْمِ: لَطالَ ذَلِكَ جِدًّا. وذَلِكَ في جَمِيعِ الأعْمالِ. قالُوا: فَكَيْفَ يَكُونُ العَمَلُ لِأجْلِ الثَّوابِ وخَوْفِ العِقابِ مَعْلُولًا؟ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّضُ عَلَيْهِ، ويَقُولُ مَن فَعَلَ كَذا فُتِحَتْ لَهُ أبْوابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ ومَن «قالَ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ». و«مَن كَسا مُسْلِمًا عَلى عُرْيٍ كَساهُ اللَّهُ مِن حُلَلِ الجَنَّةِ» و«عائِدُ المَرِيضِ في خُرْفَةِ الجَنَّةِ»، والحَدِيثُ مَمْلُوءٌ مِن ذَلِكَ؟ أفَتَراهُ يُحَرِّضُ المُؤْمِنِينَ عَلى مَطْلَبٍ مَعْلُولٍ ناقِصٍ، ويَدَعُ المَطْلَبَ العالِي البَرِيءَ مِن شَوائِبِ العِلَلِ لا يُحَرِّضُهم عَلَيْهِ؟ قالُوا: وأيْضًا فاللَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ مِن عِبادِهِ أنْ يَسْألُوهُ جَنَّتَهُ، ويَسْتَعِيذُوا بِهِ مِن نارِهِ، فَإنَّهُ يُحِبُّ أنْ يُسْألَ. ومَن لَمْ يَسْألْهُ يَغْضَبْ عَلَيْهِ. وأعْظَمُ ما سُئِلَ الجَنَّةُ وأعْظَمُ ما اسْتُعِيذَ بِهِ مِنَ النّارِ. فالعَمَلُ لِطَلَبِ الجَنَّةِ مَحْبُوبٌ لِلرَّبِّ، مَرْضِيٌّ لَهُ. وطَلَبُها عُبُودِيَّةٌ لِلرَّبِّ. والقِيامُ بِعُبُودِيَّتِهِ كُلِّها أوْلى مِن تَعْطِيلِ بَعْضِها. قالُوا: وإذا خَلا القَلْبُ مِن مُلاحَظَةِ الجَنَّةِ والنّارِ، ورَجاءِ هَذِهِ والهَرَبِ مِن هَذِهِ فَتَرَتْ عَزائِمُهُ، وضَعُفَتْ هِمَّتُهُ، ووَهى باعِثُهُ، وكُلَّما كانَ أشَدَّ طَلَبًا لِلْجَنَّةِ، وعَمَلًا لَها كانَ الباعِثُ لَهُ أقْوى، والهِمَّةُ أشَدَّ، والسَّعْيُ أتَمَّ. وهَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالذَّوْقِ. وَقالُوا: ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا مَطْلُوبًا لِلشّارِعِ لَما وصَفَ الجَنَّةَ لِلْعِبادِ، وزَيَّنَها لَهُمْ، وعَرَضَها عَلَيْهِمْ. وأخْبَرَهم عَنْ تَفاصِيلِ ما تَصِلُ إلَيْهِ عُقُولُهم مِنها، وما عَداهُ أخْبَرَهم بِهِ مُجْمَلًا. كُلُّ هَذا تَشْوِيقًا لَهم إلَيْها، وحَثًّا لَهم عَلى السَّعْيِ لَها سَعْيَها. قالُوا: وقَدْ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥]. وهَذا حَثٌّ عَلى إجابَةِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، والمُبادَرَةِ إلَيْها، والمُسارَعَةِ في الإجابَةِ. والتَّحْقِيقُ أنْ يُقالَ: الجَنَّةُ لَيْسَتِ اسْمًا لِمُجَرَّدِ الأشْجارِ والفَواكِهِ، والطَّعامِ والشَّرابِ، والحُورِ العِينِ، والأنْهارِ والقُصُورِ. وأكْثَرُ النّاسِ يَغْلَطُونَ في مُسَمّى الجَنَّةِ. فَإنَّ الجَنَّةَ اسْمٌ لِدارِ النَّعِيمِ المُطَلَّقِ الكامِلِ. ومِن أعْظَمِ نَعِيمِ الجَنَّةِ التَّمَتُّعُ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، وسَماعُ كَلامِهِ، وقُرَّةُ العَيْنِ بِالقُرْبِ مِنهُ وبِرِضْوانِهِ. فَلا نِسْبَةَ لِلَذَّةِ ما فِيها مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَلْبُوسِ والصُّوَرِ، إلى هَذِهِ اللَّذَّةِ أبَدًا. فَأيْسَرُ يَسِيرٍ مِن رِضْوانِهِ أكْبَرُ مِنَ الجِنانِ وما فِيها مِن ذَلِكَ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وَأتى بِهِ مُنَكَّرًا في سِياقِ الإثْباتِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ كانَ مِن رِضاهُ عَنْ عَبْدِهِ: فَهو أكْبَرُ مِنَ الجَنَّةِ. ؎قَلِيلٌ مِنكَ يُقْنِعُنِي ولَكِنْ ∗∗∗ قَلِيلُكَ لا يُقالُ لَهُ قَلِيلُ وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ - حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ - «فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ «إذا تَجَلّى لَهُمْ، ورَأوْا وجْهَهُ عِيانًا نَسُوا ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، وذَهَلُوا عَنْهُ، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ». وَلا رَيْبَ أنَّ الأمْرَ هَكَذا. وهو أجَلُّ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ، أوْ يَدُورُ في الخَيالِ. ولا سِيَّما عِنْدَ فَوْزِ المُحِبِّينَ هُناكَ بِمَعِيَّةِ المُحِبِّ. فَإنَّ المَرْءَ مَعَ مَن أحَبَّ. ولا تَخْصِيصَ في هَذا الحُكْمِ. بَلْ هو ثابِتٌ شاهِدًا وغائِبًا. فَأيُّ نَعِيمٍ، وأيُّ لَذَّةٍ، وأيُّ قُرَّةِ عَيْنٍ، وأيُّ فَوْزٍ يُدانِي نَعِيمَ تِلْكَ المَعِيَّةِ ولَذَّتَها، وقُرَّةَ العَيْنِ بِها؟ وَهَلْ فَوْقَ نَعِيمِ قُرَّةِ العَيْنِ بِمَعِيَّةِ المَحْبُوبِ، الَّذِي لا شَيْءَ أجَلَّ مِنهُ، ولا أكْمَلَ ولا أجْمَلَ: قُرَّةُ عَيْنٍ ألْبَتَّةَ؟ وَهَذا - واللَّهِ - هو العِلْمُ الَّذِي شَمَّرَ إلَيْهِ المُحِبُّونَ، واللِّواءُ الَّذِي أمَّهُ العارِفُونَ. وهو رُوحُ مُسَمّى الجَنَّةِ وحَياتُها. وبِهِ طابَتِ الجَنَّةُ، وعَلَيْهِ قامَتْ. فَكَيْفَ يُقالُ: لا يُعْبَدُ اللَّهُ طَلَبًا لِجَنَّتِهِ، ولا خَوْفًا مِن نارِهِ؟ وَكَذَلِكَ النّارُ أعاذَنا اللَّهُ مِنها، فَإنَّ لِأرْبابِها مِن عَذابِ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ وإهانَتِهِ، وغَضَبِهِ وسَخَطِهِ، والبُعْدِ عَنْهُ: أعْظَمَ مِنَ التِهابِ النّارِ في أجْسامِهِمْ وأرْواحِهِمْ، بَلِ التِهابُ هَذِهِ النّارِ في قُلُوبِهِمْ هو الَّذِي أوْجَبَ التِهابَها في أبْدانِهِمْ. ومِنها سَرَتْ إلَيْها. فَمَطْلُوبُ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ، والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ هو الجَنَّةُ. ومَهْرَبُهم مِنَ النّارِ. واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وحَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. وَمَقْصِدُ القَوْمِ أنَّ العَبْدَ يَعْبُدُ رَبَّهُ بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ. والعَبْدُ إذا طَلَبَ مِن سَيِّدِهِ أُجْرَةً عَلى خِدْمَتِهِ لَهُ كانَ أحْمَقَ، ساقِطًا مِن عَيْنِ سَيِّدِهِ، إنْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ عُقُوبَتَهُ. إذْ عُبُودِيَّتُهُ تَقْتَضِي خِدْمَتَهُ لَهُ. وإنَّما يَخْدِمُ بِالأُجْرَةِ مَن لا عُبُودِيَّةَ لِلْمَخْدُومِ عَلَيْهِ. إمّا أنْ يَكُونَ حُرًّا في نَفْسِهِ، أوْ عَبْدًا لِغَيْرِهِ. وأمّا مَنِ الخَلْقُ عَبِيدُهُ حَقًّا، ومِلْكُهُ عَلى الحَقِيقَةِ، لَيْسَ فِيهِمْ حُرٌّ ولا عَبْدٌ لِغَيْرِهِ فَخِدْمَتُهم لَهُ بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ، فاقْتِضاؤُهم لِلْأُجْرَةِ خُرُوجٌ عَنْ مَحْضِ العُبُودِيَّةِ. وَهَذا لا يُنْكَرُ عَلى الإطْلاقِ، ولا يُقْبَلُ عَلى الإطْلاقِ. وهو مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ وتَمْيِيزٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ الحَدِيثِ ذِكْرُ طُرُقِ الخَلْقِ في هَذا المَوْضِعِ. وبَيَّنّا طَرِيقَ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ. فالنّاسُ في هَذا المَقامِ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: أحَدُهُمْ: مَن لا يُرِيدُ رَبَّهُ ولا يُرِيدُ ثَوابَهُ. فَهَؤُلاءِ أعْداؤُهُ حَقًّا. وهم أهْلُ العَذابِ الدّائِمِ. وعَدَمُ إرادَتِهِمْ لِثَوابِهِ إمّا لِعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِهِ، وإمّا لِإيثارِ العاجِلِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ فِيهِ سَخَطُهُ. والقِسْمُ الثّانِي: مَن يُرِيدُهُ ويُرِيدُ ثَوابَهُ، وهَؤُلاءِ خَواصُّ خَلْقِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] فَهَذا خِطابُهُ لِخَيْرِ نِساءِ العالَمِينَ، أزْواجِ نَبِيِّهِ ﷺ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، فَأخْبَرَ أنَّ السَّعْيَ المَشْكُورَ: سَعْيُ مَن أرادَ الآخِرَةَ. وأصْرَحُ مِنها قَوْلُهُ: لِخَواصِّ أوْلِيائِهِ - وهم أصْحابُ نَبِيِّهِ ﷺ ورَضِيَ عَنْهم - في يَوْمِ أُحُدٍ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَقَسَمَهم إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ لا ثالِثَ لَهُما. وَقَدْ غَلِطَ مَن قالَ: فَأيْنَ مَن يُرِيدُ اللَّهَ؟ فَإنَّ إرادَةَ الآخِرَةِ عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ. فَإرادَةُ الثَّوابِ لا تُنافِي إرادَةَ اللَّهِ. والقِسْمُ الثّالِثُ: مَن يُرِيدُ مِنَ اللَّهِ، ولا يُرِيدُ اللَّهَ. فَهَذا ناقِصٌ غايَةَ النَّقْصِ. وهو حالُ الجاهِلِ بِرَبِّهِ، الَّذِي سَمِعَ: أنَّ ثَمَّ جَنَّةً ونارًا. فَلَيْسَ في قَلْبِهِ غَيْرُ إرادَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ المَخْلُوقِ، لا يَخْطُرُ بِبالِهِ سِواهُ ألْبَتَّةَ. بَلْ هَذا حالُ أكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، المُنْكِرِينَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، والتَّلَذُّذَ بِالنَّظَرِ إلى وجْهِهِ في الآخِرَةِ، وسَماعَ كَلامِهِ وحُبَّهُ. والمُنْكِرِينَ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ. وهم عَبِيدُ الأُجْرَةِ المَحْضَةِ. فَهَؤُلاءِ لا يُرِيدُونَ اللَّهَ تَعالى. وَمِنهم مَن يُصَرِّحُ بِأنَّ إرادَةَ اللَّهِ مُحالٌ. قالُوا: لِأنَّ الإرادَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالحادِثِ. فالقَدِيمُ لا يُرادُ. فَهَؤُلاءِ مُنْكِرُونَ لِإرادَةِ اللَّهِ غايَةَ الإنْكارِ. وأعْلى الإرادَةِ عِنْدَهُمْ: إرادَةُ الأكْلِ والشُّرْبِ، والنِّكاحِ واللِّباسِ في الجَنَّةِ، وتَوابِعِ ذَلِكَ. فَهَؤُلاءِ في شِقٍّ، وأُولَئِكَ - الَّذِينَ قالُوا: لَمْ نَعْبُدْهُ طَلَبًا لِجَنَّتِهِ، ولا هَرَبًا مِن نارِهِ - في شِقٍّ. وهُما طَرَفا نَقِيضٍ. بَيْنَهُما أعْظَمُ مِن بُعْدِ المَشْرِقَيْنِ. وهَؤُلاءِ مِن أكْثَفِ النّاسِ حِجابًا، وأغْلَظِهِمْ طِباعًا، وأقْساهم قُلُوبًا، وأبْعَدِهِمْ عَنْ رُوحِ المَحَبَّةِ والتَّألُّهِ، ونَعِيمِ الأرْواحِ والقُلُوبِ. وهم يُكَفِّرُونَ أصْحابَ المَحَبَّةِ والشَّوْقِ إلى اللَّهِ والتَّلَذُّذِ بِحُبِّهِ، والتَّصْدِيقِ بِلَذَّةِ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ، وسَماعِ كَلامِهِ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ. وَأُولَئِكَ لا يَعُدُّونَهم مِنَ البَشَرِ إلّا بِالصُّورَةِ. ومَرْتَبَتُهم عِنْدَهم قَرِيبَةٌ مِن مَرْتَبَةِ الجَمادِ والحَيَوانِ البَهِيمِ. وهم عِنْدَهم في حِجابٍ كَثِيفٍ عَنْ مَعْرِفَةِ نُفُوسِهِمْ وكَمالِها، ومَعْرِفَةِ مَعْبُودِهِمْ وسِرِّ عُبُودِيَّتِهِ. وَحالُ الطّائِفَتَيْنِ عَجَبٌ لِمَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ. والقِسْمُ الرّابِعُ - وهو مُحالٌ -: أنْ يُرِيدَ اللَّهَ، ولا يُرِيدَ مِنهُ. فَهَذا هو الَّذِي يَزْعُمُ هَؤُلاءِ أنَّهُ مَطْلُوبُهُمْ، وأنَّ مَن لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ فَفي سَيْرِهِ عِلَّةٌ، وأنَّ العارِفَ يَنْتَهِي إلى هَذا المَقامِ. وهو أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُرادَهُ، ولا يُرِيدُ مِنهُ شَيْئًا. كَما يُحْكى عَنْ أبِي يَزِيدَ أنَّهُ قالَ: قِيلَ لِي: ما تُرِيدُ؟ فَقُلْتُ: أُرِيدُ أنْ لا أُرِيدَ. وَهَذا في التَّحْقِيقِ عَيْنُ المُحالِ المُمْتَنِعِ: عَقْلًا وفِطْرَةً، وحِسًّا وشَرْعًا. فَإنَّ الإرادَةَ مِن لَوازِمِ الحَيِّ. وإنَّما يَعْرِضُ لَهُ التَّجَرُّدُ عَنْها بِالغَيْبَةِ عَنْ عَقْلِهِ وحِسِّهِ؛ كالسُّكْرِ والإغْماءِ والنَّوْمِ. فَنَحْنُ لا نُنْكِرُ التَّجْرِيدَ عَنْ إرادَةِ ما سِواهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي تُزاحِمُ إرادَتُها إرادَتَهُ. أفَلَيْسَ صاحِبُ هَذا المَقامِ مُرِيدًا لِقُرْبِهِ ورِضاهُ، ودَوامِ مُراقَبَتِهِ، والحُضُورِ مَعَهُ؟ وأيُّ إرادَةٍ فَوْقَ هَذِهِ؟ نَعَمْ. قَدْ زَهِدَ في مُرادٍ لِمُرادٍ هو أجَلُّ مِنهُ وأعْلى. فَلَمْ يَخْرُجْ عَنِ الإرادَةِ. وإنَّما انْتَقَلَ مِن إرادَةٍ إلى إرادَةٍ، ومِن مُرادٍ إلى مُرادٍ. وأمّا خُلُوُّهُ عَنْ صِفَةِ الإرادَةِ بِالكُلِّيَّةِ، مَعَ حُضُورِ عَقْلِهِ وحِسِّهِ فَمُحالٌ. وَإنْ حاكَمَنا في ذَلِكَ مُحاكِمٌ إلى ذَوْقٍ مُصْطَلِمٍ مَأْخُوذٍ عَنْ نَفْسِهِ، فانٍ عَنْ عَوالِمِها: لَمْ نُنْكِرْ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذِهِ حالٌ عارِضَةٌ غَيْرُ دائِمَةٍ، ولا هي غايَةٌ مَطْلُوبَةٌ لِلسّالِكِينَ، ولا مَقْدُورَةٌ لِلْبَشَرِ، ولا مَأْمُورٌ بِها، ولا هي أعْلى المَقاماتِ. فَيُؤْمَرُ بِاكْتِسابِ أسْبابِها. فَهَذا فَصْلُ الخِطابِ في هَذا المَوْضِعِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

التوبة 9:73

لَمّا كانَ الجِهادُ ذِرْوَةَ سَنامِ الإسْلامِ وقُبَّتَهُ، ومَنازِلُ أهْلِهِ أعْلى المَنازِلِ في الجَنَّةِ، كَما لَهُمُ الرِّفْعَةُ في الدُّنْيا، فَهُمُ الأعْلَوْنَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الذِّرْوَةِ العُلْيا مِنهُ، واسْتَوْلى عَلى أنْواعِهِ كُلِّها فَجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ بِالقَلْبِ والجِنانِ والدَّعْوَةِ والبَيانِ والسَّيْفِ والسِّنانِ، وكانَتْ ساعاتُهُ مَوْقُوفَةً عَلى الجِهادِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ ويَدِهِ. ولِهَذا كانَ أرْفَعَ العالَمِينَ ذِكْرًا، وأعْظَمَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا. وَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالجِهادِ مِن حِينِ بَعْثِهِ، وقالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ أمَرَ فِيها بِجِهادِ الكُفّارِ بِالحُجَّةِ والبَيانِ وتَبْلِيغِ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ جِهادُ المُنافِقِينَ إنَّما هو بِتَبْلِيغِ الحُجَّةِ، وإلّا فَهم تَحْتَ قَهْرِ أهْلِ الإسْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ فَجِهادُ المُنافِقِينَ أصْعَبُ مِن جِهادِ الكُفّارِ، وهو جِهادُ خَواصِّ الأُمَّةِ ووَرَثَةِ الرُّسُلِ، والقائِمُونَ بِهِ أفْرادٌ في العالَمِ، والمُشارِكُونَ فِيهِ والمُعاوِنُونَ عَلَيْهِ وإنْ كانُوا هُمُ الأقَلِّينَ عَدَدًا فَهُمُ الأعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا. وَلَمّا كانَ مِن أفْضَلِ الجِهادِ قَوْلُ الحَقِّ مَعَ شِدِّةِ المُعارِضِ، مِثْلَ أنْ تَتَكَلَّمَ بِهِ عِنْدَ مَن تَخافُ سَطْوَتَهُ وأذاهُ، كانَ لِلرُّسُلِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وسَلامُهُ - مِن ذَلِكَ الحَظُّ الأوْفَرُ، وكانَ لِنَبِيِّنا - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - مِن ذَلِكَ أكْمَلُ الجِهادِ وأتَمُّهُ. وَلَمّا كانَ جِهادُ أعْداءِ اللَّهِ في الخارِجِ فَرْعًا عَلى جِهادِ العَبْدِ نَفْسَهُ في ذاتِ اللَّهِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المُجاهِدُ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ» كانَ جِهادُ النَّفْسِ مُقَدَّمًا عَلى جِهادِ العَدُوِّ في الخارِجِ، وأصْلًا لَهُ، فَإنَّهُ ما لَمْ يُجاهِدْ نَفْسَهُ أوَّلًا لِتَفْعَلَ ما أُمِرَتْ بِهِ وتَتْرُكَ ما نُهِيَتْ عَنْهُ ويُحارِبُها في اللَّهِ لَمْ يُمْكِنْهُ جِهادُ عَدُوِّهِ في الخارِجِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهادُ عَدُوِّهِ والِانْتِصافُ مِنهُ وعَدُوُّهُ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قاهِرٌ لَهُ مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ لَمْ يُجاهِدْهُ ولَمْ يُحارِبْهُ في اللَّهِ، بَلْ لا يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ إلى عَدُوِّهِ حَتّى يُجاهِدَ نَفْسَهُ عَلى الخُرُوجِ. فَهَذانِ عَدُوّانِ قَدِ امْتُحِنَ العَبْدُ بِجِهادِهِما، وبَيْنَهُما عَدُوٌّ ثالِثٌ لا يُمْكِنُهُ جِهادُهُما إلّا بِجِهادِهِ، وهو واقِفٌ بَيْنَهُما يُثَبِّطُ العَبْدَ عَنْ جِهادِهِما، ويُخَذِّلُهُ ويُرْجِفُ بِهِ، ولا يَزالُ يُخَيِّلُ لَهُ ما في جِهادِهِما مِنَ المَشاقِّ وتَرْكِ الحُظُوظِ وفَوْتِ اللَّذّاتِ والمُشْتَهَياتِ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يُجاهِدَ ذَيْنِكَ العَدُوَّيْنِ إلّا بِجِهادِهِ، فَكانَ جِهادُهُ هو الأصْلَ لِجِهادِهِما، وهو الشَّيْطانُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، والأمْرُ بِاتِّخاذِهِ عَدُوًّا تَنْبِيهٌ عَلى اسْتِفْراغِ الوُسْعِ في مُحارَبَتِهِ، ومُجاهَدَتِهِ، كَأنَّهُ عَدُوٌّ لا يَفْتُرُ ولا يُقَصِّرُ عَنْ مُحارَبَةِ العَبْدِ عَلى عَدَدِ الأنْفاسِ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أعْداءٍ، أُمِرَ العَبْدُ بِمُحارَبَتِها وجِهادِها، وقَدْ بُلِيَ بِمُحارَبَتِها في هَذِهِ الدّارِ، وسُلِّطَتْ عَلَيْهِ امْتِحانًا مِنَ اللَّهِ لَهُ وابْتِلاءً، فَأعْطى اللَّهُ العَبْدَ مَدَدًا وعُدَّةً وأعْوانًا وسِلاحًا لِهَذا الجِهادِ، وأعْطى أعْداءَهُ مَدَدًا وعُدَّةً وأعْوانًا وسِلاحًا، وبَلا أحَدَ الفَرِيقَيْنِ بِالآخَرِ، وجَعَلَ بَعْضَهم لِبَعْضٍ فِتْنَةً لِيَبْلُوَ أخْبارَهُمْ، ويَمْتَحِنَ مَن يَتَوَلّاهُ ويَتَوَلّى رُسُلَهُ مِمَّنْ يَتَوَلّى الشَّيْطانَ وحِزْبَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]. وَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] وقالَ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] فَأعْطى عِبادَهُ الأسْماعَ والأبْصارَ والعُقُولَ والقُوى، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأمَدَّهم بِمَلائِكَتِهِ وقالَ لَهُمْ: ﴿أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، وأمَرَهم مِن أمْرِهِ بِما هو مِن أعْظَمِ العَوْنِ لَهم عَلى حَرْبِ عَدُوِّهِمْ، وأخْبَرَهم أنَّهم إنِ امْتَثَلُوا ما أمَرَهم بِهِ لَمْ يَزالُوا مَنصُورِينَ عَلى عَدُوِّهِ وعَدُوِّهِمْ، وأنَّهُ إنْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ فَلِتَرْكِهِمْ بَعْضَ ما أُمِرُوا بِهِ ولِمَعْصِيَتِهِمْ لَهُ، ثُمَّ لَمْ يُؤَيِّسْهم ولَمْ يُقَنِّطْهُمْ، بَلْ أمَرَهم أنْ يَسْتَقْبِلُوا أمْرَهُمْ، ويُداوُوا جِراحَهُمْ، ويَعُودُوا إلى مُناهَضَةِ عَدُوِّهِمْ، فَيَنْصُرَهم عَلَيْهِ، ويُظَفِّرَهم بِهِمْ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ مَعَ المُتَّقِينَ مِنهُمْ، ومَعَ المُحْسِنِينَ ومَعَ الصّابِرِينَ ومَعَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ يُدافِعُ عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ما لا يُدافِعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، بَلْ بِدِفاعِهِ عَنْهُمُ انْتَصَرُوا عَلى عَدُوِّهِمْ، ولَوْلا دِفاعُهُ عَنْهم لَتَخَطَّفَهم عَدُوُّهم واجْتاحَهم. وَهَذِهِ المُدافَعَةُ عَنْهم بِحَسْبِ إيمانِهِمْ وعَلى قَدْرِهِ، فَإنْ قَوِيَ الإيمانُ قَوِيَتِ المُدافَعَةُ، فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ. [فَصْلٌ: في مَراتِبُ جِهادِ الشَّيْطانِ] وَأمّا جِهادُ الشَّيْطانِ فَمَرْتَبَتانِ، إحْداهُما: جِهادُهُ عَلى دَفْعِ ما يُلْقِي إلى العَبْدِ مِنَ الشُّبُهاتِ والشُّكُوكِ القادِحَةِ في الإيمانِ. الثّانِيَةُ: جِهادُهُ عَلى دَفْعِ ما يُلْقِي إلَيْهِ مِنَ الإراداتِ الفاسِدَةِ والشَّهَواتِ، فالجِهادُ الأوَّلُ يَكُونُ بَعْدَهُ اليَقِينُ، والثّانِي: يَكُونُ بَعْدَهُ الصَّبْرُ. قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فَأخْبَرَ أنَّ إمامَةَ الدِّينِ إنَّما تُنالُ بِالصَّبْرِ واليَقِينِ، فالصَّبْرُ يَدْفَعُ الشَّهَواتِ والإراداتِ الفاسِدَةَ، واليَقِينُ يَدْفَعُ الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ. [فَصْلٌ: في مَراتِبُ جِهادِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ] وَأمّا جِهادُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فَأرْبَعُ مَراتِبَ: بِالقَلْبِ، واللِّسانِ، والمالِ، والنَّفْسِ، وجِهادُ الكُفّارِ أخَصُّ بِاليَدِ، وجِهادُ المُنافِقِينَ أخَصُّ بِاللِّسانِ. [فَصْلٌ: في جِهادُ أرْبابِ الظُّلْمِ والبِدَعِ والمُنْكَراتِ] وَأمّا جِهادُ أرْبابِ الظُّلْمِ والبِدَعِ والمُنْكَراتِ فَثَلاثُ مَراتِبَ، الأُولى: بِاليَدِ إذا قَدَرَ، فَإنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلى اللِّسانِ، فَإنْ عَجَزَ جاهَدَ بِقَلْبِهِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ مَرْتَبَةً مِنَ الجِهادِ، و«مَن ماتَ ولَمْ يَغْزُ ولَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ ماتَ عَلى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفاقِ». [فَصْلٌ: في شَرْطُ الجِهادِ] وَلا يَتِمُّ الجِهادُ إلّا بِالهِجْرَةِ، ولا الهِجْرَةُ والجِهادُ إلّا بِالإيمانِ، والرّاجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ قامُوا بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. وَكَما أنَّ الإيمانَ فَرْضٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ هِجْرَتانِ في كُلِّ وقْتٍ: هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والإنابَةِ والتَّوَكُّلِ والخَوْفِ والرَّجاءِ والمَحَبَّةِ والتَّوْبَةِ، وهِجْرَةٌ إلى رَسُولِهِ بِالمُتابَعَةِ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ، والتَّصْدِيقِ بِخَبَرِهِ، وتَقْدِيمِ أمْرِهِ وخَبَرِهِ عَلى أمْرِ غَيْرِهِ وخَبَرِهِ: «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ». وفَرَضَ عَلَيْهِ جِهادَ نَفْسِهِ في ذاتِ اللَّهِ، وجِهادَ شَيْطانِهِ، فَهَذا كُلُّهُ فَرْضُ عَيْنٍ لا يَنُوبُ فِيهِ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. وَأمّا جِهادُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فَقَدْ يُكْتَفى فِيهِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ إذا حَصَلَ مِنهم مَقْصُودُ الجِهادِ. ((الجزء السابع))

التوبة 9:90

(فصل) إياك والكذب فَإنَّهُ يفْسد عَلَيْك تصور المعلومات على ما هي عَلَيْهِ ويفْسد عَلَيْك تصورها وتَعْلِيمها للنّاس فَإن الكاذِب يصور المَعْدُوم مَوْجُودا والمَوْجُود مَعْدُوما والحق باطِلا والباطِل حَقًا والخَيْر شرا والشَّر خيرا فَيفْسد عَلَيْهِ تصَوره وعلمه عُقُوبَة لَهُ ثمَّ يصور ذَلِك في نفس المُخاطب المغتر بِهِ الراكن إلَيْهِ فَيفْسد عَلَيْهِ تصَوره وعلمه ونَفس الكاذِب معرضة عَن الحَقِيقَة المَوْجُودَة نزاعة إلى العَدَم مُؤثرَة للباطل وإذا فَسدتْ عَلَيْهِ قُوَّة تصَوره وعلمه الَّتِي هي مبدأ كل فعل إرادي فَسدتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الأفْعال وسرى حكم الكَذِب إلَيْها فَصارَ صدورها عَنهُ كصدور الكَذِب عَن اللِّسان فَلا ينْتَفع بِلِسانِهِ ولا بِأعْمالِهِ، ولِهَذا كانَ الكَذِب أساس الفُجُور كَما قالَ النَّبِي إن الكَذِب يهدي إلى الفُجُور وإن الفُجُور يهدي إلى النّار. وَأول ما يسري الكَذِب من النَّفس إلى اللِّسان فيفسده ثمَّ يسري إلى الجَوارِح فَيفْسد عَلَيْها أعمالها كَما أفسد على اللِّسان أقْواله فَيعم الكَذِب أقْواله وأعماله وأحواله فيستحكم عَلَيْهِ الفساد ويترامى داؤه إلى الهلكة إن لم تُدْرِكهُ الله بدواء الصدْق يقْلع تِلْكَ من أصْلها ولِهَذا كانَ أصل أعمال القُلُوب كلها الصدْق وأضدادها من الرِّياء والعجب والكبر والفَخْر والخُيَلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغَيرها أصْلها الكَذِب فَكل عمل صالح ظاهر أو باطِن فمنشؤه الصدْق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطِن فمنشؤه الكَذِب والله تَعالى يُعاقب الكذّاب بِأن ويقعده ويثبطه عَن مَصالِحه ومنافعه ويثيب الصّادِق بِأن يوفقه للْقِيام بمصالح دُنْياهُ وآخرته فَما استجلبت مصالح الدُّنْيا والآخِرَة بِمثل الصدْق ولا مفاسدها ومضارهما بِمثل الكَذِب قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقين﴾. وقالَ تَعالى ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقين صدقهم﴾ وقالَ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُم﴾ وقالَ ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾.

التوبة 9:92

لَمْ يُمْدَحُوا عَلى نَفْسِ الحَزَنِ، وإنَّما مُدِحُوا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الحَزَنُ مِن قُوَّةِ إيمانِهِمْ، حَيْثُ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَجْزِهِمْ عَنِ النَّفَقَةِ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَحْزَنُوا عَلى تَخَلُّفِهِمْ، بَلْ غَبَطُوا نُفُوسَهم بِهِ. (فائدة بديعة) لا يجوز إضمار حرف العطف خلافا للفارسي ومن تبعه لأن الحروف أدلة على معان في نفس المتكلم فلو أضمرت لاحتاج المخاطب إلى وحي يسفر له عما في نفس مكلمه وحكم حروف العطف في هذا حكم حروف النفي والتوكيد والترجي والتمني وغيرها اللهم إلا أن حروف الاستفهام قد يسوغ إضمارها في بعض المواطن لأن للمستفهم هيئة تخالف هيئة المخبر وهذا على قلته. فإن قيل: فكيف تصنعون بقول الشاعر: ؎كيف أصبحت كيف أمسيت مما ∗∗∗ يثبت الود في فؤاد الكريم أليس على إضمار حرف العطف وأصله كيف أصبحت وكيف أمسيت قيل ليس كذلك وليس حرف العطف مرادا هنا ألبتة ولو كان مرادا لانتقض الغرض الذي أراده الشاعر لأنه لم يرد انحصار الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة عليهما بل أراد أن تكرار هاتين الكلمتين دائما يثبت المودة ولولا حذف الواو لانحصر إثبات الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة ولا استمرار عليها ولم يرد الشاعر ذلك وإنما أراد أن يجعل أول الكلام ترجمة على سائر الباب يريد الاستمرار على هذا الكلام والمواظبة عليه كما تقول قرأت ألفا باء جمعت هذه الحروف ترجمة لسائر الباب وعنوانا للغرض المقصود ولو قلت قرأت ألفا وباء لأشعرت بانقضاء المقروء حيث عطفت الباء على الألف دون ما بعدها فكان مفهوم الخطاب أنك لم تقرأ غير هذين الحرفين وأحسن من هذا أن يقال دخول الواو هنا يفسد المعنى لأن المراد أن هذا اللفظ وحده يثبت الود وهذا وحده يثبته بحسب اللقاء فأيهما وجد مقتضيه وواظب عليه أثبت الود ولو أدخل الواو لكان لا يثبت الود إلا باللفظين معا ونظير هذا أن تقول أطعم فلانا شيئا فيقول ما أطعمه فيقول أطعمه تمرا أقطا زبيبا لحما لم ترد جمع ذلك بل أردت أطعمه واحدا من هذه أيهما تيسر ومنه الحديث الصحيح المرفوع "تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع بره " رواه مسلم والنسائي وأحمد ومنه قول عمر: "صلى رجل في إزاء ورداء في سراويل ورداء في تبان" ورداء الحديث يتعين ترك العطف في هذا كله لا المراد الجمع. فإن قيل: فما تقولون في قولهم اضرب زيدا عمرا خالدا أليس على حذف الواو قيل ليس كذلك إذ لو كان على تقدير الواو لاختص الأمر بالمذكورين ولم يعدهم إلى سواهم وإنما المراد الإشارة بهم إلى غيرهم ومنه قولهم بوبت الكتاب بابا بابا وقسمت المال درهما درهما وليس على إضمار حرف العطف ولو كان كذلك لانحصر الأمر في درهمين وبابين. وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ والذي دعاهم إلى ذلك أن جواب إذا هو قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ ولم يكن عندك ما تحملهم عليه تولوا يبكون فيكون الواو في قلت مقدرة لأنها معطوفة على فعل الشرط وهو أتوك هذا تقرير احتجاجهم ولا حجة فيه لأنه جواب إذا في قوله قلت لا أجد والمعنى إذا أتوك لتحملهم لم يكن عندك ما تحملهم عليه فعبر عن هذا بقوله قلت لا أجد ما أحملكم عليه لنكتة بديعة وهي الإشارة إلى تصديقهم له وأنهم اكتفوا من علمهم بعدم الإمكان بمجرد إخباره لهم بقوله: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ بخلاف ما لو قيل لم يجدوا عندك ما تحملهم عليه فإنه يكون تبيين حزنهم خارجا عن إخباره وكذلك لو قيل لم تجد ما تحملهم عليه لم يؤد هذا المعنى فتأمله فإنه بديع. فإن قيل فبأي شيء يرتبط قوله ﴿تولوا وأعينهم تفيض﴾ وهذا عطف على ما قبله فإنه ليس بمستأنف؟ فالجواب أن ترك العطف هنا من بديع الكلام لشدة ارتباطه بما قبله ووقوعه منه موقع التفسير حتى كأنه هو.

التوبة 9:100

فصل: [الأتباع السعداء] أما أتباع السعداء فنوعان: أتباع لهم حكم الاستقلال وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ فهؤلاء هم السعداء الذين ثبت لهم رضا الله عنهم وهم أصحاب رسول الله ﷺ، وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة. ولا يختص ذلك بالقرن الذين رأوهم فقط وإنما خص التابعين بمن رأوا الصحابة تخصيصا عرفيًا ليتميزوا به عمن بعدهم فقيل: التابعون مطلقًا لذلك القرن فقط، وإلا فكل من سلك سبيلهم فهو من التابعين لهم بإحسان وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه. وقيد سبحانه هذه التبعية بأنها تبعية بإحسان ليست مطلقة فتحصل بمجرد النية والاتباع في شيء والمخالفة في غيره، ولكن تبعية مصاحبة الإحسان، وأن الباء هاهنا للمصاحبة. والإحسان والمتابعة شرط في حصول رضاء الله عنهم وجناته، وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾. فالأولون: هم الذين أدركوا رسول الله ﷺ وصحبوه. والآخرون: هم الذين لم يلحقوهم وهم كل من بعدهم على منهاجهم إلى يوم القيامة، فيكون التأخر وعدم اللحاق في الفضل والرتبة بل هم دونهم فيكون عدم اللحاق في الرتبة. والقولان كالمتلازمين، فإن من بعدهم لا يلحقون بهم لا في الفضل ولا في الزمان فهؤلاء الصنفان هم السعداء. (فائدة) ثلاثة من الصحابة جمعوا بين كونهم أنصارا ومهاجرين ذكرهم ابن إسحاق في سيرته: - أحدهم ذكوان بن عبد قيس من بني الخزرج قال ابن إسحاق: "كان خرج إلى رسول الله ﷺ وكان معه بمكة المكرمة، ثم هاجر منها إلى المدينة وكان يقال له مهاجري أنصاري شهدا بدرا وقتل بأحد شهيدا". - والعباس بن عبادة بن نضلة من بني الخزرج أيضا قال ابن إسحاق: "كان فيمن خرج إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة المكرمة، فأقام معه بها قتل يوم أحد شهيدا. - وعقبة بن وهب خرج إلى رسول الله ﷺ من المدينة المنورة إلى مكة، وكان يقال له مهاجري أنصاري حليف لبني الخزرج. [فَصْلٌ: الفَتْوى بِالآثارِ السَّلَفِيَّةِ والفَتاوى الصَّحابِيَّةِ] [القَوْلُ في جَوازِ الفَتْوى بِالآثارِ السَّلَفِيَّةِ] فِي جَوازِ الفَتْوى بِالآثارِ السَّلَفِيَّةِ والفَتاوِي الصَّحابِيَّةِ، وأنَّها أوْلى بِالأخْذِ بِها مِن آراءِ المُتَأخِّرِينَ وفَتاوِيهمْ، وأنَّ قُرْبَها إلى الصَّوابِ بِحَسَبِ قُرْبِ أهْلِها مِن عَصْرِ الرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ، وأنَّ فَتاوى الصَّحابَةِ أوْلى أنْ يُؤْخَذَ بِها مِن فَتاوى التّابِعِينَ، وفَتاوى التّابِعِينَ أوْلى مِن فَتاوى تابِعِي التّابِعِينَ، وهَلُمَّ جَرًّا وكُلَّما كانَ العَهْدُ بِالرَّسُولِ أقْرَبَ كانَ الصَّوابُ أغْلَبَ، وهَذا حُكْمٌ بِحَسَبِ الجِنْسِ لا بِحَسَبِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِن المَسائِلِ، كَما أنَّ عَصْرَ التّابِعِينَ، وإنْ كانَ أفْضَلَ مِن عَصْرِ تابِعِيهِمْ فَإنَّما هو بِحَسَبِ الجِنْسِ لا بِحَسَبِ كُلِّ شَخْصٍ شَخْصٌ، ولَكِنْ المُفَضَّلُونَ في العَصْرِ المُتَقَدِّمِ أكْثَرُ مِن المُفَضَّلِينَ في العَصْرِ المُتَأخِّرِ، وهَكَذا الصَّوابُ في أقْوالِهِمْ أكْثَرُ مِن الصَّوابِ في أقْوالِ مَن بَعْدِهِمْ؛ فَإنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ عُلُومِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ كالتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَهم في الفَضْلِ والدِّينِ، ولَعَلَّهُ لا يَسَعَ المُفْتِيَ والحاكِمَ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُفْتِيَ ويَحْكُمَ بِقَوْلِ فُلانٍ وفُلانٍ مِن المُتَأخِّرِينَ مِن مُقَلِّدِي الأئِمَّةِ ويَأْخُذَ بِرَأْيِهِ وتَرْجِيحِهِ ويَتْرُكَ الفَتْوى والحُكْمَ بِقَوْلِ البُخارِيِّ، وإسْحاقَ بْنِ راهْوَيْهِ وعَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيِّ، وأمْثالِهِمْ، بَلْ يَتْرُكُ قَوْلَ ابْنِ المُبارَكِ والأوْزاعِيِّ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وحَمّادِ بْنِ زَيْدٍ وحَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وأمْثالِهِمْ، بَلْ لا يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ والزُّهْرِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وأمْثالِهِمْ، بَلْ لا يَعُدُّ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ والقاسِمِ وسالِمٍ وعَطاءٍ وطاوُسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وشُرَيْحٍ، وأبِي وائِلٍ وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وأضْرابِهِمْ مِمّا يَسُوغُ الأخْذُ بِهِ، بَلْ يَرى تَقْدِيمَ قَوْلِ المُتَأخِّرِينَ مِن أتْباعِ مَن قَلَّدَهُ عَلى فَتْوى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وأبِي الدَّرْداءِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وأضْرابِهِمْ، فَلا يَدْرِي ما عُذْرُهُ غَدًا عِنْدَ اللَّهِ إذا سَوّى بَيْنَ أقْوالِ أُولَئِكَ وفَتاوِيهِمْ، وأقْوالِ هَؤُلاءِ وفَتاوِيهِمْ، فَكَيْفَ إذا رَجَّحَها عَلَيْها؟ فَكَيْفَ إذا عَيَّنَ الأخْذَ بِها حُكْمًا، وإفْتاءً، ومَنَعَ الأخْذَ بِقَوْلِ الصَّحابَةِ، واسْتَجازَ عُقُوبَةَ مَن خالَفَ المُتَأخِّرِينَ لَها، وشَهِدَ عَلَيْهِ بِالبِدْعَةِ والضَّلالَةِ ومُخالَفَةِ أهْلِ العِلْمِ، وأنَّهُ يَكِيدُ الإسْلامَ؟ تاللَّهِ لَقَدْ أخَذَ بِالمَثَلِ المَشْهُورِ " رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ " وسُمِّيَ ورَثَةُ الرَّسُولِ بِاسْمِهِ هُوَ، وكَساهم أثْوابَهُ، ورَماهم بِدائِهِ، وكَثِيرٌ مِن هَؤُلاءِ يَصْرُخُ ويَصِيحُ ويَقُولُ ويُعْلِنُ أنَّهُ يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ كُلِّهِمْ الأخْذُ بِقَوْلِ مَن قَلَّدْناهُ دِينَنا، ولا يَجُوزُ الأخْذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وغَيْرِهِمْ مِن الصَّحابَةِ. وَهَذا كَلامُ مَن أخَذَ بِهِ وتَقَلَّدَهُ ولّاهُ اللَّهُ ما تَوَلّى، ويَجْزِيه عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ الجَزاءَ الأوْفى، واَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ ضِدُّ هَذا القَوْلِ، والرَّدِّ عَلَيْهِ فَنَقُولُ: إذا قالَ الصَّحابِيُّ قَوْلًا فَإمّا أنْ يُخالِفَهُ صَحابِيٌّ آخَرُ أوْ لا يُخالِفُهُ، فَإنْ خالَفَهُ مِثْلُهُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ أحَدِهِما حُجَّةً عَلى الآخَرِ، وإنْ خالَفَهُ أعْلَمُ مِنهُ كَما إذا خالَفَ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ أوْ بَعْضُهم غَيْرَهم مِن الصَّحابَةِ في حُكْمٍ، فَهَلْ يَكُونُ الشِّقُّ الَّذِي فِيهِ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ أوْ بَعْضُهم حُجَّةً عَلى الآخَرِينَ؟ فِيهِ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ، وهُما رِوايَتانِ عَنْ الإمام أحْمَدَ، والصَّحِيحُ أنَّ الشِّقَّ الَّذِي فِيهِ الخُلَفاءُ أوْ بَعْضُهم أرْجَحُ، وأوْلى أنْ يُؤْخَذَ بِهِ مِن الشِّقِّ الآخَرِ، فَإنْ كانَ الأرْبَعَةُ في شِقٍّ فَلا شَكَّ أنَّهُ الصَّوابُ، وإنْ كانَ أكْثَرُهم في شِقٍّ فالصَّوابُ فِيهِ أغْلَبُ، وإنْ كانُوا اثْنَيْنِ واثْنَيْنِ فَشِقُّ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، فَإنْ اخْتَلَفَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فالصَّوابُ مَعَ أبِي بَكْرٍ. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ لا يَعْرِفُ تَفْصِيلَها إلّا مَن لَهُ خِبْرَةٌ واطِّلاعٌ عَلى ما اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحابَةُ وعَلى الرّاجِحِ مِن أقْوالِهِمْ، ويَكْفِي في ذَلِكَ مَعْرِفَةُ رُجْحانِ قَوْلِ الصِّدِّيقِ في الجَدِّ والإخْوَةِ، وكَوْنِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ مَرَّةً واحِدَةً، وإنْ تَلَفَّظَ فِيهِ بِالثَّلاثِ، وجَوازِ بَيْعِ أُمَّهاتِ الأوْلادِ، وإذا نَظَرَ العالِمُ المُنْصِفُ في أدِلَّةِ هَذِهِ المَسائِلِ مِن الجانِبَيْنِ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ جانِبَ الصِّدِّيقِ أرْجَحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ في مَسْألَةِ الجَدِّ والطَّلاقِ الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ، وَلا يُحْفَظُ لِلصِّدِّيقِ خِلافُ نَصٍّ واحِدٍ أبَدًا، ولا يُحْفَظُ لَهُ فَتْوى ولا حُكْمٌ مَأْخَذُها ضَعِيفٌ أبَدًا، وهو تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ خِلافَتِهِ خِلافَةَ نُبُوَّةٍ. [فَصْلٌ: رَأْيُ الشّافِعِيِّ في أقْوالِ الصَّحابَةِ] وَإنْ لَمْ يُخالِفْ الصَّحابِيُّ صَحابِيًّا آخَرَ فَإمّا أنْ يَشْتَهِرَ قَوْلُهُ في الصَّحابَةِ أوْ لا يَشْتَهِرُ، فَإنْ اشْتَهَرَ فاَلَّذِي عَلَيْهِ جَماهِيرُ الطَّوائِفِ مِن الفُقَهاءِ أنَّهُ إجْماعٌ وحُجَّةٌ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ: هو حُجَّةٌ ولَيْسَ بِإجْماعٍ، وقالَتْ شِرْذِمَةٌ مِن المُتَكَلِّمِينَ وبَعْضُ الفُقَهاءِ المُتَأخِّرِينَ: لا يَكُونُ إجْماعًا ولا حُجَّةً، وإنْ لَمْ يَشْتَهِرْ قَوْلُهُ أوْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ اشْتُهِرَ أمْ لا فاخْتَلَفَ النّاسُ: هَلْ يَكُونُ حُجَّةً أمْ لا؟ فاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ أنَّهُ حُجَّةٌ هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الحَنَفِيَّةِ، صَرَّحَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، وذَكَرَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ نَصًّا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأصْحابِهِ، وتَصَرُّفُهُ في مُوَطَّئِهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ إسْحاقَ بْنِ راهْوَيْهِ وأبِي عُبَيْدٍ، وهو مَنصُوصُ الإمامِ أحْمَدَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ عَنْهُ واخْتِيارُ جُمْهُورِ أصْحابِهِ، وهو مَنصُوصُ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ والجَدِيدِ، أمّا القَدِيمُ فَأصْحابُهُ مُقِرُّونَ بِهِ، وأمّا الجَدِيدُ فَكَثِيرٌ مِنهم يُحْكى عَنْهُ فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وفي هَذِهِ الحِكايَةِ عَنْهُ نَظَرٌ ظاهِرٌ جِدًّا؛ فَإنَّهُ لا يُحْفَظُ لَهُ في الجَدِيدِ حَرْفٌ واحِدٌ أنَّ قَوْلَ الصَّحابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وغايَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن نَقْلِ ذَلِكَ أنَّهُ يَحْكِي أقْوالًا لِلصَّحابَةِ في الجَدِيدِ ثُمَّ يُخالِفُها، ولَوْ كانَتْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ لَمْ يُخالِفْها، وهَذا تَعَلُّقٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ مُخالَفَةَ المُجْتَهِدِ الدَّلِيلَ المُعَيَّنَ لِما هو أقْوى في نَظَرِهِ مِنهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَراهُ دَلِيلًا مِن حَيْثُ الجُمْلَةُ، بَلْ خالَفَ دَلِيلًا لِدَلِيلٍ أرْجَحَ عِنْدَهُ مِنهُ، وقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُهم بِأنَّهُ يَراهُ في الجَدِيدِ إذا ذَكَرَ أقْوالَ الصَّحابَةِ مُوافِقًا لَها لا يَعْتَمِدُ عَلَيْها وحْدَها كَما يَفْعَلُ بِالنُّصُوصِ، بَلْ يُعَضِّدُها بِضُرُوبٍ مِن الأقْيِسَةِ؛ فَهو تارَةً يَذْكُرُها ويُصَرِّحُ بِخِلافِها، وتارَةً يُوافِقُها ولا يَعْتَمِدُ عَلَيْها بَلْ يُعَضِّدُها بِدَلِيلٍ آخَرَ، وهَذا أيْضًا تَعَلُّقٌ أضْعَفُ مِن الَّذِي قَبْلَهُ؛ فَإنَّ تَظافُرَ الأدِلَّةِ وتَعاضُدِها وتَناصُرِها مِن عادَةِ أهْلِ العِلْمِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ولا يَدُلُّ ذِكْرُهم دَلِيلًا ثانِيًا وثالِثًا عَلى أنَّ ما ذَكَرُوهُ قَبْلَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ. وَقَدْ صَرَّحَ الشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ مِن رِوايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَ الصَّحابَةِ حُجَّةٌ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ، فَقالَ: المُحْدَثاتُ مِن الأُمُورِ ضَرْبانِ، أحَدُهُما: ما أُحْدِثَ يُخالِفُ كِتابًا أوْ سُنَّةً أوْ إجْماعًا أوْ أثَرًا فَهَذِهِ البِدْعَةُ الضَّلالَةُ، والرَّبِيعُ إنّما أخَذَ عَنْهُ بِمِصْرَ، وقَدْ جَعَلَ مُخالَفَةَ الأثَرِ الَّذِي لَيْسَ بِكِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ ضَلالَةً، وهَذا فَوْقَ كَوْنِهِ حُجَّةً، وقالَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ مَدْخَلِ السُّنَنِ لَهُ: بابُ ذِكْرِ أقاوِيلِ الصَّحابَةِ إذا تَفَرَّقُوا. قالَ الشّافِعِيُّ: أقاوِيلُ الصَّحابَةِ إذا تَفَرَّقُوا فِيها تَصِيرُ إلى ما وافَقَ الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ الإجْماعِ إذا كانَ أصَحَّ في القِياسِ، وإذا قالَ الواحِدُ مِنهم القَوْلَ لا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ مِنهم فِيهِ لَهُ مُوافَقَةٌ ولا خِلافَ صِرْتُ إلى اتِّباعِ قَوْلِهِ إذا لَمْ أجِدْ كِتابًا ولا سُنَّةً ولا إجْماعًا ولا شَيْئًا في مَعْناهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ أوْ وُجِدَ مَعَهُ قِياسٌ. قالَ البَيْهَقِيُّ وقالَ في كِتابِ اخْتِلافِهِ مَعَ مالِكٍ: ما كانَ الكِتابُ والسُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فالعُذْرُ عَلى مَن سَمِعَهُ مَقْطُوعٌ إلّا بِإتْيانِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِرْنا إلى أقاوِيلِ الصَّحابَةِ أوْ واحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ كانَ قَوْلُ الأئِمَّةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ إذا صِرْنا إلى التَّقْلِيدِ أحَبَّ إلَيْنا، وذَلِكَ إذا لَمْ نَجِدْ دَلالَةً في الِاخْتِلافِ تَدُلُّ عَلى أقْرَبِ الِاخْتِلافِ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ فَنَتْبَعُ القَوْلَ الَّذِي مَعَهُ الدَّلالَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَ الإمامِ مَشْهُورٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ النّاسَ ومَن لَزِمَ قَوْلُهُ النّاسَ كانَ أشْهَرَ مِمَّنْ يُفْتِي الرَّجُلَ أوْ النَّفَرَ وقَدْ يَأْخُذُ بِفُتْياهُ ويَدَعُها، وأكْثَرُ المُفْتِينَ يُفْتُونَ الخاصَّةَ في بُيُوتِهِمْ ومَجالِسِهِمْ ولا يَعْتَنِي العامَّةُ بِما قالُوا عِنايَتَهم بِما قالَ الإمامُ، وقَدْ وجَدْنا الأئِمَّةَ يُنْتَدَبُونَ فَيُسْألُونَ عَنْ العِلْمِ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ فِيما أرادُوا أنْ يَقُولُوا فِيهِ ويَقُولُونَ فَيُخْبِرُونَ بِخِلافِ قَوْلِهِمْ، فَيَقْبَلُونَ مِن المُخْبِرِ، ولا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ أنْ يَرْجِعُوا لِتَقْواهم اللَّهَ وفَضْلِهِمْ، فَإذا لَمْ يُوجَدْ عَنْ الأئِمَّةِ فَأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الدِّينِ في مَوْضِعِ الأمانَةِ أخَذْنا بِقَوْلِهِمْ، وكانَ اتِّباعُهم أوْلى بِنا مِن اتِّباعِ مَن بَعْدَهم. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والعِلْمُ طَبَقاتٌ، الأوْلى: الكِتابُ والسُّنَّةُ، الثّانِيَةُ: الإجْماعُ فِيما لَيْسَ كِتابًا ولا سُنَّةً، الثّالِثَةُ: أنْ يَقُولَ صَحابِيٌّ فَلا يُعْلَمُ لَهُ مُخالِفٌ مِن الصَّحابَةِ، الرّابِعَةُ: اخْتِلافُ الصَّحابَةِ، الخامِسَةُ: القِياسُ، هَذا كُلُّهُ كَلامُهُ في الجَدِيدِ. قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا: وفي الرِّسالَةِ القَدِيمَةِ لِلشّافِعِيِّ - بَعْدَ ذِكْرِ الصَّحابَةِ وتَعْظِيمِهِمْ - قالَ: وهو فَوْقَنا في كُلِّ عِلْمٍ واجْتِهادٍ ووَرَعٍ وعَقْلٍ، وأمْرٍ اسْتُدْرِكَ بِهِ عِلْمٌ، وآراؤُهم لَنا أحْمَدُ، وأوْلى بِنا مِن رَأْيِنا، ومَن أدْرَكْنا مِمَّنْ تُرْضى أوْ حُكِيَ لَنا عَنْهُ بِبَلَدِنا صارُوا فِيما لَمْ يَعْلَمُوا فِيهِ سُنَّةً إلى قَوْلِهِمْ إنْ اجْتَمَعُوا أوْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنْ تَفَرَّقُوا، وكَذا نَقُولُ، ولَمْ نَخْرُجْ مِن أقْوالِهِمْ كُلِّهِمْ. قالَ: وإذا قالَ الرَّجُلانِ مِنهم في شَيْءٍ قَوْلَيْنِ نَظَرْت، فَإنْ كانَ قَوْلُ أحَدِهِما أشْبَهَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ أخَذْت بِهِ، لِأنَّ مَعَهُ شَيْئًا قَوِيًّا؛ فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى واحِدٍ مِن القَوْلَيْنِ دَلالَةً بِما وصَفْت كانَ قَوْلُ الأئِمَّةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ أرْجَحَ عِنْدَنا مِن واحِدٍ لَوْ خالَفَهم غَيْرُ إمامٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ: وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى القَوْلِ دَلالَةٌ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ كانَ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن قَوْلِ غَيْرِهِمْ، فَإنْ اخْتَلَفُوا صِرْنا إلى القَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ دَلالَةٌ، وقَلَّما يَخْلُو اخْتِلافُهم مِن ذَلِكَ، وإنْ اخْتَلَفُوا بِلا دَلالَةٍ نَظَرْنا إلى الأكْثَرِ، فَإنْ تَكافَئُوا نَظَرْنا أحْسَنَ أقاوِيلِهِمْ مَخْرَجًا عِنْدَنا، وإنْ وجَدْنا لِلْمُفْتِينَ في زَمانِنا أوْ قَبْلَهُ إجْماعًا في شَيْءٍ تَبِعْناهُ، فَإذا نَزَلَتْ نازِلَةٌ لَمْ نَجِدْ فِيها واحِدَةً مِن هَذِهِ الأُمُورِ فَلَيْسَ إلّا إجْهادُ الرَّأْيِ، فَهَذا كَلامُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ورَضِيَ عَنْهُ بِنَصِّهِ، ونَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، بَلْ كَلامُهُ في الجَدِيدِ مُطابِقٌ لِهَذا مُوافِقٌ لَهُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ لَفْظِهِ، وقَدْ قالَ في الجَدِيدِ في قَتْلِ الرّاهِبِ: إنّهُ القِياسُ عِنْدَهُ، ولَكِنْ أتْرُكُهُ لِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. فَقَدْ أخْبَرَنا أنَّهُ تَرَكَ القِياسَ الَّذِي هو دَلِيلٌ عِنْدَهُ لِقَوْلِ الصّاحِبِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ مُوجِبَ الدَّلِيلِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ؟ وقالَ: في الضِّلَعِ بَعِيرٌ، قُلْتُهُ تَقْلِيدًا لِعُمَرَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: قُلْتُهُ تَقْلِيدًا لِعُثْمانَ، وقالَ في الفَرائِضِ: هَذا مَذْهَبٌ تَلَقَّيْناهُ عَنْ زَيْدٍ. ولا تَسْتَوْحِشْ مِن لَفْظَةِ التَّقْلِيدِ في كَلامِهِ، وتَظُنَّ أنَّها تَنْفِي كَوْنَ قَوْلِهِ حُجَّةً بِناءً عَلى ما تَلَقَّيْتُهُ مِن اصْطِلاحِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ التَّقْلِيدَ قَبُولُ قَوْلِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، فَهَذا اصْطِلاحٌ حادِثٌ، وقَدْ صَرَّحَ الشّافِعِيُّ في مَوْضِعِ مِن كَلامِهِ بِتَقْلِيدِ خَبَرِ الواحِدِ فَقالَ: قُلْت هَذا تَقْلِيدًا لِلْخَبَرِ، وأئِمَّةُ الإسْلامِ كُلُّهم عَلى قَبُولِ قَوْلِ الصَّحابِيِّ. قالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ: ثنا ابْنُ المُبارَكِ قالَ: سَمِعْت أبا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إذا جاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلى الرَّأْسِ والعَيْنِ، وإذا جاءَ عَنْ الصَّحابَةِ نَخْتارُ مِن قَوْلِهِمْ، وإذا جاءَ عَنْ التّابِعِينَ زاحَمْناهم. وَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن الحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ والمالِكِيَّةِ والحَنابِلَةِ، وأكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ إلى أنَّهُ إنْ خالَفَ القِياسَ فَهو حُجَّةٌ، وإلّا فَلا، قالُوا: لِأنَّهُ إذا خالَفَ القِياسَ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنْ تَوْقِيفٍ وعَلى هَذا فَهو حُجَّةٌ، وإنْ خالَفَهُ صَحابِيٌّ آخَرُ، واَلَّذِينَ قالُوا " لَيْسَ بِحُجَّةٍ " قالُوا: لِأنَّ الصَّحابِيَّ مُجْتَهِدٌ مِن المُجْتَهِدِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الخَطَأُ فَلا يَجِبُ تَقْلِيدُهُ، ولا يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً كَسائِرِ المُجْتَهِدِينَ، ولِأنَّ الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ تَعُمُّ تَقْلِيدَ الصَّحابَةِ ومَن دُونَهُمْ، ولِأنَّ التّابِعِيَّ إذا أدْرَكَ عَصْرَ الصَّحابَةِ اعْتَدَّ بِخِلافِهِ عِنْدَ أكْثَرِ النّاسِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُ الواحِدِ حُجَّةً عَلَيْهِ؟ ولِأنَّ الأدِلَّةَ قَدْ انْحَصَرَتْ في الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ والقِياسِ والِاسْتِصْحابِ، وقَوْلُ الصَّحابِيِّ لَيْسَ واحِدًا مِنها، ولِأنَّ امْتِيازَهُ بِكَوْنِهِ أفْضَلَ، وأعْلَمَ وأتْقى لا يُوجِبُ وُجُوبَ اتِّباعِهِ عَلى مُجْتَهِدٍ آخَرَ مِن عُلَماءِ التّابِعِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بَعْدَهم. [فصل: الأدِلَّةُ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ الصَّحابَةِ] فَأمّا الأوَّلُ فَمِن وُجُوهٍ: أحَدُها: ما احْتَجَّ بِهِ مالِكٌ، وهو قَوْله تَعالى ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فَوَجْهُ الدَّلالَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلى مَن اتَّبَعَهُمْ، فَإذا قالُوا قَوْلًا فاتَّبَعَهم مُتَّبِعٌ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ صِحَّتَهُ فَهو مُتَّبِعٌ لَهُمْ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُودًا عَلى ذَلِكَ، وأنْ يَسْتَحِقَّ الرِّضْوانَ، ولَوْ كانَ اتِّباعُهم تَقْلِيدًا مَحْضًا كَتَقْلِيدِ بَعْضِ المُفْتِينَ لَمْ يَسْتَحِقَّ مَن اتَّبَعَهم الرِّضْوانَ إلّا أنْ يَكُونَ عامِّيًّا، فَأمّا العُلَماءُ المُجْتَهِدُونَ فَلا يَجُوزُ لَهم اتِّباعُهم حِينَئِذٍ. فَإنْ قِيلَ: اتِّباعُهم هو أنْ يَقُولَ ما قالُوا بِالدَّلِيلِ، وهو سُلُوكُ سَبِيلِ الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهم إنّما قالُوا بِالِاجْتِهادِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بِإحْسانٍ﴾ ومَن قَلَّدَهم لَمْ يَتَّبِعْهم بِإحْسانٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُطْلَقُ الِاتِّباعِ مَحْمُودًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الِاتِّباعِ بِإحْسانٍ أوْ بِغَيْرِ إحْسانٍ، وأيْضًا فَيَجُوزُ أنْ يُرادُ بِهِ اتِّباعُهم في أُصُولِ الدِّينِ، وقَوْلُهُ ﴿بِإحْسانٍ﴾ أيْ بِالتِزامِ الفَرائِضِ واجْتِنابِ المَحارِمِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ أنَّ السّابِقِينَ قَدْ وجَبَ لَهم الرِّضْوانُ، وإنْ أساءُوا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَما يُدْرِيك أنَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ»، وأيْضًا فالثَّناءُ عَلى مَن اتَّبَعَهم كُلَّهُمْ، وذَلِكَ اتِّباعُهم فِيما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، وأيْضًا فالثَّناءُ عَلى مَن اتَّبَعَهم لا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَقْلِيدِهِمْ، وذَلِكَ دَلِيلُ جَوازِ تَقْلِيدِ العالِمِ كَما هو مَذْهَبُ طائِفَةٍ مِن العُلَماءِ، أوْ تَقْلِيدِ الأعْلَمِ كَقَوْلِ طائِفَةٍ أُخْرى. أمّا الدَّلِيلُ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِيهِ. فالجَوابُ مِن وُجُوهِ: أحَدُها: أنَّ الِاتِّباعَ لا يَسْتَلْزِمُ الِاجْتِهادَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الِاتِّباعَ المَأْمُورَ بِهِ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ونَحْوُهُ لا يَتَوَقَّفُ عَلى الِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْ القائِلِ. الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ اتِّباعَهم في الِاسْتِدْلالِ والِاجْتِهادِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ السّابِقِينَ وبَيْنَ جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ لِأنَّ اتِّباعَ مُوجِبِ الدَّلِيلِ يَجِبُ أنْ يَتَّبِعَ فِيهِ كُلُّ أحَدٍ، فَمَن قالَ قَوْلًا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وجَبَ مُوافَقَتُهُ فِيهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ إمّا أنْ تَجُوزَ مُخالَفَتُهم في قَوْلِهِمْ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ أوْ لا تَجُوزُ، فَإنْ لَمْ تَجُزْ فَهو المَطْلُوبُ، وإنْ جازَتْ مُخالَفَتُهم فَقَدْ خُولِفُوا في خُصُوصِ الحُكْمِ واتَّبَعُوا في أحْسَنِ الِاسْتِدْلالِ، فَلَيْسَ جَعْلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ مُتْبِعًا لِمُوافَقَتِهِمْ في الِاسْتِدْلالِ بِأوْلى مِن جَعْلِهِ مُخالِفًا لِمُخالَفَتِهِ في عَيْنِ الحُكْمِ. الرّابِعُ: أنَّ مَن خالَفَهم في الحُكْمِ الَّذِي أفْتَوْا بِهِ لا يَكُونُ مُتَّبِعًا لَهم أصْلًا، بِدَلِيلِ أنَّ مَن خالَفَ مُجْتَهِدًا مِن المُجْتَهِدِينَ في مَسْألَةٍ بَعْدَ اجْتِهادٍ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ " اتَّبِعْهُ "، وإنْ أطْلَقَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن تَقْيِيدِهِ بِأنْ يُقالَ اتَّبِعْهُ في الِاسْتِدْلالِ أوْ الِاجْتِهادِ. الخامِسُ: أنَّ الِاتِّباعَ افْتِعالٌ مِن اتَّبَعَ، وكَوْنُ الإنْسانِ تابِعًا لِغَيْرِهِ نَوْعَ افْتِقارٍ إلَيْهِ ومَشْيٍ خَلْفَهُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن المُجْتَهِدِينَ المُسْتَدِلِّينَ لَيْسَ تَبَعًا لِلْآخَرِ ولا مُفْتَقِرًا إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتّى يَسْتَشْعِرَ مُوافَقَتَهُ والِانْقِيادَ لَهُ، ولِهَذا لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِمَن وافَقَ رَجُلًا في اجْتِهادِهِ أوْ فَتْواهُ اتِّفاقًا إنّهُ مُتَّبِعٌ لَهُ. السّادِسُ: أنَّ الآيَةَ قُصِدَ بِها مَدْحُ السّابِقِينَ والثَّناءُ عَلَيْهِمْ، وبَيانُ اسْتِحْقاقِهِمْ أنْ يَكُونُوا أئِمَّةً مَتْبُوعِينَ، وبِتَقْدِيرِ ألّا يَكُونَ قَوْلُهم مُوجِبًا لِلْمُوافَقَةِ ولا مانِعًا مِن المُخالَفَةِ - بَلْ إنّما يَتَّبِعُ القِياسَ مَثَلًا - لا يَكُونُ لَهم هَذا المَنصِبُ، ولا يَسْتَحِقُّونَ هَذا المَدْحَ والثَّناءَ. السّابِعُ: أنَّ مَن خالَفَهم في خُصُوصِ الحُكْمِ فَلَمْ يَتَّبِعْهم في ذَلِكَ الحُكْمِ ولا فِيما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ فَلا يَكُونُ مُتَّبِعًا لَهم بِمُجَرَّدِ مُشارَكَتِهِمْ في صِفَةٍ عامَّةٍ، وهي مُطْلَقُ الِاسْتِدْلالِ والِاجْتِهادِ، ولا سِيَّما وتِلْكَ الصِّفَةُ العامَّةُ لا اخْتِصاصَ لَها بِهِ؛ لِأنَّ ما يَنْفِي الِاتِّباعَ أخَصُّ مِمّا يُثْبِتُهُ. وَإذا وُجِدَ الفارِقُ الأخَصُّ والجامِعُ الأعَمُّ - وكِلاهُما مُؤَثِّرٌ - كانَ التَّفْرِيقُ رِعايَةً لِلْفارِقِ أوْلى مِن الجَمْعِ رِعايَةً لِلْجامِعِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِإحْسانٍ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ بِهِ أنْ يَجْتَهِدَ، وافَقَ أوْ خالَفَ؛ لِأنَّهُ إذا خالَفَ لَمْ يَتَّبِعْهم فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ بِإحْسانٍ، ولِأنَّ مُطْلَقَ الِاجْتِهادِ لَيْسَ فِيهِ اتِّباعٌ لَهُمْ، لَكِنَّ الِاتِّباعَ لَهم اسْمٌ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن وافَقَهم في الِاعْتِقادِ والقَوْلِ، فَلا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المُتَّبِعُ مُحْسِنًا بِأداءِ الفَرائِضِ واجْتِنابِ المَحارِمِ؛ لِئَلّا يَقَعَ الِاغْتِرارُ بِمُجَرَّدِ المُوافَقَةِ قَوْلًا، وأيْضًا فَلا بُدَّ أنْ يُحْسِنَ المُتَّبِعُ لَهم القَوْلَ فِيهِمْ، ولا يَقْدَحُ فِيهِمْ، اشْتَرَطَ اللَّهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنْ سَيَكُونُ أقْوامٌ يَنالُونَ مِنهم. وَهَذا مِثْلُ قَوْله تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] وأمّا تَخْصِيصُ اتِّباعِهِمْ بِأُصُولِ الدِّينِ دُونَ فُرُوعِهِ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الِاتِّباعَ عامٌّ، ولِأنَّ مَن اتَّبَعَهم في أُصُولِ الدِّينِ فَقَطْ لَوْ كانَ مُتَّبِعًا لَهم عَلى الإطْلاقِ لَكُنّا مُتَّبِعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ اتِّباعِ السّابِقِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِها. وَأيْضًا فَإنَّهُ إذا قِيلَ " فُلانٌ يَتَّبِعُ فُلانًا، واتَّبِعْ فُلانًا، وأنا مُتَّبِعٌ فُلانًا "، ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ ولا حالِيَّةٍ فَإنَّهُ يَقْتَضِي اتِّباعَهُ في كُلِّ الأُمُورِ الَّتِي يَتَأتّى فِيها الِاتِّباعُ؛ لِأنَّ مَن اتَّبَعَهُ في حالٍ وخالَفَهُ في أُخْرى لَمْ يَكُنْ وصْفُهُ بِأنَّهُ مُتَّبِعٌ أوْلى مِن وصْفِهِ بِأنَّهُ مُخالِفٌ؛ ولِأنَّ الرِّضْوانَ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِاتِّباعِهِمْ، فَيَكُونُ الِاتِّباعُ سَبَبًا لَهُ؛ لِأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ بِما هو مُشْتَقٌّ يَقْتَضِي أنَّ ما مِنهُ الِاشْتِقاقُ سَبَبٌ، وإذا كانَ اتِّباعُهم سَبَبًا لِلرِّضْوانِ اقْتَضى الحُكْمَ في جَمِيعِ مَوارِدِهِ، ولا اخْتِصاصَ لِلِاتِّباعِ بِحالٍ دُونَ حالٍ، ولِأنَّ الِاتِّباعَ يُؤْذِنُ بِكَوْنِ الإنْسانِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وفَرْعًا عَلَيْهِ، وأُصُولُ الدِّينِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ ولِأنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ وجَعْلَهم أئِمَّةً لِمَن بَعْدَهُمْ، فَلَوْ لَمْ يَتَناوَلْ إلّا اتِّباعَهم في أُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرائِعِ لَمْ يَكُونُوا أئِمَّةً في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اتِّباعِهِمْ. (فَصْلٌ) وَأمّا قَوْلُهم " إنّ الثَّناءَ عَلى مَن اتَّبَعَهم كُلَّهم " فَنَقُولُ: الآيَةُ اقْتَضَتْ الثَّناءَ عَلى مَن يَتَّبِعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُمْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الرِّضْوانِ لِكُلِّ واحِدٍ مِن السّابِقِينَ واَلَّذِينَ اتَّبَعُوهم في قَوْلِهِ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾ لِأنَّهُ حُكْمٌ عَلَّقَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ تَناوَلَهم مُجْتَمِعِينَ ومُنْفَرِدِينَ. وَأيْضًا فَإنَّ الأصْلَ في الأحْكامِ المُعَلَّقَةِ بِأسْماءٍ عامَّةٍ ثُبُوتُها لِكُلِّ فَرَدٍّ فَرْدٌ مِن تِلْكَ المُسَمَّياتِ كَقَوْلِهِ ﴿أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] وقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] وقَوْله تَعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وأيْضًا فَإنَّ الأحْكامَ المُعَلَّقَةَ عَلى المَجْمُوعِ يُؤْتى فِيها بِاسْمٍ يَتَناوَلُ المَجْمُوعَ دُونَ الأفْرادِ كَقَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقَوْلِهِ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فَإنَّ لَفْظَ الأُمَّةِ ولَفْظَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ لا يُمْكِنُ تَوْزِيعُهُ عَلى أفْرادِ الأُمَّةِ، وأفْرادِ المُؤْمِنِينَ، بِخِلافِ لَفْظِ السّابِقِينَ فَإنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِن السّابِقِينَ. وَأيْضًا فالآيَةُ تَعُمُّ اتِّباعَهم مُجْتَمِعِينَ ومُنْفَرِدِينَ في كُلِّ مُمْكِنٍ؛ فَمَن اتَّبَعَ جَماعَتَهم إذا اجْتَمَعُوا واتَّبَعَ آحادَهم فِيما وجَدَ عَنْهم مِمّا لَمْ يُخالِفْهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنهم فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ اتَّبَعَ السّابِقِينَ، أمّا مَن خالَفَ بَعْضَ السّابِقِينَ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ " اتَّبَعَ السّابِقِينَ " لِوُجُودِ مُخالَفَتِهِ لِبَعْضِهِمْ، لا سِيَّما إذا خالَفَ هَذا مَرَّةً، وهَذا مَرَّةً، وبِهَذا يَظْهَرُ الجَوابُ عَنْ اتِّباعِهِمْ إذا اخْتَلَفُوا؛ فَإنَّ اتِّباعَهم هُناكَ قَوْلُ بَعْضِ تِلْكَ الأقْوالِ بِاجْتِهادٍ واسْتِدْلالٍ، إذْ هم مُجْتَمِعُونَ عَلى تَسْوِيَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأقْوالِ لِمَن أدّى اجْتِهادُهُ إلَيْهِ، فَقَدْ قَصَدَ اتِّباعَهم أيْضًا، أمّا إذا قالَ الرَّجُلُ قَوْلًا، ولَمْ يُخالِفْهُ غَيْرُهُ فَلا يَعْلَمُ أنَّ السّابِقِينَ سَوَّغُوا خِلافَ ذَلِكَ القَوْلِ، وأيْضًا فالآيَةُ تَقْتَضِي اتِّباعَهم مُطْلَقًا. فَلَوْ فَرَضْنا أنَّ الطّالِبَ وقَفَ عَلى نَصٍّ يُخالِفُ قَوْلَ الواحِدِ مِنهم فَقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَوْ ظَفِرَ بِذَلِكَ النَّصِّ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ، أمّا إذا رَأيْنا رَأْيًا فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ ذَلِكَ الرَّأْيِ، وأيْضًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ اتِّباعُهم إلّا فِيما أجْمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّهم لَمْ يَحْصُلْ اتِّباعُهم إلّا فِيما قَدْ عَلِمَ أنَّهُ مِن دِينِ الإسْلامِ بِالِاضْطِرارِ؛ لِأنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ خَلْقٌ عَظِيمٌ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّهم أجْمَعُوا إلّا عَلى ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ هَذا الوَجْهُ هو الَّذِي قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلانُهُ؛ إذْ الِاتِّباعُ في ذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وأيْضًا فَجَمِيعُ السّابِقِينَ قَدْ ماتَ مِنهم أُناسٌ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحِينَئِذٍ فَلا يَحْتاجُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى اتِّباعِهِمْ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَوْ فَرَضْنا أحَدًا يَتَّبِعُهم إذْ ذاكَ لَكانَ مِن السّابِقِينَ، فَحاصِلُهُ أنَّ التّابِعِينَ لا يُمْكِنُهم اتِّباعُ جَمِيعِ السّابِقِينَ، وأيْضًا فَإنَّ مَعْرِفَةَ قَوْلِ جَمِيعِ السّابِقِينَ كالمُتَعَذَّرِ، فَكَيْفَ يُتَّبَعُونَ كُلُّهم في شَيْءٍ لا يَكادُ يُعْلَمُ؟ وَأيْضًا فَإنَّهم إنّما اسْتَحَقُّوا مَنصِبَ الإمامَةِ والِاقْتِداءِ بِهِمْ بِكَوْنِهِمْ هم السّابِقِينَ، وهَذِهِ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهم إمامًا لِلْمُتَّقِينَ كَما اسْتَوْجَبَ الرِّضْوانَ والجَنَّةَ. (فَصْلٌ) وَأمّا قَوْلُهُ " لَيْسَ فِيها ما يُوجِبُ اتِّباعُهم " فَنَقُولُ: الآيَةُ تَقْتَضِي الرِّضْوانَ عَمَّنْ اتَّبَعَهم بِإحْسانٍ، وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القَوْلَ في الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرامٌ؛ فَلا يَكُونُ اتِّباعُهم قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ قَوْلًا بِعِلْمٍ، وهَذا هو المَقْصُودُ، وحِينَئِذٍ فَسَواءٌ يُسَمّى تَقْلِيدًا أوْ اجْتِهادًا، وأيْضًا فَإنْ كانَ تَقْلِيدُ العالِمُ لِلْعالِمِ حَرامًا كَما هو قَوْلُ الشّافِعِيَّةُ والحَنابِلَةُ فاتِّباعُهم لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ لِأنَّهُ مَرَضِيٌّ، وإنْ كانَ تَقْلِيدُهم جائِزًا أوْ كانَ تَقْلِيدُهم مُسْتَثْنًى مِن التَّقْلِيدِ المُحَرَّمِ فَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنّ تَقْلِيدَ العُلَماءِ مِن مُوجِباتِ الرِّضْوانِ؛ فَعُلِمَ أنَّ تَقْلِيدَهم خارِجٌ عَنْ هَذا، لِأنَّ تَقْلِيدَ العالِمِ، وإنْ كانَ جائِزًا فَتَرَكَهُ إلى قَوْلِ غَيْرِهِ أوْ إلى اجْتِهادٍ جائِزٌ أيْضًا بِالِاتِّفاقِ، والشَّيْءُ المُباحُ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّضْوانُ، وأيْضًا فَإنَّ رِضْوانَ اللَّهِ غايَةُ المَطالِبِ الَّتِي لا تُنالُ إلّا بِأفْضَلِ الأعْمالِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّقْلِيدَ الَّذِي يَجُوزُ خِلافُهُ لَيْسَ بِأفْضَلِ الأعْمالِ، بَلْ الِاجْتِهادُ أفْضَلُ مِنهُ، فَعُلِمَ أنَّ اتِّباعَهم هو أفْضَلُ ما يَكُونُ في مَسْألَةٍ اخْتَلَفُوا فِيها هم ومَن بَعْدَهُمْ، وأنَّ اتِّباعَهم دُونَ مَن بَعْدَهم هو المُوجِبُ لِرِضْوانِ اللَّهِ؛ فَلا رَيْبَ أنَّ رُجْحانَ أحَدِ القَوْلَيْنِ يُوجِبُ اتِّباعَهُ. [وَقَوْلُهم أرْجَحُ] بِلا شَكٍّ، ومَسائِلُ الِاجْتِهادِ لا يَتَخَيَّرُ الرَّجُلُ فِيها بَيْنَ القَوْلَيْنِ، وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ أثْنى عَلى الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ، والتَّقْلِيدُ وظِيفَةُ العامَّةِ، فَأمّا العُلَماءُ فَإمّا أنْ يَكُونَ مُباحًا لَهم أوْ مُحَرَّمًا؛ إذْ الِاجْتِهادُ أفْضَلُ مِنهُ لَهم بِغَيْرِ خِلافٍ، وهو واجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ أُرِيدَ بِاتِّباعِهِمْ التَّقْلِيدُ الَّذِي يَجُوزُ خِلافَهُ لَكانَ لِلْعامَّةِ في ذَلِكَ النَّصِيبُ الأوْفى، وكانَ حَظُّ عُلَماءِ الأُمَّةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أبْخَسَ الحُظُوظِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا فاسِدٌ، وأيْضًا فالرِّضْوانُ عَمَّنْ اتَّبَعَهم دَلِيلٌ عَلى أنَّ اتِّباعَهم صَوابٌ لَيْسَ بِخَطَإٍ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ خَطَأٌ لَكانَ غايَةُ صاحِبِهِ أنْ يُعْفى لَهُ عَنْهُ، فَإنَّ المُخْطِئَ إلى أنْ يُعْفى عَنْهُ أقْرَبُ مِنهُ إلى أنْ يَرْضى عَنْهُ، وإذا كانَ صَوابًا وجَبَ اتِّباعُهُ؛ لِأنَّ خِلافَ الصَّوابِ خَطَأٌ، والخَطَأُ يَحْرُمُ اتِّباعُهُ إذا عُلِمَ أنَّهُ خَطَأٌ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ خَطَأٌ يَكُونُ الصَّوابُ خِلافَهُ، وأيْضًا فَإذا كانَ اتِّباعُهم مُوجِبٌ الرِّضْوانَ لَمْ يَكُنْ تَرْكُ اتِّباعِهِمْ مُوجِبٌ الرِّضْوانَ؛ لِأنَّ الجَزاءَ لا يَقْتَضِيه وُجُودُ الشَّيْءِ وضِدُّهُ ولا وُجُودُهُ وعَدَمُهُ؛ لِأنَّهُ يَبْقى عَدِيمَ الأثَرِ في ذَلِكَ الجَزاءِ، وإذا كانَ في المَسْألَةِ قَوْلانِ أحَدُهُما يُوجِبُ الرِّضْوانَ والآخَرُ لا يُوجِبُهُ كانَ الحَقُّ ما يُوجِبُهُ، وهَذا هو المَطْلُوبُ، وأيْضًا فَإنَّ طَلَبَ رِضْوانِ اللَّهِ واجِبٌ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُوجَدْ رِضْوانُهُ فَإمّا سَخَطُهُ أوْ عَفْوُهُ، والعَفْوُ إنّما يَكُونُ مَعَ انْعِقادِ سَبَبِ الخَطِيئَةِ، وذَلِكَ لا تُباحُ مُباشَرَتُهُ إلّا بِالنَّصِّ، وإذا كانَ رِضْوانُهُ إنّما هو في اتِّباعِهِمْ، واتِّباعُ رِضْوانِهِ واجِبٌ، كانَ اتِّباعُهم واجِبًا، وأيْضًا فَإنَّهُ إنّما أثْنى عَلى المُتَّبِعِ بِالرِّضْوانِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالوُجُوبِ؛ لِأنَّ إيجابَ الِاتِّباعِ يَدْخُلُ في الِاتِّباعِ في الأفْعالِ، ويَقْتَضِي تَحْرِيمَ مُخالَفَتِهِمْ مُطْلَقًا، فَيَقْتَضِي ذَمَّ المُخْطِئِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، أمّا الأقْوالُ فَلا وجْهَ لِمُخالَفَتِهِمْ فِيها بَعْدَما ثَبَتَ أنَّ فِيها رِضا اللَّهِ تَعالى وأيْضًا فَإنَّ القَوْلَ إذا ثَبَتَ أنَّ فِيهِ رِضا اللَّهِ لَمْ يَكُنْ رِضا اللَّهِ في ضِدِّهِ، بِخِلافِ الأفْعالِ فَقَدْ يَكُونُ رِضا اللَّهِ في الأفْعالِ المُخْتَلِفَةِ وفي الفِعْلِ والتَّرْكِ بِحَسَبِ قَصْدَيْنِ وحالَيْنِ، أمّا الِاعْتِقاداتُ والأقْوالُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ في قَوْلِهِمْ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ الحَقُّ والصَّوابُ إلّا هُوَ؛ فَوَجَبَ اتِّباعُهُ. فَإنْ قِيلَ: السّابِقُونَ هم الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ، أوْ هم أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ ومَن قَبْلَهُمْ، فَما الدَّلِيلُ عَلى اتِّباعِ مَن أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: إذا ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّباعِ أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَهو أكْبَرُ المَقْصُودِ، عَلى أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، وكُلُّ الصَّحابَةِ سابِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بَعْدَهم.

التوبة 9:101

(فائدة بديعة) قولهم: "عرفت كذا" أصل وضعها لتمييز الشيء وتعيينه حتى يظهر للذهن منفردا عن غيره وهذه المادة تقتضي العلو والظهور كعرف الشيء لأعلاه ومنه الأعراف ومنه عرف الديك. وأما (علمت) فموضوعة للمركبات لا لتمييز المعاني المفردة ومعنى التركيب فيها إضافة الصفة إلى المحل وذلك أنك تعرف زيدا على حدته وتعرف معنى القيام على حدته ثم تضيف القيام إلى زيد فإضافة القيام إلى زيد هو التركيب وهو متعلق العلم. فإن قلت: علمت فمطلوبها ثلاثة معان محل وصفة وإضافة الصفة إلى المحل وهن ثلاث معلومات إضافة العلم لله لا المعرفة إذا عرفت هذا فقال بعض المتكلمين: لا يضاف إلى الله سبحانه إلا العلم لا المعرفة لأن علمه متعلق بالأشياء كلها مركبها ومفردها تعلقا واحدا بخلاف علم المحدثين فإن معرفتهم بالشيء المفرد وعلمهم به غير علمهم ومعرفتهم لشيء آخر وهذا بناء منه على أن الله تعالى يعلم المعلومات كلها بعلم واحد وأن علمه بصدق رسول الله ﷺ هو عين علمه بكذب مسيلمة الكذاب والذي عليه محققو النظار خلاف هذا القول وأن العلوم متكثرة متغايرة بتكثر المعلومات وتغايرها فلكل معلوم علم يخصه ولإبطال قول أولئك وذكر الأدلة الراجحة على صحة قول هؤلاء مكان هو أليق به وعلى هذا فالفرق بين إضافة العلم إليه تعالى وعدم إضافة المعرفة لا ترجع إلى الإفراد والتركيب في متعلق العلم وإنما ترجع إلى نفس المعرفة ومعناها فإنها في مجاري استعمالها إنما تستعمل فيما سبق تصوره من نسيان أو ذهول أو عزوف عن القلب فإذا تصور وحصل في الذهن قيل عرفه أو وصف له صفته ولم يره فإذا رآه بتلك الصفة وتعينت فيه قيل عرفه ألا ترى أنك إذا غاب عنك وجه الرجل ثم رأيته بعد زمان فتبينت أنه هو قلت عرفته وكذلك عرفت اللفظة وعرفت الديار وعرفت المنزل وعرفت الطريق " وسر المسألة" أن المعرفة لتمييز ما اختلط فيه المعروف بغيره فاشتبه فالمعرفة تمييز له وتعيين ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ فإنهم كان عندهم من صفته قبل أن يروه ما طابق شخصه عند رؤيته وجاء كما يعرفون أبناءهم من باب ازدواج الكلام وتشبيه أحد اليقينين بالآخر فتأمله. وقد بسطنا هذا في كتاب (التحفة المكية) وذكرنا فيها من الأسرار والفوائد ما لا يكاد يشتمل عليه مصنف. وأما ما زعموا من قولهم إن (علمت) قد يكون بمعنى (عرفت) واستشهادهم بنحو قوله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ وبقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فالذي دعاهم إلى ذلك أنهم رأوا (علمت) قد تعدت إلى مفعول واحد وهذا هو حقيقة العرفان فاستشهاد ظاهر على أنه قد قال بعض الناس أن تعدي فعل العلم في هذه الآيات وأمثالها إلي مفعول واحد لا يخرجها عن كونها علما على الحقيقة فإنها لا تتعدى إلى مفعول واحد على نحو تعدى (عرفت) ولكن على جهة الحذف والاختصار فقوله: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا تنفي عنه معرفة أعيانهم وأسمائهم وإنما تنفي عنه العلم بعدوانهم ونفاقهم وما تقدم من الكلام يدلك على ذلك وكذلك قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فربما كانوا يعرفونهم ولا يعلمونهم أعداء لهم فيتعلق العلم بالصفة المضافة إلى الموصوف لا بعينه وذاته قال هذا وإنما مثل من يقول إن علمت بمعنى عرفت من أجل أنها متعدية إلى مفعول واحد في اللفظ كمثل من يقول إن سألت يتعدى إلى غير العقلاء بقولهم: "سألت الحائط وسألت الدار" ويحتج بقوله: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ قال: وإنما هذا جهل بالمجاز والحذف وكذلك ما تقدم وليس ما قاله هؤلاء بقوى فإن الله سبحانه نفى عن رسوله معرفة أعيان أولئك المنافقين هذا صريح اللفظ وإنما جاء نفي معرفة نفاقهم من جهة اللزوم فهو ﷺ كان يعلم وجود النفاق في أشخاص معينين وهو موجود في غيرهم ولا يعرف أعيانهم وليس المراد أن أشخاصهم كانت معلومة له معروفة عنده وقد انطووا على النفاق وهو لا يعلم ذلك فيهم فإن اللفظ لم يدل على ذلك بوجه والظاهر بل المتعين أنه ﷺ لو عرف أشخاصهم لعرفهم بسيماهم وفي لحن القول ولم يكن يخفى عليه نفاق من يظهر له الإسلام ويبطن عداوته وعداوة الله عز وجل والذي يزيد هذا وضوحا الآية الأخرى فإن قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ فيهم قولان: أحدهما: أنهم الجن المظاهرون لأعدائهم من الإنس على محاربة الله ورسوله وعلى هذا فالآية نص في أن العلم فيها بمعنى المعرفة ولا يمكن أن يقال إنهم كانوا عارفين بأشخاص أولئك جاهلين عداوتهم كما أمكن مثله في الإنس. والقول الثاني: أنهم المنافقون وعلى هذا فقوله ﴿لا تعلمونهم﴾ إنما ينبغي حمله على معرفة أشخاصهم لا على معرفة نفاقهم لأنهم كانوا عالمين بنفاق كثير من المنافقين يعلمون نفاقهم ولا يشكون فيه فلا يجوز أن ينفي عنهم علم ما هم عالمون به وإنما ينفي عنهم معرفة أشخاص من هذا الضرب فيكون كقوله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ فتأمله. ويزيده وضوحا أن هذه الأفعال لا يجوز فيها الاقتصار على أحد المفعولين بخلاف باب أعطى وكسا للعلة المذكورة هناك وهي تعلق هذه الأفعال بالنسبة فلا بد من ذكر المنتسبين بخلاف باب أعطى فإنه لم يتعلق بنسبة فيصح الاقتصار فيه على أحد مفعولين وهذا واضح كما تراه والله تعالى أعلم. وأما تنظيرهم ل سألت الحائط والدار فيما بعد ما بينهما فإن هذا سؤال بلسان الحال وهو كثير في كلامهم جدا على أنه لا يمتنع أن يكون سؤالا بلسان المقال صريحا كما يقول الرجل للدار الخربة ليت شعري ما فعل أهلك، وليت شعري ما صيرك إلى هذه الحال؟ وليس هذا سؤال استعلام بل سؤال تعجب وتفجع وتحزن. وأما قوله ﴿واسأل القرية﴾ فالقرية إن كانت هنا اسما للسكان كما هو المراد بها في أكثر القرآن الكريم والكلام فلا مجاز ولا حذف وإن كان المراد بها المسكن فعلى حذف المضاف فأين التسوية والتنظير.

التوبة 9:102

(فائدة) إذا أرادَ الله بِعَبْد خيرا جعله معترفا بِذَنبِهِ ممسكا عَن ذَنْب غَيره جوادا بِما عِنْده زاهدا فِيما عِنْده مُحْتملا لأذى غَيره. وَإن أرادَ بِهِ شرا عكس ذَلِك عَلَيْهِ. الهمّة العليّة لا تزال حائمة حول ثَلاثَة أشْياء: تعرف لصفة من الصِّفات العليا تزداد بمعرفتها محبَّة، وإرادَة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكرًا وطاعة، وتذكر لذنب تزداد بتذكره تَوْبَة وخشية، فَإذا تعلّقت الهمّة بسوى هَذِه الثَّلاثَة جالت في أوديَة الوساوس والخطرات.

التوبة 9:103

(فائدة) وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى؛ فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره، فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه، ومنع ما يضره، فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو، ولا يتم صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن، وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر يسير لا يحصله به تمام المقصود، وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين، فحينئذ يقال: زكا الزرع وكمل. ولما كانت حياته ونعيمه لا تتم إلا بزكاته وطهارته لم يكن بد من ذكر هذا وهذا، فنقول: الزكاة في اللغة: هي النماء والزيادة في الصلاح، وكمال الشيء، يقال: زكا الشيء إذا نما، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣]. فجمع بين الأمرين: الطهارة والزكاة، لتلازمهما. فإن نجاسة الفواحش والمعاصي في القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن، وبمنزلة الدغل في الزرع، وبمنزلة الخبث في الذهب والفضة والنحاس والحديد، فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت، فعملت عملها بلا معوق ولا ممانع، فنما البدن، فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه، فتخلصت إرادة القلب وإرادته للخير، فاستراح من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة: زكا ونما، وقوى واشتد، وجلس على سرير ملكه، ونفذ حكمه في رعيته، فسمعت له وأطاعت. فلا سبيل له إلى زكاته إلا بعد طهارته كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يغُضُّوا مِن أبْصارِهْمِ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذلِكَ أزْكى لَهم إنّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج. (فصل: المراد بالصلاة) أصل هذه اللفظة في اللغة يرجع إلى معنيين. أحدهما: الدعاء والتبريك. والثاني العبادة. فمن القول الأول: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا، ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ وقول النبي ﷺ: «إذا دعي أحدكم إلى الطعام فليجب، فإن كان صائما فليصل» فسر بهما «١». قيل: فليدع لهم بالبركة، وقيل: يصلي عندهم بدل أكله. وقيل: إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء. والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. والعابد داع، كما أن السائل داع. وبهما فسر قوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قيل: أطيعوني أثبكم. وقيل: سلوني أعطكم. وفسر بهما قوله تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾. والصواب أن الدعاء يعم النوعين، وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه. فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ والصحيح من القولين: لولا أنكم تدعونه وتعبدونه، أيّ شيء يعبؤه بكم لولا عبادتكم إياه. فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ. ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها، وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾. وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول من موضعه في اللغة. فيكون حقيقة شرعية، أو مجازا شرعيا؟ فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة، وهو الدعاء. والدعاء دعاء عبادة ودعاء مسألة. والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازا، ولا منقولة، لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوها. فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه ولهذا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصلي والله أعلم. (فصل) هذه الصلاة من الآدمي. وأما صلاة الله سبحانه على عباده فنوعان: عامة وخاصة. أما العامة: فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ ومنه دعاء النبي ﷺ بالصلاة وعلى آحاد المؤمنين كقوله: «اللهم صل على آل أبي أوفى» وفي حديث آخر: «أن امرأة قالت له: صلّ عليّ وعلى زوجي. قال: صلّى الله عليك وعلى زوجك». النوع الثاني صلاته الخاصة: على أنبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد ﷺ. فاختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال. أحدها: أنها رحمة. قال إسماعيل: حدثنا نصر بن علي قال حدثنا محمد بن سوار عن جويبر عن الضحاك قال «صلاة الله رحمته وصلاة الملائكة الدعاء». وقال المبرد: أصل الصلاة الرحمة، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رحمة واستدعاء الرحمة من الله. وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين. والقول الثاني: أن صلاة مغفرته. قال إسماعيل حدثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا محمد بن سوار عن جويبر عن الضحاك «هو الذي يصلي عليكم، قال: صلاة الله مغفرته. وصلاة الملائكة الدعاء». وهذا القول هو من جنس الذي قبله. وهما ضعيفان لوجوه. أحدها: أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته. فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ فعطف الرحمة على الصلاة: فاقتضى ذلك تغايرهما. هذا أصل العطف. وأما قولهم: وألفى قولها كذبا ومينا فهو شاذ نادر، لا يحمل عليه أفصح الكلام، مع أن المين أخص من الكذب. الوجه الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين. وأما رحمته فوسعت كل شيء. فليست الصلاة مرادفة للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها. فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمراتها ومقصودها. وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن. والرسول ﷺ يفسر اللفظة بلوازمها وجزء معناها لتفسير الريب بالشك. والشك جزء من الريب. وتفسير المغفرة بالستر، فهو جزء من مسمي المغفرة. وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان. وهو لازم الرحمة. ونظائر ذلك كثيرة قد ذكرناها في أصول التفسير. الوجه الثالث: أنه لا خلاف في جواز الرحمة على المؤمنين. واختلف السلف والخلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء على ثلاثة أقوال، سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. فعلم أنهما ليسا بمترادفين. الوجه الرابع: أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها، إذا قال: اللهم ارحم محمدا وآل محمد. وليس الأمر كذلك. الوجه الخامس: أنه لا يقال عن رحم غيره ورق عليه فأطعمه أو سقاه أو كساه أنه صلّى عليه. ويقال: إنه قد رحمه. الوجه السادس: أن الإنسان قد يرحم من يبغضه ويعاديه، فيجد في قلبه له رحمة، ولا يصلي عليه. الوجه السابع: أن الصلاة لا بد فيها من كلام. فهي ثناء من المصلي على من يصلي عليه، وتنويه به وإشادة بمحاسنه وما فيه وذكره. ذكر البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال «صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة» وقال إسماعيل في كتابه حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا خالد بن يزيد عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية «ان الله وملائكته يصلون على النبي قال: صلاة الله عز وجل ثناؤه عليه، وصلاة الملائكة عليه: الدعاء». الوجه الثامن: أن الله سبحانه فرق بين صلاته وصلاة ملائكته وجمعها في فعل واحد. وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة. وإنما هي ثناؤه سبحانه وثناء ملائكته عليه. ولا يقال: الصلاة لفظ مشترك، ويجوز أن يستعمل في معنييه معا. لأن في ذلك، محاذير متعددة. أحدها: أن الاشتراك خلاف الأصل، بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نص على ذلك أئمة اللغة: منهم المبرد وغيره. وإنما يقع وقوعا عارضا اتفاقيا، بسبب تعدد الواضعين. ثم تختلط اللغة فيعرض الاشتراك. الثاني: أن الأكثرين لا يجوزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه، لا بطريق الحقيقة، ولا بطريق المجاز وما حكي عن الشافعي من تجويزه ذلك فليس بصحيح عنه. وإنما أخذ من قوله: إذا أوصى لمواليه، وله موال من فوق ومن أسفل تناول جميعهم. فظن من ظن أن لفظ المولى مشترك بينهما، وأنه عند التجرد يحمل عليهما. وهذا ليس بصحيح. فإن لفظ المولى من الألفاظ المتواطئة فالشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ. وهو عنده عام متواطئ لا مشترك. وأما ما حكى عن الشافعي أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قد قيل له: وقد يراد بالملامسة الجامعة. فقال: هي محمولة على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا فهذا لا يصح عن الشافعي، ولا هو من جنس المألوف من كلامه. وإنما هذا من كلام بعض الفقهاء المتأخرين. وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المشترك في معنييه معا في بضعة عشر دليلا في مسألة القرء من كتاب التعليق على الأحكام. فإذا كان معنى الصلاة هو الثناء على الرسول والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو المعروف من هذه اللفظة، لم يكن الصلاة في الآية مشتركا محمولا على معنييه، بل يكون مستعملا في معنى واحد. وهذا هو الأصل في الألفاظ وسنعود إن شاء الله تعالى إلى هذه المسألة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾.

التوبة 9:109

(فصل) من أرادَ علو بُنْيانه فَعَلَيهِ بتوثيق أساسه وإحكامه وشدَّة الاعتناء بِهِ، فَإن علو البُنيان على قدر تَوْثِيق الأساس وإحكامه فالأعمال والدرجات بُنيان وأساسها الإيمان ومَتى كانَ الأساس وثيقا حمل البُنيان واعتلى عَلَيْهِ وإذا تهدم شَيْء من البُنيان سهل تَدارُكه وإذا كانَ الأساس غير وثيق لم يرْتَفع البُنيان ولم يثبت وإذا تهدم شَيْء من الأساس سقط البُنيان أو كاد فالعارف همّته تَصْحِيح الأساس وإحكامه والجاهِل يرفع في البناء عَن غير أساس فَلا يلبث بُنْيانه أن يسْقط قالَ تَعالى ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ فالأساس لبِناء الأعْمال كالقوة لبدن الإنْسان فَإذا كانَت القُوَّة قَوِيَّة حملت البدن ودفعت عَنهُ كثيرا من الآفات وإذا كانَت القُوَّة ضَعِيفَة ضعف حملها للبدن وكانَت الآفات إلَيْهِ أسْرع شَيْء. فاحمل بنيانك على قُوَّة أساس الإيمان فَإذا تشعث شَيْء من أعالي البناء وسطحه كانَ تَدارُكه أسهل عَلَيْك من خراب الأساس وهَذا الأساس أمْرانِ صِحَة المعرفَة بِالله وأمره وأسمائه وصِفاته والثّانِي تَجْرِيد الانقياد لَهُ ولِرَسُولِهِ دون ما سواهُ فَهَذا أوثق أساس أسس العَبْد عَلَيْهِ بُنْيانه وبحسبه يعتلي البناء ما شاءَ فاحكم الأساس واحفظ القُوَّة ودم على الحمية واستفرغ إذا زاد بك الخَلْط والقَصْد القَصْد وقد بلغت المُراد وإلّا فَما دامَت القُوَّة ضَعِيفَة والمادة الفاسِدَة مَوْجُودَة والاستفراغ مَعْدُوما ؎فاقر السَّلام على الحَياة فَإنَّها ∗∗∗ قد آذنتك بِسُرْعَة التوديع فَإذا كمل البناء فبيضه بِحسن الخلق والإحْسان إلى النّاس ثمَّ حطه بسور من الحذر لا يقتحمه عَدو ولا تبدو مِنهُ العَوْرَة ثمَّ ارخ الستور على أبوابه ثمَّ أقفل الباب الأعْظَم بِالسُّكُوتِ عَمّا تخشى عاقبته ثمَّ ركب لَهُ مفتاحا من ذكر الله بِهِ تفتحه وتغلقه فَإن فتحت فتحت بالمفتاح وإن أغلقت الباب أغلقته بِهِ فَتكون حِينَئِذٍ قد بنيت حصنا تحصنت فِيهِ من أعدائك إذا طاف بِهِ العَدو لم يجد مِنهُ مدخلًا فييأس مِنك ثمَّ تعاهد بِناء الحصن كل وقت فَإن العَدو إذا لم يطْمع في الدُّخُول من الباب نقّب عَلَيْك النقوب من بعيد بمعاول الذُّنُوب فَإن أهملت أمره وصل إلَيْك النقب فَإذا العَدو مَعَك في داخل الحصن فيصعب عَلَيْك إخْراجه وتَكون مَعَه على ثَلاث خلال إمّا أن يَغْلِبك على الحصن ويستولي عَلَيْهِ وإمّا أن يساكنك فِيهِ وإمّا أن يشغلك بمقابلته عَن تَمام مصلحتك وتعود إلى سد النقب ولم شعث الحصن وإذا دخل نقبه إلَيْك نالك مِنهُ ثَلاث آفات إفْساد الحصن والإغارة على حواصله وذخائره ودلالَة السراق من بني جنسه على عَوْرَته فَلا يزال يبْلى مِنهُ بغارة حَتّى يضعفوا قواه ويوهنوا عزمه فيتخلى عَن الحصن ويخلي بَينهم وبَينه. وَهَذِه حال أكثر النُّفُوس مَعَ هَذا العَدو ولِهَذا تراهم يسخطون رَبهم بِرِضا أنفسهم بل بِرِضا مَخْلُوق مثلهم لا يملك لَهُم ضرا ولا نفعا ويضيعون كسب الدّين بكسب الأمْوال ويهْلِكُونَ أنفسهم بِما لا يبْقى لَهُم ويحرصون على الدُّنْيا وقد أدْبَرت عَنْهُم ويزهدون في الآخِرَة وقد هجمت عَلَيْهِم ويخالفون رَبهم باتّباع أهوائهم ويتكلون على الحَياة ولا يذكرُونَ المَوْت ويذكرون شهواتهم وحظوظهم وينسون ما عهد الله إلَيْهِم ويهتمون بِما ضمنه الله ولا يهتمون بِما أمرهم بِهِ ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فَوات حظهم مِنها ولا يَحْزَنُونَ على فَوات الجنَّة وما فِيها ولا يفرحون بِالإيمان فَرَحهمْ بالدرهم والدِّينار ويفسدون حَقهم وهداهم بضلالهم ومعروفهم بمنكرهم ويلبسوا إيمانهم بظنونهم ويخلطون حلالهم بحرامهم ويترددون في حيرة آرائهم وأفكارهم ويتركون هدى الله الَّذِي أهداه إلَيْهِم ومن العجب أن هَذا العَدو يسْتَعْمل صاحب الحصن في هدم حصنه بيدَيْهِ.

التوبة 9:110

(فصل) التَّوْبَةُ المَقْبُولَةُ الصَّحِيحَةُ لَها عَلاماتٌ. مِنها: أنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِمّا كانَ قَبْلَها. وَمِنها: أنَّهُ لا يَزالُ الخَوْفُ مُصاحِبًا لَهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَخَوْفُهُ مُسْتَمِرٌّ إلى أنْ يَسْمَعَ قَوْلَ الرُّسُلِ لِقَبْضِ رُوحِهِ ﴿أنْ لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] فَهُناكَ يَزُولُ الخَوْفُ. وَمِنها: انْخِلاعُ قَلْبِهِ، وتَقَطُّعُهُ نَدَمًا وخَوْفًا، وهَذا عَلى قَدْرِ عِظَمِ الجِنايَةِ وصِغَرِها، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] قالَ: تَقَطُّعُها بِالتَّوْبَةِ، ولا رَيْبَ أنَّ الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِنَ العُقُوبَةِ العَظِيمَةِ يُوجِبُ انْصِداعَ القَلْبِ وانْخِلاعَهُ، وهَذا هو تَقَطُّعُهُ، وهَذا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ يَتَقَطَّعُ قَلْبُهُ حَسْرَةً عَلى ما فَرَطَ مِنهُ، وخَوْفًا مِن سُوءِ عاقِبَتِهِ، فَمَن لَمْ يَتَقَطَّعْ قَلْبُهُ في الدُّنْيا عَلى ما فَرَّطَ حَسْرَةً وخَوْفًا، تَقَطَّعَ في الآخِرَةِ إذا حَقَّتِ الحَقائِقُ، وعايَنَ ثَوابَ المُطِيعِينَ، وعِقابَ العاصِينَ، فَلا بُدَّ مِن تَقَطُّعِ القَلْبِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ. وَمِن مُوجِباتِ التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ أيْضًا: كَسْرَةٌ خاصَّةٌ تَحْصُلُ لِلْقَلْبِ لا يُشْبِهُها شَيْءٌ، ولا تَكُونُ لِغَيْرِ المُذْنِبِ، لا تَحْصُلُ بِجُوعٍ، ولا رِياضَةٍ، ولا حُبٍّ مُجَرَّدٍ، وإنَّما هي أمَرٌّ وراءَ هَذا كُلِّهِ، تَكْسِرُ القَلْبَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ كَسْرَةً تامَّةً، قَدْ أحاطَتْ بِهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، وألْقَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ طَرِيحًا ذَلِيلًا خاشِعًا، كَحالِ عَبْدٍ جانٍ آبِقٍ مِن سَيِّدِهِ، فَأُخِذَ فَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَمْ يَجِدْ مَن يُنْجِيهِ مِن سَطْوَتِهِ، ولَمْ يَجِدْ مِنهُ بُدًّا ولا عَنْهُ غَناءً، ولا مِنهُ مَهْرَبًا، وعَلِمَ أنَّ حَياتَهُ وسَعادَتَهُ وفَلاحَهُ ونَجاحَهُ في رِضاهُ عَنْهُ، وقَدْ عَلِمَ إحاطَةَ سَيِّدِهِ بِتَفاصِيلِ جِناياتِهِ، هَذا مَعَ حُبِّهِ لِسَيِّدِهِ، وشِدَّةِ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وعِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ وقُوَّةِ سَيِّدِهِ، وذُلِّهِ وعِزِّ سَيِّدِهِ. فَيَجْتَمِعُ مِن هَذِهِ الأحْوالِ كَسْرَةٌ وذِلَّةٌ وخُضُوعٌ، ما أنْفَعَها لِلْعَبْدِ وما أجْدى عائِدَتَها عَلَيْهِ! وما أعْظَمَ جَبْرَهُ بِها، وما أقْرَبَهُ بِها مِن سَيِّدِهِ! فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى سَيِّدِهِ مِن هَذِهِ الكَسْرَةِ، والخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ، والإخْباتِ، والِانْطِراحِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والِاسْتِسْلامِ لَهُ، فَلَلَّهِ ما أحْلى قَوْلَهُ في هَذِهِ الحالِ: أسْألُكَ بِعِزِّكَ وذُلِّي إلّا رَحِمْتَنِي، أسْألُكَ بِقُوَّتِكَ وضَعْفِي، وبِغِناكَ عَنِّي وفَقْرِي إلَيْكَ، هَذِهِ ناصِيَتِي الكاذِبَةُ الخاطِئَةُ بَيْنَ يَدَيْكَ، عَبِيدُكَ سِوايَ كَثِيرٌ، ولَيْسَ لِي سَيِّدٌ سِواكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنكَ إلّا إلَيْكَ، أسْألُكَ مَسْألَةَ المِسْكِينِ، وأبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتِهالَ الخاضِعِ الذَّلِيلِ، وأدْعُوكَ دُعاءَ الخائِفِ الضَّرِيرِ، سُؤالَ مَن خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، ورَغِمَ لَكَ أنْفُهُ، وفاضَتْ لَكَ عَيْناهُ، وذَلَّ لَكَ قَلْبُهُ. ؎يا مَن ألُوذُ بِهِ فِيما أُؤَمِّلُهُ ∗∗∗ ومَن أعُوذُ بِهِ مِمّا أُحاذِرُهُ ؎لا يَجْبُرُ النّاسُ عَظْمًا أنْتَ كاسِرُهُ ∗∗∗ ولا يَهِيضُونَ عَظْمًا أنْتَ جابِرُهُ فَهَذا وأمْثالُهُ مِن آثارِ التَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ، فَمَن لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ في قَلْبِهِ فَلْيَتَّهِمْ تَوْبَتَهُ ولْيَرْجِعْ إلى تَصْحِيحِها، فَما أصْعَبَ التَّوْبَةَ الصَّحِيحَةَ بِالحَقِيقَةِ، وما أسْهَلَها بِاللِّسانِ والدَّعْوى! وما عالَجَ الصّادِقُ بِشَيْءٍ أشَقَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ الخالِصَةِ الصّادِقَةِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وَأكْثَرُ النّاسِ مِنَ المُتَنَزِّهِينَ عَنِ الكَبائِرِ الحِسِّيَّةِ والقاذُوراتِ في كَبائِرَ مِثْلِها أوْ أعْظَمَ مِنها أوْ دُونَها، ولا يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ أنَّها ذُنُوبٌ لِيَتُوبُوا مِنها، فَعِنْدَهم - مِنَ الإزْراءِ عَلى أهْلِ الكَبائِرِ واحْتِقارِهِمْ، وصَوْلَةِ طاعاتِهِمْ، ومِنَّتِهِمْ عَلى الخَلْقِ بِلِسانِ الحالِ، واقْتِضاءِ بَواطِنِهِمْ لِتَعْظِيمِ الخَلْقِ لَهم عَلى طاعاتِهِمْ، اقْتِضاءً لا يَخْفى عَلى أحَدٍ غَيْرِهِمْ، وتَوابِعِ ذَلِكَ - ما هو أبْغَضُ إلى اللَّهِ، وأبْعَدُ لَهم عَنْ بابِهِ مِن كَبائِرِ أُولَئِكَ، فَإنْ تَدارَكَ اللَّهُ أحَدَهم بِقاذُورَةٍ أوْ كَبِيرَةٍ يُوقِعُهُ فِيها لِيَكْسِرَ بِها نَفْسَهُ، ويُعَرِّفَهُ قَدْرَهُ، ويُذِلَّهُ بِها، ويُخْرِجَ بِها صَوْلَةَ الطّاعَةِ مَن قَلْبِهِ، فَهي رَحْمَةٌ في حَقِّهِ، كَما أنَّهُ إذا تَدارَكَ أصْحابَ الكَبائِرِ بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ، وإقْبالٍ بِقُلُوبِهِمْ إلَيْهِ، فَهو رَحْمَةٌ في حَقِّهِمْ، وإلّا فَكِلاهُما عَلى خَطَرٍ.

التوبة 9:111

(لطيفة) لو بعت لحظة من إقبالك على الله بمقدار عمر نوح في ملك قارون لكنت مغبونا في العقد. (فائدة: في تقديم الأنفس على الأموال) ويتعلق بهذا نوع آخر من التقديم لم يذكره السهيلي وهو تقديم الأموال على الأنفس في الجهاد حيث ما وقع في القرآن الكريم إلا في موضع واحد وهو قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأما سائر المواضع فقدم فيها المال نحو قوله: ﴿وَتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ وهو كثير فما الحكمة في تقديم المال على النفس وما الحكمة في تأخيره في هذا الموضع وحده؟ وهذا لم يتعرض له السهيلي رحمه الله. فيقال: أولا: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه فإن كان عاجزا وجب عليه أن يكتري بماله وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد والأدلة عليها أكثر من أن تذكر هنا. ومن تأمل أحوال النبي ﷺ وسيرته في أصحابه وأمرهم بإخراج أموالهم في الجهاد قطع بصحة هذا القول والمقصود تقديم المال في الذكر وأن ذلك مشعر بإنكار وهم من يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرا على أن يغزو بماله لا يجب عليه شيء فحيث ذكر الجهاد قدم ذكر المال فكيف يقال لا يجيب به ولو قيل إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس لكان هذا القول أصح من قول من قال لا يجب بالمال وهذا بين وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر وفائدة ثانية على تقدير عدم الوجوب وهي أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها فندب الله تعالى محبيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم ولا يكون في الوجود شيء أحب إليهم منه فإذا بذلوا محبوبهم في حبه نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها وهي بذل نفوسهم له فهذا غاية الحب فإن الإنسان لا شيء أحب إليه من نفسه فإذا أحب شيئا بذل له محبوبه من نفسه وماله فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضن بنفسه وآثرها على محبوبه هذا هو الغالب وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده فإذا أحس بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه فر وتركهم فلم يرض الله من محبيه بهذا بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتهم وأيضا فبذل النفس آخر المراتب فإن العبد يبذل ماله أولا يقي به نفسه فإذا لم يبق له ماله بذل نفسه فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقا للواقع. وأما قوله ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ فكان تقديم الأنفس هو الأولى لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد وهي السلعة التي استلمها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجنته فكانت هي المقصود بعقد الشراء والأموال تبع لها فإذا ملكها مشتريها ملك مالها فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه شيء فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها فحسن تقديم النفس على المال في هذه الآية حسنا لا مزيد عليه. [فصل: في عرض الرب تعالى سلعته الجنة على عباده وثمنها الذي طلبه منهم وعقد التبايع الذي وقع بين المؤمنين وبين ربهم] قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فجعل سبحانه ها هنا الجنة ثمنا لنفوس المؤمنين وأموالهم بحيث إذا بذلوها فيه استحقوا الثمن وعقد معهم هذا العقد وأكده بأنواع من التأكيد أحدها: إخبارهم سبحانه وتعالى بصيغة الخبر المؤكد بأداة (إنَّ). الثاني: الإخبار بذلك بصيغة الماضي الذي قد وقع وثبت واستقر. الثالث: إضافة هذا العقد إلى نفسه سبحانه وأنه هو الذي اشترى هذا المبيع. الرابع: أنه أخبر بأنه وعد بتسليم هذا الثمن وعدا لا يخلفه ولا يتركه. الخامس: أنه أتى بصيغة (على) التي للوجوب إعلاما لعباده بأن ذلك حق عليه أحقه هو على نفسه. السادس: أنه أكد ذلك بكونه حقا عليه. السابع: أنه أخبر عن محل هذا الوعد وأنه في أفضل كتبه المنزلة من السماء وهي التوراة والإنجيل والقرآن. الثامن: إعلامه لعباده بصيغة استفهام الإنكار وأنه لا أحد أوفى بعهده منه سبحانه. التاسع: أنه سبحانه وتعالى أمرهم أن يستبشروا بهذا العقد ويبشر به بعضهم بعضا بشارة من قد تم له العقد ولزم بحيث لا يثبت فيه خيار ولا يعرض له ما يفسخه. العاشر: أنه أخبرهم إخبارا مؤكدا بأن ذلك البيع الذي بايعوه به هو الفوز العظيم والبيع هاهنا بمعنى المبيع الذي أخذوه بهذا الثمن وهو الجنة. وقوله بايعتم به أي عاوضتم وثامنتم به. ثم ذكر سبحانه أن هذا العقد الذي وقع العقد وتم لهم دون غيرهم وهم التائبون مما يكره العابدون له بما يحب الحامدون له على ما يحبون وما يكرهون السائحون وفسرت السياحة بالصيام وفسرت بالسفر في طلب العلم وفسرت بالجهاد وفسرت بدوام الطاعة والتحقيق فيها أنها سياحة القلب في ذكر الله ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه ويترتب عليها كل ما ذكر من الأفعال ولذلك وصف الله سبحانه نساء النبي ﷺ اللاتي لو طلق أزواجه بدله بهن بأنهن سائحات وليست سياحتهن جهادا ولا سفرا في طلب علم ولا إدامة صيام وإنما هي سياحة قلوبهن في محبة الله تعالى وخشيته والإنابة إليه وذكره وتأمل كيف جعل الله سبحانه التوبة والعبادة قرينتين هذه ترك ما يكره وهذه فعل ما يحب والحمد والسياحة قرينتين هذا الثناء عليه بأوصاف كماله وسياحة اللسان في أفضل ذكره وهذه سياحة القلب في حبه وذكره وإجلاله كما جعل سبحانه العبادة والسياحة قرينتين في صفة الأزواج فهذه عبادة البدن وهذه عبادة القلب وجعل الإسلام والإيمان قرينتين فهذا علانية وهذا في القلب كما في المسند عنه ﷺ "الإسلام علانية والإيمان في القلب" وجعل القنوت والتوبة قرينتين هذا فعل ما يحب وهذا ترك ما يكره وجعل الثيوبة والبكارة قرينتين فهذه قد وطئت وارتاضت وذللت صعوبها وهذه روضة أنف لم يرتع فيها بعد وجعل الركوع والسجود قرينتين، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرينتين وأدخل بينهما الواو دون ما تقدم إعلاما بأن أحدهما لا يكفي حتى يكون مع الآخر وجعل ذلك قرينا لحفظ حدوده فهذا حفظها في نفس الإنسان وذلك أمر غيره بحفظها وأفهمت الآية خطر النفس الإنسانية وشرفها وعظم مقدارها فإن السلعة إذا خفي عليك قدرها فانظر إلى المشتري لها من هو ونظر إلى الثمن المبذول فيها ما هو وانظر إلى ما جرى على يده عقد التبايع، فالسلعة النفس والله سبحانه المشتري لها والثمن جنات النعيم والسفير في هذا العقد خير خلقه من الملائكة وأكرمهم عليه وخيرهم من البشر وأكرمهم عليه: ؎قد هيؤك لأمر لو فطنت له ∗∗∗ فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا أن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة" قال هذا، حديث حسن، غريب وفي كتاب صفة الجنة لأبي نعيم من حديث أبان عن أنس قال جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: ما ثمن الجنة قال:" لا إله إلا الله " وشواهد هذا الحديث كثيرة جدا وفي، الصحيحين، من حديث أبي هريرة أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة فقال: " تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان: قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه فلما ولى قال من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" وفي، صحيح مسلم، عن جابر قال أتى النعمان بن قوقل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ﷺ "أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أدخل الجنة فقال النبي ﷺ: "نعم" وفي، صحيح مسلم، عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" وفي سنن أبي داود عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:" من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وفي الصحيحين، عن أبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: "أتاني آت من ربي فأخبرني أو قال فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك شيئا دخل الجنة. قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق " وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ: "من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء" وفي لفظ: "أدخله الله الجنة على ما كان من عمل" (موعظة) من لاح له كمال الآخرة هان عليه فراق الدنيا. إذا لاح للباشق الصيد نسي مألوف الكف. يا أقدام الصبر احملي بقي القليل. تذكر حلاوة الوصال يهين عليك مر المجاهدة. قد علمت أين المنزل؛ فاحدُ لها تسر. قال أبو يزيد: "ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها إليه وهي تضحك". الهمة العلية من استعد صاحبها للقاء الحبيب، وقدم التقادم بين يدي الملتقي فاستبشر عند القدوم: ﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾. الجنة ترضى منك بأداء الفرائض، والنار تندفع عنك بترك المعاصي، والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل الروح: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾. بدم المحب يباع وصلهم. فمن الذي يبتاع بالثمن. (فصل) أكْثَرُ الخَلْقِ قَدْ نَسُوا حَقِيقَةَ أنْفُسِهِمْ وضَيَّعُوها وأضاعُوا حَظَّها مِنَ اللَّهِ، وباعُوها رَخِيصَةً بِثَمَنٍ بَخْسٍ بَيْعَ الغَبْنِ، وإنَّما يَظْهَرُ لَهم هَذا عِنْدَ المَوْتِ، ويَظْهَرُ هَذا كُلَّ الظُّهُورِ يَوْمَ التَّغابُنِ، يَوْمَ يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ أنَّهُ غُبِنَ في العَقْدِ الَّذِي عَقَدَهُ لِنَفْسِهِ في هَذِهِ الدّارِ، والتِّجارَةِ الَّتِي اتَّجَرَ فِيها لِمَعادِهِ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَّجِرُ في هَذِهِ الدُّنْيا لِآخِرَتِهِ. فالخاسِرُونَ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أهْلُ الرِّبْحِ والكَسْبِ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا وحَظَّهم فِيها ولَذّاتِهِمْ، بِالآخِرَةِ وحَظِّهِمْ فِيها، فَأذْهَبُوا طَيِّباتِهِمْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، واسْتَمْتَعُوا بِها، ورَضُوا بِها، واطْمَأنُّوا إلَيْها، وكانَ سَعْيُهم لِتَحْصِيلِها، فَباعُوا واشْتَرَوْا واتَّجَرُوا وباعُوا آجِلًا بِعاجِلٍ، ونَسِيئَةً بِنَقْدٍ، وغائِبًا بِناجِزٍ، وقالُوا: هَذا هو الحَزْمُ، ويَقُولُ أحَدُهُمْ: خُذْ ما تَراهُ ودَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ فَكَيْفَ أبِيعُ حاضِرًا نَقْدًا مُشاهَدًا في هَذِهِ الدّارِ بِغائِبٍ نَسِيئَةً في دارٍ أُخْرى غَيْرِ هَذِهِ؟ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ ضَعْفُ الإيمانِ وقُوَّةُ داعِي الشَّهْوَةِ، ومَحَبَّةُ العاجِلَةِ والتَّشَبُّهُ بِبَنِي الجِنْسِ، فَأكْثَرُ الخَلْقِ في هَذِهِ التِّجارَةِ الخاسِرَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ في أهْلِها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]، وقالَ فِيهِمْ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، فَإذا كانَ يَوْمُ التَّغابُنِ ظَهَرَ لَهُمُ الغَبْنُ في هَذِهِ التِّجارَةِ، فَتَتَقَطَّعُ عَلَيْهِمُ النُّفُوسُ حَسَراتٍ. وَأمّا الرّابِحُونَ فَإنَّهم باعُوا فانِيًا بِباقٍ، وخَسِيسًا بِنَفِيسٍ، وحَقِيرًا بِعَظِيمٍ، وقالُوا: ما مِقْدارُ هَذِهِ الدُّنْيا مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، حَتّى نَبِيعَ حَظَّنا مِنَ اللَّهِ تَعالى والدّارِ الآخِرَةِ بِها؟ فَكَيْفَ يَنالُ العَبْدُ مِنها في هَذا الزَّمَنِ القَصِيرِ الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ كَغَفْوَةِ حُلْمٍ، لا نِسْبَةَ لَهُ إلى دّارِ القَرارِ ألْبَتَّةَ: قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها - فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها - إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها - إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها - كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٢-٤٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وَقالَ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ - قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ - قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنين: ١١٢-١١٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا - يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا - نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢-١٠٤]. فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الدُّنْيا عِنْدَ مُوافاةِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَمّا عَلِمُوا قِلَّةَ لُبْثِهِمْ فِيها، وأنَّ لَهم دارًا غَيْرَ هَذِهِ الدّارِ، هي دارُ الحَيَوانِ ودارُ البَقاءِ - رَأوْا مِن أعْظَمِ الغَبْنِ بَيْعَ دارِ البَقاءِ بِدارِ الفَناءِ، فاتَّجَرُوا تِجارَةَ الأكْياسِ، ولَمْ يَغْتَرُّوا بِتِجارَةِ السُّفَهاءِ مِنَ النّاسِ، فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ التَّغابُنِ رِبْحُ تِجارَتِهِمْ ومِقْدارُ ما اشْتَرَوْهُ، وكُلُّ أحَدٍ في هَذِهِ الدُّنْيا بائِعٌ مُشْتَرٍ مُتَّجِرٌ، وكُلُّ النّاسِ يَغْدُو فَبائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها أوْ مَوْبِقُها. ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فَهَذا أوَّلُ نَقْدٍ مِن ثَمَنِ هَذِهِ التِّجارَةِ، فَتاجِرُوا أيُّها المُفْلِسُونَ، ويا مَن لا يَقْدِرُ عَلى هَذا الثَّمَنِ، هُنا ثَمَنٌ آخَرُ، فَإنْ كُنْتَ مِن أهْلِ هَذِهِ التِّجارَةِ فَأعْطِ هَذا الثَّمَنَ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠-١١]. والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ تُنْسِي العَبْدَ حَظَّهُ مِن هَذِهِ التِّجارَةِ الرّابِحَةِ، وتَشْغَلُهُ بِالتِّجارَةِ الخاسِرَةِ، وكَفى بِذَلِكَ عُقُوبَةً، واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فصل: في فَرْضُ القِتالِ] ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمُ القِتالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَن قاتَلَهم دُونَ مَن لَمْ يُقاتِلْهم فَقالَ: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]. ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قِتالَ المُشْرِكِينَ كافَّةً، وكانَ مُحَرَّمًا، ثُمَّ مَأْذُونًا بِهِ، ثُمَّ مَأْمُورًا بِهِ لِمَن بَدَأهم بِالقِتالِ، ثُمَّ مَأْمُورًا بِهِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، إمّا فَرْضُ عَيْنٍ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ فَرْضُ كِفايَةٍ عَلى المَشْهُورِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ جِنْسَ الجِهادِ فَرْضُ عَيْنٍ إمّا بِالقَلْبِ، وإمّا بِاللِّسانِ، وإمّا بِالمالِ، وإمّا بِاليَدِ، فَعَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُجاهِدَ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ. أمّا الجِهادُ بِالنَّفْسِ فَفَرْضُ كِفايَةٍ، وأمّا الجِهادُ بِالمالِ فَفي وُجُوبِهِ قَوْلانِ: والصَّحِيحُ وُجُوبُهُ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالجِهادِ بِهِ وبِالنَّفْسِ في القُرْآنِ سَواءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] وعَلَّقَ النَّجاةَ مِنَ النّارِ بِهِ ومَغْفِرَةَ الذَّنْبِ ودُخُولَ الجَنَّةِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠-١٢] وَأخْبَرَ أنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أعْطاهم ما يُحِبُّونَ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ القَرِيبِ، فَقالَ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أيْ: ولَكم خَصْلَةٌ أُخْرى تُحِبُّونَها في الجِهادِ، وهِيَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ وأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ: ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وأعاضَهم عَلَيْها الجَنَّةَ، وأنَّ هَذا العَقْدَ والوَعْدَ قَدْ أوْدَعَهُ أفْضَلَ كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ مِنَ السَّماءِ، وهي التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ لا أحَدَ أوْفى بِعَهْدِهِ مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهم بِأنْ يَسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِهِمُ الَّذِي عاقَدُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ. فَلْيَتَأمَّلِ العاقِدُ مَعَ رَبِّهِ عَقْدَ هَذا التَّبايُعِ، ما أعْظَمَ خَطَرَهُ وأجَلَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو المُشْتَرِي، والثَّمَنُ جَنّاتُ النَّعِيمِ والفَوْزُ بِرِضاهُ، والتَّمَتُّعُ بِرُؤْيَتِهِ هُناكَ. والَّذِي جَرى عَلى يَدِهِ هَذا العَقْدُ أشْرَفُ رُسُلِهِ وأكْرَمُهم عَلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ، وإنَّ سِلْعَةً هَذا شَأْنُها لَقَدْ هُيِّئَتْ لِأمْرٍ عَظِيمٍ وخَطْبٍ جَسِيمٍ: ؎قَدْ هَيَّئُوكَ لِأمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ ∗∗∗ فارْبَأْ بِنَفْسِكَ أنْ تَرْعى مَعَ الهَمَلِ مَهْرُ المَحَبَّةِ والجَنَّةِ بَذْلُ النَّفْسِ والمالِ لِمالِكِهِما الَّذِي اشْتَراهُما مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَما لِلْجَبانِ المُعْرِضِ المُفْلِسِ وسَوْمِ هِذِهِ السِّلْعَةِ، بِاللَّهِ ما هُزِلَتْ فَيَسْتامَها المُفْلِسُونَ، ولا كَسَدَتْ فَيَبِيعَها بِالنَّسِيئَةِ المُعْسِرُونَ، لَقَدْ أُقِيمَتْ لِلْعَرْضِ في سُوقِ مَن يُرِيدُ، فَلَمْ يَرْضَ رَبُّها لَها بِثَمَنٍ دُونَ بَذْلِ النُّفُوسِ، فَتَأخَّرَ البَطّالُونَ، وقامَ المُحِبُّونَ يَنْتَظِرُونَ أيُّهم يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَفْسُهُ الثَّمَنَ، فَدارَتِ السِّلْعَةُ بَيْنَهم ووَقَعَتْ في يَدِ ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. لَمّا كَثُرَ المُدَّعُونَ لِلْمَحَبَّةِ طُولِبُوا بِإقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى صِحَّةِ الدَّعْوى، فَلَوْ يُعْطى النّاسُ بِدَعْواهم لادَّعى الخَلِيُّ حِرْفَةَ الشَّجِيِّ، فَتَنَوَّعَ المُدَّعُونَ في الشُّهُودِ، فَقِيلَ: لا تَثْبُتُ هَذِهِ الدَّعْوى إلّا بِبَيِّنَةٍ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَتَأخَّرَ الخَلْقُ كُلُّهُمْ، وثَبَتَ أتْباعُ الرَّسُولِ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ وهَدْيِهِ وأخْلاقِهِ، فَطُولِبُوا بِعَدالَةِ البَيِّنَةِ. وَقِيلَ: لا تُقْبَلُ العَدالَةُ إلّا بِتَزْكِيَةٍ ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فَتَأخَّرَ أكْثَرُ المُدَّعِينَ لِلْمَحَبَّةِ، وقامَ المُجاهِدُونَ فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ نُفُوسَ المُحِبِّينَ وأمْوالَهم لَيْسَتْ لَهم فَسَلِّمُوا ما وقَعَ عَلَيْهِ العَقْدُ فَإنَّ ﴿اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وعَقْدُ التَّبايُعِ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَلَمّا رَأى التُّجّارُ عَظَمَةَ المُشْتَرِي وقَدْرَ الثَّمَنِ وجَلالَةَ قَدْرِ مَن جَرى عَقْدُ التَّبايُعِ عَلى يَدْيِهِ ومِقْدارَ الكِتابِ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ هَذا العَقْدُ عَرَفُوا أنَّ لِلسِّلْعَةِ قَدْرًا وشَأْنًا لَيْسَ لِغَيْرِها مِنَ السِّلَعِ، فَرَأوْا مِنَ الخُسْرانِ البَيِّنِ والغَبْنِ الفاحِشِ أنْ يَبِيعُوها بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ تَذْهَبُ لَذَّتُها وشَهْوَتُها وتَبْقى تَبِعَتُها وحَسْرَتُها، فَإنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مَعْدُودٌ في جُمْلَةِ السُّفَهاءِ، فَعَقَدُوا مَعَ المُشْتَرِي بَيْعَةَ الرِّضْوانِ رِضًى واخْتِيارًا مِن غَيْرِ ثُبُوتِ خِيارٍ، وقالُوا: واللَّهِ لا نَقِيلُكَ ولا نَسْتَقِيلُكَ، فَلَمّا تَمَّ العَقْدُ وسَلَّمُوا المَبِيعَ قِيلَ لَهُمْ: قَدْ صارَتْ أنْفُسُكم وأمْوالُكم لَنا، والآنَ فَقَدْ رَدَدْناها عَلَيْكم أوْفَرَ ما كانَتْ وأضْعافَ أمْوالِكم مَعَها ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] لَمْ نَبْتَعْ مِنكم نُفُوسَكم وأمْوالَكم طَلَبًا لِلرِّبْحِ عَلَيْكُمْ، بَلْ لِيَظْهَرَ أثَرُ الجُودِ والكَرَمِ في قَبُولِ المَعِيبِ والإعْطاءِ عَلَيْهِ أجَلَّ الأثْمانِ، ثُمَّ جَمَعْنا لَكم بَيْنَ الثَّمَنِ والمُثَمَّنِ. تَأمَّلْ قِصَّةَ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " وقَدِ اشْتَرى مِنهُ ﷺ بَعِيرَهُ، ثُمَّ وفّاهُ الثَّمَنَ وزادَهُ، ورَدَّ عَلَيْهِ البَعِيرَ، وكانَ أبُوهُ قَدْ قُتِلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في وقْعَةِ أُحُدٍ، فَذَكَّرَهُ بِهَذا الفِعْلِ حالَ أبِيهِ مَعَ اللَّهِ، وأخْبَرَهُ «أنَّ اللَّهَ أحْياهُ، وكَلَّمَهُ كِفاحًا، وقالَ: يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ» " فَسُبْحانَ مَن عَظُمَ جُودُهُ وكَرَمُهُ أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ الخَلائِقِ، فَقَدْ أعْطى السِّلْعَةَ، وأعْطى الثَّمَنَ، ووَفَّقَ لِتَكْمِيلِ العَقْدِ، وقَبِلَ المَبِيعَ عَلى عَيْبِهِ، وأعاضَ عَلَيْهِ أجَلَّ الأثْمانِ، واشْتَرى عَبْدَهُ مِن نَفْسِهِ بِمالِهِ، وجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الثَّمَنِ والمُثَمَّنِ، وأثْنى عَلَيْهِ ومَدَحَهُ بِهَذا العَقْدِ، وهو سُبْحانَهُ الَّذِي وفَّقَهُ لَهُ وشاءَهُ مِنهُ. ؎فَحَيَّهَلا إنْ كُنْتَ ذا هِمَّةٍ فَقَدْ ∗∗∗ حَدا بِكَ حادِي الشَّوْقِ فاطْوِ المَراحِلا ؎وَقُلْ لِمُنادِي حُبِّهِمْ ورِضاهم ∗∗∗ إذا ما دَعا لَبَّيْكَ ألْفًا كَوامِلا ؎وَلا تَنْظُرِ الأطْلالَ مِن دُونِهِمْ فَإنْ ∗∗∗ نَظَرْتَ إلى الأطْلالِ عُدْنَ حَوائِلا ؎وَلا تَنْتَظِرْ بِالسَّيْرِ رِفْقَةَ قاعِدٍ ∗∗∗ ودَعْهُ فَإنَّ الشَّوْقَ يَكْفِيكَ حامِلا ؎وَخُذْ مِنهم زادًا إلَيْهِمْ وسِرْ عَلى ∗∗∗ طَرِيقِ الهُدى والحُبِّ تُصْبِحْ واصِلا ؎وَأحْيِ بِذِكْراهم شِراكَ إذا دَنَتْ ∗∗∗ رِكابُكَ فالذِّكْرى تُعِيدُكَ عامِلا ؎وإمّا تَخافَنَّ الكلالَ فَقُلْ لَها ∗∗∗ أمامَكِ ورْدُ الوَصْلِ فابْغِي المَناهِلا ؎وَخُذْ قَبَسًا مَن نُورِهِمْ ثُمَّ سِرْ بِهِ ∗∗∗ فَنُورُهم يَهْدِيكَ لَيْسَ المَشاعِلا ؎وَحَيِّ عَلى وادِي الأراكِ فَقِلْ بِهِ ∗∗∗ عَساكَ تَراهم ثَمَّ إنْ كُنْتَ قائِلا ؎وَإلّا فَفي نَعْمانَ عِنْدِي مُعَرِّفُ الـ ∗∗∗ أحِبَّةِ فاطْلُبْهم إذا كُنْتَ سائِلا ؎وَإلّا فَفي جَمْعٍ بِلَيْلَتِهِ فَإنْ ∗∗∗ تَفُتْ فَمِنًى يا ويْحَ مَن كانَ غافِلا ؎وَحَيِّ عَلى جَنّاتِ عَدْنٍ فَإنَّها ∗∗∗ مَنازِلُكَ الأُولى بِها كُنْتَ نازِلا ؎وَلَكِنْ سَباكَ الكاشِحُونَ لِأجْلِ ذا ∗∗∗ وقَفْتَ عَلى الأطْلالِ تَبْكِي المَنازِلا ؎وَحَيِّ عَلى يَوْمِ المَزِيدِ بِجَنَّةِ الـ ∗∗∗ خُلُودِ فَجُدْ بِالنَّفْسِ إنْ كُنْتَ باذِلا ؎فَدَعْها رُسُومًا دارِساتٍ فَما بِها ∗∗∗ مَقِيلٌ وجاوِزْها فَلَيْسَتْ مَنازِلا ؎رُسُومًا عَفَتْ يَنْتابُها الخَلْقُ كَمْ بِها ∗∗∗ قَتِيلٌ وكَمْ فِيها لِذا الخَلْقِ قاتِلا ؎وَخُذْ يَمْنَةً عَنْها عَلى المَنهَجِ الَّذِي ∗∗∗ عَلَيْهِ سَرى وفْدُ الأحِبَّةِ آهِلا ؎وَقُلْ ساعِدِي يا نَفْسُ بِالصَّبْرِ ساعَةً ∗∗∗ فَعِنْدَ اللِّقا ذا الكَدُّ يُصْبِحُ زائِلا ؎فَما هي إلّا ساعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي ∗∗∗ ويُصْبِحُ ذُو الأحْزانِ فَرْحانَ جاذِلا لَقَدْ حَرَّكَ الدّاعِي إلى اللَّهِ وإلى دارِ السَّلامِ النُّفُوسَ الأبِيَّةَ، والهِمَمَ العالِيَةَ وأسْمَعَ مُنادِي الإيمانِ مَن كانَتْ لَهُ أُذُنٌ واعِيَةٌ، وأسْمَعَ اللَّهُ مَن كانَ حَيًّا، فَهَزَّهُ السَّماعُ إلى مَنازِلِ الأبْرارِ، وحَدا بِهِ في طَرِيقِ سَيْرِهِ، فَما حَطَّتْ بِهِ رِحالُهُ إلّا بِدارِ القَرارِ، فَقالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إلّا إيمانٌ بِي وتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أنْ أرْجِعَهُ بِما نالَ مِن أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ أوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، ولَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي ما قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، ولَوَدِدْتُ أنَّي أُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أحْيا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أحْيا، ثُمَّ أُقْتَلُ». وَقالَ: «مَثَلُ المُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصّائِمِ القائِمِ القانِتِ بِآياتِ اللَّهِ لا يَفْتُرُ مِن صِيامٍ ولا صَلاةٍ حَتّى يَرْجِعَ المُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجاهِدِ في سَبِيلِهِ بِأنْ يَتَوَفّاهُ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ يُرْجِعَهُ سالِمًا مَعَ أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ». وَقالَ: «غَدْوَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها». وَقالَ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: «أيُّما عَبْدٍ مِن عِبادِي خَرَجَ مُجاهِدًا في سَبِيلِي ابْتِغاءَ مَرْضاتِي، ضَمِنتُ لَهُ أنْ أُرْجِعَهُ إنْ أرْجَعْتُهُ بِما أصابَ مِن أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ، وإنْ قَبَضْتُهُ أنْ أغْفِرَ لَهُ وأرْحَمَهُ وأُدْخِلَهُ الجَنَّةَ» وَقالَ: «جاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ يُنَجِّي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ». وَقالَ: «أنا زَعِيمٌ - والزَّعِيمُ الحَمِيلُ - لِمَن آمَنَ بِي، وأسْلَمَ وهاجَرَ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ، وبِبَيْتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، وأنا زَعِيمٌ لِمَن آمَنَ بِي وأسْلَمَ، وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ، وبِبَيْتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ، وبِبَيْتٍ في أعْلى غُرَفِ الجَنَّةِ، مَن فَعَلَ ذَلِكَ، لَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا، ولا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا يَمُوتُ حَيْثُ شاءَ أنْ يَمُوتَ». وَقالَ: «مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُواقَ ناقَةٍ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ». وَقالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ». «وَقالَ لأبي سعيد: مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ " فَعَجِبَ لَها أبو سعيد، فَقالَ: أعِدْها عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وأُخْرى يَرْفَعُ اللَّهُ بِها العَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ " قالَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: " الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ». وَقالَ: «مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ، دَعاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بابٍ، أيْ فُلُ هَلُمَّ، فَمَن كانَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، دُعِيَ مِن بابِ الصَّلاةِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الجِهادِ، دُعِيَ مِن بابِ الجِهادِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِن بابِ الصَّدَقَةِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الصِّيامِ، دُعِيَ مِن بابِ الرَّيّانِ فَقالَ أبو بكر: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَلى مَن دُعِيَ مِن تِلْكَ الأبْوابِ مِن ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعى أحَدٌ مِن تِلْكَ الأبْوابِ كُلِّها؟ قالَ: نَعَمْ وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمْ». وَقالَ: «مَن أنْفَقَ نَفَقَةً فاضِلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، فَبِسَبْعِمِائَةٍ، ومَن أنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ، وعادَ مَرِيضًا أوْ أماطَ الأذى عَنْ طَرِيقٍ، فالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها، والصَّوْمُ جُنَّةٌ ما لَمْ يَخْرِقْها، ومَنِ ابْتَلاهُ اللَّهُ في جَسَدِهِ فَهو لَهُ حِطَّةٌ». وَذَكَرَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «مَن أرْسَلَ بِنَفَقَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأقامَ في بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، ومَن غَزا بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنْفَقَ في وجْهِهِ ذَلِكَ، فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ " ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]». وَقالَ: «مَن أعانَ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ غارِمًا في غُرْمِهِ أوْ مُكاتَبًا في رَقَبَتِهِ أظَلَّهُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ». وَقالَ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى النّارِ». وَقالَ: «لا يَجْتَمِعُ شُحٌّ وإيمانٌ في قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ، ولا يَجْتَمِعُ غُبارٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخانُ جَهَنَّمَ في وجْهِ عَبْدٍ» وفي لَفْظٍ " في قَلْبِ عَبْدٍ " وفي لَفْظٍ " في جَوْفِ امْرِئٍ " وفي لَفْظٍ " في مَنخِرَيْ مُسْلِمٍ ". وَذَكَرَ الإمامُ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَهُما حَرامٌ عَلى النّارِ». وَذُكِرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «لا يَجْمَعُ اللَّهُ في جَوْفِ رَجُلٍ غُبارًا في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخانَ جَهَنَّمَ، ومَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّهُ سائِرَ جَسَدِهِ عَلى النّارِ، ومَن صامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ، باعَدَ اللَّهُ عَنْهُ النّارَ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ لِلرّاكِبِ المُسْتَعْجِلِ، ومَن جُرِحَ جِراحَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، خُتِمَ لَهُ بِخاتَمِ الشُّهَداءِ، لَهُ نُورٌ يَوْمَ القِيامَةِ لَوْنُها لَوْنُ الزَّعْفَرانِ، ورِيحُها رِيحُ المِسْكِ يَعْرِفُهُ بِها الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، ويَقُولُونَ: فُلانٌ عَلَيْهِ طابَعُ الشُّهَداءِ، ومَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فُواقَ ناقَةٍ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ». وَذَكَرَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «مَن راحَ رَوْحَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، كانَ لَهُ بِمِثْلِ ما أصابَهُ مِنَ الغُبارِ مِسْكًا يَوْمَ القِيامَةِ». وَذَكَرَ أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْهُ: «ما خالَطَ قَلْبَ امْرِئٍ رَهَجٌ في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ». وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها». وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ، جَرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وأمِنَ الفَتّانَ». وَقالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلى عَمَلِهِ إلّا الَّذِي ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُؤَمَّنُ مِن فِتْنَةِ القَبْرِ». وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِن ألْفِ يَوْمٍ فِيما سِواهُ مِنَ المَنازِلِ». وَذَكَرَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «مَن رابَطَ لَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، كانَتْ لَهُ كَألْفِ لَيْلَةٍ صِيامِها وقِيامِها». وَقالَ: «مُقامُ أحَدِكم في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ أحَدِكم في أهْلِهِ سِتِّينَ سَنَةً، أما تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم وتَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟ جاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فُواقَ ناقَةٍ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ». وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ: «مَن رابَطَ في شَيْءٍ مِن سَواحِلِ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، أجْزَأتْ عَنْهُ رِباطَ سَنَةٍ». وَذُكِرَ عَنْهُ أيْضًا: «حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِن ألْفِ لَيْلَةٍ يُقامُ لَيْلُها، ويُصامُ نَهارُها». وَقالَ: «حُرِّمَتِ النّارُ عَلى عَيْنٍ دَمَعَتْ أوْ بَكَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وحُرِّمَتِ النّارُ عَلى عَيْنٍ سَهِرَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ». وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ: «مَن حَرَسَ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطانٌ، لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنَيْهِ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]». وَقالَ لِرَجُلٍ حَرَسَ المُسْلِمِينَ لَيْلَةً في سَفَرِهِمْ مِن أوَّلِها إلى الصَّباحِ عَلى ظَهْرِ فَرَسِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلّا لِصَلاةٍ أوْ قَضاءِ حاجَةٍ: «قَدْ أوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ ألّا تَعْمَلَ بَعْدَها». وَقالَ: «مَن بَلَغَ بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَهُ دَرَجَةٌ في الجَنَّةِ». وَقالَ: «مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهو عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومَن شابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» وعِنْدَ النَّسائِيِّ تَفْسِيرُ الدَّرَجَةِ بِمِائَةِ عامٍ. وَقالَ: «إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ الجَنَّةَ: صانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، والمُمِدَّ بِهِ، والرّامِيَ بِهِ، وارْمُوا وارْكَبُوا، وأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ تَرْكَبُوا، وكُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَباطِلٌ إلّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، أوْ تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، ومُلاعَبَتَهُ امْرَأتَهُ، ومَن عَلَّمَهُ اللَّهُ الرَّمْيَ فَتَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَنِعْمَةٌ كَفَرَها» رَواهُ أحمد وأهْلُ السُّنَنِ وعِنْدَ ابْنِ ماجَهْ «مَن تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَقَدْ عَصانِي». وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أوْصِنِي فَقالَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوى اللَّهِ، فَإنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وعَلَيْكَ بِالجِهادِ، فَإنَّهُ رَهْبانِيَّةُ الإسْلامِ، وعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ رُوحُكَ في السَّماءِ، وذِكْرٌ لَكَ في الأرْضِ». وَقالَ: «ذِرْوَةُ سَنامِ الإسْلامِ الجِهادُ». وَقالَ: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: المُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمُكاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأداءَ، والنّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفافَ». وَقالَ: «مَن ماتَ، ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، ماتَ عَلى شُعْبَةٍ مِن نِفاقٍ». وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ: «مَن لَمْ يَغْزُ، أوْ يُجَهِّزْ غازِيًا، أوْ يَخْلُفْ غازِيًا في أهْلِهِ بِخَيْرٍ، أصابَهُ اللَّهُ بِقارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ». وَقالَ: «إذا ضَنَّ النّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بِالعِينَةِ، واتَّبَعُوا أذْنابَ البَقَرِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلاءً، فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهم حَتّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ» وَذَكَرَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «مَن لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ لَهُ أثَرٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، لَقِيَ اللَّهَ وفِيهِ ثُلْمَةٌ». وَقالَ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفَسَّرَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ الإلْقاءَ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الجِهادِ، وصَحَّ عَنْهُ ﷺ: «إنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ». وَصَحَّ عَنْهُ: «مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ». وَصَحَّ عَنْهُ: «إنَّ النّارَ أوَّلُ ما تُسَعَّرُ بِالعالِمِ والمُنْفِقِ والمَقْتُولِ في الجِهادِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقالَ». وَصَحَّ عَنْهُ: «أنَّ مَن جاهَدَ يَبْتَغِي عَرَضَ الدُّنْيا، فَلا أجْرَ لَهُ». وَصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «إنْ قاتَلْتَ صابِرًا مُحْتَسِبًا، بَعَثَكَ اللَّهُ صابِرًا مُحْتَسِبًا، وإنْ قاتَلْتَ مُرائِيًا مُكاثِرًا، بَعَثَكَ اللَّهُ مُرائِيًا مُكاثِرًا، يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَلى أيِّ وجْهٍ قاتَلْتَ أوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الحالِ». (تَنْبِيه) يا أيها الأعز لا حذر فراسة المتقي فَإنَّهُ يرى عَورَة عَمَلك من وراء ستر. اتَّقوا فراسة المُؤمن سُبْحانَ الله في النَّفس كِبر إبْلِيس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان ثَمُود وجرأة نمْرُود واستطالة فِرْعَوْن وبغي قارون وقحّة هامان وهوى بلعام وحيل أصْحاب السبت وتمرد الوليد وجَهل أبي جهل. وفيها من أخْلاق البَهائِم حرص الغُراب، وشره الكَلْب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجعل، وعقوق الضَّب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفسق الفَأْرَة، وخبث الحَيَّة، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثَّعْلَب، وخفة الفراش، ونوم الضبع، غير أن الرياضة والمجاهدة تذْهب ذَلِك، فَمن استرسل مَعَ طبعه فَهو من هَذا الجند ولا تصلح سلْعَته لعقد ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ فَما اشْترى إلّا سلْعَة هذبها الإيمان، فَخرجت من طبعها إلى بلد سكانه ﴿التائبون العابدون﴾ سلِّم المَبِيع قبل أن يتْلف في يدك فَلا يقبله المُشْتَرِي. قد علم المُشْتَرِي بِعَيْب السّلْعَة قبل أن يَشْتَرِيها فسلِّمْها ولَك الأمان من الرَّد. قدر السّلْعَة يعرف بِقدر مشتريها، والثمن المبذول فِيهِ، والمنادي عَلَيْها، فَإذا كانَ المُشْتَرى عَظِيما والثمن خطيرا والمنادي جَلِيلًا كانَت السّلْعَة نفيسة يا بائِعا نَفسه بيع الهوان لَو استرجعت ذا البيع قبل الفَوْت لم تخب ؎وبائعا طيب عَيْش ما لَهُ خطر ∗∗∗ بطيف عَيْش من الآلام منتهب ؎غبنت والله غبنا فاحِشا ولدى ∗∗∗ يَوْم التغابن تلقى غايَة الحَرْب ؎وواردا صفو عَيْش كُله كدر ∗∗∗ أمامك الورْد حَقًا لَيْسَ بِالكَذِبِ ؎وحاطب اللَّيْل في الظلماء منتصبا ∗∗∗ لكل داهية تدني من العطب ؎ترجوا الشِّفاء بأحداق بها مرض ∗∗∗ فَهَل سَمِعت ببرء جاءَ من عطب ؎ومفنيا نَفسه في أثر أقبحهم ∗∗∗ وصفا للطخ جمال فِيهِ مستلب ؎وواهبا نَفسه من مثل ذا سفها ∗∗∗ لَو كنت تعرف قدر النَّفس لم تهب ؎شاب الصِّبا والتصابي لم يشب ∗∗∗ وضاع وقتك بَين اللَّهْو واللعب ؎وشمس عمرك قد حان الغُرُوب لَها ∗∗∗ والفيء في الأُفق الشَّرْقِي لم يغب ؎وفاز بالوصل من قد جدوا انقشعت ∗∗∗ عَن أفقه ظلمات اللَّيْل والسحب ؎كم ذا التَّخَلُّف والدُّنْيا قد ارتحلت ∗∗∗ ورسل رَبك قد وافتك في الطّلب ؎ما في الديار وقد سارَتْ ركائب من ∗∗∗ تهواه للصب من شكر ولا أرب ؎فافرش الخد ذياك التُّراب وقل ∗∗∗ ما قالَه صاحب الأشواق والحقب ؎ما ربع مية محفوفا يطِيف بِهِ ∗∗∗ غيلان أشهى لَهُ من ربعك الخرب ؎منازلا كانَ يهواها ويألفها ∗∗∗ أيّام كانَ منال الوَصْل عَن كثب ؎وَلا الخدود ولَو أدمين من ضرج ∗∗∗ أشهى إلى ناظري من ربعك الخرب ؎وَكلما جليت تِلْكَ الربوع لَهُ ∗∗∗ يهوى إلَيْها هوى الماء في الصبب ؎أحيي لَهُ الشوق تذكار العهود بها ∗∗∗ فَلَو دعِي القلب للسلوان لم يجب ؎هَذا وكم منزل في الأرْض يألفه ∗∗∗ وماله في سواها الدَّهْر من رغب ؎ما في الخيام أخُو وجدير يحك إن ∗∗∗ بثثته بعض شَأْن الحبّ فاغترب ؎وَأسر في غَمَرات اللَّيْل متهديا ∗∗∗ بنفحة الطّيب لا بِالعودِ والحطب ؎وَعاد كل أخي جبن ومعجزة ∗∗∗ وحارب النَّفس لا تلقيك في الحَرْب ؎وَخذ لنَفسك نورا تستضيء بِهِ ∗∗∗ يَوْم اقتسام الورى الأنْوار بالرتب ؎إن كانَ يُوجب صبري رَحْمَتي فرضا ∗∗∗ بِسوء حالي وحل للضنا بدني ؎منحتك الرّوح لا أبغي لَها ثمنا ∗∗∗ إلّا رضاك ووافقري إلا الثّمن ؎أحن بأطراف النَّهار صبابَة ∗∗∗ وبالليل يدعوني الهوى فَأُجِيب ؎وَإذا لم يكن من العِشْق بُد ∗∗∗ فَمن عجز عشق غير الجَمِيل ؎فَلَو أن ما أسعى لعيش معجل ∗∗∗ كفاني مِنهُ بعض ما أنا فِيهِ ؎ولكنما أسمى لملك مخلد ∗∗∗ فوا أسفا إن لم أكن بملاقيه

التوبة 9:112

النّاسُ قِسْمانِ: تائِبٌ وظالِمٌ لَيْسَ إلّا، فالتّائِبُونَ هُمُ ﴿العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢] فَحِفْظُ حُدُودِ اللَّهِ جُزْءُ التَّوْبَةِ، والتَّوْبَةُ هي مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ، وإنَّما سُمِّيَ تائِبًا لِرُجُوعِهِ إلى أمْرِ اللَّهِ مِن نَهْيِهِ، وإلى طاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ، كَما تَقَدَّمَ. فَإذًا التَّوْبَةُ هي حَقِيقَةُ دِينِ الإسْلامِ، والدِّينُ كُلُّهُ داخِلٌ في مُسَمّى التَّوْبَةِ وبِهَذا اسْتَحَقَّ التّائِبُ أنْ يَكُونَ حَبِيبَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ، وإنَّما يُحِبُّ اللَّهُ مَن فَعَلَ ما أمَرَ بِهِ، وتَرَكَ ما نَهى عَنْهُ. [فصل: الكلام على (واو الثمانية)] قولهم إن الواو تأتي للثمانية ليس عليه دليل مستقيم وقد ذكروا ذلك في مواضع فلنتكلم عليها واحدا واحدا: الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ فقيل الواو في ﴿والناهون﴾ واو الثمانية لمجيئها بعد استيفاء الأوصاف السبعة. وذكروا في الآية وجوها أُخر: منها أن هذا من التفنن في الكلام أن يعطف بعضه ويترك عطف بعضه. ومنها أن الصفات التي قبل هاتين الصفتين صفات لازمة متعلقة بالعامل، وهاتان الصفتان متعديتان متعلقتان بالغير فقطعتا عما قبلهما بالعطف. ومنها أن المراد التنبيه على أن الموصوفين بالصفات المتقدمة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وكل هذه الأجوبة غير سديدة. وأحسن ما يقال فيها: أن الصفات إذا ذكرت في مقام التعداد فتارة يتوسط بينها حرف العطف لتغايرها في نفسها، وللإيذان بأن المراد ذكر كل صفة بمفردها. وتارة لا يتوسطها العاطف لاتحاد موصوفها وتلازمها في نفسها، وللإيذان بأنها في تلازمها كالصفة الواحدة. وتارة يتوسط العاطف بين بعضها ويحذف مع بعض بحسب هذين المقامين، فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن إسقاط حرف العطف. وإن أريد الجمع بين الصفات، أو التنبيه على تغايرها حسن إدخال حرف العطف. فمثال الأول: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ﴾ ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ وتأمل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فأتي بالواو في الوصفين الأولين، وحذفها في الوصفين الآخرين، لأن غفران الذنب وقبول التوب، قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب. فكان في عطف أحدهما على الآخر ما يدل على أنهما صفتان وفعلان متغايران، ومفهومان مختلفان لكل منهما حكمة: أحدهما: يتعلق بالإساءة والإعراض وهو المغفرة. والثاني: يتعلق بالإحسان والإقبال على الله تعالى والرجوع إليه وهو التوبة فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة، وحسن العطف هاهنا هذا التغاير الظاهر، وكلما كان التغاير أبين كان العطف أحسن، ولهذا جاء العطف في قوله: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ وترك في قوله: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾ وقوله: ﴿الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾ وأما: ﴿شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فترك العطف بينهما لنكته بديعة وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته سبحانه، وأنه حال كونه شديد العقاب فهو ذو الطول وطوله لا ينافي شدة عقابه بل هما مجتمعان له بخلاف الأول والآخر فإن الأولية لا تجامع الآخرية، ولهذا فسرها النبي ﷺ بقوله "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء" فأوليته أزليته وآخريته أبديته. فإن قلت فما تصنع بقوله ﴿والظاهر والباطن﴾ فإن ظهوره تعالى ثابت مع بطونه فيجتمع في حقه الظهور والبطون، والنبي ﷺ [فسر] (الظاهر) بأنه الذي ليس فوقه شيء، (والباطن) بأنه الذي ليس دونه شيء، وهذا العلو والفوقية مجامع لهذا القرب والدنو والإحاطة؟ قلت هذا سؤال حسن والذي حسن دخوله الواو هاهنا أن هذه الصفات متقابلة متضادة، وقد عطف الثاني منها على الأول للمقابلة التي بينهما والصفتان الآخريان كالأوليين في المقابلة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة الآخِر إلى الأول. فكما حسن العطف بين الأوليين حسن بين الآخريين، فإذا عرف هذا فالآية التي نحن فيها يتضح بما ذكرناه معنى العطف وتركه فيها لأن كل صفة لم تعطف على ما قبلها فيها كان فيه تنبيه على أنها في اجتماعها كالوصف الواحد لموصوف واحد فلم يحتج إلى عطف، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما متلازمان مستمدان من مادة واحدة حسن العطف ليتبين أن كل وصف منهما قائم على حدته مطلوب تعيينه لا يكتفي فيه بحصول الوصف الآخر بل لا بد أن يظهر أمره بالمعروف بصريحة ونهيه عن المنكر بصريحة وأيضا فحسن العطف هاهنا ما تقدم من التضاد فلما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضدين أحدهما طلب الإيجاد والآخر طلب الإعدام كانا كالنوعين المتغايرين المتضادين فحسن لذلك العطف. الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ فقيل هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع وليس كذلك ودخول الواو هاهنا متعين لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما فتعين العطف لأن المقصود أنه يزوجه بالنوعين الثيبات والأبكار. الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ قيل المراد إدخال الواو هاهنا لأجل الثمانية وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: هذا والثاني: أن يكون دخول الواو هاهنا إيذانا بتمام كلامهم عند قولهم سبعة ثم ابتدأ قوله وثامنهم كلبهم وذلك يتضمن تقرير قولهم سبعة كما إذا قال لك زيد فقيه فقلت ونحوي وهذا اختيار السهيلي وقد تقدم الكلام عليه وأن هذا إنما يتم إذا كان قوله وثامنهم كلبهم ليس داخلا في المحكي بالقول والظاهر خلافه والله أعلم. الموضع الرابع: قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ فأتى بالواو لما كانت أبواب الجنة ثمانية وقال في النار ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ لما كانت سبعة وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها بل هذا من باب حذف الجواب لنكتة بديعة وهي أن تفتيح أبواب النار كان حال موافاة أهلها ففتحت في وجوههم لأنه أبلغ في مفاجأة المكروه وأما الجنة فلما كانت ذات الكرامة وهي مأدبة الله وكان الكريم إذا دعا أضيافه إلى داره شرع لهم أبوابها ثم استدعاهم إليها مفتحة الأبواب أتى بالواو العاطفة هاهنا الدالة على أنها جاءوها بعدما فتحت أبوابها وحذف الجواب تفخيما لشأنه وتعظيما لقدرة كعادتهم في حذف الأجوبة. وقد أشبعنا الكلام على هذا فيما تقدم والله أعلم.

التوبة 9:115

[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ مَرْتَبَةُ البَيانِ العامِّ] وَهُوَ تَبْيِينُ الحَقِّ وتَمْيِيزُهُ مِنَ الباطِلِ بِأدِلَّتِهِ وشَواهِدِهِ وأعْلامِهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ مَشْهُودًا لِلْقَلْبِ، كَشُهُودِ العَيْنِ لِلْمَرْئِيّاتِ. وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، الَّتِي لا يُعَذِّبُ أحَدًا ولا يُضِلُّهُ إلّا بَعْدَ ُصُولِهِ إلَيْها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ فَهَذا الإضْلالُ عُقُوبَةٌ مِنهُ لَهُمْ، حِينَ بَيَّنَ لَهم فَلَمْ يَقْبَلُوا ما بَيَّنَهُ لَهُمْ، ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَعاقَبَهم بِأنْ أضَلَّهم عَنِ الهُدى، وما أضَلَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَدًا قَطُّ إلّا بَعْدَ هَذا البَيانِ. وَإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ سِرَّ القَدَرِ، وزالَتْ عَنْكَ شُكُوكٌ كَثِيرَةٌ، وشُبَهاتٌ في هَذا البابِ، وعَلِمْتَ حِكْمَةَ اللَّهِ في إضْلالِهِ مَن يُضِلُّهُ مِن عِبادِهِ، والقُرْآنُ يُصَرِّحُ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] فالأوَّلُ: كُفْرُ عِنادٍ، والثّانِي: كُفْرُ طَبْعٍ، وقَوْلِهِ ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَعاقَبَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ حِينَ تَيَقَّنُوهُ وتَحَقَّقُوهُ، بِأنْ قَلَّبَ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم فَلَمْ يَهْتَدُوا لَهُ. فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ مَوْضِعٌ عَظِيمٌ. وَقالَ تَعالى ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فَهَذا هُدًى بَعْدَ البَيانِ والدِّلالَةِ، وهو شَرْطٌ لا مُوجِبٌ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ هُدًى آخَرُ بَعْدَهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ كَمالُ الِاهْتِداءِ، وهو هُدى التَّوْفِيقِ والإلْهامِ. وَهَذا البَيانُ نَوْعانِ: بَيانٌ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ المَتْلُوَّةِ، وبَيانٌ بِالآياتِ المَشْهُودَةِ المَرْئِيَّةِ، وكِلاهُما أدِلَّةٌ وآياتٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وكَمالِهِ، وصِدْقِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ، ولِهَذا يَدْعُو عِبادَهُ بِآياتِهِ المَتْلُوَّةِ إلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ويَحُضُّهم عَلى التَّفْكِيرِ في هَذِهِ وهَذِهِ، وهَذا البَيانُ هو الَّذِي بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وجُعِلَ إلَيْهِمْ وإلى العُلَماءِ بَعْدَهُمْ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] فالرُّسُلُ تُبَيِّنُ، واللَّهُ هو الَّذِي يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ.

التوبة 9:117

(فائدة) التَّوْبَةُ كَما أنَّها مِن أوَّلِ المَقاماتِ فَهي آخِرُها أيْضًا، بَلْ هي في كُلِّ مَقامٍ مُسْتَصْحَبَةٌ، ولِهَذا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى آخِرَ مَقاماتِ خاصَّتِهِ، فَقالَ تَعالى في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ الغَزَواتِ الَّتِي قَطَعُوا فِيها الأوْدِيَةَ والبِداياتِ والأحْوالَ والنِّهاياتِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فَجَعَلَ التَّوْبَةَ أوَّلَ أمْرِهِمْ وآخِرَهُ. (فصل) اعْلَمِ الآنَ: أنَّ التَّوْبَةَ نِهايَةُ كُلِّ عارِفٍ، وغايَةُ كُلِّ سالِكٍ، وكَما أنَّها بِدايَةٌ فَهي نِهايَةٌ، والحاجَةُ إلَيْها في النِّهايَةِ أشَدُّ مِنَ الحاجَةِ إلَيْها في البِدايَةِ، بَلْ هي في النِّهايَةِ في مَحَلِّ الضَّرُورَةِ. فاسْمَعِ الآنَ ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ في آخِرِ الأمْرِ عِنْدَ النِّهايَةِ، وكَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ أشَدَّ ما كانَ اسْتِغْفارًا وأكْثَرَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] وَهَذا أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ الغَزَواتِ الَّتِي غَزاها ﷺ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ شُكْرانًا لِما تَقَدَّمَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ، وذَلِكَ الجِهادُ، وقالَ تَعالى في آخِرِ ما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ: إذا ﴿جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣] وَفِي الصَّحِيحِ أنَّهُ ﷺ ما صَلّى صَلاةً - بَعْدَ ما نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ - إلّا قالَ فِيها: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وذَلِكَ في نِهايَةِ أمْرِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، ولِهَذا فَهِمَ مِنها عُلَماءُ الصَّحابَةِ - كَعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنَّ أجَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أعْلَمَهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِاسْتِغْفارِ في نِهايَةِ أحْوالِهِ، وآخِرِ أمْرِهِ، عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مَقامًا وحالًا، وآخِرُ ما سُمِعَ مِن كَلامِهِ عِنْدَ قُدُومِهِ عَلى رَبِّهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وألْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعْلى وكانَ ﷺ يَخْتِمُ عَلى كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ بِالِاسْتِغْفارِ»، كالصَّوْمِ، والصَّلاةِ، والحَجِّ، والجِهادِ، فَإنَّهُ كانَ إذا فَرَغَ مِنهُ، وأشْرَفَ عَلى المَدِينَةِ، قالَ: «آيِبُونَ، تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» وشَرَّعَ أنْ يُخْتَمَ المَجْلِسُ بِالِاسْتِغْفارِ، وإنْ كانَ مَجْلِسَ خَيْرٍ وطاعَةٍ، وشَرَّعَ أنْ يَخْتِمَ العَبْدُ عَمَلَ يَوْمِهِ بِالِاسْتِغْفارِ، فَيَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ «أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ» وأنْ يَنامَ عَلى سَيِّدِ الِاسْتِغْفارِ. والعارِفُ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وحُقُوقِهِ يَعْلَمُ أنَّ العَبْدَ أحْوَجُ ما يَكُونُ إلى التَّوْبَةِ في نِهايَتِهِ، وأنَّهُ أحْوَجُ إلى التَّوْبَةِ مِنَ الفَناءِ، والِاتِّصالِ، وجَمْعِ الشَّواهِدِ، وجَمْعِ الوُجُودِ، وجَمْعِ العَيْنِ، وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ أعْلى مَقاماتِ السّالِكِينَ، وغايَةُ مَطْلَبِ المُقَرَّبِينَ، ولَمْ يَأْتِ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ، ولا في السُّنَّةِ، ولا يَعْرِفُهُ إلّا النّادِرُ مِنَ النّاسِ، ولا يَتَصَوَّرُهُ أكْثَرُهم إلّا بِصُعُوبَةٍ ومَشَقَّةٍ، ولَوْ سَمِعَهُ أكْثَرُ الخَلْقِ لَما فَهِمُوهُ، ولا عَرَفُوا المُرادَ مِنهُ إلّا بِتَرْجَمَةٍ؟ فَأيْنَ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، أوْ كَلامِ الصَّحابَةِ - الَّذِينَ نِسْبَةُ مَعارِفِ مَن بَعْدَهم إلى مَعارِفِهِمْ كَنِسْبَةِ فَضْلِهِمْ ودِينِهِمْ وجِهادِهِمْ إلَيْهِمْ - ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أوْ يُشِيرُ إلَيْهِ؟ (فائدة) وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا مِن أعْظَمِ ما يُعَرِّفُ العَبْدَ قَدْرَ التَّوْبَةِ وفَضْلَها عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّها غايَةُ كَمالِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهم هَذا الكَمالَ بَعْدَ آخِرِ الغَزَواتِ بَعْدَ أنْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ، وبَذَلُوا نُفُوسَهم وأمْوالَهم ودِيارَهم لِلَّهِ، وكانَ غايَةَ أمْرِهِمْ أنْ تابَ عَلَيْهِمْ، ولِهَذا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ تَوْبَةِ كَعْبٍ خَيْرَ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْهِ مُنْذُ ولَدَتْهُ أُمُّهُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَعْرِفُ هَذا حَقَّ مَعْرِفَتِهِ إلّا مَن عَرَفَ اللَّهَ، وعَرَفَ حُقُوقَهُ عَلَيْهِ، وعَرَفَ ما يَنْبَغِي لَهُ مِن عُبُودِيَّتِهِ، وعَرَفَ نَفْسَهُ وصِفاتِها وأفْعالَها، وأنَّ الَّذِي قامَ بِهِ مِنَ العُبُودِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَقِّ رَبِّهِ عَلَيْهِ كَقَطْرَةٍ في بَحْرٍ، هَذا إذا سَلِمَ مِنَ الآفاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَسُبْحانَ مَن لا يَسَعُ عِبادَهُ غَيْرُ عَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ وتَغَمُّدِهِ لَهم بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ، ولَيْسَ إلّا ذَلِكَ أوِ الهَلاكَ، فَإنْ وضَعَ عَلَيْهِمْ عَدْلَهُ فَعَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، عَذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، وإنْ رَحِمَهم فَرَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَهم مِن أعْمالِهِمْ، ولا يُنْجِي أحَدًا مِنهم عَمَلُهُ. [فَصْلٌ: في مَعْنى تَكْرِيرِ اللَّهِ لِلَفْظِ (التَّوْبَةِ) في الآيَةِ] وَتَأمَّلْ تَكْرِيرَهُ سُبْحانَهُ تَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ في أوَّلِ الآيَةِ وآخِرِها، فَإنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا بِتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمّا تابُوا تابَ عَلَيْهِمْ ثانِيًا بِقَبُولِها مِنهُمْ، وهو الَّذِي وفَّقَهم لِفِعْلِها، وتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِقَبُولِها، فالخَيْرُ كُلُّهُ مِنهُ وبِهِ ولَهُ وفي يَدَيْهِ، يُعْطِيهِ مَن يَشاءُ إحْسانًا وفَضْلًا، ويَحْرِمُهُ مَن يَشاءُ حِكْمَةً وعَدْلًا. [فَصْلٌ تَوْبَةُ العَبْدِ بَيْنَ تَوْبَتَيْنِ مِن رَبِّهِ] وَتَوْبَةُ العَبْدِ إلى اللَّهِ مَحْفُوفَةٌ بِتَوْبَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ قَبْلَها، وتَوْبَةٍ مِنهُ بَعْدَها، فَتَوْبَتُهُ بَيْنَ تَوْبَتَيْنِ مِن رَبِّهِ، سابِقَةٍ ولاحِقَةٍ، فَإنَّهُ تابَ عَلَيْهِ أوَّلًا إذْنًا وتَوْفِيقًا وإلْهامًا، فَتابَ العَبْدُ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثانِيًا، قَبُولًا وإثابَةً، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ - وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧-١١٨] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ تَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ سَبَقَتْ تَوْبَتَهُمْ، وأنَّها هي الَّتِي جَعَلَتْهم تائِبِينَ، فَكانَتْ سَبَبًا مُقْتَضِيًا لِتَوْبَتِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم ما تابُوا حَتّى تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، والحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفاءِ عِلَّتِهِ. وَنَظِيرُ هَذا هِدايَتُهُ لِعَبْدِهِ قَبْلَ الِاهْتِداءِ، فَيَهْتَدِي بِهِدايَتِهِ، فَتُوجِبُ لَهُ تِلْكَ الهِدايَةُ هِدايَةً أُخْرى يُثِيبُهُ اللَّهُ بِها هِدايَةً عَلى هِدايَتِهِ، فَإنَّ مِن ثَوابِ الهُدى الهُدى بَعْدَهُ، كَما أنَّ مِن عُقُوبَةِ الضَّلالَةِ الضَّلالَةُ بَعْدَها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] فَهَداهم أوْلًا فاهْتَدَوْا، فَزادَهم هُدًى ثانِيًا، وعَكْسُهُ في أهْلِ الزَّيْغِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فَهَذِهِ الإزاغَةُ الثّانِيَةُ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى زَيْغِهِمْ. وَهَذا القَدْرُ مِن سِرِّ اسْمَيْهِ الأوَّلِ والآخِرِ، فَهو المُعِدُّ، وهو المُمِدُّ، ومِنهُ السَّبَبُ والمُسَبَّبُ، وهو الَّذِي يُعِيذُ مِن نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، كَما قالَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِهِ: «وَأعُوذُ بِكَ مِنكَ،» والعَبْدُ تَوّابٌ، واللَّهُ تَوّابٌ، فَتَوْبَةُ العَبْدِ رُجُوعُهُ إلى سَيِّدِهِ بَعْدَ الإباقِ، وتَوْبَةُ اللَّهِ نَوْعانِ: إذْنٌ وتَوْفِيقٌ، وقَبُولٌ وإمْدادٌ. [فَصْلٌ مَبْدَأُ التَّوْبَةِ ومُنْتَهاها] والتَّوْبَةُ لَها مَبْدَأٌ ومُنْتَهًى، فَمَبْدَؤُها الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ بِسُلُوكِ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي نَصَبَهُ لِعِبادِهِ، مُوصِلًا إلى رِضْوانِهِ، وأمَرَهم بِسُلُوكِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وَنِهايَتُها الرُّجُوعُ إلَيْهِ في المَعادِ، وسُلُوكُ صِراطِهِ الَّذِي نَصَبَهُ مُوصِلًا إلى جَنَّتِهِ، فَمَن رَجَعَ إلى اللَّهِ في هَذِهِ الدّارِ بِالتَّوْبَةِ رَجَعَ إلَيْهِ في المَعادِ بِالثَّوابِ، وهَذا هو أحَدُ التَّأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ [الفرقان: ٧١] قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ: يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، مَتابًا حَسَنًا يُفَضَّلُ عَلى غَيْرِهِ فالتَّوْبَةُ الأُولى - وهي قَوْلُهُ: ومَن تابَ - رُجُوعٌ عَنِ الشِّرْكِ، والثّانِيَةُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ لِلْجَزاءِ والمُكافَأةِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ الجَزاءَ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الأوامِرِ، والمَعْنى: ومَن عَزَمَ عَلى التَّوْبَةِ وأرادَها، فَلْيَجْعَلْ تَوْبَتَهُ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولِوَجْهِهِ خالِصًا، لا لِغَيْرِهِ. التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ لازِمُ هَذا المَعْنى، وهو إشْعارُ التّائِبِ وإعْلامُهُ بِمَن تابَ إلَيْهِ، ورَجَعَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَلْيَعْلَمْ تَوْبَتَهُ إلى مَن؟ ورُجُوعُهُ إلى مَن؟ فَإنَّها إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ. وَنَظِيرُ هَذا - عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ - قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] أيِ اعْلَمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَن عَصى أوامِرَهُ ولَمْ يُبَلِّغْ رِسالَتَهُ. والتَّأْوِيلُ الرّابِعُ: أنَّ التَّوْبَةَ تَكُونُ أوَّلًا بِالقَصْدِ والعَزْمِ عَلى فِعْلِها، ثُمَّ إذا قَوِيَ العَزْمُ وصارَ جازِمًا وجَدَ بِهِ فِعْلَ التَّوْبَةِ، فالتَّوْبَةُ الأُولى بِالعَزْمِ والقَصْدِ لِفِعْلِها، والثّانِيَةُ بِنَفْسِ إيقاعِ التَّوْبَةِ وإيجادِها، والمَعْنى: فَمَن تابَ إلى اللَّهِ قَصْدًا ونِيَّةً وعَزْمًا، فَتَوْبَتُهُ إلى اللَّهِ عَمَلًا وفِعْلًا، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها، أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ». [فَصْلٌ: مَعْنى كَلِمَةِ (خُلِّفُوا) في الآيَةِ] وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قَدْ فَسَّرَها كعب بِالصَّوابِ، وهو أنَّهم خُلِّفُوا مِن بَيْنِ مَن حَلَفَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واعْتَذَرَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، فَخَلَّفَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ عَنْهُمْ، وأرْجَأ أمْرَهم دُونَهُمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ تَخَلُّفَهم عَنِ الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَقالَ: تَخَلَّفُوا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وذَلِكَ لِأنَّهم تَخَلَّفُوا بِأنْفُسِهِمْ، بِخِلافِ تَخْلِيفِهِمْ عَنْ أمْرِ المُتَخَلِّفِينَ سِواهُمْ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَّفَهم عَنْهُمْ، ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) وقد قسم الله خلقه إلى قسمين لا ثالث لهما تائبين وظالمين فقال: ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وكذلك جعلهم قسمين معذبين وتائبين فمن لم يتب فهو معذب ولا بد قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وأمر جميع المؤمنين من أولهم إلى آخرهم بالتوبة ولا يستثنى من ذلك أحد وعلق فلاحهم بها قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وعدد سبحانه من جملة نعمه على خير خلقه وأكرمهم عليه وأطوعهم له وأخشاهم له أن تاب عليه وعلى خواص أتباعه فقال: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ ثم كرر توبته عليهم فقال: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقدم توبته عليهم على توبة الثلاثة الذين خلفوا، وأخبر سبحانه أن الجنة التي وعدها أهلها في التوراة والإنجيل أنها يدخلها التائبون فذكر عموم التائبين أولا ثم خص النبي والمهاجرين والأنصار بها ثم خص الثلاثة الذين خلفوا، فعلم بذلك احتياج جميع الخلق إلى توبته عليهم ومغفرته لهم وعفوه عنهم وقد قال تعالى لسيد ولد آدم وأحب خلقه إليه ﴿عفا الله عنك﴾ فهذا خبر منه وهو أصدق القائلين أو دعاء لرسوله بعفوه عنه وهو طلب من نفسه. وكان ﷺ يقول في سجوده أقرب ما يكون من ربه: "أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقال لأطوع نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن الصديقة بنت الصديق وقد قالت له: يا رسول الله لئن وافقت ليلة القدر فما أدعو به قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" قال الترمذي حديث حسن صحيح. وهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" والله تعالى يحب التوابين والتوبة من أحب الطاعات إليه ويكفي في محبتها شدة فرحه بها كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني والله للهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة" وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده" وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير ثم سار حتى كان بفلاة فأدركته القائلة فنزل فقال تحت شجرة فغلبته عينه وانسل بعيره فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثانيا ثم سعى شرفا ثالثا فلم ير شيئا فأقبل حتى أتى إلى مكانه الذي قال فيه فبينا هو قاعد فيه إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده" فالله أشد فرحا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره. فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها فإن من زعم أن أحدا من الناس يستغني عنها ولا حاجة به إليها فقد جهل حق الربوبية ومرتبة العبودية وينتقص بمن أغناه بزعمه عن التوبة من حيث زعم أنه معظم له إذ عطله عن هذه الطاعة العظيمة التي هي من أجل الطاعات والقربة الشريفة التي هي من أجل القربات وقال لست من أهل هذه الطاعة ولا حاجة بك إليها فلا قدر الله حق قدره ولا قدر العبد حق قدره وقد جعل بعض عباده غنيا عن مغفرة الله وعفوه وتوبته إليه وزعم أنه لا يحتاج إلى ربه في ذلك. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب عن أحدكم من رجل كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع وقد يئس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح" وأكمل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفارا. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" ولما سمع أبو هريرة هذا من النبي ﷺ كان يقول ما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد عنه: "إني لأستغفر الله في اليوم والليلة اثني عشر ألف مرة بقدر ديتي" ثم ساقه من طريق آخر وقال: "بقدر ذنبه" وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي هريرة قال: "ما جلست إلى أحد أكثر استغفارا من رسول الله ﷺ" قال الرجل: "وما جلست إلى أحد أكثر استغفارا من أبي هريرة" وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله ﷺ قال: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" وفي السنن والمسند من حديث ابن عمر قال: "كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل ثنا يونس عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال جلست إلى الشيخ من أصحاب رسول الله ﷺ في مسجد الكوفة فحدثني قال: سمعت رسول الله أو قال قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة" قال الإمام أحمد وثنا يحيى عن شعبة ثنا عمرو بن مرة قال سمعت أبا بردة قال سمعت الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم عز وجل فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" وقال أحمد ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يقول: "اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤا استغفروا" وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير". وحقيقة الأمر أن العبد فقير إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار، فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له وإحسانه إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له وفقير إليه من جهة إلهيته وكونه معبوده وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع البلاء فإنه إن لم يعافيه منها هلك ببعضها وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له فإن لم يعف عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة فما نجى أحد إلا بعفو الله ولا دخل الجنة إلا برحمة الله وكثير من الناس ينظر إلى نفس ما يتاب منه فيراه نقصا ولا ينظر إلى كمال الغاية الحاصلة بالتوبة وأن العبد بعد التوبة النصوح خير منه قبل الذنب ولا ينظر إلى كمال الربوبية وتفرد الرب بالكمال وحده وأن لوازم البشرية لا ينفك منها البشر وأن التوبة غاية كل أحد من ولد آدم وكماله كما كانت هي غايته وكماله فليس للعبد كمال بدون التوبة ألبتة كما أنه ليس له انفكاك عن سببها فإنه سبحانه هو المتفرد المستأثر بالغنى والحمد من كل وجه وبكل اعتبار والعبد هو الفقير المحتاج إليه المضطر إليه بكل وجه وبكل اعتبار فرحمته للعبد خير له من عمله فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا سعادته ولو وكل إلى عمله لم ينج به ألبتة فهذا بعض ما يتعلق بقوله ﷺ: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم" ومما يوضحه أن شكره سبحانه مستحق عليهم بجهة ربوبيته لهم وكونهم عبيده ومماليكه وذلك يوجب عليهم أن يعرفوه ويعظموه ويوحدوه ويتقربوا إليه تقرب العبد المحب الذي يتقلب في نعمه ولا غناء به عنه طرفة عين فهو يدأب في التقرب إليه بجهده ويستفرغ في ذلك وسعه وطاقته ولا يعدل به سواه في شيء من الأشياء ويؤثر رضا سيده على إرادته وهواه بل لا هوى له ولا إرادة إلا فيما يريد سيده ويحبه وهذا يستلزم علوما وأعمالا وإرادات وغرائم لا يعارضها غيرها ولا يبقى له معها التفات إلى غيره بوجه ومعلوم أن ما يطبع عليه البشر لا يفي بذلك وما يستحقه الرب تعالى لذاته وأنه أهل أن يعبد أعظم مما يستحقه لإحسانه فهو المستحق لنهاية العبادة والخضوع والذل لذاته ولإحسانه وإنعامه. وفي بعض الآثار "لو لم أخلق جنة ولا نارا لكنت أهلا أن أعبد" ولهذا يقول أعبد خلقه له يوم القيامة وهم الملائكة "سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" فمن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يعبد به ويستحقه لذاته وإحسانه فلا نسبة للواقع منهم إلى ما يستحقه بوجه من الوجوه فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه وهو سبحانه أعلم بعباده منهم بأنفسهم فلو عذبهم لعذبهم بما يعلمه منهم وإن لم يحيطوا به علما ولو عذبهم قبل أن يرسل رسله إليهم على أعمالهم لم يكن ظالما لهم كما أنه سبحانه لم يظلمهم بمقته لهم قبل إرسال رسوله على كفرهم وشركهم وقبائحهم فإنه سبحانه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ولكن أوجب على نفسه إذ كتب عليها الرحمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه برسالته وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره وعلى قدر نعمه ولا يقوم بذلك أحد كان حقه سبحانه على كل أحد وله المطالبة به وإن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه فإن لم يحفظهم هلكوا وإن لم يرزقهم هلكوا وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهذا شأن ولده من بعده وقد قال موسى كليمه سبحانه: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ وقال: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وقال: ﴿أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ وقال خليله إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ إلى قوله: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وقال أول رسله إلى أهل الأرض: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وقال لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وقال: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَق﴾ إلى قوله: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقد تقدم حديث ابن عباس في دعائه ﷺ: "رب أعني ولا تعن عليّ" وفيه "رب تقبل توبتي واغسل حوبتي" الحديث. [فصل في اعْتِذارُ المُخَلَّفِينَ] «وَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ بَدَأ بِالمَسْجِدِ، فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنّاسِ، فَجاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ لَهُ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلانِيَتَهُمْ، وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ وجاءَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، فَلَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: تَعالَ، قالَ: فَجِئْتُ أمْشِي حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لِي: ما خَلَّفَكَ، ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ " فَقُلْتُ: بَلى، إنِّي واللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيا لَرَأيْتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، ولَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ إنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضى بِهِ عَلَيَّ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنِّي لَأرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ عَنِّي، واللَّهِ ما كانَ لِي مِن عُذْرٍ، واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أقْوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ. فَقُمْتُ، وثارَ رِجالٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ فاتَّبَعُونِي يُؤَنِّبُونِي، فَقالُوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْناكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذا، ولَقَدْ عَجَزْتَ ألّا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما اعْتَذَرَ إلَيْهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كانَ كافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ، قالَ: فَواللَّهِ ما زالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟ قالُوا: نَعَمْ رَجُلانِ، قالا مِثْلَ ما قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُما مِثْلَ ما قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَن هُما؟ قالُوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ شَهِدا بَدْرًا فِيهِما أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي وَنَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنا - أيُّها الثَّلاثَةُ - مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنا النّاسُ وتَغَيَّرُوا لَنا، حَتّى تَنَكَّرَتْ لِيَ الأرْضُ، فَما هي بِالَّتِي أعْرِفُ، فَلَبِثْنا عَلى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأمّا صاحِبايَ فاسْتَكانا وقَعَدا في بُيُوتِهِما يَبْكِيانِ، وأمّا أنا فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأسْواقِ، ولا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ، وآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَأقُولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ عَلَيَّ أمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنهُ فَأُسارِقُهُ النَّظَرَ، فَإذا أقْبَلْتُ عَلى صَلاتِي أقْبَلَ إلَيَّ، وإذا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي، حَتّى إذا طالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِن جَفْوَةِ المُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِطِ أبي قتادة، وهو ابْنُ عَمِّي، وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَواللَّهِ ما رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ: يا أبا قتادة، أنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَناشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَناشَدْتُهُ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَفاضَتْ عَيْنايَ، وتَوَلَّيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ الجِدارَ فَبَيْنا أنا أمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إذا نَبَطِيٌّ مِن أنْباطِ الشّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعامِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، فَطَفِقَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتّى إذا جاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسّانَ، فَإذا فِيهِ أمّا بَعْدُ: فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ قَدْ جَفاكَ، ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحَقْ بِنا نُواسِكَ، فَقُلْتُ لَمّا قَرَأْتُها: وهَذا أيْضًا مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِها التَّنُّورَ فَسَجَرْتُها، حَتّى إذا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ إذا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُها أمْ ماذا؟ قالَ: لا، ولَكِنِ اعْتَزِلْها ولا تَقْرَبْها، وأرْسَلَ إلى صاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرَأتِي: الحَقِي بِأهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهم حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ في هَذا الأمْرِ، فَجاءَتِ امْرَأةُ هلال بن أمية فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هلال بن أمية شَيْخٌ ضائِعٌ لَيْسَ لَهُ خادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ لا يَقْرَبُكِ، قالَتْ: إنَّهُ واللَّهِ ما بِهِ حَرَكَةٌ إلى شَيْءٍ، واللَّهِ ما زالَ يَبْكِي مُنْذُ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ إلى يَوْمِهِ هَذا، قالَ كعب: فَقالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في امْرَأتِكَ كَما أذِنَ لِامْرَأةِ هلال بن أمية أنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وما يُدْرِينِي ما يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيها وأنا رَجُلٌ شابٌّ، ولَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ حَتّى كَمُلَتْ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينِ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلامِنا، فَلَمّا صَلَّيْتُ صَلاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلى سَطْحِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنا، بَيْنا أنا جالِسٌ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى - قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ - سَمِعْتُ صَوْتَ صارِخٍ أوْفى عَلى جَبَلٍ سَلْعٍ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بْنَ مالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ ساجِدًا، فَعَرَفْتُ أنْ قَدْ جاءَ فَرَجٌ مِنَ اللَّهِ، وآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنا حِينَ صَلّى الفَجْرَ، فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشِّرُونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسْلَمَ فَأوْفى عَلى ذِرْوَةِ الجَبَلِ - وكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ - فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبِي فَكَسَوْتُهُ إيّاهُما بِبُشْراهُ، واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما، فانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقّانِي النّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قالَ كعب: حَتّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في المَسْجِدِ حَوْلَهُ النّاسُ، فَقامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ، حَتّى صافَحَنِي وهَنَّأنِي، واللَّهِ ما قامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، ولَسْتُ أنْساها لطلحة، فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ - وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ ـ: (أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ، قالَ: قُلْتُ: أمِن عِنْدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ؟ قالَ: " لا، بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ)، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وجْهُهُ حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنهُ، فَلَمّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ، فَقالَ: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ إنَّما نَجّانِي بِالصِّدْقِ، وإنَّ مِن تَوْبَتِي ألّا أُحَدِّثَ إلّا صِدْقًا ما بَقِيتُ، فَواللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلاهُ اللَّهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى يَوْمِي هَذا ما أبْلانِي، واللَّهِ ما تَعَمَّدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِي هَذا كَذِبًا، وإنِّي لَأرْجُوُ أنْ يَحْفَظَنِيَ اللَّهُ فِيما بَقِيتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، فَواللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ نِعْمَةً قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدانِي لِلْإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أنْ لا أكُونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلِكَ كَما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإنَّ اللَّهَ قالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ ما قالَ لِأحَدٍ، قالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] قالَ كعب: وكانَ تَخَلُّفُنا أيُّها الثَّلاثَةُ عَنْ أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم وأرْجَأ أمْرَنا حَتّى قَضى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] ولَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمّا خَلَّفَنا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما هو تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجاؤُهُ أمْرَنا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ مِنهُ» وَقالَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنِي معاوية بن صالح، عَنْ علي بن أبي طلحة، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] قالَ: كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ يَمُرُّ النَّبِيُّ ﷺ إذا رَجَعَ في المَسْجِدِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم بِالسَّوارِي؟ قالُوا: هَذا أبو لبابة وأصْحابٌ لَهُ، تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْثَقُوا أنْفُسَهم حَتّى يُطْلِقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ويَعْذِرَهُمْ، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وَعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهُمْ، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣ - ] يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وكانَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أمْ يُتابُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] تابَعَهُ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ. [فَصْلٌ: في الإشارَةِ إلى بَعْضِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الغَزْوَةُ مِنَ الفِقْهِ والفَوائِدِ] فَمِنها: جَوازُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ إنْ كانَ خُرُوجُهُ في رَجَبٍ مَحْفُوظًا عَلى ما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ولَكِنْ هاهُنا أمْرٌ آخَرُ، وهو أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ الشَّهْرَ الحَرامَ، بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّها كانَتْ تُحَرِّمُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ في نَسْخِ تَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ قَوْلَيْنِ وذَكَرْنا حُجَجَ الفَرِيقَيْنِ. وَمِنها: تَصْرِيحُ الإمامِ لِلرَّعِيَّةِ وإعْلامُهم بِالأمْرِ الَّذِي يَضُرُّهم سَتْرُهُ وإخْفاؤُهُ؛ لِيَتَأهَّبُوا لَهُ ويُعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، وجَوازُ سَتْرِ غَيْرِهِ عَنْهم والكِنايَةِ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ وَمِنها: أنَّ الإمامَ إذا اسْتَنْفَرَ الجَيْشَ لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ، ولَمْ يَجُزْ لِأحَدٍ التَّخَلُّفُ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ النَّفِيرِ تَعْيِينُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِعَيْنِهِ، بَلْ مَتى اسْتَنْفَرَ الجَيْشَ لَزِمَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُمُ الخُرُوجُ مَعَهُ، وهَذا أحَدُ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ الَّتِي يَصِيرُ فِيها الجِهادُ فَرْضَ عَيْنٍ. والثّانِي: إذا حَضَرَ العَدُوُّ البَلَدَ. والثّالِثُ: إذا حَضَرَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. وَمِنها: وُجُوبُ الجِهادِ بِالمالِ كَما يَجِبُ بِالنَّفْسِ، وهَذا إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وهي الصَّوابُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالجِهادِ بِالمالِ شَقِيقُ الأمْرِ بِالجِهادِ بِالنَّفْسِ في القُرْآنِ، وقَرِينُهُ - بَلْ جاءَ مُقَدَّمًا عَلى الجِهادِ بِالنَّفْسِ - في كُلِّ مَوْضِعٍ إلّا مَوْضِعًا واحِدًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ بِهِ أهَمُّ وآكَدُ مِنَ الجِهادِ بِالنَّفْسِ، ولا رَيْبَ أنَّهُ أحَدُ الجِهادَيْنِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن جَهَّزَ غازِيًا فَقَدْ غَزا» فَيَجِبُ عَلى القادِرِ عَلَيْهِ كَما يَجِبُ عَلى القادِرِ بِالبَدَنِ، ولا يَتِمُّ الجِهادُ بِالبَدَنِ إلّا بِبَذْلِهِ، ولا يَنْتَصِرُ إلّا بِالعَدَدِ والعُدَدِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يُكْثِرَ العَدَدَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَمُدَّ بِالمالِ والعُدَّةِ، وإذا وجَبَ الحَجُّ بِالمالِ عَلى العاجِزِ بِالبَدَنِ فَوُجُوبُ الجِهادِ بِالمالِ أوْلى وأحْرى وَمِنها: ما بَرَزَ بِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ مِنَ النَّفَقَةِ العَظِيمَةِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وسَبَقَ بِهِ النّاسَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا عثمان ما أسْرَرْتَ وما أعْلَنْتَ، وما أخْفَيْتَ وما أبْدَيْتَ، ثُمَّ قالَ: ما ضَرَّ عثمان ما فَعَلَ بَعْدَ اليَوْمِ» وكانَ قَدْ أنْفَقَ ألْفَ دِينارٍ وثَلاثَمِائَةِ بَعِيرٍ بِعُدَّتِها وأحْلاسِها وأقْتابِها وَمِنها: أنَّ العاجِزَ بِمالِهِ لا يُعْذَرُ حَتّى يَبْذُلَ جُهْدَهُ ويَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما نَفى الحَرَجَ عَنْ هَؤُلاءِ العاجِزِينَ بَعْدَ أنْ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَهم فَقالَ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] فَرَجَعُوا يَبْكُونَ لِما فاتَهم مِنَ الجِهادِ، فَهَذا العاجِزُ الَّذِي لا حَرَجَ عَلَيْهِ وَمِنها: اسْتِخْلافُ الإمامِ إذا سافَرَ رَجُلًا مِنَ الرَّعِيَّةِ عَلى الضُّعَفاءِ والمَعْذُورِينَ والنِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، ويَكُونُ نائِبُهُ مِنَ المُجاهِدِينَ؛ لِأنَّهُ مِن أكْبَرِ العَوْنِ لَهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَخْلِفُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فاسْتَخْلَفَهُ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً وَأمّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ فالمَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ أنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي مَعَ النِّساءِ والصِّبْيانِ؟ فَقالَ: أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى، غَيْرَ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي» ولَكِنَّ هَذِهِ كانَتْ خِلافَةً خاصَّةً عَلى أهْلِهِ ﷺ، وأمّا الِاسْتِخْلافُ العامُّ فَكانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيِّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ المُنافِقِينَ لَمّا أرْجَفُوا بِهِ وقالُوا: خَلَّفَهُ اسْتِثْقالًا أخَذَ سِلاحَهُ ثُمَّ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: «كَذَبُوا، ولَكِنْ خَلَّفْتُكَ لِما تَرَكْتُ ورائِي، فارْجِعْ فاخْلُفْنِي في أهْلِي وأهْلِكَ» وَمِنها: جَوازُ الخَرْصِ لِلرُّطَبِ عَلى رُءُوسِ النَّخْلِ، وأنَّهُ مِنَ الشَّرْعِ، والعَمَلِ بِقَوْلِ الخارِصِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَزاةِ خَيْبَرَ، وأنَّ الإمامَ يَجُوزُ أنْ يَخْرِصَ بِنَفْسِهِ كَما خَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيقَةَ المَرْأةِ وَمِنها: أنَّ الماءَ الَّذِي بِآبارِ ثَمُودَ لا يَجُوزُ شُرْبُهُ، ولا الطَّبْخُ مِنهُ، ولا العَجِينُ بِهِ، ولا الطَّهارَةُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسْقى البَهائِمَ إلّا ما كانَ مِن بِئْرِ النّاقَةِ، وكانَتْ مَعْلُومَةً باقِيَةً إلى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عِلْمُ النّاسِ بِها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى وقْتِنا هَذا، فَلا يَرِدُ الرُّكُوبُ بِئْرًا غَيْرَها، وهي مَطْوِيَّةٌ مُحْكَمَةُ البِناءِ واسِعَةُ الأرْجاءِ، آثارُ العِتْقِ عَلَيْها بادِيَةٌ، لا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِها وَمِنها: أنَّ مَن مَرَّ بِدِيارِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والمُعَذَّبِينَ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أنْ يَدْخُلَها ولا يُقِيمَ بِها، بَلْ يُسْرِعُ السَّيْرَ ويَتَقَنَّعُ بِثَوْبِهِ حَتّى يُجاوِزَها، ولا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ إلّا باكِيًا مُعْتَبِرًا وَمِن هَذا إسْراعُ النَّبِيِّ ﷺ السَّيْرَ في وادِي مُحَسِّرٍ بَيْنَ مِنًى وعَرَفَةَ، فَإنَّهُ المَكانُ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ فِيهِ الفِيلَ وأصْحابَهُ وَمِنها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ في السَّفَرِ، وقَدْ جاءَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ في هَذِهِ القِصَّةِ في حَدِيثِ معاذ كَما تَقَدَّمَ، وذَكَرْنا عِلَّةَ الحَدِيثِ ومَن أنْكَرَهُ، ولَمْ يَجِئْ جَمْعُ التَّقْدِيمِ عَنْهُ في سَفَرٍ إلّا هَذا، وصَحَّ عَنْهُ جَمْعُ التَّقْدِيمِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ إلى عَرَفَةَ، فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في وقْتِ الظُّهْرِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأجْلِ النُّسُكِ كَما قالَ أبو حنيفة، وقِيلَ: لِأجْلِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وأحمد، وقِيلَ: لِأجْلِ الشُّغْلِ وهو اشْتِغالُهُ بِالوُقُوفِ واتِّصالُهُ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ أحمد: يَجْمَعُ لِلشُّغْلِ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وَمِنها: جَوازُ التَّيَمُّمِ بِالرَّمْلِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ قَطَعُوا الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ ولَمْ يَحْمِلُوا مَعَهم تُرابًا بِلا شَكٍّ، وتِلْكَ مَفاوِزُ مُعْطِشَةٌ شَكَوْا فِيها العَطَشَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَطْعًا كانُوا يَتَيَمَّمُونَ بِالأرْضِ الَّتِي هم فِيها نازِلُونَ، هَذا كُلُّهُ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «فَحَيْثُما أدْرَكَتْ رَجُلًا مِن أُمَّتِي الصَّلاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وطَهُورُهُ» وَمِنها: «أنَّهُ ﷺ أقامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ» ولَمْ يَقُلْ لِلْأُمَّةِ: لا يَقْصُرُ الرَّجُلُ الصَّلاةَ إذا أقامَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ولَكِنِ اتَّفَقَتْ إقامَتُهُ هَذِهِ المُدَّةَ وهَذِهِ الإقامَةُ في حالِ السَّفَرِ لا تَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ، سَواءٌ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ ولا عازِمٍ عَلى الإقامَةِ بِذَلِكَ المَوْضِعِ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في ذَلِكَ اخْتِلافًا كَثِيرًا. وَمِنها: قَوْلُهُ ﷺ: «ما أنا حَمَلْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَبْرِيُّ، ولا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِهِ، وإنَّما هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: «واللَّهِ لا أُعْطِي أحَدًا شَيْئًا ولا أمْنَعُ، وإنَّما أنا قاسِمٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» فَإنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، إنَّما يَتَصَرَّفُ بِالأمْرِ، فَإذا أمَرَهُ رَبُّهُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ، فاللَّهُ هو المُعْطِي والمانِعُ والحامِلُ، والرَّسُولُ مُنَفِّذٌ لِما أمَرَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فالمُرادُ بِهِ القَبْضَةُ مِنَ الحَصْباءِ الَّتِي رَمى بِها وُجُوهَ المُشْرِكِينَ فَوَصَلَتْ إلى عُيُونِ جَمِيعِهِمْ، فَأثْبَتَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الرَّمْيَ بِاعْتِبارِ النَّبْذِ والإلْقاءِ، فَإنَّهُ فَعَلَهُ، ونَفاهُ عَنْهُ بِاعْتِبارِ الإيصالِ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وهَذا فِعْلُ الرَّبِّ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَةُ العَبْدِ، والرَّمْيُ يُطْلَقُ عَلى الخَذْفِ، وهو مَبْدَؤُهُ، وعَلى الإيصالِ، وهو نِهايَتُهُ [فصل تَرْكُهُ ﷺ قَتْلَ المُنافِقِينَ] فَصْلٌ وَمِنها: تَرْكُهُ قَتْلَ المُنافِقِينَ، وقَدْ بَلَغَهُ عَنْهُمُ الكُفْرُ الصَّرِيحُ، فاحْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: لا يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إذا أظْهَرَ التَّوْبَةَ؛ لِأنَّهم حَلَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهم ما قالُوا، وهَذا إذا لَمْ يَكُنْ إنْكارًا فَهو تَوْبَةٌ وإقْلاعٌ، وقَدْ قالَ أصْحابُنا وغَيْرُهُمْ: ومَن شُهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ عَنْهُ بَعْدُ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: إذا جَحَدَ الرِّدَّةَ كَفاهُ جَحْدُها، ومَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ قالَ: هَؤُلاءِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ، والَّذِي بَلَّغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهم قَوْلَهم لَمْ يُبَلِّغْهم إيّاهُ نِصابُ البَيِّنَةِ، بَلْ شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ واحِدٌ فَقَطْ، كَما شَهِدَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وحْدَهُ عَلى عبد الله بن أبي، وكَذَلِكَ غَيْرُهُ أيْضًا إنَّما شَهِدَ عَلَيْهِ واحِدٌ وَفِي هَذا الجَوابِ نَظَرٌ، فَإنَّ نِفاقَ عبد الله بن أبي وأقْوالَهُ في النِّفاقِ كانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا كالمُتَواتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، وبَعْضُهم أقَرَّ بِلِسانِهِ وقالَ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، وقَدْ واجَهَهُ بَعْضُ الخَوارِجِ في وجْهِهِ بِقَوْلِهِ: إنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، والنَّبِيُّ ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ألا تَقْتُلُهُمْ؟ لَمْ يَقُلْ: ما قامَتْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، بَلْ قالَ: لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ فالجَوابُ الصَّحِيحُ إذَنْ، أنَّهُ كانَ في تَرْكِ قَتْلِهِمْ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ مَصْلَحَةٌ تَتَضَمَّنُ تَأْلِيفَ القُلُوبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجَمْعَ كَلِمَةِ النّاسِ عَلَيْهِ، وكانَ في قَتْلِهِمْ تَنْفِيرٌ، والإسْلامُ بَعْدُ في غُرْبَةٍ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْرَصُ شَيْءٍ عَلى تَأْلِيفِ النّاسِ، وأتْرَكُ شَيْءٍ لِما يُنَفِّرُهم عَنِ الدُّخُولِ في طاعَتِهِ، وهَذا أمْرٌ كانَ يَخْتَصُّ بِحالِ حَياتِهِ ﷺ، وكَذَلِكَ تَرْكُ قَتْلِ مَن طَعَنَ عَلَيْهِ في حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ في قِصَّةِ الزبير وخَصْمِهِ: أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ وَفِي قَسْمِهِ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، وقَوْلُ الآخَرِ لَهُ: إنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَإنَّ هَذا مَحْضُ حَقِّهِ، لَهُ أنْ يَسْتَوْفِيَهِ، ولَهُ أنْ يَتْرُكَهُ، ولَيْسَ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهُ تَرْكُ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ اسْتِيفاؤُهُ، ولا بُدَّ ولِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَسائِلِ مَوْضِعٌ آخَرُ، والغَرَضُ التَّنْبِيهُ والإشارَةُ [فصل في إذا أحْدَثَ أحَدٌ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى المُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ] فَصْلٌ وَمِنها: أنَّ أهْلَ العَهْدِ والذِّمَّةِ إذا أحْدَثَ أحَدٌ مِنهم حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى الإسْلامِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ في مالِهِ ونَفْسِهِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الإمامُ فَدَمُهُ ومالُهُ هَدْرٌ، وهو لِمَن أخَذَهُ، كَما قالَ في صُلْحِ أهْلِ أيْلَةَ: فَمَن أحْدَثَ مِنهم حَدَثًا فَإنَّهُ لا يَحُولُ مالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وهو لِمَن أخَذَهُ مِنَ النّاسِ، وهَذا لِأنَّهُ بِالأحْداثِ صارَ مُحارَبًا حُكْمُهُ حُكْمُ أهْلِ الحَرْبِ [فصل في جَوازُ الدَّفْنِ لَيْلًا] فَصْلٌ وَمِنها: جَوازُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ كَما دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذا البجادين لَيْلًا. وَقَدْ سُئِلَ أحمد عَنْهُ فَقالَ: وما بَأْسٌ بِذَلِكَ، وقالَ: أبو بكر دُفِنَ لَيْلًا، وعلي دَفَنَ فاطمة لَيْلًا، وقالَتْ عائشة: (سَمِعْنا صَوْتَ المَساحِي مِن آخِرِ اللَّيْلِ في دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ. انْتَهى. ودُفِنَ عثمان وعائشة وابْنُ مَسْعُودٍ لَيْلًا وَفِي الترمذي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِراجٌ فَأخَذَهُ مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وقالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إنْ كُنْتَ لَأوّاهًا تَلّاءً لِلْقُرْآنِ» قالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي البُخارِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَألَ عَنْ رَجُلٍ، فَقالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: فُلانٌ دُفِنَ البارِحَةَ، فَصَلّى عَلَيْهِ» فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُونَ بِما رَواهُ مسلم في " صَحِيحِهِ " «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ في كَفَنٍ غَيْرِ طائِلٍ وقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتّى يُصَلّى عَلَيْهِ، إلّا أنْ يَضْطَرَّ إنْسانٌ إلى ذَلِكَ» قالَ الإمامُ أحْمَدُ: إلَيْهِ أذْهَبُ قِيلَ: نَقُولُ بِالحَدِيثَيْنِ بِحَمْدِ اللَّهِ، ولا نَرُدُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ، فَنَكْرَهُ الدَّفْنَ بِاللَّيْلِ، بَلْ نَزْجُرُ عَنْهُ، إلّا لِضَرُورَةٍ أوْ مَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، كَمَيِّتٍ ماتَ مَعَ المُسافِرِينَ بِاللَّيْلِ ويَتَضَرَّرُونَ بِالإقامَةِ بِهِ إلى النَّهارِ، وكَما إذا خِيفَ عَلى المَيِّتِ الِانْفِجارَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المُرَجِّحَةِ لِلدَّفْنِ لَيْلًا. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فصل في ثَوابُ مَن حَبَسَهُ العُذْرُ] فَصْلٌ وَمِنها: قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكُمْ»، فَهَذِهِ المَعِيَّةُ هي بِقُلُوبِهِمْ وهِمَمِهِمْ، لا كَما يَظُنُّهُ طائِفَةٌ مِنَ الجُهّالِ أنَّهم مَعَهم بِأبْدانِهِمْ، فَهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّهم قالُوا لَهُ: وهم بِالمَدِينَةِ؟ قالَ: (وَهم بِالمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ) وكانُوا مَعَهُ بِأرْواحِهِمْ وبِدارِ الهِجْرَةِ بِأشْباحِهِمْ، وهَذا مِنَ الجِهادِ بِالقَلْبِ، وهو أحَدُ مَراتِبِهِ الأرْبَعِ، وهِيَ: القَلْبُ واللِّسانُ والمالُ والبَدَنُ، وفي الحَدِيثِ: «جاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِألْسِنَتِكم وقُلُوبِكم وأمْوالِكُمْ» [فصل في تَحْرِيقُ أمْكِنَةِ المَعْصِيَةِ وهَدْمُها] فَصْلٌ وَمِنها: تَحْرِيقُ أمْكِنَةِ المَعْصِيَةِ الَّتِي يُعْصى اللَّهُ ورَسُولُهُ فِيها وهَدْمُها، كَما حَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَ الضِّرارِ وأمَرَ بِهَدْمِهِ، وهو مَسْجِدٌ يُصَلّى فِيهِ ويُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ فِيهِ؛ لَمّا كانَ بِناؤُهُ ضِرارًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ومَأْوًى لِلْمُنافِقِينَ، وكُلُّ مَكانٍ هَذا شَأْنُهُ فَواجِبٌ عَلى الإمامِ تَعْطِيلُهُ، إمّا بِهَدْمٍ وتَحْرِيقٍ، وإمّا بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ وإخْراجِهِ عَمّا وُضِعَ لَهُ، وإذا كانَ هَذا شَأْنَ مَسْجِدِ الضِّرارِ فَمَشاهِدُ الشِّرْكِ الَّتِي تَدْعُو سَدَنَتُها إلى اتِّخاذِ مَن فِيها أنْدادًا مِن دُونِ اللَّهِ أحَقُّ بِالهَدْمِ وأوْجَبُ، وكَذَلِكَ مَحالُّ المَعاصِي والفُسُوقِ كالحاناتِ وبُيُوتِ الخَمّارِينَ وأرْبابِ المُنْكَراتِ وَقَدْ حَرَقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرْيَةً بِكَمالِها يُباعُ فِيها الخَمْرُ، وحَرَقَ حانُوتَ رويشد الثقفي وسَمّاهُ فُوَيْسِقًا، وحَرَقَ قَصْرَ سعد عَلَيْهِ لَمّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنِ الرَّعِيَّةِ. وهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِ تارِكِي حُضُورِ الجَماعَةِ والجُمُعَةِ. وَمِنها: جَوازُ إنْشادِ الشِّعْرِ لِلْقادِمِ فَرَحًا وسُرُورًا بِهِ، ما لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُحَرَّمٌ مِن لَهْوٍ كَمِزْمارٍ وشَبّابَةٍ وعُودٍ، ولَمْ يَكُنْ غِناءً يَتَضَمَّنْ رُقْيَةَ الفَواحِشِ وما حَرَّمَ اللَّهُ، فَهَذا لا يُحَرِّمُهُ أحَدٌ، وتَعَلُّقُ أرْبابِ السَّماعِ الفِسْقِيِّ بِهِ، كَتَعَلُّقِ مَن يَسْتَحِلُّ شُرْبَ الخَمْرِ المُسْكِرِ قِياسًا عَلى أكْلِ العِنَبِ وشُرْبِ العَصِيرِ الَّذِي لا يُسْكِرُ، ونَحْوِ هَذا مِنَ القِياساتِ الَّتِي تُشْبِهُ قِياسَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَمِنها: اسْتِماعُ النَّبِيِّ ﷺ مَدْحَ المادِحِينَ لَهُ وتَرْكُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، ولا يَصِحُّ قِياسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ في هَذا؛ لِما بَيْنَ المادِحِينَ والمَمْدُوحِينَ مِنَ الفُرُوقِ، وقَدْ قالَ: «احْثُوا في وُجُوهِ المَدّاحِينَ التُّرابَ» ومِنها: ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا مِنَ الحِكَمِ والفَوائِدِ الجَمَّةِ، فَنُشِيرُ إلى بَعْضِها: فَمِنها: جَوازُ إخْبارِ الرَّجُلِ عَنْ تَفْرِيطِهِ وتَقْصِيرِهِ في طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّحْذِيرِ والنَّصِيحَةِ وبَيانِ طُرُقِ الخَيْرِ والشَّرِّ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، ما هو مِن أهَمِّ الأُمُورِ وَمِنها: جَوازُ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ إذا لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ الفَخْرِ والتَّرَفُّعِ. وَمِنها: تَسْلِيَةُ الإنْسانِ نَفْسَهُ عَمّا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ بِما قُدِّرَ لَهُ مِن نَظِيرِهِ أوْ خَيْرٍ مِنهُ وَمِنها: أنَّ بَيْعَةَ العَقَبَةِ كانَتْ مِن أفْضَلِ مَشاهِدِ الصَّحابَةِ، حَتّى إنَّ كعبا كانَ لا يَراها دُونَ مَشْهَدِ بَدْرٍ وَمِنها: أنَّ الإمامَ إذا رَأى المَصْلَحَةَ في أنْ يَسْتُرَ عَنْ رَعِيَّتِهِ بَعْضَ ما يَهُمُّ بِهِ ويَقْصِدُهُ مِنَ العَدُوِّ ويُوَرِّي بِهِ عَنْهُ اسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ أوْ يَتَعَيَّنُ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ وَمِنها: أنَّ السَّتْرَ والكِتْمانَ إذا تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً لَمْ يَجُزْ وَمِنها: أنَّ الجَيْشَ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهم دِيوانٌ وأوَّلُ مَن دَوَّنَ الدِّيوانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهَذا مِن سُنَّتِهِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّباعِها، وظَهَرَتْ مَصْلَحَتُها وحاجَةُ المُسْلِمِينَ إلَيْها وَمِنها: أنَّ الرَّجُلَ إذا حَضَرَتْ لَهُ فُرْصَةُ القُرْبَةِ والطّاعَةِ فالحَزْمُ كُلُّ الحَزْمِ في انْتِهازِها والمُبادَرَةِ إلَيْها، والعَجْزُ في تَأْخِيرِها والتَّسْوِيفِ بِها، ولا سِيَّما إذا لَمْ يَثِقْ بِقُدْرَتِهِ وتَمَكُّنِهِ مِن أسْبابِ تَحْصِيلِها، فَإنَّ العَزائِمَ والهِمَمَ سَرِيعَةُ الِانْتِقاضِ قَلَّما ثَبَتَتْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُعاقِبُ مَن فَتَحَ لَهُ بابًا مِنَ الخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ، بِأنْ يَحُولَ بَيْنَ قَلْبِهِ وإرادَتِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ بَعْدُ مِن إرادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَمَن لَمْ يَسْتَجِبْ لِلَّهِ ورَسُولِهِ إذا دَعاهُ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ وإرادَتِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا في قَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقالَ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وَمِنها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا أحَدُ رِجالٍ ثَلاثَةٍ؛ إمّا مَغْمُوصٌ عَلَيْهِ في النِّفاقِ أوْ رَجُلٌ مِن أهْلِ الأعْذارِ، أوْ مَن خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسْتَعْمَلَهُ عَلى المَدِينَةِ، أوْ خَلَّفَهُ لِمَصْلَحَةٍ وَمِنها: أنَّ الإمامَ والمُطاعَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُهْمِلَ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ في بَعْضِ الأُمُورِ، بَلْ يُذَكِّرُهُ لِيُراجِعَ الطّاعَةَ ويَتُوبَ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ بِتَبُوكَ: ما فَعَلَ كعب؟ ولَمْ يَذْكُرْ سِواهُ مِنَ المُخَلَّفِينَ اسْتِصْلاحًا لَهُ ومُراعاةً، وإهْمالًا لِلْقَوْمِ المُنافِقِينَ وَمِنها: جَوازُ الطَّعْنِ في الرَّجُلِ بِما يَغْلِبُ عَلى اجْتِهادِ الطّاعِنِ حَمِيَّةً أوْ ذَبًّا عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومِن هَذا طَعْنُ أهْلِ الحَدِيثِ فِيمَن طَعَنُوا فِيهِ مِنَ الرُّواةِ، ومِن هَذا طَعْنُ ورَثَةِ الأنْبِياءِ وأهْلِ السُّنَّةِ في أهْلِ الأهْواءِ والبِدَعِ لِلَّهِ لا لِحُظُوظِهِمْ وأغْراضِهِمْ وَمِنها: جَوازُ الرَّدِّ عَلى الطّاعِنِ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرّادِّ أنَّهُ وهْمٌ وغَلَطٌ، كَما قالَ معاذ لِلَّذِي طَعَنَ في كعب: بِئْسَ ما قُلْتَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا، ولَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى واحِدٍ مِنهُما وَمِنها: أنَّ السُّنَّةَ لِلْقادِمِ مِنَ السَّفَرِ أنْ يَدْخُلَ البَلَدَ عَلى وُضُوءٍ وأنْ يَبْدَأ بِبَيْتِ اللَّهِ قَبْلَ بَيْتِهِ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ لِلْمُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلى أهْلِهِ وَمِنها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْبَلُ عَلانِيَةَ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ مِنَ المُنافِقِينَ، ويَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلى اللَّهِ، ويُجْرِي عَلَيْهِ حُكْمَ الظّاهِرِ، ولا يُعاقِبُهُ بِما لَمْ يَعْلَمْ مِن سِرِّهِ وَمِنها: تَرْكُ الإمامِ والحاكِمِ رَدَّ السَّلامِ عَلى مَن أحْدَثَ حَدَثًا؛ تَأْدِيبًا لَهُ وزَجْرًا لِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ رَدَّ عَلى كعب، بَلْ قابَلَ سَلامَهُ بِتَبَسُّمِ المُغْضَبِ وَمِنها: أنَّ التَّبَسُّمَ قَدْ يَكُونُ عَنِ الغَضَبِ كَما يَكُونُ عَنِ التَّعَجُّبِ والسُّرُورِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يُوجِبُ انْبِساطَ دَمِ القَلْبِ وثَوَرانَهُ، ولِهَذا تَظْهَرُ حُمْرَةُ الوَجْهِ لِسُرْعَةِ ثَوَرانِ الدَّمِ فِيهِ، فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ السُّرُورُ، والغَضَبُ تَعَجُّبٌ يَتْبَعُهُ ضَحِكٌ وتَبَسُّمٌ، فَلا يَغْتَرُّ المُغْتَرُّ بِضَحِكِ القادِرِ عَلَيْهِ في وجْهِهِ، ولا سِيَّما عِنْدَ المَعْتَبَةِ كَما قِيلَ ؎إذا رَأيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بارِزَةً ∗∗∗ فَلا تَظُنَّنَّ أنَّ اللَّيْثَ مُبْتَسِمُ وَمِنها: مُعاتَبَةُ الإمامِ والمُطاعِ أصْحابَهُ ومَن يَعِزُّ عَلَيْهِ ويَكْرُمُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ عاتَبَ الثَّلاثَةَ دُونَ سائِرِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ مِن مَدْحِ عِتابِ الأحِبَّةِ واسْتِلْذاذِهِ والسُّرُورِ بِهِ، فَكَيْفَ بِعِتابِ أحَبِّ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ إلى المَعْتُوبِ عَلَيْهِ، ولِلَّهِ ما كانَ أحْلى ذَلِكَ العِتابَ وما أعْظَمَ ثَمَرَتَهُ وأجَلَّ فائِدَتَهُ، ولِلَّهِ ما نالَ بِهِ الثَّلاثَةُ مِن أنْواعِ المَسَرّاتِ وحَلاوَةِ الرِّضا وخِلَعِ القَبُولِ وَمِنها: تَوْفِيقُ اللَّهِ لكعب وصاحِبَيْهِ فِيما جاءُوا بِهِ مِنَ الصِّدْقِ، ولَمْ يَخْذُلْهم حَتّى كَذَبُوا واعْتَذَرُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، فَصَلُحَتْ عاجِلَتُهم وفَسَدَتْ عاقِبَتُهم كُلَّ الفَسادِ، والصّادِقُونَ تَعِبُوا في العاجِلَةِ بَعْضَ التَّعَبِ فَأعْقَبَهم صَلاحَ العاقِبَةِ والفَلاحَ كُلَّ الفَلاحِ، وعَلى هَذا قامَتِ الدُّنْيا والآخِرَةُ، فَمَراراتُ المُبادِي حَلاواتٌ في العَواقِبِ، وحَلاواتُ المُبادِي مَراراتٌ في العَواقِبِ. «وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لكعب: (أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ)»، دَلِيلٌ ظاهِرٌ في التَّمَسُّكِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ المَذْكُورِ بِالحُكْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ - فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨-٧٩]، وقَوْلُهُ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرْبَتُها طَهُورًا»، وقَوْلُهُ في هَذا الحَدِيثِ: (أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ)، وهَذا مِمّا لا يَشُكُّ السّامِعُ أنَّ المُتَكَلِّمَ قَصَدَ تَخْصِيصَهُ بِالحُكْمِ. وَقَوْلُ كعب: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَرُدَّ حَرَّ المُصِيبَةِ بِرُوحِ التَّأسِّي بِمَن لَقِيَ مِثْلَ ما لَقِيَ، وقَدْ أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، وهَذا هو الرَّوْحُ الَّذِي مَنَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ النّارِ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]. وقَوْلُهُ: " فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ قَدْ شَهِدا بَدْرًا لِي فِيهِما أُسْوَةٌ ". هَذا المَوْضِعُ مِمّا عُدَّ مِن أوْهامِ الزُّهْرِيِّ، فَإنَّهُ لا يُحْفَظُ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ المَغازِي والسِّيَرِ ألْبَتَّةَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ في أهْلِ بَدْرٍ، لا ابْنُ إسْحاقَ، ولا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ ولا الأموي، ولا الواقِدِيُّ، ولا أحَدٌ مِمَّنْ عَدَّ أهْلَ بَدْرٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يَكُونا مِن أهْلِ بَدْرٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَهْجُرْ حاطبا، ولا عاقَبَهُ وقَدْ جَسَّ عَلَيْهِ، وقالَ لعمر لَمّا هَمَّ بِقَتْلِهِ: «وَما يُدْرِيكَ أنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، وأيْنَ ذَنْبُ التَّخَلُّفِ مِن ذَنْبِ الجَسِّ. قالَ أبُو الفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيِّ: ولَمْ أزَلْ حَرِيصًا عَلى كَشْفِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِهِ حَتّى رَأيْتُ أبا بَكْرٍ الأثْرَمَ قَدْ ذَكَرَ الزُّهْرِيَّ، وذَكَرَ فَضْلَهُ وحِفْظَهُ وإتْقانَهُ، وأنَّهُ لا يَكادُ يُحْفَظُ عَلَيْهِ غَلَطٌ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قالَ: إنَّ مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شَهِدا بَدْرًا، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، والغَلَطُ لا يُعْصَمُ مِنهُ إنْسانٌ. [فصل في نَهْيُهُ ﷺ عَنْ كَلامِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ لِتَأْدِيبِهِمْ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِمْ] فَصْلٌ وَفِي نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كَلامِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِمْ وكَذِبِ الباقِينَ، فَأرادَ هَجْرَ الصّادِقِينَ وتَأْدِيبَهم عَلى هَذا الذَّنْبِ، وأمّا المُنافِقُونَ فَجُرْمُهم أعْظَمُ مِن أنْ يُقابَلَ بِالهَجْرِ، فَدَواءُ هَذا المَرَضِ لا يَعْمَلُ في مَرَضِ النِّفاقِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ، وهَكَذا يَفْعَلُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِعِبادِهِ في عُقُوباتِ جَرائِمِهِمْ، فَيُؤَدِّبُ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ الَّذِي يُحِبُّهُ وهو كَرِيمٌ عِنْدَهُ بِأدْنى زَلَّةٍ وهَفْوَةٍ، فَلا يَزالُ مُسْتَيْقِظًا حَذِرًا، وأمّا مَن سَقَطَ مِن عَيْنِهِ وهانَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعاصِيهِ، وكُلَّما أحْدَثَ ذَنْبًا أحْدَثَ لَهُ نِعْمَةً، والمَغْرُورُ يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مِن كَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الإهانَةِ، وأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ العَذابَ الشَّدِيدَ والعُقُوبَةَ الَّتِي لا عاقِبَةَ مَعَها، كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ في الدُّنْيا، وإذا أرادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أمْسَكَ عَنْهُ عُقُوبَتَهُ في الدُّنْيا، فَيَرِدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِذُنُوبِهِ». وَفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى هِجْرانِ الإمامِ والعالِمِ والمُطاعِ لِمَن فَعَلَ ما يَسْتَوْجِبُ العَتْبَ، ويَكُونُ هِجْرانُهُ دَواءً لَهُ بِحَيْثُ لا يَضْعُفُ عَنْ حُصُولِ الشِّفاءِ بِهِ، ولا يَزِيدُ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ عَلَيْهِ فَيُهْلِكَهُ، إذِ المُرادُ تَأْدِيبُهُ لا إتْلافُهُ. وَقَوْلُهُ: «حَتّى تَنَكَّرَتْ لِيَ الأرْضُ، فَما هي بِالَّتِي أعْرِفُ»، هَذا التَّنَكُّرُ يَجِدُهُ الخائِفُ والحَزِينُ والمَهْمُومُ في الأرْضِ، وفي الشَّجَرِ والنَّباتِ، حَتّى يَجِدَهُ فِيمَن لا يَعْلَمُ حالَهُ مِنَ النّاسِ، ويَجِدُهُ أيْضًا المُذْنِبُ العاصِي بِحَسَبِ جُرْمِهِ حَتّى في خُلُقِ زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، وخادِمِهِ ودابَّتِهِ، ويَجِدُهُ في نَفْسِهِ أيْضًا، فَتَتَنَكَّرُ لَهُ نَفْسُهُ حَتّى ما كَأنَّهُ هُوَ، ولا كَأنَّ أهْلَهُ وأصْحابَهُ، ومَن يُشْفِقُ عَلَيْهِ بِالَّذِينَ يَعْرِفُهُمْ، وهَذا سِرٌّ مِنَ اللَّهِ لا يَخْفى إلّا عَلى مَن هو مَيِّتُ القَلْبِ، وعَلى حَسَبِ حَياةِ القَلْبِ، يَكُونُ إدْراكُ هَذا التَّنَكُّرِ والوَحْشَةِ. وَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا التَّنَكُّرَ والوَحْشَةَ كانا لِأهْلِ النِّفاقِ أعْظَمَ، ولَكِنْ لِمَوْتِ قُلُوبِهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِهِ، وهَكَذا القَلْبُ إذا اسْتَحْكَمَ مَرَضُهُ، واشْتَدَّ ألَمُهُ بِالذُّنُوبِ والإجْرامِ، لَمْ يَجِدْ هَذِهِ الوَحْشَةَ والتَّنَكُّرَ، ولَمْ يُحِسَّ بِها، وهَذِهِ عَلامَةُ الشَّقاوَةِ، وأنَّهُ قَدْ أيِسَ مِن عافِيَةِ هَذا المَرَضِ، وأعْيا الأطِبّاءَ شِفاؤُهُ، والخَوْفُ والهَمُّ مَعَ الرِّيبَةِ، والأمْنُ والسُّرُورُ مَعَ البَراءَةِ مِنَ الذَّنْبِ. ؎فَما في الأرْضِ أشْجَعُ مِن بَرِيءٍ ∗∗∗ ولا في الأرْضِ أخْوَفُ مِن مُرِيبِ وَهَذا القَدْرُ قَدْ يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُ البَصِيرُ إذا ابْتُلِيَ بِهِ ثُمَّ راجَعَ، فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ نَفْعًا عَظِيمًا مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ تَفُوتُ الحَصْرَ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا اسْتِثْمارُهُ مِن ذَلِكَ أعْلامَ النُّبُوَّةِ، وذَوْقُهُ نَفْسَ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَيَصِيرُ تَصْدِيقُهُ ضَرُورِيًّا عِنْدَهُ، ويَصِيرُ ما نالَهُ مِنَ الشَّرِّ بِمَعاصِيهِ، ومِنَ الخَيْرِ بِطاعاتِهِ مِن أدِلَّةِ صِدْقِ النُّبُوَّةِ الذَّوْقِيَّةِ الَّتِي لا تَتَطَرَّقُ إلَيْها الِاحْتِمالاتُ، وهَذا كَمَن أخْبَرَكَ أنَّ في هَذِهِ الطَّرِيقِ مِنَ المَعاطِبِ والمَخاوِفِ كَيْتَ وكَيْتَ عَلى التَّفْصِيلِ، فَخالَفْتَهُ وسَلَكْتَها، فَرَأيْتَ عَيْنَ ما أخْبَرَكَ بِهِ، فَإنَّكَ تَشْهَدُ صِدْقَهُ في نَفْسِ خِلافِكَ لَهُ، وأمّا إذا سَلَكْتَ طَرِيقَ الأمْنِ وحْدَها، ولَمْ تَجِدْ مِن تِلْكَ المَخاوِفِ شَيْئًا، فَإنَّهُ وإنْ شَهِدَ صِدْقَ المُخْبِرِ بِما نالَهُ مِنَ الخَيْرِ والظَّفَرِ مُفَصَّلًا، فَإنَّ عِلْمَهُ بِتِلْكَ يَكُونُ مُجْمَلًا. وَفِي مُكاتَبَةِ مَلِكِ غَسّانَ لَكَعْبِ بْنِ مالِكٍ بِالمَصِيرِ إلَيْهِ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وامْتِحانٌ لِإيمانِهِ ومَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وإظْهارٌ لِلصَّحابَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ ضَعُفَ إيمانُهُ بِهَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ والمُسْلِمِينَ لَهُ، ولا هو مِمَّنْ تَحْمِلُهُ الرَّغْبَةُ في الجاهِ والمُلْكِ مَعَ هِجْرانِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لَهُ عَلى مُفارَقَةِ دِينِهِ، فَهَذا فِيهِ مِن تَبْرِئَةِ اللَّهِ لَهُ مِنَ النِّفاقِ وإظْهارِ قُوَّةِ إيمانِهِ، وصِدْقِهِ لِرَسُولِهِ ولِلْمُسْلِمِينَ ما هو مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولُطْفِهِ بِهِ وجَبْرِهِ لِكَسْرِهِ، وهَذا البَلاءُ يُظْهِرُ لُبَّ الرَّجُلِ وسِرَّهُ وما يَنْطَوِي عَلَيْهِ، فَهو كالكِيرِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. فَأبَتْ لَهُ سابِقَةُ الحُسْنى أنْ يَرْغَبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودِينِهِ. [فصل في سُجُودُ الشُّكْرِ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ] فَصْلٌ وَفِي سُجُودِ كعب حِينَ سَمِعَ صَوْتَ المُبَشِّرِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ أنَّ تِلْكَ كانَتْ عادَةَ الصَّحابَةِ، وهي سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعَمِ المُتَجَدِّدَةِ والنِّقَمِ المُنْدَفِعَةِ، وقَدْ سَجَدَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمّا جاءَهُ قَتْلُ مسيلمة الكذاب، وسَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لَمّا وجَدَ ذا الثُّدَيَّةِ مَقْتُولًا في الخَوارِجِ، وسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَشَّرَهُ جِبْرِيلُ أنَّهُ مَن صَلّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وسَجَدَ حِينَ شَفَعَ لِأُمَّتِهِ فَشَفَّعَهُ اللَّهُ فِيهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وأتاهُ بَشِيرٌ فَبَشَّرَهُ بِظَفَرِ جُنْدٍ لَهُ عَلى عَدُوِّهِمْ ورَأْسُهُ في حِجْرِ عائشة، فَقامَ فَخَرَّ ساجِدًا، وقالَ أبو بكرة: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا أتاهُ أمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ لِلَّهِ ساجِدًا»، وهي آثارٌ صَحِيحَةٌ لا مَطْعَنَ فِيها. وَفِي اسْتِباقِ صاحِبِ الفَرَسِ والرّاقِي عَلى سِلَعٍ لِيُبَشِّرا كعبا دَلِيلٌ عَلى حِرْصِ القَوْمِ عَلى الخَيْرِ، واسْتِباقِهِمْ إلَيْهِ، وتَنافُسِهِمْ في مَسَرَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَفِي نَزْعِ كعب ثَوْبَيْهِ وإعْطائِهِما لِلْبَشِيرِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ إعْطاءَ المُبَشِّرِينَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ وعادَةِ الأشْرافِ، وقَدْ أعْتَقَ العباس غُلامَهُ لَمّا بَشَّرَهُ أنَّ عِنْدَ الحجاج بن علاط مِنَ الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يَسُرُّهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ إعْطاءِ البَشِيرِ جَمِيعَ ثِيابِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ تَهْنِئَةِ مَن تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ، والقِيامِ إلَيْهِ إذا أقْبَلَ، ومُصافَحَتِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وهو جائِزٌ لِمَن تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وأنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ لَهُ: لِيَهْنِكَ ما أعْطاكَ اللَّهُ، وما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا الكَلامِ، فَإنَّ فِيهِ تَوْلِيَةَ النِّعْمَةِ رَبَّها، والدُّعاءَ لِمَن نالَها بِالتَّهَنِّي بِها. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَيْرَ أيّامِ العَبْدِ عَلى الإطْلاقِ وأفْضَلَها يَوْمُ تَوْبَتِهِ إلى اللَّهِ، وقَبُولِ اللَّهِ تَوْبَتَهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ». فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا اليَوْمُ خَيْرًا مِن يَوْمِ إسْلامِهِ؟ قِيلَ: هو مُكَمِّلٌ لِيَوْمِ إسْلامِهِ، ومِن تَمامِهِ، فَيَوْمُ إسْلامِهِ بِدايَةُ سَعادَتِهِ، ويَوْمُ تَوْبَتِهِ كَمالُها وتَمامُها، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَفِي سُرُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وفَرَحِهِ بِهِ واسْتِنارَةِ وجْهِهِ دَلِيلٌ عَلى ما جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن كَمالِ الشَّفَقَةِ عَلى الأُمَّةِ والرَّحْمَةِ بِهِمْ والرَّأْفَةِ، حَتّى لَعَلَّ فَرَحَهُ كانَ أعْظَمَ مِن فَرَحِ كعب وصاحِبَيْهِ. وَقَوْلُ كعب: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي». دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ بِما قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ المالِ. وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ، فَهو خَيْرٌ لَكَ»، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إخْراجُ جَمِيعِهِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُبْقِيَ لَهُ مِنهُ بَقِيَّةً، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في ذَلِكَ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: " «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ» " وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قَدْرًا، بَلْ أطْلَقَ، ووَكَلَهُ إلى اجْتِهادِهِ في قَدْرِ الكِفايَةِ، وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ ما نَقَصَ عَنْ كِفايَتِهِ وكِفايَةِ أهْلِهِ لا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، فَنَذْرُهُ لا يَكُونُ طاعَةً، فَلا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وما زادَ عَلى قَدْرِ كِفايَتِهِ وحاجَتِهِ، فَإخْراجُهُ والصَّدَقَةُ بِهِ أفْضَلُ، فَيَجِبُ إخْراجُهُ إذا نَذَرَهُ، هَذا قِياسُ المَذْهَبِ، ومُقْتَضى قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، ولِهَذا تُقَدَّمُ كِفايَةُ الرَّجُلِ، وكِفايَةُ أهْلِهِ عَلى أداءِ الواجِباتِ المالِيَّةِ، سَواءٌ كانَتْ حَقًّا لِلَّهِ كالكَفّاراتِ والحَجِّ، أوْ حَقًّا لِلْآدَمِيِّينَ كَأداءِ الدُّيُونِ، فَإنّا نَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ وكُسْوَةٍ وآلَةِ حِرْفَةٍ، أوْ ما يَتَّجِرُ بِهِ لِمُؤْنَتِهِ إنْ فُقِدَتِ الحِرْفَةُ، ويَكُونُ حَقُّ الغُرَماءِ فِيما بَقِيَ.

التوبة 9:118

(فائدة) التَّوْبَةُ كَما أنَّها مِن أوَّلِ المَقاماتِ فَهي آخِرُها أيْضًا، بَلْ هي في كُلِّ مَقامٍ مُسْتَصْحَبَةٌ، ولِهَذا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى آخِرَ مَقاماتِ خاصَّتِهِ، فَقالَ تَعالى في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ الغَزَواتِ الَّتِي قَطَعُوا فِيها الأوْدِيَةَ والبِداياتِ والأحْوالَ والنِّهاياتِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فَجَعَلَ التَّوْبَةَ أوَّلَ أمْرِهِمْ وآخِرَهُ. (فصل) اعْلَمِ الآنَ: أنَّ التَّوْبَةَ نِهايَةُ كُلِّ عارِفٍ، وغايَةُ كُلِّ سالِكٍ، وكَما أنَّها بِدايَةٌ فَهي نِهايَةٌ، والحاجَةُ إلَيْها في النِّهايَةِ أشَدُّ مِنَ الحاجَةِ إلَيْها في البِدايَةِ، بَلْ هي في النِّهايَةِ في مَحَلِّ الضَّرُورَةِ. فاسْمَعِ الآنَ ما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ في آخِرِ الأمْرِ عِنْدَ النِّهايَةِ، وكَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ أشَدَّ ما كانَ اسْتِغْفارًا وأكْثَرَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] وَهَذا أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ الغَزَواتِ الَّتِي غَزاها ﷺ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ شُكْرانًا لِما تَقَدَّمَ مِن تِلْكَ الأعْمالِ، وذَلِكَ الجِهادُ، وقالَ تَعالى في آخِرِ ما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ: إذا ﴿جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣] وَفِي الصَّحِيحِ أنَّهُ ﷺ ما صَلّى صَلاةً - بَعْدَ ما نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ - إلّا قالَ فِيها: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وذَلِكَ في نِهايَةِ أمْرِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، ولِهَذا فَهِمَ مِنها عُلَماءُ الصَّحابَةِ - كَعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنَّ أجَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أعْلَمَهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالِاسْتِغْفارِ في نِهايَةِ أحْوالِهِ، وآخِرِ أمْرِهِ، عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مَقامًا وحالًا، وآخِرُ ما سُمِعَ مِن كَلامِهِ عِنْدَ قُدُومِهِ عَلى رَبِّهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وألْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعْلى وكانَ ﷺ يَخْتِمُ عَلى كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ بِالِاسْتِغْفارِ»، كالصَّوْمِ، والصَّلاةِ، والحَجِّ، والجِهادِ، فَإنَّهُ كانَ إذا فَرَغَ مِنهُ، وأشْرَفَ عَلى المَدِينَةِ، قالَ: «آيِبُونَ، تائِبُونَ، لِرَبِّنا حامِدُونَ» وشَرَّعَ أنْ يُخْتَمَ المَجْلِسُ بِالِاسْتِغْفارِ، وإنْ كانَ مَجْلِسَ خَيْرٍ وطاعَةٍ، وشَرَّعَ أنْ يَخْتِمَ العَبْدُ عَمَلَ يَوْمِهِ بِالِاسْتِغْفارِ، فَيَقُولُ عِنْدَ النَّوْمِ «أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ وأتُوبُ إلَيْهِ» وأنْ يَنامَ عَلى سَيِّدِ الِاسْتِغْفارِ. والعارِفُ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وحُقُوقِهِ يَعْلَمُ أنَّ العَبْدَ أحْوَجُ ما يَكُونُ إلى التَّوْبَةِ في نِهايَتِهِ، وأنَّهُ أحْوَجُ إلى التَّوْبَةِ مِنَ الفَناءِ، والِاتِّصالِ، وجَمْعِ الشَّواهِدِ، وجَمْعِ الوُجُودِ، وجَمْعِ العَيْنِ، وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ أعْلى مَقاماتِ السّالِكِينَ، وغايَةُ مَطْلَبِ المُقَرَّبِينَ، ولَمْ يَأْتِ لَهُ ذِكْرٌ في القُرْآنِ، ولا في السُّنَّةِ، ولا يَعْرِفُهُ إلّا النّادِرُ مِنَ النّاسِ، ولا يَتَصَوَّرُهُ أكْثَرُهم إلّا بِصُعُوبَةٍ ومَشَقَّةٍ، ولَوْ سَمِعَهُ أكْثَرُ الخَلْقِ لَما فَهِمُوهُ، ولا عَرَفُوا المُرادَ مِنهُ إلّا بِتَرْجَمَةٍ؟ فَأيْنَ في كِتابِ اللَّهِ، أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، أوْ كَلامِ الصَّحابَةِ - الَّذِينَ نِسْبَةُ مَعارِفِ مَن بَعْدَهم إلى مَعارِفِهِمْ كَنِسْبَةِ فَضْلِهِمْ ودِينِهِمْ وجِهادِهِمْ إلَيْهِمْ - ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أوْ يُشِيرُ إلَيْهِ؟ (فائدة) وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا مِن أعْظَمِ ما يُعَرِّفُ العَبْدَ قَدْرَ التَّوْبَةِ وفَضْلَها عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّها غايَةُ كَمالِ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهم هَذا الكَمالَ بَعْدَ آخِرِ الغَزَواتِ بَعْدَ أنْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ، وبَذَلُوا نُفُوسَهم وأمْوالَهم ودِيارَهم لِلَّهِ، وكانَ غايَةَ أمْرِهِمْ أنْ تابَ عَلَيْهِمْ، ولِهَذا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ تَوْبَةِ كَعْبٍ خَيْرَ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْهِ مُنْذُ ولَدَتْهُ أُمُّهُ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَعْرِفُ هَذا حَقَّ مَعْرِفَتِهِ إلّا مَن عَرَفَ اللَّهَ، وعَرَفَ حُقُوقَهُ عَلَيْهِ، وعَرَفَ ما يَنْبَغِي لَهُ مِن عُبُودِيَّتِهِ، وعَرَفَ نَفْسَهُ وصِفاتِها وأفْعالَها، وأنَّ الَّذِي قامَ بِهِ مِنَ العُبُودِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَقِّ رَبِّهِ عَلَيْهِ كَقَطْرَةٍ في بَحْرٍ، هَذا إذا سَلِمَ مِنَ الآفاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَسُبْحانَ مَن لا يَسَعُ عِبادَهُ غَيْرُ عَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ وتَغَمُّدِهِ لَهم بِمَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ، ولَيْسَ إلّا ذَلِكَ أوِ الهَلاكَ، فَإنْ وضَعَ عَلَيْهِمْ عَدْلَهُ فَعَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، عَذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، وإنْ رَحِمَهم فَرَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَهم مِن أعْمالِهِمْ، ولا يُنْجِي أحَدًا مِنهم عَمَلُهُ. [فَصْلٌ: في مَعْنى تَكْرِيرِ اللَّهِ لِلَفْظِ (التَّوْبَةِ) في الآيَةِ] وَتَأمَّلْ تَكْرِيرَهُ سُبْحانَهُ تَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ في أوَّلِ الآيَةِ وآخِرِها، فَإنَّهُ تابَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا بِتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمّا تابُوا تابَ عَلَيْهِمْ ثانِيًا بِقَبُولِها مِنهُمْ، وهو الَّذِي وفَّقَهم لِفِعْلِها، وتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِقَبُولِها، فالخَيْرُ كُلُّهُ مِنهُ وبِهِ ولَهُ وفي يَدَيْهِ، يُعْطِيهِ مَن يَشاءُ إحْسانًا وفَضْلًا، ويَحْرِمُهُ مَن يَشاءُ حِكْمَةً وعَدْلًا. [فَصْلٌ تَوْبَةُ العَبْدِ بَيْنَ تَوْبَتَيْنِ مِن رَبِّهِ] وَتَوْبَةُ العَبْدِ إلى اللَّهِ مَحْفُوفَةٌ بِتَوْبَةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ قَبْلَها، وتَوْبَةٍ مِنهُ بَعْدَها، فَتَوْبَتُهُ بَيْنَ تَوْبَتَيْنِ مِن رَبِّهِ، سابِقَةٍ ولاحِقَةٍ، فَإنَّهُ تابَ عَلَيْهِ أوَّلًا إذْنًا وتَوْفِيقًا وإلْهامًا، فَتابَ العَبْدُ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثانِيًا، قَبُولًا وإثابَةً، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ - وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧-١١٨] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ تَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ سَبَقَتْ تَوْبَتَهُمْ، وأنَّها هي الَّتِي جَعَلَتْهم تائِبِينَ، فَكانَتْ سَبَبًا مُقْتَضِيًا لِتَوْبَتِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم ما تابُوا حَتّى تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، والحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفاءِ عِلَّتِهِ. وَنَظِيرُ هَذا هِدايَتُهُ لِعَبْدِهِ قَبْلَ الِاهْتِداءِ، فَيَهْتَدِي بِهِدايَتِهِ، فَتُوجِبُ لَهُ تِلْكَ الهِدايَةُ هِدايَةً أُخْرى يُثِيبُهُ اللَّهُ بِها هِدايَةً عَلى هِدايَتِهِ، فَإنَّ مِن ثَوابِ الهُدى الهُدى بَعْدَهُ، كَما أنَّ مِن عُقُوبَةِ الضَّلالَةِ الضَّلالَةُ بَعْدَها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] فَهَداهم أوْلًا فاهْتَدَوْا، فَزادَهم هُدًى ثانِيًا، وعَكْسُهُ في أهْلِ الزَّيْغِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فَهَذِهِ الإزاغَةُ الثّانِيَةُ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى زَيْغِهِمْ. وَهَذا القَدْرُ مِن سِرِّ اسْمَيْهِ الأوَّلِ والآخِرِ، فَهو المُعِدُّ، وهو المُمِدُّ، ومِنهُ السَّبَبُ والمُسَبَّبُ، وهو الَّذِي يُعِيذُ مِن نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، كَما قالَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِهِ: «وَأعُوذُ بِكَ مِنكَ،» والعَبْدُ تَوّابٌ، واللَّهُ تَوّابٌ، فَتَوْبَةُ العَبْدِ رُجُوعُهُ إلى سَيِّدِهِ بَعْدَ الإباقِ، وتَوْبَةُ اللَّهِ نَوْعانِ: إذْنٌ وتَوْفِيقٌ، وقَبُولٌ وإمْدادٌ. [فَصْلٌ مَبْدَأُ التَّوْبَةِ ومُنْتَهاها] والتَّوْبَةُ لَها مَبْدَأٌ ومُنْتَهًى، فَمَبْدَؤُها الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ بِسُلُوكِ صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي نَصَبَهُ لِعِبادِهِ، مُوصِلًا إلى رِضْوانِهِ، وأمَرَهم بِسُلُوكِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿وَهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وَنِهايَتُها الرُّجُوعُ إلَيْهِ في المَعادِ، وسُلُوكُ صِراطِهِ الَّذِي نَصَبَهُ مُوصِلًا إلى جَنَّتِهِ، فَمَن رَجَعَ إلى اللَّهِ في هَذِهِ الدّارِ بِالتَّوْبَةِ رَجَعَ إلَيْهِ في المَعادِ بِالثَّوابِ، وهَذا هو أحَدُ التَّأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ [الفرقان: ٧١] قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ: يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا يَعُودُ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، مَتابًا حَسَنًا يُفَضَّلُ عَلى غَيْرِهِ فالتَّوْبَةُ الأُولى - وهي قَوْلُهُ: ومَن تابَ - رُجُوعٌ عَنِ الشِّرْكِ، والثّانِيَةُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ لِلْجَزاءِ والمُكافَأةِ. والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ الجَزاءَ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الأوامِرِ، والمَعْنى: ومَن عَزَمَ عَلى التَّوْبَةِ وأرادَها، فَلْيَجْعَلْ تَوْبَتَهُ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ولِوَجْهِهِ خالِصًا، لا لِغَيْرِهِ. التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ لازِمُ هَذا المَعْنى، وهو إشْعارُ التّائِبِ وإعْلامُهُ بِمَن تابَ إلَيْهِ، ورَجَعَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَلْيَعْلَمْ تَوْبَتَهُ إلى مَن؟ ورُجُوعُهُ إلى مَن؟ فَإنَّها إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ. وَنَظِيرُ هَذا - عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ - قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] أيِ اعْلَمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مَن عَصى أوامِرَهُ ولَمْ يُبَلِّغْ رِسالَتَهُ. والتَّأْوِيلُ الرّابِعُ: أنَّ التَّوْبَةَ تَكُونُ أوَّلًا بِالقَصْدِ والعَزْمِ عَلى فِعْلِها، ثُمَّ إذا قَوِيَ العَزْمُ وصارَ جازِمًا وجَدَ بِهِ فِعْلَ التَّوْبَةِ، فالتَّوْبَةُ الأُولى بِالعَزْمِ والقَصْدِ لِفِعْلِها، والثّانِيَةُ بِنَفْسِ إيقاعِ التَّوْبَةِ وإيجادِها، والمَعْنى: فَمَن تابَ إلى اللَّهِ قَصْدًا ونِيَّةً وعَزْمًا، فَتَوْبَتُهُ إلى اللَّهِ عَمَلًا وفِعْلًا، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها، أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها، فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ». [فَصْلٌ: مَعْنى كَلِمَةِ (خُلِّفُوا) في الآيَةِ] وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قَدْ فَسَّرَها كعب بِالصَّوابِ، وهو أنَّهم خُلِّفُوا مِن بَيْنِ مَن حَلَفَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واعْتَذَرَ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ، فَخَلَّفَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ عَنْهُمْ، وأرْجَأ أمْرَهم دُونَهُمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ تَخَلُّفَهم عَنِ الغَزْوِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ لَقالَ: تَخَلَّفُوا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وذَلِكَ لِأنَّهم تَخَلَّفُوا بِأنْفُسِهِمْ، بِخِلافِ تَخْلِيفِهِمْ عَنْ أمْرِ المُتَخَلِّفِينَ سِواهُمْ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي خَلَّفَهم عَنْهُمْ، ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل) وقد قسم الله خلقه إلى قسمين لا ثالث لهما تائبين وظالمين فقال: ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ وكذلك جعلهم قسمين معذبين وتائبين فمن لم يتب فهو معذب ولا بد قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وأمر جميع المؤمنين من أولهم إلى آخرهم بالتوبة ولا يستثنى من ذلك أحد وعلق فلاحهم بها قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وعدد سبحانه من جملة نعمه على خير خلقه وأكرمهم عليه وأطوعهم له وأخشاهم له أن تاب عليه وعلى خواص أتباعه فقال: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ ثم كرر توبته عليهم فقال: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقدم توبته عليهم على توبة الثلاثة الذين خلفوا، وأخبر سبحانه أن الجنة التي وعدها أهلها في التوراة والإنجيل أنها يدخلها التائبون فذكر عموم التائبين أولا ثم خص النبي والمهاجرين والأنصار بها ثم خص الثلاثة الذين خلفوا، فعلم بذلك احتياج جميع الخلق إلى توبته عليهم ومغفرته لهم وعفوه عنهم وقد قال تعالى لسيد ولد آدم وأحب خلقه إليه ﴿عفا الله عنك﴾ فهذا خبر منه وهو أصدق القائلين أو دعاء لرسوله بعفوه عنه وهو طلب من نفسه. وكان ﷺ يقول في سجوده أقرب ما يكون من ربه: "أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقال لأطوع نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن الصديقة بنت الصديق وقد قالت له: يا رسول الله لئن وافقت ليلة القدر فما أدعو به قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" قال الترمذي حديث حسن صحيح. وهو سبحانه لمحبته للعفو والتوبة خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم وطلبهم عفوه ومغفرته وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" والله تعالى يحب التوابين والتوبة من أحب الطاعات إليه ويكفي في محبتها شدة فرحه بها كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني والله للهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة" وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده" وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير ثم سار حتى كان بفلاة فأدركته القائلة فنزل فقال تحت شجرة فغلبته عينه وانسل بعيره فاستيقظ فسعى شرفا فلم ير شيئا ثم سعى شرفا ثانيا ثم سعى شرفا ثالثا فلم ير شيئا فأقبل حتى أتى إلى مكانه الذي قال فيه فبينا هو قاعد فيه إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده" فالله أشد فرحا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره. فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها فإن من زعم أن أحدا من الناس يستغني عنها ولا حاجة به إليها فقد جهل حق الربوبية ومرتبة العبودية وينتقص بمن أغناه بزعمه عن التوبة من حيث زعم أنه معظم له إذ عطله عن هذه الطاعة العظيمة التي هي من أجل الطاعات والقربة الشريفة التي هي من أجل القربات وقال لست من أهل هذه الطاعة ولا حاجة بك إليها فلا قدر الله حق قدره ولا قدر العبد حق قدره وقد جعل بعض عباده غنيا عن مغفرة الله وعفوه وتوبته إليه وزعم أنه لا يحتاج إلى ربه في ذلك. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: "للهُ أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب عن أحدكم من رجل كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع وقد يئس من راحلته فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح" وأكمل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفارا. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" ولما سمع أبو هريرة هذا من النبي ﷺ كان يقول ما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد عنه: "إني لأستغفر الله في اليوم والليلة اثني عشر ألف مرة بقدر ديتي" ثم ساقه من طريق آخر وقال: "بقدر ذنبه" وقال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي هريرة قال: "ما جلست إلى أحد أكثر استغفارا من رسول الله ﷺ" قال الرجل: "وما جلست إلى أحد أكثر استغفارا من أبي هريرة" وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله ﷺ قال: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" وفي السنن والمسند من حديث ابن عمر قال: "كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل ثنا يونس عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال جلست إلى الشيخ من أصحاب رسول الله ﷺ في مسجد الكوفة فحدثني قال: سمعت رسول الله أو قال قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس توبوا إلى الله عز وجل واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة" قال الإمام أحمد وثنا يحيى عن شعبة ثنا عمرو بن مرة قال سمعت أبا بردة قال سمعت الأغر يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم عز وجل فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" وقال أحمد ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يقول: "اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤا استغفروا" وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير". وحقيقة الأمر أن العبد فقير إلى الله من كل وجه وبكل اعتبار، فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له وإحسانه إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له وفقير إليه من جهة إلهيته وكونه معبوده وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع البلاء فإنه إن لم يعافيه منها هلك ببعضها وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له فإن لم يعف عن العبد ويغفر له فلا سبيل إلى النجاة فما نجى أحد إلا بعفو الله ولا دخل الجنة إلا برحمة الله وكثير من الناس ينظر إلى نفس ما يتاب منه فيراه نقصا ولا ينظر إلى كمال الغاية الحاصلة بالتوبة وأن العبد بعد التوبة النصوح خير منه قبل الذنب ولا ينظر إلى كمال الربوبية وتفرد الرب بالكمال وحده وأن لوازم البشرية لا ينفك منها البشر وأن التوبة غاية كل أحد من ولد آدم وكماله كما كانت هي غايته وكماله فليس للعبد كمال بدون التوبة ألبتة كما أنه ليس له انفكاك عن سببها فإنه سبحانه هو المتفرد المستأثر بالغنى والحمد من كل وجه وبكل اعتبار والعبد هو الفقير المحتاج إليه المضطر إليه بكل وجه وبكل اعتبار فرحمته للعبد خير له من عمله فإن عمله لا يستقل بنجاته ولا سعادته ولو وكل إلى عمله لم ينج به ألبتة فهذا بعض ما يتعلق بقوله ﷺ: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم" ومما يوضحه أن شكره سبحانه مستحق عليهم بجهة ربوبيته لهم وكونهم عبيده ومماليكه وذلك يوجب عليهم أن يعرفوه ويعظموه ويوحدوه ويتقربوا إليه تقرب العبد المحب الذي يتقلب في نعمه ولا غناء به عنه طرفة عين فهو يدأب في التقرب إليه بجهده ويستفرغ في ذلك وسعه وطاقته ولا يعدل به سواه في شيء من الأشياء ويؤثر رضا سيده على إرادته وهواه بل لا هوى له ولا إرادة إلا فيما يريد سيده ويحبه وهذا يستلزم علوما وأعمالا وإرادات وغرائم لا يعارضها غيرها ولا يبقى له معها التفات إلى غيره بوجه ومعلوم أن ما يطبع عليه البشر لا يفي بذلك وما يستحقه الرب تعالى لذاته وأنه أهل أن يعبد أعظم مما يستحقه لإحسانه فهو المستحق لنهاية العبادة والخضوع والذل لذاته ولإحسانه وإنعامه. وفي بعض الآثار "لو لم أخلق جنة ولا نارا لكنت أهلا أن أعبد" ولهذا يقول أعبد خلقه له يوم القيامة وهم الملائكة "سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" فمن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يعبد به ويستحقه لذاته وإحسانه فلا نسبة للواقع منهم إلى ما يستحقه بوجه من الوجوه فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه وهو سبحانه أعلم بعباده منهم بأنفسهم فلو عذبهم لعذبهم بما يعلمه منهم وإن لم يحيطوا به علما ولو عذبهم قبل أن يرسل رسله إليهم على أعمالهم لم يكن ظالما لهم كما أنه سبحانه لم يظلمهم بمقته لهم قبل إرسال رسوله على كفرهم وشركهم وقبائحهم فإنه سبحانه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ولكن أوجب على نفسه إذ كتب عليها الرحمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه برسالته وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره وعلى قدر نعمه ولا يقوم بذلك أحد كان حقه سبحانه على كل أحد وله المطالبة به وإن لم يغفر له ويرحمه وإلا عذبه فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه فإن لم يحفظهم هلكوا وإن لم يرزقهم هلكوا وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهذا شأن ولده من بعده وقد قال موسى كليمه سبحانه: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ وقال: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وقال: ﴿أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ وقال خليله إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ إلى قوله: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ وقال أول رسله إلى أهل الأرض: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وقال لأكرم خلقه عليه وأحبهم إليه: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ وقال: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَق﴾ إلى قوله: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقد تقدم حديث ابن عباس في دعائه ﷺ: "رب أعني ولا تعن عليّ" وفيه "رب تقبل توبتي واغسل حوبتي" الحديث. [فصل في اعْتِذارُ المُخَلَّفِينَ] «وَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ بَدَأ بِالمَسْجِدِ، فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنّاسِ، فَجاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ لَهُ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلانِيَتَهُمْ، وبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ وجاءَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، فَلَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: تَعالَ، قالَ: فَجِئْتُ أمْشِي حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لِي: ما خَلَّفَكَ، ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ " فَقُلْتُ: بَلى، إنِّي واللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيا لَرَأيْتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، ولَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ إنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضى بِهِ عَلَيَّ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إنِّي لَأرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ عَنِّي، واللَّهِ ما كانَ لِي مِن عُذْرٍ، واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أقْوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ. فَقُمْتُ، وثارَ رِجالٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ فاتَّبَعُونِي يُؤَنِّبُونِي، فَقالُوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْناكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذا، ولَقَدْ عَجَزْتَ ألّا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما اعْتَذَرَ إلَيْهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كانَ كافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ، قالَ: فَواللَّهِ ما زالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟ قالُوا: نَعَمْ رَجُلانِ، قالا مِثْلَ ما قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُما مِثْلَ ما قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَن هُما؟ قالُوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ شَهِدا بَدْرًا فِيهِما أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي وَنَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنا - أيُّها الثَّلاثَةُ - مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنا النّاسُ وتَغَيَّرُوا لَنا، حَتّى تَنَكَّرَتْ لِيَ الأرْضُ، فَما هي بِالَّتِي أعْرِفُ، فَلَبِثْنا عَلى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأمّا صاحِبايَ فاسْتَكانا وقَعَدا في بُيُوتِهِما يَبْكِيانِ، وأمّا أنا فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فَأشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ في الأسْواقِ، ولا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ، وآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَأقُولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ عَلَيَّ أمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنهُ فَأُسارِقُهُ النَّظَرَ، فَإذا أقْبَلْتُ عَلى صَلاتِي أقْبَلَ إلَيَّ، وإذا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي، حَتّى إذا طالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِن جَفْوَةِ المُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ جِدارَ حائِطِ أبي قتادة، وهو ابْنُ عَمِّي، وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَواللَّهِ ما رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ: يا أبا قتادة، أنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَناشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَناشَدْتُهُ، فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَفاضَتْ عَيْنايَ، وتَوَلَّيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ الجِدارَ فَبَيْنا أنا أمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إذا نَبَطِيٌّ مِن أنْباطِ الشّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعامِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، فَطَفِقَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتّى إذا جاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسّانَ، فَإذا فِيهِ أمّا بَعْدُ: فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ قَدْ جَفاكَ، ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحَقْ بِنا نُواسِكَ، فَقُلْتُ لَمّا قَرَأْتُها: وهَذا أيْضًا مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِها التَّنُّورَ فَسَجَرْتُها، حَتّى إذا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ إذا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُها أمْ ماذا؟ قالَ: لا، ولَكِنِ اعْتَزِلْها ولا تَقْرَبْها، وأرْسَلَ إلى صاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرَأتِي: الحَقِي بِأهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهم حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ في هَذا الأمْرِ، فَجاءَتِ امْرَأةُ هلال بن أمية فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هلال بن أمية شَيْخٌ ضائِعٌ لَيْسَ لَهُ خادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ لا يَقْرَبُكِ، قالَتْ: إنَّهُ واللَّهِ ما بِهِ حَرَكَةٌ إلى شَيْءٍ، واللَّهِ ما زالَ يَبْكِي مُنْذُ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ إلى يَوْمِهِ هَذا، قالَ كعب: فَقالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في امْرَأتِكَ كَما أذِنَ لِامْرَأةِ هلال بن أمية أنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وما يُدْرِينِي ما يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيها وأنا رَجُلٌ شابٌّ، ولَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيالٍ حَتّى كَمُلَتْ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينِ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلامِنا، فَلَمّا صَلَّيْتُ صَلاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلى سَطْحِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنا، بَيْنا أنا جالِسٌ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى - قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ - سَمِعْتُ صَوْتَ صارِخٍ أوْفى عَلى جَبَلٍ سَلْعٍ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بْنَ مالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ ساجِدًا، فَعَرَفْتُ أنْ قَدْ جاءَ فَرَجٌ مِنَ اللَّهِ، وآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنا حِينَ صَلّى الفَجْرَ، فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشِّرُونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسْلَمَ فَأوْفى عَلى ذِرْوَةِ الجَبَلِ - وكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ - فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبِي فَكَسَوْتُهُ إيّاهُما بِبُشْراهُ، واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما، فانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلَقّانِي النّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قالَ كعب: حَتّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في المَسْجِدِ حَوْلَهُ النّاسُ، فَقامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ، حَتّى صافَحَنِي وهَنَّأنِي، واللَّهِ ما قامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، ولَسْتُ أنْساها لطلحة، فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ - وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ ـ: (أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ، قالَ: قُلْتُ: أمِن عِنْدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ؟ قالَ: " لا، بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ)، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وجْهُهُ حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنهُ، فَلَمّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ، فَقالَ: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ إنَّما نَجّانِي بِالصِّدْقِ، وإنَّ مِن تَوْبَتِي ألّا أُحَدِّثَ إلّا صِدْقًا ما بَقِيتُ، فَواللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلاهُ اللَّهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى يَوْمِي هَذا ما أبْلانِي، واللَّهِ ما تَعَمَّدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِي هَذا كَذِبًا، وإنِّي لَأرْجُوُ أنْ يَحْفَظَنِيَ اللَّهُ فِيما بَقِيتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، فَواللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ نِعْمَةً قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدانِي لِلْإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أنْ لا أكُونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلِكَ كَما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإنَّ اللَّهَ قالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ ما قالَ لِأحَدٍ، قالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] قالَ كعب: وكانَ تَخَلُّفُنا أيُّها الثَّلاثَةُ عَنْ أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبايَعَهم واسْتَغْفَرَ لَهم وأرْجَأ أمْرَنا حَتّى قَضى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] ولَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمّا خَلَّفَنا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما هو تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجاؤُهُ أمْرَنا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ مِنهُ» وَقالَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنِي معاوية بن صالح، عَنْ علي بن أبي طلحة، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] قالَ: كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ يَمُرُّ النَّبِيُّ ﷺ إذا رَجَعَ في المَسْجِدِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم بِالسَّوارِي؟ قالُوا: هَذا أبو لبابة وأصْحابٌ لَهُ، تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْثَقُوا أنْفُسَهم حَتّى يُطْلِقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ويَعْذِرَهُمْ، قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وَعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهُمْ، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا، قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣ - ] يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وكانَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أمْ يُتابُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] تابَعَهُ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ. [فَصْلٌ: في الإشارَةِ إلى بَعْضِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الغَزْوَةُ مِنَ الفِقْهِ والفَوائِدِ] فَمِنها: جَوازُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ إنْ كانَ خُرُوجُهُ في رَجَبٍ مَحْفُوظًا عَلى ما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ولَكِنْ هاهُنا أمْرٌ آخَرُ، وهو أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ الشَّهْرَ الحَرامَ، بِخِلافِ العَرَبِ، فَإنَّها كانَتْ تُحَرِّمُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ في نَسْخِ تَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ قَوْلَيْنِ وذَكَرْنا حُجَجَ الفَرِيقَيْنِ. وَمِنها: تَصْرِيحُ الإمامِ لِلرَّعِيَّةِ وإعْلامُهم بِالأمْرِ الَّذِي يَضُرُّهم سَتْرُهُ وإخْفاؤُهُ؛ لِيَتَأهَّبُوا لَهُ ويُعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، وجَوازُ سَتْرِ غَيْرِهِ عَنْهم والكِنايَةِ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ وَمِنها: أنَّ الإمامَ إذا اسْتَنْفَرَ الجَيْشَ لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ، ولَمْ يَجُزْ لِأحَدٍ التَّخَلُّفُ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يُشْتَرَطُ في وُجُوبِ النَّفِيرِ تَعْيِينُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِعَيْنِهِ، بَلْ مَتى اسْتَنْفَرَ الجَيْشَ لَزِمَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُمُ الخُرُوجُ مَعَهُ، وهَذا أحَدُ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ الَّتِي يَصِيرُ فِيها الجِهادُ فَرْضَ عَيْنٍ. والثّانِي: إذا حَضَرَ العَدُوُّ البَلَدَ. والثّالِثُ: إذا حَضَرَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. وَمِنها: وُجُوبُ الجِهادِ بِالمالِ كَما يَجِبُ بِالنَّفْسِ، وهَذا إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحمد، وهي الصَّوابُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالجِهادِ بِالمالِ شَقِيقُ الأمْرِ بِالجِهادِ بِالنَّفْسِ في القُرْآنِ، وقَرِينُهُ - بَلْ جاءَ مُقَدَّمًا عَلى الجِهادِ بِالنَّفْسِ - في كُلِّ مَوْضِعٍ إلّا مَوْضِعًا واحِدًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ بِهِ أهَمُّ وآكَدُ مِنَ الجِهادِ بِالنَّفْسِ، ولا رَيْبَ أنَّهُ أحَدُ الجِهادَيْنِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن جَهَّزَ غازِيًا فَقَدْ غَزا» فَيَجِبُ عَلى القادِرِ عَلَيْهِ كَما يَجِبُ عَلى القادِرِ بِالبَدَنِ، ولا يَتِمُّ الجِهادُ بِالبَدَنِ إلّا بِبَذْلِهِ، ولا يَنْتَصِرُ إلّا بِالعَدَدِ والعُدَدِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ أنْ يُكْثِرَ العَدَدَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَمُدَّ بِالمالِ والعُدَّةِ، وإذا وجَبَ الحَجُّ بِالمالِ عَلى العاجِزِ بِالبَدَنِ فَوُجُوبُ الجِهادِ بِالمالِ أوْلى وأحْرى وَمِنها: ما بَرَزَ بِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ مِنَ النَّفَقَةِ العَظِيمَةِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وسَبَقَ بِهِ النّاسَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا عثمان ما أسْرَرْتَ وما أعْلَنْتَ، وما أخْفَيْتَ وما أبْدَيْتَ، ثُمَّ قالَ: ما ضَرَّ عثمان ما فَعَلَ بَعْدَ اليَوْمِ» وكانَ قَدْ أنْفَقَ ألْفَ دِينارٍ وثَلاثَمِائَةِ بَعِيرٍ بِعُدَّتِها وأحْلاسِها وأقْتابِها وَمِنها: أنَّ العاجِزَ بِمالِهِ لا يُعْذَرُ حَتّى يَبْذُلَ جُهْدَهُ ويَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما نَفى الحَرَجَ عَنْ هَؤُلاءِ العاجِزِينَ بَعْدَ أنْ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَحْمِلَهم فَقالَ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] فَرَجَعُوا يَبْكُونَ لِما فاتَهم مِنَ الجِهادِ، فَهَذا العاجِزُ الَّذِي لا حَرَجَ عَلَيْهِ وَمِنها: اسْتِخْلافُ الإمامِ إذا سافَرَ رَجُلًا مِنَ الرَّعِيَّةِ عَلى الضُّعَفاءِ والمَعْذُورِينَ والنِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، ويَكُونُ نائِبُهُ مِنَ المُجاهِدِينَ؛ لِأنَّهُ مِن أكْبَرِ العَوْنِ لَهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَخْلِفُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فاسْتَخْلَفَهُ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً وَأمّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ فالمَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ أنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي مَعَ النِّساءِ والصِّبْيانِ؟ فَقالَ: أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى، غَيْرَ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي» ولَكِنَّ هَذِهِ كانَتْ خِلافَةً خاصَّةً عَلى أهْلِهِ ﷺ، وأمّا الِاسْتِخْلافُ العامُّ فَكانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيِّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ المُنافِقِينَ لَمّا أرْجَفُوا بِهِ وقالُوا: خَلَّفَهُ اسْتِثْقالًا أخَذَ سِلاحَهُ ثُمَّ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: «كَذَبُوا، ولَكِنْ خَلَّفْتُكَ لِما تَرَكْتُ ورائِي، فارْجِعْ فاخْلُفْنِي في أهْلِي وأهْلِكَ» وَمِنها: جَوازُ الخَرْصِ لِلرُّطَبِ عَلى رُءُوسِ النَّخْلِ، وأنَّهُ مِنَ الشَّرْعِ، والعَمَلِ بِقَوْلِ الخارِصِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَزاةِ خَيْبَرَ، وأنَّ الإمامَ يَجُوزُ أنْ يَخْرِصَ بِنَفْسِهِ كَما خَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيقَةَ المَرْأةِ وَمِنها: أنَّ الماءَ الَّذِي بِآبارِ ثَمُودَ لا يَجُوزُ شُرْبُهُ، ولا الطَّبْخُ مِنهُ، ولا العَجِينُ بِهِ، ولا الطَّهارَةُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُسْقى البَهائِمَ إلّا ما كانَ مِن بِئْرِ النّاقَةِ، وكانَتْ مَعْلُومَةً باقِيَةً إلى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عِلْمُ النّاسِ بِها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى وقْتِنا هَذا، فَلا يَرِدُ الرُّكُوبُ بِئْرًا غَيْرَها، وهي مَطْوِيَّةٌ مُحْكَمَةُ البِناءِ واسِعَةُ الأرْجاءِ، آثارُ العِتْقِ عَلَيْها بادِيَةٌ، لا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِها وَمِنها: أنَّ مَن مَرَّ بِدِيارِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والمُعَذَّبِينَ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أنْ يَدْخُلَها ولا يُقِيمَ بِها، بَلْ يُسْرِعُ السَّيْرَ ويَتَقَنَّعُ بِثَوْبِهِ حَتّى يُجاوِزَها، ولا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ إلّا باكِيًا مُعْتَبِرًا وَمِن هَذا إسْراعُ النَّبِيِّ ﷺ السَّيْرَ في وادِي مُحَسِّرٍ بَيْنَ مِنًى وعَرَفَةَ، فَإنَّهُ المَكانُ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ فِيهِ الفِيلَ وأصْحابَهُ وَمِنها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ في السَّفَرِ، وقَدْ جاءَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ في هَذِهِ القِصَّةِ في حَدِيثِ معاذ كَما تَقَدَّمَ، وذَكَرْنا عِلَّةَ الحَدِيثِ ومَن أنْكَرَهُ، ولَمْ يَجِئْ جَمْعُ التَّقْدِيمِ عَنْهُ في سَفَرٍ إلّا هَذا، وصَحَّ عَنْهُ جَمْعُ التَّقْدِيمِ بِعَرَفَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ إلى عَرَفَةَ، فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في وقْتِ الظُّهْرِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِأجْلِ النُّسُكِ كَما قالَ أبو حنيفة، وقِيلَ: لِأجْلِ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وأحمد، وقِيلَ: لِأجْلِ الشُّغْلِ وهو اشْتِغالُهُ بِالوُقُوفِ واتِّصالُهُ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، قالَ أحمد: يَجْمَعُ لِلشُّغْلِ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وَمِنها: جَوازُ التَّيَمُّمِ بِالرَّمْلِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ قَطَعُوا الرِّمالَ الَّتِي بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ ولَمْ يَحْمِلُوا مَعَهم تُرابًا بِلا شَكٍّ، وتِلْكَ مَفاوِزُ مُعْطِشَةٌ شَكَوْا فِيها العَطَشَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَطْعًا كانُوا يَتَيَمَّمُونَ بِالأرْضِ الَّتِي هم فِيها نازِلُونَ، هَذا كُلُّهُ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «فَحَيْثُما أدْرَكَتْ رَجُلًا مِن أُمَّتِي الصَّلاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وطَهُورُهُ» وَمِنها: «أنَّهُ ﷺ أقامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ» ولَمْ يَقُلْ لِلْأُمَّةِ: لا يَقْصُرُ الرَّجُلُ الصَّلاةَ إذا أقامَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، ولَكِنِ اتَّفَقَتْ إقامَتُهُ هَذِهِ المُدَّةَ وهَذِهِ الإقامَةُ في حالِ السَّفَرِ لا تَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ، سَواءٌ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ ولا عازِمٍ عَلى الإقامَةِ بِذَلِكَ المَوْضِعِ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في ذَلِكَ اخْتِلافًا كَثِيرًا. وَمِنها: قَوْلُهُ ﷺ: «ما أنا حَمَلْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَبْرِيُّ، ولا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِهِ، وإنَّما هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: «واللَّهِ لا أُعْطِي أحَدًا شَيْئًا ولا أمْنَعُ، وإنَّما أنا قاسِمٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ» فَإنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، إنَّما يَتَصَرَّفُ بِالأمْرِ، فَإذا أمَرَهُ رَبُّهُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ، فاللَّهُ هو المُعْطِي والمانِعُ والحامِلُ، والرَّسُولُ مُنَفِّذٌ لِما أمَرَ بِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] فالمُرادُ بِهِ القَبْضَةُ مِنَ الحَصْباءِ الَّتِي رَمى بِها وُجُوهَ المُشْرِكِينَ فَوَصَلَتْ إلى عُيُونِ جَمِيعِهِمْ، فَأثْبَتَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الرَّمْيَ بِاعْتِبارِ النَّبْذِ والإلْقاءِ، فَإنَّهُ فَعَلَهُ، ونَفاهُ عَنْهُ بِاعْتِبارِ الإيصالِ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وهَذا فِعْلُ الرَّبِّ تَعالى لا تَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَةُ العَبْدِ، والرَّمْيُ يُطْلَقُ عَلى الخَذْفِ، وهو مَبْدَؤُهُ، وعَلى الإيصالِ، وهو نِهايَتُهُ [فصل تَرْكُهُ ﷺ قَتْلَ المُنافِقِينَ] فَصْلٌ وَمِنها: تَرْكُهُ قَتْلَ المُنافِقِينَ، وقَدْ بَلَغَهُ عَنْهُمُ الكُفْرُ الصَّرِيحُ، فاحْتَجَّ بِهِ مَن قالَ: لا يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إذا أظْهَرَ التَّوْبَةَ؛ لِأنَّهم حَلَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهم ما قالُوا، وهَذا إذا لَمْ يَكُنْ إنْكارًا فَهو تَوْبَةٌ وإقْلاعٌ، وقَدْ قالَ أصْحابُنا وغَيْرُهُمْ: ومَن شُهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ عَنْهُ بَعْدُ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: إذا جَحَدَ الرِّدَّةَ كَفاهُ جَحْدُها، ومَن لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ قالَ: هَؤُلاءِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ، والَّذِي بَلَّغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهم قَوْلَهم لَمْ يُبَلِّغْهم إيّاهُ نِصابُ البَيِّنَةِ، بَلْ شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ واحِدٌ فَقَطْ، كَما شَهِدَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وحْدَهُ عَلى عبد الله بن أبي، وكَذَلِكَ غَيْرُهُ أيْضًا إنَّما شَهِدَ عَلَيْهِ واحِدٌ وَفِي هَذا الجَوابِ نَظَرٌ، فَإنَّ نِفاقَ عبد الله بن أبي وأقْوالَهُ في النِّفاقِ كانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا كالمُتَواتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، وبَعْضُهم أقَرَّ بِلِسانِهِ وقالَ: إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، وقَدْ واجَهَهُ بَعْضُ الخَوارِجِ في وجْهِهِ بِقَوْلِهِ: إنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، والنَّبِيُّ ﷺ لَمّا قِيلَ لَهُ: ألا تَقْتُلُهُمْ؟ لَمْ يَقُلْ: ما قامَتْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، بَلْ قالَ: لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ فالجَوابُ الصَّحِيحُ إذَنْ، أنَّهُ كانَ في تَرْكِ قَتْلِهِمْ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ مَصْلَحَةٌ تَتَضَمَّنُ تَأْلِيفَ القُلُوبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجَمْعَ كَلِمَةِ النّاسِ عَلَيْهِ، وكانَ في قَتْلِهِمْ تَنْفِيرٌ، والإسْلامُ بَعْدُ في غُرْبَةٍ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْرَصُ شَيْءٍ عَلى تَأْلِيفِ النّاسِ، وأتْرَكُ شَيْءٍ لِما يُنَفِّرُهم عَنِ الدُّخُولِ في طاعَتِهِ، وهَذا أمْرٌ كانَ يَخْتَصُّ بِحالِ حَياتِهِ ﷺ، وكَذَلِكَ تَرْكُ قَتْلِ مَن طَعَنَ عَلَيْهِ في حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ في قِصَّةِ الزبير وخَصْمِهِ: أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ وَفِي قَسْمِهِ بِقَوْلِهِ: إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، وقَوْلُ الآخَرِ لَهُ: إنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَإنَّ هَذا مَحْضُ حَقِّهِ، لَهُ أنْ يَسْتَوْفِيَهِ، ولَهُ أنْ يَتْرُكَهُ، ولَيْسَ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهُ تَرْكُ اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ اسْتِيفاؤُهُ، ولا بُدَّ ولِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَسائِلِ مَوْضِعٌ آخَرُ، والغَرَضُ التَّنْبِيهُ والإشارَةُ [فصل في إذا أحْدَثَ أحَدٌ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى المُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ] فَصْلٌ وَمِنها: أنَّ أهْلَ العَهْدِ والذِّمَّةِ إذا أحْدَثَ أحَدٌ مِنهم حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلى الإسْلامِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ في مالِهِ ونَفْسِهِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الإمامُ فَدَمُهُ ومالُهُ هَدْرٌ، وهو لِمَن أخَذَهُ، كَما قالَ في صُلْحِ أهْلِ أيْلَةَ: فَمَن أحْدَثَ مِنهم حَدَثًا فَإنَّهُ لا يَحُولُ مالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وهو لِمَن أخَذَهُ مِنَ النّاسِ، وهَذا لِأنَّهُ بِالأحْداثِ صارَ مُحارَبًا حُكْمُهُ حُكْمُ أهْلِ الحَرْبِ [فصل في جَوازُ الدَّفْنِ لَيْلًا] فَصْلٌ وَمِنها: جَوازُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ كَما دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذا البجادين لَيْلًا. وَقَدْ سُئِلَ أحمد عَنْهُ فَقالَ: وما بَأْسٌ بِذَلِكَ، وقالَ: أبو بكر دُفِنَ لَيْلًا، وعلي دَفَنَ فاطمة لَيْلًا، وقالَتْ عائشة: (سَمِعْنا صَوْتَ المَساحِي مِن آخِرِ اللَّيْلِ في دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ. انْتَهى. ودُفِنَ عثمان وعائشة وابْنُ مَسْعُودٍ لَيْلًا وَفِي الترمذي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِراجٌ فَأخَذَهُ مِن قِبَلِ القِبْلَةِ، وقالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إنْ كُنْتَ لَأوّاهًا تَلّاءً لِلْقُرْآنِ» قالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي البُخارِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَألَ عَنْ رَجُلٍ، فَقالَ: مَن هَذا؟ قالُوا: فُلانٌ دُفِنَ البارِحَةَ، فَصَلّى عَلَيْهِ» فَإنْ قِيلَ: فَما تَصْنَعُونَ بِما رَواهُ مسلم في " صَحِيحِهِ " «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ في كَفَنٍ غَيْرِ طائِلٍ وقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتّى يُصَلّى عَلَيْهِ، إلّا أنْ يَضْطَرَّ إنْسانٌ إلى ذَلِكَ» قالَ الإمامُ أحْمَدُ: إلَيْهِ أذْهَبُ قِيلَ: نَقُولُ بِالحَدِيثَيْنِ بِحَمْدِ اللَّهِ، ولا نَرُدُّ أحَدَهُما بِالآخَرِ، فَنَكْرَهُ الدَّفْنَ بِاللَّيْلِ، بَلْ نَزْجُرُ عَنْهُ، إلّا لِضَرُورَةٍ أوْ مَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، كَمَيِّتٍ ماتَ مَعَ المُسافِرِينَ بِاللَّيْلِ ويَتَضَرَّرُونَ بِالإقامَةِ بِهِ إلى النَّهارِ، وكَما إذا خِيفَ عَلى المَيِّتِ الِانْفِجارَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ المُرَجِّحَةِ لِلدَّفْنِ لَيْلًا. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فصل في ثَوابُ مَن حَبَسَهُ العُذْرُ] فَصْلٌ وَمِنها: قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكُمْ»، فَهَذِهِ المَعِيَّةُ هي بِقُلُوبِهِمْ وهِمَمِهِمْ، لا كَما يَظُنُّهُ طائِفَةٌ مِنَ الجُهّالِ أنَّهم مَعَهم بِأبْدانِهِمْ، فَهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّهم قالُوا لَهُ: وهم بِالمَدِينَةِ؟ قالَ: (وَهم بِالمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ) وكانُوا مَعَهُ بِأرْواحِهِمْ وبِدارِ الهِجْرَةِ بِأشْباحِهِمْ، وهَذا مِنَ الجِهادِ بِالقَلْبِ، وهو أحَدُ مَراتِبِهِ الأرْبَعِ، وهِيَ: القَلْبُ واللِّسانُ والمالُ والبَدَنُ، وفي الحَدِيثِ: «جاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِألْسِنَتِكم وقُلُوبِكم وأمْوالِكُمْ» [فصل في تَحْرِيقُ أمْكِنَةِ المَعْصِيَةِ وهَدْمُها] فَصْلٌ وَمِنها: تَحْرِيقُ أمْكِنَةِ المَعْصِيَةِ الَّتِي يُعْصى اللَّهُ ورَسُولُهُ فِيها وهَدْمُها، كَما حَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَ الضِّرارِ وأمَرَ بِهَدْمِهِ، وهو مَسْجِدٌ يُصَلّى فِيهِ ويُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ فِيهِ؛ لَمّا كانَ بِناؤُهُ ضِرارًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ومَأْوًى لِلْمُنافِقِينَ، وكُلُّ مَكانٍ هَذا شَأْنُهُ فَواجِبٌ عَلى الإمامِ تَعْطِيلُهُ، إمّا بِهَدْمٍ وتَحْرِيقٍ، وإمّا بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ وإخْراجِهِ عَمّا وُضِعَ لَهُ، وإذا كانَ هَذا شَأْنَ مَسْجِدِ الضِّرارِ فَمَشاهِدُ الشِّرْكِ الَّتِي تَدْعُو سَدَنَتُها إلى اتِّخاذِ مَن فِيها أنْدادًا مِن دُونِ اللَّهِ أحَقُّ بِالهَدْمِ وأوْجَبُ، وكَذَلِكَ مَحالُّ المَعاصِي والفُسُوقِ كالحاناتِ وبُيُوتِ الخَمّارِينَ وأرْبابِ المُنْكَراتِ وَقَدْ حَرَقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرْيَةً بِكَمالِها يُباعُ فِيها الخَمْرُ، وحَرَقَ حانُوتَ رويشد الثقفي وسَمّاهُ فُوَيْسِقًا، وحَرَقَ قَصْرَ سعد عَلَيْهِ لَمّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنِ الرَّعِيَّةِ. وهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِ تارِكِي حُضُورِ الجَماعَةِ والجُمُعَةِ. وَمِنها: جَوازُ إنْشادِ الشِّعْرِ لِلْقادِمِ فَرَحًا وسُرُورًا بِهِ، ما لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُحَرَّمٌ مِن لَهْوٍ كَمِزْمارٍ وشَبّابَةٍ وعُودٍ، ولَمْ يَكُنْ غِناءً يَتَضَمَّنْ رُقْيَةَ الفَواحِشِ وما حَرَّمَ اللَّهُ، فَهَذا لا يُحَرِّمُهُ أحَدٌ، وتَعَلُّقُ أرْبابِ السَّماعِ الفِسْقِيِّ بِهِ، كَتَعَلُّقِ مَن يَسْتَحِلُّ شُرْبَ الخَمْرِ المُسْكِرِ قِياسًا عَلى أكْلِ العِنَبِ وشُرْبِ العَصِيرِ الَّذِي لا يُسْكِرُ، ونَحْوِ هَذا مِنَ القِياساتِ الَّتِي تُشْبِهُ قِياسَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَمِنها: اسْتِماعُ النَّبِيِّ ﷺ مَدْحَ المادِحِينَ لَهُ وتَرْكُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، ولا يَصِحُّ قِياسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ في هَذا؛ لِما بَيْنَ المادِحِينَ والمَمْدُوحِينَ مِنَ الفُرُوقِ، وقَدْ قالَ: «احْثُوا في وُجُوهِ المَدّاحِينَ التُّرابَ» ومِنها: ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا مِنَ الحِكَمِ والفَوائِدِ الجَمَّةِ، فَنُشِيرُ إلى بَعْضِها: فَمِنها: جَوازُ إخْبارِ الرَّجُلِ عَنْ تَفْرِيطِهِ وتَقْصِيرِهِ في طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، وما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّحْذِيرِ والنَّصِيحَةِ وبَيانِ طُرُقِ الخَيْرِ والشَّرِّ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، ما هو مِن أهَمِّ الأُمُورِ وَمِنها: جَوازُ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ إذا لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ الفَخْرِ والتَّرَفُّعِ. وَمِنها: تَسْلِيَةُ الإنْسانِ نَفْسَهُ عَمّا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ بِما قُدِّرَ لَهُ مِن نَظِيرِهِ أوْ خَيْرٍ مِنهُ وَمِنها: أنَّ بَيْعَةَ العَقَبَةِ كانَتْ مِن أفْضَلِ مَشاهِدِ الصَّحابَةِ، حَتّى إنَّ كعبا كانَ لا يَراها دُونَ مَشْهَدِ بَدْرٍ وَمِنها: أنَّ الإمامَ إذا رَأى المَصْلَحَةَ في أنْ يَسْتُرَ عَنْ رَعِيَّتِهِ بَعْضَ ما يَهُمُّ بِهِ ويَقْصِدُهُ مِنَ العَدُوِّ ويُوَرِّي بِهِ عَنْهُ اسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ أوْ يَتَعَيَّنُ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ وَمِنها: أنَّ السَّتْرَ والكِتْمانَ إذا تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً لَمْ يَجُزْ وَمِنها: أنَّ الجَيْشَ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهم دِيوانٌ وأوَّلُ مَن دَوَّنَ الدِّيوانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهَذا مِن سُنَّتِهِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّباعِها، وظَهَرَتْ مَصْلَحَتُها وحاجَةُ المُسْلِمِينَ إلَيْها وَمِنها: أنَّ الرَّجُلَ إذا حَضَرَتْ لَهُ فُرْصَةُ القُرْبَةِ والطّاعَةِ فالحَزْمُ كُلُّ الحَزْمِ في انْتِهازِها والمُبادَرَةِ إلَيْها، والعَجْزُ في تَأْخِيرِها والتَّسْوِيفِ بِها، ولا سِيَّما إذا لَمْ يَثِقْ بِقُدْرَتِهِ وتَمَكُّنِهِ مِن أسْبابِ تَحْصِيلِها، فَإنَّ العَزائِمَ والهِمَمَ سَرِيعَةُ الِانْتِقاضِ قَلَّما ثَبَتَتْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُعاقِبُ مَن فَتَحَ لَهُ بابًا مِنَ الخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ، بِأنْ يَحُولَ بَيْنَ قَلْبِهِ وإرادَتِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ بَعْدُ مِن إرادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَمَن لَمْ يَسْتَجِبْ لِلَّهِ ورَسُولِهِ إذا دَعاهُ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ وإرادَتِهِ، فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا في قَوْلِهِ: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقالَ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وَمِنها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا أحَدُ رِجالٍ ثَلاثَةٍ؛ إمّا مَغْمُوصٌ عَلَيْهِ في النِّفاقِ أوْ رَجُلٌ مِن أهْلِ الأعْذارِ، أوْ مَن خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسْتَعْمَلَهُ عَلى المَدِينَةِ، أوْ خَلَّفَهُ لِمَصْلَحَةٍ وَمِنها: أنَّ الإمامَ والمُطاعَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُهْمِلَ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ في بَعْضِ الأُمُورِ، بَلْ يُذَكِّرُهُ لِيُراجِعَ الطّاعَةَ ويَتُوبَ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ بِتَبُوكَ: ما فَعَلَ كعب؟ ولَمْ يَذْكُرْ سِواهُ مِنَ المُخَلَّفِينَ اسْتِصْلاحًا لَهُ ومُراعاةً، وإهْمالًا لِلْقَوْمِ المُنافِقِينَ وَمِنها: جَوازُ الطَّعْنِ في الرَّجُلِ بِما يَغْلِبُ عَلى اجْتِهادِ الطّاعِنِ حَمِيَّةً أوْ ذَبًّا عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومِن هَذا طَعْنُ أهْلِ الحَدِيثِ فِيمَن طَعَنُوا فِيهِ مِنَ الرُّواةِ، ومِن هَذا طَعْنُ ورَثَةِ الأنْبِياءِ وأهْلِ السُّنَّةِ في أهْلِ الأهْواءِ والبِدَعِ لِلَّهِ لا لِحُظُوظِهِمْ وأغْراضِهِمْ وَمِنها: جَوازُ الرَّدِّ عَلى الطّاعِنِ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرّادِّ أنَّهُ وهْمٌ وغَلَطٌ، كَما قالَ معاذ لِلَّذِي طَعَنَ في كعب: بِئْسَ ما قُلْتَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا، ولَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى واحِدٍ مِنهُما وَمِنها: أنَّ السُّنَّةَ لِلْقادِمِ مِنَ السَّفَرِ أنْ يَدْخُلَ البَلَدَ عَلى وُضُوءٍ وأنْ يَبْدَأ بِبَيْتِ اللَّهِ قَبْلَ بَيْتِهِ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ لِلْمُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلى أهْلِهِ وَمِنها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْبَلُ عَلانِيَةَ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ مِنَ المُنافِقِينَ، ويَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلى اللَّهِ، ويُجْرِي عَلَيْهِ حُكْمَ الظّاهِرِ، ولا يُعاقِبُهُ بِما لَمْ يَعْلَمْ مِن سِرِّهِ وَمِنها: تَرْكُ الإمامِ والحاكِمِ رَدَّ السَّلامِ عَلى مَن أحْدَثَ حَدَثًا؛ تَأْدِيبًا لَهُ وزَجْرًا لِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ رَدَّ عَلى كعب، بَلْ قابَلَ سَلامَهُ بِتَبَسُّمِ المُغْضَبِ وَمِنها: أنَّ التَّبَسُّمَ قَدْ يَكُونُ عَنِ الغَضَبِ كَما يَكُونُ عَنِ التَّعَجُّبِ والسُّرُورِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يُوجِبُ انْبِساطَ دَمِ القَلْبِ وثَوَرانَهُ، ولِهَذا تَظْهَرُ حُمْرَةُ الوَجْهِ لِسُرْعَةِ ثَوَرانِ الدَّمِ فِيهِ، فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ السُّرُورُ، والغَضَبُ تَعَجُّبٌ يَتْبَعُهُ ضَحِكٌ وتَبَسُّمٌ، فَلا يَغْتَرُّ المُغْتَرُّ بِضَحِكِ القادِرِ عَلَيْهِ في وجْهِهِ، ولا سِيَّما عِنْدَ المَعْتَبَةِ كَما قِيلَ ؎إذا رَأيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بارِزَةً ∗∗∗ فَلا تَظُنَّنَّ أنَّ اللَّيْثَ مُبْتَسِمُ وَمِنها: مُعاتَبَةُ الإمامِ والمُطاعِ أصْحابَهُ ومَن يَعِزُّ عَلَيْهِ ويَكْرُمُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ عاتَبَ الثَّلاثَةَ دُونَ سائِرِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ مِن مَدْحِ عِتابِ الأحِبَّةِ واسْتِلْذاذِهِ والسُّرُورِ بِهِ، فَكَيْفَ بِعِتابِ أحَبِّ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ إلى المَعْتُوبِ عَلَيْهِ، ولِلَّهِ ما كانَ أحْلى ذَلِكَ العِتابَ وما أعْظَمَ ثَمَرَتَهُ وأجَلَّ فائِدَتَهُ، ولِلَّهِ ما نالَ بِهِ الثَّلاثَةُ مِن أنْواعِ المَسَرّاتِ وحَلاوَةِ الرِّضا وخِلَعِ القَبُولِ وَمِنها: تَوْفِيقُ اللَّهِ لكعب وصاحِبَيْهِ فِيما جاءُوا بِهِ مِنَ الصِّدْقِ، ولَمْ يَخْذُلْهم حَتّى كَذَبُوا واعْتَذَرُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، فَصَلُحَتْ عاجِلَتُهم وفَسَدَتْ عاقِبَتُهم كُلَّ الفَسادِ، والصّادِقُونَ تَعِبُوا في العاجِلَةِ بَعْضَ التَّعَبِ فَأعْقَبَهم صَلاحَ العاقِبَةِ والفَلاحَ كُلَّ الفَلاحِ، وعَلى هَذا قامَتِ الدُّنْيا والآخِرَةُ، فَمَراراتُ المُبادِي حَلاواتٌ في العَواقِبِ، وحَلاواتُ المُبادِي مَراراتٌ في العَواقِبِ. «وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لكعب: (أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ)»، دَلِيلٌ ظاهِرٌ في التَّمَسُّكِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ المَذْكُورِ بِالحُكْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ - فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨-٧٩]، وقَوْلُهُ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرْبَتُها طَهُورًا»، وقَوْلُهُ في هَذا الحَدِيثِ: (أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ)، وهَذا مِمّا لا يَشُكُّ السّامِعُ أنَّ المُتَكَلِّمَ قَصَدَ تَخْصِيصَهُ بِالحُكْمِ. وَقَوْلُ كعب: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَرُدَّ حَرَّ المُصِيبَةِ بِرُوحِ التَّأسِّي بِمَن لَقِيَ مِثْلَ ما لَقِيَ، وقَدْ أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، وهَذا هو الرَّوْحُ الَّذِي مَنَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ النّارِ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]. وقَوْلُهُ: " فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ قَدْ شَهِدا بَدْرًا لِي فِيهِما أُسْوَةٌ ". هَذا المَوْضِعُ مِمّا عُدَّ مِن أوْهامِ الزُّهْرِيِّ، فَإنَّهُ لا يُحْفَظُ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ المَغازِي والسِّيَرِ ألْبَتَّةَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ في أهْلِ بَدْرٍ، لا ابْنُ إسْحاقَ، ولا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ ولا الأموي، ولا الواقِدِيُّ، ولا أحَدٌ مِمَّنْ عَدَّ أهْلَ بَدْرٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يَكُونا مِن أهْلِ بَدْرٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَهْجُرْ حاطبا، ولا عاقَبَهُ وقَدْ جَسَّ عَلَيْهِ، وقالَ لعمر لَمّا هَمَّ بِقَتْلِهِ: «وَما يُدْرِيكَ أنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، وأيْنَ ذَنْبُ التَّخَلُّفِ مِن ذَنْبِ الجَسِّ. قالَ أبُو الفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيِّ: ولَمْ أزَلْ حَرِيصًا عَلى كَشْفِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِهِ حَتّى رَأيْتُ أبا بَكْرٍ الأثْرَمَ قَدْ ذَكَرَ الزُّهْرِيَّ، وذَكَرَ فَضْلَهُ وحِفْظَهُ وإتْقانَهُ، وأنَّهُ لا يَكادُ يُحْفَظُ عَلَيْهِ غَلَطٌ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قالَ: إنَّ مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شَهِدا بَدْرًا، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، والغَلَطُ لا يُعْصَمُ مِنهُ إنْسانٌ. [فصل في نَهْيُهُ ﷺ عَنْ كَلامِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ لِتَأْدِيبِهِمْ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِمْ] فَصْلٌ وَفِي نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كَلامِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِمْ وكَذِبِ الباقِينَ، فَأرادَ هَجْرَ الصّادِقِينَ وتَأْدِيبَهم عَلى هَذا الذَّنْبِ، وأمّا المُنافِقُونَ فَجُرْمُهم أعْظَمُ مِن أنْ يُقابَلَ بِالهَجْرِ، فَدَواءُ هَذا المَرَضِ لا يَعْمَلُ في مَرَضِ النِّفاقِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ، وهَكَذا يَفْعَلُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِعِبادِهِ في عُقُوباتِ جَرائِمِهِمْ، فَيُؤَدِّبُ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ الَّذِي يُحِبُّهُ وهو كَرِيمٌ عِنْدَهُ بِأدْنى زَلَّةٍ وهَفْوَةٍ، فَلا يَزالُ مُسْتَيْقِظًا حَذِرًا، وأمّا مَن سَقَطَ مِن عَيْنِهِ وهانَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعاصِيهِ، وكُلَّما أحْدَثَ ذَنْبًا أحْدَثَ لَهُ نِعْمَةً، والمَغْرُورُ يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مِن كَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الإهانَةِ، وأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ العَذابَ الشَّدِيدَ والعُقُوبَةَ الَّتِي لا عاقِبَةَ مَعَها، كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ في الدُّنْيا، وإذا أرادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أمْسَكَ عَنْهُ عُقُوبَتَهُ في الدُّنْيا، فَيَرِدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِذُنُوبِهِ». وَفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى هِجْرانِ الإمامِ والعالِمِ والمُطاعِ لِمَن فَعَلَ ما يَسْتَوْجِبُ العَتْبَ، ويَكُونُ هِجْرانُهُ دَواءً لَهُ بِحَيْثُ لا يَضْعُفُ عَنْ حُصُولِ الشِّفاءِ بِهِ، ولا يَزِيدُ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ عَلَيْهِ فَيُهْلِكَهُ، إذِ المُرادُ تَأْدِيبُهُ لا إتْلافُهُ. وَقَوْلُهُ: «حَتّى تَنَكَّرَتْ لِيَ الأرْضُ، فَما هي بِالَّتِي أعْرِفُ»، هَذا التَّنَكُّرُ يَجِدُهُ الخائِفُ والحَزِينُ والمَهْمُومُ في الأرْضِ، وفي الشَّجَرِ والنَّباتِ، حَتّى يَجِدَهُ فِيمَن لا يَعْلَمُ حالَهُ مِنَ النّاسِ، ويَجِدُهُ أيْضًا المُذْنِبُ العاصِي بِحَسَبِ جُرْمِهِ حَتّى في خُلُقِ زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، وخادِمِهِ ودابَّتِهِ، ويَجِدُهُ في نَفْسِهِ أيْضًا، فَتَتَنَكَّرُ لَهُ نَفْسُهُ حَتّى ما كَأنَّهُ هُوَ، ولا كَأنَّ أهْلَهُ وأصْحابَهُ، ومَن يُشْفِقُ عَلَيْهِ بِالَّذِينَ يَعْرِفُهُمْ، وهَذا سِرٌّ مِنَ اللَّهِ لا يَخْفى إلّا عَلى مَن هو مَيِّتُ القَلْبِ، وعَلى حَسَبِ حَياةِ القَلْبِ، يَكُونُ إدْراكُ هَذا التَّنَكُّرِ والوَحْشَةِ. وَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا التَّنَكُّرَ والوَحْشَةَ كانا لِأهْلِ النِّفاقِ أعْظَمَ، ولَكِنْ لِمَوْتِ قُلُوبِهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِهِ، وهَكَذا القَلْبُ إذا اسْتَحْكَمَ مَرَضُهُ، واشْتَدَّ ألَمُهُ بِالذُّنُوبِ والإجْرامِ، لَمْ يَجِدْ هَذِهِ الوَحْشَةَ والتَّنَكُّرَ، ولَمْ يُحِسَّ بِها، وهَذِهِ عَلامَةُ الشَّقاوَةِ، وأنَّهُ قَدْ أيِسَ مِن عافِيَةِ هَذا المَرَضِ، وأعْيا الأطِبّاءَ شِفاؤُهُ، والخَوْفُ والهَمُّ مَعَ الرِّيبَةِ، والأمْنُ والسُّرُورُ مَعَ البَراءَةِ مِنَ الذَّنْبِ. ؎فَما في الأرْضِ أشْجَعُ مِن بَرِيءٍ ∗∗∗ ولا في الأرْضِ أخْوَفُ مِن مُرِيبِ وَهَذا القَدْرُ قَدْ يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُ البَصِيرُ إذا ابْتُلِيَ بِهِ ثُمَّ راجَعَ، فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ نَفْعًا عَظِيمًا مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ تَفُوتُ الحَصْرَ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا اسْتِثْمارُهُ مِن ذَلِكَ أعْلامَ النُّبُوَّةِ، وذَوْقُهُ نَفْسَ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَيَصِيرُ تَصْدِيقُهُ ضَرُورِيًّا عِنْدَهُ، ويَصِيرُ ما نالَهُ مِنَ الشَّرِّ بِمَعاصِيهِ، ومِنَ الخَيْرِ بِطاعاتِهِ مِن أدِلَّةِ صِدْقِ النُّبُوَّةِ الذَّوْقِيَّةِ الَّتِي لا تَتَطَرَّقُ إلَيْها الِاحْتِمالاتُ، وهَذا كَمَن أخْبَرَكَ أنَّ في هَذِهِ الطَّرِيقِ مِنَ المَعاطِبِ والمَخاوِفِ كَيْتَ وكَيْتَ عَلى التَّفْصِيلِ، فَخالَفْتَهُ وسَلَكْتَها، فَرَأيْتَ عَيْنَ ما أخْبَرَكَ بِهِ، فَإنَّكَ تَشْهَدُ صِدْقَهُ في نَفْسِ خِلافِكَ لَهُ، وأمّا إذا سَلَكْتَ طَرِيقَ الأمْنِ وحْدَها، ولَمْ تَجِدْ مِن تِلْكَ المَخاوِفِ شَيْئًا، فَإنَّهُ وإنْ شَهِدَ صِدْقَ المُخْبِرِ بِما نالَهُ مِنَ الخَيْرِ والظَّفَرِ مُفَصَّلًا، فَإنَّ عِلْمَهُ بِتِلْكَ يَكُونُ مُجْمَلًا. وَفِي مُكاتَبَةِ مَلِكِ غَسّانَ لَكَعْبِ بْنِ مالِكٍ بِالمَصِيرِ إلَيْهِ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وامْتِحانٌ لِإيمانِهِ ومَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وإظْهارٌ لِلصَّحابَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ ضَعُفَ إيمانُهُ بِهَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ والمُسْلِمِينَ لَهُ، ولا هو مِمَّنْ تَحْمِلُهُ الرَّغْبَةُ في الجاهِ والمُلْكِ مَعَ هِجْرانِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لَهُ عَلى مُفارَقَةِ دِينِهِ، فَهَذا فِيهِ مِن تَبْرِئَةِ اللَّهِ لَهُ مِنَ النِّفاقِ وإظْهارِ قُوَّةِ إيمانِهِ، وصِدْقِهِ لِرَسُولِهِ ولِلْمُسْلِمِينَ ما هو مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولُطْفِهِ بِهِ وجَبْرِهِ لِكَسْرِهِ، وهَذا البَلاءُ يُظْهِرُ لُبَّ الرَّجُلِ وسِرَّهُ وما يَنْطَوِي عَلَيْهِ، فَهو كالكِيرِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. فَأبَتْ لَهُ سابِقَةُ الحُسْنى أنْ يَرْغَبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودِينِهِ. [فصل في سُجُودُ الشُّكْرِ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ] فَصْلٌ وَفِي سُجُودِ كعب حِينَ سَمِعَ صَوْتَ المُبَشِّرِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ أنَّ تِلْكَ كانَتْ عادَةَ الصَّحابَةِ، وهي سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعَمِ المُتَجَدِّدَةِ والنِّقَمِ المُنْدَفِعَةِ، وقَدْ سَجَدَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمّا جاءَهُ قَتْلُ مسيلمة الكذاب، وسَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لَمّا وجَدَ ذا الثُّدَيَّةِ مَقْتُولًا في الخَوارِجِ، وسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَشَّرَهُ جِبْرِيلُ أنَّهُ مَن صَلّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وسَجَدَ حِينَ شَفَعَ لِأُمَّتِهِ فَشَفَّعَهُ اللَّهُ فِيهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وأتاهُ بَشِيرٌ فَبَشَّرَهُ بِظَفَرِ جُنْدٍ لَهُ عَلى عَدُوِّهِمْ ورَأْسُهُ في حِجْرِ عائشة، فَقامَ فَخَرَّ ساجِدًا، وقالَ أبو بكرة: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا أتاهُ أمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ لِلَّهِ ساجِدًا»، وهي آثارٌ صَحِيحَةٌ لا مَطْعَنَ فِيها. وَفِي اسْتِباقِ صاحِبِ الفَرَسِ والرّاقِي عَلى سِلَعٍ لِيُبَشِّرا كعبا دَلِيلٌ عَلى حِرْصِ القَوْمِ عَلى الخَيْرِ، واسْتِباقِهِمْ إلَيْهِ، وتَنافُسِهِمْ في مَسَرَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَفِي نَزْعِ كعب ثَوْبَيْهِ وإعْطائِهِما لِلْبَشِيرِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ إعْطاءَ المُبَشِّرِينَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ وعادَةِ الأشْرافِ، وقَدْ أعْتَقَ العباس غُلامَهُ لَمّا بَشَّرَهُ أنَّ عِنْدَ الحجاج بن علاط مِنَ الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يَسُرُّهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ إعْطاءِ البَشِيرِ جَمِيعَ ثِيابِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ تَهْنِئَةِ مَن تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ، والقِيامِ إلَيْهِ إذا أقْبَلَ، ومُصافَحَتِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وهو جائِزٌ لِمَن تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وأنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ لَهُ: لِيَهْنِكَ ما أعْطاكَ اللَّهُ، وما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا الكَلامِ، فَإنَّ فِيهِ تَوْلِيَةَ النِّعْمَةِ رَبَّها، والدُّعاءَ لِمَن نالَها بِالتَّهَنِّي بِها. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَيْرَ أيّامِ العَبْدِ عَلى الإطْلاقِ وأفْضَلَها يَوْمُ تَوْبَتِهِ إلى اللَّهِ، وقَبُولِ اللَّهِ تَوْبَتَهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ». فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا اليَوْمُ خَيْرًا مِن يَوْمِ إسْلامِهِ؟ قِيلَ: هو مُكَمِّلٌ لِيَوْمِ إسْلامِهِ، ومِن تَمامِهِ، فَيَوْمُ إسْلامِهِ بِدايَةُ سَعادَتِهِ، ويَوْمُ تَوْبَتِهِ كَمالُها وتَمامُها، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَفِي سُرُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وفَرَحِهِ بِهِ واسْتِنارَةِ وجْهِهِ دَلِيلٌ عَلى ما جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن كَمالِ الشَّفَقَةِ عَلى الأُمَّةِ والرَّحْمَةِ بِهِمْ والرَّأْفَةِ، حَتّى لَعَلَّ فَرَحَهُ كانَ أعْظَمَ مِن فَرَحِ كعب وصاحِبَيْهِ. وَقَوْلُ كعب: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي». دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ بِما قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ المالِ. وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ، فَهو خَيْرٌ لَكَ»، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إخْراجُ جَمِيعِهِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُبْقِيَ لَهُ مِنهُ بَقِيَّةً، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في ذَلِكَ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: " «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ» " وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قَدْرًا، بَلْ أطْلَقَ، ووَكَلَهُ إلى اجْتِهادِهِ في قَدْرِ الكِفايَةِ، وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ ما نَقَصَ عَنْ كِفايَتِهِ وكِفايَةِ أهْلِهِ لا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، فَنَذْرُهُ لا يَكُونُ طاعَةً، فَلا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وما زادَ عَلى قَدْرِ كِفايَتِهِ وحاجَتِهِ، فَإخْراجُهُ والصَّدَقَةُ بِهِ أفْضَلُ، فَيَجِبُ إخْراجُهُ إذا نَذَرَهُ، هَذا قِياسُ المَذْهَبِ، ومُقْتَضى قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، ولِهَذا تُقَدَّمُ كِفايَةُ الرَّجُلِ، وكِفايَةُ أهْلِهِ عَلى أداءِ الواجِباتِ المالِيَّةِ، سَواءٌ كانَتْ حَقًّا لِلَّهِ كالكَفّاراتِ والحَجِّ، أوْ حَقًّا لِلْآدَمِيِّينَ كَأداءِ الدُّيُونِ، فَإنّا نَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ وكُسْوَةٍ وآلَةِ حِرْفَةٍ، أوْ ما يَتَّجِرُ بِهِ لِمُؤْنَتِهِ إنْ فُقِدَتِ الحِرْفَةُ، ويَكُونُ حَقُّ الغُرَماءِ فِيما بَقِيَ.

التوبة 9:119

قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن السَّلَفِ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا رَيْبَ أنَّهم أئِمَّةُ الصّادِقِينَ، وكُلُّ صادِقٍ بَعْدَهم فِيهِمْ يَأْتَمُّ في صِدْقِهِ، بَلْ حَقِيقَةُ صِدْقِهِ اتِّباعُهُ لَهم وكَوْنُهُ مَعَهُمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن خالَفَهم في شَيْءٍ وإنْ وافَقَهم في غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَعَهم فِيما خالَفَهم فِيهِ، وحِينَئِذٍ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُمْ، فَتَنْتَفِي عَنْهُ المَعِيَّةُ المُطْلَقَةُ، وإنْ ثَبَتَ لَهُ قِسْطٌ مِن المَعِيَّةِ وفِيما وافَقَهم فِيهِ، فَلا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعَهم بِهَذا القِسْطِ، وهَذا كَما نَفى اللَّهُ ورَسُولُهُ الإيمانَ المُطْلَقَ عَنْ الزّانِي والشّارِبِ والسّارِقِ والمُنْتَهِبِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ اسْمَ المُؤْمِنِ، وإنْ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ مُطْلَقُ الِاسْمِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ لِأجْلِهِ أنْ يُقالَ: مَعَهُ شَيْءٌ مِن الإيمانِ، وهَذا كَما أنَّ اسْمَ الفَقِيهِ والعالِمِ عِنْدَ الإطْلاقِ لا يُقالُ لِمَن مَعَهُ مَسْألَةٌ أوْ مَسْألَتانِ مِن فِقْهٍ وعِلْمٍ، وإنْ قِيلَ: مَعَهُ شَيْءٌ مِن العِلْمِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ المَعِيَّةِ المُطْلَقَةِ ومُطْلَقِ المَعِيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ الأوَّلُ لا الثّانِي، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِنّا أنْ نَكُونَ مَعَهم في شَيْءٍ مِن الأشْياءِ، وأنْ نُحَصِّلَ مِن المَعِيَّةِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وهَذا غَلَطٌ عَظِيمٌ في فَهْمِ مُرادِ الرَّبِّ تَعالى مِن أوامِرِهِ؛ فَإذا أمَرَنا بِالتَّقْوى والبِرِّ والصِّدْقِ والعِفَّةِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ والجِهادِ ونَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُرِدْ مِنّا أنْ نَأْتِيَ مِن ذَلِكَ بِأقَلَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَهُوَ مُطْلَقُ الماهِيَّةِ المَأْمُورُ بِها بِحَيْثُ نَكُونُ مُمْتَثِلِينَ لِأمْرِهِ إذا أتَيْنا بِذَلِكَ، وتَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ بِما تَقَدَّمَ في تَقْرِيرِ الأمْرِ بِمُتابَعَتِهِمْ سَواءٌ. [فَصْلٌ: في عَظَمَةُ الصِّدْقِ وتَعْلِيقُ سَعادَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والنَّجاةِ مِن شَرِّهِما بِهِ] فَما أنْجى اللَّهُ مَن أنْجاهُ إلّا بِالصِّدْقِ، ولا أهْلَكَ مَن أهْلَكَهُ إلّا بِالكَذِبِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]. وَقَدْ قَسَّمَ سُبْحانَهُ الخَلْقَ إلى قِسْمَيْنِ: سُعَداءَ، وأشْقِياءَ، فَجَعَلَ السُّعَداءَ هم أهْلَ الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ، والأشْقِياءَ هم أهْلَ الكَذِبِ والتَّكْذِيبِ، وهو تَقْسِيمٌ حاصِرٌ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ. فالسَّعادَةُ دائِرَةٌ مَعَ الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ، والشَّقاوَةُ دائِرَةٌ مَعَ الكَذِبِ والتَّكْذِيبِ. وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ العِبادَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا صِدْقُهُمْ؛ وجَعَلَ عَلَمَ المُنافِقِينَ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ هو الكَذِبَ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَجَمِيعُ ما نَعاهُ عَلَيْهِمْ أصْلُهُ الكَذِبُ في القَوْلِ والفِعْلِ، فالصِّدْقُ بَرِيدُ الإيمانِ ودَلِيلُهُ ومَرْكَبُهُ وسائِقُهُ وقائِدُهُ وحِلْيَتُهُ ولِباسُهُ، بَلْ هو لُبُّهُ ورُوحُهُ. والكَذِبُ: بَرِيدُ الكُفْرِ والنِّفاقِ ودَلِيلُهُ ومَرْكَبُهُ وسائِقُهُ وقائِدُهُ وحِلْيَتُهُ ولِباسُهُ ولُبُّهُ، فَمُضادَّةُ الكَذِبِ لِلْإيمانِ كَمُضادَّةِ الشِّرْكِ لِلتَّوْحِيدِ، فَلا يَجْتَمِعُ الكَذِبُ والإيمانُ إلّا ويَطْرُدُ أحَدُهُما صاحِبَهُ، ويَسْتَقِرُّ مَوْضِعَهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أنْجى الثَّلاثَةَ بِصِدْقِهِمْ، وأهْلَكَ غَيْرَهم مِنَ المُخَلَّفِينَ بِكَذِبِهِمْ، فَما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ بَعْدَ الإسْلامِ بِنِعْمَةٍ أفْضَلَ مِنَ الصِّدْقِ الَّذِي هو غِذاءُ الإسْلامِ وحَياتُهُ، ولا ابْتَلاهُ بِبَلِيَّةٍ أعْظَمَ مِنَ الكَذِبِ الَّذِي هو مَرَضُ الإسْلامِ وفَسادُهُ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. (فائدة) سأل تلميذ أستاذه أن يمدحه في رقعة إلى رجل ويبالغ في مدحه بما هو فوق رتبته. فقال: "لو فعلت ذلك لكنت عند المكتوب إليه إما مقصرا في الفهم حيث أعطيتك فوق حقك، أو متهما في الإخبار، فأكون كذابا. وكلا الأمرين يضرك لأني شاهدك وإذا قدح في الشاهد بطل حق المشهود له". [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الصِّدْقِ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الصِّدْقِ وهي مَنزِلَةُ القَوْمِ الأعْظَمِ. الَّذِي مِنهُ تَنْشَأُ جَمِيعُ مَنازِلِ السّالِكِينَ، والطَّرِيقُ الأقْوَمُ الَّذِي مَن لَمْ يَسِرْ عَلَيْهِ فَهو مِنَ المُنْقَطِعِينَ الهالِكِينَ. وبِهِ تَمَيَّزَ أهْلُ النِّفاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ، وسُكّانُ الجِنانِ مِن أهْلِ النِّيرانِ. وهو سَيْفُ اللَّهِ في أرْضِهِ الَّذِي ما وُضِعَ عَلى شَيْءٍ إلّا قَطَعَهُ. ولا واجَهَ باطِلًا إلّا أرْداهُ وصَرَعَهُ. مَن صالَ بِهِ لَمْ تُرَدَّ صَوْلَتُهُ. ومَن نَطَقَ بِهِ عَلَتْ عَلى الخُصُومِ كَلِمَتُهُ. فَهو رُوحُ الأعْمالِ، ومَحَكُّ الأحْوالِ، والحامِلُ عَلى اقْتِحامِ الأهْوالِ، والبابُ الَّذِي دَخَلَ مِنهُ الواصِلُونَ إلى حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ. وهو أساسُ بِناءِ الدِّينِ، وعَمُودُ فُسْطاطِ اليَقِينِ. ودَرَجَتُهُ تالِيَةٌ لِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هي أرْفَعُ دَرَجاتِ العالِمِينَ. ومِن مَساكِنِهِمْ في الجَنّاتِ تُجْرى العُيُونُ والأنْهارُ إلى مَساكِنِ الصِّدِّيقِينَ. كَما كانَ مِن قُلُوبِهِمْ إلى قُلُوبِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ مَدَدٌ مُتَّصِلٌ ومَعِينٌ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ الإيمانِ: أنْ يَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ. وخَصَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيَّيْنِ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ. فَقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقالَ تَعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فَهُمُ الرَّفِيقُ الأعْلى ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ولا يَزالُ اللَّهُ يَمُدُّهم بِأنْعُمِهِ وألْطافِهِ ومَزِيدِهِ إحْسانًا مِنهُ وتَوْفِيقًا. ولَهم مَرْتَبَةُ المَعِيَّةِ مَعَ اللَّهِ. فَإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّادِقِينَ، ولَهم مَنزِلَةُ القُرْبِ مِنهُ. إذْ دَرَجَتُهم مِنهُ ثانِي دَرَجَةِ النَّبِيِّينَ. وَأخْبَرَ تَعالى أنَّ مَن صَدَقَهُ فَهو خَيْرٌ لَهُ. فَقالَ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]. وَأخْبَرَ تَعالى عَنْ أهْلِ البِرِّ. وأثْنى عَلَيْهِمْ بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ: مِنَ الإيمانِ، والإسْلامِ، والصَّدَقَةِ، والصَّبْرِ. بِأنَّهم أهْلُ الصِّدْقِ فَقالَ ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الصِّدْقَ بِالأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ. وأنَّ الصِّدْقَ هو مَقامُ الإسْلامِ والإيمانِ. وَقَسَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ النّاسَ إلى صادِقٍ ومُنافِقٍ. فَقالَ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤]. والإيمانُ أساسُهُ الصِّدْقُ. والنِّفاقُ أساسُهُ الكَذِبُ. فَلا يَجْتَمِعُ كَذِبٌ وإيمانٌ إلّا وأحَدُهُما مُحارِبٌ لِلْآخَرِ. وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ: أنَّهُ في يَوْمِ القِيامَةِ لا يَنْفَعُ العَبْدَ ويُنْجِيهِ مِن عَذابِهِ إلّا صِدْقُهُ. قالَ تَعالى ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] فالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ: هو مِن شَأْنِهِ الصِّدْقُ في قَوْلِهِ وعَمَلِهِ وحالِهِ. فالصِّدْقُ: في هَذِهِ الثَّلاثَةِ. فالصِّدْقُ في الأقْوالِ: اسْتِواءُ اللِّسانِ عَلى الأقْوالِ، كاسْتِواءِ السُّنْبُلَةِ عَلى ساقِها. والصِّدْقُ في الأعْمالِ: اسْتِواءُ الأفْعالِ عَلى الأمْرِ والمُتابَعَةِ. كاسْتِواءِ الرَّأْسِ عَلى الجَسَدِ. والصِّدْقُ في الأحْوالِ: اسْتِواءُ أعْمالِ القَلْبِ والجَوارِحِ عَلى الإخْلاصِ. واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، وبَذْلُ الطّاقَةِ، فَبِذَلِكَ يَكُونُ العَبْدُ مِنَ الَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ. وبِحَسَبِ كَمالِ هَذِهِ الأُمُورِ فِيهِ وقِيامِها بِهِ: تَكُونُ صِدِّيقِيَّتُهُ. ولِذَلِكَ كانَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأرْضاهُ: ذُرْوَةُ سَنامِ الصِّدِّيقِيَّةِ، سُمِّيَ الصِّدِّيقَ عَلى الإطْلاقِ، والصِّدِّيقُ أبْلَغُ مِنَ الصَّدُوقِ والصَّدُوقُ أبْلَغُ مِنَ الصّادِقِ. فَأعْلى مَراتِبِ الصِّدْقِ: مَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ. وهي كَمالُ الِانْقِيادِ لِلرَّسُولِ ﷺ، مَعَ كَمالِ الإخْلاصِ لِلْمُرْسِلِ. وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ: أنْ يَسْألَهُ أنْ يَجْعَلَ مُدْخَلَهُ ومُخْرَجَهُ عَلى الصِّدْقِ. فَقالَ ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] وأخْبَرَ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ ﷺ، أنَّهُ سَألَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ. فَقالَ ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وبَشَّرَ عِبادَهُ بِأنَّ لَهم عِنْدَهُ قَدَمَ صِدْقٍ، ومَقْعَدَ صِدْقٍ. فَقالَ تَعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] وقالَ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ - في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤-٥٥]. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أشْياءَ: مُدْخَلُ الصِّدْقِ، ومُخْرَجُ الصِّدْقِ. ولِسانُ الصِّدْقِ، وقَدَمُ الصِّدْقِ، ومَقْعَدُ الصِّدْقِ. وَحَقِيقَةُ الصِّدْقِ في هَذِهِ الأشْياءِ: هو الحَقُّ الثّابِتُ، المُتَّصِلُ بِاللَّهِ، المُوَصِّلُ إلى اللَّهِ. وهو ما كانَ بِهِ ولَهُ، مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ. وجَزاءُ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَمُدْخَلُ الصِّدْقِ، ومُخْرَجُ الصِّدْقِ: أنْ يَكُونَ دُخُولُهُ وخُرُوجُهُ حَقًّا ثابِتًا بِاللَّهِ، وفي مَرْضاتِهِ. بِالظَّفَرِ بِالبُغْيَةِ، وحُصُولِ المَطْلُوبِ، ضِدَّ مُخْرَجِ الكَذِبِ ومُدْخَلِهِ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ يُوَصَلُ إلَيْها. ولا لَهُ ساقٌ ثابِتَةٌ يَقُومُ عَلَيْها. كَمُخْرَجِ أعْدائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ. ومُخْرَجُ الصِّدْقِ كَمُخْرَجِهِ ﷺ هو وأصْحابُهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ. وَكَذَلِكَ مُدْخَلُهُ ﷺ المَدِينَةَ: كانَ مُدْخَلُ صِدْقٍ بِاللَّهِ، ولِلَّهِ، وابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ. فاتَّصَلَ بِهِ التَّأْيِيدُ، والظَّفَرُ والنَّصْرُ، وإدْراكُ ما طَلَبَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بِخِلافِ مُدْخَلِ الكَذِبِ الَّذِي رامَ أعْداؤُهُ أنْ يَدْخُلُوا بِهِ المَدِينَةَ يَوْمَ الأحْزابِ. فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِاللَّهِ، ولا لِلَّهِ. بَلْ كانَ مُحادَّةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ إلّا الخِذْلانُ والبَوارُ. وَكَذَلِكَ مُدْخَلُ مَن دَخَلَ مِنَ اليَهُودِ المُحارِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِصْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَإنَّهُ لَمّا كانَ مُدْخَلَ كَذِبٍ: أصابَهُ مَعَهم ما أصابَهم. فَكُلُّ مُدْخَلٍ مَعَهم ومُخْرَجٍ كانَ بِاللَّهِ ولِلَّهِ. فَصاحِبُهُ ضامِنٌ عَلى اللَّهِ. فَهو مُدْخَلُ صِدْقٍ، ومُخْرَجُ صِدْقٍ. وَكانَ بَعْضُ السَّلَفِ إذا خَرَجَ مِن دارِهِ: رَفَعَ رَأسَهُ إلى السَّماءِ، وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أُخْرَجَ مُخْرَجًا لا أكُونُ فِيهِ ضامِنًا عَلَيْكَ. يُرِيدُ: أنْ لا يَكُونَ المُخْرَجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ. ولِذَلِكَ فُسِّرَ مُدْخَلُ الصِّدْقِ ومُخْرَجُهُ: بِخُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، ودُخُولِهِ المَدِينَةَ. ولا رَيْبَ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ. فَإنَّ هَذا المُدْخَلَ والمُخْرَجَ مِن أجَلِّ مَداخِلِهِ ومَخارِجِهِ ﷺ. وإلّا فَمَداخِلُهُ كُلُّها مَداخِلُ صِدْقٍ، ومَخارِجُهُ مَخارِجُ صِدْقٍ. إذْ هي لِلَّهِ وبِاللَّهِ وبِأمْرِهِ، ولِابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ. وَما خَرَجَ أحَدٌ مِن بَيْتِهِ ودَخَلَ سُوقَهُ - أوْ مُدْخَلًا آخَرَ - إلّا بِصِدْقٍ أوْ بِكَذِبٍ، فَمُخْرَجُ كُلِّ واحِدٍ ومُدْخَلُهُ: لا يَعْدُو الصِّدْقَ والكَذِبَ. واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَأمّا لِسانُ الصِّدْقِ: فَهو الثَّناءُ الحَسَنُ عَلَيْهِ ﷺ مِن سائِرِ الأُمَمِ بِالصِّدْقِ. لَيْسَ ثَناءً بِالكَذِبِ. كَما قالَ عَنْ إبْراهِيمَ وذُرِّيَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] والمُرادُ بِاللِّسانِ هاهُنا: الثَّناءُ الحَسَنُ. فَلَمّا كانَ الصِّدْقُ بِاللِّسانِ، وهو مَحَلُّهُ. أطْلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ألْسِنَةَ العِبادِ بِالثَّناءِ عَلى الصّادِقِ، جَزاءً وِفاقًا. وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ. فَإنَّ اللِّسانَ يُرادُ بِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ: هَذا، واللُّغَةُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ويُرادُ بِهِ الجارِحَةُ نَفْسُها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. وَأمّا قَدَمُ الصِّدْقِ: فَفُسِّرَ بِالجَنَّةِ. وفُسِّرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وفُسِّرَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. وَحَقِيقَةُ القَدَمِ ما قَدَّمُوهُ. وما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وهم قَدَّمُوا الأعْمالَ والإيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَقْدَمُونَ عَلى الجَنَّةِ الَّتِي هي جَزاءُ ذَلِكَ. فَمَن فَسَّرَهُ بِها أرادَ: ما يَقْدَمُونَ عَلَيْهِ. ومَن فَسَّرَهُ بِالأعْمالِ وبِالنَّبِيِّ ﷺ: فَلِأنَّهم قَدَّمُوها. وقَدَّمُوا الإيمانَ بِهِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ. فالثَّلاثَةُ قَدَمُ صِدْقٍ. وأمّا مَقْعَدُ الصِّدْقِ: فَهو الجَنَّةُ عِنْدَ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى. وَوَصْفُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصِّدْقِ مُسْتَلْزِمٌ ثُبُوتَهُ واسْتِقْرارَهُ، وأنَّهُ حَقُّ، ودَوامَهُ ونَفْعَهُ، وكَمالَ عائِدَتِهِ. فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالحَقِّ سُبْحانَهُ، كائِنٌ بِهِ ولَهُ. فَهو صِدْقٌ غَيْرُ كَذِبٍ. وحَقٌّ غَيْرُ باطِلٍ. ودائِمٌ غَيْرُ زائِلٍ. ونافِعٌ غَيْرُ ضارٍّ. وما لِلْباطِلِ ومُتَعَلَّقاتِهِ إلَيْهِ سَبِيلٌ ولا مَدْخَلٌ. وَمِن عَلاماتِ الصِّدْقِ: طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ إلَيْهِ. ومِن عَلاماتِ الكَذِبِ: حُصُولُ الرِّيبَةِ، كَما في التِّرْمِذِيِّ - مَرْفُوعًا - مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ. والكَذِبُ رِيبَةٌ». وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ. وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ. وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتُبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» فَجَعَلَ الصِّدْقَ مِفْتاحَ الصِّدِّيقِيَّةِ ومَبْدَأها. وهي غايَتُهُ. فَلا يَنالُ دَرَجَتَها كاذِبٌ ألْبَتَّةَ. لا في قَوْلِهِ:، ولا في عَمَلِهِ، ولا في حالِهِ. ولا سِيَّما كاذِبٌ عَلى اللَّهِ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ونَفْيِ ما أثْبَتَهُ. أوْ إثْباتِ ما نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ. فَلَيْسَ في هَؤُلاءِ صِدِّيقٌ أبَدًا. وَكَذَلِكَ الكَذِبُ عَلَيْهِ في دِينِهِ وشَرْعِهِ. بِتَحْلِيلِ ما حَرَّمَهُ. وتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ. وإسْقاطِ ما أوْجَبَهُ، وإيجابِ ما لَمْ يُوجِبْهُ، وكَراهَةِ ما أحَبَّهُ، واسْتِحْبابِ ما لَمْ يُحِبَّهُ. كُلُّ ذَلِكَ مُنافٍ لِلصِّدِّيقِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الكَذِبُ مَعَهُ في الأعْمالِ: بِالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ الصّادِقِينَ المُخْلِصِينَ، والزّاهِدِينَ المُتَوَكِّلِينَ. ولَيْسَ في الحَقِيقَةِ مِنهم. فَلِذَلِكَ كانَتِ الصِّدِّيقِيَّةُ: كَمالَ الإخْلاصِ والِانْقِيادِ، والمُتابَعَةَ لِلْخَبَرِ والأمْرِ، ظاهِرًا وباطِنًا، حَتّى إنَّ صِدْقَ المُتَبايِعَيْنِ يُحِلُّ البَرَكَةَ في بَيْعِهِما. وكَذِبَهُما يَمْحَقُ بَرَكَةَ بَيْعِهِما. كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا. فَإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لَهُما في بَيْعِهِما. وإنْ كَذَبا وكَتَما: مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما». [فَصْلٌ في كَلِماتٍ في حَقِيقَةِ الصِّدْقِ] قالَ عَبْدُ الواحِدِ بْنُ زَيْدٍ: الصِّدْقُ: الوَفاءُ لِلَّهِ بِالعَمَلِ. وَقِيلَ: مُوافَقَةُ السِّرِّ النُّطْقَ. وَقِيلَ: اسْتِواءُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ. يَعْنِي أنَّ الكاذِبَ عَلانِيَتُهُ خَيْرٌ مِن سَرِيرَتِهِ. كالمُنافِقِ الَّذِي ظاهِرُهُ خَيْرٌ مِن باطِنِهِ. وَقِيلَ: الصِّدْقُ: القَوْلُ بِالحَقِّ في مَواطِنِ الهَلَكَةِ. وَقِيلَ: كَلِمَةُ الحَقِّ عِنْدَ مَن تَخافُهُ وتَرْجُوهُ. وَقالَ الجُنَيْدُ: الصّادِقُ يَتَقَلَّبُ في اليَوْمِ أرْبَعِينَ مَرَّةً. والمُرائِي يَثْبُتُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ أرْبَعِينَ سَنَةً. وَهَذا الكَلامُ يَحْتاجُ إلى شَرْحٍ. وقَدْ يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ خِلافُهُ، وأنَّ الكاذِبَ مُتَلَوِّنٌ. لِأنَّ الكَذِبَ ألْوانٌ، فَهو يَتَلَوَّنُ بِتَلَوُّنِهِ. والصّادِقُ مُسْتَمِرٌّ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ. فَإنَّ الصِّدْقَ واحِدٌ في نَفْسِهِ، وصاحِبُهُ لا يَتَلَوَّنُ ولا يَتَغَيَّرُ. لَكِنَّ مُرادَ الشَّيْخِ أبِي القاسِمِ صَحِيحٌ غَيْرُ هَذا. فَإنَّ المُعارَضاتِ والوارِداتِ الَّتِي تَرِدُ عَلى الصّادِقِ لا تَرِدُ عَلى الكاذِبِ المُرائِي. بَلْ هو فارِغٌ مِنها. فَإنَّهُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ الحَقِّ مَوارِدُ الصّادِقِينَ عَلى الكاذِبِينَ المُرائِينَ. ولا يُعارِضُهُمُ الشَّيْطانُ. كَما يُعارِضُ الصّادِقِينَ. فَإنَّهُ لا أرَبَ لَهُ في خَرِبَةٍ لا شَيْءَ فِيها. وهَذِهِ الوارِداتُ تُوجِبُ تَقَلُّبَ الصّادِقِ بِحَسَبِ اخْتِلافِها وتَنَوُّعِها. فَلا تَراهُ إلّا هارِبًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ ومِن عَمَلٍ إلى عَمَلٍ. ومِن حالٍ إلى حالٍ. ومِن سَبَبٍ إلى سَبَبٍ. لِأنَّهُ يَخافُ في كُلِّ حالٍ يَطْمَئِنُّ إلَيْها. ومَكانٍ وسَبَبٍ: أنْ يَقْطَعَهُ عَنْ مَطْلُوبِهِ. فَهُوَ لا يُساكِنُ حالَةً ولا شَيْئًا دُونَ مَطْلُوبِهِ. فَهو كالجَوّالِ في الآفاقِ في طَلَبِ الغِنى الَّذِي يَفُوقُ بِهِ الأغْنِياءَ. والأحْوالُ والأسْبابُ تَتَقَلَّبُ بِهِ، وتُقِيمُهُ وتُقْعِدُهُ، وتُحَرِّكُهُ وتُسَكِّنُهُ، حَتّى يَجِدَ فِيها ما يُعِينُهُ عَلى مَطْلُوبِهِ. وهَذا عَزِيزٌ فِيها. فَقَلْبُهُ في تَقَلُّبٍ، وحَرَكَةٍ شَدِيدَةٍ بِحَسَبِ سَعَةِ مَطْلُوبِهِ. وعَظْمَتِهِ وهِمَّتِهِ أعْلى مِن أنْ يَقِفَ دُونَ مَطْلَبِهِ عَلى رَسْمٍ أوْ حالٍ، أوْ يُساكِنَ شَيْئًا غَيْرَهُ. فَهو كالمُحِبِّ الصّادِقِ، الَّذِي هِمَّتُهُ التَّفْتِيشُ عَلى مَحْبُوبِهِ. وكَذا حالُ الصّادِقِ في طَلَبِ العِلْمِ، وحالُ الصّادِقِ في طَلَبِ الدُّنْيا. فَكُلُّ صادِقٍ في طَلَبِ شَيْءٍ لا يَسْتَقِرُّ لَهُ قَرارٌ. ولا يَدُومُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ. وَأيْضًا: فَإنَّ الصّادِقَ مَطْلُوبُهُ رِضا رَبِّهِ، وتَنْفِيذُ أوامِرِهِ، وتَتَبُّعُ مَحابِّهِ. فَهو مُتَقَلِّبٌ فِيها يَسِيرُ مَعَها أيْنَ تَوَجَّهَتْ رَكائِبُها. ويَسْتَقِلُّ مَعَها أيْنَ اسْتَقَلَّتْ مَضارِبُها فَبَيْنا هو في صَلاةٍ إذْ رَأيْتُهُ في ذِكْرٍ ثُمَّ في غَزْوٍ، ثُمَّ في حَجٍّ. ثُمَّ في إحْسانٍ لِلْخَلْقِ بِالتَّعْلِيمِ وغَيْرِهِ، مِن أنْواعِ النَّفْعِ. ثُمَّ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ. أوْ في قِيامٍ بِسَبَبٍ في عِمارَةِ الدِّينِ والدُّنْيا، ثُمَّ في عِيادَةِ مَرِيضٍ، أوْ تَشْيِيعِ جِنازَةٍ. أوْ نَصْرِ مَظْلُومٍ - إنْ أمْكَنَ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ القُرْبِ والمَنافِعِ. فَهُوَ في تَفَرُّقٍ دائِمٍ لِلَّهِ، وجَمْعِيَّةٍ عَلى اللَّهِ. لا يَمْلِكُهُ رَسْمٌ ولا عادَةٌ ولا وضْعٌ. ولا يَتَقَيَّدُ بِقَيْدٍ ولا إشارَةٍ. ولا بِمَكانٍ مُعَيَّنٍ يُصَلِّي فِيهِ لا يُصَلِّي في غَيْرِهِ. وزِيٍّ مُعَيَّنٍ لا يَلْبَسُ سِواهُ. وعِبادَةٍ مُعَيَّنَةٍ لا يَلْتَفِتُ إلى غَيْرِها، مَعَ فَضْلِ غَيْرِها عَلَيْها، أوْ هي أعْلى مِن غَيْرِها في الدَّرَجَةِ. وبُعْدُ ما بَيْنَهُما كَبُعْدِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. فَإنَّ البَلاءَ والآفاتِ والرِّياءَ والتَّصَنُّعَ، وعِبادَةَ النَّفْسِ، وإيثارَ مُرادِها، والإشارَةَ إلَيْها: كُلُّها في هَذِهِ الأوْضاعِ، والرُّسُومَ والقُيُودَ، الَّتِي حَبَسَتْ أرْبابَها عَنِ السَّيْرِ إلى قُلُوبِهِمْ. فَضْلًا عَنِ السَّيْرِ مِن قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى. فَإذا خَرَجَ أحَدُهم عَنْ رَسْمِهِ ووَضْعِهِ وزِيِّهِ وقَيْدِهِ وإشارَتِهِ - ولَوْ إلى أفْضَلَ مِنهُ - اسْتَهْجَنَ ذَلِكَ. ورَآهُ نَقْصًا، وسُقُوطًا مِن أعْيُنِ النّاسِ، وانْحِطاطًا لِرُتْبَتِهِ عِنْدَهم. وهو قَدِ انْحَطَّ وسَقَطَ مِن عَيْنِ اللَّهِ. وَقَدْ يُحِسُّ أحَدُهم ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ وحالِهِ. ولا تَدَعُهُ رُسُومُهُ وأوْضاعُهُ وزِيُّهُ وقُيُودُهُ: أنْ يَسْعى في تَرْمِيمِ ذَلِكَ وإصْلاحِهِ. وهَذا شَأْنُ الكَذّابِ المُرائِي الَّذِي يُبْدِي لِلنّاسِ خِلافَ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن باطِنِهِ، العامِلِ عَلى عِمارَةِ نَفْسِهِ ومَرْتَبَتِهِ. وهَذا هو النِّفاقُ بِعَيْنِهِ. ولَوْ كانَ عامِلًا عَلى مُرادِ اللَّهِ مِنهُ، وعَلى الصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ: لَأثْقَلَتْهُ تِلْكَ القُيُودُ. وحَبَسَتْهُ تِلْكَ الرُّسُومُ. ولَرَأى الوُقُوفَ عِنْدَها ومَعَها عَيْنَ الِانْقِطاعِ عَنِ اللَّهِ لا إلَيْهِ. ولَما بالى أيَّ ثَوْبٍ لَبِسَ، ولا أيَّ عَمَلٍ عَمِلَ، إذا كانَ عَلى مُرادِ اللَّهِ مِنَ العَبْدِ. فَكَلامُ أبِي القاسِمِ الجُنَيْدِ حَقٌّ، كَلامُ راسِخٍ في الصِّدْقِ، عالِمٍ بِتَفاصِيلِهِ وآفاتِهِ، ومَواضِعِ اشْتِباهِهِ بِالكَذِبِ. وَأيْضًا فَحِمْلُ الصِّدْقِ كَحِمْلِ الجِبالِ الرَّواسِي. لا يُطِيقُهُ إلّا أصْحابُ العَزائِمِ. فَهم يَتَقَلَّبُونَ تَحْتَهُ تَقَلُّبَ الحامِلِ بِحِمْلِهِ الثَّقِيلِ. والرِّياءُ والكَذِبُ خَفِيفٌ كالرِّيشَةِ لا يَجِدُ لَهُ صاحِبُهُ ثِقَلًا ألْبَتَّةَ. فَهو حامِلٌ لَهُ في أيِّ مَوْضِعٍ اتَّفَقَ، بِلا تَعَبٍ ولا مَشَقَّةٍ ولا كُلْفَةٍ. فَهو لا يَتَقَلَّبُ تَحْتَ حِمْلِهِ ولا يَجِدُ ثِقَلَهُ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا يَشَمُّ رائِحَةَ الصِّدْقِ عَبْدٌ داهَنَ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: الصّادِقُ الَّذِي يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَمُوتَ ولا يَسْتَحْيِيَ مِن سِرِّهِ لَوْ كُشِفَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]. وَقالَ إبْراهِيمُ الخَواصُّ: الصّادِقُ لا تَراهُ إلّا في فَرْضٍ يُؤَدِّيهِ، أوْ فَضْلٍ يَعْمَلُ فِيهِ. وَقالَ الجُنَيْدُ: حَقِيقَةُ الصِّدْقِ: أنَّ تَصْدُقَ في مَوْطِنٍ لا يُنْجِيكَ مِنهُ إلّا الكَذِبُ. وَقِيلَ: ثَلاثٌ لا تُخْطِئُ الصّادِقَ: الحَلاوَةُ، والمَلاحَةُ، والهَيْبَةُ. وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ مَن صَدَقَنِي في سَرِيرَتِهِ صَدَقْتُهُ في عَلانِيَتِهِ عِنْدَ خَلْقِي. وَقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أوَّلُ خِيانَةِ الصِّدِّيقِينَ: حَدِيثُهم مَعَ أنْفُسِهِمْ. وَقالَ يُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ: لَأنْ أبِيتَ لَيْلَةً أُعامِلُ اللَّهَ بِالصِّدْقِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أضْرِبَ بِسَيْفِي في سَبِيلِ اللَّهِ. وَقالَ الحارِثُ المُحاسِبِيُّ: الصّادِقُ هو الَّذِي لا يُبالِي لَوْ خَرَجَ كُلُّ قَدْرٍ لَهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ مِن أجْلِ صَلاحِ قَلْبِهِ. ولا يُحِبُّ اطِّلاعَ النّاسِ عَلى مَثاقِيلِ الذَّرِّ مِن حُسْنِ عَمَلِهِ. ولا يَكْرَهُ أنْ يَطَّلِعَ النّاسُ عَلى السَّيِّئِ مِن عَمَلِهِ. فَإنَّ كَراهَتَهُ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُحِبُّ الزِّيادَةَ عِنْدَهم. ولَيْسَ هَذا مِن عَلاماتِ الصِّدِّيقِينَ. وَفِي هَذا نَظَرٌ. لِأنَّ كَراهَتَهُ لِاطِّلاعِ النّاسِ عَلى مَساوِئِ عَمَلِهِ مِن جِنْسِ كَراهَتِهِ لِلضَّرْبِ والمَرَضِ وسائِرِ الآلامِ. وهَذا أمْرٌ جَبَلِيٌّ طَبِيعِيٌّ. ولا يَخْرُجُ صاحِبُهُ عَنِ الصِّدْقِ، لاسِيَّما إذا كانَ قُدْوَةً مُتَّبَعًا. فَإنَّ كَراهَتَهُ لِذَلِكَ مِن عَلاماتِ صِدْقِهِ. لِأنَّ فِيها مَفْسَدَتَيْنِ: مَفْسَدَةَ تَرْكِ الِاقْتِداءِ بِهِ، واتِّباعِهِ عَلى الخَيْرِ وتَنْفِيذِهِ. ومَفْسَدَةَ اقْتِداءِ الجُهّالِ بِهِ فِيها. فَكَراهِيَتُهُ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى مَساوِئِ عَمَلِهِ: لا تُنافِي صِدْقَهُ، بَلْ قَدْ تَكُونُ مِن عَلاماتِ صِدْقِهِ. نَعَمِ المُنافِي لِلصِّدْقِ: أنْ لا يَكُونَ لَهُ مُرادٌ سِوى عِمارَةِ حالِهِ عِنْدَهُمْ، وسُكْناهُ في قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمًا لَهُ. فَلَوْ كانَ مُرادُهُ تَنْفِيذًا لِأمْرِ اللَّهِ، ونَشْرًا لِدِينِهِ، وأمْرًا بِالمَعْرُوفِ، ونَهْيًا عَنِ المُنْكَرِ، ودَعْوَةً إلى اللَّهِ: فَهَذا الصّادِقُ حَقًّا. واللَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَ القُلُوبِ ومَقاصِدَها. وَأظُنُّ أنَّ هَذا هو مُرادُ المُحاسِبِيِّ بِقَوْلِهِ: ولا يَكْرَهُ اطِّلاعَ النّاسِ عَلى السَّيِّئِ مِن عَمَلِهِ فَإنَّهم يُرِيدُونَ ذَلِكَ فُضُولًا، ودُخُولًا فِيما لا يَعْنِي. فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حَيْثُ قالَ: لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، واللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَناقًا - أوْ عِقالًا - كانُوا يُؤَدُّونَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقاتَلْتُهم عَلَيْهِ. فَهَذا وأمْثالُهُ يَعُدُّونَهُ ويَرَوْنَهُ مِن سَيِّئِ الأعْمالِ عِنْدَ العَوامِّ والجُهّالِ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: مَن لَمْ يُؤَدِّ الفَرْضَ الدّائِمَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ الفَرْضُ المُؤَقَّتُ. قِيلَ: وما الفَرْضُ الدّائِمُ؟ قالَ: الصِّدْقُ. وَقِيلَ: مَن طَلَبَ اللَّهَ بِالصِّدْقِ أعْطاهُ مِرْآةً يُبْصِرُ فِيها الحَقَّ والباطِلَ. وَقِيلَ: عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ حَيْثُ تَخافُ أنَّهُ يَضُرُّكَ. فَإنَّهُ يَنْفَعُكَ. وَدَعِ الكَذِبَ حَيْثُ تَرى أنَّهُ يَنْفَعُكَ. فَإنَّهُ يَضُرُّكَ. وقِيلَ: ما أمْلَقَ تاجِرٌ صَدُوقٌ.

التوبة 9:120

وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي أنه قال: " ما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر" وفي بعض المسانيد عنه أنه قال: "قال الله عز وجل: إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا ". وفي جامع الترمذي عنه: " إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط " وفي بعض المسانيد عنه مرفوعا "إذا أراد الله بعبد خيرا صب عليه البلاء صبا " وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله دخل على امرأة فقال: "مالك ترفرفين قالت الحمى لا بارك الله فيها قال لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد ". ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: "من وعك ليلة فصبر ورضي عن الله تعالى خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وقال الحسن: "إنه ليكفر عن العبد خطاياه كلها بحمى ليلة" وفي المسند وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال دخلت على النبي وهو محموم فوضعت يدى من فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال "انا كذلك معاشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر " قال قلت يا رسول الله فأى الناس أشد بلاء قال الأنبياء قلت ثم من قال الصالحون إن كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباء فيجوبها فيلبسها وإن كان الرجل ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم" وقال عقبة بن عامر الجهني قال رسول الله: "ليس من عمل إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة يا ربنا عبدك فلان قد حبسته عن العمل؟ فيقول الرب تعالى اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت" وقال أبو هريرة: "إذا مرض العبد المسلم نودي صاحب اليمين أن أجر على عبدي صالح ما كان يعمل وهو صحيح، ويقال لصاحب الشمال أقصر عن عبدي ما دام في وثاقي" فقال رجل عند أبي هريرة يا ليتني لا أزال ضاجعا. فقال أبو هريرة كره العبد الخطايا. ذكره ابن أبي الدنيا. وذكر أيضا عن هلال بن بساق قال كنا قعودا عند عمار بن ياسر فذكروا الأوجاع فقال أعرابي ما اشتكيت قط. فقال عمار ما أنت منا أو لست منا؟! إن المسلم يبتلى بلاء فتحط عنه ذنوبه كما يحط الورق من الشجر، وإن الكافر أو قال الفاجر يبتلى ببلية فمثله مثل البعير إن أطلق لم يدر لم أطلق، وإن عقل لم يدر لم عقل. وذكر عن أبي معمر الأزدي قال: كنا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم: ألا إن السقم لا يكتب له أجر، فساءنا ذلك وكبر علينا فقال: ولكن يكفر به الخطيئة. فسرنا ذلك وأعجبنا. وهذا من كمال علمه وفقهه رضي الله عنه فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية ومما تولد منها كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة التوبة في قوله في المباشر من الإنفاق وقطع الوادي ﴿إلا كتب لهم﴾ وفي المتولد من أصابه الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار ﴿إلا كتب لهم به عمل صالح﴾ فالثواب مرتبط بهذين النوعين. وأما الأسقام والمصائب فإن ثوابها تكفير الخطايا ولهذا قال تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ والنبي إنما قال في المصائب "كفر الله بها من خطاياه " كما تقدم ذكر ألفاظه. وكذا قوله: " المرض حطة " فالطاعات ترفع الدرجات والمصائب تحط السيئات ولهذا قال: " من يرد الله به خيرا يصب منه " وقال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" فهذا يرفعه وهذا يحط خطاياه. وقال يزيد بن ميسرة: إن العبد ليمرض المرض وما له عند الله من عمل خير فيذكره الله سبحانه بعض ما سلف من خطاياه فيخرج من عينه مثل رأس الذباب من الدمع من خشية الله فيبعثه الله أن يبعثه مطهرا أو يقبضه أن قبضه مطهرا ولا يرد على هذا حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في ثواب من قبض الله ولده وثمرة فؤاده بأن يبني له بيتا في الجنة ويسميه بيت الحمد. [فَصْلٌ: آثارُ المَحَبَّةِ] والمَحَبَّةُ لَها آثارٌ وتَوابِعُ ولَوازِمُ وأحْكامٌ، سَواءٌ كانَتْ مَحْمُودَةً أوْ مَذْمُومَةً، نافِعَةً أوْ ضارَّةً، مِنَ الوَجْدِ والذَّوْقِ والحَلاوَةِ، والشَّوْقِ والأُنْسِ، والِاتِّصالِ بِالمَحْبُوبِ والقُرْبِ مِنهُ، والِانْفِصالِ عَنْهُ والبُعْدِ عَنْهُ، والصَّدِّ والهُجْرانِ، والفَرَحِ والسُّرُورِ، والبُكاءِ والحُزْنِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِها ولَوازِمِها. والمَحَبَّةُ المَحْمُودَةُ: هي المَحَبَّةُ النّافِعَةُ الَّتِي تَجْلِبُ لِصاحِبِها ما يَنْفَعُهُ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ هي عُنْوانُ السَّعادَةِ، والضّارَّةُ: هي الَّتِي تَجْلِبُ لِصاحِبِها ما يَضُرُّهُ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، وهي عُنْوانُ الشَّقاوَةِ. وَمَعْلُومٌ أنَّ الحَيَّ العاقِلَ لا يَخْتارُ مَحَبَّةَ ما يَضُرُّهُ ويُشْقِيهِ، وإنَّما يَصْدُرُ ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ وظُلْمٍ، فَإنَّ النَّفْسَ قَدْ تَهْوى ما يَضُرُّها ولا يَنْفَعُها، وذَلِكَ مِن ظُلْمِ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ، إمّا بِأنْ تَكُونَ جاهِلَةً بِحالِ مَحْبُوبِها بِأنْ تَهْوى الشَّيْءَ وتُحِبَّهُ غَيْرَ عالِمَةٍ بِما في مَحَبَّتِهِ مِنَ المَضَرَّةِ، وهَذا حالُ مَنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وإمّا عالِمَةً بِما في مَحَبَّتِهِ مِنَ الضَّرَرِ لَكِنْ تُؤْثِرُ هَواها عَلى عِلْمِها، وقَدْ تَتَرَكَّبُ مَحَبَّتُها عَلى أمْرَيْنِ: اعْتِقادٍ فاسِدٍ، وهو مَذْمُومٌ، وهَذا حالُ مَنِ اتَّبَعَ الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ، فَلا تَقَعُ المَحَبَّةُ الفاسِدَةُ إلّا مِن جَهْلٍ أوِ اعْتِقادٍ فاسِدٍ أوْ هَوًى غالِبٍ، أوْ ما تَرَكَّبَ مِن ذَلِكَ فَأعانَ بَعْضُهُ بَعْضًا فَتَنْفُقُ شُبْهَةً وشَهْوَةً، شُبْهَةً يَشْتَبِهُ بِها الحَقُّ بِالباطِلِ وتُزَيِّنُ لَهُ أمْرَ المَحْبُوبِ، وشَهْوَةً تَدْعُوهُ إلى حُصُولِهِ، فَيَتَساعَدُ جَيْشُ الشُّبْهَةِ والشَّهْوَةِ عَلى جَيْشِ العَقْلِ والإيمانِ، والغَلَبَةُ لِأقْواهُما. وَإذا عُرِفَ هَذا فَتَوابِعُ كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَحَبَّةِ لَهُ حُكْمُ مَتْبُوعِهِ، فالمَحَبَّةُ النّافِعَةُ المَحْمُودَةُ الَّتِي هي عُنْوانُ سَعادَةِ العَبْدِ وتَوابِعُها كُلُّها نافِعَةٌ لَهُ، فَحُكْمُها حُكْمُ مَتْبُوعِها، فَإنْ بَكى نَفَعَهُ، وإنْ حَزِنَ نَفَعَهُ، وإنْ فَرِحَ نَفَعَهُ، وإنِ انْقَبَضَ نَفَعَهُ، وإنِ انْبَسَطَ نَفَعَهُ، فَهو يَتَقَلَّبُ في مَنازِلِ المَحَبَّةِ وأحْكامِها في مَزِيدٍ ورِبْحٍ وقُوَّةٍ. والمَحَبَّةُ الضّارَّةُ المَذْمُومَةُ، تَوابِعُها وآثارُها كُلُّها ضارَّةٌ لِصاحِبِها، مُبْعِدَةٌ لَهُ مِن رَبِّهِ، كَيْفَما تَقَلَّبَ في آثارِها ونَزَلَ في مَنازِلِها في خَسارَةٍ وبُعْدٍ. وَهَذا شَأْنُ كُلِّ فِعْلٍ تَوَلَّدَ عَنْ طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، فَكُلُّ ما تَوَلَّدَ مِنَ الطّاعَةِ فَهو زِيادَةٌ لِصاحِبِها وقُرْبَةٌ، وكُلُّ ما تَوَلَّدَ عَنِ المَعْصِيَةِ فَهو خُسْرانٌ لِصاحِبِهِ وبُعْدٌ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ - ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠-١٢١]. فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الآيَةِ الأُولى: أنَّ المُتَوَلِّدَ عَنْ طاعَتِهِمْ وأفْعالِهِمْ يُكْتَبُ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، وأخْبَرَ في الثّانِيَةِ: أنَّ أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ الَّتِي باشَرُوها تُكْتَبُ لَهم أنْفُسُها، والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ الأوَّلَ لَيْسَ مِن فِعْلِهِمْ، وإنَّما تَوَلَّدَ عَنْهُ فَكُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، والثّانِي نَفْسُ أعْمالِهِمْ فَكُتِبَ لَهم. فَلْيَتَأمَّلْ قَتِيلُ المَحَبَّةِ هَذا الفَصْلَ حَقَّ التَّأمُّلِ؛ لِيَعْلَمَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ. ؎سَيَعْلَمُ يَوْمَ العَرْضِ أيَّ بِضاعَةٍ ∗∗∗ أضاعَ وعِنْدَ الوَزْنِ ما كانَ حَصَّلا

التوبة 9:122

ندب تَعالى المُؤمنِينَ إلى التفقه في الدّين وهو تعلمه وإنذار قَومهمْ إذا رجعُوا إليهم وهو التَّعْلِيم. وَقد اخْتلف في الآية فَقيل المَعْنى أن المُؤمنِينَ لم يَكُونُوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم بل يَنْبَغِي أن ينفر من كل فرقة مِنهُم طائِفَة تتفقه تِلْكَ الطّائِفَة ثمَّ ترجع تعلم القاعدين، فَيكون النفير على هَذا نفير تعلم، والطائفة تقال على الواحِد فَما زاد قالُوا فَهو دَلِيل على قبُول خبر الواحِد، وعَلى هَذا حملها الشّافِعِي وجَماعَة. وَقالَت طائِفَة أخرى المَعْنى وما كانَ المُؤْمِنُونَ لينفروا إلى الجِهاد كلهم بل يَنْبَغِي أن تنفر طائِفَة للْجِهاد، وفرْقَة تقعد تتفقه في الدّين، فَإذا جاءَت الطّائِفَة الَّتِي نفرت فقهتها القاعِدَة، وعلمتها ما أنْزلْ من الدّين والحلال والحرام، وعَلى هَذا فَيكون قَوْله ﴿ليتفقهوا﴾ و ﴿لينذروا﴾ للفرقة الَّتِي نفرت مِنها طائِفَة. وَهَذا قَول الأكثرين، وعَلى هَذا فالنفير نفير جِهاد على أصله فَإنَّهُ حَيْثُ اسْتعْمل إنَّما يفهم مِنهُ الجِهاد قالَ الله تَعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدُوا بأموالكم وأنْفُسكُمْ﴾ وَقالَ النَّبِي ﷺ "لا هِجْرَة بعد الفَتْح ولَكِن جِهاد ونِيَّة وإذا استنفرتم فانفروا" وَهَذا هو المَعْرُوف من هَذِه اللَّفْظَة وعَلى القَوْلَيْنِ فَهو ترغيب في التفقه في الدّين وتعلمه وتعليمه فَإن ذَلِك يعدل الجِهاد بل رُبما يكون أفضل مِنهُ. (فائدة) وإذا وقع الماضي بعد حرف التحضيض صلح أيضا للماضي والمستقبل كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ والصواب أن الماضي هاهنا باق على وضعه لم يتغير عنه كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ ويقول: هلا اتقيت الله تعالى فيما أتيت والآية إنما نزلت في غزوة تبوك في سياق ذم المتخلفين عن رسول الله فأخبر تعالى أن المؤمنين لم يكونوا لينفروا كافة ثم وبخهم توبيخا متضمنا للحض على أن ينفر بعضهم ويقعد بعضهم. وأصح القولين أنه ينفر منهم طائفة في السرايا والبعوث وتقعد طائفة تتفقه في الدين فتنذر القاعدة الطائفة النافرة إذا رجعت إليهم وتخبرهم بما نزل بعدهم من الحلال والحرام والأحكام لوجوه: أحدها: أن الآية هي في سياق النفير في الجهاد وتوبيخ القاعدين عنه. الثاني: أن النفير إنما يكون في الغزو ولا يقال لمن سافر في طلب العلم إنه نفر ولا استنفر، ولا يقال للسفر فيه نفير. الثالث: أن الآية تكون قد اشتملت على بيان حكم النافرين والقاعدين وعلى بيان اشتراكهم في الجهاد والعلم، فالنافرون أهل الجهاد، والقاعدون أهل التفقه، والدين إنما يتم بالجهاد والعلم، فإذا اشتغلت طائفة بالجهاد، وطائفة بالتفقه في الدين، ثم يعلم أهل الفقه للمجاهدين إذا رجعوا إليهم حصلت المصلحة بالعلم والجهاد وهذا الأليق بالآية والأكمل لمعناها. وأما إذا جعل النفير فيها نفيرا لطلب العلم لم يكن فيها تعرض للجهاد مع إخراج النفير عن موضعه. والذي أوجب لهم دعوى أن النفير في طلب العلم أنهم رأوا الضمير إنما يعود على المذكور القريب، فالمنذرون هم النافرون وهم المتفقهون. وجواب هذا الضمير إنما يرجع إلى الأقرب عند سلامته من معارض يقتضي الأبعد، وقد بينا أن السياق يقتضي أن القاعد هو المتفقة المنذر للنافر الراجع. والمقصود أن نفر في الآية ماض وإنما يفهم منه الاستقبال، لأن التحضيض يؤذن به، والتحقيق في هذا الموضع أن لفظه (لولا) و (هلا) إن تجرد للتوبيخ لم يتغير الماضي عن وضعه، وإن تجرد للتحضيض تغير إلى الاستقبال، وإن كان توبيخا مشربا معنى التحضيض صلح للأمرين، وإن وقع بعد (كلما) جاز أن يراد به المضي كقوله تعالى: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ وأن يراد به الاستقبال كقوله ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾ وقد ظن صاحب التسهيل أنه إذا وقع صلة للموصول جاز أن يراد به الاستقبال محتجا بقوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ وهذا وهم منه رحمة الله والفعل ماضي لفظا ومعنى، والمراد إلا الذين تقدمت توبتهم القدرة عليهم فخلوا سبيلهم، والاستقبال الذي لحظه رحمه الله إنما هو لما تضمنه الكلام من معنى الشرط ففيه معنى من تاب قبل أن تقدروا عليه فخلوا سبيله فلم يجئ هذا من قبل الصلة، ولو تجردت الصلة عن معنى الشرط لم يكن الفعل إلا ماضيا وضعا ومعنى كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾. [فصل: إنْذارِ مَن نَفَرَ لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ] [المُرادُ مِن إيجابِ اللَّهِ قَبُولَ إنْذارِ مَن نَفَرَ لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ] الوَجْهُ السّابِعُ والخَمْسُونَ: قَوْلُكُمْ: " وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَأوْجَبَ قَبُولَ نِذارَتِهِمْ، وذَلِكَ تَقْلِيدٌ لَهم " جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنّما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ قَبُولَ ما أنْذَرُوهم بِهِ مِن الوَحْيِ الَّذِي يَنْزِلُ في غَيْبَتِهِمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ في الجِهادِ، فَأيْنَ في هَذا حُجَّةٌ لِفِرْقَةِ التَّقْلِيدِ عَلى تَقْدِيمِ آراءِ الرِّجالِ عَلى الوَحْيِ؟ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ظاهِرَةٌ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ نَوَّعَ عُبُودِيَّتَهم وقِيامَهم بِأمْرِهِ إلى نَوْعَيْنِ: أحَدُهُما: نَفِيرُ الجِهادِ، والثّانِي: التَّفَقُّهُ في الدِّينِ، وجَعَلَ قِيامَ الدِّينِ بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، وهم الأُمَراءُ والعُلَماءُ أهْلُ الجِهادِ وأهْلُ العِلْمِ؛ فالنّافِرُونَ يُجاهِدُونَ عَنْ القاعِدِينَ، والقاعِدُونَ يَحْفَظُونَ العِلْمَ لِلنّافِرِينَ، فَإذا رَجَعُوا مِن نَفِيرِهِمْ اسْتَدْرَكُوا ما فاتَهم مِن العِلْمِ بِإخْبارِ مَن سَمِعَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهُنا لِلنّاسِ في الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى " فَهَلّا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ تَتَفَقَّهُ وتُنْذِرُ القاعِدَةَ " فَيَكُونُ المَعْنى في طَلَبِ العِلْمِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ وجَماعَةٍ مِن المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا بِهِ عَلى قَوْلِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَدَدَ التَّواتُرِ. والثّانِي أنَّ المَعْنى " فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ طائِفَةٌ تُجاهِدُ لِتَتَفَقَّهَ القاعِدَةُ وتُنْذِرَ النّافِرَةَ لِلْجِهادِ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ ويُخْبِرُونَهم بِما نَزَلَ بَعْدَهم مِن الوَحْيِ " وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وهو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ النَّفِيرَ إنّما هو الخُرُوجُ لِلْجِهادِ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَإذا اسْتَنْفَرْتُمْ فانْفِرُوا» وَأيْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ عامٌّ في المُقِيمِينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ والغائِبِينَ عَنْهُ، والمُقِيمُونَ مُرادُونَ ولا بُدَّ فَإنَّهم ساداتُ المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ لا يَتَناوَلُهم اللَّفْظُ؟ وعَلى قَوْلِ أُولَئِكَ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ خاصًّا بِالغائِبِينَ عَنْهُ فَقَطْ، والمَعْنى " وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا إلَيْهِ كُلُّهُمْ، فَلَوْلا نَفَرَ إلَيْهِ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ " وَهَذا خِلافُ ظاهِرِ لَفْظِ المُؤْمِنِينَ، وإخْراجٌ لِلَفْظِ النَّفِيرِ عَنْ مَفْهُومِهِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي صِحَّةَ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ المَذْمُومِ، بَلْ هي حُجَّةٌ عَلى فَسادِهِ وبُطْلانِهِ؛ فَإنَّ الإنْذارَ إنّما يَقُومُ بِالحُجَّةِ، فَمَن لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُنْذِرَ، كَما أنَّ النَّذِيرَ مَن أقامَ الحُجَّةَ، فَمَن لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ فَلَيْسَ بِنَذِيرٍ، فَإنْ سَمَّيْتُمْ ذَلِكَ تَقْلِيدًا فَلَيْسَ الشَّأْنُ في الأسْماءِ، ونَحْنُ لا نُنْكِرُ التَّقْلِيدَ بِهَذا المَعْنى، فَسَمُّوهُ ما شِئْتُمْ، وإنَّما نُنْكِرُ نَصْبَ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ يُجْعَلُ قَوْلُهُ عِيارًا عَلى القُرْآنِ والسُّنَنِ؛ فَما وافَقَ قَوْلَهُ مِنها قُبِلَ وما خالَفَهُ لَمْ يُقْبَلْ، ويُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ويُرَدُّ قَوْلُ نَظِيرِهِ أوْ أعْلَمَ مِنهُ والحُجَّةُ مَعَهُ، فَهَذا الَّذِي أنْكَرْناهُ، وكُلُّ عالِمٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ يُعْلِنُ إنْكارَهُ وذَمَّهُ وذَمَّ أهْلِهِ.

التوبة 9:124

فإن قيل قد ينسب الشيء إلى الشيء لمقارنته له وإن لم يكن له فيه تأثير كقوله تعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس بل قارن زيادة رجسهم نزولها فنسب إليها؟ قيل لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما وهما إحداث السورة الرجس، والثاني مقارنته لنزولها بل هاهنا أمر ثالث وهو أن السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها والتصديق والإذعان لأوامرها ونواهيها والعمل بما فيها فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا بسببها فنسبت زيادة الإيمان إليها إذ هي السبب في زيادته وكذب بها الكافرون وجحدوها وكذبوا من جاء بها ووطنوا أنفسهم على مخالفة ما تضمنته وإنكاره فازدادوا بذلك رجسا فنسب إليها إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في تلك الزيادة فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا تجوز نسبتها إلى الله عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته على أن أفعالهم القبيحة لا تنسب إلى الله سبحانه وإنما هي منسوبة إليهم والمنسوب إليه سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة والحكم المطلوبة والختم والطبع والقفل والإضلال أفعال حسنة من الله وضعها في أليق المواضع بها إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا تنسب إلى الله فعلا وإن نسبت إليه خلقا فخلقها غيرها والخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي والقدر غير المقدور وستمر بك هذه المسألة مستوفاة إن شاء الله في باب اجتماع الرضاء بالقضاء وسخط الكفر والفسوق والعصيان إن شاء الله. قالت القدرية: لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء ولم تقتض حكمته تعالى أن يقسرهم على الإيمان لئلا تزول حكمة التكليف عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم والطبع إعلاما لهم بأنهم انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر وتلك الغاية في وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر. قال أهل السنة: هذا كلام باطل فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة الإيمان وإرادته ومحبته فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء بل إيمان اختيار وطاعة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعا﴾ وإيمان القسر والإلجاء لا يسمى إيمانا ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة ولا يسمى ذلك إيمانا لأنه عن إلجاء واضطرار قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمى هدى وكذلك قوله: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ فقولكم لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل فإنه بقي إلى إيمانهم طريق لم يرهم الله إياه وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه وإمالة قلوبهم إلى الهدى وإقامتها على الصراط المستقيم وذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شيء ومليكه بل هو القادر عليه كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم ودرائهم ولكن منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم كما منع السفل خصائص العلو ومنع الحار خصائص البارد ومنع الخبيث خصائص الطيب ولا يقال فلم فعل هذا فإن ذلك من لوازم ملكه وربوبيته ومن مقتضيات أسمائه وصفاته وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث والحسن والقبيح والجيد والرديء ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين وتنويع المخلوقات وأخلاقها. فقول القائل لم خلق الرديء والخبيث واللئيم سؤال جاهل بأسمائه وصفاته وملكه وربوبيته وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق وذلك من كمال قدرته وربوبيته فجعل منه ما يقبل جميع الكمال الممكن ومنه ما لا يقبل شيئا منه وبين ذلك درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الخلاق العليم وهدى كل نفس إلى حصول ما هي قابلة له والقابل والمقبول والقبول كله مفعوله ومخلوقه وأثر فعله وخلقه وهذا هو الذي ذهب عن الجبرية والقدرية ولم يهتدوا إليه وبالله التوفيق.

التوبة 9:125

فإن قيل قد ينسب الشيء إلى الشيء لمقارنته له وإن لم يكن له فيه تأثير كقوله تعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس بل قارن زيادة رجسهم نزولها فنسب إليها؟ قيل لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما وهما إحداث السورة الرجس، والثاني مقارنته لنزولها بل هاهنا أمر ثالث وهو أن السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها والتصديق والإذعان لأوامرها ونواهيها والعمل بما فيها فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا بسببها فنسبت زيادة الإيمان إليها إذ هي السبب في زيادته وكذب بها الكافرون وجحدوها وكذبوا من جاء بها ووطنوا أنفسهم على مخالفة ما تضمنته وإنكاره فازدادوا بذلك رجسا فنسب إليها إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في تلك الزيادة فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا تجوز نسبتها إلى الله عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته على أن أفعالهم القبيحة لا تنسب إلى الله سبحانه وإنما هي منسوبة إليهم والمنسوب إليه سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة والحكم المطلوبة والختم والطبع والقفل والإضلال أفعال حسنة من الله وضعها في أليق المواضع بها إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا تنسب إلى الله فعلا وإن نسبت إليه خلقا فخلقها غيرها والخلق غير المخلوق والفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي والقدر غير المقدور وستمر بك هذه المسألة مستوفاة إن شاء الله في باب اجتماع الرضاء بالقضاء وسخط الكفر والفسوق والعصيان إن شاء الله. قالت القدرية: لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء ولم تقتض حكمته تعالى أن يقسرهم على الإيمان لئلا تزول حكمة التكليف عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم والطبع إعلاما لهم بأنهم انتهوا في الكفر والإعراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر وتلك الغاية في وصف لجاجهم وتماديهم في الكفر. قال أهل السنة: هذا كلام باطل فإنه سبحانه قادر على أن يخلق فيهم مشيئة الإيمان وإرادته ومحبته فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء بل إيمان اختيار وطاعة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعا﴾ وإيمان القسر والإلجاء لا يسمى إيمانا ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة ولا يسمى ذلك إيمانا لأنه عن إلجاء واضطرار قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمى هدى وكذلك قوله: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ فقولكم لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل فإنه بقي إلى إيمانهم طريق لم يرهم الله إياه وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه وإمالة قلوبهم إلى الهدى وإقامتها على الصراط المستقيم وذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شيء ومليكه بل هو القادر عليه كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم ودرائهم ولكن منعهم ذلك لحكمته وعدله فيهم وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم كما منع السفل خصائص العلو ومنع الحار خصائص البارد ومنع الخبيث خصائص الطيب ولا يقال فلم فعل هذا فإن ذلك من لوازم ملكه وربوبيته ومن مقتضيات أسمائه وصفاته وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث والحسن والقبيح والجيد والرديء ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين وتنويع المخلوقات وأخلاقها. فقول القائل لم خلق الرديء والخبيث واللئيم سؤال جاهل بأسمائه وصفاته وملكه وربوبيته وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق وذلك من كمال قدرته وربوبيته فجعل منه ما يقبل جميع الكمال الممكن ومنه ما لا يقبل شيئا منه وبين ذلك درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الخلاق العليم وهدى كل نفس إلى حصول ما هي قابلة له والقابل والمقبول والقبول كله مفعوله ومخلوقه وأثر فعله وخلقه وهذا هو الذي ذهب عن الجبرية والقدرية ولم يهتدوا إليه وبالله التوفيق.

التوبة 9:127

وأما الصرف فقال تعالى: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن فعلهم، وهو الانصراف، وعن فعله فيهم، وهو صرف قلوبهم أن القرآن وتدبره، لأنهم ليسوا أهلا لها. فالمحل غير صالح ولا قابل. فإن صلاحية المحل بشيئين: حسن فهم، وحسن قصد. وهؤلاء قلوبهم لا تفقه، وقصودهم سيئة. وقد صرح سبحانه بهذا في قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ فأخبر سبحانه عن عدم قابلية الإيمان فيهم، وأنهم لا خير فيهم يدخل الإيمان بسببه إلى قلوبهم. فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به، وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجته فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم. ثم أخبر سبحانه عن مانع آخر قام بقلوبهم، يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم. هذا السماع الخاص، وهو الكبر التولي والاعراض. فالأول: مانع من الفهم. والثاني: مانع من الانقياد والإذعان. فأفهامهم سيئة وقصودهم رديئة وهذه سمة الضلال وعلم الشقاء. كما أن سمة الهدى وعلم السعادة فهم صحيح، وقصد صالح. والله المستعان. وتأمل قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ كيف جعل هذه الجملة الثانية سواء كانت خبرا أو إعادة - عقوبة لانصرافهم فعاقبهم عليه بصرف آخر غير الصرف الأول. فإن انصرافهم كان لعدم إرادته سبحانه ومشيئته لا قبالهم لأنه لا صلاحية فيهم ولا قبول، فلم ينلهم الإقبال والإذعان، فانصرفت قلوبهم بما فيها من الجهل والظلم عن القرآن. فجازاهم على ذلك صرفا آخر غير الصرف الأول، كما جازاهم على زيغ قلوبهم عن الهدى إزاغة غير الزيغ الأول، كما قال: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه جازاه بأن يعرض عنه، فلا يمكنه من الإقبال إليه. ولتكن قصة إبليس منكر على ذكر تنتفع بها أتم انتفاع. فإنه لما عصى ربه تعالى ولم ينقد لأمره وأصر على ذلك عاقبه بأن جعله داعيا إلى كل معصية. فعاقبه على معصيته الأولى بأن جعله داعيا إلى كل معصية وفروعها، صغيرها وكبيرها. وصار هذا الإعراض والكفر عقوبة لذلك الإعراض والكفر السابق. فمن عقاب السيئة السيئة بعدها. كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها. فإن قيل: فكيف يلتئم إنكاره سبحانه عليهم الانصراف والإعراض عنه وقد قال تعالى: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ و ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقال: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ فإذا كان هو الذي صرفهم وجعلهم معرضين ومأفوكين، فكيف ينعي ذلك عليهم؟ قيل: هم دائرون بين عدله وحجته عليهم، فمكنهم وفتح لهم الباب، ونهج لهم الطريق، وهيأ لهم الأسباب. فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودعاهم على ألسنة رسله. وجعل لهم عقولا تميز بين الخير والشر، والنافع والضار، وأسباب الردى وأسباب الفلاح. وجعل لهم أسماعا وأبصارا، فآثروا الهوى على التقوى، واستحبوا العمى على الهدى، وقالوا: معصيتك آثر عندنا من طاعتك، والشرك أحب إلينا من توحيدك، وعبادة سواك أنفع لنا في دنيانا من عبادتك. فأعرضت قلوبهم عن ربهم وخالقهم ومليكهم، وانصرفت عن طاعته ومحبته. فهذا عدله فيهم، وتلك حجته عليهم. فهم سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختيارا، فسده عليهم اضطرارا. فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم، وولاهم ما تركوه ومكنهم فيما ارتضوه، وأدخلهم من الباب الذي استبقوا إليه. وأغلق عنهم الباب الذي تولوا عنه، وهم معرضون. فلا أقبح من فعلهم، ولا أحسن من فعله. ولو شاء لخلقهم على غير هذه الصفة. ولأنشأهم على غير هذه النشأة، ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل، والنور والظلمة، والنافع والضار، والطيب والخبيث والملائكة والشياطين، والنساء والذباب، ومعطيها آلاتها وصفاتها وقواها وأفعالها ومستعملها فيما خلقت له. فبعضها بطباعها، وبعضها بإرادتها ومشيئتها. وكل ذلك جار على وفق حكمته، وهو موجب حمده، ومقتضي كماله المقدس، وملكه التام ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما خفي عليهم بوجه ما. إن هو إلا كنقرة عصفور من البحر.

التوبة 9:128

[لطيفة: الموطن الخامِس والثَّلاثُونَ من مَواطِن الصَّلاة عَلَيْهِ ﷺ عقيب الصَّلَوات] ذكره الحافِظ أبُو مُوسى وغَيره ولم يذكرُوا في ذَلِك سوى حِكايَة ذكرها أبُو مُوسى المَدِينِيّ من طَرِيق عبد الغَنِيّ بن سعيد قالَ سَمِعت إسْماعِيل بن أحْمد بن إسْماعِيل الحاسب قالَ أخْبرنِي أبُو بكر مُحَمَّد بن عمر قالَ كنت عند أبي بكر بن مُجاهِد فجاء الشبلي فَقامَ إلَيْهِ أبُو بكر بن مُجاهِد فعانقه وقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت لَهُ يا سَيِّدي يفعل هَذا بالشبلي وأنت وجَمِيع من بِبَغْداد يتصورونه أنه مَجْنُون؟ فَقالَ لي فعلت بِهِ كَما رَأيْت رَسُول الله ﷺ يفعل بِهِ وذَلِكَ أنِّي رَأيْت رَسُول الله ﷺ في المَنام وقد أقبل الشبلي فَقامَ إلَيْهِ وقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت يا رَسُول الله أتفعل هَذا بالشبلي فَقالَ هَذا يقْرَأ بعد صلاته ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنفسكُم﴾ إلى آخرها ويتبعها بِالصَّلاةِ عَليّ. وَفِي رِوايَة أنه لم يصل صَلاة فَرِيضَة إلّا ويقْرَأ خلفها ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السُّورَة ويَقُول ثَلاث مَرّات صلى الله عَلَيْك يا مُحَمَّد. قالَ فَلَمّا دخل الشبلي سَألته عَمّا يذكر بعد الصَّلاة فَذكر مثله.

التوبة 9:129

[لطيفة: الموطن الخامِس والثَّلاثُونَ من مَواطِن الصَّلاة عَلَيْهِ ﷺ عقيب الصَّلَوات] ذكره الحافِظ أبُو مُوسى وغَيره ولم يذكرُوا في ذَلِك سوى حِكايَة ذكرها أبُو مُوسى المَدِينِيّ من طَرِيق عبد الغَنِيّ بن سعيد قالَ سَمِعت إسْماعِيل بن أحْمد بن إسْماعِيل الحاسب قالَ أخْبرنِي أبُو بكر مُحَمَّد بن عمر قالَ كنت عند أبي بكر بن مُجاهِد فجاء الشبلي فَقامَ إلَيْهِ أبُو بكر بن مُجاهِد فعانقه وقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت لَهُ يا سَيِّدي يفعل هَذا بالشبلي وأنت وجَمِيع من بِبَغْداد يتصورونه أنه مَجْنُون؟ فَقالَ لي فعلت بِهِ كَما رَأيْت رَسُول الله ﷺ يفعل بِهِ وذَلِكَ أنِّي رَأيْت رَسُول الله ﷺ في المَنام وقد أقبل الشبلي فَقامَ إلَيْهِ وقبل بَين عَيْنَيْهِ فَقلت يا رَسُول الله أتفعل هَذا بالشبلي فَقالَ هَذا يقْرَأ بعد صلاته ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنفسكُم﴾ إلى آخرها ويتبعها بِالصَّلاةِ عَليّ. وَفِي رِوايَة أنه لم يصل صَلاة فَرِيضَة إلّا ويقْرَأ خلفها ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السُّورَة ويَقُول ثَلاث مَرّات صلى الله عَلَيْك يا مُحَمَّد. قالَ فَلَمّا دخل الشبلي سَألته عَمّا يذكر بعد الصَّلاة فَذكر مثله.