Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الأنبياء 21:1 – الحج 22:78

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الأنبياء 21:1
  2. الأنبياء 21:2
  3. الأنبياء 21:3
  4. الأنبياء 21:5
  5. الأنبياء 21:17
  6. الأنبياء 21:19
  7. الأنبياء 21:20
  8. الأنبياء 21:21
  9. الأنبياء 21:22
  10. الأنبياء 21:23
  11. الأنبياء 21:28
  12. الأنبياء 21:35
  13. الأنبياء 21:42
  14. الأنبياء 21:47
  15. الأنبياء 21:49
  16. الأنبياء 21:51
  17. الأنبياء 21:52
  18. الأنبياء 21:62
  19. الأنبياء 21:63
  20. الأنبياء 21:69
  21. الأنبياء 21:78
  22. الأنبياء 21:79
  23. الأنبياء 21:83
  24. الأنبياء 21:87
  25. الأنبياء 21:88
  26. الأنبياء 21:90
  27. الأنبياء 21:101
  28. الأنبياء 21:104
  29. الأنبياء 21:105
  30. الأنبياء 21:106
  31. الأنبياء 21:107
  32. الحج 22:1
  33. الحج 22:5
  34. الحج 22:17
  35. الحج 22:18
  36. الحج 22:23
  37. الحج 22:25
  38. الحج 22:26
  39. الحج 22:27
  40. الحج 22:30
  41. الحج 22:31
  42. الحج 22:32
  43. الحج 22:33
  44. الحج 22:34
  45. الحج 22:35
  46. الحج 22:38
  47. الحج 22:39
  48. الحج 22:40
  49. الحج 22:46
  50. الحج 22:52
  51. الحج 22:53
  52. الحج 22:54
  53. الحج 22:70
  54. الحج 22:73
  55. الحج 22:77
  56. الحج 22:78

الأنبياء 21:1

(فائِدَة جليلة) بَين العَبْد وبَين الله والجنَّة قنطرة تقطع بخطوتين خطْوَة عَن نَفسه وخطوة عَن الخلق فَيسْقط نَفسه ويلغيها فِيما بَينه وبَين النّاس ويسْقط النّاس ويلغيهم فِيما بَينه وبَين الله فَلا يلْتَفت إلّا إلى من دله على الله وعَلى الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ صاح بالصحابة واعظُ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُم﴾ فَجَزِعت للخوف قُلُوبهم فجرت من الحذر العُيُون ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدرِها﴾ تزينت الدُّنْيا لعَلي فَقالَ أنْت طالِق ثَلاثًا لا رَجْعَة لي فِيك، وكانَت تكفيه واحِدَة للسن لكنه جمع الثَّلاث لِئَلّا يتَصَوَّر للهوى جَواز المُراجَعَة، ودينه الصَّحِيح وطبعه السَّلِيم يأنفان من المُحَلّل، كَيفَ وهو أحد رُواة حَدِيث لعن الله المُحَلّل. ما في هَذِه الدّار مَوضِع خلْوَة فاتخذه في نَفسك لا بُد أن تجذبك الجواذب، فاعرفها وكن مِنها على حذر. لا تَضُرك الشواغل إذا خلوت مِنها وأنت فِيها. نور الحق أضْوَأ من الشَّمْس فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عَنهُ. الطَّرِيق إلى الله خال من أهل الشَّك، ومن الَّذين يتبعُون الشَّهَوات وهو معمور بِأهْل اليَقِين، والصَّبْر وهم على الطَّرِيق كالأعلام ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يوقنون﴾.

الأنبياء 21:2

وَهَذا السَّماعُ لا يُفِيدُ السّامِعَ إلّا قِيامَ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تُمَكِّنُهُ مِنها. وَأمّا مَقْصُودُ السَّماعِ وثَمَرَتُهُ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَلا يَحْصُلُ مَعَ لَهْوِ القَلْبِ وغَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ، بَلْ يَخْرُجُ السّامِعُ قائِلًا لِلْحاضِرِ مَعَهُ ﴿ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].

الأنبياء 21:3

وَهَذا السَّماعُ لا يُفِيدُ السّامِعَ إلّا قِيامَ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تُمَكِّنُهُ مِنها. وَأمّا مَقْصُودُ السَّماعِ وثَمَرَتُهُ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَلا يَحْصُلُ مَعَ لَهْوِ القَلْبِ وغَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ، بَلْ يَخْرُجُ السّامِعُ قائِلًا لِلْحاضِرِ مَعَهُ ﴿ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].

الأنبياء 21:5

قَوله تَعالى ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ إنَّما مُرادهم جنس الآيَة لا نظيرها. (فائدة) إذا قلت: جاءني زيد بل عمرو فله معنيان: أحدهما: أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وعلى هذا فيكون إضراب نفي. والثاني: أنك أثبت لعمرو المجيء كما أثبته لزيد وأتيت بـ (بل) لنفي الاقتصار على الأول لا لنفي الإسناد إليه بل لنفي الاقتصار على الإسناد إليه ويسمى إضراب اقتصار وهذا أكثر استعمالا في القرآن وغيره كقوله تعالى: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ وكقوله: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ ونظائره ويسمى هذا إضرابا وخروجا من قصة إلى قصة. وإذا قلت: ما جاءني زيد بل عمرو فله معنيان: أحدهما: أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وهذا قول الأكثرين. والثاني: أنك نفيت المجيء عنهما معا فنسبت إلى الثاني حكم الأول وأنت حكمت على الأول بالنفي ثم نسبت هذا الحكم إلى الثاني. والتحقيق في أمر هذا الحرف أنه يذكر لتقرير ما بعده نفيا كان أو إثباتا فالنظر فيه في أمرين فيما قبله فيما بعده ولما لم يفصل كثير من النحاة بين هذين النظرين وقع في كلامهم تخليط كثير في معناه فنقول أما حكم ما بعده فالتقرير والتحقيق وهو شبيه بمصحوب قد وتجريد العناية بالكلام إلي ما بعده أهم عندهم من الاغتناء بما قبله فقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ المقصود تقرير هذه الجملة لا الإضراب عن قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وكذلك قوله: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ المقصود تقرير هذا النفي وتحقيقه لا الإضراب عن قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ وكذلك إذا وقعت بين جملتين متضادتين أفادت تقرير كل واحدة منهما كقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فالمقصود تقرير الطلب والخبر وكذلك قولك لا تضرب زيدا بل اضرب عمرا وكذلك ما قام زيد بل قام عمرو فهي في ذلك كله لتقرير جملتين وكذلك قوله تعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إيّاهُ تَدْعُون﴾ المعنى أنكم إذا نزل بكم هذا الأمر العظيم لا تدعون غير الله بل تدعونه وحده فهو تقرير لترك دعائهم آلهتهم ولدعائهم الإله الحق وحده فيدخل في مثل ذلك على مقرر بعد مقرر والأول تارة يكون تقريره توطئة للثاني كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلّ﴾ وتارة لا يكون توطئة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ وتارة يدخل على كلام مقرر بعد كلام مردود كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وفي مثل هذا يظهر معنى الإضراب وليس المراد بهم إضراب عن الذكر بل الإضراب عن المذكور ونفيه وإبطاله وتارة يأتي لتقرير كلام بعد كلام قد رجع عنه المتكلم إما لغلط أو لظهور رأى أو لعروض نسيان وذلك كله إما في الإخبار وإما في المخبر به فمثال الأول أن تقول: أنت عبدي بل سيدي ومثال الثاني لاح برق بل ضوء نار ومثال الثالث خذ هذا بل هذا ومثال الرابع شربت عسلا بل لبنا وتأتي مع التكرار لقصد ما بعدها بالأولوية والذكر دون نفي ما قبلها كقوله تعالى: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِر﴾ فهم لم يقصدوا إبطال ما قبل كل واحدة بل قصدوا أولوية المتأخر بالقصد إليه والاعتماد عليه مع ثبوت ما قبله وكذلك قوله تعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فليس القصد نفي إدراك علمهم في الآخرة ولا نفي شكهم فيها فتأمله. ومن مواردها مجيئها بعد قسم لم يذكر جوابه فيتضمن تحقيق ما بعدها وتقريره ويتضمن ذلك مع القسم تحقيق ما قصده بالقسم وتقريره.

الأنبياء 21:17

انظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. احتج به سبحانه على النصارى مبطلا لدعوى إلهية المسيح بقوله ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ فأخبر أن هذا الذي أضافه من نسبة الولد إلى الله من مشركي العرب والنصارى غير سائغ في العقول إذا تأمله المتأمل ولو أراد الله أن يفعل هذا لكان يصطفي لنفسه، ويجعل هذا الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي الموصوف بالخلوص والنقاء من عوارض البشر المجبول على الثبات والبقاء، لا من جوهر هذا العالم الفاني الدائر الكثير الأوساخ والأدناس والأقذار. ولما كان هذا الحجاج كما ترى في هذه القوة والجلالة أتبعه بقول ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ لِكُلِّ واصِفٍ كَذِبًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الأنبياء 21:19

الوَقْفُ التّامُّ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هاهُنا، ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ فَهُما جُمْلَتانِ تامَّتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، أيْ إنَّ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ عَبِيدًا ومِلْكًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً أُخْرى فَقالَ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يَعْنِي لا يَأْنَفُونَ عَنْها، ولا يَتَعاظَمُونَ ولا يَسْتَحْسِرُونَ، فَيَعْيَوْنَ ويَنْقَطِعُونَ يُقالُ: حَسِرَ واسْتَحْسَرَ، إذا تَعِبَ وأعْيا بَلْ عِبادَتُهم وتَسْبِيحُهم كالنَّفَسِ لِبَنِي آدَمَ، فالأوَّلُ وصْفٌ لِعَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ، والثّانِي وصْفٌ لِعَبِيدِ إلَهِيَّتِهِ.

الأنبياء 21:20

الوَقْفُ التّامُّ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هاهُنا، ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ فَهُما جُمْلَتانِ تامَّتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، أيْ إنَّ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ عَبِيدًا ومِلْكًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً أُخْرى فَقالَ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يَعْنِي لا يَأْنَفُونَ عَنْها، ولا يَتَعاظَمُونَ ولا يَسْتَحْسِرُونَ، فَيَعْيَوْنَ ويَنْقَطِعُونَ يُقالُ: حَسِرَ واسْتَحْسَرَ، إذا تَعِبَ وأعْيا بَلْ عِبادَتُهم وتَسْبِيحُهم كالنَّفَسِ لِبَنِي آدَمَ، فالأوَّلُ وصْفٌ لِعَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ، والثّانِي وصْفٌ لِعَبِيدِ إلَهِيَّتِهِ.

الأنبياء 21:21

وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتا﴾ فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه. (فائدة) اعلمْ أنّ قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلهًا حقًا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل له، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها، إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار ويستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين. إذا عرف هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته ولا في خوفه ولا في رجائه ولا في التوكل عليه ولا في العمل له ولا في الحلف به ولا في النذر له ولا في الخضوع له ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها. بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك. بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في وقت ثم يتعذب به ولا بد في وقت آخر، وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحُجَّة البالغة كما له النعمة السابغة. والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل، والذي أينما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هي فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة، ولهذا قال إمام الحنفاء: ﴿لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] والله أعلم. (فائدة) تأمل كَيفَ ساق الآية في الإنكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لا تساويه فسواها بِهِ مَعَ أعظم الفرق. فَقَوله ﴿لا يسْأل عَمّا يفعل﴾ إثبات لحقيقة الإلهية وإفراده لَهُ بالربوبية والإلهية. وَقَوله ﴿وهم يسْألُون﴾ في صَلاح تِلْكَ الإلهة المتخذة للإلهية فإنها مسئولة مربوبة مُدبرَة. فَكيف يسوى بَينها وبَينه مَعَ أعظم الفرْقان؟! فَهَذا الَّذِي سيق لَهُ الكَلام فَجَعلها الجبرية ملْجأ ومعقلا في إنْكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة. والله المُوفق للصَّواب. [فَصْلٌ: الحُبُّ أصْلُ الحَرَكَةِ] وَكُلُّ حَرَكَةٍ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ فَأصْلُها المَحَبَّةُ، فَهي عَلَيْها الفاعِلِيَّةُ والغائِيَّةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَرَكاتِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: حَرَكَةٌ اخْتِيارِيَّةٌ إرادِيَّةٌ، وحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، وحَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ. والحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ أصْلُها السُّكُونُ، وإنَّما يَتَحَرَّكُ الجِسْمُ إذا خَرَجَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ ومَرْكَزِهِ الطَّبِيعِيِّ، فَهو يَتَحَرَّكُ لِلْعَوْدِ إلَيْهِ، وخُرُوجُهُ عَنْ مَرْكَزِهِ ومُسْتَقَرِّهِ إنَّما هو بِتَحْرِيكِ القاصِرِ المُحَرِّكِ لَهُ، فَلَهُ حَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ تَتَحَرَّكُ بِتَحْرِيكِ مُحَرِّكِهِ وقاسِرِهِ، وحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ بِذاتِها يَطْلُبُ بِها العَوْدَ إلى مَرْكَزِهِ، وكِلا حَرَكَتَيْهِ تابِعَةٌ لِلْقاسِرِ المُحَرِّكِ، فَهو أصْلُ الحَرَكَتَيْنِ. والحَرَكَةُ الِاخْتِيارِيَّةُ الإرادِيَّةُ هي أصْلُ الحَرَكَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، وهي تابِعَةٌ لِلْإرادَةِ والمَحَبَّةِ. والدَّلِيلُ عَلى انْحِصارِ الحَرَكاتِ في هَذِهِ الثَّلاثِ: أنَّ المُتَحَرِّكَ إنْ كانَ لَهُ شُعُورٌ بِالحَرَكَةِ فَهي الإرادِيَّةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شُعُورٌ بِها، فَإمّا أنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ طَبْعِهِ أوْ لا، فالأُولى هي الطَّبِيعِيَّةُ، والثّانِيَةُ القَسْرِيَّةُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَما في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِن حَرَكاتِ الأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والرِّياحِ والسَّحابِ والمَطَرِ والنَّباتِ وحَرَكاتِ الأجِنَّةِ في بُطُونِ أُمَّهاتِها، فَإنَّما هي بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ والمُدَبِّراتِ أمْرًا والمُقَسِّماتِ أمْرًا، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ في نُصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. والإيمانُ بِذَلِكَ مِن تَمامِ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ، فَإنَّ اللَّهَ وكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلائِكَةً، وبِالقَطْرِ مَلائِكَةً، وبِالنَّباتِ مَلائِكَةً، وبِالرِّياحِ مَلائِكَةً، وبِالأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَبْدٍ أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ، كاتِبَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، وحافِظَيْنِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، ووَكَّلَ مَلائِكَةً بِقَبْضِ رُوحِهِ وتَجْهِيزِها إلى مُسْتَقَرِّها في الجَنَّةِ والنّارِ، ومَلائِكَةً بِمُساءَلَتِهِ وامْتِحانِهِ في قَبْرِهِ، ومَلائِكَةً بِتَعْذِيبِهِ في النّارِ أوْ نَعِيمِهِ في الجَنَّةِ، ووَكَّلَ بِالجِبالِ مَلائِكَةً، وبِالسَّحابِ مَلائِكَةً تَسُوقُهُ حَيْثُ أُمِرَتْ بِهِ، وبِالقَطْرِ مَلائِكَةً تَنْزِلُ بِأمْرِ اللَّهِ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ كَما شاءَ اللَّهُ، ووَكَّلَ مَلائِكَةً بِغَرْسِ الجَنَّةِ وعَمَلِ آلَتِها وفُرُشِها والقِيامِ عَلَيْها، ومَلائِكَةً بِالنّارِ كَذَلِكَ. فَأعْظَمُ جُنْدِ اللَّهِ المَلائِكَةُ، ولَفْظُ المَلَكِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ رَسُولٌ مُنَفِّذُ غَيْرِهِ ولَيْسَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وهم يُدَبِّرُونَ الأمْرَ ويُقَسِّمُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ وإذْنِهِ، قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْهُمْ: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]. وَأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ المُنَفِّذِينَ لِأمْرِهِ في الخَلِيفَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا - فالزّاجِراتِ زَجْرًا - فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١-٣]. وَقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا - فالعاصِفاتِ عَصْفًا - والنّاشِراتِ نَشْرًا - فالفارِقاتِ فَرْقًا - فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا - عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١-٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا - والنّاشِطاتِ نَشْطًا - والسّابِحاتِ سَبْحًا - فالسّابِقاتِ سَبْقًا - فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ١-٥]. وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ذَلِكَ وسِرَّ الإقْسامِ بِهِ في كِتابِ (التِّبْيانِ في أقْسامِ القُرْآنِ). وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ تِلْكَ المُحَبّاتِ والمُحَرِّكاتِ والإراداتِ والأفْعالِ: هي عِبادَةٌ مِنهم لِرَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، وجَمِيعُ الحَرَكاتِ الطَّبِيعِيَّةِ والقَسْرِيَّةِ تابِعَةٌ لَها، فَلَوْلا الحُبُّ ما دارَتِ الأفْلاكُ، ولا تَحَرَّكَتِ الكَواكِبُ النَّيِّراتُ، ولا هَبَّتِ الرِّياحُ المُسَخَّراتُ، ولا مَرَّتِ السُّحُبُ الحامِلاتُ، ولا تَحَرَّكَتِ الأجِنَّةُ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ، ولا انْصَدَعَ عَنِ الحَبِّ أنْواعُ النَّباتِ، ولا اضْطَرَبَتْ أمْواجُ الزّاخِراتِ، ولا تَحَرَّكَتِ المُدَبِّراتُ والمُقْسِّماتُ، ولا سَبَّحَتْ بِحَمْدِ فاطِرِها الأرَضُونَ والسَّماواتُ، وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، فَسُبْحانَ مَن: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. [فَصْلٌ: الحُبُّ لِلَّهِ وحْدَهُ] فَإذا عُرِفَ ذَلِكَ فَكُلُّ حَيٍّ لَهُ إرادَةٌ ومَحَبَّةٌ وعَمَلٌ بِحَسَبِهِ، وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ فَأصْلُ حَرَكَتِهِ المَحَبَّةُ والإرادَةُ، ولا صَلاحَ لِلْمَوْجُوداتِ إلّا بِأنْ تَكُونَ حَرَكاتُها ومَحَبَّتُها لِفاطِرِها وبارِئِها وحْدَهُ، كَما لا وُجُودَ لَها إلّا بِإبْداعِهِ وحْدَهُ. وَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وَلَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: لَما وُجِدَتا ولَكانَتا مَعْدُومَتَيْنِ، ولا قالَ: لَعُدِمَتا، إذْ هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُبْقِيَهُما عَلى وجْهِ الفَسادِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونا عَلى وجْهِ الصَّلاحِ والِاسْتِقامَةِ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو مَعْبُودَهُما، ومَعْبُودَ ما حَوَتاهُ وسَكَنَ فِيهِما، فَلَوْ كانَ في العالَمِ إلَهانِ لَفَسَدَ نِظامُهُ غايَةَ الفَسادِ، فَإنَّ كُلَّ إلَهٍ كانَ يَطْلُبُ مُغالَبَةَ الآخَرِ، والعُلُوَّ عَلَيْهِ، وتَفَرُّدَهُ دُونَهُ بِإلَهِيَّتِهِ، إذِ الشَّرِكَةُ نَقْصٌ في كَمالِ الإلَهِيَّةِ، والإلَهُ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ إلَهًا ناقِصًا، فَإنْ قَهَرَ أحَدُهُما الآخَرَ كانَ هو الإلَهَ وحْدَهُ، والمَقْهُورُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنْ لَمْ يَقْهَرْ أحَدُهُما الآخَرَ لَزِمَ عَجْزُ كُلٍّ مِنهُما، ولَمْ يَكُنْ تامَّ الإلَهِيَّةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ فَوْقَهُما إلَهٌ قاهِرٌ لَهُما حاكِمٌ عَلَيْهِما، وإلّا ذَهَبَ كُلٌّ مِنهُما بِما خَلَقَ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهُما العُلُوَّ عَلى الآخَرِ، وفي ذَلِكَ فَسادُ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيها، كَما هو المَعْهُودُ مِن فَسادِ البَلَدِ إذا كانَ فِيها مَلِكانِ مُتَكافِئانِ، وفَسادِ الزَّوْجَةِ إذا كانَ لَها بَعْلانِ، والشَّوْلِ: إذا كانَ فِيهِ فَحْلانِ. وَأصْلُ فَسادِ العالَمِ إنَّما هو مِنَ اخْتِلافِ المُلُوكِ والخُلَفاءِ، ولِهَذا لَمْ يَطْمَعْ أعْداءُ الإسْلامِ فِيهِ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمِنَةِ إلّا في زَمَنِ تَعَدُّدِ المُلُوكِ مِنَ المُسْلِمِينَ واخْتِلافِهِمْ، وانْفِرادِ كُلٍّ مِنهم بِبِلادٍ، وطَلَبِ بَعْضِهُمُ العُلُوَّ عَلى بَعْضٍ. فَصَلاحُ السَّماواتِ والأرْضِ واسْتِقامَتُها، وانْتِظامُ أمْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى أتَمِّ نِظامٍ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن لَدُنْ عَرْشِهِ إلى قَرارِ أرْضِهِ باطِلٌ إلّا وجْهَهُ الأعْلى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ - عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١-٩٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ - لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ - لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١-٢٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. فَقِيلَ: لابْتَغَوُا السَّبِيلَ إلَيْهِ بِالمُغالَبَةِ والقَهْرِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾. قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والصَّحِيحُ أنَّ المَعْنى: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ وطاعَتِهِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ؟ وهم لَوْ كانُوا آلِهَةً كَما يَقُولُونَ لَكانُوا عَبِيدًا لَهُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا وُجُوهٌ: مِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي هم عِبادِي كَما أنْتُمْ عِبادِي، ويَرْجُونَ رَحْمَتِي ويَخافُونَ عَذابِي، فَلِماذا تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي؟ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لابْتَغَوْا عَلَيْهِ سَبِيلًا، بَلْ قالَ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا، وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّقَرُّبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وَأمّا في المُغالَبَةِ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. والثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَقُولُوا إنَّ آلِهَتَهم تُغالِبُهُ وتَطْلُبُ العُلُوَّ عَلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ وهم إنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آلِهَتَهم تَبْتَغِي التَّقَرُّبَ إلَيْهِ وتُقَرِّبُهم زُلْفى إلَيْهِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ لَكانَتْ تِلْكَ الآلِهَةُ عَبِيدًا لَهُ، فَلِماذا تَعْبُدُونَ عَبِيدَهُ مِن دُونِهِ؟

الأنبياء 21:22

وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتا﴾ فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه. (فائدة) اعلمْ أنّ قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلهًا حقًا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل له، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها، إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار ويستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين. إذا عرف هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته ولا في خوفه ولا في رجائه ولا في التوكل عليه ولا في العمل له ولا في الحلف به ولا في النذر له ولا في الخضوع له ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها. بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك. بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في وقت ثم يتعذب به ولا بد في وقت آخر، وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحُجَّة البالغة كما له النعمة السابغة. والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل، والذي أينما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هي فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة، ولهذا قال إمام الحنفاء: ﴿لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] والله أعلم. (فائدة) تأمل كَيفَ ساق الآية في الإنكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لا تساويه فسواها بِهِ مَعَ أعظم الفرق. فَقَوله ﴿لا يسْأل عَمّا يفعل﴾ إثبات لحقيقة الإلهية وإفراده لَهُ بالربوبية والإلهية. وَقَوله ﴿وهم يسْألُون﴾ في صَلاح تِلْكَ الإلهة المتخذة للإلهية فإنها مسئولة مربوبة مُدبرَة. فَكيف يسوى بَينها وبَينه مَعَ أعظم الفرْقان؟! فَهَذا الَّذِي سيق لَهُ الكَلام فَجَعلها الجبرية ملْجأ ومعقلا في إنْكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة. والله المُوفق للصَّواب. [فَصْلٌ: الحُبُّ أصْلُ الحَرَكَةِ] وَكُلُّ حَرَكَةٍ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ فَأصْلُها المَحَبَّةُ، فَهي عَلَيْها الفاعِلِيَّةُ والغائِيَّةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَرَكاتِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: حَرَكَةٌ اخْتِيارِيَّةٌ إرادِيَّةٌ، وحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، وحَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ. والحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ أصْلُها السُّكُونُ، وإنَّما يَتَحَرَّكُ الجِسْمُ إذا خَرَجَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ ومَرْكَزِهِ الطَّبِيعِيِّ، فَهو يَتَحَرَّكُ لِلْعَوْدِ إلَيْهِ، وخُرُوجُهُ عَنْ مَرْكَزِهِ ومُسْتَقَرِّهِ إنَّما هو بِتَحْرِيكِ القاصِرِ المُحَرِّكِ لَهُ، فَلَهُ حَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ تَتَحَرَّكُ بِتَحْرِيكِ مُحَرِّكِهِ وقاسِرِهِ، وحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ بِذاتِها يَطْلُبُ بِها العَوْدَ إلى مَرْكَزِهِ، وكِلا حَرَكَتَيْهِ تابِعَةٌ لِلْقاسِرِ المُحَرِّكِ، فَهو أصْلُ الحَرَكَتَيْنِ. والحَرَكَةُ الِاخْتِيارِيَّةُ الإرادِيَّةُ هي أصْلُ الحَرَكَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، وهي تابِعَةٌ لِلْإرادَةِ والمَحَبَّةِ. والدَّلِيلُ عَلى انْحِصارِ الحَرَكاتِ في هَذِهِ الثَّلاثِ: أنَّ المُتَحَرِّكَ إنْ كانَ لَهُ شُعُورٌ بِالحَرَكَةِ فَهي الإرادِيَّةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شُعُورٌ بِها، فَإمّا أنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ طَبْعِهِ أوْ لا، فالأُولى هي الطَّبِيعِيَّةُ، والثّانِيَةُ القَسْرِيَّةُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَما في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِن حَرَكاتِ الأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والرِّياحِ والسَّحابِ والمَطَرِ والنَّباتِ وحَرَكاتِ الأجِنَّةِ في بُطُونِ أُمَّهاتِها، فَإنَّما هي بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ والمُدَبِّراتِ أمْرًا والمُقَسِّماتِ أمْرًا، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ في نُصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. والإيمانُ بِذَلِكَ مِن تَمامِ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ، فَإنَّ اللَّهَ وكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلائِكَةً، وبِالقَطْرِ مَلائِكَةً، وبِالنَّباتِ مَلائِكَةً، وبِالرِّياحِ مَلائِكَةً، وبِالأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَبْدٍ أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ، كاتِبَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، وحافِظَيْنِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، ووَكَّلَ مَلائِكَةً بِقَبْضِ رُوحِهِ وتَجْهِيزِها إلى مُسْتَقَرِّها في الجَنَّةِ والنّارِ، ومَلائِكَةً بِمُساءَلَتِهِ وامْتِحانِهِ في قَبْرِهِ، ومَلائِكَةً بِتَعْذِيبِهِ في النّارِ أوْ نَعِيمِهِ في الجَنَّةِ، ووَكَّلَ بِالجِبالِ مَلائِكَةً، وبِالسَّحابِ مَلائِكَةً تَسُوقُهُ حَيْثُ أُمِرَتْ بِهِ، وبِالقَطْرِ مَلائِكَةً تَنْزِلُ بِأمْرِ اللَّهِ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ كَما شاءَ اللَّهُ، ووَكَّلَ مَلائِكَةً بِغَرْسِ الجَنَّةِ وعَمَلِ آلَتِها وفُرُشِها والقِيامِ عَلَيْها، ومَلائِكَةً بِالنّارِ كَذَلِكَ. فَأعْظَمُ جُنْدِ اللَّهِ المَلائِكَةُ، ولَفْظُ المَلَكِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ رَسُولٌ مُنَفِّذُ غَيْرِهِ ولَيْسَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وهم يُدَبِّرُونَ الأمْرَ ويُقَسِّمُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ وإذْنِهِ، قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْهُمْ: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]. وَأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ المُنَفِّذِينَ لِأمْرِهِ في الخَلِيفَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا - فالزّاجِراتِ زَجْرًا - فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١-٣]. وَقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا - فالعاصِفاتِ عَصْفًا - والنّاشِراتِ نَشْرًا - فالفارِقاتِ فَرْقًا - فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا - عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١-٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا - والنّاشِطاتِ نَشْطًا - والسّابِحاتِ سَبْحًا - فالسّابِقاتِ سَبْقًا - فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ١-٥]. وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ذَلِكَ وسِرَّ الإقْسامِ بِهِ في كِتابِ (التِّبْيانِ في أقْسامِ القُرْآنِ). وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ تِلْكَ المُحَبّاتِ والمُحَرِّكاتِ والإراداتِ والأفْعالِ: هي عِبادَةٌ مِنهم لِرَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، وجَمِيعُ الحَرَكاتِ الطَّبِيعِيَّةِ والقَسْرِيَّةِ تابِعَةٌ لَها، فَلَوْلا الحُبُّ ما دارَتِ الأفْلاكُ، ولا تَحَرَّكَتِ الكَواكِبُ النَّيِّراتُ، ولا هَبَّتِ الرِّياحُ المُسَخَّراتُ، ولا مَرَّتِ السُّحُبُ الحامِلاتُ، ولا تَحَرَّكَتِ الأجِنَّةُ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ، ولا انْصَدَعَ عَنِ الحَبِّ أنْواعُ النَّباتِ، ولا اضْطَرَبَتْ أمْواجُ الزّاخِراتِ، ولا تَحَرَّكَتِ المُدَبِّراتُ والمُقْسِّماتُ، ولا سَبَّحَتْ بِحَمْدِ فاطِرِها الأرَضُونَ والسَّماواتُ، وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، فَسُبْحانَ مَن: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. [فَصْلٌ: الحُبُّ لِلَّهِ وحْدَهُ] فَإذا عُرِفَ ذَلِكَ فَكُلُّ حَيٍّ لَهُ إرادَةٌ ومَحَبَّةٌ وعَمَلٌ بِحَسَبِهِ، وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ فَأصْلُ حَرَكَتِهِ المَحَبَّةُ والإرادَةُ، ولا صَلاحَ لِلْمَوْجُوداتِ إلّا بِأنْ تَكُونَ حَرَكاتُها ومَحَبَّتُها لِفاطِرِها وبارِئِها وحْدَهُ، كَما لا وُجُودَ لَها إلّا بِإبْداعِهِ وحْدَهُ. وَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وَلَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: لَما وُجِدَتا ولَكانَتا مَعْدُومَتَيْنِ، ولا قالَ: لَعُدِمَتا، إذْ هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُبْقِيَهُما عَلى وجْهِ الفَسادِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونا عَلى وجْهِ الصَّلاحِ والِاسْتِقامَةِ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو مَعْبُودَهُما، ومَعْبُودَ ما حَوَتاهُ وسَكَنَ فِيهِما، فَلَوْ كانَ في العالَمِ إلَهانِ لَفَسَدَ نِظامُهُ غايَةَ الفَسادِ، فَإنَّ كُلَّ إلَهٍ كانَ يَطْلُبُ مُغالَبَةَ الآخَرِ، والعُلُوَّ عَلَيْهِ، وتَفَرُّدَهُ دُونَهُ بِإلَهِيَّتِهِ، إذِ الشَّرِكَةُ نَقْصٌ في كَمالِ الإلَهِيَّةِ، والإلَهُ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ إلَهًا ناقِصًا، فَإنْ قَهَرَ أحَدُهُما الآخَرَ كانَ هو الإلَهَ وحْدَهُ، والمَقْهُورُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنْ لَمْ يَقْهَرْ أحَدُهُما الآخَرَ لَزِمَ عَجْزُ كُلٍّ مِنهُما، ولَمْ يَكُنْ تامَّ الإلَهِيَّةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ فَوْقَهُما إلَهٌ قاهِرٌ لَهُما حاكِمٌ عَلَيْهِما، وإلّا ذَهَبَ كُلٌّ مِنهُما بِما خَلَقَ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهُما العُلُوَّ عَلى الآخَرِ، وفي ذَلِكَ فَسادُ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيها، كَما هو المَعْهُودُ مِن فَسادِ البَلَدِ إذا كانَ فِيها مَلِكانِ مُتَكافِئانِ، وفَسادِ الزَّوْجَةِ إذا كانَ لَها بَعْلانِ، والشَّوْلِ: إذا كانَ فِيهِ فَحْلانِ. وَأصْلُ فَسادِ العالَمِ إنَّما هو مِنَ اخْتِلافِ المُلُوكِ والخُلَفاءِ، ولِهَذا لَمْ يَطْمَعْ أعْداءُ الإسْلامِ فِيهِ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمِنَةِ إلّا في زَمَنِ تَعَدُّدِ المُلُوكِ مِنَ المُسْلِمِينَ واخْتِلافِهِمْ، وانْفِرادِ كُلٍّ مِنهم بِبِلادٍ، وطَلَبِ بَعْضِهُمُ العُلُوَّ عَلى بَعْضٍ. فَصَلاحُ السَّماواتِ والأرْضِ واسْتِقامَتُها، وانْتِظامُ أمْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى أتَمِّ نِظامٍ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن لَدُنْ عَرْشِهِ إلى قَرارِ أرْضِهِ باطِلٌ إلّا وجْهَهُ الأعْلى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ - عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١-٩٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ - لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ - لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١-٢٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. فَقِيلَ: لابْتَغَوُا السَّبِيلَ إلَيْهِ بِالمُغالَبَةِ والقَهْرِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾. قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والصَّحِيحُ أنَّ المَعْنى: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ وطاعَتِهِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ؟ وهم لَوْ كانُوا آلِهَةً كَما يَقُولُونَ لَكانُوا عَبِيدًا لَهُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا وُجُوهٌ: مِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي هم عِبادِي كَما أنْتُمْ عِبادِي، ويَرْجُونَ رَحْمَتِي ويَخافُونَ عَذابِي، فَلِماذا تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي؟ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لابْتَغَوْا عَلَيْهِ سَبِيلًا، بَلْ قالَ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا، وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّقَرُّبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وَأمّا في المُغالَبَةِ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. والثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَقُولُوا إنَّ آلِهَتَهم تُغالِبُهُ وتَطْلُبُ العُلُوَّ عَلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ وهم إنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آلِهَتَهم تَبْتَغِي التَّقَرُّبَ إلَيْهِ وتُقَرِّبُهم زُلْفى إلَيْهِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ لَكانَتْ تِلْكَ الآلِهَةُ عَبِيدًا لَهُ، فَلِماذا تَعْبُدُونَ عَبِيدَهُ مِن دُونِهِ؟

الأنبياء 21:23

وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتا﴾ فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه. (فائدة) اعلمْ أنّ قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلهًا حقًا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل له، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها، إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار ويستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين. إذا عرف هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته ولا في خوفه ولا في رجائه ولا في التوكل عليه ولا في العمل له ولا في الحلف به ولا في النذر له ولا في الخضوع له ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها. بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك. بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في وقت ثم يتعذب به ولا بد في وقت آخر، وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحُجَّة البالغة كما له النعمة السابغة. والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل، والذي أينما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هي فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة، ولهذا قال إمام الحنفاء: ﴿لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] والله أعلم. (فائدة) تأمل كَيفَ ساق الآية في الإنكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لا تساويه فسواها بِهِ مَعَ أعظم الفرق. فَقَوله ﴿لا يسْأل عَمّا يفعل﴾ إثبات لحقيقة الإلهية وإفراده لَهُ بالربوبية والإلهية. وَقَوله ﴿وهم يسْألُون﴾ في صَلاح تِلْكَ الإلهة المتخذة للإلهية فإنها مسئولة مربوبة مُدبرَة. فَكيف يسوى بَينها وبَينه مَعَ أعظم الفرْقان؟! فَهَذا الَّذِي سيق لَهُ الكَلام فَجَعلها الجبرية ملْجأ ومعقلا في إنْكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة. والله المُوفق للصَّواب. [فَصْلٌ: الحُبُّ أصْلُ الحَرَكَةِ] وَكُلُّ حَرَكَةٍ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ فَأصْلُها المَحَبَّةُ، فَهي عَلَيْها الفاعِلِيَّةُ والغائِيَّةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَرَكاتِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: حَرَكَةٌ اخْتِيارِيَّةٌ إرادِيَّةٌ، وحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، وحَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ. والحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ أصْلُها السُّكُونُ، وإنَّما يَتَحَرَّكُ الجِسْمُ إذا خَرَجَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ ومَرْكَزِهِ الطَّبِيعِيِّ، فَهو يَتَحَرَّكُ لِلْعَوْدِ إلَيْهِ، وخُرُوجُهُ عَنْ مَرْكَزِهِ ومُسْتَقَرِّهِ إنَّما هو بِتَحْرِيكِ القاصِرِ المُحَرِّكِ لَهُ، فَلَهُ حَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ تَتَحَرَّكُ بِتَحْرِيكِ مُحَرِّكِهِ وقاسِرِهِ، وحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ بِذاتِها يَطْلُبُ بِها العَوْدَ إلى مَرْكَزِهِ، وكِلا حَرَكَتَيْهِ تابِعَةٌ لِلْقاسِرِ المُحَرِّكِ، فَهو أصْلُ الحَرَكَتَيْنِ. والحَرَكَةُ الِاخْتِيارِيَّةُ الإرادِيَّةُ هي أصْلُ الحَرَكَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، وهي تابِعَةٌ لِلْإرادَةِ والمَحَبَّةِ. والدَّلِيلُ عَلى انْحِصارِ الحَرَكاتِ في هَذِهِ الثَّلاثِ: أنَّ المُتَحَرِّكَ إنْ كانَ لَهُ شُعُورٌ بِالحَرَكَةِ فَهي الإرادِيَّةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شُعُورٌ بِها، فَإمّا أنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ طَبْعِهِ أوْ لا، فالأُولى هي الطَّبِيعِيَّةُ، والثّانِيَةُ القَسْرِيَّةُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَما في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِن حَرَكاتِ الأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والرِّياحِ والسَّحابِ والمَطَرِ والنَّباتِ وحَرَكاتِ الأجِنَّةِ في بُطُونِ أُمَّهاتِها، فَإنَّما هي بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ والمُدَبِّراتِ أمْرًا والمُقَسِّماتِ أمْرًا، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ في نُصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. والإيمانُ بِذَلِكَ مِن تَمامِ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ، فَإنَّ اللَّهَ وكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلائِكَةً، وبِالقَطْرِ مَلائِكَةً، وبِالنَّباتِ مَلائِكَةً، وبِالرِّياحِ مَلائِكَةً، وبِالأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَبْدٍ أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ، كاتِبَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، وحافِظَيْنِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، ووَكَّلَ مَلائِكَةً بِقَبْضِ رُوحِهِ وتَجْهِيزِها إلى مُسْتَقَرِّها في الجَنَّةِ والنّارِ، ومَلائِكَةً بِمُساءَلَتِهِ وامْتِحانِهِ في قَبْرِهِ، ومَلائِكَةً بِتَعْذِيبِهِ في النّارِ أوْ نَعِيمِهِ في الجَنَّةِ، ووَكَّلَ بِالجِبالِ مَلائِكَةً، وبِالسَّحابِ مَلائِكَةً تَسُوقُهُ حَيْثُ أُمِرَتْ بِهِ، وبِالقَطْرِ مَلائِكَةً تَنْزِلُ بِأمْرِ اللَّهِ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ كَما شاءَ اللَّهُ، ووَكَّلَ مَلائِكَةً بِغَرْسِ الجَنَّةِ وعَمَلِ آلَتِها وفُرُشِها والقِيامِ عَلَيْها، ومَلائِكَةً بِالنّارِ كَذَلِكَ. فَأعْظَمُ جُنْدِ اللَّهِ المَلائِكَةُ، ولَفْظُ المَلَكِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ رَسُولٌ مُنَفِّذُ غَيْرِهِ ولَيْسَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وهم يُدَبِّرُونَ الأمْرَ ويُقَسِّمُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ وإذْنِهِ، قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْهُمْ: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦]. وَأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ المُنَفِّذِينَ لِأمْرِهِ في الخَلِيفَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا - فالزّاجِراتِ زَجْرًا - فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١-٣]. وَقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا - فالعاصِفاتِ عَصْفًا - والنّاشِراتِ نَشْرًا - فالفارِقاتِ فَرْقًا - فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا - عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١-٦]. وَقالَ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا - والنّاشِطاتِ نَشْطًا - والسّابِحاتِ سَبْحًا - فالسّابِقاتِ سَبْقًا - فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ١-٥]. وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ذَلِكَ وسِرَّ الإقْسامِ بِهِ في كِتابِ (التِّبْيانِ في أقْسامِ القُرْآنِ). وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ تِلْكَ المُحَبّاتِ والمُحَرِّكاتِ والإراداتِ والأفْعالِ: هي عِبادَةٌ مِنهم لِرَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، وجَمِيعُ الحَرَكاتِ الطَّبِيعِيَّةِ والقَسْرِيَّةِ تابِعَةٌ لَها، فَلَوْلا الحُبُّ ما دارَتِ الأفْلاكُ، ولا تَحَرَّكَتِ الكَواكِبُ النَّيِّراتُ، ولا هَبَّتِ الرِّياحُ المُسَخَّراتُ، ولا مَرَّتِ السُّحُبُ الحامِلاتُ، ولا تَحَرَّكَتِ الأجِنَّةُ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ، ولا انْصَدَعَ عَنِ الحَبِّ أنْواعُ النَّباتِ، ولا اضْطَرَبَتْ أمْواجُ الزّاخِراتِ، ولا تَحَرَّكَتِ المُدَبِّراتُ والمُقْسِّماتُ، ولا سَبَّحَتْ بِحَمْدِ فاطِرِها الأرَضُونَ والسَّماواتُ، وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، فَسُبْحانَ مَن: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. [فَصْلٌ: الحُبُّ لِلَّهِ وحْدَهُ] فَإذا عُرِفَ ذَلِكَ فَكُلُّ حَيٍّ لَهُ إرادَةٌ ومَحَبَّةٌ وعَمَلٌ بِحَسَبِهِ، وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ فَأصْلُ حَرَكَتِهِ المَحَبَّةُ والإرادَةُ، ولا صَلاحَ لِلْمَوْجُوداتِ إلّا بِأنْ تَكُونَ حَرَكاتُها ومَحَبَّتُها لِفاطِرِها وبارِئِها وحْدَهُ، كَما لا وُجُودَ لَها إلّا بِإبْداعِهِ وحْدَهُ. وَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وَلَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: لَما وُجِدَتا ولَكانَتا مَعْدُومَتَيْنِ، ولا قالَ: لَعُدِمَتا، إذْ هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُبْقِيَهُما عَلى وجْهِ الفَسادِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونا عَلى وجْهِ الصَّلاحِ والِاسْتِقامَةِ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو مَعْبُودَهُما، ومَعْبُودَ ما حَوَتاهُ وسَكَنَ فِيهِما، فَلَوْ كانَ في العالَمِ إلَهانِ لَفَسَدَ نِظامُهُ غايَةَ الفَسادِ، فَإنَّ كُلَّ إلَهٍ كانَ يَطْلُبُ مُغالَبَةَ الآخَرِ، والعُلُوَّ عَلَيْهِ، وتَفَرُّدَهُ دُونَهُ بِإلَهِيَّتِهِ، إذِ الشَّرِكَةُ نَقْصٌ في كَمالِ الإلَهِيَّةِ، والإلَهُ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ إلَهًا ناقِصًا، فَإنْ قَهَرَ أحَدُهُما الآخَرَ كانَ هو الإلَهَ وحْدَهُ، والمَقْهُورُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنْ لَمْ يَقْهَرْ أحَدُهُما الآخَرَ لَزِمَ عَجْزُ كُلٍّ مِنهُما، ولَمْ يَكُنْ تامَّ الإلَهِيَّةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ فَوْقَهُما إلَهٌ قاهِرٌ لَهُما حاكِمٌ عَلَيْهِما، وإلّا ذَهَبَ كُلٌّ مِنهُما بِما خَلَقَ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهُما العُلُوَّ عَلى الآخَرِ، وفي ذَلِكَ فَسادُ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيها، كَما هو المَعْهُودُ مِن فَسادِ البَلَدِ إذا كانَ فِيها مَلِكانِ مُتَكافِئانِ، وفَسادِ الزَّوْجَةِ إذا كانَ لَها بَعْلانِ، والشَّوْلِ: إذا كانَ فِيهِ فَحْلانِ. وَأصْلُ فَسادِ العالَمِ إنَّما هو مِنَ اخْتِلافِ المُلُوكِ والخُلَفاءِ، ولِهَذا لَمْ يَطْمَعْ أعْداءُ الإسْلامِ فِيهِ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمِنَةِ إلّا في زَمَنِ تَعَدُّدِ المُلُوكِ مِنَ المُسْلِمِينَ واخْتِلافِهِمْ، وانْفِرادِ كُلٍّ مِنهم بِبِلادٍ، وطَلَبِ بَعْضِهُمُ العُلُوَّ عَلى بَعْضٍ. فَصَلاحُ السَّماواتِ والأرْضِ واسْتِقامَتُها، وانْتِظامُ أمْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى أتَمِّ نِظامٍ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن لَدُنْ عَرْشِهِ إلى قَرارِ أرْضِهِ باطِلٌ إلّا وجْهَهُ الأعْلى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ - عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١-٩٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ - لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ - لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١-٢٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. فَقِيلَ: لابْتَغَوُا السَّبِيلَ إلَيْهِ بِالمُغالَبَةِ والقَهْرِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾. قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والصَّحِيحُ أنَّ المَعْنى: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ وطاعَتِهِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ؟ وهم لَوْ كانُوا آلِهَةً كَما يَقُولُونَ لَكانُوا عَبِيدًا لَهُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا وُجُوهٌ: مِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي هم عِبادِي كَما أنْتُمْ عِبادِي، ويَرْجُونَ رَحْمَتِي ويَخافُونَ عَذابِي، فَلِماذا تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي؟ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لابْتَغَوْا عَلَيْهِ سَبِيلًا، بَلْ قالَ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا، وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّقَرُّبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وَأمّا في المُغالَبَةِ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. والثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَقُولُوا إنَّ آلِهَتَهم تُغالِبُهُ وتَطْلُبُ العُلُوَّ عَلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ وهم إنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آلِهَتَهم تَبْتَغِي التَّقَرُّبَ إلَيْهِ وتُقَرِّبُهم زُلْفى إلَيْهِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ لَكانَتْ تِلْكَ الآلِهَةُ عَبِيدًا لَهُ، فَلِماذا تَعْبُدُونَ عَبِيدَهُ مِن دُونِهِ؟

الأنبياء 21:28

الشفاعة التي أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدى مالكه حتى يأذن له. ويقول: اشفع في فلان. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لَمِنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحمنُ ورَضِى لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وسر ذلك: أن الله له الأمر كله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلا بعد إذنه لهم، وأمرهم. ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظنًا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي. والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.

الأنبياء 21:35

قوله تعالى ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ قال ابن عباس - رضي الله عنهما - بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام وكلها بلاء وقال ابن يزيد نبلوكم بما تحبون وما تكرهون لننظر كيف صبركم وشكركم فبما تحبون وما تكرهون وقال الكلبى بالشر بالفقر والبلاء والخير بالمال والولد فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان. فإن قيل فإبليس شر محض والكفر والشرك كذلك وقد دخلوا في الوجود فأي خير في إبليس وفي وجود الكفر؟ قيل في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله كما سننبه على بعضه فالله سبحانه لم يخلقه عبثا ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم فكم لله في خلقه من حكمة باهرة وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضا في الوجود فإنه عبث فتعالى الله عنه وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع، ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها واللذات أكثر من الآلام والعافية أعظم من البلاء والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب وفوات الخير الغالب شر غالب ومثال ذلك النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر والرياح والحر والبرد، وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها غالب وأما العالم العلوي فبريء من ذلك. (فصل) من عَلامات السَّعادَة والفلاح أن العَبْد كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورَحمته، وكلما زيد عمله زيد في خَوفه وحذره، وكلما زيد في عمره نقص من حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من النّاس وقَضاء حوائجهم والتواضع لَهُم وعلامات الشقاوة أنه كلما زيد في علمه زيد في كبره وتيهه، وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للنّاس وحسن ظَنّه بِنَفسِهِ، وكلما زيد في عمره زيد في حرصه، وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه، وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه. وَهَذِه الأُمُور ابتلاء من الله وامتحان يَبْتَلِي بها عباده، فيسعد بها أقوام، ويشقى بها أقوام، وكَذَلِكَ الكرامات امتحان وابتلاء كالملك والسُّلْطان والمال قالَ تَعالى عَن نبيه سُلَيْمان لما رأى عرش بلقيس عِنْده ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أم أكفر﴾ فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظْهر بها شكر الشكُور وكفر الكفور كَما أن المحن بلوى مِنهُ سُبْحانَهُ فَهو يَبْتَلِي بِالنعَم كَما يَبْتَلِي بالمصائب قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الأِنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ كلا﴾ أي لَيْسَ كل من وسعت عَلَيْهِ وأكرمته ونعمته يكون ذَلِك إكْراما مني لَهُ، ولا كل من ضيّقت عَلَيْهِ رزقه وابتليته يكون ذَلِك إهانة مني لَهُ. (موعظة) النّاس في هَذِه الدّار على جناح سفر كلهم، وكل مُسافر فَهو ظاعن إلى مقْصده ونازل على من يسرّ بالنزول عَلَيْهِ وطالب الله والدّار الآخِرَة إنَّما هو ظاعن إلى الله في حال سَفَره ونازل عَلَيْهِ عند القدوم عَلَيْهِ فَهَذِهِ همته في سَفَره وفي انقضائه ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وقالَت امْرَأة فِرْعَوْن ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فطلبت كَون البَيْت عِنْده قبل طلبَها أن يكون في الجنَّة فَإن الجار قبل الدّار. من كَلام الشَّيْخ علي: قيل لي في نوم كاليقظة، أو يقظة كالنوم: لا تبدِ فاقة إلى غَيْرِي فأضاعفها عَلَيْك مُكافَأة لخروجك عَن حدك في عبوديتك. ابتليتك بالفقر لتصير ذَهَبا خالِصا، فَلا تزيفن بعد السبك. حكمت لك بالفقر، ولنفسي بالغنى فَإن وصلتها بِي وصلتك بالغنى، وإن وصلتها بغيري حسمت عَنْك مواد معونتي طردا لَك عَن بابي. لا تركن إلى شَيْء دُوننا فإنه وبال عَلَيْك وقاتلٌ لَك. إن ركنت إلى العَمَل رددناه عَلَيْك، وإن ركنت إلى المعرفَة نكرناها عَلَيْك، وإن ركنت إلى الوجد استدرجناك فِيهِ، وإن ركنت إلى العلم أوقفناك مَعَه، وإن ركنت إلى المخلوقين وكلناك إلَيْهِم، ارْضَنا لَك رَبًّا نرضاك لنا عبدا.

الأنبياء 21:42

لا أحد أعظم إحسانًا من الله سبحانه، فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان فضلًا عن أنواعه أو عن أفراده، ويكفي أن من بعض أنواعه نعمة النفس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه في كل يوم وليلة فيه أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، وكل نفس نعمة منه سبحانه، فإذا كان أدنى نعمة عليه في كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾، هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور به بأكثرها أصلًا، والله سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢]، وسواء كان المعنى من يكلؤكم ويحفظكم منه إذا أراد بكم سوءًا ويكون يكلؤكم مضمنًا معنى يجيركم وينجيكم من بأْسه، أو كانت "من" البدلية أي من يكلؤكم بدل الرحمن سبحانه أي هو الذي يكلؤكم وحده لا كالئ لكم غيره. ونظير "مِن" هذه قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً فِى الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]، على أحد القولين، أي عوضكم وبدلكم، واستشدوا على ذلك بقول الشاعر: ؎جارية لم تأْكل المرقَّقا ∗∗∗ ولم تذق من البقول الفستقا أى لم تأكل الفستق بدل البقول. وعلى كلا القولين فهو سبحانه منعم عليهم بكلاءَتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره. هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه من كل وجه. وفي بعض الآثار يقول تعالى: "أنا الجواد، ومن أعظم مني جودًا وكرمًا؟ أبيت أكلأُ عبادي في مضاجعهم وهم يبارزونني بالعظائم". وفى الترمذي أن النبي ﷺ لما رأى السحاب قال: "هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يذكرونه، ولا يعبدونه". وفى الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له الولد، وهو يرزقهم ويعافيهم". وفى بعض الآثار: "يقول الله: ابن آدم، خيري إليك نازل، وشرك إلى صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلى بالمعاصي، وأنت فقير إلي، ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح".

الأنبياء 21:47

قَوْلُهُ: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ القِسْطَ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ نَضَعُها لِأجْلِ القِسْطِ، وقَدِ اسْتَوْفى شُرُوطَ نَصْبِهِ.

الأنبياء 21:49

[فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الإشْفاقِ] القَلْبُ في سَيْرِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَنزِلَةِ الطّائِرِ، فالمَحَبَّةُ رَأْسُهُ، والخَوْفُ والرَّجاءُ جَناحاهُ، فَمَتى سَلِمَ الرَّأْسُ والجَناحانِ فالطّائِرُ جَيِّدُ الطَّيَرانِ، ومَتى قُطِعَ الرَّأْسُ ماتَ الطّائِرُ، ومَتى فُقِدَ الجَناحانِ فَهو عُرْضَةٌ لِكُلِّ صائِدٍ وكاسِرٍ، ولَكِنَّ السَّلَفَ اسْتَحَبُّوا أنْ يَقْوى في الصِّحَّةِ جَناحُ الخَوْفِ عَلى جَناحِ الرَّجاءِ، وعِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيا يَقْوى جَناحُ الرَّجاءِ عَلى جَناحِ الخَوْفِ، هَذِهِ طَرِيقَةُ أبِي سُلَيْمانَ وغَيْرِهِ، قالَ: يَنْبَغِي لِلْقَلْبِ أنْ يَكُونَ الغالِبُ عَلَيْهِ الخَوْفَ، فَإنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الرَّجاءُ فَسَدَ. وَقالَ غَيْرُهُ: أكْمَلُ الأحْوالِ: اعْتِدالُ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وغَلَبَةُ الحُبِّ، فالمَحَبَّةُ هي المَرْكَبُ. والرَّجاءُ حادٍ، والخَوْفُ سائِقٌ، واللَّهُ المُوَصِّلُ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ. [فَصْلٌ] وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الإشْفاقِ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩] وقالَ تَعالى ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ - قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ - فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٥-٢٧]. الإشْفاقُ رِقَّةُ الخَوْفِ، وهو خَوْفٌ بِرَحْمَةٍ مِنَ الخائِفِ لِمَن يَخافُ عَلَيْهِ، فَنِسْبَتُهُ إلى الخَوْفِ نِسْبَةُ الرَّأْفَةِ إلى الرَّحْمَةِ، فَإنَّها ألْطَفُ الرَّحْمَةِ وأرَقُّها، ولِهَذا قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الإشْفاقُ: دَوامُ الحَذَرِ، مَقْرُونًا بِالتَّرَحُّمِ، وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ، الأُولى: إشْفاقٌ عَلى النَّفْسِ أنْ تَجْمَحَ إلى العِنادِ. أيْ تُسْرِعَ وتَذْهَبَ إلى طَرِيقِ الهَوى والعِصْيانِ، ومُعانَدَةِ العُبُودِيَّةِ. وَإشْفاقٌ عَلى العَمَلِ: أنْ يَصِيرَ إلى الضَّياعِ. أيْ يَخافُ عَلى عَمَلِهِ أنْ يَكُونَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي قالَ اللَّهُ فِيها ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وهي الأعْمالُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ، وعَلى غَيْرِ أمْرِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، ويَخافُ أيْضًا أنْ يَضِيعَ عَمَلُهُ في المُسْتَقْبَلِ، إمّا بِتَرْكِهِ، وإمّا بِمَعاصِي تُفَرِّقُهُ وتُحْبِطُهُ، فَيَذْهَبُ ضائِعًا، ويَكُونُ حالُ صاحِبِهِ كالحالِ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أصْحابِها ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦] الآيَةَ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: فِيمَن تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ؟ فَقالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ، وقالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ، أوْ لا نَعْلَمُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: يا ابْنَ أخِي قُلْ، ولا تَحْقِرَنَّ نَفْسَكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ الشَّيْطانَ، فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ جَمِيعَ أعْمالِهِ. قالَ: وإشْفاقٌ عَلى الخَلِيقَةِ لِمَعْرِفَةِ مَعاذِيرِها. هَذا قَدْ يُوهِمُ نَوْعَ تَناقُضٍ، فَإنَّهُ كَيْفَ يُشْفِقُ مَعَ مَعْرِفَةِ العُذْرِ؟ ولَيْسَ بِمُتَناقِضٍ، فَإنَّ الإشْفاقَ كَما تَقَدَّمَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِرَحْمَةٍ، فَيُشْفِقُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ مُخالَفَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ، مَعَ نَوْعِ رَحْمَةٍ، بِمُلاحَظَةِ جَرَيانِ القَدَرِ عَلَيْهِمْ. قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: إشْفاقٌ عَلى الوَقْتِ أنْ يَشُوبَهُ تَفَرُّقٌ. أيْ يَحْذَرُ عَلى وقْتِهِ أنْ يُخالِطَهُ ما يُفَرِّقُهُ عَنِ الحُضُورِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ: وعَلى القَلْبِ أنْ يُزاحِمَهُ عارِضٌ. والعارِضُ المُزاحِمُ إمّا فَتْرَةٌ، وإمّا شُبْهَةٌ، وإمّا شَهْوَةٌ، وكُلُّ سَبَبٍ يَعُوقُ السّالِكَ. قالَ: وعَلى اليَقِينِ أنْ يُداخِلَهُ سَبَبٌ هو الطُّمَأْنِينَةُ إلى مَن بِيَدِهِ الأسْبابُ كُلُّها، فَمَتى داخَلَ يَقِينَهُ رُكُونٌ إلى سَبَبٍ وتَعَلُّقٌ بِهِ، واطْمَأنَّ إلَيْهِ قَدَحَ ذَلِكَ في يَقِينِهِ، ولَيْسَ المُرادُ قَطْعَ الأسْبابِ عَنْ أنْ تَكُونَ أسْبابًا، والإعْراضَ عَنْها فَإنَّ هَذا زَنْدَقَةٌ وكُفْرٌ ومُحالٌ، فَإنَّ الرَّسُولَ سَبَبٌ في حُصُولِ الهِدايَةِ والإيمانِ، والأعْمالَ الصّالِحَةَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النَّجاةِ ودُخُولِ الجَنَّةِ، والكُفْرَ سَبَبٌ لِدُخُولِ النّارِ، والأسْبابَ المُشاهَدَةَ أسْبابٌ لِمُسَبَّباتِها ولَكِنَّ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَحَذَرَ مِنهُ إضافَةَ يَقِينِهِ إلى سَبَبٍ غَيْرِ اللَّهِ، ولا يَتَعَلَّقَ بِالأسْبابِ بَلْ يَفْنى بِالمُسَبَّبِ عَنْها. والشَّيْخُ مِمَّنْ يُبالِغُ في إنْكارِ الأسْبابِ، لا يَرى وراءَ الفَناءِ في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ غايَةً، وكَلامُهُ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ في مُعْظَمِ الأبْوابِ يَرْجِعُ إلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِما، وأنَّ الصَّوابَ خِلافُهُما، وهو إثْباتُ الأسْبابِ والقُوى، وأنَّ الفَناءَ في تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لَيْسَ هو غايَةَ الطَّرِيقِ، بَلْ فَوْقَهُ ما هو أجَلُّ مِنهُ وأعْلى وأشْرَفُ. وَمِن هاتَيْنِ القاعِدَتَيْنِ عَرَضَ في كِتابِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ ما عَرَضَ. قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: إشْفاقٌ يَصُونُ سَعْيَهُ عَنِ العُجْبِ، ويَكُفُّ صاحِبَهُ عَنْ مُخاصَمَةِ الخَلْقِ، ويَحْمِلُ المُرِيدَ عَلى حِفْظِ الجِدِّ. الأوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِالعَمَلِ، والثّانِي بِالخُلُقِ، والثّالِثُ بِالإرادَةِ، وكُلٌّ مِنها لَهُ ما يُفْسِدُهُ. فالعُجْبُ: يُفْسِدُ العَمَلَ كَما يُفْسِدُهُ الرِّياءُ، فَيُشْفِقُ عَلى سَعْيِهِ مِن هَذا المُفْسِدِ شَفَقَةً تَصُونُهُ عَنْهُ. والمُخاصَمَةُ لِلْخَلْقِ مُفْسِدَةٌ لِلْخُلُقِ، فَيُشْفِقُ عَلى خُلُقِهِ مِن هَذا المُفْسِدِ شَفَقَةً تَصُونُهُ عَنْهُ. والإرادَةُ يُفْسِدُها عَدَمُ الجِدِّ، وهو الهَزْلُ واللَّعِبُ، فَيُشْفِقُ عَلى إرادَتِهِ مِمّا يُفْسِدُها. فَإذا صَحَّ لَهُ عَمَلُهُ وخُلُقُهُ وإرادَتُهُ اسْتَقامَ سُلُوكُهُ وقَلْبُهُ وحالُهُ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

الأنبياء 21:51

قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ وأصح الأقوال في الآية أن المعنى من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ ذلك، ولهذا قطعت (قبلُ) عن الإضافة وبنيت لأن المضاف منوي معلوم وإن كان غير مذكور في اللفظ. وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى. وقد قيل (من قبل) أي في حال صغره قبل البلوغ وليس في اللفظ ما يدل على هذا السياق إنما يقتضي من قبل ما ذكر. وقيل المعنى بقوله من قبل أي في سابق علمنا. وليس في الآية أيضا ما يدل على ذلك ولا هو أمر مختص بإبراهيم بل كل مؤمن فقد قدر الله هداه في سابق علمه. والمقصود قوله: ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قال البغوي: "أنه أهل للهداية والنبوة" وقال أبو الفرج: "أي عالمين بأنه موضع لإيتاء الرشد" وقال صاحب الكشاف: "المعنى علمه به أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهله لمخالته ومخالصته، وهذا كقولك في حر من الناس: أنا عالم بفلان. فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف" وهذا كقوله: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ﴾ ونظيره قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقريب منه قوله: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ حيث وضعنا هذا التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي. (فائِدَة) الإنابَة هي عكوف القلب على الله عز وجل كاعتكاف البدن في المَسْجِد لا يُفارِقهُ وحَقِيقَة ذَلِك عكوف القلب على محبّته وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجَوارِح على طاعَته بالإخلاص لَهُ والمتابعة لرَسُوله ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة كَما قالَ إمام الخنفاء لِقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فاقتسم هو وقَومه حَقِيقَة العكوف فَكانَ حَظّ قومه العكوف على التماثيل وكانَ حَظه العكوف على الرب الجَلِيل والتماثيل جمع تِمْثال وهو الصُّور الممثلة فَتعلق القلب بِغَيْر الله واشتغاله بِهِ والركون إلَيْهِ عكوف مِنهُ على التماثيل الَّتِي قامَت بِقَلْبِه وهو نَظِير العكوف على تماثيل الأصْنام ولِهَذا كانَ شرك عباد الأصْنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم فَإذا كانَ في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بِحَيْثُ يكون عاكفا عَلَيْها فَهو نَظِير عكوف الأصْنام عَلَيْها ولِهَذا سمّاه النَّبِي عبدا لَها ودعا عَلَيْهِ بالتعس والنكس فَقالَ تعس عبد الدِّينار تعس عبد الدِّرْهَم تعس وانتكس وإذا شيك فَلا انتقش

الأنبياء 21:52

قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ وأصح الأقوال في الآية أن المعنى من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ ذلك، ولهذا قطعت (قبلُ) عن الإضافة وبنيت لأن المضاف منوي معلوم وإن كان غير مذكور في اللفظ. وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى. وقد قيل (من قبل) أي في حال صغره قبل البلوغ وليس في اللفظ ما يدل على هذا السياق إنما يقتضي من قبل ما ذكر. وقيل المعنى بقوله من قبل أي في سابق علمنا. وليس في الآية أيضا ما يدل على ذلك ولا هو أمر مختص بإبراهيم بل كل مؤمن فقد قدر الله هداه في سابق علمه. والمقصود قوله: ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ قال البغوي: "أنه أهل للهداية والنبوة" وقال أبو الفرج: "أي عالمين بأنه موضع لإيتاء الرشد" وقال صاحب الكشاف: "المعنى علمه به أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهله لمخالته ومخالصته، وهذا كقولك في حر من الناس: أنا عالم بفلان. فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف" وهذا كقوله: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ﴾ ونظيره قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقريب منه قوله: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ حيث وضعنا هذا التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي. (فائِدَة) الإنابَة هي عكوف القلب على الله عز وجل كاعتكاف البدن في المَسْجِد لا يُفارِقهُ وحَقِيقَة ذَلِك عكوف القلب على محبّته وذكره بالإجلال والتعظيم وعكوف الجَوارِح على طاعَته بالإخلاص لَهُ والمتابعة لرَسُوله ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة كَما قالَ إمام الخنفاء لِقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فاقتسم هو وقَومه حَقِيقَة العكوف فَكانَ حَظّ قومه العكوف على التماثيل وكانَ حَظه العكوف على الرب الجَلِيل والتماثيل جمع تِمْثال وهو الصُّور الممثلة فَتعلق القلب بِغَيْر الله واشتغاله بِهِ والركون إلَيْهِ عكوف مِنهُ على التماثيل الَّتِي قامَت بِقَلْبِه وهو نَظِير العكوف على تماثيل الأصْنام ولِهَذا كانَ شرك عباد الأصْنام بالعكوف بقلوبهم وهممهم وإرادتهم على تماثيلهم فَإذا كانَ في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بِحَيْثُ يكون عاكفا عَلَيْها فَهو نَظِير عكوف الأصْنام عَلَيْها ولِهَذا سمّاه النَّبِي عبدا لَها ودعا عَلَيْهِ بالتعس والنكس فَقالَ تعس عبد الدِّينار تعس عبد الدِّرْهَم تعس وانتكس وإذا شيك فَلا انتقش

الأنبياء 21:62

(فائِدَة) إذا قلت أفعلت كذا وبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه وكان الغرض بالاستفهام علمك بوجوده وإذا قلت أنت فعلت كذا فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو وكان التردد فيه، ففرق بين قولك: أكتبت الكتاب وبين قولك: أأنت كتبته. وهذا كما أنه قائم في الاستفهام فكذلك هو في التقرير فإذا قلت أنت فعل هذا? كان المقصود تقريره بأنه هو الفاعل كما قال قوم إبراهيم له ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ فلم يكن مرادهم السؤال عن الفعل هل وجد أم لا؟ ولو أرادوا ذلك لقالوا أكسرت أصنامنا? وإنما مرادهم السؤال عن الفاعل، ولهذا كان الجواب قوله: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فالقائل أفعلت? سائل عن الفعل من غير تردد بين الفاعل وغيره. وإذا قال أأنت فعلت? كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره ولم يكن منه تردد في نفس الفعل.

الأنبياء 21:63

(فائِدَة) إذا قلت أفعلت كذا وبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه وكان الغرض بالاستفهام علمك بوجوده وإذا قلت أنت فعلت كذا فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو وكان التردد فيه، ففرق بين قولك: أكتبت الكتاب وبين قولك: أأنت كتبته. وهذا كما أنه قائم في الاستفهام فكذلك هو في التقرير فإذا قلت أنت فعل هذا? كان المقصود تقريره بأنه هو الفاعل كما قال قوم إبراهيم له ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ فلم يكن مرادهم السؤال عن الفعل هل وجد أم لا؟ ولو أرادوا ذلك لقالوا أكسرت أصنامنا? وإنما مرادهم السؤال عن الفاعل، ولهذا كان الجواب قوله: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فالقائل أفعلت? سائل عن الفعل من غير تردد بين الفاعل وغيره. وإذا قال أأنت فعلت? كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره ولم يكن منه تردد في نفس الفعل.

الأنبياء 21:69

(لطيفة) ؎زرناك شوقا ولو أن النوى بسطت ∗∗∗ فرش الفلا بيننا جمرا لزرناك ما سافر الخليل سفرا، ولا سلك طريقا أطيب من الفلاة التي دخلها حين خرج من كفة المنجنيق. رآه جبريل قد ودع بلد العادة فظن ضعف التوكل فعرض عليه زاد "ألك حاجة" فرده بأنفة "أما إليك فلا" لما تكامل وفاؤه ما أمر به جاءته خلعته: ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾. (فائدة) عن قتادة قال: سألت سعيد ابن المسيب عن المرأة تأتي الرجل فيطلق عنها السحر فقال: "لا بأس" فقلت لأحمد: أحدث بهذا عنك قال: "نعم" وقال في رواية المروزي: "حممت فكتب لي في الحمى بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ومحمد رسول الله ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق آمين" وقال في رواية عبد الله: "يكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة في جام أو شيء نظيف لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلاّ عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾، ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلاّ ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ ثم تسقي وينضح بما بقي دون سرتها.

الأنبياء 21:78

ذكر النَّبِيين الكريمين وأثْنى عَلَيْهِما بالحكم والعلم وخص بفهم القَضِيَّة أحدهما. (فائدة) القاضي والمفتي مشتركان في أن كلا منهما يجب عليه إظهار حكم الشرع في الواقعة، ويتميز الحاكم بالإلزام به وإمضائه فشروط الحاكم ترجع إلى شروط الشاهد والمفتي والوالي، فهو مخبر عن حكم الشارع بعلمه مقبول بعدالته منفذ بقدرته. [فَصْلٌ: حُكُومَةُ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ داوُد وسُلَيْمانَ] الحَرْثُ: هو البُسْتانُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ بُسْتانَ عِنَبٍ، وهو المُسَمّى بِالكَرْمِ، والنَّفْشُ: رَعْيُ الغَنَمِ لَيْلًا، فَحَكَمَ داوُد بِقِيمَةِ المُتْلَفِ، فاعْتَبَرَ الغَنَمَ فَوَجَدَها بِقَدْرِ القِيمَةِ، فَدَفَعَها إلى أصْحابِ الحَرْثِ، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم دَراهِمُ، أوْ تَعَذَّرَ بَيْعُها ورَضُوا بِدَفْعِها ورَضِيَ أُولَئِكَ بِأخْذِها بَدَلًا عَنْ القِيمَةِ، وأمّا سُلَيْمانُ فَقَضى بِالضَّمانِ عَلى أصْحابِ الغَنَمِ، وأنْ يَضْمَنُوا ذَلِكَ بِالمِثْلِ بِأنْ يَعْمُرُوا البُسْتانَ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ، ولَمْ يُضَيِّعْ عَلَيْهِمْ مُغَلَّةً مِن الإتْلافِ إلى حِينِ العَوْدِ، بَلْ أعْطى أصْحابَ البُسْتانِ ماشِيَةَ أُولَئِكَ لِيَأْخُذُوا مِن نَمائِها بِقَدْرِ نَماءِ البُسْتانِ فَيَسْتَوْفُوا مِن نَماءِ غَنَمِهِمْ نَظِيرَ ما فاتَهم مِن نَماءِ حَرْثِهِمْ، وقَدْ اعْتَبَرَ النماءين فَوَجَدَهُما سَواءً وهَذا هو العِلْمُ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ وأثْنى عَلَيْهِ بِإدْراكِهِ. وَقَدْ تَنازَعَ عُلَماءُ المُسْلِمِينَ في مِثْلِ هَذِهِ القَضِيَّةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: مُوافَقَةُ الحُكْمِ السُّلَيْمانِيِّ في ضَمانِ النَّفْشِ وفي المِثْلِ، وهو الحَقُّ، وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ، ووَجْهٌ لِلشّافِعِيَّةِ والمالِكِيَّةِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم خِلافُهُ. والقَوْلُ الثّانِي: مُوافَقَتُهُ في ضَمانِ النَّفْشِ دُونَ التَّضْمِينِ بِالمِثْلِ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ. والثّالِثُ: مُوافَقَتُهُ في التَّضْمِينِ بِالمِثْلِ دُونَ النَّفْشِ كَما إذا رَعاها صاحِبُها بِاخْتِيارِهِ دُونَ ما إذا تَفَلَّتَتْ ولَمْ يَشْعُرْ بِها، وهو قَوْلُ داوُد ومَن وافَقَهُ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ النَّفْشَ لا يُوجِبُ الضَّمانَ بِحالٍ، وما وجَبَ مِن ضَمانِ الرّاعِي بِغَيْرِ النَّفْشِ فَإنَّهُ يُضْمَنُ بِالقِيمَةِ لا بِالمِثْلِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وَما حَكَمَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمانُ هو الأقْرَبُ إلى العَدْلِ والقِياسِ، وقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ عَلى أهْلِ الحَوائِطِ حِفْظَها بِالنَّهارِ وأنَّ ما أفْسَدَتْ المَواشِي بِاللَّيْلِ ضَمانٌ عَلى أهْلِها، فَصَحَّ بِحُكْمِهِ ضَمانُ النَّفْشِ، وصَحَّ بِالنُّصُوصِ السّابِقَةِ والقِياسُ الصَّحِيحُ وُجُوبُ الضَّمانِ بِالمِثْلِ، وصَحَّ بِنَصِّ الكِتابِ الثَّناءُ عَلى سُلَيْمانَ بِتَفْهِيمِ هَذا الحُكْمِ، فَصَحَّ أنَّهُ الصَّوابُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ: مَرْتَبَةُ الإفْهامِ] قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨] فَذَكَرَ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ، وأثْنى عَلَيْهِما بِالعِلْمِ والحُكْمِ، وخَصَّ سُلَيْمانَ بِالفَهْمِ في هَذِهِ الواقِعَةِ المُعَيَّنَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وقَدْ سُئِلَ " هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ " فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ، وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وكانَ فِيها العَقْلُ، وهو الدِّياتُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ "، وفي كِتابِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أُدْلِيَ إلَيْكَ، فالفَهْمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، ونُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ، يَعْرِفُ بِهِ، ويُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ ولا يَعْرِفُهُ، فَيَفْهَمُ مِنَ النَّصِّ ما لا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، مَعَ اسْتِوائِهِما في حِفْظِهِ، وفَهْمِ أصْلِ مَعْناهُ. فالفَهْمُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عُنْوانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، ومَنشُورُ الوِلايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وفِيهِ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ العُلَماءِ، حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدٍ، فانْظُرْ إلى فَهْمِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ سَألَهُ عُمَرُ، ومَن حَضَرَ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وما خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ مِن فَهْمِهِ مِنها أنَّها نَعْيُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ إلى نَفْسِهِ وإعْلامُهُ بِحُضُورِ أجَلِهِ، ومُوافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وخَفائِهِ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ وابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذاكَ أحْدَثُهم سِنًّا، وأيْنَ تَجِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإعْلامَ بِأجَلِهِ، لَوْلا الفَهْمُ الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هَذا حَتّى يَصِلَ إلى مَراتِبَ تَتَقاصَرُ عَنْها أفْهامُ أكْثَرِ النّاسِ، فَيُحْتاجُ مَعَ النَّصِّ إلى غَيْرِهِ، ولا يَقَعُ الِاسْتِغْناءُ بِالنُّصُوصِ في حَقِّهِ، وأمّا في حَقِّ صاحِبِ الفَهْمِ فَلا يُحْتاجُ مَعَ النُّصُوصِ إلى غَيْرِها. [فَصْلٌ: في صُوَر للحكم بِالفِراسَةِ] وَمِن الحُكْمِ بِالفِراسَةِ والأماراتِ: ما رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي رافِعٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: خاصَمَ غُلامٌ مِن الأنْصارِ أُمَّهُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجَحَدَتْهُ، فَسَألَهُ البَيِّنَةَ، فَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ، وجاءَتْ المَرْأةُ بِنَفَرٍ، فَشَهِدُوا أنَّها لَمْ تَتَزَوَّجْ وأنَّ الغُلامَ كاذِبٌ عَلَيْها، وقَدْ قَذَفَها. فَأمَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِضَرْبِهِ، فَلَقِيَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَسَألَ عَنْ أمْرِهِمْ، فَأُخْبِرَ فَدَعاهُمْ، ثُمَّ قَعَدَ في مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وسَألَ المَرْأةَ فَجَحَدَتْ، فَقالَ لِلْغُلامِ: اجْحَدْها كَما جَحَدَتْك، فَقالَ: يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنّها أُمِّي، قالَ: اجْحَدْها، وأنا أبُوك والحَسَنُ والحُسَيْنُ أخَواك، قالَ: قَدْ جَحَدْتها، وأنْكَرْتها. فَقالَ عَلِيٌّ لِأوْلِياءِ المَرْأةِ: أمْرِي في هَذِهِ المَرْأةِ جائِزٌ؟ قالُوا: نَعَمْ، وفِينا أيْضًا، فَقالَ عَلِيٌّ: أُشْهِدُ مَن حَضَرَ أنِّي قَدْ زَوَّجْت هَذا الغُلامَ مِن هَذِهِ المَرْأةِ الغَرِيبَةِ مِنهُ، يا قَنْبَرُ ائْتِنِي بِطِينَةٍ فِيها دِرْهَمٌ، فَأتاهُ بِها، فَعَدَّ أرْبَعَمِائَةٍ وثَمانِينَ دِرْهَمًا، فَدَفَعَها مَهْرًا لَها. وَقالَ لِلْغُلامِ: خُذْ بِيَدِ امْرَأتِك، ولا تَأْتِنا إلّا وعَلَيْك أثَرُ العُرْسِ، فَلَمّا ولّى، قالَتْ المَرْأةُ: يا أبا الحَسَنِ، اللَّهَ اللَّهَ هو النّارُ، هو واللَّهِ ابْنِي. قالَ: وكَيْفَ ذَلِكَ؟ قالَتْ: إنّ أباهُ كانَ زِنْجِيًّا، وإنَّ إخْوَتِي زَوَّجُونِي مِنهُ، فَحَمَلْت بِهَذا الغُلامِ. وخَرَجَ الرَّجُلُ غازِيًا فَقُتِلَ، وبَعَثْت بِهَذا إلى حَيِّ بَنِي فُلانٍ. فَنَشَأ فِيهِمْ، وأنِفْت أنْ يَكُونَ ابْنِي، فَقالَ عَلِيٌّ: أنا أبُو الحَسَنِ، وألْحَقَهُ بِها، وثَبَتَ نَسَبَهُ. وَمِن ذَلِكَ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ رَجُلًا: كَيْفَ أنْتَ؟ فَقالَ: مِمَّنْ يُحِبُّ الفِتْنَةَ، ويَكْرَهُ الحَقَّ، ويَشْهَدُ عَلى ما لَمْ يَرَهُ، فَأمَرَ بِهِ إلى السِّجْنِ. فَأمَرَ عَلِيٌّ بِرَدِّهِ، وقالَ: صَدَقَ، قالَ: كَيْفَ صَدَّقْته؟ قالَ: يُحِبُّ المالَ والوَلَدَ. وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ويَكْرَهُ المَوْتَ، وهو حَقٌّ، ويَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَرَهُ، فَأمَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإطْلاقِهِ، قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وَقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِامْرَأةٍ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِشابٍّ مِن الأنْصارِ، وكانَتْ تَهْواهُ، فَلَمّا لَمْ يُساعِدْها احْتالَتْ عَلَيْهِ، فَأخَذَتْ بَيْضَةً فَألْقَتْ صُفارَها، وصَبَّتْ البَياضَ عَلى ثَوْبِها وبَيْنَ فَخْذَيْها، ثُمَّ جاءَتْ إلى عُمَرَ صارِخَةً، فَقالَتْ: هَذا الرَّجُلُ غَلَبَنِي عَلى نَفْسِي، وفَضَحَنِي في أهْلِي، وهَذا أثَرُ فِعالِهِ. فَسَألَ عُمَرُ النِّساءَ فَقُلْنَ لَهُ: إنّ بِبَدَنِها وثَوْبِها أثَرَ المَنِيِّ. فَهَمَّ بِعُقُوبَةِ الشّابِّ فَجَعَلَ يَسْتَغِيثُ، ويَقُولُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، تَثَبَّتْ في أمْرِي، فَواللَّهِ ما أتَيْت فاحِشَةً وما هَمَمْت بِها، فَلَقَدْ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فاعْتَصَمْت، فَقالَ عُمَرُ: يا أبا الحَسَنِ ما تَرى في أمْرِهِما، فَنَظَرَ عَلِيٌّ إلى ما عَلى الثَّوْبِ. ثُمَّ دَعا بِماءٍ حارٍّ شَدِيدِ الغَلَيانِ، فَصَبَّ عَلى الثَّوْبِ فَجَمَدَ ذَلِكَ البَياضُ، ثُمَّ أخَذَهُ واشْتَمَّهُ وذاقَهُ، فَعَرَفَ طَعْمَ البَيْضِ وزَجَرَ المَرْأةَ، فاعْتَرَفَتْ. قُلْت: ويُشْبِهُ هَذا ما ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أحْمَدَ: أنَّ المَرْأةَ إذا ادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها عِنِّينٌ، وأنْكَرَ ذَلِكَ وهي ثَيِّبٌ، فَإنَّهُ يُخْلى مَعَها في بَيْتٍ، ويُقالُ لَهُ: أخْرِجْ ماءَك عَلى شَيْءٍ، فَإنْ ادَّعَتْ أنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ جُعِلَ عَلى النّارِ، فَإنْ ذابَ فَهو مَنِيٌّ، وبَطَلَ قَوْلُها، وهَذا مَذْهَبُ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ. وهَذا حُكْمٌ بِالأماراتِ الظّاهِرَةِ، فَإنَّ المَنِيَّ إذا جُعِلَ عَلى النّارِ ذابَ واضْمَحَلَّ، وإنْ كانَ بَياضَ بَيْضٍ تَجَمَّعَ ويَبِسَ، فَإنْ قالَ: أنا أعْجِزُ عَنْ إخْراجِ مائِي صَحَّ قَوْلُها. وَقالَ الأصْبَغُ بْنُ نَباتَةَ: إنّ شابًّا شَكا إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفَرًا، فَقالَ: إنّ هَؤُلاءِ خَرَجُوا مَعَ أبِي في سَفَرٍ. فَعادُوا ولَمْ يَعُدْ أبِي، فَسَألْتهمْ عَنْهُ، فَقالُوا: ماتَ، فَسَألْتهمْ عَنْ مالِهِ؟ فَقالُوا: ما تَرَكَ شَيْئًا، وكانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وتَرافَعْنا إلى شُرَيْحٍ، فاسْتَحْلَفَهم وخَلّى سَبِيلَهُمْ، فَدَعا عَلِيٌّ بِالشُّرَطِ، فَوَكَّلَ بِكُلِّ رَجُلٍ رَجُلَيْنِ، وأوْصاهم ألّا يُمَكِّنُوا بَعْضَهم أنْ يَدْنُوَ مِن بَعْضٍ، ولا يَدَعُوا أحَدًا يُكَلِّمُهُمْ، ودَعا كاتِبَهُ، ودَعا أحَدَهم. فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أبِي هَذا الفَتى: في أيِّ يَوْمٍ خَرَجَ مَعَكُمْ؟ وفي أيِّ مَنزِلٍ نَزَلْتُمْ؟ وكَيْفَ كانَ سَيْرُكُمْ؟ وبِأيِّ عِلَّةٍ ماتَ؟ وكَيْفَ أُصِيبَ بِمالِهِ؟ وسَألَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ ودَفَنَهُ؟ ومَن تَوَلّى الصَّلاةَ عَلَيْهِ؟ وأيْنَ دُفِنَ؟ ونَحْوِ ذَلِكَ، والكاتِبُ يَكْتُبُ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلِيٌّ فَكَبَّرَ الحاضِرُونَ، والمُتَّهَمُونَ لا عِلْمَ لَهم إلّا أنَّهم ظَنُّوا أنَّ صاحِبَهم قَدْ أقَرَّ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ دَعا آخَرَ بَعْدَ أنْ غَيَّبَ الأوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ، فَسَألَهُ كَما سَألَ صاحِبَهُ، ثُمَّ الآخَرَ كَذَلِكَ، حَتّى عَرَفَ ما عِنْدَ الجَمِيعِ، فَوَجَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يُخْبِرُ بِضِدِّ ما أخْبَرَ بِهِ صاحِبُهُ، ثُمَّ أمَرَ بِرَدِّ الأوَّلِ، فَقالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْت غَدْرَك وكَذِبَك بِما سَمِعْت مِن أصْحابِك، وما يُنْجِيك مِن العُقُوبَةِ إلّا الصِّدْقُ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ إلى السِّجْنِ، وكَبَّرَ، وكَبَّرَ مَعَهُ الحاضِرُونَ، فَلَمّا أبْصَرَ القَوْمُ الحالَ لَمْ يَشُكُّوا أنَّ صاحِبَهم أقَرَّ عَلَيْهِمْ، فَدَعا آخَرَ مِنهُمْ، فَهَدَّدَهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ كارِهًا لِما صَنَعُوا، ثُمَّ دَعا الجَمِيعَ فَأقَرُّوا بِالقِصَّةِ، واسْتُدْعِيَ الَّذِي في السِّجْنِ، وقِيلَ لَهُ: قَدْ أقَرَّ أصْحابُك ولا يُنْجِيك سِوى الصِّدْقِ، فَأقَرَّ بِمِثْلِ ما أقَرَّ بِهِ القَوْمُ، فَأغْرَمَهم المالَ، وأقادَ مِنهم بِالقَتِيلِ. وَرُفِعَ إلى بَعْضِ القُضاةِ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا عَلى هامَتِهِ، فادَّعى المَضْرُوبُ: أنَّهُ أزالَ بَصَرَهُ وشَمَّهُ، فَقالَ: يُمْتَحَنُ، بِأنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ إلى قُرْصِ الشَّمْسِ، فَإنْ كانَ صَحِيحًا لَمْ تَثْبُتْ عَيْناهُ لَها، ويَنْحَدِرُ مِنهُما الدَّمْعُ. وتُحْرَقُ خِرْقَةٌ وتُقَدَّمُ إلى أنْفِهِ. فَإنْ كانَ صَحِيحَ الشَّمِّ: بَلَغَتْ الرّائِحَةُ خَيْشُومَهُ ودَمَعَتْ عَيْناهُ. وَرَأيْت في " أقْضِيَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " نَظِيرَ هَذِهِ القَضِيَّةِ، وأنَّ المَضْرُوبَ ادَّعى أنَّهُ أخْرَسُ. وأمَرَ أنْ يُخْرِجَ لِسانَهُ ويُنْخَسَ بِإبْرَةٍ، فَإنْ خَرَجَ الدَّمُ أحْمَرَ فَهو صَحِيحُ اللِّسانِ، وإنْ خَرَجَ أسْوَدَ فَهو أخْرَسُ. وَقالَ أصْبَغُ بْنُ نَباتَةَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في فِداءِ أسْرى المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ، فَقالَ: نادُوا مِنهم مَن كانَتْ جِراحاتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، دُونَ مَن كانَتْ مِن ورائِهِ. فَإنَّهُ فارٌّ. وَقَضى عَلِيٌّ أيْضًا في امْرَأةٍ تَزَوَّجَتْ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةُ زِفافِها أدْخَلَتْ صَدِيقَها الحَجَلَةَ سِرًّا، وجاءَ الزَّوْجُ فَدَخَلَ الحَجَلَةَ، فَوَثَبَ إلَيْهِ الصَّدِيقُ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ الزَّوْجُ الصَّدِيقَ. فَقامَتْ إلَيْهِ المَرْأةُ فَقَتَلَتْهُ، فَقَضى بِدِيَةِ الصَّدِيقِ عَلى المَرْأةِ، ثُمَّ قَتَلَها بِالزَّوْجِ، وإنَّما قَضى بِدِيَةِ الصَّدِيقِ عَلَيْها: لِأنَّها هي الَّتِي عَرَّضَتْهُ لِقَتْلِ الزَّوْجِ لَهُ؛ فَكانَتْ هي المُتَسَبِّبَةُ في قَتْلِهِ، وكانَتْ أوْلى بِالضَّمانِ مِن الزَّوْجِ المُباشِرِ؛ لِأنَّ المُباشِرَ قَتَلَهُ قَتْلًا مَأْذُونًا فِيهِ، دَفْعًا عَنْ حُرْمَتِهِ. فَهَذا مِن أحْسَنِ القَضاءِ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ، وهو الصَّوابُ. وَقَضى في رَجُلٍ فَرَّ مِن رَجُلٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَأمْسَكَهُ لَهُ آخَرُ، حَتّى أدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ؛ وبِقُرْبِهِ رَجُلٌ يَنْظُرُ إلَيْهِما، وهو يَقْدِرُ عَلى تَخْلِيصِهِ، فَوَقَفَ يَنْظُرُ إلَيْهِ حَتّى قَتَلَهُ. فَقَضى أنْ يُقْتَلَ القاتِلُ، ويُحْبَسَ المُمْسِكُ حَتّى يَمُوتَ، وتُفْقَأ عَيْنُ النّاظِرِ الَّذِي وقَفَ يَنْظُرُ ولَمْ يُنْكِرْ. وَقَضى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رَجُلٍ قَطَعَ فَرْجَ امْرَأتِهِ: أنْ تُؤْخَذَ مِنهُ دِيَةُ الفَرْجِ، ويُجْبَرُ عَلى إمْساكِها، حَتّى تَمُوتَ، وإنْ طَلَّقَها أنْفَقَ عَلَيْها. فَلِلَّهِ ما أحْسَنَ هَذا القَضاءَ، وأقْرَبَهُ مِن الصَّوابِ. فَأمّا الفَرْجُ: فَفِيهِ الدِّيَةُ كامِلَةً اتِّفاقًا، وأمّا إنْفاقُهُ عَلَيْها إنْ طَلَّقَها، فَلِأنَّهُ أفْسَدَها عَلى الأزْواجِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِنَفَقَتِها ومَصالِحِها فَسادًا لا يَعُودُ، وأمّا إجْبارُهُ عَلى إمْساكِها: فَمُعاقَبَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، فَإنَّهُ قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنها بِأمْرٍ مُحَرَّمٍ، وقَدْ كانَ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنها بِالطَّلاقِ، أوْ الخُلْعِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى هَذِهِ المُثْلَةِ القَبِيحَةِ، فَكانَ جَزاؤُهُ أنْ يُلْزَمَ بِإمْساكِها إلى المَوْتِ. وقَضى في مَوْلُودٍ وُلِدَ لَهُ رَأْسانِ وصَدْرانِ في حِقْوٍ واحِدٍ، فَقالُوا لَهُ: أيُوَرَّثُ مِيراثَ اثْنَيْنِ، أمْ مِيراثَ واحِدٍ؟ فَقالَ: يُتْرَكُ حَتّى يَنامَ، ثُمَّ يُصاحُ بِهِ، فَإنْ انْتَبَها جَمِيعًا، كانَ لَهُ مِيراثُ واحِدٍ، وإنْ انْتَبَهَ واحِدٌ وبَقِيَ الآخَرُ، كانَ لَهُ مِيراثُ اثْنَيْنِ. وَمِن ذَلِكَ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِامْرَأةٍ زَنَتْ، فَسَألَها فَأقَرَّتْ فَأمَرَ بِرَجْمِها. فَقالَ عَلِيٌّ: لَعَلَّ لَها عُذْرًا، ثُمَّ قالَ لَها: ما حَمَلَك عَلى الزِّنا؟ قالَتْ: كانَ لِي خَلِيطٌ، وفي إبِلِهِ ماءٌ ولَبَنٌ، ولَمْ يَكُنْ في إبِلِي ماءٌ ولا لَبَنٌ فَظَمِئْت فاسْتَسْقَيْته، فَأبى أنْ يَسْقِيَنِي حَتّى أُعْطِيَهُ نَفْسِي. فَأبَيْت عَلَيْهِ ثَلاثًا. فَلَمّا ظَمِئْت وظَنَنْت أنَّ نَفْسِي سَتَخْرُجُ أعْطَيْته الَّذِي أرادَ، فَسَقانِي، فَقالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ أكْبَرُ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وَمِن قَضايا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ وُجِدَ في خَرِبَةٍ بِيَدِهِ سِكِّينٌ مُتَلَطِّخَةٌ بِدَمٍ، وبَيْنَ يَدَيْهِ قَتِيلٌ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ. فَسَألَهُ؟ فَقالَ: أنا قَتَلْته، قالَ: اذْهَبُوا بِهِ فاقْتُلُوهُ. فَلَمّا ذُهِبَ بِهِ أقْبَلَ رَجُلٌ مُسْرِعًا، فَقالَ: يا قَوْمُ، لا تَعْجَلُوا. رُدُّوهُ إلى عَلِيٍّ، فَرَدُّوهُ، فَقالَ الرَّجُلُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما هَذا صاحِبُهُ، أنا قَتَلْته. فَقالَ عَلِيٌّ لِلْأوَّلِ: ما حَمَلَك عَلى أنْ قُلْت: أنا قاتِلُهُ، ولَمْ تَقْتُلْهُ؟ قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما أسْتَطِيعُ أنْ أصْنَعَ؟ وقَدْ وقَفَ العَسَسُ عَلى الرَّجُلِ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، وأنا واقِفٌ، وفي يَدِي سِكِّينٌ، وفِيها أثَرُ الدَّمِ، وقَدْ أُخِذْت في خَرِبَةٍ؟ فَخِفْت ألّا يُقْبَلَ مِنِّي، وأنْ يَكُونَ قَسامَةٌ، فاعْتَرَفْت بِما لَمْ أصْنَعْ، واحْتَسَبْت نَفْسِي عِنْدَ اللَّهِ. فَقالَ عَلِيٌّ: بِئْسَما صَنَعْت. فَكَيْفَ كانَ حَدِيثُك؟ قالَ: إنِّي رَجُلٌ قَصّابٌ، خَرَجْت إلى حانُوتِي في الغَلَسِ، فَذَبَحْت بَقَرَةً وسَلَخْتها. فَبَيْنَما أنا أسْلُخُها والسِّكِّينُ في يَدِي أخَذَنِي البَوْلُ. فَأتَيْت خَرِبَةً كانَتْ بِقُرْبِي فَدَخَلْتها، فَقَضَيْت حاجَتِي، وعُدْت أُرِيدُ حانُوتِي، فَإذا أنا بِهَذا المَقْتُولِ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ فَراعَنِي أمْرُهُ، فَوَقَفْت أنْظُرُ إلَيْهِ والسِّكِّينُ في يَدِي، فَلَمْ أشْعُرْ إلّا بِأصْحابِك قَدْ وقَفُوا عَلَيَّ فَأخَذُونِي، فَقالَ النّاسُ: هَذا قَتَلَ هَذا، ما لَهُ قاتِلٌ سِواهُ. فَأيْقَنْت أنَّك لا تَتْرُكُ قَوْلَهم لِقَوْلِي، فاعْتَرَفْت بِما لَمْ أجْنِهِ، فَقالَ عَلِيٌّ لِلْمُقِرِّ الثّانِي: فَأنْتَ كَيْفَ كانَتْ قِصَّتُك؟ فَقالَ أغْوانِي إبْلِيسٌ، فَقَتَلْت الرَّجُلَ طَمَعًا في مالِهِ، ثُمَّ سَمِعْت حِسَّ العَسَسِ، فَخَرَجْت مِن الخَرِبَةِ، واسْتَقْبَلْت هَذا القَصّابَ عَلى الحالِ الَّتِي وصَفَ، فاسْتَتَرْت مِنهُ بِبَعْضِ الخَرِبَةِ حَتّى أتى العَسَسُ، فَأخَذُوهُ وأتَوْك بِهِ. فَلَمّا أمَرْتَ بِقَتْلِهِ عَلِمْت أنِّي سَأبُوءُ بِدَمِهِ أيْضًا، فاعْتَرَفْت بِالحَقِّ. فَقالَ لِلْحَسَنِ: ما الحُكْمُ فِي، هَذا؟ قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنْ كانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَدْ أحْيا نَفْسًا، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فَخَلّى عَلِيٌّ عَنْهُما، وأخْرَجَ دِيَةَ القَتِيلِ مِن بَيْتِ المالِ. وَتَقَدَّمَ إلى إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَقالَ إياسٌ: أمّا إحْداهُنَّ فَحامِلٌ، والأُخْرى مُرْضِعٌ، والأُخْرى ثَيِّبٌ، والأُخْرى بِكْرٌ. فَنَظَرُوا فَوَجَدُوا الأمْرَ كَما قالَ. قالُوا: وكَيْف عَرَفْتَ؟ فَقالَ: أمّا الحامِلُ: فَكانَتْ تُكَلِّمُنِي وتَرْفَعُ ثَوْبَها عَنْ بَطْنِها. فَعَرَفْت أنَّها حامِلٌ، وأمّا المُرْضِعُ: فَكانَتْ تَضْرِبُ ثَدْيَها. فَعَرَفْتُ أنَّها مُرْضِعٌ، وأمّا الثَّيِّبُ: فَكانَتْ تُكَلِّمُنِي وعَيْنُها في عَيْنِي فَعَرَفْتُ أنَّها ثَيِّبٌ، وأمّا البِكْرُ: فَكانَتْ تُكَلِّمُنِي وعَيْنُها في الأرْضِ، فَعَرَفْت أنَّها بِكْرٌ. وَقالَ المَدائِنِيُّ عَنْ رَوْحٍ: اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مِن أُمَناءِ النّاسِ مالًا. ثُمَّ رَجَعَ فَطَلَبَهُ فَجَحَدَهُ، فَأتى إياسًا فَأخْبَرَهُ. فَقالَ لَهُ إياسٌ: انْصَرِفْ واكْتُمْ أمْرَك، ولا تُعْلِمْهُ أنَّك أتَيْتَنِي. ثُمَّ عُدْ إلَيَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. فَدَعا إياسٌ المُودَعَ، فَقالَ: قَدْ حَضَرَ مالٌ كَثِيرٌ، وأُرِيدُ أنْ أُسَلِّمَهُ إلَيْك، أفَحَصِينٌ مَنزِلُك؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأعِدَّ لَهُ مَوْضِعًا وحَمّالِينَ. وعادَ الرَّجُلُ إلى إياسٍ، فَقالَ: انْطَلِقْ إلى صاحِبِك فاطْلُبْ المالَ. فَإنْ أعْطاك فَذاكَ، وإنْ جَحَدَك فَقُلْ لَهُ: إنِّي أُخْبِرُ القاضِيَ. فَأتى الرَّجُلُ صاحِبَهُ فَقالَ: مالِي، وإلّا أتَيْت القاضِيَ، وشَكَوْت إلَيْهِ، وأخْبَرْته بِأمْرِي، فَدَفَعَ إلَيْهِ مالَهُ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلى إياسٍ، فَقالَ: قَدْ أعْطانِي المالَ وجاءَ الأمِينُ إلى إياسٍ لِمَوْعِدِهِ، فَزَجَرَهُ وانْتَهَرَهُ، وقالَ لا تَقْرَبْنِي يا خائِنُ. وَقالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَقَلَّدَ بِواسِطٍ رَجُلٌ ثِقَةٌ، فَأوْدَعَ رَجُلٌ بَعْضَ شُهُودِهِ كِيسًا مَخْتُومًا، وذَكَرَ أنَّ فِيهِ ألْفَ دِينارٍ. فَلَمّا طالَتْ غَيْبَةُ الرَّجُلِ فَتَقَ الشّاهِدُ الكِيسَ مِن أسْفَلِهِ وأخَذَ الدَّنانِيرَ، وجَعَلَ مَكانَها دَراهِمَ، وأعادَ الخِياطَةَ كَما كانَتْ. وَجاءَ صاحِبُهُ، فَطَلَبَ ودِيعَتَهُ، فَدَفَعَ إلَيْهِ الكِيسَ بِخَتْمِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَمّا فَتَحَهُ وشاهَدَ الحالَ رَجَعَ إلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي أوْدَعْتُك دَنانِيرَ، واَلَّذِي دَفَعْت إلَيَّ دَراهِمُ، فَقالَ: هو كِيسُك بِخاتَمِك فاسْتَعْدى عَلَيْهِ القاضِيَ، فَأمَرَ بِإحْضارِ المُودَعَ، فَلَمّا صارا بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ لَهُ القاضِي مُنْذُ كَمْ أوْدَعَك هَذا الكِيسَ؟ فَقالَ: مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأخَذَ القاضِي تِلْكَ الدَّراهِمَ وقَرَأ سِكَّتَها، فَإذا فِيها ما قَدْ ضُرِبَ مِن سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ، فَأمَرَهُ بِدَفْعِ الدَّنانِيرِ إلَيْهِ، وأسْقَطَهُ ونادى عَلَيْهِ. واسْتَوْدَعَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ مالًا، فَجَحَدَهُ، فَرَفَعَهُ إلى إياسٍ، فَسَألَهُ فَأنْكَرَ؟ فَقالَ لِلْمُدَّعِي: أيْنَ دَفَعْت إلَيْهِ؟ فَقالَ: في مَكان في البَرِيَّةِ، فَقالَ: وما كانَ هُناكَ، قالَ: شَجَرَةٌ، قالَ: اذْهَبْ إلَيْها فَلَعَلَّك دَفَنْت المالَ عِنْدَها ونَسِيت، فَتَذْكُرَ إذا رَأيْت الشَّجَرَةَ؛ فَمَضى، وقالَ لِلْخَصْمِ: اجْلِسْ حَتّى يَرْجِعَ صاحِبُك، وإياسٌ يَقْضِي ويَنْظُرُ إلَيْهِ ساعَةً بَعْدَ ساعَةٍ. ثُمَّ قالَ لَهُ: يا هَذا، أتَرى صاحِبَك قَدْ بَلَغَ مَكانَ الشَّجَرَةِ؟ قالَ: لا، قالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، إنّك خائِنٌ، قالَ: أقِلْنِي، قالَ: لا أقالَك اللَّهُ. وأمَرَ أنْ يُحْتَفَظَ بِهِ حَتّى جاءَ الرَّجُلُ، فَقالَ لَهُ إياسٌ: اذْهَبْ مَعَهُ فَخُذْ حَقَّك. وَجَرى نَظِيرُ هَذِهِ القَضِيَّةِ لِغَيْرِهِ مِن القُضاةِ: ادَّعى عِنْدَهُ رَجُلٌ أنَّهُ سَلَّمَ غَرِيمًا لَهُ مالًا ودِيعَةً فَأنْكَرَهُ، فَقالَ لَهُ القاضِي: أيْنَ سَلَّمْته إيّاهُ؟ قالَ: بِمَسْجِدٍ ناءٍ عَنْ البَلَدِ. قالَ: اذْهَبْ فَجِئْنِي مِنهُ بِمُصْحَفٍ أُحَلِّفُهُ عَلَيْهِ، فَمَضى، واعْتَقَلَ القاضِي الغَرِيمَ، ثُمَّ قالَ لَهُ: أتُراهُ بَلَغَ المَسْجِدَ؟ قالَ: لا فَألْزَمَهُ بِالمالِ. وَكانَ القاضِي أبُو حازِمٍ لَهُ في ذَلِكَ العَجَبُ العُجابُ، وكانُوا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَظْهَرُ الحَقُّ فِيما يَفْعَلُهُ. قالَ مُكْرَمُ بْنُ أحْمَدَ: كُنْت في مَجْلِسِ القاضِي أبِي حازِمٍ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ شَيْخٌ ومَعَهُ غُلامٌ حَدَثٌ، فادَّعى الشَّيْخُ عَلَيْهِ ألْفَ دِينارٍ دَيْنًا، فَقالَ: ما تَقُولُ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ القاضِي لِلشَّيْخِ ما تُرِيدُ؟ قالَ: حَبْسَهُ؟ قالَ: لا، فَقالَ الشَّيْخُ: إنْ رَأى القاضِي أنْ يَحْبِسَهُ فَهو أرْجى لِحُصُولِ مالِي. فَتَفَرَّسَ أبُو حازِمٍ فِيهِما ساعَةً. ثُمَّ قالَ: تَلازَما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما في مَجْلِسٍ آخَرَ، فَقُلْت لَهُ: لِمَ أخَّرْت حَبْسَهُ؟ فَقالَ: ويْحَك، إنِّي أعْرِفُ في أكْثَرِ الأحْوالِ في وُجُوهِ الخُصُومِ وجْهَ المُحِقِّ مِن المُبْطِلِ، وقَدْ صارَتْ لِي بِذَلِكَ دِرايَةٌ لا تَكادُ تُخْطِئُ، وقَدْ وقَعَ إلَيَّ أنَّ سَماحَةَ هَذا بِالإقْرارِ عَيْنُ كَذِبِهِ ولَعَلَّهُ يَنْكَشِفُ لِي مِن أمْرِهِما ما أكُونُ مَعَهُ عَلى بَصِيرَةٍ، أما رَأيْت قِلَّةَ تَقَصِّيهِما في النّاكِرَةِ، وقِلَّةَ اخْتِلافِهِما، وسُكُونَ طِباعِهِما مَعَ عِظَمِ المالِ؟ وما جَرَتْ عادَةُ الأحْداثِ بِفَرْطِ التَّوَرُّعِ حَتّى يُقِرَّ مِثْلُ هَذا طَوْعًا عَجِلًا، مُنْشَرِحَ. الصَّدْرِ عَلى هَذا المالِ، قالَ: فَنَحْنُ كَذَلِكَ نَتَحَدَّثُ إذْ أتى الآذِنُ يَسْتَأْذِنُ عَلى القاضِي لِبَعْضِ التُّجّارِ، فَأذِنَ لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ قالَ: أصْلَحَ اللَّهُ القاضِيَ، إنِّي بُلِيت بِوَلَدٍ لِي حَدَثٍ يُتْلِفُ كُلَّ مالٍ يَظْفَرُ بِهِ مِن مالِي في القِيانِ عِنْدَ فُلانٍ فَإذا مَنَعْته احْتالَ بِحِيَلٍ تَضْطَرُّنِي إلى التِزامِ الغُرْمِ عَنْهُ. وقَدْ نَصَبَ اليَوْمَ صاحِبُ القِيانِ يُطالِبُ بِألْفِ دِينارٍ حالًّا، وبَلَغَنِي أنَّهُ تَقَدَّمَ إلى القاضِي لِيُقِرَّ لَهُ فَيَحْبِسَهُ. وأقَعَ مَعَ أُمِّهِ فِيما يُنَكِّدُ عَيْشَنا إلى أنْ أقْضِيَ عَنْهُ. فَلَمّا سَمِعْت بِذَلِكَ بادَرْت إلى القاضِي لِأشْرَحَ لَهُ أمْرَهُ، فَتَبَسَّمَ القاضِي، وقالَ لِي: كَيْفَ رَأيْت؟ فَقُلْت: هَذا مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلى القاضِي، فَقالَ: عَلَيَّ بِالغُلامِ والشَّيْخِ. فَأرْهَبَ أبُو حازِمٍ الشَّيْخَ، ووَعَظَ الغُلامَ. فَأقَرّا، فَأخَذَ الرَّجُلُ ابْنَهُ وانْصَرَفا. وَقالَ أبُو السّائِبِ: كانَ بِبَلَدِنا رَجُلٌ مَسْتُورُ الحالِ، فَأحَبَّ القاضِي قَبُولَ قَوْلِهِ، فَسَألَ عَنْهُ فَزُكِّيَ عِنْدَهُ سِرًّا وجَهْرًا، فَراسَلَهُ في حُضُورِ مَجْلِسِهِ لِإقامَةِ شَهادَةٍ وجَلَسَ القاضِي وحَضَرَ الرَّجُلُ، فَلَمّا أرادَ إقامَةَ الشَّهادَةِ لَمْ يَقْبَلْهُ القاضِي فَسُئِلَ عَنْ السَّبَبِ؟ فَقالَ: انْكَشَفَ لِي أنَّهُ مُراءٍ، فَلَمْ يَسَعْنِي قَبُولُ قَوْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: ومِن أيْنَ عَلِمْت ذَلِكَ؟ قالَ: كانَ يَدْخُلُ إلَيَّ في كُلِّ يَوْمٍ فَأعُدُّ خُطاهُ مِن حَيْثُ تَقَعُ عَيْنِي عَلَيْهِ مِن البابِ إلى مَجْلِسِي، فَلَمّا دَعَوْته اليَوْمَ جاءَ، فَعَدَدْت خُطاهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ فَإذا هي قَدْ زادَتْ ثَلاثًا أوْ نَحْوَها، فَعَلِمْت أنَّهُ مُتَصَنِّعٌ فَلَمْ أقْبَلْهُ. وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شَهِدَ الفَرَزْدَقُ عِنْدَ بَعْضِ القُضاةِ، فَقالَ: قَدْ أجَزْنا شَهادَةَ أبِي فِراسٍ وزَيْدُونًا، فَقِيلَ لَهُ حِينَ انْصَرَفَ: إنّهُ واللَّهِ ما أجازَ شَهادَتَك. وَلِلَّهِ فِراسَةُ مَن هو إمامُ المُتَفَرِّسِينَ، وشَيْخُ المُتَوَسِّمِينَ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُ لَهُ فِراسَةٌ، وكانَ يَحْكُمُ بَيْنَ الأُمَّةِ بِالفِراسَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالوَحْيِ. قالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَوْمًا بِفَتًى أمْرَدَ، وقَدْ وُجِدَ قَتِيلًا مُلْقًى عَلى وجْهِ الطَّرِيقِ، فَسَألَ عُمَرُ عَنْ أمْرِهِ واجْتَهَدَ فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلى خَبَرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: اللَّهُمَّ أظْفِرْنِي بِقاتِلِهِ، حَتّى إذا كانَ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ وُجِدَ صَبِيٌّ مَوْلُودٌ مُلْقًى بِمَوْضِعِ القَتِيلِ، فَأُتِيَ بِهِ عُمَرَ؛ فَقالَ: ظَفِرْت بِدَمِ القَتِيلِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى؛ فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلى امْرَأةٍ، وقالَ لَها: قُومِي بِشَأْنِهِ، وخُذِي مِنّا نَفَقَتَهُ، وانْظُرِي مَن يَأْخُذُهُ مِنك؛ فَإذا وجَدْت امْرَأةً تُقَبِّلُهُ وتَضُمُّهُ إلى صَدْرِها فَأعْلِمِينِي بِمَكانِها. فَلَمّا شَبَّ الصَّبِيُّ جاءَتْ جارِيَةٌ، فَقالَتْ لِلْمَرْأةِ: إنّ سَيِّدَتِي بَعَثَتْنِي إلَيْك لِتَبْعَثِي بِالصَّبِيِّ لِتَراهُ وتَرُدَّهُ إلَيْك، قالَتْ: نَعَمْ، اذْهَبِي بِهِ إلَيْها، وأنا مَعَك. فَذَهَبَتْ بِالصَّبِيِّ والمَرْأةُ مَعَها، حَتّى دَخَلَتْ عَلى سَيِّدَتِها، فَلَمّا رَأتْهُ أخَذْته فَقَبَّلَتْهُ وضَمَّتْهُ إلَيْها؛ فَإذا هي ابْنَةُ شَيْخٍ مِن الأنْصارِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأتَتْ عُمَرَ فَأخْبَرَتْهُ، فاشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ إلى مَنزِل المَرْأةِ. فَوَجَدَ أباها مُتَّكِئًا عَلى بابِ دارِهِ، فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ، ما فَعَلَتْ ابْنَتُك فُلانَةُ؟ قالَ: جَزاها اللَّهُ خَيْرًا يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هي مِن أعْرَفِ النّاسِ بِحَقِّ اللَّهِ وحَقِّ أبِيها، مَعَ حُسْنِ صَلاتِها وصِيامِها، والقِيامِ بِدِينِها. فَقالَ عُمَرُ: قَدْ أحْبَبْت أنْ أدْخُلَ إلَيْها، فَأزِيدَها رَغْبَةً في الخَيْرِ، وأحُثَّها عَلَيْهِ؛ فَدَخَلَ أبُوها، ودَخَلَ عُمَرُ مَعَهُ. فَأمَرَ عُمَرُ مَن عِنْدَها فَخَرَجَ، وبَقِيَ هو والمَرْأةُ في البَيْتِ، فَكَشَفَ عُمَرُ عَنْ السَّيْفِ، وقالَ: أصْدِقِينِي، وإلّا ضَرَبْت عُنُقَك، وكانَ لا يَكْذِبُ. فَقالَتْ: عَلى رِسْلِك، فَواللَّهِ لَأصْدُقَنَّ: إنّ عَجُوزًا كانَتْ تَدْخُلُ عَلَيَّ فَأتَّخِذُها أُمًّا، وكانَتْ تَقُومُ مِن أمْرِي بِما تَقُومُ بِهِ الوالِدَةُ. وكُنْت لَها بِمَنزِلَةِ البِنْتِ، حَتّى مَضى لِذَلِكَ حِينٌ، ثُمَّ إنّها قالَتْ: يا بُنَيَّةُ، إنّهُ قَدْ عَرَضَ لِي سَفَرٌ، ولِي ابْنَةٌ في مَوْضِعِ أتَخَوَّفُ عَلَيْها فِيهِ أنْ تَضِيعَ، وقَدْ أحْبَبْت أنْ أضُمَّها إلَيْك حَتّى أرْجِعَ مِن سَفَرِي، فَعَمَدَتْ إلى ابْنٍ لَها شابٍّ أمْرَدَ، فَهَيَّأْته كَهَيْئَةِ الجارِيَةِ، وأتَتْنِي بِهِ، لا أشُكُّ أنَّهُ جارِيَةٌ؛ فَكانَ يَرى مِنِّي ما تَرى الجارِيَةُ مِن الجارِيَةِ، حَتّى اغْتَفَلَنِي يَوْمًا وأنا نائِمَةٌ، فَما شَعَرْت حَتّى عَلانِي وخالَطَنِي، فَمَدَدْت يَدِي إلى شَفْرَةٍ كانَتْ إلى جانِبِي فَقَتَلْته. ثُمَّ أمَرْت بِهِ فَأُلْقِيَ حَيْثُ رَأيْت، فاشْتَمَلْت مِنهُ عَلى هَذا الصَّبِيِّ، فَلَمّا وضَعْته ألْقَيْته في مَوْضِعِ أبِيهِ. فَهَذا واللَّهِ خَبَرُهُما عَلى ما أعْلَمْتُك. فَقالَ: صَدَقْت، ثُمَّ أوْصاها، ودَعا لَها وخَرَجَ. وقالَ لِأبِيها: نِعْمَتْ الِابْنَةُ ابْنَتُك؛ ثُمَّ انْصَرَفَ. وَمِن ذَلِكَ: فِراسَةُ ابْنِ عُمَرَ في الحُسَيْنِ لَمّا ودَّعَهُ، وقالَ: " أسْتَوْدِعُك اللَّهَ مِن قَتِيلٍ "، ومَعَهُ كُتُبُ أهْلِ العِراقِ، فَكانَتْ فِراسَةُ ابْنِ عُمَرَ أصْدَقُ مِن كُتُبِهِمْ. وَمِن ذَلِكَ: أنَّ رَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ دَفَعا إلى امْرَأةٍ مِائَةَ دِينارٍ ودِيعَةً، وقالا: لا تَدْفَعِيها إلى واحِدٍ مِنّا دُونَ صاحِبِهِ. فَلَبِثا حَوْلًا، فَجاءَ أحَدُهُما، فَقالَ: إنّ صاحِبِي قَدْ ماتَ فادْفَعِي إلَيَّ الدَّنانِيرَ. فَأبَتْ، وقالَتْ: إنّكُما قُلْتُما لِي لا تَدْفَعِيها إلى واحِدٍ مِنّا دُونَ صاحِبِهِ، فَلَسْت بِدافِعَتِها إلَيْك؛ فَثَقُلَ عَلَيْها بِأهْلِها وجِيرانِها حَتّى دَفَعَتْها إلَيْهِ، ثُمَّ لَبِثَتْ حَوْلًا آخَرَ؛ فَجاءَ الآخَرُ. فَقالَ: ادْفَعِي إلَيَّ الدَّنانِيرَ. فَقالَتْ: إنّ صاحِبَك جاءَنِي فَزَعَمَ أنَّك قَدْ مِتّ، فَدَفَعْتُها إلَيْهِ. فاخْتَصَما إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأرادَ أنْ يَقْضِيَ عَلَيْها. فَقالَتْ: ادْفَعْنا إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَعَرَفَ عَلِيٌّ أنَّهُما قَدْ مَكَرا بِها؛ فَقالَ: ألَيْسَ قَدْ قُلْتُما: لا تَدْفَعِيها إلى واحِدٍ مِنّا دُونَ صاحِبِهِ؟ قالا: بَلى؛ قالَ: فَإنَّ مالَك عِنْدَها، فاذْهَبْ فَجِئْ بِصاحِبِك حَتّى تَدْفَعَهُ إلَيْكُما. [فصل: في فِراسَةِ الحاكِمِ] وَمِن فِراسَةِ الحاكِمِ: ما ذَكَرَهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: أنَّ إياسَ بْنَ مُعاوِيَةَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، اسْتَوْدَعَ أحَدُهُما صاحِبَهُ ودِيعَةً؛ فَقالَ: صاحِبُ الوَدِيعَةِ: اسْتَحْلِفْهُ بِاللَّهِ ما لِي عِنْدَهُ ودِيعَةٌ فَقالَ إياسٌ: بَلْ أسْتَحْلِفُهُ بِاللَّهِ مالَك عِنْدَهُ ودِيعَةٌ ولا غَيْرُها. وَهَذا مِن أحْسَنِ الفِراسَةِ؛ فَإنَّهُ إذا قالَ: " ما لَهُ عِنْدِي ودِيعَةٌ " احْتَمَلَ النَّفْيَ؛ واحْتَمَلَ الإقْرارَ فَيَنْصِبُ " مالَهُ " بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ دَفَعَ مالَهُ إلَيَّ، أوْ أعْطانِي مالَهُ؛ أوْ يَجْعَلُ " ما " مَوْصُولَةً والجارَّ والمَجْرُورَ صِلَتَها ووَدِيعَةٌ خَبَرٌ عَنْ " ما " فَإذا قالَ: " ولا غَيْرُها " تَعَيَّنَ النَّفْيُ. وَقالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: شَهِدْت إياسَ بْنَ مُعاوِيَةَ يَقُولُ في رَجُلٍ ارْتَهَنَ رَهْنًا؛ فَقالَ المُرْتَهِنُ: رَهَنْته بِعَشَرَةٍ وقالَ الرّاهِنُ: رَهَنْته بِخَمْسَةٍ؛ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرّاهِنِ بَيِّنَةٌ أنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ الرَّهْنَ فالقَوْلُ، ما قالَ الرّاهِنُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِ الرَّهْنِ إلَيْهِ؛ والرَّهْنُ بِيَدِ المُرْتَهِنِ. فالقَوْلُ ما قالَ المُرْتَهِنُ؛ لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَحَدَهُ الرَّهْنَ. قُلْت: وهَذا قَوْلٌ ثالِثٌ في المَسْألَةِ؛ وهو مِن أحْسَنِ الأقْوالِ، فَإنَّ إقْرارَهُ بِالرَّهْنِ - وهو في يَدِهِ ولا بَيِّنَةَ لِلرّاهِنِ - دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ؛ وأنَّهُ مُحِقٌّ، ولَوْ كانَ مُبْطِلًا لَجَحَدَهُ الرَّهْنَ رَأْسًا. ومالِكٌ وشَيْخُنا رَحِمَهُما اللَّهُ، يَجْعَلانِ القَوْلَ قَوْلَ المُرْتَهِنِ، ما لَمْ يَزِدْ عَلى قِيمَةِ الرَّهْنِ والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، يَجْعَلُونَ القَوْلَ قَوْلَ الرّاهِنِ مُطْلَقًا. وَقالَ إياسٌ أيْضًا: مَن أقَرَّ بِشَيْءٍ، ولَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ ما قالَ. وَهَذا أيْضًا مِن أحْسَنِ القَضاءِ، لِأنَّ إقْرارَهُ عَلَمٌ عَلى صِدْقِهِ، فَإذا ادَّعى عَلَيْهِ ألْفًا، ولا بَيِّنَةَ لَهُ، فَقالَ: صَدَقَ، إلّا أنِّي قَضَيْته إيّاها، فالقَوْلُ لَهُ، وكَذَلِكَ إذا أقَرَّ بِأنَّهُ قَبَضَ مِن مُوَرِّثِهِ ودِيعَةً، ولا بَيِّنَةَ لَهُ، وادَّعى رَدَّها إلَيْهِ. وَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ البَصْرِيُّ: جاءَ رَجُلانِ إلى إياسَ بْنِ مُعاوِيَةَ؛ يَخْتَصِمانِ في قَطِيفَتَيْنِ: إحْداهُما حَمْراءُ؛ والأُخْرى خَضْراءُ؛ فَقالَ أحَدُهُما: دَخَلْت الحَوْضَ لِأغْتَسِلَ، ووَضَعْت قَطِيفَتِي، ثُمَّ جاءَ هَذا، فَوَضَعَ قَطِيفَتَهُ تَحْتَ قَطِيفَتِي، ثُمَّ دَخَلَ فاغْتَسَلَ، فَخَرَجَ قَبْلِي، وأخَذَ قَطِيفَتِي فَمَضى بِها؛ ثُمَّ خَرَجْت فَتَبِعْته، فَزَعَمَ أنَّها قَطِيفَتُهُ؛ فَقالَ: ألَك بَيِّنَةٌ؟ قالَ: لا. قالَ: ائْتُونِي بِمُشْطٍ؛ فَأُتِيَ بِمُشْطٍ، فَسَرَّحَ رَأْسَ هَذا، ورَأْسَ هَذا. فَخَرَجَ مِن رَأْسِ أحَدِهِما صُوفٌ أحْمَرُ، ومِن رَأْسِ الآخَرِ صُوفٌ أخْضَرُ؛ فَقَضى بِالحَمْراءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِن رَأْسِهِ الصُّوفُ الأحْمَرُ، وبِالخَضْراءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِن رَأْسِهِ الصُّوفُ الأخْضَرُ. وَقالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ زَيْدٍ أبِي عَلاءٍ: شَهِدْت إياسَ بْنَ مُعاوِيَةَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فَقالَ أحَدُهُما: إنّهُ باعَنِي جارِيَةً رَعْناءَ؛ فَقالَ إياسٌ: وما عَسى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرُّعُونَةُ؟ قالَ: شِبْهُ الجُنُونِ. فَقالَ إياسٌ: يا جارِيَةُ، أتَذْكُرِينَ مَتى وُلِدْت؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَأيُّ رِجْلَيْك أطْوَلُ؟ قالَتْ: هَذِهِ؛ فَقالَ إياسٌ: رُدَّها؛ فَإنَّها مَجْنُونَةٌ. وَقالَ أبُو الحَسَنِ المَدائِنِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ: أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ شَهِدَ عِنْدَ ابْنِهِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ - مَعَ رِجالٍ عَدَّلَهم - عَلى رَجُلٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَقالَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ: يا أبا وائِلَةَ، تَثَبَّتْ في أمْرِي، فَواللَّهِ ما أشْهَدْتُهم إلّا عَلى ألْفَيْنِ. فَسَألَ إياسٌ أباهُ والشُّهُودَ: أكانَ في الصَّحِيفَةِ الَّتِي شَهِدُوا عَلَيْها فَضْلٌ؟ قالُوا: نَعَمْ، كانَ الكِتابُ في أوَّلِها والطَّيَّةُ في وسْطِها، وباقِي الصَّحِيفَةِ أبْيَضُ. قالَ: أفَكانَ المَشْهُودُ لَهُ يَلْقاكم أحْيانا، فَيُذَكِّرُكم شَهادَتَكم بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ؟ قالُوا: نَعَمْ، كانَ لا يَزالُ يَلْقانا، فَيَقُولُ: اذْكُرُوا شَهادَتَكم عَلى فُلانٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَصَرَفَهُمْ، ودَعا المَشْهُودَ لَهُ. فَقالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، تَغَفَّلْت قَوْمًا صالِحِينَ مُغَفَّلِينَ، فَأشْهَدْتهمْ عَلى صَحِيفَةٍ جَعَلْت طَيَّتَها في وسَطِها، وتَرَكْت فِيها بَياضًا في أسْفَلِها، فَلَمّا خَتَمُوا الطَّيَّةَ قَطَعْت الكِتابَ الَّذِي فِيهِ حَقُّك ألْفا دِرْهَمٍ، وكَتَبْت في البَياضِ أرْبَعَةَ آلافٍ فَصارَتْ الطَّيَّةُ في آخِرِ الكِتابِ، ثُمَّ كُنْت تَلْقاهم فَتُلَقِّنُهُمْ، وتُذَكِّرُهم أنَّها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَأقَرَّ بِذَلِكَ، وسَألَهُ السَّتْرَ عَلَيْهِ، فَحَكَمَ لَهُ بِألْفَيْنِ وسَتَرَ عَلَيْهِ. وَقالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ البَصْرِيِّ: كُنّا عِنْدَ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ، قَبْلَ أنْ يُسْتَقْضى، وكُنّا نَكْتُبُ عَنْهُ الفِراسَةَ، كَما نَكْتُبُ عَنْ المُحَدِّثِ الحَدِيثَ، إذْ جاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عَلى دُكّانٍ مُرْتَفِعٍ بِالمِرْبَدِ. فَجَعَلَ يَتَرَصَّدُ الطَّرِيقَ. فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ رَجُلًا، فَنَظَرَ في وجْهِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَوْضِعِهِ، فَقالَ إياسٌ: قُولُوا في هَذا الرَّجُلِ، قالُوا: ما نَقُولُ؟ رَجُلٌ طالِبُ حاجَةٍ. فَقالَ: هو مُعَلِّمُ صِبْيانٍ، قَدْ أبَقَ لَهُ غُلامٌ أعْوَرُ، فَقامَ إلَيْهِ بَعْضُنا فَسَألَهُ عَنْ حاجَتِهِ؟ فَقالَ: هو غُلامٌ لِي آبِقٌ. قالُوا: وما صِفَتُهُ؟ قالَ: كَذا وكَذا، وإحْدى عَيْنَيْهِ ذاهِبَةٌ، قُلْنا: وما صَنْعَتُك؟ قالَ: أُعَلِّمُ الصِّبْيانَ. قُلْنا لِإياسٍ: كَيْفَ عَلِمْت ذَلِكَ؟ قالَ: رَأيْته جاءَ، فَجَعَلَ يَطْلُبُ مَوْضِعًا يَجْلِسُ فِيهِ، فَنَظَرَ إلى، أرْفَعِ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَنَظَرْت في قَدْرِهِ فَإذا لَيْسَ قَدْرُهُ قَدْرَ المُلُوكِ، فَنَظَرْت فِيمَن اعْتادَ في جُلُوسِهِ جُلُوسَ المُلُوكِ، فَلَمْ أجِدْهم إلّا المُعَلِّمِينَ، فَعَلِمْت أنَّهُ مُعَلِّمُ صِبْيانٍ، فَقُلْنا: كَيْفَ عَلِمْت أنَّهُ أبَقَ لَهُ غُلامٌ؟ قالَ: إنِّي رَأيْته يَتَرَصَّدُ الطَّرِيقَ، يَنْظُرُ في وُجُوهِ النّاسِ. قُلْنا: كَيْفَ عَلِمْت أنَّهُ أعْوَرُ؟ قالَ: بَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ رَجُلًا قَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، فَعَلِمْت أنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِغُلامِهِ. وَقالَ الحارِثُ بْنُ مُرَّةَ نَظَرَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ إلى رَجُلٍ، فَقالَ: هَذا غَرِيبٌ، وهو مِن أهْلِ واسِطَ. وهو مُعَلِّمٌ، وهو يَطْلُبُ عَبْدًا لَهُ أبَقَ. فَوَجَدُوا الأمْرَ كَما قالَ. فَسَألُوهُ؟ فَقالَ: رَأيْته يَمْشِي ويَلْتَفِت، فَعَلِمْت أنَّهُ غَرِيبٌ، ورَأيْته وعَلى ثَوْبِهِ حُمْرَةُ تُرْبَة واسِطَ فَعَلِمْت أنَّهُ مِن أهْلِها، ورَأيْته يَمُرُّ بِالصِّبْيانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ولا يُسَلِّمُ عَلى الرِّجالِ، فَعَلِمْت أنَّهُ مُعَلِّمٌ. ورَأيْته إذا مَرَّ بِذِي هَيْئَةٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وإذا مَرَّ بِذِي أسْمالٍ تَأمَّلَهُ، فَعَلِمْت أنَّهُ يَطْلُبُ آبِقًا. وَقالَ هِلالُ بْنُ العَلاءِ الرَّقِّيُّ عَنْ القاسِمِ بْنِ مَنصُورٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ بُكَيْرٍ: مَرَّ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ، فَسَمِعَ قِراءَةً مِن عِلِّيَّةٍ، فَقالَ: هَذِهِ قِراءَةُ امْرَأةٍ حامِلٍ بِغُلامٍ، فَسُئِلَ، كَيْفَ عَرَفْت ذَلِكَ؟ فَقالَ سَمِعْت بِصَوْتِها ونَفَسِها مُخالِطَةً. فَعَلِمْت أنَّها حامِلٌ وسَمِعْت صَحَلًا، فَعَلِمْت أنَّ الحَمْلَ غُلامٌ، ومَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِكُتّابٍ فِيهِ صِبْيانٌ. فَنَظَرَ إلى، صَبِيٍّ مِنهُمْ، فَقالَ: هَذا ابْنُ تِلْكَ المَرْأةِ فَكانَ كَما قالَ. وَقالَ رَجُلٌ لِإياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ: عَلِّمْنِي القَضاءَ فَقالَ: إنّ القَضاءَ لا يُعَلَّمُ، إنّما القَضاءُ فَهْمٌ، ولَكِنْ قُلْ: عَلِّمْنِي مِن العِلْمِ، وهَذا هو سِرُّ المَسْألَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَخَصَّ سُلَيْمانَ بِفَهْمِ القَضِيَّةِ، وعَمَّهُما بِالعِلْمِ. وكَذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ إلى قاضِيهِ أبِي مُوسى في كِتابِهِ المَشْهُورِ: " والفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أُدْلِيَ إلَيْك. واَلَّذِي اخْتَصَّ بِهِ إياسٌ وشُرَيْحٌ مَعَ مُشارَكَتِهِما لِأهْلِ عَصْرِهِما في العِلْمِ هُوَ: الفَهْمُ في الواقِعِ، والِاسْتِدْلالُ بِالأماراتِ وشَواهِدِ الحالِ. وَهَذا الَّذِي فاتَ كَثِيرًا مِن الحُكّامِ، فَأضاعُوا كَثِيرًا مِن الحُقُوقِ.

الأنبياء 21:79

ذكر النَّبِيين الكريمين وأثْنى عَلَيْهِما بالحكم والعلم وخص بفهم القَضِيَّة أحدهما. (فائدة) القاضي والمفتي مشتركان في أن كلا منهما يجب عليه إظهار حكم الشرع في الواقعة، ويتميز الحاكم بالإلزام به وإمضائه فشروط الحاكم ترجع إلى شروط الشاهد والمفتي والوالي، فهو مخبر عن حكم الشارع بعلمه مقبول بعدالته منفذ بقدرته. [فَصْلٌ: حُكُومَةُ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ داوُد وسُلَيْمانَ] الحَرْثُ: هو البُسْتانُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ بُسْتانَ عِنَبٍ، وهو المُسَمّى بِالكَرْمِ، والنَّفْشُ: رَعْيُ الغَنَمِ لَيْلًا، فَحَكَمَ داوُد بِقِيمَةِ المُتْلَفِ، فاعْتَبَرَ الغَنَمَ فَوَجَدَها بِقَدْرِ القِيمَةِ، فَدَفَعَها إلى أصْحابِ الحَرْثِ، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم دَراهِمُ، أوْ تَعَذَّرَ بَيْعُها ورَضُوا بِدَفْعِها ورَضِيَ أُولَئِكَ بِأخْذِها بَدَلًا عَنْ القِيمَةِ، وأمّا سُلَيْمانُ فَقَضى بِالضَّمانِ عَلى أصْحابِ الغَنَمِ، وأنْ يَضْمَنُوا ذَلِكَ بِالمِثْلِ بِأنْ يَعْمُرُوا البُسْتانَ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ، ولَمْ يُضَيِّعْ عَلَيْهِمْ مُغَلَّةً مِن الإتْلافِ إلى حِينِ العَوْدِ، بَلْ أعْطى أصْحابَ البُسْتانِ ماشِيَةَ أُولَئِكَ لِيَأْخُذُوا مِن نَمائِها بِقَدْرِ نَماءِ البُسْتانِ فَيَسْتَوْفُوا مِن نَماءِ غَنَمِهِمْ نَظِيرَ ما فاتَهم مِن نَماءِ حَرْثِهِمْ، وقَدْ اعْتَبَرَ النماءين فَوَجَدَهُما سَواءً وهَذا هو العِلْمُ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ وأثْنى عَلَيْهِ بِإدْراكِهِ. وَقَدْ تَنازَعَ عُلَماءُ المُسْلِمِينَ في مِثْلِ هَذِهِ القَضِيَّةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: مُوافَقَةُ الحُكْمِ السُّلَيْمانِيِّ في ضَمانِ النَّفْشِ وفي المِثْلِ، وهو الحَقُّ، وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ، ووَجْهٌ لِلشّافِعِيَّةِ والمالِكِيَّةِ، والمَشْهُورُ عِنْدَهم خِلافُهُ. والقَوْلُ الثّانِي: مُوافَقَتُهُ في ضَمانِ النَّفْشِ دُونَ التَّضْمِينِ بِالمِثْلِ، وهَذا هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ. والثّالِثُ: مُوافَقَتُهُ في التَّضْمِينِ بِالمِثْلِ دُونَ النَّفْشِ كَما إذا رَعاها صاحِبُها بِاخْتِيارِهِ دُونَ ما إذا تَفَلَّتَتْ ولَمْ يَشْعُرْ بِها، وهو قَوْلُ داوُد ومَن وافَقَهُ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ النَّفْشَ لا يُوجِبُ الضَّمانَ بِحالٍ، وما وجَبَ مِن ضَمانِ الرّاعِي بِغَيْرِ النَّفْشِ فَإنَّهُ يُضْمَنُ بِالقِيمَةِ لا بِالمِثْلِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ. وَما حَكَمَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمانُ هو الأقْرَبُ إلى العَدْلِ والقِياسِ، وقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ عَلى أهْلِ الحَوائِطِ حِفْظَها بِالنَّهارِ وأنَّ ما أفْسَدَتْ المَواشِي بِاللَّيْلِ ضَمانٌ عَلى أهْلِها، فَصَحَّ بِحُكْمِهِ ضَمانُ النَّفْشِ، وصَحَّ بِالنُّصُوصِ السّابِقَةِ والقِياسُ الصَّحِيحُ وُجُوبُ الضَّمانِ بِالمِثْلِ، وصَحَّ بِنَصِّ الكِتابِ الثَّناءُ عَلى سُلَيْمانَ بِتَفْهِيمِ هَذا الحُكْمِ، فَصَحَّ أنَّهُ الصَّوابُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ: مَرْتَبَةُ الإفْهامِ] قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨] فَذَكَرَ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ الكَرِيمَيْنِ، وأثْنى عَلَيْهِما بِالعِلْمِ والحُكْمِ، وخَصَّ سُلَيْمانَ بِالفَهْمِ في هَذِهِ الواقِعَةِ المُعَيَّنَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وقَدْ سُئِلَ " هَلْ خَصَّكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ دُونَ النّاسِ؟ " فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا في كِتابِهِ، وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وكانَ فِيها العَقْلُ، وهو الدِّياتُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ "، وفي كِتابِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: والفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أُدْلِيَ إلَيْكَ، فالفَهْمُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ، ونُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ، يَعْرِفُ بِهِ، ويُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ ولا يَعْرِفُهُ، فَيَفْهَمُ مِنَ النَّصِّ ما لا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، مَعَ اسْتِوائِهِما في حِفْظِهِ، وفَهْمِ أصْلِ مَعْناهُ. فالفَهْمُ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عُنْوانُ الصِّدِّيِقِيَّةِ، ومَنشُورُ الوِلايَةِ النَّبَوِيَّةِ، وفِيهِ تَفاوَتَتْ مَراتِبُ العُلَماءِ، حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدٍ، فانْظُرْ إلى فَهْمِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ سَألَهُ عُمَرُ، ومَن حَضَرَ مِن أهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ عَنْ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وما خُصَّ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ مِن فَهْمِهِ مِنها أنَّها نَعْيُ اللَّهِ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ إلى نَفْسِهِ وإعْلامُهُ بِحُضُورِ أجَلِهِ، ومُوافَقَةِ عُمَرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، وخَفائِهِ عَنْ غَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ وابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذاكَ أحْدَثُهم سِنًّا، وأيْنَ تَجِدُ في هَذِهِ السُّورَةِ الإعْلامَ بِأجَلِهِ، لَوْلا الفَهْمُ الخاصُّ؟ ويَدِقُّ هَذا حَتّى يَصِلَ إلى مَراتِبَ تَتَقاصَرُ عَنْها أفْهامُ أكْثَرِ النّاسِ، فَيُحْتاجُ مَعَ النَّصِّ إلى غَيْرِهِ، ولا يَقَعُ الِاسْتِغْناءُ بِالنُّصُوصِ في حَقِّهِ، وأمّا في حَقِّ صاحِبِ الفَهْمِ فَلا يُحْتاجُ مَعَ النُّصُوصِ إلى غَيْرِها. [فَصْلٌ: في صُوَر للحكم بِالفِراسَةِ] وَمِن الحُكْمِ بِالفِراسَةِ والأماراتِ: ما رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي رافِعٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: خاصَمَ غُلامٌ مِن الأنْصارِ أُمَّهُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجَحَدَتْهُ، فَسَألَهُ البَيِّنَةَ، فَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ، وجاءَتْ المَرْأةُ بِنَفَرٍ، فَشَهِدُوا أنَّها لَمْ تَتَزَوَّجْ وأنَّ الغُلامَ كاذِبٌ عَلَيْها، وقَدْ قَذَفَها. فَأمَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِضَرْبِهِ، فَلَقِيَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَسَألَ عَنْ أمْرِهِمْ، فَأُخْبِرَ فَدَعاهُمْ، ثُمَّ قَعَدَ في مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وسَألَ المَرْأةَ فَجَحَدَتْ، فَقالَ لِلْغُلامِ: اجْحَدْها كَما جَحَدَتْك، فَقالَ: يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنّها أُمِّي، قالَ: اجْحَدْها، وأنا أبُوك والحَسَنُ والحُسَيْنُ أخَواك، قالَ: قَدْ جَحَدْتها، وأنْكَرْتها. فَقالَ عَلِيٌّ لِأوْلِياءِ المَرْأةِ: أمْرِي في هَذِهِ المَرْأةِ جائِزٌ؟ قالُوا: نَعَمْ، وفِينا أيْضًا، فَقالَ عَلِيٌّ: أُشْهِدُ مَن حَضَرَ أنِّي قَدْ زَوَّجْت هَذا الغُلامَ مِن هَذِهِ المَرْأةِ الغَرِيبَةِ مِنهُ، يا قَنْبَرُ ائْتِنِي بِطِينَةٍ فِيها دِرْهَمٌ، فَأتاهُ بِها، فَعَدَّ أرْبَعَمِائَةٍ وثَمانِينَ دِرْهَمًا، فَدَفَعَها مَهْرًا لَها. وَقالَ لِلْغُلامِ: خُذْ بِيَدِ امْرَأتِك، ولا تَأْتِنا إلّا وعَلَيْك أثَرُ العُرْسِ، فَلَمّا ولّى، قالَتْ المَرْأةُ: يا أبا الحَسَنِ، اللَّهَ اللَّهَ هو النّارُ، هو واللَّهِ ابْنِي. قالَ: وكَيْفَ ذَلِكَ؟ قالَتْ: إنّ أباهُ كانَ زِنْجِيًّا، وإنَّ إخْوَتِي زَوَّجُونِي مِنهُ، فَحَمَلْت بِهَذا الغُلامِ. وخَرَجَ الرَّجُلُ غازِيًا فَقُتِلَ، وبَعَثْت بِهَذا إلى حَيِّ بَنِي فُلانٍ. فَنَشَأ فِيهِمْ، وأنِفْت أنْ يَكُونَ ابْنِي، فَقالَ عَلِيٌّ: أنا أبُو الحَسَنِ، وألْحَقَهُ بِها، وثَبَتَ نَسَبَهُ. وَمِن ذَلِكَ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ رَجُلًا: كَيْفَ أنْتَ؟ فَقالَ: مِمَّنْ يُحِبُّ الفِتْنَةَ، ويَكْرَهُ الحَقَّ، ويَشْهَدُ عَلى ما لَمْ يَرَهُ، فَأمَرَ بِهِ إلى السِّجْنِ. فَأمَرَ عَلِيٌّ بِرَدِّهِ، وقالَ: صَدَقَ، قالَ: كَيْفَ صَدَّقْته؟ قالَ: يُحِبُّ المالَ والوَلَدَ. وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ويَكْرَهُ المَوْتَ، وهو حَقٌّ، ويَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَرَهُ، فَأمَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإطْلاقِهِ، قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وَقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِامْرَأةٍ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِشابٍّ مِن الأنْصارِ، وكانَتْ تَهْواهُ، فَلَمّا لَمْ يُساعِدْها احْتالَتْ عَلَيْهِ، فَأخَذَتْ بَيْضَةً فَألْقَتْ صُفارَها، وصَبَّتْ البَياضَ عَلى ثَوْبِها وبَيْنَ فَخْذَيْها، ثُمَّ جاءَتْ إلى عُمَرَ صارِخَةً، فَقالَتْ: هَذا الرَّجُلُ غَلَبَنِي عَلى نَفْسِي، وفَضَحَنِي في أهْلِي، وهَذا أثَرُ فِعالِهِ. فَسَألَ عُمَرُ النِّساءَ فَقُلْنَ لَهُ: إنّ بِبَدَنِها وثَوْبِها أثَرَ المَنِيِّ. فَهَمَّ بِعُقُوبَةِ الشّابِّ فَجَعَلَ يَسْتَغِيثُ، ويَقُولُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، تَثَبَّتْ في أمْرِي، فَواللَّهِ ما أتَيْت فاحِشَةً وما هَمَمْت بِها، فَلَقَدْ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فاعْتَصَمْت، فَقالَ عُمَرُ: يا أبا الحَسَنِ ما تَرى في أمْرِهِما، فَنَظَرَ عَلِيٌّ إلى ما عَلى الثَّوْبِ. ثُمَّ دَعا بِماءٍ حارٍّ شَدِيدِ الغَلَيانِ، فَصَبَّ عَلى الثَّوْبِ فَجَمَدَ ذَلِكَ البَياضُ، ثُمَّ أخَذَهُ واشْتَمَّهُ وذاقَهُ، فَعَرَفَ طَعْمَ البَيْضِ وزَجَرَ المَرْأةَ، فاعْتَرَفَتْ. قُلْت: ويُشْبِهُ هَذا ما ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أحْمَدَ: أنَّ المَرْأةَ إذا ادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها عِنِّينٌ، وأنْكَرَ ذَلِكَ وهي ثَيِّبٌ، فَإنَّهُ يُخْلى مَعَها في بَيْتٍ، ويُقالُ لَهُ: أخْرِجْ ماءَك عَلى شَيْءٍ، فَإنْ ادَّعَتْ أنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ جُعِلَ عَلى النّارِ، فَإنْ ذابَ فَهو مَنِيٌّ، وبَطَلَ قَوْلُها، وهَذا مَذْهَبُ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ. وهَذا حُكْمٌ بِالأماراتِ الظّاهِرَةِ، فَإنَّ المَنِيَّ إذا جُعِلَ عَلى النّارِ ذابَ واضْمَحَلَّ، وإنْ كانَ بَياضَ بَيْضٍ تَجَمَّعَ ويَبِسَ، فَإنْ قالَ: أنا أعْجِزُ عَنْ إخْراجِ مائِي صَحَّ قَوْلُها. وَقالَ الأصْبَغُ بْنُ نَباتَةَ: إنّ شابًّا شَكا إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفَرًا، فَقالَ: إنّ هَؤُلاءِ خَرَجُوا مَعَ أبِي في سَفَرٍ. فَعادُوا ولَمْ يَعُدْ أبِي، فَسَألْتهمْ عَنْهُ، فَقالُوا: ماتَ، فَسَألْتهمْ عَنْ مالِهِ؟ فَقالُوا: ما تَرَكَ شَيْئًا، وكانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وتَرافَعْنا إلى شُرَيْحٍ، فاسْتَحْلَفَهم وخَلّى سَبِيلَهُمْ، فَدَعا عَلِيٌّ بِالشُّرَطِ، فَوَكَّلَ بِكُلِّ رَجُلٍ رَجُلَيْنِ، وأوْصاهم ألّا يُمَكِّنُوا بَعْضَهم أنْ يَدْنُوَ مِن بَعْضٍ، ولا يَدَعُوا أحَدًا يُكَلِّمُهُمْ، ودَعا كاتِبَهُ، ودَعا أحَدَهم. فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أبِي هَذا الفَتى: في أيِّ يَوْمٍ خَرَجَ مَعَكُمْ؟ وفي أيِّ مَنزِلٍ نَزَلْتُمْ؟ وكَيْفَ كانَ سَيْرُكُمْ؟ وبِأيِّ عِلَّةٍ ماتَ؟ وكَيْفَ أُصِيبَ بِمالِهِ؟ وسَألَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ ودَفَنَهُ؟ ومَن تَوَلّى الصَّلاةَ عَلَيْهِ؟ وأيْنَ دُفِنَ؟ ونَحْوِ ذَلِكَ، والكاتِبُ يَكْتُبُ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلِيٌّ فَكَبَّرَ الحاضِرُونَ، والمُتَّهَمُونَ لا عِلْمَ لَهم إلّا أنَّهم ظَنُّوا أنَّ صاحِبَهم قَدْ أقَرَّ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ دَعا آخَرَ بَعْدَ أنْ غَيَّبَ الأوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ، فَسَألَهُ كَما سَألَ صاحِبَهُ، ثُمَّ الآخَرَ كَذَلِكَ، حَتّى عَرَفَ ما عِنْدَ الجَمِيعِ، فَوَجَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يُخْبِرُ بِضِدِّ ما أخْبَرَ بِهِ صاحِبُهُ، ثُمَّ أمَرَ بِرَدِّ الأوَّلِ، فَقالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْت غَدْرَك وكَذِبَك بِما سَمِعْت مِن أصْحابِك، وما يُنْجِيك مِن العُقُوبَةِ إلّا الصِّدْقُ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ إلى السِّجْنِ، وكَبَّرَ، وكَبَّرَ مَعَهُ الحاضِرُونَ، فَلَمّا أبْصَرَ القَوْمُ الحالَ لَمْ يَشُكُّوا أنَّ صاحِبَهم أقَرَّ عَلَيْهِمْ، فَدَعا آخَرَ مِنهُمْ، فَهَدَّدَهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، واللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ كارِهًا لِما صَنَعُوا، ثُمَّ دَعا الجَمِيعَ فَأقَرُّوا بِالقِصَّةِ، واسْتُدْعِيَ الَّذِي في السِّجْنِ، وقِيلَ لَهُ: قَدْ أقَرَّ أصْحابُك ولا يُنْجِيك سِوى الصِّدْقِ، فَأقَرَّ بِمِثْلِ ما أقَرَّ بِهِ القَوْمُ، فَأغْرَمَهم المالَ، وأقادَ مِنهم بِالقَتِيلِ. وَرُفِعَ إلى بَعْضِ القُضاةِ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا عَلى هامَتِهِ، فادَّعى المَضْرُوبُ: أنَّهُ أزالَ بَصَرَهُ وشَمَّهُ، فَقالَ: يُمْتَحَنُ، بِأنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ إلى قُرْصِ الشَّمْسِ، فَإنْ كانَ صَحِيحًا لَمْ تَثْبُتْ عَيْناهُ لَها، ويَنْحَدِرُ مِنهُما الدَّمْعُ. وتُحْرَقُ خِرْقَةٌ وتُقَدَّمُ إلى أنْفِهِ. فَإنْ كانَ صَحِيحَ الشَّمِّ: بَلَغَتْ الرّائِحَةُ خَيْشُومَهُ ودَمَعَتْ عَيْناهُ. وَرَأيْت في " أقْضِيَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " نَظِيرَ هَذِهِ القَضِيَّةِ، وأنَّ المَضْرُوبَ ادَّعى أنَّهُ أخْرَسُ. وأمَرَ أنْ يُخْرِجَ لِسانَهُ ويُنْخَسَ بِإبْرَةٍ، فَإنْ خَرَجَ الدَّمُ أحْمَرَ فَهو صَحِيحُ اللِّسانِ، وإنْ خَرَجَ أسْوَدَ فَهو أخْرَسُ. وَقالَ أصْبَغُ بْنُ نَباتَةَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في فِداءِ أسْرى المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ، فَقالَ: نادُوا مِنهم مَن كانَتْ جِراحاتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، دُونَ مَن كانَتْ مِن ورائِهِ. فَإنَّهُ فارٌّ. وَقَضى عَلِيٌّ أيْضًا في امْرَأةٍ تَزَوَّجَتْ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةُ زِفافِها أدْخَلَتْ صَدِيقَها الحَجَلَةَ سِرًّا، وجاءَ الزَّوْجُ فَدَخَلَ الحَجَلَةَ، فَوَثَبَ إلَيْهِ الصَّدِيقُ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ الزَّوْجُ الصَّدِيقَ. فَقامَتْ إلَيْهِ المَرْأةُ فَقَتَلَتْهُ، فَقَضى بِدِيَةِ الصَّدِيقِ عَلى المَرْأةِ، ثُمَّ قَتَلَها بِالزَّوْجِ، وإنَّما قَضى بِدِيَةِ الصَّدِيقِ عَلَيْها: لِأنَّها هي الَّتِي عَرَّضَتْهُ لِقَتْلِ الزَّوْجِ لَهُ؛ فَكانَتْ هي المُتَسَبِّبَةُ في قَتْلِهِ، وكانَتْ أوْلى بِالضَّمانِ مِن الزَّوْجِ المُباشِرِ؛ لِأنَّ المُباشِرَ قَتَلَهُ قَتْلًا مَأْذُونًا فِيهِ، دَفْعًا عَنْ حُرْمَتِهِ. فَهَذا مِن أحْسَنِ القَضاءِ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ، وهو الصَّوابُ. وَقَضى في رَجُلٍ فَرَّ مِن رَجُلٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَأمْسَكَهُ لَهُ آخَرُ، حَتّى أدْرَكَهُ فَقَتَلَهُ؛ وبِقُرْبِهِ رَجُلٌ يَنْظُرُ إلَيْهِما، وهو يَقْدِرُ عَلى تَخْلِيصِهِ، فَوَقَفَ يَنْظُرُ إلَيْهِ حَتّى قَتَلَهُ. فَقَضى أنْ يُقْتَلَ القاتِلُ، ويُحْبَسَ المُمْسِكُ حَتّى يَمُوتَ، وتُفْقَأ عَيْنُ النّاظِرِ الَّذِي وقَفَ يَنْظُرُ ولَمْ يُنْكِرْ. وَقَضى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رَجُلٍ قَطَعَ فَرْجَ امْرَأتِهِ: أنْ تُؤْخَذَ مِنهُ دِيَةُ الفَرْجِ، ويُجْبَرُ عَلى إمْساكِها، حَتّى تَمُوتَ، وإنْ طَلَّقَها أنْفَقَ عَلَيْها. فَلِلَّهِ ما أحْسَنَ هَذا القَضاءَ، وأقْرَبَهُ مِن الصَّوابِ. فَأمّا الفَرْجُ: فَفِيهِ الدِّيَةُ كامِلَةً اتِّفاقًا، وأمّا إنْفاقُهُ عَلَيْها إنْ طَلَّقَها، فَلِأنَّهُ أفْسَدَها عَلى الأزْواجِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِنَفَقَتِها ومَصالِحِها فَسادًا لا يَعُودُ، وأمّا إجْبارُهُ عَلى إمْساكِها: فَمُعاقَبَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، فَإنَّهُ قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنها بِأمْرٍ مُحَرَّمٍ، وقَدْ كانَ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنها بِالطَّلاقِ، أوْ الخُلْعِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى هَذِهِ المُثْلَةِ القَبِيحَةِ، فَكانَ جَزاؤُهُ أنْ يُلْزَمَ بِإمْساكِها إلى المَوْتِ. وقَضى في مَوْلُودٍ وُلِدَ لَهُ رَأْسانِ وصَدْرانِ في حِقْوٍ واحِدٍ، فَقالُوا لَهُ: أيُوَرَّثُ مِيراثَ اثْنَيْنِ، أمْ مِيراثَ واحِدٍ؟ فَقالَ: يُتْرَكُ حَتّى يَنامَ، ثُمَّ يُصاحُ بِهِ، فَإنْ انْتَبَها جَمِيعًا، كانَ لَهُ مِيراثُ واحِدٍ، وإنْ انْتَبَهَ واحِدٌ وبَقِيَ الآخَرُ، كانَ لَهُ مِيراثُ اثْنَيْنِ. وَمِن ذَلِكَ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِامْرَأةٍ زَنَتْ، فَسَألَها فَأقَرَّتْ فَأمَرَ بِرَجْمِها. فَقالَ عَلِيٌّ: لَعَلَّ لَها عُذْرًا، ثُمَّ قالَ لَها: ما حَمَلَك عَلى الزِّنا؟ قالَتْ: كانَ لِي خَلِيطٌ، وفي إبِلِهِ ماءٌ ولَبَنٌ، ولَمْ يَكُنْ في إبِلِي ماءٌ ولا لَبَنٌ فَظَمِئْت فاسْتَسْقَيْته، فَأبى أنْ يَسْقِيَنِي حَتّى أُعْطِيَهُ نَفْسِي. فَأبَيْت عَلَيْهِ ثَلاثًا. فَلَمّا ظَمِئْت وظَنَنْت أنَّ نَفْسِي سَتَخْرُجُ أعْطَيْته الَّذِي أرادَ، فَسَقانِي، فَقالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ أكْبَرُ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وَمِن قَضايا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ وُجِدَ في خَرِبَةٍ بِيَدِهِ سِكِّينٌ مُتَلَطِّخَةٌ بِدَمٍ، وبَيْنَ يَدَيْهِ قَتِيلٌ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ. فَسَألَهُ؟ فَقالَ: أنا قَتَلْته، قالَ: اذْهَبُوا بِهِ فاقْتُلُوهُ. فَلَمّا ذُهِبَ بِهِ أقْبَلَ رَجُلٌ مُسْرِعًا، فَقالَ: يا قَوْمُ، لا تَعْجَلُوا. رُدُّوهُ إلى عَلِيٍّ، فَرَدُّوهُ، فَقالَ الرَّجُلُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما هَذا صاحِبُهُ، أنا قَتَلْته. فَقالَ عَلِيٌّ لِلْأوَّلِ: ما حَمَلَك عَلى أنْ قُلْت: أنا قاتِلُهُ، ولَمْ تَقْتُلْهُ؟ قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وما أسْتَطِيعُ أنْ أصْنَعَ؟ وقَدْ وقَفَ العَسَسُ عَلى الرَّجُلِ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، وأنا واقِفٌ، وفي يَدِي سِكِّينٌ، وفِيها أثَرُ الدَّمِ، وقَدْ أُخِذْت في خَرِبَةٍ؟ فَخِفْت ألّا يُقْبَلَ مِنِّي، وأنْ يَكُونَ قَسامَةٌ، فاعْتَرَفْت بِما لَمْ أصْنَعْ، واحْتَسَبْت نَفْسِي عِنْدَ اللَّهِ. فَقالَ عَلِيٌّ: بِئْسَما صَنَعْت. فَكَيْفَ كانَ حَدِيثُك؟ قالَ: إنِّي رَجُلٌ قَصّابٌ، خَرَجْت إلى حانُوتِي في الغَلَسِ، فَذَبَحْت بَقَرَةً وسَلَخْتها. فَبَيْنَما أنا أسْلُخُها والسِّكِّينُ في يَدِي أخَذَنِي البَوْلُ. فَأتَيْت خَرِبَةً كانَتْ بِقُرْبِي فَدَخَلْتها، فَقَضَيْت حاجَتِي، وعُدْت أُرِيدُ حانُوتِي، فَإذا أنا بِهَذا المَقْتُولِ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ فَراعَنِي أمْرُهُ، فَوَقَفْت أنْظُرُ إلَيْهِ والسِّكِّينُ في يَدِي، فَلَمْ أشْعُرْ إلّا بِأصْحابِك قَدْ وقَفُوا عَلَيَّ فَأخَذُونِي، فَقالَ النّاسُ: هَذا قَتَلَ هَذا، ما لَهُ قاتِلٌ سِواهُ. فَأيْقَنْت أنَّك لا تَتْرُكُ قَوْلَهم لِقَوْلِي، فاعْتَرَفْت بِما لَمْ أجْنِهِ، فَقالَ عَلِيٌّ لِلْمُقِرِّ الثّانِي: فَأنْتَ كَيْفَ كانَتْ قِصَّتُك؟ فَقالَ أغْوانِي إبْلِيسٌ، فَقَتَلْت الرَّجُلَ طَمَعًا في مالِهِ، ثُمَّ سَمِعْت حِسَّ العَسَسِ، فَخَرَجْت مِن الخَرِبَةِ، واسْتَقْبَلْت هَذا القَصّابَ عَلى الحالِ الَّتِي وصَفَ، فاسْتَتَرْت مِنهُ بِبَعْضِ الخَرِبَةِ حَتّى أتى العَسَسُ، فَأخَذُوهُ وأتَوْك بِهِ. فَلَمّا أمَرْتَ بِقَتْلِهِ عَلِمْت أنِّي سَأبُوءُ بِدَمِهِ أيْضًا، فاعْتَرَفْت بِالحَقِّ. فَقالَ لِلْحَسَنِ: ما الحُكْمُ فِي، هَذا؟ قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنْ كانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَدْ أحْيا نَفْسًا، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فَخَلّى عَلِيٌّ عَنْهُما، وأخْرَجَ دِيَةَ القَتِيلِ مِن بَيْتِ المالِ. وَتَقَدَّمَ إلى إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَقالَ إياسٌ: أمّا إحْداهُنَّ فَحامِلٌ، والأُخْرى مُرْضِعٌ، والأُخْرى ثَيِّبٌ، والأُخْرى بِكْرٌ. فَنَظَرُوا فَوَجَدُوا الأمْرَ كَما قالَ. قالُوا: وكَيْف عَرَفْتَ؟ فَقالَ: أمّا الحامِلُ: فَكانَتْ تُكَلِّمُنِي وتَرْفَعُ ثَوْبَها عَنْ بَطْنِها. فَعَرَفْت أنَّها حامِلٌ، وأمّا المُرْضِعُ: فَكانَتْ تَضْرِبُ ثَدْيَها. فَعَرَفْتُ أنَّها مُرْضِعٌ، وأمّا الثَّيِّبُ: فَكانَتْ تُكَلِّمُنِي وعَيْنُها في عَيْنِي فَعَرَفْتُ أنَّها ثَيِّبٌ، وأمّا البِكْرُ: فَكانَتْ تُكَلِّمُنِي وعَيْنُها في الأرْضِ، فَعَرَفْت أنَّها بِكْرٌ. وَقالَ المَدائِنِيُّ عَنْ رَوْحٍ: اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مِن أُمَناءِ النّاسِ مالًا. ثُمَّ رَجَعَ فَطَلَبَهُ فَجَحَدَهُ، فَأتى إياسًا فَأخْبَرَهُ. فَقالَ لَهُ إياسٌ: انْصَرِفْ واكْتُمْ أمْرَك، ولا تُعْلِمْهُ أنَّك أتَيْتَنِي. ثُمَّ عُدْ إلَيَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. فَدَعا إياسٌ المُودَعَ، فَقالَ: قَدْ حَضَرَ مالٌ كَثِيرٌ، وأُرِيدُ أنْ أُسَلِّمَهُ إلَيْك، أفَحَصِينٌ مَنزِلُك؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأعِدَّ لَهُ مَوْضِعًا وحَمّالِينَ. وعادَ الرَّجُلُ إلى إياسٍ، فَقالَ: انْطَلِقْ إلى صاحِبِك فاطْلُبْ المالَ. فَإنْ أعْطاك فَذاكَ، وإنْ جَحَدَك فَقُلْ لَهُ: إنِّي أُخْبِرُ القاضِيَ. فَأتى الرَّجُلُ صاحِبَهُ فَقالَ: مالِي، وإلّا أتَيْت القاضِيَ، وشَكَوْت إلَيْهِ، وأخْبَرْته بِأمْرِي، فَدَفَعَ إلَيْهِ مالَهُ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلى إياسٍ، فَقالَ: قَدْ أعْطانِي المالَ وجاءَ الأمِينُ إلى إياسٍ لِمَوْعِدِهِ، فَزَجَرَهُ وانْتَهَرَهُ، وقالَ لا تَقْرَبْنِي يا خائِنُ. وَقالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَقَلَّدَ بِواسِطٍ رَجُلٌ ثِقَةٌ، فَأوْدَعَ رَجُلٌ بَعْضَ شُهُودِهِ كِيسًا مَخْتُومًا، وذَكَرَ أنَّ فِيهِ ألْفَ دِينارٍ. فَلَمّا طالَتْ غَيْبَةُ الرَّجُلِ فَتَقَ الشّاهِدُ الكِيسَ مِن أسْفَلِهِ وأخَذَ الدَّنانِيرَ، وجَعَلَ مَكانَها دَراهِمَ، وأعادَ الخِياطَةَ كَما كانَتْ. وَجاءَ صاحِبُهُ، فَطَلَبَ ودِيعَتَهُ، فَدَفَعَ إلَيْهِ الكِيسَ بِخَتْمِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَمّا فَتَحَهُ وشاهَدَ الحالَ رَجَعَ إلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي أوْدَعْتُك دَنانِيرَ، واَلَّذِي دَفَعْت إلَيَّ دَراهِمُ، فَقالَ: هو كِيسُك بِخاتَمِك فاسْتَعْدى عَلَيْهِ القاضِيَ، فَأمَرَ بِإحْضارِ المُودَعَ، فَلَمّا صارا بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ لَهُ القاضِي مُنْذُ كَمْ أوْدَعَك هَذا الكِيسَ؟ فَقالَ: مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأخَذَ القاضِي تِلْكَ الدَّراهِمَ وقَرَأ سِكَّتَها، فَإذا فِيها ما قَدْ ضُرِبَ مِن سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ، فَأمَرَهُ بِدَفْعِ الدَّنانِيرِ إلَيْهِ، وأسْقَطَهُ ونادى عَلَيْهِ. واسْتَوْدَعَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ مالًا، فَجَحَدَهُ، فَرَفَعَهُ إلى إياسٍ، فَسَألَهُ فَأنْكَرَ؟ فَقالَ لِلْمُدَّعِي: أيْنَ دَفَعْت إلَيْهِ؟ فَقالَ: في مَكان في البَرِيَّةِ، فَقالَ: وما كانَ هُناكَ، قالَ: شَجَرَةٌ، قالَ: اذْهَبْ إلَيْها فَلَعَلَّك دَفَنْت المالَ عِنْدَها ونَسِيت، فَتَذْكُرَ إذا رَأيْت الشَّجَرَةَ؛ فَمَضى، وقالَ لِلْخَصْمِ: اجْلِسْ حَتّى يَرْجِعَ صاحِبُك، وإياسٌ يَقْضِي ويَنْظُرُ إلَيْهِ ساعَةً بَعْدَ ساعَةٍ. ثُمَّ قالَ لَهُ: يا هَذا، أتَرى صاحِبَك قَدْ بَلَغَ مَكانَ الشَّجَرَةِ؟ قالَ: لا، قالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، إنّك خائِنٌ، قالَ: أقِلْنِي، قالَ: لا أقالَك اللَّهُ. وأمَرَ أنْ يُحْتَفَظَ بِهِ حَتّى جاءَ الرَّجُلُ، فَقالَ لَهُ إياسٌ: اذْهَبْ مَعَهُ فَخُذْ حَقَّك. وَجَرى نَظِيرُ هَذِهِ القَضِيَّةِ لِغَيْرِهِ مِن القُضاةِ: ادَّعى عِنْدَهُ رَجُلٌ أنَّهُ سَلَّمَ غَرِيمًا لَهُ مالًا ودِيعَةً فَأنْكَرَهُ، فَقالَ لَهُ القاضِي: أيْنَ سَلَّمْته إيّاهُ؟ قالَ: بِمَسْجِدٍ ناءٍ عَنْ البَلَدِ. قالَ: اذْهَبْ فَجِئْنِي مِنهُ بِمُصْحَفٍ أُحَلِّفُهُ عَلَيْهِ، فَمَضى، واعْتَقَلَ القاضِي الغَرِيمَ، ثُمَّ قالَ لَهُ: أتُراهُ بَلَغَ المَسْجِدَ؟ قالَ: لا فَألْزَمَهُ بِالمالِ. وَكانَ القاضِي أبُو حازِمٍ لَهُ في ذَلِكَ العَجَبُ العُجابُ، وكانُوا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَظْهَرُ الحَقُّ فِيما يَفْعَلُهُ. قالَ مُكْرَمُ بْنُ أحْمَدَ: كُنْت في مَجْلِسِ القاضِي أبِي حازِمٍ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ شَيْخٌ ومَعَهُ غُلامٌ حَدَثٌ، فادَّعى الشَّيْخُ عَلَيْهِ ألْفَ دِينارٍ دَيْنًا، فَقالَ: ما تَقُولُ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ القاضِي لِلشَّيْخِ ما تُرِيدُ؟ قالَ: حَبْسَهُ؟ قالَ: لا، فَقالَ الشَّيْخُ: إنْ رَأى القاضِي أنْ يَحْبِسَهُ فَهو أرْجى لِحُصُولِ مالِي. فَتَفَرَّسَ أبُو حازِمٍ فِيهِما ساعَةً. ثُمَّ قالَ: تَلازَما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما في مَجْلِسٍ آخَرَ، فَقُلْت لَهُ: لِمَ أخَّرْت حَبْسَهُ؟ فَقالَ: ويْحَك، إنِّي أعْرِفُ في أكْثَرِ الأحْوالِ في وُجُوهِ الخُصُومِ وجْهَ المُحِقِّ مِن المُبْطِلِ، وقَدْ صارَتْ لِي بِذَلِكَ دِرايَةٌ لا تَكادُ تُخْطِئُ، وقَدْ وقَعَ إلَيَّ أنَّ سَماحَةَ هَذا بِالإقْرارِ عَيْنُ كَذِبِهِ ولَعَلَّهُ يَنْكَشِفُ لِي مِن أمْرِهِما ما أكُونُ مَعَهُ عَلى بَصِيرَةٍ، أما رَأيْت قِلَّةَ تَقَصِّيهِما في النّاكِرَةِ، وقِلَّةَ اخْتِلافِهِما، وسُكُونَ طِباعِهِما مَعَ عِظَمِ المالِ؟ وما جَرَتْ عادَةُ الأحْداثِ بِفَرْطِ التَّوَرُّعِ حَتّى يُقِرَّ مِثْلُ هَذا طَوْعًا عَجِلًا، مُنْشَرِحَ. الصَّدْرِ عَلى هَذا المالِ، قالَ: فَنَحْنُ كَذَلِكَ نَتَحَدَّثُ إذْ أتى الآذِنُ يَسْتَأْذِنُ عَلى القاضِي لِبَعْضِ التُّجّارِ، فَأذِنَ لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ قالَ: أصْلَحَ اللَّهُ القاضِيَ، إنِّي بُلِيت بِوَلَدٍ لِي حَدَثٍ يُتْلِفُ كُلَّ مالٍ يَظْفَرُ بِهِ مِن مالِي في القِيانِ عِنْدَ فُلانٍ فَإذا مَنَعْته احْتالَ بِحِيَلٍ تَضْطَرُّنِي إلى التِزامِ الغُرْمِ عَنْهُ. وقَدْ نَصَبَ اليَوْمَ صاحِبُ القِيانِ يُطالِبُ بِألْفِ دِينارٍ حالًّا، وبَلَغَنِي أنَّهُ تَقَدَّمَ إلى القاضِي لِيُقِرَّ لَهُ فَيَحْبِسَهُ. وأقَعَ مَعَ أُمِّهِ فِيما يُنَكِّدُ عَيْشَنا إلى أنْ أقْضِيَ عَنْهُ. فَلَمّا سَمِعْت بِذَلِكَ بادَرْت إلى القاضِي لِأشْرَحَ لَهُ أمْرَهُ، فَتَبَسَّمَ القاضِي، وقالَ لِي: كَيْفَ رَأيْت؟ فَقُلْت: هَذا مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلى القاضِي، فَقالَ: عَلَيَّ بِالغُلامِ والشَّيْخِ. فَأرْهَبَ أبُو حازِمٍ الشَّيْخَ، ووَعَظَ الغُلامَ. فَأقَرّا، فَأخَذَ الرَّجُلُ ابْنَهُ وانْصَرَفا. وَقالَ أبُو السّائِبِ: كانَ بِبَلَدِنا رَجُلٌ مَسْتُورُ الحالِ، فَأحَبَّ القاضِي قَبُولَ قَوْلِهِ، فَسَألَ عَنْهُ فَزُكِّيَ عِنْدَهُ سِرًّا وجَهْرًا، فَراسَلَهُ في حُضُورِ مَجْلِسِهِ لِإقامَةِ شَهادَةٍ وجَلَسَ القاضِي وحَضَرَ الرَّجُلُ، فَلَمّا أرادَ إقامَةَ الشَّهادَةِ لَمْ يَقْبَلْهُ القاضِي فَسُئِلَ عَنْ السَّبَبِ؟ فَقالَ: انْكَشَفَ لِي أنَّهُ مُراءٍ، فَلَمْ يَسَعْنِي قَبُولُ قَوْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: ومِن أيْنَ عَلِمْت ذَلِكَ؟ قالَ: كانَ يَدْخُلُ إلَيَّ في كُلِّ يَوْمٍ فَأعُدُّ خُطاهُ مِن حَيْثُ تَقَعُ عَيْنِي عَلَيْهِ مِن البابِ إلى مَجْلِسِي، فَلَمّا دَعَوْته اليَوْمَ جاءَ، فَعَدَدْت خُطاهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ فَإذا هي قَدْ زادَتْ ثَلاثًا أوْ نَحْوَها، فَعَلِمْت أنَّهُ مُتَصَنِّعٌ فَلَمْ أقْبَلْهُ. وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شَهِدَ الفَرَزْدَقُ عِنْدَ بَعْضِ القُضاةِ، فَقالَ: قَدْ أجَزْنا شَهادَةَ أبِي فِراسٍ وزَيْدُونًا، فَقِيلَ لَهُ حِينَ انْصَرَفَ: إنّهُ واللَّهِ ما أجازَ شَهادَتَك. وَلِلَّهِ فِراسَةُ مَن هو إمامُ المُتَفَرِّسِينَ، وشَيْخُ المُتَوَسِّمِينَ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي لَمْ تَكُنْ تُخْطِئُ لَهُ فِراسَةٌ، وكانَ يَحْكُمُ بَيْنَ الأُمَّةِ بِالفِراسَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالوَحْيِ. قالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَوْمًا بِفَتًى أمْرَدَ، وقَدْ وُجِدَ قَتِيلًا مُلْقًى عَلى وجْهِ الطَّرِيقِ، فَسَألَ عُمَرُ عَنْ أمْرِهِ واجْتَهَدَ فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلى خَبَرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: اللَّهُمَّ أظْفِرْنِي بِقاتِلِهِ، حَتّى إذا كانَ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ وُجِدَ صَبِيٌّ مَوْلُودٌ مُلْقًى بِمَوْضِعِ القَتِيلِ، فَأُتِيَ بِهِ عُمَرَ؛ فَقالَ: ظَفِرْت بِدَمِ القَتِيلِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى؛ فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلى امْرَأةٍ، وقالَ لَها: قُومِي بِشَأْنِهِ، وخُذِي مِنّا نَفَقَتَهُ، وانْظُرِي مَن يَأْخُذُهُ مِنك؛ فَإذا وجَدْت امْرَأةً تُقَبِّلُهُ وتَضُمُّهُ إلى صَدْرِها فَأعْلِمِينِي بِمَكانِها. فَلَمّا شَبَّ الصَّبِيُّ جاءَتْ جارِيَةٌ، فَقالَتْ لِلْمَرْأةِ: إنّ سَيِّدَتِي بَعَثَتْنِي إلَيْك لِتَبْعَثِي بِالصَّبِيِّ لِتَراهُ وتَرُدَّهُ إلَيْك، قالَتْ: نَعَمْ، اذْهَبِي بِهِ إلَيْها، وأنا مَعَك. فَذَهَبَتْ بِالصَّبِيِّ والمَرْأةُ مَعَها، حَتّى دَخَلَتْ عَلى سَيِّدَتِها، فَلَمّا رَأتْهُ أخَذْته فَقَبَّلَتْهُ وضَمَّتْهُ إلَيْها؛ فَإذا هي ابْنَةُ شَيْخٍ مِن الأنْصارِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأتَتْ عُمَرَ فَأخْبَرَتْهُ، فاشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ إلى مَنزِل المَرْأةِ. فَوَجَدَ أباها مُتَّكِئًا عَلى بابِ دارِهِ، فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ، ما فَعَلَتْ ابْنَتُك فُلانَةُ؟ قالَ: جَزاها اللَّهُ خَيْرًا يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هي مِن أعْرَفِ النّاسِ بِحَقِّ اللَّهِ وحَقِّ أبِيها، مَعَ حُسْنِ صَلاتِها وصِيامِها، والقِيامِ بِدِينِها. فَقالَ عُمَرُ: قَدْ أحْبَبْت أنْ أدْخُلَ إلَيْها، فَأزِيدَها رَغْبَةً في الخَيْرِ، وأحُثَّها عَلَيْهِ؛ فَدَخَلَ أبُوها، ودَخَلَ عُمَرُ مَعَهُ. فَأمَرَ عُمَرُ مَن عِنْدَها فَخَرَجَ، وبَقِيَ هو والمَرْأةُ في البَيْتِ، فَكَشَفَ عُمَرُ عَنْ السَّيْفِ، وقالَ: أصْدِقِينِي، وإلّا ضَرَبْت عُنُقَك، وكانَ لا يَكْذِبُ. فَقالَتْ: عَلى رِسْلِك، فَواللَّهِ لَأصْدُقَنَّ: إنّ عَجُوزًا كانَتْ تَدْخُلُ عَلَيَّ فَأتَّخِذُها أُمًّا، وكانَتْ تَقُومُ مِن أمْرِي بِما تَقُومُ بِهِ الوالِدَةُ. وكُنْت لَها بِمَنزِلَةِ البِنْتِ، حَتّى مَضى لِذَلِكَ حِينٌ، ثُمَّ إنّها قالَتْ: يا بُنَيَّةُ، إنّهُ قَدْ عَرَضَ لِي سَفَرٌ، ولِي ابْنَةٌ في مَوْضِعِ أتَخَوَّفُ عَلَيْها فِيهِ أنْ تَضِيعَ، وقَدْ أحْبَبْت أنْ أضُمَّها إلَيْك حَتّى أرْجِعَ مِن سَفَرِي، فَعَمَدَتْ إلى ابْنٍ لَها شابٍّ أمْرَدَ، فَهَيَّأْته كَهَيْئَةِ الجارِيَةِ، وأتَتْنِي بِهِ، لا أشُكُّ أنَّهُ جارِيَةٌ؛ فَكانَ يَرى مِنِّي ما تَرى الجارِيَةُ مِن الجارِيَةِ، حَتّى اغْتَفَلَنِي يَوْمًا وأنا نائِمَةٌ، فَما شَعَرْت حَتّى عَلانِي وخالَطَنِي، فَمَدَدْت يَدِي إلى شَفْرَةٍ كانَتْ إلى جانِبِي فَقَتَلْته. ثُمَّ أمَرْت بِهِ فَأُلْقِيَ حَيْثُ رَأيْت، فاشْتَمَلْت مِنهُ عَلى هَذا الصَّبِيِّ، فَلَمّا وضَعْته ألْقَيْته في مَوْضِعِ أبِيهِ. فَهَذا واللَّهِ خَبَرُهُما عَلى ما أعْلَمْتُك. فَقالَ: صَدَقْت، ثُمَّ أوْصاها، ودَعا لَها وخَرَجَ. وقالَ لِأبِيها: نِعْمَتْ الِابْنَةُ ابْنَتُك؛ ثُمَّ انْصَرَفَ. وَمِن ذَلِكَ: فِراسَةُ ابْنِ عُمَرَ في الحُسَيْنِ لَمّا ودَّعَهُ، وقالَ: " أسْتَوْدِعُك اللَّهَ مِن قَتِيلٍ "، ومَعَهُ كُتُبُ أهْلِ العِراقِ، فَكانَتْ فِراسَةُ ابْنِ عُمَرَ أصْدَقُ مِن كُتُبِهِمْ. وَمِن ذَلِكَ: أنَّ رَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ دَفَعا إلى امْرَأةٍ مِائَةَ دِينارٍ ودِيعَةً، وقالا: لا تَدْفَعِيها إلى واحِدٍ مِنّا دُونَ صاحِبِهِ. فَلَبِثا حَوْلًا، فَجاءَ أحَدُهُما، فَقالَ: إنّ صاحِبِي قَدْ ماتَ فادْفَعِي إلَيَّ الدَّنانِيرَ. فَأبَتْ، وقالَتْ: إنّكُما قُلْتُما لِي لا تَدْفَعِيها إلى واحِدٍ مِنّا دُونَ صاحِبِهِ، فَلَسْت بِدافِعَتِها إلَيْك؛ فَثَقُلَ عَلَيْها بِأهْلِها وجِيرانِها حَتّى دَفَعَتْها إلَيْهِ، ثُمَّ لَبِثَتْ حَوْلًا آخَرَ؛ فَجاءَ الآخَرُ. فَقالَ: ادْفَعِي إلَيَّ الدَّنانِيرَ. فَقالَتْ: إنّ صاحِبَك جاءَنِي فَزَعَمَ أنَّك قَدْ مِتّ، فَدَفَعْتُها إلَيْهِ. فاخْتَصَما إلى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأرادَ أنْ يَقْضِيَ عَلَيْها. فَقالَتْ: ادْفَعْنا إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَعَرَفَ عَلِيٌّ أنَّهُما قَدْ مَكَرا بِها؛ فَقالَ: ألَيْسَ قَدْ قُلْتُما: لا تَدْفَعِيها إلى واحِدٍ مِنّا دُونَ صاحِبِهِ؟ قالا: بَلى؛ قالَ: فَإنَّ مالَك عِنْدَها، فاذْهَبْ فَجِئْ بِصاحِبِك حَتّى تَدْفَعَهُ إلَيْكُما. [فصل: في فِراسَةِ الحاكِمِ] وَمِن فِراسَةِ الحاكِمِ: ما ذَكَرَهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: أنَّ إياسَ بْنَ مُعاوِيَةَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، اسْتَوْدَعَ أحَدُهُما صاحِبَهُ ودِيعَةً؛ فَقالَ: صاحِبُ الوَدِيعَةِ: اسْتَحْلِفْهُ بِاللَّهِ ما لِي عِنْدَهُ ودِيعَةٌ فَقالَ إياسٌ: بَلْ أسْتَحْلِفُهُ بِاللَّهِ مالَك عِنْدَهُ ودِيعَةٌ ولا غَيْرُها. وَهَذا مِن أحْسَنِ الفِراسَةِ؛ فَإنَّهُ إذا قالَ: " ما لَهُ عِنْدِي ودِيعَةٌ " احْتَمَلَ النَّفْيَ؛ واحْتَمَلَ الإقْرارَ فَيَنْصِبُ " مالَهُ " بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ دَفَعَ مالَهُ إلَيَّ، أوْ أعْطانِي مالَهُ؛ أوْ يَجْعَلُ " ما " مَوْصُولَةً والجارَّ والمَجْرُورَ صِلَتَها ووَدِيعَةٌ خَبَرٌ عَنْ " ما " فَإذا قالَ: " ولا غَيْرُها " تَعَيَّنَ النَّفْيُ. وَقالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: شَهِدْت إياسَ بْنَ مُعاوِيَةَ يَقُولُ في رَجُلٍ ارْتَهَنَ رَهْنًا؛ فَقالَ المُرْتَهِنُ: رَهَنْته بِعَشَرَةٍ وقالَ الرّاهِنُ: رَهَنْته بِخَمْسَةٍ؛ فَقالَ: إنْ كانَ لِلرّاهِنِ بَيِّنَةٌ أنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ الرَّهْنَ فالقَوْلُ، ما قالَ الرّاهِنُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِ الرَّهْنِ إلَيْهِ؛ والرَّهْنُ بِيَدِ المُرْتَهِنِ. فالقَوْلُ ما قالَ المُرْتَهِنُ؛ لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَحَدَهُ الرَّهْنَ. قُلْت: وهَذا قَوْلٌ ثالِثٌ في المَسْألَةِ؛ وهو مِن أحْسَنِ الأقْوالِ، فَإنَّ إقْرارَهُ بِالرَّهْنِ - وهو في يَدِهِ ولا بَيِّنَةَ لِلرّاهِنِ - دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ؛ وأنَّهُ مُحِقٌّ، ولَوْ كانَ مُبْطِلًا لَجَحَدَهُ الرَّهْنَ رَأْسًا. ومالِكٌ وشَيْخُنا رَحِمَهُما اللَّهُ، يَجْعَلانِ القَوْلَ قَوْلَ المُرْتَهِنِ، ما لَمْ يَزِدْ عَلى قِيمَةِ الرَّهْنِ والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، يَجْعَلُونَ القَوْلَ قَوْلَ الرّاهِنِ مُطْلَقًا. وَقالَ إياسٌ أيْضًا: مَن أقَرَّ بِشَيْءٍ، ولَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فالقَوْلُ ما قالَ. وَهَذا أيْضًا مِن أحْسَنِ القَضاءِ، لِأنَّ إقْرارَهُ عَلَمٌ عَلى صِدْقِهِ، فَإذا ادَّعى عَلَيْهِ ألْفًا، ولا بَيِّنَةَ لَهُ، فَقالَ: صَدَقَ، إلّا أنِّي قَضَيْته إيّاها، فالقَوْلُ لَهُ، وكَذَلِكَ إذا أقَرَّ بِأنَّهُ قَبَضَ مِن مُوَرِّثِهِ ودِيعَةً، ولا بَيِّنَةَ لَهُ، وادَّعى رَدَّها إلَيْهِ. وَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ البَصْرِيُّ: جاءَ رَجُلانِ إلى إياسَ بْنِ مُعاوِيَةَ؛ يَخْتَصِمانِ في قَطِيفَتَيْنِ: إحْداهُما حَمْراءُ؛ والأُخْرى خَضْراءُ؛ فَقالَ أحَدُهُما: دَخَلْت الحَوْضَ لِأغْتَسِلَ، ووَضَعْت قَطِيفَتِي، ثُمَّ جاءَ هَذا، فَوَضَعَ قَطِيفَتَهُ تَحْتَ قَطِيفَتِي، ثُمَّ دَخَلَ فاغْتَسَلَ، فَخَرَجَ قَبْلِي، وأخَذَ قَطِيفَتِي فَمَضى بِها؛ ثُمَّ خَرَجْت فَتَبِعْته، فَزَعَمَ أنَّها قَطِيفَتُهُ؛ فَقالَ: ألَك بَيِّنَةٌ؟ قالَ: لا. قالَ: ائْتُونِي بِمُشْطٍ؛ فَأُتِيَ بِمُشْطٍ، فَسَرَّحَ رَأْسَ هَذا، ورَأْسَ هَذا. فَخَرَجَ مِن رَأْسِ أحَدِهِما صُوفٌ أحْمَرُ، ومِن رَأْسِ الآخَرِ صُوفٌ أخْضَرُ؛ فَقَضى بِالحَمْراءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِن رَأْسِهِ الصُّوفُ الأحْمَرُ، وبِالخَضْراءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِن رَأْسِهِ الصُّوفُ الأخْضَرُ. وَقالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ زَيْدٍ أبِي عَلاءٍ: شَهِدْت إياسَ بْنَ مُعاوِيَةَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فَقالَ أحَدُهُما: إنّهُ باعَنِي جارِيَةً رَعْناءَ؛ فَقالَ إياسٌ: وما عَسى أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرُّعُونَةُ؟ قالَ: شِبْهُ الجُنُونِ. فَقالَ إياسٌ: يا جارِيَةُ، أتَذْكُرِينَ مَتى وُلِدْت؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَأيُّ رِجْلَيْك أطْوَلُ؟ قالَتْ: هَذِهِ؛ فَقالَ إياسٌ: رُدَّها؛ فَإنَّها مَجْنُونَةٌ. وَقالَ أبُو الحَسَنِ المَدائِنِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ: أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ شَهِدَ عِنْدَ ابْنِهِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ - مَعَ رِجالٍ عَدَّلَهم - عَلى رَجُلٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَقالَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ: يا أبا وائِلَةَ، تَثَبَّتْ في أمْرِي، فَواللَّهِ ما أشْهَدْتُهم إلّا عَلى ألْفَيْنِ. فَسَألَ إياسٌ أباهُ والشُّهُودَ: أكانَ في الصَّحِيفَةِ الَّتِي شَهِدُوا عَلَيْها فَضْلٌ؟ قالُوا: نَعَمْ، كانَ الكِتابُ في أوَّلِها والطَّيَّةُ في وسْطِها، وباقِي الصَّحِيفَةِ أبْيَضُ. قالَ: أفَكانَ المَشْهُودُ لَهُ يَلْقاكم أحْيانا، فَيُذَكِّرُكم شَهادَتَكم بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ؟ قالُوا: نَعَمْ، كانَ لا يَزالُ يَلْقانا، فَيَقُولُ: اذْكُرُوا شَهادَتَكم عَلى فُلانٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَصَرَفَهُمْ، ودَعا المَشْهُودَ لَهُ. فَقالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، تَغَفَّلْت قَوْمًا صالِحِينَ مُغَفَّلِينَ، فَأشْهَدْتهمْ عَلى صَحِيفَةٍ جَعَلْت طَيَّتَها في وسَطِها، وتَرَكْت فِيها بَياضًا في أسْفَلِها، فَلَمّا خَتَمُوا الطَّيَّةَ قَطَعْت الكِتابَ الَّذِي فِيهِ حَقُّك ألْفا دِرْهَمٍ، وكَتَبْت في البَياضِ أرْبَعَةَ آلافٍ فَصارَتْ الطَّيَّةُ في آخِرِ الكِتابِ، ثُمَّ كُنْت تَلْقاهم فَتُلَقِّنُهُمْ، وتُذَكِّرُهم أنَّها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَأقَرَّ بِذَلِكَ، وسَألَهُ السَّتْرَ عَلَيْهِ، فَحَكَمَ لَهُ بِألْفَيْنِ وسَتَرَ عَلَيْهِ. وَقالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ البَصْرِيِّ: كُنّا عِنْدَ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ، قَبْلَ أنْ يُسْتَقْضى، وكُنّا نَكْتُبُ عَنْهُ الفِراسَةَ، كَما نَكْتُبُ عَنْ المُحَدِّثِ الحَدِيثَ، إذْ جاءَ رَجُلٌ، فَجَلَسَ عَلى دُكّانٍ مُرْتَفِعٍ بِالمِرْبَدِ. فَجَعَلَ يَتَرَصَّدُ الطَّرِيقَ. فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ رَجُلًا، فَنَظَرَ في وجْهِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَوْضِعِهِ، فَقالَ إياسٌ: قُولُوا في هَذا الرَّجُلِ، قالُوا: ما نَقُولُ؟ رَجُلٌ طالِبُ حاجَةٍ. فَقالَ: هو مُعَلِّمُ صِبْيانٍ، قَدْ أبَقَ لَهُ غُلامٌ أعْوَرُ، فَقامَ إلَيْهِ بَعْضُنا فَسَألَهُ عَنْ حاجَتِهِ؟ فَقالَ: هو غُلامٌ لِي آبِقٌ. قالُوا: وما صِفَتُهُ؟ قالَ: كَذا وكَذا، وإحْدى عَيْنَيْهِ ذاهِبَةٌ، قُلْنا: وما صَنْعَتُك؟ قالَ: أُعَلِّمُ الصِّبْيانَ. قُلْنا لِإياسٍ: كَيْفَ عَلِمْت ذَلِكَ؟ قالَ: رَأيْته جاءَ، فَجَعَلَ يَطْلُبُ مَوْضِعًا يَجْلِسُ فِيهِ، فَنَظَرَ إلى، أرْفَعِ شَيْءٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَنَظَرْت في قَدْرِهِ فَإذا لَيْسَ قَدْرُهُ قَدْرَ المُلُوكِ، فَنَظَرْت فِيمَن اعْتادَ في جُلُوسِهِ جُلُوسَ المُلُوكِ، فَلَمْ أجِدْهم إلّا المُعَلِّمِينَ، فَعَلِمْت أنَّهُ مُعَلِّمُ صِبْيانٍ، فَقُلْنا: كَيْفَ عَلِمْت أنَّهُ أبَقَ لَهُ غُلامٌ؟ قالَ: إنِّي رَأيْته يَتَرَصَّدُ الطَّرِيقَ، يَنْظُرُ في وُجُوهِ النّاسِ. قُلْنا: كَيْفَ عَلِمْت أنَّهُ أعْوَرُ؟ قالَ: بَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ رَجُلًا قَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، فَعَلِمْت أنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِغُلامِهِ. وَقالَ الحارِثُ بْنُ مُرَّةَ نَظَرَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ إلى رَجُلٍ، فَقالَ: هَذا غَرِيبٌ، وهو مِن أهْلِ واسِطَ. وهو مُعَلِّمٌ، وهو يَطْلُبُ عَبْدًا لَهُ أبَقَ. فَوَجَدُوا الأمْرَ كَما قالَ. فَسَألُوهُ؟ فَقالَ: رَأيْته يَمْشِي ويَلْتَفِت، فَعَلِمْت أنَّهُ غَرِيبٌ، ورَأيْته وعَلى ثَوْبِهِ حُمْرَةُ تُرْبَة واسِطَ فَعَلِمْت أنَّهُ مِن أهْلِها، ورَأيْته يَمُرُّ بِالصِّبْيانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ولا يُسَلِّمُ عَلى الرِّجالِ، فَعَلِمْت أنَّهُ مُعَلِّمٌ. ورَأيْته إذا مَرَّ بِذِي هَيْئَةٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وإذا مَرَّ بِذِي أسْمالٍ تَأمَّلَهُ، فَعَلِمْت أنَّهُ يَطْلُبُ آبِقًا. وَقالَ هِلالُ بْنُ العَلاءِ الرَّقِّيُّ عَنْ القاسِمِ بْنِ مَنصُورٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ بُكَيْرٍ: مَرَّ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ، فَسَمِعَ قِراءَةً مِن عِلِّيَّةٍ، فَقالَ: هَذِهِ قِراءَةُ امْرَأةٍ حامِلٍ بِغُلامٍ، فَسُئِلَ، كَيْفَ عَرَفْت ذَلِكَ؟ فَقالَ سَمِعْت بِصَوْتِها ونَفَسِها مُخالِطَةً. فَعَلِمْت أنَّها حامِلٌ وسَمِعْت صَحَلًا، فَعَلِمْت أنَّ الحَمْلَ غُلامٌ، ومَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِكُتّابٍ فِيهِ صِبْيانٌ. فَنَظَرَ إلى، صَبِيٍّ مِنهُمْ، فَقالَ: هَذا ابْنُ تِلْكَ المَرْأةِ فَكانَ كَما قالَ. وَقالَ رَجُلٌ لِإياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ: عَلِّمْنِي القَضاءَ فَقالَ: إنّ القَضاءَ لا يُعَلَّمُ، إنّما القَضاءُ فَهْمٌ، ولَكِنْ قُلْ: عَلِّمْنِي مِن العِلْمِ، وهَذا هو سِرُّ المَسْألَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَخَصَّ سُلَيْمانَ بِفَهْمِ القَضِيَّةِ، وعَمَّهُما بِالعِلْمِ. وكَذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ إلى قاضِيهِ أبِي مُوسى في كِتابِهِ المَشْهُورِ: " والفَهْمَ الفَهْمَ فِيما أُدْلِيَ إلَيْك. واَلَّذِي اخْتَصَّ بِهِ إياسٌ وشُرَيْحٌ مَعَ مُشارَكَتِهِما لِأهْلِ عَصْرِهِما في العِلْمِ هُوَ: الفَهْمُ في الواقِعِ، والِاسْتِدْلالُ بِالأماراتِ وشَواهِدِ الحالِ. وَهَذا الَّذِي فاتَ كَثِيرًا مِن الحُكّامِ، فَأضاعُوا كَثِيرًا مِن الحُقُوقِ.

الأنبياء 21:83

(فائدة) جمع في هَذا الدُّعاء بَين حَقِيقَة التَّوْحِيد، وإظْهار الفقر والفاقة إلى ربه، ووُجُود طعم المحبَّة في التملق لَهُ، والإقْرار لَهُ بِصفة الرَّحْمَة، وأنه أرْحم الرّاحِمِينَ، والتوسل إلَيْهِ بصفاته سُبْحانَهُ، وشدَّة حاجته وهو فقره، ومَتى وجد المُبْتَلى هَذا كشف عَنهُ بلواه. وَقد جرّب أنه من قالَها سبع مَرّات ولا سِيما مَعَ هَذِه المعرفَة كشف الله ضره. [فصل: الفرق بين الإخبار بالحال وبين الشكوى] والفرق بين الإخبار بالحال وبين الشكوى وإن اشتبهت صدرتهما: أن الإخبار بالحال يقصد المخبر به قصدا صحيحا من علم سبب إدانته، أو الاعتذار لأخيه من أمر طلبه منه، أو يحذره من الوقوع في مثل ما وقع فيه فيكون ناصحا بإخباره له، أو حمله على الصبر بالتأسي، كما يذكر عن الأحنف أنه شكا إليه رجل شكوى. فقال: يا ابن أخي لقد ذهب ضوء عيني كذا وكذا سنة فما أعلمت به أحدا. ففي ضمن هذا الإخبار من حمل الشاكي على التأسي والصبر ما يثاب عليه المخبر وصورته صورة الشكوى ولكن القصد ميز بينهما، ولعل هذا قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، لما قالت عائشة: "وارأساه، فقال بل أنا وارأساه" أي الوجع القوي بي أنا دونك فتأسي بي فلا تشتكي، ويلوح لي فيه معنى آخر وهو أنها كانت حبيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بل كانت أحب النساء إليه على الإطلاق. فلما اشتكت إليه رأسها أخبرنا أن بمحبها من الألم مثل الذي بها وهذا غاية الموافقة من المحب ومحبوبه يتألم بتألمه ويسر بسروره حتى إذا آلمه عضو من أعضائه آلم المحب ذلك العضو بعينه وهذا من صدق المحبة وصفاء المودة فالمعنى الأول يفهم أنك لا تشتكي واصبر في من الموجع مثل ما بك فتأسى بي في الصبر وعدم الشكوى. والمعنى الثاني يفهم إعلامها بصدق محبته لها أي انظري قوة محبتي لك كيف واسيتك في ألمك ووجع رأسك فلم تكوني متوجعة وأنا سليم من الوجع بل يؤلمني ما يؤلمك كما يسرني ما يسرك كما قيل: ؎وإن أولى البرايا أن تواسيه ∗∗∗ عند السرور الذي واساك في الحزن وأما الشكوى فالإخبار العاري عن القصد الصحيح بل يكون مصدره السخط وشكاية المبتلي إلى غيره فإن شكا إليه سبحانه وتعالى لم يكن ذلك شكوى بل استعطاف وتملق واسترحام له كقول أيوب لرَبِّهِ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وقول يعقوب ﴿إنَّما أشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ وقول موسى: "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك". وقول سيد ولد آدم "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملّكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك" فالشكوى إلى اللّه سبحانه لا تنافي الصبر بوجه فإن اللّه تعالى قال عن أيوب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ مع إخباره عنه بالشكوى إليه في قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وأخبر عن نبيه يعقوب أنه وعد من نفسه بالصبر الجميل والنبي إذا قال وفّى مع قوله ﴿إنَّما أشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾، ولم يجعل ذلك نقصا لصبره. ولا يلتف أن غير هذا من ترهات القوم، كما قال بعضهم لما قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. قال تعالى: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ ولم يقل صبورا حيث قال ﴿مسّني الضر﴾. وقال بعضهم لم يقل: ارحمني، وإنما قال ﴿أنت أرحم الراحمين﴾ فلم يزد على الإخبار بحاله ووصف ربه. وقال بعضهم إنما شكا مس ضر حين ضعف لسانه عن الذكر فشكا مس ضر ضعف الذكر لا ضر المرض والألم. وقال بعضهم استخرج منه هذا القول ليكون قدوة للضعفاء من هذه الأمة. وكأن هذا القائل رأى أن الشكوى إلى اللّه تنافي الصبر وغلط أقبح الغلط فالمنافي للصبر شكواه لا الشكوى إليه فاللّه يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه ولا يحب التجلد عليه، وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه وتذلله له وإظهار ضعفه وفاقته وعجزه وقلة صبره، فاحذر كل الحذر إظهار التجلد عليه وعليك بالتضرع والتمسكن وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف، فرحمته أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم.

الأنبياء 21:87

وَأمّا دَعْوَةُ ذِي النُّونِ: فَإنَّ فِيها مِن كَمالِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ لِلرَّبِّ تَعالى، واعْتِرافِ العَبْدِ بِظُلْمِهِ وذَنْبِهِ، ما هو مِن أبْلَغِ أدْوِيَةِ الكَرْبِ، والهَمِّ، والغَمِّ، وأبْلَغِ الوَسائِلِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في قَضاءِ الحَوائِجِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ والتَّنْزِيهَ يَتَضَمَّنانِ إثْباتَ كُلِّ كَمالِ اللَّهِ، وسَلْبَ كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ وتَمْثِيلٍ عَنْهُ. والِاعْتِرافُ بِالظُّلْمِ يَتَضَمَّنُ إيمانَ العَبْدِ بِالشَّرْعِ والثَّوابِ والعِقابِ، ويُوجِبُ انْكِسارَهُ ورُجُوعَهُ إلى اللَّهِ واسْتِقالَتَهُ عَثْرَتَهُ، والِاعْتِرافَ بِعُبُودِيَّتِهِ، وافْتِقارَهُ إلى رَبِّهِ، فَهاهُنا أرْبَعَةُ أُمُورٍ قَدْ وقَعَ التَّوَسُّلُ بِها: التَّوْحِيدُ، والتَّنْزِيهُ، والعُبُودِيَّةُ، والِاعْتِرافُ. وقال في اجتماع الجيوش الإسلامية: ذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قَدامَةَ المَقْدِسِيُّ في كِتابِهِ " إثْباتُ صِفَةِ العُلُوِّ " عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ قالَ: سَمِعَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَسْبِيحَ الحَصا والحِيتانِ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وكانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: يا سَيِّدِي في السَّماءِ مَسْكَنُكَ وفي الأرْضِ قُدْرَتُكَ وعَجائِبُكَ إلَهِي في الظُّلُماتِ الثَّلاثِ حَبَسْتَنِي. . . فَلَمّا كانَ تَمامُ الأرْبَعِينَ يَوْمًا وأصابَهُ الغَمُّ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقال في طريق الهجرتين: وهذا مشهد ذي النون إذ يقول: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّى كُنْتُ مِنَ الظّالِمِين﴾ فوحد ربه ونزهه عن كل عيب وأضاف الظلم إلى نفسه، وهذا مشهد صاحب سيد الاستغفار إذ يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلهَ إلا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا عَلى عَهْدِك ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلى، وأبُوءُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لِي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنْتَ". فأقر بتوحيد الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلق وعموم المشيئة ونفوذها، وتوحيد الإلهية المتضمن لمحبته وعبادته وحده لا شريك له والاعتراف بالعبودية المتضمن للافتقار من جميع الوجوه إليه سبحانه. (فصل) وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وصَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إذْ دَعا وهو في بَطْنِ الحُوتِ " ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ إنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ أيْضًا مِن حَدِيثِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِشَيْءٍ إذا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنكم أمْرٌ مُهِمٌّ، فَدَعا بِهِ يُفَرِّجُ اللَّهُ عَنْهُ؟ دُعاءُ ذِي النُّونِ». وَفِي صَحِيحِهِ أيْضًا عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقُولُ: «هَلْ أدُلُّكم عَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ؟ دُعاءِ يُونُسَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ كانَ لِيُونُسَ خاصَّةً؟ فَقالَ ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] فَأيُّما مُسْلِمٍ دَعا بِها في مَرَضِهِ أرْبَعِينَ مَرَّةً فَماتَ في مَرَضِهِ ذَلِكَ أُعْطِيَ أجْرَ شَهِيدٍ، وإنْ بَرِئَ بَرِئَ مَغْفُورًا لَهُ». وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كَرَبَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، إلّا اسْتَغاثَ بِالتَّسْبِيحِ.

الأنبياء 21:88

وَأمّا دَعْوَةُ ذِي النُّونِ: فَإنَّ فِيها مِن كَمالِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ لِلرَّبِّ تَعالى، واعْتِرافِ العَبْدِ بِظُلْمِهِ وذَنْبِهِ، ما هو مِن أبْلَغِ أدْوِيَةِ الكَرْبِ، والهَمِّ، والغَمِّ، وأبْلَغِ الوَسائِلِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - في قَضاءِ الحَوائِجِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ والتَّنْزِيهَ يَتَضَمَّنانِ إثْباتَ كُلِّ كَمالِ اللَّهِ، وسَلْبَ كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ وتَمْثِيلٍ عَنْهُ. والِاعْتِرافُ بِالظُّلْمِ يَتَضَمَّنُ إيمانَ العَبْدِ بِالشَّرْعِ والثَّوابِ والعِقابِ، ويُوجِبُ انْكِسارَهُ ورُجُوعَهُ إلى اللَّهِ واسْتِقالَتَهُ عَثْرَتَهُ، والِاعْتِرافَ بِعُبُودِيَّتِهِ، وافْتِقارَهُ إلى رَبِّهِ، فَهاهُنا أرْبَعَةُ أُمُورٍ قَدْ وقَعَ التَّوَسُّلُ بِها: التَّوْحِيدُ، والتَّنْزِيهُ، والعُبُودِيَّةُ، والِاعْتِرافُ. وقال في اجتماع الجيوش الإسلامية: ذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قَدامَةَ المَقْدِسِيُّ في كِتابِهِ " إثْباتُ صِفَةِ العُلُوِّ " عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ قالَ: سَمِعَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَسْبِيحَ الحَصا والحِيتانِ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وكانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: يا سَيِّدِي في السَّماءِ مَسْكَنُكَ وفي الأرْضِ قُدْرَتُكَ وعَجائِبُكَ إلَهِي في الظُّلُماتِ الثَّلاثِ حَبَسْتَنِي. . . فَلَمّا كانَ تَمامُ الأرْبَعِينَ يَوْمًا وأصابَهُ الغَمُّ ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾. وقال في طريق الهجرتين: وهذا مشهد ذي النون إذ يقول: ﴿لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّى كُنْتُ مِنَ الظّالِمِين﴾ فوحد ربه ونزهه عن كل عيب وأضاف الظلم إلى نفسه، وهذا مشهد صاحب سيد الاستغفار إذ يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلهَ إلا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا عَلى عَهْدِك ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ أبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلى، وأبُوءُ بِذَنْبِي، فاغْفِرْ لِي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أنْتَ". فأقر بتوحيد الربوبية المتضمن لانفراده سبحانه بالخلق وعموم المشيئة ونفوذها، وتوحيد الإلهية المتضمن لمحبته وعبادته وحده لا شريك له والاعتراف بالعبودية المتضمن للافتقار من جميع الوجوه إليه سبحانه. (فصل) وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وصَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إذْ دَعا وهو في بَطْنِ الحُوتِ " ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ إنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ أيْضًا مِن حَدِيثِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِشَيْءٍ إذا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنكم أمْرٌ مُهِمٌّ، فَدَعا بِهِ يُفَرِّجُ اللَّهُ عَنْهُ؟ دُعاءُ ذِي النُّونِ». وَفِي صَحِيحِهِ أيْضًا عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقُولُ: «هَلْ أدُلُّكم عَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ؟ دُعاءِ يُونُسَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ كانَ لِيُونُسَ خاصَّةً؟ فَقالَ ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] فَأيُّما مُسْلِمٍ دَعا بِها في مَرَضِهِ أرْبَعِينَ مَرَّةً فَماتَ في مَرَضِهِ ذَلِكَ أُعْطِيَ أجْرَ شَهِيدٍ، وإنْ بَرِئَ بَرِئَ مَغْفُورًا لَهُ». وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كَرَبَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، إلّا اسْتَغاثَ بِالتَّسْبِيحِ.

الأنبياء 21:90

أيْ رَغَبًا فِيما عِنْدَنا، ورَهَبًا مِن عَذابِنا. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " إنَّهم " عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ. والرَّغَبُ والرَّهَبُ: رَجاءُ الرَّحْمَةِ، والخَوْفُ مِنَ النّارِ عِنْدَهم أجْمَعِينَ. وقال في طريق الهجرتين: وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ فِى الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ فالرغب: الرجاءُ والرغبة، والرهب: الخوف والخشية، وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. وفى الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، وفي لفظ آخر: "إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقى"، وكان ﷺ يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاءِ، وقد قال تعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فكلما كان العبد بالله أعلم كان له أخوف. قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علمًا. ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم لله، ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له وحبه له، وكلما ازداد معرفة ازداد حياءً وخوفًا وحبًا، فالخوف من أجلّ منازل الطريق، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم أليق، ولهم ألزم. فإن العبد إما أن يكون مستقيمًا أو مائلًا عن الاستقامة فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف وهو ينشأ من ثلاثة أُمور: أحدها: معرفته بالجناية وقبحها. والثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. والثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه، فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه، وإما عدم علمه بسوءِ عاقبته، وإما أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان، فإذا علم قبح الذنب وعلم سوءَ مغبته وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ويحال بينه وبينها اشتد خوفه. هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد. وبالجملة فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج في قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو. وإما إن كان مستقيمًا مع الله فخوفه يكون مع جريان الأنفاس، لعلمه بأن الله مقلب القلوب، وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عَزَّ وجَلَّ، فإن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاءَ أن يزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبي ﷺ، وكانت أكثر يمينه: "لا ومقلب القلوب، لا ومقلب القلوب" وقال بعض السلف: القلب أشد تقلبًا من القِدْر إذا استجمعت غليانًا. وقال بعضهم: مثل القلب في سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرًا لبطن. ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فأي قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحق بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له في كل حال وإن توارى عنه بغلبة حالة أُخرى عليه. فالخوف حشو قلبه، لكن توارى عنه بغلبة غيره، فوجود الشيء غير العلم به، فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما يريد وأنه المحرك للقلب المصرف له المقلب له كيف يشاءُ لا إلَهَ إلا هو. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ الرَّغْبَةِ] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَنزِلَةُ الرَّغْبَةِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والفَرْقُ بَيْنَ الرَّغْبَةِ والرَّجاءِ أنَّ الرَّجاءَ طَمَعٌ. والرَّغْبَةُ طَلَبٌ. فَهي ثَمَرَةُ الرَّجاءِ. فَإنَّهُ إذا رَجا الشَّيْءَ طَلَبَهُ. والرَّغْبَةُ مِنَ الرَّجاءِ كالهَرَبِ مِنَ الخَوْفِ. فَمَن رَجا شَيْئًا طَلَبَهُ ورَغِبَ فِيهِ. ومَن خافَ شَيْئًا هَرَبَ مِنهُ. والمَقْصُودُ أنَّ الرّاجِيَ طالِبٌ، والخائِفَ هارِبٌ. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الرَّغْبَةُ هي مِنَ الرَّجاءِ بِالحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ طَمَعٌ يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقٍ والرَّغْبَةُ سُلُوكٌ عَلى التَّحْقِيقِ. أيِ الرَّغْبَةُ تَتَوَلَّدُ مِنَ الرَّجاءِ. لَكِنَّهُ طَمَعٌ. وهي سُلُوكٌ وطَلَبٌ. وَقَوْلُهُ: الرَّجاءُ طَمَعٌ يَحْتاجُ إلى تَحْقِيقِ أيْ طَمَعٌ في مَغِيبٍ عَنْهُ مَشْكُوكٍ في حُصُولِهِ، وإنْ كانَ مُتَحَقِّقًا في نَفْسِهِ، كَرَجاءِ العَبْدِ دُخُولَ الجَنَّةِ. فَإنَّ الجَنَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ لا شَكَّ فِيها. وإنَّما الشَّكُّ في دُخُولِهِ إلَيْها. وهَلْ يُوافِي رَبَّهُ بِعَمَلٍ يَمْنَعُهُ مِنها أمْ لا؟ بِخِلافِ الرَّغْبَةِ فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يَرْغَبُ فِيهِ. فالإيمانُ في الرَّغْبَةِ أقْوى مِنهُ في الرَّجاءِ. فَلِذَلِكَ قالَ: والرَّغْبَةُ سُلُوكٌ عَلى التَّحْقِيقِ. هَذا مَعْنى كَلامِهِ. وفِيهِ نَظَرٌ. فَإنَّ الرَّغْبَةَ أيْضًا طَلَبُ مَغِيبٍ، هو عَلى شَكٍّ مِن حُصُولِهِ. فَإنَّ المُؤْمِنَ يَرْغَبُ في الجَنَّةِ ولَيْسَ بِجازِمٍ بِدُخُولِها. فالفَرْقُ الصَّحِيحُ أنَّ الرَّجاءَ طَمَعٌ والرَّغْبَةُ طَلَبٌ. فَإذا قَوِيَ الطَّمَعُ صارَ طَلَبًا.

الأنبياء 21:101

(فصل: في قوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ قد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين وكتابتهم بأسمائهم وأسماء آبائهم في ديوان السعداء قبل خلقهم وفي صحيح الحاكم من حديث الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لما نزلت: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال المشركون فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله. قال فنزلت: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ " وهذا إسناد صحيح وقال علي بن المديني ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم قال أخبرني أبو رزين عن أبي يحيى عن ابن عباس أنه قال: "آية لا يسأل الناس عنها لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوها فلا يسألون عنها. فقيل له وما هي؟ فقال: لما نزلت: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ شق ذلك على قريش أو على أهل مكة وقالوا يشتم آلهتنا فجاء ابن الزبعري فقال: مالكم قالوا: يشتم آلهتنا قال: وما قال قالوا: قال: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قال: ادعوه لي فلما دعي النبي ﷺ قال: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله فقال: لا بل لكل من عبد من دون الله قال فقال ابن الزبعري: خصمت ورب هذه البنية يعني الكعبة ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح وهذه بنو مليح تعبد الملائكة وهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا قال فضج أهل مكة فأنزل الله عز وجل: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قال: ونزلت: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ قال: هو الضجيج. وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزبعري لا يرد على الآية فإنه سبحانه قال إنكم وما تعبدون من دون الله ولم يقل ومن تعبدون وما لما لا يعقل فلا يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل وأيضا فإن السورة مكية والخطاب فيها لعباد الأصنام فإنه قال إنكم وما تعبدون فلفظة إنكم ولفظة ما تبطل سؤاله وهو رجل فصيح من العرب لا يخفى عليه ذلك ولكن إيراده إنما كان من جهة القياس والعموم المعنوي الذي يعم الحكم فيه بعموم علته أي إن كان كونه معبودا يوجب أن يكون حصب جهنم فهذا المعنى بعينه موجود في الملائكة وعزير والمسيح فأجيب بالفارق وذلك من وجوه. أحدها: أن الملائكة والمسيح وعزيرا ممن سبقت لهم من الله الحسنى فهم سعداء لم يفعلوا ما يستوجبون به النار فلا يعذبون بعبادة غيرهم مع بعضهم ومعاداتهم لهم فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين البيع والربا والميتة والذكي وهذا شأن أهل الباطل وإنما يسوون بين ما فرق الشرع والعقل والفطرة بينه ويفرقون بين ما سوى الله ورسوله بينه. الفرق الثاني: أن الأوثان حجارة غير مكلفة ولا ناطقة فإذا حصبت بها جهنم إهانة لها ولعابديها لم يكن في ذلك من لا يستحق العذاب بخلاف الملائكة والمسيح وعزير فإنهم أحياء ناطقون فلو حصبت بهم النار كان ذلك إيلاما وتعذيبا لهم. الثالث: أن من عبد هؤلاء بزعمه فإنه لم يعبدهم في الحقيقة فإنهم لم يدعوا إلى عبادتهم وإنما عبد المشركون الشياطين وتوهموا أن العبادة لهؤلاء فإنهم عبدوا بزعمهم من ادعى أنه معبود مع الله وأنه معه إله وقد برأ الله سبحانه ملائكته والمسيح وعزيرا من ذلك وإنما ادعى ذلك الشياطين وهم بزعمهم يعتقدون أنهم يرضون بأن يكونوا معبودين مع الله ولا يرضى بذلك إلا الشياطين ولهذا قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ فما عبد غير الله إلا الشيطان وهذه الأجوبة منتزعة من قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ فتأمل الآية تجدها تلوح في صفحات ألفاظها وبالله التوفيق. والمقصود ذكر الحسنى التي سبقت من الله لأهل السعادة قبل وجودهم. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا أبو سعيد بن يحي بن سعيد ثنا أبو عامر العقدي ثنا عروة بن ثابت الأنصاري ثنا الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا أغمي عليه فأفاق فقال: أغمي علي قالوا: نعم قال: إنه أتاني رجلان غليظان فأخذا بيدي فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين فانطلقا بي فتلقاهما رجل وقال: أين تريدان به قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين فقال: دعاه فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه" وقال عبد الله بن محمد البغوي ثنا داود بن رشيد ثنا ابن علية حدثني محمد بن محمد القرشي عن عامر بن سعد قال: "أقبل سعد من أرض له فإذا الناس عكوف على رجل فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا فنهاه فكأنما زاده إغراء فقال: ويلك تريد أن تسب أقواما هم خير منك لتنتهين أو لأدعون عليك فقال: كأنما يخوفني نبي من الأنبياء فانطلق فدخل دارا فتوضأ ودخل المسجد ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواما قد سبقت لهم منك حسنى أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم آية تكون للمؤمنين آية. وقال تخرج بختية من دار بني فلان لا يردها شيء حتى تنتهي إليه ويتفرق الناس وتجعله بين قوائمها وتطأه حتى طفى قال: فأنا رأيت سعدا يتبعه الناس يقولون استجاب الله لك يا أبا إسحاق استجاب الله لك يا أبا إسحاق. وقال تعالى: ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا﴾ أي الله سماكم من قبل القرآن وفي القرآن فسبقت تسمية الحق سبحانه لهم مسلمين قبل إسلامهم وقبل وجودهم وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ وقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال سبقت لهم السعادة في الذكر الأول وهذا لا يخالف قول من قال إنه الأعمال الصالحة التي قدموها، ولا قول من قال إنه محمد ﷺ فإنه سبق لهم من الله في الذكر الأول السعادة بأعمالهم على يد محمد ﷺ فهو خير تقدم لهم من الله ثم قدمه لهم على يد رسوله ثم يقدمهم عليه يوم لقائه وقد قال تعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وقد اختلف السلف في هذا الكتاب السابق فقال جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ أن الغنائم حلال لكم لعاقبكم وقال آخرون لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدا إلا بعد الحجة لعاقبكم وقال آخرون لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أنه مغفور لهم وإن عملوا ما شاؤا لعاقبهم وقال آخرون وهو الصواب لولا كتاب من الله سبق بهذا كله لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم والله أعلم.

الأنبياء 21:104

والسِّجِلُّ: الوَرَقُ المَكْتُوبُ فِيهِ، والكِتابُ: نَفْسُ المَكْتُوبِ، واللّامُ بِمَنزِلَةِ عَلى: أيْ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ الدُّرْجِ عَلى ما فِيهِ مِن السُّطُورِ المَكْتُوبَةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ فَقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. (فصل: في الحِكْمَة الَّتِي لأجلها يُعاد بَنو آدم غرلًا) لما وعد الله سُبْحانَهُ وهو صادِق الوَعْد الَّذِي لا يخلف وعده أنه يُعِيد الخلق كَما بدأهم أول مرّة كانَ من صدق وعده أن يُعِيدهُ على الحالة الَّتِي بدأه عَلَيْها من تَمام أعْضائِهِ وكمالها قالَ الله تَعالى ﴿يَوْم نطوي السَّماء كطي السّجل للكتب كَما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنّا كُنّا فاعلين﴾ وقالَ تَعالى ﴿كَما بَدَأكم تعودُونَ﴾ وَأيْضًا فَإن الخِتان إنَّما شرع في الدُّنْيا لتكميل الطَّهارَة والتنزه من البَوْل وأهل الجنَّة لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ فَلَيْسَ هُناكَ نَجاسَة تصيب الغرلة فَيحْتاج إلى التَّحَرُّز مِنها، والقلفة لا تمنع لَذَّة الجِماع ولا تعوقه هَذا إن قدر استمرارهم على تِلْكَ الحالة الَّتِي بعثوا عَلَيْها وإلّا فَلا يلْزم من كَونهم يبعثون كَذَلِك أن يستمروا على تِلْكَ الحالة الَّتِي بعثوا عَلَيْها فَإنَّهُم يبعثون حُفاة عُراة بهما ثمَّ يكسون ويمد خلقهمْ ويُزاد فِيهِ بعد ذَلِك يُزاد في خلق أهل الجنَّة والنّار وإلّا فوقت قيامهم من القُبُور يكونُونَ على صورتهم الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا وعَلى صفاتهم وهيئاتهم وأحوالهم فيبعث كل عبد على ما ماتَ عَلَيْهِ ثمَّ ينشئهم الله سُبْحانَهُ كَما يَشاء وهل تبقى تِلْكَ الغرلة الَّتِي كملت خلقهمْ في القُبُور أو تَزُول يُمكن هَذا وهَذا، ولا يعلم إلّا بِخَبَر يجب المصير إلَيْهِ. والله سُبْحانَهُ وتَعالى أعلم.

الأنبياء 21:105

وقد اختلف الناس في الأرض المذكورة هنا فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هي أرض الجنة، وهذا قول أكثر المفسرين. وعن ابن عباس قول آخر أنها الدنيا التي فتحها اللّه على أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهذا القول هو الصحيح. نظيره قوله تعالى في سورة النور: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». وقالت طائفة من المفسرين: المراد بذلك أرض بيت المقدس وهي من الأرض التي أورثها اللّه عباده الصالحين وليست الآية مختصة بها. وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد اللّه أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟ فقال: إن الأرض التي يقول اللّه تعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ قال هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقالوا: هي الأرض التي يورثها اللّه المؤمنين في الدنيا. (لطيفة) تَأمَّلْ قَوْلَ المَسِيحِ في هَذِهِ البِشارَةِ: إنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِنكم ويُدْفَعُ إلى أُمَّةٍ أُخْرى، كَيْفَ تَجِدُهُ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾. (فصل: في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة) وقد تقدم في أول الكتاب ما دل على ذلك من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة فنذكر هنا بعض ما لم نذكره قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥) إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)﴾ فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود، والذكر أم الكتاب الذي عند الله والأرض الدنيا وعباده الصالحون أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. هذا أصح الأقوال في هذه الآية وهي علم من أعلام نبوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم وشتتوهم في أطراف الأرض فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه كتب في الذكر الأول أنهم يرثون الأرض من الكفار، ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله. والكتاب قد أطلق عليه الذكر في قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء" فهذا هو الذكر الذي كتب فيه أن الدنيا تصير لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم والكتب المنزلة قد أطلق عليه الزبر في قوله تعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُر﴾ أي أرسلناهم بالآيات الواضحات والكتب التي فيها الهدى والنور، والذكر هاهنا الكتابان اللذان أنزلا قبل رسول الله ﷺ وهما التوراة والإنجيل، والذكر في قوله: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِم﴾ هو القرآن ففي هذه الآية علمه بما كان قبل كونه وكتابته له بعد علمه. وقال تعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم والكتاب المقارن لأعمالهم فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم للبعث ويجازيهم بأعمالهم ونبه بكتابته لها على ذلك قال نكتب ما قدموا من خير أو شر فعلوه في حياتهم وآثارهم ما سنوا من سنة خير أو شر فاقتدي بهم فيها بعد موتهم. وقال ابن عباس في رواية عطاء: "آثارهم ما أثروا من خير أو شر" كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ فإن قلت قد استفيد هذا من قوله ﴿قدموا﴾ فما أفاد قوله: ﴿آثارَهُمْ﴾ على قوله؟ قلت أفاد فائدة جليلة وهو أنه سبحانه يكتب ما عملوه وما تولد من أعمالهم فيكون المتولد عنها كأنهم عملوه في الخير والشر وهو أثر أعمالهم فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها وهذا القول أعم من قول مقاتل وكأن مقاتلا أراد التمثيل والبيان على عادة السلف في تفسير اللفظة العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبا وتمثيلا لا حصرا وإحاطة وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: "نزلت هذه الآية في بني سلمة أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد وكانت منازلهم بعيدة فلما نزلت قالوا بل نمكث مكاننا واحتج أرباب هذا القول بما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم" وقد روى مسلم في صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس وفي هذا القول نظر فإن سورة يس مكية وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن يقال هذه الآية وحدها مدنية وأحسن من هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة ودلت عليها وذكروا بها عندها إما من النبي ﷺ وإما من جبريل فأطلق على ذلك النزول ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك نزلت مرتين والمقصود أن خطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها الله لهم قال عمر بن الخطاب: "لو كان الله سبحانه تاركا لابن آدم شيئا لترك ما عفت عليه الرياح من أثر" وقال مسروق: "ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة" والمقصود أن قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء يتضمن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها وحفظها لها والإحاطة بعددها وإثباتها فيه وقال تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ وقد اختلف في الكتاب هاهنا هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ على قولين فقالت طائفة المراد به القرآن وهذا من العام المراد به الخاص أي ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه كقوله: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه والمراد أن كل شيء ذكر فيه مجملا ومفصلا كما قال ابن مسعود: "وقد لعن الواصلة والمستوصلة ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه فقالت امرأة لقد قرأت القرآن فما وجدته فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدته قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ولعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة" وقال الشافعي ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الدلالة عليها. وقالت طائفة المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس وكان هذا القول أظهر في الآية والسياق يدل عليه فإنه قال: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُم﴾ وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول، وأنها لم تخلق سدى بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون فذكر مبدأها ونهايتها وأدخل بين هاتين الحالتين قوله: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ أي كلها قد كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي وإنما يناسب ذكر الكتاب الأول. ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا بأن في ذكر القرآن هاهنا الإخبار عن تضمنه لذكر ذلك والإخبار به فلم نفرط فيه من شيء بل أخبرناكم بكل ما كان وما هو كائن إجمالا وتفصيلا ويرجحه أمر آخر وهو أن هذا ذكر عقيب قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله ﷺ وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء ولم يفرط فيه من شيء ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه وكثرة جنوده والأمم التي يحصيها غيره وهذا يتضمن أنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه رب العالمين فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه فهذا استدلال بأمره وذاك بخلقه: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾. وشهد لهذا أيضا قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ولمن نصر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك فإنه قادر على ذلك وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم أذلوا أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة أن لم يؤمنوا ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز عن إنزال آية ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء ثم يميتهم ثم يحشرهم إليه والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات عن النظر والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله ثم أخبر أن الآيات لا تستقل بالهدى ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر بل الأمر كله له من يشأ يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم فهو أظهر القولين والله أعلم. وقال: ﴿حم والكِتابِ المُبِينِ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قال ابن عباس: "في اللوح المحفوظ المقري عندنا" قال مقاتل: "إن نسخته في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ وأم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله" والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله فكتب في اللوح أفعاله وكلامه فتبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب وقوله لدينا يجوز فيه أن تكون من صلة أم الكتاب أي أنه في الكتاب الذي عندنا وهذا اختيار ابن عباس ويجوز أن يكون من صلة الخبر أنه عليّ حكيم عندنا ليس هو كما عند المكذبين به أي وإن كذبتم به وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف والإحكام وقال تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية: "أي ما سبق لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة ثم قرأ عطية: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ "والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال: "يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ" فالكتاب على هذا القول الكتاب الأول ونصيبهم ما كتب لهم من الشقاوة وأسبابها وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس: "ينالهم ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال فإذا فني نصيبهم واستكملوه جاءتهم رسلنا يتوفونهم ورجح بعضهم هذا القول لمكان حتى التي هي للغاية يعني أنهم يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت ولمن نصر القول الأول أن يقول حتى في هذا الموضع هي التي تدخل على الجمل ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في كقوله: فيا عجبا حتى كليب تسبني والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين فهو نصيبهم من الشقاوة ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك فعمت الآية هذا النصيب كله وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه. هذا على القول الصحيح وأن المراد ما سبق لهم في أم الكتاب. وقالت طائفة المراد بالكتاب القرآن قال الزجاج: "معنى نصيبهم من الكتاب ما أخبر الله من جزائهم نحو قوله: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ " قال أرباب هذا القول وهذا هو الظاهر لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع ثم أخبر أنه ينالهم نصيبهم منه. والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء منه العذاب والشقاء فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة، فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم. وقريب من هذا قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به. قال الحسن: "تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به" وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ قال عطاء ومقاتل: "كل شيء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ" وروى حماد بن زيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ دقال: "كتب عليهم قبل أن يعملوه" وقالت طائفة: "المعنى أنه يحصى عليهم في كتب أعمالهم" وجمع أبو إسحاق بين القولين فقال: "مكتوب عليهم قبل أن يفعلوه ومكتوب عليهم إذا فعلوه للجزاء" وهذا أصح وبالله التوفيق وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: "ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه" وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق الفرج ذلك كله ويكذبه" وفي صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين قال: "دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين، ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا ِرسول الله قالوا: جئنا لنسألك عن هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي ينقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها فالرب سبحانه كتب ما يقوله وما يفعله وما يكون بقوله وفعله وكتب مقتضى أسمائه وصفاته وآثارها" كما في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي".

الأنبياء 21:106

وقد اختلف الناس في الأرض المذكورة هنا فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هي أرض الجنة، وهذا قول أكثر المفسرين. وعن ابن عباس قول آخر أنها الدنيا التي فتحها اللّه على أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، وهذا القول هو الصحيح. نظيره قوله تعالى في سورة النور: وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». وقالت طائفة من المفسرين: المراد بذلك أرض بيت المقدس وهي من الأرض التي أورثها اللّه عباده الصالحين وليست الآية مختصة بها. وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد اللّه أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟ فقال: إن الأرض التي يقول اللّه تعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ قال هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقالوا: هي الأرض التي يورثها اللّه المؤمنين في الدنيا. (لطيفة) تَأمَّلْ قَوْلَ المَسِيحِ في هَذِهِ البِشارَةِ: إنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِنكم ويُدْفَعُ إلى أُمَّةٍ أُخْرى، كَيْفَ تَجِدُهُ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾. (فصل: في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة) وقد تقدم في أول الكتاب ما دل على ذلك من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة فنذكر هنا بعض ما لم نذكره قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥) إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)﴾ فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود، والذكر أم الكتاب الذي عند الله والأرض الدنيا وعباده الصالحون أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. هذا أصح الأقوال في هذه الآية وهي علم من أعلام نبوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه أخبر بذلك بمكة وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم وشتتوهم في أطراف الأرض فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه كتب في الذكر الأول أنهم يرثون الأرض من الكفار، ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله. والكتاب قد أطلق عليه الذكر في قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء" فهذا هو الذكر الذي كتب فيه أن الدنيا تصير لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم والكتب المنزلة قد أطلق عليه الزبر في قوله تعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالبَيِّناتِ والزُّبُر﴾ أي أرسلناهم بالآيات الواضحات والكتب التي فيها الهدى والنور، والذكر هاهنا الكتابان اللذان أنزلا قبل رسول الله ﷺ وهما التوراة والإنجيل، والذكر في قوله: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِم﴾ هو القرآن ففي هذه الآية علمه بما كان قبل كونه وكتابته له بعد علمه. وقال تعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ فجمع بين الكتابين الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم والكتاب المقارن لأعمالهم فأخبر أنه يحييهم بعد ما أماتهم للبعث ويجازيهم بأعمالهم ونبه بكتابته لها على ذلك قال نكتب ما قدموا من خير أو شر فعلوه في حياتهم وآثارهم ما سنوا من سنة خير أو شر فاقتدي بهم فيها بعد موتهم. وقال ابن عباس في رواية عطاء: "آثارهم ما أثروا من خير أو شر" كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ فإن قلت قد استفيد هذا من قوله ﴿قدموا﴾ فما أفاد قوله: ﴿آثارَهُمْ﴾ على قوله؟ قلت أفاد فائدة جليلة وهو أنه سبحانه يكتب ما عملوه وما تولد من أعمالهم فيكون المتولد عنها كأنهم عملوه في الخير والشر وهو أثر أعمالهم فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها وهذا القول أعم من قول مقاتل وكأن مقاتلا أراد التمثيل والبيان على عادة السلف في تفسير اللفظة العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبا وتمثيلا لا حصرا وإحاطة وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: "نزلت هذه الآية في بني سلمة أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد وكانت منازلهم بعيدة فلما نزلت قالوا بل نمكث مكاننا واحتج أرباب هذا القول بما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم" وقد روى مسلم في صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس وفي هذا القول نظر فإن سورة يس مكية وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن يقال هذه الآية وحدها مدنية وأحسن من هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة ودلت عليها وذكروا بها عندها إما من النبي ﷺ وإما من جبريل فأطلق على ذلك النزول ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك نزلت مرتين والمقصود أن خطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها الله لهم قال عمر بن الخطاب: "لو كان الله سبحانه تاركا لابن آدم شيئا لترك ما عفت عليه الرياح من أثر" وقال مسروق: "ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة" والمقصود أن قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب وهو الذكر الذي كتب فيه كل شيء يتضمن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها وحفظها لها والإحاطة بعددها وإثباتها فيه وقال تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ وقد اختلف في الكتاب هاهنا هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ على قولين فقالت طائفة المراد به القرآن وهذا من العام المراد به الخاص أي ما فرطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره وبيانه كقوله: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه والمراد أن كل شيء ذكر فيه مجملا ومفصلا كما قال ابن مسعود: "وقد لعن الواصلة والمستوصلة ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه فقالت امرأة لقد قرأت القرآن فما وجدته فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدته قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ولعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة" وقال الشافعي ما نزل بأحد من المسلمين نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الدلالة عليها. وقالت طائفة المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء وهذا إحدى الروايتين عن ابن عباس وكان هذا القول أظهر في الآية والسياق يدل عليه فإنه قال: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُم﴾ وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول، وأنها لم تخلق سدى بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون فذكر مبدأها ونهايتها وأدخل بين هاتين الحالتين قوله: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ أي كلها قد كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي وإنما يناسب ذكر الكتاب الأول. ولمن نصر القول الأول أن يجيب عن هذا بأن في ذكر القرآن هاهنا الإخبار عن تضمنه لذكر ذلك والإخبار به فلم نفرط فيه من شيء بل أخبرناكم بكل ما كان وما هو كائن إجمالا وتفصيلا ويرجحه أمر آخر وهو أن هذا ذكر عقيب قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فنبههم على أعظم الآيات وأدلها على صدق رسول الله ﷺ وهو الكتاب الذي يتضمن بيان كل شيء ولم يفرط فيه من شيء ثم نبههم بأنهم أمة من جملة الأمم التي في السماوات والأرض وهذا يتضمن التعريف بوجود الخالق وكمال قدرته وعلمه وسعة ملكه وكثرة جنوده والأمم التي يحصيها غيره وهذا يتضمن أنه لا إله غيره ولا رب سواه وأنه رب العالمين فهذا دليل على وحدانيته وصفات كماله من جهة خلقه وقدره وإنزال الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء دليل من جهة أمره وكلامه فهذا استدلال بأمره وذاك بخلقه: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾. وشهد لهذا أيضا قوله: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ولمن نصر أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ أن يقول لما سألوا آية أخبرهم سبحانه بأنه لم يترك إنزالها لعدم قدرته على ذلك فإنه قادر على ذلك وإنما لم ينزلها لحكمته ورحمته بهم وإحسانه إليهم أذلوا أنزلها على وفق اقتراحهم لعوجلوا بالعقوبة أن لم يؤمنوا ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته بخلق الأمم العظيمة التي لا يحصي عددها إلا هو فمن قدر على خلق هذه الأمم مع اختلاف أجناسها وأنواعها وصفاتها وهيئاتها كيف يعجز عن إنزال آية ثم أخبر عن كمال قدرته وعلمه بأن هؤلاء الأمم قد أحصاهم وكتبهم وقدر أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم في كتاب لم يفرط فيه من شيء ثم يميتهم ثم يحشرهم إليه والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات عن النظر والاعتبار الذي يؤديهم إلى معرفة ربوبيته ووحدانيته وصدق رسله ثم أخبر أن الآيات لا تستقل بالهدى ولو أنزلها على وفق اقتراح البشر بل الأمر كله له من يشأ يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم فهو أظهر القولين والله أعلم. وقال: ﴿حم والكِتابِ المُبِينِ إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قال ابن عباس: "في اللوح المحفوظ المقري عندنا" قال مقاتل: "إن نسخته في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ وأم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله" والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله فكتب في اللوح أفعاله وكلامه فتبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب وقوله لدينا يجوز فيه أن تكون من صلة أم الكتاب أي أنه في الكتاب الذي عندنا وهذا اختيار ابن عباس ويجوز أن يكون من صلة الخبر أنه عليّ حكيم عندنا ليس هو كما عند المكذبين به أي وإن كذبتم به وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف والإحكام وقال تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية: "أي ما سبق لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة ثم قرأ عطية: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ "والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء قال: "يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ" فالكتاب على هذا القول الكتاب الأول ونصيبهم ما كتب لهم من الشقاوة وأسبابها وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس: "ينالهم ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال فإذا فني نصيبهم واستكملوه جاءتهم رسلنا يتوفونهم ورجح بعضهم هذا القول لمكان حتى التي هي للغاية يعني أنهم يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت ولمن نصر القول الأول أن يقول حتى في هذا الموضع هي التي تدخل على الجمل ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في كقوله: فيا عجبا حتى كليب تسبني والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين فهو نصيبهم من الشقاوة ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك فعمت الآية هذا النصيب كله وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه. هذا على القول الصحيح وأن المراد ما سبق لهم في أم الكتاب. وقالت طائفة المراد بالكتاب القرآن قال الزجاج: "معنى نصيبهم من الكتاب ما أخبر الله من جزائهم نحو قوله: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ " قال أرباب هذا القول وهذا هو الظاهر لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع ثم أخبر أنه ينالهم نصيبهم منه. والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء منه العذاب والشقاء فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة، فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم. وقريب من هذا قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به. قال الحسن: "تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به" وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ قال عطاء ومقاتل: "كل شيء فعلوه مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ" وروى حماد بن زيد عن داود بن أبي هند عن الشعبي: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ دقال: "كتب عليهم قبل أن يعملوه" وقالت طائفة: "المعنى أنه يحصى عليهم في كتب أعمالهم" وجمع أبو إسحاق بين القولين فقال: "مكتوب عليهم قبل أن يفعلوه ومكتوب عليهم إذا فعلوه للجزاء" وهذا أصح وبالله التوفيق وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: "ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه" وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق الفرج ذلك كله ويكذبه" وفي صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حصين قال: "دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين، ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا ِرسول الله قالوا: جئنا لنسألك عن هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي ينقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها فالرب سبحانه كتب ما يقوله وما يفعله وما يكون بقوله وفعله وكتب مقتضى أسمائه وصفاته وآثارها" كما في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبي".

الأنبياء 21:107

وَأصَح القَوْلَيْنِ في قَوْله تَعالى ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أنه على عُمُومه. وَفِيه على هَذا التَّقْدِير وجْهان: أحدهما أن عُمُوم العالمين حصل لَهُم النَّفْع برسالته أما أتْباعه فنالوا بِهِ كَرامَة الدُّنْيا والآخِرَة. وَأما أعداؤه فالمحاربون لَهُ عجل قَتلهمْ وموتهم خير لَهُم من حياتهم لِأن حياتهم زِيادَة لَهُم في تَغْلِيظ العَذاب عَلَيْهِم في الدّار الآخِرَة، وهم قد كتب عَلَيْهِم الشَّقاء فتعجيل مَوْتهمْ خير لَهُم من طول أعمارهم في الكفْر. وَأما المعاهدون لَهُ فعاشوا في الدُّنْيا تَحت ظله وعَهده وذمته وهم أقل شرا بذلك العَهْد من المُحاربين لَهُ. وَأما المُنافِقُونَ فَحصل لَهُم بِإظْهار الإيمان بِهِ حقن دِمائِهِمْ وأمْوالهمْ وأهلهم واحترامها وجريان أحْكام المُسلمين عَلَيْهِم في التَّوارُث وغَيره. وَأما الأُمَم النائية عَنهُ فَإن الله سُبْحانَهُ رفع برسالته العَذاب العام عَن أهل الأرْض فَأصاب كل العالمين النَّفْع برسالته. الوَجْه الثّانِي أنه رَحْمَة لكل أحد لَكِن المُؤْمِنُونَ قبلوا هَذِه الرَّحْمَة فانتفعوا بها دنيا وأُخْرى والكفّار ردوها فَلم يخرج بذلك عَن أن يكون رَحْمَة لَهُم لَكِن لم يقبلوها كَما يُقال هَذا دَواء لهَذا المَرَض فَإذا لم يَسْتَعْمِلهُ المَرِيض لم يخرج عَن أن يكون دَواء لذَلِك المَرَض. (فائدة) قال أبو عبد اللّه الترمذي: إنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة، فإذا أبوا كفّت الرسل واعتزلوهم، وعولجوا بالعذاب؛ فلما بعث اللّه محمدا ﷺ بالرحمة إماما للخلق كما قال تعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أمسك عنهم العذاب وأعطي السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف، ثم يرسخ الإيمان في قلبه، فأمهلوا، فمن هاهنا ظهر أمر النفاق، وكانوا يسرّون الكفر ويعلنون الإيمان، فكانوا بين المسلمين في ستر، فلما ماتوا قيض اللّه لهم فتّاني القبر ليستخرجا سرّهم بالسؤال وليميز اللّه الخبيث من الطيّب ف يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ}. وخالف في ذلك آخرون منهم عبد الحق الإشبيلي والقرطبي وقالوا: السؤال لهذه الأمة ولغيرها. وتوقف في ذلك آخرون منهم أبو عمر بن عبد البر فقال: وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها»، ومنهم من يرويه «تسأل»، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصّت بذلك فهذا أمر لا يقطع عليه.

الحج 22:1

(فائدة) المرضع من لها ولد ترضعه، والمرضعة من ألقمت الثدي للرضيع. وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ أبلغ من (مرضع) في هذا المقام، فإن المرأة قد تذهل عن الرضيع إذا كان غير مباشر للرضاعة، فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تذهل عنه إلا لأمر أعظم عندها من اشتغالها بالرضاع. وتأمل - رحمك الله تعالى - السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل إلى قوله: ﴿ذاتِ حَمْلٍ﴾ فإن الحامل قد تطلق على المهيأة للحمل وعلى من هي في أول حملها ومبادئه. فإذا قيل ذات حمل لم يكن إلا لمن ظهر حملها وصلح للوضع كاملا أو سقطا كما يقال ذات ولد فأتى في (المرضعة) بالتاء التي تحقق فعل الرضاعة دون التهيؤ لها، وأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع. والله تعالى أعلم.

الحج 22:5

يَقُولُ سُبْحانَهُ: إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِن البَعْثِ فَلَسْتُمْ تَرْتابُونَ في أنَّكم مَخْلُوقُونَ، ولَسْتُمْ تَرْتابُونَ في مَبْدَأِ خَلْقِكم مِن حالٍ إلى حالٍ إلى حِينِ المَوْتِ، والبَعْثُ الَّذِي وعُدْتُمْ بِهِ نَظِيرُ النَّشْأةِ الأُولى فَهُما نَظِيرانِ في الإمْكانِ والوُقُوعِ، فَإعادَتُكم بَعْدَ المَوْتِ خَلْقًا جَدِيدًا كالنَّشْأةِ الأُولى الَّتِي لا تَرْتابُونَ فِيها، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ إحْدى النَّشْأتَيْنِ مَعَ مُشاهَدَتِكم لِنَظِيرِها؟ وَقَدْ أعادَ سُبْحانَهُ هَذا المَعْنى وأبْداهُ في كِتابِهِ بِأوْجَزِ العِباراتِ، وأدَلِّها، وأفْصَحِها، وأقْطَعِها لِلْعُذْرِ، وألْزَمِها لِلْحُجَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ - أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ - نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٥٨-٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فَدَلَّهم بِالنَّشْأةِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ، وأنَّهم لَوْ تَذَّكَّرُوا لَعَلِمُوا أنْ لا فَرْقَ بَيْنَهُما في تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، وقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ بَيْنَ النَّشْأتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى (٤٥) مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى (٤٦) وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى (٤٧)﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]. وَقَوْله تَعالى: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِ المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ (٧)﴾ وقَوْله تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها نَظِيرَ إحْياءِ الأمْواتِ، وإخْراجَ النَّباتِ مِنها نَظِيرَ إخْراجِهِمْ مِن القُبُورِ، ودَلَّ بِالنَّظِيرِ عَلى نَظِيرِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً ودَلِيلًا عَلى خَمْسَةِ مَطالِبَ: أحَدُها: وُجُودُ الصّانِعِ، وأنَّهُ الحَقُّ المُبِينُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ صِفاتِ كَمالِهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وحَياتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وأفْعالِهِ. الثّانِي: أنَّهُ يُحْيِي المَوْتى. الثّالِثُ: عُمُومُ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. الرّابِعُ: إتْيانُ السّاعَةِ وأنَّها لا رَيْبَ فِيها. الخامِسُ: أنَّهُ يُخْرِجُ المَوْتى مِن القُبُورِ كَما أخْرَجَ النَّباتَ مِن الأرْضِ. وَقَدْ كَرَّرَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ هَذا الدَّلِيلِ في كِتابِهِ مِرارًا؛ لِصِحَّةِ مُقَدَّماتِهِ، ووُضُوحِ دَلالَتِهِ، وقُرْبِ تَناوُلِهِ، وبُعْدِهِ مِن كُلِّ مُعارِضَةٍ وشُبْهَةٍ، وجَعْلِهِ تَبْصِرَةً وذِكْرى كَما قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.

الحج 22:17

(لطيفة) قالَ في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فَلَمْ يَقُلْ هاهُنا: مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ مَعَهُمُ (المَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا) فَذَكَرَ سِتَّ أُمَمٍ، مِنهُمُ اثْنَتانِ شَقِيَّتانِ، وأرْبَعٌ مِنهم مُنْقَسِمَةٌ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وحَيْثُ وعَدَ أهْلَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِنهم بِالأجْرِ ذَكَرَهم أرْبَعَ أُمَمٍ لَيْسَ إلّا. فَفِي آيَةِ الفَصْلِ بَيْنَ الأُمَمِ أدْخَلَ مَعَهُمُ الأُمَّتَيْنِ، وفي آيَةِ الوَعْدِ بِالجَزاءِ لَمْ يُدْخِلْها مَعَهُمْ، فَعُلِمَ أنَّ الصّابِئِينَ فِيهِمُ المُؤْمِنُ والكافِرُ والشَّقِيُّ والسَّعِيدُ وهَذِهِ أُمَّةٌ قَدِيمَةٌ قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى وهم أنْواعٌ: صابِئَةٌ حُنَفاءُ وصابِئَةٌ مُشْرِكُونَ. (فصل) ذكر الأمتين اللتين لا كتاب لهم، ولا ينقسمون إلى شقي وسعيد، وهما: المجوس والمشركون - في آية الفصل، ولم يذكرهما في آية الوعد بالجنة. وذكر الصابئين فيهما، فعلم أن فيهم الشقي والسعيد. وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل. وهم أهل دعوته. وكانوا بحران، فهي دار الصابئة. وكانوا قسمين صابئة حنفاء، وصابئة مشركين، والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشر، ويصوّرونها في هياكلهم. ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار، كالكنائس للنصارى والبيع لليهود. فلهم هيكل كبير للشمس، وهيكل للقمر، وهيكل للزهرة، وهيكل للمشترى، وهيكل للمريخ، وهيكل لعطادر، وهيكل لزحل وهيكل للعلة الأولى. ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة. ويصورونها في تلك الهياكل. ويتخذون لها أصناما تخصها، ويقربون لها القرابين. ولها صلوات خمس في اليوم والليلة، نحو صلوات المسلمين. وطوائف منهم يصومون شهر رمضان، ويستقبلون في صلواتهم الكعبة، ويعظمون مكة، ويرون الحج إليها، ويحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير، ويحرمون من القرابات في النكاح ما يحرمه المسلمون. وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، منهم هلال بن المحسن الصابئ، صاحب الديوان الإنشائى، وصاحب الرسائل المشهورة. وكان يصوم مع المسلمين، ويعيد معهم، ويزكي ويحرم المحرمات. وكان الناس يعجبون من موافقته للمسلمين، وليس على دينهم. وأصل دين هؤلاء - فيما زعموا - أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم، ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولا وعملا، ولهذا سموا صابئة، أي خارجين. فقد خرجوا عن تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله، إلا ما رأوه فيه من الحق. وكانت كفار قريش تسمى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الصابئ، وأصحابه الصبأة، يقال: صبأ الرجل، بالهمز، إذا خرج من شيء إلى شيء. وصبا يصبو إذا مال، ومنه قوله: ﴿وَإلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣]. أي أمل. والمهموز والمعتل يشتركان. فالمهوز: ميل عن الشيء. والمعتل: ميل إليه، واسم الفاعل من المهموز: صابئ، بوزن قارئ، ومن المعتل: صاب، بوزن قاض وجمع الأول: صابئون، كقارئون، وجمع الثاني: صابون كقاضون، وقد قرئ بهما. والمقصود: أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية. والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام، ورأوا أنهم على صواب. وأكثر هذه الأمة فلاسفة. والفلاسفة يأخذون من كل دين - بزعمهم - محاسن ما دلت عليه العقول. وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم. وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه. وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك. كما سيأتي ذكر تلاعب الشيطان بهم بعد هذا. ولهذا لم يكن هؤلاء الفلاسفة ولا الصابئة من الأمم المستقلة التي لها كتاب ونبي، وإن كانوا من أهل دعوة الرسل. فما من أمة إلا وقد أقام الله سبحانه عليها حجته وقطع عنها حجتها. ﴿لئَلاّ يكُونَ لِلنّاسِ عَلى الله حُجَّة بَعْدَ الرَّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وتكون حجته عليهم. والمقصود: أن الصابئة فرق. صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل من غير تقيد بملة ولا نحلة. ثم منهم من يقر بالنبوات جملة ويتوقف في التفصيل، ومنهم من يقر بها جملة وتفضيلا ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلا. وهم يقرون أن للعالم صانعا فاطرا حكيما، مقدسا عن العيوب والنقائص. ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط. فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه. وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم، ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة. فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى، الغضبية حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبوا في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا وإلههم. وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات. وذلك بالتضرع والابتهال بالدعوات: من الصلوات. والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات، والعزائم، فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المعدن الذي أخذت منه الرسل. فيكون حكمنا وحكمهم واحدا: ونحن وإياهم بمنزلة واحدة. قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع وشركاؤنا في المادة، وأشكالنا في الصورة، يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا علينا. وزادت الاتحادية أتباع ابن عربي، وابن سبعين والعفيف التلمساني، وأضرابهم على هؤلاء بما قاله شيخ الطائفة محمد بن عربي: أن الولي أعلى درجة من الرسول، لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي إلى الرسول فهو أعلى منه بدرجتين. فجعل هؤلاء الملاحدة أنفسهم وشيوخهم أعلى في التلقى من الرسل بدرجتين، وإخوانهم من المشركين جعلوا أنفسهم في ذلك التلقى بمنزلة الأنبياء، ولم يدّعوا أنهم فوقهم. والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم. أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له. والكفر بما يعبد من دونه من إله. والثاني: الإيمان برسله، وما جاءوا به من عند الله، تصديقا وإقرارًا، وانقيادا، وامتثالا. وليس هذا مختصا بمشركي الصابئة، كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات، بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم. لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات ولذلك ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله، وسلامه عليه في بطلان إلهيتها بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام [٧٤-٨٣] أحسن مناظرة وأبينها، ظهرت فيها حجته ودحضت حجتهم. فقال بعد أن بين بطلان إلهية الكواكب، والقمر، والشمس بأفولها، وأن الإله لا يليق به أن يغيب ويأفل، بل لا يكون إلا شاهدا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبا قاهرا، غير مغلوب ولا مقهور. نافعا لعبادة، يملك لعابده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه، ويرشده، ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه. وذلك ليس إلا لله وحده. فكل معبود سواه باطل. فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها فقال: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السَّمواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٩]. وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه خالق أمكنتها ومحالها التي هي مفترة إليها، ولا قوام لها إلا بها، فهي محتاجة إلى محل تقوم به، وفاطر يخلقها ويدبرها ويربُّها. والمحتاج المخلوق المربوب المدَّبر لا يكون إلها. فحاجَّه قومه في الله، ومن حاجّ في عبادة الله فحجته داحضة. فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿أتُحاجُّونِي في اللهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠]. [مَسْألَةُ: قَوْلُ السّائِلِ: قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَكم بِأنَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ ما مَنَعَهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ إلّا الرِّئاسَةُ والمَأْكَلَةُ لا غَيْرَ، فَكَلامُ جاهِلٍ بِما عِنْدَ المُسْلِمِينَ وبِما عِنْدَ الكُفّارِ] أمّا المُسْلِمُونَ فَلَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أهْلَ الكِتابِ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ إلّا الرِّئاسَةُ والمَأْكَلَةُ لا غَيْرَ، وإنْ قالَ هَذا بَعْضُ عَوامِّهِمْ فَلا يَلْزَمُ جَماعَتَهُمْ، والمُمْتَنِعُونَ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ وغَيْرِهِمْ جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا بِالإضافَةِ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ مِنهُمْ، بَلْ أكْثَرُ الأُمَمِ دَخَلُوا في الإسْلامِ طَوْعًا ورَغْبَةً واخْتِيارًا لا كَرْهًا واضْطِرارًا. وَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْثَ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا إلى أهْلِ الأرْضِ وهم خَمْسَةُ أصْنافٍ قَدْ طَبَقُوا الأرْضَ: يَهُودُ، ونَصارى، ومَجُوسٌ، وصابِئُونَ، ومُشْرِكُونَ. وَهَذِهِ الأصْنافُ هي الَّتِي كانَتْ قَدِ اسْتَوْلَتْ عَلى الدُّنْيا مِن مَشارِقِها إلى مَغارِبِها. فَأمّا اليَهُودُ فَأكْثَرُ ما كانُوا بِاليَمَنِ وخَيْبَرَ والمَدِينَةِ وما حَوْلَها، وكانُوا بِأطْرافِ الشّامِ مُسْتَذَلِّينَ مَعَ النَّصارى، وكانَ مِنهم بِأرْضِ فارِسَ مُسْتَذَلَّةٌ مَعَ المَجُوسِ، وكانَ مِنهم بِأرْضِ المَغْرِبِ فِرْقَةٌ، وأعَزُّ ما كانُوا بِالمَدِينَةِ وخَيْبَرَ وما حَوْلَها، وكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ قَطَّعَهم في الأرْضِ أُمَمًا وسَلَبَهُمُ المُلْكَ والعِزَّ. وَأمّا النَّصارى فَكانُوا طَبَقَ الأرْضِ: فَكانَتِ الشّامُ كُلُّها نَصارى، وأرْضُ المَغْرِبِ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمُ النَّصارى، وكَذَلِكَ أرْضُ مِصْرَ والحَبَشَةِ والنُّوبَةِ والجَزِيرَةِ والمَوْصِلِ وأرْضُ نَجْرانَ وغَيْرُها مِنَ البِلادِ. وَأمّا المَجُوسُ فَهم أهْلُ مَمْلَكَةِ فارِسَ وما اتَّصَلَ بِها. وَأمّا الصّابِئَةُ فَأهْلُ حَرّانَ وكَثِيرٌ مِن بِلادِ الرُّومِ. وَأمّا المُشْرِكُونَ فَجَزِيرَةُ العَرَبِ جَمِيعُها وبِلادُ الهِنْدِ وبِلادُ التُّرْكِ وما جاوَرَها وَأدْيانُ أهْلِ الأرْضِ لا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الأدْيانِ الخَمْسَةِ، ودِينُ الحُنَفاءِ لا يُعْرَفُ فِيهِمْ ألْبَتَّةَ. وهَذِهِ الأدْيانُ الخَمْسَةُ كُلُّها لِلشَّيْطانِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرُهُ: الأدْيانُ سِتَّةٌ: واحِدٌ لِلرَّحْمَنِ وخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ وَهَذِهِ الأدْيانُ السِّتَّةُ مَذْكُورَةٌ في آيَةِ الفَصْلِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ اسْتَجابَ لَهُ ولِخُلَفائِهِ بَعْدَهُ أكْثَرُ أهْلِ الأدْيانِ طَوْعًا واخْتِيارًا، ولَمْ يُكْرِهْ أحَدًا قَطُّ عَلى الدِّينِ، وإنَّما كانَ يُقاتِلُ مَن يُحارِبُهُ ويُقاتِلُهُ، وأمّا مَن سالَمَهُ وهادَنَهُ فَلَمْ يُقاتِلْهُ ولَمْ يُكْرِهْهُ عَلى الدُّخُولِ في دِينِهِ امْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حَيْثُ يَقُولُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ وَهَذا نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ، أيْ لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى الدِّينِ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رِجالٍ مِنَ الصَّحابَةِ كانَ لَهم أوْلادٌ، قَدْ تَهَوَّدُوا وتَنَصَّرُوا قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أسْلَمَ الآباءُ وأرادُوا إكْراهَ الأوْلادِ عَلى الدِّينِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَخْتارُونَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ. والصَّحِيحُ: الآيَةُ عَلى عُمُومِها في حَقِّ كُلِّ كافِرٍ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ مَن يُجَوِّزُ أخْذَ الجِزْيَةِ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ، فَلا يُكْرَهُونَ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ، بَلْ إمّا أنْ يَدْخُلُوا في الدِّينِ، وإمّا أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، كَما تَقُولُهُ أهْلُ العِراقِ، وأهْلُ المَدِينَةِ، وإنِ اسْتَثْنى هَؤُلاءِ بَعْضَ عَبْدَةِ الأوْثانِ. وَمَن تَأمَّلَ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لَمْ يُكْرِهْ أحَدًا عَلى دِينِهِ قَطُّ، وأنَّهُ إنَّما قاتَلَ مَن قاتَلَهُ، وأمّا مَن هادَنَهُ فَلَمْ يُقاتِلْهُ ما دامَ مُقِيمًا عَلى هُدْنَتِهِ، لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ، بَلْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَفِيَ لَهم بِعَهْدِهِمْ ما اسْتَقامُوا لَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. فَلَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ صالَحَ اليَهُودَ وأقَرَّهم عَلى دِينِهِمْ، فَلَمّا حارَبُوهُ ونَقَضُوا عَهْدَهُ وبَدَءُوهُ بِالقِتالِ قاتَلَهُمْ، فَمَنَّ عَلى بَعْضِهِمْ، وأجْلى بَعْضَهُمْ، وقاتَلَ بَعْضَهم. وَكَذَلِكَ لَمّا هادَنَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَبْدَأْهم بِقِتالٍ حَتّى بَدَءُوا هم بِقِتالِهِ ونَقْضِ عَهْدِهِ، فَحِينَئِذٍ غَزاهم في دِيارِهِمْ، وكانُوا هم يَغْزُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَما قَصَدُوهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ويَوْمَ بَدْرٍ أيْضًا هم جاءُوا لِقِتالِهِ ولَوِ انْصَرَفُوا عَنْهُ لَمْ يُقاتِلْهم. والمَقْصُودُ أنَّهُ ﷺ لَمْ يُكْرِهْ أحَدًا عَلى الدُّخُولِ في دِينِهِ ألْبَتَّةَ، وإنَّما دَخَلَ النّاسُ في دِينِهِ اخْتِيارًا وطَوْعًا، فَأكْثَرُ أهْلِ الأرْضِ دَخَلُوا في دَعْوَتِهِ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، وأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَهَؤُلاءِ أهْلُ اليَمَنِ كانُوا عَلى دِينِ اليَهُودِيَّةِ وأكْثَرُهُمْ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعاذٍ لَمّا بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: إنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أهْلَ كِتابٍ فَلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وذَكَرَ الحَدِيثَ، ثُمَّ دَخَلُوا في الإسْلامِ مِن غَيْرِ رَغْبَةٍ ولا رَهْبَةٍ، وكَذَلِكَ مَن أسْلَمَ مِن يَهُودِ المَدِينَةِ، وهم جَماعَةٌ كَثِيرُونَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ مَذْكُورُونَ في كُتُبِ السِّيَرِ والمَغازِي، لَمْ يُسْلِمُوا رَغْبَةً في الدُّنْيا ولا رَهْبَةً مِنَ السَّيْفِ، بَلْ أسْلَمُوا في حالِ حاجَةِ المُسْلِمِينَ وكَثْرَةِ أعْدائِهِمْ، ومُحارَبَةِ أهْلِ الأرْضِ لَهم مِن غَيْرِ سَوْطٍ ولا نَوْطٍ، بَلْ تَحَمَّلُوا مُعاداةَ أقْرِبائِهِمْ وحِرْمانَهم نَفْعَهم بِالمالِ والبَدَنِ مَعَ ضَعْفِ شَوْكَةِ المُسْلِمِينَ وقِلَّةِ ذاتِ أيْدِيهِمْ. فَكانَ أحَدُهم يُعادِي أباهُ وأُمَّهُ وأهْلَ بَيْتِهِ وعَشِيرَتِهِ، ويَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا رَغْبَةً في الإسْلامِ، لا لِرِئاسَةٍ ولا مالٍ، بَلْ يَنْخَلِعُ مِنَ الرِّئاسَةِ والمالِ، ويَتَحَمَّلُ أذى الكُفّارِ مِن ضَرْبِهِمْ وشَتْمِهِمْ وصُنُوفِ أذاهم ولا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. فَإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ ومَن ذَكَرَهُ هَذا السّائِلُ قَدِ اخْتارَ الكُفْرَ، فَقَدْ أسْلَمَ جُمْهُورُ أهْلِ الأرْضِ مِن فِرَقِ الكُفّارِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا الأقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أسْلَمَ، فَهَؤُلاءِ نَصارى الشّامِ كانُوا مِلْءَ الشّامِ، ثُمَّ صارُوا مُسْلِمِينَ إلّا النّادِرَ، فَصارُوا في المُسْلِمِينَ كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثَّوْرِ الأبْيَضِ. وَكَذَلِكَ المَجُوسُ كانَتْ أُمَّةً لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى فَأطْبَقُوا عَلى الإسْلامِ، لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهم إلّا النّادِرُ، وصارَتْ بِلادَ الإسْلامِ، وصارَ مَن لَمْ يُسْلِمْ مِنهم تَحْتَ الجِزْيَةِ والذِّلَّةِ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ أسْلَمَ أكْثَرُهم ولَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مُقَطَّعَةٌ في البِلادِ. فَقَوْلُ هَذا الجاهِلِ: إنَّ هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ كَذِبٌ ظاهِرٌ وبُهْتٌ مُبِينٌ، حَتّى لَوْ كانُوا كُلُّهم قَدْ أطْبَقُوا عَلى اخْتِيارِ الكُفْرِ لَكانُوا في ذَلِكَ أُسْوَةَ قَوْمِ نُوحٍ، وقَدْ أقامَ فِيهِمْ نُوحٌ ﷺ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، ويُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ ما يُقِيمُ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ أطْبَقُوا عَلى الكُفْرِ إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾. وَهم كانُوا أضْعافَ أضْعافِ هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ الكافِرَتَيْنِ، أهْلِ الغَضَبِ وأهْلِ الضَّلالِ، وقَوْمُ عادٍ أطْبَقُوا عَلى الكُفْرِ، وهم أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ عُقَلاءُ حَتّى اسْتُؤْصِلُوا بِالعَذابِ، وقَوْمُ ثَمُودَ أطْبَقُوا جَمِيعُهم عَلى الكُفْرِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي يُؤْمِنُ عَلى مِثْلِها البَشَرُ، ومَعَ هَذا فاخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقالَ تَعالى: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾. فَهاتانِ أُمَّتانِ عَظِيمَتانِ مِن أكْبَرِ الأُمَمِ قَدْ أطْبَقا عَلى الكُفْرِ مَعَ البَصِيرَةِ، فَأُمَّتا الغَضَبِ والضَّلالِ إذا أطْبَقَتا عَلى الكُفْرِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ، وهَؤُلاءِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ قَدْ أطْبَقُوا عَلى جَحْدِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ تَظاهُرِ الآياتِ الباهِرَةِ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، فَلَمْ يُؤْمِن مِنهم إلّا رَجُلٌ واحِدٌ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ. وَأيْضًا، فَيُقالُ لِلنَّصارى: هَؤُلاءِ اليَهُودُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ في زَمَنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى كانُوا قَدْ مَلَئُوا بِلادَ الشّامِ كَما قالَ تَعالى: {وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وكانُوا قَدْ أطْبَقُوا عَلى تَكْذِيبِ المَسِيحِ وجَحْدِ نُبُوَّتِهِ، وفِيهِمُ الأحْبارُ والرُّهْبانُ، والعُبّادُ والعُلَماءُ، حَتّى آمَنَ بِهِ الحَوارِيُّونَ، فَإذا جازَ عَلى اليَهُودِ - وفِيهِمُ الأحْبارُ والعُبّادُ والزُّهّادُ وغَيْرُهم - الإطْباقُ عَلى جَحْدِ نُبُوَّةِ المَسِيحِ، والكُفْرِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ آياتِ صِدْقِهِ كالشَّمْسِ، جازَ عَلَيْهِمْ إنْكارُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَعْلُومٌ أنَّ جَوازَ ذَلِكَ عَلى أُمَّةِ الضَّلالِ الَّذِينَ هم أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ، وهُمُ النَّصارى أوْلى وأحْرى. فَهَذا السُّؤالُ الَّذِي أوْرَدَهُ هَذا السّائِلُ وارِدٌ بِعَيْنِهِ في حَقِّ كُلِّ نَبِيٍّ كَذَّبَتْهُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، فَإنْ صَوَّبَ هَذا السّائِلُ رَأى تِلْكَ الأُمَمِ كُلِّها، فَقَدْ كَفَرَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ. وإنْ قالَ: إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا عَلى الحَقِّ، وكانَتْ تِلْكَ الأُمَمُ مَعَ كَثْرَتِها ووُفُورِ عُقُولِها عَلى الباطِلِ، فَلَأنْ يَكُونَ المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهُمُ الأقَلُّونَ الأرْذَلُونَ، مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ عَلى الباطِلِ أوْلى وأحْرى، وأيُّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ اعْتَبَرْتَها، وجَدْتَ المُصَدِّقِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ جُمْهُورَها، وأقَلُّها وأرْذَلُها هُمُ الجاحِدُونَ لِنُبُوَّتِهِ، فَرُقْعَةُ الإسْلامِ اتَّسَعَتْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها غايَةَ الِاتِّساعِ بِدُخُولِ هَذِهِ الأُمَمِ في دِينِهِ، وتَصْدِيقِهِمْ بِرِسالَتِهِ، وبَقِيَ مَن لَمْ يَدْخُلْ مِنهم في دِينِهِ، وهم مِن كُلِّ أُمَّةٍ أقَلُّها. وَأيْنَ يَقَعُ النَّصارى المُكَذِّبُونَ بِرِسالَتِهِ اليَوْمَ مِن أُمَّةِ النَّصْرانِيَّةِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ؟! وَكَذَلِكَ اليَهُودُ والمَجُوسُ والصّابِئُونَ لا نِسْبَةً لِلْمُكَذِّبِينَ بِرِسالَتِهِ بَعْدَ بَعْثِهِ إلى جُمْلَةِ تِلْكَ الأُمَّةِ قَبْلَ بَعْثِهِ. وَقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الأُمَمِ الَّتِي أطْبَقَتْ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ ودَمَّرَها اللَّهُ تَعالى، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾. فَأخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ الأُمَمِ أنَّهم تَطابَقُوا عَلى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ وأنَّهُ عَمَّهم بِالإهْلاكِ، وقالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْلِكْ هَذِهِ الأُمَمَ الكَثِيرَةَ إلّا بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، فاخْتارُوا عَلَيْهِ الكُفْرَ، ولَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمُ الهُدى واخْتارُوا خِلافَهُ لَمْ يَهْلِكُوا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ، وقالَ تَعالى: {فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ فَلَمْ يَكُنْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ. ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّهُ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ ولَمْ يَتَّبِعْهُ مِنَ الأُمَمِ ما صُدِّقَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ. والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنَ الأُمَمِ أضْعافُ هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ المُكَذِّبَتَيْنِ مِمّا لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ ولا يَسْتَرِيبُ مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِن عَقَلٍ أنَّ الضَّلالَ والجَهْلَ والغَيَّ وفَسادَ العَقْلِ إلى مَن خالَفَهُ وجَحَدَ نُبُوَّتَهُ أقْرَبُ مِنهُ إلى أتْباعِهِ ومَن أقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ. وَحِينَئِذٍ فَيُقالُ: كَيْفَ جازَ عَلى هَؤُلاءِ الأُمَمِ الَّذِينَ لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِهِمْ وأغْراضِهِمْ وتَبايُنِ مَقاصِدِهِمِ الإطْباقُ عَلى اتِّباعِ مَن يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ وعَلى العَقْلِ، ويُحِلُّ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورُسُلُهُ ويُحَرِّمُ ما أحَلَّ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكَذّابَ عَلى اللَّهِ تَعالى في دَعْوى الرِّسالَةِ هو شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ وأفْجَرُهم وأظْلَمُهم وأكْذَبُهم. وَلا يَشُكُّ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ أنَّ إطْباقَ أكْثَرِ الأُمَمِ عَلى مُتابَعَةِ هَذا النَّبِيِّ ﷺ وخُرُوجَهم عَنْ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ومُعاداتِهِمْ آباءَهم وعَشائِرَهم في مُتابَعَتِهِ، وبَذْلِهِمْ نُفُوسَهم بَيْنَ يَدَيْهِ مِن أمْحَلِ المُحالِ. فَتَجْوِيزُ اخْتِيارِ الكُفْرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الهُدى عَلى شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ حَقِيرَةٍ لَها أغْراضٌ عَدِيدَةٌ مِن هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ أوْلى مِن تَجْوِيزِ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ طَبَقُوا مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وهم أعْقَلُ الأُمَمِ وأكْمَلُها في جَمِيعِ خِصالِ الفَضْلِ، وأيْنَ عُقُولُ عُبّادِ العِجْلِ وعُبّادِ الصَّلِيبِ الَّذِي أضْحَكُوا سائِرَ العُقَلاءِ عَلى عُقُولِهِمْ، ودَلُّوهِمْ عَلى مَبْلَغِها بِما قالُوهُ في مَعْبُودِهِمْ مِن عُقُولِ المُسْلِمِينَ؟ وَإذا جازَ اتِّفاقُ أُمَّةٍ - فِيها مَن قَدْ ذَكَرَهُ هَذا السّائِلُ - عَلى أنَّ رَبَّ العالَمِينَ وخالِقَ السَّماواتِ والأرَضِينَ، نَزَلَ عَنْ عَرْشِ عَظَمَتِهِ وكُرْسِيِّ رِفْعَتِهِ، ودَخَلَ في بَطْنِ امْرَأةٍ في مَحَلِّ الحَيْضِ والطَّمْثِ عِدَّةَ شُهُورٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِن فَرْجِها طِفْلًا يَمُصُّ الثَّدْيَ، ويَبْكِي ويَكْبُرُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ، ويَبُولُ ويَصِحُّ ويَمْرَضُ، ويَفْرَحُ ويَحْزَنُ، ويَلِدُ ويَأْلَمُ، ثُمَّ دَبَّرَ حِيلَةً عَلى عَدُوِّهِ إبْلِيسَ بِأنْ مَكَّنَ أعْداءَهُ اليَهُودَ مِن نَفْسِهِ، فَأمْسَكُوهُ وساقُوهُ إلى خَشَبَتَيْنِ يَصْلُبُونَهُ عَلَيْهِما، وهم يَجُرُّونَهُ إلى الصَّلِيبِ، والأوْباشُ والأراذِلُ قُدّامَهُ وخَلْفَهُ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، وهو يَسْتَغِيثُ ويَبْكِي، فَقَرَّبُوهُ مِنَ الخَشَبَتَيْنِ، ثُمَّ تَوَّجُوهُ بِتاجٍ مِنَ الشَّوْكِ، وصَفَعُوهُ صَفْعًا، ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلى الصَّلِيبِ، وسَمَّرُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وجَعَلُوهُ بَيْنَ لِصَّيْنِ، وهو الَّذِي اخْتارَ هَذا كُلَّهُ لِتَتِمَّ لَهُ الحِيلَةُ عَلى إبْلِيسَ، لِيُخَلِّصَ آدَمَ وسائِرَ الأنْبِياءِ مِن سِجْنِهِ، فَفَداهم بِنَفْسِهِ حَتّى خَلَصُوا مِن سِجْنِ إبْلِيسَ. فَإذا جازَ اتِّفاقُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وفِيهِمُ الأحْبارُ والرُّهْبانُ والقِسِّيسُونَ والزُّهّادُ والعُبّادُ والفُقَهاءُ ومَن ذَكَرْتُهُمْ، عَلى هَذا القَوْلِ في مَعْبُودِهِمْ وإلَهِهِمْ حَتّى قالَ قائِلٌ مِنهم وهو مِن أكابِرِهِمْ عِنْدَهُمْ: اليَدُ الَّتِي خَلَقَتْ آدَمَ هي الَّتِي باشَرَتِ المَسامِيرَ ونالَتِ الصَّلْبَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الِاتِّفاقُ عَلى تَكْذِيبِ مَن جاءَ بِتَكْفِيرِهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ، ونادى سِرًّا وجَهْرًا بِكَذِبِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى، وشَتْمِهِمْ لَهُ أقْبَحَ شَتْمٍ، وكَذِبِهِمْ عَلى المَسِيحِ، وتَبْدِيلِهِمْ دِينَهُ، وعاداهم وقاتَلَهم وبَرَّأهم مِنَ المَسِيحِ، وبَرَّأهُ مِنهُمْ، وأخْبَرَ أنَّهم وقُودُ النّارِ وحَصَبُ جَهَنَّمَ؟ فَهَذا أحَدُ الأسْبابِ الَّتِي اخْتارُوا لِأجْلِها الكُفْرَ عَلى الإيمانِ وهو مِن أعْظَمِ الأسْبابِ. فَقَوْلُكُمْ: إنَّ المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ إنَّهم لَمْ يَمْنَعْهم مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ إلّا الرِّئاسَةُ والمَأْكَلَةُ لا غَيْرَ، كَذِبٌ عَلى المُسْلِمِينَ، بَلْ الرِّئاسَةُ والمَأْكَلَةُ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المانِعَةِ لَهم مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ، وقَدْ ناظَرْنا نَحْنُ وغَيْرُنا جَماعَةً مِنهُمْ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لِبَعْضِهِمْ فَسادُ ما هم عَلَيْهِ، قالُوا: لَوْ دَخَلْنا في الإسْلامِ لَكُنّا مِن أقَلِّ المُسْلِمِينَ لا يُؤْبَهُ لَنا، ونَحْنُ مُتَحَكِّمُونَ في أهْلِ مِلَّتِنا في أمْوالِهِمْ ومَناصِبِهِمْ ولَنا بَيْنَهم أعْظَمُ الجاهِ!، وهَلْ مَنَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ مِنَ اتِّباعِ مُوسى إلّا ذَلِكَ؟! والأسْبابُ المانِعَةُ مِن قَبُولِ الحَقِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَمِنها: الجَهْلُ بِهِ، وهَذا السَّبَبُ هو الغالِبُ عَلى أكْثَرِ النُّفُوسِ، فَإنَّ مَن جَهِلَ شَيْئًا عاداهُ وعادى أهْلَهُ، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا السَّبَبِ بُغْضُ مَن أمَرَهُ بِالحَقِّ ومُعاداتُهُ لَهُ وحَسَدُهُ كانَ المانِعُ مِنَ القَبُولِ أقْوى، فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ إلْفُهُ وعادَتُهُ ومُرَبّاهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُ ومَن يُحِبُّهُ ويُعَظِّمُهُ قَوِيَ المانِعُ، فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أنَّ الحَقَّ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ جاهِهِ وعِزِّهِ وشَهَواتِهِ وأغْراضِهِ قَوِيَ المانِعُ مِنَ القَبُولِ جِدًّا. فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ خَوْفُهُ مِن أصْحابِهِ وعَشِيرَتِهِ وقَوْمِهِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ وجاهِهِ كَما وقَعَ لِهِرَقْلَ مَلِكِ النَّصارى بِالشّامِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ازْدادَ المانِعُ مِن قَبُولِ الحَقِّ قُوَّةً، فَإنَّ هِرَقْلَ عَرَفَ الحَقَّ وهَمَّ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ فَلَمْ يُطاوِعْهُ قَوْمُهُ وخافَهم عَلى نَفْسِهِ فاخْتارَ الكُفْرَ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى، كَما سَيَأْتِي ذِكْرُ قِصَّتِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وَمِن أعْظَمِ هَذِهِ الأسْبابِ: " الحَسَدُ " فَإنَّهُ داءٌ كامِنٌ في النَّفْسِ، ويَرى الحاسِدُ المَحْسُودَ قَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِ، وأُوتِيَ ما لَمْ يُؤْتَ نَظِيرُهُ، فَلا يَدَعُهُ الحَسَدُ أنْ يَنْقادَ لَهُ ويَكُونَ مِن أتْباعِهِ. وهَلْ مَنَعَ إبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ إلّا الحَسَدُ؟! فَإنَّهُ لَمّا رَآهُ قَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِ ورُفِعَ فَوْقَهُ، غُصَّ بِرِيقِهِ واخْتارَ الكُفْرَ عَلى الإيمانِ بَعْدَ أنْ كانَ بَيْنَ المَلائِكَةِ. وَهَذا الدّاءُ هو الَّذِي مَنَعَ اليَهُودَ مِنَ الإيمانِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وقَدْ عَلِمُوا عِلْمًا لا شَكَّ فِيهِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ جاءَ بِالبَيِّناتِ، والهُدى فَحَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلى أنِ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، وأطْبَقُوا عَلَيْهِ، وهم أُمَّةٌ فِيهِمُ الأحْبارُ والعُلَماءُ والزُّهّادُ والقُضاةُ والمُلُوكُ والأُمَراءُ. هَذا وقَدْ جاءَ المَسِيحُ بِحُكْمِ التَّوْراةِ ولَمْ يَأْتِ بِشَرِيعَةٍ تُخالِفُها ولَمْ يُقاتِلْهُمْ، وإنَّما أتى بِتَحْلِيلِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ تَخْفِيفًا ورَحْمَةً وإحْسانًا، وجاءَ مُكَمِّلًا لِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ، ومَعَ هَذا فاخْتارُوا الكُفْرَ كُلُّهم عَلى الإيمانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم مَعَ نَبِيٍّ جاءَ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ ناسِخَةٍ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، مُبَكِّتًا لَهم بِقَبائِحِهِمْ، ومُنادِيًا عَلى فَضائِحِهِمْ، ومُخْرِجًا لَهم مِن دِيارِهِمْ، وقَدْ قاتَلُوهُ وحارَبُوهُ، وهو في ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْصُرُ عَلَيْهِمْ، ويَظْفَرُ بِهِمْ، ويَعْلُو هو وأصْحابُهُ وهم مَعَهُ دائِمًا في سَفالٍ، فَكَيْفَ لا يَمْلِكُ الحَسَدُ والبَغْيُ قُلُوبَهُمْ؟ وأيْنَ يَقَعُ حالُهم مَعَهُ مِن حالِهِمْ مَعَ المَسِيحِ، وقَدْ أطْبَقُوا عَلى الكُفْرِ بِهِ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى؟ وهَذا السَّبَبُ وحْدَهُ كافٍ في رَدِّ الحَقِّ، فَكَيْفَ إذا انْضافَ إلَيْهِ زَوالُ الرِّئاساتِ والمَأْكَلِ كَما تَقَدَّمَ؟ وَقَدْ قالَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ - وهو ابْنُ أُخْتِ أبِي جَهْلٍ - يا خالُ، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَ مُحَمَّدًا قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قالَ؟ فَقالَ: يا ابْنَ أُخْتِي! واللَّهِ لَقَدْ كانَ مُحَمَّدٌ فِينا صادِقًا وهو شابٌّ، يُدْعى الأمِينَ، فَما جَرَّبْنا عَلَيْهِ كَذِبًا قَطُّ، قالَ: يا خالُ! فَما لَكم لا تَتْبَعُونَهُ؟! قالَ: يا ابْنَ أُخْتِي تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو هاشِمٍ الشَّرَفَ، فَأطْعَمُوا وأطْعَمْنا، وسَقَوْا وسَقَيْنا، وأجارُوا وأجَرْنا، حَتّى إذا تَجاثَيْنا عَلى الرُّكَبِ وكُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ، قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ فَمَتى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ؟ وقالَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ يَوْمَ بَدْرٍ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ! أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ؟ فَإنَّهُ لَيْسَ هاهُنا مِن قُرَيْشٍ أحَدٌ غَيْرِي وغَيْرُكَ يَسْمَعُ كَلامَنا؟ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ويْحَكَ! واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَتْ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والحِجابَةِ والسِّقايَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ؟ وَأمّا اليَهُودُ فَقَدْ كانَ عُلَماؤُهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، قالَ: هَلْ تَدْرِي ما كانَ إسْلامُ أسَدٍ وثَعْلَبَةَ ابْنَيْ سُعْيَةَ وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، لَمْ يَكُونُوا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ ولا النَّضِيرِ كانُوا فَوْقَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: لا، قالَ: فَإنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنا رَجُلٌ مِنَ الشّامِ مِن يَهُودَ، يُقالُ لَهُ: ابْنُ الهَيْبانِ فَأقامَ عِنْدَنا، واللَّهِ ما رَأيْنا رَجُلًا قَطُّ لا يُصَلِّي الخَمْسَ خَيْرًا مِنهُ، فَقَدِمَ عَلَيْنا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ، فَكُنّا إذا قَحَطْنا وقَلَّ عَنّا المَطَرُ نَقُولُ: يا ابْنَ الهَيْبانِ، اخْرُجْ فاسْتَقِ لَنا، فَيَقُولُ: لا واللَّهِ حَتّى تُقَدِّمُوا أمامَ مَخْرَجِكم صَدَقَةً، فَنَقُولُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ صاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ مُدَّيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ، فَنُخْرِجُهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى ظاهِرِ حَرَّتِنا ونَحْنُ مَعَهُ نَسْتَقِي، فَواللَّهِ ما يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ حَتّى نُمْطَرَ ونَمُرَّ بِالشِّعابِ، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً ولا مَرَّتَيْنِ ولا ثَلاثَةً، فَحَضَرَتْهُ الوَفاةُ واجْتَمَعْنا إلَيْهِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ! أتَرَوْنَ ما أخْرَجَنِي مِن أرْضِ الخَمْرِ والخَمِيرِ إلى أرْضِ البُؤْسِ والجُوعِ؟ قالُوا: أنْتَ أعْلَمُ، قالَ: فَإنِّي إنَّما خَرَجْتُ أتَوَقَّعُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ، هَذِهِ البِلادُ مُهاجَرُهُ، فاتَّبِعُوهُ ولا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ إذا خَرَجَ، يا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّماءِ وسَبْيِ الذَّرارِيِّ والنِّساءِ مِمَّنْ يُخالِفُهُ، فَلا يَمْنَعْكم ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ ماتَ، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي فُتِحَتْ فِيها قُرَيْظَةُ، قالَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ الفِتْيَةُ وكانُوا شُبّانًا أحْداثًا: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، إنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الهَيْبانِ، فَقالُوا: ما هو بِهِ، قالُوا: بَلى واللَّهِ إنَّهُ لِصِفَتُهُ، ثُمَّ نَزَلُوا وأسْلَمُوا، وخَلَّوْا أمْوالَهم وأهْلِيهِمْ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَتْ أمْوالُهم في الحِصْنِ مَعَ المُشْرِكِينَ فَلَمّا فُتِحَ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ. وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي صالِحُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قالَ: كانَ بَيْنَ أبْنائِنا يَهُودِيٌّ فَخَرَجَ عَلى نادِي قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ ذاتَ غَداةٍ فَذَكَرَ البَعْثَ والقِيامَةَ والجَنَّةَ والنّارَ والحِسابَ والمِيزانَ، فَقالَ ذَلِكَ لِأصْحابِ وثَنٍ لا يَرَوْنَ أنَّ بَعْثًا كائِنًا بَعْدَ المَوْتِ، وذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: ويْحَكَ يا فُلانُ! وهَذا كائِنٌ، أنَّ النّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى دارِكم فِيها جَنَّةٌ ونارٌ، ويُجْزَوْنَ مِن أعْمالِهِمْ؟! فَقالَ: نَعَمْ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوَدِدْتُ أنَّ حَظِّي مِن تِلْكَ النّارِ أنْ تُوقِدُوا أعْظَمَ تَنُّورٍ في دارِكم تُحْمُونَهُ ثُمَّ تَقْذِفُونِي فِيهِ، وتُطْبِقُونَهُ عَلَيَّ، وإنِّي أنْجُو مِنَ النّارِ غَدًا، فَقِيلَ: يا فُلانُ، ما عَلامَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِن ناحِيَةِ هَذِهِ البِلادِ وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ واليَمَنِ، قالُوا: فَمَتى نَراهُ؟ فَرَمى بِطَرْفِهِ فَرَآنِي، وأنا مُضْطَجِعٌ بِفِناءِ بابِ أهْلِي، وأنا أحْدَثُ القَوْمِ، فَقالَ: إنْ يَسْتَنْفِذْ هَذا الغُلامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ، فَما ذَهَبَ اللَّيْلُ والنَّهارُ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وأنَّهُ لَحَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِنا، فَآمَنّا بِهِ وصَدَّقْناهُ وكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وحَسَدًا، فَقُلْنا: يا فُلانُ، ألَسْتَ قُلْتَ ما قُلْتَ، وأخْبَرْتَنا بِهِ؟! قالَ: لَيْسَ بِهِ .... قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ، ... عَنْ قَتادَةَ، قالَ: حَدَّثَنِي أشْياخٌ مِنّا قالُوا: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ أعْلَمَ بِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنّا، كانَ مَعَنا يَهُودُ وكانُوا أهْلَ كِتابٍ وكُنّا أصْحابَ وثَنٍ، وكُنّا بَلَغَنا مِنهم ما يَكْرَهُونَ، قالُوا إنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثًا الآنَ قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ نَتْبَعُهُ فَنَقْتُلُكم قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ اتَّبَعْناهُ وكَفَرُوا بِهِ فَفِينا وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ. ؎وَذَكَرَ الحاكِمُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، ∗∗∗ عَنْ عَلِيٍّ الأزْدِيِّ، قالَ كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنا هَذا النَّبِيَّ يَحْكُمُ بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ ... وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ تُقاتِلُ غَطَفانَ، فَلَمّا التَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ، فَعاذَتِ اليَهُودُ بِهَذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي وعَدْتَنا أنْ تُخْرِجَهُ لَنا في آخِرِ الزَّمانِ إلّا نَصَرْتَنا عَلَيْهِمْ، قالَ: فَكانُوا إذا التَقَوْا دَعَوْا بِهَذا الدُّعاءِ فَهَزَمُوا غَطَفانَ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَفَرُوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي بِكَ يا مُحَمَّدُ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾. يَسْتَفْتِحُونَ: أيْ يَسْتَنْصِرُونَ. وَذَكَرَ الحاكِمُ وغَيْرُهُ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُجْلُوا مِنَ المَدِينَةِ أقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سُعْدى فَأطافَ بِمَنازِلِهِمْ فَرَأى خَرابَها، فَفَكَّرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَوَجَدَهم في الكَنِيسَةِ، فَنَفَخَ في بُوقِهِمْ فاجْتَمَعُوا، فَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ باطا: يا أبا سَعِيدٍ، أيْنَ كُنْتَ مُنْذُ اليَوْمِ فَلَمْ نَرَكْ - وكانَ لا يُفارِقُ الكَنِيسَةَ وكانَ يَتَألَّهُ في اليَهُودِيَّةِ، قالَ: رَأيْتُ اليَوْمَ عِبَرًا اعْتَبَرْنا بِها، رَأيْتُ إخْوانَنا قَدْ جُلُوا بَعْدَ ذَلِكَ العِزِّ والخُلْدِ والشَّرَفِ الفاضِلِ والعَقْلِ البارِعِ، قَدْ تَرَكُوا أمْوالَهم ومَلَكَها غَيْرُهُمْ، وخَرَجُوا خُرُوجَ ذُلٍّ، فَلا والتَّوْراةِ ما سُلِّطَ هَذا عَلى قَوْمٍ قَطُّ لِلَّهِ فِيهِمْ حاجَةٌ، وقَدْ أوْقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ بِابْنِ الأشْرَفِ في عِزَّةِ بُنْيانِهِ في بَيْتِهِ آمِنًا، وأوْقَعَ بِابْنِ شَيْبَةَ سَيِّدِهِمْ، وأوْقَعَ بِبَنِي قَيْنُقاعَ فَأجْلاهم وهم حُبْرُ يَهُودَ وكانُوا أهْلَ عُدَّةٍ وسِلاحٍ ونَجْدَةٍ - فَحَصَرَهم فَلَمْ يُخْرِجْ إنْسانٌ مِنهم رَأْسَهُ حَتّى سَباهُمْ، فَكُلِّمَ فِيهِمْ فَتَرَكَهم عَلى أنْ أجْلاهم مِن يَثْرِبَ. يا قَوْمِ، قَدْ رَأيْتُمْ ما رَأيْتُمْ فَأطِيعُونِي وتَعالَوْا نَتَّبِعْ مُحَمَّدًا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ وقَدْ بَشَّرَنا بِهِ وبِأمْرِهِ ابْنُ الهَيْبانِ أبُو عُمَيْرٍ، وابْنُ حَوّاسٍ، وهُما أعْلَمُ يَهُودَ جاءا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ يَتَوَكَّفانِ قُدُومَهُ، وأمَرانا بِاتِّباعِهِ وأمَرانا أنْ نُقْرِئَهُ مِنهُما السَّلامَ، ثُمَّ ماتا عَلى دِينِهِما، ودَفَنّاهُما بِحَرَّتِنا، فَأُسْكِتَ القَوْمُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنهم مُتَكَلِّمٌ، فَأعادَ هَذا الكَلامَ ونَحْوَهُ، وخَوَّفَهم بِالحَرْبِ والسِّباءِ والجَلاءِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ باطا: قَدْ - والتَّوْراةِ - قَرَأْتُ صِفَتَهُ في كِتابِ التَّوْراةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى، لَيْسَ في المَثانِي الَّتِي أحْدَثْنا، فَقالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ: ما يَمْنَعُكَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنِ اتِّباعِهِ؟ قالَ: أنْتَ، قالَ: ولِمَ؟ فَوالتَّوْراةِ ما حُلْتُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَطُّ؟ قالَ الزُّبَيْرُ: أنْتَ صاحِبُ عَهْدِنا وعَقْدِنا، فَإنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْناهُ، وإنْ أبَيْتَ أبَيْناهُ، فَأقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ عَلَيَّ فَذَكَرَ ما تَقاوَلا بِهِ في ذَلِكَ إلى أنْ قالَ كَعْبٌ: ما عِنْدِي في ذَلِكَ إلّا ما قُلْتُ، ما تَطِيبُ نَفْسِي أنْ أصِيرَ تابِعًا. وَهَذا المانِعُ هو الَّذِي مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِنِ اتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى عَزَمَ اتِّباعَ مُوسى، فَقالَ لَهُ وزِيرُهُ هامانُ: بَيْنا أنْتَ إلَهٌ تُعْبَدُ تُصْبِحُ تَعْبُدُ رَبًّا، تَعْبُدُ غَيْرَكَ، قالَ: صَدَقْتَ. وَذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، قالَ: حُدِّثْتُ ... عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، أنَّها قالَتْ: كُنْتُ أحَبَّ ولَدِ أبِي إلَيْهِ وإلى عَمِّي أبِي ياسِرٍ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ غَدَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ جاءا مِنَ العَشِيِّ، فَسَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ لِأبِي: أهُوَ هُوَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَعْرِفُهُ وتُثْبِتُهُ؟، قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما في نَفْسِكَ مِنهُ، قالَ: عَدَواتُهُ واللَّهِ ما بَقِيتُ .... فَهَذِهِ الأُمَّةُ الغَضَبِيَّةُ مَعْرُوفَةٌ بِعَداوَةِ الأنْبِياءِ قَدِيمًا، وأسْلافُهم وأحْبارُهم قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ أذاهم لِمُوسى، ونَهانا عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ في ذَلِكَ، فَقالَ: ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا. وَأمّا خَلَفُهم فَهم قَتَلَةُ الأنْبِياءِ اليَهُودُ: قَتَلُوا زَكَرِيّا وابْنَهُ يَحْيى، وخَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ، حَتّى قَتَلُوا في يَوْمٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وأقامُوا السُّوقَ في آخِرِ النَّهارِ كَأنَّهم لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا. واجْتَمَعُوا عَلى قَتْلِ المَسِيحِ وصَلْبِهِ فَصانَهُ اللَّهُ تَعالى وأكْرَمَهُ أنْ يُهِينَهُ عَلى أيْدِيهِمْ، وألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ. ورامُوا قَتْلَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ مِرارًا عَدِيدَةً، واللَّهُ يَعْصِمُهُ مِنهم. وَمَن كانَ هَذا شَأْنَهم لا يَكْثُرُ عَلَيْهِمُ اخْتِيارُ الكُفْرِ عَلى الإيمانِ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ذَكَرْنا بَعْضَها، أوْ سَبَبَيْنِ أوْ أكْثَرَ. وَقَدْ ذَكَرْنا اتِّفاقَ أُمَّةِ الضَّلالِ وعُبّادِ الصَّلِيبِ عَلى مَسَبَّةِ رَبِّ العالَمِينَ أقْبَحَ مَسَبَّةٍ، وعَلى ما يُعْلَمُ بُطْلانُهُ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، لَمْ يَكْثُرْ عَلى تِلْكَ العُقُولِ السَّخِيفَةِ أنْ تَسُبَّ بَشَرًا أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وتَجْحَدَ نُبُوَّتَهُ، وتُكابِرَ ما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ العَقْلِ مِن صِدْقِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، فَلَوْ قالُوا فِيهِ ما قالُوا لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ قَوْلِهِمْ في رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ الَّذِي صارُوا فِيهِ ضِحْكَةً بَيْنَ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ. فَأُمَّةٌ أطْبَقَتْ عَلى أنَّ الإلَهَ الحَقَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ - صُلِبَ وصُفِعَ وسُمِّرَ ووُضِعَ الشَّوْكُ عَلى رَأْسِهِ، ودُفِنَ في التُّرابِ، ثُمَّ قامَ في اليَوْمِ الثّالِثِ وصَعِدَ وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ يُدَبِّرُ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ، لا يَكْثُرُ عَلَيْها أنْ تُطْبِقَ عَلى جَحْدِ نُبُوَّةِ مَن جاءَ بِسَبِّها ولَعْنِها ومُحارَبَتِها وإبْداءِ مَعايِبِها والنِّداءِ عَلى كُفْرِها بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والشَّهادَةِ عَلى بَراءَةِ المَسِيحِ مِنها، ومُعاداتِهِ لَها، ثُمَّ قاتَلَها وأذَلَّها وأخْرَجَها مِن دِيارِها وضَرَبَ عَلَيْها الجِزْيَةَ، وأخْبَرَ أنَّها مِن أهْلِ الجَحِيمِ خالِدَةً مُخَلَّدَةً لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَها، وأنَّها شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، بَلْ هي شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ. وَكَيْفَ يُنْكَرُ عَلى أُمَّةٍ أطْبَقَتْ عَلى صَلْبِ مَعْبُودِها وإلَهِها، ثُمَّ عَمَدَتْ إلى الصَّلِيبِ فَعَبَدَتْهُ وعَظَّمَتْهُ، وكانَ يَنْبَغِي لَها أنْ تَحْرِقَ كُلَّ صَلِيبٍ تَقْدِرُ عَلى إحْراقِهِ، وأنْ تُهِينَهُ غايَةَ الإهانَةِ إذْ صَلَبَتْ عَلَيْهِ إلَهَها الَّذِي يَقُولُونَ تارَةً: إنَّهُ اللَّهُ، وتارَةً يَقُولُونَ إنَّهُ ابْنُهُ، وتارَةً يَقُولُونَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ؟ فَجَحَدَتْ حَقَّ خالِقِها وكَفَرَتْ بِهِ أعْظَمَ كُفْرٍ وسَبَّتْهُ أقْبَحَ مَسَبَّةٍ، أنْ تَجْحَدَ حَقَّ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وتَكْفُرَ بِهِ. وَكَيْفَ يَكْثُرُ عَلى أُمَّةٍ قالَتْ في رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، إنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لِيُكَلِّمَ الخَلْقَ بِذاتِهِ لِئَلّا يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَأرادَ أنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهم بِتَكَلُّمِهِ لَهم بِذاتِهِ؛ لِتَرْتَفِعَ المَعاذِيرُ عَمَّنْ ضَيَّعَ عَهْدَهُ بَعْدَ ما كَلَّمَهُ بِذاتِهِ؟ فَهَبَطَ بِذاتِهِ مِنَ السَّماءِ، والتَحَمَ في بَطْنِ مَرْيَمَ، فَأخَذَ مِنها حِجابًا، وهو مَخْلُوقٌ مِن طَرِيقِ الجِسْمِ، وخالِقٌ مِن طَرِيقِ النَّفْسِ، وهو الَّذِي خَلَقَ جِسْمَهُ وخَلَقَ أُمَّهُ، وأُمُّهُ كانَتْ قَبْلَهُ بِالنّاسُوتِ، وهو كانَ مِن قَبْلِها بِاللّاهُوتِ، وهو الإلَهُ التّامُّ، والإنْسانُ التّامُّ، ومِن تَمامِ رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى عِبادِهِ أنَّهُ رَضِيَ بِإراقَةِ دَمِهِ عَنْهم عَلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، فَمَكَّنَ أعْداءَهُ اليَهُودَ مِن نَفْسِهِ؛ لِيَتِمَّ سُخْطُهُ عَلَيْهِمْ، فَأخَذُوهُ وصَلَبُوهُ وصَفَعُوهُ وبَصَقُوا في وجْهِهِ، وتَوَّجُوهُ بِتاجٍ مِنَ الشَّوْكِ عَلى رَأْسِهِ، وغارَ دَمُهُ في إصْبَعِهِ لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مِنهُ شَيْءٌ إلى الأرْضِ لَيَبِسَ كُلُّ ما في وجْهِها، فَثَبَتَ في مَوْضِعِ صَلْبِهِ النَّوّارُ. وَلَمّا لَمْ يَكُنْ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِن عَبْدِهِ العاصِي الَّذِي ظَلَمَهُ، واسْتَهانَ بِقَدْرِهِ، لِاعْتِلاءِ مَنزِلَةِ الرَّبِّ، وسُقُوطِ مَنزِلَةِ العَبْدِ، أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَنْتَصِفَ مِنَ الإنْسانِ الَّذِي هو إلَهٌ مِثْلُهُ، فانْتَصَفَ مِن خَطِيئَةِ آدَمَ بِصَلْبِ عِيسى المَسِيحِ، الَّذِي هو إلَهٌ مُساوٍ لَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَصُلِبَ ابْنُ اللَّهِ الَّذِي هو اللَّهُ في السّاعَةِ التّاسِعَةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ. هَذِهِ ألْفاظُهم في كُتُبِهِمْ. فَأُمَّةٌ أطْبَقَتْ عَلى هَذا في مَعْبُودِها، كَيْفَ يَكْثُرُ عَلَيْها أنْ تَقُولَ في عَبْدِهِ ورَسُولِهِ أنَّهُ ساحِرٌ وكاذِبٌ ومَلِكٌ مُسَلَّطٌ ونَحْوُ هَذا؟ وَلِهَذا قالَ بَعْضُ مُلُوكِ الهِنْدِ: أمّا النَّصارى فَإنْ كانَ أعْداؤُهم مِن أهْلِ المِلَلِ يُجاهِدُونَهم بِالشَّرْعِ فَأنا أرى جِهادَهم بِالعَقْلِ، وإنْ كُنّا لا نَرى قِتالَ أحَدٍ، لَكِنِّي أسْتَثْنِي هَؤُلاءِ القَوْمَ مِن جَمِيعِ العالَمِ، لِأنَّهم قَصَدُوا مُضادَّةَ العَقْلِ وناصَبُوهُ العَداوَةَ وشَذُّوا عَنْ جَمِيعِ مَصالِحِ العالَمِ الشَّرْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الواضِحَةِ، واعْتَقَدُوا كُلَّ مُسْتَحِيلٍ مُمْكِنًا، وبَنَوْا مِن ذَلِكَ شَرْعًا لا يُؤَدِّي إلى صَلاحِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العالَمِ، ولَكِنَّهُ يُصَيِّرُ العاقِلَ إذا شَرَعَ بِهِ أخْرَقَ، والرَّشِيدَ سَفِيهًا، والحَسَنَ قَبِيحًا، والقَبِيحَ حَسَنًا، لِأنَّ مَن كانَ في أصْلِ عَقِيدَتِهِ الَّتِي جَرى نَشْؤُهُ عَلَيْها الإساءَةُ إلى الخَلّاقِ، والنَّيْلُ مِنهُ، وسَبُّهُ أقْبَحَ مَسَبَّةٍ، ووَصْفُهُ بِما يُغَيِّرُ صِفاتِهِ الحُسْنى، وأخْلَقُ بِهِ أنْ يَسْتَهِلَّ الإساءَةَ إلى مَخْلُوقٍ، وأنْ يَصِفَهُ بِما يُغَيِّرُ صِفاتِهِ الجَمِيلَةَ. وَلَوْ لَمْ تَجِبْ مُجاهَدَةُ هَؤُلاءِ القَوْمِ إلّا لِعُمُومِ أضْرارِهِمُ الَّتِي لا تُحْصى وُجُوهُهُ، كَما يَجِبُ قَتْلُ الحَيَوانِ المُؤْذِي بِطَبْعِهِ، لَكانُوا أهْلًا لِذَلِكَ. والمَقْصُودُ أنَّ الَّذِي اخْتارُوا هَذِهِ المَقالَةَ في رَبِّ العالَمِينَ، عَلى تَعْظِيمِهِ وتَنْزِيهِهِ وإجْلالِهِ ووَصْفِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ، الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ بِعَبْدِهِ ورَسُولِهِ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، والَّذِينَ اخْتارُوا عِبادَةَ صُوَرٍ خَطُّوها بِأيْدِيهِمْ في الحِيطانِ، مُزَوَّقَةٍ بِالأحْمَرِ والأصْفَرِ والأزْرَقِ، لَوْ دَنَتْ مِنها الكِلابُ لَبالَتْ عَلَيْها، فَأعْطَوْها غايَةَ الخُضُوعِ والذُّلِّ والخُشُوعِ والبُكاءِ، وسَألُوها المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ والرِّزْقَ والنَّصْرَ، هُمُ الَّذِينَ اخْتارُوا التَّكْذِيبَ بِخاتَمِ الرُّسُلِ عَلى الإيمانِ بِهِ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ. والَّذِينَ نَزَّهُوا مَطارِنَتَهم وبَتارِكَتَهم عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، ونَحَوْهُما لِلْفَرْدِ الصَّمَدِ، هُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ عَبْدِهِ وخاتَمِ رُسُلِهِ. والَّذِينَ اخْتارُوا صَلاةً يَقُومُ أعْبَدُهم وأزْهَدُهم إلَيْها، والبَوْلُ عَلى ساقِهِ وأفْخاذِهِ فَيَسْتَقْبِلُ الشَّرْقَ ثُمَّ يُصَلِّبُ عَلى وجْهِهِ، ويَعْبُدُ الإلَهَ المَصْلُوبَ، ويَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِقَوْلِهِ: يا أبانا أنْتَ الَّذِي في السَّماواتِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ ولْيَأْتِ مُلْكُكَ ولْتَكُنْ إرادَتُكَ في السَّماءِ مِثْلَها في الأرْضِ أعْطِنا خُبْزَنا المُلائِمَ لَنا. ثُمَّ يُحَدِّثُ إلى مَن هو إلى جانِبِهِ، ورُبَّما سَألَهُ عَنْ سِعْرِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وعَمّا كَسَبَ في القِمارِ، وعَمّا طَبَخَ في بَيْتِهِ، ورُبَّما أحْدَثَ وهو في صَلاتِهِ، ولَوْ أرادَ لَبالَ في مَوْضِعِهِ إنْ أمْكَنَهُ، ثُمَّ يَدْعُو تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هي صَنْعَةُ يَدِ الإنْسانِ. فالَّذِينَ اخْتارُوا هَذِهِ الصَّلاةَ عَلى صَلاةِ مَن إذا قامَ إلى صَلاتِهِ طَهَّرَ أطْرافَهُ وثِيابَهُ وبَدَنَهُ مِنَ النَّجاسَةِ، واسْتَقْبَلَ بَيْتَهُ الحَرامَ، وكَبَّرَ اللَّهَ وحَمِدَهُ وسَبَّحَهُ، وأثْنى عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ ناجاهُ بِكَلامِهِ المُتَضَمِّنِ لِأفْضَلِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَمْجِيدِهِ وتَوْحِيدِهِ، وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، وسُؤالِهِ أجَلَّ مَسْئُولٍ، وهو الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ رِضاهُ، الَّتِي خَصَّ بِها مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ دُونَ طَرِيقِ الأُمَّتَيْنِ: المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهُمُ اليَهُودُ، والضّالِّينَ وهُمُ النَّصارى، ثُمَّ أعْطى كُلَّ جارِحَةٍ مِنَ الجَوارِحِ حَظَّها مِنَ الخُشُوعِ والخُضُوعِ والعُبُودِيَّةِ مَعَ غايَةِ التَّحْمِيدِ والثَّناءِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، لا يَلْتَفِتُ عَنْ مَعْبُودِهِ بِوَجْهِهِ، ولا قَلْبِهِ، ولا يُكَلِّمُ أحَدًا كَلِمَةً، بَلْ قَدْ فَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَعْبُودِهِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ ووَجْهِهِ، لا يُحْدِثُ في صَلاتِهِ، ولا يَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ صُورَةً مَصْنُوعَةً يَدْعُوها ويَتَضَرَّعُ إلَيْها. فالَّذِينَ اخْتارُوا تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ اسْتِهْزاءٌ بِالمَعْبُودِ، لا يَرْضاها المَخْلُوقُ لِنَفْسِهِ، فَضْلًا أنْ يَرْضى بِها الخالِقُ عَلى هَذِهِ الصَّلاةِ، الَّتِي لَوْ عُرِضَتْ عَلى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ لَظَهَرَ لَهُ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما. وهُمُ الَّذِينَ اخْتارُوا التَّكْذِيبَ بِخاتَمِ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وعَبْدِهِ عَلى الإيمانِ بِهِ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ. والعاقِلُ إذا وازَنَ بَيْنَ ما اخْتارُوا ورَغِبُوا فِيهِ، وبَيْنَ ما رَغِبُوا عَنْهُ، تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ القَوْمَ اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى والغَيَّ عَلى الرَّشادِ، والقَبِيحَ عَلى الحَسَنِ، والباطِلَ عَلى الحَقِّ، وأنَّهُمُ اخْتارُوا مِنَ العَقائِدِ أبْطَلَها، ومِنَ الأعْمالِ أقْبَحَها وأطْبَقَ عَلى ذَلِكَ أساقِفَتُهم وبَتارِكَتُهم ورُهْبانُهم فَضْلًا عَنْ عَوامِّهِمْ. (فَصْلٌ) وَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إنَّ مَن ذَكَرْتُمْ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ وذَكَرٍ وأُنْثى وحُرٍّ وعَبْدٍ وراهِبٍ وقِسِّيسٍ، كُلِّهِمْ تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى، بَلْ أكْثَرُهم جُهّالٌ بِمَنزِلَةِ الدَّوابِّ السّائِمَةِ، مُعْرِضُونَ عَنْ طَلَبِ الهُدى فَضْلًا عَنْ تَبْيِينِهِ لَهُمْ، وهم مُقَلِّدُونَ لِرُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ وعُلَمائِهِمْ - وهم أقَلُّ القَلِيلِ وهُمُ الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الهُدى. وَأيُّ إشْكالٍ يَقَعُ لِلْعَقْلِ في ذَلِكَ؟ فَلَمْ يَزَلْ في النّاسِ مَن يَخْتارُهُ حَسَدًا مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلانِهِ كِبْرًا، والباطِلُ مِنهم يَخْتارُهُ جَهْلًا وتَقْلِيدًا لِمَن يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ حَسَدًا وبَغْيًا، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ طَمَعًا ورَغْبَةً في مَأْكَلٍ أوْ جاهٍ ورِئاسَةٍ، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ مَحَبَّةً في صُورَةٍ وعِشْقًا، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ خَشْيَةً، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ عُلُوًّا، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ راحَةً ودَعَةً، فَلَمْ تُحْصَرْ أسْبابُ اخْتِيارِ الكُفْرِ في حُبِّ الرِّئاسَةِ والمَأْكَلَةِ.

الحج 22:18

فالذي حق عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه وهو الذي أهانه بترك السجود له، وأخبر أنه لا مكرم له، وقد هان على ربه حيث لم يسجد له. (لطيفة) خَصَّ بِالسُّجُودِ هُنا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وعَمَّهم بِالسُّجُودِ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٤٩] وهو سُجُودُ الذُّلِّ والقَهْرِ والخُضُوعِ، فَكُلُّ أحَدٍ خاضِعٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، ذَلِيلٌ لِعِزَّتِهِ، مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ تَعالى. (فائدة) المَعْصِيَةَ سَبَبٌ لِهَوانِ العَبْدِ عَلى رَبِّهِ وسُقُوطِهِ مِن عَيْنِهِ. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، ولَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ، وإذا هانَ العَبْدُ عَلى اللَّهِ لَمْ يُكْرِمْهُ أحَدٌ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ وَإنْ عَظَّمَهُمُ النّاسُ في الظّاهِرِ لِحاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ أوْ خَوْفًا مِن شَرِّهِمْ، فَهم في قُلُوبِهِمْ أحْقَرُ شَيْءٍ وأهْوَنُهُ. [فَصْلٌ: المَعاصِي تُضْعِفُ في القَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ] وَمِن عُقُوباتِ الذُّنُوبِ: أنَّها تُضْعِفُ في القَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وتُضْعِفُ وقارَهُ في قَلْبِ العَبْدِ ولا بُدَّ، شاءَ أمْ أبى، ولَوْ تَمَكَّنَ وقارُ اللَّهِ وعَظَمَتُهُ في قَلْبِ العَبْدِ لَما تَجَرَّأ عَلى مَعاصِيهِ، ورُبَّما اغْتَرَّ المُغْتَرُّ، وقالَ: إنَّما يَحْمِلُنِي عَلى المَعاصِي حُسْنُ الرَّجاءِ، وطَمَعِي في عَفْوِهِ، لا ضَعْفُ عَظْمَتِهِ في قَلْبِي، وهَذا مِن مُغالَطَةِ النَّفْسِ؛ فَإنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وجَلالَهُ في قَلْبِ العَبْدِ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ حُرُماتِهِ، وتَعْظِيمُ حُرُماتِهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الذُّنُوبِ، والمُتَجَرِّئُونَ عَلى مَعاصِيهِ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وكَيْفَ يَقْدِرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ، أوْ يُعَظِّمُهُ ويُكَبِّرُهُ، ويَرْجُو وقارَهُ ويُجِلُّهُ، مَن يَهُونُ عَلَيْهِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ؟ هَذا مِن أمْحَلِ المُحالِ، وأبَيْنِ الباطِلِ، وكَفى بِالعاصِي عُقُوبَةً أنْ يَضْمَحِلَّ مِن قَلْبِهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وتَعْظِيمُ حُرُماتِهِ، ويَهُونُ عَلَيْهِ حَقُّهُ. وَمِن بَعْضِ عُقُوبَةِ هَذا: أنْ يَرْفَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَهابَتَهُ مِن قُلُوبِ الخَلْقِ، ويَهُونُ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَخِفُّونَ بِهِ، كَما هانَ عَلَيْهِ أمْرُهُ واسْتَخَفَّ بِهِ، فَعَلى قَدْرِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ يُحِبُّهُ النّاسُ، وعَلى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ يَخافُهُ الخَلْقُ، وعَلى قَدْرِ تَعْظِيمِهِ لِلَّهِ وحُرُماتِهِ يُعَظِّمُهُ النّاسُ، وكَيْفَ يَنْتَهِكُ عَبْدٌ حُرُماتِ اللَّهِ، ويَطْمَعُ أنْ لا يَنْتَهِكَ النّاسُ حُرُماتِهِ أمْ كَيْفَ يَهُونُ عَلَيْهِ حَقُّ اللَّهِ ولا يُهَوِّنُهُ اللَّهُ عَلى النّاسِ؟ أمْ كَيْفَ يَسْتَخِفُّ بِمَعاصِي اللَّهِ ولا يَسْتَخِفُّ بِهِ الخَلْقُ؟ وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذا في كِتابِهِ عِنْدَ ذِكْرِ عُقُوباتِ الذُّنُوبِ، وأنَّهُ أرْكَسَ أرْبابَها بِما كَسَبُوا، وغَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، وطَبَعَ عَلَيْها بِذُنُوبِهِمْ، وأنَّهُ نَسِيَهم كَما نَسُوهُ، وأهانَهم كَما أهانُوا دِينَهُ، وضَيَّعَهم كَما ضَيَّعُوا أمْرَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى في آيَةِ سُجُودِ المَخْلُوقاتِ لَهُ: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ فَإنَّهم لَمّا هانَ عَلَيْهِمُ السُّجُودُ لَهُ واسْتَخَفُّوا بِهِ ولَمْ يَفْعَلُوهُ أهانَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن مُكْرِمٍ بَعْدَ أنْ أهانَهُمُ اللَّهُ، ومَن ذا يُكْرِمْ مَن أهانَهُ اللَّهُ؟ أوْ يُهِنْ مَن أكْرَمَهُ اللَّهُ؟ [فَصْلٌ: المَعاصِي تُسْقِطُ الكَرامَةَ] وَمِن عُقُوباتِها: سُقُوطُ الجاهِ والمَنزِلَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ خَلْقِهِ، فَإنَّ أكْرَمَ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهُمْ، وأقْرَبَهم مِنهُ مَنزِلَةً أطْوَعُهم لَهُ، وعَلى قَدْرِ طاعَةِ العَبْدِ تَكُونُ لَهُ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَإذا عَصاهُ وخالَفَ أمْرَهُ سَقَطَ مِن عَيْنِهِ، فَأسْقَطَهُ مِن قُلُوبِ عِبادِهِ، وإذا لَمْ يَبْقَ لَهُ جاهٌ عِنْدَ الخَلْقِ وهانَ عَلَيْهِمْ عامَلُوهُ عَلى حَسْبِ ذَلِكَ، فَعاشَ بَيْنَهم أسْوَأ عَيْشٍ خامِلَ الذِّكْرِ، ساقِطَ القَدْرِ، زَرِيَّ الحالِ، لا حُرْمَةَ لَهُ ولا فَرَحَ لَهُ ولا سُرُورَ، فَإنَّ خُمُولَ الذِّكْرِ وسُقُوطَ القَدْرِ والجاهِ مَعَهُ كُلُّ غَمٍّ وهَمٍّ وحَزَنٍ، ولا سُرُورَ مَعَهُ ولا فَرَحَ، وأيْنَ هَذا الألَمُ مِن لَذَّةِ المَعْصِيَةِ لَوْلا سُكْرُ الشَّهْوَةِ؟ وَمِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى العَبْدِ: أنْ يَرْفَعَ لَهُ بَيْنَ العالَمِينَ ذِكْرَهُ، ويُعْلِي قَدْرَهُ، ولِهَذا خَصَّ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ مِن ذَلِكَ بِما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ - إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ [ص: ٤٥:-٤٦]. أيْ: خَصَصْناهم بِخِصِّيصَةٍ، وهو الذِّكْرُ الجَمِيلُ الَّذِي يُذْكَرُونَ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ، وهو لِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي سَألَهُ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. وَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ وعَنْ بَنِيهِ: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]. وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]. فَأتْباعُ الرُّسُلِ لَهم نَصِيبٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مِيراثِهِمْ مِن طاعَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ، وكُلُّ مَن خالَفَهم فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مُخالَفَتِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ.

الحج 22:23

قوله تعالى: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ وهاهنا مسألة وهذا موضع ذكرها وهي أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن لباس أهل الجنة حرير وصح عن النبي ﷺ أنه قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " متفق على صحته من حديث عمر بن الخطاب وأنس بن مالك. وقد اختلف في المراد بهذا الحديث فقالت طائفة من السلف والخلف: إنه لا يلبس الحرير في الجنة ويلبس غيره من الملابس. قالوا وأما قوله تعالى: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ فمن العام المخصوص. وقال الجمهور وهذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أن الفعل مقتض لهذا الحكم، وقد يتخلف عنه لمانع. وقد دل النص والإجماع على أن التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه فهذا الحديث نظير الحديث الآخر من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وقال تعالى: ﴿وَجَزاهم بِما صبروا جنة وحريرا﴾ وقال: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَق﴾. (فائدة) واختلفوا في جر ﴿لؤلؤ﴾ ونصبه فمن نصبه ففيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على موضع قوله: ﴿مِن أساوِرَ﴾ والثاني: أنه منصوب بفعل محذوف دل عليه الأول أي: ويحلون لؤلؤا ومن جره فهو عطف على الذهب ثم يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون لهم أساور من ذهب وأساور من لؤلؤ ويحتمل أن تكون الأساور مركبة من الأمرين معا الذهب المرصع باللؤلؤ والله أعلم بما أراد. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن رزق حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني عتبة بن سعد قاضي الري عن جعفر بن أبي المغيرة عن شمر بن عطية عن كعب قال: "إن لله عز وجل ملكا منذ يوم خلق يصوغ حلي أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة لو أن قلبا من حلي أهل الجنة أخرج لذهب بضوء شعاع الشمس فلا تسألوا بعد هذا عن حلي أهل الجنة" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء"

الحج 22:25

قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء، ولكن ضمن معنى "يهم فيه بكذا" وهو أبلغ من الإرادة. فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة، وإن لم تكن جازمة. (فائدة) وَمِن خَواصِّهِ أنَّهُ يُعاقَبُ فِيهِ عَلى الهَمِّ بِالسَّيِّئاتِ وإنْ لَمْ يَفْعَلْها، قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ فَتَأمَّلْ كَيْفَ عَدّى فِعْلَ الإرادَةِ هاهُنا بِالباءِ، ولا يُقالُ: أرَدْتُ بِكَذا إلّا لِما ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلِ " هَمَّ " فَإنَّهُ يُقالُ: هَمَمْتُ بِكَذا، فَتَوَعَّدَ مَن هَمَّ بِأنْ يَظْلِمَ فِيهِ بِأنْ يُذِيقَهُ العَذابَ الألِيمَ. وَمِن هَذا تَضاعُفُ مَقادِيرِ السَّيِّئاتِ فِيهِ لا كَمِّيّاتِها، فَإنَّ السَّيِّئَةَ جَزاؤُها سَيِّئَةٌ، لَكِنْ سَيِّئَةٌ كَبِيرَةٌ جَزاؤُها مِثْلُها، وصَغِيرَةٌ جَزاؤُها مِثْلُها، فالسَّيِّئَةُ في حَرَمِ اللَّهِ وبَلَدِهِ وعَلى بِساطِهِ آكَدُ وأعْظَمُ مِنها في طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ، ولِهَذا لَيْسَ مَن عَصى المَلِكَ عَلى بِساطِ مُلْكِهِ كَمَن عَصاهُ في المَوْضِعِ البَعِيدِ مِن دارِهِ وبِساطِهِ، فَهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في تَضْعِيفِ السَّيِّئاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ. [فصل يُمْنَعُ قِسْمَةُ مَكَّةَ لِأنَّها دارُ نُسُكٍ] وَأمّا مَكَّةُ، فَإنَّ فِيها شَيْئًا آخَرَ يَمْنَعُ مِن قِسْمَتِها، ولَوْ وجَبَتْ قِسْمَةُ ما عَداها مِنَ القُرى، وهي أنَّها لا تُمْلَكُ، فَإنَّها دارُ النُّسُكِ، ومُتَعَبَّدُ الخَلْقِ، وحَرَمُ الرَّبِّ تَعالى، الَّذِي جَعَلَهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ، فَهي وقْفٌ مِنَ اللَّهِ عَلى العالَمِينَ، وهم فِيها سَواءٌ «وَمِنًى مُناخُ مَن سَبَقَ» قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، والمَسْجِدُ الحَرامُ هُنا، المُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨]، فَهَذا المُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي الصَّحِيحِ: إنَّهُ «أُسْرِيَ بِهِ مِن بَيْتِ أم هانئ» وَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ حُضُورَ نَفْسِ مَوْضِعِ الصَّلاةِ اتِّفاقًا، وإنَّما هو حُضُورُ الحَرَمِ والقُرْبُ مِنهُ، وسِياقُ آيَةِ الحَجِّ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ قالَ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وَهَذا لا يَخْتَصُّ بِمَقامِ الصَّلاةِ قَطْعًا، بَلِ المُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ، فالَّذِي جَعَلَهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ هو الَّذِي تَوَعَّدَ مَن صَدَّ عَنْهُ، ومَن أرادَ الإلْحادَ بِالظُّلْمِ فِيهِ، فالحَرَمُ ومَشاعِرُهُ كالصَّفا والمَرْوَةِ، والمَسْعى ومِنًى، وعَرَفَةَ، ومُزْدَلِفَةَ، لا يَخْتَصَّ بِها أحَدٌ دُونَ أحَدٍ، بَلْ هي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النّاسِ، إذْ هي مَحَلُّ نُسُكِهِمْ ومُتَعَبَّدِهِمْ فَهي مَسْجِدٌ مِنَ اللَّهِ، وقَفَهُ ووَضَعَهُ لِخَلْقِهِ، ولِهَذا امْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُبْنى لَهُ بَيْتٌ بِمِنًى، يُظِلُّهُ مِنَ الحَرِّ، وقالَ: «مِنًى مُناخُ مَن سَبَقَ». وَلِهَذا ذَهَبَ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ أراضِي مَكَّةَ، ولا إجارَةُ بُيُوتِها، هَذا مَذْهَبُ مجاهد وعطاء في أهْلِ مَكَّةَ، ومالك في أهْلِ المَدِينَةِ، وأبي حنيفة في أهْلِ العِراقِ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، والإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ. وَرَوى الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ علقمة بن نضلة، قالَ: «كانَتْ رِباعُ مَكَّةَ تُدْعى السَّوائِبَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبي بكر وعمر، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ، ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ». وَرُوِيَ أيْضًا عَنْ عبد الله بن عمر: «مَن أكَلَ أُجُورَ بُيُوتِ مَكَّةَ، فَإنَّما يَأْكُلُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ»، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ وفِيهِ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَحَرامٌ بَيْعُ رِباعِها وأكْلُ ثَمَنِها». وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا معمر، عَنْ ليث، عَنْ عطاء وطاوُسٍ ومجاهد، أنَّهم قالُوا: يُكْرَهُ أنْ تُباعَ رِباعُ مَكَّةَ أوْ تُكْرى بُيُوتُها. وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: (مَن أكَلَ مِن كِراءِ بُيُوتِ مَكَّةَ، فَإنَّما يَأْكُلُ في بَطْنِهِ نارًا). وَقالَ أحمد: حَدَّثَنا هشيم، حَدَّثَنا حجاج عَنْ مجاهد، «عَنْ عبد الله بن عمر، قالَ نُهِيَ عَنْ إجارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ وعَنْ بَيْعِ رِباعِها». وَذَكَرَ عَنْ عطاء، قالَ: نُهِيَ عَنْ إجارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ. وَقالَ أحمد: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: حَدَّثَنا عبد الملك قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى أمِيرِ أهْلِ مَكَّةَ يَنْهاهم عَنْ إجارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ، وقالَ إنَّهُ حَرامٌ. وَحَكى أحمد عَنْ عمر أنَّهُ نَهى أنْ يَتَّخِذَ أهْلُ مَكَّةَ لِلدُّورِ أبْوابًا، لِيَنْزِلَ البادِي حَيْثُ شاءَ، وحَكى عَنْ عبد الله بن عمر، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ نَهى أنْ تُغْلَقَ أبْوابُ دُورِ مَكَّةَ، فَنَهى مَن لا بابَ لِدارِهِ أنْ يَتَّخِذَ لَها بابًا، ومَن لِدارِهِ بابٌ أنْ يُغْلِقَهُ، وهَذا في أيّامِ المَوْسِمِ. قالَ المُجَوِّزُونَ لِلْبَيْعِ والإجارَةِ: الدَّلِيلُ عَلى جَوازِ ذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ، وعَمَلُ أصْحابِهِ وخُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، وقالَ ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقالَ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] فَأضافَ الدُّورَ إلَيْهِمْ وهَذِهِ إضافَةُ تَمْلِيكٍ، «وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ وقَدْ قِيلَ لَهُ: أيْنَ تَنْزِلُ غَدًا بِدارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقالَ: (وَهَلْ تَرَكَ لَنا عقيل مِن رِباعٍ)» ولَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لا دارَ لِي، بَلْ أقَرَّهم عَلى الإضافَةِ وأخْبَرَ أنَّ عقيلا اسْتَوْلى عَلَيْها، ولَمْ يَنْزِعْها مِن يَدِهِ، وإضافَةُ دُورِهِمْ إلَيْهِمْ في الأحادِيثِ أكْثَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ كَدارِ أم هانئ، ودارِ خديجة، ودارِ أبي أحمد بن جحش وغَيْرِها، وكانُوا يَتَوارَثُونَها كَما يَتَوارَثُونَ المَنقُولَ؛ ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عقيل مِن مَنزِلٍ» وَكانَ عقيل هو ورِثَ دُورَ أبي طالب، فَإنَّهُ كانَ كافِرًا، ولَمْ يَرِثْهُ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِاخْتِلافِ الدِّينِ بَيْنَهُما، فاسْتَوْلى عقيل عَلى الدُّورِ. وَلَمْ يَزالُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها، بَلْ قَبْلَ المَبْعَثِ وبَعْدَهُ، مَن ماتَ ورِثَتْهُ دارُهُ إلى الآنَ، وقَدْ باعَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ دارًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ فاتَّخَذَها سِجْنًا، وإذا جازَ البَيْعُ والمِيراثُ فالإجارَةُ أجْوَزُ وأجْوَزُ، فَهَذا مَوْقِفُ أقْدامِ الفَرِيقَيْنِ كَما تَرى، وحُجَجُهم في القُوَّةِ والظُّهُورِ لا تُدْفَعُ، وحُجَجُ اللَّهِ وبَيِّناتُهُ لا يُبْطِلُ بَعْضُها بَعْضًا؛ بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَجِبُ العَمَلُ بِمُوجَبِها كُلِّها، والواجِبُ اتِّباعُ الحَقِّ أيْنَ كانَ. فالصَّوابُ القَوْلُ بِمُوجَبِ الأدِلَّةِ مِنَ الجانِبَيْنِ، وأنَّ الدُّورَ تُمْلَكُ، وتُوهَبُ، وتُوَرَّثُ وتُباعُ، ويَكُونُ نَقْلُ المِلْكِ في البِناءِ لا في الأرْضِ والعَرْصَةِ، فَلَوْ زالَ بِناؤُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَبِيعَ الأرْضَ، ولَهُ أنْ يَبْنِيَها ويُعِيدَها كَما كانَتْ، وهو أحَقُّ بِها يَسْكُنُها، ويُسْكِنُ فِيها مَن شاءَ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يُعاوِضَ عَلى مَنفَعَةِ السُّكْنى بِعَقْدِ الإجارَةِ، فَإنَّ هَذِهِ المَنفَعَةَ إنَّما يَسْتَحِقُّ أنْ يُقَدَّمَ فِيها عَلى غَيْرِهِ ويَخْتَصَّ بِها لِسَبْقِهِ وحاجَتِهِ، فَإذا اسْتَغْنى عَنْها لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُعاوِضَ عَلَيْها، كالجُلُوسِ في الرِّحابِ والطُّرُقِ الواسِعَةِ، والإقامَةِ عَلى المَعادِنِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ والأعْيانِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي مَن سَبَقَ إلَيْها فَهو أحَقُّ بِها ما دامَ يَنْتَفِعُ، فَإذا اسْتَغْنى لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُعاوِضَ، وقَدْ صَرَّحَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ البَيْعَ ونَقْلَ المِلْكِ في رِباعِها إنَّما يَقَعُ عَلى البِناءِ لا عَلى الأرْضِ، ذَكَرَهُ أصْحابُ أبي حنيفة.

الحج 22:26

(لطيفة) قال السهيلي: بدأ بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين وجمعهم جمع السلامة لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو علة تعلق بها حكم التطهير ولو كان مكان الطائفين الطواف لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله: للطائفين ألا ترى أنك تقول تطوفون كما تقول طائفون فاللفظان متشابهان. فإن قيل: فهلا أتى بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين فيقول: وطهر بيتي للذين يطوفون؟ قيل: إن الحكم يعلل بالفعل لا بذوات الأشخاص ولفظ الذين ينبئ عن الشخص والذات ولفظ الطواف يخفي معنى الفعل ولا يبينه فكان لفظ الطائفين أولى بهذا الموطن ثم يليه في الترتيب القائمين لأنه في معنى العاكفين وهو في معنى قوله: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ أي مثابرا ملازما وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهر به ثم يليه بالرتبة لفظ الراكع لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين ولذلك لم يتعلق حكم التطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع، وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده فلذلك لم يجئ بلفظ جمع السلامة لأنه لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما قبله ثم وصف الركع بالسجود ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله، لأن الركع هم السجود والشيء لا يعطف بالواو على نفسه. ولفائدة أخرى وهو أن السجود أغلب ما يجيء عبارة عن المصدر، والمراد به هاهنا الجمع فلو عطف بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت. وفائدة ثالثة أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة، فلو عطفت هاهنا بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حباله. فإن قيل فلم قال السجود على وزن فعول ولم يقل السجد كالركع وفي آية أخرى: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ولم جمع ساجد على السجود ولم يجمع راكع على ركوع؟ فالجواب: أن السجود في الأصل مصدر كالخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن، ولو قال: السجد في جمع ساجد لم يتناول إلا المعنى الظاهر وكذلك الركع ألا تراه يقول تراهم ركعا سجدا وهذه رؤية العين، وهي لا تتعلق إلا بالظاهر والمقصود هنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت، والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر. وأما الخشوع والخضوع الذي يتناوله لفظ الركوع دون لفظ الركع فليس مشروطا بالتوجه إلى البيت. وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن جعل وصفا للركع ومتمما لمعناه، إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول لفظه أيضا السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت حسن انتظامه أيضا مع ما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذين ذكرهم بذكر البيت. فمن لحظ هذه المعاني بقلبه، وتدبر هذا النظم البديع بلبه ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد. تم كلامه. قلت وقد تولج رحمه الله مضائق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأتى بأشياء حسنة وبأشياء غيرها أحسن منها فأما تعليله تقديم ربيعة على مضر ففي غاية الحسن وهذا الاسمان لتلازمهما في الغالب صارا كاسم واحد فحسن فيهما ما ذكره. (فصل: في سر تفضيل البيت الحرام) وَقَدْ ظَهَرَ سِرُّ هَذا التَّفْضِيلِ والِاخْتِصاصِ في انْجِذابِ الأفْئِدَةِ وهَوى القُلُوبِ وانْعِطافِها ومَحَبَّتِها لِهَذا البَلَدِ الأمِينِ، فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أعْظَمُ مِن جَذْبِ المِغْناطِيسِ لِلْحَدِيدِ، فَهو الأوْلى بِقَوْلِ القائِلِ: ؎محاسِنُهُ هَيُولى كُلِّ حُسْنٍ ∗∗∗ ومِغْناطِيسُ أفْئِدَةِ الرِّجالِ وَلِهَذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَثابَةٌ لِلنّاسِ، أيْ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ عَلى تَعاقُبِ الأعْوامِ مِن جَمِيعِ الأقْطارِ، ولا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا، بَلْ كُلَّما ازْدادُوا لَهُ زِيارَةً ازْدادُوا لَهُ اشْتِياقًا. ؎لا يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْها حِينَ يَنْظُرُها ∗∗∗ حَتّى يَعُودَ إلَيْها الطَّرْفُ مُشْتاقًا فَلَلَّهِ كَمْ لَها مِن قَتِيلٍ وسَلِيبٍ وجَرِيحٍ، وكَمْ أُنْفِقَ في حُبِّها مِنَ الأمْوالِ والأرْواحِ، ورَضِيَ المُحِبُّ بِمُفارَقَةِ فِلَذِ الأكْبادِ، والأهْلِ والأحْبابِ والأوْطانِ، مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ أنْواعَ المَخاوِفِ والمَتالِفِ والمَعاطِفِ والمَشاقِّ، وهو يَسْتَلِذُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَسْتَطِيبُهُ ويَراهُ - لَوْ ظَهَرَ سُلْطانُ المَحَبَّةِ في قَلْبِهِ- أطْيَبَ مِن نِعَمِ المُتَحَلِّيَةِ وتَرَفِهِمْ ولَذّاتِهِمْ. ؎وَلَيْسَ مُحِبًّا مَن يَعُدُّ شَقاءَهُ ∗∗∗ عَذابًا إذا ما كانَ يَرْضى حَبِيبُهُ وَهَذا كُلُّهُ سِرُّ إضافَتِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] فاقْتَضَتْ هَذِهِ الإضافَةُ الخاصَّةُ مِن هَذا الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ والمَحَبَّةِ ما اقْتَضَتْهُ، كَما اقْتَضَتْ إضافَتُهُ لِعَبْدِهِ ورَسُولِهِ إلى نَفْسِهِ ما اقْتَضَتْهُ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ إضافَتُهُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ كَسَتْهم مِنَ الجَلالِ والمَحَبَّةِ والوَقارِ ما كَسَتْهُمْ، فَكُلُّ ما أضافَهُ الرَّبُّ تَعالى إلى نَفْسِهِ فَلَهُ مِنَ المَزِيَّةِ والِاخْتِصاصِ عَلى غَيْرِهِ ما أوْجَبَ لَهُ الِاصْطِفاءَ والِاجْتِباءَ، ثُمَّ يَكْسُوهُ بِهَذِهِ الإضافَةِ تَفْضِيلًا آخَرَ، وتَخْصِيصًا وجَلالَةً زائِدًا عَلى ما كانَ لَهُ قَبْلَ الإضافَةِ، ولَمْ يُوَفَّقْ لِفَهْمِ هَذا المَعْنى مَن سَوّى بَيْنَ الأعْيانِ والأفْعالِ والأزْمانِ والأماكِنِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا مَزِيَّةَ لِشَيْءٍ مِنها عَلى شَيْءٍ، وإنَّما هو مُجَرَّدُ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحٍ. وَهَذا القَوْلُ باطِلٌ بِأكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ وجْهًا قَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. (فصل: من علامة المحبة) ومنها محبة دار المحبوب وبيته حتى محبة الموضع الذي حل به وهذا هو السر الذي لأجله علقت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان والأحباب ولذ لهم فيها السفر الذي هو قطعة من العذاب فركبوا الأخطار وجابوا المفاوز والقفار واحتملوا في الوصول غاية المشاق ولو أمكنهم لسعوا إليها على الجفون والأحداق ؎نعم أسعى إليك على جفوني ∗∗∗ وإن بعدت لمسراك الطريق وسر هذه المحبة هي إضافة الرب سبحانه له إلى نفسه بقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ قال الشاعر ؎لما انتسبت إليك صرت معظما ∗∗∗ وعلوت قدرا دون من لم ينسب وكل ما نسب إلى المحبوب فهو محبوب ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾، ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾، ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ ومن فهم هذا فهم معنى قوله تعالى ﴿بيدك الخير﴾ وقول عبده ورسوله لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك وإذا كان من يحب مخلوقا مثله يحب داره كما قال ؎أمر على الديار ديار ليلى ∗∗∗ أقبل ذا الجدار وذا الجدارا ؎وما حب الديار شغفن قلبي ∗∗∗ ولكن حب من سكن الديارا فكيف بمن ليس كمثله شيء ومن ليس كمثل محبته محبة

الحج 22:27

ومن المقدم بالرتبة: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِر﴾ لأن الذي يأتي راجلا يأتي من المكان القريب والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد. على أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: "وددت أني حججت راجلا لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن الكريم" فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول، والمعنيان موجودان وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة.

الحج 22:30

تَأمَّلْ هَذا المَثَلَ ومُطابَقَتَهُ لِحالِ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وتَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ لَك في هَذا التَّشْبِيهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَجْعَلَهُ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، ويَكُونُ قَدْ شَبَّهَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ بِرَجُلٍ قَدْ تَسَبَّبَ إلى هَلاكِ نَفْسِهِ هَلاكًا لا يُرْجى مَعَهُ نَجاةٌ، فَصَوَّرَ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِن السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ في الهُوِيِّ فَتَمَزَّقَ مِزَقًا في حَواصِلِها، أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطارِحِ البَعِيدَةِ، وعَلى هَذا لا تَنْظُرُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُشَبَّهِ ومُقابِلِهِ مِن المُشَبَّهِ بِهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ، فَيُقابِلُ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ المُمَثَّلِ بِالمُمَثَّلِ بِهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ الإيمانَ والتَّوْحِيدَ في عُلُوِّهِ وسَعَتِهِ وشَرَفِهِ بِالسَّماءِ الَّتِي هي مِصْعَدَهُ ومَهْبِطَهُ، فَمِنها هَبَطَ إلى الأرْضِ، وإلَيْها يَصْعَدُ مِنها، وشَبَّهَ تارِكَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ بِالسّاقِطِ مِن السَّماءِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ مِن حَيْثُ التَّضْيِيقِ الشَّدِيدِ والآلامِ المُتَراكِمَةِ والطَّيْرِ الَّذِي تَخْطَفُ أعْضاءَهُ وتُمَزِّقُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ بِالشَّياطِينِ الَّتِي يُرْسِلُها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ وتَؤُزُّهُ أزًّا وتُزْعِجُهُ وتُقْلِقُهُ إلى مَظانِّ هَلاكِهِ؛ فَكُلُّ شَيْطانٍ لَهُ مُزْعَةٌ مِن دِينِهِ وقَلْبِهِ، كَما أنَّ لِكُلِّ طَيْرٍ مُزْعَةً مِن لَحْمِهِ وأعْضائِهِ، والرِّيحُ الَّتِي تَهْوِي بِهِ في مَكان سَحِيقٍ هو هَواهُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى إلْقاءِ نَفْسِهِ في أسْفَلِ مَكان وأبْعَدِهِ مِن السَّماءِ. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ تَعْظِيمِ حُرُماتِ اللَّهِ] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ تَعْظِيمِ حُرُماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: حُرُماتُ اللَّهِ هاهُنا مَغاضِبُهُ، وما نَهى عَنْهُ، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها. قالَ اللَّيْثُ: حُرُماتُ اللَّهِ: ما لا يَحِلُّ انْتِهاكُها. وقالَ قَوْمٌ: الحُرُماتُ: هي الأمْرُ والنَّهْيُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ، وحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ. وقالَ قَوْمٌ: الحُرُماتُ هاهُنا المَناسِكُ، ومَشاعِرُ الحَجِّ زَمانًا ومَكانًا. والصَّوابُ: أنَّ الحُرُماتِ تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ. وهي جَمْعُ حُرْمَةٍ وهي ما يَجِبُ احْتِرامُهُ، وحِفْظُهُ مِنَ الحُقُوقِ، والأشْخاصِ، والأزْمِنَةِ، والأماكِنِ، فَتَعْظِيمُها تَوْفِيَتُها حَقَّها، وحِفْظُها مِنَ الإضاعَةِ. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الحُرْمَةُ: هي التَّحَرُّجُ عَنِ المُخالَفاتِ والمُجاسَراتِ. التَّحَرُّجُ: الخُرُوجُ مِن حَرَجِ المُخالَفَةِ. وبِناءُ " تَفَعَّلَ " يَكُونُ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ. كَتَمَنّى إذا دَخَلَ في الأُمْنِيَّةِ، وتَوَلَّجَ في الأمْرِ دَخَلَ فِيهِ، ونَحْوِهِ. ولِلْخُرُوجِ مِنهُ، كَتَخَرَّجَ وتَحَوَّبَ وتَأثَّمَ، إذا أرادَ الخُرُوجَ مِنَ الحَرَجِ. والحُوبُ هو الإثْمُ. أرادَ أنَّ الحُرْمَةَ هي الخُرُوجُ مِن حَرَجِ المُخالَفَةِ، وجَسارَةِ الإقْدامِ عَلَيْها. ولَمّا كانَ المُخالِفُ قِسْمَيْنِ جاسِرًا وهائِبًا. قالَ: عَنِ المُخالَفاتِ والمُجاسَراتِ. [فَصْلٌ: شاهِدُ الزُّورِ] وَقَوْلُهُ: " إلّا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهادَةُ زُورٍ " يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرَّةَ الواحِدَةَ مِن شَهادَةِ الزُّورِ تَسْتَقِلُّ بِرَدِّ الشَّهادَةِ، وقَدْ قَرَنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ بَيْنَ الإشْراكِ وقَوْلِ الزُّورِ، وقالَ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، ثُمَّ قالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ» وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أكْبَرُ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَوْلُ الزُّورِ». وَلا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ شَهادَةَ الزُّورِ مِن الكَبائِرِ، واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الكَذِبِ في غَيْرِ الشَّهادَةِ: هَلْ هو مِن الصَّغائِرِ أوْ مِن الكَبائِرِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ هُما رِوايَتانِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ حَكاهُما أبُو الحُسَيْنِ في تَمامِهِ، واحْتَجَّ مَن جَعَلَهُ مِن الكَبائِرِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَهُ في كِتابِهِ مِن صِفاتِ شَرِّ البَرِّيَّةِ، وهم الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، فَلَمْ يَصِفْ بِهِ إلّا كافِرًا أوْ مُنافِقًا، وجَعَلَهُ عَلَمَ أهْلِ النّارِ وشِعارَهم وجَعَلَ الصِّدْقَ عَلَمَ أهْلِ الجَنَّةِ وشِعارَهم. وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكم بِالصِّدْقِ؛ فَإنَّهُ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرِّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيَصْدُقَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإيّاكم والكَذِبَ؛ فَإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيَكْذِبَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» وفي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ». وَقالَ مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «ما كانَ خُلُقٌ أبْغَضُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الكَذِبِ، ولَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَهُ الكَذْبَةَ فَما تَزالُ في نَفْسِهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أحْدَثَ مِنها تَوْبَةً». وَقالَ مَرْوانُ الطّاطَرِيُّ: ثنا مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ثنا أيُّوبُ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما كانَ شَيْءٌ أبْغَضَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الكَذِبِ، وما جَرَّبَ عَلى أحَدٍ كَذِبًا فَرَجَعَ إلَيْهِ ما كانَ حَتّى يَعْرِفَ مِنهُ تَوْبَةً» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ مِن طَرِيق ابْنِ وهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ مُوسى بْنِ أبِي شَيْبَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أبْطَلَ شَهادَةَ رَجُلٍ في كَذْبَةٍ كَذَبَها» وهو مُرْسَلٌ، وقَدْ احْتَجَّ بِهِ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ. وَقالَ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ: سَمِعْت أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: " إيّاكم والكَذِبَ، فَإنَّ الكَذِبَ مُجانِبُ الإيمانَ " يُرْوى مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا؛ ورَوى شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: " المُسْلِمُ يُطْبَعُ عَلى كُلِّ طَبِيعَةٍ غَيْرَ الخِيانَةِ والكَذِبِ "، ويُرْوى مَرْفُوعًا أيْضًا. وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ خُرَيْمِ بْنِ فاتِكٍ الأسَدِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الصُّبْحِ، فَلَمّا انْصَرَفَ قامَ قائِمًا قالَ: عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ ثَلاثَ مِرارٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١]». وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «بَيْنَ يَدَيْ السّاعَةِ تَسْلِيمُ الخاصَّةِ وفُشُوُّ التِّجارَةِ حَتّى تُعِينَ المَرْأةُ زَوْجَها عَلى التِّجارَةِ، وقَطْعُ الأرْحامِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، وكِتْمانُ شَهادَةِ الحَقِّ». وَقالَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ: ثنا أبُو حَنِيفَةَ قالَ: «كُنّا عِنْدَ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فادَّعى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ مالًا، فَجَحَدَهُ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَسَألَهُ البَيِّنَةَ، فَجاءَ رَجُلٌ فَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَقالَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ: لا واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما شَهِدَ عَلَيَّ بِحَقٍّ، وما عَلِمْتُهُ إلّا رَجُلًا صالِحًا، غَيْرَ هَذِهِ الزَّلَّةِ فَإنَّهُ فَعَلَ هَذا لِحِقْدٍ كانَ في قَلْبِهِ عَلَيَّ، وكانَ مُحارِبٌ مُتَّكِئًا فاسْتَوى جالِسًا ثُمَّ قالَ: يا ذا الرَّجُلِ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى النّاسِ يَوْمٌ تَشِيبُ فِيهِ الوَلَدانِ، وتَضَعُ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها، وتَضْرِبُ الطَّيْرُ بِأذْنابِها وتَضَعُ ما في بُطُونِها مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا ذَنْبَ عَلَيْها وإنَّ شاهِدَ الزُّورِ لا يُقارُّ قَدَماهُ عَلى الأرْضِ حَتّى يُقْذَفَ بِهِ في النّارِ فَإنْ كُنْت شَهِدْت بِحَقٍّ فاتَّقِ اللَّهَ وأقِمْ عَلى شَهادَتِك، وإنْ كُنْت شَهِدْت بِباطِلٍ فاتَّقِ اللَّهَ وغَطَّ رَأْسَك واخْرُجْ مِن ذَلِكَ البابِ». وَقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: «كُنْت في مَجْلِسِ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ وهو في قَضائِهِ، حَتّى تَقَدَّمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فادَّعى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ حَقًّا، فَأنْكَرَهُ، فَقالَ: ألَك بَيِّنَةٌ؟ فَقالَ: نَعَمْ، ادْعُ فُلانًا، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللَّهِ إنْ شَهِدَ عَلَيَّ لَيَشْهَدَنَّ بِزُورٍ، ولَئِنْ سَألْتَنِي عَنْهُ لَأُزَكِّيَنَّهُ؛ فَلَمّا جاءَ الشّاهِدُ قالَ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنّ الطَّيْرَ لِتَضْرِبَ بِمَناقِيرِها، وتَقْذِفَ ما في حَواصِلِها، وتُحَرِّكَ أذْنابَها مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ شاهِدَ الزُّورِ لا تُقارُّ قَدَماهُ عَلى الأرْضِ حَتّى يُقْذَفَ بِهِ في النّارِ ثُمَّ قالَ لِلرَّجُلِ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قالَ: كُنْت أُشْهِدْت عَلى شَهادَةٍ وقَدْ نَسِيتُها، أرْجِعُ فَأتَذَكَّرُها، فانْصَرَفَ ولَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ»، ورَواهُ أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ فَقالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكّارَ ثنا زافِرٌ عَنْ أبِي عَلِيٍّ قالَ: «كُنْت عِنْدَ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، فاخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فَشَهِدَ عَلى أحَدِهِما شاهِدٌ، فَقالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ شَهِدَ عَلَيَّ بِزُورٍ، ولَئِنْ سُئِلَتْ عَنْهُ لَيُزَكَّيَنَّ، وكانَ مُحارِبٌ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَزُولُ قَدَما شاهِدِ الزُّورِ مِن مَكانِهِما حَتّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النّارَ» ولِلْحَدِيثِ طُرُقٌ إلى مُحارِبٍ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في رَدِّ شَهادَةِ الكَذّابِ] وَأقْوى الأسْبابِ في رَدِّ الشَّهادَةِ والفُتْيا والرِّوايَةِ الكَذِبُ؛ لِأنَّهُ فَسادٌ في نَفْسِ آلَةِ الشَّهادَةِ والفُتْيا والرِّوايَةِ، فَهو بِمَثابَةِ شَهادَةِ الأعْمى عَلى رُؤْيَةِ الهِلالِ، وشَهادَةِ الأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ عَلى إقْرارِ المُقِرِّ؛ فَإنَّ اللِّسانَ الكَذُوبَ بِمَنزِلَةِ العُضْوِ الَّذِي قَدْ تَعَطَّلَ نَفْعُهُ، بَلْ هو شَرٌّ مِنهُ، فَشَرُّ ما في المَرْءِ لِسانٌ كَذُوبٌ؛ ولِهَذا يَجْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ شِعارَ الكاذِبِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ وشِعارَ الكاذِبِ عَلى رَسُولِهِ سَوادَ وُجُوهِهِمْ، والكَذِبُ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ في سَوادِ الوَجْهِ، ويَكْسُوهُ بُرْقُعًا مِن المَقْتِ يَراهُ كُلُّ صادِقٍ؛ فَسِيَّما الكاذِبُ في وجْهِهِ يُنادى عَلَيْهِ لِمَن لَهُ عَيْنانِ، والصّادِقُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مَهابَةً وجَلالَةً، فَمَن رَآهُ هابَهُ وأحَبَّهُ، والكاذِبُ يَرْزُقُهُ إهانَةً ومَقْتًا، فَمَن رَآهُ مَقَتَهُ واحْتَقَرَهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الحج 22:31

تَأمَّلْ هَذا المَثَلَ ومُطابَقَتَهُ لِحالِ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وتَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ لَك في هَذا التَّشْبِيهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَجْعَلَهُ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، ويَكُونُ قَدْ شَبَّهَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ بِرَجُلٍ قَدْ تَسَبَّبَ إلى هَلاكِ نَفْسِهِ هَلاكًا لا يُرْجى مَعَهُ نَجاةٌ، فَصَوَّرَ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِن السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ في الهُوِيِّ فَتَمَزَّقَ مِزَقًا في حَواصِلِها، أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطارِحِ البَعِيدَةِ، وعَلى هَذا لا تَنْظُرُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُشَبَّهِ ومُقابِلِهِ مِن المُشَبَّهِ بِهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ، فَيُقابِلُ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ المُمَثَّلِ بِالمُمَثَّلِ بِهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ الإيمانَ والتَّوْحِيدَ في عُلُوِّهِ وسَعَتِهِ وشَرَفِهِ بِالسَّماءِ الَّتِي هي مِصْعَدَهُ ومَهْبِطَهُ، فَمِنها هَبَطَ إلى الأرْضِ، وإلَيْها يَصْعَدُ مِنها، وشَبَّهَ تارِكَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ بِالسّاقِطِ مِن السَّماءِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ مِن حَيْثُ التَّضْيِيقِ الشَّدِيدِ والآلامِ المُتَراكِمَةِ والطَّيْرِ الَّذِي تَخْطَفُ أعْضاءَهُ وتُمَزِّقُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ بِالشَّياطِينِ الَّتِي يُرْسِلُها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ وتَؤُزُّهُ أزًّا وتُزْعِجُهُ وتُقْلِقُهُ إلى مَظانِّ هَلاكِهِ؛ فَكُلُّ شَيْطانٍ لَهُ مُزْعَةٌ مِن دِينِهِ وقَلْبِهِ، كَما أنَّ لِكُلِّ طَيْرٍ مُزْعَةً مِن لَحْمِهِ وأعْضائِهِ، والرِّيحُ الَّتِي تَهْوِي بِهِ في مَكان سَحِيقٍ هو هَواهُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى إلْقاءِ نَفْسِهِ في أسْفَلِ مَكان وأبْعَدِهِ مِن السَّماءِ. [فَصْلٌ: مَنزِلَةُ تَعْظِيمِ حُرُماتِ اللَّهِ] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ تَعْظِيمِ حُرُماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: حُرُماتُ اللَّهِ هاهُنا مَغاضِبُهُ، وما نَهى عَنْهُ، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها. قالَ اللَّيْثُ: حُرُماتُ اللَّهِ: ما لا يَحِلُّ انْتِهاكُها. وقالَ قَوْمٌ: الحُرُماتُ: هي الأمْرُ والنَّهْيُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ، وحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ. وقالَ قَوْمٌ: الحُرُماتُ هاهُنا المَناسِكُ، ومَشاعِرُ الحَجِّ زَمانًا ومَكانًا. والصَّوابُ: أنَّ الحُرُماتِ تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ. وهي جَمْعُ حُرْمَةٍ وهي ما يَجِبُ احْتِرامُهُ، وحِفْظُهُ مِنَ الحُقُوقِ، والأشْخاصِ، والأزْمِنَةِ، والأماكِنِ، فَتَعْظِيمُها تَوْفِيَتُها حَقَّها، وحِفْظُها مِنَ الإضاعَةِ. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": الحُرْمَةُ: هي التَّحَرُّجُ عَنِ المُخالَفاتِ والمُجاسَراتِ. التَّحَرُّجُ: الخُرُوجُ مِن حَرَجِ المُخالَفَةِ. وبِناءُ " تَفَعَّلَ " يَكُونُ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ. كَتَمَنّى إذا دَخَلَ في الأُمْنِيَّةِ، وتَوَلَّجَ في الأمْرِ دَخَلَ فِيهِ، ونَحْوِهِ. ولِلْخُرُوجِ مِنهُ، كَتَخَرَّجَ وتَحَوَّبَ وتَأثَّمَ، إذا أرادَ الخُرُوجَ مِنَ الحَرَجِ. والحُوبُ هو الإثْمُ. أرادَ أنَّ الحُرْمَةَ هي الخُرُوجُ مِن حَرَجِ المُخالَفَةِ، وجَسارَةِ الإقْدامِ عَلَيْها. ولَمّا كانَ المُخالِفُ قِسْمَيْنِ جاسِرًا وهائِبًا. قالَ: عَنِ المُخالَفاتِ والمُجاسَراتِ. [فَصْلٌ: شاهِدُ الزُّورِ] وَقَوْلُهُ: " إلّا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهادَةُ زُورٍ " يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرَّةَ الواحِدَةَ مِن شَهادَةِ الزُّورِ تَسْتَقِلُّ بِرَدِّ الشَّهادَةِ، وقَدْ قَرَنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ بَيْنَ الإشْراكِ وقَوْلِ الزُّورِ، وقالَ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، ثُمَّ قالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ» وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أكْبَرُ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَوْلُ الزُّورِ». وَلا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ شَهادَةَ الزُّورِ مِن الكَبائِرِ، واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الكَذِبِ في غَيْرِ الشَّهادَةِ: هَلْ هو مِن الصَّغائِرِ أوْ مِن الكَبائِرِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ هُما رِوايَتانِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ حَكاهُما أبُو الحُسَيْنِ في تَمامِهِ، واحْتَجَّ مَن جَعَلَهُ مِن الكَبائِرِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَهُ في كِتابِهِ مِن صِفاتِ شَرِّ البَرِّيَّةِ، وهم الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، فَلَمْ يَصِفْ بِهِ إلّا كافِرًا أوْ مُنافِقًا، وجَعَلَهُ عَلَمَ أهْلِ النّارِ وشِعارَهم وجَعَلَ الصِّدْقَ عَلَمَ أهْلِ الجَنَّةِ وشِعارَهم. وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكم بِالصِّدْقِ؛ فَإنَّهُ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرِّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيَصْدُقَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإيّاكم والكَذِبَ؛ فَإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيَكْذِبَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» وفي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ». وَقالَ مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «ما كانَ خُلُقٌ أبْغَضُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الكَذِبِ، ولَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَهُ الكَذْبَةَ فَما تَزالُ في نَفْسِهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أحْدَثَ مِنها تَوْبَةً». وَقالَ مَرْوانُ الطّاطَرِيُّ: ثنا مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ثنا أيُّوبُ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما كانَ شَيْءٌ أبْغَضَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الكَذِبِ، وما جَرَّبَ عَلى أحَدٍ كَذِبًا فَرَجَعَ إلَيْهِ ما كانَ حَتّى يَعْرِفَ مِنهُ تَوْبَةً» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ مِن طَرِيق ابْنِ وهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ مُوسى بْنِ أبِي شَيْبَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أبْطَلَ شَهادَةَ رَجُلٍ في كَذْبَةٍ كَذَبَها» وهو مُرْسَلٌ، وقَدْ احْتَجَّ بِهِ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ. وَقالَ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ: سَمِعْت أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: " إيّاكم والكَذِبَ، فَإنَّ الكَذِبَ مُجانِبُ الإيمانَ " يُرْوى مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا؛ ورَوى شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: " المُسْلِمُ يُطْبَعُ عَلى كُلِّ طَبِيعَةٍ غَيْرَ الخِيانَةِ والكَذِبِ "، ويُرْوى مَرْفُوعًا أيْضًا. وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ خُرَيْمِ بْنِ فاتِكٍ الأسَدِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الصُّبْحِ، فَلَمّا انْصَرَفَ قامَ قائِمًا قالَ: عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ ثَلاثَ مِرارٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١]». وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «بَيْنَ يَدَيْ السّاعَةِ تَسْلِيمُ الخاصَّةِ وفُشُوُّ التِّجارَةِ حَتّى تُعِينَ المَرْأةُ زَوْجَها عَلى التِّجارَةِ، وقَطْعُ الأرْحامِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، وكِتْمانُ شَهادَةِ الحَقِّ». وَقالَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ: ثنا أبُو حَنِيفَةَ قالَ: «كُنّا عِنْدَ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فادَّعى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ مالًا، فَجَحَدَهُ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَسَألَهُ البَيِّنَةَ، فَجاءَ رَجُلٌ فَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَقالَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ: لا واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما شَهِدَ عَلَيَّ بِحَقٍّ، وما عَلِمْتُهُ إلّا رَجُلًا صالِحًا، غَيْرَ هَذِهِ الزَّلَّةِ فَإنَّهُ فَعَلَ هَذا لِحِقْدٍ كانَ في قَلْبِهِ عَلَيَّ، وكانَ مُحارِبٌ مُتَّكِئًا فاسْتَوى جالِسًا ثُمَّ قالَ: يا ذا الرَّجُلِ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى النّاسِ يَوْمٌ تَشِيبُ فِيهِ الوَلَدانِ، وتَضَعُ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها، وتَضْرِبُ الطَّيْرُ بِأذْنابِها وتَضَعُ ما في بُطُونِها مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا ذَنْبَ عَلَيْها وإنَّ شاهِدَ الزُّورِ لا يُقارُّ قَدَماهُ عَلى الأرْضِ حَتّى يُقْذَفَ بِهِ في النّارِ فَإنْ كُنْت شَهِدْت بِحَقٍّ فاتَّقِ اللَّهَ وأقِمْ عَلى شَهادَتِك، وإنْ كُنْت شَهِدْت بِباطِلٍ فاتَّقِ اللَّهَ وغَطَّ رَأْسَك واخْرُجْ مِن ذَلِكَ البابِ». وَقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: «كُنْت في مَجْلِسِ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ وهو في قَضائِهِ، حَتّى تَقَدَّمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فادَّعى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ حَقًّا، فَأنْكَرَهُ، فَقالَ: ألَك بَيِّنَةٌ؟ فَقالَ: نَعَمْ، ادْعُ فُلانًا، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللَّهِ إنْ شَهِدَ عَلَيَّ لَيَشْهَدَنَّ بِزُورٍ، ولَئِنْ سَألْتَنِي عَنْهُ لَأُزَكِّيَنَّهُ؛ فَلَمّا جاءَ الشّاهِدُ قالَ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنّ الطَّيْرَ لِتَضْرِبَ بِمَناقِيرِها، وتَقْذِفَ ما في حَواصِلِها، وتُحَرِّكَ أذْنابَها مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ شاهِدَ الزُّورِ لا تُقارُّ قَدَماهُ عَلى الأرْضِ حَتّى يُقْذَفَ بِهِ في النّارِ ثُمَّ قالَ لِلرَّجُلِ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قالَ: كُنْت أُشْهِدْت عَلى شَهادَةٍ وقَدْ نَسِيتُها، أرْجِعُ فَأتَذَكَّرُها، فانْصَرَفَ ولَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ»، ورَواهُ أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ فَقالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكّارَ ثنا زافِرٌ عَنْ أبِي عَلِيٍّ قالَ: «كُنْت عِنْدَ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، فاخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فَشَهِدَ عَلى أحَدِهِما شاهِدٌ، فَقالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ شَهِدَ عَلَيَّ بِزُورٍ، ولَئِنْ سُئِلَتْ عَنْهُ لَيُزَكَّيَنَّ، وكانَ مُحارِبٌ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَزُولُ قَدَما شاهِدِ الزُّورِ مِن مَكانِهِما حَتّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النّارَ» ولِلْحَدِيثِ طُرُقٌ إلى مُحارِبٍ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في رَدِّ شَهادَةِ الكَذّابِ] وَأقْوى الأسْبابِ في رَدِّ الشَّهادَةِ والفُتْيا والرِّوايَةِ الكَذِبُ؛ لِأنَّهُ فَسادٌ في نَفْسِ آلَةِ الشَّهادَةِ والفُتْيا والرِّوايَةِ، فَهو بِمَثابَةِ شَهادَةِ الأعْمى عَلى رُؤْيَةِ الهِلالِ، وشَهادَةِ الأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ عَلى إقْرارِ المُقِرِّ؛ فَإنَّ اللِّسانَ الكَذُوبَ بِمَنزِلَةِ العُضْوِ الَّذِي قَدْ تَعَطَّلَ نَفْعُهُ، بَلْ هو شَرٌّ مِنهُ، فَشَرُّ ما في المَرْءِ لِسانٌ كَذُوبٌ؛ ولِهَذا يَجْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ شِعارَ الكاذِبِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ وشِعارَ الكاذِبِ عَلى رَسُولِهِ سَوادَ وُجُوهِهِمْ، والكَذِبُ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ في سَوادِ الوَجْهِ، ويَكْسُوهُ بُرْقُعًا مِن المَقْتِ يَراهُ كُلُّ صادِقٍ؛ فَسِيَّما الكاذِبُ في وجْهِهِ يُنادى عَلَيْهِ لِمَن لَهُ عَيْنانِ، والصّادِقُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مَهابَةً وجَلالَةً، فَمَن رَآهُ هابَهُ وأحَبَّهُ، والكاذِبُ يَرْزُقُهُ إهانَةً ومَقْتًا، فَمَن رَآهُ مَقَتَهُ واحْتَقَرَهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الحج 22:32

(فصل) قالَ أبُو الدَّرْداء رَضِي الله عَنهُ يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كَيفَ يغبنون بِهِ قيام الحمقى وصومهم والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمْثال الجبال عبادَة من المغترّين وهَذا من جَواهِر الكَلام وأدله على كَمال فقه الصَّحابَة وتقدمهم على من بعدهمْ في كل خير رَضِي الله عَنْهُم فاعْلَم أن العَبْد إنَّما يقطع منازِل السّير إلى الله بِقَلْبِه وهمته ولا بِبدنِهِ والتَّقوى في الحَقِيقَة تقوى القُلُوب لا تقوى الجَوارِح قالَ تَعالى ذَلِكَ ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوب﴾ وَقالَ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُم﴾ وَقالَ النَّبِي ﷺ "التَّقْوى هاهُنا وأشارَ إلى صَدره" فالكيّس يقطع من المسافَة بِصِحَّة العَزِيمَة وعلو الهمة وتَجْرِيد القَصْد وصِحَّة النِّيَّة مَعَ العَمَل القَلِيل أضْعاف أضْعاف ما يقطعهُ الفارغ من ذَلِك مَعَ التَّعَب الكثير والسّفر الشاق فَإن العَزِيمَة والمحبة تذْهب المَشَقَّة وتطيب السّير والتقدم والسبق إلى الله سُبْحانَهُ إنَّما هو بالهمم وصدق الرَّغْبَة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مَعَ سكونه صاحب العَمَل الكثير بمراحل فَإن ساواه في همته تقدم عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ وهَذا مَوضِع يحْتاج إلى تَفْصِيل يُوافق فِيهِ الإسْلام والإحْسان فأكمل الهَدْي هدي رَسُول الله وكانَ موفيا كل واحِد مِنهُما حَقه فَكانَ مَعَ كَماله وإرادته وأحواله مَعَ الله يقوم حَتّى تَرِم قدماه ويصوم حَتّى يُقال لا يفْطر ويجاهد في سَبِيل الله ويخالط أصْحاب ولا يحتجب عَنْهُم ولا يتْرك شَيْئا من النَّوافِل والأوراد لتلك الواردات الَّتِي تعجز عَن حملها قوى البشر والله تَعالى أمر عباده أن يقومُوا بشرائع الإسْلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم ولا يقبل واحِدًا مِنهُما إلّا بِصاحِبِهِ وقرينه. وَفِي المسند مَرْفُوعا الإسْلام عَلانيَة والإيمان في القلب فَكل إسْلام ظاهر لا ينفذ صاحبه مِنهُ إلى حَقِيقَة الإيمان الباطِنَة فَلَيْسَ بِنافِع حَتّى يكون مَعَه شَيْء من الإيمان الباطِن وكل حَقِيقَة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسْلام الظّاهِرَة لا تَنْفَع ولَو كانَت ما كانَت فَلَو تمزق القلب بالمحبة والخَوْف ولم يتعبد بِالأمر وظاهر الشَّرْع لم ينجّه ذَلِك من النّار كَما أنه لَو قامَ بظواهر الإسْلام ولَيْسَ في باطِنه حَقِيقَة الإيمان لم ينجّه من النّار. وَإذا عرف هَذا فالصادقون السائرون إلى الله والدّار الآخِرَة قِسْمانِ قسم صرفُوا ما فضل من أوقاتهم بعد الفَرائِض إلى النَّوافِل البَدَنِيَّة وجعلوها دأبهم من غير حرص مِنهُم على تَحْقِيق أعمال القُلُوب ومنازلها وأحكامها وإن لم يَكُونُوا خالين من أصْلها ولَكِن هممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعْمال وقسم صرفُوا ما فضل من الفَرائِض والسّنَن إلى الاهتمام بصلاح قُلُوبهم وعكوفها على الله وحده والجمعية عَلَيْهِ وحفظ الخواطر والإرادات مَعَه وجعلوه قُوَّة تعبده بأعمال القُلُوب من تَصْحِيح المحبَّة والخَوْف والخَوْف والرجاء والتوكل والإنابة ورَأوا أن أيسر نصيب من الواردات الَّتِي ترد على قُلُوبهم من الله أحب إلَيْهِم من كثير من التطوعات البَدَنِيَّة فَإذا حصل لأحَدهم جمعية ووارد أنس أو حب أو اشتياق أو انكسار وذل لم يسْتَبْدل بِهِ شَيْئا سواهُ ألْبَتَّةَ إلّا أن يَجِيء الأمر فيبادر إلَيْهِ بذلك الوارِد إن أمكنه وإلّا بادر إلى الأمر ولَو ذهب الوارِد فَإذا جاءَت النَّوافِل فهاهنا معترك التَّرَدُّد فَإن أمكن القيام إلَيْها بِهِ فَذاك فَذَلِك بِهِ وإلّا نظر في الأرْجَح والأحب إلى الله هَل هو القيام إلى تِلْكَ النّافِلَة ولَو ذهب وارده كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إيمان ونَحْو ذَلِك فهاهنا يَنْبَغِي تَقْدِيم النّافِلَة الراجحة ومَتى قدمهما لله رَغْبَة فِيهِ وتقرّبا إلَيْهِ فَإنَّهُ يرد عَلَيْهِ ما فاتَ من وارده أقوى مِمّا كانَ في وقت آخر وإن كانَ الوارِد أرجح من النّافِلَة فالحزم لَهُ الِاسْتِمْرار في وارده حَتّى يتَوارى عَنهُ فَإنَّهُ يفوت والنافلة لا تفوت وهَذا مَوضِع يحْتاج إلى فضل فقه في الطَّرِيق ومراتب الأعْمال وتَقْدِيم الأهم مِنها فالأهم. والله المُوفق لذَلِك لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ.

الحج 22:33

(فصل) قالَ أبُو الدَّرْداء رَضِي الله عَنهُ يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كَيفَ يغبنون بِهِ قيام الحمقى وصومهم والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمْثال الجبال عبادَة من المغترّين وهَذا من جَواهِر الكَلام وأدله على كَمال فقه الصَّحابَة وتقدمهم على من بعدهمْ في كل خير رَضِي الله عَنْهُم فاعْلَم أن العَبْد إنَّما يقطع منازِل السّير إلى الله بِقَلْبِه وهمته ولا بِبدنِهِ والتَّقوى في الحَقِيقَة تقوى القُلُوب لا تقوى الجَوارِح قالَ تَعالى ذَلِكَ ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوب﴾ وَقالَ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُم﴾ وَقالَ النَّبِي ﷺ "التَّقْوى هاهُنا وأشارَ إلى صَدره" فالكيّس يقطع من المسافَة بِصِحَّة العَزِيمَة وعلو الهمة وتَجْرِيد القَصْد وصِحَّة النِّيَّة مَعَ العَمَل القَلِيل أضْعاف أضْعاف ما يقطعهُ الفارغ من ذَلِك مَعَ التَّعَب الكثير والسّفر الشاق فَإن العَزِيمَة والمحبة تذْهب المَشَقَّة وتطيب السّير والتقدم والسبق إلى الله سُبْحانَهُ إنَّما هو بالهمم وصدق الرَّغْبَة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مَعَ سكونه صاحب العَمَل الكثير بمراحل فَإن ساواه في همته تقدم عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ وهَذا مَوضِع يحْتاج إلى تَفْصِيل يُوافق فِيهِ الإسْلام والإحْسان فأكمل الهَدْي هدي رَسُول الله وكانَ موفيا كل واحِد مِنهُما حَقه فَكانَ مَعَ كَماله وإرادته وأحواله مَعَ الله يقوم حَتّى تَرِم قدماه ويصوم حَتّى يُقال لا يفْطر ويجاهد في سَبِيل الله ويخالط أصْحاب ولا يحتجب عَنْهُم ولا يتْرك شَيْئا من النَّوافِل والأوراد لتلك الواردات الَّتِي تعجز عَن حملها قوى البشر والله تَعالى أمر عباده أن يقومُوا بشرائع الإسْلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم ولا يقبل واحِدًا مِنهُما إلّا بِصاحِبِهِ وقرينه. وَفِي المسند مَرْفُوعا الإسْلام عَلانيَة والإيمان في القلب فَكل إسْلام ظاهر لا ينفذ صاحبه مِنهُ إلى حَقِيقَة الإيمان الباطِنَة فَلَيْسَ بِنافِع حَتّى يكون مَعَه شَيْء من الإيمان الباطِن وكل حَقِيقَة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسْلام الظّاهِرَة لا تَنْفَع ولَو كانَت ما كانَت فَلَو تمزق القلب بالمحبة والخَوْف ولم يتعبد بِالأمر وظاهر الشَّرْع لم ينجّه ذَلِك من النّار كَما أنه لَو قامَ بظواهر الإسْلام ولَيْسَ في باطِنه حَقِيقَة الإيمان لم ينجّه من النّار. وَإذا عرف هَذا فالصادقون السائرون إلى الله والدّار الآخِرَة قِسْمانِ قسم صرفُوا ما فضل من أوقاتهم بعد الفَرائِض إلى النَّوافِل البَدَنِيَّة وجعلوها دأبهم من غير حرص مِنهُم على تَحْقِيق أعمال القُلُوب ومنازلها وأحكامها وإن لم يَكُونُوا خالين من أصْلها ولَكِن هممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعْمال وقسم صرفُوا ما فضل من الفَرائِض والسّنَن إلى الاهتمام بصلاح قُلُوبهم وعكوفها على الله وحده والجمعية عَلَيْهِ وحفظ الخواطر والإرادات مَعَه وجعلوه قُوَّة تعبده بأعمال القُلُوب من تَصْحِيح المحبَّة والخَوْف والخَوْف والرجاء والتوكل والإنابة ورَأوا أن أيسر نصيب من الواردات الَّتِي ترد على قُلُوبهم من الله أحب إلَيْهِم من كثير من التطوعات البَدَنِيَّة فَإذا حصل لأحَدهم جمعية ووارد أنس أو حب أو اشتياق أو انكسار وذل لم يسْتَبْدل بِهِ شَيْئا سواهُ ألْبَتَّةَ إلّا أن يَجِيء الأمر فيبادر إلَيْهِ بذلك الوارِد إن أمكنه وإلّا بادر إلى الأمر ولَو ذهب الوارِد فَإذا جاءَت النَّوافِل فهاهنا معترك التَّرَدُّد فَإن أمكن القيام إلَيْها بِهِ فَذاك فَذَلِك بِهِ وإلّا نظر في الأرْجَح والأحب إلى الله هَل هو القيام إلى تِلْكَ النّافِلَة ولَو ذهب وارده كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إيمان ونَحْو ذَلِك فهاهنا يَنْبَغِي تَقْدِيم النّافِلَة الراجحة ومَتى قدمهما لله رَغْبَة فِيهِ وتقرّبا إلَيْهِ فَإنَّهُ يرد عَلَيْهِ ما فاتَ من وارده أقوى مِمّا كانَ في وقت آخر وإن كانَ الوارِد أرجح من النّافِلَة فالحزم لَهُ الِاسْتِمْرار في وارده حَتّى يتَوارى عَنهُ فَإنَّهُ يفوت والنافلة لا تفوت وهَذا مَوضِع يحْتاج إلى فضل فقه في الطَّرِيق ومراتب الأعْمال وتَقْدِيم الأهم مِنها فالأهم. والله المُوفق لذَلِك لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ.

الحج 22:34

القلب المخبت هو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به. قال الكلبي: "فتخبت له قلوبهم فترق للقرآن قلوبهم" وقد بين سبحانه حقيقة الإخبات ووصف المخبتين في قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ فذكر للمخبتين أربع علامات وجل قلوبهم عند ذكره والوجل خوف مقرون بهيبة ومحبة وصبرهم على أقداره وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت قال ابن عباس: "المخبتين المتواضعين" وقال مجاهد: "المطمئنين إلى الله" وقال الأخفش: "الخاشعين" وقال ابن جرير: "الخاضعين" قال الزجاج: "اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض وكل مخبت متواضع فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع لله". فإن قيل كان معناه التواضع والخشوع فكيف عدي بـ إلى في قوله: ﴿وَأخْبَتُوا إلى رَبِّهِم﴾؟ قيل ضمن معنى أنابوا واطمأنوا وتابوا وهذه عبارات السلف في هذا الموضع والمقصود أن القلب المخبت ضد القاسي والمريض وهو سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه وبعضها قاسيا وجعل للقسوة آثارا وللإخبات آثارا فمن آثاره القسوة تحريف الكلم عن مواضعه وذلك من سوء الفهم وسوء القصد وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب ومنها نسيان ما ذكر به وهو ترك ما أمر به علما وعملا ومن آثار الإخبات وجل القلوب لذكره سبحانه والصبر على أقداره والإخلاص في عبوديته والإحسان إلى خلقه. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الإخْباتِ] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الإخْباتِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] ثُمَّ كَشَفَ عَنْ مَعْناهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٥] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣]. و" الخَبْتُ " في أصْلِ اللُّغَةِ: المَكانُ المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ. وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وقَتادَةُ لَفَظَ المُخْبِتَيْنِ وقالا: هُمُ المُتَواضِعُونَ. وَقالَ مُجاهِدٌ: المُخْبِتُ: المُطْمَئِنُّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ: والخَبْتُ: المَكانُ المُطَمْئِنُّ مِنَ الأرْضِ. وَقالَ الأخْفَشُ: الخاشِعُونَ. وَقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: المُصَلُّونَ المُخْلِصُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ الرَّقِيقَةُ قُلُوبُهم. وقالَ عَمْرُو بْنُ أوْسٍ: هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ، وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا. وَهَذِهِ الأقْوالُ تَدُورُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: التَّواضُعِ، والسُّكُونِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ عُدِّي بِ " إلى " تَضْمِينًا لِمَعْنى الطُّمَأْنِينَةِ، والإنابَةِ والسُّكُونِ إلى اللَّهِ. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": " هو مِن أوَّلِ مَقاماتِ الطُّمَأْنِينَةِ ". كالسَّكِينَةِ، واليَقِينِ، والثِّقَةِ بِاللَّهِ ونَحْوِها. فالإخْباتُ مُقَدِّمَتُها ومَبْدَؤُها. قالَ: وهو وُرُودُ المَأْمَنِ مِنَ الرُّجُوعِ والتَّرَدُّدِ. لَمّا كانَ الإخْباتُ أوَّلَ مَقامٍ يَتَخَلَّصُ فِيهِ السّالِكُ مِنَ التَّرَدُّدِ - الَّذِي هو نَوْعُ غَفْلَةٍ وإعْراضٍ - والسّالِكُ مُسافِرٌ إلى رَبِّهِ، سائِرٌ إلَيْهِ عَلى مَدى أنْفاسِهِ. لا يَنْتَهِي مَسِيرُهُ إلَيْهِ ما دامَ نَفَسُهُ يَصْحَبُهُ - شَبَّهَ حُصُولَ الإخْباتِ لَهُ بِالماءِ العَذْبِ الَّذِي يَرُدُّهُ المُسافِرُ عَلى ظَمَأٍ وحاجَةٍ في أوَّلِ مَناهِلِهِ. فَيَرْوِيهِ مَوْرِدَهُ، ويُزِيلُ عَنْهُ خَواطِرَ تَرَدُّدَهُ في إتْمامِ سَفَرِهِ، أوْ رُجُوعِهِ إلى وطَنِهِ لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ. فَإذا ورَدَ ذَلِكَ الماءَ زالَ عَنْهُ التَّرَدُّدُ وخاطِرُ الرُّجُوعِ. كَذَلِكَ السّالِكُ إذا ورَدَ مَوْرِدَ الإخْباتِ تَخَلَّصَ مِنَ التَّرَدُّدِ والرُّجُوعِ، ونَزَلَ أوَّلَ مَنازِلِ الطُّمَأْنِينَةِ بِسِفْرِهِ، وجَدَّ في السَّيْرِ. قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ تَسْتَغْرِقَ العِصْمَةُ الشَّهْوَةَ وتَسْتَدْرِكَ الإرادَةُ الغَفْلَةَ. ويَسْتَهْوِي الطَّلَبُ السَّلْوَةَ. المُرِيدُ السّالِكُ: تَعْرِضُ لَهُ غَفْلَةٌ عَنْ مُرادِهِ، تُضْعِفُ إرادَتَهُ. وشَهْوَةٌ تَعارُضُ إرادَتَهُ فَتَصُدُّهُ عَنْ مُرادِهِ. ورُجُوعٌ عَنْ مُرادِهِ، وسَلْوَةٌ عَنْهُ. فَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الإخْباتِ تَحْمِيهِ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. فَتَسْتَغْرِقُ عِصْمَتُهُ شَهْوَتَهُ. والعِصْمَةُ هي الحِمايَةُ والحِفْظُ. والشَّهْوَةُ المَيْلُ إلى مَطالِبِ النَّفْسِ. والِاسْتِغْراقُ لِلشَّيْءِ الِاحْتِواءُ عَلَيْهِ والإحاطَةُ بِهِ. يَقُولُ: تَغْلِبُ عِصْمَتُهُ شَهْوَتَهُ وتَقْهَرُها، وتَسْتَوْفِي جَمِيعَ أجْزائِها. فَإذا اسْتَوْفَتِ العِصْمَةُ جَمِيعَ أجْزاءِ الشَّهْوَةِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى إخْباتِهِ ودُخُولِهِ في مَقامِ الطُّمَأْنِينَةِ، ونُزُولِهِ أوَّلَ مَنازِلِها، وخَلاصِهِ في هَذا المَنزِلِ مِن تَرَدُّدِ الخَواطِرِ بَيْنَ الإقْبالِ والإدْبارِ، والرُّجُوعِ والعَزْمِ، إلى الِاسْتِقامَةِ والعَزْمِ الجازِمِ، والجِدِّ في السَّيْرِ. وذَلِكَ عَلامَةُ السَّكِينَةِ. وَتَسْتَدْرِكُ إرادَتُهُ غَفْلَتَهُ. والإرادَةُ عِنْدَ القَوْمِ هي اسْمٌ لِأوَّلِ مَنازِلِ القاصِدِينَ إلى اللَّهِ. والمُرِيدُ هو الَّذِي خَرَجَ مِن وطَنِ طَبْعِهِ ونَفْسِهِ. وأخَذَ في السَّفَرِ إلى اللَّهِ، والدّارِ الآخِرَةِ، فَإذا نَزَلَ في مَنزِلِ الإخْباتِ أحاطَتْ إرادَتُهُ بِغَفْلَتِهِ. فاسْتَدْرَكَها، واسْتَدْرَكَ بِها فارِطَها. وَأمّا اسْتِهْواءُ طَلَبِهِ لِسَلْوَتِهِ فَهو قَهْرُ مَحَبَّتِهِ لِسَلْوَتِهِ، وغَلَبَتُها لَهُ. بِحَيْثُ تَهْوِي السَّلْوَةُ وتَسْقُطُ، كالَّذِي يَهْوِي في بِئْرٍ. وهَذا عَلامَةُ المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ أنْ تَقْهَرَ فِيهِ وارِدَ السَّلْوَةِ، وتَدْفِنَها في هُوَّةٍ لا تَحْيا بَعْدَها أبَدًا. فالحاصِلُ: أنَّ عِصْمَتَهُ وحِمايَتَهُ تَقْهَرُ شَهْوَتَهُ. وإرادَتُهُ تَقْهَرُ غَفْلَتَهُ. ومَحَبَّتُهُ تَقْهَرُ سَلْوَتَهُ. قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ لا يَنْقَضُّ إرادَتَهُ سَبَبٌ. ولا يُوحِشُ قَلْبَهُ عارِضٌ. ولا يَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فِتْنَةٌ. هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورٍ أُخْرى. تَعْرِضُ لِصادِقِ الإرادَةِ: سَبَبٌ يَعْرِضُ لَهُ يَنْقُضُ عَزْمَهُ وإرادَتَهُ. ووَحْشَةٌ تَعْرِضُ لَهُ في طَرِيقِ طَلَبِهِ، ولا سِيَّما عِنْدَ تَفَرُّدِهِ. وفِتْنَةٌ تَخْرُجُ عَلَيْهِ، تَقْصِدُ قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ. فَإذا تَمَكَّنَ مِن مَنزِلِ الإخْباتِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ هَذِهِ الآفاتُ؛ لِأنَّ إرادَتَهُ إذا قَوِيَتْ، وجَدَّ بِهِ المَسِيرُ لَمْ يَنْقُضْها سَبَبٌ مِن أسْبابِ التَّخَلُّفِ. والنَّقْضُ هو الرُّجُوعُ عَنْ إرادَتِهِ، والعُدُولُ عَنْ جِهَةِ سَفَرِهِ. وَلا يُوحِشُ أُنْسَهُ بِاللَّهِ في طَرِيقِهِ عارِضٌ مِنَ العَوارِضِ الشَّواغِلِ لِلْقَلْبِ، والجَواذِبِ لَهُ عَمَّنْ هو مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ. والعارِضُ هو المُخالِفُ. كالشَّيْءِ الَّذِي يَعْتَرِضُكَ في طَرِيقِكَ. فَيَجِيءُ في عَرْضِها. ومِن أقْوى هَذِهِ العَوارِضِ عارِضُ وحْشَةِ التَّفَرُّدِ. فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، كَما قالَ بَعْضُ الصّادِقِينَ: انْفِرادُكَ في طَرِيقِ طَلَبِكَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ الطَّلَبِ. وقالَ آخَرُ: لا تَسْتَوْحِشْ في طَرِيقِكَ مِن قِلَّةِ السّالِكِينَ. ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهالِكِينَ. وَأمّا الفِتْنَةُ الَّتِي تَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فَهي الوارِداتُ الَّتِي تَرِدُ عَلى القُلُوبِ، تَمْنَعُها مِن مُطالَعَةِ الحَقِّ وقَصْدِهِ. فَإذا تَمَكَّنَ مِن مَنزِلِ الإخْباتِ وصِحَّةِ الإرادَةِ والطَّلَبِ لَمْ يَطْمَعْ فِيهِ عارِضُ الفِتْنَةِ. وَهَذِهِ العَزائِمُ لا تَصِحُّ إلّا لِمَن أشْرَقَ عَلى قَلْبِهِ أنْوارُ آثارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ. وتَجَلَّتْ عَلَيْهِ مَعانِيها. وكافَحَ قَلْبَهُ حَقِيقَةُ اليَقِينِ بِها. وَقَدْ قِيلَ: مَن أخَذَ العِلْمَ مِن عَيْنِ العِلْمِ ثَبَتَ. ومَن أخَذَهُ مِن جَرَيانِهِ أخَذَتْهُ أمْواجُ الشُّبَهِ. ومالَتْ بِهِ العِباراتُ، واخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الأقْوالُ. قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ المَدْحُ والذَّمُّ، وتَدُومَ لائِمَتُهُ لِنَفْسِهِ. ويَعْمى عَنْ نُقْصانِ الخَلْقِ عَنْ دَرَجَتِهِ. اعْلَمْ أنَّهُ مَتى اسْتَقَرَّتْ قَدَمُ العَبْدِ في مَنزِلَةِ الإخْباتِ وتَمَكَّنَ فِيها ارْتَفَعَتْ هِمَّتُهُ، وعَلَتْ نَفْسُهُ عَنْ خَطْفاتِ المَدْحِ والذَّمِّ. فَلا يَفْرَحُ بِمَدْحِ النّاسِ. ولا يَحْزَنُ لِذَمِّهِمْ. هَذا وصْفُ مَن خَرَجَ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ، وتَأهَّلَ لِلْفَناءِ في عُبُودِيَّةِ رَبِّهِ. وصارَ قَلْبُهُ مُطَّرِحًا لِأشِعَّةِ أنْوارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ. وباشَرَ حَلاوَةَ الإيمانِ واليَقِينِ قَلْبُهُ. والوُقُوفُ عِنْدَ مَدْحِ النّاسِ وذَمِّهِمْ عَلامَةُ انْقِطاعِ القَلْبِ، وخُلُوِّهِ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لَمْ تُباشِرْهُ رُوحُ مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، ولَمْ يَذُقْ حَلاوَةَ التَّعَلُّقِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ. وَأمّا قَوْلُهُ: وأنْ تَدُومَ لائِمَتُهُ لِنَفْسِهِ فَهو أنَّ صاحِبُ هَذا المَنزِلِ لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ، وهو مُبْغِضٌ لَها مُتَمَنٍّ لِمُفارَقَتِها. والمُرادُ بِالنَّفْسِ، عِنْدَ القَوْمِ: ما كانَ مَعْلُومًا مِن أوْصافِ العَبْدِ، مَذْمُومًا مِن أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ كَسْبِيًّا، أوْ خَلْقِيًّا. فَهو شَدِيدُ اللّائِمَةِ لَها. وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. ولا تَصْبِرُ عَلى السَّرّاءِ. ولا عَلى الضَّرّاءِ. وَقالَ قَتادَةُ: اللَّوّامَةُ هي الفاجِرَةُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ، وتَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ؟ ولَوْ لَمْ أفْعَلْ؟ وَقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا زِدْتُ؟ وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ. وَقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ. إنَّ المُؤْمِنَ - واللَّهِ - ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ: ما أرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِأكْلَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ وإنَّ الفاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، ولا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ولا يُعاتِبُها. وَقالَ مُقاتِلٌ: هي النَّفْسُ الكافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَها في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَتْ في أمْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا. والقَصْدُ: أنَّ مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقاءَهُ مَعَها؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَقَبَّلَها مَن بُذِلَتْ لَهُ. ولِأنَّهُ قَدْ قَرَّبَها لَهُ قُرْبانًا. ومَن قَرَّبَ قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنهُ لَيْسَ كَمَن رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبانُهُ. فَبَقاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ. وَأيْضًا فَإنَّهُ مِن قَواعِدِ القَوْمِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ومُحِقِّهِمْ ومُبْطِلِهِمْ عَلَيْها أنَّ النَّفْسَ حِجابٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ حَتّى يَقْطَعَ هَذا الحِجابَ. كَما قالَ أبُو يَزِيدٍ: رَأيْتُ رَبَّ العِزَّةِ في المَنامِ. فَقُلْتُ: يا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ؟ فَقالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وتَعالَ. فالنَّفْسُ جَبَلٌ عَظِيمٌ شاقٌّ في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكُلُّ سائِرٍ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الجَبَلِ. فَلابُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، ولَكِنَّ مِنهم مَن هو شاقٌّ عَلَيْهِ ومِنهم مَن هو سَهْلٌ عَلَيْهِ. وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ الجَبَلِ أوْدِيَةٌ وشُعُوبٌ، وعَقَباتٌ ووُهُودٌ، وشَوْكٌ وعَوْسَجٌ، وعَلِيقٌ وشَبْرَقٌ، ولُصُوصٌ يَقْتَطِعُونَ الطَّرِيقَ عَلى السّائِرِينَ. ولا سِيَّما أهْلَ اللَّيْلِ المُدْلِجِينَ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهم عُدَدُ الإيمانِ، ومَصابِيحُ اليَقِينِ تَتَّقِدُ بِزَيْتِ الإخْباتِ، وإلّا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ تِلْكَ المَوانِعُ. وتَشَبَّثَتْ بِهِمْ تِلْكَ القَواطِعُ وحالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّيْرِ. فَإنَّ أكْثَرَ السّائِرِينَ فِيهِ رَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ لَمّا عَجَزُوا عَنْ قَطْعِهِ واقْتِحامِ عَقَباتِهِ. والشَّيْطانُ عَلى قُلَّةِ ذَلِكَ الجَبَلِ يُحَذِّرُ النّاسَ مِن صُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُخَوِّفُهم مِنهُ. فَيَتَّفِقُ مَشَقَّةُ الصُّعُودِ وقُعُودُ ذَلِكَ المُخَوِّفِ عَلى قُلَّتِهِ، وضَعْفُ عَزِيمَةِ السّائِرِ ونِيَّتِهِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الِانْقِطاعُ والرُّجُوعُ. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ. وَكُلَّما رَقى السّائِرُ في ذَلِكَ الجَبَلِ اشْتَدَّ بِهِ صِياحُ القاطِعِ، وتَحْذِيرُهُ وتَخْوِيفُهُ، فَإذا قَطَعَهُ وبَلَغَ قُلَّتَهُ: انْقَلَبَتْ تِلْكَ المَخاوِفُ كُلُّهُنَّ أمانًا. وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ السَّيْرُ، وتَزُولُ عَنْهُ عَوارِضُ الطَّرِيقِ، ومَشَقَّةُ عَقَباتِها، ويَرى طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا. يُفْضِي بِهِ إلى المَنازِلِ والمَناهِلِ. وعَلَيْهِ الأعْلامُ. وفِيهِ الإقاماتُ، قَدْ أُعِدَّتْ لِرَكْبِ الرَّحْمَنِ. فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ السَّعادَةِ والفَلاحِ قُوَّةُ عَزِيمَةٍ، وصَبْرُ ساعَةٍ، وشَجاعَةُ نَفْسٍ، وثَباتُ قَلْبٍ. والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ: ويَعْمى عَنْ نُقْصانِ الخَلْقِ عَنْ دَرَجَتِهِ. يَعْنِي أنَّهُ - وإنْ كانَ أعْلى مِمَّنْ هو دُونَهُ مِنَ النّاقِصِينَ عَنْ دَرَجَتِهِ - إلّا أنَّهُ لِاشْتِغالِهِ بِاللَّهِ وامْتِلاءِ قَلْبِهِ مِن مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، والإقْبالِ عَلَيْهِ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ مُلاحَظَةِ حالِ غَيْرِهِ، وعَنْ شُهُودِ النِّسْبَةِ بَيْنَ حالِهِ وأحْوالِ النّاسِ. وَيَرى اشْتِغالَهُ بِذَلِكَ والتِفاتَهُ إلَيْهِ نُزُولًا عَنْ مَقامِهِ، وانْحِطاطًا عَنْ دَرَجَتِهِ، ورُجُوعًا عَلى عَقِبَيْهِ. فَإنْ هَجَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ - بِغَيْرِ اسْتِدْعاءٍ واخْتِيارٍ - فَلْيُداوِهِ بِشُهُودِ المِنَّةِ، وخَوْفِ المَكْرِ، وعَدَمِ عِلْمِهِ بِالعاقِبَةِ الَّتِي يُوافى عَلَيْها. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

الحج 22:35

القلب المخبت هو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به. قال الكلبي: "فتخبت له قلوبهم فترق للقرآن قلوبهم" وقد بين سبحانه حقيقة الإخبات ووصف المخبتين في قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ فذكر للمخبتين أربع علامات وجل قلوبهم عند ذكره والوجل خوف مقرون بهيبة ومحبة وصبرهم على أقداره وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت قال ابن عباس: "المخبتين المتواضعين" وقال مجاهد: "المطمئنين إلى الله" وقال الأخفش: "الخاشعين" وقال ابن جرير: "الخاضعين" قال الزجاج: "اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض وكل مخبت متواضع فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع لله". فإن قيل كان معناه التواضع والخشوع فكيف عدي بـ إلى في قوله: ﴿وَأخْبَتُوا إلى رَبِّهِم﴾؟ قيل ضمن معنى أنابوا واطمأنوا وتابوا وهذه عبارات السلف في هذا الموضع والمقصود أن القلب المخبت ضد القاسي والمريض وهو سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه وبعضها قاسيا وجعل للقسوة آثارا وللإخبات آثارا فمن آثاره القسوة تحريف الكلم عن مواضعه وذلك من سوء الفهم وسوء القصد وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب ومنها نسيان ما ذكر به وهو ترك ما أمر به علما وعملا ومن آثار الإخبات وجل القلوب لذكره سبحانه والصبر على أقداره والإخلاص في عبوديته والإحسان إلى خلقه. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ الإخْباتِ] وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الإخْباتِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] ثُمَّ كَشَفَ عَنْ مَعْناهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٥] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣]. و" الخَبْتُ " في أصْلِ اللُّغَةِ: المَكانُ المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ. وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وقَتادَةُ لَفَظَ المُخْبِتَيْنِ وقالا: هُمُ المُتَواضِعُونَ. وَقالَ مُجاهِدٌ: المُخْبِتُ: المُطْمَئِنُّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ: والخَبْتُ: المَكانُ المُطَمْئِنُّ مِنَ الأرْضِ. وَقالَ الأخْفَشُ: الخاشِعُونَ. وَقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: المُصَلُّونَ المُخْلِصُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ الرَّقِيقَةُ قُلُوبُهم. وقالَ عَمْرُو بْنُ أوْسٍ: هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ، وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا. وَهَذِهِ الأقْوالُ تَدُورُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: التَّواضُعِ، والسُّكُونِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ عُدِّي بِ " إلى " تَضْمِينًا لِمَعْنى الطُّمَأْنِينَةِ، والإنابَةِ والسُّكُونِ إلى اللَّهِ. قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ": " هو مِن أوَّلِ مَقاماتِ الطُّمَأْنِينَةِ ". كالسَّكِينَةِ، واليَقِينِ، والثِّقَةِ بِاللَّهِ ونَحْوِها. فالإخْباتُ مُقَدِّمَتُها ومَبْدَؤُها. قالَ: وهو وُرُودُ المَأْمَنِ مِنَ الرُّجُوعِ والتَّرَدُّدِ. لَمّا كانَ الإخْباتُ أوَّلَ مَقامٍ يَتَخَلَّصُ فِيهِ السّالِكُ مِنَ التَّرَدُّدِ - الَّذِي هو نَوْعُ غَفْلَةٍ وإعْراضٍ - والسّالِكُ مُسافِرٌ إلى رَبِّهِ، سائِرٌ إلَيْهِ عَلى مَدى أنْفاسِهِ. لا يَنْتَهِي مَسِيرُهُ إلَيْهِ ما دامَ نَفَسُهُ يَصْحَبُهُ - شَبَّهَ حُصُولَ الإخْباتِ لَهُ بِالماءِ العَذْبِ الَّذِي يَرُدُّهُ المُسافِرُ عَلى ظَمَأٍ وحاجَةٍ في أوَّلِ مَناهِلِهِ. فَيَرْوِيهِ مَوْرِدَهُ، ويُزِيلُ عَنْهُ خَواطِرَ تَرَدُّدَهُ في إتْمامِ سَفَرِهِ، أوْ رُجُوعِهِ إلى وطَنِهِ لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ. فَإذا ورَدَ ذَلِكَ الماءَ زالَ عَنْهُ التَّرَدُّدُ وخاطِرُ الرُّجُوعِ. كَذَلِكَ السّالِكُ إذا ورَدَ مَوْرِدَ الإخْباتِ تَخَلَّصَ مِنَ التَّرَدُّدِ والرُّجُوعِ، ونَزَلَ أوَّلَ مَنازِلِ الطُّمَأْنِينَةِ بِسِفْرِهِ، وجَدَّ في السَّيْرِ. قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ تَسْتَغْرِقَ العِصْمَةُ الشَّهْوَةَ وتَسْتَدْرِكَ الإرادَةُ الغَفْلَةَ. ويَسْتَهْوِي الطَّلَبُ السَّلْوَةَ. المُرِيدُ السّالِكُ: تَعْرِضُ لَهُ غَفْلَةٌ عَنْ مُرادِهِ، تُضْعِفُ إرادَتَهُ. وشَهْوَةٌ تَعارُضُ إرادَتَهُ فَتَصُدُّهُ عَنْ مُرادِهِ. ورُجُوعٌ عَنْ مُرادِهِ، وسَلْوَةٌ عَنْهُ. فَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الإخْباتِ تَحْمِيهِ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. فَتَسْتَغْرِقُ عِصْمَتُهُ شَهْوَتَهُ. والعِصْمَةُ هي الحِمايَةُ والحِفْظُ. والشَّهْوَةُ المَيْلُ إلى مَطالِبِ النَّفْسِ. والِاسْتِغْراقُ لِلشَّيْءِ الِاحْتِواءُ عَلَيْهِ والإحاطَةُ بِهِ. يَقُولُ: تَغْلِبُ عِصْمَتُهُ شَهْوَتَهُ وتَقْهَرُها، وتَسْتَوْفِي جَمِيعَ أجْزائِها. فَإذا اسْتَوْفَتِ العِصْمَةُ جَمِيعَ أجْزاءِ الشَّهْوَةِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى إخْباتِهِ ودُخُولِهِ في مَقامِ الطُّمَأْنِينَةِ، ونُزُولِهِ أوَّلَ مَنازِلِها، وخَلاصِهِ في هَذا المَنزِلِ مِن تَرَدُّدِ الخَواطِرِ بَيْنَ الإقْبالِ والإدْبارِ، والرُّجُوعِ والعَزْمِ، إلى الِاسْتِقامَةِ والعَزْمِ الجازِمِ، والجِدِّ في السَّيْرِ. وذَلِكَ عَلامَةُ السَّكِينَةِ. وَتَسْتَدْرِكُ إرادَتُهُ غَفْلَتَهُ. والإرادَةُ عِنْدَ القَوْمِ هي اسْمٌ لِأوَّلِ مَنازِلِ القاصِدِينَ إلى اللَّهِ. والمُرِيدُ هو الَّذِي خَرَجَ مِن وطَنِ طَبْعِهِ ونَفْسِهِ. وأخَذَ في السَّفَرِ إلى اللَّهِ، والدّارِ الآخِرَةِ، فَإذا نَزَلَ في مَنزِلِ الإخْباتِ أحاطَتْ إرادَتُهُ بِغَفْلَتِهِ. فاسْتَدْرَكَها، واسْتَدْرَكَ بِها فارِطَها. وَأمّا اسْتِهْواءُ طَلَبِهِ لِسَلْوَتِهِ فَهو قَهْرُ مَحَبَّتِهِ لِسَلْوَتِهِ، وغَلَبَتُها لَهُ. بِحَيْثُ تَهْوِي السَّلْوَةُ وتَسْقُطُ، كالَّذِي يَهْوِي في بِئْرٍ. وهَذا عَلامَةُ المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ أنْ تَقْهَرَ فِيهِ وارِدَ السَّلْوَةِ، وتَدْفِنَها في هُوَّةٍ لا تَحْيا بَعْدَها أبَدًا. فالحاصِلُ: أنَّ عِصْمَتَهُ وحِمايَتَهُ تَقْهَرُ شَهْوَتَهُ. وإرادَتُهُ تَقْهَرُ غَفْلَتَهُ. ومَحَبَّتُهُ تَقْهَرُ سَلْوَتَهُ. قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ لا يَنْقَضُّ إرادَتَهُ سَبَبٌ. ولا يُوحِشُ قَلْبَهُ عارِضٌ. ولا يَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فِتْنَةٌ. هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورٍ أُخْرى. تَعْرِضُ لِصادِقِ الإرادَةِ: سَبَبٌ يَعْرِضُ لَهُ يَنْقُضُ عَزْمَهُ وإرادَتَهُ. ووَحْشَةٌ تَعْرِضُ لَهُ في طَرِيقِ طَلَبِهِ، ولا سِيَّما عِنْدَ تَفَرُّدِهِ. وفِتْنَةٌ تَخْرُجُ عَلَيْهِ، تَقْصِدُ قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ. فَإذا تَمَكَّنَ مِن مَنزِلِ الإخْباتِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ هَذِهِ الآفاتُ؛ لِأنَّ إرادَتَهُ إذا قَوِيَتْ، وجَدَّ بِهِ المَسِيرُ لَمْ يَنْقُضْها سَبَبٌ مِن أسْبابِ التَّخَلُّفِ. والنَّقْضُ هو الرُّجُوعُ عَنْ إرادَتِهِ، والعُدُولُ عَنْ جِهَةِ سَفَرِهِ. وَلا يُوحِشُ أُنْسَهُ بِاللَّهِ في طَرِيقِهِ عارِضٌ مِنَ العَوارِضِ الشَّواغِلِ لِلْقَلْبِ، والجَواذِبِ لَهُ عَمَّنْ هو مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ. والعارِضُ هو المُخالِفُ. كالشَّيْءِ الَّذِي يَعْتَرِضُكَ في طَرِيقِكَ. فَيَجِيءُ في عَرْضِها. ومِن أقْوى هَذِهِ العَوارِضِ عارِضُ وحْشَةِ التَّفَرُّدِ. فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، كَما قالَ بَعْضُ الصّادِقِينَ: انْفِرادُكَ في طَرِيقِ طَلَبِكَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ الطَّلَبِ. وقالَ آخَرُ: لا تَسْتَوْحِشْ في طَرِيقِكَ مِن قِلَّةِ السّالِكِينَ. ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهالِكِينَ. وَأمّا الفِتْنَةُ الَّتِي تَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فَهي الوارِداتُ الَّتِي تَرِدُ عَلى القُلُوبِ، تَمْنَعُها مِن مُطالَعَةِ الحَقِّ وقَصْدِهِ. فَإذا تَمَكَّنَ مِن مَنزِلِ الإخْباتِ وصِحَّةِ الإرادَةِ والطَّلَبِ لَمْ يَطْمَعْ فِيهِ عارِضُ الفِتْنَةِ. وَهَذِهِ العَزائِمُ لا تَصِحُّ إلّا لِمَن أشْرَقَ عَلى قَلْبِهِ أنْوارُ آثارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ. وتَجَلَّتْ عَلَيْهِ مَعانِيها. وكافَحَ قَلْبَهُ حَقِيقَةُ اليَقِينِ بِها. وَقَدْ قِيلَ: مَن أخَذَ العِلْمَ مِن عَيْنِ العِلْمِ ثَبَتَ. ومَن أخَذَهُ مِن جَرَيانِهِ أخَذَتْهُ أمْواجُ الشُّبَهِ. ومالَتْ بِهِ العِباراتُ، واخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الأقْوالُ. قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ المَدْحُ والذَّمُّ، وتَدُومَ لائِمَتُهُ لِنَفْسِهِ. ويَعْمى عَنْ نُقْصانِ الخَلْقِ عَنْ دَرَجَتِهِ. اعْلَمْ أنَّهُ مَتى اسْتَقَرَّتْ قَدَمُ العَبْدِ في مَنزِلَةِ الإخْباتِ وتَمَكَّنَ فِيها ارْتَفَعَتْ هِمَّتُهُ، وعَلَتْ نَفْسُهُ عَنْ خَطْفاتِ المَدْحِ والذَّمِّ. فَلا يَفْرَحُ بِمَدْحِ النّاسِ. ولا يَحْزَنُ لِذَمِّهِمْ. هَذا وصْفُ مَن خَرَجَ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ، وتَأهَّلَ لِلْفَناءِ في عُبُودِيَّةِ رَبِّهِ. وصارَ قَلْبُهُ مُطَّرِحًا لِأشِعَّةِ أنْوارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ. وباشَرَ حَلاوَةَ الإيمانِ واليَقِينِ قَلْبُهُ. والوُقُوفُ عِنْدَ مَدْحِ النّاسِ وذَمِّهِمْ عَلامَةُ انْقِطاعِ القَلْبِ، وخُلُوِّهِ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لَمْ تُباشِرْهُ رُوحُ مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، ولَمْ يَذُقْ حَلاوَةَ التَّعَلُّقِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ. وَأمّا قَوْلُهُ: وأنْ تَدُومَ لائِمَتُهُ لِنَفْسِهِ فَهو أنَّ صاحِبُ هَذا المَنزِلِ لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ، وهو مُبْغِضٌ لَها مُتَمَنٍّ لِمُفارَقَتِها. والمُرادُ بِالنَّفْسِ، عِنْدَ القَوْمِ: ما كانَ مَعْلُومًا مِن أوْصافِ العَبْدِ، مَذْمُومًا مِن أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ كَسْبِيًّا، أوْ خَلْقِيًّا. فَهو شَدِيدُ اللّائِمَةِ لَها. وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. ولا تَصْبِرُ عَلى السَّرّاءِ. ولا عَلى الضَّرّاءِ. وَقالَ قَتادَةُ: اللَّوّامَةُ هي الفاجِرَةُ. وَقالَ مُجاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ، وتَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ؟ ولَوْ لَمْ أفْعَلْ؟ وَقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا زِدْتُ؟ وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ. وَقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ. إنَّ المُؤْمِنَ - واللَّهِ - ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ: ما أرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِأكْلَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ وإنَّ الفاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، ولا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ولا يُعاتِبُها. وَقالَ مُقاتِلٌ: هي النَّفْسُ الكافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَها في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَتْ في أمْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا. والقَصْدُ: أنَّ مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقاءَهُ مَعَها؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَقَبَّلَها مَن بُذِلَتْ لَهُ. ولِأنَّهُ قَدْ قَرَّبَها لَهُ قُرْبانًا. ومَن قَرَّبَ قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنهُ لَيْسَ كَمَن رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبانُهُ. فَبَقاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ. وَأيْضًا فَإنَّهُ مِن قَواعِدِ القَوْمِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ومُحِقِّهِمْ ومُبْطِلِهِمْ عَلَيْها أنَّ النَّفْسَ حِجابٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ حَتّى يَقْطَعَ هَذا الحِجابَ. كَما قالَ أبُو يَزِيدٍ: رَأيْتُ رَبَّ العِزَّةِ في المَنامِ. فَقُلْتُ: يا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ؟ فَقالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وتَعالَ. فالنَّفْسُ جَبَلٌ عَظِيمٌ شاقٌّ في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكُلُّ سائِرٍ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الجَبَلِ. فَلابُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، ولَكِنَّ مِنهم مَن هو شاقٌّ عَلَيْهِ ومِنهم مَن هو سَهْلٌ عَلَيْهِ. وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَفِي ذَلِكَ الجَبَلِ أوْدِيَةٌ وشُعُوبٌ، وعَقَباتٌ ووُهُودٌ، وشَوْكٌ وعَوْسَجٌ، وعَلِيقٌ وشَبْرَقٌ، ولُصُوصٌ يَقْتَطِعُونَ الطَّرِيقَ عَلى السّائِرِينَ. ولا سِيَّما أهْلَ اللَّيْلِ المُدْلِجِينَ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهم عُدَدُ الإيمانِ، ومَصابِيحُ اليَقِينِ تَتَّقِدُ بِزَيْتِ الإخْباتِ، وإلّا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ تِلْكَ المَوانِعُ. وتَشَبَّثَتْ بِهِمْ تِلْكَ القَواطِعُ وحالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّيْرِ. فَإنَّ أكْثَرَ السّائِرِينَ فِيهِ رَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ لَمّا عَجَزُوا عَنْ قَطْعِهِ واقْتِحامِ عَقَباتِهِ. والشَّيْطانُ عَلى قُلَّةِ ذَلِكَ الجَبَلِ يُحَذِّرُ النّاسَ مِن صُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُخَوِّفُهم مِنهُ. فَيَتَّفِقُ مَشَقَّةُ الصُّعُودِ وقُعُودُ ذَلِكَ المُخَوِّفِ عَلى قُلَّتِهِ، وضَعْفُ عَزِيمَةِ السّائِرِ ونِيَّتِهِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الِانْقِطاعُ والرُّجُوعُ. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ. وَكُلَّما رَقى السّائِرُ في ذَلِكَ الجَبَلِ اشْتَدَّ بِهِ صِياحُ القاطِعِ، وتَحْذِيرُهُ وتَخْوِيفُهُ، فَإذا قَطَعَهُ وبَلَغَ قُلَّتَهُ: انْقَلَبَتْ تِلْكَ المَخاوِفُ كُلُّهُنَّ أمانًا. وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ السَّيْرُ، وتَزُولُ عَنْهُ عَوارِضُ الطَّرِيقِ، ومَشَقَّةُ عَقَباتِها، ويَرى طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا. يُفْضِي بِهِ إلى المَنازِلِ والمَناهِلِ. وعَلَيْهِ الأعْلامُ. وفِيهِ الإقاماتُ، قَدْ أُعِدَّتْ لِرَكْبِ الرَّحْمَنِ. فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ السَّعادَةِ والفَلاحِ قُوَّةُ عَزِيمَةٍ، وصَبْرُ ساعَةٍ، وشَجاعَةُ نَفْسٍ، وثَباتُ قَلْبٍ. والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ: ويَعْمى عَنْ نُقْصانِ الخَلْقِ عَنْ دَرَجَتِهِ. يَعْنِي أنَّهُ - وإنْ كانَ أعْلى مِمَّنْ هو دُونَهُ مِنَ النّاقِصِينَ عَنْ دَرَجَتِهِ - إلّا أنَّهُ لِاشْتِغالِهِ بِاللَّهِ وامْتِلاءِ قَلْبِهِ مِن مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، والإقْبالِ عَلَيْهِ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ مُلاحَظَةِ حالِ غَيْرِهِ، وعَنْ شُهُودِ النِّسْبَةِ بَيْنَ حالِهِ وأحْوالِ النّاسِ. وَيَرى اشْتِغالَهُ بِذَلِكَ والتِفاتَهُ إلَيْهِ نُزُولًا عَنْ مَقامِهِ، وانْحِطاطًا عَنْ دَرَجَتِهِ، ورُجُوعًا عَلى عَقِبَيْهِ. فَإنْ هَجَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ - بِغَيْرِ اسْتِدْعاءٍ واخْتِيارٍ - فَلْيُداوِهِ بِشُهُودِ المِنَّةِ، وخَوْفِ المَكْرِ، وعَدَمِ عِلْمِهِ بِالعاقِبَةِ الَّتِي يُوافى عَلَيْها. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

الحج 22:38

قال سبحانه وتعالى ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ وفي القراءة الأخرى ﴿إن الله يدفع﴾ فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله. ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وأكثر ذكرًا كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم، ومن نقص نقص، ذكرًا بذكر ونسيانًا بنسيان. وقال في (طريق الهجرتين): فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه، فإذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغني على الأمر الموهوب، وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة، ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا، ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢]، وقال سبحانه: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [الأحقاف: ١٣].

الحج 22:39

[فَصْلٌ: في الإذْنُ بِالقِتالِ] فَلَمّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وأيَّدَهُ اللَّهُ بِنَصْرِهِ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الأنْصارِ، وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ العَداوَةِ والإحَنِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَتْهُ أنْصارُ اللَّهِ وكَتِيبَةُ الإسْلامِ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، وبَذَلُوا نُفُوسَهم دُونَهُ، وقَدَّمُوا مَحَبَّتَهُ عَلى مَحَبَّةِ الآباءِ والأبْناءِ والأزْواجِ، وكانَ أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ واليَهُودُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وشَمَّرُوا لَهم عَنْ ساقِ العَداوَةِ والمُحارَبَةِ، وصاحُوا بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يَأْمُرُهم بِالصَّبْرِ والعَفْوِ والصَّفْحِ حَتّى قَوِيَتِ الشَّوْكَةُ، واشْتَدَّ الجَناحُ، فَأُذِنَ لَهم حِينَئِذٍ في القِتالِ، ولَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. وَقَدْ قالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذا الإذْنَ كانَ بِمَكَّةَ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وهَذا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْذَنْ بِمَكَّةَ لَهم في القِتالِ، ولا كانَ لَهم شَوْكَةٌ يَتَمَكَّنُونَ بِها مِنَ القِتالِ بِمَكَّةَ. الثّانِي: أنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإذْنَ بَعْدَ الهِجْرَةِ وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ فَإنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] وهَؤُلاءِ هُمُ المُهاجِرُونَ. الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَبارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. الرّابِعُ: أنَّهُ قَدْ خاطَبَهم في آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٧٧] والخِطابُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَدَنِيٌّ، فَأمّا الخِطابُ ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فَمُشْتَرَكٌ. الخامِسُ: أنَّهُ أمَرَ فِيها بِالجِهادِ الَّذِي يَعُمُّ الجِهادَ بِاليَدِ وغَيْرِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ الأمْرَ بِالجِهادِ المُطْلَقِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَأمّا جِهادُ الحُجَّةِ فَأمَرَ بِهِ في مَكَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ﴾ [الفرقان: ٥٢] أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، والجِهادُ فِيها هو التَّبْلِيغُ، وجِهادُ الحُجَّةِ، وأمّا الجِهادُ المَأْمُورُ بِهِ في سُورَةِ الحَجِّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الجِهادُ بِالسَّيْفِ. السّادِسُ: أنَّ الحاكم رَوى في " مُسْتَدْرَكِهِ " مِن حَدِيثِ الأعْمَشِ عَنْ مسلم البطين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَ أبو بكر: أخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وَهِيَ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. وَإسْنادُهُ عَلى شَرْطِ " الصَّحِيحَيْنِ " وسِياقُ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيها المَكِّيَّ والمَدَنِيَّ، فَإنَّ قِصَّةَ إلْقاءِ الشَّيْطانِ في أُمْنِيِّةِ الرَّسُولِ مَكِّيَّةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ. (فصل: في أقسام الجِهاد) فَإذا كانَت المُسابقَة شرعت ليتعلم المُؤمن القِتال ويتعوده ويتمرن عَلَيْهِ فَمن المَعْلُوم أن المُجاهِد قد يقْصد دفع العَدو إذا كانَ المُجاهِد مَطْلُوبا والعدو طالبا وقد يقْصد الظفر بالعدو ابْتِداء إذا كانَ طالبا والعدو مَطْلُوبا وقد يقْصد كلا الأمريْنِ والأقسام ثَلاثَة يُؤمر المُؤمن فِيها بِالجِهادِ. وَجِهاد الدّفع أصعب من جِهاد الطّلب فَإن جِهاد الدّفع يشبه باب دفع الصّائِل ولِهَذا أُبِيح للمظلوم أن يدْفع عَن نَفسه كَما قالَ الله تَعالى ﴿أذن للَّذين يُقاتلُون بِأنَّهُم ظلمُوا﴾. وَقالَ النَّبِي ﷺ من قتل دون ماله فَهو شَهِيد ومن قتل دون دَمه فَهو شَهِيد لِأن دفع الصّائِل على الدّين جِهاد وقربة ودفع الصّائِل على المال والنَّفس مُباح ورخصة فَإن قتل فِيهِ فَهو شَهِيد. فقتال الدّفع أوسع من قتال الطّلب وأعم وجوبا ولِهَذا يتَعَيَّن على كل أحد يقم ويجاهد فِيهِ العَبْد بِإذن سَيّده وبِدُون إذْنه والولد بِدُونِ إذن أبَوَيْهِ والغريم بِغَيْر إذن غَرِيمه وهَذا كجهاد المُسلمين يَوْم أحد والخَنْدَق. وَلا يشْتَرط في هَذا النَّوْع من الجِهاد أن يكون العَدو ضعْفي المُسلمين فَما دون فَإنَّهُم كانُوا يَوْم أحد والخَنْدَق أضْعاف المُسلمين فَكانَ الجِهاد واجِبا عَلَيْهِم لِأنَّهُ حِينَئِذٍ جِهاد ضَرُورَة ودفع لا جِهاد اخْتِيار ولِهَذا تُباح فِيهِ صَلاة الخَوْف بِحَسب الحال في هَذا النَّوْع. وَهل تُباح في جِهاد الطّلب إذا خافَ فَوت العَدو ولم يخف كرته؟ فِيهِ قَولانِ للْعُلَماء هما رِوايَتانِ عَن الإمام أحْمد. وَمَعْلُوم أن الجِهاد الَّذِي يكون فِيهِ الإنْسان طالبا مَطْلُوبا أوجب من هَذا الجِهاد الَّذِي هو فِيهِ طالب لا مَطْلُوب والنفوس فِيهِ أرغب من الوَجْهَيْنِ. وَأما جِهاد الطّلب الخالِص فَلا يرغب فِيهِ إلّا أحد رجلَيْنِ إمّا عَظِيم الإيمان يُقاتل لتَكون كلمة الله هي العليا ويكون الدّين كُله لله وإمّا راغِب في المغنم والسبي. فجهاد الدّفع يَقْصِدهُ كل أحد ولا يرغب عَنهُ إلّا الجبان المذموم شرعا وعقلا وجِهاد الطّلب الخالِص لله يَقْصِدهُ سادات المُؤمنِينَ وأما الجِهاد الَّذِي يكون فِيهِ طالبا مَطْلُوبا فَهَذا يَقْصِدهُ خِيار النّاس لإعلاء كلمة الله ودينه ويقصده أوساطهم للدَّفْع ولمحبة الظفر.

الحج 22:40

قالَ الزَّجّاجُ: " تَأْوِيلُ هَذا: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَ - في كُلِّ شَرِيعَةِ نَبِيٍّ - المَكانُ الَّذِي يُصَلّى فِيهِ، فَلَوْلا الدَّفْعُ لَهُدِّمَ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ الَّتِي كانَ يُصَلّى فِيها في شَرِيعَتِهِ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ المَساجِدُ ". وَقالَ الأزْهَرِيُّ: " أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَوْلا دَفْعُهُ بَعْضَ النّاسِ عَنِ الفَسادِ بِبَعْضِهِمْ لَهُدِّمَتْ مُتَعَبَّداتُ كُلِّ فَرِيقٍ مِن أهْلِ دِينِهِ وطاعَتِهِ في كُلِّ زَمانٍ، فَبَدَأ بِذِكْرِ الصَّوامِعِ والبِيَعِ؛ لِأنَّ صَلَواتِ مَن تَقَدَّمَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وأصْحابِهِمْ كانَتْ فِيها قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، وأُخِّرَتِ المَساجِدُ؛ لِأنَّها حَدَثَتْ بَعْدَهم ". وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الصَّلَواتُ؛ صَلَواتُ أهْلِ الإسْلامِ تَنْقَطِعُ إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ العَدُوُّ ". قالَ الأخْفَشُ: " وعَلى هَذا القَوْلِ: الصَّلَواتُ لا تُهْدَمُ ولَكِنْ تَحِلُّ مَحَلَّ فِعْلٍ آخَرَ، كَأنَّهُ قالَ: تُرِكَتْ صَلَواتٌ ". وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " يَعْنِي مَواضِعَ الصَّلَواتِ ". وَقالَ الحَسَنُ: " يُدْفَعُ عَنْ مُصَلَّياتِ أهْلِ الذِّمَّةِ بِالمُؤْمِنِينَ ". وَعَلى هَذا القَوْلِ لا يُحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ، وهَذا ظاهِرُ اللَّفْظِ ولا إشْكالَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فَإنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى الواقِعِ، لَمْ تَدُلَّ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الأمْكِنَةِ - غَيْرَ المَساجِدِ - مَحْبُوبَةً مَرْضِيَّةً لَهُ، لَكِنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ لَوْلا دَفْعُهُ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ هَذِهِ الأمْكِنَةُ الَّتِي كانَتْ مَحْبُوبَةً لَهُ قَبْلَ الإسْلامِ وأقَرَّ مِنها ما أقَرَّ بَعْدَهُ، وإنْ كانَتْ مَسْخُوطَةً لَهُ كَما أقَرَّ أهْلَ الذِّمَّةِ، وإنْ كانَ يُبْغِضُهم ويَمْقُتُهم ويَدْفَعُ عَنْهم بِالمُسْلِمِينَ مَعَ بُغْضِهِ لَهم. وَهَكَذا يَدْفَعُ عَنْ مَواضِعِ مُتَعَبَّداتِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ وإنْ كانَ يُبْغِضُها، وهو سُبْحانُهُ يَدْفَعُ عَنْ مُتَعَبَّداتِهِمُ الَّتِي أُقِرُّوا عَلَيْها شَرْعًا وقَدَرًا، فَهو يُحِبُّ الدَّفْعَ عَنْها وإنْ كانَ يُبْغِضُها، كَما يُحِبُّ الدَّفْعَ عَنْ أرْبابِها وإنْ كانَ يُبْغِضُهم. وَهَذا القَوْلُ هو الرّاجِحُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في " تَفْسِيرِهِ ": حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ - هو ابْنُ مُوسى - عَنْ إسْرائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ﴾ قالَ: الصَّوامِعُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الرُّهْبانُ، والبِيَعُ مَساجِدُ اليَهُودِ، والصَّلَواتُ كَنائِسُ النَّصارى، والمَساجِدُ مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وأخْبَرَنا الأشَجُّ، ثَنا حَفْصُ بْنُ غِياثٍ، عَنْ داوُدَ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ قالَ: صَوامِعُ وإنْ كانَ يُشْرَكُ بِهِ! وفي لَفْظٍ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ يُذْكَرَ ولَوْ مِن كافِرٍ. وَفِي تَفْسِيرِ شَيْبانَ، عَنْ قَتادَةَ: الصَّوامِعُ لِلصّابِئِينَ، والبِيَعُ لِلنَّصارى، والصَّلَواتُ لِلْيَهُودِ، والمَساجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ تَضَمَّنَ الشَّرْطُ ذِكْرَ الدَّيْرِ والقِلّايَةِ والكَنِيسَةِ والصَّوْمَعَةِ. فَأمّا الدَّيْرُ فَلِلنَّصارى خاصَّةً يَبْنُونَهُ لِلرُّهْبانِ خارِجَ البَلَدِ، يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِلرَّهْبانِيَّةِ والتَّفَرُّدِ عَنِ النّاسِ. وَأمّا القِلّايَةُ فَيَبْنِيها رُهْبانُهم مُرْتَفِعَةً كالمَنارَةِ، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الدَّيْرِ أنَّ الدَّيْرَ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ والقِلّايَةَ لا تَكُونُ إلّا لِواحِدٍ يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ، ولا يَكُونُ لَها بابٌ بَلْ فِيها طاقَةٌ يَتَناوَلُ مِنها طَعامَهُ وشَرابَهُ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ. وَأمّا الصَّوْمَعَةُ فَهي كالقِلّايَةِ تَكُونُ لِلرّاهِبِ وحْدَهُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الصَّوْمَعَةُ مِنَ البِناءِ سُمِّيَتْ صَوْمَعَةً لِتَلَطُّفِ أعْلاها. يُقالُ: صَمَعَ الثَّرِيدَةَ إذا رَفَعَ رَأْسَها وحَدَّدَهُ، وتُسَمّى الثَّرِيدَةُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ صَوْمَعَةً، ومِن هَذا يُقالُ: رَجُلٌ أصْمَعُ القَلْبِ إذا كانَ حادَّ الفِطْنَةِ. وَمِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّوْمَعَةِ والقِلّايَةِ؛ بِأنَّ القِلّايَةَ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، والصَّوْمَعَةُ تَكُونُ عَلى الطُّرُقِ. وَأمّا البِيَعُ فَجَمْعُ بِيعَةٍ، وأهْلُ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ عَلى أنَّها مُتَعَبَّدُ النَّصارى، إلّا ما حَكَيْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: " البِيَعُ مَساجِدُ اليَهُودِ ". وَأمّا الكَنائِسُ فَجَمْعُ كَنِيسَةٍ، وهي لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، ولِلْيَهُودِ خاصَّةً الفُهُرُ - بِضَمِّ الفاءِ والهاءِ - واحِدُها فُهْرٌ، وهو بَيْتُ المِدْراسِ الَّذِي يَتَدارَسُونَ فِيهِ العِلْمَ. وَفِي الحَدِيثِ: " «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلى اليَهُودِ بَيْتَ مِدْراسِهِمْ» " وَفِيهِ أيْضًا قَوْلُ أنَسٍ: " كَأنَّهُمُ اليَهُودُ حِينَ خَرَجُوا مِن فُهْرِهِمْ ". وَحُكْمُ هَذِهِ الأمْكِنَةِ كُلِّها حُكْمُ الكَنِيسَةِ " ويَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْها.

الحج 22:46

وَأمّا مُعايَنَةُ القَلْبِ: فَهي انْكِشافُ صُورَةِ المَعْلُومِ لَهُ، بِحَيْثُ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلى القَلْبِ كَنِسْبَةِ المَرْئِيِّ إلى العَيْنِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ القَلْبَ يُبْصِرُ ويَعْمى، كَما تُبْصِرُ العَيْنُ وكَما تَعْمى، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ فالقَلْبُ يَرى ويَسْمَعُ، ويَعْمى ويَصِمُّ، وعَماهُ وصَمَمُهُ أبْلَغُ مِن عَمى البَصَرِ وصَمَمِهِ. وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ على قولين حكيا روايتين عن الإمام أحمد. والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ قال تعالى ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر بالعين وقال تعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْب﴾ قال غير واحد من السلف لمن كان له عقل. واحتج آخرون بأن الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أن العقل في الرأس لما زال فإن السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بهما. وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنه محلها وارتباطه بها والله أعلم. وعلى كل تقدير فذلك من أعظم آيات الله وأدلته وقدرته وحكمته كيف ترتسم صورة السماوات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك والأمم في هذا المحل الصغير، والإنسان يحفظ كتبًا كثيرة جدًا وعلومًا شتى متعددة وصنائع مختلفة فترتسم كلها في هذا الجزء الصغير من غير أن يختلط بعض هذه الصور ببعض، بل كل صورة منهن بنفسها محصلة في هذا المحل وأنت لو ذهبت تنقش صورًا وأشكالًا كثيرة في محل صغير لاختلط بعضها ببعض وطمس بعضها بعضًا وهذا الجزء الصغير تنقش فيه الصور الكثيرة المختلفة والمتضادة ولا يبطل منها صورة صورة. ومن أعجب الأشياء أن هذه القوة العاقلة تقبل ما تؤديه إليها الحواس فتجتمع فيها ثم تعيد كل حاسة منها فائدة الحاسة الأخرى مثاله أنك ترى الشخص فتعلم أنه فلان وتسمع صوته فتعلم أنه هو وتلمس الشيء فتعرفه وتشمه فتعرف أنه هو ثم تستدل بما تسمعه من صوته على أنه هو الذي رأيته فيغنيك سماع صوته عن رؤيته ويقوم لك مقام مشاهدته، ولهذا جوز أكثر الفقهاء شهادة الأعمى وبيعه وشراءه، وأجمعوا على جواز وطئه امرأته، وهو لم يرها قط اعتمادًا منه على الصوت بل لو كانت خرساء أيضًا وهو أطرش جاز له الوطء. وقد جعل الله سبحانه بين السمع والبصر والفؤاد علاقة وارتباطًا ونفوذًا يقوم به بعضها مقام بعض ولهذا يقرن سبحانه بينهما كثيرًا في كتابه كقوله ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً﴾ وقوله ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ وهذا من عناية الخالق سبحانه بكمال هذه الصورة البشرية لتقوم كل حاسة منها مقام الحاسة الأخرى وتفيد فائدتها في الجملة لا في كل شيء ثم أودع سبحانه قوة التفكر وأمره باستعمالها فيما يجدي عليه النفع في الدنيا والآخرة فركب القوة المفكرة من شيئين من الأشياء الحاضرة عند القوة الحافظة تركيبًا خاصًا فيتولد من بين هذين الشيئين شيء ثالث جديد لم يكن للعقل شعور به كانت مواده عنده لكن بسبب التركيب حصل له الأمر الثالث ومن هاهنا حصل استخراج الصنائع والحرف والعلوم وبناء المدن والمساكن وامور الزراعة والفلاحة وغير ذلك فلما استخرجت القوة المفكرة ذلك واستحسنته سلمته إلى القوة الإرادية العلمية فنقلته من ديوان الأذهان إلى ديوان الأعيان فكان أمرًا ذهنيًا ثم صار وجوديًا خارجيًا، ولولا الفكرة لما اهتدى الإنسان إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد، وذلك من أعظم النعم وتمام العناية الإلهية، ولهذا لما فقد البهائم والمجانين ونحوهم هذه القوة لم يتمكنوا مما تمكن منه أرباب الفكر. ولما كان استخراج المطلوب بهذه الطريق يتضمن فكرًا وتقديرًا فيفكر في استخراج المادة أولًا ثم يقدرها ويفصلها ثانيًا كما يصنع الخياط يحصل الثوب ثم يقدره ويفصله ثانيًا قال تعالى عن [الوحيد] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا وبَنِينَ شُهُودًا ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ كَلّا إنَّهُ كانَ لآياتنا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ فكرر سبحانه التقدير دون التفكر وذمه عليه دونه، وهذا منزل على مقتضى حال سواء فإنه بالفكر طالب لاستخراج المجهول وذلك غير مذموم، فلما استخراجه قدر له تقديرين تقديرًا كليًا وتقديرًا جزئيًا. فالتقدير الكلي أن الساحر هو الذي يفرق بين المرء وزوجه. والتقدير الجزئي أن الذي يفرق بين المرء وزوجه مذموم، فهاهنا تقدير بعد تقدير، فلهذا كرره سبحانه وذمه عليه. وأما التفكر فإن الفكر طالب لمعرفة الشيء فلا يذم، بخلاف من قدر بعد تفكيره ما يوصله إلى تحقيق الباطل وإبطال الحق فتأمله. [فَصْلٌ: المَعاصِي تُعْمِي البَصِيرَةَ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تُعْمِي بَصِيرَةَ القَلْبِ، وتَطْمِسُ نُورَهُ، وتَسُدُّ طُرُقَ العِلْمِ، وتَحْجُبُ مَوادَّ الهِدايَةِ. وَقَدْ قالَ مالِكٌ لِلشّافِعِيِّ لَمّا اجْتَمَعَ بِهِ ورَأى تِلْكَ المَخايِلَ: إنِّي أرى اللَّهَ تَعالى قَدْ ألْقى عَلى قَلْبِكَ نُورًا، فَلا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ. وَلا يَزالُ هَذا النُّورُ يَضْعُفُ ويَضْمَحِلُّ، وظَلامُ المَعْصِيَةِ يَقْوى حَتّى يَصِيرَ القَلْبُ في مِثْلِ اللَّيْلِ البَهِيمِ، فَكَمْ مِن مُهْلَكٍ يَسْقُطُ فِيهِ ولا يُبْصِرُ، كَأعْمى خَرَجَ بِاللَّيْلِ في طَرِيقٍ ذاتِ مَهالِكَ ومَعاطِبَ، فَيا عِزَّةَ السَّلامَةِ ويا سُرْعَةَ العَطَبِ، ثُمَّ تَقْوى تِلْكَ الظُّلُماتُ، وتَفِيضُ مِنَ القَلْبِ إلى الجَوارِحِ، فَيَغْشى الوَجْهَ مِنها سَوادٌ، بِحَسَبِ قُوَّتِها وتَزايُدِها، فَإذا كانَ عِنْدَ المَوْتِ ظَهَرَتْ في البَرْزَخِ، فامْتَلَأ القَبْرُ ظُلْمَةً، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ هَذِهِ القُبُورَ مُمْتَلِئَةٌ عَلى أهْلِها ظُلْمَةً، وإنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُها بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ». فَإذا كانَ يَوْمُ المَعادِ، وحُشِرَ العِبادُ، عَلَتِ الظُّلْمَةُ الوُجُوهَ عُلُوًّا ظاهِرًا يَراهُ كُلُّ أحَدٍ، حَتّى يَصِيرَ الوَجْهُ أسْوَدَ مِثْلَ الحُمَمَةِ، فَيالَها مِن عُقُوبَةٍ لا تُوازَنُ لَذّاتِ الدُّنْيا بِأجْمَعِها مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، فَكَيْفَ بِقِسْطِ العَبْدِ المُنَغَّصِ المُنَكَّدِ المُتْعَبِ في زَمَنٍ إنَّما هو ساعَةٌ مِن حُلْمٍ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ.

الحج 22:52

(فصل) وأما قوله: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ﴾ فهي على بابها وهي لام الحكمة والتعليل أخبر الله سبحانه أنه جعل ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده فافتتن به فريقان وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، وعلم المؤمنين أن القرآن والرسول حق، وأن إلقاء الشيطان باطل، فآمنوا بذلك وأخبتت له قلوبهم، فهذه غاية مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر. والله سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام مريضة وقاسية ومخبتة وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا أو لا تكون كذلك فالأول حال القلوب القاسية الحجرية التي لا تقبل ما يبث فيها ولا ينطبع فيها الحق ولا ترتسم فيها العلوم النافعة ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة وأما النوع الثاني فلا يخلوا إما أن يكون الحق ثابتا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه أو يكون ثابتا مع ضعف وانحلال والثاني هو القلب المريض والأول هو الصحيح المخبت وهو جمع الصلابة والصفاء واللين فيبصر الحق بصفائه ويشتد فيه بصلابته ويرحم الخلق بلينه كما في أثر مروي: "القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله أصلبها وأرقها وأصفاها" كما قال تعالى في أصحاب هذه القلوب: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم واشتدوا على الكفار بصلابتها وتراحموا فيما بينهم بلينها وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن وهو أشرف أعضائه وملكها المطاع وكل عضو كاليد مثلا إما أن تكون جامدة ويابسة لا تلتوي ولا تبطش أو تبطش بضعف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون مريضة ضعيفة عاجزة ولضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فذلك مثل القلب العليم الرحيم فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من الشهوة والشبهة وبالرحمة خرج عن القسوة ولهذا وصف سبحانه من عدا أصحاب القلوب المريضة والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات فتأمل ظهور حكمته سبحانه في أصحاب هذه القلوب وهم كل الأمة فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه الحق من ربهم كما أخبر أنهم في المتشابه يقولون آمنا به كل من عند ربنا وكلا الوصفين موضع شبهة فكان حظهم منه الإيمان وحظ أرباب القلوب المنحرفة عن الصحة الافتتان، ولهذا جعل سبحانه أحكام آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات فالأحكام هاهنا بمنزلة إنزال المحكمات هناك ونسخ ما يلقي الشيطان هاهنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم هناك والنسخ هاهنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الرب سبحانه وللنسخ معنى آخر هو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ولا دل اللفظ عليه وإن أوهمه كما أطلق الصحابة النسخ على قوله: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ قالوا نسختها قوله: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ الآية. فهذا نسخ من الفهم لا نسخ للحكم الثابت فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا، ولهذا عمهم بالمحاسبة ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ففهم المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها فرفع هذا المعنى من فهمه بقوله: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ إلى آخرها. فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك وذاك رفع لما ألقاه غير الملك في أسماعهم أو في التمني وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة والتابعين وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام أو بتقييد مطلق وهذا كثير في كلامهم جدا وله معنى رابع وهو الذي يعرفه المتأخرون وعليه اصطلحوا وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له فهذه أربعة معان للنسخ والإحكام له ثلاثة معان. أحدها: الإحكام الذي في مقابلة المتشابه كقوله: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ والثاني: الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان كقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ وهذا الإحكام يعم جميع آياته وهو إثباتها وتقريرها وبيانها ومنه قوله: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾. الثالث: إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة كما يقوله السلف كثيرا هذه الآية محكمة غير منسوخة وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ أو في سمع المبلغ فالحكم هنا هو المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من اشتباهه بغير المنزل وفصل منه ما ليس منه بإبطاله وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره فلا ينسخ بعد ثبوته وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله وهو تمييز المعنى المقصود من غيره حتى لا يشتبه به والمقصود أن قوله: ﴿ليجعل ما يلقى لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هي لام التعليل على بابها وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء. [فصل: الفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان] والفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان من وجوه: منها: أن ما كان للّه موافقا لمرضاته وما جاء به رسوله فهو من الملك، وما كان لغيره غير موافق لمرضاته فهو من إلقاء الشيطان: ومنها: أن ما أثمر إقبالا على اللّه وإنابة إليه وذكر له وهمة صاعدة إليه فهو من إلقاء الملك وما أثمر ضد ذلك من إلقاء الشيطان. ومنها: أن ما أورث أنسا ونورا في القلب وانشراحا في الصدر فهو من الملك وما أورث ضد ذلك فهو من الشيطان. ومنها: أن ما أورث سكينة وطمأنينة فهو من الملك وما أورث قلقا وانزعاجا واضطرابا فهو من الشيطان فالإلهام الملكي يكثر في القلوب الطاهرة النقية التي استنارت بنور اللّه فللملك بها اتصال وبينه وبينها مناسبة فإنه طيب طاهر لا يجاور إلا قلبا يناسبه فتكون لمة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان وأما القلب الظلم الذي قد اسود بدخان الشهوات والشبهات فإلقاء الشيطان ولمته به أكثر من لمة الملك. (فصل: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت) لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة. فالقلب الصحيح: هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: ﴿يومَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلا مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَليِمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]. والسليم هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف؛ فالسليم القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له، كالعليم والقدير، وأيضا فإنه ضد المريض، والسقيم، والعليل. وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله. فسلم في محبة غير الله معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده. فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله لله، فإن أحب أحَبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهي العقائد، وأقوال اللسان؛ وهي الخبر عما في القلب. وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدىِ اللهِ ورَسُولهِ﴾ [الحجرات: ١]. أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟ ومحل هذا السؤال: أنه، هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟ والثاني: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد، أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولى، أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضَه؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما. فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع. فهذه حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة. (فصل في القلب الميت) والقلب الثاني: ضد هذا، وهو القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما؛ وذلا. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو في الدنيا كما قيل في ليلى: ؎عَدُو لِمَن عادَتْ، وسِلمٌ لأهْلِها ∗∗∗ ومَن قَرَّبَتْ لَيْلى أحَبَّ وأقْرَبا فمخالطة صاحب هذا القلب سقم. ومعاشرته سم. ومجالسته هلاك. (فصل: في القلب المريض) والقلب الثالث: قلب له حياة وبه علة؛ فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب؛ وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا، وأدناهما إليه جوارا. فالقلب الأول، حي مخبت لين واع، والثاني يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى. وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾. فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب في هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين، وقلبا ناجيا، فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسى. والناجى: القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه الخاضع له، المستسلم المنقاد. وذلك: أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحا سليما لا آفة به، يتأتى منه ما هيئ له وخلق لأجله. وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه وقساوته، وعدم التأتى لما يراد منه، كاليد الشلاء، واللسان الأخرس، والأنف الأخشم، وذكر العِنِّين والعين التي لا تبصر شيئا. وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة. فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد والقبول له. والقلب الميت القاسي: لا يقبله ولا ينقاد له. والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسى. وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم. فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ، وفي القلوب من الشبه والشكوك: فيه فتنة لهذين القلبين، وقوة للقلب الحي السليم. لأنه يردّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق في خلافه، فيخبت للحق قلبه ويطمئن وينقاد، ويعلم بطلان ما ألقاه الشيطان، فيزداد إيمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل وكراهة له. فلا يزال القلب المفتون في مرية من إلقاء الشيطان. وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبدا. قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلى القُلُوبِ كَعَرْضِ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا. فَأيُّ قَلْبٍ أُشرِبَها نُكِتَتْ فِيه نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وأيُّ قَلْبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حَتّى تَعُودَ القُلُوبُ عَلى قَلْبَيْنِ: قَلْبٍ أسْوَد مُرْبادًا كالكُوزِ مُجَخِّيًا. لا يَعْرِفُ مَعْروفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ مِن هَواهُ، وقَلْبٍ أبْيَض لا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ". فشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير، وهي طاقاتها شيئا فشيئا، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله "كالكوز مجخيا" أي مكبوبا منكوسا، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلا والباطل حقا، الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وانقياده للهوى واتباعه له. وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته. والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. وقد قسم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذيفة بن اليمان: "القلُوبُ أرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أجْرَدُ، فِيهِ سِراجٌ يُزْهِرُ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، وقَلْبٌ أغْلفُ، فَذلِكَ قَلْبُ الكافِرِ، وقَلْبٌ مَنكُوسٌ، فَذلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، عَرَفَ ثمَّ أنْكَرَ، وأبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ، وقَلْبُ تَمُدُّهُ مادَّتانِ: مادَّةُ إيمانٍ، ومادَّةُ نِفاقٍ، وهو لما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنهُما". فقوله "قلب أجرد" أي متجرد مما سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و"فيه سراج يزهر" وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغي، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان. وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر؛ لأنه داخل في غلافه وغشائه، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، كما قال تعالى، حاكيا عن اليهود: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]. وهو جمع أغلف، وهو الداخل في غلافه، كقلف وأقلف، وهذه الغشاوة هي الأكنة التي ضربها الله على قلوبهم، عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهي أكنة على القلوب ووقر في الأسماع، وعمى في الأبصار، وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا وجَعَلْنا عَلى قُلُوبهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥-٤٦]. فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة، ولّى أصحابها على أدبارهم نفورا. وأشار بالقلب المنكوس - وهو المكبوب - إلى قلب المنافق، كما قال تعالى: ﴿فما لَكم في المُنافِقينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]. أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه، بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالي أصحابه، والحق باطلًا ويعادى أهله، فالله المستعان. وأشار بالقلب الذي له مادتان إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان ولم يزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله، بل فيه مادة منه ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب وإليه يرجع.

الحج 22:53

(فصل) وأما قوله: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ﴾ فهي على بابها وهي لام الحكمة والتعليل أخبر الله سبحانه أنه جعل ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده فافتتن به فريقان وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، وعلم المؤمنين أن القرآن والرسول حق، وأن إلقاء الشيطان باطل، فآمنوا بذلك وأخبتت له قلوبهم، فهذه غاية مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر. والله سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام مريضة وقاسية ومخبتة وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا أو لا تكون كذلك فالأول حال القلوب القاسية الحجرية التي لا تقبل ما يبث فيها ولا ينطبع فيها الحق ولا ترتسم فيها العلوم النافعة ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة وأما النوع الثاني فلا يخلوا إما أن يكون الحق ثابتا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه أو يكون ثابتا مع ضعف وانحلال والثاني هو القلب المريض والأول هو الصحيح المخبت وهو جمع الصلابة والصفاء واللين فيبصر الحق بصفائه ويشتد فيه بصلابته ويرحم الخلق بلينه كما في أثر مروي: "القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله أصلبها وأرقها وأصفاها" كما قال تعالى في أصحاب هذه القلوب: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم واشتدوا على الكفار بصلابتها وتراحموا فيما بينهم بلينها وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن وهو أشرف أعضائه وملكها المطاع وكل عضو كاليد مثلا إما أن تكون جامدة ويابسة لا تلتوي ولا تبطش أو تبطش بضعف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون مريضة ضعيفة عاجزة ولضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فذلك مثل القلب العليم الرحيم فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من الشهوة والشبهة وبالرحمة خرج عن القسوة ولهذا وصف سبحانه من عدا أصحاب القلوب المريضة والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات فتأمل ظهور حكمته سبحانه في أصحاب هذه القلوب وهم كل الأمة فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه الحق من ربهم كما أخبر أنهم في المتشابه يقولون آمنا به كل من عند ربنا وكلا الوصفين موضع شبهة فكان حظهم منه الإيمان وحظ أرباب القلوب المنحرفة عن الصحة الافتتان، ولهذا جعل سبحانه أحكام آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات فالأحكام هاهنا بمنزلة إنزال المحكمات هناك ونسخ ما يلقي الشيطان هاهنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم هناك والنسخ هاهنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الرب سبحانه وللنسخ معنى آخر هو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ولا دل اللفظ عليه وإن أوهمه كما أطلق الصحابة النسخ على قوله: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ قالوا نسختها قوله: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ الآية. فهذا نسخ من الفهم لا نسخ للحكم الثابت فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا، ولهذا عمهم بالمحاسبة ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ففهم المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها فرفع هذا المعنى من فهمه بقوله: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ إلى آخرها. فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك وذاك رفع لما ألقاه غير الملك في أسماعهم أو في التمني وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة والتابعين وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام أو بتقييد مطلق وهذا كثير في كلامهم جدا وله معنى رابع وهو الذي يعرفه المتأخرون وعليه اصطلحوا وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له فهذه أربعة معان للنسخ والإحكام له ثلاثة معان. أحدها: الإحكام الذي في مقابلة المتشابه كقوله: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ والثاني: الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان كقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ وهذا الإحكام يعم جميع آياته وهو إثباتها وتقريرها وبيانها ومنه قوله: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾. الثالث: إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة كما يقوله السلف كثيرا هذه الآية محكمة غير منسوخة وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ أو في سمع المبلغ فالحكم هنا هو المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من اشتباهه بغير المنزل وفصل منه ما ليس منه بإبطاله وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره فلا ينسخ بعد ثبوته وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله وهو تمييز المعنى المقصود من غيره حتى لا يشتبه به والمقصود أن قوله: ﴿ليجعل ما يلقى لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هي لام التعليل على بابها وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء. [فصل: الفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان] والفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان من وجوه: منها: أن ما كان للّه موافقا لمرضاته وما جاء به رسوله فهو من الملك، وما كان لغيره غير موافق لمرضاته فهو من إلقاء الشيطان: ومنها: أن ما أثمر إقبالا على اللّه وإنابة إليه وذكر له وهمة صاعدة إليه فهو من إلقاء الملك وما أثمر ضد ذلك من إلقاء الشيطان. ومنها: أن ما أورث أنسا ونورا في القلب وانشراحا في الصدر فهو من الملك وما أورث ضد ذلك فهو من الشيطان. ومنها: أن ما أورث سكينة وطمأنينة فهو من الملك وما أورث قلقا وانزعاجا واضطرابا فهو من الشيطان فالإلهام الملكي يكثر في القلوب الطاهرة النقية التي استنارت بنور اللّه فللملك بها اتصال وبينه وبينها مناسبة فإنه طيب طاهر لا يجاور إلا قلبا يناسبه فتكون لمة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان وأما القلب الظلم الذي قد اسود بدخان الشهوات والشبهات فإلقاء الشيطان ولمته به أكثر من لمة الملك. (فصل: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت) لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة. فالقلب الصحيح: هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: ﴿يومَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلا مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَليِمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]. والسليم هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف؛ فالسليم القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له، كالعليم والقدير، وأيضا فإنه ضد المريض، والسقيم، والعليل. وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله. فسلم في محبة غير الله معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده. فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله لله، فإن أحب أحَبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهي العقائد، وأقوال اللسان؛ وهي الخبر عما في القلب. وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدىِ اللهِ ورَسُولهِ﴾ [الحجرات: ١]. أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟ ومحل هذا السؤال: أنه، هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟ والثاني: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد، أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولى، أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضَه؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما. فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع. فهذه حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة. (فصل في القلب الميت) والقلب الثاني: ضد هذا، وهو القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما؛ وذلا. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو في الدنيا كما قيل في ليلى: ؎عَدُو لِمَن عادَتْ، وسِلمٌ لأهْلِها ∗∗∗ ومَن قَرَّبَتْ لَيْلى أحَبَّ وأقْرَبا فمخالطة صاحب هذا القلب سقم. ومعاشرته سم. ومجالسته هلاك. (فصل: في القلب المريض) والقلب الثالث: قلب له حياة وبه علة؛ فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب؛ وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا، وأدناهما إليه جوارا. فالقلب الأول، حي مخبت لين واع، والثاني يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى. وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾. فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب في هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين، وقلبا ناجيا، فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسى. والناجى: القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه الخاضع له، المستسلم المنقاد. وذلك: أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحا سليما لا آفة به، يتأتى منه ما هيئ له وخلق لأجله. وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه وقساوته، وعدم التأتى لما يراد منه، كاليد الشلاء، واللسان الأخرس، والأنف الأخشم، وذكر العِنِّين والعين التي لا تبصر شيئا. وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة. فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد والقبول له. والقلب الميت القاسي: لا يقبله ولا ينقاد له. والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسى. وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم. فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ، وفي القلوب من الشبه والشكوك: فيه فتنة لهذين القلبين، وقوة للقلب الحي السليم. لأنه يردّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق في خلافه، فيخبت للحق قلبه ويطمئن وينقاد، ويعلم بطلان ما ألقاه الشيطان، فيزداد إيمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل وكراهة له. فلا يزال القلب المفتون في مرية من إلقاء الشيطان. وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبدا. قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلى القُلُوبِ كَعَرْضِ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا. فَأيُّ قَلْبٍ أُشرِبَها نُكِتَتْ فِيه نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وأيُّ قَلْبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حَتّى تَعُودَ القُلُوبُ عَلى قَلْبَيْنِ: قَلْبٍ أسْوَد مُرْبادًا كالكُوزِ مُجَخِّيًا. لا يَعْرِفُ مَعْروفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ مِن هَواهُ، وقَلْبٍ أبْيَض لا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ". فشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير، وهي طاقاتها شيئا فشيئا، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله "كالكوز مجخيا" أي مكبوبا منكوسا، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلا والباطل حقا، الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وانقياده للهوى واتباعه له. وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته. والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. وقد قسم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذيفة بن اليمان: "القلُوبُ أرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أجْرَدُ، فِيهِ سِراجٌ يُزْهِرُ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، وقَلْبٌ أغْلفُ، فَذلِكَ قَلْبُ الكافِرِ، وقَلْبٌ مَنكُوسٌ، فَذلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، عَرَفَ ثمَّ أنْكَرَ، وأبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ، وقَلْبُ تَمُدُّهُ مادَّتانِ: مادَّةُ إيمانٍ، ومادَّةُ نِفاقٍ، وهو لما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنهُما". فقوله "قلب أجرد" أي متجرد مما سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و"فيه سراج يزهر" وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغي، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان. وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر؛ لأنه داخل في غلافه وغشائه، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، كما قال تعالى، حاكيا عن اليهود: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]. وهو جمع أغلف، وهو الداخل في غلافه، كقلف وأقلف، وهذه الغشاوة هي الأكنة التي ضربها الله على قلوبهم، عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهي أكنة على القلوب ووقر في الأسماع، وعمى في الأبصار، وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا وجَعَلْنا عَلى قُلُوبهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥-٤٦]. فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة، ولّى أصحابها على أدبارهم نفورا. وأشار بالقلب المنكوس - وهو المكبوب - إلى قلب المنافق، كما قال تعالى: ﴿فما لَكم في المُنافِقينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]. أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه، بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالي أصحابه، والحق باطلًا ويعادى أهله، فالله المستعان. وأشار بالقلب الذي له مادتان إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان ولم يزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله، بل فيه مادة منه ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب وإليه يرجع.

الحج 22:54

(فصل) وأما قوله: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ﴾ فهي على بابها وهي لام الحكمة والتعليل أخبر الله سبحانه أنه جعل ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده فافتتن به فريقان وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، وعلم المؤمنين أن القرآن والرسول حق، وأن إلقاء الشيطان باطل، فآمنوا بذلك وأخبتت له قلوبهم، فهذه غاية مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر. والله سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام مريضة وقاسية ومخبتة وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا أو لا تكون كذلك فالأول حال القلوب القاسية الحجرية التي لا تقبل ما يبث فيها ولا ينطبع فيها الحق ولا ترتسم فيها العلوم النافعة ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة وأما النوع الثاني فلا يخلوا إما أن يكون الحق ثابتا فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه أو يكون ثابتا مع ضعف وانحلال والثاني هو القلب المريض والأول هو الصحيح المخبت وهو جمع الصلابة والصفاء واللين فيبصر الحق بصفائه ويشتد فيه بصلابته ويرحم الخلق بلينه كما في أثر مروي: "القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله أصلبها وأرقها وأصفاها" كما قال تعالى في أصحاب هذه القلوب: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم واشتدوا على الكفار بصلابتها وتراحموا فيما بينهم بلينها وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن وهو أشرف أعضائه وملكها المطاع وكل عضو كاليد مثلا إما أن تكون جامدة ويابسة لا تلتوي ولا تبطش أو تبطش بضعف فذلك مثل القلب القاسي أو تكون مريضة ضعيفة عاجزة ولضعفها ومرضها فذلك مثل الذي فيه مرض أو تكون باطشة بقوة ولين فذلك مثل القلب العليم الرحيم فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من الشهوة والشبهة وبالرحمة خرج عن القسوة ولهذا وصف سبحانه من عدا أصحاب القلوب المريضة والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات فتأمل ظهور حكمته سبحانه في أصحاب هذه القلوب وهم كل الأمة فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه الحق من ربهم كما أخبر أنهم في المتشابه يقولون آمنا به كل من عند ربنا وكلا الوصفين موضع شبهة فكان حظهم منه الإيمان وحظ أرباب القلوب المنحرفة عن الصحة الافتتان، ولهذا جعل سبحانه أحكام آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات فالأحكام هاهنا بمنزلة إنزال المحكمات هناك ونسخ ما يلقي الشيطان هاهنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم هناك والنسخ هاهنا رفع ما ألقاه الشيطان لا رفع ما شرعه الرب سبحانه وللنسخ معنى آخر هو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ولا دل اللفظ عليه وإن أوهمه كما أطلق الصحابة النسخ على قوله: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ قالوا نسختها قوله: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ الآية. فهذا نسخ من الفهم لا نسخ للحكم الثابت فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا، ولهذا عمهم بالمحاسبة ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ففهم المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها فرفع هذا المعنى من فهمه بقوله: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ إلى آخرها. فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك وذاك رفع لما ألقاه غير الملك في أسماعهم أو في التمني وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة والتابعين وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام أو بتقييد مطلق وهذا كثير في كلامهم جدا وله معنى رابع وهو الذي يعرفه المتأخرون وعليه اصطلحوا وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له فهذه أربعة معان للنسخ والإحكام له ثلاثة معان. أحدها: الإحكام الذي في مقابلة المتشابه كقوله: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ والثاني: الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان كقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ وهذا الإحكام يعم جميع آياته وهو إثباتها وتقريرها وبيانها ومنه قوله: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾. الثالث: إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة كما يقوله السلف كثيرا هذه الآية محكمة غير منسوخة وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ أو في سمع المبلغ فالحكم هنا هو المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من اشتباهه بغير المنزل وفصل منه ما ليس منه بإبطاله وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره فلا ينسخ بعد ثبوته وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله وهو تمييز المعنى المقصود من غيره حتى لا يشتبه به والمقصود أن قوله: ﴿ليجعل ما يلقى لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هي لام التعليل على بابها وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة فالقاسية والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء. [فصل: الفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان] والفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان من وجوه: منها: أن ما كان للّه موافقا لمرضاته وما جاء به رسوله فهو من الملك، وما كان لغيره غير موافق لمرضاته فهو من إلقاء الشيطان: ومنها: أن ما أثمر إقبالا على اللّه وإنابة إليه وذكر له وهمة صاعدة إليه فهو من إلقاء الملك وما أثمر ضد ذلك من إلقاء الشيطان. ومنها: أن ما أورث أنسا ونورا في القلب وانشراحا في الصدر فهو من الملك وما أورث ضد ذلك فهو من الشيطان. ومنها: أن ما أورث سكينة وطمأنينة فهو من الملك وما أورث قلقا وانزعاجا واضطرابا فهو من الشيطان فالإلهام الملكي يكثر في القلوب الطاهرة النقية التي استنارت بنور اللّه فللملك بها اتصال وبينه وبينها مناسبة فإنه طيب طاهر لا يجاور إلا قلبا يناسبه فتكون لمة الملك بهذا القلب أكثر من لمة الشيطان وأما القلب الظلم الذي قد اسود بدخان الشهوات والشبهات فإلقاء الشيطان ولمته به أكثر من لمة الملك. (فصل: في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت) لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة. فالقلب الصحيح: هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: ﴿يومَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلا مَن أتى اللهَ بِقَلْبٍ سَليِمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]. والسليم هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف؛ فالسليم القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له، كالعليم والقدير، وأيضا فإنه ضد المريض، والسقيم، والعليل. وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله. فسلم في محبة غير الله معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده. فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله لله، فإن أحب أحَبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهي العقائد، وأقوال اللسان؛ وهي الخبر عما في القلب. وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدىِ اللهِ ورَسُولهِ﴾ [الحجرات: ١]. أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟ ومحل هذا السؤال: أنه، هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟ والثاني: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد، أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولى، أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضَه؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما. فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع. فهذه حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة. (فصل في القلب الميت) والقلب الثاني: ضد هذا، وهو القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما؛ وذلا. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو في الدنيا كما قيل في ليلى: ؎عَدُو لِمَن عادَتْ، وسِلمٌ لأهْلِها ∗∗∗ ومَن قَرَّبَتْ لَيْلى أحَبَّ وأقْرَبا فمخالطة صاحب هذا القلب سقم. ومعاشرته سم. ومجالسته هلاك. (فصل: في القلب المريض) والقلب الثالث: قلب له حياة وبه علة؛ فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، والحسد والكبر والعجب؛ وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة: ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة. وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا، وأدناهما إليه جوارا. فالقلب الأول، حي مخبت لين واع، والثاني يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى. وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾. فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب في هذه الآيات ثلاثة: قلبين مفتونين، وقلبا ناجيا، فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسى. والناجى: القلب المؤمن المخبت إلى ربه. وهو المطمئن إليه الخاضع له، المستسلم المنقاد. وذلك: أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحا سليما لا آفة به، يتأتى منه ما هيئ له وخلق لأجله. وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه وقساوته، وعدم التأتى لما يراد منه، كاليد الشلاء، واللسان الأخرس، والأنف الأخشم، وذكر العِنِّين والعين التي لا تبصر شيئا. وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد. فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة. فالقلب الصحيح السليم: ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد والقبول له. والقلب الميت القاسي: لا يقبله ولا ينقاد له. والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسى. وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم. فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ، وفي القلوب من الشبه والشكوك: فيه فتنة لهذين القلبين، وقوة للقلب الحي السليم. لأنه يردّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق في خلافه، فيخبت للحق قلبه ويطمئن وينقاد، ويعلم بطلان ما ألقاه الشيطان، فيزداد إيمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل وكراهة له. فلا يزال القلب المفتون في مرية من إلقاء الشيطان. وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبدا. قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلى القُلُوبِ كَعَرْضِ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا. فَأيُّ قَلْبٍ أُشرِبَها نُكِتَتْ فِيه نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وأيُّ قَلْبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حَتّى تَعُودَ القُلُوبُ عَلى قَلْبَيْنِ: قَلْبٍ أسْوَد مُرْبادًا كالكُوزِ مُجَخِّيًا. لا يَعْرِفُ مَعْروفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ مِن هَواهُ، وقَلْبٍ أبْيَض لا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ". فشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير، وهي طاقاتها شيئا فشيئا، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله "كالكوز مجخيا" أي مكبوبا منكوسا، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلا والباطل حقا، الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وانقياده للهوى واتباعه له. وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان، وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته. والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. وقد قسم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذيفة بن اليمان: "القلُوبُ أرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أجْرَدُ، فِيهِ سِراجٌ يُزْهِرُ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، وقَلْبٌ أغْلفُ، فَذلِكَ قَلْبُ الكافِرِ، وقَلْبٌ مَنكُوسٌ، فَذلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، عَرَفَ ثمَّ أنْكَرَ، وأبْصَرَ ثُمَّ عَمِيَ، وقَلْبُ تَمُدُّهُ مادَّتانِ: مادَّةُ إيمانٍ، ومادَّةُ نِفاقٍ، وهو لما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنهُما". فقوله "قلب أجرد" أي متجرد مما سوى الله ورسوله، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و"فيه سراج يزهر" وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغي، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان. وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر؛ لأنه داخل في غلافه وغشائه، فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، كما قال تعالى، حاكيا عن اليهود: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]. وهو جمع أغلف، وهو الداخل في غلافه، كقلف وأقلف، وهذه الغشاوة هي الأكنة التي ضربها الله على قلوبهم، عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله. فهي أكنة على القلوب ووقر في الأسماع، وعمى في الأبصار، وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا وجَعَلْنا عَلى قُلُوبهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥-٤٦]. فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة، ولّى أصحابها على أدبارهم نفورا. وأشار بالقلب المنكوس - وهو المكبوب - إلى قلب المنافق، كما قال تعالى: ﴿فما لَكم في المُنافِقينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]. أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه، بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالي أصحابه، والحق باطلًا ويعادى أهله، فالله المستعان. وأشار بالقلب الذي له مادتان إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان ولم يزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله، بل فيه مادة منه ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب وإليه يرجع.

الحج 22:70

والله سبحانه قد علم قبل أن يوجد عباده أحوالهم وما هم عاملون وما هم إليه صائرون ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه فاستحقوا المدح والذم والثواب والعقاب بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم السابق ولم يكونوا يستحقون ذلك وهي في علمه قبل أن يعملوها فأرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه إعذارا إليهم وإقامة للحجة عليهم لئلا يقولوا كيف تعاقبنا على علمك فينا وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا وبما ركب فيهم من الشهوات فذلك ابتلاه بشرعه وأمره وهذا ابتلاء بقضائه وقدره وقال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾.

الحج 22:73

فَما قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ مَن عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ أضْعَفِ حَيَوانٍ وأصْغَرِهِ، وإنْ سَلَبَهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا مِمّا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى اسْتِنْقاذِهِ مِنهُ، وقالَ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] فَما قَدَرَ مَن هَذا شَأْنُهُ وعَظَمَتُهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن أشْرَكَ مَعَهُ في عِبادَتِهِ مَن لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، بَلْ هو أعْجَزُ شَيْءٍ وأضْعَفُهُ، فَما قَدَرَ القَوِيَّ العَزِيزَ حَقَّ قَدْرِهِ مَن أشْرَكَ مَعَهُ الضَّعِيفَ الذَّلِيلَ. (فائدة) تأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه فمن لم يستمعه فقد عصى أمره، كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان في أوجز عبارة وأحسنها وأحلاها وأسجل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد وساعد بعضهم بعضا وعاونه بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد ثم بين ضعفهم وعجزهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب إياه حين يسقط عليهم فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه وخيره فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها. فأقام سبحانه حجة التوحيد وبين إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب ألفاظ وأحسنها لم يستكرهها غموض ولم يشنها تطويل ولم يعبها تقصير ولم تزر بها زيادة ولا نقص بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز ما لا يتوهم متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها وتحتها من المعنى الجليل القدر العظيم الشرف البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ. (فَصْلٌ) حَقِيقٌ عَلى كُلِّ عَبْدٍ أنْ يَسْتَمِعَ قَلْبُهُ لِهَذا المَثَلِ، ويَتَدَبَّرَهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ، فَإنَّهُ يَقْطَعُ مَوادَّ الشِّرْكِ مِن قَلْبِهِ، وذَلِكَ أنَّ المَعْبُودَ أقَلُّ دَرَجاتِهِ أنْ يَقْدِرَ عَلى إيجادِ ما يَنْفَعُ عابِدُهُ وإعْدامِ ما يَضُرُّهُ، والآلِهَةُ الَّتِي يَعْبُدُها المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ تَقْدِرَ عَلى خَلْقِ الذُّبابِ ولَوْ اجْتَمَعُوا كُلُّهم لِخَلْقِهِ، فَكَيْفَ ما هو أكْبَرُ مِنهُ؟ وَلا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْتِصارِ مِن الذُّبابِ إذا سَلَبَهم شَيْئًا مِمّا عَلَيْهِمْ مِن طِيبٍ ونَحْوِهِ فَيَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ، فَلا هم قادِرُونَ عَلى خَلْقِ الذُّبابِ الَّذِي هو مِن أضْعَفِ الحَيَواناتِ ولا عَلى الِانْتِصارِ مِنهُ واسْتِرْجاعِ ما سَلَبَهم إيّاهُ، فَلا أعْجِزَ مِن هَذِهِ الآلِهَةِ، ولا أضْعَفَ مِنها، فَكَيْفَ يَسْتَحْسِنُ عاقِلٌ عِبادَتَها مِن دُونِ اللَّهِ؟ وَهَذا المَثَلُ مِن أبْلَغِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في بُطْلانِ الشِّرْكِ، وتَجْهِيلِ أهْلِهِ، وتَقْبِيحِ عُقُولِهِمْ، والشَّهادَةِ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ قَدْ تَلاعَبَ بِهِمْ أعْظَمَ مِن تَلاعُبِ الصِّبْيانِ بِالكُرَةِ حَيْثُ أعْطَوْا الإلَهِيَّةَ الَّتِي مِن بَعْضِ لَوازِمِها القُدْرَةُ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ والإحاطَةُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ والغِنى عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ وأنْ يُصْعَدَ إلى الرَّبِّ في جَمِيعِ الحاجاتِ وتَفْرِيجِ الكُرُباتِ وإغاثَةِ اللَّهَفاتِ وإجابَةِ الدَّعَواتِ، فَأعْطَوْها صُوَرًا وتَماثِيلَ يَمْتَنِعُ عَلَيْها القُدْرَةُ عَلى أقَلِّ مَخْلُوقاتٍ لِآلِهَةِ الحَقِّ وأذَلِّها وأصْغَرِها وأحْقَرِها، ولَوْ اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وتَعاوَنُوا عَلَيْهِ. وَأدَلُّ مِن ذَلِكَ عَلى عَجْزِهِمْ وانْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ أنَّ هَذا الخَلْقَ الأقَلَّ الأذَلَّ العاجِزَ الضَّعِيفَ لَوْ اخْتَطَفَ مِنهم شَيْئًا واسْتَلَبَهُ فاجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ لَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ سَوّى بَيْنَ العابِدِ والمَعْبُودِ في الضَّعْفِ والعَجْزِ بِقَوْلِهِ: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ قِيلَ: الطّالِبُ العابِدُ والمَطْلُوبُ المَعْبُودُ، فَهو عاجِزٌ مُتَعَلِّقٌ بِعاجِزٍ. وَقِيلَ: هو تَسْوِيَةٌ بَيْنَ السّالِبِ والمَسْلُوبِ، وهو تَسْوِيَةٌ بَيْنَ الإلَهِ والذُّبابِ في الضَّعْفِ والعَجْزِ. وَعَلى هَذا فَقِيلَ: الطّالِبُ الإلَهُ الباطِلُ، والمَطْلُوبُ الذُّبابُ يَطْلُبُ مِنهُ ما اسْتَلَبَهُ مِنهُ. وَقِيلَ: الطّالِبُ الذُّبابُ، والمَطْلُوبُ الإلَهُ، فالذُّبابُ يَطْلُبُ مِنهُ ما يَأْخُذُهُ مِمّا عَلَيْهِ. والصَّحِيحُ أنَّ اللَّفْظَ يَتَناوَلُ الجَمِيعَ، فَضَعْفُ العابِدِ والمَعْبُودِ والمُسْتَلِبِ والمُسْتَلَبِ؛ فَمَن جَعَلَ هَذا إلَهًا مَعَ القَوِيِّ العَزِيزِ فَما قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ولا عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، ولا عَظَّمَهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ.

الحج 22:77

(فائدة) مَواضِعَ السَّجَداتِ في القُرْآنِ نَوْعانِ: إخْبارٌ، وأمْرٌ؛ فالإخْبارُ خَبَرٌ مِن اللَّهِ تَعالى عَنْ سُجُودِ مَخْلُوقاتِهِ لَهُ عُمُومًا أوْ خُصُوصًا، فَسُنَّ لِلتّالِي والسّامِعِ وُجُوبًا أوْ اسْتِحْبابًا أنْ يَتَشَبَّهَ بِهِمْ عِنْدَ تِلاوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ أوْ سَماعِها، وآياتُ الأوامِرِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وهَذا لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أمْرٍ وأمْرٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]: مُقْتَضِيًا لِلسُّجُودِ دُونَ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ فالسّاجِدُ إمّا مُتَشَبِّهٌ بِمَن أُخْبِرَ عَنْهُ، أوْ مُمْتَثِلٌ لِما أُمِرَ بِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ في آخِر الحَجِّ كَما يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ في أوَّلِها؛ فَلَمّا سَوَّتْ السُّنَّةُ بَيْنَهُما سَوّى القِياسُ الصَّحِيحُ والِاعْتِبارُ الحَقُّ بَيْنَهُما. وَهَذا السُّجُودُ شَرَعَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ عُبُودِيَّةً عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآياتِ واسْتِماعِها، وقُرْبَةً إلَيْهِ، وخُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وتَذَلُّلًا بَيْنَ يَدَيْهِ، واقْتِرانُ الرُّكُوعِ بِبَعْضِ آياتِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، ويُقَوِّيه، لا يُضْعِفُهُ ويُوهِيه، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَأمّا قَوْله تَعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] فَإنَّما لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ لِأنَّهُ خَبَرٌ خاصٌّ عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ لِامْرَأةٍ بِعَيْنِها أنْ تُدِيمَ العِبادَةَ لِرَبِّها بِالقُنُوتِ وتُصَلِّيَ لَهُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؛ فَهو خَبَرٌ عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ لَها ذَلِكَ، وإعْلامٌ مِن اللَّهِ تَعالى لَنا أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ ذَلِكَ لِمَرْيَمَ. فَسِياقُ ذَلِكَ غَيْرُ سِياقِ آياتِ السَّجَداتِ. وَأمّا الحَدِيثُ الضَّعِيفُ فَإنَّهُ مِن رِوايَةِ أبِي قُدامَةَ - واسْمُهُ الحارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ - قالَ الإمامُ أحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ، وقالَ يَحْيى: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ النَّسائِيّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وقالَ الأزْدِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ حِبّانَ: لا يُحْتَجُّ بِهِ إذا انْفَرَدَ، قُلْت: وقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذا الحَدِيثُ وهو مَوْضِعُ الإنْكارِ؛ فَإنَّ أبا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شَهِدَ سُجُودَهُ ﷺ في المُفَصَّلِ فِي: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وسَجَدَ مَعَهُ، حَتّى لَوْ صَحَّ خَبَرُ أبِي قُدامَةَ هَذا لَوَجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُثْبِتٌ فَمَعَهُ زِيادَةُ عِلْمٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الحج 22:78

أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ اجْتَباهُمْ، والِاجْتِباءُ كالِاصْطِفاءِ، وهو افْتِعالٌ مِن " اجْتَبى الشَّيْءَ يَجْتَبِيه " إذا ضَمَّهُ إلَيْهِ وحازَهُ إلى نَفْسِهِ، فَهم المُجْتَبُونَ الَّذِينَ اجْتَباهم اللَّهُ إلَيْهِ وجَعَلَهم أهْلَهُ وخاصَّتَهُ وصَفْوَتَهُ مِن خَلْقِهِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، ولِهَذا أمَرَهم تَعالى أنْ يُجاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهادِهِ، فَيَبْذُلُوا لَهُ أنْفُسَهُمْ، ويُفْرِدُوهُ بِالمَحَبَّةِ والعُبُودِيَّةِ، ويَخْتارُوهُ وحْدَهُ إلَهًا مَعْبُودًا مَحْبُوبًا عَلى كُلِّ ما سِواهُ كَما اخْتارَهم عَلى مَن سِواهُمْ، فَيَتَّخِذُونَهُ وحْدَهُ إلَهَهم ومَعْبُودَهم الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ بِألْسِنَتِهِمْ وجَوارِحِهِمْ وقُلُوبِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ، وإرادَتِهِمْ، فَيُؤْثِرُونَهُ في كُلِّ حالٍ عَلى مَن سِواهُ، كَما اتَّخَذَهم عَبِيدَهُ، وأوْلِياءَهُ، وأحِبّاءَهُ وآثَرَهم بِذَلِكَ عَلى مَن سِواهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَهم تَعالى أنْ يَسَّرَ عَلَيْهِمْ دِينَهُ غايَةَ التَّيْسِيرِ، ولَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِن حَرَجٍ ألْبَتَّةَ لِكَمالِ مَحَبَّتِهِ لَهم ورَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحَنانِهِ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِلُزُومِ مِلَّةَ إمامِ الحُنَفاءِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ، وهي إفْرادُهُ تَعالى وحْدَهُ بِالعُبُودِيَّةِ والتَّعْظِيمِ والحُبِّ والخَوْفِ والرَّجاءِ والتَّوَكُّلِ والإنابَةِ والتَّفْوِيضِ والِاسْتِسْلامِ؛ فَيَكُونُ تَعَلُّقُ ذَلِكَ مِن قُلُوبِهِمْ بِهِ وحْدَهُ لا بِغَيْرِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ نَوَّهَ بِهِمْ وسَمّاهم كَذَلِكَ بَعْدَ أنْ أوْجَدَهم اعْتِناءً بِهِمْ ورِفْعَةً لِشَأْنِهِمْ، وإعْلاءً لِقَدْرِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُشْهِدَ عَلَيْهِمْ رَسُولُهُ ويَشْهَدُوا هم عَلى النّاسِ؛ فَيَكُونُونَ مَشْهُودًا لَهم بِشَهادَةِ الرَّسُولِ شاهِدِينَ عَلى الأُمَمِ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَكانَ هَذا التَّنْوِيهُ، وإشارَةُ الذِّكْرِ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الجَلِيلَيْنِ ولِهاتَيْنِ الحِكْمَتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ. والمَقْصُودُ أنَّهم إذا كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ عِنْدَهُ تَعالى فَمِن المُحالِ أنْ يَحْرِمَهم كُلَّهم الصَّوابَ في مَسْألَةٍ فَيُفْتِي فِيها بَعْضُهم بِالخَطَأِ، ولا يُفْتِي فِيها غَيْرُهُ بِالصَّوابِ، ويَظْفَرُ فِيها بِالهُدى مِن بَعْدِهِمْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. (فائدة) قوله ﴿مِلَّةَ﴾ مَنصُوب على إضْمار فعل أي اتبعُوا والزموا ﴿مِلَّة أبيكم﴾ ودلّ على المَحْذُوف ما تقدم من قَوْله ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ وَهَذا هو الَّذِي يُقال لَهُ الإغراء. وَقيل مَنصُوب انتصاب المصادر، والعامِل فِيهِ مَضْمُون ما تقدم قبله وكانَ رَسُول الله ﷺ يُوصي أصْحابه إذا أصْبحُوا إذا أمْسوا أن يَقُولُوا "أصْبَحْنا على فطْرَة الإسْلام وكلمَة الإخْلاص ودين نَبينا مُحَمَّد وملة أبينا إبْراهِيم حَنِيفا مُسلما وما كانَ من المُشْركين" وَتَأمل هَذِه الألْفاظ كَيفَ جعل الفطْرَة لِلْإسْلامِ فَإنَّهُ فطْرَة الله الَّتِي فطر النّاس عَلَيْها، وكلمَة الإخْلاص هي شَهادَة أن لا إلَه إلّا الله، والملَّة لإبْراهِيم فَإنَّهُ صاحب الملَّة وهِي التَّوْحِيد وعبادَة الله تَعالى وحده لا شريك لَهُ، ومحبته فَوق كل محبَّة، والدّين للنَّبِي ﷺ وهو دينه الكامِل وشرعه التّام الجامِع لذَلِك كُله وسَماهُ سُبْحانَهُ إمامًا وأمة وقانتا وحنيفا قالَ تَعالى ﴿وَإذ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾. (فائدة) قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا﴾ أي الله سماكم من قبل القرآن وفي القرآن، فسبقت تسمية الحق سبحانه لهم مسلمين قبل إسلامهم وقبل وجودهم. قوله تعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أيْ مَتى اعْتَصَمْتُمْ بِهِ تَوَلّاكُمْ، ونَصَرَكم عَلى أنْفُسِكم وعَلى الشَّيْطانِ، وهُما العَدُوّانِ اللَّذانِ لا يُفارِقانِ العَبْدَ، وعَداوَتُهُما أضَرُّ مِن عَداوَةِ العَدُوِّ الخارِجِ، فالنَّصْرُ عَلى هَذا العَدُوِّ أهَمُّ، والعَبْدُ إلَيْهِ أحْوَجُ، وكَمالُ النُّصْرَةِ عَلى العَدُوِّ بِحَسَبِ كَمالِ الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ. (فصل) أمَرَهم الله أنْ يُجاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهادِهِ، كَما أمَرَهم أنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقاتِهِ، وكَما أنَّ حَقَّ تُقاتِهِ أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، فَحَقُّ جِهادِهِ أنْ يُجاهِدَ العَبْدُ نَفْسَهُ لِيُسْلِمَ قَلْبَهُ ولِسانَهُ وجَوارِحَهُ لِلَّهِ، فَيَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ وبِاللَّهِ لا لِنَفْسِهِ ولا بِنَفْسِهِ، ويُجاهِدُ شَيْطانَهُ بِتَكْذِيبِ وعْدِهِ، ومَعْصِيَةِ أمْرِهِ، وارْتِكابِ نَهْيِهِ، فَإنَّهُ يَعِدُ الأمانِيَّ ويُمَنِّي الغُرُورَ، ويَعِدُ الفَقْرَ ويَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، وَيَنْهى عَنِ التُّقى والهُدى والعِفَّةِ والصَّبْرِ، وأخْلاقِ الإيمانِ كُلِّها، فَجاهِدْهُ بِتَكْذِيبِ وعْدِهِ، ومَعْصِيَةِ أمْرِهِ، فَيَنْشَأُ لَهُ مِن هَذَيْنِ الجِهادَيْنِ قُوَّةٌ وسُلْطانٌ، وعُدَّةٌ يُجاهِدُ بِها أعْداءَ اللَّهِ في الخارِجِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ ويَدِهِ ومالِهِ؛ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا. واخْتَلَفَتْ عِباراتُ السَّلَفِ في حَقِّ الجِهادِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو اسْتِفْراغُ الطّاقَةِ فِيهِ، وألّا يَخافَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وقالَ مقاتل: اعْمَلُوا لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ، واعْبُدُوهُ حَقَّ عِبادَتِهِ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: هو مُجاهَدَةُ النَّفْسِ والهَوى. ولَمْ يُصِبْ مَن قالَ: إنَّ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ، لِظَنِّهِ أنَّهُما تَضَمَّنَتا الأمْرَ بِما لا يُطاقُ، وحَقُّ تُقاتِهِ وحَقُّ جِهادِهِ: هو ما يُطِيقُهُ كُلُّ عَبْدٍ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُكَلَّفِينَ في القُدْرَةِ والعَجْزِ والعِلْمِ والجَهْلِ. فَحَقُّ التَّقْوى وحَقُّ الجِهادِ بِالنِّسْبَةِ إلى القادِرِ المُتَمَكِّنِ العالِمِ شَيْءٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى العاجِزِ الجاهِلِ الضَّعِيفِ شَيْءٌ، وتَأمَّلْ كَيْفَ عَقَّبَ الأمْرَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] والحَرَجُ: الضِّيقُ، بَلْ جَعَلَهُ واسِعًا يَسَعُ كُلَّ أحَدٍ، كَما جَعَلَ رِزْقَهُ يَسَعُ كُلَّ حَيٍّ، وكَلَّفَ العَبْدَ بِما يَسَعُهُ العَبْدُ، ورَزَقَ العَبْدَ ما يَسَعُ العَبْدَ، فَهو يَسَعُ تَكْلِيفَهُ ويَسَعُهُ رِزْقُهُ، وما جَعَلَ عَلى عَبْدِهِ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ بِوَجْهٍ ما، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» أيْ: بِالمِلَّةِ، فَهي حَنِيفِيَّةٌ في التَّوْحِيدِ، سَمْحَةٌ في العَمَلِ. وَقَدْ وسَّعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى عِبادِهِ غايَةَ التَّوْسِعَةِ في دِينِهِ ورِزْقِهِ وعَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ، وبَسَطَ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةَ ما دامَتِ الرُّوحُ في الجَسَدِ، وفَتَحَ لَهم بابًا لَها لا يُغْلِقُهُ عَنْهم إلى أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، وجَعَلَ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ كَفّارَةً تُكَفِّرُها مِن تَوْبَةٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ حَسَنَةٍ ماحِيَةٍ أوْ مُصِيبَةٍ مُكَفِّرَةٍ، وجَعَلَ بِكُلِّ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ عِوَضًا مِنَ الحَلالِ أنْفَعَ لَهم مِنهُ وأطْيَبَ وألَذَّ، فَيَقُومُ مَقامَهُ لِيَسْتَغْنِيَ العَبْدُ عَنِ الحَرامِ، ويَسَعُهُ الحَلالُ فَلا يَضِيقُ عَنْهُ، وجَعَلَ لِكُلِّ عُسْرٍ يَمْتَحِنُهم بِهِ يُسْرًا قَبْلَهُ ويُسْرًا بَعْدَهُ، " فَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ "، فَإذا كانَ هَذا شَأْنُهُ سُبْحانَهُ مَعَ عِبادِهِ فَكَيْفَ يُكَلِّفُهم ما لا يَسَعُهُمْ، فَضْلًا عَمّا لا يُطِيقُونَهُ ولا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. (فصل آخر) إنَّ العَبْدَ كُلَّما كانَ إلى اللَّهِ أقْرَبَ كانَ جِهادُهُ في اللَّهِ أعْظَمَ. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. وَتَأمَّلْ أحْوالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ. فَإنَّهم كانُوا كُلَّما تَرَقَّوْا مِنَ القُرْبِ في مَقامٍ: عَظُمَ جِهادُهم واجْتِهادُهُمْ: لا كَما ظَنَّهُ بَعْضُ المَلاحِدَةِ المُنْتَسِبِينَ إلى الطَّرِيقِ، حَيْثُ قالَ: القُرْبُ الحَقِيقِيُّ تَنَقُّلُ العَبْدِ مِنَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ إلى الأعْمالِ الباطِنَةِ. ويُرِيحُ الجَسَدَ والجَوارِحَ مِن كَدِّ العَمَلِ. وَهَؤُلاءِ أعْظَمُ كُفْرًا وإلْحادًا. حَيْثُ عَطَّلُوا العُبُودِيَّةَ. وظَنُّوا أنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْها بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الخَيالاتِ الباطِلَةِ، الَّتِي هي مِن أمانِيِّ النَّفْسِ، وخِدَعِ الشَّيْطانِ. وكَأنَّ قائِلَهم إنَّما عَنى نَفْسَهُ، وذَوِي مَذْهَبِهِ بِقَوْلِهِ: ؎رَضُوا بِالأمانِيِّ وابْتَلُوا بِحُظُوظِهِمْ ∗∗∗ وخاضُوا بِحارَ الحُبِّ دَعْوى فَما ابْتَلُّوا ؎فَهم في السُّرى لَمْ يَبْرَحُوا مِن مَكانِهِمْ ∗∗∗ وما ظَعَنُوا في السَّيْرِ عَنْهُ وقَدْ كَلُّوا وَقَدْ صَرَّحَ أهْلُ الِاسْتِقامَةِ، وأئِمَّةُ الطَّرِيقِ: بِكُفْرِ هَؤُلاءِ. فَأخْرَجُوهم مِنَ الإسْلامِ. وقالُوا: لَوْ وصَلَ العَبْدُ مِنَ القُرْبِ إلى أعْلى مَقامٍ يَنالُهُ العَبْدُ لَما سَقَطَ عَنْهُ مِنَ التَّكْلِيفِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ. أيْ ما دامَ قادِرًا عَلَيْهِ. وَهَؤُلاءِ يَظُنُّونَ: أنَّهم يَسْتَغْنُونَ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ عَنْ ظاهِرِ الشَّرِيعَةِ. وَأجْمَعَتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ عَلى أنَّ هَذا كُفْرٌ وإلْحادٌ. وصَرَّحُوا بِأنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ لا تَتْبَعُها شَرِيعَةٌ فَهي كُفْرٌ. قالَ سَرِيٌّ السَّقَطِيُّ: مَنِ ادَّعى باطِنَ الحَقِيقَةِ يَنْقُضُها ظاهِرُ حُكْمٍ: فَهو غالِطٌ. وقالَ سَيِّدُ الطّائِفَةِ الجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: عِلْمُنا هَذا مُتَشَبِّكٌ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّصْرابادِيُّ: أصْلُ هَذا المَذْهَبِ: مُلازَمَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَرْكُ الأهْواءِ والبِدَعِ. والتَّمَسُّكُ بِالأئِمَّةِ، والِاقْتِداءُ بِالسَّلَفِ، وتَرْكُ ما أحْدَثَهُ الآخِرُونَ، والمُقامُ عَلى ما سَلَكَ الأوَّلُونَ. . وَسُئِلَ إسْماعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ: ما الَّذِي لا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنهُ؟ فَقالَ: مُلازَمَةُ العُبُودِيَّةِ عَلى السُّنَّةِ، ودَوامُ المُراقَبَةِ. وسُئِلَ: ما التَّصَوُّفُ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ تَحْتَ الأمْرِ والنَّهْيِ. . وَقالَ أحْمَدُ بْنُ أبِي الحَوارِيِّ: مَن عَمِلَ بِلا اتِّباعِ سُنَّةٍ فَباطِلٌ عَمَلُهُ. وَقالَ الشِّبْلِيُّ يَوْمًا - ومَدَّ يَدَهُ إلى ثَوْبِهِ - لَوْلا أنَّهُ عارِيَةٌ لَمَزَّقْتُهُ. فَقِيلَ لَهُ: رُؤْيَتُكَ في تِلْكَ الغَلَبَةِ ثِيابَكَ، وأنَّها عارِيَةٌ؟ فَقالَ: نَعَمْ أرْبابُ الحَقائِقِ مَحْفُوظٌ عَلَيْهِمْ في كُلِّ الأوْقاتِ الشَّرِيعَةُ. . وَقالَ أبُو يَزِيدَ البَسْطامِيُّ: لَوْ نَظَرْتُمْ إلى رَجُلٍ أُعْطِيَ مِنَ الكَراماتِ حَتّى يَرْتَفِعَ في الهَواءِ فَلا تَغْتَرُّوا بِهِ، حَتّى تَنْظُرُوا: كَيْفَ تَجِدُونَهُ عِنْدَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وحِفْظِ الحُدُودِ والشَّرِيعَةِ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ الخَيّاطُ: النّاسُ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا مَعَ ما يَقَعُ في قُلُوبِهِمْ. فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَرَدَّهم مِنَ القَلْبِ إلى الدِّينِ والشَّرِيعَةِ. وَلَمّا حَضَرَتْ أبا عُثْمانَ الحِيرِيَّ الوَفاةُ: مَزَّقَ ابْنُهُ أبُو بَكْرٍ قَمِيصَهُ. فَفَتَحَ أبُو عُثْمانَ عَيْنَيْهِ، وقالَ: يا بُنَيَّ خِلافُ السُّنَّةِ في الظّاهِرِ مِن رِياءِ الباطِنِ في القَلْبِ. وَمِن كَلامِ ابْنِ عُثْمانَ هَذا: أسْلَمُ الطُّرُقِ مِنَ الِاغْتِرارِ: طَرِيقُ السَّلَفِ، ولُزُومُ الشَّرِيعَةِ. . وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبارَكٍ: لا يَظْهَرُ عَلى أحَدٍ شَيْءٌ مِن نُورِ الإيمانِ إلّا بِاتِّباعِ السُّنَّةِ، ومُجانَبَةِ البِدْعَةِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ تَرى فِيهِ اجْتِهادًا ظاهِرًا بِلا نُورٍ. فاعْلَمْ أنَّ ثَمَّ بِدْعَةً خَفِيَّةً. وَقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الزَمِ السَّوادَ عَلى البَياضِ - حَدَّثَنا وأخْبَرَنا - إنْ أرَدْتَ أنْ تَفْلَحَ. وَلَقَدْ كانَ ساداتُ الطّائِفَةِ أشَدَّ ما كانُوا اجْتِهادًا في آخِرِ أعْمارِهِمْ. قالَ القُشَيْرِيُّ: سَمِعْتُ أبا عَلِيٍّ الدَّقّاقَ يَقُولُ: رُئِيَ في يَدِ الجُنَيْدِ سُبْحَةٌ. فَقِيلَ لَهُ: أنْتَ مَعَ شَرَفِكَ تَأْخُذُ بِيَدِكَ سُبْحَةً؟ فَقالَ: طَرِيقٌ وصَلْتُ بِهِ إلى رَبِّي تَبارَكَ وتَعالى لا أُفارِقُهُ أبَدًا. . وَقالَ إسْماعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ: كانَ الجُنَيْدُ يَجِيءُ كُلَّ يَوْمٍ إلى السُّوقِ، فَيَفْتَحُ بابَ حانُوتِهِ. فَيَدْخُلُهُ ويُسْبِلُ السِّتْرَ، ويُصَلِّي أرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ إلى بَيْتِهِ. ودَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطاءٍ - وهو في النَّزْعِ - فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ساعَةٍ. فَقالَ: اعْذِرْنِي. فَإنِّي كُنْتُ في وِرْدِي. ثُمَّ حَوَّلَ وجْهَهُ إلى القِبْلَةِ. وكَبَّرَ، وماتَ. وَقالَ أبُو سَعِيدِ بْنُ الأعْرابِيِّ: سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ العَطّارَ يَقُولُ: حَضَرْتُ أبا القاسِمِ الجُنَيْدَ - أنا وجَماعَةٌ مِن أصْحابِنا - فَكانَ قاعِدًا يُصَلِّي، ويَثْنِي رِجْلَهُ إذا أرادَ أنْ يَسْجُدَ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى خَرَجَتِ الرُّوحُ مِن رِجْلَيْهِ. فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ حَرَكَتُها، وكانَتا قَدْ تَوَرَّمَتا. فَقالَ لَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ: ما هَذا يا أبا القاسِمِ؟ فَقالَ: هَذِهِ نِعَمُ اللَّهِ. اللَّهُ أكْبَرُ. فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ، قالَ لَهُ أبُو مُحَمَّدٍ الجَرِيرِيُّ: يا أبا القاسِمِ، لَوِ اضْطَجَعْتَ. فَقالَ: يا أبا مُحَمَّدٍ، هَذا وقْتٌ يُؤْخَذُ فِيهِ؟ اللَّهُ أكْبَرُ. فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ حالُهُ حَتّى ماتَ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ شابٌّ - وهو في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ. وقَدْ تَوَرَّمَ وجْهُهُ. وبَيْنَ يَدَيْهِ مِخَدَّةٌ يُصَلِّي إلَيْها - فَقالَ: وفي هَذِهِ السّاعَةِ لا تَتْرُكُ الصَّلاةَ؟ فَلَمّا سَلَّمَ دَعاهُ، وقالَ: شَيْءٌ وصَلْتُ بِهِ إلى اللَّهِ، فَلا أدَعُهُ. وماتَ بَعْدَ ساعَةٍ. رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَقالَ أبُو مُحَمَّدٍ الجَرِيرِيُّ: كُنْتُ واقِفًا عَلى رَأْسِ الجُنَيْدِ في وقْتِ وفاتِهِ. وكانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، ويَوْمَ نَيْرُوزٍ. وهو يَقْرَأُ القُرْآنَ. فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا القاسِمِ، ارْفُقْ بِنَفْسِكَ، فَقالَ: يا أبا مُحَمَّدٍ، أرَأيْتَ أحَدًا أحْوَجَ إلَيْهِ مِنِّي، في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ، وهو ذا تُطْوى صَحِيفَتِي؟ وَقالَ أبُو بَكْرٍ العَطَوِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ الجُنَيْدِ حِينَ ماتَ. فَخَتَمَ القُرْآنَ. ثُمَّ ابْتَدَأ في خَتْمَةٍ أُخْرى. فَقَرَأ مِنَ البَقَرَةِ سَبْعِينَ آيَةً. ثُمَّ ماتَ. وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ: رَأيْتُ الجُنَيْدَ في النَّوْمِ. فَقُلْتُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقالَ: طاحَتْ تِلْكَ الإشاراتُ، وغابَتْ تِلْكَ العِباراتُ، وفَنِيَتْ تِلْكَ العُلُومُ، ونَفِدَتْ تِلْكَ الرُّسُومُ. وما نَفَعَنا إلّا رَكَعاتٌ كُنّا نَرْكَعُها في الأسْحارِ. وَتَذاكَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ أهْلَ المَعْرِفَةِ، وما اسْتَهانُوا بِهِ مِنَ الأوْرادِ والعِباداتِ بَعْدَما وصَلُوا إلَيْهِ؟ فَقالَ الجُنَيْدُ: العِبادَةُ عَلى العارِفِينَ أحْسَنُ مِنَ التِّيجانِ عَلى رُءُوسِ المُلُوكِ. وَقالَ: الطُّرقُ كُلُّها مَسْدُودَةٌ عَلى الخَلْقِ، إلّا مَنِ اقْتَفى أثَرَ الرَّسُولِ ﷺ. واتَّبَعَ سُنَّتَهُ، ولَزِمَ طَرِيقَتَهُ. فَإنَّ طُرُقَ الخَيْراتِ كُلَّها مَفْتُوحَةٌ عَلَيْهِ. وقالَ: مَن ظَنَّ أنَّهُ يَصِلُ بِبَذْلِ المَجْهُودِ فَمُتَعَنٍّ. ومَن ظَنَّ أنَّهُ يَصِلُ بِغَيْرِ بَذْلِ المَجْهُودِ فَمُتَمَنٍّ. وَقالَ أبُو نُعَيْمٍ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ هانِئٍ يَقُولُ: سَألْتُ الجُنَيْدَ، ما عَلامَةُ الإيمانِ؟ فَقالَ: عَلامَتُهُ طاعَةُ مَن آمَنَتْ بِهِ، والعَمَلُ بِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وتَرْكُ التَّشاغُلِ عَنْهُ بِما يَنْقَضِي ويَزُولُ. فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلى أبِي القاسِمِ الجُنَيْدِ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ما أتْبَعُهُ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ. وما أقْفاهُ لِطَرِيقَةِ أصْحابِهِ. وَهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ جِدًّا. يَدُلُّكَ عَلى أنَّ أهْلَ الِاسْتِقامَةِ في نِهاياتِهِمْ: أشَدُّ اجْتِهادًا مِنهم في بِداياتِهِمْ، بَلْ كانَ اجْتِهادُهم في البِدايَةِ في عَمَلٍ مَخْصُوصٍ. فَصارَ اجْتِهادُهم في النِّهايَةِ: الطّاعَةَ المُطْلَقَةَ. وصارَتْ إرادَتُهم دائِرَةً مَعَها. فَتُضْعِفُ الِاجْتِهادَ في المَعْنى المُعَيَّنِ. لِأنَّهُ كانَ مَقْسُومًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ. وَلا تَضَعُ إلى قَوْلِ مُلْحِدٍ قاطِعٍ لِلطَّرِيقِ في قالَبِ عارِفٍ، يَقُولُ: إنَّ مَنزِلَةَ القُرْبِ تَنْقِلُ العَبْدَ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ إلى الأعْمالِ الباطِنَةِ. وتَحْمِلُ عَلى الِاسْتِهانَةِ بِالطّاعاتِ الظّاهِرَةِ، وتُرِيحُهُ مِن كَدِّ القِيامِ بِها. [فَصْلٌ: في مَراتِبُ الجِهادِ] إذا عُرِفَ هَذا فالجِهادُ أرْبَعُ مَراتِبَ: جِهادُ النَّفْسِ، وجِهادُ الشَّيْطانِ، وجِهادُ الكُفّارِ، وجِهادُ المُنافِقِينَ. فَجِهادُ النَّفْسِ أرْبَعُ مَراتِبَ أيْضًا: إحْداها: أنْ يُجاهِدَها عَلى تَعَلُّمِ الهُدى ودِينِ الحَقِّ الَّذِي لا فَلاحَ لَها ولا سَعادَةَ في مَعاشِها ومَعادِها إلّا بِهِ، ومَتى فاتَها عِلْمُهُ شَقِيَتْ في الدّارَيْنِ. الثّانِيَةُ: أنْ يُجاهِدَها عَلى العَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وإلّا فَمُجَرَّدُ العِلْمِ بِلا عَمَلٍ إنْ لَمْ يَضُرَّها لَمْ يَنْفَعْها. الثّالِثَةُ: أنْ يُجاهِدَها عَلى الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، وتَعْلِيمِهِ مَن لا يَعْلَمُهُ، وإلّا كانَ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الهُدى والبَيِّناتِ، ولا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ، ولا يُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. الرّابِعَةُ: أنْ يُجاهِدَها عَلى الصَّبْرِ عَلى مَشاقِّ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وأذى الخَلْقِ، ويَتَحَمَّلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ. فَإذا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ المَراتِبَ الأرْبَعَ صارَ مِنَ الرَّبّانِيِّينَ، فَإنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ العالِمَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى رَبّانِيًّا حَتّى يَعْرِفَ الحَقَّ ويَعْمَلَ بِهِ ويُعَلِّمَهُ، فَمَن عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ فَذاكَ يُدْعى عَظِيمًا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ. [فَصْلٌ: في مَراتِبُ جِهادِ الشَّيْطانِ] وَأمّا جِهادُ الشَّيْطانِ فَمَرْتَبَتانِ، إحْداهُما: جِهادُهُ عَلى دَفْعِ ما يُلْقِي إلى العَبْدِ مِنَ الشُّبُهاتِ والشُّكُوكِ القادِحَةِ في الإيمانِ. الثّانِيَةُ: جِهادُهُ عَلى دَفْعِ ما يُلْقِي إلَيْهِ مِنَ الإراداتِ الفاسِدَةِ والشَّهَواتِ، فالجِهادُ الأوَّلُ يَكُونُ بَعْدَهُ اليَقِينُ. والثّانِي: يَكُونُ بَعْدَهُ الصَّبْرُ. قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فَأخْبَرَ أنَّ إمامَةَ الدِّينِ إنَّما تُنالُ بِالصَّبْرِ واليَقِينِ، فالصَّبْرُ يَدْفَعُ الشَّهَواتِ والإراداتِ الفاسِدَةَ، واليَقِينُ يَدْفَعُ الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ. [فَصْلٌ: في مَراتِبُ جِهادِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ] وَأمّا جِهادُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فَأرْبَعُ مَراتِبَ: بِالقَلْبِ، واللِّسانِ، والمالِ، والنَّفْسِ، وجِهادُ الكُفّارِ أخَصُّ بِاليَدِ، وجِهادُ المُنافِقِينَ أخَصُّ بِاللِّسانِ. [فَصْلٌ: في جِهادُ أرْبابِ الظُّلْمِ والبِدَعِ والمُنْكَراتِ] وَأمّا جِهادُ أرْبابِ الظُّلْمِ والبِدَعِ والمُنْكَراتِ فَثَلاثُ مَراتِبَ، الأُولى: بِاليَدِ إذا قَدَرَ، فَإنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلى اللِّسانِ، فَإنْ عَجَزَ جاهَدَ بِقَلْبِهِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ مَرْتَبَةً مِنَ الجِهادِ، و«مَن ماتَ ولَمْ يَغْزُ ولَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ ماتَ عَلى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفاقِ». [فَصْلٌ: في شَرْطُ الجِهادِ] وَلا يَتِمُّ الجِهادُ إلّا بِالهِجْرَةِ، ولا الهِجْرَةُ والجِهادُ إلّا بِالإيمانِ، والرّاجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ قامُوا بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. وَكَما أنَّ الإيمانَ فَرْضٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ هِجْرَتانِ في كُلِّ وقْتٍ: هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والإنابَةِ والتَّوَكُّلِ والخَوْفِ والرَّجاءِ والمَحَبَّةِ والتَّوْبَةِ، وهِجْرَةٌ إلى رَسُولِهِ بِالمُتابَعَةِ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ، والتَّصْدِيقِ بِخَبَرِهِ، وتَقْدِيمِ أمْرِهِ وخَبَرِهِ عَلى أمْرِ غَيْرِهِ وخَبَرِهِ: «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ». وفَرَضَ عَلَيْهِ جِهادَ نَفْسِهِ في ذاتِ اللَّهِ، وجِهادَ شَيْطانِهِ، فَهَذا كُلُّهُ فَرْضُ عَيْنٍ لا يَنُوبُ فِيهِ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ. وَأمّا جِهادُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فَقَدْ يُكْتَفى فِيهِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ إذا حَصَلَ مِنهم مَقْصُودُ الجِهادِ. [فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ اجْتِباءُ الحَقِّ عَبْدَهُ] قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: اجْتِباءُ الحَقِّ عَبْدَهُ. واسْتِخْلاصُهُ إيّاهُ بِخالِصَتِهِ. كَما ابْتَدَأ مُوسى، وقَدْ خَرَجَ يَقْتَبِسُ نارًا، فاصْطَنَعَهُ لِنَفْسِهِ. وأبْقى مِنهُ رَسْمًا مُعارًا. قُلْتُ: الِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ، والإيثارُ. والتَّخْصِيصُ. وهو افْتِعالُ مِن جَبَيْتُ الشَّيْءَ: إذا حُزْتَهُ وأحْرَزْتَهُ إلَيْكَ. كَجِبايَةِ المالِ وغَيْرِهِ. والِاصْطِناعُ أيْضًا الِاصْطِفاءُ، والِاخْتِيارُ، يَعْنِي أنَّهُ اصْطَفى مُوسى واسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ. وَجَعَلَهُ خالِصًا لَهُ مِن غَيْرِ سَبَبٍ كانَ مِن مُوسى، ولا وسِيلَةٍ. فَإنَّهُ خَرَجَ لِيَقْتَبِسَ النّارَ. فَرَجَعَ وهو كَلِيمُ الواحِدِ القَهّارِ. وأكْرَمُ الخَلْقِ عَلَيْهِ، ابْتِداءً مِنهُ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ سابِقَةِ اسْتِحْقاقٍ، ولا تَقَدُّمِ وسِيلَةٍ. وفي مِثْلِ هَذا قِيلَ: ؎أيُّها العَبْدُ، كُنْ لِما لَسْتَ تَرْجُو ∗∗∗ مِن صَلاحٍ أرْجى لِما أنْتَ راجِي ؎إنَّ مُوسى أتى لِيَقْبِسَ نارًا ∗∗∗ مِن ضِياءٍ رَآهُ واللَيْلُ داجِي ؎فانْثَنى راجِعًا، وقَدْ كَلَّمَهُ اللَّ ∗∗∗ هُ، وناجاهُ وهْوَ خَيْرُ مُناجِي وَقَوْلُهُ: وأبْقى مِنهُ رَسْمًا مُعارًا. يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالرَّسْمِ: البَقِيَّةَ الَّتِي تَقَدَّمَ بِها عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ. ورُفِعَ فَوْقَهُ بِدَرَجاتٍ لِأجْلِ بَقائِها مِنهُ. وَيُحْتَمَلُ - وهو الأظْهَرُ - أنَّهُ أخَذَهُ مِن نَفْسِهِ، واصْطَنَعَهُ لِنَفْسِهِ. واخْتارَهُ مِن بَيْنِ العالَمِينَ. وخَصَّهُ بِكَلامِهِ، ولَمْ يُبْقِ لَهُ مِن نَفْسِهِ إلّا رَسْمًا مُجَرَّدًا يَصْحَبُ بِهِ الخَلْقَ، وتَجْرِي عَلَيْهِ فِيهِ أحْكامُ البَشَرِيَّةِ. إتْمامًا لِحِكْمَتِهِ، وإظْهارًا لِقُدْرَتِهِ. فَهو عارِيَةٌ مَعَهُ. فَإذا قَضى ما عَلَيْهِ: اسْتَرَدَّ ذَلِكَ الرَّسْمَ. وجَعَلَهُ مِن مالِهِ. فَتَكَمَّلَتْ إذْ ذاكَ مَرْتَبَةُ الِاجْتِباءِ. ظاهِرًا وباطِنًا، حَقِيقَةً ورَسْمًا، ورَجَعَتِ العارِيَةُ إلى مالِكِها الحَقِّ، الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ الأمْرُ كُلُّهُ. فَكَما ابْتَدَأتْ مِنهُ عادَتْ إلَيْهِ. وَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ في مَظْهَرِ الجَلالِ، ولِهَذا كانَتْ شَرِيعَتُهُ شَرِيعَةَ جَلالٍ وقَهْرٍ. أُمِرُوا بِقَتْلِ نُفُوسِهِمْ، وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، وذَواتُ الظُّفُرِ وغَيْرُها مِنَ الطَّيِّباتِ، وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ. وعُجِّلَ لَهم مِنَ العُقُوباتِ ما عُجِّلَ وحُمِّلُوا مِنَ الآصارِ والأغْلالِ، ما لَمْ يَحْمِلْهُ غَيْرُهم. وَكانَ مُوسى ﷺ مَن أعْظَمِ خَلْقِ اللَّهِ هَيْبَةً ووَقارًا. وأشَدِّهِمْ بَأْسًا وغَضَبًا لِلَّهِ، وبَطْشًا بِأعْداءِ اللَّهِ، وكانَ لا يُسْتَطاعُ النَّظَرُ إلَيْهِ. وَعِيسى ﷺ: كانَ في مَظْهَرِ الجَمالِ. وكانَتْ شَرِيعَتُهُ شَرِيعَةَ فَضْلٍ وإحْسانٍ. وكانَ لا يُقاتِلُ، ولا يُحارِبُ. ولَيْسَ في شَرِيعَتِهِ قِتالٌ ألْبَتَّةَ. والنَّصارى يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ دِينُهُمُ القِتالَ. وهم بِهِ عُصاةٌ لِشَرْعِهِ. فَإنَّ الإنْجِيلَ يَأْمُرُهم فِيهِ: أنَّ مِن لَطَمَكَ عَلى خَدِّكَ الأيْمَنِ، فَأدِرْ لَهُ خَدَّكَ الأيْسَرَ. ومَن نازَعَكَ ثَوْبَكَ. فَأعْطِهِ رِداءَكَ. ومَن سَخَّرَكَ مِيلًا. فامْشِ مَعَهُ مِيلَيْنِ. ونَحْوَ هَذا. ولَيْسَ في شَرِيعَتِهِمْ مَشَقَّةٌ، ولا آصارٌ، ولا أغْلالٌ، وإنَّما النَّصارى ابْتَدَعُوا تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ. ولَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِمْ. وَأمّا نَبِيُّنا ﷺ: فَكانَ في مَظْهَرِ الكَمالِ، الجامِعِ لِتِلْكَ القُوَّةِ والعَدْلِ، والشِّدَّةِ في اللَّهِ. وهَذا اللِّينِ والرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ. وشَرِيعَتُهُ أكْمَلُ الشَّرائِعِ. فَهو نَبِيُّ الكَمالِ، وشَرِيعَتُهُ شَرِيعَةُ الكَمالِ. وأُمَّتُهُ أكْمَلُ الأُمَمِ. وأحْوالُهم ومَقاماتُهم أكْمَلُ الأحْوالِ والمَقاماتِ. وَلِذَلِكَ تَأْتِي شَرِيعَتُهُ بِالعَدْلِ إيجابًا لَهُ وفَرْضًا. وبِالفَضْلِ نَدْبًا إلَيْهِ واسْتِحْبابًا. وبِالشِّدَّةِ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ. وبِاللِّينِ في مَوْضِعِ اللِّينِ. ووُضِعَ السَّيْفُ مَوْضِعَهُ. ووُضِعَ النَّدى مَوْضِعَهُ. فَيَذْكُرَ الظُّلْمَ. ويُحَرِّمَهُ. والعَدْلَ ويُوجِبُهُ. والفَضْلَ ويَنْدُبُ إلَيْهِ في بَعْضِ آياتٍ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] فَهَذا عَدْلٌ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فَهَذا فَضْلٌ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] فَهَذا تَحْرِيمٌ لِلظُّلْمِ. وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] فَهَذا إيجابٌ لِلْعَدْلِ، وتَحْرِيمٌ لِلظُّلْمِ ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] نَدَبَ إلى الفَضْلِ. وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُؤُسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] تَحْرِيمٌ لِلظُّلْمِ. ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] عَدْلٌ. ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَضْلٌ. وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ عَلى أُمَّتِهِ صِيانَةً وحِمْيَةً. حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ خَبِيثٍ وضارٍّ، وأباحَ لَهم كُلُّ طَيِّبٍ ونافِعٍ. فَتَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ، وعَلى مَن قَبْلَهم لَمْ يَخْلُ مِن عُقُوبَةٍ. وهَداهم لِما ضَلَّتْ عَنْهُ الأُمَمُ قَبْلَهم. ووَهَبَ لَهم مِن عِلْمِهِ وحِلْمِهِ. وجَعَلَهم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ. وكَمَّلَ لَهم مِنَ المَحاسِنِ ما فَرَّقَهُ في الأُمَمِ قَبْلَهم. كَما كَمَّلَ نَبِيَّهم ﷺ مِنَ المَحاسِنِ بِما فَرَّقَهُ في الأنْبِياءِ قَبْلَهُ. وكَمَّلَ في كِتابِهِ مِنَ المَحاسِنِ بِما فَرَّقَها في الكُتُبِ قَبْلَهُ. وكَذَلِكَ في شَرِيعَتِهِ. فَهَؤُلاءِ الضَّنائِنُ وهُمُ المُجْتَبُونَ الأخْيارُ. كَما قالَ تَعالى ﴿هُوَ اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وجَعَلَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ. فَأقامَهم في ذَلِكَ مَقامَ الأنْبِياءِ الشّاهِدِينَ عَلى أُمَمِهِمْ. وَتَفْصِيلُ تَفْضِيلِ هَذِهِ الأُمَّةِ وخَصائِصِها يَسْتَدْعِي سِفْرًا. بَلْ أسْفارًا. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.