Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — مريم 19:4 – طه 20:132

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. مريم 19:4
  2. مريم 19:5
  3. مريم 19:6
  4. مريم 19:25
  5. مريم 19:26
  6. مريم 19:31
  7. مريم 19:33
  8. مريم 19:39
  9. مريم 19:41
  10. مريم 19:42
  11. مريم 19:43
  12. مريم 19:44
  13. مريم 19:45
  14. مريم 19:50
  15. مريم 19:61
  16. مريم 19:69
  17. مريم 19:71
  18. مريم 19:72
  19. مريم 19:81
  20. مريم 19:82
  21. مريم 19:83
  22. مريم 19:85
  23. مريم 19:95
  24. مريم 19:96
  25. مريم 19:98
  26. طه 20:7
  27. طه 20:10
  28. طه 20:25
  29. طه 20:38
  30. طه 20:39
  31. طه 20:40
  32. طه 20:41
  33. طه 20:43
  34. طه 20:44
  35. طه 20:46
  36. طه 20:47
  37. طه 20:49
  38. طه 20:50
  39. طه 20:51
  40. طه 20:52
  41. طه 20:71
  42. طه 20:72
  43. طه 20:73
  44. طه 20:83
  45. طه 20:84
  46. طه 20:88
  47. طه 20:105
  48. طه 20:106
  49. طه 20:107
  50. طه 20:108
  51. طه 20:110
  52. طه 20:112
  53. طه 20:116
  54. طه 20:118
  55. طه 20:119
  56. طه 20:120
  57. طه 20:121
  58. طه 20:122
  59. طه 20:123
  60. طه 20:124
  61. طه 20:132

مريم 19:4

وأما قول زكريا: ﴿وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ فقد قيل إنه دعاء المسألة؛ والمعنى إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه، كما حكى أن رجلا سأل رجلا وقال أنا الذي أحسنت إليَّ وقت كذا وكذا. فقال مرحبا بمن توسل إلينا بنا وقضى حاجته. وهذا ظاهر هاهنا ويدل عليه أنه قدم ذلك أمام طلبه الولد وجعله وسيلة إلى ربه فطلب منه أن يجاريه على عادته التي عوّده من قضاء حوائجه إلى ما سأله. (فصل) قال الحسن: "بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وأن الله تعالى ذكر عبدا صالحا ورضي بفعله فقال: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ ". وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة: أحدها: أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمع دعاءه الخفي وليس كالذي قال أن الله يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات وإنما تخفض عندهم الأصوات ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه ومن رفع وصوته لديهم مقتوه ولله المثل الأعلى فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به. ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه وذلت جوارحه وخشع صوته حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته وكسره وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوله بالنطق فقلبه سائل طالب مبتهل ولسانه لشدة ذله وضراعته ومسكنته ساكت وهذه الحالة لا يتأتى معها رفع الصوت بالدعاء أصلا. رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص. خامسها: أنه أبلغ في جمعه القلب على الله تعالى في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته فكلما خفض صوته كان أبلغ في صمده وتجريد همته وقصده للمدعو سبحانه وتعالى. سادسها: وهو من النكت السرية البديعة جدا أنه دال على قرب صاحبه من الله وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه فيسأله مسألة مناجاة للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد؛ ولهذا أثنى سبحانه على عبده زكريا بقوله: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ فكلما استحضر القلب قرب الله تعالى منه وإنه أقرب إليه من كل قريب وتصور ذلك أخفى دعاءه ما أمكنه ولم يتأت له رفع الصوت به بل يراه غير مستحسن كما أن من خاطب جليسا له يسمع خفي كلامه فبالغ في رفع الصوت استهجن ذلك منه، ولله المثل الأعلى سبحانه وقد أشار النبي ﷺ هذا المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: "اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" وقال تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾.

مريم 19:5

(فائدة) السر - والله أعلم - في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي ﷺ إلى أبي بكر وعمر وعثمان أن عليا لو تولى الخلافة بعد موته لأوشك أن يقول المبطلون إنه ملك ورث ملكه أهل بيته فصان الله منصب رسالته ونبوته عن هذه الشبهة. وتأمل قول هرقل لأبي سفيان: هل كان في آبائه من ملك؟ قال: لا فقال له: "لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه" فصان الله منصبه العلي من شبهة الملك في آبائه وأهل بيته. وهذا والله أعلم هو السر في كونه لم يورث هو والأنبياء قطعا لهذه الشبهة، لئلا يظن المبطل أن الأنبياء طلبوا جمع الدنيا لأولادهم وورثتهم كما يفعله الإنسان من زهده في نفسه وتوريثه ماله لولده وذريته، فصانهم الله عن ذلك ومنعهم من توريث ورثتهم شيئا من المال لئلا تتطرق التهمة إلى حجج الله ورسله فلا يبقى في نبوتهم ورسالتهم شبهة أصلا ولا يقال فقد وليها علي وأهل بيته لأن الأمر لما سبق أنها ليست بملك موروث وإنما هي خلافة نبوة تستحق بالسبق والتقدم كان علي في وقته هو سابق الأمة وأفضلها ولم يكن فيهم حين وليها أولى بها منه ولا خير منه فلم يحصل لمبطل بذلك شبهة والحمد الله تعالى.

مريم 19:6

(فائدة) السر - والله أعلم - في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي ﷺ إلى أبي بكر وعمر وعثمان أن عليا لو تولى الخلافة بعد موته لأوشك أن يقول المبطلون إنه ملك ورث ملكه أهل بيته فصان الله منصب رسالته ونبوته عن هذه الشبهة. وتأمل قول هرقل لأبي سفيان: هل كان في آبائه من ملك؟ قال: لا فقال له: "لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه" فصان الله منصبه العلي من شبهة الملك في آبائه وأهل بيته. وهذا والله أعلم هو السر في كونه لم يورث هو والأنبياء قطعا لهذه الشبهة، لئلا يظن المبطل أن الأنبياء طلبوا جمع الدنيا لأولادهم وورثتهم كما يفعله الإنسان من زهده في نفسه وتوريثه ماله لولده وذريته، فصانهم الله عن ذلك ومنعهم من توريث ورثتهم شيئا من المال لئلا تتطرق التهمة إلى حجج الله ورسله فلا يبقى في نبوتهم ورسالتهم شبهة أصلا ولا يقال فقد وليها علي وأهل بيته لأن الأمر لما سبق أنها ليست بملك موروث وإنما هي خلافة نبوة تستحق بالسبق والتقدم كان علي في وقته هو سابق الأمة وأفضلها ولم يكن فيهم حين وليها أولى بها منه ولا خير منه فلم يحصل لمبطل بذلك شبهة والحمد الله تعالى.

مريم 19:25

(فصل) قالَ اللَّهُ تَعالى لِمَرْيَمَ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عبد الله بن جعفر، قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ القِثّاءَ بِالرُّطَبِ». وَفِي " سُنَنِ أبي داود " عَنْ أنس قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلى رُطَباتٍ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ رُطَباتٌ فَتَمَراتٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَمَراتٌ، حَسا حَسَواتٍ مِن ماءٍ». طَبْعُ الرُّطَبِ طَبْعُ المِياهِ حارٌّ رَطْبٌ، يُقَوِّي المَعِدَةَ البارِدَةَ ويُوافِقُها، ويَزِيدُ في الباهِ، ويُخْصِبُ البَدَنَ، ويُوافِقُ أصْحابَ الأمْزِجَةِ البارِدَةِ، ويَغْذُو غِذاءً كَثِيرًا. وَهُوَ مِن أعْظَمِ الفاكِهَةِ مُوافَقَةً لِأهْلِ المَدِينَةِ وغَيْرِها مِنَ البِلادِ الَّتِي هو فاكِهَتُهم فِيها، وأنْفَعُها لِلْبَدَنِ، وإنْ كانَ مَن لَمْ يَعْتَدْهُ يُسْرِعُ التَّعَفُّنَ في جَسَدِهِ، ويَتَوَلَّدُ عَنْهُ دَمٌ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ، ويُحْدِثُ في إكْثارِهِ مِنهُ صُداعٌ وسَوْداءُ، ويُؤْذِي أسْنانَهُ، وإصْلاحُهُ بِالسَّكَنْجِبَيْنِ ونَحْوِهِ. وَفِي فِطْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الصَّوْمِ عَلَيْهِ، أوْ عَلى التَّمْرِ، أوِ الماءِ تَدْبِيرٌ لَطِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ الصَّوْمَ يُخَلِّي المَعِدَةَ مِنَ الغِذاءِ، فَلا تَجِدُ الكَبِدُ فِيها ما تَجْذِبُهُ وتُرْسِلُهُ إلى القُوى والأعْضاءِ، والحُلْوُ أسْرَعُ شَيْءٍ وُصُولًا إلى الكَبِدِ، وأحَبُّهُ إلَيْها، ولا سِيَّما إنْ كانَ رُطَبًا، فَيَشْتَدُّ قَبُولُها لَهُ، فَتَنْتَفِعُ بِهِ هي والقُوى، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فالتَّمْرُ لِحَلاوَتِهِ وتَغْذِيَتِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فَحَسَواتُ الماءِ تُطْفِئُ لَهِيبَ المَعِدَةِ، وحَرارَةَ الصَّوْمِ، فَتَتَنَبَّهُ بَعْدَهُ لِلطَّعامِ، وتَأْخُذُهُ بِشَهْوَةٍ.

مريم 19:26

(فصل) قالَ اللَّهُ تَعالى لِمَرْيَمَ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عبد الله بن جعفر، قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ القِثّاءَ بِالرُّطَبِ». وَفِي " سُنَنِ أبي داود " عَنْ أنس قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلى رُطَباتٍ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ رُطَباتٌ فَتَمَراتٍ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَمَراتٌ، حَسا حَسَواتٍ مِن ماءٍ». طَبْعُ الرُّطَبِ طَبْعُ المِياهِ حارٌّ رَطْبٌ، يُقَوِّي المَعِدَةَ البارِدَةَ ويُوافِقُها، ويَزِيدُ في الباهِ، ويُخْصِبُ البَدَنَ، ويُوافِقُ أصْحابَ الأمْزِجَةِ البارِدَةِ، ويَغْذُو غِذاءً كَثِيرًا. وَهُوَ مِن أعْظَمِ الفاكِهَةِ مُوافَقَةً لِأهْلِ المَدِينَةِ وغَيْرِها مِنَ البِلادِ الَّتِي هو فاكِهَتُهم فِيها، وأنْفَعُها لِلْبَدَنِ، وإنْ كانَ مَن لَمْ يَعْتَدْهُ يُسْرِعُ التَّعَفُّنَ في جَسَدِهِ، ويَتَوَلَّدُ عَنْهُ دَمٌ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ، ويُحْدِثُ في إكْثارِهِ مِنهُ صُداعٌ وسَوْداءُ، ويُؤْذِي أسْنانَهُ، وإصْلاحُهُ بِالسَّكَنْجِبَيْنِ ونَحْوِهِ. وَفِي فِطْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الصَّوْمِ عَلَيْهِ، أوْ عَلى التَّمْرِ، أوِ الماءِ تَدْبِيرٌ لَطِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ الصَّوْمَ يُخَلِّي المَعِدَةَ مِنَ الغِذاءِ، فَلا تَجِدُ الكَبِدُ فِيها ما تَجْذِبُهُ وتُرْسِلُهُ إلى القُوى والأعْضاءِ، والحُلْوُ أسْرَعُ شَيْءٍ وُصُولًا إلى الكَبِدِ، وأحَبُّهُ إلَيْها، ولا سِيَّما إنْ كانَ رُطَبًا، فَيَشْتَدُّ قَبُولُها لَهُ، فَتَنْتَفِعُ بِهِ هي والقُوى، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فالتَّمْرُ لِحَلاوَتِهِ وتَغْذِيَتِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ، فَحَسَواتُ الماءِ تُطْفِئُ لَهِيبَ المَعِدَةِ، وحَرارَةَ الصَّوْمِ، فَتَتَنَبَّهُ بَعْدَهُ لِلطَّعامِ، وتَأْخُذُهُ بِشَهْوَةٍ.

مريم 19:31

وَقَول المَسِيح ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كنت﴾ قالَ غير واحِد من السّلف معلما للخير أيْنَما كنت وهَذا جُزْء المُسَمّى، فالمبارك كثير الخَيْر في نَفسه الَّذِي يحصله لغيره تَعْلِيما وإقدارا ونصحا وإرادَة واجتهادا، ولِهَذا يكون العَبْد مُبارَكًا لِأن الله بارك فِيهِ وجعله كَذَلِك، والله تَعالى متبارك لِأن البركَة كلها مِنهُ فعبده مبارك، وهو المتبارك ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وَقَوله ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو على كل شَيْء قَدِيرٌ﴾. وقال في جلاء الأفهام: وَكتابه مبارك كَما قالَ تَعالى ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنزَلْناهُ﴾ وَقالَ تَعالى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مبارك﴾ وهو أحَق أن يُسمى مُبارَكًا من كل شَيْء لِكَثْرَة خَيره ومنافعه ووجوه البركَة فِيهِ.

مريم 19:33

قال ابن القيم - بعد كلام: وأما السؤال الثالث عشر: وهو ما السر في كونه سلَّم عليهم بلفظ النكرة وشرع لعباده أن يسلموا على رسوله بلفظ المعرفة، وكذلك تسليمهم على نفوسهم وعلى عباده الصالحين فقد تقدم بيان الحكمة في كون السلام ابتداء بلفظ النكرة ونزيد هنا فائدة أخرى وهي أنه قد تقدم أن في دخول اللام في السلام أربعة فوائد وهذا المقام مستغن عنها لأن المتكلم بالسلام هو الله تعالى فلم يقصد تبركا بذكر الاسم كما يقصد العبد فإن التبرك استدعاء البركة واستجلابها والعبد هو الذي يقصد ذلك ولا قصد أيضا تعرضا وطلبا على ما يقصده العبد ولا قصد العموم وهو أيضا غير لائق هنا لأن سلاما منه سبحانه كاف من كل سلام ومغن عن كل تحية ومقرب من كل أمنية فأدنى سلام منه ولا أدنى هناك يستغرق الوصف ويتم النعمة ويدفع البؤس ويطيب الحياة ويقطع مواد العطب والهلاك فلم يكن لذكر الألف واللام هناك معنى وتأمل قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ كيف جاء بالرضوان مبتدأ منكرا مخبرا عنه بأنه أكبر من كل ما وعدوا به فأيسر شيء من رضوانه أكبر الجنات وما فيها من المساكن الطيبة وما حوته ولهذا لما يتجلى لأوليائه في جنات عدن ويمنيهم أي شيء يريدون فيقولون ربنا وأي شيء نريد أفضل مما أعطيتنا فيقول تبارك وتعالى: "إن لكم عندي أفضل من ذلك أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا" وقد بان بهذا الفرق بين سلام الله على رسله وعباده وبين سلام العباد عليهم فإن سلام العباد لما كان متضمنا لفوائد الألف واللام التي تقدمت من قصد التبرك باسمه السلام والإشارة إلى طلب السلام له وسؤالها من الله باسم السلام وقصد عموم السلام كان الأحسن في حق المسلم على الرسول أن يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وإن كان قد ورد سلام عليك فالمعرفة أكثر وأصح وأتم معنى فلا ينبغي العدول عنه ويشح في هذا المقام بالألف واللام والله أعلم. (فصل) وقد عرفت بهذا جواب السؤال الرابع عشر وهو ما الحكمة في تسليم الله تعالى على يحيى بلفظ النكرة وتسليم المسيح على نفسه بلفظ المعرفة، لا ما يقوله من لا تحصيل له أن سلام يحيى جرى مجرى ابتداء السلام في الرسالة والمكاتبة فنكر وسلام المسيح جرى مجرى السلام في آخر المكاتبة فعرف فإن السورة كالقصة الواحدة ولا يخفى فساد هذا الفرق فإنهما سلامان متغايران من مسَلِّمَين أحدهما: سلام الله تعالى على عباده. والثاني: سلام العبد على نفسه، فكيف يبني أحدهما على الآخر؟ وكذلك قول من قال: إن الثاني عرف لتقدم ذكره في اللفظ فكانت الألف واللام فيه للعهد، وهذا أقرب من الأول لإمكان أن يكون المسيح أشار إلى السلام الذي سلمه الله على يحيى فأراد أن لي من السلام في مثل هذه المواطن الثلاثة مثل ما حصل له والله أعلم. فصل: وأما السؤال الخامس عشر: وهو ما الحكمة في تقييد السلام في قصتي يحيى والمسيح صلوات الله عليهما بهذه الأوقات الثلاثة فسِرُّه والله أعلم أن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظان العطب ومواطن الوحشة، وكلما كان الموضع مظنة ذلك تأكد طلب السلامة وتعلقت بها الهمة فذكرت هذه المواطن الثلاثة لأن السلامة فيها آكد وطلبها أهم والنفس عليها أحرص لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقرا فيها موطن النفس على صحبتها وسكناها إلى دار هو فيها معرض للآفات والمحن والبلاء فإن الجنين من حين خرج إلى هذه الدار انتصب لبلائها وشدائدها ولأوائها ومحنها وأفكارها كما أفصح الشاعر بهذا المعنى حيث يقول: ؎تأمل بكاء الطفل عند خروجه ∗∗∗ إلى هذه الدنيا إذا هو يولد ؎تجد تحته سرا عجيبا كأنه ∗∗∗ بكل الذي يلقاه منه مهدد ؎وإلا فما يبكيه منها وإنها ∗∗∗ لأوسع مما كان فيه وأرغد ولهذا من حين خرج ابتدرته طعنة الشيطان في خاصرته فبكى لذلك ولما حصل له من الوحشة بفراق وطنه الأول وهو الذي أدركه الأطباء والطبائعيون وأما ما أخبر به الرسول فليس في صناعتهم ما يدل عليه كما ليس فيها ما ينفيه فكان طلب السلامة في هذه المواطن من آكد الأمور الموطن الثاني خروجه من هذه الدار إلى دار البرزخ عند الموت ونسبة الدنيا إلى تلك الدار كنسبة داره في بطن أمه إلى الدنيا تقريبا وتمثيلا وإلا فالأمر أعظم من ذلك وأكبر وطلب السلامة أيضا عند انتقاله إلى تلك الدار من أهم الأمور الموطن الثالث موطن يوم القيامة يوم يبعث الله تعالى الأحياء ولا نسبة لما قبله من الدور إليه وطلب السلامة فيه آكد من جميع ما قبله فإن عطبه لا يستدرك وعثرته لا تقال وسقمه لا يداوى وفقره لا يسد فتأمل كيف خص هذه المواطن بالسلام لشدة الحاجة إلى السلامة فيها واعرف قدر القرآن وما تضمنه من الأسرار وكنوز العلم والمعارف التي عجزت عقول الخلائق عن إحصاء عشر معشارها وتأمل ما في السلام مع الزيادة على السلامة من الأنس وذهاب الوحشة ثم نزل ذلك على الوحشة الحاصلة للعبد في هذه المواطن الثلاثة عند خروجه إلى عالم الإبتلاء وعند معاينته هول المطلع إذا قدم على الله وحيدا مجردا عن كل مؤنس إلا ما قدمه من صالح عمل وعند موافاته القيامة مع الجمع الأعظم ليصير إلى إحدى الدارين التي خلق لها واستعمل بعمل أهلها فأي موطن أحق بطلب السلامة من هذه المواطن فنسأل الله السلامة فيها بمنه وكرمه ولطفه وجوده وإحسانه.

مريم 19:39

وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم. هذا الموت، ثم يقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم. هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ متفق عليه. وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال «يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة، لا موت، ويا أهل النار، لا موت. كلّ خالد فيما هو فيه» وعنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار، أتى بالموت، حتى يجعل بين النار والجنة. ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، لا موت. ويا أهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا. ويزداد أهل النار حزنا» وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت ملبّبا، فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطّلعون خائفين. ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة. فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول هؤلاء وهؤلاء: قد عرفناه، هو الموت الذي وكّل بنا، فيضجع فيذبح ذبحا على السور، قم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت» رواه النسائي والترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح. وهذا الكبش والأضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيل، كما أخطأ فيه بعض الناس خطأ قبيحا. وقال: الموت عرض والعرض لا يتجسم، فضلا عن أن يذبح. وهذا لا يصح. فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح، كما ينشئ من الأعمال صورا يثاب بها صاحبها ويعاقب، والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساما تكون الأعراض مادة لها. وينشئ من الأجسام أعراضا، كما ينشئ سبحانه من الأعراض أعراضا. ومن الأجسام أجساما. فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة للرب تعالى، ولا يستلزم جمعا بين النقيضين، ولا شيئا من المحال، ولا حاجة إلى تكلف من قال: إن الذبح لملك الموت، فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله، ومن التأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل، وسببه: قلة الفهم لمراد رسول الله ﷺ من كلامه، فظن هذا القائل: أن لفظ الحديث يدل على أن نفس العرض يذبح. وظن غالط آخر: أن العرض يعدم ويزول، ويصير مكانه جسم يذبح، ولم يهتد الفريقان إلى هذا القول الذي ذكرناه، وأن الله سبحانه ينشئ من الأعراض أجساما ويجعلها مادة لها، كما في الصحيح عنه ﷺ قال «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان - الحديث» فهذه هي القراءة التي ينشئ منها الله سبحانه غمامتين. وكذلك قوله في الحديث الآخر «ما تذكرون من جلال الله: من تسبيحه وتحميده وتهليله؟ يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن» ذكره أحمد . وكذلك قوله في عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها المقبور «فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، وأنا عملك السيء» وهذا حقيقة لا خيال، ولكن الله سبحانه أنشأ للمؤمن من عمله صورة حسنة وللفاجر من عمله وصورة قبيحة. وهل النور الذي يقسم بين المؤمنين يوم القيامة إلا نفس إيمانهم؟ أنشأ الله سبحانه لهم منه نورا يسعى بين أيديهم؟ فهذا أمر معقول، وإن لم يرد به النص، فورود النص به من باب تطابق العقل والسمع. وقال سعيد عن قتادة: بلغنا أن نبي الله ﷺ قال «إن المؤمن إذا اخرج من قبره صور الله له عمله في صورة حسنة وبشارة حسنة، فيقول له: من أنت؟ فو الله إني لأراك امرأ صدقٍ، فيقول: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة. وأما الكافر فإذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة، وبشارة سيئة، فيقول: من أنت؟ فو الله إني لأراك امرأ سوء، فيقول له: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار» وقال مجاهد مثل ذلك. وقال ابن جريج: يمثل له عمله في صورة حسنة، وريح طيبة، يعارض صاحبه ويبشره بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيجعل له نورا بين يديه، حتى يدخله الجنة، فذلك قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويليله، حتى يقذفه في النار. وقال ابن المبارك: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن أنه ذكر هذه الآية ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قال: علموا أن كل نعيم بعده الموت: أنه يقطعه، فقالوا: أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمعذبين؟ قيل: لا، قالوا: إن هذا لهو الفوز العظيم. وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه: أمن أهل الجنة من الموت، فطاب لهم العيش، وأمنوا من الأسقام، فهنأهم في جوار الله طول المقام، ثم يبكي حتى تجري دموعه على لحيته.

مريم 19:41

قول إبراهيم الخليل لأبيه ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ولم يقل لا تعبد ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فلم يقل له جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: ﴿جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ ثم قال: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ هذا ومثل قول موسى لفرعون: ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه وقال: (يمسك) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا.

مريم 19:42

قول إبراهيم الخليل لأبيه ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ولم يقل لا تعبد ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فلم يقل له جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: ﴿جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ ثم قال: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ هذا ومثل قول موسى لفرعون: ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه وقال: (يمسك) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا.

مريم 19:43

قول إبراهيم الخليل لأبيه ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ولم يقل لا تعبد ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فلم يقل له جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: ﴿جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ ثم قال: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ هذا ومثل قول موسى لفرعون: ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه وقال: (يمسك) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا.

مريم 19:44

قول إبراهيم الخليل لأبيه ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ولم يقل لا تعبد ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فلم يقل له جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: ﴿جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ ثم قال: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ هذا ومثل قول موسى لفرعون: ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه وقال: (يمسك) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا.

مريم 19:45

قول إبراهيم الخليل لأبيه ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ولم يقل لا تعبد ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فلم يقل له جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: ﴿جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ ثم قال: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ هذا ومثل قول موسى لفرعون: ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه وقال: (يمسك) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا.

مريم 19:50

وَأمّا لِسانُ الصِّدْقِ: فَهو الثَّناءُ الحَسَنُ عَلَيْهِ ﷺ مِن سائِرِ الأُمَمِ بِالصِّدْقِ. لَيْسَ ثَناءً بِالكَذِبِ. كَما قالَ عَنْ إبْراهِيمَ وذُرِّيَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠] والمُرادُ بِاللِّسانِ هاهُنا: الثَّناءُ الحَسَنُ. فَلَمّا كانَ الصِّدْقُ بِاللِّسانِ، وهو مَحَلُّهُ. أطْلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ألْسِنَةَ العِبادِ بِالثَّناءِ عَلى الصّادِقِ، جَزاءً وِفاقًا. وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ. فَإنَّ اللِّسانَ يُرادُ بِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ: هَذا، واللُّغَةُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ويُرادُ بِهِ الجارِحَةُ نَفْسُها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].

مريم 19:61

﴿جنات عدن﴾ قيل هو اسم جنة من جملة الجنات، والصحيح أنه من جملة الجنان وكلها جنات عدن قال تعالى ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾ وقال تعالى: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ والاشتقاق يدل على أن جميعها جنات عدن فإنه من الإقامة والدوام. يقال عدن بالمكان إذا أقام به وعدنت البلد توطنته وعدنت الإبل مكان كذا لزمته فلم تبرح منه قال الجوهري: ومنه جنات عدن أي إقامة ومنه سمي المعدِن بكسر الدال لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء ومركزه كل شيء معدنه، والعادن الناقة المقيمة في المرعى.

مريم 19:69

(فائدة بديعة) قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ فالشيعة الفرقة التي شايع بعضها بعضا أي تابعه ومنه الأشياع أي الأتباع فالفرق بين الشيعة والأشياع أن الأشياع هم التبع والشيعة القوم الذين شايعوا أي تبع بعضهم بعضا وغالب ما يستعمل في الذم ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك كهذه الآية وكقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ وذلك والله أعلم لما في لفظ الشيعة من الشياع والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم والمعنى لننزعن من كل فرقة أشدهم عتوا على الله وأعظمهم فسادا فنلقيهم في النار، وفيه إشارة إلى أن العذاب يتوجه إلى السادات أولا ثم تكون الأتباع تبعا لهم فيه كما كانوا تبعا لهم في الدنيا. و ﴿أيُّهم أشَدُّ﴾ للنحاة فيه أقوال: أحدها: قول الخليل أنه مبتدأ وأشد خبره ولم يعمل لننزعن فيه لأنه محكي والتقدير الذي يقال فيه: ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ وعلى هذا فـ (أي) استفهامية. الثاني: قول يونس أنه رفع على جهة التعليق للفعل السابق كما لو قلت علمت أنه أخوك فعلق الفعل عن الفعل كما تعلق أفعال القلوب. الثالث: قول سيبويه إن (أي) هنا موصولة مبنية على الضم والمسوغ لبنائها حذف صدر صلتها، وعنده أصل الكلام أيهم هو أشد فلما حذف صدر الصلة بنيت على الضم تشبيها لها بالغايات التي قد حذفت مضافاتها ك قبل وبعد وعلى كل واحد من الأقوال إشكالات نذكرها ثم نبين الصحيح إن شاء الله. فأما قول الخليل: فقيل يلزمه ستة أمور: الأول حذف الموصوف. الثاني: حذف الصلة. الثالث: حذف العائد لأن تقديره الذي يقال لهم إنهم أشد وهذا لا عهد لنا فيه باللغة. وأما ما يحذف من القول فإنه إنما يكون قولا مجردا عن كونه صلة لموصول نحو قوله: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أي يقولون أو قائلين ومثله: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلاّ لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الرابع: أنه إذا قدر المحذوف هكذا لم يستقم الكلام فإنه يصير ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الذين يقال فيهم ﴿أيُّهم أشَدُّ﴾ وهذا فاسد فإن ذلك المنزوع لا يقال فيه: ﴿أيُّهم أشَدُّ﴾ بل هو نفسه أشد أو من أشد الشيعة على الرحمن فلا يقع عليه الاستفهام بعد نزعه فتأمله. الخامس: أن الاستفهام لا يقع إلا بعد أفعال العلم والقول على الحكاية ولا يقع بعد غيره من الأفعال تقول علمت أزيد عندك أم عمرو ولو قلت ضربت أزيد أم عمرو لم يجز وننزعن ليس من أفعال العلم فإذا قلت: ضربت أيهم قام. لم تكن إلا موصولة ولا يصح أن يقال ضربت الذي يقال فيه أيهم قام، وإنما توهم مثل ذلك لكون اللفظ صالحا لجهة أخرى مستقيمة فيتوهم متوهم أن حمله على الجهة الأخرى يستقيم والذي يدل عليه أنه لو قدرت موضعه استفهاما صريحا ليس له جهة أخرى لم يجز فإذا قلت: ضرب أزيد عندك أم عمرو. لم يجز بخلاف ضرب أيهم عندك. فلو كان أيهم استفهاما لجاز الكلام مع الاستفهام الذي بمعناهما وإنما لم يقع الاستفهام إلا بعد أفعال العلم والقول أما القول فلأنه يحكي به كل جملة خبرية كانت أو إنشائية، وأما أفعال العلم فإنما وقع بعدها الاستفهام لكون الاستفهام مستعلما به فكأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو كان معناه أعلمني، وإذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو. كان معناه علمت ما يطلب استعلامه فلهذا صح وقوع الاستفهام بعد العلم لأنه استعلام ثم حمل الحسبان والظن عليهما لكونهما من بابه ووجه آخر وهو كثرة استعمال أفعال العلم فجعل شأن ليس لغيرها. السادس: أن هذا الحذف الذي قدره في الآية حذف لا يدل عليه سياق فهو مجهول الوضع وكل حذف كان بهذه المنزلة كان تقديره من باب علم الغيب وأما قول يونس بن حبيب فإشكاله ظاهر فإن التعليق إنما يكون في أفعال القلوب نحو العلم والظن والحسبان دون غيرها. ولا يجوز أن تقول ضربت أيهم قام على أن تكون (أيهم) استفهاما وقد علق الفعل عن العمل فيه وأما قول سيبويه فإشكاله أنه بناء خارج عن النظائر ولم يوجد في اللغة شاهد له قال السهيلي ما ذكره سيبويه لو استشهد عليه بشاهد من نظم أو نثر أو وجدنا بعده في كلام فصيح شاهدا له لم نعدل به قولا ولا رأينا لغيره عنه طولا ولكنا لم نجز ما بين لمخالفته غيره لا سيما مثل هذه المخالفة فإنا لا نسلم أنه حذف من الكلام شيء وإن قال: إنه حذف ولا بد والتقدير أيهم هو أخوك فيقال: لم يبنوا في النكرة فيقولون مررت برجل أخوك أو رأيت رجلا أبوك أي هو أخوك وأبوك ولم خصوا أيا هذا دون سائر الأسماء أن يحذف من صلته ثم يبنى للحذف ومتى وجدنا شيئا من الجملة يحذف ثم يبنى الموصوف بالجملة من أجل ذلك الحذف وذلك الحذف لا نجعله متضمنا لمعنى الحرف ولا مضارعا له وهذه علة البناء وقد عدمت في أي قال والمختار قول الخليل ولكنه يحتاج إلى شرح وذلك أنه لم يرد بالحكاية ما يسبق إلى الفهم من تقدير معنى القول ولكنه أراد حكاية لفظ الاستفهام الذي هو أصل في أي كما يحكيه بعد العلم إذا قلت قد علمت من أخوك وأقام زيد أم قعد فقد تركت الكلام على حاله قبل دخول الفعل لبقاء معنى الاختصاص والتعيين في أي الذي كان موجودا فيها وهي استفهام لأن ذلك المعنى هو الذي وضعت له استفهاما كانت أو خبرا كما حكوا لفظ النداء في قولهم اللهم اغفر لي أيها الرجل وارحمنا أيتها العصابة فنحكي لفظ هذا إشعارا بالتعيين والاختصاص الموجود في حال النداء لوجود معنى الاختصاص والتعيين فيه قال وقول يونس: إن الفعل ملغي حق وإن لم يكن من أفعال القلب وعلة إلغائه ما قدمناه من حكاية لفظ الاستفهام للاختصاص فإذا أتممت العلة وقلت ضربت أيهم أخوك. زالت مضارعة الاستفهام وغلب فيه معنى الخبر لوجود الصلة التامة بعده قال وأما قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ وإجماعهم على أنها منصوبة بـ ﴿ينقلبون﴾ لا بـ ﴿سيعلم﴾ وقد كان يتصور فيها أن تكون منصوبة بـ سيعلم على جهة الاستفهام ولكن تكون موصولة والجملة صلتها والعائد محذوف ولكن منع من هذا أصل أصلناه ودليل أقمناه على أن الاسم الموصول إذا عني به المصدر ووصل بفعل مشتق من ذلك المصدر لم يجز لعدم الفائدة المطلوبة من الصلة وهي إيضاح الموصول وتبيينه والمصدر لا يوضح فعله المشتق من لفظه لأنه كأنه هو لفظا ومعنى إلا في المختلف الأنواع كما تقدم قال ووجه آخر أقوى من هذا وهو أن أيا لا تكون بمعنى الذي حتى تضاف إلى معرفة فتقول لقيت أيهم في الدار إذ من المحال أن يكون بمعنى الذي وهو نكرة والذي لا ينكر وهذا أصل يبنى عليه في (أي).

مريم 19:71

وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ ﷺ: «مَن حَرَسَ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطانٌ، لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنَيْهِ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾». وَقالَ لِرَجُلٍ حَرَسَ المُسْلِمِينَ لَيْلَةً في سَفَرِهِمْ مِن أوَّلِها إلى الصَّباحِ عَلى ظَهْرِ فَرَسِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلّا لِصَلاةٍ أوْ قَضاءِ حاجَةٍ: «قَدْ أوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ ألّا تَعْمَلَ بَعْدَها». (فائدة) ولما قال ﷺ "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" قالت له حفصة أليس الله يقول: ﴿وَإنْ مِنكم إلاَّ وارِدُها﴾؟ قال: ألم تسمعي قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ " فأشكل عليها الجمع بين النصين، وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة إذا دخلها، فأجاب النبي ﷺ بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونها ورودا ينجون به من عذابها، والظالمين يردونها ورودا يصيرون جثيا فيها به، فليس الورود كالورود. (لطيفة) لَمّا تَجَهَّزَ النّاسُ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ، فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ، ودَّعَ النّاسُ أُمَراءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، فَبَكى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَقالُوا: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: أما واللَّهِ ما بِي حُبُّ الدُّنْيا ولا صَبابَةٌ بِكُمْ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيها النّارَ ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ فَلَسْتُ أدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدَرِ بَعْدَ الوُرُودِ؟ فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ بِالسَّلامَةِ، ودَفَعَ عَنْكم ورَدَّكم إلَيْنا صالِحِينَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: ؎لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا ؎أوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةً ∗∗∗ بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأحْشاءَ والكَبِدا ؎حَتّى يُقالَ إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ يا أرْشَدَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا

مريم 19:72

وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ ﷺ: «مَن حَرَسَ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطانٌ، لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنَيْهِ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾». وَقالَ لِرَجُلٍ حَرَسَ المُسْلِمِينَ لَيْلَةً في سَفَرِهِمْ مِن أوَّلِها إلى الصَّباحِ عَلى ظَهْرِ فَرَسِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلّا لِصَلاةٍ أوْ قَضاءِ حاجَةٍ: «قَدْ أوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ ألّا تَعْمَلَ بَعْدَها». (فائدة) ولما قال ﷺ "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" قالت له حفصة أليس الله يقول: ﴿وَإنْ مِنكم إلاَّ وارِدُها﴾؟ قال: ألم تسمعي قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ " فأشكل عليها الجمع بين النصين، وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة إذا دخلها، فأجاب النبي ﷺ بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونها ورودا ينجون به من عذابها، والظالمين يردونها ورودا يصيرون جثيا فيها به، فليس الورود كالورود. (لطيفة) لَمّا تَجَهَّزَ النّاسُ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ، فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ، ودَّعَ النّاسُ أُمَراءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، فَبَكى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَقالُوا: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَ: أما واللَّهِ ما بِي حُبُّ الدُّنْيا ولا صَبابَةٌ بِكُمْ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيها النّارَ ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ فَلَسْتُ أدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدَرِ بَعْدَ الوُرُودِ؟ فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ بِالسَّلامَةِ، ودَفَعَ عَنْكم ورَدَّكم إلَيْنا صالِحِينَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: ؎لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا ؎أوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةً ∗∗∗ بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأحْشاءَ والكَبِدا ؎حَتّى يُقالَ إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ يا أرْشَدَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا

مريم 19:81

[فَصْلٌ: المُفْسِدُ الثّالِثُ مِن مُفْسِداتِ القَلْبِ التَّعَلُّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَبارَكَ تَعالى] وَهَذا أعْظَمُ مُفْسِداتِهِ عَلى الإطْلاقِ. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أضُرُّ مِن ذَلِكَ، ولا أقْطَعُ لَهُ عَنْ مَصالِحِهِ وسَعادَتِهِ مِنهُ، فَإنَّهُ إذا تَعَلَّقَ بِغَيْرِ اللَّهِ وكَلَهُ اللَّهُ إلى ما تَعَلَّقَ بِهِ، وخَذَلَهُ مِن جِهَةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ، وفاتَهُ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ والتِفاتِهِ إلى سِواهُ، فَلا عَلى نَصِيبِهِ مِنَ اللَّهِ حَصَلَ، ولا إلى ما أمَّلَهُ مِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهِ وصَلَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا - كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ وَقالَ تَعالى ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ - لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥]. فَأعْظَمُ النّاسِ خِذْلانًا مَن تَعَلَّقَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ ما فاتَهُ مِن مَصالِحِهِ وسَعادَتِهِ وفَلاحِهِ أعْظَمُ مِمّا حَصَلَ لَهُ مِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهِ، وهو مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ والفَواتِ. ومَثَلُ المُتَعَلِّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ كَمَثَلِ المُسْتَظِلِّ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وأوْهَنِ البُيُوتِ. وَبِالجُمْلَةِ فَأساسُ الشِّرْكِ وقاعِدَتُهُ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها التَّعَلُّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ، ولِصاحِبِهِ الذَّمُّ والخِذْلانُ، كَما قالَ تَعالى ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] مَذْمُومًا لا حامِدَ لَكَ، مَخْذُولًا لا ناصِرَ لَكَ، إذْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ النّاسِ مَقْهُورًا مَحْمُودًا كالَّذِي قُهِرَ بِباطِلٍ، وقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا مَنصُورًا، كالَّذِي قُهِرَ وتُسُلِّطَ عَلَيْهِ بِباطِلٍ، وقَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا مَنصُورًا كالَّذِي تَمَكَّنَ ومَلَكَ بِحَقٍّ، والمُشْرِكُ المُتَعَلِّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ قِسْمُهُ أرْدَأُ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، لا مَحْمُودٌ ولا مَنصُورٌ.

مريم 19:82

[فَصْلٌ: المُفْسِدُ الثّالِثُ مِن مُفْسِداتِ القَلْبِ التَّعَلُّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَبارَكَ تَعالى] وَهَذا أعْظَمُ مُفْسِداتِهِ عَلى الإطْلاقِ. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أضُرُّ مِن ذَلِكَ، ولا أقْطَعُ لَهُ عَنْ مَصالِحِهِ وسَعادَتِهِ مِنهُ، فَإنَّهُ إذا تَعَلَّقَ بِغَيْرِ اللَّهِ وكَلَهُ اللَّهُ إلى ما تَعَلَّقَ بِهِ، وخَذَلَهُ مِن جِهَةِ ما تَعَلَّقَ بِهِ، وفاتَهُ تَحْصِيلُ مَقْصُودِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ والتِفاتِهِ إلى سِواهُ، فَلا عَلى نَصِيبِهِ مِنَ اللَّهِ حَصَلَ، ولا إلى ما أمَّلَهُ مِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهِ وصَلَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا - كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ وَقالَ تَعالى ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ - لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥]. فَأعْظَمُ النّاسِ خِذْلانًا مَن تَعَلَّقَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ ما فاتَهُ مِن مَصالِحِهِ وسَعادَتِهِ وفَلاحِهِ أعْظَمُ مِمّا حَصَلَ لَهُ مِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهِ، وهو مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ والفَواتِ. ومَثَلُ المُتَعَلِّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ كَمَثَلِ المُسْتَظِلِّ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وأوْهَنِ البُيُوتِ. وَبِالجُمْلَةِ فَأساسُ الشِّرْكِ وقاعِدَتُهُ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها التَّعَلُّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ، ولِصاحِبِهِ الذَّمُّ والخِذْلانُ، كَما قالَ تَعالى ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] مَذْمُومًا لا حامِدَ لَكَ، مَخْذُولًا لا ناصِرَ لَكَ، إذْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ النّاسِ مَقْهُورًا مَحْمُودًا كالَّذِي قُهِرَ بِباطِلٍ، وقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا مَنصُورًا، كالَّذِي قُهِرَ وتُسُلِّطَ عَلَيْهِ بِباطِلٍ، وقَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا مَنصُورًا كالَّذِي تَمَكَّنَ ومَلَكَ بِحَقٍّ، والمُشْرِكُ المُتَعَلِّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ قِسْمُهُ أرْدَأُ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، لا مَحْمُودٌ ولا مَنصُورٌ.

مريم 19:83

قال ابن عباس: "تغريهم إغراء" وفي رواية: "تُشْلِيهِمْ إشْلاءً" وفي لفظ: "تحرضهم تحريضا" وفي آخر: "تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا" وفي آخر: "توقدهم" أي تحركهم كما يحرك الماء بالإيقاد تحته، قال الأخفش: "توهجهم". وحقيقة ذلك: أن "الأزَّ" هو التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز؛ لأن الماء يتحرك عند الغليان. ومنه الحديث: "لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء". قال أبو عبيدة "الأزيز" الالتهاب والحركة، كالتهاب النار في الحطب، يقال: إزَّ قِدْرَك، أي ألْهِب تحتها بالنار، وأيزت القدر إذا اشتد غليانها، فقد حصل للأزِّ معنيان: أحدهما: التحريك، والثاني: الإيقاد والإلهاب، وهما متقاربان، فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب. فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك، ولكن ليس له على ذلك سلطان حجة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم، لما وافقت أهواءهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم، بموافقته ومتابعته فلما أعطوا بأيديهم واستأسروا له سُلِّط عليهم؛ عقوبة لهم. وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. (فصل) قال تعالى: ﴿ألمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزا﴾ أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا كلما فتروا أو ونوا أزعجتهم الشياطين وأزتهم وأثارتهم فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب وتنظم شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة قد رضي لنفسه بالقيادة لفجرة بني آدم وهو الذي استكبر وأبى أن يسجد لأبيهم بتلك النخوة والكبر ولا يرضاه أن يصير قوادا لكل من عصى الله كما قال بعضهم: ؎عجبت من إبليس في تيهه ∗∗∗ وقبح ما أظهر من نخوته تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته فأصل كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة، فلهذا وصفه بها لتكون الاستعاذة من شرها أهم من كل مستعاذ منه وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضا فمن شره أنه لص سارق لأموال الناس فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله تعالى عليه فله فيه حظ بالسرقة والخطف وكذلك يبيت في البيت إذا لم يذكر فيه اسم الله تعالى فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم ويبيت في بيوتهم بغير أمرهم فيدخل سارقا ويخرج مغيرا ويدل على عوراتهم فيأمر العبد بالمعصية ثم يلقي في قلوب الناس يقظة ومناما إنه فعل كذا وكذا ومن هذا أن العبد يفعل الذنب لا يطلع عليه أحد من الناس فيصبح والناس يتحدثون به وما ذاك إلا أن الشيطان زينه له وألقاه في قلبه ثم وسوس إلى الناس بما فعل وألقاه فأوقعه في الذنب ثم فضحه به فالرب تعالى يستره والشيطان يجهد في كشف ستره وفضيحته فيغتر العبد ويقول هذا ذنب لم يره إلا الله تعالى ولم يشعر بأن عدوه ساع في إذاعته وفضيحته وقل من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة ومن شره أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدا تمنعه من اليقظة كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله قال ويعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدة يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقده فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان رواه البخاري ومسلم ومن شره أن يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح كما ثبت عن النبي أنه ذكر عنده رجل نام ليله حتى أصبح قال ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو قال في أذنيه رواه البخاري رواه البخاري ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته. ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم وأقسم ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطة النار من كل ألف وتسعة وتسعين ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة الله من الأرض وقصد أن تكون الدعوة له وأن يعبد من دون الله فهو ساع بأقصى جهده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته وإقامة دعوة الكفر والشرك ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض ويكفي من شره أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومه بالمنجنيق في النار فرد الله تعالى كيده عليه وجعل النار على خليله بردا وسلاما وتصدى حتى أراد اليهود قتله وصلبه فرد الله كيده وصان المسيح ورفعه إليه وتصدى لزكريا ويحيى حتى قتلا واستثار فرعون حتى زين له الفساد العظيم في الأرض ودعوى أنه ربهم الأعلى وتصدى للنبي ﷺ وظاهر الكفار على قتله بجهده والله تعالى يكبته ويرده خاسئا وتفلت على النبي ﷺ بشهاب من نار يريد أن يرميه به وهو في الصلاة فجعل النبي ﷺ يقول ألعنك بلعنة الله وأعان اليهود على سحرهم للنبي ﷺ فإذا كان هذا شأنه وهمته في الشر فكيف الخلاص منه إلا بمعونة الله وتأييده وإعاذته. (فصل) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ فالإرسال هاهنا إرسال كوني قدري كإرسال الرياح وليس بإرسال ديني شرعي فهو إرسال تسليط، بخلاف قوله في المؤمنين: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فهذا السلطان المنفي عنه على المؤمنين هو الذي أرسل به جنده على الكافرين. قال أبو إسحاق: "ومعنى الإرسال هاهنا التسليط تقول قد أرسلت فلانا على فلان إذا سلطته عليه كما قال: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ " فأعلم أن من اتبعه هو مسلط عليه. قلت ويشهد له قوله تعالى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُون﴾ وقوله: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ فالأز في اللغة التحريك والتهييج ومنه يقال لغليان القدر الأزيز لتحرك الماء عند الغليان وفي الحديث: "كان لصدر رسول الله ﷺ أزيزا كأزيز المرجل من البكاء" وعبارات السلف تدور على هذا المعنى قال ابن عباس: "تغريهم إغراء" وفي رواية أخرى عنه "تسلهم سلا" وفي رواية أخرى "تحرضهم تحريضا" وفي أخرى "تزعجهم للمعاصي إزعاجا" وفي أخرى "توقدهم إيقادا" أي كما يتحرك الماء بالوقد تحته قال أبو عبيدة: "الأزيز الإلهاب" والحركة كالتهاب النار في الحطب يقال إز قدرك أي ألهب تحتها النار وائتزت القدر إذا اشتد غليانها وهذا اختيار الأخفش والتحقيق أن اللفظة تجمع المعنيين جميعا قالت القدرية "معنى أرسلنا الشياطين على الكافرين خلينا بينهم وبينها ليس معناه التسليط" قال أبو علي "الإرسال يستعمل بمعنى التخلية بين المرسل وما يريد" فمعنى الآية خلينا بين الشياطين وبين الكافرين ولم يمنعهم منهم ولم يعدهم بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} قال الواحدي "وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية. قال وليس المعنى على ما ذهبوا إليه" وقال أبو إسحاق "والمختار أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ وقال: ﴿وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وإنما معنى الإرسال التسليط" قلت وهذا هو المفهوم من معنى الإرسال كما في الحديث: "إذا أرسلت كلبك المعلم أي سلطته ولو خلى بينه وبين الصيد من غير إرسال منه لم يبح صيده" وكذلك قوله: ﴿وفي وفي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ أي سلطناها وسخرناها عليهم وكذلك قوله: ﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ وكذلك قوله: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ والتخلية بين المرسل وبين ما أرسل عليه من لوازم هذا المعنى ولا يتم التسليط إلا به فإذا أرسل الشيء الذي من طبعه وشأنه أن تفعل فعلا ولم تمنعه من فعله فهذا هو التسليط، ثم إن القدرية تناقضوا في هذا القول فإنهم إن جوزوا منعهم منهم وعصمتهم وإعادتهم فقد نقضوا أصلهم فإن منع المختار من فعله الاختياري مع سلامة النية وصحة بنيته تدل على أن فعله وتركه مقدور للرب وهذا عين قول أهل السنة وإن قالوا لا يقدر على منعهم وعصمهم منهم وإعادتهم فقد جعلوا قدرتهم ومشيئتهم بفعل ما لا يقدر الرب على المنع منه وهذا أبطل الباطل. ثم قالت القدرية ﴿تؤزهم أزا﴾ تأمرهم بالمعاصي أمرا، وحكوا ذلك عن الضحاك. وهذا لا يلتفت إليه إذ لا يقال لمن أمر غيره بشيء قد أزه ولا تساعد اللغة على ذلك ولو كان ذلك صحيحا لكان يؤز المؤمنين أيضا فإنه يأمرهم بالمعاصي أكثر من أمر الكافرين فإن الكافر سريع الطاعة والقبول من الشيطان فلا يحتاج من أمره ما يحتاج إليه من أمر المؤمنين بل يأمر الكافر مرة، ويأمر المؤمن مرات، فلو كان الأز الأمر لم يكن له اختصاص بالكافرين.

مريم 19:85

(فصل) قال ابن أبي الدنيا حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادِ بْنِ مُوسى العُكْلِيُّ، أنَّهُ سَمِعَ الضَّحّاكَ بْنَ مُزاحِمٍ يُحَدِّثُ، عَنِ الحارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا سورة مريم آية ٨٥، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الوَفْدُ إلا رَكِبٌ؟ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهم إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمِ اسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ، عَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ، شُرُكُ نِعالِهِمْ نُورٌ يَتَلأْلأُ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَنْتَهُونَ إلى بابِ الجَنَّةِ، يَنْبُعُ مِن أصْلِها عَيْنانِ، فَإذا شَرِبُوا مِن إحْداهُما جَرَتْ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ، وإذا تَوَضَّئُوا مِنَ الأُخْرى لَمْ تَشْعَثْ شُعُورُهم أبَدًا، فَيَضْرِبُونَ الحَلْقَةَ لِيَفْتَحَهُ، فَلَوْ سَمِعْتَ طَنِينَ الحَلْقَةِ يا عَلِيُّ، فَيَبْلُغُ كُلَّ حور أنَّ زَوْجَها قَدْ أقْبَلَ، فَتَسْتَخِفُّها العَجَلَةُ، فَتَبْعَثُ قَيِّمَها لِيَفْتَحَ لَهُ البابَ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَرَّفَهُ نَفْسَهُ، لَخَرَّ ساجِدًا مِمّا يَرى مِنَ النُّورِ والبَهاءِ، فَيَقُولُ: أنا قَيِّمُكَ الَّذِي وُكِّلْتُ بِأمْرِكَ، فَيَتْبَعُهُ، فَيَقْفُو أثَرَهُ، فَيَأْتِي زَوْجَتَهُ فَتَسْتَخِفُّها العَجَلَةُ، فَتَخْرُجُ مِنَ الخَيْمَةِ، فَتُعانِقُهُ، وتَقُولُ: أنْتَ حِبِّي، وأنا حِبُّكَ، وأنا الرّاضِيَةُ فَلا أسْخَطُ أبَدًا، وأنا النّاعِمَةُ فَلا أبْؤُسُ أبَدًا، وأنا الخالِدَةُ فَلا أظْعَنُ أبَدًا، فَيَدْخُلُ بَيْتًا مِن أساسِهِ إلى سَقْفِهِ مِائَةُ ألْفِ ذِراعٍ، مَبْنِيٌّ عَلى جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ، طَرائِقُ حُمْرٌ، وطَرائِقُ خُضْرٌ، وطَرائِقُ صُفْرٌ، لَيْسَ مِنها طَرِيقَةٌ تُشاكِلُ صاحِبَتَها، فَيَأْتِي الأرِيكَةَ، فَإذا عَلَيْها سَرِيرٌ، عَلى السَّرِيرِ سَبْعُونَ فِراشًا، عَلَيْها سَبْعُونَ زَوْجَةً، عَلى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ ساقِها مِن باطِنِ الحُلَلِ، يَقْضِي جِماعَهُنَّ في مِقْدارِ لَيْلَةٍ، تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ مُطَّرِدَةً، أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، صافٍ لَيْسَ فِيهِ كَدَرٌ، وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى لَمْ يَخْرُجْ مِن بُطُونِ النَّحْلِ، وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ لَمْ تَعْصِرْها الرِّجالُ بِأقْدامِها، وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، لَمْ يَخْرُجْ مِن بُطُونِ الماشِيَةِ، فَإذا اشْتَهَوُا الطَّعامَ، جاءَتْهم طَيْرٌ بِيضٌ تَرْفَعُ أجْنِحَتَها، فَيَأْكُلُونَ مِن جَوانِبِها، مِن أيِّ الألْوانِ شاءُوا، ثُمَّ تَطِيرُ فَتَذْهَبُ، وفِيها ثِمارٌ مُتَدَلِّيَةٌ، إذا اشْتَهَوْها انْشَعَبَ الغُصْنُ إلَيْهِمْ، فَيَأْكُلُونَ مِن أيِّ الثِّمارِ اشْتَهَوْا، إنْ شاءَ قائِمًا، وإنْ شاءَ مُتَّكِئًا، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن آية: ٥٤]، وبَيْنَ أيْدِيهِمْ خَدَمٌ كَأنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ ". (هذا حديث غريب وفي إسناد ضعيف وفي رفعة نظر والمعروف أنه موقوف على عليّ). قال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن عمر بن سليمان حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد في هذه الآية ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قال: "أما والله لا يحشر الوفد على أرجلهم ولكن لا يأتون بنوق لم تر الخلائق مثلها وعليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد فيركبون عليها حتى يضربوا باب الجنة".

مريم 19:95

وتأمل كيف كشف قناع هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ كيف أفرد (آتيه) لما كان المقصود الإشارة إلى أنهم وإن أتوه جميعا فكل واحد منهم منفرد عن كل فريق من صاحب أو قريب أو رفيق بل هو وحده منفرد فكأنه إنما أتاه وحده وإن أتاه مع غيره لانقطاع تبعيته للغير وانفراده بشأن نفسه فهذا عندي أحسن من الفرق بالإضافة وقطعها والفرق بذلك فرقه السهيلي رحمه الله تعالى فتأمل الفرقين.

مريم 19:96

التحاب والتآلف إنما هو بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إنّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدا﴾. أي يلقي بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة. وقال ابن عباس "يحبهم ويحببهم إلى عباده". قال هرم بن حيان "ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم". وأهل المعاصي والفسوق وإن كان بينهم نوع مودة وتحاب، فإنها تنقلب عدواة وبغضا، وفي الغالب يتعجل لهم ذلك في الدنيا قبل الآخرة، أما في الآخرة فـ ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾. وقال إمام الحنفاء لقومه: ﴿إنّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بَبَعْضُ ويلعن بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. (فصل) وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وفي لفظ لمسلم إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه ثم يوضع له البغضاء في الأرض" وفي لفظ آخر لمسلم عن سهيل بن أبي صالح قال كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم فقام الناس ينظرون إليه فقلت لأبي يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال وما ذاك قلت لما له من الحب في قلوب الناس فقال إني سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن رسول الله ﷺ ثم ذكر الحديث وأخرجه الترمذي ثم زاد في آخره فذلك قول الله تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ انتهى. وقال بعض السلف في تفسيرها يحبهم ويحببهم إلى عباده. وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال "وما أعددت لها؟ قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله فقال أنت مع من أحببت" قال أنس رضي الله عنه فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ أنت مع من أحببت قال أنس فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل أعمالهم وفي الترمذي عنه أن رسول الله ﷺ قال "المرء مع من أحب وله ما اكتسب" وفي سنن أبي داود عنه قال رأيت أصحاب النبي ﷺ فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشد منه قال رجل يا رسول الله ﷺ الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله فقال رسول الله ﷺ: "المرء مع من أحب" وهذه المحبة لله توجب المحبة في الله قطعا فإن من محبة الحبيب المحبة فيه والبغض فيه وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "يقول الله تعالى يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" وفي جامع أبي عيسى الترمذي من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله عز وجل المتحابون بجلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء" وفي لفظ لغيره "المتحابون بجلال الله يكونون يوم القيامة على منابر من نور يغبطهم أهل الجمع" وفي الموطأ من حديث أبي إدريس الخولاني قال دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا والناس حوله فإذا اختلفوا في شيء اسندوه إليه وصدروا عن رأيه فسألت عنه فقالوا هذا معاذ بن جبل فلما كان الغد هجرت إليه فوجدته قد سبقني بالتهجير ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت والله إني لأحبك في الله فقال آلله قلت الله فقال آلله فقلت الله فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول "قال الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين فيَّ". وفي سنن أبي داود من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله" وفيه أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله ﷺ تخبرنا من هم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور ولا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه الآية ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ " وفي لفظ لغيره "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله ﷺ صفهم لنا حلهم لنا لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال تباذلوها ولا أرحام تواصلوها هم نور ووجوههم نور وعلى كراسي من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ هذه الآية ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ " وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال "إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية قال لك عليه من نعمة تربها قال لا غير أني أحبه في الله تعالى قال فإني رسول الله ﷺ إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه" ويكفي في الإقبال على الله تعالى ثوابا عاجلا أن الله سبحانه وتعالى يقبل بقلوب عباده إلى من أقبل عليه كما أنه يعرض بقلوبهم عمن أعرض عنه فقلوب العباد بيد الله لا بأيديهم.

مريم 19:98

(موعظة) إلام الرواح في الهوى والتفليس وحتام السعي في صحبة إبليس وكم بهرجة في العمل وتدليس. أين أقرانك هل تسمع لهم من حسيس؟ أعلمت أنهم اشتد ندمهم وحسرتهم على إيثار الخسيس، تالله لقد ودوا أن لو كانوا طلقوا الدنيا قبل المسيس. ؎عين المنية تغضي غير مطرقة ∗∗∗ وطرف مطلوبها مذ كان وسنان ؎جهلا تمكن منه حين مولده ∗∗∗ فالنطق صاح ولب المرء سكران

طه 20:7

قال الإمام أحمد - رحمه الله -: (السر) ما كان في القلب يسره، ﴿وأخفى﴾ الذي لم يكن بعدُ يعلمه.

طه 20:10

قيل: المصدر مضاف إلى الفاعل، أي لأذكرك بها. وقيل: مضاف إلى المذكور، أي لتذكروني بها، واللام على هذا لام التعليل. وقيل: هي اللام الوقتية، أي أقم الصلاة عند ذكري كقوله: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾. وهذا المعنى يراد بالآية، لكن تفسيرها به على أنه معناها فيه نظر، لأن هذه اللام الوقتية بابها أسماء الزمان والظروف. والذكر: مصدر، إلا أن يقدر زمان محذوف، أي عند وقت ذكري، وهذا محتمل. والأظهر: أنها لام التعليل، أي أقم الصلاة لأجل ذكري، ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره، وإذا ذكر العبد ربه، فذكر الله سابق على ذكره، فإنه لما ذكره ألهمه ذكره. فالمعاني الثلاثة حق.

طه 20:25

(لطيفة) قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: المُرِيدُ مُتَحَمِّلٌ، والمُرادُ مَحْمُولٌ، وقَدْ كانَ مُوسى ﷺ مُرِيدًا، إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وَنَبِيُّنا ﷺ مُرادًا، إذْ قِيلَ لَهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. وَسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنِ المُرِيدِ والمُرادِ؟ فَقالَ: المُرِيدُ يَتَوَلّى سِياسَتَهُ العِلْمُ. والمُرادُ: يَتَوَلّى رِعايَتَهُ الحَقُّ. لِأنَّ المُرِيدَ يَسِيرُ، والمُرادَ يَطِيرُ. فَمَتى يَلْحَقُ السّائِرُ الطّائِرَ؟

طه 20:38

قال السهيلي: ومن فوائد هذه المسألة أن نسأل كيف وردت الآية الأولى بـ (على) والآية الثانية بالياء؟ الجواب لا بد أن نسأل عن المعنى الذي لأجله قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ بحرف (على) وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ و ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ بحرف الباء، وما الفرق؟ قيل: الفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا وإبداء ما كان مكتوما، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سرا فلما أراد أن يصنع موسى عليه السلام ويغذى ويربى على حال أمن وظهور لا تحت خوف واستسرار دخلت (على) في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطي الاستعلاء والاستعلاء ظهور وإبداء فكأنه يقول سبحانه وتعالى ولتصنع على أمن لا تحت خوف وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة. وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ فإنه إنما يريد برعاية منا وحفظ ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم فلم يحتج في الكلام إلى معنى (على) بخلاف ما تقدم هذا كلامه ولم يتعرض رحمه الله تعالى لوجه الإفراد هناك والجمع هنا وهو من ألطف معاني الآية والفرق بينهما يظهر من الاختصاص الذي خص به موسى في قوله تعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ فاقتضى هذا الاختصاص الاختصاص الآخر في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فإن هذه الإضافة إضافة تخصيص وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ فليس فيه من الاختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه وتعالى واصطناعه إياه لنفسه وما يسنده سبحانه إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع قد يريد به ملائكته كقوله تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ ونظائره فتأمله. قال: وأما النفس فعلى أصل موضوعها إنما هي عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد وقد استعمل أيضا من لفظها النفاسة والشيء النفيس فصلحت للتعبير عنه سبحانه وتعالى بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية وأما الذات فقد استهوى أكثر الناس ولا سيما المتكلمين القول فيها أنها في معنى النفس والحقيقة ويقولون ذات الباري هي نفسه ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله ﷺ: "في قصة إبراهيم ثلاث كذبات كلهن في ذات الله" رواه البخاري ومسلم. وقول خبيب وذلك في ذات الإله قال وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا ولو كان كذلك لجاز أن يقال عند ذات الله واحذر ذات الله كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وذلك غير مسموع ولا يقال إلا بحرف في الجارة وحرف في للوعاء وهو معنى مستحيل على نفس الباري تعالى إذا قلت جاهدت في الله تعالى وأحببتك في الله تعالى محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء وإنما هو على حذف المضاف أي في مرضاة الله وطاعته فيكون الحرف على بابه كأنك قلت هذا محبوب في الأعمال التي فيها مرضاة الله وطاعته وأما أن تدع اللفظ على ظاهرة فمحال وإذا ثبت هذا فقوله في ذات الله أو في ذات الإله إنما يريد في الديانة والشريعة التي هي ذات الإله فذات وصف للديانة وكذلك هي في الأصل موضوعها نعت لمؤنث ألا ترى أن فيها تاء التأنيث وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله تعالى عز وجل لا عن نفسه سبحانه وهذا هو المفهوم من كلام العرب ألا ترى قول النابغة الذبياني: بجلتهم ذات الإله ودينهم فقد بانَ غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيف إليه وهذا من كلامه من المرقصات فإنه أحسن فيه ما شاء.

طه 20:39

قال السهيلي: ومن فوائد هذه المسألة أن نسأل كيف وردت الآية الأولى بـ (على) والآية الثانية بالياء؟ الجواب لا بد أن نسأل عن المعنى الذي لأجله قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ بحرف (على) وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ و ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ بحرف الباء، وما الفرق؟ قيل: الفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا وإبداء ما كان مكتوما، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سرا فلما أراد أن يصنع موسى عليه السلام ويغذى ويربى على حال أمن وظهور لا تحت خوف واستسرار دخلت (على) في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطي الاستعلاء والاستعلاء ظهور وإبداء فكأنه يقول سبحانه وتعالى ولتصنع على أمن لا تحت خوف وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة. وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ فإنه إنما يريد برعاية منا وحفظ ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم فلم يحتج في الكلام إلى معنى (على) بخلاف ما تقدم هذا كلامه ولم يتعرض رحمه الله تعالى لوجه الإفراد هناك والجمع هنا وهو من ألطف معاني الآية والفرق بينهما يظهر من الاختصاص الذي خص به موسى في قوله تعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ فاقتضى هذا الاختصاص الاختصاص الآخر في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ فإن هذه الإضافة إضافة تخصيص وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ فليس فيه من الاختصاص ما في صنع موسى على عينه سبحانه وتعالى واصطناعه إياه لنفسه وما يسنده سبحانه إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع قد يريد به ملائكته كقوله تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ ونظائره فتأمله. قال: وأما النفس فعلى أصل موضوعها إنما هي عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد وقد استعمل أيضا من لفظها النفاسة والشيء النفيس فصلحت للتعبير عنه سبحانه وتعالى بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية وأما الذات فقد استهوى أكثر الناس ولا سيما المتكلمين القول فيها أنها في معنى النفس والحقيقة ويقولون ذات الباري هي نفسه ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله ﷺ: "في قصة إبراهيم ثلاث كذبات كلهن في ذات الله" رواه البخاري ومسلم. وقول خبيب وذلك في ذات الإله قال وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا ولو كان كذلك لجاز أن يقال عند ذات الله واحذر ذات الله كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وذلك غير مسموع ولا يقال إلا بحرف في الجارة وحرف في للوعاء وهو معنى مستحيل على نفس الباري تعالى إذا قلت جاهدت في الله تعالى وأحببتك في الله تعالى محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء وإنما هو على حذف المضاف أي في مرضاة الله وطاعته فيكون الحرف على بابه كأنك قلت هذا محبوب في الأعمال التي فيها مرضاة الله وطاعته وأما أن تدع اللفظ على ظاهرة فمحال وإذا ثبت هذا فقوله في ذات الله أو في ذات الإله إنما يريد في الديانة والشريعة التي هي ذات الإله فذات وصف للديانة وكذلك هي في الأصل موضوعها نعت لمؤنث ألا ترى أن فيها تاء التأنيث وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله تعالى عز وجل لا عن نفسه سبحانه وهذا هو المفهوم من كلام العرب ألا ترى قول النابغة الذبياني: بجلتهم ذات الإله ودينهم فقد بانَ غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيف إليه وهذا من كلامه من المرقصات فإنه أحسن فيه ما شاء.

طه 20:40

قوله تعالى ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ أي ابتليناك واختبرناك وصرفناك في الأحوال التي قصها الله سبحانه علينا من لدن ولادته إلى وقت خطابه له وإنزاله عليه كتابه. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الوَقْتِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ الوَقْتِ. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يامُوسى﴾ الوَقْتُ اسْمٌ لِظَرْفِ الكَوْنِ. وَهُوَ اسْمٌ في هَذا البابِ لِثَلاثَةِ مَعانٍ، عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. المَعْنى الأوَّلُ: حِينَ وجْدٍ صادِقٍ، لِإيناسِ ضِياءِ فَضْلٍ جَذَبَهُ صَفاءُ رَجاءٍ، أوْ لِعِصْمَةٍ جَذَبَها صِدْقُ خَوْفٍ. أوْ لِتَلَهُّبِ شَوْقٍ جَذَبَهُ اشْتِعالُ مَحَبَّةٍ. وَجْهُ اسْتِشْهادِهِ بِالآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدَّرَ مَجِيءَ مُوسى أحْوَجَ ما كانَ الوَقْتُ إلَيْهِ. فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ عَلى قَدَرٍ. إذا جاءَ وقْتُ الحاجَةِ إلَيْهِ. قالَ جَرِيرٌ: ؎نالَ الخِلافَةَ إذْ كانَتْ عَلى قَدَرٍ ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ وَقالَ مُجاهِدٌ: عَلى مَوْعِدٍ. وهَذا فِيهِ نَظَرٌ. لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وبَيْنَ مُوسى مَوْعِدٌ لِلْمَجِيءِ، حَتّى يُقالَ: إنَّهُ أتى عَلى ذَلِكَ المَوْعِدِ. وَلَكِنْ وجْهُ هَذا: أنَّ المَعْنى: جِئْتَ عَلى المَوْعِدِ الَّذِي وعَدْنا أنْ نُنْجِزَهُ، والقَدَرِ الَّذِي قَدَّرْنا أنْ يَكُونَ في وقْتِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا - ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧-١٠٨] لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَدَ بِإرْسالِ نَبِيٍّ في آخِرِ الزَّمانِ يَمْلَأُ الأرْضَ نُورًا وهُدًى. فَلَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ: عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ أنْجَزَ ذَلِكَ الوَعْدَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. واسْتِشْهادُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى مَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ. لِأنَّ الشَّيْءَ إذا وقَعَ في وقْتِهِ الَّذِي هو ألْيَقُ الأوْقاتِ بِوُقُوعِهِ فِيهِ: كانَ أحْسَنَ وأنْفَعَ وأجْدى. كَما إذا وقَعَ الغَيْثُ في أحْوَجِ الأوْقاتِ إلَيْهِ. وكَما إذا وقَعَ الفَرَجُ في الوَقْتِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ. وَمَن تَأمَّلَ أقْدارَ الرَّبِّ تَعالى، وجَرَيانَها في الخَلْقِ: عَلِمَ أنَّها واقِعَةٌ في ألْيَقِ الأوْقاتِ بِها. فَبَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُوسى: أحْوَجَ ما كانَ النّاسُ إلى بِعْثَتِهِ. وبَعَثَ عِيسى كَذَلِكَ. وبَعَثَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: أحْوَجَ ما كانَ أهْلُ الأرْضِ إلى إرْسالِهِ. فَهَكَذا وقْتُ العَبْدِ مَعَ اللَّهِ يُعَمِّرُهُ بِأنْفَعِ الأشْياءِ لَهُ: أحْوَجَ ما كانَ إلى عِمارَتِهِ. قَوْلُهُ " الوَقْتُ: ظَرْفُ الكَوْنِ " الوَقْتُ: عِبارَةٌ عَنْ مُقارَبَةِ حادِثٍ لِحادِثٍ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ، فَهو نِسْبَةٌ بَيْنَ حادِثَيْنِ. فَقَوْلُهُ " ظَرْفُ الكَوْنِ " أيْ وِعاءُ التَّكْوِينِ. فَهُوَ الوِعاءُ الزَّمانِيُّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ التَّكْوِينُ. كَما أنَّ ظَرْفَ المَكانِ: هو الوِعاءُ المَكانِيُّ، الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الجِسْمُ. وَلَكِنَّ الوَقْتَ في اصْطِلاحِ القَوْمِ أخَصُّ مِن ذَلِكَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ: الوَقْتُ ما أنْتَ فِيهِ. فَإنْ كُنْتَ في الدُّنْيا فَوَقْتُكَ الدُّنْيا وإنْ كُنْتَ بِالعُقْبى فَوَقْتُكَ العُقْبى. وَإنْ كُنْتَ بِالسُّرُورِ فَوَقْتُكَ السُّرُورُ. وإنْ كُنْتَ بِالحُزْنِ فَوَقْتُكَ الحُزْنُ. يُرِيدُ: أنَّ الوَقْتَ ما كانَ الغالِبَ عَلى الإنْسانِ مِن حالِهِ. وَقَدْ يُرِيدُ: أنَّ الوَقْتَ ما بَيْنَ الزَّمانَيْنِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ. وهو اصْطِلاحُ أكْثَرِ الطّائِفَةِ. ولِهَذا يَقُولُونَ: الصُّوفِيُّ والفَقِيرُ ابْنُ وقْتِهِ. يُرِيدُونَ: أنَّ هِمَّتَهُ لا تَتَعَدّى وظِيفَةَ عِمارَتِهِ بِما هو أوْلى الأشْياءِ بِهِ، وأنْفَعُها لَهُ. فَهو قائِمٌ بِما هو مُطالَبٌ بِهِ في الحِينِ والسّاعَةِ الرّاهِنَةِ. فَهو لا يَهْتَمُّ بِماضِي وقْتِهِ وآتِيهِ، بَلْ يَهْتَمُّ بِوَقْتِهِ الَّذِي هو فِيهِ. فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِالوَقْتِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ يُضَيِّعُ الوَقْتَ الحاضِرَ، وكُلَّما حَضَرَ وقْتٌ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِالطَّرَفَيْنِ. فَتَصِيرُ أوْقاتُهُ كُلُّها فَواتًا. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: صَحِبْتُ الصُّوفِيَّةَ. فَما انْتَفَعْتُ مِنهم إلّا بِكَلِمَتَيْنِ، سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: الوَقْتُ سَيْفٌ. فَإنْ قَطَعْتَهُ وإلّا قَطَعَكَ. ونَفْسُكَ إنْ لَمْ تَشْغَلْها بِالحَقِّ، وإلّا شَغَلَتْكَ بِالباطِلِ. قُلْتُ: يا لَهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، ما أنْفَعَهُما وأجْمَعَهُما، وأدَلَّهُما عَلى عُلُوِّ هِمَّةِ قائِلِهِما، ويَقَظَتِهِ. وَيَكْفِي في هَذا ثَناءُ الشّافِعِيِّ عَلى طائِفَةِ هَذا قَدْرَ كَلِماتِهِمْ. وَقَدْ يُرِيدُونَ بِالوَقْتِ: ما هو أخَصُّ مِن هَذا كُلِّهِ. وهو ما يُصادِفُهم في تَصْرِيفِ الحَقِّ لَهم. دُونَ ما يَخْتارُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ. ويَقُولُونَ: فُلانٌ بِحُكْمِ الوَقْتِ. أيْ مُسْتَسْلِمٌ لِما يَأْتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ. وَهَذا يَحْسُنُ في حالٍ، ويَحْرُمُ في حالٍ. ويُنْقِصُ صاحِبَهُ في حالٍ. فَيَحْسُنُ في كُلِّ مَوْضِعٍ لَيْسَ لِلَّهِ عَلى العَبْدِ فِيهِ أمْرٌ ولا نَهْيٌ. بَلْ في مَوْضِعِ جَرَيانِ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِهِ أمْرٌ ولا نَهْيٌ، كالفَقْرِ والمَرَضِ، والغُرْبَةِ والجُوعِ، والألَمِ والحَرِّ والبَرْدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وَيَحْرُمُ في الحالِ الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهِ فِيها الأمْرُ والنَّهْيُ والقِيامُ بِحُقُوقِ الشَّرْعِ. فَإنَّ التَّضْيِيعَ لِذَلِكَ والِاسْتِسْلامَ، والِاسْتِرْسالَ مَعَ القَدَرِ: انْسِلاخٌ مِنَ الدِّينِ بِالكُلِّيَّةِ. ويُنْقِصُ صاحِبَهُ في حالٍ تَقْتَضِي قِيامًا بِالنَّوافِلِ، وأنْواعِ البِرِّ والطّاعَةِ. وَإذا أرادَ اللَّهُ بِالعَبْدِ خَيْرًا: أعانَهُ بِالوَقْتِ. وجَعَلَ وقْتَهَ مُساعِدًا لَهُ. وإذا أرادَ بِهِ شَرًّا: جَعَلَ وقْتَهُ عَلَيْهِ، وناكَدَهُ وقْتَهُ. فَكُلَّما أرادَ التَّأهُّبَ لِلْمَسِيرِ: لَمْ يُساعِدْهُ الوَقْتُ. والأوَّلُ: كُلَّما هَمَّتْ نَفْسُهُ بِالقُعُودِ أقامَهُ الوَقْتُ وساعَدَهُ. وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُهُمُ الصُّوفِيَّةَ أرْبَعَةَ أقْسامٍ: أصْحابُ السَّوابِقِ، وأصْحابُ العَواقِبِ، وأصْحابُ الوَقْتِ، وأصْحابُ الحَقِّ. قالَ: فَأمّا أصْحابُ السَّوابِقِ: فَقُلُوبُهم أبَدًا فِيما سَبَقَ لَهم مِنَ اللَّهِ. لِعِلْمِهِمْ أنَّ الحُكْمَ الأزَلِيَّ لا يَتَغَيَّرُ بِاكْتِسابِ العَبْدِ. وَيَقُولُونَ: مَن أقْصَتْهُ السَّوابِقُ لَمْ تُدْنِهِ الوَسائِلُ. فَفِكْرُهم في هَذا أبَدًا. ومَعَ ذَلِكَ: فَهم يَجِدُّونَ في القِيامِ بِالأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِأنْواعِ القُرَبِ، غَيْرَ واثِقِينَ بِها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلَيْها، ويَقُولُ قائِلُهُمْ: ؎مِن أيْنَ أُرْضِيكَ إلّا أنْ تُوَفِّقَنِي ∗∗∗ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ما التَّوْفِيقُ مِن قِبَلِي ؎إنْ لَمْ يَكُنْ لِي في المَقْدُورِ سابِقَةٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ يَنْفَعُ ما قَدَّمْتُ مِن عَمَلِي. وَأمّا أصْحابُ العَواقِبِ: فَهم مُتَفَكِّرُونَ فِيما يُخْتَمُ بِهِ أمْرُهم. فَإنَّ الأُمُورَ بِأواخِرِها. والأعْمالَ بِخَواتِيمِها، والعاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ. كَما قِيلَ: ؎لا يَغُرَّنَّكَ صَفا الأوْقاتِ ∗∗∗ فَإنَّ تَحْتَها غَوامِضَ الآفاتِ فَكَمْ مِن رَبِيعٍ نَوَّرَتْ أشْجارُهُ، وتَفَتَّحَتْ أزْهارُهُ، وزَهَتْ ثِمارُهُ، لَمْ يَلْبَثْ أنْ أصابَتْهُ جائِحَةٌ سَماوِيَّةٌ. فَصارَ كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ [يونس: ٢٤]- إلى قَوْلِهِ - ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. ؎فَكَمْ مِن مُرِيدٍ كَبا بِهِ جَوادُ عَزْمِهِ ∗∗∗ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ - وقَدْ شُوهِدَ مِنهُ خِلافُ ما كانَ يُعْهَدُ عَلَيْهِ -: ما الَّذِي أصابَكَ؟ فَقالَ: حِجابٌ وقَعَ، وأنْشَدَ: ؎أحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأيّامِ إذْ حَسُنَتْ ∗∗∗ ولَمْ تَخَفْ سُوءَ ما يَأْتِي بِهِ القَدَرُ ؎وَسالَمَتْكَ اللَّيالِي فاغْتَرَرْتَ بِها ∗∗∗ وعِنْدَ صَفْوِ اللَّيالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ لَيْسَ العَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ؟ إنَّما العَجَبُ مِمَّنْ نَجا كَيْفَ نَجا؟ ؎تَعْجَبِينَ مِن سَقَمِي ∗∗∗ صِحَّتِي هي العَجَبُ النّاكِصُونَ عَلى أعْقابِهِمْ أضْعافُ أضْعافِ مَنِ اقْتَحَمَ العَقَبَةَ: ؎خُذْ مِنَ الألْفِ واحِدًا ∗∗∗ واطَّرِحِ الكُلَّ مِن بَعْدِهِ. وَأمّا أصْحابُ الوَقْتِ: فَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِالسَّوابِقِ، ولا بِالعَواقِبِ. بَلِ اشْتَغَلُوا بِمُراعاةِ الوَقْتِ، وما يَلْزَمُهم مِن أحْكامِهِ. وقالُوا: العارِفُ ابْنُ وقْتِهِ. لا ماضِيَ لَهُ ولا مُسْتَقْبَلَ. وَرَأى بَعْضُهُمُ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في مَنامِهِ. فَقالَ لَهُ: أوْصِنِي. فَقالَ لَهُ: كُنِ ابْنَ وقْتِكَ. وَأمّا أصْحابُ الحَقِّ: فَهم مَعَ صاحِبِ الوَقْتِ والزَّمانِ، ومالِكِهِما ومُدَبِّرِهِما. مَأْخُوذُونَ بِشُهُودِهِ عَنْ مُشاهَدَةِ الأوْقاتِ. لا يَتَفَرَّغُونَ لِمُراعاةِ وقْتٍ ولا زَمانٍ. كَما قِيلَ: ؎لَسْتُ أدْرِي أطالَ لَيْلِي أمْ لا ∗∗∗ كَيْفَ يَدْرِي بِذاكَ مَن يَتَقَلّى ؎لَوْ تَفَرَّغْتُ لِاسْتِطالَةِ لَيْلِي ∗∗∗ ولِرَعْيِ النُّجُومِ كُنْتُ مُخَلّى ؎إنَّ لِلْعاشِقِينَ عَنْ قِصَرِ اللَّيْـ ∗∗∗ لِ وعَنْ طُولِهِ مِنَ العِشْقِ شُغْلا قالَ الجُنَيْدُ: دَخَلْتُ عَلى السَّرِيِّ يَوْمًا. فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ فَأنْشَأ يَقُولُ: ؎ما في النَّهارِ ولا في اللَّيْلِ لِي فَرَجٌ ∗∗∗ فَلا أُبالِي أطالَ اللَّيْلُ أمْ قَصُرا ثُمَّ قالَ: لَيْسَ عِنْدَ رَبِّكم لَيْلٌ ولا نَهارٌ. يُشِيرُ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَطَلِّعٍ إلى الأوْقاتِ. بَلْ هو مَعَ الَّذِي قَدَّرَ اللَّيْلَ والنَّهارِ.

طه 20:41

والِاصْطِناعُ في الأصْلِ: اتِّخاذُ الصَّنِيعَةِ، وهي الخَيْرُ تُسْدِيهِ إلى غَيْرِكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وَإذا اصْطَنَعْتَ صَنِيعَةً فاقْصِدْ بِها ∗∗∗ وجْهَ الَّذِي يُولِي الصَّنائِعَ أوْدَعِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَنَعْتُكَ لِوَحْيِي ورِسالَتِي، وقالَ الكَلْبِيُّ: اخْتَرْتُكَ بِالرِّسالَةِ لِنَفْسِي، لِكَيْ تُحِبَّنِي وتَقُومَ بِأمْرِي. وَقِيلَ: اخْتَرْتُكَ بِالإحْسانِ إلَيْكَ لِإقامَةِ حُجَّتِي، فَتُكَلِّمَ عِبادِي عَنِّي. قالَ أبُو إسْحاقَ: اخْتَرْتُكَ بِالإحْسانِ إلَيْكَ لِإقامَةِ حُجَّتِي، وجَعَلْتُكَ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي حَتّى صِرْتَ في الخِطابِ والتَّبْلِيغِ عَنِّي بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أكُونُ أنا بِها لَوْ خاطَبْتُهم. وَقِيلَ: مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ بَعْضُ المُلُوكِ لِجَوامِعِ خِصالٍ فِيهِ وخَصائِص أهْلًا لِكَرامَتِهِ وتَقْرِيبِهِ، فَلا يَكُونُ أحَدٌ أقْرَبَ مِنهُ مَنزِلَةً إلَيْهِ، ولا ألْطَفَ مَحَلًّا، فَيَصْطَنِعُهُ بِالكَرامَةِ والأثَرَةِ، ويَسْتَخْلِصُهُ لِنَفْسِهِ، بِحَيْثُ يَسْمَعُ بِهِ، ويُبْصِرُ بِهِ، ويَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِ.

طه 20:43

قَوْله تَعالى لِكَلِيمِهِ مُوسى وأخِيهِ هارُونَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى (٤٤)﴾ فَأمَرَ تَعالى أنْ يُلِينا القَوْلَ لِأعْظَمِ أعْدائِهِ وأشَدِّهِمْ كُفْرًا وأعْتاهم عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَكُونَ إغْلاظُ القَوْلِ لَهُ مَعَ أنَّهُ حَقِيقٌ بِهِ ذَرِيعَةً إلى تَنْفِيرِهِ وعَدَمِ صَبْرِهِ لِقِيامِ الحُجَّةِ، فَنَهاهُما عَنْ الجائِزِ لِئَلّا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما هو أكْرَهُ إلَيْهِ تَعالى.

طه 20:44

قَوْله تَعالى لِكَلِيمِهِ مُوسى وأخِيهِ هارُونَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى (٤٤)﴾ فَأمَرَ تَعالى أنْ يُلِينا القَوْلَ لِأعْظَمِ أعْدائِهِ وأشَدِّهِمْ كُفْرًا وأعْتاهم عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَكُونَ إغْلاظُ القَوْلِ لَهُ مَعَ أنَّهُ حَقِيقٌ بِهِ ذَرِيعَةً إلى تَنْفِيرِهِ وعَدَمِ صَبْرِهِ لِقِيامِ الحُجَّةِ، فَنَهاهُما عَنْ الجائِزِ لِئَلّا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما هو أكْرَهُ إلَيْهِ تَعالى.

طه 20:46

(فائدة: تقديم السمع على البصر له سببان) أحدهما أن يكون السياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمنا للتهديد والوعيد كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته التي تقتضي الحذر والاستقامة كقوله: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقوله: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ والقرآن الكريم مملوء من هذا وعلى هذا فيكون في ضمن ذلك إني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي وأبصر ما يفعلون، ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان: أحدهما قابلوها بقولهم صدقت ثم عملوا بموجبها. والثاني قابلوها بالتكذيب ثم عملوا بخلافها فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر. وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: لموسى ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ هو يسمع ما يجيبهم به ويرى ما يصنعه. وهذا لا يعم سائر المواضع بل يختص منها بما هذا شأنه. والسبب الثاني أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام مع غاية البعد بين السامع والمسموع أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول فقال: الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، فقال الثالث: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا " رواه البخاري ومسلم والترمذي. ولم يقولوا أترون الله يرانا، فكان تقديم السمع أهم والحاجة إلى العلم به أمس. وسبب ثالث وهو أن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرا في الخير والشر والصلاح والفساد بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان، فكان تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى. وبهذا يعلم تقديمه على العليم حيث وقع.

طه 20:47

فإن قيل: ما الحكمة في تسليم النبي ﷺ على من اتبع الهدى في كتابه إلى هرقل بلفظ النكرة، وتسليم موسى عليهم بلفظ المعرفة؟ فالجواب عنه أن تسليم النبي ﷺ تسليم ابتدائي ولهذا صدر به الكتاب حيث قال من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى ففي تنكيره ما في تنكير سلام من الحكمة وقد تقدم بيانها وأما قول موسى والسلام على من اتبع الهدى فليس بسلام تحية فإنه لم يبتدئ به فرعون بل هو خبر محض فإن من اتبع الهدى له السلام المطلق دون من خالفه فإنه قال له: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أفلا ترى أن هذا ليس بتحية في ابتداء الكلام ولا خاتمته وإنما وقع متوسطا بين الكلامين إخبارا محضا عن وقوع السلامة وحلولها على من اتبع الهدي ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جبلت النفوس على حبه وإيثاره من السلامة وأنه إن اتبع الهدى الذي جاءه به فهو من أهل السلام والله تعالى أعلم. وتأمل حسن سياق هذه الجمل وترتيب هذا الخطاب ولطف هذا القول اللين الذي سلب القلوب حسنه وحلاوته مع جلالته وعظمته كيف ابتدأ الخطاب بقوله ﴿إنا رسولا ربك﴾ وفي ضمن ذلك إنا لم نأتك لننازعك ملكك ولا لنشركك فيه بل نحن عبدان مأموران مرسلان من ربك إليك. وفي إضافة اسم (الرب) إليه هنا دون إضافته إليهما استدعاء لسمعه وطاعته وقبوله كما يقول الرسول للرجل من عند مولاه: أنا رسول مولاك إليك وأستاذك، وإن كان أستاذهما معا ولكن ينبهه بإضافته إليه على السمع والطاعة له، ثم إنهما طلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل ويخلي بينهم وبينهما ولا يعذبهم، ومن طلب من غيره ترك العدوان والظلم وتعذيب من لا يستحق العذاب فلم يطلب منه شططا ولم يرهقه من أمره عسرا، بل طلب منه غاية النصف، ثم أخبره بعد الطلب بثلاث إخبارات: أحدها قوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ فقد برئنا من عهدة نسبتك لنا إلى التقول والافتراء بما جئناك به من البرهان والدلالة الواضحة فقد قامت الحجة، ثم بعد ذلك للمرسَل إليه حالتان: إما أن يسمع ويطيع فيكون من أهل الهدى ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ وإما أن يكذب ويتولى فالعذاب على من كذب وتولى. فجمعت الآية طلب الإنصاف، وإقامة الحجة، وبيان ما يستحق السامع المطيع وما يستحقه المكذب المتولي بألطف خطاب وأليق قول، وأبلغ ترغيب وترهيب.

طه 20:49

فهدى كل نفس لجلب ما يصلحها وينفعها ودفع ما يضرها ويفسدها وخص النوع الإنساني بأنواع أخر من الهداية التي يعرفها ويتمكن من النطق بها لهداية غيره ومن أعلى أنواع هذا الهدى هدى البيان والدلالة وتعريف الإنسان ومعرفته مراده ومراد غيره وذلك إنما هو بصفة النطق التي هي أظهر ما في الإنسان ولذلك شبه الله سبحانه بها ما أخبر به من الغيب فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]. (فصل) قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ قال مجاهد: "أعطى كل شيء خلقه لم يعط الإنسان خلق البهائم ولا البهائم خلق الإنسان" وأقوال أكثر المفسرين تدور على هذا المعنى قال عطية ومقاتل: "أعطى كل شيء صورته" وقال الحسن وقتادة: "أعطى كل شيء صلاحه" والمعنى أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له ثم هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين فيكون نظير قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدى﴾ وقال الكلبي والسدي: "أعطى الرجل المرأة والبعير الناقة والذكر الأنثى من جنسه" ولفظ السدي: "أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه ثم هدى إلى الجماع" وهذا القول اختيار ابن قتيبة والفراء. قال الفراء: "أعطى الذكر من الناس امرأة مثله والشاة شاة والثور بقرة ثم ألهم الذكر كيف يأتيها" قال أبو إسحاق: "وهذا التفسير جائز لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى ولم ير ذكرا قد أتى أنثى قبله فألهمه الله ذلك وهداه إليه" قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة. قلت: أرباب هذا القول هضموا الآية معناها فإن معناها أجل وأعظم مما ذكروه. وقوله ﴿أعطى كل شيء﴾ يأبى هذا التفسير فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصة ممتنع لا وجه له، وكيف يخرج من هذا اللفظ الملائكة والجن ومن لم يتزوج من بني آدم ومن لم يسافد من الحيوان، وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقا له وأين نظير هذا في القرآن وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه وذكره بأدل عبارة عليه وأوضحها فقال: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثى﴾ فحمل قوله: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ على هذا المعنى غير صحيح فتأمله. وفي الآية قول آخر قاله الضحاك قال: "أعطى كل شيء خلقه أعطى اليد البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمع" ومعنى هذا القول أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له والخلق على هذا بمعنى المفعول أي أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء. وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه لكن معنى الآية أعم والقول هو الأول وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به ثم هداه لما خلق له ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره. فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته فهذا وجه الاستدلال على عدو الله فرعون، ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾.

طه 20:50

فهدى كل نفس لجلب ما يصلحها وينفعها ودفع ما يضرها ويفسدها وخص النوع الإنساني بأنواع أخر من الهداية التي يعرفها ويتمكن من النطق بها لهداية غيره ومن أعلى أنواع هذا الهدى هدى البيان والدلالة وتعريف الإنسان ومعرفته مراده ومراد غيره وذلك إنما هو بصفة النطق التي هي أظهر ما في الإنسان ولذلك شبه الله سبحانه بها ما أخبر به من الغيب فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]. (فصل) قال تعالى إخبارا عن فرعون أنه قال: ﴿فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ قال مجاهد: "أعطى كل شيء خلقه لم يعط الإنسان خلق البهائم ولا البهائم خلق الإنسان" وأقوال أكثر المفسرين تدور على هذا المعنى قال عطية ومقاتل: "أعطى كل شيء صورته" وقال الحسن وقتادة: "أعطى كل شيء صلاحه" والمعنى أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له ثم هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين فيكون نظير قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدى﴾ وقال الكلبي والسدي: "أعطى الرجل المرأة والبعير الناقة والذكر الأنثى من جنسه" ولفظ السدي: "أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه ثم هدى إلى الجماع" وهذا القول اختيار ابن قتيبة والفراء. قال الفراء: "أعطى الذكر من الناس امرأة مثله والشاة شاة والثور بقرة ثم ألهم الذكر كيف يأتيها" قال أبو إسحاق: "وهذا التفسير جائز لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى ولم ير ذكرا قد أتى أنثى قبله فألهمه الله ذلك وهداه إليه" قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة. قلت: أرباب هذا القول هضموا الآية معناها فإن معناها أجل وأعظم مما ذكروه. وقوله ﴿أعطى كل شيء﴾ يأبى هذا التفسير فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصة ممتنع لا وجه له، وكيف يخرج من هذا اللفظ الملائكة والجن ومن لم يتزوج من بني آدم ومن لم يسافد من الحيوان، وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقا له وأين نظير هذا في القرآن وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه وذكره بأدل عبارة عليه وأوضحها فقال: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثى﴾ فحمل قوله: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ على هذا المعنى غير صحيح فتأمله. وفي الآية قول آخر قاله الضحاك قال: "أعطى كل شيء خلقه أعطى اليد البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمع" ومعنى هذا القول أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له والخلق على هذا بمعنى المفعول أي أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء. وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه لكن معنى الآية أعم والقول هو الأول وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به ثم هداه لما خلق له ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره. فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته فهذا وجه الاستدلال على عدو الله فرعون، ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾.

طه 20:51

أي فما للقرون الأولى لم تقر بهذا الرب ولم تعبده بل عبدت الأوثان. والمعنى لو كان ما تقوله حقا لم يخف على القرون الأولى ولم يهملوه، فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين، فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به وشرك المشركين، وهذا شأن كل مبطل، ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال منهم، فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أي أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب فيجازيهم عليه يوم القيامة ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه سبحانه لا يضل ولا ينسى. وعلى هذا فالكتاب ها هنا كتاب الأعمال وقال الكلبي: "يعني به اللوح المحفوظ" وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق. والمعنى على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها فيكون هذا من تمام قوله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتأمله. (فصل) وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: "أعقل الطير الحمام" وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها وتنهي الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيما فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت السفاد وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها والإناث عن ذكورها ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها ويتعرفون صحة طرقها ومحلها لا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكرا من عرض الحمام فتعتريها الهجنة والقيمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون لها والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء بحيث إذا رأوا حماما ساقطا لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها ويقولون هو أحن إلى بيته لمكان أنثاه وهو أشد متنا وأقوى بدنا وأحسن اهتداء وطائفة منهم يختار لذلك الإناث ويقولون الذكر إذا سافر وبعد عهده حن إلى الإناث وتاقت نفسه إليهن فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها فيترك المسير ومال إلى قضاء وطره منها وهدايته على قدر التعليم والتوطين والحمام موصوف باليمن والألف للناس ويحب الناس ويحبونه ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه ويعود إليه من مسافات بعيدة وربما صد فترك وطنه عشر حجج وهو ثابت على الوفاء حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه والحمام إذا أراد السفاد يلطف للأنثى غاية اللطف فيبدأ بنشر ذنبه وإرخاء جناحه ثم يدنو من الأنثى فيهدر لها ويقبلها ويزفها وينتفش ويرفع صدره ثم يعتريه ضرب من الوله، والأنثى في ذلك مرسلة جناحها وكتفها على الأرض فإذا قضى حاجته منها ركبته الأنثى وليس ذلك في شيء من الحيوان سواه وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد يقدم هو والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان فيعملان منه أفحوصة وينسجانها نسجا متداخلا في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة ويجعلان حروفها شاخصة مرتفعة لئلا يتدحرج عنها البيض ويكون حصنا للحاضن ثم يتعاودان ذلك المكان ويتعاقبان الأفحوص يسخنانه ويطيبانه وينفيان طباعه الأول ويحدثان فيه طبعا آخر مشتقا ومستخرجا من طباع أبدانهما ورائحتهما لكي تقع البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام ويكون على مقدار من الحر والبرد والرخاوة والصلابة ثم إذا ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان ووضعت فيه البيض فإن أفزعها رعد قاصف رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة التي تسقط من الفزع، فإذا وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه انصدع عن الفرخ فأعاناه على خروجه فيبدآن أولا بنفخ الريح في حلقه حتى تتسع حوصلته علما منهما بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء فتتسع الحوصلة بعد التحامها وتنفتق بعد ارتقاقها، ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت شيئا فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء وفيه قوى الطعم، ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية لتكون لها بعض المتانة فيلقطان من الغيطان الحب اللين الرخو ويزقانه الفرخ ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة الفرخ وهو يطلب ذلك منهما حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللقط ويعتاده وإذا علما أن رئته في قويت ونمت وأنهما إن فطماه فطما تاما قوي على اللقط وتبلغ لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق ومنعاه ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بنفسه والتكسب ثم يبتدآن العمل ابتداء على ذلك النظام والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها وفيه أخرى لا ترد يد لامس وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب وأخرى لها ذكر معروف بها وهي تمكن ذكرا آخر منها إذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها وأخرى تمكن من يغنيها عن زوجها وهو يراهما ويشاهدهما ولا تبالي بحضوره وأخرى تعمط الذكر وتدعوه إلى نفسها وأنثى تركب أنثى وتساحقها وذكر يركب ذكرا ويعسفه وكل حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم توجد في الحمام وفيها من لا تبيض وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان أسرعت هاربة ولا تواتي غير زوجها ألبتة بمنزلة المرأة الحرة ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها تم ينتقل عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ذكرا آخر عن زوجها وتنتقل عنه وإن كانوا جميعا في برج واحد ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ذكران أو أكثر فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره مالت إليه وأعرضت عن المغلوب وفي الحديث أن النبي ﷺ: "رأى حمامة تتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانه" ومنها ما يزق فراخه خاصة ومنا ما فيه شفقة ورحمة بالغة يزق فراخه وغيرها. ومن عجيب هداها أنها إذا حملت الرسائل سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس لئلا يعرض لها من يصدها ولا يرد مياههم بل يرد المياه التي لا يردها الناس، ومن هدايتها أيضا أنه إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده وأي نوع من الأنواع ضده فيخالف فعله ليسلم منه، ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر والعقاب وبين الرخم والبازي وبين الغراب والصقر فيعرف من يقصده ومن لا يقصده وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب والحمار عند مشاهدة الأسد. ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى وجلب القوت والزق على الذكر فإن الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم والأم هي التي تحبل وتلد وترضع. ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ أن رجلا كان له زوج حمام مقصوص وزوج طيار وللطيار فرخان قال ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول والخروج وزق فراخهما قال فحبسني السلطان فجأة فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام ولم أشك في موتهما لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة وليس عندهما ما يأكلان ويشربان قال فلما خلى سبيلي لم يكن لي هم غيرهما ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد كبرت ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت فما لبث أن جاء الزوج الطيار فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ فزقاهم فانظر إلى هذه الهداية فإن المقصوصبن لما شاهدا تلطف الفراخ للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش فعلا كفعل الفرخين فأدركتهما رحمة الطيارين فزقاهما كما يزقان فرخيهما. ونظير ذلك ما ذكره الجاحظ وغيره قال الجاحظ: "وهو أمر مشهور عندنا بالبصرة أنه لما وقع الطاعون الجارف أتى على أهل دار فلم يشك أهل تلك المحلة أنه لم يبق منهم أحد فعمدوا إلى باب الدار فسدوه وكان قد بقي صبي صغير يرضع ولم يفطنوا له فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ففتح الباب فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من أطبائها فمصها وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة يرتضعون من أطباء الكلبة حبا إليها فعطفت عليه فلما سقته مرة أدامت له ذلك وأدام هو الطلب. ولا يستبعد هذا، وما هو أعجب منه فإن الذي هدى المولود إلى مص إبهامه ساعة يولد ثم هداه إلى التقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة كأنه قد قيل له هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفا، وفي هدايته للحيوان إلى مصالحة ما هو أعجب من ذلك. ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبا لم يأكله حتى يفرقه، فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق كما قال المدائني "إن إياس بن معاوية مر بديك ينقر حبا ولا يفرقه. فقال ينبغي أن يكون هرما فإن الديك الشاب يفرق الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه، والهرم قد فنيت رغبته فليس له همة إلا نفسه. قال إياس: والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها من فيه، والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة" وذكر ابن الأعرابي قال: "أكلت حبة بيض مكاء فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها وهمت به ألقى حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتت" وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول الأسدي: ؎إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما ∗∗∗ فربما قتل المكاء ثعبانا وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر حدث عنه ولا حرج

طه 20:52

أي فما للقرون الأولى لم تقر بهذا الرب ولم تعبده بل عبدت الأوثان. والمعنى لو كان ما تقوله حقا لم يخف على القرون الأولى ولم يهملوه، فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين، فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به وشرك المشركين، وهذا شأن كل مبطل، ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال منهم، فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أي أعمال تلك القرون وكفرهم وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب فيجازيهم عليه يوم القيامة ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه سبحانه لا يضل ولا ينسى. وعلى هذا فالكتاب ها هنا كتاب الأعمال وقال الكلبي: "يعني به اللوح المحفوظ" وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق. والمعنى على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها فيكون هذا من تمام قوله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فتأمله. (فصل) وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية حتى قال الشافعي: "أعقل الطير الحمام" وبرد الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب ربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها وتنهي الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيما فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت السفاد وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها والإناث عن ذكورها ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها ويتعرفون صحة طرقها ومحلها لا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكرا من عرض الحمام فتعتريها الهجنة والقيمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون لها والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء بحيث إذا رأوا حماما ساقطا لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها ويقولون هو أحن إلى بيته لمكان أنثاه وهو أشد متنا وأقوى بدنا وأحسن اهتداء وطائفة منهم يختار لذلك الإناث ويقولون الذكر إذا سافر وبعد عهده حن إلى الإناث وتاقت نفسه إليهن فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها فيترك المسير ومال إلى قضاء وطره منها وهدايته على قدر التعليم والتوطين والحمام موصوف باليمن والألف للناس ويحب الناس ويحبونه ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه وإن أساء إليه ويعود إليه من مسافات بعيدة وربما صد فترك وطنه عشر حجج وهو ثابت على الوفاء حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه والحمام إذا أراد السفاد يلطف للأنثى غاية اللطف فيبدأ بنشر ذنبه وإرخاء جناحه ثم يدنو من الأنثى فيهدر لها ويقبلها ويزفها وينتفش ويرفع صدره ثم يعتريه ضرب من الوله، والأنثى في ذلك مرسلة جناحها وكتفها على الأرض فإذا قضى حاجته منها ركبته الأنثى وليس ذلك في شيء من الحيوان سواه وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد يقدم هو والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان فيعملان منه أفحوصة وينسجانها نسجا متداخلا في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة ويجعلان حروفها شاخصة مرتفعة لئلا يتدحرج عنها البيض ويكون حصنا للحاضن ثم يتعاودان ذلك المكان ويتعاقبان الأفحوص يسخنانه ويطيبانه وينفيان طباعه الأول ويحدثان فيه طبعا آخر مشتقا ومستخرجا من طباع أبدانهما ورائحتهما لكي تقع البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام ويكون على مقدار من الحر والبرد والرخاوة والصلابة ثم إذا ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان ووضعت فيه البيض فإن أفزعها رعد قاصف رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة التي تسقط من الفزع، فإذا وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه انصدع عن الفرخ فأعاناه على خروجه فيبدآن أولا بنفخ الريح في حلقه حتى تتسع حوصلته علما منهما بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء فتتسع الحوصلة بعد التحامها وتنفتق بعد ارتقاقها، ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت شيئا فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء وفيه قوى الطعم، ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية لتكون لها بعض المتانة فيلقطان من الغيطان الحب اللين الرخو ويزقانه الفرخ ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة الفرخ وهو يطلب ذلك منهما حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللقط ويعتاده وإذا علما أن رئته في قويت ونمت وأنهما إن فطماه فطما تاما قوي على اللقط وتبلغ لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق ومنعاه ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بنفسه والتكسب ثم يبتدآن العمل ابتداء على ذلك النظام والحمام يشاكل الناس في أكثر طباعه ومذاهبه فإن من إناثه أنثى لا تريد إلا زوجها وفيه أخرى لا ترد يد لامس وأخرى لا تنال إلا بعد الطلب الحثيث وأخرى تركب من أول وهلة وأول طلب وأخرى لها ذكر معروف بها وهي تمكن ذكرا آخر منها إذا غاب زوجها لم تمتنع ممن ركبها وأخرى تمكن من يغنيها عن زوجها وهو يراهما ويشاهدهما ولا تبالي بحضوره وأخرى تعمط الذكر وتدعوه إلى نفسها وأنثى تركب أنثى وتساحقها وذكر يركب ذكرا ويعسفه وكل حالة توجد في الناس ذكورهم وإناثهم توجد في الحمام وفيها من لا تبيض وإن باضت أفسدت البيضة كالمرأة التي لا تريد الولد كيلا يشغلها عن شأنها وفي إناث الحمام من إذا عرض لها ذكر أي ذكر كان أسرعت هاربة ولا تواتي غير زوجها ألبتة بمنزلة المرأة الحرة ومنها ما يأخذ أنثى يتمتع بها تم ينتقل عنها إلى غيرها وكذلك الأنثى توافق ذكرا آخر عن زوجها وتنتقل عنه وإن كانوا جميعا في برج واحد ومنها ما يتصالح على الأنثى منها ذكران أو أكثر فتعايرهم كلهم حتى إذا غلب واحد منهم لرفيقه وقهره مالت إليه وأعرضت عن المغلوب وفي الحديث أن النبي ﷺ: "رأى حمامة تتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانه" ومنها ما يزق فراخه خاصة ومنا ما فيه شفقة ورحمة بالغة يزق فراخه وغيرها. ومن عجيب هداها أنها إذا حملت الرسائل سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس لئلا يعرض لها من يصدها ولا يرد مياههم بل يرد المياه التي لا يردها الناس، ومن هدايتها أيضا أنه إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده وأي نوع من الأنواع ضده فيخالف فعله ليسلم منه، ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ويمر بين النسر والعقاب وبين الرخم والبازي وبين الغراب والصقر فيعرف من يقصده ومن لا يقصده وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب والحمار عند مشاهدة الأسد. ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى وجلب القوت والزق على الذكر فإن الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم والأم هي التي تحبل وتلد وترضع. ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ أن رجلا كان له زوج حمام مقصوص وزوج طيار وللطيار فرخان قال ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول والخروج وزق فراخهما قال فحبسني السلطان فجأة فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام ولم أشك في موتهما لأنهما لا يقدران على الخروج من الكوة وليس عندهما ما يأكلان ويشربان قال فلما خلى سبيلي لم يكن لي هم غيرهما ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد كبرت ووجدت المقصوص على أحسن حال فعجبت فما لبث أن جاء الزوج الطيار فدنا الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ فزقاهم فانظر إلى هذه الهداية فإن المقصوصبن لما شاهدا تلطف الفراخ للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش فعلا كفعل الفرخين فأدركتهما رحمة الطيارين فزقاهما كما يزقان فرخيهما. ونظير ذلك ما ذكره الجاحظ وغيره قال الجاحظ: "وهو أمر مشهور عندنا بالبصرة أنه لما وقع الطاعون الجارف أتى على أهل دار فلم يشك أهل تلك المحلة أنه لم يبق منهم أحد فعمدوا إلى باب الدار فسدوه وكان قد بقي صبي صغير يرضع ولم يفطنوا له فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ففتح الباب فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار فلما رآها الصبي حبا إليها فأمكنته من أطبائها فمصها وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة يرتضعون من أطباء الكلبة حبا إليها فعطفت عليه فلما سقته مرة أدامت له ذلك وأدام هو الطلب. ولا يستبعد هذا، وما هو أعجب منه فإن الذي هدى المولود إلى مص إبهامه ساعة يولد ثم هداه إلى التقام حلمة ثدي لم يتقدم له به عادة كأنه قد قيل له هذه خزانة طعامك وشرابك التي كأنك لم تزل بها عارفا، وفي هدايته للحيوان إلى مصالحة ما هو أعجب من ذلك. ومن ذلك أن الديك الشاب إذا لقي حبا لم يأكله حتى يفرقه، فإذا هرم وشاخ أكله من غير تفريق كما قال المدائني "إن إياس بن معاوية مر بديك ينقر حبا ولا يفرقه. فقال ينبغي أن يكون هرما فإن الديك الشاب يفرق الحب ليجتمع الدجاج حوله فتصيب منه، والهرم قد فنيت رغبته فليس له همة إلا نفسه. قال إياس: والديك يأخذ الحبة فهو يريها الدجاجة حتى يلقيها من فيه، والهرم يبتلعها ولا يلقيها للدجاجة" وذكر ابن الأعرابي قال: "أكلت حبة بيض مكاء فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها وهمت به ألقى حسكة فأخذت بحلقها حتى ماتت" وأنشد أبو عمرو الشيباني في ذلك قول الأسدي: ؎إن كنت أبصرتني عيلا ومصطلما ∗∗∗ فربما قتل المكاء ثعبانا وهداية الحيوانات إلى مصالح معاشها كالبحر حدث عنه ولا حرج

طه 20:71

(موعظة) لا تنس العناية بالسحرة جاءوا يحاربونه ويحاربون رسله وخلع الصلح قد فصلت وتيجان الرضى قد وضعت وشراب الوصال مروق فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى فإذا بها قد انقلبت خلا فأقطروا عليه فسكروا بشراب المحبة فلما عربدت عليهم المحبة صلبوا في جذوع النخل. واعجبا لعزمات ما ثناها لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف. سجدوا له سجدة واحدة فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا منازلهم من الجنة فغلبهم الوجد وتمكن منهم الشوق فقالوا اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. ؎تمر الصبا بساكن ذي الغضا ∗∗∗ ويصدع قلبي أن يهب هبوبها ؎قريبة عهد بالحبيب وإنما ∗∗∗ هوى كل نفس أين حل حبيبها قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس التعب فالطريق إلى المحبوب لا تطول. ؎بعيد على كسلان أو ذي ملالة ∗∗∗ وأما علي المشتاق فهو قريب (فائِدَة) اللَّذَّة تابِعَة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فَكلما كانَت الرَّغْبَة في المحبوب والشوق إلَيْهِ أقوى كانَت اللَّذَّة بالوصول إلَيْهِ أتم والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم بِهِ فَكلما كانَ العلم بِهِ أتم كانَت محبته أكمل فَإذا رَجَعَ كَمال النَّعيم في الآخِرَة وكَمال اللَّذَّة إلى العلم والحب فَمن كانَ يُؤمن بِالله وأسمائه وصِفاته ودينه أعرف كانَ لَهُ أحب وكانَت لذته بالوصول إلَيْهِ مجاورته والنَّظَر الي جهه وسَماع كَلامه أتم وكل لَذَّة ونعيم وسرور وبهجة بِالإضافَة إلى ذَلِك كقطرة في بَحر فَكيف يُؤثر من لَهُ عقل لَذَّة ضَعِيفَة قَصِيرَة مشوبة بالآلام على لَذَّة عَظِيمَة دائمة أبَد الآباد وكَمال العَبْد بِحَسب هاتين القوتين العلم والحب وأفضل العلم العلم بِالله وأعْلى الحبّ الحبّ لَهُ وأكمل اللَّذَّة بحسبهما والله المُسْتَعان. (فائِدَة جليلة) إنَّما يجد المَشَقَّة في ترك المألوفات والعوائد من تَركها لغير الله، فَأما من تَركها صادِقا مخلصا من قلبه لله فإنه لا يجد في تَركها مشقة إلّا في أول وهلة ليمتحن أصادق هو في تَركها أم كاذِب، فإن صَبر على تِلْكَ المَشَقَّة قَلِيلا استحالت لَذَّة قالَ ابْن سِيرِين سَمِعت شريحا يحلف بِالله ما ترك عبد لله شَيْئا فَوجدَ فَقده. وَقَوْلهمْ من ترك لله شَيْئا عوضه الله خيرا مِنهُ حق والعوض أنْواع مُخْتَلفَة، وأجلّ ما يعوض بِهِ الأنس بِالله ومحبته وطمأنينة القلب بِهِ وقوته ونشاطه وفرحه ورضاهُ عَن ربه تَعالى أغبى النّاس من ضل في آخر سَفَره وقد قارب المنزل. [فَصْلٌ: إيثارُ الأنْفَعِ] وَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ الِاخْتِيارِيَّيْنِ إنَّما يُؤْثِرُهُ الحَيُّ لِما فِيهِ مِن حُصُولِ المَنفَعَةِ الَّتِي يَلْتَذُّ بِحُصُولِها، أوْ زَوالِ الألَمِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الشِّفاءُ بِزَوالِهِ، ولِهَذا يُقالُ: شَفى صَدْرَهُ، وشَفى قَلْبَهُ، وقالَ: ؎هِيَ الشِّفاءُ لِدائِي لَوْ ظَفِرْتُ بِها ∗∗∗ ولَيْسَ مِنها شِفاءُ الدّاءِ مَبْذُولُ وَهَذا مَطْلُوبٌ يُؤْثِرُهُ العاقِلُ بَلِ الحَيَوانُ البَهِيمُ، ولَكِنْ يَغْلَطُ فِيهِ أكْثَرُ النّاسِ غَلَطًا قَبِيحًا، فَيَقْصِدُ حُصُولَ اللَّذَّةِ بِما يُعَقِّبُ عَلَيْهِ أعْظَمَ الألَمِ، فَيُؤْلِمُ نَفْسَهُ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يُحَصِّلُ لَذَّتَها، ويَشْفِي قَلْبَهُ بِما يُعَقِّبُ عَلَيْهِ غايَةَ المَرَضِ، وهَذا شَأْنُ مَن قَصَرَ نَظَرَهُ عَلى العاجِلِ ولَمْ يُلاحِظِ العَواقِبَ، وخاصَّةً العَقْلُ النّاظِرُ في العَواقِبِ، فَأعْقَلُ النّاسِ مَن آثَرَ لَذَّتَهُ وراحَتَهُ في الآجِلَةِ الدّائِمَةِ عَلى العاجِلَةِ المُنْقَضِيَةِ الزّائِلَةِ، وأسْفَهُ الخَلْقِ مَن باعَ نَعِيمَ الأبَدِ وطَيِّبَ الحَياةِ الدّائِمَةِ واللَّذَّةَ العُظْمى الَّتِي لا تَنْغِيصَ فِيها ولا نَقْصَ بِوَجْهٍ ما، بِلَذَّةٍ مُنْقَضِيَةٍ مَشُوبَةٍ بِالآلامِ والمَخاوِفِ، وهي سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِانْقِضاءِ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: " فَكَّرْتُ فِيما يَسْعى فِيهِ العُقَلاءُ، فَرَأيْتُ سَعْيَهم كُلِّهِمْ في مَطْلُوبٍ واحِدٍ وإنِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُهم في تَحْصِيلِهِ، رَأيْتَهم جَمِيعَهم إنَّما يَسْعَوْنَ في دَفْعِ الهَمِّ والغَمِّ عَنْ نُفُوسِهِمْ، فَهَذا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، وهَذا بِالتِّجارَةِ والكَسْبِ، وهَذا بِالنِّكاحِ، وهَذا بِسَماعِ الغِناءِ والأصْواتِ المُطْرِبَةِ، وهَذا بِاللَّهْوِ واللَّعِبِ، فَقُلْتُ: هَذا المَطْلُوبُ مَطْلُوبُ العُقَلاءِ، ولَكِنَّ الطُّرُقَ كُلَّها غَيْرُ مُوَصِّلَةٍ إلَيْهِ، بَلْ لَعَلَّ أكْثَرَها إنَّما يُوَصِّلُ إلى ضِدِّهِ، ولَمْ أرَ في جَمِيعِ هَذِهِ الطُّرُقِ طَرِيقًا مُوَصِّلَةً إلَيْهِ إلّا الإقْبالَ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ، ومُعامَلَتَهُ وحْدَهُ، وإيثارَ مَرْضاتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ". فَإنَّ سالِكَ هَذا الطَّرِيقِ إنْ فاتَهُ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا فَقَدْ ظَفِرَ بِالحَظِّ العالِي الَّذِي لا فَوْتَ مَعَهُ، وإنْ حَصَلَ لِلْعَبْدِ حَصَلَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وإنْ فاتَهُ فاتَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وإنْ ظَفِرَ بِحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا نالَهُ عَلى أهْنَأِ الوُجُوهِ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْفَعُ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ، ولا أوْصَلُ مِنها إلى لَذَّتِهِ وبَهْجَتِهِ وسَعادَتِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

طه 20:72

(موعظة) لا تنس العناية بالسحرة جاءوا يحاربونه ويحاربون رسله وخلع الصلح قد فصلت وتيجان الرضى قد وضعت وشراب الوصال مروق فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى فإذا بها قد انقلبت خلا فأقطروا عليه فسكروا بشراب المحبة فلما عربدت عليهم المحبة صلبوا في جذوع النخل. واعجبا لعزمات ما ثناها لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف. سجدوا له سجدة واحدة فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا منازلهم من الجنة فغلبهم الوجد وتمكن منهم الشوق فقالوا اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. ؎تمر الصبا بساكن ذي الغضا ∗∗∗ ويصدع قلبي أن يهب هبوبها ؎قريبة عهد بالحبيب وإنما ∗∗∗ هوى كل نفس أين حل حبيبها قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس التعب فالطريق إلى المحبوب لا تطول. ؎بعيد على كسلان أو ذي ملالة ∗∗∗ وأما علي المشتاق فهو قريب (فائِدَة) اللَّذَّة تابِعَة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها فَكلما كانَت الرَّغْبَة في المحبوب والشوق إلَيْهِ أقوى كانَت اللَّذَّة بالوصول إلَيْهِ أتم والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم بِهِ فَكلما كانَ العلم بِهِ أتم كانَت محبته أكمل فَإذا رَجَعَ كَمال النَّعيم في الآخِرَة وكَمال اللَّذَّة إلى العلم والحب فَمن كانَ يُؤمن بِالله وأسمائه وصِفاته ودينه أعرف كانَ لَهُ أحب وكانَت لذته بالوصول إلَيْهِ مجاورته والنَّظَر الي جهه وسَماع كَلامه أتم وكل لَذَّة ونعيم وسرور وبهجة بِالإضافَة إلى ذَلِك كقطرة في بَحر فَكيف يُؤثر من لَهُ عقل لَذَّة ضَعِيفَة قَصِيرَة مشوبة بالآلام على لَذَّة عَظِيمَة دائمة أبَد الآباد وكَمال العَبْد بِحَسب هاتين القوتين العلم والحب وأفضل العلم العلم بِالله وأعْلى الحبّ الحبّ لَهُ وأكمل اللَّذَّة بحسبهما والله المُسْتَعان. (فائِدَة جليلة) إنَّما يجد المَشَقَّة في ترك المألوفات والعوائد من تَركها لغير الله، فَأما من تَركها صادِقا مخلصا من قلبه لله فإنه لا يجد في تَركها مشقة إلّا في أول وهلة ليمتحن أصادق هو في تَركها أم كاذِب، فإن صَبر على تِلْكَ المَشَقَّة قَلِيلا استحالت لَذَّة قالَ ابْن سِيرِين سَمِعت شريحا يحلف بِالله ما ترك عبد لله شَيْئا فَوجدَ فَقده. وَقَوْلهمْ من ترك لله شَيْئا عوضه الله خيرا مِنهُ حق والعوض أنْواع مُخْتَلفَة، وأجلّ ما يعوض بِهِ الأنس بِالله ومحبته وطمأنينة القلب بِهِ وقوته ونشاطه وفرحه ورضاهُ عَن ربه تَعالى أغبى النّاس من ضل في آخر سَفَره وقد قارب المنزل. [فَصْلٌ: إيثارُ الأنْفَعِ] وَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ الِاخْتِيارِيَّيْنِ إنَّما يُؤْثِرُهُ الحَيُّ لِما فِيهِ مِن حُصُولِ المَنفَعَةِ الَّتِي يَلْتَذُّ بِحُصُولِها، أوْ زَوالِ الألَمِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الشِّفاءُ بِزَوالِهِ، ولِهَذا يُقالُ: شَفى صَدْرَهُ، وشَفى قَلْبَهُ، وقالَ: ؎هِيَ الشِّفاءُ لِدائِي لَوْ ظَفِرْتُ بِها ∗∗∗ ولَيْسَ مِنها شِفاءُ الدّاءِ مَبْذُولُ وَهَذا مَطْلُوبٌ يُؤْثِرُهُ العاقِلُ بَلِ الحَيَوانُ البَهِيمُ، ولَكِنْ يَغْلَطُ فِيهِ أكْثَرُ النّاسِ غَلَطًا قَبِيحًا، فَيَقْصِدُ حُصُولَ اللَّذَّةِ بِما يُعَقِّبُ عَلَيْهِ أعْظَمَ الألَمِ، فَيُؤْلِمُ نَفْسَهُ مِن حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يُحَصِّلُ لَذَّتَها، ويَشْفِي قَلْبَهُ بِما يُعَقِّبُ عَلَيْهِ غايَةَ المَرَضِ، وهَذا شَأْنُ مَن قَصَرَ نَظَرَهُ عَلى العاجِلِ ولَمْ يُلاحِظِ العَواقِبَ، وخاصَّةً العَقْلُ النّاظِرُ في العَواقِبِ، فَأعْقَلُ النّاسِ مَن آثَرَ لَذَّتَهُ وراحَتَهُ في الآجِلَةِ الدّائِمَةِ عَلى العاجِلَةِ المُنْقَضِيَةِ الزّائِلَةِ، وأسْفَهُ الخَلْقِ مَن باعَ نَعِيمَ الأبَدِ وطَيِّبَ الحَياةِ الدّائِمَةِ واللَّذَّةَ العُظْمى الَّتِي لا تَنْغِيصَ فِيها ولا نَقْصَ بِوَجْهٍ ما، بِلَذَّةٍ مُنْقَضِيَةٍ مَشُوبَةٍ بِالآلامِ والمَخاوِفِ، وهي سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِانْقِضاءِ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: " فَكَّرْتُ فِيما يَسْعى فِيهِ العُقَلاءُ، فَرَأيْتُ سَعْيَهم كُلِّهِمْ في مَطْلُوبٍ واحِدٍ وإنِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُهم في تَحْصِيلِهِ، رَأيْتَهم جَمِيعَهم إنَّما يَسْعَوْنَ في دَفْعِ الهَمِّ والغَمِّ عَنْ نُفُوسِهِمْ، فَهَذا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، وهَذا بِالتِّجارَةِ والكَسْبِ، وهَذا بِالنِّكاحِ، وهَذا بِسَماعِ الغِناءِ والأصْواتِ المُطْرِبَةِ، وهَذا بِاللَّهْوِ واللَّعِبِ، فَقُلْتُ: هَذا المَطْلُوبُ مَطْلُوبُ العُقَلاءِ، ولَكِنَّ الطُّرُقَ كُلَّها غَيْرُ مُوَصِّلَةٍ إلَيْهِ، بَلْ لَعَلَّ أكْثَرَها إنَّما يُوَصِّلُ إلى ضِدِّهِ، ولَمْ أرَ في جَمِيعِ هَذِهِ الطُّرُقِ طَرِيقًا مُوَصِّلَةً إلَيْهِ إلّا الإقْبالَ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ، ومُعامَلَتَهُ وحْدَهُ، وإيثارَ مَرْضاتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ". فَإنَّ سالِكَ هَذا الطَّرِيقِ إنْ فاتَهُ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا فَقَدْ ظَفِرَ بِالحَظِّ العالِي الَّذِي لا فَوْتَ مَعَهُ، وإنْ حَصَلَ لِلْعَبْدِ حَصَلَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وإنْ فاتَهُ فاتَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وإنْ ظَفِرَ بِحَظِّهِ مِنَ الدُّنْيا نالَهُ عَلى أهْنَأِ الوُجُوهِ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْفَعُ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ، ولا أوْصَلُ مِنها إلى لَذَّتِهِ وبَهْجَتِهِ وسَعادَتِهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

طه 20:73

[فَصْلٌ البَقاءُ] قالَ الشَّيْخُ: (بابُ البَقاءِ) قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٣]. البَقاءُ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ: هو صِفَةُ العَبْدِ ومَقامُهُ، والبَقاءُ في الآيَةِ: هو بَقاءُ الرَّبِّ، ودَوامُ وجُودِهِ، وإنَّما ذَكَرَهُ مُؤْمِنُو السَّحَرَةِ في هَذا المَكانِ؛ لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَهم عَلى الإيمانِ بِإتْلافِ حَياتِهِمْ، وإفْناءِ ذَواتِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: وإنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فالَّذِي آمَنّا بِهِ وانْتَقَلْنا مِن عُبُودِيَّتِكَ إلى عُبُودِيَّتِهِ، ومِن طَلَبِ رِضاكَ والمَنزِلَةِ عِنْدَكَ إلى طَلَبِ رِضاهُ والمَنزِلَةِ عِنْدَهُ - خَيْرٌ مِنكَ وأدْوَمُ، وعَذابُكَ ونَعِيمُكَ يَنْقَطِعُ ويَفْرَغُ، وعَذابُهُ هو ونَعِيمُهُ وكَرامَتُهُ لا تَنْقَطِعُ ولا تَبِيدُ، فَكَيْفَ نُؤْثِرُ المُنْقَطِعَ الفانِيَ الأدْنى، عَلى الباقِي المُسْتَمِرِّ الأعْلى؟ وَلَكِنْ وجْهُ الإشارَةِ بِالآيَةِ أنَّ الوَسائِلَ والتَّعَلُّقاتِ والمَحَبَّةَ والإرادَةَ تابِعَةٌ لِغاياتِها ومَحْبُوبِها ومُرادِها، فَمَن كانَتْ غايَةُ مَحَبَّتِهِ وإرادَتِهِ مُنْقَطِعَةً انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ عِنْدَ انْقِطاعِها، وذَهَبَ عَمَلُهُ وسَعْيُهُ واضْمَحَلَّ، ومَن كانَ مَطْلُوبُهُ وغايَتُهُ باقِيًا دائِمًا لا زَوالَ لَهُ ولا فَناءَ، ولا يَضْمَحِلُّ ولا يَتَلاشى دامَ تَعَلُّقُهُ ونَعِيمُهُ بِهِ بِدَوامِهِ، فالوَسائِلُ تابِعَةٌ لِلْغاياتِ، والتَّعَلُّقاتُ تابِعَةٌ لِمُتَعَلِّقاتِها، والمَحَبَّةُ تابِعَةٌ لِلْمَحْبُوبِ، فَلَيْسَ المَحْبُوبُ الَّذِي يَتَلاشى ويَضْمَحِلُّ ويَفْنى كالمَحْبُوبِ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ فالمُحِبُّ باقٍ بِبَقاءِ مَحْبُوبِهِ، يَشْرُفُ بِشَرَفِهِ، ويَعْظُمُ خَطَرُهُ بِحَسَبِ مَحْبُوبِهِ، ويَسْتَغْنِي بِغِناهُ، ويَقْوى بِقُوَّتِهِ، ويَعِزُّ بِعِزِّهِ، ويَعْظُمُ شَأْنُهُ في النُّفُوسِ بِخِدْمَتِهِ وإرادَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، تاللَّهِ لَوْلا حِجابُ الغَفْلَةِ والعَوائِدُ والهَوى والمُخالَفاتُ لَذاقَ القَلْبُ أعْظَمَ الألَمِ بِتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِ الحَبِيبِ الأوَّلِ، ولَذاقَ أعْظَمَ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ.

طه 20:83

قالَ الدَّقّاقُ - في قَوْلِ مُوسى ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ قالَ: مَعْناهُ شَوْقًا إلَيْكَ. فَسَتَرَهُ بِلَفْظِ الرِّضا. وقيل: إن شعيبًا بكى حتى عمى بصره، فأوحى الله إليه: إن كان هذا لأجل الجنة فقد أبحتها لك، وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها. فقال: لا بل شوقًا إليك، وقال بعض العارفين: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء. وقال بعضهم: قلوب المشتاقين منوّرة بنور الله - عز وجل - فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إليَّ، أشهدكم أني إليهم أشوق، وإذا كان الشوق هو سفر القلب في طلب محبوبه ونزوعه إليه فهو من أشرف مقامات العبيد وأجلها وأعلاها، ومن أنكر شوق العبد إلى ربه فقد أنكر محبته له، لأن المحبة تستلزم الشوق فالمحب دائمًا مشتاق إلى لقاء حبيبه: لا يهدأُ قلبه ولا يقر قراره إلا بالوصول إليه. (فصل) ؎ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ∗∗∗ رضا لك أو مدن لنا من وصالك ؎لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ∗∗∗ هدى منك لي أو ضلة من ضلالك ؎ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ∗∗∗ ورقراق عيني خشية من زيالك ؎وإن ساءني أن نلتني بمساءة ∗∗∗ لقد سرني أني خطرت ببالك من علامات المحبة الصادقة أن المحب لا يتم له سرور إلا بمحبوبه وما دام غائبا عنه فعيشه كله منغص ؎نحن في أكمل السرور ولكن ∗∗∗ ليس إلا بكم يتم السرور ؎عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ∗∗∗ أنكم غيب ونحن حضور وقال آخر ؎من سره العيد الجديد ∗∗∗ فقد عدمت به السرورا ؎كان السرور يتم لي ∗∗∗ لو كان أحبابي حضورا لو قيل للمحب على الدوام ما تتمنى لقال لقاء المحبوب ؎ولما نزلنا منزلا طله الندى ∗∗∗ أنيقا وبستانا من النور حاليا ؎أجد لنا طيب المكان وحسنه ∗∗∗ منى فتمنينا فكنت الأمانيا وقال الجنيد سمعت السري يقول: الشوق أجل مقام العارف إذا تحقق فيه وإذا تحقق بالشوق لها عن كل ما يشغله عمن يشتاق إليه وقيل أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قال لشبان بني إسرائيل لم تشغلون نفوسكم بغيري وأنا مشتاق إليكم ما هذا الجفاء ولو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم ومحبتي لترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وانقطعت أوصالهم من محبتي هذه إرادتي للمدبرين عني فكيف إرادتي للمقبلين علي. وسئل الجنيد من أي شيء بكاء المحب إذا لقي المحبوب فقال إنما يكون ذلك سرورا به ووجدا من شدة الشوق إليه. قال: ولقد بلغني أن أخوين تعانقا فقال أحدهما واشوقاه وقال الآخر وواجداه. (فصل) قالَ القُشَيْرِيُّ: سَمِعْتُ الأُسْتاذَ أبا عَلِيٍّ الدَّقّاقَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّوْقِ والِاشْتِياقِ. ويَقُولُ: الشَّوْقُ يَسْكُنُ بِاللِّقاءِ. والِاشْتِياقُ لا يَزُولُ بِاللِّقاءِ. قالَ: وفي مَعْناهُ أنْشَدُوا: ؎ما يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ∗∗∗ حَتّى يَعُودَ إلَيْهِالطَّرْفُ مُشْتاقا وَقالَ النَّصْراباذِيُّ: لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ مَقامُ الشَّوْقِ. ولَيْسَ لَهم مَقامُ الِاشْتِياقِ. ومَن دَخَلَ في حالِ الِاشْتِياقِ هامَ فِيهِ حَتّى لا يُرى لَهُ فِيهِ أثَرٌ ولا قَرارٌ. قالَ الدَّقّاقُ - في قَوْلِ مُوسى ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] قالَ: مَعْناهُ شَوْقًا إلَيْكَ. فَسَتَرَهُ بِلَفْظِ الرِّضا. وَقِيلَ: إنَّ أهْلَ الشَّوْقِ إلى لِقاءِ اللَّهِ يَتَحَسَّوْنَ حَلاوَةَ القُرْبِ عِنْدَ وُرُودِهِ - لِما قَدْ كُشِفَ لَهم مِن رُوحِ الوُصُولِ - أحْلى مِنَ الشَّهْدِ. فَهم في سَكَراتِهِ في أعْظَمِ لَذَّةٍ وحَلاوَةٍ. وَقِيلَ: مَنِ اشْتاقَ إلى اللَّهِ اشْتاقَ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ. كَما قالَ بَعْضُهُمْ: أنا أدْخُلُ في الشَّوْقِ والأشْياءُ تَشْتاقُ إلَيَّ. وأتَأخَّرُ عَنْ جَمِيعِها. وَفِي مِثْلِ هَذا قِيلَ: ؎إذا اشْتاقَتِ الخَيْلُ المَناهِلَ أعْرَضَتْ ∗∗∗ عَنِ الماءِ فاشْتاقَتْ إلَيْها المَناهِلُ وَكانَتْ عَجُوزٌ مُغَيَّبَةٌ. فَقَدِمَ غائِبُها مِنَ السَّفَرِ. فَفَرِحَ بِهِ أهْلُهُ وأقارِبُهُ، وقَعَدَتْ هي تَبْكِي. فَقِيلَ لَها: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَتْ: ذَكَّرَنِي قُدُومُ هَذا الفَتى يَوْمَ القُدُومِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ؎يا مَن شَكا شَوْقُهُ مِن طُولِ فُرْقَتِهِ ∗∗∗ اصْبِرْ لَعَلَّكَ تَلْقى مَن تُحِبُّ غَدا وَقِيلَ: خَرَجَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمًا إلى الصَّحْراءِ مُنْفَرِدًا. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ما لِي أراكَ مُنْفَرِدًا؟ فَقالَ: إلَهِي اسْتَأْثَرَ شَوْقِي إلى لِقائِكَ عَلى قَلْبِي. فَحالَ بَيْنِي وبَيْنَ صُحْبَةِ الخَلْقِ. فَقالَ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ. فَإنَّكَ إنْ أتَيْتَنِي بِعَبْدٍ آبِقٍ أُثْبِتْكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ جَهْبَذًا. (فائدة) قال في طريق الهجرتين: قد تقدم الكلام في الشوق مستوفى، وليس الهرب من الغير والضد هو الشوق، بل هنا مهروب منه ومهروب إليه، فالشوق هو سفر القلب نحو المحبوب، وهذا لا يتم إلا بالهرب من ضده، فليس الشوق هو نفس الهرب من الرسوم والسمات. (موعظة) الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عَنهُ وهج الدُّنْيا من وطّن قلبه عند ربه سكن واستراح ومن أرْسلهُ في النّاس اضْطربَ واشْتَدَّ بِهِ القلق لا تدخل محبَّة الله في قلب فِيهِ حب الدُّنْيا إلّا كَما يدْخل الجمل في سم الإبرة. إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنَفسِهِ واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همه بِهِ، ولسانه بِذكرِهِ وجوارحه بخدمته والقلب يمرض كَما يمرض البدن وشفاؤه في التَّوْبَة والحمية ويصدأ كَما تصدأ المرْآة وجلاؤه بِالذكر ويعرى كَما يعرى الجِسْم وزينته التَّقْوى ويجوع ويظمأ كَما يجوع البدن وطَعامه وشَرابه المعرفَة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة إياك والغفلة عَمَّن جعل لحياتك أجَلًا ولأيامك وأنفاسك أمدا ومن كل ما سواهُ بُد ولا بذلك مِنهُ من ترك الِاخْتِيار والتَّدْبِير في طلب زِيادَة دنيا أو جاه أو في خوف نُقْصان أو في التَّخَلُّص من عَدو توكلا على الله وثقة بتدبيره لَهُ وحسن اخْتِياره لَهُ فَألْقى كنفه بَين يَدَيْهِ وسلم الأمر إلَيْهِ ورَضي بِما يَقْضِيه لَهُ استراح من الهموم والغموم والأحْزان. وَمن أبى إلّا تَدْبيره لنَفسِهِ وقع في النكد والنّصب وسُوء الحال والتعب فَلا عَيْش يصفو ولا قلب يفرح ولا عمل يزكو ولا أمل يقوم ولا راحَة تدوم والله سُبْحانَهُ سهّل لخلقه السَّبِيل إلَيْهِ وحجبهم عَنهُ بِالتَّدْبِيرِ فَمن رَضِي بتدبير الله لَهُ وسكن إلى اخْتِياره وسلّم لحكمه أزال ذَلِك الحجاب فأفضى القلب إلى ربه واطْمَأنَّ إلَيْهِ وسكن المتَوَكل لا يسْأل غير الله، ولا يرد على الله ولا يدّخر مَعَ الله من شغل بِنَفسِهِ شغل عَن غَيره، ومن شغل بربه شغل عَن نَفسه. [فَصْلٌ: القَلَقُ] وَقَدْ يَقْوى هَذا الشَّوْقُ، ويَتَجَرَّدُ عَنِ الصَّبْرِ. فَيُسَمّى قَلَقًا وبِذَلِكَ سَمّاهُ صاحِبُ المَنازِلِ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى - حاكِيًا عَنْ كَلِيمِهِ مُوسى ﷺ ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ فَكَأنَّهُ فَهِمَ: أنَّ عَجَلَتَهُ إنَّما حَمَلَهُ عَلَيْها القَلَقُ. وهو تَجْرِيدُ الشَّوْقِ لِلِقائِهِ ومِيعادِهِ. وَظاهِرُ الآيَةِ: أنَّ الحامِلَ لِمُوسى عَلى العَجَلَةِ: هو طَلَبُ رِضا رَبِّهِ، وأنَّ رِضاهُ في المُبادَرَةِ إلى أوامِرِهِ، والعَجَلَةِ إلَيْها. وَلِهَذا احْتَجَّ السَّلَفُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ في أوَّلِ الوَقْتِ أفْضَلُ. سَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَذْكُرُ ذَلِكَ. قالَ: إنَّ رِضا الرَّبِّ في العَجَلَةِ إلى أوامِرِهِ. ثُمَّ حَدَّهُ صاحِبُ المَنازِلِ بِأنَّهُ تَجْرِيدُ الشَّوْقِ بِإسْقاطِ الصَّبْرِ أيْ تَخَلُّصِهِ مِن كُلِّ شائِبَةٍ بِحَيْثُ يَسْقُطُ مَعَهُ الصَّبْرُ، فَإنْ قارَنَهُ اصْطِبارٌ فَهو شَوْقٌ.

طه 20:84

قالَ الدَّقّاقُ - في قَوْلِ مُوسى ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ قالَ: مَعْناهُ شَوْقًا إلَيْكَ. فَسَتَرَهُ بِلَفْظِ الرِّضا. وقيل: إن شعيبًا بكى حتى عمى بصره، فأوحى الله إليه: إن كان هذا لأجل الجنة فقد أبحتها لك، وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها. فقال: لا بل شوقًا إليك، وقال بعض العارفين: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء. وقال بعضهم: قلوب المشتاقين منوّرة بنور الله - عز وجل - فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إليَّ، أشهدكم أني إليهم أشوق، وإذا كان الشوق هو سفر القلب في طلب محبوبه ونزوعه إليه فهو من أشرف مقامات العبيد وأجلها وأعلاها، ومن أنكر شوق العبد إلى ربه فقد أنكر محبته له، لأن المحبة تستلزم الشوق فالمحب دائمًا مشتاق إلى لقاء حبيبه: لا يهدأُ قلبه ولا يقر قراره إلا بالوصول إليه. (فصل) ؎ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ∗∗∗ رضا لك أو مدن لنا من وصالك ؎لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ∗∗∗ هدى منك لي أو ضلة من ضلالك ؎ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ∗∗∗ ورقراق عيني خشية من زيالك ؎وإن ساءني أن نلتني بمساءة ∗∗∗ لقد سرني أني خطرت ببالك من علامات المحبة الصادقة أن المحب لا يتم له سرور إلا بمحبوبه وما دام غائبا عنه فعيشه كله منغص ؎نحن في أكمل السرور ولكن ∗∗∗ ليس إلا بكم يتم السرور ؎عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ∗∗∗ أنكم غيب ونحن حضور وقال آخر ؎من سره العيد الجديد ∗∗∗ فقد عدمت به السرورا ؎كان السرور يتم لي ∗∗∗ لو كان أحبابي حضورا لو قيل للمحب على الدوام ما تتمنى لقال لقاء المحبوب ؎ولما نزلنا منزلا طله الندى ∗∗∗ أنيقا وبستانا من النور حاليا ؎أجد لنا طيب المكان وحسنه ∗∗∗ منى فتمنينا فكنت الأمانيا وقال الجنيد سمعت السري يقول: الشوق أجل مقام العارف إذا تحقق فيه وإذا تحقق بالشوق لها عن كل ما يشغله عمن يشتاق إليه وقيل أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قال لشبان بني إسرائيل لم تشغلون نفوسكم بغيري وأنا مشتاق إليكم ما هذا الجفاء ولو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم ومحبتي لترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وانقطعت أوصالهم من محبتي هذه إرادتي للمدبرين عني فكيف إرادتي للمقبلين علي. وسئل الجنيد من أي شيء بكاء المحب إذا لقي المحبوب فقال إنما يكون ذلك سرورا به ووجدا من شدة الشوق إليه. قال: ولقد بلغني أن أخوين تعانقا فقال أحدهما واشوقاه وقال الآخر وواجداه. (فصل) قالَ القُشَيْرِيُّ: سَمِعْتُ الأُسْتاذَ أبا عَلِيٍّ الدَّقّاقَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّوْقِ والِاشْتِياقِ. ويَقُولُ: الشَّوْقُ يَسْكُنُ بِاللِّقاءِ. والِاشْتِياقُ لا يَزُولُ بِاللِّقاءِ. قالَ: وفي مَعْناهُ أنْشَدُوا: ؎ما يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ∗∗∗ حَتّى يَعُودَ إلَيْهِالطَّرْفُ مُشْتاقا وَقالَ النَّصْراباذِيُّ: لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ مَقامُ الشَّوْقِ. ولَيْسَ لَهم مَقامُ الِاشْتِياقِ. ومَن دَخَلَ في حالِ الِاشْتِياقِ هامَ فِيهِ حَتّى لا يُرى لَهُ فِيهِ أثَرٌ ولا قَرارٌ. قالَ الدَّقّاقُ - في قَوْلِ مُوسى ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] قالَ: مَعْناهُ شَوْقًا إلَيْكَ. فَسَتَرَهُ بِلَفْظِ الرِّضا. وَقِيلَ: إنَّ أهْلَ الشَّوْقِ إلى لِقاءِ اللَّهِ يَتَحَسَّوْنَ حَلاوَةَ القُرْبِ عِنْدَ وُرُودِهِ - لِما قَدْ كُشِفَ لَهم مِن رُوحِ الوُصُولِ - أحْلى مِنَ الشَّهْدِ. فَهم في سَكَراتِهِ في أعْظَمِ لَذَّةٍ وحَلاوَةٍ. وَقِيلَ: مَنِ اشْتاقَ إلى اللَّهِ اشْتاقَ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ. كَما قالَ بَعْضُهُمْ: أنا أدْخُلُ في الشَّوْقِ والأشْياءُ تَشْتاقُ إلَيَّ. وأتَأخَّرُ عَنْ جَمِيعِها. وَفِي مِثْلِ هَذا قِيلَ: ؎إذا اشْتاقَتِ الخَيْلُ المَناهِلَ أعْرَضَتْ ∗∗∗ عَنِ الماءِ فاشْتاقَتْ إلَيْها المَناهِلُ وَكانَتْ عَجُوزٌ مُغَيَّبَةٌ. فَقَدِمَ غائِبُها مِنَ السَّفَرِ. فَفَرِحَ بِهِ أهْلُهُ وأقارِبُهُ، وقَعَدَتْ هي تَبْكِي. فَقِيلَ لَها: ما يُبْكِيكَ؟ فَقالَتْ: ذَكَّرَنِي قُدُومُ هَذا الفَتى يَوْمَ القُدُومِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ؎يا مَن شَكا شَوْقُهُ مِن طُولِ فُرْقَتِهِ ∗∗∗ اصْبِرْ لَعَلَّكَ تَلْقى مَن تُحِبُّ غَدا وَقِيلَ: خَرَجَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمًا إلى الصَّحْراءِ مُنْفَرِدًا. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ما لِي أراكَ مُنْفَرِدًا؟ فَقالَ: إلَهِي اسْتَأْثَرَ شَوْقِي إلى لِقائِكَ عَلى قَلْبِي. فَحالَ بَيْنِي وبَيْنَ صُحْبَةِ الخَلْقِ. فَقالَ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ. فَإنَّكَ إنْ أتَيْتَنِي بِعَبْدٍ آبِقٍ أُثْبِتْكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ جَهْبَذًا. (فائدة) قال في طريق الهجرتين: قد تقدم الكلام في الشوق مستوفى، وليس الهرب من الغير والضد هو الشوق، بل هنا مهروب منه ومهروب إليه، فالشوق هو سفر القلب نحو المحبوب، وهذا لا يتم إلا بالهرب من ضده، فليس الشوق هو نفس الهرب من الرسوم والسمات. (موعظة) الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عَنهُ وهج الدُّنْيا من وطّن قلبه عند ربه سكن واستراح ومن أرْسلهُ في النّاس اضْطربَ واشْتَدَّ بِهِ القلق لا تدخل محبَّة الله في قلب فِيهِ حب الدُّنْيا إلّا كَما يدْخل الجمل في سم الإبرة. إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنَفسِهِ واجتباه لمحبته واستخلصه لعبادته فشغل همه بِهِ، ولسانه بِذكرِهِ وجوارحه بخدمته والقلب يمرض كَما يمرض البدن وشفاؤه في التَّوْبَة والحمية ويصدأ كَما تصدأ المرْآة وجلاؤه بِالذكر ويعرى كَما يعرى الجِسْم وزينته التَّقْوى ويجوع ويظمأ كَما يجوع البدن وطَعامه وشَرابه المعرفَة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة إياك والغفلة عَمَّن جعل لحياتك أجَلًا ولأيامك وأنفاسك أمدا ومن كل ما سواهُ بُد ولا بذلك مِنهُ من ترك الِاخْتِيار والتَّدْبِير في طلب زِيادَة دنيا أو جاه أو في خوف نُقْصان أو في التَّخَلُّص من عَدو توكلا على الله وثقة بتدبيره لَهُ وحسن اخْتِياره لَهُ فَألْقى كنفه بَين يَدَيْهِ وسلم الأمر إلَيْهِ ورَضي بِما يَقْضِيه لَهُ استراح من الهموم والغموم والأحْزان. وَمن أبى إلّا تَدْبيره لنَفسِهِ وقع في النكد والنّصب وسُوء الحال والتعب فَلا عَيْش يصفو ولا قلب يفرح ولا عمل يزكو ولا أمل يقوم ولا راحَة تدوم والله سُبْحانَهُ سهّل لخلقه السَّبِيل إلَيْهِ وحجبهم عَنهُ بِالتَّدْبِيرِ فَمن رَضِي بتدبير الله لَهُ وسكن إلى اخْتِياره وسلّم لحكمه أزال ذَلِك الحجاب فأفضى القلب إلى ربه واطْمَأنَّ إلَيْهِ وسكن المتَوَكل لا يسْأل غير الله، ولا يرد على الله ولا يدّخر مَعَ الله من شغل بِنَفسِهِ شغل عَن غَيره، ومن شغل بربه شغل عَن نَفسه. [فَصْلٌ: القَلَقُ] وَقَدْ يَقْوى هَذا الشَّوْقُ، ويَتَجَرَّدُ عَنِ الصَّبْرِ. فَيُسَمّى قَلَقًا وبِذَلِكَ سَمّاهُ صاحِبُ المَنازِلِ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى - حاكِيًا عَنْ كَلِيمِهِ مُوسى ﷺ ﴿وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ فَكَأنَّهُ فَهِمَ: أنَّ عَجَلَتَهُ إنَّما حَمَلَهُ عَلَيْها القَلَقُ. وهو تَجْرِيدُ الشَّوْقِ لِلِقائِهِ ومِيعادِهِ. وَظاهِرُ الآيَةِ: أنَّ الحامِلَ لِمُوسى عَلى العَجَلَةِ: هو طَلَبُ رِضا رَبِّهِ، وأنَّ رِضاهُ في المُبادَرَةِ إلى أوامِرِهِ، والعَجَلَةِ إلَيْها. وَلِهَذا احْتَجَّ السَّلَفُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ في أوَّلِ الوَقْتِ أفْضَلُ. سَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَذْكُرُ ذَلِكَ. قالَ: إنَّ رِضا الرَّبِّ في العَجَلَةِ إلى أوامِرِهِ. ثُمَّ حَدَّهُ صاحِبُ المَنازِلِ بِأنَّهُ تَجْرِيدُ الشَّوْقِ بِإسْقاطِ الصَّبْرِ أيْ تَخَلُّصِهِ مِن كُلِّ شائِبَةٍ بِحَيْثُ يَسْقُطُ مَعَهُ الصَّبْرُ، فَإنْ قارَنَهُ اصْطِبارٌ فَهو شَوْقٌ.

طه 20:88

(فصل) ومن تلاعب الشيطان باليهود: عبادتهم العجل من دون الله تعالى، وقد شاهدوا ما حل بالمشركين من العقوبة، والأخذة الرابية، ونبيهم حي لم يمت. هذا، وقد شاهدوا صانعه يصنعه ويصوغه، ويصليه النار، ويدقه بالمطرقة، ويسطو عليه بالمبرد، ويقلبه بيديه ظهرا لبطن. ومن عجيب أمرهم: أنهم لم يكتفوا بكونه إلههم، حتى جعلوه إله موسى. فنسبوا موسى عليه السلام إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى، بل عبادة أبلد الحيوانات، وأقلها دفعا على نفسه، بحيث يضرب به المثل في البلادة والذل. فجعلوه إله كليم الرحمن. ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا موسى عليه السلام ضالا مخطئا، فقالوا ﴿فنسي﴾. قال ابن عباس "أى ضل وأخطأ الطريق". وفي رواية عنه "أى إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه". وعنه أيضا "نسي أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم". وقال السدي "أى ترك موسى إلهه هاهنا، وذهب يطلبه". وقال قتادة "أى إن موسى إنما يطلب هذا، ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر". هذا هو القول المشهور: أن قوله "فنسي" من كلام السامري وعباد العجل معه. وعن ابن عباس رواية أخرى "أن هذا من إخبار الله تعالى عن السامري: أنه نسي، أي ترك ما كان عليه من الإيمان". والصحيح القول الأول. والسياق يدل عليه، ولم يذكر البخاري في التفسير غيره، فقال يقولونه: "أخطأ الرب". فإنه لما جعله إله موسى استحضر سؤالا من بني إسرائيل يوردونه عليه، فيقولون له: إذا كان هذا إله موسى، فلأي شيء ذهب عنه لموعد إلهه؟ فأجاب عن هذا السؤال قبل إيراده عليه بقوله "فنسي". وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم. فانظر إلى هؤلاء، كيف اتخذوا إلها مصنوعا من جوهر أرضي، إنما يكون تحت التراب، محتاجا إلى سبك بالنار، وتصفية وتخليص لخبثه منه، مدقوقا بمطارق الحديد، مقلبا في النار مرة بعد مرة، قد نحت بالمبارد، وأحدث الصانع صورته وشكله على صورة الحيوان المعروف بالبلادة والذل والضيم. وجعلوه إله موسى، ونسبوه إلى الضلال، حيث ذهب يطلب إلها غيره.

طه 20:105

(موعظة) وَإذا تَأمَّلت البِقاع وجدتها ... تشقى كَما تشقى الرِّجال وتسعد فدع عَنْك الجَبَل الفُلانِيّ وجبل بني فلان وجبل كَذا ؎خُذ ما تراهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ∗∗∗ في طلعة الشَّمْس ما يُغْنِيك عَن زحل هَذا وإنها لتعلم أن لَها موعدا، ويوما تنسف فِيها نسفا وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فَهي مشفقة من هول ذَلِك الموعد منتظرة لَهُ، وكانَت أم الدَّرْداء رضى الله عَنْها إذا سافَرت فَصَعدت على جبل تَقول لمن مَعها أسمعت الجبال ما وعدها رَبها؟ فَيُقال ما أسمعها؟ فَتَقول ﴿ويسألونك عَن الجبال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فِيها عوجا ولا أمتا﴾ فَهَذا حال الجبال وهِي الحِجارَة الصلبة وهَذِه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال رَبها وعظمته، وقد أخبر عَنْها فاطرها باريها أنه لَو أنْزلْ عَلَيْها كَلامه لخشعت ولتصدعت من خشيَة الله فيا عجبا من مُضْغَة لحم أقسى من هَذِه الجبال تسمع آيات الله تتلى عَلَيْها ويذكر الرب تبارك وتَعالى فَلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فَلَيْسَ بمستنكر على الله عز وجل، ولا يُخالف حكمته أن يخلق لَها نارا تذيبها إذْ لم تلن بِكَلامِهِ وذكره وزواجره ومواعظه، فَمن لم يلن لله في هَذِه الدّار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خَشيته فليتمتع قَلِيلا فإن أمامه الملين الأعظم وسَيَرِدُ إلى عالم الغَيْب والشَّهادَة فَيرى ويعلم. [فائدة: كِتابٌ لِلْخُرّاجِ] يُكْتَبُ عَلَيْهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾.

طه 20:106

(موعظة) وَإذا تَأمَّلت البِقاع وجدتها ... تشقى كَما تشقى الرِّجال وتسعد فدع عَنْك الجَبَل الفُلانِيّ وجبل بني فلان وجبل كَذا ؎خُذ ما تراهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ∗∗∗ في طلعة الشَّمْس ما يُغْنِيك عَن زحل هَذا وإنها لتعلم أن لَها موعدا، ويوما تنسف فِيها نسفا وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فَهي مشفقة من هول ذَلِك الموعد منتظرة لَهُ، وكانَت أم الدَّرْداء رضى الله عَنْها إذا سافَرت فَصَعدت على جبل تَقول لمن مَعها أسمعت الجبال ما وعدها رَبها؟ فَيُقال ما أسمعها؟ فَتَقول ﴿ويسألونك عَن الجبال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فِيها عوجا ولا أمتا﴾ فَهَذا حال الجبال وهِي الحِجارَة الصلبة وهَذِه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال رَبها وعظمته، وقد أخبر عَنْها فاطرها باريها أنه لَو أنْزلْ عَلَيْها كَلامه لخشعت ولتصدعت من خشيَة الله فيا عجبا من مُضْغَة لحم أقسى من هَذِه الجبال تسمع آيات الله تتلى عَلَيْها ويذكر الرب تبارك وتَعالى فَلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فَلَيْسَ بمستنكر على الله عز وجل، ولا يُخالف حكمته أن يخلق لَها نارا تذيبها إذْ لم تلن بِكَلامِهِ وذكره وزواجره ومواعظه، فَمن لم يلن لله في هَذِه الدّار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خَشيته فليتمتع قَلِيلا فإن أمامه الملين الأعظم وسَيَرِدُ إلى عالم الغَيْب والشَّهادَة فَيرى ويعلم. [فائدة: كِتابٌ لِلْخُرّاجِ] يُكْتَبُ عَلَيْهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾.

طه 20:107

(موعظة) وَإذا تَأمَّلت البِقاع وجدتها ... تشقى كَما تشقى الرِّجال وتسعد فدع عَنْك الجَبَل الفُلانِيّ وجبل بني فلان وجبل كَذا ؎خُذ ما تراهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ∗∗∗ في طلعة الشَّمْس ما يُغْنِيك عَن زحل هَذا وإنها لتعلم أن لَها موعدا، ويوما تنسف فِيها نسفا وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فَهي مشفقة من هول ذَلِك الموعد منتظرة لَهُ، وكانَت أم الدَّرْداء رضى الله عَنْها إذا سافَرت فَصَعدت على جبل تَقول لمن مَعها أسمعت الجبال ما وعدها رَبها؟ فَيُقال ما أسمعها؟ فَتَقول ﴿ويسألونك عَن الجبال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فِيها عوجا ولا أمتا﴾ فَهَذا حال الجبال وهِي الحِجارَة الصلبة وهَذِه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال رَبها وعظمته، وقد أخبر عَنْها فاطرها باريها أنه لَو أنْزلْ عَلَيْها كَلامه لخشعت ولتصدعت من خشيَة الله فيا عجبا من مُضْغَة لحم أقسى من هَذِه الجبال تسمع آيات الله تتلى عَلَيْها ويذكر الرب تبارك وتَعالى فَلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فَلَيْسَ بمستنكر على الله عز وجل، ولا يُخالف حكمته أن يخلق لَها نارا تذيبها إذْ لم تلن بِكَلامِهِ وذكره وزواجره ومواعظه، فَمن لم يلن لله في هَذِه الدّار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خَشيته فليتمتع قَلِيلا فإن أمامه الملين الأعظم وسَيَرِدُ إلى عالم الغَيْب والشَّهادَة فَيرى ويعلم. [فائدة: كِتابٌ لِلْخُرّاجِ] يُكْتَبُ عَلَيْهِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾.

طه 20:108

قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنه. قال الفراء وهذا كما تقول: دعوتك دعوة لا عوج لك عنها. وقال الزجاج: المعنى لا عوج لهم عن دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده. فإن قلت إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال لا عوج له؟ قيل قالت طائفة اللام بمعنى عن أي لا عوج عنه. وقالت طائفة المعنى لا عوج لهم عن دعائي، كما قال الزجاج. وفي القولين تكلف ظاهر، ولما كانت الدعوى تسمع الجميع لا تعوج عنهم، وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام منتظمًا للمعنيين ودالًا عليهما. والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ولا في إجابتهم له. قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ أيْ سَكَنَتْ، وذَلَّتْ، وخَضَعَتْ، ومِنهُ وصْفُ الأرْضِ بِالخُشُوعِ، وهو يُبْسُها، وانْخِفاضُها، وعَدَمُ ارْتِفاعِها بِالرَّيِّ والنَّباتِ، قالَ تَعالى ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]. والخُشُوعُ: قِيامُ القَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ بِالخُضُوعِ والذُّلِّ، والجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ وَقِيلَ: الخُشُوعُ الِانْقِيادُ لِلْحَقِّ، وهَذا مِن مُوجِباتِ الخُشُوعِ. فَمِن عَلاماتِهِ أنَّ العَبْدَ إذا خُولِفَ ورُدَّ عَلَيْهِ بِالحَقِّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِالقَبُولِ والِانْقِيادِ.

طه 20:110

وقد اختلف في تفسير الضمير في ﴿به﴾ فقيل هو الله سبحانه. أي ولا يحيطون بالله علما. وقيل هو ما بين أيديهم وما خلفهم، فعلى الأول يرجع إلى العالم، وعلى الثاني يرجع إلى المعلوم. وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس، لأنهم إذا لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم فأن لا يحيطوا علما به سبحانه أولى.

طه 20:112

يَعْنِي لا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِن سَيِّئاتِ ما لَمْ يَعْمَلْهُ، ولا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِ ما عَمِلَ، ولَوْ كانَ الظُّلْمُ هو المُسْتَحِيلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ الخَوْفِ مِنهُ مَعْنًى، ولا لِلْأمْنِ مِن وُقُوعِهِ فائِدَةٌ.

طه 20:116

(فصل) اختلف في المستثنى من أي شيء هو مخرج فذهب الكسائي إلى أنه مخرج من المستثنى منه وهو المحكوم عليه فقط فإذا قلت جاء القوم إلا زيدا فزيدا مخرج من القوم فكأنك أخبرت عن القوم الذين ليس فيهم زيد بالمجيء وأما هو فلم تخبر عنه بشيء بل سلبت الإخبار عنه لا أنك أخبرت عنه بسلب المجيء والفرق بين الأمرين واضح وعلى قوله فالإسناد وقع بعد الإخراج وذهب الفراء إلى أنه مخرج من الحكم نفسه وذهب الأكثرون إلى أنه مخرج منهما معا فله اعتباران أحدهما: كونه مستثنى وبهذا الاعتبار هو مخرج من الاسم المستثنى منه، والثاني: كونه محكوما عليه بضد حكم المستثنى منه وبهذا الاعتبار هو مخرج من حكمه والتحقيق في ذلك أنه مخرج من الاسم المقيد بالحكم فهو مخرج من اسم مقيد لا مطلق الاحتجاج لكل مذهب ونذكر هنا ما احتج به لهذه المذاهب وما تعقب به على الاحتجاج احتج الكسائي بقوله تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ أبي﴾ ووجه الاستدلال أن الاستثناء لو كان مخرجا من الحكم لكان قوله: (أبى) تكرار لأنه قد علم بالاستثناء؟ وأجيب عن هذا بأنه تأكيد. واعترض على هذا الجواب بأن المعاني المستفادة من الحروف لا تؤكد فلا يقال ما قام زيد نفيا وهل قام عمرو استفهاما ولكن قام زيد استدراكا ونحوه لأن الحرف وضع على الاختصار ولهذا عدل عن الفعل إليه فتأكيده بالفعل ينافي المقصود بوضعه. والتحقيق في الجواب أن (أبى) أفاد معنى زائدا وهو أن عدم سجوده أستند إلى إبائه وهو أمر وجودي اتصف به نشأ عنه الذنب فلم يكن ترك سجوده لعجز ولا لسهو ولا لغفلة بل كان إباء واستكبارا ومعلوم أن هذا لا يفهم من مجرد الاستثناء وإنما المفهوم منه عدم سجوده وأما الحامل على عدم السجود فلا يدل الاستثناء عليه فصرح بذكره. ونظير هذا الاحتجاج والاعتراض والتقدير سواء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ فإن نفي كونه من الساجدين أخص من نفي السجود عنه لأن نفي الكون يقتضي نفي الأهلية والاستعداد فهو أبلغ في الذم من أن يقال لم يسجد ثم الذي يدل على بطلان هذا المذهب وجوه منها أنه لو كان ما بعد إلا سكوتا عن حكمه لم يكن قولنا لا إله إلاالله توحيدا واللازم باطل فالملزوم مثله والمقدمتان ظاهرتان. ومنها: أن الاستثناء المنقطع لا يتصور الإخراج فيه من الاسم لعدم دخوله فيه فكذلك المتصل. ومنها: أنه لو كان الإخراج من الاسم وحده لما صح الاستثناء من مضمون الجملة كقولك زيد أخوك إلا أنه ناء عنك وعمرو صديقك إلا أنه يواد عدوك ونحو هذا. ومنها أنه لا يوجد في كلام العرب قام القوم إلا زيدا فإنه قام ولو كان الإخراج من الاسم وحده والمستثنى مسكوت عنه لجاز إثبات القيام له كما جاز نفيه عنه فإن السكوت عن حكمه لا يفيد نفي القيام عنه ولا إثباته فلا يكون واحد منهما مناقضا للاستثناء. وإذا تبين بطلان المذهبين صح مذهب مخرج من الحكم لا من الاسم. وكذلك الباب كله وما أجيب عن ذلك بأن المستثنى داخل مع الاسم المحكوم عليه تقديرا إذ يقدر الأول شاملا بوجه ليصح الاستثناء ولمن نصر قول الكسائي أيضا أن يجيب بهذا الجواب. وإذا تبين بطلان المذهبين صح مذهب الجمهور أن الإخراج من الاسم والحكم معا، فالاسم المستثنى مخرج من المستثنى منه وحكمه مخرج من حكمه، وأن الممتنع إخراج الاسم المستثنى من المستثنى منه مع دخوله تحته في الحكم فإنه لا يعقل الإخراج حينئذ ألبتة فإنه لو شاركه في حكمه لدخل معه في الحكم والاسم جميعا فكان استثناؤه غير معقول. ولا يقال إن معنى الاستثناء أن المتكلم تارك للإخبار عنه بنفي أو إثبات مع احتمال كل واحد منهما، لأنا نقول هذا باطل من وجوه عديدة: منها أنك إذا قلت ما قام إلا زيد وما ضربت إلا عمرا وما مررت إلا بزيد، ونحوه من الاستثناءات المفرغات لم يشك أحد في أنك أثبت هذه الأحكام لما بعد (إلا) كما أنك سلبتها عن غيره، بل إثباتها للمستثني أقوى من سلبها عن غيره. ويلزم من قال إن حكم المستثنى مسكوت عنه أن لا يفهم من هذا إثبات القيام والضرب والمرور لزيد، وهو باطل قطعا. ومنها أنه لو كان مسكوتا عنه لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله: (لا إله إلا الله) لأنه على هذا التقدير الباطل لم يثبت الإلهية لله وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفي الإلهية عما سوى الله وإثباتها له بوصف الاختصاص فدلالتها على الإثبات أعظم من دلالة قولنا: (الله إله) ولا يستريب أحد في هذا ألبتة. ومنها أنه لو ادعى عليه بمائة درهم فقال له عندي مائة إلا ثلاثة دراهم، فإنه ناف لثبوت المستثنى في ذمته ولو كان ساكتا عنه لكان قد أقر بالبعض ونكل عن الجواب عن البعض وهذا لم يقله عاقل ولو كان حكم المستثنى السكوت لكان هذا ناكلا. ومنها أن المفهوم من هذا عند أهل التخاطب نفي الحكم عن المستثنى وإثباته للمستثنى منه، ولا فرق عندهم بين فهم هذا النفي وذلك الإثبات ألبتة، وذلك جرى عندهم مجرى فهم الأمر والنهي النفي والاستفهام وسائر معاني الكلام فلا يفهم سامع من قول الله عز وجل: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلاّ خَمْسِينَ عامًا﴾ أنه أخبر عن تسعمائة عام وخمسين عاما وسكت عن خمسين فلم يخبر عنها بشيء، ولا يفهم أحد قط إلا أن الخمسين لم يلبثها فيهم وكذلك قوله تعالى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلاّ عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ لا يفهم منها إلا أن المخلصين لا يتمكن من إغوائهم وكذلك سائر الاستثناءات. ومنها أن القائل إذا قال قام القوم إلا زيدا، لم يكن كلامه صدقا إلا بقيامهم وعدم قيام زيد ولهذا من أراد تكذيبه قال له كذبت بل قام زيد ولو كان زيد مسكوتا عنه لم يكن هذا تكذيبا له والعقلاء قاطبة يعدونه تكذيبا ويعدون خبره كاذبا حيث يعدون الإخبار بخلاف ما الشيء عليه كذبا. إذ عرف هذا فبه ينحل الإشكال الذي أورده بعض المتأخرين على الاستثناء وقال: الاستثناء مشكل التعقل قال لأنك إذا قلت جاء القوم إلا زيدا فإما أن يكون زيد داخلا في القوم أم لا فإن كان غير داخل لم يستقم الاستثناء لأنه إخراج وإخراج ما لم يدخل غير معقول وإن كان داخلا فيهم لم يستقم إخراجه للتناقض لأنك تحكم عليه بحكمين متناقضين. ولهذه الشبهة قال القاضي وموافقوه: إن عشرة إلا ثلاثة مرادف لسبعة فهما اسمان ركبا مع الحرف وجعلا بإزاء هذا العدد فإن أراد القاضي أن المفهوم منهما واحد فصحيح وإن أراد التركيب النحوى فباطل. والجواب عن هذا الإشكال أنه لا يحكم بالنسب إلا بعد كمال ذكر المفردات فالإسناد إنما وقع بعد الإخراج فالقائل إذا قال قام القوم إلا زيدا. فهاهنا خمسة أمور: أحدها: القيام بمفردة. الثاني: القوم بمفردهم. الثالث: زيد بمفرده. الرابع: النسبة بين المفردين. الخامس: الأداة الدالة على سلب النسبة عن زيد فزيد دخل في القوم على تقدير عدم الإسناد وخرج منهم على تقدير الإسناد ثم أسند بعد إخراجه فدخوله وخروجه باعتبارين غير متنافيين فإنه دخل باعتبار الإفراد وخرج باعتبار النسبة فهو من القوم غير محكوم عليهم وليس من القوم المقيدين بالحكم عليهم هذا إيضاح هذا الإشكال وحله والله الموفق.

طه 20:118

تأمل كيف قابل الجوع بالعرى، والظمأ بالضحى. والواقف مع القالب ربما يخيل إليه: أن الجوع يقابل بالظمأ، والعري بالضحى. والداخل إلى بلد الفقه عن الله: يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة لأن الجوع ألم الباطن، والعرى ألم الظاهر، فهما متناسبان في المعنى، وكذلك الظمأ مع الضحى، لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن، والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا. (لطيفة) قوله تعالى لآدم ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فقابل بين الجوع والعري دون الجوع والظمإ وبين الظمإ والضحى دون الظمإ والجوع، فإن الجوع عري الباطن وذله والعري جوع الظاهر وذله فقابل بين نفي ذل باطنه وظاهره وجوع باطنه وظاهره، والظمأ حر الباطن، والضحى حر الظاهر. فقابل بينهما. وسئل المتنبي عن قول امرئ القيس ؎كأني لم أركب جوادا للذة ∗∗∗ ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ؎ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ∗∗∗ لخيلي كري كرة بعد إجفال فقيل له إنه عيب عليه مقابلة سبي الزق الروي بالكر وكان الأحسن مقابلته بتبطن الكاعب جمعا بين اللذتين وكذلك مقابلة ركوب الجواد للكر أحسن من مقابلته لتبطن الكاعب فقال بل الذي أتى به أحسن فإنه قابل مركوب الشجاعة بمركوب اللذة واللهو فهذا مركب الطرب وهذا مركب الحرب والطلب وكذلك قابل بين السباءين سباء الزق وسباء الرق قلت وأيضا فإن الشارب يفتخر بالشجاعة كما قال حسان ؎ونشربها فتتركنا ملوكا ∗∗∗ وأسدا منا ينهنهنا اللقاء وهذه جملة اعتراضية من ألطف الاعتراض وقيل الحسن ما استنطق أفواه الناظرين بالتسبيح والتهليل كما قيل ؎ذي طلعة سبحان فالق صبحه ∗∗∗ ومعاطف جلت يمين الغارس (فائدة) من له غرض في دقائق المعاني يتجاوز نظره قالب اللفظ إلى لب المعنى والواقف مع الألفاظ مقصود على الزينة اللفظية فتأمل قوله تعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ كيف قابل الجوع بالعرى والظمأ بالضحى والواقف مع القالب ربما يخيّل إليه أن الجوع يقابل بالظمأ والعري بالضحى والداخل إلى بلد المعنى يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة لأن الجوع ألم الباطن والعري ألم الظاهر فهما متناسبان في المعنى وكذلك الظمأ مع الضحى لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا. وفي هذا الباب حكاية مشهورة وهي أن ابن حمدان قال يوما للمتنبي قد انتقد عليك قولك: ؎وقفت وما في الموت شك لواقف ∗∗∗ كأنك في جفن الردى وهو نائم ؎تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ∗∗∗ ووجهك وضاح وثغرك باسم قالوا: ركبت صدر كل بيت على عجز الآخر وكان الأولى أن تقول: ؎وقفت وما في الموت شك لواقف ∗∗∗ ووجهك وضاح وثغرك باسم ؎تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ∗∗∗ كأنك في جفن الردى وهو نائم فليتم المعنى حينئذ لأن انبساط الوجد ووضوحه مع الوقوف في موقف الموت أشبه بأوصاف الكماة، والسلامة من الردى مع مرور الأبطال كلمى هزيمة أعجب في حصول النجاة وهذا كما انتقد على امرئ القيس قوله: ؎كأني لم أركب جوادا للذة ∗∗∗ ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال ؎ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ∗∗∗ لخيلي كري كرة بعد إجفال فلو قال: ؎كأني لم أركب جوادا ولم أقل ∗∗∗ لخليلي كري كرة بعد إجفال ؎ولم أسبأ الزق الروي للذة ∗∗∗ ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال كان أشبه بالمعنى لأن ركوب الخيل أشبه بالكر على الأبطال وسبأ الزق أليق بتبطن الكواعب. فقال المتنبه يعني قائل الشعر المدعو بالمتنبي الكذاب: أعلم أن القزاز أعلم بالثوب من البزاز لأن القزاز يعلم أوله وآخره والبزاز لا يرى منه إلا ظاهره. وهذا الانتقاد غير صحيح فإني قلت: وقفت وما في الموت شك لواقف ... ... ... ... ... فذكرت الموت وتحقق وقوعه في صدر البيت ثم تممت المعنى بقولي: ؎... ... ... ... ∗∗∗ كأنك في جفن الردى وهو نائم والردى الموت بعينه فكأني قلت: وقفت في مواضع الموت ولم تمت كأن الموت نائم عنك فحصل المعنى مناسبا للقصد ثم قلت: تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ... ... ... ... ومن شأن المكلوم والمنهزم أن يكونا كاشحي الوجوه عابسيها خائبي الأمل فقلت: ؎... ... ... ... ∗∗∗ ووجهك وضاح وثغرك باسم لتحصل المطابقة بين عبوس الوجه وقطوبه ونضارته وشحوبه وإن لم تكن ظاهره في اللفظ فهي في المعنى يفهمها من له في إدراك دقائق المعاني قدم راسخ وأما قول امرئ القيس: كأني لم أركب جوادا للذة ... ... ... ... فإنه لما ذكر الركوب في البيت الأول تممه بما يشبهه ويناسبه من ركوب الكواعب ليحصل لذة ركوب مهر الحرب وركوب مهر اللذة. وأما البيت الثاني فمن شأن الشارب إذا انتشى أن تتحرك كوامن صدره ويثور ما في نفسه من كوامن الأخلاق إلى الخارج فلما ذكر الشرب وحالة وتخيل نفسه كذلك فتحرك كامن خلقه من الحماسة والشجاعة فأردفه بما يليق به ثم ذكر الآية وتكلم عليها بنحو ما تقدم. ؎إذا ظفرت من الدنيا بقربكم ∗∗∗ فكل ذنب جناه الحب مغفور (لطيفة وموعظة) تأمل قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ كيف شرك بينهما في الخروج، وخص الذَّكَر بالشقاء لاشتغاله بالكسب والمعاش والمرأة في خدرها ؎تزود من الماء القراح فلن يرى ∗∗∗ بوادي الغضا ماء نقاحا ولا بردا ؎ونل من نسيم البان والرند نفحة ∗∗∗ وهيهات وادٍ ينبت البان والرندا ؎وكر إلى نجد بطرفك إنه ∗∗∗ متى تسر لا تنظر عقيقا ولا نجدا انظر يمنة فهل ترى محنة ثم اعطف يسرة فهل ترى إلا حسرة أما الربع العامر فدرس، وأما أسر الممات فغرس، وأما الراكب فكبت به الفرس ساروا في ظلم ظلامتهم فما عندهم قبس وقفت بهم سفن نجاتهم لأن البحر يبس وانقلبت تلك الدور كلها في تعس وجاء منكر بآخر سبأ ونكير بأول عبس أفلا يقوم لنجاته من طال ما قد جلس. ؎يا نفس ما هي إلا صبر أيام ∗∗∗ كأن مدتها أضغاث أحلام ؎يا نفس جودي عن الدنيا ولذتها ∗∗∗ وخل عنها فإن العيش قدامي ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهولة العاقبة، وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنه وكم فيه من حبة. ؎وإن حننت للحمى وروضة ∗∗∗ فبالغضا ماء وروضات أخر حامل الكتب من الطير أقوى عزيمة فلعل وضعك على غير الاعتدال. لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة. إذا حمل الطائر الرسالة صابر العزيمة ولازم بطون الأودية، فإن خفيت عليه الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتستر وهو مع شدة جوعه يحذر الحَبَّ الملقى خوفا من دفينة فخ توجب تعرقل الجناح ويضيع ما حمل، فإذا بلغ الرسالة أطلق نفسه في أغراضها داخل البرج. فيا حاملي كتب الأمانة أكثركم على غير الجادة وما يستدل منكم من قد راقه الحب فنزل بما حمل فارتهن، وربح فيسلم، تعرقل جناحه وينتظر الذبح فلا الحبة حصلت ولا الرسالة وصلت. ؎قطاة غرها شرك فباتت ∗∗∗ تجاذبه وقد علق الجناح ؎فلا في الليل نالت ما تمنت ∗∗∗ ولا في الصبح كان لها سراح لو صابرتم مشقة الطريق لانتهى السفر فتوطنتم مستريحين في جنات عدن يا مهملين النظر في العواقب أسلفوا في وقت الرخص فما يؤمن تغير الأسعار لا ترم بسهام النظر فإنها والله فيك تقع رب راع مقلة أهملها فأغير على السرح. ؎كل الحوادث مبدأها من النظر ∗∗∗ ومعظم النار من مستصغر الشرر ؎كم نظرة فعلت قلب ناظرها ∗∗∗ فعل السهام بلا قوس ولا وتر وقال غيره: ؎وأرى السهام نام من يرمي بها ∗∗∗ فعلام سهم للخط يصمى من رمى اعرف قدر لطفه بل وحفظه لك. إنما نهاك عن المعاصي حماية لك وصيانة لك لا بخلا منه عليك وإنما أمرك بالطاعة رحمة وإحسانا. لا حاجة منه إليك لما عرفته بالعقل حرم ما يزيله وهو الخمر صيانة لبيت المعرفة. يا متناولا للمسكر لا تفعل يكفيك سكر جهلك فلا تجمع بين سكرين. سلعة وإني لغفار لا تبذل إلا بثمن لمن تاب. يا خارجا من سبيلة وأمن عن سكة وعمل صالحا. من داري ضرب ثم اهتدى إن لم تقدر على الجد في العمل فقف على باب الطلب. تعرض لنفحة من نفحات الرب ففي لحظة أفلح السجرة. ؎لا تجزعن من كل خطب عرى ∗∗∗ ولا ترى الأعداء ما يشمت ؎واصبر فبالصبر تنال المنى ∗∗∗ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ثمن المعالي الجد، والفتور داء أمر من السلوة. أفي عينيك آيات وآثار إذا ما برد القلب فما تسخنه النار. الوجود بحر، والعلماء جواهره، والزهاد عنبره، والتجار حيتانه، والأشرار تماسيحه، والجهال على ظهره كالزبد. لو كشفت لك الدنيا ما تحت نقابها لرأيت المعشوقة عجوزا وما ترضى إلا بقتل عشاقها وكم تدللت عليهم بالنشوز إذاقتهم برد كانون الأماني وإذا هم في وسط تموز. تطلب مشاركة الغانمين وما شهدت الحرب تحل الغنيمة لمن شهد الوقعة. البلايا تظهر جواهر الرجال وما أسرع ما يفتضح المدعي. ؎تنام عيناك وتشكو الهوى ∗∗∗ لو كنت صبا لم تكن هكذا يا مؤثرا ما يفنى على ما يبقى هذا رأي هواك فهلا استشرت العقل لتعلم أنصحهما لك. لا تحقرن يسير المعصية كالعشب الضعيف يفتل منه حبال تجر السفن. أوَما نفذت في سد سبأ حيلة جرد العمر ثوب غير مكفوف وكل نفس خيط يسل منه. أنت أجير وعليك عمل فأخر ثياب الراحة إلى انقضاء العمل. كم غرقت سفينة في بحر شوق ساروا وما يسألون ما فعل الفجر، ولا كيف مالت الشهب عودهم هجرهم مطالبة الراحات أن يظفروا بما طلبوا. الشجاع يلبس القلب على الدرع، والجبان يلبس الدرع على القلب. أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون الدمن. ؎ومعال لو ادعاها سواهم ∗∗∗ لزمته جناية السراق ؎نالوا السماء وحطوا من نفوسهم ∗∗∗ إن الكرام إذا انحطوا فقد صعدوا

طه 20:119

تأمل كيف قابل الجوع بالعرى، والظمأ بالضحى. والواقف مع القالب ربما يخيل إليه: أن الجوع يقابل بالظمأ، والعري بالضحى. والداخل إلى بلد الفقه عن الله: يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة لأن الجوع ألم الباطن، والعرى ألم الظاهر، فهما متناسبان في المعنى، وكذلك الظمأ مع الضحى، لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن، والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا. (لطيفة) قوله تعالى لآدم ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ فقابل بين الجوع والعري دون الجوع والظمإ وبين الظمإ والضحى دون الظمإ والجوع، فإن الجوع عري الباطن وذله والعري جوع الظاهر وذله فقابل بين نفي ذل باطنه وظاهره وجوع باطنه وظاهره، والظمأ حر الباطن، والضحى حر الظاهر. فقابل بينهما. وسئل المتنبي عن قول امرئ القيس ؎كأني لم أركب جوادا للذة ∗∗∗ ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ؎ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ∗∗∗ لخيلي كري كرة بعد إجفال فقيل له إنه عيب عليه مقابلة سبي الزق الروي بالكر وكان الأحسن مقابلته بتبطن الكاعب جمعا بين اللذتين وكذلك مقابلة ركوب الجواد للكر أحسن من مقابلته لتبطن الكاعب فقال بل الذي أتى به أحسن فإنه قابل مركوب الشجاعة بمركوب اللذة واللهو فهذا مركب الطرب وهذا مركب الحرب والطلب وكذلك قابل بين السباءين سباء الزق وسباء الرق قلت وأيضا فإن الشارب يفتخر بالشجاعة كما قال حسان ؎ونشربها فتتركنا ملوكا ∗∗∗ وأسدا منا ينهنهنا اللقاء وهذه جملة اعتراضية من ألطف الاعتراض وقيل الحسن ما استنطق أفواه الناظرين بالتسبيح والتهليل كما قيل ؎ذي طلعة سبحان فالق صبحه ∗∗∗ ومعاطف جلت يمين الغارس (فائدة) من له غرض في دقائق المعاني يتجاوز نظره قالب اللفظ إلى لب المعنى والواقف مع الألفاظ مقصود على الزينة اللفظية فتأمل قوله تعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ كيف قابل الجوع بالعرى والظمأ بالضحى والواقف مع القالب ربما يخيّل إليه أن الجوع يقابل بالظمأ والعري بالضحى والداخل إلى بلد المعنى يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة لأن الجوع ألم الباطن والعري ألم الظاهر فهما متناسبان في المعنى وكذلك الظمأ مع الضحى لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا. وفي هذا الباب حكاية مشهورة وهي أن ابن حمدان قال يوما للمتنبي قد انتقد عليك قولك: ؎وقفت وما في الموت شك لواقف ∗∗∗ كأنك في جفن الردى وهو نائم ؎تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ∗∗∗ ووجهك وضاح وثغرك باسم قالوا: ركبت صدر كل بيت على عجز الآخر وكان الأولى أن تقول: ؎وقفت وما في الموت شك لواقف ∗∗∗ ووجهك وضاح وثغرك باسم ؎تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ∗∗∗ كأنك في جفن الردى وهو نائم فليتم المعنى حينئذ لأن انبساط الوجد ووضوحه مع الوقوف في موقف الموت أشبه بأوصاف الكماة، والسلامة من الردى مع مرور الأبطال كلمى هزيمة أعجب في حصول النجاة وهذا كما انتقد على امرئ القيس قوله: ؎كأني لم أركب جوادا للذة ∗∗∗ ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال ؎ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ∗∗∗ لخيلي كري كرة بعد إجفال فلو قال: ؎كأني لم أركب جوادا ولم أقل ∗∗∗ لخليلي كري كرة بعد إجفال ؎ولم أسبأ الزق الروي للذة ∗∗∗ ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال كان أشبه بالمعنى لأن ركوب الخيل أشبه بالكر على الأبطال وسبأ الزق أليق بتبطن الكواعب. فقال المتنبه يعني قائل الشعر المدعو بالمتنبي الكذاب: أعلم أن القزاز أعلم بالثوب من البزاز لأن القزاز يعلم أوله وآخره والبزاز لا يرى منه إلا ظاهره. وهذا الانتقاد غير صحيح فإني قلت: وقفت وما في الموت شك لواقف ... ... ... ... ... فذكرت الموت وتحقق وقوعه في صدر البيت ثم تممت المعنى بقولي: ؎... ... ... ... ∗∗∗ كأنك في جفن الردى وهو نائم والردى الموت بعينه فكأني قلت: وقفت في مواضع الموت ولم تمت كأن الموت نائم عنك فحصل المعنى مناسبا للقصد ثم قلت: تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ... ... ... ... ومن شأن المكلوم والمنهزم أن يكونا كاشحي الوجوه عابسيها خائبي الأمل فقلت: ؎... ... ... ... ∗∗∗ ووجهك وضاح وثغرك باسم لتحصل المطابقة بين عبوس الوجه وقطوبه ونضارته وشحوبه وإن لم تكن ظاهره في اللفظ فهي في المعنى يفهمها من له في إدراك دقائق المعاني قدم راسخ وأما قول امرئ القيس: كأني لم أركب جوادا للذة ... ... ... ... فإنه لما ذكر الركوب في البيت الأول تممه بما يشبهه ويناسبه من ركوب الكواعب ليحصل لذة ركوب مهر الحرب وركوب مهر اللذة. وأما البيت الثاني فمن شأن الشارب إذا انتشى أن تتحرك كوامن صدره ويثور ما في نفسه من كوامن الأخلاق إلى الخارج فلما ذكر الشرب وحالة وتخيل نفسه كذلك فتحرك كامن خلقه من الحماسة والشجاعة فأردفه بما يليق به ثم ذكر الآية وتكلم عليها بنحو ما تقدم. ؎إذا ظفرت من الدنيا بقربكم ∗∗∗ فكل ذنب جناه الحب مغفور (لطيفة وموعظة) تأمل قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ كيف شرك بينهما في الخروج، وخص الذَّكَر بالشقاء لاشتغاله بالكسب والمعاش والمرأة في خدرها ؎تزود من الماء القراح فلن يرى ∗∗∗ بوادي الغضا ماء نقاحا ولا بردا ؎ونل من نسيم البان والرند نفحة ∗∗∗ وهيهات وادٍ ينبت البان والرندا ؎وكر إلى نجد بطرفك إنه ∗∗∗ متى تسر لا تنظر عقيقا ولا نجدا انظر يمنة فهل ترى محنة ثم اعطف يسرة فهل ترى إلا حسرة أما الربع العامر فدرس، وأما أسر الممات فغرس، وأما الراكب فكبت به الفرس ساروا في ظلم ظلامتهم فما عندهم قبس وقفت بهم سفن نجاتهم لأن البحر يبس وانقلبت تلك الدور كلها في تعس وجاء منكر بآخر سبأ ونكير بأول عبس أفلا يقوم لنجاته من طال ما قد جلس. ؎يا نفس ما هي إلا صبر أيام ∗∗∗ كأن مدتها أضغاث أحلام ؎يا نفس جودي عن الدنيا ولذتها ∗∗∗ وخل عنها فإن العيش قدامي ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهولة العاقبة، وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنه وكم فيه من حبة. ؎وإن حننت للحمى وروضة ∗∗∗ فبالغضا ماء وروضات أخر حامل الكتب من الطير أقوى عزيمة فلعل وضعك على غير الاعتدال. لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة. إذا حمل الطائر الرسالة صابر العزيمة ولازم بطون الأودية، فإن خفيت عليه الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتستر وهو مع شدة جوعه يحذر الحَبَّ الملقى خوفا من دفينة فخ توجب تعرقل الجناح ويضيع ما حمل، فإذا بلغ الرسالة أطلق نفسه في أغراضها داخل البرج. فيا حاملي كتب الأمانة أكثركم على غير الجادة وما يستدل منكم من قد راقه الحب فنزل بما حمل فارتهن، وربح فيسلم، تعرقل جناحه وينتظر الذبح فلا الحبة حصلت ولا الرسالة وصلت. ؎قطاة غرها شرك فباتت ∗∗∗ تجاذبه وقد علق الجناح ؎فلا في الليل نالت ما تمنت ∗∗∗ ولا في الصبح كان لها سراح لو صابرتم مشقة الطريق لانتهى السفر فتوطنتم مستريحين في جنات عدن يا مهملين النظر في العواقب أسلفوا في وقت الرخص فما يؤمن تغير الأسعار لا ترم بسهام النظر فإنها والله فيك تقع رب راع مقلة أهملها فأغير على السرح. ؎كل الحوادث مبدأها من النظر ∗∗∗ ومعظم النار من مستصغر الشرر ؎كم نظرة فعلت قلب ناظرها ∗∗∗ فعل السهام بلا قوس ولا وتر وقال غيره: ؎وأرى السهام نام من يرمي بها ∗∗∗ فعلام سهم للخط يصمى من رمى اعرف قدر لطفه بل وحفظه لك. إنما نهاك عن المعاصي حماية لك وصيانة لك لا بخلا منه عليك وإنما أمرك بالطاعة رحمة وإحسانا. لا حاجة منه إليك لما عرفته بالعقل حرم ما يزيله وهو الخمر صيانة لبيت المعرفة. يا متناولا للمسكر لا تفعل يكفيك سكر جهلك فلا تجمع بين سكرين. سلعة وإني لغفار لا تبذل إلا بثمن لمن تاب. يا خارجا من سبيلة وأمن عن سكة وعمل صالحا. من داري ضرب ثم اهتدى إن لم تقدر على الجد في العمل فقف على باب الطلب. تعرض لنفحة من نفحات الرب ففي لحظة أفلح السجرة. ؎لا تجزعن من كل خطب عرى ∗∗∗ ولا ترى الأعداء ما يشمت ؎واصبر فبالصبر تنال المنى ∗∗∗ إذا لقيتم فئة فاثبتوا ثمن المعالي الجد، والفتور داء أمر من السلوة. أفي عينيك آيات وآثار إذا ما برد القلب فما تسخنه النار. الوجود بحر، والعلماء جواهره، والزهاد عنبره، والتجار حيتانه، والأشرار تماسيحه، والجهال على ظهره كالزبد. لو كشفت لك الدنيا ما تحت نقابها لرأيت المعشوقة عجوزا وما ترضى إلا بقتل عشاقها وكم تدللت عليهم بالنشوز إذاقتهم برد كانون الأماني وإذا هم في وسط تموز. تطلب مشاركة الغانمين وما شهدت الحرب تحل الغنيمة لمن شهد الوقعة. البلايا تظهر جواهر الرجال وما أسرع ما يفتضح المدعي. ؎تنام عيناك وتشكو الهوى ∗∗∗ لو كنت صبا لم تكن هكذا يا مؤثرا ما يفنى على ما يبقى هذا رأي هواك فهلا استشرت العقل لتعلم أنصحهما لك. لا تحقرن يسير المعصية كالعشب الضعيف يفتل منه حبال تجر السفن. أوَما نفذت في سد سبأ حيلة جرد العمر ثوب غير مكفوف وكل نفس خيط يسل منه. أنت أجير وعليك عمل فأخر ثياب الراحة إلى انقضاء العمل. كم غرقت سفينة في بحر شوق ساروا وما يسألون ما فعل الفجر، ولا كيف مالت الشهب عودهم هجرهم مطالبة الراحات أن يظفروا بما طلبوا. الشجاع يلبس القلب على الدرع، والجبان يلبس الدرع على القلب. أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون الدمن. ؎ومعال لو ادعاها سواهم ∗∗∗ لزمته جناية السراق ؎نالوا السماء وحطوا من نفوسهم ∗∗∗ إن الكرام إذا انحطوا فقد صعدوا

طه 20:120

{فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى (١٢٣) (فائدة) [فصل: الفرق بين الاحتياط والوسوسة] والفرق بين الاحتياط والوسوسة: أن الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة وما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه اللّه ورسوله، وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة ولم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا أحد من الصحابة زاعما أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله ويصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارا أو مرة واحدة ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا وزعموا أنه احتياط وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وما كان عليه أولى بهم فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء الصراط والاحتياط كل الاحتياط للخروج عن خلاف السنّة، ولو خالفت أكثر أهل الأرض بل كلهم. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ ظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من أجل أكلة أكلها. وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع في غير مقتل في غير مقتل، فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة. بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هُديَ لأحسن الشيم. (فائدة) وأما قوله تعالى في سورة طه: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء. وقد جعل بعضهم لبعض عداوا، فالضمير في قوله ﴿اهبطا منها﴾ إما أن يرجع إلى آدم وزوجته أو إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمتخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس فالأمر ظاهر. وأما على الأول فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجته وبين إبليس ولهذا أتى الضمير الجمع في الثاني دون الأول ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِك﴾ وقال للذرية ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية؟ وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية، وتارة بلفظ الإفراد كقوله في سورة الأعراف ﴿قال اهبط منها﴾ وكذلك في سورة (ص) وهذا لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أن الضمير في قوله ﴿اهبطا منها جميعا﴾ لآدم وإبليس إن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى قال قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار الله تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط. وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله. قوله تعالى: ﴿فَمنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يضِلُّ ولا يَشْقى﴾ فنفى عنه الضلال، الذي هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح. (فائدة) اعلم أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حف الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له، واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتم دخول. فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم بين دخول رسول الله ﷺ مكة في جوار المطعم بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح. وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها. وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وجمع قلبه بعد شتاته، وفرحة من لم يذق تلك المرارات، وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. ؎وربما كان مكروه النفوس إلى ∗∗∗ محبوبها سببا ما مثله سبب (فصل: في ذكر احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام -) في ذلك حكم النبي ﷺ لآدم صلوات الله وسلامه عليهم. عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي ﷺ فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسى" وفي رواية "كتب لك التوراة بيده" وفي لفظ آخر: "تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق". وفي لفظ آخر: "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله ﷺ فحج آدم موسى". وفي لفظ آخر: "احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنة" وذكر الحديث .. متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السماوات بخمسين ألف سنة. وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك وقال لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه. وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنه قاله وحكموا بصحته فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة كما ردوا أحاديث الرؤية وأحاديث علو الله على خلقه وأحاديث صفاته القائمة به وأحاديث الشفاعة وأحاديث نزوله إلى سمائه ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده، وأحاديث تكلمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة إلى أمثال ذلك وكما ردت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، وكما ردت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية، وكما ردت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق، وكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها، فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول فهو أصلهم الذي عليه يعولون، وجنتهم التي إليها يرجعون. ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى فقالت فرقة إنما حجه لأن آدم أبوه فحجه كما يحج الرجل ابنه. وهذا الكلام لا محصل فيه ألبتة فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة. وقالت فرقة إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة. وهذا من جنس ما قبله إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم. وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه وهذا وإن كان أقرب مما قبله فلا يصح لثلاثة أوجه أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على موسى ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه. الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعده وهداه فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم الرحمن. الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة واعتبار ما ألغاه فلا يلتفت إليه. وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه لامه في غير دار التكليف ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه وهذا أيضا فاسد من وجهين: أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف وإنما قال "أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق" فلم يتعرض للدار، وإنما احتج في القدر السابق الثاني أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت ويلومهم يوم القيامة وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته وإنه لا تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قالوا ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا حيلة له ولا قوة له قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث وهو شر من مسلك القدرية في رده وهم إنما ردوه إبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم وأخطأوا في رد حديث رسول الله ﷺ فإن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكر أبدا. ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في إشارته "العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله تعالى في القدر" وهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة الرسل وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي مقام ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره فهذا حقيقة المعرفة وصاحب هذا المقام هو العارف بالله وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول: أصبحت منفعلا لما يختاره منى ففعلي كله طاعات ويقول أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته، ويقول العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْء﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ فهذه أربع مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال: ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فإن قيل قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ و ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا﴾ و ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون وأهل السنة جميعا يقولون لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد من خلقه فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون؟ قيل: أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة به ولو قالوا كذلك لكانوا مصيبين وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه وأمره ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئتة العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعي فيه ذلك وقالوا العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم. وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه فإنه قال في باب التوبة من منازل السائرين ولطائف التوبة ثلاثة أشياء. أولها: أن ننظر في الجناية والقضية فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين: أن يعرف عبرته في قضائه وبره في مسيره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته. والثاني: ليقيم على العبد حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. واللطيفة الثانية: أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم تبق له حسنه بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل. واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم. فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح والشرائع كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوي استحسانه واستقباله فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة وكلامه المتقدم بين في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه الله وهو كالمحكم فيه وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام فقال الفناء عبارة عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة مثاله رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض فأذهله ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به وهذا تقريب والأمر فوق ذلك فكيف بمن أشهده الله عز وجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء مواتا لا قوام لها إلا بقدرته فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها وصفى الله عبده من درنه ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية تلاشى الوجود الذي للعبد واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ويكون العبد في ذلك آكلا شاربا فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ويبقى وجوده كالخيال قائما بالعبودية في حضرة ذي الجلال وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف وذلك هو البقاء بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عز وجل مشهده فيه قيامه عليه بتدبيره ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح ووجه آخر وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحوة والتمييز فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع لا بمعنى أن تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد لكن بمعنى أن الشهود ستر محلها من القلب وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا وتبعا وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها وفي حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه إذا علمت ذلك انحل إشكال قوله إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده إلى معنى الحكم أي أن صفة حكم الله حشت بصيرته وملأتها فشهد قيام الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق ويسمى هذا جمعا لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع قلبه ولضعف قلبه حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طي مشهده ذلك وبالله التوفيق. وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين وجه قائم بالرب تعالى وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول وملاحظة للوجه الثاني والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى بل يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في قلبه معنى قوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مع قوله: ﴿وَما تَشاءُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّه﴾ وقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه وضعف المحل فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه وبالله التوفيق. فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه وعباد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ولو أغضبهم غيرهم وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي الآمن هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ثم قرر تمام الحجة بقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه وأنه لا رب غيره ولا إله سواه فكيف يعبدون معه إلها غيره فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم وأن الأمر كله لله وأن كل شيء ما خلا الله باطل فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك فكانت حجة الله هي البالغة وحجتهم هي الداحضة وبالله التوفيق. إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة المحنة التي نالت الذرية ولهذا قال له "أخرجتنا ونفسك من الجنة" وفي لفظ "خيبتنا" فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة هذا جواب شيخنا رحمه الله وقد يتوجه جواب آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا عليَّ قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر عليّ قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال كان ما كان بقدر الله. ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل. فإن قيل فقد احتج عليّ بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبي ﷺ كما في الصحيح عن علي: "أن رسول الله صلى الله عيه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال لهم ألا تصلون قال فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ "؟ قيل علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال إن نفسه ونفس فاطمة بيد الله فإذا شاء أن يوقظها ويبعث أنفسها بعثها وهذا موافق لقول النبي ﷺ ليلة ناموا في الوادي: "إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء" وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح وقد أرشد النبي ﷺ إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان أحدها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالمحبة وأنه يحب حقيقة الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو القوي ويحب المؤمن القوي وهو وتر يحب الوتر وجميل يحب الجمال وعليم يحب العلماء ونظيف يحب النظافة ومؤمن يحب المؤمنين ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب الصابرين وشاكر يحب الشاكرين. ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض. ومنها أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به فإن حرص على مالا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك فالخير كله في الحرص على ما ينفع ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ولا تتم إلا بمعونته فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ثم قال ولا تعجز فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ومردها إليه فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان حالة عجز وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ولا فائدة في لو هاهنا بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور وإذا انتفت امتنع وجوده فلهذا قال فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبة وحالة فواته فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا بل هو أشد شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا في حالتي حصول المطلوب وعدمه وبالله التوفيق.

طه 20:121

{فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى (١٢٣) (فائدة) [فصل: الفرق بين الاحتياط والوسوسة] والفرق بين الاحتياط والوسوسة: أن الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة وما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه اللّه ورسوله، وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة ولم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا أحد من الصحابة زاعما أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله ويصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارا أو مرة واحدة ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا وزعموا أنه احتياط وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وما كان عليه أولى بهم فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء الصراط والاحتياط كل الاحتياط للخروج عن خلاف السنّة، ولو خالفت أكثر أهل الأرض بل كلهم. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ ظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من أجل أكلة أكلها. وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع في غير مقتل في غير مقتل، فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة. بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هُديَ لأحسن الشيم. (فائدة) وأما قوله تعالى في سورة طه: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء. وقد جعل بعضهم لبعض عداوا، فالضمير في قوله ﴿اهبطا منها﴾ إما أن يرجع إلى آدم وزوجته أو إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمتخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس فالأمر ظاهر. وأما على الأول فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجته وبين إبليس ولهذا أتى الضمير الجمع في الثاني دون الأول ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِك﴾ وقال للذرية ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية؟ وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية، وتارة بلفظ الإفراد كقوله في سورة الأعراف ﴿قال اهبط منها﴾ وكذلك في سورة (ص) وهذا لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أن الضمير في قوله ﴿اهبطا منها جميعا﴾ لآدم وإبليس إن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى قال قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار الله تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط. وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله. قوله تعالى: ﴿فَمنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يضِلُّ ولا يَشْقى﴾ فنفى عنه الضلال، الذي هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح. (فائدة) اعلم أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حف الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له، واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتم دخول. فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم بين دخول رسول الله ﷺ مكة في جوار المطعم بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح. وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها. وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وجمع قلبه بعد شتاته، وفرحة من لم يذق تلك المرارات، وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. ؎وربما كان مكروه النفوس إلى ∗∗∗ محبوبها سببا ما مثله سبب (فصل: في ذكر احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام -) في ذلك حكم النبي ﷺ لآدم صلوات الله وسلامه عليهم. عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي ﷺ فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسى" وفي رواية "كتب لك التوراة بيده" وفي لفظ آخر: "تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق". وفي لفظ آخر: "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله ﷺ فحج آدم موسى". وفي لفظ آخر: "احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنة" وذكر الحديث .. متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السماوات بخمسين ألف سنة. وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك وقال لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه. وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنه قاله وحكموا بصحته فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة كما ردوا أحاديث الرؤية وأحاديث علو الله على خلقه وأحاديث صفاته القائمة به وأحاديث الشفاعة وأحاديث نزوله إلى سمائه ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده، وأحاديث تكلمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة إلى أمثال ذلك وكما ردت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، وكما ردت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية، وكما ردت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق، وكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها، فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول فهو أصلهم الذي عليه يعولون، وجنتهم التي إليها يرجعون. ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى فقالت فرقة إنما حجه لأن آدم أبوه فحجه كما يحج الرجل ابنه. وهذا الكلام لا محصل فيه ألبتة فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة. وقالت فرقة إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة. وهذا من جنس ما قبله إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم. وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه وهذا وإن كان أقرب مما قبله فلا يصح لثلاثة أوجه أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على موسى ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه. الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعده وهداه فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم الرحمن. الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة واعتبار ما ألغاه فلا يلتفت إليه. وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه لامه في غير دار التكليف ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه وهذا أيضا فاسد من وجهين: أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف وإنما قال "أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق" فلم يتعرض للدار، وإنما احتج في القدر السابق الثاني أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت ويلومهم يوم القيامة وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته وإنه لا تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قالوا ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا حيلة له ولا قوة له قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث وهو شر من مسلك القدرية في رده وهم إنما ردوه إبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم وأخطأوا في رد حديث رسول الله ﷺ فإن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكر أبدا. ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في إشارته "العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله تعالى في القدر" وهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة الرسل وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي مقام ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره فهذا حقيقة المعرفة وصاحب هذا المقام هو العارف بالله وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول: أصبحت منفعلا لما يختاره منى ففعلي كله طاعات ويقول أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته، ويقول العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْء﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ فهذه أربع مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال: ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فإن قيل قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ و ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا﴾ و ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون وأهل السنة جميعا يقولون لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد من خلقه فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون؟ قيل: أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة به ولو قالوا كذلك لكانوا مصيبين وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه وأمره ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئتة العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعي فيه ذلك وقالوا العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم. وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه فإنه قال في باب التوبة من منازل السائرين ولطائف التوبة ثلاثة أشياء. أولها: أن ننظر في الجناية والقضية فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين: أن يعرف عبرته في قضائه وبره في مسيره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته. والثاني: ليقيم على العبد حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. واللطيفة الثانية: أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم تبق له حسنه بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل. واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم. فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح والشرائع كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوي استحسانه واستقباله فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة وكلامه المتقدم بين في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه الله وهو كالمحكم فيه وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام فقال الفناء عبارة عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة مثاله رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض فأذهله ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به وهذا تقريب والأمر فوق ذلك فكيف بمن أشهده الله عز وجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء مواتا لا قوام لها إلا بقدرته فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها وصفى الله عبده من درنه ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية تلاشى الوجود الذي للعبد واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ويكون العبد في ذلك آكلا شاربا فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ويبقى وجوده كالخيال قائما بالعبودية في حضرة ذي الجلال وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف وذلك هو البقاء بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عز وجل مشهده فيه قيامه عليه بتدبيره ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح ووجه آخر وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحوة والتمييز فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع لا بمعنى أن تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد لكن بمعنى أن الشهود ستر محلها من القلب وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا وتبعا وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها وفي حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه إذا علمت ذلك انحل إشكال قوله إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده إلى معنى الحكم أي أن صفة حكم الله حشت بصيرته وملأتها فشهد قيام الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق ويسمى هذا جمعا لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع قلبه ولضعف قلبه حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طي مشهده ذلك وبالله التوفيق. وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين وجه قائم بالرب تعالى وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول وملاحظة للوجه الثاني والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى بل يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في قلبه معنى قوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مع قوله: ﴿وَما تَشاءُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّه﴾ وقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه وضعف المحل فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه وبالله التوفيق. فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه وعباد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ولو أغضبهم غيرهم وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي الآمن هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ثم قرر تمام الحجة بقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه وأنه لا رب غيره ولا إله سواه فكيف يعبدون معه إلها غيره فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم وأن الأمر كله لله وأن كل شيء ما خلا الله باطل فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك فكانت حجة الله هي البالغة وحجتهم هي الداحضة وبالله التوفيق. إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة المحنة التي نالت الذرية ولهذا قال له "أخرجتنا ونفسك من الجنة" وفي لفظ "خيبتنا" فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة هذا جواب شيخنا رحمه الله وقد يتوجه جواب آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا عليَّ قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر عليّ قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال كان ما كان بقدر الله. ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل. فإن قيل فقد احتج عليّ بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبي ﷺ كما في الصحيح عن علي: "أن رسول الله صلى الله عيه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال لهم ألا تصلون قال فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ "؟ قيل علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال إن نفسه ونفس فاطمة بيد الله فإذا شاء أن يوقظها ويبعث أنفسها بعثها وهذا موافق لقول النبي ﷺ ليلة ناموا في الوادي: "إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء" وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح وقد أرشد النبي ﷺ إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان أحدها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالمحبة وأنه يحب حقيقة الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو القوي ويحب المؤمن القوي وهو وتر يحب الوتر وجميل يحب الجمال وعليم يحب العلماء ونظيف يحب النظافة ومؤمن يحب المؤمنين ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب الصابرين وشاكر يحب الشاكرين. ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض. ومنها أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به فإن حرص على مالا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك فالخير كله في الحرص على ما ينفع ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ولا تتم إلا بمعونته فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ثم قال ولا تعجز فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ومردها إليه فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان حالة عجز وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ولا فائدة في لو هاهنا بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور وإذا انتفت امتنع وجوده فلهذا قال فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبة وحالة فواته فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا بل هو أشد شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا في حالتي حصول المطلوب وعدمه وبالله التوفيق.

طه 20:122

{فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى (١٢٣) (فائدة) [فصل: الفرق بين الاحتياط والوسوسة] والفرق بين الاحتياط والوسوسة: أن الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة وما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه اللّه ورسوله، وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة ولم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا أحد من الصحابة زاعما أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله ويصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارا أو مرة واحدة ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا وزعموا أنه احتياط وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وما كان عليه أولى بهم فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء الصراط والاحتياط كل الاحتياط للخروج عن خلاف السنّة، ولو خالفت أكثر أهل الأرض بل كلهم. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ ظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من أجل أكلة أكلها. وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع في غير مقتل في غير مقتل، فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة. بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هُديَ لأحسن الشيم. (فائدة) وأما قوله تعالى في سورة طه: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء. وقد جعل بعضهم لبعض عداوا، فالضمير في قوله ﴿اهبطا منها﴾ إما أن يرجع إلى آدم وزوجته أو إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمتخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس فالأمر ظاهر. وأما على الأول فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجته وبين إبليس ولهذا أتى الضمير الجمع في الثاني دون الأول ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِك﴾ وقال للذرية ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية؟ وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية، وتارة بلفظ الإفراد كقوله في سورة الأعراف ﴿قال اهبط منها﴾ وكذلك في سورة (ص) وهذا لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أن الضمير في قوله ﴿اهبطا منها جميعا﴾ لآدم وإبليس إن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى قال قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار الله تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط. وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله. قوله تعالى: ﴿فَمنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يضِلُّ ولا يَشْقى﴾ فنفى عنه الضلال، الذي هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح. (فائدة) اعلم أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حف الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له، واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتم دخول. فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم بين دخول رسول الله ﷺ مكة في جوار المطعم بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح. وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها. وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وجمع قلبه بعد شتاته، وفرحة من لم يذق تلك المرارات، وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. ؎وربما كان مكروه النفوس إلى ∗∗∗ محبوبها سببا ما مثله سبب (فصل: في ذكر احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام -) في ذلك حكم النبي ﷺ لآدم صلوات الله وسلامه عليهم. عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي ﷺ فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسى" وفي رواية "كتب لك التوراة بيده" وفي لفظ آخر: "تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق". وفي لفظ آخر: "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله ﷺ فحج آدم موسى". وفي لفظ آخر: "احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنة" وذكر الحديث .. متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السماوات بخمسين ألف سنة. وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك وقال لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه. وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنه قاله وحكموا بصحته فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة كما ردوا أحاديث الرؤية وأحاديث علو الله على خلقه وأحاديث صفاته القائمة به وأحاديث الشفاعة وأحاديث نزوله إلى سمائه ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده، وأحاديث تكلمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة إلى أمثال ذلك وكما ردت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، وكما ردت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية، وكما ردت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق، وكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها، فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول فهو أصلهم الذي عليه يعولون، وجنتهم التي إليها يرجعون. ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى فقالت فرقة إنما حجه لأن آدم أبوه فحجه كما يحج الرجل ابنه. وهذا الكلام لا محصل فيه ألبتة فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة. وقالت فرقة إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة. وهذا من جنس ما قبله إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم. وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه وهذا وإن كان أقرب مما قبله فلا يصح لثلاثة أوجه أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على موسى ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه. الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعده وهداه فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم الرحمن. الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة واعتبار ما ألغاه فلا يلتفت إليه. وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه لامه في غير دار التكليف ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه وهذا أيضا فاسد من وجهين: أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف وإنما قال "أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق" فلم يتعرض للدار، وإنما احتج في القدر السابق الثاني أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت ويلومهم يوم القيامة وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته وإنه لا تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قالوا ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا حيلة له ولا قوة له قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث وهو شر من مسلك القدرية في رده وهم إنما ردوه إبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم وأخطأوا في رد حديث رسول الله ﷺ فإن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكر أبدا. ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في إشارته "العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله تعالى في القدر" وهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة الرسل وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي مقام ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره فهذا حقيقة المعرفة وصاحب هذا المقام هو العارف بالله وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول: أصبحت منفعلا لما يختاره منى ففعلي كله طاعات ويقول أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته، ويقول العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْء﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ فهذه أربع مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال: ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فإن قيل قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ و ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا﴾ و ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون وأهل السنة جميعا يقولون لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد من خلقه فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون؟ قيل: أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة به ولو قالوا كذلك لكانوا مصيبين وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه وأمره ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئتة العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعي فيه ذلك وقالوا العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم. وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه فإنه قال في باب التوبة من منازل السائرين ولطائف التوبة ثلاثة أشياء. أولها: أن ننظر في الجناية والقضية فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين: أن يعرف عبرته في قضائه وبره في مسيره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته. والثاني: ليقيم على العبد حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. واللطيفة الثانية: أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم تبق له حسنه بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل. واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم. فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح والشرائع كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوي استحسانه واستقباله فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة وكلامه المتقدم بين في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه الله وهو كالمحكم فيه وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام فقال الفناء عبارة عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة مثاله رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض فأذهله ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به وهذا تقريب والأمر فوق ذلك فكيف بمن أشهده الله عز وجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء مواتا لا قوام لها إلا بقدرته فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها وصفى الله عبده من درنه ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية تلاشى الوجود الذي للعبد واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ويكون العبد في ذلك آكلا شاربا فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ويبقى وجوده كالخيال قائما بالعبودية في حضرة ذي الجلال وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف وذلك هو البقاء بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عز وجل مشهده فيه قيامه عليه بتدبيره ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح ووجه آخر وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحوة والتمييز فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع لا بمعنى أن تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد لكن بمعنى أن الشهود ستر محلها من القلب وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا وتبعا وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها وفي حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه إذا علمت ذلك انحل إشكال قوله إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده إلى معنى الحكم أي أن صفة حكم الله حشت بصيرته وملأتها فشهد قيام الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق ويسمى هذا جمعا لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع قلبه ولضعف قلبه حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طي مشهده ذلك وبالله التوفيق. وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين وجه قائم بالرب تعالى وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول وملاحظة للوجه الثاني والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى بل يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في قلبه معنى قوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مع قوله: ﴿وَما تَشاءُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّه﴾ وقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه وضعف المحل فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه وبالله التوفيق. فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه وعباد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ولو أغضبهم غيرهم وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي الآمن هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ثم قرر تمام الحجة بقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه وأنه لا رب غيره ولا إله سواه فكيف يعبدون معه إلها غيره فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم وأن الأمر كله لله وأن كل شيء ما خلا الله باطل فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك فكانت حجة الله هي البالغة وحجتهم هي الداحضة وبالله التوفيق. إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة المحنة التي نالت الذرية ولهذا قال له "أخرجتنا ونفسك من الجنة" وفي لفظ "خيبتنا" فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة هذا جواب شيخنا رحمه الله وقد يتوجه جواب آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا عليَّ قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر عليّ قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال كان ما كان بقدر الله. ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل. فإن قيل فقد احتج عليّ بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبي ﷺ كما في الصحيح عن علي: "أن رسول الله صلى الله عيه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال لهم ألا تصلون قال فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ "؟ قيل علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال إن نفسه ونفس فاطمة بيد الله فإذا شاء أن يوقظها ويبعث أنفسها بعثها وهذا موافق لقول النبي ﷺ ليلة ناموا في الوادي: "إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء" وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح وقد أرشد النبي ﷺ إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان أحدها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالمحبة وأنه يحب حقيقة الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو القوي ويحب المؤمن القوي وهو وتر يحب الوتر وجميل يحب الجمال وعليم يحب العلماء ونظيف يحب النظافة ومؤمن يحب المؤمنين ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب الصابرين وشاكر يحب الشاكرين. ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض. ومنها أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به فإن حرص على مالا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك فالخير كله في الحرص على ما ينفع ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ولا تتم إلا بمعونته فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ثم قال ولا تعجز فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ومردها إليه فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان حالة عجز وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ولا فائدة في لو هاهنا بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور وإذا انتفت امتنع وجوده فلهذا قال فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبة وحالة فواته فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا بل هو أشد شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا في حالتي حصول المطلوب وعدمه وبالله التوفيق.

طه 20:123

{فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ياآدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى (١٢٣) (فائدة) [فصل: الفرق بين الاحتياط والوسوسة] والفرق بين الاحتياط والوسوسة: أن الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة وما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه اللّه ورسوله، وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة ولم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا أحد من الصحابة زاعما أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله ويصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارا أو مرة واحدة ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا وزعموا أنه احتياط وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وما كان عليه أولى بهم فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء الصراط والاحتياط كل الاحتياط للخروج عن خلاف السنّة، ولو خالفت أكثر أهل الأرض بل كلهم. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ ظن اللعين بجهله أن الله سبحانه يتخلى عن صفيه وحبيبه الذي خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، من أجل أكلة أكلها. وما علم أن الطبيب قد علم المريض الدواء قبل المرض، فلما أحس بالمرض بادر إلى استعمال الدواء، لما رماه العدو وبسهم وقع في غير مقتل في غير مقتل، فبادر إلى مداواة الجرح، فقام كأن لم يكن به قلبة. بلى العدو بالذنب فأصر واحتج وعارض الأمر، وقدح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزلة. وبلى الحبيب بالذنب فاعترف وتاب وندم، وتضرع واستكان وفزع إلى مفزع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأزيل عنه العتب، وغفر له الذنب، وقبل منه المتاب، وفتح له من الرحمة والهداية كلٌّ باب، ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار فقد هُديَ لأحسن الشيم. (فائدة) وأما قوله تعالى في سورة طه: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء. وقد جعل بعضهم لبعض عداوا، فالضمير في قوله ﴿اهبطا منها﴾ إما أن يرجع إلى آدم وزوجته أو إلى آدم وإبليس، ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمتخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس فالأمر ظاهر. وأما على الأول فتكون الآية قد اشتملت على أمرين: أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط. والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجته وبين إبليس ولهذا أتى الضمير الجمع في الثاني دون الأول ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِك﴾ وقال للذرية ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية؟ وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية، وتارة بلفظ الإفراد كقوله في سورة الأعراف ﴿قال اهبط منها﴾ وكذلك في سورة (ص) وهذا لإبليس وحده. وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية. وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك. والذي يوضح أن الضمير في قوله ﴿اهبطا منها جميعا﴾ لآدم وإبليس إن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى قال قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار الله تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط. وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله. قوله تعالى: ﴿فَمنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يضِلُّ ولا يَشْقى﴾ فنفى عنه الضلال، الذي هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح. (فائدة) اعلم أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حف الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ولذلك أخرج صفيه آدم من الجنة وقد خلقها له، واقتضت حكمته أن لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليدخله إليها أتم دخول. فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم بين دخول رسول الله ﷺ مكة في جوار المطعم بن عدي ودخوله إليها يوم الفتح. وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خلقوا فيها. وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وجمع قلبه بعد شتاته، وفرحة من لم يذق تلك المرارات، وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. ؎وربما كان مكروه النفوس إلى ∗∗∗ محبوبها سببا ما مثله سبب (فصل: في ذكر احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام -) في ذلك حكم النبي ﷺ لآدم صلوات الله وسلامه عليهم. عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي ﷺ فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسى" وفي رواية "كتب لك التوراة بيده" وفي لفظ آخر: "تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق". وفي لفظ آخر: "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله ﷺ فحج آدم موسى". وفي لفظ آخر: "احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنة" وذكر الحديث .. متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السماوات بخمسين ألف سنة. وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك وقال لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه. وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنه قاله وحكموا بصحته فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة كما ردوا أحاديث الرؤية وأحاديث علو الله على خلقه وأحاديث صفاته القائمة به وأحاديث الشفاعة وأحاديث نزوله إلى سمائه ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده، وأحاديث تكلمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة إلى أمثال ذلك وكما ردت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، وكما ردت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية، وكما ردت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق، وكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها، فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول فهو أصلهم الذي عليه يعولون، وجنتهم التي إليها يرجعون. ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى فقالت فرقة إنما حجه لأن آدم أبوه فحجه كما يحج الرجل ابنه. وهذا الكلام لا محصل فيه ألبتة فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة. وقالت فرقة إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة. وهذا من جنس ما قبله إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم. وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه وهذا وإن كان أقرب مما قبله فلا يصح لثلاثة أوجه أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على موسى ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه. الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعده وهداه فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم الرحمن. الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة واعتبار ما ألغاه فلا يلتفت إليه. وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأنه لامه في غير دار التكليف ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه وهذا أيضا فاسد من وجهين: أحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف وإنما قال "أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق" فلم يتعرض للدار، وإنما احتج في القدر السابق الثاني أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت ويلومهم يوم القيامة وقالت فرقة أخرى إنما حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد الرب سبحانه بربوبيته وإنه لا تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قالوا ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا حيلة له ولا قوة له قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم وهذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث وهو شر من مسلك القدرية في رده وهم إنما ردوه إبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم وأخطأوا في رد حديث رسول الله ﷺ فإن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكر أبدا. ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في إشارته "العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله تعالى في القدر" وهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة الرسل وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي مقام ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره فهذا حقيقة المعرفة وصاحب هذا المقام هو العارف بالله وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول: أصبحت منفعلا لما يختاره منى ففعلي كله طاعات ويقول أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته، ويقول العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْء﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ فهذه أربع مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال: ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ فإن قيل قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ و ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا﴾ و ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون وأهل السنة جميعا يقولون لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد من خلقه فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون؟ قيل: أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة به ولو قالوا كذلك لكانوا مصيبين وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه وأمره ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئتة العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعي فيه ذلك وقالوا العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم. وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه فإنه قال في باب التوبة من منازل السائرين ولطائف التوبة ثلاثة أشياء. أولها: أن ننظر في الجناية والقضية فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين: أن يعرف عبرته في قضائه وبره في مسيره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته. والثاني: ليقيم على العبد حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. واللطيفة الثانية: أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم تبق له حسنه بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل. واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم. فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح والشرائع كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوي استحسانه واستقباله فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة وكلامه المتقدم بين في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه الله وهو كالمحكم فيه وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام فقال الفناء عبارة عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة مثاله رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض فأذهله ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به وهذا تقريب والأمر فوق ذلك فكيف بمن أشهده الله عز وجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء مواتا لا قوام لها إلا بقدرته فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها وصفى الله عبده من درنه ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية تلاشى الوجود الذي للعبد واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ويكون العبد في ذلك آكلا شاربا فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ويبقى وجوده كالخيال قائما بالعبودية في حضرة ذي الجلال وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف وذلك هو البقاء بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عز وجل مشهده فيه قيامه عليه بتدبيره ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح ووجه آخر وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحوة والتمييز فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع لا بمعنى أن تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد لكن بمعنى أن الشهود ستر محلها من القلب وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا وتبعا وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها وفي حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه إذا علمت ذلك انحل إشكال قوله إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده إلى معنى الحكم أي أن صفة حكم الله حشت بصيرته وملأتها فشهد قيام الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق ويسمى هذا جمعا لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع قلبه ولضعف قلبه حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طي مشهده ذلك وبالله التوفيق. وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه الله أن للفعل وجهين وجه قائم بالرب تعالى وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول وملاحظة للوجه الثاني والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى بل يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في قلبه معنى قوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مع قوله: ﴿وَما تَشاءُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّه﴾ وقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه وضعف المحل فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه وبالله التوفيق. فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه وعباد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ولو أغضبهم غيرهم وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي الآمن هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ثم قرر تمام الحجة بقوله: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه وأنه لا رب غيره ولا إله سواه فكيف يعبدون معه إلها غيره فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم وأن الأمر كله لله وأن كل شيء ما خلا الله باطل فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك فكانت حجة الله هي البالغة وحجتهم هي الداحضة وبالله التوفيق. إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة المحنة التي نالت الذرية ولهذا قال له "أخرجتنا ونفسك من الجنة" وفي لفظ "خيبتنا" فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة هذا جواب شيخنا رحمه الله وقد يتوجه جواب آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا عليَّ قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر عليّ قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال كان ما كان بقدر الله. ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل. فإن قيل فقد احتج عليّ بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبي ﷺ كما في الصحيح عن علي: "أن رسول الله صلى الله عيه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال لهم ألا تصلون قال فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ "؟ قيل علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال إن نفسه ونفس فاطمة بيد الله فإذا شاء أن يوقظها ويبعث أنفسها بعثها وهذا موافق لقول النبي ﷺ ليلة ناموا في الوادي: "إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء" وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح وقد أرشد النبي ﷺ إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان" فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان أحدها: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بالمحبة وأنه يحب حقيقة الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو القوي ويحب المؤمن القوي وهو وتر يحب الوتر وجميل يحب الجمال وعليم يحب العلماء ونظيف يحب النظافة ومؤمن يحب المؤمنين ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب الصابرين وشاكر يحب الشاكرين. ومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض. ومنها أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به فإن حرص على مالا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك فالخير كله في الحرص على ما ينفع ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ولا تتم إلا بمعونته فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ثم قال ولا تعجز فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ومردها إليه فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان حالة عجز وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ولا فائدة في لو هاهنا بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور وإذا انتفت امتنع وجوده فلهذا قال فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبة وحالة فواته فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا بل هو أشد شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا في حالتي حصول المطلوب وعدمه وبالله التوفيق.

طه 20:124

وإعراضه عن ذكره يتناول إعراضه عن الذكر الذي أنزله، وهو أن يذكر الذي أنزله في كتابه وهو المراد بتناول إعراضه عن أن يذكر ربه بكتابه وأسمائه وصفاته وأوامره وآلائه ونعمه، فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى، فإن الذكر في الآية إما مصدر مضاف إلى الفاعل أو مضاف إضافة الأسماء المحضة، أعرض عن كتابي ولم يتله ولم يتدبره ولم يعمل به ولا فهمه، فإن حياته ومعيشته لا تكون إلا مضيقة عليه منكدة معذبًا فيها. والضنك الضيق والشدة والبلاء. ووصف المعيشة نفسها بالضنك مبالغة، وفسرت هذه المعيشة بعذاب البرزخ، والصحيح أنها تتناول معيشته في الدنيا وحاله في البرزخ، فإنه يكون في ضنك في الدارين، وهو شدة وجهد وضيق. وقال في المدارج: وَفُسِّرَتِ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ بِعَذابِ القَبْرِ، والصَّحِيحُ أنَّها في الدُّنْيا وفي البَرْزَخِ، فَإنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ، فَلَهُ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ، ونَكَدِ العَيْشِ، وكَثْرَةِ الخَوْفِ، وشِدَّةِ الحِرْصِ والتَّعَبِ عَلى الدُّنْيا، والتَّحَسُّرِ عَلى فَواتِها قَبْلَ حُصُولِها وبَعْدَ حُصُولِها، والآلامِ الَّتِي في خِلالِ ذَلِكَ ما لا يَشْعُرُ بِهِ القَلْبُ، لِسَكْرَتِهِ، وانْغِماسِهِ في السُّكْرِ، فَهو لا يَصْحُو ساعَةً إلّا أحَسَّ وشَعَرَ بِهَذا الألَمِ، فَبادَرَ إلى إزالَتِهِ بِسُكْرٍ ثانٍ، فَهو هَكَذا مُدَّةَ حَيّاتِهِ، وأيُّ عِيشَةٍ أضْيَقُ مِن هَذِهِ لَوْ كانَ لِلْقَلْبِ شُعُورٌ؟ فَقُلُوبُ أهْلِ البِدَعِ، والمُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ، وأهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ، وأهْلِ المَعاصِي في جَحِيمٍ قَبْلَ الجَحِيمِ الأكْبَرِ، وقُلُوبُ الأبْرارِ في نَعِيمٍ قَبْلَ النَّعِيمِ الأكْبَرِ ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] هَذا في دُورِهِمُ الثَّلاثِ، لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالدّارِ الآخِرَةِ، وإنْ كانَ تَمامُهُ وكَمالُهُ وظُهُورُهُ: إنَّما هو في الدّارِ الآخِرَةِ، وفي البَرْزَخِ دُونَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] وقالَ تَعالى ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: ٧١] وَفِي هَذِهِ الدّارِ دُونَ ما في البَرْزَخِ، ولَكِنْ يَمْنَعُ مِنَ الإحْساسِ بِهِ الِاسْتِغْراقُ في سَكْرَةِ الشَّهَواتِ، وطَرْحُ ذَلِكَ عَنِ القَلْبِ، وعَدَمُ التَّفَكُّرِ فِيهِ. والعَبْدُ قَدْ يُصِيبُهُ ألَمٌ حِسِّيٌّ فَيَطْرَحُهُ عَنْ قَلْبِهِ، ويَقْطَعُ التِفاتَهُ عَنْهُ، ويَجْعَلُ إقْبالَهُ عَلى غَيْرِهِ، لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِ جُمْلَةً، فَلَوْ زالَ عَنْهُ ذَلِكَ الِالتِفاتُ، لَصاحَ مِن شِدَّةِ الألَمِ، فَما الظَّنُّ بِعَذابِ القُلُوبِ وآلامِها؟!. (فائدة) قال ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية. وقوله: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ يتناول الذكر الذي أنزله وهو الهدى الذي جاءت به الرسل ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾ فهذا هو الإعراض عن ذكره فإذا كان هذا حال المعرض عنه فكيف حال المعارض له بعقله أو عقل من قلده وأحسن الظن به فكما أنه لا يكون مؤمنا إلا من قبله وانقاد له فمن أعرض عنه وعارضه من أبعد الناس عن الإيمان به. (لطيفة) قوله تعالى: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ وصفه بالعمى الذي هو ضد الهدى وبالمعيشة الضنك التي هي ضد السعادة، فكتاب الله أوله هداية وآخره سعادة، وكلام المعارضين له بمعقولهم أوله ضلال، وآخره شقاوة. (فصل) لما أخبر سبحانه عن حال من اتبع هداه وماله من الرغد وطيب الحياة في معاشه ومعاده أخبر عن حال من أعرض عن الهدى ولم يتبعه، فقال: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أي عن الذكر الذي أنزلته، فالذكر هنا مصدر مضاف إلى الفاعل، كقيامي وقراءتي، لا إلى المفعول، وليس المعنى: ومن أعرض عن أن يذكرني، بل هذا لازم المعنى ومقتضاه من وجه آخر سنذكره. وأحسن من هذا الوجه: أن يقال: الذكر هاهنا مضاف إضافة الأسماء، لا إضافة المصادر إلى معمولاتها. والمعنى: ومن أعرض عن كتابي ولم يتبعه، فإن القرآن يسمى ذكرا، قال تعالى: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ وقال تعالى: ﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالغَيْبِ﴾ وأمثالها كثير. فإضافته كإضافة الأسماء الجوامد التي يقصد بها إضافة العامل إلى معموله. ونظيره في إضافة اسم الفاعل قوله: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ﴾ فإن هذه الإضافات لا يقصد بها قصد الفعل المتجدد، وإنما قصد بها قصد الوصف الثابت اللازم، ولذلك أرت أوصافا على أعرف المعارف، وهو اسم الله تعالى في قوله: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إلهَ إلّا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾. (فصل) وَفُسِّرَتِ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ بِعَذابِ القَبْرِ، ولا رَيْبَ أنَّهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ، والآيَةُ تَتَناوَلُ ما هو أعَمُّ مِنهُ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً في سِياقِ الإثْباتِ، فَإنَّ عُمُومَها مِن حَيْثُ المَعْنى، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ رَتَّبَ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ عَلى الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِهِ، فالمُعْرِضُ عَنْهُ لَهُ مِن ضَنْكِ المَعِيشَةِ بِحَسَبِ إعْراضِهِ، وإنْ تَنَعَّمَ في الدُّنْيا بِأصْنافِ النِّعَمِ، فَفي قَلْبِهِ مِنَ الوَحْشَةِ والذُّلِّ والحَسَراتِ الَّتِي تَقْطَعُ القُلُوبَ، والأمانِي الباطِلَةِ والعَذابِ الحاضِرِ ما فِيهِ، وإنَّما يُوارِيهِ عَنْهُ سَكَراتُ الشَّهَواتِ والعِشْقِ وحُبِّ الدُّنْيا والرِّياسَةِ، وإنْ لَمْ يَنْضَمَّ إلى ذَلِكَ سُكْرُ الخَمْرِ، فَسُكْرُ هَذِهِ الأُمُورِ أعْظَمُ مِن سُكْرِ الخَمْرِ، فَإنَّهُ يَفِيقُ صاحِبُهُ ويَصْحُو، وسُكْرُ الهَوى وحُبِّ الدُّنْيا لا يَصْحُو صاحِبُهُ إلّا إذا كانَ صاحِبُهُ في عَسْكَرِ الأمْواتِ، فالمَعِيشَةُ الضَّنْكُ لازِمَةٌ لِمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ في دُنْياهُ وفي البَرْزَخِ ويَوْمَ مَعادِهِ، ولا تَقَرُّ العَيْنُ، ولا يَهْدَأُ القَلْبُ، ولا تَطْمَئِنُّ النَّفْسُ إلّا بِإلَهِها ومَعْبُودِها الَّذِي هو حَقٌّ، وكُلُّ مَعْبُودٍ سِواهُ باطِلٌ، فَمَن قَرَّتْ عَيْنُهُ بِاللَّهِ قَرَّتْ بِهِ كُلُّ عَيْنٍ، ومَن لَمْ تَقَرَّ عَيْنُهُ بِاللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلى الدُّنْيا حَسَراتٍ، واللَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لِمَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ صالِحًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. فَضَمِنَ لِأهْلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ الجَزاءَ في الدُّنْيا بِالحَياةِ الطَّيِّبَةِ، والحُسْنى يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَهم أطْيَبُ الحَياتَيْنِ، فَهم أحْياءٌ في الدّارَيْنِ. (فصل آخر) قوله تعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فسره غير واحد من السلف بعذاب القبر، وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة الدالة على عذاب القبر، ولهذا قال: ﴿نَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ: كَذلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ أي تترك في العذاب، كما تركت العمل بآياتنا. فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار البوار. ونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا فهذا في البرزخ {وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ فهذا في القيامة الكبرى. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ، اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فقول الملائكة «اليوم تجزون عذاب الهون» المراد به: عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ فهذه الإذاقة هي في البرزخ. وأولها حين الوفاة فإنه معطوف على قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ وهو من القول المحذوف مقوله لدلالة الكلام عليه. كنظائره. وكلاهما واقع وقت الوفاة وفي الصحيح عن البراء بن عازب رضي الله عنه «١» في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ قال «نزلت في عذاب القبر» والأحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر. والمقصود: أن الله سبحانه أخبر أن من أعرض عن ذكره - وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى - فإن له معيشة ضنكا. وتكفل لمن حفظ عهده أن يحييه حياة طيبة، ويجزيه أجره في الآخرة. فقال تعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فأخبر سبحانه عن فلاح من تمسك بعهده علما وعملا في العاجلة بالحياة الطيبة وفي الآخرة بأحسن الجزاء. وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ ونسيانه في العذاب بالآخرة. وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ فأخبر سبحانه أن من ابتلاه بقرينه من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب إعراضه وعشوه عن ذكره الذي أنزله على رسوله. فكان عقوبة هذا الأعراض أن قيض له شيطانا يقارنه، فيصده عن سبيل ربه، وطريق فلاحه. وهو يحسب أنه مهتد، حتى إذا وافى ربه يوم القيامة مع قرينة، وعاين هلاكه وإفلاسه. قال: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾. وكل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر الله فلا بد أن يقول هذا يوم القيامة. فإن قيل: فهل لهذا عذر في ضلاله؟ إذ كان يحسب أنه على هدى، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾. قيل: لا عذر لهذا لا لأمثاله من الضلال الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به رسول الله ﷺ. ولو ظن أنه مهتد. فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى. فإذا ضل فإنما أتى من تفريطه وإعراضه. وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة، وعجزه عن الوصول إليها. فذاك له حكم آخر. والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول. وأما الثاني: فإن الله لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى في أهل النار: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ. أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ: لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ. بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ وهذا كثير في القرآن. (فصل: خلق بدن ابْن آدم من الأرْض وروحه من ملكوت السَّماء وقرن بَينهما) فَإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمَة وجدت روحه خفَّة وراحة فتاقت إلى الموضع الَّذِي خلقت مِنهُ واشتاقت إلى عالمها العلوِي وإذا أشبعه ونعّمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الَّذِي خلق مِنهُ فانجذبت الرّوح مَعَه فَصارَت في السجْن فلولا أنَّها ألفت السجْن لاستغاثت من ألم وفارقتها وانقطاعها عَن عالمها الَّذِي خلقت مِنهُ كَما يستغيث المعذّب وَبِالجُمْلَةِ فَكلما خف البدن لطفت الرّوح وخفت وطلبت عالمها العلوِي وكلما ثقل وأخلد إلى الشَّهَوات والراحة ثقلت الرّوح وهبطت من عالمها وصارَت أرضية سفليّة فترى الرجل روحه في الرفيق الأعْلى وبدنه عنْدك فَيكون نائِما على فراشه وروحه عند سِدْرَة المُنْتَهى تجول حول العَرْش، وآخر واقِف في الخدمَة بِبدنِهِ وروحه في السّفل تجول حول السفليات فَإذا فارَقت الرّوح البدن التحقت برفيقها الأعْلى أو الأدْنى فَعِنْدَ الرفيق الأعْلى كل قرّة عين وكل نعيم وسرور وبهجة ولَذَّة وحياة طيبَة وعند الرفيق الأسْفَل كل هم وغم وضيق وحزن وحياة نكدة ومعيشة ضنك قالَ تَعالى ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ معيشة ضنكا﴾ فذِكْره كَلامه الَّذِي أنزلهُ على رَسُوله والإعراض عَنهُ ترك تدبره والعَمَل بِهِ والمعيشة الضنك فَأكْثر ما جاءَ في التَّفْسِير أنَّها عَذاب القَبْر قالَه ابْن مَسْعُود وأبُو هُرَيْرَة وأبُو سعيد الخُدْرِيّ وابْن عَبّاس وفِيه حَدِيث مَرْفُوع وأصل الضنك في اللُّغَة الضّيق والشدة وكل ما ضاقَ فَهو ضنك يُقال منزل ضنك وعيش الضنك فَهَذِهِ المَعيشَة الضنك في مُقابلَة التوسيع على النَّفس والبدن بالشهوات واللَّذّات والراحة فَإن النَّفس كلما وسعت عَلَيْها ضيّقت على القلب حَتّى تصير معيشة ضنكا وكلما ضيّقت عَلَيْها وسعت على القلب حَتّى ينشرح وينفسخ فضنك المَعيشَة في الدُّنْيا بِمُوجب التَّقْوى سعتها في البرزخ والآخِرَة وسعة المَعيشَة في الدُّنْيا بِحكم الهوى ضنكها في البرزخ والآخِرَة فآثر أحسن المعيشتين وأطيبهما وأدومهما وأشق البدن بنعيم الرّوح ولا تشق الرّوح بنعيم البدن فَإن نعيم الرّوح وشقاءها أعظم وأدوم ونعيم البدن وشقاؤه أقصر وأهون. والله المُسْتَعان. [فَصْلٌ: مِن آثارِ المَعاصِي] وَلِلْمَعاصِي مِنَ الآثارِ القَبِيحَةِ المَذْمُومَةِ، المُضِرَّةِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. فَمِنها: حِرْمانُ العِلْمِ، فَإنَّ العِلْمَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في القَلْبِ، والمَعْصِيَةُ تُطْفِئُ ذَلِكَ النُّورَ. وَلَمّا جَلَسَ الإمامُ الشّافِعِيُّ بَيْنَ يَدَيْ مالِكٍ وقَرَأ عَلَيْهِ أعْجَبَهُ ما رَأى مِن وُفُورِ فِطْنَتِهِ، وتَوَقُّدِ ذَكائِهِ، وكَمالِ فَهْمِهِ، فَقالَ: إنِّي أرى اللَّهَ قَدْ ألْقى عَلى قَلْبِكَ نُورًا، فَلا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ. وَقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ؎شَكَوْتُ إلى وكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ∗∗∗ فَأرْشَدَنِي إلى تَرْكِ المَعاصِي ؎وَقالَ اعْلَمْ بِأنَّ العِلْمَ فَضْلٌ ∗∗∗ وفَضْلُ اللَّهِ لا يُؤْتاهُ عاصِي وَمِنها: حِرْمانُ الرِّزْقِ، وفي المُسْنَدِ: «إنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَما أنَّ تَقْوى اللَّهِ مَجْلَبَةٌ لِلرِّزْقِ فَتَرْكُ التَّقْوى مَجْلَبَةٌ لِلْفَقْرِ، فَما اسْتُجْلِبَ رِزْقُ اللَّهِ بِمِثْلِ تَرْكِ المَعاصِي. وَمِنها: وحْشَةٌ يَجِدُها العاصِي في قَلْبِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ لا تُوازِنُها ولا تُقارِنُها لَذَّةٌ أصْلًا، ولَوِ اجْتَمَعَتْ لَهُ لَذّاتُ الدُّنْيا بِأسْرِها لَمْ تَفِ بِتِلْكَ الوَحْشَةِ، وهَذا أمْرٌ لا يَحِسُّ بِهِ إلّا مَن في قَلْبِهِ حَياةٌ، وما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامٌ، فَلَوْ لَمْ تُتْرَكِ الذُّنُوبُ إلّا حَذَرًا مِن وُقُوعِ تِلْكَ الوَحْشَةِ، لَكانَ العاقِلُ حَرِيًّا بِتَرْكِها. وَشَكا رَجُلٌ إلى بَعْضِ العارِفِينَ وحْشَةً يَجِدُها في نَفْسِهِ فَقالَ لَهُ: ؎إذا كُنْتَ قَدْ أوْحَشَتْكَ الذُّنُوبُ ∗∗∗ فَدَعْها إذا شِئْتَ واسْتَأْنِسِ وَلَيْسَ عَلى القَلْبِ أمَرُّ مِن وحْشَةِ الذَّنْبِ عَلى الذَّنْبِ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ. وَمِنها: الوَحْشَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، ولاسِيَّما أهْلُ الخَيْرِ مِنهُمْ، فَإنَّهُ يَجِدُ وحْشَةً بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، وكُلَّما قَوِيَتْ تِلْكَ الوَحْشَةُ بَعُدَ مِنهم ومِن مُجالَسَتِهِمْ، وحُرِمَ بَرَكَةَ الِانْتِفاعِ بِهِمْ، وقَرُبَ مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ، بِقَدْرِ ما بَعُدَ مِن حِزْبِ الرَّحْمَنِ، وتَقْوى هَذِهِ الوَحْشَةُ حَتّى تَسْتَحْكِمَ، فَتَقَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ ووَلَدِهِ وأقارِبِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، فَتَراهُ مُسْتَوْحِشًا مِن نَفْسِهِ. وَذَكَرَ أيْضًا عَنْ وكِيعٍ حَدَّثَنا زَكَرِيّا عَنْ عامِرٍ قالَ: كَتَبَتْ عائِشَةُ إلى مُعاوِيَةَ: أمّا بَعْدُ: فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ عَدَّ حامِدَهُ مِنَ النّاسِ ذامًّا. ذَكَرَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: لِيَحْذَرِ امْرُؤٌ أنْ تَلْعَنَهُ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ، ثُمَّ قالَ: أتَدْرِي مِمَّ هَذا؟ قُلْتُ: لا، قالَ: إنَّ العَبْدَ يَخْلُو بِمَعاصِي اللَّهِ فَيُلْقِي اللَّهُ بُغْضَهُ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِ الزُّهْدِ لِأبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ لَمّا رَكِبَهُ الدَّيْنُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَقالَ: إنِّي لَأعْرِفُ هَذا الغَمَّ بِذَنْبٍ أصَبْتُهُ مُنْذُ أرْبَعِينَ سَنَةً. قَدْ لا يُؤَثِّرُ الذَّنْبُ في الحالِ وَهاهُنا نُكْتَةٌ دَقِيقَةٌ يَغْلَطُ فِيها النّاسُ في أمْرِ الذَّنْبِ، وهي أنَّهم لا يَرَوْنَ تَأْثِيرَهُ في الحالِ، وقَدْ يَتَأخَّرُ تَأْثِيرُهُ فَيُنْسى، ويَظُنُّ العَبْدُ أنَّهُ لا يُغَبِّرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأنَّ الأمْرَ كَما قالَ القائِلُ: ؎إذا لَمْ يُغَبِّرْ حائِطٌ في وُقُوعِهِ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ الوُقُوعِ غُبارُ وَسُبْحانَ اللَّهِ! ماذا أهْلَكَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ مِنَ الخَلْقِ؟ وكَمْ أزالَتْ غُبارَ نِعْمَةٍ؟ وكَمْ جَلَبَتْ مِن نِقْمَةٍ؟ وما أكْثَرَ المُغْتَرِّينَ بِها العُلَماءِ والفُضَلاءِ، فَضْلًا عَنِ الجُهّالِ، ولَمْ يَعْلَمِ المُغْتَرُّ أنَّ الذَّنْبَ يَنْقَضُّ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، كَما يَنْقَضُّ السُّمُّ، وكَما يَنْقَضُّ الجُرْحُ المُنْدَمِلُ عَلى الغِشِّ والدَّغَلِ. وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: اعْبُدُوا اللَّهَ كَأنَّكم تَرَوْنَهُ، وعُدُّوا أنْفُسَكم مِنَ المَوْتى، واعْلَمُوا أنَّ قَلِيلًا يُغْنِيكُمْ، خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ يُلْهِيكُمْ، واعْلَمُوا أنَّ البِرَّ لا يَبْلى، وأنَّ الإثْمَ لا يُنْسى. وَنَظَرَ بَعْضُ العُبّادِ إلى صَبِيٍّ، فَتَأمَّلَ مَحاسِنَهُ، فَأُتِيَ في مَنامِهِ وقِيلَ لَهُ: لَتَجِدَنَّ غِبَّها بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً. هَذا مَعَ أنَّ لِلذَّنْبِ نَقْدًا مُعَجَّلًا لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ، قالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُصِيبُ الذَّنْبَ في السِّرِّ فَيُصْبِحُ وعَلَيْهِ مَذَلَّتُهُ. وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيُّ عَجِبْتُ مِن ذِي عَقْلٍ يَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ لا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ، ثُمَّ هو يُشْمِتُ بِنَفْسِهِ كُلَّ عَدُوٍّ لَهُ، قِيلَ: وكَيْفَ ذَلِكَ؟ قالَ يَعْصِي اللَّهَ ويَشْمَتُ بِهِ في القِيامَةِ كُلُّ عَدُوٍّ. وَقالَ ذُو النُّونِ: مَن خانَ اللَّهَ في السِّرِّ هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَهُ في العَلانِيَةِ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنِّي لَأعْصِي اللَّهَ فَأرى ذَلِكَ في خُلُقِ دابَّتِي، وامْرَأتِي. وَمِنها: تَعْسِيرُ أُمُورِهِ عَلَيْهِ، فَلا يَتَوَجَّهُ لِأمْرٍ إلّا يَجِدُهُ مُغْلَقًا دُونَهُ أوْ مُتَعَسِّرًا عَلَيْهِ، وهَذا كَما أنَّ مَن تَلَقّى اللَّهَ جَعَلَ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا، فَمَن عَطَّلَ التَّقْوى جَعَلَ لَهُ مِن أمْرِهِ عُسْرًا، ويا لَلَّهِ العَجَبُ! كَيْفَ يَجِدُ العَبْدُ أبْوابَ الخَيْرِ والمَصالِحِ مَسْدُودَةً عَنْهُ وطُرُقَها مُعَسَّرَةً عَلَيْهِ، وهو لا يَعْلَمُ مِن أيْنَ أُتِيَ؟ وَمِنها: ظُلْمَةٌ يَجِدُها في قَلْبِهِ حَقِيقَةً يَحِسُّ بِها كَما يَحِسُّ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ إذا ادْلَهَمَّ، فَتَصِيرُ ظُلْمَةُ المَعْصِيَةِ لِقَلْبِهِ كالظُّلْمَةِ الحِسِّيَّةِ لِبَصَرِهِ، فَإنَّ الطّاعَةَ نُورٌ، والمَعْصِيَةَ ظُلْمَةٌ، وكُلَّما قَوِيَتِ الظُّلْمَةُ ازْدادَتْ حَيْرَتُهُ، حَتّى يَقَعَ في البِدَعِ والضَّلالاتِ والأُمُورِ المُهْلِكَةِ وهو لا يَشْعُرُ، كَأعْمى أُخْرِجَ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ يَمْشِي وحْدَهُ، وتَقْوى هَذِهِ الظُّلْمَةُ حَتّى تَظْهَرَ في العَيْنِ، ثُمَّ تَقْوى حَتّى تَعْلُوَ الوَجْهَ، وتَصِيرُ سَوادًا في الوَجْهِ حَتّى يَراهُ كُلُّ أحَدٍ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلْحَسَنَةِ ضِياءً في الوَجْهِ، ونُورًا في القَلْبِ، وسَعَةً في الرِّزْقِ، وقُوَّةً في البَدَنِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوادًا في الوَجْهِ، وظُلْمَةً في القَبْرِ والقَلْبِ، ووَهْنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ. وَمِنها أنَّ المَعاصِيَ تُوهِنُ القَلْبَ والبَدَنَ، أمّا وهْنُها لِلْقَلْبِ فَأمْرٌ ظاهِرٌ، بَلْ لا تَزالُ تُوهِنُهُ حَتّى تُزِيلَ حَياتَهُ بِالكُلِّيَّةِ. وَأمّا وهْنُها لِلْبَدَنِ فَإنَّ المُؤْمِنَ قُوَّتُهُ مِن قَلْبِهِ، وكُلَّما قَوِيَ قَلْبُهُ قَوِيَ بَدَنُهُ، وأمّا الفاجِرُ فَإنَّهُ - وإنْ كانَ قَوِيَّ البَدَنِ - فَهو أضْعَفُ شَيْءٍ عِنْدَ الحاجَةِ، فَتَخُونُهُ قُوَّتُهُ عِنْدَ أحْوَجِ ما يَكُونُ إلى نَفْسِهِ فَتَأمَّلْ قُوَّةَ أبْدانِ فارِسَ والرُّومِ، كَيْفَ خانَتْهُمْ، أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها، وقَهَرَهم أهْلُ الإيمانِ بِقُوَّةِ أبْدانِهِمْ وقُلُوبِهِمْ؟ وَمِنها: حِرْمانُ الطّاعَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلذَّنْبِ عُقُوبَةٌ إلّا أنْ يَصُدَّ عَنْ طاعَةٍ تَكُونُ بَدَلَهُ، ويَقْطَعَ طَرِيقَ طاعَةٍ أُخْرى، فَيَنْقَطِعَ عَلَيْهِ بِالذَّنْبِ طَرِيقٌ ثالِثَةٌ، ثُمَّ رابِعَةٌ، وهَلُمَّ جَرًّا، فَيَنْقَطِعُ عَلَيْهِ بِالذَّنْبِ طاعاتٌ كَثِيرَةٌ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها، وهَذا كَرَجُلٍ أكَلَ أكْلَةً أوْجَبَتْ لَهُ مِرْضَةً طَوِيلَةً مَنَعَتْهُ مِن عِدَّةِ أكَلاتِ أطْيَبَ مِنها، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَمِنها: أنَّ المَعاصِيَ تُقَصِّرُ العُمُرَ وتَمْحَقُ بَرَكَتَهُ ولا بُدَّ، فَإنَّ البِرَّ كَما يَزِيدُ في العُمُرِ، فالفُجُورُ يُقَصِّرُ العُمُرَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ. فَقالَتْ طائِفَةٌ: نُقْصانُ عُمُرِ العاصِي هو ذَهابُ بَرَكَةِ عُمُرِهِ ومَحْقُها عَلَيْهِ، وهَذا حَقٌّ، وهو بَعْضُ تَأْثِيرِ المَعاصِي. وَقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ تُنْقِصُهُ حَقِيقَةً، كَما تُنْقِصُ الرِّزْقَ، فَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْبَرَكَةِ في الرِّزْقِ أسْبابًا كَثِيرَةً تُكَثِّرُهُ وتَزِيدُهُ، ولِلْبَرَكَةِ في العُمُرِ أسْبابًا تُكَثِّرُهُ وتَزِيدُهُ. قالُوا ولا تُمْنَعُ زِيادَةُ العُمُرِ بِأسْبابٍ كَما يُنْقَصُ بِأسْبابٍ، فالأرْزاقُ والآجالُ، والسَّعادَةُ والشَّقاوَةُ، والصِّحَّةُ والمَرَضُ، والغِنى والفَقْرُ، وإنْ كانَتْ بِقَضاءِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، فَهو يَقْضِي ما يَشاءُ بِأسْبابٍ جَعَلَها مُوجِبَةً لِمُسَبَّباتِها مُقْتَضِيَةً لَها. وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: تَأْثِيرُ المَعاصِي في مَحْقِ العُمُرِ إنَّما هو بِأنَّ حَقِيقَةَ الحَياةِ هي حَياةُ القَلْبِ، ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكافِرَ مَيِّتًا غَيْرَ حَيٍّ، كَما قالَ تَعالى، ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]. فالحَياةُ في الحَقِيقَةِ حَياةُ القَلْبِ، وعُمُرُ الإنْسانِ مُدَّةُ حَيّاتِهِ فَلَيْسَ عُمُرُهُ إلّا أوْقاتَ حَياتِهِ بِاللَّهِ، فَتِلْكَ ساعاتُ عُمُرِهِ، فالبِرُّ والتَّقْوى والطّاعَةُ تَزِيدُ في هَذِهِ الأوْقاتِ الَّتِي هي حَقِيقَةُ عُمُرِهِ، ولا عُمُرَ لَهُ سِواها. وَبِالجُمْلَةِ، فالعَبْدُ إذا أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ واشْتَغَلَ بِالمَعاصِي ضاعَتْ عَلَيْهِ أيّامُ حَياتِهِ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يَجِدُ غِبَّ إضاعَتِها يَوْمَ يَقُولُ: ﴿يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤]. فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ تَطَلُّعٌ إلى مَصالِحِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ أوْ لا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَطَلُّعٌ إلى ذَلِكَ فَقَدْ ضاعَ عَلَيْهِ عُمُرُهُ كُلُّهُ، وذَهَبَتْ حَياتُهُ باطِلًا، وإنْ كانَ لَهُ تَطَلُّعٌ إلى ذَلِكَ طالَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ بِسَبَبِ العَوائِقِ، وتَعَسَّرَتْ عَلَيْهِ أسْبابُ الخَيْرِ بِحَسْبِ اشْتِغالِهِ بِأضْدادِها، وذَلِكَ نُقْصانٌ حَقِيقِيٌّ مِن عُمُرِهِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّ عُمُرَ الإنْسانِ مُدَّةُ حَيّاتِهِ ولا حَياةَ لَهُ إلّا بِإقْبالِهِ عَلى رَبِّهِ، والتَّنَعُّمِ بِحُبِّهِ وذِكْرِهِ، وإيثارِ مَرْضاتِهِ. (فصل) وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ اختلف فيه: هل هو من عمى البصيرة، أو من عمى البصر؟ والذين قالوا: هو من عمى البصيرة إنما حملهم على ذلك قوله: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ. ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ ونظائر هذا مما أثبت لهم الرؤية في الآخرة. كقوله تعالى: ﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وقوله: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا. هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أفَسِحْرٌ هذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾. والذين رجحوا أنه من عمى البصر قالوا: السياق لا يدل إلا عليه. لقوله: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ وهو لم يكن بصيرا في كفره قط، بل قد تبين له حينئذ أنه كان في الدنيا في عمى عن الحق، فكيف يقول: وقد كنت بصيرا؟ وكيف يجاب بقوله: ﴿كَذلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ بل هذا الجواب فيه تنبيه على أنه من عمى البصر، وأنه جوزي من جنس عمله. فإنه لما أعرض عن الذكر الذي بعث الله به رسوله وعميت عنه بصيرته: أعمى الله بصره يوم القيامة. وتركه في العذاب، كما ترك هو الذكر في الدنيا، فجازاه على عمى بصيرته عمى بصره في الآخرة. وعلى تركه ذكره تركه في العذاب. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾. وقد قيل في هذه الآية أيضا: إنهم عمى وبكم وصم عن الهدى، كما قيل في قوله «ونحشره يوم القيامة أعمى، قالوا: لأنهم يتكلمون يومئذ ويسمعون ويبصرون». ومن نصر أنه العمى والبكم والصم المضاد للبصر والسمع والنطق قال بعضهم: هو عمى وصمم وبكم مقيد لا مطلق. فهم عمى عن رؤية ما يسرهم وسماعه. ولهذا قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال «لا يرون شيئا يسرهم». وقال آخرون: هذا الحشر حين تتوفاهم الملائكة يخرجون من الدنيا كذلك فإذا قاموا من قبورهم إلى الموقف قاموا كذلك. ثم إنهم يسمعون ويبصرون فيما بعد. وهذا مروي عن الحسن. وقال آخرون: هذا إنما يكون إذا دخلوا النار واستقروا فيها سلبوا الأسماع والأبصار والنطق، حين يقول لهم الرب تبارك وتعالى: ﴿اخْسَؤُا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فحينئذ ينقطع الرجاء وتبكم عقولهم، فيصيرون بأجمعهم عميا بكما صما لا يبصرون ولا يسمعون ولا ينطقون، ولا يسمع منهم إلا الزفير والشهيق. وهذا منقول عن مقاتل. والذين قالوا: المراد به العمى عن الحجة إنما مرادهم: أنهم لا حجة لهم، ولم يريدوا أن لهم لهم حجة هم عمى عنها، بل هم عمى عن الهدى، كما كانوا في الدنيا. فإن العبد يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه. وبهذا يظهر أن الصواب هو القول الآخر، وأنه عمى البصر. فإن الكافر يعلم الحق يوم القيامة عيانا، ويقر بما كان يجحده في الدنيا. فليس هو أعمى عن الحق يومئذ. وفصل الخطاب: أن الحشر هو الضم والجمع، ويراد به تارة: الحشر إلى موقف القيامة. كقول النبي ﷺ «انكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا» وكقوله تعالى: ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ويراد به الضم والجمع إلى دار المستقر. فحشر المتقين: جمعهم وضمهم إلى الجنة. وحشر الكافرين: جمعهم وضمهم إلى النار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمنِ وفْدًا﴾ وقال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فهذا الحشر هو بعد حشرهم إلى الموقف، وهو حشرهم وضمهم إلى النار. لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: ٣٧: ٢١ يا ويْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ. هذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ثم قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ وهذا الحشر الثاني. وعلى هذا فهم ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف، والحشر الثاني من الموقف إلى النار، فعند الحشر الأول: يسمعون ويبصرون، ويجادلون، ويتكلمون وعند الحشر الثاني: يحشرون على وجوههم عميا وبكما وصما. فلكل موقف حال يليق به، ويقتضيه عدل الرب تعالى، وحكمته. فالقرآن يصدق بعضه بعضا ﴿وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.

طه 20:132

(فصل: في الفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة) الفرق بين هذه الأسماء بحسب حال العبد في نفسه وحاله مع غيره فإن حبس نفسه ومنعها عن إجابة داعي ما لا يحسن إن كان خلقا له وملكه سمي صبرا وإن كان بتكلف وتمرن وتجرع لمرارته سمي تصبرا كما يدل عليه هذا البناء لغة فإنه موضوع للتكلف كالتحلم والتشجع والتكرم والتحمل ونحوها وإذا تكلفه العبد واستدعاه صار سجية له كما في الحديث عن النبي أنه قال "ومن يتصبر يصبره الله" وكذلك العبد يتكلف التعفف حتى يصير التعفف له سجية كذلك سائر الأخلاق وهي مسألة اختلف فيها الناس هل يمكن اكتساب واحد منها أو التخلق لا يصير خلقا أبدا كما قال الشاعر: ؎يراد من القلب نسيانكم ∗∗∗ وتأبى الطباع على الناقل وقال آخر ؎يا أيها المتحلى غير شيمته ∗∗∗ أن التخلق يأتي دونه الخلق فقبح التطبع شيمة المطبوع ... قالوا وقد فرغ الله سبحانه من الخلق والخلق والرزق والأجل وقالت طائفة أخرى بل يمكن اكتساب الخلق كما يكتسب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة والوجود شاهد بذلك قالوا والمزاولات تعطى الملكات ومعنى هذا أن من زاول شيئا واعتاده وتمرن عليه صار ملكه له وسجيه وطبيعه قالوا والعوائد تنقل الطبائع فلا يزال العبد يتكلف التصبر حتى يصير الصبر له سجية كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقا بمنزلة الطبائع قالوا وقد جعل الله سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل غير أن هذا الانتقال قد يكون ضعيفا فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث وقد يكون قويا ولكن لم ينقل الطبع فقد يعود إلى طبعه إذا قوى الباعث واشتد وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبه طبعا ثانيا فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذي انتقل عنه. وأما الاصطبار فهو أبلغ من التصبر فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب، فالتصبر مبدأ الاصطبار، كما أن التكسب مقدمة الاكتساب فلا يزال التصبر يتكرر حتى يصير اصطبارا. وأما المصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر فإنها مفاعلة تستدعى وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة قال الله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه والمصابرة وهي حاله في الصبر مع خصمه والمرابطة وهي الثبات واللزوم والاقامة على الصبر والمصابرة فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ولا يرابط وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله التقوى وأن الفلاح موقوف عليها فقال ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته. ((الجزء العاشر))