Tafsir Ibn Al-Qayyim — المؤمنون 23:1 – المؤمنون 23:100
المحتويات
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:6
- المؤمنون 23:7
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:11
- المؤمنون 23:12
- المؤمنون 23:13
- المؤمنون 23:14
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:16
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:56
- المؤمنون 23:57
- المؤمنون 23:58
- المؤمنون 23:59
- المؤمنون 23:60
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:91
- المؤمنون 23:97
- المؤمنون 23:98
- المؤمنون 23:99
- المؤمنون 23:100
المؤمنون 23:1
[فصل: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق]
والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب للّه بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء فينكسر القلب للّه كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء وشهود نعم اللّه وجناياته هو فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح وأما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول أعوذ باللّه من خشوع النفاق، قيل له وما خشوع النفاق؟ قال أن يرى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع. فالخاشع للّه عبد قد خمدت نيران شهوته وسكن دخانها عن صدره فانجلى الصدر وأشرق فيه نور العظمة فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي خشي به وخمدت الجوارح وتوقر القلب واطمأن إلى اللّه وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتا له والمخبت المطمئن فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فاستنقع فيه الماء، فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، علامته أن يسجد بين يدي ربه إجلالا له وذلا وانكسارا بين يديه سجدة لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه. وأما القلب المتكبر فإنه قد اهتز بتكبره عربا فهو كبقعة رابية من الأرض لا يستقر عليه الماء فهذا خشوع الإيمان.
وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة.
(فصل)
قال تعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فأمرنا بإقامتها وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار وقد علق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعا. بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعا، وكلما قل خشوعة اشتدت عجلته حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا اقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية والله سبحانه قد قال: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾. وقال: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ﴾. وقال: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقال: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ وقال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾، وقال لموسى ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقرونا بإقامتها فالمصلون في الناس قليل ومقيم الصلاة منهم أقل القليل.
كما قال عمر رضي الله عنه: "الحاج قليل والركب كثير"
فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلة القسم، ويقولون يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم وليتنا نأتي به ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الله جل جلاله بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه فيزينه ويحسنه ما استطاع ثم يتقرب به إلى من يرجوه ويخافه كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه فيستريح منه ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع وليس من كانت الصلاة ربيعا لقلبه وحياة له وراحة وقرة لعينه وجلاء لحزنه وذهابا لهمه وغمه ومفزعا له إليه في نوائبه ونوازله كمن هي سحت لجوارحه، وتكليف له وثقل عليه فهي كبيرة على هذا وقرة عين وراحة لذلك.
وقال تعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلو قلوبهم من محبة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوع له وقلة رغبتهم فيه فإن حضور العبد في الصلاة وخشوعه فيها وتكميله لها واستفراغه وسعة في إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في الله تعالى.
قال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى: إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك. فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك. وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصلاة كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة وقف هذا بقلب مخبت خاشع له قريب منه سليم من معارضات السوء قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة وسطع فيه نور الإيمان وكشف عنه حجاب النفس ودخان الشهوات فيرتع في رياض معاني القرآن، وخالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم وتفرد الرب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله فاجتمع همه على الله وقرت عينه به وأحسن بقربه من الله قربا لا نظير له ففرغ قلبه له وأقبل عليه بكليته، وهذا الإقبال منه بين اقبالين من ربه فإنه سبحانه أقبل عليه أولا، فانجذب قلبه إليه بإقباله؛ فلما أقبل على ربه حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول. وها هنا عجيبة من عجائب الأسماء والصفات تحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعا من صلاته ومحلا منها فإنه إذا انتصب قائما بين يدي الرب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيوميته، وإذا قال الله أكبر شاهد كبرياءه وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك شاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب سالما من كل نقص محمودا بكل حمد فحمده يتضمن وصفه بكل كمال وذلك يستلزم براءته من كل نقص تبارك اسمه، فلا يذكر على قليل إلا كثرة ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه ولا على آفة إلا أذهبها ولا على شيطان إلا رده خاسئا داحرا وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء فشأن المسمى أعلى وأجل.
(وتعالى جده) أي ارتفعت عظمته وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنه على كل شأن وقهر سلطانه على كل سلطان فتعالى جده أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته أو في الهيته أو في أفعاله أو في صفاته كما قال مؤمن الجن: ﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾، فكم في هذه الكلمات من تجل لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المعطل لحقائقها، وإذا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه ويبعده عن قربه ليكون أسوأ حالا.
"فإذا قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: "حمدني عبدي".
فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، انتظر الجواب بقوله: "أثنى علي عبدي"، فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ انتظر جوابه: بـ "مجدني عبدي"، فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحا وسرورا بقول ربها وفاطرها ومعبودها: "حمدني عبدني وأثنى علي عبدي ومجدني عبدي"، ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي: الله والرب الرحمن، فشاهد قلبه من ذكر اسم الله تبارك وتعالى إلها معبودا موجودا مخوفا لا يستحق العبادة غيره ولا تنبغي إلا له، قد عنت له الوجوه وخضعت له الموجودات وخشعت له الأصوات ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾.
وكذلك خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلق الجن والإنس والطير والوحش والجنة والنار، وكذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع وألزم العباد الأمر والنهي وشاهد من ذكر اسمه رب العالمين قيوما. قام بنفسه وقام به كل شيء فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها. قد استوى على عرشه وتفرد بتدبير ملكه.
فالتدبير كله بيديه ومصير الامور كلها إليه، فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع والخفض والرفع والإحياء والإماتة والتوبة والعزل والقبض والبسط وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا معقب لحكمه ولا راد لأمره ولا مبدل لكلماته تعرج الملائكة والروح إليه وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه فيقدر المقادير ويوقت المواقيت ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائما بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه.
ثم يشهد عند ذكر اسم الرحمن جل جلاله ربا محسنا إلى خلقه بأنواع الإحسان متحببا إليهم بصنوف النعم، وسع كل شيء رحمة وعلما، وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلا فوسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي فبلغت رحمته حيث بلغ علمه، فاستوى على عرشه برحمته وخلق خلقه برحمته وأنزل كتبه برحمته وأرسل رسله برحمته وشرع شرائعه برحمته وخلق الجنة برحمته والنار أيضا برحمته فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه من خليقته.
فتأمل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعيظه من الرحمة البالغة والنعمة السابغة وما في حشوها من الرحمة والنعمة فالرحمة هي السبب المتصل منه بعباده كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم به فمنهم إليه العبودية ومنه إليهم الرحمة، ومن أخص مشاهد هذا الاسم شهود المصلي نصيبه من الرحمة الذي أقامه بها بين يدي ربه، وأهله لعبوديته ومناجاته وأعطاه ومنع غيره وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره وذلك من رحمته به.
فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين فيشهد ملكا قاهرا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز فيشهد بقلبه ملكا على عرش السماء مهيمنا لعزته تعنو الوجوه وتسجد، وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له فإن الملك الحق التام الملك لا يكون إلا حيا قيوما سميعا بصيرا مدبرا قادرا متكلما آمرا ناهيا مستويا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحق الرضا، ويثيبه ويكرمه ويدنيه، ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ويعطي من يشاء ويقرب من يشاء ويقصي من يشاء، له دار عذاب وهي النار، وله دار سعادة عظيمة وهي الجنة.
فمن أبطل شيئا من ذلك أو جحده وأنكر حقيقته فقد قدح في ملكه سبحانه وتعالى ونفى عنه كماله وتمامه.
وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره فقد أنكر عموم ملكه وكماله فيشهد المصلي مجد الرب تعالى في قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإذا قال: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففيها سر الخلق والأمر والدنيا والآخرة وهي متضمنة لأجل الغايات وأفضل الوسائل، فأجل الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته فلا معبود يستحق العبادة إلا هو ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات وإعانته أجل الوسائل، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى مئة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة: وهي التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، وجمع معانيها في القرآن وجمع معانيه في المفصل وجمع معانيه في الفاتحة وجمع معانيها في: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد: وهما توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، وتضمنت التعبد باسم الرب واسم الله فهو يعبد بألوهيته ويستعان بربوبيته ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته فكان أول السورة ذكر اسمه: الله والرب والرحمن تطابقا لأجل الطالب من عبادته وإعانته وهدايته. وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله. لا يعين على عبادته سواه ولا يهدي سواه.
ثم يشهد الداعي بقوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ شدة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها ألبتة فإنه محتاج إليه في كل نفس وطرفة عين.
وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه وهي هداية التفصيل وخلق القدرة على الفعل وإرادته وتكوينه وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب سبحانه وتعالى. وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله، ولما كان العبد مفتقرا في كل حال إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التوبة منها، وأمور هدى إلى أصلها دون تفصيلها أو هدى إليها من وجه دون وجه، فهو يحتاج إلى إتمام الهداية فيها ليزداد هدى، وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو يحتاج إلى الهداية فيها، وأمور لم يفعلها فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية، وأمور قد هدي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها فهو محتاج إلى الثبات عليها.
إلى غير ذلك من أنواع الهدايات - فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة، ثم بين أن أهل هذه الهداية هم المختصون بنعمته، دون المغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، ودون الضالين وهم الذين عبدوا الله بغير علم. فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم. فسبيل المنعم عليه مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها علما وعملا.
فلما فرغ من هذا الثناء والدعاء والتوحيد شرع له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين يكون كالخاتم له وافق فيه ملائكة السماء وهذا التأمين من زينة الصلاة كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة واتباع للسنة وتعظيم أمر الله وعبودية اليدين وشعار الانتقال من ركن إلى ركن. ثم يأخذ في مناجاة ربه بكلامه واستماعه من الإمام بالإنصات وحضور القلب وشهوده.
وأفضل أذكار الصلاة ذكر القيام وأحسن هيئة المصلي هيئة القيام، فخصت بالحمد والثناء والمجد وتلاوة كلام الرب جل جلاله، ولهذا نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود؛ لأنهما حالتا ذل وخضوع وتضامن وانخفاض، ولهذا شرع فيهما من الذكر ما يناسب هيئتهما فشرع للراكع أن يذكر عظمة ربه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه، وأنه سبحانه يوصف بوصف عظمته عما يضاد كبرياءه وجلاله وعظمته فأفضل ما يقول الراكع على الإطلاق: سبحان ربي العظيم، فإن الله سبحانه أمر العباد بذلك وعين المبلغ عنه السفير بينه وبين عباده هذا المحل لهذا الذكر لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾، قال: "اجعلوها في ركوعكم".
وأبطل كثير من أهل العلم صلاة من تركها عمدا، وأوجب سجود السهو على من سها عنها، وهذا مذهب الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الحديث والسنة، والأمر بذلك لا يقصر عن الأمر بالصلاة عليه ﷺ في التشهد الأخير ووجوبه لا يقصر عن وجوب مباشرة المصلي بالجبهة واليدين الركوع تعظيم الرب جل جلاله بالقلب والقالب والقول، ولهذا قال النبي ﷺ: "أما الركوع فعظموا فيه الرب".
(فصل)
ثم يرفع رأسه عائدا إلى أكمل حديثه، وجعل شعار هذا الركن حمد الله والثناء عليه وتحميده، فافتتح هذا الشعار بقول المصلي: "سمع الله لمن حمده" أي: سمع سمع قبول وإجابة، ثم شفع بقوله: "ربنا ولك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء" ولا يهمل أمر هذه الواو في قوله: "ربنا ولك الحمد"؛ فإنه قد ندب الأمر بها في الصحيحين، وهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما، فإن قوله: "ربنا" متضمن في المعنى أنت الرب والملك القيوم الذي بيديه أزمة الأمور وإليه مرجعها فعطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: "ربنا". قوله: "ولك الحمد" فتضمن ذلك معنى قول الموحد: له الملك وله الحمد. ثم أخبر عن شأن هذا الحمد وعظمته قدرا وصفة فقال: "ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء" أي: قدر ملء العالم العلوي والسفلي والفضاء الذي بينهما، فهذا الحمد قد ملأ الخلق الموجود وهو يملأ ما يخلقه الرب تبارك وتعالى بعد ذلك ما يشاؤه فحمده قد ملأ كل موجود وملأ ما سيوجد فهذا أحسن التقديرين. وقيل: ما شئت من شيء وراء العالم فيكون قوله بعد: للزمان على الأول، والمكان: على الثاني. ثم أتبع ذلك بقوله: "أهل الثناء والمجد" فعاد الأمر بعد الركعة إلى ما افتتح به الصلاة قبل الركعة: من الحمد والثناء والمجد، ثم أتبع ذلك بقوله: "أحق ما قال العبد" تقريرا لحمده وتمجيده والثناء عليه، وأن ذلك أحق ما نطق به العبد، ثم أتبع ذلك بالاعتراف بالعبودية وأن ذلك حكم عام لجميع العبيد ثم عقب ذلك بقوله: "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصلاة أيضا، فيقوله في هذين الموضعين اعترافا بتوحيده وأن النعم كلها منه، وهذا يتضمن أمورا أحدها أنه المنفرد بالعطاء والمنع. الثاني: أنه إذا أعطى لم يطق أحد منع من أعطاه وإذا منع لم يطق أحد إعطاء من منعه.
الثالث: أنه لا ينفع عنده ولا يخلص من عذابه ولا يدني من كرامته جدود بني آدم وحظوظهم من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش وغير ذلك، إنما ينفعهم عنده التقرب إليه بطاعته وإيثار مرضاته.
ثم ختم ذلك بقوله: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد"، كما افتتح به الركعة في أول الاستفتاح كما كان يختم الصلاة بالاستغفار وكان الاستغفار في أول الصلاة ووسطها وآخرها، فاشتمل هذا الركن على أفضل الأذكار وأنفع الدعاء من حمده وتمجيده والثناء عليه والاعتراف له بالعبودية والتوحيد والتنصل إليه من الذنوب والخطايا فهو ذكر مقصود في ركن مقصود ليس بدون الركوع والسجود.
(فصل)
ثم يكبر ويخر لله غير رافع يديه؛ لأن اليدين تنحطان للسجود كما ينحط الوجه فهما ينحطان لعبوديتهما فأغنى ذلك عن رفعهما، ولذلك لم يشرع رفعهما ثم رفع الرأس من السجود؛ لأنهما يرفعان معه كما يوضعان معه، وشرع السجود على أكمل الهيئة ومنعتها في العبودية وأعمها لسائر الأعضاء بحيث يأخذ كل جزء من البدن بحظه من العبودية، والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة وما قبله من الأركان كالمقدمات له فهو شبه طواف الزيارة في الحج فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته وما قبله كالمقدمات له، ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأفضل الأحوال له حال يكون فيها أقرب إلى الله، ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة. ولما خلق الله سبحانه العبد من الأرض، كان جديرا بأن لا يخرج عن أصله، بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه، فإن العبد لو ترك لطبعه ودواعي نفسه لتكبر وأشر وخرج عن أصله الذي خلق منه ولوثب على حق ربه من الكبرياء والعظمة فنازعه إياهما، وأمر بالسجود خضوعا لعظمة ربه وخشوعا له وتذللا بين يديه وانكسارا له فيكون هذا الخشوع والخضوع والتذلل ردا له إلى حكم العبودية ويتدارك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج به عن أصله فتمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه وهو يضع أشرف شيء منه وأعلاه وهو الوجه، وقد صار أعلاه أسفله خضوعا بين يدي ربه الأعلى وخشوعا له وتذللا لعظمته واستكانة لعزته وهذا غاية خشوع الظاهر فإن الله سبحانه خلقه من الأرض التي هي مذللة للوطء بالأقدم واستعمله فيها ورده إليها ووعده بالإخراج منها فهي أمه وأبوه وأصله وفصله، فضمته حيا على ظهرها وميتا وجعلت له طهرا ومسجدا فأمر بالسجود إذ هو غاية خشوع الظاهر وأجمع العبودية لسائر الأعضاء فيعفر وجهه في التراب استكانة وتواضعا وخضوعا وإلقاء باليدين.
وقال مسروق لسعيد بن جبير ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب له، وكان النبي ﷺ لا يتقي الأرض بوجهه قصدا بل إذا اتفق له ذلك فعله. ولذلك سجد في الماء والطين، ولهذا كان من كمال السجود الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين. فهذا فرض أمر الله به رسول وبلغه الرسول لأمته.
ومن كماله الواجب أو المستحب مباشرة مصلاه بأديم وجهه واعتماده على الأرض بحيث ينالها ثقل رأسه وارتفاع أسافله على أعاليه، فهذا من تمام السجود ومن كماله أن يكون على هيئة يأخذ فيها كل عضو من البدن بحظه من الخضوع فيقل بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه ولا يفرشهما على الأرض ليستقل كل عضو منه بالعبودية.
ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدا لله اعتزل ناحية يبكي ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار.
ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرون ثم سماع كلامه، وذم من لا يقع ساجدا عنده ولذلك كان قول من أوجبه قويا في الدليل، ولما علمت السحرة صدق موسى وكذب فرعون خروا سجدا لربهم فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السحر.
ولذلك أخبر سبحانه عن سجود جميع المخلوقات له فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، فأخبر عن إيمانهم بعلوه وفوقيته وخضوعهم له بالسجود تعظيما وإجلالا، وقال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوُابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾.
فالذي حق عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه وهو الذي أهانه بترك السجود له، وأخبر أنه لا مكرم له، وقد هان على ربه حيث لم يسجد له، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾.
ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله بحسب نصيبه من عبوديته وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية متضمنة لأقسامها كانت أفضل أعمال العبد ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه.
وكان السجود أفضل أركانها الفعلية وسرها الذي شرعت لأجله وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان وجعله خاتمة الركعة وغايتها وشرع فعله بعد الركوع، فإن الركوع توطئة له ومقدمة بين يديه، وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه وهو قول: العبد " سبحان ربي الأعلى". فهذا أفضل ما يقال فيه، ولم يرد عن النبي ﷺ أمره في السجود بغيره حيث قال: "اجعلوها في سجودكم"، ومن تركه عمدا فصلاته باطلة عند كثير من العلماء منهم الإمام أحمد وغيره؛ لأنه لم يفعل ما أمر به وكان وصف الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه فذكر علو ربه في حال سقوطه وهو كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه ونزه ربه عما لايليق به مما يضاد عظمته وعلوه.
ثم لما شرع السجود بوصف التكرار لم يكن بد من الفصل بين السجدتين ففصل بينهما بركن مقصود شرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه وهو سؤال العبد المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق، فإن هذه تتضمن جلب خير الدنيا والآخرة ودفع شر الدنيا والآخرة.
فالرحمة تحصل الخير، والمغفرة تقي الشر، والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق إعطاء ما به قوام البدن من الطعام والشراب وما به قوام الروح والقلب من العلم والإيمان، وجعل جلوس الفصل محلا لهذا الدعاء لما تقدمه من رحمة الله والثناء عليه والخضوع له فكان هذا وسيلة للداعي ومقدمة بين يدي حاجته فهذا الركن مقصود الدعاء فيه فهو ركن وضع للرغبة وطلب العفو والمغفرة والرحمة؛ فإن العبد لما أتى بالقيام والحمد والثناء والمجد ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرب وتعظيمه ثم عاد إلى الحمد والثناء ثم كمل ذلك بغاية التذلل والخضوع والاستكانة بقي سؤال حاجته واعتذاره وتنصله؛ فشرع له أن يتمثل في الخدمة فيقعد فعل العبد الذليل جاثيا على ركبتيه كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده راغبا راهبا معتذرا إليه مستعديا إليه على نفسه الأمارة بالسوء.
ثم شرع له تكرير هذه العبودية مرة بعد مرة إلى إتمام الأربع، كما شرع له تكرير الذكر مرة بعد مرة لأنه أبلغ في حصول المقصود وأدعى إلى الاستكانة والخضوع، فلما أكمل ركوع الصلاة وسجودها وقراءتها وتسبيحها فالتابعون شرع له أن يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشع المتذلل المستكين جاثيا على ركبتيه ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التحيات وأفضلها عوضا عن تحية المخلوق للمخلوق إذا واجهه أو دخل عليه فإن الناس يحيون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيات التي يحيون بها قلوبهم، فبعضهم يقول: أنعم صباحا، وبعضهم يقول: لك البقاء والنعمة، وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك. وبعضهم يقول: تعيش ألف عام، وبعضهم يسجد للملوك وبعضهم يسلم، فتحياتهم بينهم تتضمن ما بحبه المحيى من الأقوال والأفعال والمشركون يحيون أصنامهم.
قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسحون بأصنامهم ويقولون: لك الحياة الدائمة، فلما جاء الإسلام أمروا أن يجعلوا أطيب تلك التحيات وأزكاها وأفضلها لله فالتحية هي تحية من العبد للحي الذي لا يموت وهو سبحانه أولى بتلك التحيات من كل ما سواه؛ فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام ولا يستحق أحد هذه التحيات إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه، وكذلك قوله والصلوات فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله عز وجل، والصلاة لغيره من أعظم الكفر والشرك به، وكذلك قوله والطيبات هي صفة الموصوف المحذوف أي الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده فهو طيب وأفعاله طيبة وصفاته أطيب شيء وأسماؤه أطيب الأسماء واسمه الطيب ولا يصدر عنه إلا طيب ولا يصعد إليه إلا طيب ولا يقرب منه إلا طيب وإليه يصعد الكلم الطيب، وفعله طيب والعمل الطيب يعرج إليه فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه. قال النبي ﷺ: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"، وفي حديث رقية المريض الذي رواه أبو داود رقم وغيره: "أنت رب الطيبين ولا يجاوره من عباده إلا الطيبون"، كما يقال: لأهل الجنة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. وقد حكم سبحانه في شرعه وقدره أن: الطيبات للطيبين، فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق فالكلمات الطيبات والأفعال الطيبات والصفات الطيبات والأسماء الطيبات كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته، ولا تصلح هذه التحية الطيبة إلا له، ولما كان السلام من أنواع التحية وكان المسلم داعيا لمن يحييه وكان الله سبحانه هو الذي يطلب منه السلام لعباده الذين اختصهم بعبوديته وارتضاهم لنفسه وشرع أن يبدأ بأكرمهم عليه وأحبهم إليه وأقربهم منه منزلة في هذه التحية بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإسلام فشرع أن يكون خاتمة الصلاة فدخل فيها بالتكبير والحمد والثناء والتمجيد وتوحيد الربوبية والإلهية وختمها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
وشرعت هذه التحية في وسط الصلاة، إذا زادت على ركعتين تشبيها لها بجلسة الفصل بين السجدتين وفيها مع الفصل راحة للمصلي لاستقباله الركعتين الآخرتين بنشاط وقوة، بخلاف ما إذا والى بين الركعات، ولهذا كان الأفضل في النفل مثنى مثنى وإن تطوع بأربع جلس في وسطهن.
(فصل)
وجعلت كلمات التحيات في آخر الصلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها فإن المصلي إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الراغب الراهب يستعطي من ربه ما لا غنى به عنه، فشرع له أمام استعطائه كلمات التحيات مقدمة بين يدي سؤاله، ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده وسعادته، فكأن المصلي توسل إلى الله سبحانه بعبودتيه، ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة ثم الصلاة على رسوله ثم قيل له تخير من الدعاء أحبه إليك فذاك الحق الذي عليك وهذا الحق الذي لك، وشرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه تكميلا لقرة عينه بإكرام آله والصلاة عليهم، وأن يصلي عليه وعلى آله كما صلى على أبيه إبراهيم وآله والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله، ولذلك كان المطلوب لرسول الله ﷺ صلاة مثل الصلاة على إبراهيم وعلى جميع الأنبياء بعده وآله المؤمنين، فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما يصلي على رسول الله ﷺ بها وأفضل، فإذا أتى بها المصلي أمر أن يستعيذ بالله من مجامع الشر كله فإن الشر إما عذاب الآخرة وإما سببه فليس الشر إلا العذاب وأسبابه، والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ وعذاب في الآخرة، وأسبابه الفتنة وهي نوعان: كبرى وصغرى، فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات، والصغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال، فإن المفتون فيهما لا يتداركها.
ثم شرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته والدعاء في هذا المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام وأنفع للداعي، وهكذا كانت عامة أدعية النبي ﷺ كلها كانت في الصلاة من أولها إلى آخرها، فكان يدعو في الاستفتاح أنواعا من الدعاء وبعد الركوع وبعد رفع رأسه منه وفي السجود وبين السجدتين وفي التشهد قبل التسليم، وعلم الصديق دعاء يدعوا به في صلاته، وعلم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر.
وكان إذا دعا لقوم أو على قوم جعله في الصلاة بعد الركوع ومن ذلك أن المصلي قبل سلامه في محل المناجاة والقربة بين يدي ربه، فسؤاله في هذا الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يديه وقد سئل النبي ﷺ أي الدعاء أسمع فقال: "جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة". ودبر الصلاة جزؤها الأخير كدبر الحيوان ودبر الحائط وقد يراد بدبرها ما بعد انقضائها بقرينة تدل عليه كقوله: "تسبحون الله وتحمدونه وتكبرونه دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين"، فهنا دبرها الفراغ منها، وهذا نظير انقضاء الأجل، فإنه يراد له آخرالمدة ولما يفرغ ويراد به فراغها وانتهاؤها.
(فصل)
ثم ختمت بالتسليم وجعل تحليلا لها يخرج به المصلي منها كما يخرج بتحليل الحج منه، وجعل هذا التحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل الخير وأساسه فشرع لمن وراءه أن يتحلل بمثل ما تحلل به الإمام وفي ذلك دعاء له وللمصلين معه بالسلام، ثم شرع ذلك لكل مصل وإن كان منفردا فلا أحسن من هذا التحليل للصلاة، وكما أنه لا أحسن من كون التكبير تحريما لها فتحريمها تكبير الرب تعالى، والجامع لإثبات كل كمال له وتنزيه عن كل نقص وعيب وإفراده وتخصيصه بذلك وتعظيمه وإجلاله، فالتكبير يتضمن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيآتها، فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيل لمضمون الله أكبر وأي تحريم أحسن من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد، وهذا التحليل المتضمن الإحسان إلى إخوانه المؤمنين فافتتحت بالاخلاص وختمت بالإحسان.
وقال في كتاب (الكلام على مسألة السماع)
ثمَّ شرع لهم رفع اليدين عند الركوع تعظيمًا لأمر الله، وزينةً للصلاة، وعبودية خاصة لليدين كعبودية باقي الجوارح، واتباعًا لسنة رسول الله ﷺ، فهو حلية الصلاة، وزينتها، وتعظيم لشعائرها.
ثمّ شرع له التكبير الذي هو في انتقالات الصلاة من ركن إلى ركن، كالتلبية في انتقالات الحاج من مشعر إلى مشعر، فهو شعار الصلاة، كما أنّ التلبية شعار الحج، ليعلم العبد أنّ سرّ الصلاة هو تعظيم الرب تعالى وتكبيره بعبادته وحده.
ثمّ شرع له بأن يخضع للمعبود سبحانه بالركوع خضوعًا لعظمته واستكانةً لهيبته وتذللًا لعزته، فثنى العبد له صلبه، ووضع له قامتَه، ونكَّس له رأسه، وحنى له ظهره، معظمًا له ناطقًا بتسبيحه المقترن بتعظيمه، فاجتمع له خضوع القلب وخضوع الجوارح وخضوع القول، على أتم الأحوال، وجمع له في هذا الذكر بين الخضوع والتعظيم لربه والتنزيه له عن خضوع العبيد، وأن الخضوع وصف العبد، والعظمة وصف الرب.
وتمام عبودية الركوع أن يتصاغر العبد ويتضاءل بحيث يمحو تصاغُره كلَّ تعظيم منه لنفسه، ويُثبِت مكانه تعظيمَه لربه، وكلما استولى على قلبه تعظيمُ الرب ازداد تصاغره هو عند نفسه، فالركوع للقلب بالذات والقصد، وللجوارح بالتبع والتكملة.
ثمّ شرع له أن يحمد ربه ويثني عليه بآلائه عند اعتداله وانتصابه، ورجوعه إلى أحسن هيأته منتصبَ القامة معتدلها، فيحمد ربه ويثني عليه بأن وفَّقه لذلك الخضوع، ثمّ نقله منه إلى مقام الاعتدال والاستواء بين يديه، واقفًا في خدمته، كما كان في حال القراءة من ذلك الاعتدال ذوق خاص وحال يحصل للقلب سوى ذوق الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته، كركن الركوع والسجود سواء، ولهذا كان رسول الله ﷺ يُطيله كما يُطيل الركوع والسجود، ويكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد كما ذكرناه في هديه ﷺ، وكان في قيام الليل يُكثِر فيه من قول: "لربيّ الحمد، لربيّ الحمد"، يكررها.
ثمّ شرع له أن يكبّر ويَخِرَّ ساجدًا، ويُعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه مسندةً، راغمًا له أنفه خاضعًا له قلبه، ويضع أشرفَ ما فيه وهو وجهه بالأرض ولاسيما على التراب، مُعفِّرًا له بين يدي سيده، راغمًا له أنفه، خاضغا له قلبه وجوارحه، متذللًا لعظمته، خاضعًا لعزته، مستكينًا بين يديه، أذلَّ شيء وأكسرَه لربه تعالى، مسبِّحًا له بعلوِّه في أعظم سفوله، قد صارت أعاليه ملويَّة لأسافله ذلًّا وخضوعًا وانكسارًا، وقد طابق قلبه حال جسمه، فسجد القلب كما سجد الوجه، وقد سجد معه أنفه ويداه وركبتاه ورجلاه، وشرع له أن يُقِلَّ فخذيه عن ساقيه، وبطنَه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، ليأخذ كل جزء منه حظَّه من الخضوع، ولا يحمل بعضه بعضًا، فأحْرِ به في هذه الحال أن يكون أقربَ إلى ربه منه في غيرها من الأحوال، كما قال النبي ﷺ: "أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". ولما كان سجود القلب خضوعه التام لربه أمكنه استدامة هذا السجود إلى يوم لقائه. كما قيل لبعض السلف: هل يسجد القلب؟ قال: إي والله! سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقى الله.
ولما بنيت الصلاة على خمس: القراءة والقيام والركوع والسجود والذكر، سُمِّيت باسم كل واحد من هذه الخمس، فسميت قيامًا كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقراءة كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وركوعًا كقوله تعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وسجودًا كقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، وقوله: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وذكرًا كقوله: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]. وأشرف أفعالها السجود، وأشرف أذكارها القراءة، وأول سورة أنزلت على النبي ﷺ افتتحت بالقراءة وختمت بالسجود، ووضعت الركعة على ذلك، أولها قراءة وآخرها سجود.
ثمّ شرع له أن يرفع رأسه ويعتدل جالسًا، ولما كان هذا الاعتدال محفوفًا بسجودين: سجود قبله وسجود بعده، فينتقل من السجود إليه ثمّ منه إلى السجود، كان له شأن.
فكان رسول الله ﷺ يُطيله بقدر السجود، ويتضرع فيه إلى ربه ويستغفره، ويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته، وله ذوق خاص وحال للقلب غير ذوق السجود وحاله، فالعبد في هذا القعود قد تمثَّل جاثيًا بين يدي ربه، مُلقيًا نفسه بين يديه، معتذرًا إليه مما جناه، راغبًا إليه أن يغفر له ويرحمه مستعديًا على نفسه الأمّارة بالسوء. وكان النبي ﷺ يكرر الاستغفار، في هذه القعدة، ويكثر رغبته إلى الله فيها.
فمثِّلْ نفسَك بمنزلة غريمِ عليه حق الله وأنت كفيل به، والغريم مماطلٌ مخادع، وأنت مطلوب بالكفالة، والغريم مطلوب بالحق، فأنت تستعدي عليه حتى تستخرج ما عليه من الحق لتتخلص من المطالبة. والقلب شريك النفس في الخير والشر والثواب والعقاب والحمد والذم، والنفس من شأنها الإباق والخروج من رِقّ العبودية، وتضييع حقوق الله التي قبلها، والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها، وهي شريكه وأسيره إن قوي سلطانه.
فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله مستعديًا على نفسه، معتذرًا إلى ربه مما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه ويغفر له ويهديه ويرزقه ويعافيه. وهذه الخمس هي جماع خير الدنيا والآخرة، فإنّ العبد محتاج بل مضطرٌّ إلى تحصيل مصالحه في الدنيا وفي الآخرة، ودفع المضارِّ عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمنها هذا الدعاء، فإنّ الرزق يَجلِبُ له مصالحَ دنياه، والعافية تدفع مضارَّها، والهداية تَجلِب له مصالحَ أخراه، والمغفرة تدفع عنه مضارَّها، والرحمة تجمع ذلك كله.
وشرع له أن يعود ساجدًا كما كان، ولا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد، لفضل السجود وشرفه وموقعه من الله، حتى إنّه أقرب ما يكون إلى عبده وهو ساجد، وهو أدخل في العبودية وأعرقُ فيها من غيره، ولهذا جُعِل خاتمة الركعة، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحلُّه من الصلاة محل طواف الزيارة، وما قبله من التعريف وتوابعه مقدمات بين يديه، وكما أنّه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك وهو طائف. ولهذا قال بعض الصحابة لمن كلمه في طوافه بأمر من الدنيا: "أتقول هذا ونحن نتراءى لله في طوافنا؟ ". ولهذا والله أعلم جعل الركوع قبل السجود تدريجًا وانتقالًا من الشيء إلى ما هو أعلى منه.
وشرع له تكرير هذه الأفعال والأقوال، إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قِوامَ لهما إلّا بها، فكان تكريرها بمنزلة تكرير الأكل حتى يُشبع، والشرب حتى يُروِي، فلو تناول الجائع لقمة واحدة وأقلع عن الطعام، ماذا كانت تُغني عنه؟
ولهذا قال بعض السلف: "مثل الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع، إذا قُدِّم إليه طعام فتناول منه لقمة أو لقمتين، ماذا تُغنِي عنه؟ ".
هذا، وفي إعادة كل قول أو فعل من العبودية والقرب، وتنزيل الثانية منزلة الشكر على الأولى، وحصول مزيدٍ منها ومعرفةٍ وإقبالٍ وقوة قلب وانشراح صدر وزوال دَرَنٍ ووسخٍ عن القلب، بمنزلة غسل الثوب مرة بعد مرة، فهذه حكمة الله التي بهرت العقول في خلقه وأمره، ودلَّت على كمال رحمته ولطفه.
فلما قضى صلاته وأكملها ولم يبقَ إلا الانصراف منها، شرع له الجلوس بين يدي ربه، مُثنيًا عليه بأفضل التحيات التي لا تصلح إلا له، ولا تليق بغيره.
ولما كان عادة الملوك أن يُحيَّوا بأنواع التحيات من الأفعال والأقوال المتضمنة للخضوع والثناء وطلب البقاء ودوام الملك، فمنهم من يُحيّى بالسجود، ومنهم من يُحيّى بالثناء عليه، ومنهم من يُحيّى بطلب البقاء والدوام له، ومنهم من يُجمع له ذلك كله، فكان الملك الحق سبحانه أولى بالتحيات كلها من جميع خلقه، وهي له بالحقيقة، ولهذا فُسِّرت التحيات بالملك، وفسرت بالبقاء والدوام، وحقيقتها ما ذكرته، وهي تحيات الملك، فالملك الحق المبين أولى بها.
فكل تحية يُحيّى بها ملِكٌ من سجود أو ثناء أو بقاء ودوام فهي لله - عز وجل -، ولهذا أتى بها مجموعةً معرَّفةً باللام أداة العموم، وهي جمع تحية، وهي تفعلة من الحياة، وأصلها تَحيِيَة بوزن تكرِمة، ثمّ أُدغِم أحد المثلين في الآخر فصارت تحيَّة، وإذا كان أصلها من الحياة فالمطلوب بها لمن يُحيّا بها دوام الحياة.
وكانوا يقولون لملوكهم: لك الحياة الباقية، ولك الحياة الدائمة، وبعضهم يقول: عشرة آلاف سنة، واشتقَّ منها: أدام الله أيامك، وأطال الله بقاءك، ونحو ذلك مما يراد به دوام الحياة والملك، وذلك لا ينبغي إلا للحي الذي لا يموت، وللملك الذي كل مُلكٍ زائل غير ملكه.
ثمّ عطف عليها "الصلوات" بلفظ الجمع والتعريف، ليشمَل كلَّ ما أطلق عليه لفظ الصلاة خصوصًا وعمومًا، فكلها لله، لا تنبغي إلا له، فالتحيات له ملكًا، والصلوات له عبوديةً واستحقاقًا، فالتحيات لا تكون إلا له، والصلوات لا تنبغي إلا له.
ثمّ عطف عليها "الطيبات" كذلك، وهذا يتناول أمرين: الوصف والملك.
فأما الوصف فإنّه سبحانه طيب، وكلامه طيب، وفعله كله طيب، ولا يصدر منه إلا الطيب، ولا يضاف إليه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب، فالطيبات له وصفًا وفعلًا وقولًا ونسبةً، وكل طيب مضاف إليه، وكل مضاف إليه طيب، فله الكلمات الطيبات والأفعال الطيبات، وكل مضاف إليه كبيته وعبده وروحه وناقته وجنته فهي طيبات.
وأيضًا فمعاني الكلمات الطيّبات لله وحده، فإن الكلمات الطيبات تتضمن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده والثناء عليه بآلائه وأوصافه، فهذه الكلمات الطيبات التي يُثنى عليه بها ومعانيها له وحده لا يَشرَكُه فيها غيره، كسبحانك اللهمَّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ونحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ونحو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
فكل طيب فله وعنده ومنه وإليه، وهو طيب لا يقبل إلا طيبًا، وهو إله الطيبين، وجيرانُه في دار كرامته هم الطيبون.
فتأملْ أطيبَ الكلمات بعد القرآن كيف لا تنبغي إلا لله، وهي: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". فإن "سبحان الله" تتضمن تنزيهه عن كل نقص وعيب وسوء، وعن خصائص المخلوقين وشبههم. و"الحمد لله" تتضمن إثبات كل كمال له قولًا وفعلًا ووصفًا، على أتمِّ الوجوه وأكملها أزلًا وأبدًا. و"لا إله إلا الله" تتضمن انفراده بالإلهية، وأن كل معبود سواه فباطل، وأنه وحده الإله الحق، وأنه من تألَّه غيرَه فهو بمنزلة من اتخذ بيتًا من بيوت العنكبوت يأوي إليه ويسكنه. و"الله أكبر" تتضمن أنه أكبر من كل شيء وأجلُّ وأعظم وأعز وأقوى وأقدر وأعلم وأحكم. فهذه الكلمات الطيبات لا تصلح هي ومعانيها إلا لله وحده.
ثم شرع له أن يُسلِّم على عباد الله الذين اصطفى بعد تقدّم الحمد والثناء عليه بما هو أهله، فطابق ذلك قوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩]، وكأنه امتثال له. وأيضًا فإن هذا تحية المخلوق، فشُرعت بعد تحية الخالق، وقدّم في هذه التحية أولى الخلق بها، وهو النبي ﷺ الذي نالت أمته على يده كلَّ خير، وعلى نفسه بعده، وعلى سائر عباد الله الصالحين، وأخصهم بهذه التحية الأنبياء، ثم أصحاب رسول الله ﷺ، مع عمومها لكل عبدٍ لله صالحٍ في الأرض والسماء.
ثم شرع له بعد ذكر هذه التحية والتسليم على مَن يستحق التسليم خصوصًا وعمومًا أن يشهد شهادة الحق التي بُنِيت عليها الصلاة، وهي حق من حقوقها، ولا تنفعه إلا بقرينتها وهي شهادة لرسول الله بالرسالة، وختمت بها الصلاة، كما قال عبد الله بن مسعود: "فإذا قلتَ ذلك فقضيتَ صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد".
وهذا إمّا أن يُحمل على قضاء الصلاة حقيقةً كما يقوله الكوفيون، أو على مقاربة انقضائها ومشارفته كما يقوله أهل الحجاز وغيرهم، وعلى التقديرين فجُعلت شهادةُ الحق خاتمةَ الصلاة كما شرع أن تكون خاتمة الحياة، فمَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة، وكذلك شرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالشهادتين.
ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته، وشرع له أن يتوسل قبلها بالصلاة على النبي ﷺ، فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء، كما في السنن عن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصلِّ على رسوله، ثم ليسلْ حاجته".
فجاءت التحيات على ذلك، أولها حمدُ الله والثناء عليه، ثمّ الصلاة على رسوله، ثم الدعاء آخر الصلاة، وأذن النبي ﷺ للمصلي بعد الصلاة عليه أن يتخير من الدعاء أعجبَه إليه، ونظير هذا ما شرع لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، وأن يقول: "رضيتُ بالله ربّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، وأن يسألَ الله لرسوله الوسيلةَ والفضيلةَ، وأن يبعثَه المقامَ المحمود، ثم يصليّ عليه، ثم يسألَ حاجته. فهذه خمسُ سننٍ في إجابة المؤذن، لا ينبغي الغفلةُ عنها.
(فصل)
وسرُّ الصلاة وروحُها ولبُّها هو إقبالُ العبد على الله بكلّيته، فكما أنه لا ينبغي له أن يَصرِفَ وجهه عن قبلة الله يمينًا وشمالًا، فكذلك لا ينبغي له أن يَصرِفَ قلبه عن ربه إلى غيره؛ فالكعبة التي هي بيت الله قبلةُ
وجهه وبدنه، ورب البيت تبارك وتعالى هو قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرض أعرض الله عنه.
وللإقبالِ في الصلاة ثلاثُ منازلَ: إقبالٌ على قلبه، فيحفظه من الوساوس والخطراتِ المبطلةِ لثواب صلاته أو المُنقِصَة له، وإقبالٌ على الله بمراقبتِه حتى كأنه يراه، وإقبالٌ على معاني كلامه وتفاصيل عبوديةِ الصلاة ليُعطِيها حقَّها، فباستكمالِ هذه المراتب الثلاث تكون إقامةُ الصلاة حقًّا، ويكون إقبالُ الله على عبده بحسب ذلك.
فإذا انتصب العبد قائمًا بين يديه فإقباله على قيوميته وعظمته، وإذا كبَّر فإقباله على كبريائه، فإذا سبَّحه وأثنى عليه فإقباله على سُبُحاتِ وجهه، وتنزيهِه عما لا يليق به، والثناءِ عليه بأوصاف جماله، فإذا استعاذ به فإقباله على ركنِه الشديد وانتصارِه لعبده ومَنعِه له وحفظِه من عدوه، فإذا تلا كلامه فإقباله على معرفته من كلامه، حتى كأنه يراه ويشاهده في كلامه، فهو كما قال بعض السلف: "لقد تجلّى الله لعباده في كلامه". فهو في هذه الحال مُقبِلٌ على ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه.
فإذا ركع فإقباله على عظمته وجلاله وعزِّه، ولهذا شرع له أن يقول: سبحان ربي العظيم. فإذا رفع رأسه من الركوع فإقباله على حمده والثناءِ عليه وتمجيدِه وعبوديته له وتفردِه بالعطاء والمنع. فإذا سجدَ فإقبالُه على قربه والدنوِّ منه والخضوع له والتذلُّلِ بين يديه والانكسار والتملُّق. فإذا رفع رأسه وجَثا على ركبتيه فإقباله على غناه وجوده وكرمِه، وشدّة حاجته إليه، وتضرعه بين يديه والانكسار، أن يغفر له ويرحمه ويعافيه ويهديه ويرزقه.
فإذا جلس في التشهد فله حال آخر وإقبال آخر، شِبْه حالِ الحاجِّ في طواف الوداع، وقد استشعر قلبُه الانصرافَ من بين يدي ربه، وموافاةَ العلائقِ والشواغلِ التي قطعَها الوقوفُ بين يديه، وقد ذاق تألم قلبه وعذابه بها، وباشرَ رَوْحَ القربِ ونعيمَ الإقبالِ على الله وعاقبَته، وانقطاعَها عنه مدةَ الصلاة، ثم استشعر قلبُه عودَها إليه بخروجه من حِمى الصلاة، فهو يحملُ همَّ انقضاءِ الصلاة وفراغها، ويقول ليتَها اتصلتْ بيوم اللقاء، ويعلم أنه ينصرف من مناجاةِ مَن كلُّ السعادةِ في مناجاته، إلى مناجاةِ مَن الأذى والهمُّ والغمُّ والنَّكدُ في مناجاته، ولا يشعر بهذا وهذا إلا قلبٌ حيٌّ معمور بذكر الله ومحبته والأنسِ به.
ولما كان العبد بين أمرين من ربه - عزّ وجل -:
أحدهما: حكمٌ عليه في أحواله كلِّها ظاهرًا وباطنًا، واقتضاؤه منه القيامَ بعبوديةِ حكمِه، فإن لكل حكمٍ عبوديةً تخصُّه، أعني الحكم الكوني القدري.
والثاني: فعلٌ يفعله العبد عبوديةً لربه، وهو مُوجَبُ حكمِه الديني الأمري.
وكلا الأمرين يُوجِبان تسليمَ النفس إليه تعالى، ولهذا اشتُقَّ له اسمُ الإسلام من التسليم، فإنه لما أسلم نفسَه لحكم ربه الديني الأمري، ولحكمه الكوني القدري، بقيامه بعبوديته فيه لا باسترساله معه، استحقَّ اسمَ الإسلام، فقيل له مسلم. ولما اطمأنّ قلبه بذكره وكلامه ومحبته وعبوديته، سكن إليه وقَرّتْ عينُه به، فنال الأمانَ بإيمانه.
= كان قيامُه بهذين الأمرين أمرًا ضروريًا له، لا حياةَ له ولا فلاحَ ولا سعادةَ إلا بهما.
ولمّا كان ما بُلِيَ به من النفسِ الأمّارة والهوى المقتضِي والطباع المطالِبة والشيطان المُغوِي، يقتضي منه إضاعةَ حظِّه من ذلك أو نقصانَه، اقتضتْ رحمةُ العزيز الرحيم أن شرَعَ له الصلاة مُخلِفَة عليه ما ضاعَ منه، رادّةً عليه ما ذهب، مجدِّدة له ما أخلقَ من إيمانه، وجُعِلتْ صورتهُا على صورة أفعاله خشوعًا وخضوعًا وانقيادًا وتسليمًا، وأعطى كلَّ جارحة من الجوارح حظَّها من العبودية، وجعلَ ثمرتها وروحَها إقبالَه على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها وجزاءها القربَ منه ونيلَ كرامته في الدنيا والآخرة، وجعلَ منزلتَها ومحلَّها الدخولَ على الله تبارك وتعالى والتزينَ للعرض عليه، تذكيرًا بالعرضِ الأكبر عليه يومَ اللقاء.
وكما أن الصوم ثمرته تطهيرُ النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم النفس التي اشتراها سبحانه من العباد وجعلَ الجنة ثمنَها، فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذُكِرَ من ثمراتِ الأعمال. ولذلك لم يقل النبي ﷺ: جُعِلت قرةُ عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة، وإنما قال: "وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة".
وتأمَّلْ قولَه: "جُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"، ولم يقل "بالصلاة" إعلامًا بأن عينَه إنما تَقَرُّ بدخوله فيها، كما تَقَرُّ عينُ المحب بملابسته لمحبوبه، وتَقَرُّ عينُ الخائفِ بدخوله في محل أمنِه، فقرةُ العين بالدخول في الشيء أكملُ وأتمُّ من قرة العين به قبل الدخول. ولما جاء إلى راحة القلب من تعبِه ونَصَبِه قال: "يا بلالُ أرِحْنا بالصلاة" أي أقِمْها لنستريحَ بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزلِه وقرّ فيه وسكن.
وتأمَّلْ كيف قال: أرِحْنا بها، ولم يقل: أرِحْنا منها، كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغُرمًا، فهو لما امتلأ قلبه بغيرها وجاءت قاطعةً عن أشغاله ومحبوباته، وعلم أنه لابدّ له منها، فهو قائل بلسان حاله وقالِه: نصليِّ ونستريح من الصلاة، لا بها، فهذا لونٌ وذاك لون آخر، فالفرق بين مَن كانت الصلاة لحوائجه قيدًا ولقلبه سجنًا ولنفسه عائقًا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه نعيمًا، ولعينه قرة، ولحوائجه راحة، ولنفسه بستانًا ولذة.
فالأول الصلاة سجنٌ لنفسه وتقييدٌ لها عن التورط في مساقط الهلكات، وقد ينالون بها التكفير والثواب، وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها، والقسم الآخر الصلاةُ بستان قلوبهم، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم، فهم فيها يتقلَّبون في النعيم. فصلاةُ هؤلاء تُوجِب لهم القربَ والمنزلةَ من الله، ويُشاركون الأولين في ثوابهم، ويختصُّون بأعلاه ومزيد المنزلة والقربة، وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١-٤٢].
فالأول عبدٌ قد دخل الدارَ والسترُ حاجبٌ بينه وبين رب الدار، فهو من وراء الستر، فلذلك لم تَقَرَّ عينُه، لأنه في حُجُب الشهوات، وغُيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار الأماني، فالقلب عليل، والنفس مُكِبَّة على ما تهواه، طالبةٌ لحظِّها العاجل، والآخر قد دخل دارَ الملك، ورُفِع الستر بينه وبينه، فقرَّتْ عينُه واطمأنّتْ نفسه، وخَشَع قلبُه وجوارحه، وعَبَدَ الله كأنه يراه، وتجلّى له في كلامه.
فهذه إشارةٌ ما ونبذة يسيرة جدًّا في ذوق الصلاة.
(فصل)
وما أحسن ما قال أبو الفرج بن الجوزي في بعض وعظه: حضور القلب أول منزل من منازل الصلاة
فإذا نزلته انتقلت إلى بادية المعنى فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى الضيف اليقظة وكشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية وقد تبعث قلبك في كل واد فربما تفجأك الصلاة وليس قلبك عندك فتبعث الرسول وراءه فلا يصادفه فتدخل في الصلاة بغير قلب والمقصود أنه قبيح بالعبد أن يقول بلسانه الله أكبر وقد امتلأ قلبه بغير الله فهو قبلة قلبه في الصلاة ولعله لا يحضر بين يدي ربه في شيء منها فلو قضى حق الله أكبر وأتى البيت من بابه لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات فهذا الباب الذي يدخل منه المصلى وهو التحريم وأما الباب الذي يخرج منه فهو باب السلام المتضمن أحد الأسماءا الحسنى فيكون مفتتحا لصلاته باسمه تبارك وتعالى ومختتما لها باسمه فيكون ذاكرا لاسم ربه أول الصلاة وآخرها فأولها باسمه وآخرها باسمه فدخل فيها باسمه وخرج منها باسمه مع ما في اسم السلام من الخاصية والحكمة المناسبة لانصراف المصلي من بين يدي الله تعالى فإن المصلي ما دام في صلاته بين يدي ربه فهو في حماه الذي لا يستطيع أحد أن يخفره بل هو في حمى من جميع الآفات والشرور فإذا انصرف من بين يديه تبارك وتعالى ابتدرته الآفات والبلايا والمحن وتعرضت له من كل جانب وجاءه الشيطان بمصائده وجنده فهو متعرض لأنواع البلايا والمحن فإذا انصرف من بين يدي الله مصحوبا بالسلام لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى وكان من تمام النعمة عليه أن يكون انصرافه من بين يدي ربه بسلام يستصحبه ويدوم له ويبقى معه.
فتدبر هذا السر الذي لو لم يكن في هذا التعليق غيره لكان كافيا، فكيف وفيه من الأسرار والفوائد ما لا يوجد عند أبناء الزمان والحمد في ذلك لله وحده.
(فصل: الالتفات في الصلاة)
وقوله في الحديث «وأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان.
(أحدهما) التفات القلب عن الله عز وجل إلى غير الله تعالى (الثاني) التفات البصر وكلاهما منهي عنه.
ولا يزال الله مقبلًا على عبده ما دام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله تعالى عنه.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال
«اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»
وفي أثر يقول الله تعالى: (إلى خير مني، إلى خير مني؟)
ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه أو مثل رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينًا وشمالًا وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به، لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظن هذا الرجل أن يفعل به السلطان؟ أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مبعدًا قد سقط من عينيه؟
فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته، وذلت عنقه له، واستحى من ربه تعالى أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه.
وبين صلاتيهما كما قال حسان عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وأن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل على الله عز وجل والآخر ساهٍ غافل.
فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه حجاب لم يكن إقبالًا ولا تقريبًا، فما الظن بالخالق عز وجل؟
وإذا أقبل على الخالق عز وجل وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب؟ والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنيه وينسيه ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة فيتهاون بها فيتركها.
فإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي شيء والحاجة وأيس منها فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله عز وجل، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عز وجل الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم تخف عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله.
فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه.
فوجد نشاطًا وراحة وروحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينيه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها.
فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم ﷺ
"يا بلال أرحنا بالصلاة"
ولم يقل أرحنا منها.
وقال ﷺ «جعلت قرة عيني في الصلاة»
فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟ فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان، حتى يستقبل بها الرحمن عز وجل فتقولحفظك الله تعالى كما حفظتني، وأما صلاة المفرط المضيع لحقوقها وحدودها وخشوعها، فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني.
وقد روي في حديث مرفوع رواه بكر بن بشر عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يرفعه أنه قال:
«ما من مؤمن يتم الوضوء إلى أمكانه ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها فيؤديها لله عز وجل لم ينقص من وقتها وركوعها وسجودها ومعالمها شيئًا إلا رفعت له إلى الله عز وجل بيضاء مسفرة يستضيء بنورها ما بين الخافقين حتى ينتهي بها إلى الرحمن عز وجل، ومن قام إلى الصلاة فلم يكمل وضوءها واخرها عن وقتها واسترق ركوعها وسجودها ومعالمها رفعت عنه سوداء مظلمة ثم لا تجاوز شعر رأسه تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ضيعك كما ضيعتني».
فالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه عز وجل.
فإذا كانت صلاة تصلح لربه تبارك وتعالى وتليق به كانت مقبولة.
(فصل)
اعلمْ أن اللذة التّامَّة والفرح والسُّرُور وطيب العَيْش والنَّعِيم إنَّما هو في معرفَة الله وتوحيده والأنس بِهِ والشوق إلى لِقائِه واجتماع القلب والهم عَلَيْهِ فَإن أنكد العَيْش عَيْش من قلبه مشتت وهمه مفرق فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مُسْتَقر يسْتَقرّ عِنْده ولا حبيب يأوي إلَيْهِ ويسكن إلَيْهِ كَما أفْصح القائِل عَن ذَلِك بقوله
؎(وَما ذاق طعم العَيْش من لم يكن لَهُ ∗∗∗ حبيب إلَيْهِ يطمئن ويسكن)
فالعيش الطّيب والحياة النافعة وقرة العين في السّكُون والطمأنينة إلى الحبيب الأول ولَو تنقل القلب في المحبوبات كلها لم يسكن ولم يطمئن إلى شَيْء مِنها ولم تقر بِهِ عينه حَتّى يطمئن إلى إلهه وربه ووليه الَّذِي لَيْسَ لَهُ من دونه ولي ولا شَفِيع ولا غنى لَهُ عَنهُ طرفَة عين كَما قالَ القائِل
؎(نقل فُؤادك حَيْثُ. . شِئْت من الهوى ∗∗∗ ما الحبّ إلّا للحبيب الأول)
؎(كم منزل في الأرْض يألفه الفَتى ∗∗∗ وحنينه أبدا لأوّل منزل)
فاحرص أن يكون همك واحِدًا وأن يكون هو الله وحده فَهَذا غايَة سَعادَة العَبْد وصاحب هَذِه الحال في جنَّة مُعجلَة قبل جنَّة الآخِرَة وفي نعيم عاجل كَما قالَ بعض الواجدين: إنَّه ليمر بِالقَلْبِ أوْقات أقُول إن كانَ أهل الجنَّة في مثل هَذا إنَّهُم لفي عَيْش طيب.
وَقالَ آخر: إنَّه ليمر بِالقَلْبِ أوْقات يرقص فِيها طَربا وقالَ آخر مَساكِين أهل الدُّنْيا خَرجُوا مِنها وما ذاقوا أطيب ... ما فِيها قيل لَهُ وما أطيب ما فِيها قالَ معرفَة الله ومحبته والأنس بِقُرْبِهِ والشوق إلى لِقائِه، ولَيْسَ في الدُّنْيا نعيم يشبه نعيم أهل الجنَّة إلّا هَذا ولِهَذا قالَ النَّبِي ﷺ حبب إلَيّ من دنياكم النِّساء والطّيب وجعلت قُرَّة عَيْني في الصَّلاة فَأخْبر أنه حبب إلَيْهِ من الدُّنْيا شَيْئانِ النِّساء والطّيب ثمَّ قالَ وجعلت قُرَّة عَيْني في الصَّلاة
وقرة العين فَوق المحبَّة فَإنَّهُ لَيْسَ كل مَحْبُوب تقر بِهِ العين وإنَّما تقر العين بِأعْلى المحبوبات الَّذِي يحب لذاته ولَيْسَ ذَلِك إلّا الله الَّذِي لا إلَه إلّا هو وكل ما سواهُ فَإنَّما يحب تبعا لمحبته فيحب لأجله ولا يحب مَعَه فَإن الحبّ مَعَه شرك والحب لأجله تَوْحِيد فالمشرك يتَّخذ ... من دون الله أندادا يُحِبهم كحب الله والموحد إنَّما يحب من يُحِبهُ لله ويبغض من يبغضه في الله ويفْعل ما يَفْعَله لله ويتْرك ما يتْركهُ لله ومدار الدّين على هَذِه القَواعِد الأرْبَعَة وهِي الحبّ والبغض ويَتَرَتَّب عَلَيْهِما الفِعْل والتّرْك والعطاء والمَنع فَمن اسْتكْمل أن يكون هَذا كُله لله اسْتكْمل الإيمان وما نقص مِنها أن يكون لله عاد ينقص إيمان العَبْد.
والمَقْصُود أن ما تقر بِهِ العين أعلى من مُجَرّد ما يُحِبهُ فالصَّلاة قُرَّة عُيُون المحبين في هَذِه الدُّنْيا لما فِيها من مُناجاة من لا تقر العُيُون ولا تطمئِن القُلُوب ولا تسكن النُّفُوس إلّا إلَيْهِ والتنعم بِذكرِهِ والتذلل والخضوع لَهُ والقرب مِنهُ ولا سِيما في حال السُّجُود وتلك الحال أقرب ما يكون العَبْد من ربه فِيها ومن هَذا قَول النَّبِي ﷺ يا بِلال أرحْنا بِالصَّلاةِ فَأعْلم بذلك أن راحَته ﷺ في الصَّلاة كَما أخبر أن قُرَّة عينه فِيها فَأيْنَ هَذا من قَول القائِل نصلي ونستريح من الصَّلاة
فالمحب راحَته وقرة عينه في الصَّلاة والغافل المعرض لَيْسَ لَهُ نصيب من ذَلِك بل الصَّلاة كَبِيرَة شاقة عَلَيْهِ إذا قامَ فِيها كَأنَّهُ على الجَمْر حَتّى يتَخَلَّص مِنها وأحب الصَّلاة إلَيْهِ أعجلها وأسرعها فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُرَّة عين فِيها ولا لِقَلْبِهِ راحَة بها والعَبْد إذا قرت عينه بِشَيْء واستراح قلبه بِهِ فأشق ما عَلَيْهِ مُفارقَته والمتكلف الفارغ القلب من الله والدّار الآخِرَة المُبْتَلى بمحبة الدُّنْيا أشق ما عَلَيْهِ الصَّلاة وأكره ما إلَيْهِ طولها مَعَ تفرغه وصِحَّته وعدم اشْتِغاله
وَمِمّا يَنْبَغِي أن يعلم أن الصَّلاة الَّتِي تقر بها العين ويستريح بها القلب هي الَّتِي تجمع سِتَّة مشاهد
المشهد الأول الإخْلاص وهو أن يكون الحامِل عَلَيْها والداعي إلَيْها رَغْبَة العَبْد في الله ومحبته لَهُ وطلب مرضاته والقرب مِنهُ والتودد إلَيْهِ وامتثال أمره بِحَيْثُ لا يكون الباعِث لَهُ عَلَيْها حظا من حظوظ الدُّنْيا ألْبَتَّة بل يَأْتِي بها ابْتِغاء وجه ربه الأعْلى محبَّة لَهُ وخوفا من عَذابه ورجاء لمغفرته وثوابه.
المشهد الثّانِي مشْهد الصدْق والنصح وهو أن يفرغ قلبه لله فِيها ويستفرغ جهده في إقباله فِيها على الله وجمع قلبه عَلَيْها وإيقاعها على أحسن الوُجُوه وأكملها ظاهرا وباطنا فَإن الصَّلاة لَها ظاهر وباطن.
فظاهرها الأفْعال المُشاهدَة والأقوال المسموعة وباطنها الخُشُوع والمراقبة وتفريغ القلب لله والإقبال بكليته على الله فِيها بِحَيْثُ لا يلْتَفت قلبه عَنهُ إلى غَيره فَهَذا بِمَنزِلَة الرّوح لَها والأفْعال بِمَنزِلَة البدن فَإذا خلت من الرّوح كانَت كبدن لا روح فِيهِ أفلا يستحي العَبْد أن يواجه سَيّده بِمثل ذَلِك ولِهَذا تلف كَما يلف الثَّوْب الخلق ويضْرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كَما ضيعتني.
والصَّلاة الَّتِي كمل ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشَّمْس حَتّى تعرض على الله فيرضاها ويقبلها وتقول حفظك الله كَما حفظتني.
(فصل)
المشهد الثّالِث مشْهد المُتابَعَة والاقتداء وهو أن يحرص كل الحِرْص على الِاقْتِداء في صلاته بِالنَّبِيِّ ﷺ ويُصلي كَما كانَ يُصَلِّي ويعرض عَمّا أحدث النّاس في الصَّلاة من الزِّيادَة والنُّقْصان والأوضاع الَّتِي لم ينْقل عَن رَسُول الله ﷺ شَيْء مِنها ولا عَن أحد من أصحابة ولا يقف عند أقْوال المرخصين الَّذين يقفون مَعَ أقل ما يَعْتَقِدُونَ وُجُوبه ويكون غَيرهم قد نازعهم في ذَلِك وأوجب ما أسقطوه ولَعَلَّ الأحادِيث الثّابِتَة والسّنة النَّبَوِيَّة من جانِبه ولا يلتفتون إلى ذَلِك ويَقُولُونَ نَحن مقلدون لمَذْهَب فلان وهَذا لا يخلص عند الله ولا يكون عذرا لمن تخلف عَمّا علمه من السّنة عِنْده فَإن الله سُبْحانَهُ إنَّما أمر بِطاعَة رَسُوله واتباعه وحده ولم يَأْمر بِاتِّباع غَيره وإنَّما يطاع غَيره إذا أمر بِما أمر بِهِ الرَّسُول وكل أحد سوى الرَّسُول ﷺ فمأخوذ من قَوْله ومتروك
وَقد أقسم الله سُبْحانَهُ بِنَفسِهِ الكَرِيمَة أنا لا نؤمن حَتّى نحكم الرَّسُول فِيما شجر بَيْننا وننقاد لحكمه ونسلم تَسْلِيمًا فَلا ينفعنا تحكيم غَيره والانقياد لَهُ ولا ينجينا من عَذاب الله ولا يقبل منا هَذا الجَواب إذا سمعنا نداءه سُبْحانَهُ يَوْم القِيامَة ﴿ماذا أجبتم المُرْسلين﴾ فَإنَّهُ لا بُد أن يسألنا عَن ذَلِك ويطالبنا بِالجَوابِ قالَ تَعالى ﴿فلنسألن الَّذين أرسل إلَيْهِم ولنسألن المُرْسلين﴾
وَقالَ النَّبِي ﷺ أُوحِي إلَيّ أنكم بِي تفتنون وعني تسْألُون يَعْنِي المَسْألَة في القَبْر فَمن انْتَهَت إلَيْهِ سنة رَسُول الله ﷺ وتركها لقَوْل أحد من النّاس فسيرد يَوْم القِيامَة ويعلم.
(فصل)
المشهد الرّابِع مشْهد الإحْسان وهو مشْهد المراقبة وهو أن يعبد الله كَأنَّهُ يراهُ وهَذا المشهد إنَّما ينشأ من كَمال الإيمان بِالله وأسمائه وصِفاته حَتّى كَأنَّهُ يرى الله سُبْحانَهُ فَوق سمواته مستويا على عَرْشه يتَكَلَّم بأمْره ونَهْيه ويُدبر أمر الخليقة فَينزل الأمر من عِنْده ويصعد إلَيْهِ وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عَلَيْهِ فَيشْهد ذَلِك كُله بِقَلْبِه ويشْهد أسماءه وصِفاته ويشْهد قيوما حَيا سميعا بَصيرًا عَزِيزًا حكيما آمرا ناهيا يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويفْعل ما يَشاء ويحكم ما يُرِيد وهو فَوق عَرْشه لا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أعمال العباد ولا أقْوالهم ولا بواطنهم بل يعلم خائِنَة الأعْين وما تخفي الصُّدُور
ومشهد الإحْسان أصل أعمال القُلُوب كلها فَإنَّهُ يُوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سُبْحانَهُ والذل لَهُ
؎وَيقطع الوسواس وحَدِيث ∗∗∗ النَّفس ويجمع القلب والهم على الله
فحظ العَبْد من القرب من الله على قدر حَظه من مقام الإحْسان وبحسبه تَتَفاوَت الصَّلاة حَتّى يكون بَين صَلاة الرجلَيْن من الفضل كَما بَين السَّماء والأرْض وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحِد.
(فصل)
المشهد الخامِس مشْهد المِنَّة وهو أن يشْهد أن المِنَّة لله سُبْحانَهُ كَونه أقامَهُ في هَذا المقام وأهله لَهُ ووفقه لقِيام قلبه وبدنه في خدمته فلولا الله سُبْحانَهُ لم يكن شَيْء من ذَلِك كَما كانَ الصَّحابَة يحدون بَين يَدي النَّبِي ﷺ فَيَقُولُونَ
؎(والله لَوْلا الله ما اهتدينا ∗∗∗ ولا تصدقنا ولا صلينا)
قالَ الله تَعالى ﴿يمنون عَلَيْك أن أسْلمُوا قل لا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أن هداكم للْإيمان إن كُنْتُم صادِقين﴾
فالله سُبْحانَهُ هو الَّذِي جعل المُسلم مُسلما والمُصَلي مُصَليا كَما قالَ الخَلِيل ﷺ ﴿رَبنا واجعلنا مُسلمين لَك ومن ذريتنا أمة مسلمة لَك﴾ وقالَ ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلاة ومن ذريتي﴾
فالمنة لله وحده في أن جعل عَبده قائِما بِطاعَتِهِ وكانَ هَذا من أعظم نعمه عَلَيْهِ
وَقالَ تَعالى ﴿وَما بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ وقالَ ﴿وَلَكِن الله حبب إلَيْكُم الإيمان وزينه في قُلُوبكم وكره إلَيْكُم الكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾
وَهَذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للْعَبد وكلما كانَ العَبْد أعظم توحيدا كانَ حَظه من هَذا المشهد أتم، وفِيه من الفَوائِد أنه يحول بَين القلب وبَين العجب بِالعَمَلِ ورؤيته فَإنَّهُ إذا شهد أن الله سُبْحانَهُ هو المان بِهِ المُوفق لَهُ الهادِي إلَيْهِ شغله شُهُود ذَلِك عَن رُؤْيَته والإعجاب بِهِ وأن يصول بِهِ على النّاس فيرفع من قلبه فَلا يعجب بِهِ ومن لِسانه فَلا يمن بِهِ ولا يتكثر بِهِ وهَذا شَأْن العَمَل المَرْفُوع ومن فَوائده أنه يضيف الحَمد إلى وليه ومستحقه فَلا يشْهد لنَفسِهِ حمدا بل يشهده كُله لله كَما يشْهد النِّعْمَة كلها مِنهُ والفضل كُله لَهُ والخَيْر كُله في يَدَيْهِ وهَذا من تَمام التَّوْحِيد فَلا يسْتَقرّ قدمه في مقام التَّوْحِيد إلّا بِعلم ذَلِك وشهوده فَإذا علمه ورسخ فِيهِ صار لَهُ مشهدا وإذا صار لِقَلْبِهِ مشهدا أثمر لَهُ من المحبَّة والأنس بِالله والشوق إلى لِقائِه والتنعم بِذكرِهِ وطاعته ما لا نِسْبَة بَينه وبَين أعلى نعيم الدُّنْيا ألْبَتَّة
وَما للمرء خير في حَياته إذا كانَ قلبه عَن هَذا مصدودا وطَرِيق الوُصُول إلَيْهِ عَنهُ مسدودا بل هو كَما قالَ تَعالى ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ﴾
(فصل)
المشهد السّادِس مشْهد التَّقْصِير وأن العَبْد لَو اجْتهد في القيام بِالأمر غايَة الِاجْتِهاد وبذل وسعه فَهو مقصر وحقّ الله سُبْحانَهُ عَلَيْهِ أعظم والَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أن يُقابل بِهِ من الطّاعَة والعبودية والخدمة فَوق ذَلِك بِكَثِير وأن عَظمته وجلاله سُبْحانَهُ يَقْتَضِي من العُبُودِيَّة ما يَلِيق بها.
وَإذا كانَ خدم المُلُوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لَهُم والتعظيم والاحترام والتوقير والحياء والمهابة والخشية والنصح بِحَيْثُ يفرغون قُلُوبهم وجوارحهم لَهُم فمالك المُلُوك ورب السَّمَوات والأرْض أولى أن يُعامل بذلك بل بأضعاف ذَلِك
وَإذا شهد العَبْد من نَفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حَقه ولا قَرِيبا من حَقه علم تَقْصِيره ولم يَسعهُ مَعَ ذَلِك غير الاسْتِغْفار والاعتذار من تَقْصِيره وتفريطه وعدم القيام بِما يَنْبَغِي لَهُ من حَقه وأنه إلى أن يغْفر لَهُ العُبُودِيَّة ويَعْفُو عَنهُ فِيها أحْوج مِنهُ إلى أن يطْلب مِنهُ عَلَيْها ثَوابًا وهو لَو وفاها حَقّها كَما يَنْبَغِي لكانَتْ مُسْتَحقَّة عَلَيْهِ بِمُقْتَضى العُبُودِيَّة فَإن عمل العَبْد وخدمته لسَيِّده مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده ومملوكه فَلَو طلب مِنهُ الأُجْرَة على عمله وخدمته لعده النّاس أحمَق وأخرق
هَذا ولَيْسَ هو عَبده ولا مَمْلُوكه على الحَقِيقَة وهو عبد الله ومملوكه على الحَقِيقَة من كل وجه لله سُبْحانَهُ
فعمله وخدمته مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده فَإذا أثابه عَلَيْهِ كانَ ذَلِك مُجَرّد فضل ومنة وإحسان إلَيْهِ لا يسْتَحقّهُ العَبْد عَلَيْهِ
وَمن هاهُنا يفهم معنى قَول النَّبِي ﷺ
"لن يدْخل أحد مِنكُم الجنَّة بِعَمَلِهِ قالُوا ولا أنْت يا رَسُول الله قالَ ولا أنا إلّا أن يتغمدني الله برحمة مِنهُ وفضل" وقالَ أنس بن مالك رَضِي الله عَنهُ "يخرج للْعَبد يَوْم القِيامَة ثَلاثَة دواوين ديوان فِيهِ حَسَناته وديوان فِيهِ سيئاته وديوان النعم الَّتِي أنعم الله عَلَيْهِ بها فَيَقُول الرب تَعالى لنعمه خذي حَقك من حَسَنات عَبدِي فَيقوم أصغرها فتستنفذ حَسَناته ثمَّ تَقول وعزَّتك ما استوفيت حَقي بعد فَإذا أرادَ الله أن يرحم عَبده وهبه نعمه عَلَيْهِ وغفر لَهُ سيئاته وضاعف لَهُ حَسَناته"
وَهَذا ثابت عَن أنس وهو أدل شَيْء على كَمال علم الصَّحابَة برَبهمْ وحقوقه عَلَيْهِم كَما أنهم أعلم الأمة بِنَبِيِّهِمْ وسنته ودينه فَإن في هَذا الأثر من العلم والمعرفة ما لا يُدْرِكهُ إلّا أولو البصائر العارفون بِالله وأسمائه وصِفاته وحقه ومن هُنا يفهم قَول النَّبِي ﷺ في الحَدِيث الَّذِي رَواهُ أبُو داوُد والإمام أحْمد من حَدِيث زيد بن ثابت وحُذَيْفَة وغَيرهما
"إن الله لَو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالِم لَهُم ولَو رَحِمهم لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أعْمالهم".
(فصل)
وملاك هَذا الشَّأْن أرْبَعَة أُمُور
نِيَّة صَحِيحَة وقُوَّة عالية يقارنهما رَغْبَة ورَهْبَة
فَهَذِهِ الأرْبَعَة هي قَواعِد هَذا الشَّأْن ومهما دخل على العَبْد من النَّقْص في إيمانه وأحواله وظاهره وباطنه فَهو من نُقْصان هَذِه الأرْبَعَة أو نُقْصان بَعْضها
فَلْيتَأمَّل اللبيب هَذِه الأرْبَعَة الأشْياء وليجعلها سيره وسلوكه ويَبْنِي عَلَيْها علومه وأعماله وأقواله وأحواله فَما نتج من نتج إلّا مِنها ولا تخلف من تخلف إلّا من فقدها.
والله أعلم والله المُسْتَعان وعَلِيهِ التكلان وإلَيْهِ الرَّغْبَة وهو المسؤول بِأن يوفقنا وسائِر إخْواننا من أهل السّنة لتحقيقها علما وعَملا إنَّه ولي ذَلِك والمان بِهِ وهو حَسبنا ونعم الوَكِيل.
(فصل)
والمقبول من العمل قسمان
(أحدهما) أن يصلي العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلق بالله عز وجل ذاكر لله عز وجل على الدوام، فأعمال هذا العبد تعرض على الله عز وجل حتى تقف قبالته فينظر الله عز وجل إليها، فإذا نظر إليها رآها خالصة لوجهه مرضية قد صدرت عن قلب سليم مخلص محب لله عز وجل متقرب إليه أحبها ورضيها وقبلها.
(والقسم الثاني): أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله فأركانه مشغولة بالطاعة وقلبه لاهٍ عن ذكر الله، وكذلك سائر أعماله، فإذا رفعت أعمال هذا إلى الله عز وجل لم تقف تجاهه ولا يقع نظره عليها، ولكن توضع حيث توضع دواوين الأعمال حتى تعرض عليه يوم القيامه فتميز، فيثيبه على ما كان له منها، ويرد عليه ما لم يرد وجهه به منها.
فهذا قبوله لهذا العمل إثابته عليه بمخلوق من مخلوقاته من القصور والأكل والشرب والحور العين، وإثابة الأول رضا العمل لنفسه، ورضاه عن معاملة عاملة وتقريبه منه وإعلاء درجته ومنزلته، فهذا يعطيه بغير حساب، فهذا لون والأول لون.
(فصل)
وَأمّا الصَّلاةُ، فَشَأْنُها في تَفْرِيحِ القَلْبِ وتَقْوِيتِهِ، وشَرْحِهِ وابْتِهاجِهِ ولَذَّتِهِ أكْبَرُ شَأْنٍ، وفِيها مِنَ اتِّصالِ القَلْبِ والرُّوحِ بِاللَّهِ، وقُرْبِهِ والتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ، والِابْتِهاجِ بِمُناجاتِهِ، والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، واسْتِعْمالِ جَمِيعِ البَدَنِ وقُواهُ وآلاتِهِ في عُبُودِيَّتِهِ، وإعْطاءِ كُلِّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنها، واشْتِغالِهِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالخَلْقِ ومُلابَسَتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ، وانْجِذابِ قُوى قَلْبِهِ وجَوارِحِهِ إلى رَبِّهِ وفاطِرِهِ، وراحَتِهِ مِن عَدُوِّهِ حالَةَ الصَّلاةِ ما صارَتْ بِهِ مِن أكْبَرِ الأدْوِيَةِ والمُفَرِّحاتِ والأغْذِيَةِ الَّتِي لا تُلائِمُ إلّا القُلُوبَ الصَّحِيحَةَ.
وَأمّا القُلُوبُ العَلِيلَةُ، فَهي كالأبْدانِ لا تُناسِبُها إلّا الأغْذِيَةُ الفاضِلَةُ.
فالصَّلاةُ مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ودَفْعِ مَفاسِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهي مَنهاةٌ عَنِ الإثْمِ، ودافِعَةٌ لِأدْواءِ القُلُوبِ، ومَطْرَدَةٌ لِلدّاءِ عَنِ الجَسَدِ، ومُنَوِّرَةٌ لِلْقَلْبِ، ومُبَيِّضَةٌ لِلْوَجْهِ، ومُنَشِّطَةٌ لِلْجَوارِحِ والنَّفْسِ، وجالِبَةٌ لِلرِّزْقِ، ودافِعَةٌ لِلظُّلْمِ، وناصِرَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وقامِعَةٌ لِأخْلاطِ الشَّهَواتِ، وحافِظَةٌ لِلنِّعْمَةِ، ودافِعَةٌ لِلنِّقْمَةِ، ومُنْزِلَةٌ لِلرَّحْمَةِ، وكاشِفَةٌ لِلْغُمَّةِ، ونافِعَةٌ مِن كَثِيرٍ مِن أوْجاعِ البَطْنِ.
وَقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ في " سُنَنِهِ " مِن حَدِيثِ مجاهد عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا نائِمٌ أشْكُو مِن وجَعِ بَطْنِي فَقالَ لِي: " يا أبا هُرَيْرَةَ أشِكَمَتْ دَرْدْ؟ "
قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: " قُمْ فَصَلِّ فَإنَّ في الصَّلاةِ شِفاءً».
وَقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلى أبِي هُرَيْرَةَ، وأنَّهُ هو الَّذِي قالَ ذَلِكَ لمجاهد، وهو أشْبَهُ. ومَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالفارِسِيِّ: أيُوجِعُكَ بَطْنُكَ؟
فَإنْ لَمْ يَنْشَرِحْ صَدْرُ زِنْدِيقِ الأطِبّاءِ بِهَذا العِلاجِ، فَيُخاطَبَ بِصِناعَةِ الطِّبِّ، ويُقالَ لَهُ الصَّلاةُ رِياضَةُ النَّفْسِ والبَدَنِ جَمِيعًا، إذْ كانَتْ تَشْتَمِلُ عَلى حَرَكاتٍ وأوْضاعٍ مُخْتَلِفَةٍ: مِنَ الِانْتِصابِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ، والتَّوَرُّكِ، والِانْتِقالاتِ، وغَيْرِها، مِنَ الأوْضاعِ الَّتِي يَتَحَرَّكُ مَعَها أكْثَرُ المَفاصِلِ، ويَنْغَمِزُ مَعَها أكْثَرُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ كالمَعِدَةِ والأمْعاءِ وسائِرِ آلاتِ النَّفْسِ والغِذاءِ فَما يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ الحَرَكاتِ تَقْوِيَةٌ وتَحْلِيلٌ لِلْمَوادِّ ولا سِيَّما بِواسِطَةِ قُوَّةِ النَّفْسِ، وانْشِراحِها في الصَّلاةِ، فَتَقْوى الطَّبِيعَةُ، فَيَنْدَفِعُ الألَمُ، ولَكِنْ داءُ الزَّنْدَقَةِ والإعْراضِ عَمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، والتَّعَوُّضِ عَنْهُ بِالإلْحادِ داءٌ لَيْسَ لَهُ دَواءٌ، إلّا نارٌ تَلَظّى لا يَصْلاها إلّا الأشْقى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى.
(فَصْلٌ)
فَإنْ قِيلَ: ما تَقُولُونَ في صَلاةٍ مِن عَدَمِ خُشُوعٍ هَلْ يُعْتَدُّ بِها أمْ لا؟
قِيلَ: أمّا الِاعْتِدادُ بِها في الثَّوابِ فَلا يُعْتَدُّ لَهُ فِيها إلّا بِما عَقِلَ فِيهِ مِنها، وخَشَعَ فِيهِ لِرَبِّهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ مِن صَلاتِكَ إلّا ما عَقِلْتَ مِنها.
وَفِي المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ، ولَمْ يُكْتَبْ لَهُ إلّا نِصْفُها، أوْ ثُلُثُها، أوْ
رُبُعُها حَتّى بَلَغَ عُشْرَها».
وَقَدْ عَلَّقَ اللَّهُ فَلاحَ المُصَلِّينَ بِالخُشُوعِ في صَلاتِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَخْشَعْ فَلَيْسَ مِن أهْلِ الفَلاحِ، ولَوِ اعْتَدَّ لَهُ بِها ثَوابًا لَكانَ مِنَ المُفْلِحِينَ.
وَأمّا الِاعْتِدادُ بِها في أحْكامِ الدُّنْيا، وسُقُوطِ القَضاءِ فَإنْ غَلَبَ عَلَيْها الخُشُوعُ وتَعَقَّلَها اعْتُدَّ بِها إجْماعًا، وكانَتِ السُّنَنُ، والأذْكارُ عَقِيبَها جَوابِرَ ومُكَمِّلاتٍ لِنَقْصِها.
وَإنْ غَلَبَ عَلَيْهِ عَدَمُ الخُشُوعِ فِيها، وعَدَمُ تَعَقُّلِها، فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في وُجُوبِ إعادَتِها، فَأوْجَبَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ مِن أصْحابِ أحْمَدَ، وأبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في إحْيائِهِ، لا في وسِيطِهِ وبَسِيطِهِ.
واحْتَجُّوا بِأنَّها صَلاةٌ لا يُثابُ عَلَيْها، ولَمْ يُضْمَن لَهُ فِيها الفَلاحُ، فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنها، ويَسْقُطُ القَضاءُ عَنْهُ كَصَلاةِ المُرائِي.
قالُوا: ولِأنَّ الخُشُوعَ والعَقْلَ رُوحُ الصَّلاةِ ومَقْصُودُها ولُبُّها، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِصَلاةٍ فَقَدَتْ رُوحَها ولُبَّها، وبَقِيَتْ صُورَتُها وظاهِرُها؟
قالُوا: ولَوْ تَرَكَ العَبْدُ واجِبًا مِن واجِباتِها عَمْدًا لَأبْطَلَها تَرْكُهُ. وغايَتُهُ: أنْ يَكُونَ بَعْضًا مِن أبْعاضِها بِمَنزِلَةِ فَواتِ عُضْوٍ مِن أعْضاءِ العَبْدِ المُعْتَقِ في الكَفّارَةِ، فَكَيْفَ إذا عَدِمَتْ رُوحَها، ولُبَّها ومَقْصُودَها؟ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ العَبْدِ المَيِّتِ، إذا لَمْ يُعْتَدَّ بِالعَبْدِ المَقْطُوعِ اليَدِ، يَعْتِقُهُ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى في كَفّارَةٍ واجِبَةٍ، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِالعَبْدِ المَيِّتِ.
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الصَّلاةُ كَجارِيَةٍ تُهْدى إلى مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ، فَما الظَّنُّ بِمَن يَهْدِي إلَيْهِ جارِيَةً شَلّاءَ، أوْ عَوْراءَ، أوْ عَمْياءَ، أوْ مَقْطُوعَةَ اليَدِ والرِّجْلِ، أوْ مَرِيضَةً، أوْ دَمِيمَةً، أوْ قَبِيحَةً، حَتّى يُهْدِيَ إلَيْهِ جارِيَةً مَيِّتَةً بِلا رُوحٍ وجارِيَةً قَبِيحَةً، فَكَيْفَ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُهْدِيها العَبْدُ، ويَتَقَرَّبُ بِها إلى رَبِّهِ تَعالى؟ واللَّهُ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، ولَيْسَ مِنَ العَمَلِ الطَّيِّبِ صَلاةٌ لا رُوحَ فِيها، كَما أنَّهُ لَيْسَ مِنَ العِتْقِ الطَّيِّبِ عِتْقُ عَبْدٍ لا رُوحَ فِيهِ.
قالُوا: وتَعْطِيلُ القَلْبِ عَنْ عُبُودِيَّةِ الحُضُورِ والخُشُوعِ: تَعْطِيلٌ لِمَلِكِ الأعْضاءِ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ، وعَزْلٌ لَهُ عَنْها، فَماذا تُغْنِي طاعَةُ الرَّعِيَّةِ وعُبُودِيَّتُها، وقَدْ عُزِلَ مِلْكُها وتَعَطَّلَ؟
قالُوا: والأعْضاءُ تابِعَةٌ لِلْقَلْبِ، تَصْلُحُ بِصَلاحِهِ، وتَفْسُدُ بِفَسادِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ قائِمًا بِعُبُودِيَّتِهِ، فالأعْضاءُ أوْلى أنْ لا يُعْتَدَّ بِعُبُودِيَّتِها، وإذا فَسَدَتْ عُبُودِيَّتُهُ بِالغَفْلَةِ والوَسْواسِ فَأنّى تَصِحُّ عُبُودِيَّةُ رَعِيَّتِهِ وجُنْدِهِ ومادَّتُهم مِنهُ، وعَنْ أمْرِهِ يُصْدِرُونَ، وبِهِ يَأْتَمِرُونَ؟
قالُوا: وفي التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ، مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ الدُّعاءَ مِن قَلْبٍ غافِلٍ» وهَذا إمّا خاصٌّ بِدُعاءِ العِبادَةِ، وإمّا عامٌّ لَهُ ولِدُعاءِ المَسْألَةِ، وإمّا خاصٌّ
بِدُعاءِ المَسْألَةِ الَّذِي هو أبْعَدُ، فَهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ دُعاءَ العِبادَةِ الَّذِي هو خاصٌّ حَقُّهُ مِن قَلْبٍ غافِلٍ.
قالُوا: ولِأنَّ عُبُودِيَّةَ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ والسَّهْوُ في الغالِبِ لا تَكُونُ مُصاحِبَةً لِلْإخْلاصِ، فَإنَّ الإخْلاصَ قَصْدُ المَعْبُودِ وحْدَهُ بِالتَّعَبُّدِ. والغافِلُ لا قَصْدَ لَهُ، فَلا عُبُودِيَّةَ لَهُ.
قالُوا: وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٤] ولَيْسَ السَّهْوُ عَنْها تَرْكَها، وإلّا لَمْ يَكُونُوا مُصَلِّينَ، وإنَّما هو السَّهْوُ عَنْ واجِبِها إمّا عَنِ الوَقْتِ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ، وإمّا عَنِ الحُضُورِ والخُشُوعِ، والصَّوابُ أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ لَهم صَلاةً، ووَصَفَهم بِالسَّهْوِ عَنْها فَهو السَّهْوُ عَنْ وقْتِها الواجِبِ، أوْ عَنْ إخْلاصِها وحُضُورِها الواجِبِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِالرِّياءِ، ولَوْ كانَ السَّهْوُ سَهْوَ تَرْكٍ لَما كانَ هُناكَ رِياءٌ.
قالُوا: ولَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ السَّهْوُ عَنْ واجِبٍ فَقَطْ، فَهو تَنْبِيهٌ عَلى التَّوَعُّدِ بِالوَيْلِ عَلى سَهْوِ الإخْلاصِ والحُضُورِ بِطَرِيقِ الأوْلى لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الوَقْتَ يَسْقُطُ في حالِ العُذْرِ، ويَنْتَقِلُ إلى بَدَلِهِ، والإخْلاصَ والحُضُورَ لا يَسْقُطُ بِحالٍ، ولا بَدَلَ لَهُ.
الثّانِي: أنَّ واجِبَ الوَقْتِ يَسْقُطُ لِتَكْمِيلِ مَصْلَحَةِ الحُضُورِ، فَيَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لِلشُّغْلِ المانِعِ مِن فِعْلِ إحْداهُما في وقْتِها بِلا قَلْبٍ ولا حُضُورٍ، كالمُسافِرِ، والمَرِيضِ، وذِي الشُّغْلِ الَّذِي يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الجَمْعِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ وغَيْرُهُ.
فَبِالجُمْلَةِ: مَصْلَحَةُ الإخْلاصِ والحُضُورِ، وجَمْعِيَّةُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ في الصَّلاةِ أرْجَحُ في نَظَرِ الشّارِعِ مِن مَصْلَحَةِ سائِرِ واجِباتِها، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يُبْطِلُها بِتَرْكِ تَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ، أوِ اعْتِدالٍ في رُكْنٍ، أوْ تَرْكِ حَرْفٍ، أوْ شَدَّةٍ مِنَ القُرْآنِ، أوْ تَرْكِ تَسْبِيحَةٍ أوْ قَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أوْ قَوْلِ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ أوْ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَحِّحُها مَعَ فَوْتِ لُبِّها، ومَقْصُودِها الأعْظَمِ، ورُوحِها وسِرِّها.
فَهَذا ما احْتَجَّتْ بِهِ هَذِهِ الطّائِفَةُ، وهي حُجَجٌ كَما تَراها قُوَّةً وظُهُورًا.
قالَ أصْحابُ القَوْلِ الآخَرِ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ «إذا أذَّنَ
المُؤَذِّنُ أدْبَرَ الشَّيْطانُ، ولَهُ ضُراطٌ حَتّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإذا قُضِيَ التَّأْذِينُ أقْبَلَ، فَإذا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أدْبَرَ، فَإذا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أقْبَلَ حَتّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ نَفْسِهِ، فَيُذَكِّرُهُ ما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، ويَقُولُ: اذْكُرْ كَذا، اذْكُرْ كَذا، لِما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى، فَإذا وجَدَ ذَلِكَ أحَدُكم فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جالِسٌ».
قالُوا: فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الصَّلاةِ الَّتِي قَدْ أغْفَلَهُ الشَّيْطانُ فِيها، حَتّى لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلّى بِأنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِإعادَتِها، ولَوْ كانَتْ باطِلَةً كَما زَعَمْتُمْ لَأمَرَهُ بِإعادَتِها.
قالُوا: وهَذا هو السِّرُّ في سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، تَرْغِيمًا لِلشَّيْطانِ في وسْوَسَتِهِ لِلْعَبْدِ، وكَوْنِهِ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحُضُورِ في الصَّلاةِ. ولِهَذا سَمّاهُما النَّبِيُّ ﷺ " المُرْغِمَتَيْنِ "، وأمَرَ مَن سَها بِهِما ولَمْ يُفَصِّلْ في سَهْوِهِ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ مُوجِبَ السُّجُودِ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والغالِبِ والمَغْلُوبِ، وقالَ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتانِ» ولَمْ يَسْتَثْنِ مِن ذَلِكَ السَّهْوِ الغالِبِ، مَعَ أنَّهُ الغالِبُ.
قالُوا: ولِأنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ عَلى الأفْعالِ الظّاهِرَةِ، وأمّا حَقائِقُ الإيمانِ الباطِنَةُ فَتِلْكَ عَلَيْها شَرائِعُ الثَّوابِ والعِقابِ، فَلِلَّهِ تَعالى حُكْمانِ: حُكْمٌ في الدُّنْيا عَلى الشَّرائِعِ الظّاهِرَةِ وأعْمالِ الجَوارِحِ، وحُكْمٌ في الآخِرَةِ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ، ولِهَذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ عَلانِيَةَ المُنافِقِينَ، ويَكِلُ أسْرارَهم إلى اللَّهِ فَيُناكِحُونَ، ويَرِثُونَ ويُورَثُونَ، ويُعْتَدُّ بِصَلاتِهِمْ في أحْكامِ الدُّنْيا، فَلا يَكُونُ حُكْمُهم حُكْمَ تارِكِ الصَّلاةِ، إذْ قَدْ أتَوْا بِصُورَتِها الظّاهِرَةِ، وأحْكامُ الثَّوابِ والعِقابِ لَيْسَتْ إلى البَشَرِ، بَلْ إلى اللَّهِ، واللَّهُ يَتَوَلّاهُ في الدّارِ الآخِرَةِ.
نَعَمْ لا يَحْصُلُ مَقْصُودُ هَذِهِ الصَّلاةِ مِن ثَوابِ اللَّهِ عاجِلًا ولا آجِلًا، فَإنَّ لِلصَّلاةِ مَزِيدَ ثَوابٍ عاجِلٍ في القَلْبِ مِن قُوَّةِ إيمانِهِ، واسْتِنارَتِهِ، وانْشِراحِهِ وانْفِساحِهِ ووُجُودِ حَلاوَةِ العِبادَةِ، والفَرَحِ والسُّرُورِ، واللَّذَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِمَنِ اجْتَمَعَ هَمُّهُ وقَلْبُهُ عَلى اللَّهِ، وحَضَرَ قَلْبُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما يَحْصُلُ لِمَن قَرَّبَهُ السُّلْطانُ مِنهُ، وخَصَّهُ بِمُناجاتِهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلى وأجَلُّ.
وَكَذَلِكَ ما يَحْصُلُ لِهَذا مِنَ الدَّرَجاتِ العُلى في الآخِرَةِ، ومُرافَقَةِ المُقَرَّبِينَ.
كُلُّ هَذا يَفُوتُهُ بِفَواتِ الحُضُورِ والخُضُوعِ، وإنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَكُونُ مُقامُهُما في الصَّفِّ واحِدًا، وبَيْنَ صَلاتَيْهِما كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولَيْسَ كَلامُنا في هَذا كُلِّهِ.
فَإنْ أرَدْتُمْ وُجُوبَ الإعادَةِ لَتَحْصُلَ هَذِهِ الثَّمَراتُ والفَوائِدُ فَذاكَ إلَيْهِ إنْ شاءَ أنْ يُحَصِّلَها وإنْ شاءَ أنْ يُفَوِّتَها عَلى نَفْسِهِ، وإنْ أرَدْتُمْ بِوُجُوبِها أنّا نُلْزِمُهُ بِها ونُعاقِبُهُ عَلى تَرْكِها، ونُرَتِّبُ عَلَيْهِ أحْكامَ تارِكِ الصَّلاةِ فَلا.
وَهَذا القَوْلُ الثّانِي أرْجَحُ القَوْلَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المؤمنون 23:2
[فصل: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق]
والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب للّه بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء فينكسر القلب للّه كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء وشهود نعم اللّه وجناياته هو فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح وأما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول أعوذ باللّه من خشوع النفاق، قيل له وما خشوع النفاق؟ قال أن يرى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع. فالخاشع للّه عبد قد خمدت نيران شهوته وسكن دخانها عن صدره فانجلى الصدر وأشرق فيه نور العظمة فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي خشي به وخمدت الجوارح وتوقر القلب واطمأن إلى اللّه وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتا له والمخبت المطمئن فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فاستنقع فيه الماء، فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، علامته أن يسجد بين يدي ربه إجلالا له وذلا وانكسارا بين يديه سجدة لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه. وأما القلب المتكبر فإنه قد اهتز بتكبره عربا فهو كبقعة رابية من الأرض لا يستقر عليه الماء فهذا خشوع الإيمان.
وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة.
(فصل)
قال تعالى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فأمرنا بإقامتها وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار وقد علق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعا. بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعا، وكلما قل خشوعة اشتدت عجلته حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا اقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية والله سبحانه قد قال: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾. وقال: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ﴾. وقال: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقال: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ وقال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾، وقال لموسى ﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقرونا بإقامتها فالمصلون في الناس قليل ومقيم الصلاة منهم أقل القليل.
كما قال عمر رضي الله عنه: "الحاج قليل والركب كثير"
فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلة القسم، ويقولون يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم وليتنا نأتي به ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الله جل جلاله بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه فيزينه ويحسنه ما استطاع ثم يتقرب به إلى من يرجوه ويخافه كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه فيستريح منه ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع وليس من كانت الصلاة ربيعا لقلبه وحياة له وراحة وقرة لعينه وجلاء لحزنه وذهابا لهمه وغمه ومفزعا له إليه في نوائبه ونوازله كمن هي سحت لجوارحه، وتكليف له وثقل عليه فهي كبيرة على هذا وقرة عين وراحة لذلك.
وقال تعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلو قلوبهم من محبة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوع له وقلة رغبتهم فيه فإن حضور العبد في الصلاة وخشوعه فيها وتكميله لها واستفراغه وسعة في إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في الله تعالى.
قال الإمام أحمد في رواية مهنا بن يحيى: إنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقى الله عز وجل ولا قدر للإسلام عندك. فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك. وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصلاة كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة وقف هذا بقلب مخبت خاشع له قريب منه سليم من معارضات السوء قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة وسطع فيه نور الإيمان وكشف عنه حجاب النفس ودخان الشهوات فيرتع في رياض معاني القرآن، وخالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم وتفرد الرب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله فاجتمع همه على الله وقرت عينه به وأحسن بقربه من الله قربا لا نظير له ففرغ قلبه له وأقبل عليه بكليته، وهذا الإقبال منه بين اقبالين من ربه فإنه سبحانه أقبل عليه أولا، فانجذب قلبه إليه بإقباله؛ فلما أقبل على ربه حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول. وها هنا عجيبة من عجائب الأسماء والصفات تحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعا من صلاته ومحلا منها فإنه إذا انتصب قائما بين يدي الرب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيوميته، وإذا قال الله أكبر شاهد كبرياءه وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك شاهد بقلبه ربا منزها عن كل عيب سالما من كل نقص محمودا بكل حمد فحمده يتضمن وصفه بكل كمال وذلك يستلزم براءته من كل نقص تبارك اسمه، فلا يذكر على قليل إلا كثرة ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه ولا على آفة إلا أذهبها ولا على شيطان إلا رده خاسئا داحرا وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء فشأن المسمى أعلى وأجل.
(وتعالى جده) أي ارتفعت عظمته وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنه على كل شأن وقهر سلطانه على كل سلطان فتعالى جده أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته أو في الهيته أو في أفعاله أو في صفاته كما قال مؤمن الجن: ﴿وَأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾، فكم في هذه الكلمات من تجل لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المعطل لحقائقها، وإذا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه ويبعده عن قربه ليكون أسوأ حالا.
"فإذا قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: "حمدني عبدي".
فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، انتظر الجواب بقوله: "أثنى علي عبدي"، فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ انتظر جوابه: بـ "مجدني عبدي"، فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحا وسرورا بقول ربها وفاطرها ومعبودها: "حمدني عبدني وأثنى علي عبدي ومجدني عبدي"، ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي: الله والرب الرحمن، فشاهد قلبه من ذكر اسم الله تبارك وتعالى إلها معبودا موجودا مخوفا لا يستحق العبادة غيره ولا تنبغي إلا له، قد عنت له الوجوه وخضعت له الموجودات وخشعت له الأصوات ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾.
وكذلك خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلق الجن والإنس والطير والوحش والجنة والنار، وكذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع وألزم العباد الأمر والنهي وشاهد من ذكر اسمه رب العالمين قيوما. قام بنفسه وقام به كل شيء فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها. قد استوى على عرشه وتفرد بتدبير ملكه.
فالتدبير كله بيديه ومصير الامور كلها إليه، فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع والخفض والرفع والإحياء والإماتة والتوبة والعزل والقبض والبسط وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين ﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا معقب لحكمه ولا راد لأمره ولا مبدل لكلماته تعرج الملائكة والروح إليه وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه فيقدر المقادير ويوقت المواقيت ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائما بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه.
ثم يشهد عند ذكر اسم الرحمن جل جلاله ربا محسنا إلى خلقه بأنواع الإحسان متحببا إليهم بصنوف النعم، وسع كل شيء رحمة وعلما، وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلا فوسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي فبلغت رحمته حيث بلغ علمه، فاستوى على عرشه برحمته وخلق خلقه برحمته وأنزل كتبه برحمته وأرسل رسله برحمته وشرع شرائعه برحمته وخلق الجنة برحمته والنار أيضا برحمته فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه من خليقته.
فتأمل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعيظه من الرحمة البالغة والنعمة السابغة وما في حشوها من الرحمة والنعمة فالرحمة هي السبب المتصل منه بعباده كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم به فمنهم إليه العبودية ومنه إليهم الرحمة، ومن أخص مشاهد هذا الاسم شهود المصلي نصيبه من الرحمة الذي أقامه بها بين يدي ربه، وأهله لعبوديته ومناجاته وأعطاه ومنع غيره وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره وذلك من رحمته به.
فإذا قال: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين فيشهد ملكا قاهرا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز فيشهد بقلبه ملكا على عرش السماء مهيمنا لعزته تعنو الوجوه وتسجد، وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له فإن الملك الحق التام الملك لا يكون إلا حيا قيوما سميعا بصيرا مدبرا قادرا متكلما آمرا ناهيا مستويا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحق الرضا، ويثيبه ويكرمه ويدنيه، ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ويعطي من يشاء ويقرب من يشاء ويقصي من يشاء، له دار عذاب وهي النار، وله دار سعادة عظيمة وهي الجنة.
فمن أبطل شيئا من ذلك أو جحده وأنكر حقيقته فقد قدح في ملكه سبحانه وتعالى ونفى عنه كماله وتمامه.
وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره فقد أنكر عموم ملكه وكماله فيشهد المصلي مجد الرب تعالى في قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإذا قال: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففيها سر الخلق والأمر والدنيا والآخرة وهي متضمنة لأجل الغايات وأفضل الوسائل، فأجل الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته فلا معبود يستحق العبادة إلا هو ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات وإعانته أجل الوسائل، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى مئة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في أربعة: وهي التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، وجمع معانيها في القرآن وجمع معانيه في المفصل وجمع معانيه في الفاتحة وجمع معانيها في: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد: وهما توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، وتضمنت التعبد باسم الرب واسم الله فهو يعبد بألوهيته ويستعان بربوبيته ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته فكان أول السورة ذكر اسمه: الله والرب والرحمن تطابقا لأجل الطالب من عبادته وإعانته وهدايته. وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله. لا يعين على عبادته سواه ولا يهدي سواه.
ثم يشهد الداعي بقوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ شدة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها ألبتة فإنه محتاج إليه في كل نفس وطرفة عين.
وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه وهي هداية التفصيل وخلق القدرة على الفعل وإرادته وتكوينه وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب سبحانه وتعالى. وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله، ولما كان العبد مفتقرا في كل حال إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التوبة منها، وأمور هدى إلى أصلها دون تفصيلها أو هدى إليها من وجه دون وجه، فهو يحتاج إلى إتمام الهداية فيها ليزداد هدى، وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو يحتاج إلى الهداية فيها، وأمور لم يفعلها فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية، وأمور قد هدي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها فهو محتاج إلى الثبات عليها.
إلى غير ذلك من أنواع الهدايات - فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة، ثم بين أن أهل هذه الهداية هم المختصون بنعمته، دون المغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، ودون الضالين وهم الذين عبدوا الله بغير علم. فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم. فسبيل المنعم عليه مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها علما وعملا.
فلما فرغ من هذا الثناء والدعاء والتوحيد شرع له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين يكون كالخاتم له وافق فيه ملائكة السماء وهذا التأمين من زينة الصلاة كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة واتباع للسنة وتعظيم أمر الله وعبودية اليدين وشعار الانتقال من ركن إلى ركن. ثم يأخذ في مناجاة ربه بكلامه واستماعه من الإمام بالإنصات وحضور القلب وشهوده.
وأفضل أذكار الصلاة ذكر القيام وأحسن هيئة المصلي هيئة القيام، فخصت بالحمد والثناء والمجد وتلاوة كلام الرب جل جلاله، ولهذا نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود؛ لأنهما حالتا ذل وخضوع وتضامن وانخفاض، ولهذا شرع فيهما من الذكر ما يناسب هيئتهما فشرع للراكع أن يذكر عظمة ربه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه، وأنه سبحانه يوصف بوصف عظمته عما يضاد كبرياءه وجلاله وعظمته فأفضل ما يقول الراكع على الإطلاق: سبحان ربي العظيم، فإن الله سبحانه أمر العباد بذلك وعين المبلغ عنه السفير بينه وبين عباده هذا المحل لهذا الذكر لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾، قال: "اجعلوها في ركوعكم".
وأبطل كثير من أهل العلم صلاة من تركها عمدا، وأوجب سجود السهو على من سها عنها، وهذا مذهب الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الحديث والسنة، والأمر بذلك لا يقصر عن الأمر بالصلاة عليه ﷺ في التشهد الأخير ووجوبه لا يقصر عن وجوب مباشرة المصلي بالجبهة واليدين الركوع تعظيم الرب جل جلاله بالقلب والقالب والقول، ولهذا قال النبي ﷺ: "أما الركوع فعظموا فيه الرب".
(فصل)
ثم يرفع رأسه عائدا إلى أكمل حديثه، وجعل شعار هذا الركن حمد الله والثناء عليه وتحميده، فافتتح هذا الشعار بقول المصلي: "سمع الله لمن حمده" أي: سمع سمع قبول وإجابة، ثم شفع بقوله: "ربنا ولك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء" ولا يهمل أمر هذه الواو في قوله: "ربنا ولك الحمد"؛ فإنه قد ندب الأمر بها في الصحيحين، وهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما، فإن قوله: "ربنا" متضمن في المعنى أنت الرب والملك القيوم الذي بيديه أزمة الأمور وإليه مرجعها فعطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: "ربنا". قوله: "ولك الحمد" فتضمن ذلك معنى قول الموحد: له الملك وله الحمد. ثم أخبر عن شأن هذا الحمد وعظمته قدرا وصفة فقال: "ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء" أي: قدر ملء العالم العلوي والسفلي والفضاء الذي بينهما، فهذا الحمد قد ملأ الخلق الموجود وهو يملأ ما يخلقه الرب تبارك وتعالى بعد ذلك ما يشاؤه فحمده قد ملأ كل موجود وملأ ما سيوجد فهذا أحسن التقديرين. وقيل: ما شئت من شيء وراء العالم فيكون قوله بعد: للزمان على الأول، والمكان: على الثاني. ثم أتبع ذلك بقوله: "أهل الثناء والمجد" فعاد الأمر بعد الركعة إلى ما افتتح به الصلاة قبل الركعة: من الحمد والثناء والمجد، ثم أتبع ذلك بقوله: "أحق ما قال العبد" تقريرا لحمده وتمجيده والثناء عليه، وأن ذلك أحق ما نطق به العبد، ثم أتبع ذلك بالاعتراف بالعبودية وأن ذلك حكم عام لجميع العبيد ثم عقب ذلك بقوله: "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصلاة أيضا، فيقوله في هذين الموضعين اعترافا بتوحيده وأن النعم كلها منه، وهذا يتضمن أمورا أحدها أنه المنفرد بالعطاء والمنع. الثاني: أنه إذا أعطى لم يطق أحد منع من أعطاه وإذا منع لم يطق أحد إعطاء من منعه.
الثالث: أنه لا ينفع عنده ولا يخلص من عذابه ولا يدني من كرامته جدود بني آدم وحظوظهم من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش وغير ذلك، إنما ينفعهم عنده التقرب إليه بطاعته وإيثار مرضاته.
ثم ختم ذلك بقوله: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد"، كما افتتح به الركعة في أول الاستفتاح كما كان يختم الصلاة بالاستغفار وكان الاستغفار في أول الصلاة ووسطها وآخرها، فاشتمل هذا الركن على أفضل الأذكار وأنفع الدعاء من حمده وتمجيده والثناء عليه والاعتراف له بالعبودية والتوحيد والتنصل إليه من الذنوب والخطايا فهو ذكر مقصود في ركن مقصود ليس بدون الركوع والسجود.
(فصل)
ثم يكبر ويخر لله غير رافع يديه؛ لأن اليدين تنحطان للسجود كما ينحط الوجه فهما ينحطان لعبوديتهما فأغنى ذلك عن رفعهما، ولذلك لم يشرع رفعهما ثم رفع الرأس من السجود؛ لأنهما يرفعان معه كما يوضعان معه، وشرع السجود على أكمل الهيئة ومنعتها في العبودية وأعمها لسائر الأعضاء بحيث يأخذ كل جزء من البدن بحظه من العبودية، والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة وما قبله من الأركان كالمقدمات له فهو شبه طواف الزيارة في الحج فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته وما قبله كالمقدمات له، ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأفضل الأحوال له حال يكون فيها أقرب إلى الله، ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة. ولما خلق الله سبحانه العبد من الأرض، كان جديرا بأن لا يخرج عن أصله، بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه، فإن العبد لو ترك لطبعه ودواعي نفسه لتكبر وأشر وخرج عن أصله الذي خلق منه ولوثب على حق ربه من الكبرياء والعظمة فنازعه إياهما، وأمر بالسجود خضوعا لعظمة ربه وخشوعا له وتذللا بين يديه وانكسارا له فيكون هذا الخشوع والخضوع والتذلل ردا له إلى حكم العبودية ويتدارك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج به عن أصله فتمثل له حقيقة التراب الذي خلق منه وهو يضع أشرف شيء منه وأعلاه وهو الوجه، وقد صار أعلاه أسفله خضوعا بين يدي ربه الأعلى وخشوعا له وتذللا لعظمته واستكانة لعزته وهذا غاية خشوع الظاهر فإن الله سبحانه خلقه من الأرض التي هي مذللة للوطء بالأقدم واستعمله فيها ورده إليها ووعده بالإخراج منها فهي أمه وأبوه وأصله وفصله، فضمته حيا على ظهرها وميتا وجعلت له طهرا ومسجدا فأمر بالسجود إذ هو غاية خشوع الظاهر وأجمع العبودية لسائر الأعضاء فيعفر وجهه في التراب استكانة وتواضعا وخضوعا وإلقاء باليدين.
وقال مسروق لسعيد بن جبير ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب له، وكان النبي ﷺ لا يتقي الأرض بوجهه قصدا بل إذا اتفق له ذلك فعله. ولذلك سجد في الماء والطين، ولهذا كان من كمال السجود الواجب أنه يسجد على الأعضاء السبعة الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين. فهذا فرض أمر الله به رسول وبلغه الرسول لأمته.
ومن كماله الواجب أو المستحب مباشرة مصلاه بأديم وجهه واعتماده على الأرض بحيث ينالها ثقل رأسه وارتفاع أسافله على أعاليه، فهذا من تمام السجود ومن كماله أن يكون على هيئة يأخذ فيها كل عضو من البدن بحظه من الخضوع فيقل بطنه عن فخذيه وفخذيه عن ساقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه ولا يفرشهما على الأرض ليستقل كل عضو منه بالعبودية.
ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدا لله اعتزل ناحية يبكي ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار.
ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرون ثم سماع كلامه، وذم من لا يقع ساجدا عنده ولذلك كان قول من أوجبه قويا في الدليل، ولما علمت السحرة صدق موسى وكذب فرعون خروا سجدا لربهم فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السحر.
ولذلك أخبر سبحانه عن سجود جميع المخلوقات له فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، فأخبر عن إيمانهم بعلوه وفوقيته وخضوعهم له بالسجود تعظيما وإجلالا، وقال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوُابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾.
فالذي حق عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه وهو الذي أهانه بترك السجود له، وأخبر أنه لا مكرم له، وقد هان على ربه حيث لم يسجد له، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾.
ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان وقربه من الله بحسب نصيبه من عبوديته وكانت الصلاة جامعة لمتفرق العبودية متضمنة لأقسامها كانت أفضل أعمال العبد ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه.
وكان السجود أفضل أركانها الفعلية وسرها الذي شرعت لأجله وكان تكرره في الصلاة أكثر من تكرر سائر الأركان وجعله خاتمة الركعة وغايتها وشرع فعله بعد الركوع، فإن الركوع توطئة له ومقدمة بين يديه، وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه وهو قول: العبد " سبحان ربي الأعلى". فهذا أفضل ما يقال فيه، ولم يرد عن النبي ﷺ أمره في السجود بغيره حيث قال: "اجعلوها في سجودكم"، ومن تركه عمدا فصلاته باطلة عند كثير من العلماء منهم الإمام أحمد وغيره؛ لأنه لم يفعل ما أمر به وكان وصف الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه فذكر علو ربه في حال سقوطه وهو كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه ونزه ربه عما لايليق به مما يضاد عظمته وعلوه.
ثم لما شرع السجود بوصف التكرار لم يكن بد من الفصل بين السجدتين ففصل بينهما بركن مقصود شرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه وهو سؤال العبد المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق، فإن هذه تتضمن جلب خير الدنيا والآخرة ودفع شر الدنيا والآخرة.
فالرحمة تحصل الخير، والمغفرة تقي الشر، والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق إعطاء ما به قوام البدن من الطعام والشراب وما به قوام الروح والقلب من العلم والإيمان، وجعل جلوس الفصل محلا لهذا الدعاء لما تقدمه من رحمة الله والثناء عليه والخضوع له فكان هذا وسيلة للداعي ومقدمة بين يدي حاجته فهذا الركن مقصود الدعاء فيه فهو ركن وضع للرغبة وطلب العفو والمغفرة والرحمة؛ فإن العبد لما أتى بالقيام والحمد والثناء والمجد ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرب وتعظيمه ثم عاد إلى الحمد والثناء ثم كمل ذلك بغاية التذلل والخضوع والاستكانة بقي سؤال حاجته واعتذاره وتنصله؛ فشرع له أن يتمثل في الخدمة فيقعد فعل العبد الذليل جاثيا على ركبتيه كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده راغبا راهبا معتذرا إليه مستعديا إليه على نفسه الأمارة بالسوء.
ثم شرع له تكرير هذه العبودية مرة بعد مرة إلى إتمام الأربع، كما شرع له تكرير الذكر مرة بعد مرة لأنه أبلغ في حصول المقصود وأدعى إلى الاستكانة والخضوع، فلما أكمل ركوع الصلاة وسجودها وقراءتها وتسبيحها فالتابعون شرع له أن يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشع المتذلل المستكين جاثيا على ركبتيه ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التحيات وأفضلها عوضا عن تحية المخلوق للمخلوق إذا واجهه أو دخل عليه فإن الناس يحيون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيات التي يحيون بها قلوبهم، فبعضهم يقول: أنعم صباحا، وبعضهم يقول: لك البقاء والنعمة، وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك. وبعضهم يقول: تعيش ألف عام، وبعضهم يسجد للملوك وبعضهم يسلم، فتحياتهم بينهم تتضمن ما بحبه المحيى من الأقوال والأفعال والمشركون يحيون أصنامهم.
قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسحون بأصنامهم ويقولون: لك الحياة الدائمة، فلما جاء الإسلام أمروا أن يجعلوا أطيب تلك التحيات وأزكاها وأفضلها لله فالتحية هي تحية من العبد للحي الذي لا يموت وهو سبحانه أولى بتلك التحيات من كل ما سواه؛ فإنها تتضمن الحياة والبقاء والدوام ولا يستحق أحد هذه التحيات إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه، وكذلك قوله والصلوات فإنه لا يستحق أحد الصلاة إلا الله عز وجل، والصلاة لغيره من أعظم الكفر والشرك به، وكذلك قوله والطيبات هي صفة الموصوف المحذوف أي الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده فهو طيب وأفعاله طيبة وصفاته أطيب شيء وأسماؤه أطيب الأسماء واسمه الطيب ولا يصدر عنه إلا طيب ولا يصعد إليه إلا طيب ولا يقرب منه إلا طيب وإليه يصعد الكلم الطيب، وفعله طيب والعمل الطيب يعرج إليه فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه. قال النبي ﷺ: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"، وفي حديث رقية المريض الذي رواه أبو داود رقم وغيره: "أنت رب الطيبين ولا يجاوره من عباده إلا الطيبون"، كما يقال: لأهل الجنة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. وقد حكم سبحانه في شرعه وقدره أن: الطيبات للطيبين، فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق فالكلمات الطيبات والأفعال الطيبات والصفات الطيبات والأسماء الطيبات كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته، ولا تصلح هذه التحية الطيبة إلا له، ولما كان السلام من أنواع التحية وكان المسلم داعيا لمن يحييه وكان الله سبحانه هو الذي يطلب منه السلام لعباده الذين اختصهم بعبوديته وارتضاهم لنفسه وشرع أن يبدأ بأكرمهم عليه وأحبهم إليه وأقربهم منه منزلة في هذه التحية بالشهادتين اللتين هما مفتاح الإسلام فشرع أن يكون خاتمة الصلاة فدخل فيها بالتكبير والحمد والثناء والتمجيد وتوحيد الربوبية والإلهية وختمها بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
وشرعت هذه التحية في وسط الصلاة، إذا زادت على ركعتين تشبيها لها بجلسة الفصل بين السجدتين وفيها مع الفصل راحة للمصلي لاستقباله الركعتين الآخرتين بنشاط وقوة، بخلاف ما إذا والى بين الركعات، ولهذا كان الأفضل في النفل مثنى مثنى وإن تطوع بأربع جلس في وسطهن.
(فصل)
وجعلت كلمات التحيات في آخر الصلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها فإن المصلي إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الراغب الراهب يستعطي من ربه ما لا غنى به عنه، فشرع له أمام استعطائه كلمات التحيات مقدمة بين يدي سؤاله، ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده وسعادته، فكأن المصلي توسل إلى الله سبحانه بعبودتيه، ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة ثم الصلاة على رسوله ثم قيل له تخير من الدعاء أحبه إليك فذاك الحق الذي عليك وهذا الحق الذي لك، وشرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه تكميلا لقرة عينه بإكرام آله والصلاة عليهم، وأن يصلي عليه وعلى آله كما صلى على أبيه إبراهيم وآله والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله، ولذلك كان المطلوب لرسول الله ﷺ صلاة مثل الصلاة على إبراهيم وعلى جميع الأنبياء بعده وآله المؤمنين، فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما يصلي على رسول الله ﷺ بها وأفضل، فإذا أتى بها المصلي أمر أن يستعيذ بالله من مجامع الشر كله فإن الشر إما عذاب الآخرة وإما سببه فليس الشر إلا العذاب وأسبابه، والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ وعذاب في الآخرة، وأسبابه الفتنة وهي نوعان: كبرى وصغرى، فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات، والصغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال، فإن المفتون فيهما لا يتداركها.
ثم شرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته والدعاء في هذا المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام وأنفع للداعي، وهكذا كانت عامة أدعية النبي ﷺ كلها كانت في الصلاة من أولها إلى آخرها، فكان يدعو في الاستفتاح أنواعا من الدعاء وبعد الركوع وبعد رفع رأسه منه وفي السجود وبين السجدتين وفي التشهد قبل التسليم، وعلم الصديق دعاء يدعوا به في صلاته، وعلم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر.
وكان إذا دعا لقوم أو على قوم جعله في الصلاة بعد الركوع ومن ذلك أن المصلي قبل سلامه في محل المناجاة والقربة بين يدي ربه، فسؤاله في هذا الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يديه وقد سئل النبي ﷺ أي الدعاء أسمع فقال: "جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة". ودبر الصلاة جزؤها الأخير كدبر الحيوان ودبر الحائط وقد يراد بدبرها ما بعد انقضائها بقرينة تدل عليه كقوله: "تسبحون الله وتحمدونه وتكبرونه دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين"، فهنا دبرها الفراغ منها، وهذا نظير انقضاء الأجل، فإنه يراد له آخرالمدة ولما يفرغ ويراد به فراغها وانتهاؤها.
(فصل)
ثم ختمت بالتسليم وجعل تحليلا لها يخرج به المصلي منها كما يخرج بتحليل الحج منه، وجعل هذا التحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل الخير وأساسه فشرع لمن وراءه أن يتحلل بمثل ما تحلل به الإمام وفي ذلك دعاء له وللمصلين معه بالسلام، ثم شرع ذلك لكل مصل وإن كان منفردا فلا أحسن من هذا التحليل للصلاة، وكما أنه لا أحسن من كون التكبير تحريما لها فتحريمها تكبير الرب تعالى، والجامع لإثبات كل كمال له وتنزيه عن كل نقص وعيب وإفراده وتخصيصه بذلك وتعظيمه وإجلاله، فالتكبير يتضمن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيآتها، فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيل لمضمون الله أكبر وأي تحريم أحسن من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد، وهذا التحليل المتضمن الإحسان إلى إخوانه المؤمنين فافتتحت بالاخلاص وختمت بالإحسان.
وقال في كتاب (الكلام على مسألة السماع)
ثمَّ شرع لهم رفع اليدين عند الركوع تعظيمًا لأمر الله، وزينةً للصلاة، وعبودية خاصة لليدين كعبودية باقي الجوارح، واتباعًا لسنة رسول الله ﷺ، فهو حلية الصلاة، وزينتها، وتعظيم لشعائرها.
ثمّ شرع له التكبير الذي هو في انتقالات الصلاة من ركن إلى ركن، كالتلبية في انتقالات الحاج من مشعر إلى مشعر، فهو شعار الصلاة، كما أنّ التلبية شعار الحج، ليعلم العبد أنّ سرّ الصلاة هو تعظيم الرب تعالى وتكبيره بعبادته وحده.
ثمّ شرع له بأن يخضع للمعبود سبحانه بالركوع خضوعًا لعظمته واستكانةً لهيبته وتذللًا لعزته، فثنى العبد له صلبه، ووضع له قامتَه، ونكَّس له رأسه، وحنى له ظهره، معظمًا له ناطقًا بتسبيحه المقترن بتعظيمه، فاجتمع له خضوع القلب وخضوع الجوارح وخضوع القول، على أتم الأحوال، وجمع له في هذا الذكر بين الخضوع والتعظيم لربه والتنزيه له عن خضوع العبيد، وأن الخضوع وصف العبد، والعظمة وصف الرب.
وتمام عبودية الركوع أن يتصاغر العبد ويتضاءل بحيث يمحو تصاغُره كلَّ تعظيم منه لنفسه، ويُثبِت مكانه تعظيمَه لربه، وكلما استولى على قلبه تعظيمُ الرب ازداد تصاغره هو عند نفسه، فالركوع للقلب بالذات والقصد، وللجوارح بالتبع والتكملة.
ثمّ شرع له أن يحمد ربه ويثني عليه بآلائه عند اعتداله وانتصابه، ورجوعه إلى أحسن هيأته منتصبَ القامة معتدلها، فيحمد ربه ويثني عليه بأن وفَّقه لذلك الخضوع، ثمّ نقله منه إلى مقام الاعتدال والاستواء بين يديه، واقفًا في خدمته، كما كان في حال القراءة من ذلك الاعتدال ذوق خاص وحال يحصل للقلب سوى ذوق الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته، كركن الركوع والسجود سواء، ولهذا كان رسول الله ﷺ يُطيله كما يُطيل الركوع والسجود، ويكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد كما ذكرناه في هديه ﷺ، وكان في قيام الليل يُكثِر فيه من قول: "لربيّ الحمد، لربيّ الحمد"، يكررها.
ثمّ شرع له أن يكبّر ويَخِرَّ ساجدًا، ويُعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه مسندةً، راغمًا له أنفه خاضعًا له قلبه، ويضع أشرفَ ما فيه وهو وجهه بالأرض ولاسيما على التراب، مُعفِّرًا له بين يدي سيده، راغمًا له أنفه، خاضغا له قلبه وجوارحه، متذللًا لعظمته، خاضعًا لعزته، مستكينًا بين يديه، أذلَّ شيء وأكسرَه لربه تعالى، مسبِّحًا له بعلوِّه في أعظم سفوله، قد صارت أعاليه ملويَّة لأسافله ذلًّا وخضوعًا وانكسارًا، وقد طابق قلبه حال جسمه، فسجد القلب كما سجد الوجه، وقد سجد معه أنفه ويداه وركبتاه ورجلاه، وشرع له أن يُقِلَّ فخذيه عن ساقيه، وبطنَه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، ليأخذ كل جزء منه حظَّه من الخضوع، ولا يحمل بعضه بعضًا، فأحْرِ به في هذه الحال أن يكون أقربَ إلى ربه منه في غيرها من الأحوال، كما قال النبي ﷺ: "أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". ولما كان سجود القلب خضوعه التام لربه أمكنه استدامة هذا السجود إلى يوم لقائه. كما قيل لبعض السلف: هل يسجد القلب؟ قال: إي والله! سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقى الله.
ولما بنيت الصلاة على خمس: القراءة والقيام والركوع والسجود والذكر، سُمِّيت باسم كل واحد من هذه الخمس، فسميت قيامًا كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقراءة كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وركوعًا كقوله تعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وسجودًا كقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، وقوله: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وذكرًا كقوله: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]. وأشرف أفعالها السجود، وأشرف أذكارها القراءة، وأول سورة أنزلت على النبي ﷺ افتتحت بالقراءة وختمت بالسجود، ووضعت الركعة على ذلك، أولها قراءة وآخرها سجود.
ثمّ شرع له أن يرفع رأسه ويعتدل جالسًا، ولما كان هذا الاعتدال محفوفًا بسجودين: سجود قبله وسجود بعده، فينتقل من السجود إليه ثمّ منه إلى السجود، كان له شأن.
فكان رسول الله ﷺ يُطيله بقدر السجود، ويتضرع فيه إلى ربه ويستغفره، ويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته، وله ذوق خاص وحال للقلب غير ذوق السجود وحاله، فالعبد في هذا القعود قد تمثَّل جاثيًا بين يدي ربه، مُلقيًا نفسه بين يديه، معتذرًا إليه مما جناه، راغبًا إليه أن يغفر له ويرحمه مستعديًا على نفسه الأمّارة بالسوء. وكان النبي ﷺ يكرر الاستغفار، في هذه القعدة، ويكثر رغبته إلى الله فيها.
فمثِّلْ نفسَك بمنزلة غريمِ عليه حق الله وأنت كفيل به، والغريم مماطلٌ مخادع، وأنت مطلوب بالكفالة، والغريم مطلوب بالحق، فأنت تستعدي عليه حتى تستخرج ما عليه من الحق لتتخلص من المطالبة. والقلب شريك النفس في الخير والشر والثواب والعقاب والحمد والذم، والنفس من شأنها الإباق والخروج من رِقّ العبودية، وتضييع حقوق الله التي قبلها، والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها، وهي شريكه وأسيره إن قوي سلطانه.
فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله مستعديًا على نفسه، معتذرًا إلى ربه مما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه ويغفر له ويهديه ويرزقه ويعافيه. وهذه الخمس هي جماع خير الدنيا والآخرة، فإنّ العبد محتاج بل مضطرٌّ إلى تحصيل مصالحه في الدنيا وفي الآخرة، ودفع المضارِّ عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمنها هذا الدعاء، فإنّ الرزق يَجلِبُ له مصالحَ دنياه، والعافية تدفع مضارَّها، والهداية تَجلِب له مصالحَ أخراه، والمغفرة تدفع عنه مضارَّها، والرحمة تجمع ذلك كله.
وشرع له أن يعود ساجدًا كما كان، ولا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد، لفضل السجود وشرفه وموقعه من الله، حتى إنّه أقرب ما يكون إلى عبده وهو ساجد، وهو أدخل في العبودية وأعرقُ فيها من غيره، ولهذا جُعِل خاتمة الركعة، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحلُّه من الصلاة محل طواف الزيارة، وما قبله من التعريف وتوابعه مقدمات بين يديه، وكما أنّه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك وهو طائف. ولهذا قال بعض الصحابة لمن كلمه في طوافه بأمر من الدنيا: "أتقول هذا ونحن نتراءى لله في طوافنا؟ ". ولهذا والله أعلم جعل الركوع قبل السجود تدريجًا وانتقالًا من الشيء إلى ما هو أعلى منه.
وشرع له تكرير هذه الأفعال والأقوال، إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قِوامَ لهما إلّا بها، فكان تكريرها بمنزلة تكرير الأكل حتى يُشبع، والشرب حتى يُروِي، فلو تناول الجائع لقمة واحدة وأقلع عن الطعام، ماذا كانت تُغني عنه؟
ولهذا قال بعض السلف: "مثل الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع، إذا قُدِّم إليه طعام فتناول منه لقمة أو لقمتين، ماذا تُغنِي عنه؟ ".
هذا، وفي إعادة كل قول أو فعل من العبودية والقرب، وتنزيل الثانية منزلة الشكر على الأولى، وحصول مزيدٍ منها ومعرفةٍ وإقبالٍ وقوة قلب وانشراح صدر وزوال دَرَنٍ ووسخٍ عن القلب، بمنزلة غسل الثوب مرة بعد مرة، فهذه حكمة الله التي بهرت العقول في خلقه وأمره، ودلَّت على كمال رحمته ولطفه.
فلما قضى صلاته وأكملها ولم يبقَ إلا الانصراف منها، شرع له الجلوس بين يدي ربه، مُثنيًا عليه بأفضل التحيات التي لا تصلح إلا له، ولا تليق بغيره.
ولما كان عادة الملوك أن يُحيَّوا بأنواع التحيات من الأفعال والأقوال المتضمنة للخضوع والثناء وطلب البقاء ودوام الملك، فمنهم من يُحيّى بالسجود، ومنهم من يُحيّى بالثناء عليه، ومنهم من يُحيّى بطلب البقاء والدوام له، ومنهم من يُجمع له ذلك كله، فكان الملك الحق سبحانه أولى بالتحيات كلها من جميع خلقه، وهي له بالحقيقة، ولهذا فُسِّرت التحيات بالملك، وفسرت بالبقاء والدوام، وحقيقتها ما ذكرته، وهي تحيات الملك، فالملك الحق المبين أولى بها.
فكل تحية يُحيّى بها ملِكٌ من سجود أو ثناء أو بقاء ودوام فهي لله - عز وجل -، ولهذا أتى بها مجموعةً معرَّفةً باللام أداة العموم، وهي جمع تحية، وهي تفعلة من الحياة، وأصلها تَحيِيَة بوزن تكرِمة، ثمّ أُدغِم أحد المثلين في الآخر فصارت تحيَّة، وإذا كان أصلها من الحياة فالمطلوب بها لمن يُحيّا بها دوام الحياة.
وكانوا يقولون لملوكهم: لك الحياة الباقية، ولك الحياة الدائمة، وبعضهم يقول: عشرة آلاف سنة، واشتقَّ منها: أدام الله أيامك، وأطال الله بقاءك، ونحو ذلك مما يراد به دوام الحياة والملك، وذلك لا ينبغي إلا للحي الذي لا يموت، وللملك الذي كل مُلكٍ زائل غير ملكه.
ثمّ عطف عليها "الصلوات" بلفظ الجمع والتعريف، ليشمَل كلَّ ما أطلق عليه لفظ الصلاة خصوصًا وعمومًا، فكلها لله، لا تنبغي إلا له، فالتحيات له ملكًا، والصلوات له عبوديةً واستحقاقًا، فالتحيات لا تكون إلا له، والصلوات لا تنبغي إلا له.
ثمّ عطف عليها "الطيبات" كذلك، وهذا يتناول أمرين: الوصف والملك.
فأما الوصف فإنّه سبحانه طيب، وكلامه طيب، وفعله كله طيب، ولا يصدر منه إلا الطيب، ولا يضاف إليه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب، فالطيبات له وصفًا وفعلًا وقولًا ونسبةً، وكل طيب مضاف إليه، وكل مضاف إليه طيب، فله الكلمات الطيبات والأفعال الطيبات، وكل مضاف إليه كبيته وعبده وروحه وناقته وجنته فهي طيبات.
وأيضًا فمعاني الكلمات الطيّبات لله وحده، فإن الكلمات الطيبات تتضمن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده والثناء عليه بآلائه وأوصافه، فهذه الكلمات الطيبات التي يُثنى عليه بها ومعانيها له وحده لا يَشرَكُه فيها غيره، كسبحانك اللهمَّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ونحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ونحو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
فكل طيب فله وعنده ومنه وإليه، وهو طيب لا يقبل إلا طيبًا، وهو إله الطيبين، وجيرانُه في دار كرامته هم الطيبون.
فتأملْ أطيبَ الكلمات بعد القرآن كيف لا تنبغي إلا لله، وهي: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". فإن "سبحان الله" تتضمن تنزيهه عن كل نقص وعيب وسوء، وعن خصائص المخلوقين وشبههم. و"الحمد لله" تتضمن إثبات كل كمال له قولًا وفعلًا ووصفًا، على أتمِّ الوجوه وأكملها أزلًا وأبدًا. و"لا إله إلا الله" تتضمن انفراده بالإلهية، وأن كل معبود سواه فباطل، وأنه وحده الإله الحق، وأنه من تألَّه غيرَه فهو بمنزلة من اتخذ بيتًا من بيوت العنكبوت يأوي إليه ويسكنه. و"الله أكبر" تتضمن أنه أكبر من كل شيء وأجلُّ وأعظم وأعز وأقوى وأقدر وأعلم وأحكم. فهذه الكلمات الطيبات لا تصلح هي ومعانيها إلا لله وحده.
ثم شرع له أن يُسلِّم على عباد الله الذين اصطفى بعد تقدّم الحمد والثناء عليه بما هو أهله، فطابق ذلك قوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩]، وكأنه امتثال له. وأيضًا فإن هذا تحية المخلوق، فشُرعت بعد تحية الخالق، وقدّم في هذه التحية أولى الخلق بها، وهو النبي ﷺ الذي نالت أمته على يده كلَّ خير، وعلى نفسه بعده، وعلى سائر عباد الله الصالحين، وأخصهم بهذه التحية الأنبياء، ثم أصحاب رسول الله ﷺ، مع عمومها لكل عبدٍ لله صالحٍ في الأرض والسماء.
ثم شرع له بعد ذكر هذه التحية والتسليم على مَن يستحق التسليم خصوصًا وعمومًا أن يشهد شهادة الحق التي بُنِيت عليها الصلاة، وهي حق من حقوقها، ولا تنفعه إلا بقرينتها وهي شهادة لرسول الله بالرسالة، وختمت بها الصلاة، كما قال عبد الله بن مسعود: "فإذا قلتَ ذلك فقضيتَ صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد".
وهذا إمّا أن يُحمل على قضاء الصلاة حقيقةً كما يقوله الكوفيون، أو على مقاربة انقضائها ومشارفته كما يقوله أهل الحجاز وغيرهم، وعلى التقديرين فجُعلت شهادةُ الحق خاتمةَ الصلاة كما شرع أن تكون خاتمة الحياة، فمَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة، وكذلك شرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالشهادتين.
ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته، وشرع له أن يتوسل قبلها بالصلاة على النبي ﷺ، فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء، كما في السنن عن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصلِّ على رسوله، ثم ليسلْ حاجته".
فجاءت التحيات على ذلك، أولها حمدُ الله والثناء عليه، ثمّ الصلاة على رسوله، ثم الدعاء آخر الصلاة، وأذن النبي ﷺ للمصلي بعد الصلاة عليه أن يتخير من الدعاء أعجبَه إليه، ونظير هذا ما شرع لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، وأن يقول: "رضيتُ بالله ربّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، وأن يسألَ الله لرسوله الوسيلةَ والفضيلةَ، وأن يبعثَه المقامَ المحمود، ثم يصليّ عليه، ثم يسألَ حاجته. فهذه خمسُ سننٍ في إجابة المؤذن، لا ينبغي الغفلةُ عنها.
(فصل)
وسرُّ الصلاة وروحُها ولبُّها هو إقبالُ العبد على الله بكلّيته، فكما أنه لا ينبغي له أن يَصرِفَ وجهه عن قبلة الله يمينًا وشمالًا، فكذلك لا ينبغي له أن يَصرِفَ قلبه عن ربه إلى غيره؛ فالكعبة التي هي بيت الله قبلةُ
وجهه وبدنه، ورب البيت تبارك وتعالى هو قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرض أعرض الله عنه.
وللإقبالِ في الصلاة ثلاثُ منازلَ: إقبالٌ على قلبه، فيحفظه من الوساوس والخطراتِ المبطلةِ لثواب صلاته أو المُنقِصَة له، وإقبالٌ على الله بمراقبتِه حتى كأنه يراه، وإقبالٌ على معاني كلامه وتفاصيل عبوديةِ الصلاة ليُعطِيها حقَّها، فباستكمالِ هذه المراتب الثلاث تكون إقامةُ الصلاة حقًّا، ويكون إقبالُ الله على عبده بحسب ذلك.
فإذا انتصب العبد قائمًا بين يديه فإقباله على قيوميته وعظمته، وإذا كبَّر فإقباله على كبريائه، فإذا سبَّحه وأثنى عليه فإقباله على سُبُحاتِ وجهه، وتنزيهِه عما لا يليق به، والثناءِ عليه بأوصاف جماله، فإذا استعاذ به فإقباله على ركنِه الشديد وانتصارِه لعبده ومَنعِه له وحفظِه من عدوه، فإذا تلا كلامه فإقباله على معرفته من كلامه، حتى كأنه يراه ويشاهده في كلامه، فهو كما قال بعض السلف: "لقد تجلّى الله لعباده في كلامه". فهو في هذه الحال مُقبِلٌ على ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه.
فإذا ركع فإقباله على عظمته وجلاله وعزِّه، ولهذا شرع له أن يقول: سبحان ربي العظيم. فإذا رفع رأسه من الركوع فإقباله على حمده والثناءِ عليه وتمجيدِه وعبوديته له وتفردِه بالعطاء والمنع. فإذا سجدَ فإقبالُه على قربه والدنوِّ منه والخضوع له والتذلُّلِ بين يديه والانكسار والتملُّق. فإذا رفع رأسه وجَثا على ركبتيه فإقباله على غناه وجوده وكرمِه، وشدّة حاجته إليه، وتضرعه بين يديه والانكسار، أن يغفر له ويرحمه ويعافيه ويهديه ويرزقه.
فإذا جلس في التشهد فله حال آخر وإقبال آخر، شِبْه حالِ الحاجِّ في طواف الوداع، وقد استشعر قلبُه الانصرافَ من بين يدي ربه، وموافاةَ العلائقِ والشواغلِ التي قطعَها الوقوفُ بين يديه، وقد ذاق تألم قلبه وعذابه بها، وباشرَ رَوْحَ القربِ ونعيمَ الإقبالِ على الله وعاقبَته، وانقطاعَها عنه مدةَ الصلاة، ثم استشعر قلبُه عودَها إليه بخروجه من حِمى الصلاة، فهو يحملُ همَّ انقضاءِ الصلاة وفراغها، ويقول ليتَها اتصلتْ بيوم اللقاء، ويعلم أنه ينصرف من مناجاةِ مَن كلُّ السعادةِ في مناجاته، إلى مناجاةِ مَن الأذى والهمُّ والغمُّ والنَّكدُ في مناجاته، ولا يشعر بهذا وهذا إلا قلبٌ حيٌّ معمور بذكر الله ومحبته والأنسِ به.
ولما كان العبد بين أمرين من ربه - عزّ وجل -:
أحدهما: حكمٌ عليه في أحواله كلِّها ظاهرًا وباطنًا، واقتضاؤه منه القيامَ بعبوديةِ حكمِه، فإن لكل حكمٍ عبوديةً تخصُّه، أعني الحكم الكوني القدري.
والثاني: فعلٌ يفعله العبد عبوديةً لربه، وهو مُوجَبُ حكمِه الديني الأمري.
وكلا الأمرين يُوجِبان تسليمَ النفس إليه تعالى، ولهذا اشتُقَّ له اسمُ الإسلام من التسليم، فإنه لما أسلم نفسَه لحكم ربه الديني الأمري، ولحكمه الكوني القدري، بقيامه بعبوديته فيه لا باسترساله معه، استحقَّ اسمَ الإسلام، فقيل له مسلم. ولما اطمأنّ قلبه بذكره وكلامه ومحبته وعبوديته، سكن إليه وقَرّتْ عينُه به، فنال الأمانَ بإيمانه.
= كان قيامُه بهذين الأمرين أمرًا ضروريًا له، لا حياةَ له ولا فلاحَ ولا سعادةَ إلا بهما.
ولمّا كان ما بُلِيَ به من النفسِ الأمّارة والهوى المقتضِي والطباع المطالِبة والشيطان المُغوِي، يقتضي منه إضاعةَ حظِّه من ذلك أو نقصانَه، اقتضتْ رحمةُ العزيز الرحيم أن شرَعَ له الصلاة مُخلِفَة عليه ما ضاعَ منه، رادّةً عليه ما ذهب، مجدِّدة له ما أخلقَ من إيمانه، وجُعِلتْ صورتهُا على صورة أفعاله خشوعًا وخضوعًا وانقيادًا وتسليمًا، وأعطى كلَّ جارحة من الجوارح حظَّها من العبودية، وجعلَ ثمرتها وروحَها إقبالَه على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها وجزاءها القربَ منه ونيلَ كرامته في الدنيا والآخرة، وجعلَ منزلتَها ومحلَّها الدخولَ على الله تبارك وتعالى والتزينَ للعرض عليه، تذكيرًا بالعرضِ الأكبر عليه يومَ اللقاء.
وكما أن الصوم ثمرته تطهيرُ النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم النفس التي اشتراها سبحانه من العباد وجعلَ الجنة ثمنَها، فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذُكِرَ من ثمراتِ الأعمال. ولذلك لم يقل النبي ﷺ: جُعِلت قرةُ عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة، وإنما قال: "وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة".
وتأمَّلْ قولَه: "جُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"، ولم يقل "بالصلاة" إعلامًا بأن عينَه إنما تَقَرُّ بدخوله فيها، كما تَقَرُّ عينُ المحب بملابسته لمحبوبه، وتَقَرُّ عينُ الخائفِ بدخوله في محل أمنِه، فقرةُ العين بالدخول في الشيء أكملُ وأتمُّ من قرة العين به قبل الدخول. ولما جاء إلى راحة القلب من تعبِه ونَصَبِه قال: "يا بلالُ أرِحْنا بالصلاة" أي أقِمْها لنستريحَ بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزلِه وقرّ فيه وسكن.
وتأمَّلْ كيف قال: أرِحْنا بها، ولم يقل: أرِحْنا منها، كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغُرمًا، فهو لما امتلأ قلبه بغيرها وجاءت قاطعةً عن أشغاله ومحبوباته، وعلم أنه لابدّ له منها، فهو قائل بلسان حاله وقالِه: نصليِّ ونستريح من الصلاة، لا بها، فهذا لونٌ وذاك لون آخر، فالفرق بين مَن كانت الصلاة لحوائجه قيدًا ولقلبه سجنًا ولنفسه عائقًا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه نعيمًا، ولعينه قرة، ولحوائجه راحة، ولنفسه بستانًا ولذة.
فالأول الصلاة سجنٌ لنفسه وتقييدٌ لها عن التورط في مساقط الهلكات، وقد ينالون بها التكفير والثواب، وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها، والقسم الآخر الصلاةُ بستان قلوبهم، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم، فهم فيها يتقلَّبون في النعيم. فصلاةُ هؤلاء تُوجِب لهم القربَ والمنزلةَ من الله، ويُشاركون الأولين في ثوابهم، ويختصُّون بأعلاه ومزيد المنزلة والقربة، وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١-٤٢].
فالأول عبدٌ قد دخل الدارَ والسترُ حاجبٌ بينه وبين رب الدار، فهو من وراء الستر، فلذلك لم تَقَرَّ عينُه، لأنه في حُجُب الشهوات، وغُيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار الأماني، فالقلب عليل، والنفس مُكِبَّة على ما تهواه، طالبةٌ لحظِّها العاجل، والآخر قد دخل دارَ الملك، ورُفِع الستر بينه وبينه، فقرَّتْ عينُه واطمأنّتْ نفسه، وخَشَع قلبُه وجوارحه، وعَبَدَ الله كأنه يراه، وتجلّى له في كلامه.
فهذه إشارةٌ ما ونبذة يسيرة جدًّا في ذوق الصلاة.
(فصل)
وما أحسن ما قال أبو الفرج بن الجوزي في بعض وعظه: حضور القلب أول منزل من منازل الصلاة
فإذا نزلته انتقلت إلى بادية المعنى فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى الضيف اليقظة وكشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية وقد تبعث قلبك في كل واد فربما تفجأك الصلاة وليس قلبك عندك فتبعث الرسول وراءه فلا يصادفه فتدخل في الصلاة بغير قلب والمقصود أنه قبيح بالعبد أن يقول بلسانه الله أكبر وقد امتلأ قلبه بغير الله فهو قبلة قلبه في الصلاة ولعله لا يحضر بين يدي ربه في شيء منها فلو قضى حق الله أكبر وأتى البيت من بابه لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات فهذا الباب الذي يدخل منه المصلى وهو التحريم وأما الباب الذي يخرج منه فهو باب السلام المتضمن أحد الأسماءا الحسنى فيكون مفتتحا لصلاته باسمه تبارك وتعالى ومختتما لها باسمه فيكون ذاكرا لاسم ربه أول الصلاة وآخرها فأولها باسمه وآخرها باسمه فدخل فيها باسمه وخرج منها باسمه مع ما في اسم السلام من الخاصية والحكمة المناسبة لانصراف المصلي من بين يدي الله تعالى فإن المصلي ما دام في صلاته بين يدي ربه فهو في حماه الذي لا يستطيع أحد أن يخفره بل هو في حمى من جميع الآفات والشرور فإذا انصرف من بين يديه تبارك وتعالى ابتدرته الآفات والبلايا والمحن وتعرضت له من كل جانب وجاءه الشيطان بمصائده وجنده فهو متعرض لأنواع البلايا والمحن فإذا انصرف من بين يدي الله مصحوبا بالسلام لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى وكان من تمام النعمة عليه أن يكون انصرافه من بين يدي ربه بسلام يستصحبه ويدوم له ويبقى معه.
فتدبر هذا السر الذي لو لم يكن في هذا التعليق غيره لكان كافيا، فكيف وفيه من الأسرار والفوائد ما لا يوجد عند أبناء الزمان والحمد في ذلك لله وحده.
(فصل: الالتفات في الصلاة)
وقوله في الحديث «وأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان.
(أحدهما) التفات القلب عن الله عز وجل إلى غير الله تعالى (الثاني) التفات البصر وكلاهما منهي عنه.
ولا يزال الله مقبلًا على عبده ما دام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله تعالى عنه.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال
«اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»
وفي أثر يقول الله تعالى: (إلى خير مني، إلى خير مني؟)
ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه أو مثل رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينًا وشمالًا وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به، لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظن هذا الرجل أن يفعل به السلطان؟ أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مبعدًا قد سقط من عينيه؟
فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته، وذلت عنقه له، واستحى من ربه تعالى أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه.
وبين صلاتيهما كما قال حسان عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وأن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل على الله عز وجل والآخر ساهٍ غافل.
فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه حجاب لم يكن إقبالًا ولا تقريبًا، فما الظن بالخالق عز وجل؟
وإذا أقبل على الخالق عز وجل وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب؟ والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنيه وينسيه ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة فيتهاون بها فيتركها.
فإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي شيء والحاجة وأيس منها فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله عز وجل، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عز وجل الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم تخف عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله.
فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه.
فوجد نشاطًا وراحة وروحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينيه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها.
فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم ﷺ
"يا بلال أرحنا بالصلاة"
ولم يقل أرحنا منها.
وقال ﷺ «جعلت قرة عيني في الصلاة»
فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟ فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان، حتى يستقبل بها الرحمن عز وجل فتقولحفظك الله تعالى كما حفظتني، وأما صلاة المفرط المضيع لحقوقها وحدودها وخشوعها، فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني.
وقد روي في حديث مرفوع رواه بكر بن بشر عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يرفعه أنه قال:
«ما من مؤمن يتم الوضوء إلى أمكانه ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها فيؤديها لله عز وجل لم ينقص من وقتها وركوعها وسجودها ومعالمها شيئًا إلا رفعت له إلى الله عز وجل بيضاء مسفرة يستضيء بنورها ما بين الخافقين حتى ينتهي بها إلى الرحمن عز وجل، ومن قام إلى الصلاة فلم يكمل وضوءها واخرها عن وقتها واسترق ركوعها وسجودها ومعالمها رفعت عنه سوداء مظلمة ثم لا تجاوز شعر رأسه تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ضيعك كما ضيعتني».
فالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه عز وجل.
فإذا كانت صلاة تصلح لربه تبارك وتعالى وتليق به كانت مقبولة.
(فصل)
اعلمْ أن اللذة التّامَّة والفرح والسُّرُور وطيب العَيْش والنَّعِيم إنَّما هو في معرفَة الله وتوحيده والأنس بِهِ والشوق إلى لِقائِه واجتماع القلب والهم عَلَيْهِ فَإن أنكد العَيْش عَيْش من قلبه مشتت وهمه مفرق فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مُسْتَقر يسْتَقرّ عِنْده ولا حبيب يأوي إلَيْهِ ويسكن إلَيْهِ كَما أفْصح القائِل عَن ذَلِك بقوله
؎(وَما ذاق طعم العَيْش من لم يكن لَهُ ∗∗∗ حبيب إلَيْهِ يطمئن ويسكن)
فالعيش الطّيب والحياة النافعة وقرة العين في السّكُون والطمأنينة إلى الحبيب الأول ولَو تنقل القلب في المحبوبات كلها لم يسكن ولم يطمئن إلى شَيْء مِنها ولم تقر بِهِ عينه حَتّى يطمئن إلى إلهه وربه ووليه الَّذِي لَيْسَ لَهُ من دونه ولي ولا شَفِيع ولا غنى لَهُ عَنهُ طرفَة عين كَما قالَ القائِل
؎(نقل فُؤادك حَيْثُ. . شِئْت من الهوى ∗∗∗ ما الحبّ إلّا للحبيب الأول)
؎(كم منزل في الأرْض يألفه الفَتى ∗∗∗ وحنينه أبدا لأوّل منزل)
فاحرص أن يكون همك واحِدًا وأن يكون هو الله وحده فَهَذا غايَة سَعادَة العَبْد وصاحب هَذِه الحال في جنَّة مُعجلَة قبل جنَّة الآخِرَة وفي نعيم عاجل كَما قالَ بعض الواجدين: إنَّه ليمر بِالقَلْبِ أوْقات أقُول إن كانَ أهل الجنَّة في مثل هَذا إنَّهُم لفي عَيْش طيب.
وَقالَ آخر: إنَّه ليمر بِالقَلْبِ أوْقات يرقص فِيها طَربا وقالَ آخر مَساكِين أهل الدُّنْيا خَرجُوا مِنها وما ذاقوا أطيب ... ما فِيها قيل لَهُ وما أطيب ما فِيها قالَ معرفَة الله ومحبته والأنس بِقُرْبِهِ والشوق إلى لِقائِه، ولَيْسَ في الدُّنْيا نعيم يشبه نعيم أهل الجنَّة إلّا هَذا ولِهَذا قالَ النَّبِي ﷺ حبب إلَيّ من دنياكم النِّساء والطّيب وجعلت قُرَّة عَيْني في الصَّلاة فَأخْبر أنه حبب إلَيْهِ من الدُّنْيا شَيْئانِ النِّساء والطّيب ثمَّ قالَ وجعلت قُرَّة عَيْني في الصَّلاة
وقرة العين فَوق المحبَّة فَإنَّهُ لَيْسَ كل مَحْبُوب تقر بِهِ العين وإنَّما تقر العين بِأعْلى المحبوبات الَّذِي يحب لذاته ولَيْسَ ذَلِك إلّا الله الَّذِي لا إلَه إلّا هو وكل ما سواهُ فَإنَّما يحب تبعا لمحبته فيحب لأجله ولا يحب مَعَه فَإن الحبّ مَعَه شرك والحب لأجله تَوْحِيد فالمشرك يتَّخذ ... من دون الله أندادا يُحِبهم كحب الله والموحد إنَّما يحب من يُحِبهُ لله ويبغض من يبغضه في الله ويفْعل ما يَفْعَله لله ويتْرك ما يتْركهُ لله ومدار الدّين على هَذِه القَواعِد الأرْبَعَة وهِي الحبّ والبغض ويَتَرَتَّب عَلَيْهِما الفِعْل والتّرْك والعطاء والمَنع فَمن اسْتكْمل أن يكون هَذا كُله لله اسْتكْمل الإيمان وما نقص مِنها أن يكون لله عاد ينقص إيمان العَبْد.
والمَقْصُود أن ما تقر بِهِ العين أعلى من مُجَرّد ما يُحِبهُ فالصَّلاة قُرَّة عُيُون المحبين في هَذِه الدُّنْيا لما فِيها من مُناجاة من لا تقر العُيُون ولا تطمئِن القُلُوب ولا تسكن النُّفُوس إلّا إلَيْهِ والتنعم بِذكرِهِ والتذلل والخضوع لَهُ والقرب مِنهُ ولا سِيما في حال السُّجُود وتلك الحال أقرب ما يكون العَبْد من ربه فِيها ومن هَذا قَول النَّبِي ﷺ يا بِلال أرحْنا بِالصَّلاةِ فَأعْلم بذلك أن راحَته ﷺ في الصَّلاة كَما أخبر أن قُرَّة عينه فِيها فَأيْنَ هَذا من قَول القائِل نصلي ونستريح من الصَّلاة
فالمحب راحَته وقرة عينه في الصَّلاة والغافل المعرض لَيْسَ لَهُ نصيب من ذَلِك بل الصَّلاة كَبِيرَة شاقة عَلَيْهِ إذا قامَ فِيها كَأنَّهُ على الجَمْر حَتّى يتَخَلَّص مِنها وأحب الصَّلاة إلَيْهِ أعجلها وأسرعها فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُرَّة عين فِيها ولا لِقَلْبِهِ راحَة بها والعَبْد إذا قرت عينه بِشَيْء واستراح قلبه بِهِ فأشق ما عَلَيْهِ مُفارقَته والمتكلف الفارغ القلب من الله والدّار الآخِرَة المُبْتَلى بمحبة الدُّنْيا أشق ما عَلَيْهِ الصَّلاة وأكره ما إلَيْهِ طولها مَعَ تفرغه وصِحَّته وعدم اشْتِغاله
وَمِمّا يَنْبَغِي أن يعلم أن الصَّلاة الَّتِي تقر بها العين ويستريح بها القلب هي الَّتِي تجمع سِتَّة مشاهد
المشهد الأول الإخْلاص وهو أن يكون الحامِل عَلَيْها والداعي إلَيْها رَغْبَة العَبْد في الله ومحبته لَهُ وطلب مرضاته والقرب مِنهُ والتودد إلَيْهِ وامتثال أمره بِحَيْثُ لا يكون الباعِث لَهُ عَلَيْها حظا من حظوظ الدُّنْيا ألْبَتَّة بل يَأْتِي بها ابْتِغاء وجه ربه الأعْلى محبَّة لَهُ وخوفا من عَذابه ورجاء لمغفرته وثوابه.
المشهد الثّانِي مشْهد الصدْق والنصح وهو أن يفرغ قلبه لله فِيها ويستفرغ جهده في إقباله فِيها على الله وجمع قلبه عَلَيْها وإيقاعها على أحسن الوُجُوه وأكملها ظاهرا وباطنا فَإن الصَّلاة لَها ظاهر وباطن.
فظاهرها الأفْعال المُشاهدَة والأقوال المسموعة وباطنها الخُشُوع والمراقبة وتفريغ القلب لله والإقبال بكليته على الله فِيها بِحَيْثُ لا يلْتَفت قلبه عَنهُ إلى غَيره فَهَذا بِمَنزِلَة الرّوح لَها والأفْعال بِمَنزِلَة البدن فَإذا خلت من الرّوح كانَت كبدن لا روح فِيهِ أفلا يستحي العَبْد أن يواجه سَيّده بِمثل ذَلِك ولِهَذا تلف كَما يلف الثَّوْب الخلق ويضْرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كَما ضيعتني.
والصَّلاة الَّتِي كمل ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشَّمْس حَتّى تعرض على الله فيرضاها ويقبلها وتقول حفظك الله كَما حفظتني.
(فصل)
المشهد الثّالِث مشْهد المُتابَعَة والاقتداء وهو أن يحرص كل الحِرْص على الِاقْتِداء في صلاته بِالنَّبِيِّ ﷺ ويُصلي كَما كانَ يُصَلِّي ويعرض عَمّا أحدث النّاس في الصَّلاة من الزِّيادَة والنُّقْصان والأوضاع الَّتِي لم ينْقل عَن رَسُول الله ﷺ شَيْء مِنها ولا عَن أحد من أصحابة ولا يقف عند أقْوال المرخصين الَّذين يقفون مَعَ أقل ما يَعْتَقِدُونَ وُجُوبه ويكون غَيرهم قد نازعهم في ذَلِك وأوجب ما أسقطوه ولَعَلَّ الأحادِيث الثّابِتَة والسّنة النَّبَوِيَّة من جانِبه ولا يلتفتون إلى ذَلِك ويَقُولُونَ نَحن مقلدون لمَذْهَب فلان وهَذا لا يخلص عند الله ولا يكون عذرا لمن تخلف عَمّا علمه من السّنة عِنْده فَإن الله سُبْحانَهُ إنَّما أمر بِطاعَة رَسُوله واتباعه وحده ولم يَأْمر بِاتِّباع غَيره وإنَّما يطاع غَيره إذا أمر بِما أمر بِهِ الرَّسُول وكل أحد سوى الرَّسُول ﷺ فمأخوذ من قَوْله ومتروك
وَقد أقسم الله سُبْحانَهُ بِنَفسِهِ الكَرِيمَة أنا لا نؤمن حَتّى نحكم الرَّسُول فِيما شجر بَيْننا وننقاد لحكمه ونسلم تَسْلِيمًا فَلا ينفعنا تحكيم غَيره والانقياد لَهُ ولا ينجينا من عَذاب الله ولا يقبل منا هَذا الجَواب إذا سمعنا نداءه سُبْحانَهُ يَوْم القِيامَة ﴿ماذا أجبتم المُرْسلين﴾ فَإنَّهُ لا بُد أن يسألنا عَن ذَلِك ويطالبنا بِالجَوابِ قالَ تَعالى ﴿فلنسألن الَّذين أرسل إلَيْهِم ولنسألن المُرْسلين﴾
وَقالَ النَّبِي ﷺ أُوحِي إلَيّ أنكم بِي تفتنون وعني تسْألُون يَعْنِي المَسْألَة في القَبْر فَمن انْتَهَت إلَيْهِ سنة رَسُول الله ﷺ وتركها لقَوْل أحد من النّاس فسيرد يَوْم القِيامَة ويعلم.
(فصل)
المشهد الرّابِع مشْهد الإحْسان وهو مشْهد المراقبة وهو أن يعبد الله كَأنَّهُ يراهُ وهَذا المشهد إنَّما ينشأ من كَمال الإيمان بِالله وأسمائه وصِفاته حَتّى كَأنَّهُ يرى الله سُبْحانَهُ فَوق سمواته مستويا على عَرْشه يتَكَلَّم بأمْره ونَهْيه ويُدبر أمر الخليقة فَينزل الأمر من عِنْده ويصعد إلَيْهِ وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عَلَيْهِ فَيشْهد ذَلِك كُله بِقَلْبِه ويشْهد أسماءه وصِفاته ويشْهد قيوما حَيا سميعا بَصيرًا عَزِيزًا حكيما آمرا ناهيا يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويفْعل ما يَشاء ويحكم ما يُرِيد وهو فَوق عَرْشه لا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أعمال العباد ولا أقْوالهم ولا بواطنهم بل يعلم خائِنَة الأعْين وما تخفي الصُّدُور
ومشهد الإحْسان أصل أعمال القُلُوب كلها فَإنَّهُ يُوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سُبْحانَهُ والذل لَهُ
؎وَيقطع الوسواس وحَدِيث ∗∗∗ النَّفس ويجمع القلب والهم على الله
فحظ العَبْد من القرب من الله على قدر حَظه من مقام الإحْسان وبحسبه تَتَفاوَت الصَّلاة حَتّى يكون بَين صَلاة الرجلَيْن من الفضل كَما بَين السَّماء والأرْض وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحِد.
(فصل)
المشهد الخامِس مشْهد المِنَّة وهو أن يشْهد أن المِنَّة لله سُبْحانَهُ كَونه أقامَهُ في هَذا المقام وأهله لَهُ ووفقه لقِيام قلبه وبدنه في خدمته فلولا الله سُبْحانَهُ لم يكن شَيْء من ذَلِك كَما كانَ الصَّحابَة يحدون بَين يَدي النَّبِي ﷺ فَيَقُولُونَ
؎(والله لَوْلا الله ما اهتدينا ∗∗∗ ولا تصدقنا ولا صلينا)
قالَ الله تَعالى ﴿يمنون عَلَيْك أن أسْلمُوا قل لا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أن هداكم للْإيمان إن كُنْتُم صادِقين﴾
فالله سُبْحانَهُ هو الَّذِي جعل المُسلم مُسلما والمُصَلي مُصَليا كَما قالَ الخَلِيل ﷺ ﴿رَبنا واجعلنا مُسلمين لَك ومن ذريتنا أمة مسلمة لَك﴾ وقالَ ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلاة ومن ذريتي﴾
فالمنة لله وحده في أن جعل عَبده قائِما بِطاعَتِهِ وكانَ هَذا من أعظم نعمه عَلَيْهِ
وَقالَ تَعالى ﴿وَما بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ وقالَ ﴿وَلَكِن الله حبب إلَيْكُم الإيمان وزينه في قُلُوبكم وكره إلَيْكُم الكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾
وَهَذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للْعَبد وكلما كانَ العَبْد أعظم توحيدا كانَ حَظه من هَذا المشهد أتم، وفِيه من الفَوائِد أنه يحول بَين القلب وبَين العجب بِالعَمَلِ ورؤيته فَإنَّهُ إذا شهد أن الله سُبْحانَهُ هو المان بِهِ المُوفق لَهُ الهادِي إلَيْهِ شغله شُهُود ذَلِك عَن رُؤْيَته والإعجاب بِهِ وأن يصول بِهِ على النّاس فيرفع من قلبه فَلا يعجب بِهِ ومن لِسانه فَلا يمن بِهِ ولا يتكثر بِهِ وهَذا شَأْن العَمَل المَرْفُوع ومن فَوائده أنه يضيف الحَمد إلى وليه ومستحقه فَلا يشْهد لنَفسِهِ حمدا بل يشهده كُله لله كَما يشْهد النِّعْمَة كلها مِنهُ والفضل كُله لَهُ والخَيْر كُله في يَدَيْهِ وهَذا من تَمام التَّوْحِيد فَلا يسْتَقرّ قدمه في مقام التَّوْحِيد إلّا بِعلم ذَلِك وشهوده فَإذا علمه ورسخ فِيهِ صار لَهُ مشهدا وإذا صار لِقَلْبِهِ مشهدا أثمر لَهُ من المحبَّة والأنس بِالله والشوق إلى لِقائِه والتنعم بِذكرِهِ وطاعته ما لا نِسْبَة بَينه وبَين أعلى نعيم الدُّنْيا ألْبَتَّة
وَما للمرء خير في حَياته إذا كانَ قلبه عَن هَذا مصدودا وطَرِيق الوُصُول إلَيْهِ عَنهُ مسدودا بل هو كَما قالَ تَعالى ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ﴾
(فصل)
المشهد السّادِس مشْهد التَّقْصِير وأن العَبْد لَو اجْتهد في القيام بِالأمر غايَة الِاجْتِهاد وبذل وسعه فَهو مقصر وحقّ الله سُبْحانَهُ عَلَيْهِ أعظم والَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أن يُقابل بِهِ من الطّاعَة والعبودية والخدمة فَوق ذَلِك بِكَثِير وأن عَظمته وجلاله سُبْحانَهُ يَقْتَضِي من العُبُودِيَّة ما يَلِيق بها.
وَإذا كانَ خدم المُلُوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لَهُم والتعظيم والاحترام والتوقير والحياء والمهابة والخشية والنصح بِحَيْثُ يفرغون قُلُوبهم وجوارحهم لَهُم فمالك المُلُوك ورب السَّمَوات والأرْض أولى أن يُعامل بذلك بل بأضعاف ذَلِك
وَإذا شهد العَبْد من نَفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حَقه ولا قَرِيبا من حَقه علم تَقْصِيره ولم يَسعهُ مَعَ ذَلِك غير الاسْتِغْفار والاعتذار من تَقْصِيره وتفريطه وعدم القيام بِما يَنْبَغِي لَهُ من حَقه وأنه إلى أن يغْفر لَهُ العُبُودِيَّة ويَعْفُو عَنهُ فِيها أحْوج مِنهُ إلى أن يطْلب مِنهُ عَلَيْها ثَوابًا وهو لَو وفاها حَقّها كَما يَنْبَغِي لكانَتْ مُسْتَحقَّة عَلَيْهِ بِمُقْتَضى العُبُودِيَّة فَإن عمل العَبْد وخدمته لسَيِّده مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده ومملوكه فَلَو طلب مِنهُ الأُجْرَة على عمله وخدمته لعده النّاس أحمَق وأخرق
هَذا ولَيْسَ هو عَبده ولا مَمْلُوكه على الحَقِيقَة وهو عبد الله ومملوكه على الحَقِيقَة من كل وجه لله سُبْحانَهُ
فعمله وخدمته مُسْتَحقّ عَلَيْهِ بِحكم كَونه عَبده فَإذا أثابه عَلَيْهِ كانَ ذَلِك مُجَرّد فضل ومنة وإحسان إلَيْهِ لا يسْتَحقّهُ العَبْد عَلَيْهِ
وَمن هاهُنا يفهم معنى قَول النَّبِي ﷺ
"لن يدْخل أحد مِنكُم الجنَّة بِعَمَلِهِ قالُوا ولا أنْت يا رَسُول الله قالَ ولا أنا إلّا أن يتغمدني الله برحمة مِنهُ وفضل" وقالَ أنس بن مالك رَضِي الله عَنهُ "يخرج للْعَبد يَوْم القِيامَة ثَلاثَة دواوين ديوان فِيهِ حَسَناته وديوان فِيهِ سيئاته وديوان النعم الَّتِي أنعم الله عَلَيْهِ بها فَيَقُول الرب تَعالى لنعمه خذي حَقك من حَسَنات عَبدِي فَيقوم أصغرها فتستنفذ حَسَناته ثمَّ تَقول وعزَّتك ما استوفيت حَقي بعد فَإذا أرادَ الله أن يرحم عَبده وهبه نعمه عَلَيْهِ وغفر لَهُ سيئاته وضاعف لَهُ حَسَناته"
وَهَذا ثابت عَن أنس وهو أدل شَيْء على كَمال علم الصَّحابَة برَبهمْ وحقوقه عَلَيْهِم كَما أنهم أعلم الأمة بِنَبِيِّهِمْ وسنته ودينه فَإن في هَذا الأثر من العلم والمعرفة ما لا يُدْرِكهُ إلّا أولو البصائر العارفون بِالله وأسمائه وصِفاته وحقه ومن هُنا يفهم قَول النَّبِي ﷺ في الحَدِيث الَّذِي رَواهُ أبُو داوُد والإمام أحْمد من حَدِيث زيد بن ثابت وحُذَيْفَة وغَيرهما
"إن الله لَو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالِم لَهُم ولَو رَحِمهم لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أعْمالهم".
(فصل)
وملاك هَذا الشَّأْن أرْبَعَة أُمُور
نِيَّة صَحِيحَة وقُوَّة عالية يقارنهما رَغْبَة ورَهْبَة
فَهَذِهِ الأرْبَعَة هي قَواعِد هَذا الشَّأْن ومهما دخل على العَبْد من النَّقْص في إيمانه وأحواله وظاهره وباطنه فَهو من نُقْصان هَذِه الأرْبَعَة أو نُقْصان بَعْضها
فَلْيتَأمَّل اللبيب هَذِه الأرْبَعَة الأشْياء وليجعلها سيره وسلوكه ويَبْنِي عَلَيْها علومه وأعماله وأقواله وأحواله فَما نتج من نتج إلّا مِنها ولا تخلف من تخلف إلّا من فقدها.
والله أعلم والله المُسْتَعان وعَلِيهِ التكلان وإلَيْهِ الرَّغْبَة وهو المسؤول بِأن يوفقنا وسائِر إخْواننا من أهل السّنة لتحقيقها علما وعَملا إنَّه ولي ذَلِك والمان بِهِ وهو حَسبنا ونعم الوَكِيل.
(فصل)
والمقبول من العمل قسمان
(أحدهما) أن يصلي العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلق بالله عز وجل ذاكر لله عز وجل على الدوام، فأعمال هذا العبد تعرض على الله عز وجل حتى تقف قبالته فينظر الله عز وجل إليها، فإذا نظر إليها رآها خالصة لوجهه مرضية قد صدرت عن قلب سليم مخلص محب لله عز وجل متقرب إليه أحبها ورضيها وقبلها.
(والقسم الثاني): أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله فأركانه مشغولة بالطاعة وقلبه لاهٍ عن ذكر الله، وكذلك سائر أعماله، فإذا رفعت أعمال هذا إلى الله عز وجل لم تقف تجاهه ولا يقع نظره عليها، ولكن توضع حيث توضع دواوين الأعمال حتى تعرض عليه يوم القيامه فتميز، فيثيبه على ما كان له منها، ويرد عليه ما لم يرد وجهه به منها.
فهذا قبوله لهذا العمل إثابته عليه بمخلوق من مخلوقاته من القصور والأكل والشرب والحور العين، وإثابة الأول رضا العمل لنفسه، ورضاه عن معاملة عاملة وتقريبه منه وإعلاء درجته ومنزلته، فهذا يعطيه بغير حساب، فهذا لون والأول لون.
(فصل)
وَأمّا الصَّلاةُ، فَشَأْنُها في تَفْرِيحِ القَلْبِ وتَقْوِيتِهِ، وشَرْحِهِ وابْتِهاجِهِ ولَذَّتِهِ أكْبَرُ شَأْنٍ، وفِيها مِنَ اتِّصالِ القَلْبِ والرُّوحِ بِاللَّهِ، وقُرْبِهِ والتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ، والِابْتِهاجِ بِمُناجاتِهِ، والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، واسْتِعْمالِ جَمِيعِ البَدَنِ وقُواهُ وآلاتِهِ في عُبُودِيَّتِهِ، وإعْطاءِ كُلِّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنها، واشْتِغالِهِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالخَلْقِ ومُلابَسَتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ، وانْجِذابِ قُوى قَلْبِهِ وجَوارِحِهِ إلى رَبِّهِ وفاطِرِهِ، وراحَتِهِ مِن عَدُوِّهِ حالَةَ الصَّلاةِ ما صارَتْ بِهِ مِن أكْبَرِ الأدْوِيَةِ والمُفَرِّحاتِ والأغْذِيَةِ الَّتِي لا تُلائِمُ إلّا القُلُوبَ الصَّحِيحَةَ.
وَأمّا القُلُوبُ العَلِيلَةُ، فَهي كالأبْدانِ لا تُناسِبُها إلّا الأغْذِيَةُ الفاضِلَةُ.
فالصَّلاةُ مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ودَفْعِ مَفاسِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهي مَنهاةٌ عَنِ الإثْمِ، ودافِعَةٌ لِأدْواءِ القُلُوبِ، ومَطْرَدَةٌ لِلدّاءِ عَنِ الجَسَدِ، ومُنَوِّرَةٌ لِلْقَلْبِ، ومُبَيِّضَةٌ لِلْوَجْهِ، ومُنَشِّطَةٌ لِلْجَوارِحِ والنَّفْسِ، وجالِبَةٌ لِلرِّزْقِ، ودافِعَةٌ لِلظُّلْمِ، وناصِرَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وقامِعَةٌ لِأخْلاطِ الشَّهَواتِ، وحافِظَةٌ لِلنِّعْمَةِ، ودافِعَةٌ لِلنِّقْمَةِ، ومُنْزِلَةٌ لِلرَّحْمَةِ، وكاشِفَةٌ لِلْغُمَّةِ، ونافِعَةٌ مِن كَثِيرٍ مِن أوْجاعِ البَطْنِ.
وَقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ في " سُنَنِهِ " مِن حَدِيثِ مجاهد عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا نائِمٌ أشْكُو مِن وجَعِ بَطْنِي فَقالَ لِي: " يا أبا هُرَيْرَةَ أشِكَمَتْ دَرْدْ؟ "
قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: " قُمْ فَصَلِّ فَإنَّ في الصَّلاةِ شِفاءً».
وَقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلى أبِي هُرَيْرَةَ، وأنَّهُ هو الَّذِي قالَ ذَلِكَ لمجاهد، وهو أشْبَهُ. ومَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالفارِسِيِّ: أيُوجِعُكَ بَطْنُكَ؟
فَإنْ لَمْ يَنْشَرِحْ صَدْرُ زِنْدِيقِ الأطِبّاءِ بِهَذا العِلاجِ، فَيُخاطَبَ بِصِناعَةِ الطِّبِّ، ويُقالَ لَهُ الصَّلاةُ رِياضَةُ النَّفْسِ والبَدَنِ جَمِيعًا، إذْ كانَتْ تَشْتَمِلُ عَلى حَرَكاتٍ وأوْضاعٍ مُخْتَلِفَةٍ: مِنَ الِانْتِصابِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ، والتَّوَرُّكِ، والِانْتِقالاتِ، وغَيْرِها، مِنَ الأوْضاعِ الَّتِي يَتَحَرَّكُ مَعَها أكْثَرُ المَفاصِلِ، ويَنْغَمِزُ مَعَها أكْثَرُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ كالمَعِدَةِ والأمْعاءِ وسائِرِ آلاتِ النَّفْسِ والغِذاءِ فَما يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ الحَرَكاتِ تَقْوِيَةٌ وتَحْلِيلٌ لِلْمَوادِّ ولا سِيَّما بِواسِطَةِ قُوَّةِ النَّفْسِ، وانْشِراحِها في الصَّلاةِ، فَتَقْوى الطَّبِيعَةُ، فَيَنْدَفِعُ الألَمُ، ولَكِنْ داءُ الزَّنْدَقَةِ والإعْراضِ عَمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، والتَّعَوُّضِ عَنْهُ بِالإلْحادِ داءٌ لَيْسَ لَهُ دَواءٌ، إلّا نارٌ تَلَظّى لا يَصْلاها إلّا الأشْقى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى.
(فَصْلٌ)
فَإنْ قِيلَ: ما تَقُولُونَ في صَلاةٍ مِن عَدَمِ خُشُوعٍ هَلْ يُعْتَدُّ بِها أمْ لا؟
قِيلَ: أمّا الِاعْتِدادُ بِها في الثَّوابِ فَلا يُعْتَدُّ لَهُ فِيها إلّا بِما عَقِلَ فِيهِ مِنها، وخَشَعَ فِيهِ لِرَبِّهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ لَكَ مِن صَلاتِكَ إلّا ما عَقِلْتَ مِنها.
وَفِي المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «إنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ، ولَمْ يُكْتَبْ لَهُ إلّا نِصْفُها، أوْ ثُلُثُها، أوْ
رُبُعُها حَتّى بَلَغَ عُشْرَها».
وَقَدْ عَلَّقَ اللَّهُ فَلاحَ المُصَلِّينَ بِالخُشُوعِ في صَلاتِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَخْشَعْ فَلَيْسَ مِن أهْلِ الفَلاحِ، ولَوِ اعْتَدَّ لَهُ بِها ثَوابًا لَكانَ مِنَ المُفْلِحِينَ.
وَأمّا الِاعْتِدادُ بِها في أحْكامِ الدُّنْيا، وسُقُوطِ القَضاءِ فَإنْ غَلَبَ عَلَيْها الخُشُوعُ وتَعَقَّلَها اعْتُدَّ بِها إجْماعًا، وكانَتِ السُّنَنُ، والأذْكارُ عَقِيبَها جَوابِرَ ومُكَمِّلاتٍ لِنَقْصِها.
وَإنْ غَلَبَ عَلَيْهِ عَدَمُ الخُشُوعِ فِيها، وعَدَمُ تَعَقُّلِها، فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في وُجُوبِ إعادَتِها، فَأوْجَبَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ مِن أصْحابِ أحْمَدَ، وأبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في إحْيائِهِ، لا في وسِيطِهِ وبَسِيطِهِ.
واحْتَجُّوا بِأنَّها صَلاةٌ لا يُثابُ عَلَيْها، ولَمْ يُضْمَن لَهُ فِيها الفَلاحُ، فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنها، ويَسْقُطُ القَضاءُ عَنْهُ كَصَلاةِ المُرائِي.
قالُوا: ولِأنَّ الخُشُوعَ والعَقْلَ رُوحُ الصَّلاةِ ومَقْصُودُها ولُبُّها، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِصَلاةٍ فَقَدَتْ رُوحَها ولُبَّها، وبَقِيَتْ صُورَتُها وظاهِرُها؟
قالُوا: ولَوْ تَرَكَ العَبْدُ واجِبًا مِن واجِباتِها عَمْدًا لَأبْطَلَها تَرْكُهُ. وغايَتُهُ: أنْ يَكُونَ بَعْضًا مِن أبْعاضِها بِمَنزِلَةِ فَواتِ عُضْوٍ مِن أعْضاءِ العَبْدِ المُعْتَقِ في الكَفّارَةِ، فَكَيْفَ إذا عَدِمَتْ رُوحَها، ولُبَّها ومَقْصُودَها؟ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ العَبْدِ المَيِّتِ، إذا لَمْ يُعْتَدَّ بِالعَبْدِ المَقْطُوعِ اليَدِ، يَعْتِقُهُ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى في كَفّارَةٍ واجِبَةٍ، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِالعَبْدِ المَيِّتِ.
وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الصَّلاةُ كَجارِيَةٍ تُهْدى إلى مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ، فَما الظَّنُّ بِمَن يَهْدِي إلَيْهِ جارِيَةً شَلّاءَ، أوْ عَوْراءَ، أوْ عَمْياءَ، أوْ مَقْطُوعَةَ اليَدِ والرِّجْلِ، أوْ مَرِيضَةً، أوْ دَمِيمَةً، أوْ قَبِيحَةً، حَتّى يُهْدِيَ إلَيْهِ جارِيَةً مَيِّتَةً بِلا رُوحٍ وجارِيَةً قَبِيحَةً، فَكَيْفَ بِالصَّلاةِ الَّتِي يُهْدِيها العَبْدُ، ويَتَقَرَّبُ بِها إلى رَبِّهِ تَعالى؟ واللَّهُ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، ولَيْسَ مِنَ العَمَلِ الطَّيِّبِ صَلاةٌ لا رُوحَ فِيها، كَما أنَّهُ لَيْسَ مِنَ العِتْقِ الطَّيِّبِ عِتْقُ عَبْدٍ لا رُوحَ فِيهِ.
قالُوا: وتَعْطِيلُ القَلْبِ عَنْ عُبُودِيَّةِ الحُضُورِ والخُشُوعِ: تَعْطِيلٌ لِمَلِكِ الأعْضاءِ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ، وعَزْلٌ لَهُ عَنْها، فَماذا تُغْنِي طاعَةُ الرَّعِيَّةِ وعُبُودِيَّتُها، وقَدْ عُزِلَ مِلْكُها وتَعَطَّلَ؟
قالُوا: والأعْضاءُ تابِعَةٌ لِلْقَلْبِ، تَصْلُحُ بِصَلاحِهِ، وتَفْسُدُ بِفَسادِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ قائِمًا بِعُبُودِيَّتِهِ، فالأعْضاءُ أوْلى أنْ لا يُعْتَدَّ بِعُبُودِيَّتِها، وإذا فَسَدَتْ عُبُودِيَّتُهُ بِالغَفْلَةِ والوَسْواسِ فَأنّى تَصِحُّ عُبُودِيَّةُ رَعِيَّتِهِ وجُنْدِهِ ومادَّتُهم مِنهُ، وعَنْ أمْرِهِ يُصْدِرُونَ، وبِهِ يَأْتَمِرُونَ؟
قالُوا: وفي التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ، مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَجِيبُ الدُّعاءَ مِن قَلْبٍ غافِلٍ» وهَذا إمّا خاصٌّ بِدُعاءِ العِبادَةِ، وإمّا عامٌّ لَهُ ولِدُعاءِ المَسْألَةِ، وإمّا خاصٌّ
بِدُعاءِ المَسْألَةِ الَّذِي هو أبْعَدُ، فَهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ دُعاءَ العِبادَةِ الَّذِي هو خاصٌّ حَقُّهُ مِن قَلْبٍ غافِلٍ.
قالُوا: ولِأنَّ عُبُودِيَّةَ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ والسَّهْوُ في الغالِبِ لا تَكُونُ مُصاحِبَةً لِلْإخْلاصِ، فَإنَّ الإخْلاصَ قَصْدُ المَعْبُودِ وحْدَهُ بِالتَّعَبُّدِ. والغافِلُ لا قَصْدَ لَهُ، فَلا عُبُودِيَّةَ لَهُ.
قالُوا: وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٤] ولَيْسَ السَّهْوُ عَنْها تَرْكَها، وإلّا لَمْ يَكُونُوا مُصَلِّينَ، وإنَّما هو السَّهْوُ عَنْ واجِبِها إمّا عَنِ الوَقْتِ كَما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ، وإمّا عَنِ الحُضُورِ والخُشُوعِ، والصَّوابُ أنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ لَهم صَلاةً، ووَصَفَهم بِالسَّهْوِ عَنْها فَهو السَّهْوُ عَنْ وقْتِها الواجِبِ، أوْ عَنْ إخْلاصِها وحُضُورِها الواجِبِ، ولِذَلِكَ وصَفَهم بِالرِّياءِ، ولَوْ كانَ السَّهْوُ سَهْوَ تَرْكٍ لَما كانَ هُناكَ رِياءٌ.
قالُوا: ولَوْ قَدَّرْنا أنَّهُ السَّهْوُ عَنْ واجِبٍ فَقَطْ، فَهو تَنْبِيهٌ عَلى التَّوَعُّدِ بِالوَيْلِ عَلى سَهْوِ الإخْلاصِ والحُضُورِ بِطَرِيقِ الأوْلى لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الوَقْتَ يَسْقُطُ في حالِ العُذْرِ، ويَنْتَقِلُ إلى بَدَلِهِ، والإخْلاصَ والحُضُورَ لا يَسْقُطُ بِحالٍ، ولا بَدَلَ لَهُ.
الثّانِي: أنَّ واجِبَ الوَقْتِ يَسْقُطُ لِتَكْمِيلِ مَصْلَحَةِ الحُضُورِ، فَيَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ لِلشُّغْلِ المانِعِ مِن فِعْلِ إحْداهُما في وقْتِها بِلا قَلْبٍ ولا حُضُورٍ، كالمُسافِرِ، والمَرِيضِ، وذِي الشُّغْلِ الَّذِي يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الجَمْعِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ وغَيْرُهُ.
فَبِالجُمْلَةِ: مَصْلَحَةُ الإخْلاصِ والحُضُورِ، وجَمْعِيَّةُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ في الصَّلاةِ أرْجَحُ في نَظَرِ الشّارِعِ مِن مَصْلَحَةِ سائِرِ واجِباتِها، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يُبْطِلُها بِتَرْكِ تَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ، أوِ اعْتِدالٍ في رُكْنٍ، أوْ تَرْكِ حَرْفٍ، أوْ شَدَّةٍ مِنَ القُرْآنِ، أوْ تَرْكِ تَسْبِيحَةٍ أوْ قَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أوْ قَوْلِ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ أوْ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَحِّحُها مَعَ فَوْتِ لُبِّها، ومَقْصُودِها الأعْظَمِ، ورُوحِها وسِرِّها.
فَهَذا ما احْتَجَّتْ بِهِ هَذِهِ الطّائِفَةُ، وهي حُجَجٌ كَما تَراها قُوَّةً وظُهُورًا.
قالَ أصْحابُ القَوْلِ الآخَرِ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ «إذا أذَّنَ
المُؤَذِّنُ أدْبَرَ الشَّيْطانُ، ولَهُ ضُراطٌ حَتّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإذا قُضِيَ التَّأْذِينُ أقْبَلَ، فَإذا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أدْبَرَ، فَإذا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أقْبَلَ حَتّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ نَفْسِهِ، فَيُذَكِّرُهُ ما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، ويَقُولُ: اذْكُرْ كَذا، اذْكُرْ كَذا، لِما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلّى، فَإذا وجَدَ ذَلِكَ أحَدُكم فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وهو جالِسٌ».
قالُوا: فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ الصَّلاةِ الَّتِي قَدْ أغْفَلَهُ الشَّيْطانُ فِيها، حَتّى لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلّى بِأنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِإعادَتِها، ولَوْ كانَتْ باطِلَةً كَما زَعَمْتُمْ لَأمَرَهُ بِإعادَتِها.
قالُوا: وهَذا هو السِّرُّ في سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، تَرْغِيمًا لِلشَّيْطانِ في وسْوَسَتِهِ لِلْعَبْدِ، وكَوْنِهِ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحُضُورِ في الصَّلاةِ. ولِهَذا سَمّاهُما النَّبِيُّ ﷺ " المُرْغِمَتَيْنِ "، وأمَرَ مَن سَها بِهِما ولَمْ يُفَصِّلْ في سَهْوِهِ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ مُوجِبَ السُّجُودِ بَيْنَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والغالِبِ والمَغْلُوبِ، وقالَ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتانِ» ولَمْ يَسْتَثْنِ مِن ذَلِكَ السَّهْوِ الغالِبِ، مَعَ أنَّهُ الغالِبُ.
قالُوا: ولِأنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ عَلى الأفْعالِ الظّاهِرَةِ، وأمّا حَقائِقُ الإيمانِ الباطِنَةُ فَتِلْكَ عَلَيْها شَرائِعُ الثَّوابِ والعِقابِ، فَلِلَّهِ تَعالى حُكْمانِ: حُكْمٌ في الدُّنْيا عَلى الشَّرائِعِ الظّاهِرَةِ وأعْمالِ الجَوارِحِ، وحُكْمٌ في الآخِرَةِ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ، ولِهَذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ عَلانِيَةَ المُنافِقِينَ، ويَكِلُ أسْرارَهم إلى اللَّهِ فَيُناكِحُونَ، ويَرِثُونَ ويُورَثُونَ، ويُعْتَدُّ بِصَلاتِهِمْ في أحْكامِ الدُّنْيا، فَلا يَكُونُ حُكْمُهم حُكْمَ تارِكِ الصَّلاةِ، إذْ قَدْ أتَوْا بِصُورَتِها الظّاهِرَةِ، وأحْكامُ الثَّوابِ والعِقابِ لَيْسَتْ إلى البَشَرِ، بَلْ إلى اللَّهِ، واللَّهُ يَتَوَلّاهُ في الدّارِ الآخِرَةِ.
نَعَمْ لا يَحْصُلُ مَقْصُودُ هَذِهِ الصَّلاةِ مِن ثَوابِ اللَّهِ عاجِلًا ولا آجِلًا، فَإنَّ لِلصَّلاةِ مَزِيدَ ثَوابٍ عاجِلٍ في القَلْبِ مِن قُوَّةِ إيمانِهِ، واسْتِنارَتِهِ، وانْشِراحِهِ وانْفِساحِهِ ووُجُودِ حَلاوَةِ العِبادَةِ، والفَرَحِ والسُّرُورِ، واللَّذَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِمَنِ اجْتَمَعَ هَمُّهُ وقَلْبُهُ عَلى اللَّهِ، وحَضَرَ قَلْبُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما يَحْصُلُ لِمَن قَرَّبَهُ السُّلْطانُ مِنهُ، وخَصَّهُ بِمُناجاتِهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلى وأجَلُّ.
وَكَذَلِكَ ما يَحْصُلُ لِهَذا مِنَ الدَّرَجاتِ العُلى في الآخِرَةِ، ومُرافَقَةِ المُقَرَّبِينَ.
كُلُّ هَذا يَفُوتُهُ بِفَواتِ الحُضُورِ والخُضُوعِ، وإنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَكُونُ مُقامُهُما في الصَّفِّ واحِدًا، وبَيْنَ صَلاتَيْهِما كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولَيْسَ كَلامُنا في هَذا كُلِّهِ.
فَإنْ أرَدْتُمْ وُجُوبَ الإعادَةِ لَتَحْصُلَ هَذِهِ الثَّمَراتُ والفَوائِدُ فَذاكَ إلَيْهِ إنْ شاءَ أنْ يُحَصِّلَها وإنْ شاءَ أنْ يُفَوِّتَها عَلى نَفْسِهِ، وإنْ أرَدْتُمْ بِوُجُوبِها أنّا نُلْزِمُهُ بِها ونُعاقِبُهُ عَلى تَرْكِها، ونُرَتِّبُ عَلَيْهِ أحْكامَ تارِكِ الصَّلاةِ فَلا.
وَهَذا القَوْلُ الثّانِي أرْجَحُ القَوْلَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المؤمنون 23:4
(فائدة)
الحقوق المالية الواجبة لله تعالى أربعة أقسام:
أحدها: حقوق المال كالزكاة فهذا يثبت في الذمة بعد التمكن من أدائه فلو عجز عنه بعد ذلك لم يسقط ولا يثبت في الذمة إذا عجز عنه وقت الوجوب وألحق بهذا زكاة الفطر.
القسم الثاني: ما يجب بسبب الكفارة ككفارة الأيمان والظهار والوطء في رمضان وكفارة القتل فإذا عجز عنها وقت انعقاد أسبابها ففي ثبوتها في ذمته إلى الميسرة أو سقوطها قولان مشهوران في مذهب الشافعي وأحمد.
القسم الثالث: ما فيه معنى ضمان المتلف كجزاء الصيد وألحق به فدية الحلق والطيب واللباس في الإحرام فإذا عجز عنه وقت وجوبه ثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة وجزاء المتلف وهذا في الصيد ظاهر.
وأما في الطيب وبابه فليس كذلك لأنه ترفه لا إتلاف إذ الشعر والظفر ليسا بمتلفين ولم تجب الفدية في إزالتها في مقابلة الإتلاف لأنها لو وجبت لكونها إتلافا لتقيدت بالقيمة ولا قيمة لها وإنما هي من باب الترفه المحض كتغطيه الرأس واللباس فأي إتلاف هاهنا.
وعلى هذا فالراجح من الأقوال أن الفدية لا تجب مع النسيان والجهل.
القسم الرابع: دم النسك كالمتعة والقرآن فهذه إذا عجز عنها وجب عنها بدلها من الصيام، فإن عجز عنها ترتب في ذمته أحدهما فمتى قدر عليه لزمه وهل الاعتبار بحال الوجوب أو بأغلظ الأحوال فيه خلاف.
وأما حقوق الآدميين فإنها لا تسقط بالعجز عنها لكن إن كان عجزه بتفريط منه في أدائها بها الآخرة وأخذ لأصحابها في حسناته، وإن كان عجزه بغير تفريط كمن احترق ماله أو غرق أو كان الإتلاف خطأ مع عجزه عن ضمانه ففي إشغال ذمته به وأخذ أصحابها من حسناته نظر ولم أقف على كلام شاف للناس في ذلك والله تعالى أعلم.
المؤمنون 23:5
وَعَلَّقَ سُبْحانَهُ فَلاحَ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ مِنهُ، فَلا سَبِيلَ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ - والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ - والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ - إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٧].
وَهَذا يَتَضَمَّنُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: أنَّ مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ، وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ، ومِنَ العادِينَ، فَفاتَهُ الفَلاحُ، واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ، ووَقَعَ في اللَّوْمِ، فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في جَوازِ اسْتِمْتاعِ السَّيِّدِ بِأمَتِهِ دُونَ العَبْدِ بِسَيِّدَتِهِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " أباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِن أمَتِهِ بِمِلْكِ اليَمِينِ بِالوَطْءِ وغَيْرِهِ، ولَمْ يُبِحْ لِلْمَرْأةِ أنْ تَسْتَمْتِعَ مِن عَبْدِها لا بِوَطْءٍ ولا غَيْرِهِ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وحِكْمَتِها، فَإنَّ السَّيِّدَ قاهِرٌ لِمَمْلُوكِهِ، حاكِمٌ عَلَيْهِ، مالِكٌ لَهُ، والزَّوْجُ قاهِرٌ لِزَوْجَتِهِ حاكِمٌ عَلَيْها، وهي تَحْتَ سُلْطانِهِ وحُكْمِهِ شِبْهُ الأسِيرِ؛ ولِهَذا مَنَعَ العَبْدَ مِن نِكاحِ سَيِّدَتِهِ لِلتَّنافِي بَيْنَ كَوْنِهِ مَمْلُوكَها وبَعْلَها، وبَيْنَ كَوْنِها سَيِّدَتَهُ ومَوْطُوءَتَهُ، وهَذا أمْرٌ مَشْهُورٌ بِالفِطْرَةِ والعُقُولِ قُبْحُهُ، وشَرِيعَةُ أحْكَمِ الحاكِمِينَ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أنْ تَأْتِيَ بِهِ.
(فصل)
ظن كثير من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة، أو مباحة، أو أنها أيسر من ارتكابها من الحر، وتأولت هذه الفرقة القرآن على ذلك، وأدخلت المملوك في قوله: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.
وحتى إن بعض النساء لتمكن عبدها من نفسها، تتأول القرآن على ذلك، كما رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت عبدها، وتأولت هذه الآية، ففرق عمر رضي الله عنه بينهما، وأدبها، وقال "ويحك، إنما هذا للرجال لا للنساء".
ومن تأول هذه الآية على وطء الذكران من المماليك فهو كافر باتفاق الأمة قال شيخنا: ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْد مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مٍنْ مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
على ذلك، قال: وقد سألني بعض الناس عن هذه الآية، وكان ممن يقرأ القرآن فظن أن معناها في إباحة ذكران العبيد المؤمنين.
قال: ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع، يبيحه بعض العلماء، ويحرمه بعضهم، ويقول: اختلافهم شبهة، وهذا كذب وجهل، فإنه ليس في فرق الأمة من يبيح ذلك، بل ولا في دين من أديان الرسل، وإنما يبيحه زنادقة العالم، الذين لا يؤمنون بالله ورسله، وكتبه واليوم الآخر.
قال: ومنهم من يقول: هو مباح للضرورة، مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لا يجامع، إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء.
قال: ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في وجوب الحد فيه، فظن أن ذلك خلاف في التحريم، ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات، كالميتة والدم ولحم الخنزير، وليس فيه حد مقدر.
ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا، فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو من خطأ بعض المجتهدين، وهذا الظن الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين: تبديل الدين، وطاعة الشيطان، ومعصية رب العالمين، فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى الظنون الكاذبة، وأعانتها الأهواء الغالبة، فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك، والخروج عن جملة الشرائع بالكلية.
ولما سهل هذا الأمر في نفوس كثير من الناس صار كثير من المماليك يتمدح بأنه لا يعرف غير سيده، أنه لم يطأه سواه، كما تتمدح الأمة والمرأة بأنها لا تعرف غير سيدها وزوجها، وكذلك كثير من المردان يتمدح بأنه لا يعرف غير خدينه وصديقه، أو مؤاخيه أو معلمه، وكذلك من الفاعلين يتمدح بأنه عفيف عما سوى خدنه الذي هو قرينه وعشيره كالزوجة، أو عما سوى مملوكه، الذي هو كسريته.
ومنهم من يرى أن التحريم إنما هو إكراه الصبي على فعل الفاحشة، فإذا كان مختارا راضيا لم يكن بذلك بأس، فكأن المحرم عنده من ذلك إنما هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به.
قال شيخنا: وحكى لي من أثق به: أن بعض هؤلاء أخُذِ على هذه الفاحشة، فحكم عليه بالحد، فقال: والله هو ارتضى بذلك، وما أكرهته ولا غصبته، فكيف أعاقب؟ فقال نصير المشركين - وكان حاضرا - هذا حكم محمد بن عبد الله وليس لهؤلاء ذنب.
ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف أبيح له وطء معشوقه للضرورة، وحفظ النفس، كما يباح له الدم والميتة ولحم الخنزير في المخمصة.
وقد يبيح هؤلاء شرب الخمر على وجه التدواي، وحفظ الصحة إذا سلم من معرة السكر.
ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات، كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ الله واللهُ بَصِيرٌ بَما يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣] وقال: ﴿وَلِكلٍّ دَرَجاتٌ مّمِا عَمِلُوا، وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]. وقال ﴿إنَما النّسِئُ زِيادَةٌ في الكُفْر﴾ [التوبة: ٣٧] وقال ﴿فَأمّا الّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبِشرُونَ وأمّا الّذِينَ في قُلُوبهمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥].
ونظائره في القرآن كثيرة.
ومن أخف هؤلاء جرما: من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته قال: أستغفر الله فكأن ما كان لم يكن.
فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق، كتلاعب الصبيان بالكرة، وأخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب.
وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدْنًا من النساء والمتخذة خدنا من الرجال أقل شرا من المسافح والمسافحة مع كل أحد، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثما من المخبر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد عن عافية الله تعالى وعفوه، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"كُلُّ أُمَّتِي معافى إلا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَسْتُرَ اللهُ تعالى عَلَيْهِ ثُمً يُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ، يَقُولُ، يا فُلاَن، فَعَلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا فَيَبِيتُ رَبُّهُ يَسْتُرُهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْ نَفْسِهِ"
أو كما قال.
وفي الحديث الآخر عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "مَنِ ابْتُلِى مِن هذِهِ القاذُوراتِ بِشَيءْ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنّهُ مَن يُبْدِ لَنا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتابَ اللهِ": وفي الحديث الآخر "إنّ الخَطِيئَةَ إذا خفِيتَ لَمْ تَضُرَّ إلا صاحِبَها، ولكِنْ إذا أعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتْ العامَّةَ".
وكذلك الزنا بالمرأة التي لا زوج لها أيسر إثما من الزنا بذات الزوج، لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه، وإفساد فراشه عليه، وقد يكون إثم هذا أعظم من إثم مجرد الزنا، أو دونه.
والزنا بحليلة الجار أعظم إثما من الزنا ببعيدة الدار، لما اقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به.
وكذلك الزنا بامرأة الغازى في سبيل الله أعظم إثما عند الله من الزنا بغيرها. ولهذا يقام له يوم القيامة ويقال له:
"خذ من حسناته ما شئت".
وكما تختلف درجاته بحسب المزني بها فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل.
فالزنا في رمضان ليلا أو نهارًا أعظم إثما منه في غيره. وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثما منه فيما سواها.
وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنا من الحر أقبح منه من العبد. ولهذا كان حَدُّه على النصف من حده.
ومن المحصن أقبح منه من البكر، ومن الشيخ أقبح منه من الشاب.
ولهذا كان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: الشيخ الزانى. ومن العالم أقبح منه من الجاهل، لعلمه بقبحه، وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة. ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز.
(فصل)
إذا قدر الرجل على التزوج أو التسري حرم عليه الاستمناء بيده.
قال ابن عقيل: "وأصحابنا وشيخنا لم يذكروا سوى الكراهة لم يطلقوا التحريم"
قال: "وإن لم يقدر على زوجة ولا سرية ولا شهوة له تحمله على الزنا حرم عليه الاستمناء لأنه استمتاع بنفسه والآية تمنع منه وإن كان متردد الحال بين الفتور والشهوة ولا زوجه له وله أمة ولا يتزوج به كره ولم يحرم وإن كان مغلوبا على شهوته يخاف العنت كالأسير والمسافر والفقير جاز له ذلك نص عليه أحمد رضي الله عنه.
وروي أن الصحابة كانوا يفعلونه في غزواتهم وأسفارهم، وإن كانت امرأة لا زوج لها واشتدت غلمتها فقال بعض أصحابنا: يجوز لها اتخاذ الاكرنبج وهو شيء يعمل من جلود على صورة الذكر فتستدخله المرأة أو ما أشبه ذلك من قثاء وقرع صغار.
والصحيح عندي أنه لا يباح لأن النبي ﷺ إنما أرشد صاحب الشهوة إذا عجز عن الزواج إلى الصوم ولو كان هناك معنى غيره لذكره وإذا كان غائبا عنها لأن الفعل جائز ولا يحرم من توهمه وتخيل وإن كان غلاما أو أجنبية كره له ذلك لأنه إغراء لنفسه بالحرام وحث لها عليه وإن قور بطيخة أو عجينا أو أديما أو نجشا في صنم إليه فأولج فيه فعلى ما قدمنا من التفصيل.
قلت: وهو أسهل من استمنائه بيده.
وقد قال أحمد فيمن به شهوة الجماع غالبا لا يملك نفسه ويخاف أن تنشق أنثياه أطعم وهذا لفظ منا حكاه عنه في المغني ثم قال: "أباح له الفطر لأنه يخاف على نفسه فهو كالمريض يخاف على نفسه من الهلاك لعطش ونحوه وأوجب الإطعام بدلا من الصيام، وهذا محمول على من لا يرجو إمكان القضاء فإن رجا ذلك فلا فدية عليه والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ الآية.
وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء فإن أطعم مع يأسه ثم قدر على الصيام احتمل أن لا يلزمه لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب فلم تعد إلى الشغل بما برئت منه واحتمل أن يلزمه القضاء لأن الإطعام بدل إياس وقد تبينا ذهابه فأشبه المعتدة بالشهور لليأس إذا حاضت في أثنائها.
في الفصول روى عن أحمد في رجل خاف أن تنشق مثانته من الشبق أو تنشق أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان يستخرج الماء ولم يذكر بأي شيء يستخرجه
قال: "وعندي أنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة، فإن كان له أمة طفلة أو صغيرة استمنى بيدها وكذلك الكافرة.
ويجوز وطؤها فيما دون الفرج فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره فعندي أنه لا يجوز لأن الضرورة إذا رفعت حرام ما وراءها كالشبع مع الميتة بل هاهنا آكد لأن باب الفروج آكد في الحظر من الأكل".
قلت: وظاهر كلام أحمد جواز الوطء لأنه أباح له الفطر والإطعام فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولا واحدا فلو اتفق ذلك لمحرم أخرج ماءه ولم يجز له الوطء.
(فصل)
فإن كان شبق الصائم مستداما جميع الزمان سقط القضاء وعدل إلى الفدية كالشيخ والشيخة وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قضي في الزمن الآخر ولا فدية هنا لأنه عذر غير مستدام فهو كالمريض ذكر ذلك في الفصول.
المؤمنون 23:6
وَعَلَّقَ سُبْحانَهُ فَلاحَ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ مِنهُ، فَلا سَبِيلَ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ - والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ - والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ - إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٧].
وَهَذا يَتَضَمَّنُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: أنَّ مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ، وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ، ومِنَ العادِينَ، فَفاتَهُ الفَلاحُ، واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ، ووَقَعَ في اللَّوْمِ، فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في جَوازِ اسْتِمْتاعِ السَّيِّدِ بِأمَتِهِ دُونَ العَبْدِ بِسَيِّدَتِهِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " أباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِن أمَتِهِ بِمِلْكِ اليَمِينِ بِالوَطْءِ وغَيْرِهِ، ولَمْ يُبِحْ لِلْمَرْأةِ أنْ تَسْتَمْتِعَ مِن عَبْدِها لا بِوَطْءٍ ولا غَيْرِهِ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وحِكْمَتِها، فَإنَّ السَّيِّدَ قاهِرٌ لِمَمْلُوكِهِ، حاكِمٌ عَلَيْهِ، مالِكٌ لَهُ، والزَّوْجُ قاهِرٌ لِزَوْجَتِهِ حاكِمٌ عَلَيْها، وهي تَحْتَ سُلْطانِهِ وحُكْمِهِ شِبْهُ الأسِيرِ؛ ولِهَذا مَنَعَ العَبْدَ مِن نِكاحِ سَيِّدَتِهِ لِلتَّنافِي بَيْنَ كَوْنِهِ مَمْلُوكَها وبَعْلَها، وبَيْنَ كَوْنِها سَيِّدَتَهُ ومَوْطُوءَتَهُ، وهَذا أمْرٌ مَشْهُورٌ بِالفِطْرَةِ والعُقُولِ قُبْحُهُ، وشَرِيعَةُ أحْكَمِ الحاكِمِينَ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أنْ تَأْتِيَ بِهِ.
(فصل)
ظن كثير من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة، أو مباحة، أو أنها أيسر من ارتكابها من الحر، وتأولت هذه الفرقة القرآن على ذلك، وأدخلت المملوك في قوله: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.
وحتى إن بعض النساء لتمكن عبدها من نفسها، تتأول القرآن على ذلك، كما رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت عبدها، وتأولت هذه الآية، ففرق عمر رضي الله عنه بينهما، وأدبها، وقال "ويحك، إنما هذا للرجال لا للنساء".
ومن تأول هذه الآية على وطء الذكران من المماليك فهو كافر باتفاق الأمة قال شيخنا: ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْد مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مٍنْ مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
على ذلك، قال: وقد سألني بعض الناس عن هذه الآية، وكان ممن يقرأ القرآن فظن أن معناها في إباحة ذكران العبيد المؤمنين.
قال: ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع، يبيحه بعض العلماء، ويحرمه بعضهم، ويقول: اختلافهم شبهة، وهذا كذب وجهل، فإنه ليس في فرق الأمة من يبيح ذلك، بل ولا في دين من أديان الرسل، وإنما يبيحه زنادقة العالم، الذين لا يؤمنون بالله ورسله، وكتبه واليوم الآخر.
قال: ومنهم من يقول: هو مباح للضرورة، مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لا يجامع، إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء.
قال: ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في وجوب الحد فيه، فظن أن ذلك خلاف في التحريم، ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات، كالميتة والدم ولحم الخنزير، وليس فيه حد مقدر.
ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا، فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو من خطأ بعض المجتهدين، وهذا الظن الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين: تبديل الدين، وطاعة الشيطان، ومعصية رب العالمين، فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى الظنون الكاذبة، وأعانتها الأهواء الغالبة، فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك، والخروج عن جملة الشرائع بالكلية.
ولما سهل هذا الأمر في نفوس كثير من الناس صار كثير من المماليك يتمدح بأنه لا يعرف غير سيده، أنه لم يطأه سواه، كما تتمدح الأمة والمرأة بأنها لا تعرف غير سيدها وزوجها، وكذلك كثير من المردان يتمدح بأنه لا يعرف غير خدينه وصديقه، أو مؤاخيه أو معلمه، وكذلك من الفاعلين يتمدح بأنه عفيف عما سوى خدنه الذي هو قرينه وعشيره كالزوجة، أو عما سوى مملوكه، الذي هو كسريته.
ومنهم من يرى أن التحريم إنما هو إكراه الصبي على فعل الفاحشة، فإذا كان مختارا راضيا لم يكن بذلك بأس، فكأن المحرم عنده من ذلك إنما هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به.
قال شيخنا: وحكى لي من أثق به: أن بعض هؤلاء أخُذِ على هذه الفاحشة، فحكم عليه بالحد، فقال: والله هو ارتضى بذلك، وما أكرهته ولا غصبته، فكيف أعاقب؟ فقال نصير المشركين - وكان حاضرا - هذا حكم محمد بن عبد الله وليس لهؤلاء ذنب.
ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف أبيح له وطء معشوقه للضرورة، وحفظ النفس، كما يباح له الدم والميتة ولحم الخنزير في المخمصة.
وقد يبيح هؤلاء شرب الخمر على وجه التدواي، وحفظ الصحة إذا سلم من معرة السكر.
ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات، كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ الله واللهُ بَصِيرٌ بَما يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣] وقال: ﴿وَلِكلٍّ دَرَجاتٌ مّمِا عَمِلُوا، وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]. وقال ﴿إنَما النّسِئُ زِيادَةٌ في الكُفْر﴾ [التوبة: ٣٧] وقال ﴿فَأمّا الّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبِشرُونَ وأمّا الّذِينَ في قُلُوبهمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥].
ونظائره في القرآن كثيرة.
ومن أخف هؤلاء جرما: من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته قال: أستغفر الله فكأن ما كان لم يكن.
فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق، كتلاعب الصبيان بالكرة، وأخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب.
وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدْنًا من النساء والمتخذة خدنا من الرجال أقل شرا من المسافح والمسافحة مع كل أحد، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثما من المخبر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد عن عافية الله تعالى وعفوه، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"كُلُّ أُمَّتِي معافى إلا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَسْتُرَ اللهُ تعالى عَلَيْهِ ثُمً يُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ، يَقُولُ، يا فُلاَن، فَعَلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا فَيَبِيتُ رَبُّهُ يَسْتُرُهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْ نَفْسِهِ"
أو كما قال.
وفي الحديث الآخر عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "مَنِ ابْتُلِى مِن هذِهِ القاذُوراتِ بِشَيءْ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنّهُ مَن يُبْدِ لَنا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتابَ اللهِ": وفي الحديث الآخر "إنّ الخَطِيئَةَ إذا خفِيتَ لَمْ تَضُرَّ إلا صاحِبَها، ولكِنْ إذا أعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتْ العامَّةَ".
وكذلك الزنا بالمرأة التي لا زوج لها أيسر إثما من الزنا بذات الزوج، لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه، وإفساد فراشه عليه، وقد يكون إثم هذا أعظم من إثم مجرد الزنا، أو دونه.
والزنا بحليلة الجار أعظم إثما من الزنا ببعيدة الدار، لما اقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به.
وكذلك الزنا بامرأة الغازى في سبيل الله أعظم إثما عند الله من الزنا بغيرها. ولهذا يقام له يوم القيامة ويقال له:
"خذ من حسناته ما شئت".
وكما تختلف درجاته بحسب المزني بها فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل.
فالزنا في رمضان ليلا أو نهارًا أعظم إثما منه في غيره. وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثما منه فيما سواها.
وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنا من الحر أقبح منه من العبد. ولهذا كان حَدُّه على النصف من حده.
ومن المحصن أقبح منه من البكر، ومن الشيخ أقبح منه من الشاب.
ولهذا كان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: الشيخ الزانى. ومن العالم أقبح منه من الجاهل، لعلمه بقبحه، وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة. ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز.
(فصل)
إذا قدر الرجل على التزوج أو التسري حرم عليه الاستمناء بيده.
قال ابن عقيل: "وأصحابنا وشيخنا لم يذكروا سوى الكراهة لم يطلقوا التحريم"
قال: "وإن لم يقدر على زوجة ولا سرية ولا شهوة له تحمله على الزنا حرم عليه الاستمناء لأنه استمتاع بنفسه والآية تمنع منه وإن كان متردد الحال بين الفتور والشهوة ولا زوجه له وله أمة ولا يتزوج به كره ولم يحرم وإن كان مغلوبا على شهوته يخاف العنت كالأسير والمسافر والفقير جاز له ذلك نص عليه أحمد رضي الله عنه.
وروي أن الصحابة كانوا يفعلونه في غزواتهم وأسفارهم، وإن كانت امرأة لا زوج لها واشتدت غلمتها فقال بعض أصحابنا: يجوز لها اتخاذ الاكرنبج وهو شيء يعمل من جلود على صورة الذكر فتستدخله المرأة أو ما أشبه ذلك من قثاء وقرع صغار.
والصحيح عندي أنه لا يباح لأن النبي ﷺ إنما أرشد صاحب الشهوة إذا عجز عن الزواج إلى الصوم ولو كان هناك معنى غيره لذكره وإذا كان غائبا عنها لأن الفعل جائز ولا يحرم من توهمه وتخيل وإن كان غلاما أو أجنبية كره له ذلك لأنه إغراء لنفسه بالحرام وحث لها عليه وإن قور بطيخة أو عجينا أو أديما أو نجشا في صنم إليه فأولج فيه فعلى ما قدمنا من التفصيل.
قلت: وهو أسهل من استمنائه بيده.
وقد قال أحمد فيمن به شهوة الجماع غالبا لا يملك نفسه ويخاف أن تنشق أنثياه أطعم وهذا لفظ منا حكاه عنه في المغني ثم قال: "أباح له الفطر لأنه يخاف على نفسه فهو كالمريض يخاف على نفسه من الهلاك لعطش ونحوه وأوجب الإطعام بدلا من الصيام، وهذا محمول على من لا يرجو إمكان القضاء فإن رجا ذلك فلا فدية عليه والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ الآية.
وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء فإن أطعم مع يأسه ثم قدر على الصيام احتمل أن لا يلزمه لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب فلم تعد إلى الشغل بما برئت منه واحتمل أن يلزمه القضاء لأن الإطعام بدل إياس وقد تبينا ذهابه فأشبه المعتدة بالشهور لليأس إذا حاضت في أثنائها.
في الفصول روى عن أحمد في رجل خاف أن تنشق مثانته من الشبق أو تنشق أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان يستخرج الماء ولم يذكر بأي شيء يستخرجه
قال: "وعندي أنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة، فإن كان له أمة طفلة أو صغيرة استمنى بيدها وكذلك الكافرة.
ويجوز وطؤها فيما دون الفرج فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره فعندي أنه لا يجوز لأن الضرورة إذا رفعت حرام ما وراءها كالشبع مع الميتة بل هاهنا آكد لأن باب الفروج آكد في الحظر من الأكل".
قلت: وظاهر كلام أحمد جواز الوطء لأنه أباح له الفطر والإطعام فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولا واحدا فلو اتفق ذلك لمحرم أخرج ماءه ولم يجز له الوطء.
(فصل)
فإن كان شبق الصائم مستداما جميع الزمان سقط القضاء وعدل إلى الفدية كالشيخ والشيخة وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قضي في الزمن الآخر ولا فدية هنا لأنه عذر غير مستدام فهو كالمريض ذكر ذلك في الفصول.
المؤمنون 23:7
وَعَلَّقَ سُبْحانَهُ فَلاحَ العَبْدِ عَلى حِفْظِ فَرْجِهِ مِنهُ، فَلا سَبِيلَ إلى الفَلاحِ بِدُونِهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ - والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ - والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ - إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٧].
وَهَذا يَتَضَمَّنُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: أنَّ مَن لَمْ يَحْفَظْ فَرْجَهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْلِحِينَ، وأنَّهُ مِنَ المَلُومِينَ، ومِنَ العادِينَ، فَفاتَهُ الفَلاحُ، واسْتَحَقَّ اسْمَ العُدْوانِ، ووَقَعَ في اللَّوْمِ، فَمُقاساةُ ألَمِ الشَّهْوَةِ ومُعاناتُها أيْسَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في جَوازِ اسْتِمْتاعِ السَّيِّدِ بِأمَتِهِ دُونَ العَبْدِ بِسَيِّدَتِهِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " أباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِن أمَتِهِ بِمِلْكِ اليَمِينِ بِالوَطْءِ وغَيْرِهِ، ولَمْ يُبِحْ لِلْمَرْأةِ أنْ تَسْتَمْتِعَ مِن عَبْدِها لا بِوَطْءٍ ولا غَيْرِهِ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وحِكْمَتِها، فَإنَّ السَّيِّدَ قاهِرٌ لِمَمْلُوكِهِ، حاكِمٌ عَلَيْهِ، مالِكٌ لَهُ، والزَّوْجُ قاهِرٌ لِزَوْجَتِهِ حاكِمٌ عَلَيْها، وهي تَحْتَ سُلْطانِهِ وحُكْمِهِ شِبْهُ الأسِيرِ؛ ولِهَذا مَنَعَ العَبْدَ مِن نِكاحِ سَيِّدَتِهِ لِلتَّنافِي بَيْنَ كَوْنِهِ مَمْلُوكَها وبَعْلَها، وبَيْنَ كَوْنِها سَيِّدَتَهُ ومَوْطُوءَتَهُ، وهَذا أمْرٌ مَشْهُورٌ بِالفِطْرَةِ والعُقُولِ قُبْحُهُ، وشَرِيعَةُ أحْكَمِ الحاكِمِينَ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أنْ تَأْتِيَ بِهِ.
(فصل)
ظن كثير من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة، أو مباحة، أو أنها أيسر من ارتكابها من الحر، وتأولت هذه الفرقة القرآن على ذلك، وأدخلت المملوك في قوله: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.
وحتى إن بعض النساء لتمكن عبدها من نفسها، تتأول القرآن على ذلك، كما رفع إلى عمر بن الخطاب امرأة تزوجت عبدها، وتأولت هذه الآية، ففرق عمر رضي الله عنه بينهما، وأدبها، وقال "ويحك، إنما هذا للرجال لا للنساء".
ومن تأول هذه الآية على وطء الذكران من المماليك فهو كافر باتفاق الأمة قال شيخنا: ومن هؤلاء من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْد مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مٍنْ مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
على ذلك، قال: وقد سألني بعض الناس عن هذه الآية، وكان ممن يقرأ القرآن فظن أن معناها في إباحة ذكران العبيد المؤمنين.
قال: ومنهم من يجعل ذلك مسألة نزاع، يبيحه بعض العلماء، ويحرمه بعضهم، ويقول: اختلافهم شبهة، وهذا كذب وجهل، فإنه ليس في فرق الأمة من يبيح ذلك، بل ولا في دين من أديان الرسل، وإنما يبيحه زنادقة العالم، الذين لا يؤمنون بالله ورسله، وكتبه واليوم الآخر.
قال: ومنهم من يقول: هو مباح للضرورة، مثل أن يبقى الرجل أربعين يوما لا يجامع، إلى أمثال هذه الأمور التي خاطبني فيها وسألني عنها طوائف من الجند والعامة والفقراء.
قال: ومنهم من قد بلغه خلاف بعض العلماء في وجوب الحد فيه، فظن أن ذلك خلاف في التحريم، ولم يعلم أن الشيء قد يكون من أعظم المحرمات، كالميتة والدم ولحم الخنزير، وليس فيه حد مقدر.
ثم ذلك الخلاف قد يكون قولا ضعيفا، فيتولد من ذلك القول الضعيف الذي هو من خطأ بعض المجتهدين، وهذا الظن الفاسد الذي هو خطأ بعض الجاهلين: تبديل الدين، وطاعة الشيطان، ومعصية رب العالمين، فإذا انضافت الأقوال الباطلة إلى الظنون الكاذبة، وأعانتها الأهواء الغالبة، فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك، والخروج عن جملة الشرائع بالكلية.
ولما سهل هذا الأمر في نفوس كثير من الناس صار كثير من المماليك يتمدح بأنه لا يعرف غير سيده، أنه لم يطأه سواه، كما تتمدح الأمة والمرأة بأنها لا تعرف غير سيدها وزوجها، وكذلك كثير من المردان يتمدح بأنه لا يعرف غير خدينه وصديقه، أو مؤاخيه أو معلمه، وكذلك من الفاعلين يتمدح بأنه عفيف عما سوى خدنه الذي هو قرينه وعشيره كالزوجة، أو عما سوى مملوكه، الذي هو كسريته.
ومنهم من يرى أن التحريم إنما هو إكراه الصبي على فعل الفاحشة، فإذا كان مختارا راضيا لم يكن بذلك بأس، فكأن المحرم عنده من ذلك إنما هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به.
قال شيخنا: وحكى لي من أثق به: أن بعض هؤلاء أخُذِ على هذه الفاحشة، فحكم عليه بالحد، فقال: والله هو ارتضى بذلك، وما أكرهته ولا غصبته، فكيف أعاقب؟ فقال نصير المشركين - وكان حاضرا - هذا حكم محمد بن عبد الله وليس لهؤلاء ذنب.
ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف أبيح له وطء معشوقه للضرورة، وحفظ النفس، كما يباح له الدم والميتة ولحم الخنزير في المخمصة.
وقد يبيح هؤلاء شرب الخمر على وجه التدواي، وحفظ الصحة إذا سلم من معرة السكر.
ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات، كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ الله واللهُ بَصِيرٌ بَما يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣] وقال: ﴿وَلِكلٍّ دَرَجاتٌ مّمِا عَمِلُوا، وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]. وقال ﴿إنَما النّسِئُ زِيادَةٌ في الكُفْر﴾ [التوبة: ٣٧] وقال ﴿فَأمّا الّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبِشرُونَ وأمّا الّذِينَ في قُلُوبهمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥].
ونظائره في القرآن كثيرة.
ومن أخف هؤلاء جرما: من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته قال: أستغفر الله فكأن ما كان لم يكن.
فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق، كتلاعب الصبيان بالكرة، وأخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب.
وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدْنًا من النساء والمتخذة خدنا من الرجال أقل شرا من المسافح والمسافحة مع كل أحد، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثما من المخبر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد عن عافية الله تعالى وعفوه، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"كُلُّ أُمَّتِي معافى إلا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَسْتُرَ اللهُ تعالى عَلَيْهِ ثُمً يُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ، يَقُولُ، يا فُلاَن، فَعَلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا فَيَبِيتُ رَبُّهُ يَسْتُرُهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْ نَفْسِهِ"
أو كما قال.
وفي الحديث الآخر عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "مَنِ ابْتُلِى مِن هذِهِ القاذُوراتِ بِشَيءْ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنّهُ مَن يُبْدِ لَنا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتابَ اللهِ": وفي الحديث الآخر "إنّ الخَطِيئَةَ إذا خفِيتَ لَمْ تَضُرَّ إلا صاحِبَها، ولكِنْ إذا أعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتْ العامَّةَ".
وكذلك الزنا بالمرأة التي لا زوج لها أيسر إثما من الزنا بذات الزوج، لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه، وإفساد فراشه عليه، وقد يكون إثم هذا أعظم من إثم مجرد الزنا، أو دونه.
والزنا بحليلة الجار أعظم إثما من الزنا ببعيدة الدار، لما اقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به.
وكذلك الزنا بامرأة الغازى في سبيل الله أعظم إثما عند الله من الزنا بغيرها. ولهذا يقام له يوم القيامة ويقال له:
"خذ من حسناته ما شئت".
وكما تختلف درجاته بحسب المزني بها فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل.
فالزنا في رمضان ليلا أو نهارًا أعظم إثما منه في غيره. وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثما منه فيما سواها.
وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنا من الحر أقبح منه من العبد. ولهذا كان حَدُّه على النصف من حده.
ومن المحصن أقبح منه من البكر، ومن الشيخ أقبح منه من الشاب.
ولهذا كان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: الشيخ الزانى. ومن العالم أقبح منه من الجاهل، لعلمه بقبحه، وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة. ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز.
(فصل)
إذا قدر الرجل على التزوج أو التسري حرم عليه الاستمناء بيده.
قال ابن عقيل: "وأصحابنا وشيخنا لم يذكروا سوى الكراهة لم يطلقوا التحريم"
قال: "وإن لم يقدر على زوجة ولا سرية ولا شهوة له تحمله على الزنا حرم عليه الاستمناء لأنه استمتاع بنفسه والآية تمنع منه وإن كان متردد الحال بين الفتور والشهوة ولا زوجه له وله أمة ولا يتزوج به كره ولم يحرم وإن كان مغلوبا على شهوته يخاف العنت كالأسير والمسافر والفقير جاز له ذلك نص عليه أحمد رضي الله عنه.
وروي أن الصحابة كانوا يفعلونه في غزواتهم وأسفارهم، وإن كانت امرأة لا زوج لها واشتدت غلمتها فقال بعض أصحابنا: يجوز لها اتخاذ الاكرنبج وهو شيء يعمل من جلود على صورة الذكر فتستدخله المرأة أو ما أشبه ذلك من قثاء وقرع صغار.
والصحيح عندي أنه لا يباح لأن النبي ﷺ إنما أرشد صاحب الشهوة إذا عجز عن الزواج إلى الصوم ولو كان هناك معنى غيره لذكره وإذا كان غائبا عنها لأن الفعل جائز ولا يحرم من توهمه وتخيل وإن كان غلاما أو أجنبية كره له ذلك لأنه إغراء لنفسه بالحرام وحث لها عليه وإن قور بطيخة أو عجينا أو أديما أو نجشا في صنم إليه فأولج فيه فعلى ما قدمنا من التفصيل.
قلت: وهو أسهل من استمنائه بيده.
وقد قال أحمد فيمن به شهوة الجماع غالبا لا يملك نفسه ويخاف أن تنشق أنثياه أطعم وهذا لفظ منا حكاه عنه في المغني ثم قال: "أباح له الفطر لأنه يخاف على نفسه فهو كالمريض يخاف على نفسه من الهلاك لعطش ونحوه وأوجب الإطعام بدلا من الصيام، وهذا محمول على من لا يرجو إمكان القضاء فإن رجا ذلك فلا فدية عليه والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ الآية.
وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء فإن أطعم مع يأسه ثم قدر على الصيام احتمل أن لا يلزمه لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب فلم تعد إلى الشغل بما برئت منه واحتمل أن يلزمه القضاء لأن الإطعام بدل إياس وقد تبينا ذهابه فأشبه المعتدة بالشهور لليأس إذا حاضت في أثنائها.
في الفصول روى عن أحمد في رجل خاف أن تنشق مثانته من الشبق أو تنشق أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان يستخرج الماء ولم يذكر بأي شيء يستخرجه
قال: "وعندي أنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة، فإن كان له أمة طفلة أو صغيرة استمنى بيدها وكذلك الكافرة.
ويجوز وطؤها فيما دون الفرج فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره فعندي أنه لا يجوز لأن الضرورة إذا رفعت حرام ما وراءها كالشبع مع الميتة بل هاهنا آكد لأن باب الفروج آكد في الحظر من الأكل".
قلت: وظاهر كلام أحمد جواز الوطء لأنه أباح له الفطر والإطعام فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولا واحدا فلو اتفق ذلك لمحرم أخرج ماءه ولم يجز له الوطء.
(فصل)
فإن كان شبق الصائم مستداما جميع الزمان سقط القضاء وعدل إلى الفدية كالشيخ والشيخة وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قضي في الزمن الآخر ولا فدية هنا لأنه عذر غير مستدام فهو كالمريض ذكر ذلك في الفصول.
المؤمنون 23:10
والفردوس: اسم يقال على جميع الجنة. ويقال: على أفضلها وأعلاها، كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنات.
وأصل الفردوس: البستان، والفراديس البساتين. قال كعب: هو البستان الذي فيه الأعناب.
وقال الليث: الفردوس جنة ذات كروم، يقال: كرم مفردس، أي معرش.
وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة بالأشجار، وهو اختيار المبرد.
وقال: الفردوس - فيما سمعت من كلام العرب -:
الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وجمعه الفراديس.
قال: ولهذا سمي باب الفراديس بالشام. وأنشد لجرير:
؎فقلت للركب، إذ جد المسير بنا ∗∗∗ يا بعد ما بين أبواب الفراديس
وقال مجاهد: هذا البستان بالرومية. واختاره الزجاج. فقال: هو بالرومية، منقول إلى لغة العرب.
قال وحقيقته: أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين.
قال حسان:
؎وإن ثواب الله كل مخلد ∗∗∗ جنان من الفردوس فيها يخلد
المؤمنون 23:11
والفردوس: اسم يقال على جميع الجنة. ويقال: على أفضلها وأعلاها، كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنات.
وأصل الفردوس: البستان، والفراديس البساتين. قال كعب: هو البستان الذي فيه الأعناب.
وقال الليث: الفردوس جنة ذات كروم، يقال: كرم مفردس، أي معرش.
وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة بالأشجار، وهو اختيار المبرد.
وقال: الفردوس - فيما سمعت من كلام العرب -:
الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وجمعه الفراديس.
قال: ولهذا سمي باب الفراديس بالشام. وأنشد لجرير:
؎فقلت للركب، إذ جد المسير بنا ∗∗∗ يا بعد ما بين أبواب الفراديس
وقال مجاهد: هذا البستان بالرومية. واختاره الزجاج. فقال: هو بالرومية، منقول إلى لغة العرب.
قال وحقيقته: أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين.
قال حسان:
؎وإن ثواب الله كل مخلد ∗∗∗ جنان من الفردوس فيها يخلد
المؤمنون 23:12
(فائدة)
وقد يستطرد سبحانه من ذكر الشخص إلى ذكر النوع كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾
فالمخلوق من سلالة من طين آدم والمجعول نطفة في قرار مكين ذريته.
(فصل: في أطوار ابْن آدم من وقت كَونه نُطْفَة إلى استقراره في الجنَّة أو النّار)
قالَ الله تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
فاستوعب سُبْحانَهُ ذكر أحْوال ابْن آدم قبل كَونه نُطْفَة بل تُرابا وماء إلى حِين بَعثه يَوْم القِيامَة فَأول مَراتِب خلقه أنه سلالة من طين ثمَّ بعد ذَلِك سلالة من ماء مهين وهِي النُّطْفَة الَّتِي استلت من جَمِيع البدن فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يقلب الله سُبْحانَهُ تِلْكَ النُّطْفَة علقَة وهِي قِطْعَة سَوْداء من دم فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا أُخْرى ثمَّ يصيرها سُبْحانَهُ مُضْغَة وهِي قِطْعَة لحم أرْبَعِينَ يَوْمًا وفي هَذا الطّور تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته.
واخْتلف في أول ما يتشكل ويخلق من أعْضائِهِ.
قالَ قائِلُونَ هو القلب
وَقالَ آخَرُونَ إنَّه الدِّماغ
وَقالَ آخَرُونَ هو الكبد
وَقالَ آخَرُونَ فقار الظّهْر فاحتج أرْباب القَوْل الأول بِأن القلب هو العُضْو والأساس الَّذِي هو مَعْدن الحَرارَة الغريزية الَّذِي هو مركب الحَياة فَوَجَبَ أن يكون هو المُقدم في الخلق قالُوا وقد أخبر المشرحون أنهم وجدوا في النُّطْفَة عند كَمال انْعِقادها نقطة سَوْداء.
واحْتج من قالَ إنَّه الدِّماغ بِأن الدِّماغ من الحَيَوان هو العُضْو الرئيسي من الإنْسان وهو مجمع الحَواس وأن الأمر المُخْتَص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وأصل ذَلِك من الدِّماغ ومِنه ينبعث وإذا كانَ الخاص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وكانا عَن هَذا العُضْو كانَ هو المُقدم في الإيجاد والتكوين.
واحْتج من قالَ إنَّه الكبد بِأنَّهُ العُضْو الَّذِي مِنهُ النمو والاغتذاء الَّذِي بِهِ قوام الحَيَوان قالُوا فالنظام الطبيعي يَقْتَضِي أن يكون أول متكون الكبد ثمَّ القلب ثمَّ الدِّماغ لِأن أول فصل الحَيَوان هو النمو ولَيْسَ بِهِ في هَذا الوَقْت حاجَة إلى حس ولا إلى حَرَكَة إرادية لِأنَّهُ يعد بِمَنزِلَة النَّبات فَلا حاجَة بِهِ حِينَئِذٍ إلى غير النمو.
وَلِهَذا إنَّما تصير لَهُ قُوَّة الحس والإرادة عند تعلق النَّفس بِهِ وذَلِكَ في الطّور الرّابِع من أطوار تخليقه فَكانَ أول الأعْضاء خلقا فِيهِ هو آلَة النمو وذَلِكَ الكبد والَّذِي شاهده أرْباب التشريح حَتّى إنَّهُم متفوقون عَلَيْهِ أنه أول ما يتَبَيَّن في خلق جثة الحَيَوان ثَلاث نقط مُتَقارِبَة بَعْضها من بعض يتَوَهَّم أنَّها رسم الكبد والقلب والدماغ ثمَّ يزْداد بَعْضها من بعض بعدا على امتداد أيّام الحمل، فَهَذا القدر هو الَّذِي عند المشرحين.
فَأما أن هَذِه النقط أقدم وأسبق فَلَيْسَ عِنْدهم عَلَيْهِ دَلِيل إلّا الأخلق والأولى والقِياس والله أعلم.
(فصل)
ثمَّ تقدر مفاصل أعْضائِهِ وعظامه وعروقه وعصبه ويشق لَهُ السّمع والبَصَر والفم ويفتق حلقه بعد أن كانَ رتقا فيركب فِيهِ اللِّسان ويخطط شكله وصورته وتكسى عِظامه لَحْمًا ويربط بَعْضها إلى بعض أحكم ربط وأقواه وهو الأسر الَّذِي قالَ فِيهِ ﴿نَحن خلقناهم وشددنا أسرهم﴾
وَمِنه الإسار الَّذِي يرْبط بِهِ ومِنه الأسير
قالَ الإمام أحْمد حَدثنا روح بن عبادَة حَدثنا أبُو هِلال حَدثنا ثابت عَن صَفْوان بن مُحرز قالَ كانَ نَبِي الله داوُد عَلَيْهِ السَّلام إذا ذكر عَذاب الله تخلعت أوصاله ما يمْسِكها إلّا الأسر فَإذا ذكر رَحْمَة الله رجعت
(فصل)
قالَ بقراط في المقالة الثّالِثَة من كتاب الأجنة أنا أحَدثك رَأيْت المَنِيّ ينشأ كانَت لامْرَأة من الأهْل جارِيَة نفيسة ولم تكن تحب أن تحبل لِئَلّا ينقص ثمنها فَسمِعت الجارِيَة النِّساء يقلن إن المَرْأة إذا أرادَت أن تحمل لم يخرج مِنها مني الرجل بل يبْقى محتبسا ففهمت ذَلِك وجعلت ترصده من نَفسها فأحست في بعض الأوْقات أنه لم يخرج مِنها فبلغني الخَبَر فأمرتها أن تطفر إلى خلفها فطفرت سبع طفرات فَسقط مِنها المَنِيّ بوجبة شَبِيها بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عَنْها القشر الخارِج وبقيت رطوبتها في جَوف الغشاء قالَ وأنا أقُول أيْضا إنَّه يجْرِي من الأُم فضول الرَّحِم ليتغذى بها الجَنِين وقالَ إن الَّذِي تظهر هي الأعصاب الدقاق البيض وهِي الَّتِي رَأيْت في وسط السُّرَّة ولَيْسَت في مَوضِع آخر غير السُّرَّة لِأن الرّوح إنَّما يشق طَرِيقا للنَّفس هُناكَ ثمَّ قالَ وأقُول شَيْئا آخر ظاهرا يعرفهُ كل من يرغب في العلم وأوضحه بقياسات وأقُول إن المَنِيّ هو في الحجاب وإنّهُ يغتذي من الدَّم الَّذِي يجْتَمع من المَرْأة وينزل إلى الرَّحِم وقالَ إن المَنِيّ يجتذب الهَواء فيتنفس فِيهِ في هَذِه الحجب في الأسْباب الَّتِي ذكرنا ويربو من الدَّم الَّذِي ينحدر من المَرْأة وقالَ إن الطمث لا ينحدر ما دامَت المَرْأة حامِلا إن كانَ طفلها صَحِيحا وذَلِكَ مُنْذُ أول شهر من حبلها إلى الشَّهْر التّاسِع ولَكِن جَمِيع ما ينزل من الدَّم من البدن كُله يجْتَمع حول الجَنِين على الحجاب الأعْلى مَعَ اجتذاب النَّفس والسرة طَرِيق وُصُوله إلى الجَنِين فَيدْخل الغذاء إلَيْهِ فيغذيه ويزِيد في تَرْبِيَته.
وَقالَ إذا أقامَ المَنِيّ حينا خلقت لَهُ حجب أخر فتمتد داخِلا من الحجاب الأول وتَكون مُخْتَلفَة الأنْواع كَثِيرَة.
وَأما كَونها فَمثل الحجاب الأول وقالَ إن الحجب مِنها ما يخلق أولا ومِنها ما يخلق من بعد الشَّهْر الثّانِي ومِنها ما يخلق في الشَّهْر الثّالِث وكلها لا تظهر مَنافِعها أول ما يخلق ولَكِن بَعْضها يَمْتَد على المَنِيّ فتظهر مَنافِعها أولا وبَعضها لا يظْهر إلّا أخيرا فَلذَلِك يخلق بَعْضها في الشَّهْر الأول وبَعضها في الشَّهْر الثّانِي وبَعضها في الثّالِث وهِي السُّرَّة كَأنَّها مربوط بَعْضها بِبَعْض في وسط الحجب تكون السُّرَّة الَّتِي يتنفس مِنها ويتربى
وَإذا نزل الدَّم واغتذى الجَنِين مِنهُ حالَتْ الحجب بَينه وبَين الجَنِين ولِهَذا يَقُول تَعالى ﴿يخلقكم في بطُون أُمَّهاتكُم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثَلاث﴾
فَإن كل حجاب من هَذِه الحجب لَهُ ظلمَة تخصه فَذكر سُبْحانَهُ أطوار خلقه ونَقله فِيها من حال إلى حال وذكر ظلمات الحجب الَّتِي على الجَنِين فَقالَ أكثر المُفَسّرين هي ظلمَة البَطن وظلمة الرَّحِم وظلمة المشيمة فَإن كل واحِد من هَذِه حجاب على الجَنِين وقالَ آخَرُونَ هي ظلمَة أصلاب الآباء وظلمة بطُون الأُمَّهات وظلمة المشيمة وأضعف من هَذا القَوْل قَول من قالَ ظلمَة اللَّيْل وظلمة البَطن وظلمة الرَّحِم فَإن اللَّيْل والنَّهار بِالنِّسْبَةِ إلى الجَنِين سَواء وقالَ بقراط إن المَرْأة إذا حبلت لم تألم من اجْتِماع الدَّم الَّذِي ينزل ويجتمع حول رَحمها ولا تحس بِضعْف كَما تحس إذا انحدر الطمث لِأنَّها لا يثور دَمها في كل شهر لكنه ينزل إلى الرَّحِم في كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا نزولا ساكِنا من غير وجع فَإذا أتى إلى الرَّحِم اغتذى مِنهُ الجَنِين ونما ثمَّ قالَ وعَلى غير بعيد من ذَلِك إذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الحجب وإذا كبر كَبرت الحجب أيْضا وصارَ لَها تجويف خارج من الجَنِين فَإذا نزل الدَّم من الأُم جذبه الجَنِين واغتذى بِهِ فيزيد في لَحْمه والرديء من الدَّم الَّذِي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب وكَذَلِكَ تسمى الحجب الَّتِي إذا صار لَها تجويف يقبل الدَّم المشيمة.
وَقالَ إذا تمّ الجَنِين وكملت صورته واجتذب الدَّم لغذائه بالمقدار اتسعت الحجب وظَهَرت المشيمة الَّتِي تكون من الآلات الَّتِي ذكرنا فَإن اتَّسع داخلها اتَّسع خارِجها لِأنَّهُ أولى بذلك لِأن لَهُ موضعا يَمْتَد إلَيْهِ قلت ومن ها هُنا لم تَحض الحامِل بل ما تراهُ من الدَّم يكون دم فَساد لَيْسَ دم الحيض المُعْتاد هَذِه إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَن عائِشَة رَضِي الله عَنْها وهو المَشْهُور من مَذْهَب أحْمد الَّذِي لا يعرف أصْحابه سواهُ وهو مَذْهَب أبي حنيفَة وذهب الشّافِعِي في رِوايَة عَن عائِشَة والإمام أحْمد في رِوايَة عَنهُ اخْتارَها شَيخنا إلى أن ما تراهُ من الدَّم في وقت عادَتها يكون حيضا.
وَحجَّة هَذا القَوْل ظاهِرَة وهِي عُمُوم الأدِلَّة الدّالَّة على ترك المَرْأة الصَّوْم والصَّلاة إذا رَأتْ الدَّم المُعْتاد في وقت الحيض ولم يسْتَثْن الله ورَسُوله حالَة دون حالَة وأما كَون الدَّم ينْصَرف إلى غذاء الوَلَد فَمن المَعْلُوم أن ذَلِك لا يمْنَع أن يبْقى مِنهُ بَقِيَّة يخرج في وقت الحيض تفضل عَن غذاء الوَلَد فَلا تنافِي بَين غذاء الوَلَد وبَين حيض الأُم.
وَأصْحاب القَوْل الآخر يحتجون بقوله ﷺ لا تُوطأ حامِل حَتّى تضع ولا حائِل حَتّى تستبرأ بِحَيْضَة فَجعل الحَيْضَة دَلِيلا على عدم الحمل فَلَو حاضَت الحامِل لم تكن الحَيْضَة علما على بَراءَة حملها والآخرُونَ يحبيبون عَن هَذا بِأن الحَيْضَة علم ظاهر فَإذا ظهر بها الحمل تَبينا أنه لم يكن دَلِيلا ولِهَذا يحكم بِانْقِضاء العدة بِالحيضِ ظاهرا ثمَّ تبين المَرْأة حامِلا والنَّبِيّ ﷺ قسم النِّساء إلى قسمَيْنِ امْرَأة مَعْلُومَة الحمل وامْرَأة مظنون أنَّها حامِل فَجعل اسْتِبْراء الأولى بِوَضْع الحمل والثّانيِة بالحيضة.
وَهَذا هو الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لم يدل على أن ما تراهُ الحامِل من الدَّم في وقت عادَتها تَصُوم مَعَه وتصلي.
(فصل)
قالَ بقراط إن العِظام تصلب من الحَرارَة لِأن الحَرارَة تصلب العِظام وتربط بَعْضها بِبَعْض مثل الشَّجَرَة الَّتِي ترتبط بَعْضها بِبَعْض وقالَ إن العصب جعل داخِلا وخارجا وجعل الرَّأْس بَين العاتقين والعضدان والساعدان في الجانِبَيْنِ وفرج ما بَين الرجلَيْن أيْضا وجعل في كل مفصل من المفاصل عصب بوثقه ويشده قلت وهو الأسر الَّذِي شدّ بِهِ الإنْسان قالَ وجعل الفَم ينفتح من تِلْقاء نَفسه وركب الأنف والأذنان من اللَّحْم وثقبت الأذنان ثمَّ العينان بعد ذَلِك وملئتا رُطُوبَة صافِيَة
وَكانَ النَّبِي ﷺ يَقُول في سُجُوده سجد وجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره والواو وإن لم تقتض ترتيبا فتقديم السّمع في اللَّفْظ يُناسب تقدمه في الوُجُود ثمَّ تتسع الأمعاء بعد ذَلِك ويصير لَها تجويف وترتبط المفاصل ويرتفع النَّفس إلى الفَم والأنف ويدخل الِاسْتِنْشاق في الفَم والأنف وينفتح البَطن والأمعاء ويخرج النَّفس إلى الفَم بدل السُّرَّة فَإذا تمّ ما ذكرنا حضر وقت خُرُوج الجَنِين ونزلت فضول من معدته وأمعائه إلى المثانة ويكون لَها طَرِيق من المعدة والأمعاء إلى المثانة
وَمِنها إلى مجْرى البَوْل وإنَّما تنفتح هَذِه كلها ويتسع تجويفها بالاستنشاق وبِه ينْفَصل بَعْضها عَن بعض على قدر أشكالها وقالَ إذا اتَّسع البَطن وتبين تجويف الأمعاء صار فِيها طَرِيق إلى المثانة والإحليل اضطرارا
قالَ والمني إذا تركب يجْتَمع كل شَيْء مِنهُ إلى صاحبه العِظام إلى العِظام والعصب إلى العصب وكَذَلِكَ جَمِيع الأعْضاء ثمَّ يركب الجَنِين ثمَّ قالَ إنّا قد رَأينا كثيرا من النِّساء قد فَسدتْ الأجنة فِيهِنَّ ثمَّ خرجت بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا ثمَّ قالَ ألا ترى أنه إذا سقط الجَنِين بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا رَأيْت مفاصله مركبة وقالَ يدْرك هَذا بِالنّظرِ إلى السقط لِأنَّهُ إذا سقط لَيْسَ يسْقط من حيلنا بل من قبل نَفسه ثمَّ قالَ إذا تركب الجَنِين وأتلفت مفاصله وكَبرت أعضاؤه وصلبت عِظامه وتحركت جذبت من البدن دَمًا دسما ويحتبس ذَلِك ويتحرك في رُؤُوس العِظام مثل تحرّك رُؤُوس الشّجر قالَ وكَذَلِكَ الجَنِين ويتقلب.
(فصل)
وَقالَ في المقالة الثّانِيَة من كِتابه هَذا ثمَّ يتركب الجَنِين ويتم الذّكر إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا والأنثى إلى اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا ورُبما زاد على هَذِه الأيّام قَلِيلا ورُبما نقص قَلِيلا وقالَ إن الجَنِين يتم ويتَصَوَّر إن كانَ ذكرا في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وإن كانَ أُنْثى فَفي اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وقالَ إنّا نرى ذَلِك من نقاء المَرْأة لِأنَّها إن ولدت أُنْثى فَإنَّها تنفى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وهو أكثر ما تحتبس المَرْأة إلى أن تنقى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا عند ولادَة الأُنْثى ورُبما كانَ في الفَرد وتنقى في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فَإذا ولدت ذكرا فَإنَّها تنقى في اثْنَيْنِ ووثلاثين يَوْمًا إذا احْتبست كثيرا ورُبما بقيت في الفَرد في خَمْسَة وعشْرين يَوْمًا
وَقالَ إن دم الطمث يخرج من حَيْثُ يخرج الجَنِين وكما أن الذّكر يتَصَوَّر في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا كَذَلِك يكون نقاء أمه من بعد ولاده في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وتنقى المَرْأة إذا ولدت أُنْثى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا بِعَدَد الأيّام الَّتِي تركيبها فِيها ثمَّ قالَ انما يجْرِي الدَّم من النُّفَساء بعد ولادها أيّامًا كَثِيرَة لِأنَّها إذا حملت لم يحْتَج الجَنِين أول ما يخلق إلى غذاء كثير حَتّى يتم فَإذا تمّ لَهُ اثْنان وأرْبَعُونَ يَوْمًا اغتذى كَما يَنْبَغِي وما اجْتمع في الأيّام الأرْبَعين من الدَّم الَّذِي ينزل إلى الجَنِين بَقِي إلى ولاد المَرْأة فَإذا ولدت نزل أرْبَعِينَ يَوْمًا.
قلت في هَذا الفَصْل حديثان صَحِيحانِ عَن رَسُول الله ﷺ نذكرهما ونَذْكُر تَصْدِيق أحدهما للْآخر، ثمَّ نتعقب كَلام بقراط ونبين ما فِيهِ بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود قالَ حَدثنا رَسُول الله ﷺ وهو الصّادِق المصدوق
"إن أحدكُم يجمع خلقه في بطن أمه أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون في ذَلِك علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون في ذَلِك مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الله الملك فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات بكتب رزقه وأجله وعَمله وشقي أو سعيد فو الَّذِي لا إلَه غَيره إن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الجنَّة حَتّى ما يكون بَينه وبَينها إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النّار فيدخلها، وإن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النّار حَتّى ما يكون بَينها وبَينه إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الجنَّة فيدخلها".
وَفِي طَرِيق أُخْرى "إن خلق ابْن آدم يجمع في بطن أمه أرْبَعِينَ"
وَفِي أُخْرى "أرْبَعِينَ لَيْلَة"
وَقالَ البُخارِيّ "أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعين لَيْلَة"
وَفِي بعض طرقه "ثمَّ يبْعَث الله ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" ... الحَدِيث
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قالَ
"يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ أو خمس وأرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أو سعيد فيكتبان فَيَقُول إي رب أذكر أم أُنْثى فيكتبان ويكْتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثمَّ تطوى الصُّحُف فَلا يزْداد فِيها ولا ينقص"
وَقالَ الإمام أحْمد حَدثنِي سُفْيان عَن عَمْرو عَن أبي الطُّفَيْل عَن حُذَيْفَة ابْن أسيد الغِفارِيّ قالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أم سعيد فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيَقُولانِ أذكر أم أُنْثى فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيكْتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثمَّ تطوى الصَّحِيفَة فَلا يزْداد على ما فِيها ولا ينقص.
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عامر بن واثِلَة أنه سمع عبد الله بن مَسْعُود يَقُول
"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ"
فَأتى رجلا من أصْحاب رَسُول الله يُقال لَهُ حُذَيْفَة بن أسيد الغِفارِيّ فحدثه بذلك
من قَول ابْن مَسْعُود فَقالَ: وكَيف يشقى رجل بِغَيْر عمل فَقالَ لَهُ الرجل أتعجب من ذَلِك فَإنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول:
"إذا مر بالنطفة ثِنْتانِ وأرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إلَيْها ملكا فصورها وخلق سَمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثمَّ قالَ يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب أجله فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ فَيكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب رزقه فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يخرج الملك بالصحيفة في يَده فَلا يزِيد على ما أمر ولا ينقص".
وَفِي لفظ آخر سَمِعت رَسُول الله ﷺ بأذني هاتين يَقُول:
"إن النُّطْفَة تقع في الرَّحِم أرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْها الملك"
قالَ زُهَيْر حسبته قالَ "الَّذِي يخلقها فَيَقُول يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَجْعَلهُ الله ذكرا أو أُنْثى فَيَقُول يا رب أسوي أم غير سوي فَيَجْعَلهُ الله سويا أو غير سوي ثمَّ يَقُول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثمَّ يَجعله الله شقيا أو سعيدا"
وَفِي لفظ آخر
"إن ملكا موكلا بالرحم إذا أرادَ الله عز وجل أن يخلق شَيْئا بِإذن الله لبضع وأرْبَعين لَيْلَة"
ثمَّ ذكر الحَدِيث ..
فاتفق حَدِيث ابْن مَسْعُود وحَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد على حُدُوث شَأْن وحال النُّطْفَة بعد الأرْبَعين وحَدِيث حُذَيْفَة مُفَسّر صَرِيح بِأن ذَلِك يكْتب بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح كَما تقدم في رِوايَة البُخارِيّ.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فأحد ألْفاظه مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة وإن كانَ ذَلِك التَّقْدِير والكِتابَة بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح فِيهِ كَما تقدم من رِوايَة البُخارِيّ ولَفظه
"ثمَّ يبْعَث الله إلَيْهِ ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح"
فَهَذا صَرِيح أن الكِتابَة وسؤال الملك قبل نفخ الرّوح فِيهِ وهو مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة في ذَلِك
وَأما لَفظه الآخر
"فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فَلَيْسَ بِصَرِيح إذْ الكَلِمات المَأْمُور بها بعد نفخ الرّوح فَإن هَذِه الجُمْلَة معطوفة بِالواو.
وَيجوز أن تكون معطوفة على الجُمْلَة الَّتِي تَلِيها.
وَيجوز أن تكون معطوفة على جملَة الكَلام المُتَقَدّم أي يجمع خلقه في هَذِه الأطوار ويُؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعَمله ووسط بَين الجمل قَوْله "ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" بَيانا لتأخر نفخ الرّوح عَن طور النُّطْفَة والعلقة والمضغة.
وَتَأمل كَيفَ أتى بـ (ثمَّ) في فصل نفخ الرّوح وبالواو في قَوْله "وَيُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فاتفقت سائِر الأحادِيث بِحَمْد الله
وَبَقِي أن يُقال فَحَدِيث حُذَيْفَة يدل على أن ابْتِداء التخليق عقيب الأرْبَعين الأولى وحَدِيث ابْن مَسْعُود يدل على أنه عقيب الأرْبَعين الثّالِثَة فكيف يجمع بَينهما؟
قيل أما حَدِيث حُذَيْفَة فصريح في كَون ذَلِك بعد الأرْبَعين.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَلَيْسَ فِيهِ تعرض لوقت التَّصْوِير والتخليق، وإنَّما فِيهِ بَيان أطوار النُّطْفَة وتنقلها بعد كل أرْبَعِينَ وأنه بعد الأرْبَعين الثّالِثَة ينْفخ فِيهِ الرّوح.
وَهَذا لم يتَعَرَّض لَهُ حَدِيث حُذَيْفَة بل اخْتصَّ بِهِ حَدثنا بن مَسْعُود، فاشترك الحديثان في حُدُوث أمر بعد الأرْبَعين الأولى
واختص حَدِيث حُذَيْفَة بِأن ابْتِداء تصويرها وخلقها بعد الأرْبَعين الأولى واختص حَدِيث ابْن مَسْعُود بِأن نفخ الرّوح فِيهِ بعد الأرْبَعين الثّالِثَة واشترك الحديثان في اسْتِئْذان الملك ربه سُبْحانَهُ في تَقْدِير شَأْن المَوْلُود في خلال ذَلِك فتصادقت كَلِمات رَسُول الله ﷺ وصدق بَعْضها بَعْضًا.
وَحَدِيث ابْن مَسْعُود فِيهِ أمْرانِ أمر النُّطْفَة وتنقلها وأمر كِتابَة الملك ما يقدر الله فِيها والنَّبِيّ ﷺ أخبر بالأمرين في الحَدِيث قالَ الإمام أحْمد حَدثنا هشيم أنبأنا عَليّ بن زيد قالَ سَمِعت أبا عتبَة بن عبد الله يحدث قالَ قالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قالَ رَسُول الله ﷺ
"إنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ في الرَّحِمِ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَلى حالِها لا تَتَغَيَّر فَإذا مَضَت لَهُ أرْبَعُونَ صارَت علقَة ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك، ثمَّ عظاما كَذَلِك، فَإذا أرادَ أن يُسَوِّي خلقه بعث الله إليه الملك فَيَقُولُ المَلَكُ الَّذِي يَلِيهِ: أيْ رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ أقَصِيرٌ أمْ طَوِيلٌ؟ أناقِصٌ أمْ زائِدٌ؟ قُوتُهُ وأجَلُهُ؟ أصَحِيحٌ أمْ سَقِيمٌ؟ قالَ: فَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ "
فَهَذا الحَدِيث فِيهِ الشِّفاء وإن الحادِث بعد الأرْبَعين الثّالِثَة تَسْوِيَة الخلق عند نفخ الرّوح فِيهِ.
وَلا ريب أنه عند نفخ الرّوح فِيهِ وتعلقها بِهِ يحدث لَهُ في خلقه أُمُور زائِدَة على التخليق الَّذِي كانَ بعد الأرْبَعين الأولى فالأول كانَ مبدأ التخليق وهَذا تسويته وكَمال ما قدر لَهُ كَما أنه سُبْحانَهُ خلق الأرْض قبل السَّماء ثمَّ خلق السَّماء ثمَّ سوى الأرْض بعد ذَلِك ومهدها وبسطها وأكمل خلقها فَذَلِك فعله في السكن وهَذا فعله في السّاكِن على أن التخليق والتصوير ينشأ في النُّطْفَة بعد الأرْبَعين على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا كَما ينشأ النَّبات فَهَذا مشاهد في الحَيَوان والنبات كَما إذا تَأمَّلت حال الفروج في البَيْضَة فَإنَّما يَقع الإشْكال من عدم فهم كَلام الله تَعالى ورَسُوله ﷺ فالإشكال في أفهامنا لا في بَيان المَعْصُوم.
والله المُسْتَعان، وقد أغْناك هَذا بِحَمْد الله عَن تكلّف الشّارِحين فَتَأمّله ووازن بَينه وبَين هَذا الجمع وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
(فصل)
وَقد قالَ بقراط في كتاب الغذاء تَصْوِير الجَنِين يكون في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا وحركته في سبعين صباحا وكماله في مائَة وعشرَة أيّام ويتَصَوَّر أجنة أخر في خمسين صباحا ويتحركون التحرك الأول في مائَة صباح ويكملون في ثَلاثمِائَة ويتَصَوَّر أجنة أخر في أرْبَعِينَ صباحا ويتحركون في ثَمانِينَ صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وأرْبَعين صباحا ويتَصَوَّر أجنة أخر في خَمْسَة وأرْبَعين صباحا ويتحركون في تسعين صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وسبعين صباحا قالَ فَأما الولادَة فَتكون في الشَّهْر السّابِع والثّامِن والتّاسِع والعاشر.
قلت الحَرَكَة حركتان حَرَكَة طبيعية غير إرادية فَهَذِهِ تكون قبل تعلق الرّوح بِهِ وأما الحَرَكَة الإرادية فَلا تكون إلّا بعد نفخ الرّوح ولِهَذا فرق بقراط بَين التحرك الأول والثّانِي.
قلت الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الوَحْي الصّادِق عَن خلاق البشر أن الخلق ينْتَقل في كل أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى طور آخر فَيكون أولا نُطْفَة أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ علقَة كَذَلِك ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح بعد مائَة وعشْرين يَوْمًا.
فَهَذا كَأنَّك تشاهده عيانًا وما خالفه فَلَيْسَ مَعَ المخبر بِهِ عيان، وغايَة ما مَعَه قِياس فاسد وتشريح لا يُحِيط علما بمبدإ ما شاهده مِنهُ أو تَقْلِيد لواحِد غير مَعْصُوم وكل ما جاءَ بِهِ مَشى خَلفه فِيهِ فيعتقد فِيهِ المعتقد أن هَذا أمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الطبائعيين وأصله كُله واحِد أخطَأ فِيهِ ثمَّ قَلّدهُ من بعده والقَوْم لم يشاهدوا ما أخبروا بِهِ من ذَلِك.
وَغايَة ما مَعَهم أنهم شرحوا الحاكين أحياء وأمواتا فوجدوا الجَنِين في الرَّحِم على الصّفة الَّتِي أخبروا بها ولَكِن لاعلم لَهُم بِما وراء ذَلِك من مبدإ الحمل وتغَير أحْوال النُّطْفَة فَإن ضيق مقلدهم الفَرْض
وَقالَ نفرض أنهم اعتبروا بكرا من حَيْثُ وطِئت ثمَّ جعلُوا يعدون أيّامها إلى أن بلغت ما ذَكرُوهُ ثمَّ شرحوها فوجدوا الأمر على الصّفة الَّتِي أخبروا بها فَهَذا غايَة الكَذِب والبهت فَإن القَوْم لم يدعوا ذَلِك وكَيف يُمكنهُم دَعواهُم وهم يخبرون أن بعد ذَلِك بِكَذا وكَذا يَوْمًا يصير شَأْن الحمل كَذا وكَذا وإنَّما مَعَ القَوْم كليات وأقيسة ويَنْبَغِي أن يكون كَذا وكَذا والنظام الطبيعي يَقْتَضِي كَذا وكَذا.
وَكثير مِنهُم يَأْخُذ ذَلِك من حركات القَمَر وزيادته ونقصانه ومن حركات الشَّمْس ومن التَّثْلِيث والتربيع والتسديس والمقابلة ورد عَلَيْهِم آخَرُونَ مِنهُم وأبطلوا ذَلِك عَلَيْهِم من وُجُوه وأحال بِهِ على الأخلق والأولى والأنسب وأحال بِهِ آخَرُونَ على أيّام البحارين وتغَير الطبيعة فِيها ورد بعض هَؤُلاءِ على بعض وأبطل قَوْله بِما تَرَكْناهُ مَخافَة التَّطْوِيل
وَأصَح ما بِأيْدِيهِم التشريح والاستقراء التّام الَّذِي لا يخرم ونحن لا ننكر ذَلِك ولَكِن لَيْسَ فِيهِ ما يُخالف الوَحْي عَن خلاف الأجنة أبدا ومِمّا يدل على أن القَوْم لم يخبروا في ذَلِك عَن مُشاهدَة قَوْلهم إن الجَنِين الَّذِي يُولد في الشَّهْر السّابِع يصير ديديا في تِسْعَة أيّام ودمويا في ثَمانِيَة أيّام أخر ولحميا في تِسْعَة أيّام أخر ويقبل الصُّورَة في اثني عشر يَوْمًا أخر فَإذا اجْتمعت هَذِه الأيّام صارَت خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فجعلوه مُضْغَة في الأرْبَعين الأولى.
وَهَذا كذب ظاهر قطعا، وإنَّما يصير لحميا بعد الثَّمانِينَ ومثل هَذا لا يدْرك إلّا بِوَحْي أو مُشاهدَة وكِلاهُما مَفْقُود عِنْدهم، وإنَّما بِأيْدِيهِم قِياس اعتبروا بِهِ أحْوال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جَنِين ولد في شهر من شهور الولادَة على أنه يَنْبَغِي أن يكون ديديا أي نُطْفَة كَذا وكَذا ودمويا أي علقَة كَذا وكَذا يَوْمًا ولحميا أي مُضْغَة كَذا وكَذا يَوْمًا ثمَّ أضعفوا ذَلِك العدَد وجعلوه وقت تحرّك الجَنِين.
وكذبوا في ذَلِك على الخلاق العَلِيم في خلقه كَما كذبُوا عَلَيْهِ في صِفاته وأسمائه فَإن القَوْم لم يكن لَهُم نصيب من العلم الَّذِي جاءَت بِهِ الرُّسُل بل كانُوا كَما قالَ الله تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَتْهُم رسلهم بِالبَيِّناتِ فرحوا بِما عِنْدهم من العلم﴾ وما غايَة مل يَنالهُ المُنكر المعرض عَمّا جاءَت بِهِ الرُّسُل وغايَة ما نالوا بِهِ علما بِأُمُور طبيعية فِيها الحق والباطِل وأُمُور رياضية كَثِيرَة التَّعَب قَليلَة الجدوى وأُمُور الهَيْئَة باطلها أضْعاف أضْعاف حَقّها فَأيْنَ العلم المتلقى من الوَحْي النّازِل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن الرَّأْي الزائل وأيْنَ العلم المَأْخُوذ عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل عَن الله عز وجل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن رَأْي رجل لم يستنر قلبه بِنور الوَحْي طرفَة عين وإنَّما مَعَه حدسه وتخمينه ونسبه ما يُدْرِكهُ العُقَلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءَت بِهِ الرُّسُل كنسبة سراج ضَعِيف إلى ضوء الشَّمْس ولا تجدو ولَو عمرت عمر نوح مَسْألَة واحِدَة أصلا اتّفق فِيها العُقَلاء كلهم على خلاف ما جاءَت بِهِ الرُّسُل في أمر من الأُمُور البَتَّةَ فالأنبياء لم تأت بِما يُخالف صَرِيح العقل البَتَّةَ وإنَّما جاءَت بِما لا يُدْرِكهُ العقل فَما جاءَت بِهِ الرُّسُل مَعَ العقل ثَلاثَة أقسام لا رابِع لَها البَتَّةَ قسم شهد بِهِ العقل والفطرة وقسم يشْهد بجملته ولا يهتدى لتفصيله وقسم لَيْسَ في العقل قُوَّة إدْراكه وأما القسم الرّابِع وهو ما يحيله العقل الصَّرِيح ويشْهد بِبُطْلانِهِ فالرسل بريئون مِنهُ وإن ظن كثير من الجُهّال المدعين للْعلم والمعرفة أن بعض ما جاءَت بِهِ الرُّسُل يكون من هَذا القسم فَهَذا إمّا لجهله بِما جاءَت بِهِ وإمّا لجهله بِحكم العقل أو لَهما.
(فصل)
فِي ذكر أحْوال الجَنِين بعد تحريكه وانقلابه عند تَمام نصف السّنة يعرض للجنين في هَذا الوَقْت أن يهتك غشاؤه والحجب الَّتِي عَلَيْهِ وأن ينْتَقل عَن مَكانَهُ نَحْو فَم الرَّحِم فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا وكانَت أغشيته الَّتِي تغشيه وسرته أضْعَف تمّ الولاد وإن كانَ الجَنِين ضَعِيفا وأغشيته وسرته أقوى فإمّا أن يهتكها بعض الهتك ولا يُولد فَيبقى مَرِيضا أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى تَمام آخر الشَّهْر الثّامِن
فَإن ولد في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا ماتَ ولم يُمكن تَرْبِيَته ولا بَقاؤُهُ وإن هو هتك أغشيته كل الهتك حَتّى يُمكن تلافي ذَلِك ولم يُولد ماتَ فَإن لم يسْقط والا قتل الحامِل بِهِ وإن تهتك أغشيته هتكا يُمكن تلافيه بَقِي ولم يمت ومكث في مَوْضِعه الَّذِي تحرّك نَحوه وانقلب إلَيْهِ عند فَم الفرج وإنَّما يعرض لَهُم المَرَض في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إذا لم يولدوا بعد تحركهم لأنهم يَنْقَلِبُون عَن مكانهم الَّذِي نشؤوا فِيهِ وتتغير مواضعهم وانخلاع السُّرَّة بانتقاله ولِأن أمهاتهم يعرض لَهُنَّ أن يمرضن عند ذَلِك لتمدد الأغشية وانخلاع السُّرَّة المُتَّصِلَة بالرحم مِنهُنَّ ولِأن الجَنِين إذا انحل رباطه ثقل على أمه.
(فصل)
وَإذا تكون الجَنِين وصوره الخالِق البارئ المصور خلق ورَأسه إلى فَوق ورجلاهُ إلى أسْفَل فعندما يَأْذَن الله بِخُرُوجِهِ يَنْقَلِب ويصير رَأسه إلى أسْفَل فيتقدم رَأسه سائِر بدنه هَذا بِاتِّفاق من الأطِبّاء والمشرحين وهَذا من تَمام العِنايَة الإلهية بالجنين وأمه لِأن رَأسه إذا خرج أولا كانَ خُرُوج سائِر بدنه أسهل من غير أن يحْتاج شَيْء مِنها إلى أن ينثني فَإن الجَنِين لَو خرجت رِجْلاهُ أولا لم يُؤمن أن ينشب في الرَّحِم عند يَدَيْهِ وإن خرجت رجله الواحِدَة لم يُؤمن أن يعلق وينشب في الرَّحِم عند إدْراكه وإن خرجت اليدان لم يُؤمن أن ينشب عند رَأسه إمّا أنه يلتوي إلى خلف، وإمّا لِأن السُّرَّة تلتوي إلى عُنُقه أو كتفه لِأن الجَنِين إذا انحدر فَصارَ إلى مَوضِع فِيهِ السُّرَّة ممتدة التوت هُناكَ على عُنُقه وكتفه فَيعرض من ذَلِك إمّا أن يجاذب السُّرَّة فتألم الأُم غايَة الألَم ثمَّ إن الجَنِين إمّا أن يَمُوت وإمّا أن يصعب خُرُوجه ويخرج وهو عليل متورم فاقتضت حِكْمَة أحكم الحاكِمين أن يَنْقَلِب في البَطن فَيخرج رَأسه أولا ثمَّ يتبع الرَّأْس باقِي البدن.
(فصل)
فِي السَّبَب الَّذِي لأجله لا يعِيش الوَلَد إذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إذا ولد لسبعة أشهر وتِسْعَة وعشرَة
إذا أتم الجَنِين سَبْعَة أشهر عرض لَهُ حَرَكَة قَوِيَّة يتحركها بالطبع للانقلاب والخُرُوج فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا من الأطْفال الَّذين لَهُم بالطبع قُوَّة شَدِيدَة في تركيبهم وجبلتهم حَتّى يقدر بحركته على أن يهتك ما يُحِيط بِهِ من الأغشية المحيطة بِهِ المُتَّصِلَة بالرحم حَتّى ينفذ ويخرج مِنها خرج في الشَّهْر السّابِع وهو قوي صَحِيح سليم لم تؤلمه الحَرَكَة ولم يمرضه الانقلاب وإن كانَ ضعيقا عَن ذَلِك فَهو إمّا أن يعطب بسب ما يَنالهُ من الضَّرَر والألم بالحركة للانقلاب فَيخرج مَيتا وإمّا أن يبْقى في البَطن فيمرض ويلبث في مَرضه نَحوا من أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى يبرأ وينتعش ويقوى فَإذا ولد في حُدُود الشَّهْر الثّامِن ولد وهو مَرِيض لم يتَخَلَّص من ألمه فيعطب ولا يسلم ولا يتربى، وإن لبث في الرَّحِم حَتّى يجوز هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إلى الشَّهْر التّاسِع وقَوي وصَحَّ وانتعش وبعد عَهده بِالمرضِ كانَ حريا أن يسلم وأولاهم بِأن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا في الرَّحِم وهم المولودون في الشَّهْر العاشِر وأما من ولد بَين العاشِر والتّاسِع فحالهم في ذَلِك بِحَسب القرب والبعد.
وَقالَ غَيره العلَّة في أنه لا يُمكن أن يعِيش المَوْلُود لثمانية أشهر أنه يتوالى عَلَيْهِ ضَرْبان من الضَّرَر أحدهما انقلابه في الشَّهْر السّابِع في جَوف الرَّحِم للولادة والثّانِي تغير الحال عَلَيْهِ بَين مَكانَهُ في الرَّحِم وبَين مَكانَهُ في الهَواء وإن كانَ قد يعرض ذَلِك التَّغْيِير لجَمِيع الأجنة لَكِن المَوْلُود لسبعة أشهر ينجو من الرَّحِم قبل أن يَنالهُ الضَّرَر الَّذِي من داخل بعقب الانقلاب والأمراض الَّتِي تعرض في جَوف الرَّحِم فالمولود لسبعة أشهر وعشرَة أشهر يلبث في الرَّحِم حَتّى يبرأ وينجو من تِلْكَ الأمْراض فَلَيْسَ يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا وكَذَلِكَ لا يُمكن أن يعِيش وجَمِيع الأجنة في الشَّهْر الثّامِن يعرض لَهُم المَرَض.
ويدلك على ذَلِك أنَّك تَجِد جَمِيع الحَوامِل والحبالى في الشَّهْر الثّامِن أسْوَأ حالا وأثقل مِنهُنَّ في مُدَّة الشُّهُور الَّتِي قبل هَذا الشَّهْر وبعده وأحوال الأُمَّهات مُتَّصِلَة بأحوال الأجنة.
(فصل)
وبكاء الطِّفْل ساعَة وِلادَته يدل على صِحَّته وقوته وشدته وإذا وضع الطِّفْل يَده أو إبهامه أو إصبعه على عُضْو من أعْضائِهِ فَهو دَلِيل على ألم ذَلِك العُضْو وكل الحَيَوان بالطبع يُشِير إلى ما يؤلمه من بدنه إمّا بِيَدِهِ أو بفمه أو بِرَأْسِهِ أو بِذَنبِهِ فَلَمّا كانَ الطِّفْل عادما للنطق أشارَ بِأُصْبُعِهِ أو يَده إلى مَوضِع ألمه كالحيوان البهيم.
(فصل)
فِي أن الأطْفال وهم حمل في الرَّحِم أقوى مِنهُم بعد ولادهم وأصبر وأشد احْتِمالا لما يعرض لَهُم وكَذَلِكَ تكون العِنايَة بهم بعد ولادهم آكِد والحذر عَلَيْهِم أشد فَإن أغْصان الشَّجَرَة وفروعها ما دامَت لاصقة بِالشَّجَرَةِ ومتصلة بها لا تكاد الرِّياح العواصف تزعزعها ولا تقتلعها فَإذا فصلت عَنْها وغرست في مَواضِع أخر نالتها الآفة ووصلت إلَيْها بِأدْنى ريح تهب حَتّى تقتلعها
وَكَذَلِكَ الجَنِين ما دامَ في الرَّحِم فَهو يقوى ويصبر على ما يعرض لَهُ ويناله من سوء التَّدْبِير والأذى على ما لا يصبر على اليَسِير مِنهُ بعد وِلادَته وانفصاله عَن الرَّحِم وكَذَلِكَ الثَّمَرَة على الشَّجَرَة أقوى مِنها وأثبت بعد قطعها مِنها
وَلما كانَ مُفارقَة كل مُعْتاد ومألوف بالانتقال عَنهُ شَدِيدا على من رامه ولا سِيما إذا كانَ الِانْتِقال دفْعَة واحِدَة فالجنين عند مُفارقَته للرحم ينْتَقل عَمّا قد ألفه واعتاده في جَمِيع أحْواله دفْعَة واحِدَة وشدَّة ذَلِك الِانْتِقال عَلَيْهِ أكثر من شدَّة الِانْتِقال بالتدريج
وَلذَلِك قالَ بقراط قد يعلم بِأهْوَن سعي وأيسره أن التَّدْبِير الرَّدِيء من المطعم والمشْرَب إذا كانَ يجْرِي مَعَ رداءته على أمر واحِد يشبه بعضه بَعْضًا دائِما فَهو أوثق وأحرز وأبْعد عَن الخطر في التماس الصِّحَّة للأبدان من أن ينْقل الرجل تَدْبيره دفْعَة واحِدَة إلى غذاء أفضل مِنهُ فالجنين ينْتَقل عَمّا ألفه واعتاده في غذائه وتنفسه ومداخله وما يكتنفه وهلة واحِدَة
وَهَذِه أول شدَّة يلقاها في الدُّنْيا ثمَّ تتوافر عَلَيْها الشدائد حَتّى يكون آخرها الشدَّة العُظْمى الَّتِي لا شدَّة فَوْقها أو الرّاحَة العُظْمى الَّتِي لا تَعب دونها ولذَلِك لا يبكي عند وُرُود هَذِه الشدَّة عَلَيْهِ مَعَ ما يلقاه من وكز الشَّيْطان وطعنه في خاصرته.
(فصل)
والجنين في الرَّحِم كانَ يغتذي بِما يلائمه وكانَ يجتذب بالطبع المِقْدار الَّذِي يلائمه من دم أمه وبعد خُرُوجه يجتذب من اللَّبن ما يلائمه أيْضا لكنه يجتذب بشهوته وإرادته فيزيد على مِقْدار ما يحْتاج إلَيْهِ مَعَ كَون اللَّبن
يكون رديئا ومعلولا كَما يكون صَحِيحا وكَذَلِكَ يعرض لَهُ القَيْء والغثيان ويجتذب أخلاط بدنه وتعرض لَهُ الآلام والأوجاع والآفات الَّتِي لم تعرض لَهُ في البَطن وقد كانَ عَلَيْهِ من الأغشية والحجب ما يمْنَع وُصُول الأذى اليه فَلَمّا ولد هيئ لَهُ أغشية وحجب أخر لم يكن يألفها ويعتادها ورُبما صحى للْحرّ والبرد والهواء وكانَ يجتذبه من سرته وهو ألطف شَيْء معتدل صَحِيح قد يَصح قلب الأُم وعروقها الضوارب فَهو شَبيه بِما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهَواء اللَّطِيف المعتدل ثمَّ يخرج مِنهُ وهلة واحِدَة عُريانا إلى الهَواء العاصف المؤذي.
وَبِالجُمْلَةِ فقد انْتقل عَن مألوفه وما اعتاده وهلة واحِدَة إلى ما هو أشد عَلَيْهِ مِنهُ وأصعب وهَذا من تَمام حِكْمَة الخلاق العَلِيم ليمرن عَبده على مُفارقَة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل مِنها وأنفع وأوفق لَهُ وقد أشارَ تَعالى إلى هَذا بقوله ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ [الانشقاق ١٩ أي حالا بعد حال فَأول أطباقه كَونه نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ثمَّ مولودا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطميا ثمَّ صَحِيحا أو مَرِيضا غَنِيا أو فَقِيرا معافى أو مبتلى إلى جَمِيع أحْوال الإنْسان المُخْتَلفَة عَلَيْهِ إلى أن يَمُوت ثمَّ يبْعَث ثمَّ يُوقف بَين يَدي الله تَعالى ثمَّ يصير إلى الجنَّة أو النّار فالمَعْنى لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر.
قالَ سعيد بن جُبَير وابْن زيد "لتكونن في الآخِرَة بعد الأولى ولتصيرن أغْنِياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى"
وَقالَ عَطاء: شدَّة بعد شدَّة والطبق والطبقة الحال، ولِهَذا يُقال كانَ فلان على طَبَقات شَتّى
قالَ عَمْرو بن العاصِ لقد كنت على طَبَقات ثَلاث أي أحْوال ثَلاث
قالَ ابْن الأعرابِي الطَّبَق الحال على اختلافها وقد ذكرنا بعض أطباق الجَنِين في البَطن من حِين كَونه نُطْفَة إلى وقت ولاده ثمَّ نذْكر أطباقه بعد وِلادَته إلى آخرها فَنَقُول
الجَنِين في الرَّحِم بِمَنزِلَة الثَّمَرَة على الشَّجَرَة في اتصالها بمحلها اتِّصالًا قَوِيا فَإذا بلغت الغايَة لم يبْق إلّا انفصالها لثقلها وكمالها وانْقِطاع العُرُوق الممسكة لَها فَكَذا الجَنِين تنهك عَنهُ تِلْكَ الأغشية وتنفصل العُرُوق الَّتِي تمسكه بَين المشيمة والرحم وتصير تِلْكَ الرطوبات المزلفة فتعينه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العُرُوق على الخُرُوج فينفتح الرَّحِم انفتاحا عَظِيما جدا ولا بُد من انْفِصال بعض المفاصل العَظِيمَة ثمَّ تلتئم في أسْرع زمان وقد اعْترف بذلك حذاق الأطباق والمشرحين وقالُوا لا يتم ذَلِك إلّا بعناية إلهية وتدبير يعجز عقول النّاس عَن إدْراك كيفيته ﴿فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ﴾
فَإذا انْفَصل الجَنِين بَكى ساعَة انْفِصاله لسَبَب طبيعي وهو مُفارقَة إلفه ومكانه الَّذِي كانَ فِيهِ وسبب مُنْفَصِل عَنهُ وهو طعن الشَّيْطان في خاصرته فَإذا انْفَصل وتمّ انْفِصاله مد يَده إلى فِيهِ فَإذا تمّ لَهُ أرْبَعُونَ يَوْمًا تَجِد لَهُ أمر آخر على نَحْو ما كانَ يَتَجَدَّد لَهُ وهو في الرَّحِم فيضحك عند الأرْبَعين وذَلِكَ أول ما يعقل نَفسه فَإذا تمّ لَهُ شَهْران رأى المنامات ثمَّ ينشأ مَعَه التَّمْيِيز والعقل على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا إلى سنّ التَّمْيِيز ولَيْسَ لَهُ سنّ معِين بل من النّاس ما يُمَيّز لخمس كَما قالَ مَحْمُود بن الرّبيع عقلت من النَّبِي ﷺ مجة مجها في وجْهي من دلو في بئرهم وأنا ابْن خمس سِنِين.
وَلذَلِك جعلت الخمس سِنِين حدا لحدة سَماع الصَّبِي.
وَبَعْضهمْ يُمَيّز لأقل مِنها ويذكر أمورا جرت لَهُ وهو دون الخمس سِنِين.
وَقد ذكرنا عَن إياس بن مُعاوِيَة أنه قالَ اذكر يَوْم ولدتني أُمِّي فَإنِّي خرجت من ظلمَة إلى ضوء ثمَّ صرت إلى ظلمَة فَسُئِلت أمه عَن ذَلِك فَقالَت صدق لما انْفَصل مني لم يكن عِنْدِي ما ألفه بِهِ فَوضعت عَلَيْهِ قَصْعَة.
وَهَذا من أعجب الأشياء وأندرها فَإذا صار لَهُ سبع سِنِين دخل في سنّ التَّمْيِيز وأمر بِالصَّلاةِ
كَما في المسند والسّنَن من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أبِيه عَن جده قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ
"مروا أبناءكم بِالصَّلاةِ لسبع سِنِين وأضربوهم عَلَيْها لعشر سِنِين وفرقُوا بَينهم في المضاجِع"
المؤمنون 23:13
(فائدة)
وقد يستطرد سبحانه من ذكر الشخص إلى ذكر النوع كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾
فالمخلوق من سلالة من طين آدم والمجعول نطفة في قرار مكين ذريته.
(فصل: في أطوار ابْن آدم من وقت كَونه نُطْفَة إلى استقراره في الجنَّة أو النّار)
قالَ الله تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
فاستوعب سُبْحانَهُ ذكر أحْوال ابْن آدم قبل كَونه نُطْفَة بل تُرابا وماء إلى حِين بَعثه يَوْم القِيامَة فَأول مَراتِب خلقه أنه سلالة من طين ثمَّ بعد ذَلِك سلالة من ماء مهين وهِي النُّطْفَة الَّتِي استلت من جَمِيع البدن فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يقلب الله سُبْحانَهُ تِلْكَ النُّطْفَة علقَة وهِي قِطْعَة سَوْداء من دم فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا أُخْرى ثمَّ يصيرها سُبْحانَهُ مُضْغَة وهِي قِطْعَة لحم أرْبَعِينَ يَوْمًا وفي هَذا الطّور تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته.
واخْتلف في أول ما يتشكل ويخلق من أعْضائِهِ.
قالَ قائِلُونَ هو القلب
وَقالَ آخَرُونَ إنَّه الدِّماغ
وَقالَ آخَرُونَ هو الكبد
وَقالَ آخَرُونَ فقار الظّهْر فاحتج أرْباب القَوْل الأول بِأن القلب هو العُضْو والأساس الَّذِي هو مَعْدن الحَرارَة الغريزية الَّذِي هو مركب الحَياة فَوَجَبَ أن يكون هو المُقدم في الخلق قالُوا وقد أخبر المشرحون أنهم وجدوا في النُّطْفَة عند كَمال انْعِقادها نقطة سَوْداء.
واحْتج من قالَ إنَّه الدِّماغ بِأن الدِّماغ من الحَيَوان هو العُضْو الرئيسي من الإنْسان وهو مجمع الحَواس وأن الأمر المُخْتَص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وأصل ذَلِك من الدِّماغ ومِنه ينبعث وإذا كانَ الخاص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وكانا عَن هَذا العُضْو كانَ هو المُقدم في الإيجاد والتكوين.
واحْتج من قالَ إنَّه الكبد بِأنَّهُ العُضْو الَّذِي مِنهُ النمو والاغتذاء الَّذِي بِهِ قوام الحَيَوان قالُوا فالنظام الطبيعي يَقْتَضِي أن يكون أول متكون الكبد ثمَّ القلب ثمَّ الدِّماغ لِأن أول فصل الحَيَوان هو النمو ولَيْسَ بِهِ في هَذا الوَقْت حاجَة إلى حس ولا إلى حَرَكَة إرادية لِأنَّهُ يعد بِمَنزِلَة النَّبات فَلا حاجَة بِهِ حِينَئِذٍ إلى غير النمو.
وَلِهَذا إنَّما تصير لَهُ قُوَّة الحس والإرادة عند تعلق النَّفس بِهِ وذَلِكَ في الطّور الرّابِع من أطوار تخليقه فَكانَ أول الأعْضاء خلقا فِيهِ هو آلَة النمو وذَلِكَ الكبد والَّذِي شاهده أرْباب التشريح حَتّى إنَّهُم متفوقون عَلَيْهِ أنه أول ما يتَبَيَّن في خلق جثة الحَيَوان ثَلاث نقط مُتَقارِبَة بَعْضها من بعض يتَوَهَّم أنَّها رسم الكبد والقلب والدماغ ثمَّ يزْداد بَعْضها من بعض بعدا على امتداد أيّام الحمل، فَهَذا القدر هو الَّذِي عند المشرحين.
فَأما أن هَذِه النقط أقدم وأسبق فَلَيْسَ عِنْدهم عَلَيْهِ دَلِيل إلّا الأخلق والأولى والقِياس والله أعلم.
(فصل)
ثمَّ تقدر مفاصل أعْضائِهِ وعظامه وعروقه وعصبه ويشق لَهُ السّمع والبَصَر والفم ويفتق حلقه بعد أن كانَ رتقا فيركب فِيهِ اللِّسان ويخطط شكله وصورته وتكسى عِظامه لَحْمًا ويربط بَعْضها إلى بعض أحكم ربط وأقواه وهو الأسر الَّذِي قالَ فِيهِ ﴿نَحن خلقناهم وشددنا أسرهم﴾
وَمِنه الإسار الَّذِي يرْبط بِهِ ومِنه الأسير
قالَ الإمام أحْمد حَدثنا روح بن عبادَة حَدثنا أبُو هِلال حَدثنا ثابت عَن صَفْوان بن مُحرز قالَ كانَ نَبِي الله داوُد عَلَيْهِ السَّلام إذا ذكر عَذاب الله تخلعت أوصاله ما يمْسِكها إلّا الأسر فَإذا ذكر رَحْمَة الله رجعت
(فصل)
قالَ بقراط في المقالة الثّالِثَة من كتاب الأجنة أنا أحَدثك رَأيْت المَنِيّ ينشأ كانَت لامْرَأة من الأهْل جارِيَة نفيسة ولم تكن تحب أن تحبل لِئَلّا ينقص ثمنها فَسمِعت الجارِيَة النِّساء يقلن إن المَرْأة إذا أرادَت أن تحمل لم يخرج مِنها مني الرجل بل يبْقى محتبسا ففهمت ذَلِك وجعلت ترصده من نَفسها فأحست في بعض الأوْقات أنه لم يخرج مِنها فبلغني الخَبَر فأمرتها أن تطفر إلى خلفها فطفرت سبع طفرات فَسقط مِنها المَنِيّ بوجبة شَبِيها بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عَنْها القشر الخارِج وبقيت رطوبتها في جَوف الغشاء قالَ وأنا أقُول أيْضا إنَّه يجْرِي من الأُم فضول الرَّحِم ليتغذى بها الجَنِين وقالَ إن الَّذِي تظهر هي الأعصاب الدقاق البيض وهِي الَّتِي رَأيْت في وسط السُّرَّة ولَيْسَت في مَوضِع آخر غير السُّرَّة لِأن الرّوح إنَّما يشق طَرِيقا للنَّفس هُناكَ ثمَّ قالَ وأقُول شَيْئا آخر ظاهرا يعرفهُ كل من يرغب في العلم وأوضحه بقياسات وأقُول إن المَنِيّ هو في الحجاب وإنّهُ يغتذي من الدَّم الَّذِي يجْتَمع من المَرْأة وينزل إلى الرَّحِم وقالَ إن المَنِيّ يجتذب الهَواء فيتنفس فِيهِ في هَذِه الحجب في الأسْباب الَّتِي ذكرنا ويربو من الدَّم الَّذِي ينحدر من المَرْأة وقالَ إن الطمث لا ينحدر ما دامَت المَرْأة حامِلا إن كانَ طفلها صَحِيحا وذَلِكَ مُنْذُ أول شهر من حبلها إلى الشَّهْر التّاسِع ولَكِن جَمِيع ما ينزل من الدَّم من البدن كُله يجْتَمع حول الجَنِين على الحجاب الأعْلى مَعَ اجتذاب النَّفس والسرة طَرِيق وُصُوله إلى الجَنِين فَيدْخل الغذاء إلَيْهِ فيغذيه ويزِيد في تَرْبِيَته.
وَقالَ إذا أقامَ المَنِيّ حينا خلقت لَهُ حجب أخر فتمتد داخِلا من الحجاب الأول وتَكون مُخْتَلفَة الأنْواع كَثِيرَة.
وَأما كَونها فَمثل الحجاب الأول وقالَ إن الحجب مِنها ما يخلق أولا ومِنها ما يخلق من بعد الشَّهْر الثّانِي ومِنها ما يخلق في الشَّهْر الثّالِث وكلها لا تظهر مَنافِعها أول ما يخلق ولَكِن بَعْضها يَمْتَد على المَنِيّ فتظهر مَنافِعها أولا وبَعضها لا يظْهر إلّا أخيرا فَلذَلِك يخلق بَعْضها في الشَّهْر الأول وبَعضها في الشَّهْر الثّانِي وبَعضها في الثّالِث وهِي السُّرَّة كَأنَّها مربوط بَعْضها بِبَعْض في وسط الحجب تكون السُّرَّة الَّتِي يتنفس مِنها ويتربى
وَإذا نزل الدَّم واغتذى الجَنِين مِنهُ حالَتْ الحجب بَينه وبَين الجَنِين ولِهَذا يَقُول تَعالى ﴿يخلقكم في بطُون أُمَّهاتكُم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثَلاث﴾
فَإن كل حجاب من هَذِه الحجب لَهُ ظلمَة تخصه فَذكر سُبْحانَهُ أطوار خلقه ونَقله فِيها من حال إلى حال وذكر ظلمات الحجب الَّتِي على الجَنِين فَقالَ أكثر المُفَسّرين هي ظلمَة البَطن وظلمة الرَّحِم وظلمة المشيمة فَإن كل واحِد من هَذِه حجاب على الجَنِين وقالَ آخَرُونَ هي ظلمَة أصلاب الآباء وظلمة بطُون الأُمَّهات وظلمة المشيمة وأضعف من هَذا القَوْل قَول من قالَ ظلمَة اللَّيْل وظلمة البَطن وظلمة الرَّحِم فَإن اللَّيْل والنَّهار بِالنِّسْبَةِ إلى الجَنِين سَواء وقالَ بقراط إن المَرْأة إذا حبلت لم تألم من اجْتِماع الدَّم الَّذِي ينزل ويجتمع حول رَحمها ولا تحس بِضعْف كَما تحس إذا انحدر الطمث لِأنَّها لا يثور دَمها في كل شهر لكنه ينزل إلى الرَّحِم في كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا نزولا ساكِنا من غير وجع فَإذا أتى إلى الرَّحِم اغتذى مِنهُ الجَنِين ونما ثمَّ قالَ وعَلى غير بعيد من ذَلِك إذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الحجب وإذا كبر كَبرت الحجب أيْضا وصارَ لَها تجويف خارج من الجَنِين فَإذا نزل الدَّم من الأُم جذبه الجَنِين واغتذى بِهِ فيزيد في لَحْمه والرديء من الدَّم الَّذِي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب وكَذَلِكَ تسمى الحجب الَّتِي إذا صار لَها تجويف يقبل الدَّم المشيمة.
وَقالَ إذا تمّ الجَنِين وكملت صورته واجتذب الدَّم لغذائه بالمقدار اتسعت الحجب وظَهَرت المشيمة الَّتِي تكون من الآلات الَّتِي ذكرنا فَإن اتَّسع داخلها اتَّسع خارِجها لِأنَّهُ أولى بذلك لِأن لَهُ موضعا يَمْتَد إلَيْهِ قلت ومن ها هُنا لم تَحض الحامِل بل ما تراهُ من الدَّم يكون دم فَساد لَيْسَ دم الحيض المُعْتاد هَذِه إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَن عائِشَة رَضِي الله عَنْها وهو المَشْهُور من مَذْهَب أحْمد الَّذِي لا يعرف أصْحابه سواهُ وهو مَذْهَب أبي حنيفَة وذهب الشّافِعِي في رِوايَة عَن عائِشَة والإمام أحْمد في رِوايَة عَنهُ اخْتارَها شَيخنا إلى أن ما تراهُ من الدَّم في وقت عادَتها يكون حيضا.
وَحجَّة هَذا القَوْل ظاهِرَة وهِي عُمُوم الأدِلَّة الدّالَّة على ترك المَرْأة الصَّوْم والصَّلاة إذا رَأتْ الدَّم المُعْتاد في وقت الحيض ولم يسْتَثْن الله ورَسُوله حالَة دون حالَة وأما كَون الدَّم ينْصَرف إلى غذاء الوَلَد فَمن المَعْلُوم أن ذَلِك لا يمْنَع أن يبْقى مِنهُ بَقِيَّة يخرج في وقت الحيض تفضل عَن غذاء الوَلَد فَلا تنافِي بَين غذاء الوَلَد وبَين حيض الأُم.
وَأصْحاب القَوْل الآخر يحتجون بقوله ﷺ لا تُوطأ حامِل حَتّى تضع ولا حائِل حَتّى تستبرأ بِحَيْضَة فَجعل الحَيْضَة دَلِيلا على عدم الحمل فَلَو حاضَت الحامِل لم تكن الحَيْضَة علما على بَراءَة حملها والآخرُونَ يحبيبون عَن هَذا بِأن الحَيْضَة علم ظاهر فَإذا ظهر بها الحمل تَبينا أنه لم يكن دَلِيلا ولِهَذا يحكم بِانْقِضاء العدة بِالحيضِ ظاهرا ثمَّ تبين المَرْأة حامِلا والنَّبِيّ ﷺ قسم النِّساء إلى قسمَيْنِ امْرَأة مَعْلُومَة الحمل وامْرَأة مظنون أنَّها حامِل فَجعل اسْتِبْراء الأولى بِوَضْع الحمل والثّانيِة بالحيضة.
وَهَذا هو الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لم يدل على أن ما تراهُ الحامِل من الدَّم في وقت عادَتها تَصُوم مَعَه وتصلي.
(فصل)
قالَ بقراط إن العِظام تصلب من الحَرارَة لِأن الحَرارَة تصلب العِظام وتربط بَعْضها بِبَعْض مثل الشَّجَرَة الَّتِي ترتبط بَعْضها بِبَعْض وقالَ إن العصب جعل داخِلا وخارجا وجعل الرَّأْس بَين العاتقين والعضدان والساعدان في الجانِبَيْنِ وفرج ما بَين الرجلَيْن أيْضا وجعل في كل مفصل من المفاصل عصب بوثقه ويشده قلت وهو الأسر الَّذِي شدّ بِهِ الإنْسان قالَ وجعل الفَم ينفتح من تِلْقاء نَفسه وركب الأنف والأذنان من اللَّحْم وثقبت الأذنان ثمَّ العينان بعد ذَلِك وملئتا رُطُوبَة صافِيَة
وَكانَ النَّبِي ﷺ يَقُول في سُجُوده سجد وجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره والواو وإن لم تقتض ترتيبا فتقديم السّمع في اللَّفْظ يُناسب تقدمه في الوُجُود ثمَّ تتسع الأمعاء بعد ذَلِك ويصير لَها تجويف وترتبط المفاصل ويرتفع النَّفس إلى الفَم والأنف ويدخل الِاسْتِنْشاق في الفَم والأنف وينفتح البَطن والأمعاء ويخرج النَّفس إلى الفَم بدل السُّرَّة فَإذا تمّ ما ذكرنا حضر وقت خُرُوج الجَنِين ونزلت فضول من معدته وأمعائه إلى المثانة ويكون لَها طَرِيق من المعدة والأمعاء إلى المثانة
وَمِنها إلى مجْرى البَوْل وإنَّما تنفتح هَذِه كلها ويتسع تجويفها بالاستنشاق وبِه ينْفَصل بَعْضها عَن بعض على قدر أشكالها وقالَ إذا اتَّسع البَطن وتبين تجويف الأمعاء صار فِيها طَرِيق إلى المثانة والإحليل اضطرارا
قالَ والمني إذا تركب يجْتَمع كل شَيْء مِنهُ إلى صاحبه العِظام إلى العِظام والعصب إلى العصب وكَذَلِكَ جَمِيع الأعْضاء ثمَّ يركب الجَنِين ثمَّ قالَ إنّا قد رَأينا كثيرا من النِّساء قد فَسدتْ الأجنة فِيهِنَّ ثمَّ خرجت بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا ثمَّ قالَ ألا ترى أنه إذا سقط الجَنِين بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا رَأيْت مفاصله مركبة وقالَ يدْرك هَذا بِالنّظرِ إلى السقط لِأنَّهُ إذا سقط لَيْسَ يسْقط من حيلنا بل من قبل نَفسه ثمَّ قالَ إذا تركب الجَنِين وأتلفت مفاصله وكَبرت أعضاؤه وصلبت عِظامه وتحركت جذبت من البدن دَمًا دسما ويحتبس ذَلِك ويتحرك في رُؤُوس العِظام مثل تحرّك رُؤُوس الشّجر قالَ وكَذَلِكَ الجَنِين ويتقلب.
(فصل)
وَقالَ في المقالة الثّانِيَة من كِتابه هَذا ثمَّ يتركب الجَنِين ويتم الذّكر إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا والأنثى إلى اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا ورُبما زاد على هَذِه الأيّام قَلِيلا ورُبما نقص قَلِيلا وقالَ إن الجَنِين يتم ويتَصَوَّر إن كانَ ذكرا في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وإن كانَ أُنْثى فَفي اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وقالَ إنّا نرى ذَلِك من نقاء المَرْأة لِأنَّها إن ولدت أُنْثى فَإنَّها تنفى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وهو أكثر ما تحتبس المَرْأة إلى أن تنقى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا عند ولادَة الأُنْثى ورُبما كانَ في الفَرد وتنقى في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فَإذا ولدت ذكرا فَإنَّها تنقى في اثْنَيْنِ ووثلاثين يَوْمًا إذا احْتبست كثيرا ورُبما بقيت في الفَرد في خَمْسَة وعشْرين يَوْمًا
وَقالَ إن دم الطمث يخرج من حَيْثُ يخرج الجَنِين وكما أن الذّكر يتَصَوَّر في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا كَذَلِك يكون نقاء أمه من بعد ولاده في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وتنقى المَرْأة إذا ولدت أُنْثى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا بِعَدَد الأيّام الَّتِي تركيبها فِيها ثمَّ قالَ انما يجْرِي الدَّم من النُّفَساء بعد ولادها أيّامًا كَثِيرَة لِأنَّها إذا حملت لم يحْتَج الجَنِين أول ما يخلق إلى غذاء كثير حَتّى يتم فَإذا تمّ لَهُ اثْنان وأرْبَعُونَ يَوْمًا اغتذى كَما يَنْبَغِي وما اجْتمع في الأيّام الأرْبَعين من الدَّم الَّذِي ينزل إلى الجَنِين بَقِي إلى ولاد المَرْأة فَإذا ولدت نزل أرْبَعِينَ يَوْمًا.
قلت في هَذا الفَصْل حديثان صَحِيحانِ عَن رَسُول الله ﷺ نذكرهما ونَذْكُر تَصْدِيق أحدهما للْآخر، ثمَّ نتعقب كَلام بقراط ونبين ما فِيهِ بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود قالَ حَدثنا رَسُول الله ﷺ وهو الصّادِق المصدوق
"إن أحدكُم يجمع خلقه في بطن أمه أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون في ذَلِك علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون في ذَلِك مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الله الملك فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات بكتب رزقه وأجله وعَمله وشقي أو سعيد فو الَّذِي لا إلَه غَيره إن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الجنَّة حَتّى ما يكون بَينه وبَينها إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النّار فيدخلها، وإن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النّار حَتّى ما يكون بَينها وبَينه إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الجنَّة فيدخلها".
وَفِي طَرِيق أُخْرى "إن خلق ابْن آدم يجمع في بطن أمه أرْبَعِينَ"
وَفِي أُخْرى "أرْبَعِينَ لَيْلَة"
وَقالَ البُخارِيّ "أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعين لَيْلَة"
وَفِي بعض طرقه "ثمَّ يبْعَث الله ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" ... الحَدِيث
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قالَ
"يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ أو خمس وأرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أو سعيد فيكتبان فَيَقُول إي رب أذكر أم أُنْثى فيكتبان ويكْتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثمَّ تطوى الصُّحُف فَلا يزْداد فِيها ولا ينقص"
وَقالَ الإمام أحْمد حَدثنِي سُفْيان عَن عَمْرو عَن أبي الطُّفَيْل عَن حُذَيْفَة ابْن أسيد الغِفارِيّ قالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أم سعيد فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيَقُولانِ أذكر أم أُنْثى فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيكْتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثمَّ تطوى الصَّحِيفَة فَلا يزْداد على ما فِيها ولا ينقص.
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عامر بن واثِلَة أنه سمع عبد الله بن مَسْعُود يَقُول
"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ"
فَأتى رجلا من أصْحاب رَسُول الله يُقال لَهُ حُذَيْفَة بن أسيد الغِفارِيّ فحدثه بذلك
من قَول ابْن مَسْعُود فَقالَ: وكَيف يشقى رجل بِغَيْر عمل فَقالَ لَهُ الرجل أتعجب من ذَلِك فَإنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول:
"إذا مر بالنطفة ثِنْتانِ وأرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إلَيْها ملكا فصورها وخلق سَمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثمَّ قالَ يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب أجله فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ فَيكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب رزقه فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يخرج الملك بالصحيفة في يَده فَلا يزِيد على ما أمر ولا ينقص".
وَفِي لفظ آخر سَمِعت رَسُول الله ﷺ بأذني هاتين يَقُول:
"إن النُّطْفَة تقع في الرَّحِم أرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْها الملك"
قالَ زُهَيْر حسبته قالَ "الَّذِي يخلقها فَيَقُول يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَجْعَلهُ الله ذكرا أو أُنْثى فَيَقُول يا رب أسوي أم غير سوي فَيَجْعَلهُ الله سويا أو غير سوي ثمَّ يَقُول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثمَّ يَجعله الله شقيا أو سعيدا"
وَفِي لفظ آخر
"إن ملكا موكلا بالرحم إذا أرادَ الله عز وجل أن يخلق شَيْئا بِإذن الله لبضع وأرْبَعين لَيْلَة"
ثمَّ ذكر الحَدِيث ..
فاتفق حَدِيث ابْن مَسْعُود وحَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد على حُدُوث شَأْن وحال النُّطْفَة بعد الأرْبَعين وحَدِيث حُذَيْفَة مُفَسّر صَرِيح بِأن ذَلِك يكْتب بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح كَما تقدم في رِوايَة البُخارِيّ.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فأحد ألْفاظه مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة وإن كانَ ذَلِك التَّقْدِير والكِتابَة بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح فِيهِ كَما تقدم من رِوايَة البُخارِيّ ولَفظه
"ثمَّ يبْعَث الله إلَيْهِ ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح"
فَهَذا صَرِيح أن الكِتابَة وسؤال الملك قبل نفخ الرّوح فِيهِ وهو مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة في ذَلِك
وَأما لَفظه الآخر
"فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فَلَيْسَ بِصَرِيح إذْ الكَلِمات المَأْمُور بها بعد نفخ الرّوح فَإن هَذِه الجُمْلَة معطوفة بِالواو.
وَيجوز أن تكون معطوفة على الجُمْلَة الَّتِي تَلِيها.
وَيجوز أن تكون معطوفة على جملَة الكَلام المُتَقَدّم أي يجمع خلقه في هَذِه الأطوار ويُؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعَمله ووسط بَين الجمل قَوْله "ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" بَيانا لتأخر نفخ الرّوح عَن طور النُّطْفَة والعلقة والمضغة.
وَتَأمل كَيفَ أتى بـ (ثمَّ) في فصل نفخ الرّوح وبالواو في قَوْله "وَيُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فاتفقت سائِر الأحادِيث بِحَمْد الله
وَبَقِي أن يُقال فَحَدِيث حُذَيْفَة يدل على أن ابْتِداء التخليق عقيب الأرْبَعين الأولى وحَدِيث ابْن مَسْعُود يدل على أنه عقيب الأرْبَعين الثّالِثَة فكيف يجمع بَينهما؟
قيل أما حَدِيث حُذَيْفَة فصريح في كَون ذَلِك بعد الأرْبَعين.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَلَيْسَ فِيهِ تعرض لوقت التَّصْوِير والتخليق، وإنَّما فِيهِ بَيان أطوار النُّطْفَة وتنقلها بعد كل أرْبَعِينَ وأنه بعد الأرْبَعين الثّالِثَة ينْفخ فِيهِ الرّوح.
وَهَذا لم يتَعَرَّض لَهُ حَدِيث حُذَيْفَة بل اخْتصَّ بِهِ حَدثنا بن مَسْعُود، فاشترك الحديثان في حُدُوث أمر بعد الأرْبَعين الأولى
واختص حَدِيث حُذَيْفَة بِأن ابْتِداء تصويرها وخلقها بعد الأرْبَعين الأولى واختص حَدِيث ابْن مَسْعُود بِأن نفخ الرّوح فِيهِ بعد الأرْبَعين الثّالِثَة واشترك الحديثان في اسْتِئْذان الملك ربه سُبْحانَهُ في تَقْدِير شَأْن المَوْلُود في خلال ذَلِك فتصادقت كَلِمات رَسُول الله ﷺ وصدق بَعْضها بَعْضًا.
وَحَدِيث ابْن مَسْعُود فِيهِ أمْرانِ أمر النُّطْفَة وتنقلها وأمر كِتابَة الملك ما يقدر الله فِيها والنَّبِيّ ﷺ أخبر بالأمرين في الحَدِيث قالَ الإمام أحْمد حَدثنا هشيم أنبأنا عَليّ بن زيد قالَ سَمِعت أبا عتبَة بن عبد الله يحدث قالَ قالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قالَ رَسُول الله ﷺ
"إنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ في الرَّحِمِ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَلى حالِها لا تَتَغَيَّر فَإذا مَضَت لَهُ أرْبَعُونَ صارَت علقَة ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك، ثمَّ عظاما كَذَلِك، فَإذا أرادَ أن يُسَوِّي خلقه بعث الله إليه الملك فَيَقُولُ المَلَكُ الَّذِي يَلِيهِ: أيْ رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ أقَصِيرٌ أمْ طَوِيلٌ؟ أناقِصٌ أمْ زائِدٌ؟ قُوتُهُ وأجَلُهُ؟ أصَحِيحٌ أمْ سَقِيمٌ؟ قالَ: فَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ "
فَهَذا الحَدِيث فِيهِ الشِّفاء وإن الحادِث بعد الأرْبَعين الثّالِثَة تَسْوِيَة الخلق عند نفخ الرّوح فِيهِ.
وَلا ريب أنه عند نفخ الرّوح فِيهِ وتعلقها بِهِ يحدث لَهُ في خلقه أُمُور زائِدَة على التخليق الَّذِي كانَ بعد الأرْبَعين الأولى فالأول كانَ مبدأ التخليق وهَذا تسويته وكَمال ما قدر لَهُ كَما أنه سُبْحانَهُ خلق الأرْض قبل السَّماء ثمَّ خلق السَّماء ثمَّ سوى الأرْض بعد ذَلِك ومهدها وبسطها وأكمل خلقها فَذَلِك فعله في السكن وهَذا فعله في السّاكِن على أن التخليق والتصوير ينشأ في النُّطْفَة بعد الأرْبَعين على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا كَما ينشأ النَّبات فَهَذا مشاهد في الحَيَوان والنبات كَما إذا تَأمَّلت حال الفروج في البَيْضَة فَإنَّما يَقع الإشْكال من عدم فهم كَلام الله تَعالى ورَسُوله ﷺ فالإشكال في أفهامنا لا في بَيان المَعْصُوم.
والله المُسْتَعان، وقد أغْناك هَذا بِحَمْد الله عَن تكلّف الشّارِحين فَتَأمّله ووازن بَينه وبَين هَذا الجمع وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
(فصل)
وَقد قالَ بقراط في كتاب الغذاء تَصْوِير الجَنِين يكون في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا وحركته في سبعين صباحا وكماله في مائَة وعشرَة أيّام ويتَصَوَّر أجنة أخر في خمسين صباحا ويتحركون التحرك الأول في مائَة صباح ويكملون في ثَلاثمِائَة ويتَصَوَّر أجنة أخر في أرْبَعِينَ صباحا ويتحركون في ثَمانِينَ صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وأرْبَعين صباحا ويتَصَوَّر أجنة أخر في خَمْسَة وأرْبَعين صباحا ويتحركون في تسعين صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وسبعين صباحا قالَ فَأما الولادَة فَتكون في الشَّهْر السّابِع والثّامِن والتّاسِع والعاشر.
قلت الحَرَكَة حركتان حَرَكَة طبيعية غير إرادية فَهَذِهِ تكون قبل تعلق الرّوح بِهِ وأما الحَرَكَة الإرادية فَلا تكون إلّا بعد نفخ الرّوح ولِهَذا فرق بقراط بَين التحرك الأول والثّانِي.
قلت الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الوَحْي الصّادِق عَن خلاق البشر أن الخلق ينْتَقل في كل أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى طور آخر فَيكون أولا نُطْفَة أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ علقَة كَذَلِك ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح بعد مائَة وعشْرين يَوْمًا.
فَهَذا كَأنَّك تشاهده عيانًا وما خالفه فَلَيْسَ مَعَ المخبر بِهِ عيان، وغايَة ما مَعَه قِياس فاسد وتشريح لا يُحِيط علما بمبدإ ما شاهده مِنهُ أو تَقْلِيد لواحِد غير مَعْصُوم وكل ما جاءَ بِهِ مَشى خَلفه فِيهِ فيعتقد فِيهِ المعتقد أن هَذا أمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الطبائعيين وأصله كُله واحِد أخطَأ فِيهِ ثمَّ قَلّدهُ من بعده والقَوْم لم يشاهدوا ما أخبروا بِهِ من ذَلِك.
وَغايَة ما مَعَهم أنهم شرحوا الحاكين أحياء وأمواتا فوجدوا الجَنِين في الرَّحِم على الصّفة الَّتِي أخبروا بها ولَكِن لاعلم لَهُم بِما وراء ذَلِك من مبدإ الحمل وتغَير أحْوال النُّطْفَة فَإن ضيق مقلدهم الفَرْض
وَقالَ نفرض أنهم اعتبروا بكرا من حَيْثُ وطِئت ثمَّ جعلُوا يعدون أيّامها إلى أن بلغت ما ذَكرُوهُ ثمَّ شرحوها فوجدوا الأمر على الصّفة الَّتِي أخبروا بها فَهَذا غايَة الكَذِب والبهت فَإن القَوْم لم يدعوا ذَلِك وكَيف يُمكنهُم دَعواهُم وهم يخبرون أن بعد ذَلِك بِكَذا وكَذا يَوْمًا يصير شَأْن الحمل كَذا وكَذا وإنَّما مَعَ القَوْم كليات وأقيسة ويَنْبَغِي أن يكون كَذا وكَذا والنظام الطبيعي يَقْتَضِي كَذا وكَذا.
وَكثير مِنهُم يَأْخُذ ذَلِك من حركات القَمَر وزيادته ونقصانه ومن حركات الشَّمْس ومن التَّثْلِيث والتربيع والتسديس والمقابلة ورد عَلَيْهِم آخَرُونَ مِنهُم وأبطلوا ذَلِك عَلَيْهِم من وُجُوه وأحال بِهِ على الأخلق والأولى والأنسب وأحال بِهِ آخَرُونَ على أيّام البحارين وتغَير الطبيعة فِيها ورد بعض هَؤُلاءِ على بعض وأبطل قَوْله بِما تَرَكْناهُ مَخافَة التَّطْوِيل
وَأصَح ما بِأيْدِيهِم التشريح والاستقراء التّام الَّذِي لا يخرم ونحن لا ننكر ذَلِك ولَكِن لَيْسَ فِيهِ ما يُخالف الوَحْي عَن خلاف الأجنة أبدا ومِمّا يدل على أن القَوْم لم يخبروا في ذَلِك عَن مُشاهدَة قَوْلهم إن الجَنِين الَّذِي يُولد في الشَّهْر السّابِع يصير ديديا في تِسْعَة أيّام ودمويا في ثَمانِيَة أيّام أخر ولحميا في تِسْعَة أيّام أخر ويقبل الصُّورَة في اثني عشر يَوْمًا أخر فَإذا اجْتمعت هَذِه الأيّام صارَت خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فجعلوه مُضْغَة في الأرْبَعين الأولى.
وَهَذا كذب ظاهر قطعا، وإنَّما يصير لحميا بعد الثَّمانِينَ ومثل هَذا لا يدْرك إلّا بِوَحْي أو مُشاهدَة وكِلاهُما مَفْقُود عِنْدهم، وإنَّما بِأيْدِيهِم قِياس اعتبروا بِهِ أحْوال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جَنِين ولد في شهر من شهور الولادَة على أنه يَنْبَغِي أن يكون ديديا أي نُطْفَة كَذا وكَذا ودمويا أي علقَة كَذا وكَذا يَوْمًا ولحميا أي مُضْغَة كَذا وكَذا يَوْمًا ثمَّ أضعفوا ذَلِك العدَد وجعلوه وقت تحرّك الجَنِين.
وكذبوا في ذَلِك على الخلاق العَلِيم في خلقه كَما كذبُوا عَلَيْهِ في صِفاته وأسمائه فَإن القَوْم لم يكن لَهُم نصيب من العلم الَّذِي جاءَت بِهِ الرُّسُل بل كانُوا كَما قالَ الله تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَتْهُم رسلهم بِالبَيِّناتِ فرحوا بِما عِنْدهم من العلم﴾ وما غايَة مل يَنالهُ المُنكر المعرض عَمّا جاءَت بِهِ الرُّسُل وغايَة ما نالوا بِهِ علما بِأُمُور طبيعية فِيها الحق والباطِل وأُمُور رياضية كَثِيرَة التَّعَب قَليلَة الجدوى وأُمُور الهَيْئَة باطلها أضْعاف أضْعاف حَقّها فَأيْنَ العلم المتلقى من الوَحْي النّازِل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن الرَّأْي الزائل وأيْنَ العلم المَأْخُوذ عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل عَن الله عز وجل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن رَأْي رجل لم يستنر قلبه بِنور الوَحْي طرفَة عين وإنَّما مَعَه حدسه وتخمينه ونسبه ما يُدْرِكهُ العُقَلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءَت بِهِ الرُّسُل كنسبة سراج ضَعِيف إلى ضوء الشَّمْس ولا تجدو ولَو عمرت عمر نوح مَسْألَة واحِدَة أصلا اتّفق فِيها العُقَلاء كلهم على خلاف ما جاءَت بِهِ الرُّسُل في أمر من الأُمُور البَتَّةَ فالأنبياء لم تأت بِما يُخالف صَرِيح العقل البَتَّةَ وإنَّما جاءَت بِما لا يُدْرِكهُ العقل فَما جاءَت بِهِ الرُّسُل مَعَ العقل ثَلاثَة أقسام لا رابِع لَها البَتَّةَ قسم شهد بِهِ العقل والفطرة وقسم يشْهد بجملته ولا يهتدى لتفصيله وقسم لَيْسَ في العقل قُوَّة إدْراكه وأما القسم الرّابِع وهو ما يحيله العقل الصَّرِيح ويشْهد بِبُطْلانِهِ فالرسل بريئون مِنهُ وإن ظن كثير من الجُهّال المدعين للْعلم والمعرفة أن بعض ما جاءَت بِهِ الرُّسُل يكون من هَذا القسم فَهَذا إمّا لجهله بِما جاءَت بِهِ وإمّا لجهله بِحكم العقل أو لَهما.
(فصل)
فِي ذكر أحْوال الجَنِين بعد تحريكه وانقلابه عند تَمام نصف السّنة يعرض للجنين في هَذا الوَقْت أن يهتك غشاؤه والحجب الَّتِي عَلَيْهِ وأن ينْتَقل عَن مَكانَهُ نَحْو فَم الرَّحِم فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا وكانَت أغشيته الَّتِي تغشيه وسرته أضْعَف تمّ الولاد وإن كانَ الجَنِين ضَعِيفا وأغشيته وسرته أقوى فإمّا أن يهتكها بعض الهتك ولا يُولد فَيبقى مَرِيضا أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى تَمام آخر الشَّهْر الثّامِن
فَإن ولد في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا ماتَ ولم يُمكن تَرْبِيَته ولا بَقاؤُهُ وإن هو هتك أغشيته كل الهتك حَتّى يُمكن تلافي ذَلِك ولم يُولد ماتَ فَإن لم يسْقط والا قتل الحامِل بِهِ وإن تهتك أغشيته هتكا يُمكن تلافيه بَقِي ولم يمت ومكث في مَوْضِعه الَّذِي تحرّك نَحوه وانقلب إلَيْهِ عند فَم الفرج وإنَّما يعرض لَهُم المَرَض في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إذا لم يولدوا بعد تحركهم لأنهم يَنْقَلِبُون عَن مكانهم الَّذِي نشؤوا فِيهِ وتتغير مواضعهم وانخلاع السُّرَّة بانتقاله ولِأن أمهاتهم يعرض لَهُنَّ أن يمرضن عند ذَلِك لتمدد الأغشية وانخلاع السُّرَّة المُتَّصِلَة بالرحم مِنهُنَّ ولِأن الجَنِين إذا انحل رباطه ثقل على أمه.
(فصل)
وَإذا تكون الجَنِين وصوره الخالِق البارئ المصور خلق ورَأسه إلى فَوق ورجلاهُ إلى أسْفَل فعندما يَأْذَن الله بِخُرُوجِهِ يَنْقَلِب ويصير رَأسه إلى أسْفَل فيتقدم رَأسه سائِر بدنه هَذا بِاتِّفاق من الأطِبّاء والمشرحين وهَذا من تَمام العِنايَة الإلهية بالجنين وأمه لِأن رَأسه إذا خرج أولا كانَ خُرُوج سائِر بدنه أسهل من غير أن يحْتاج شَيْء مِنها إلى أن ينثني فَإن الجَنِين لَو خرجت رِجْلاهُ أولا لم يُؤمن أن ينشب في الرَّحِم عند يَدَيْهِ وإن خرجت رجله الواحِدَة لم يُؤمن أن يعلق وينشب في الرَّحِم عند إدْراكه وإن خرجت اليدان لم يُؤمن أن ينشب عند رَأسه إمّا أنه يلتوي إلى خلف، وإمّا لِأن السُّرَّة تلتوي إلى عُنُقه أو كتفه لِأن الجَنِين إذا انحدر فَصارَ إلى مَوضِع فِيهِ السُّرَّة ممتدة التوت هُناكَ على عُنُقه وكتفه فَيعرض من ذَلِك إمّا أن يجاذب السُّرَّة فتألم الأُم غايَة الألَم ثمَّ إن الجَنِين إمّا أن يَمُوت وإمّا أن يصعب خُرُوجه ويخرج وهو عليل متورم فاقتضت حِكْمَة أحكم الحاكِمين أن يَنْقَلِب في البَطن فَيخرج رَأسه أولا ثمَّ يتبع الرَّأْس باقِي البدن.
(فصل)
فِي السَّبَب الَّذِي لأجله لا يعِيش الوَلَد إذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إذا ولد لسبعة أشهر وتِسْعَة وعشرَة
إذا أتم الجَنِين سَبْعَة أشهر عرض لَهُ حَرَكَة قَوِيَّة يتحركها بالطبع للانقلاب والخُرُوج فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا من الأطْفال الَّذين لَهُم بالطبع قُوَّة شَدِيدَة في تركيبهم وجبلتهم حَتّى يقدر بحركته على أن يهتك ما يُحِيط بِهِ من الأغشية المحيطة بِهِ المُتَّصِلَة بالرحم حَتّى ينفذ ويخرج مِنها خرج في الشَّهْر السّابِع وهو قوي صَحِيح سليم لم تؤلمه الحَرَكَة ولم يمرضه الانقلاب وإن كانَ ضعيقا عَن ذَلِك فَهو إمّا أن يعطب بسب ما يَنالهُ من الضَّرَر والألم بالحركة للانقلاب فَيخرج مَيتا وإمّا أن يبْقى في البَطن فيمرض ويلبث في مَرضه نَحوا من أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى يبرأ وينتعش ويقوى فَإذا ولد في حُدُود الشَّهْر الثّامِن ولد وهو مَرِيض لم يتَخَلَّص من ألمه فيعطب ولا يسلم ولا يتربى، وإن لبث في الرَّحِم حَتّى يجوز هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إلى الشَّهْر التّاسِع وقَوي وصَحَّ وانتعش وبعد عَهده بِالمرضِ كانَ حريا أن يسلم وأولاهم بِأن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا في الرَّحِم وهم المولودون في الشَّهْر العاشِر وأما من ولد بَين العاشِر والتّاسِع فحالهم في ذَلِك بِحَسب القرب والبعد.
وَقالَ غَيره العلَّة في أنه لا يُمكن أن يعِيش المَوْلُود لثمانية أشهر أنه يتوالى عَلَيْهِ ضَرْبان من الضَّرَر أحدهما انقلابه في الشَّهْر السّابِع في جَوف الرَّحِم للولادة والثّانِي تغير الحال عَلَيْهِ بَين مَكانَهُ في الرَّحِم وبَين مَكانَهُ في الهَواء وإن كانَ قد يعرض ذَلِك التَّغْيِير لجَمِيع الأجنة لَكِن المَوْلُود لسبعة أشهر ينجو من الرَّحِم قبل أن يَنالهُ الضَّرَر الَّذِي من داخل بعقب الانقلاب والأمراض الَّتِي تعرض في جَوف الرَّحِم فالمولود لسبعة أشهر وعشرَة أشهر يلبث في الرَّحِم حَتّى يبرأ وينجو من تِلْكَ الأمْراض فَلَيْسَ يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا وكَذَلِكَ لا يُمكن أن يعِيش وجَمِيع الأجنة في الشَّهْر الثّامِن يعرض لَهُم المَرَض.
ويدلك على ذَلِك أنَّك تَجِد جَمِيع الحَوامِل والحبالى في الشَّهْر الثّامِن أسْوَأ حالا وأثقل مِنهُنَّ في مُدَّة الشُّهُور الَّتِي قبل هَذا الشَّهْر وبعده وأحوال الأُمَّهات مُتَّصِلَة بأحوال الأجنة.
(فصل)
وبكاء الطِّفْل ساعَة وِلادَته يدل على صِحَّته وقوته وشدته وإذا وضع الطِّفْل يَده أو إبهامه أو إصبعه على عُضْو من أعْضائِهِ فَهو دَلِيل على ألم ذَلِك العُضْو وكل الحَيَوان بالطبع يُشِير إلى ما يؤلمه من بدنه إمّا بِيَدِهِ أو بفمه أو بِرَأْسِهِ أو بِذَنبِهِ فَلَمّا كانَ الطِّفْل عادما للنطق أشارَ بِأُصْبُعِهِ أو يَده إلى مَوضِع ألمه كالحيوان البهيم.
(فصل)
فِي أن الأطْفال وهم حمل في الرَّحِم أقوى مِنهُم بعد ولادهم وأصبر وأشد احْتِمالا لما يعرض لَهُم وكَذَلِكَ تكون العِنايَة بهم بعد ولادهم آكِد والحذر عَلَيْهِم أشد فَإن أغْصان الشَّجَرَة وفروعها ما دامَت لاصقة بِالشَّجَرَةِ ومتصلة بها لا تكاد الرِّياح العواصف تزعزعها ولا تقتلعها فَإذا فصلت عَنْها وغرست في مَواضِع أخر نالتها الآفة ووصلت إلَيْها بِأدْنى ريح تهب حَتّى تقتلعها
وَكَذَلِكَ الجَنِين ما دامَ في الرَّحِم فَهو يقوى ويصبر على ما يعرض لَهُ ويناله من سوء التَّدْبِير والأذى على ما لا يصبر على اليَسِير مِنهُ بعد وِلادَته وانفصاله عَن الرَّحِم وكَذَلِكَ الثَّمَرَة على الشَّجَرَة أقوى مِنها وأثبت بعد قطعها مِنها
وَلما كانَ مُفارقَة كل مُعْتاد ومألوف بالانتقال عَنهُ شَدِيدا على من رامه ولا سِيما إذا كانَ الِانْتِقال دفْعَة واحِدَة فالجنين عند مُفارقَته للرحم ينْتَقل عَمّا قد ألفه واعتاده في جَمِيع أحْواله دفْعَة واحِدَة وشدَّة ذَلِك الِانْتِقال عَلَيْهِ أكثر من شدَّة الِانْتِقال بالتدريج
وَلذَلِك قالَ بقراط قد يعلم بِأهْوَن سعي وأيسره أن التَّدْبِير الرَّدِيء من المطعم والمشْرَب إذا كانَ يجْرِي مَعَ رداءته على أمر واحِد يشبه بعضه بَعْضًا دائِما فَهو أوثق وأحرز وأبْعد عَن الخطر في التماس الصِّحَّة للأبدان من أن ينْقل الرجل تَدْبيره دفْعَة واحِدَة إلى غذاء أفضل مِنهُ فالجنين ينْتَقل عَمّا ألفه واعتاده في غذائه وتنفسه ومداخله وما يكتنفه وهلة واحِدَة
وَهَذِه أول شدَّة يلقاها في الدُّنْيا ثمَّ تتوافر عَلَيْها الشدائد حَتّى يكون آخرها الشدَّة العُظْمى الَّتِي لا شدَّة فَوْقها أو الرّاحَة العُظْمى الَّتِي لا تَعب دونها ولذَلِك لا يبكي عند وُرُود هَذِه الشدَّة عَلَيْهِ مَعَ ما يلقاه من وكز الشَّيْطان وطعنه في خاصرته.
(فصل)
والجنين في الرَّحِم كانَ يغتذي بِما يلائمه وكانَ يجتذب بالطبع المِقْدار الَّذِي يلائمه من دم أمه وبعد خُرُوجه يجتذب من اللَّبن ما يلائمه أيْضا لكنه يجتذب بشهوته وإرادته فيزيد على مِقْدار ما يحْتاج إلَيْهِ مَعَ كَون اللَّبن
يكون رديئا ومعلولا كَما يكون صَحِيحا وكَذَلِكَ يعرض لَهُ القَيْء والغثيان ويجتذب أخلاط بدنه وتعرض لَهُ الآلام والأوجاع والآفات الَّتِي لم تعرض لَهُ في البَطن وقد كانَ عَلَيْهِ من الأغشية والحجب ما يمْنَع وُصُول الأذى اليه فَلَمّا ولد هيئ لَهُ أغشية وحجب أخر لم يكن يألفها ويعتادها ورُبما صحى للْحرّ والبرد والهواء وكانَ يجتذبه من سرته وهو ألطف شَيْء معتدل صَحِيح قد يَصح قلب الأُم وعروقها الضوارب فَهو شَبيه بِما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهَواء اللَّطِيف المعتدل ثمَّ يخرج مِنهُ وهلة واحِدَة عُريانا إلى الهَواء العاصف المؤذي.
وَبِالجُمْلَةِ فقد انْتقل عَن مألوفه وما اعتاده وهلة واحِدَة إلى ما هو أشد عَلَيْهِ مِنهُ وأصعب وهَذا من تَمام حِكْمَة الخلاق العَلِيم ليمرن عَبده على مُفارقَة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل مِنها وأنفع وأوفق لَهُ وقد أشارَ تَعالى إلى هَذا بقوله ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ [الانشقاق ١٩ أي حالا بعد حال فَأول أطباقه كَونه نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ثمَّ مولودا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطميا ثمَّ صَحِيحا أو مَرِيضا غَنِيا أو فَقِيرا معافى أو مبتلى إلى جَمِيع أحْوال الإنْسان المُخْتَلفَة عَلَيْهِ إلى أن يَمُوت ثمَّ يبْعَث ثمَّ يُوقف بَين يَدي الله تَعالى ثمَّ يصير إلى الجنَّة أو النّار فالمَعْنى لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر.
قالَ سعيد بن جُبَير وابْن زيد "لتكونن في الآخِرَة بعد الأولى ولتصيرن أغْنِياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى"
وَقالَ عَطاء: شدَّة بعد شدَّة والطبق والطبقة الحال، ولِهَذا يُقال كانَ فلان على طَبَقات شَتّى
قالَ عَمْرو بن العاصِ لقد كنت على طَبَقات ثَلاث أي أحْوال ثَلاث
قالَ ابْن الأعرابِي الطَّبَق الحال على اختلافها وقد ذكرنا بعض أطباق الجَنِين في البَطن من حِين كَونه نُطْفَة إلى وقت ولاده ثمَّ نذْكر أطباقه بعد وِلادَته إلى آخرها فَنَقُول
الجَنِين في الرَّحِم بِمَنزِلَة الثَّمَرَة على الشَّجَرَة في اتصالها بمحلها اتِّصالًا قَوِيا فَإذا بلغت الغايَة لم يبْق إلّا انفصالها لثقلها وكمالها وانْقِطاع العُرُوق الممسكة لَها فَكَذا الجَنِين تنهك عَنهُ تِلْكَ الأغشية وتنفصل العُرُوق الَّتِي تمسكه بَين المشيمة والرحم وتصير تِلْكَ الرطوبات المزلفة فتعينه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العُرُوق على الخُرُوج فينفتح الرَّحِم انفتاحا عَظِيما جدا ولا بُد من انْفِصال بعض المفاصل العَظِيمَة ثمَّ تلتئم في أسْرع زمان وقد اعْترف بذلك حذاق الأطباق والمشرحين وقالُوا لا يتم ذَلِك إلّا بعناية إلهية وتدبير يعجز عقول النّاس عَن إدْراك كيفيته ﴿فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ﴾
فَإذا انْفَصل الجَنِين بَكى ساعَة انْفِصاله لسَبَب طبيعي وهو مُفارقَة إلفه ومكانه الَّذِي كانَ فِيهِ وسبب مُنْفَصِل عَنهُ وهو طعن الشَّيْطان في خاصرته فَإذا انْفَصل وتمّ انْفِصاله مد يَده إلى فِيهِ فَإذا تمّ لَهُ أرْبَعُونَ يَوْمًا تَجِد لَهُ أمر آخر على نَحْو ما كانَ يَتَجَدَّد لَهُ وهو في الرَّحِم فيضحك عند الأرْبَعين وذَلِكَ أول ما يعقل نَفسه فَإذا تمّ لَهُ شَهْران رأى المنامات ثمَّ ينشأ مَعَه التَّمْيِيز والعقل على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا إلى سنّ التَّمْيِيز ولَيْسَ لَهُ سنّ معِين بل من النّاس ما يُمَيّز لخمس كَما قالَ مَحْمُود بن الرّبيع عقلت من النَّبِي ﷺ مجة مجها في وجْهي من دلو في بئرهم وأنا ابْن خمس سِنِين.
وَلذَلِك جعلت الخمس سِنِين حدا لحدة سَماع الصَّبِي.
وَبَعْضهمْ يُمَيّز لأقل مِنها ويذكر أمورا جرت لَهُ وهو دون الخمس سِنِين.
وَقد ذكرنا عَن إياس بن مُعاوِيَة أنه قالَ اذكر يَوْم ولدتني أُمِّي فَإنِّي خرجت من ظلمَة إلى ضوء ثمَّ صرت إلى ظلمَة فَسُئِلت أمه عَن ذَلِك فَقالَت صدق لما انْفَصل مني لم يكن عِنْدِي ما ألفه بِهِ فَوضعت عَلَيْهِ قَصْعَة.
وَهَذا من أعجب الأشياء وأندرها فَإذا صار لَهُ سبع سِنِين دخل في سنّ التَّمْيِيز وأمر بِالصَّلاةِ
كَما في المسند والسّنَن من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أبِيه عَن جده قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ
"مروا أبناءكم بِالصَّلاةِ لسبع سِنِين وأضربوهم عَلَيْها لعشر سِنِين وفرقُوا بَينهم في المضاجِع"
المؤمنون 23:14
(فائدة)
وقد يستطرد سبحانه من ذكر الشخص إلى ذكر النوع كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾
فالمخلوق من سلالة من طين آدم والمجعول نطفة في قرار مكين ذريته.
(فصل: في أطوار ابْن آدم من وقت كَونه نُطْفَة إلى استقراره في الجنَّة أو النّار)
قالَ الله تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
فاستوعب سُبْحانَهُ ذكر أحْوال ابْن آدم قبل كَونه نُطْفَة بل تُرابا وماء إلى حِين بَعثه يَوْم القِيامَة فَأول مَراتِب خلقه أنه سلالة من طين ثمَّ بعد ذَلِك سلالة من ماء مهين وهِي النُّطْفَة الَّتِي استلت من جَمِيع البدن فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يقلب الله سُبْحانَهُ تِلْكَ النُّطْفَة علقَة وهِي قِطْعَة سَوْداء من دم فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا أُخْرى ثمَّ يصيرها سُبْحانَهُ مُضْغَة وهِي قِطْعَة لحم أرْبَعِينَ يَوْمًا وفي هَذا الطّور تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته.
واخْتلف في أول ما يتشكل ويخلق من أعْضائِهِ.
قالَ قائِلُونَ هو القلب
وَقالَ آخَرُونَ إنَّه الدِّماغ
وَقالَ آخَرُونَ هو الكبد
وَقالَ آخَرُونَ فقار الظّهْر فاحتج أرْباب القَوْل الأول بِأن القلب هو العُضْو والأساس الَّذِي هو مَعْدن الحَرارَة الغريزية الَّذِي هو مركب الحَياة فَوَجَبَ أن يكون هو المُقدم في الخلق قالُوا وقد أخبر المشرحون أنهم وجدوا في النُّطْفَة عند كَمال انْعِقادها نقطة سَوْداء.
واحْتج من قالَ إنَّه الدِّماغ بِأن الدِّماغ من الحَيَوان هو العُضْو الرئيسي من الإنْسان وهو مجمع الحَواس وأن الأمر المُخْتَص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وأصل ذَلِك من الدِّماغ ومِنه ينبعث وإذا كانَ الخاص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وكانا عَن هَذا العُضْو كانَ هو المُقدم في الإيجاد والتكوين.
واحْتج من قالَ إنَّه الكبد بِأنَّهُ العُضْو الَّذِي مِنهُ النمو والاغتذاء الَّذِي بِهِ قوام الحَيَوان قالُوا فالنظام الطبيعي يَقْتَضِي أن يكون أول متكون الكبد ثمَّ القلب ثمَّ الدِّماغ لِأن أول فصل الحَيَوان هو النمو ولَيْسَ بِهِ في هَذا الوَقْت حاجَة إلى حس ولا إلى حَرَكَة إرادية لِأنَّهُ يعد بِمَنزِلَة النَّبات فَلا حاجَة بِهِ حِينَئِذٍ إلى غير النمو.
وَلِهَذا إنَّما تصير لَهُ قُوَّة الحس والإرادة عند تعلق النَّفس بِهِ وذَلِكَ في الطّور الرّابِع من أطوار تخليقه فَكانَ أول الأعْضاء خلقا فِيهِ هو آلَة النمو وذَلِكَ الكبد والَّذِي شاهده أرْباب التشريح حَتّى إنَّهُم متفوقون عَلَيْهِ أنه أول ما يتَبَيَّن في خلق جثة الحَيَوان ثَلاث نقط مُتَقارِبَة بَعْضها من بعض يتَوَهَّم أنَّها رسم الكبد والقلب والدماغ ثمَّ يزْداد بَعْضها من بعض بعدا على امتداد أيّام الحمل، فَهَذا القدر هو الَّذِي عند المشرحين.
فَأما أن هَذِه النقط أقدم وأسبق فَلَيْسَ عِنْدهم عَلَيْهِ دَلِيل إلّا الأخلق والأولى والقِياس والله أعلم.
(فصل)
ثمَّ تقدر مفاصل أعْضائِهِ وعظامه وعروقه وعصبه ويشق لَهُ السّمع والبَصَر والفم ويفتق حلقه بعد أن كانَ رتقا فيركب فِيهِ اللِّسان ويخطط شكله وصورته وتكسى عِظامه لَحْمًا ويربط بَعْضها إلى بعض أحكم ربط وأقواه وهو الأسر الَّذِي قالَ فِيهِ ﴿نَحن خلقناهم وشددنا أسرهم﴾
وَمِنه الإسار الَّذِي يرْبط بِهِ ومِنه الأسير
قالَ الإمام أحْمد حَدثنا روح بن عبادَة حَدثنا أبُو هِلال حَدثنا ثابت عَن صَفْوان بن مُحرز قالَ كانَ نَبِي الله داوُد عَلَيْهِ السَّلام إذا ذكر عَذاب الله تخلعت أوصاله ما يمْسِكها إلّا الأسر فَإذا ذكر رَحْمَة الله رجعت
(فصل)
قالَ بقراط في المقالة الثّالِثَة من كتاب الأجنة أنا أحَدثك رَأيْت المَنِيّ ينشأ كانَت لامْرَأة من الأهْل جارِيَة نفيسة ولم تكن تحب أن تحبل لِئَلّا ينقص ثمنها فَسمِعت الجارِيَة النِّساء يقلن إن المَرْأة إذا أرادَت أن تحمل لم يخرج مِنها مني الرجل بل يبْقى محتبسا ففهمت ذَلِك وجعلت ترصده من نَفسها فأحست في بعض الأوْقات أنه لم يخرج مِنها فبلغني الخَبَر فأمرتها أن تطفر إلى خلفها فطفرت سبع طفرات فَسقط مِنها المَنِيّ بوجبة شَبِيها بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عَنْها القشر الخارِج وبقيت رطوبتها في جَوف الغشاء قالَ وأنا أقُول أيْضا إنَّه يجْرِي من الأُم فضول الرَّحِم ليتغذى بها الجَنِين وقالَ إن الَّذِي تظهر هي الأعصاب الدقاق البيض وهِي الَّتِي رَأيْت في وسط السُّرَّة ولَيْسَت في مَوضِع آخر غير السُّرَّة لِأن الرّوح إنَّما يشق طَرِيقا للنَّفس هُناكَ ثمَّ قالَ وأقُول شَيْئا آخر ظاهرا يعرفهُ كل من يرغب في العلم وأوضحه بقياسات وأقُول إن المَنِيّ هو في الحجاب وإنّهُ يغتذي من الدَّم الَّذِي يجْتَمع من المَرْأة وينزل إلى الرَّحِم وقالَ إن المَنِيّ يجتذب الهَواء فيتنفس فِيهِ في هَذِه الحجب في الأسْباب الَّتِي ذكرنا ويربو من الدَّم الَّذِي ينحدر من المَرْأة وقالَ إن الطمث لا ينحدر ما دامَت المَرْأة حامِلا إن كانَ طفلها صَحِيحا وذَلِكَ مُنْذُ أول شهر من حبلها إلى الشَّهْر التّاسِع ولَكِن جَمِيع ما ينزل من الدَّم من البدن كُله يجْتَمع حول الجَنِين على الحجاب الأعْلى مَعَ اجتذاب النَّفس والسرة طَرِيق وُصُوله إلى الجَنِين فَيدْخل الغذاء إلَيْهِ فيغذيه ويزِيد في تَرْبِيَته.
وَقالَ إذا أقامَ المَنِيّ حينا خلقت لَهُ حجب أخر فتمتد داخِلا من الحجاب الأول وتَكون مُخْتَلفَة الأنْواع كَثِيرَة.
وَأما كَونها فَمثل الحجاب الأول وقالَ إن الحجب مِنها ما يخلق أولا ومِنها ما يخلق من بعد الشَّهْر الثّانِي ومِنها ما يخلق في الشَّهْر الثّالِث وكلها لا تظهر مَنافِعها أول ما يخلق ولَكِن بَعْضها يَمْتَد على المَنِيّ فتظهر مَنافِعها أولا وبَعضها لا يظْهر إلّا أخيرا فَلذَلِك يخلق بَعْضها في الشَّهْر الأول وبَعضها في الشَّهْر الثّانِي وبَعضها في الثّالِث وهِي السُّرَّة كَأنَّها مربوط بَعْضها بِبَعْض في وسط الحجب تكون السُّرَّة الَّتِي يتنفس مِنها ويتربى
وَإذا نزل الدَّم واغتذى الجَنِين مِنهُ حالَتْ الحجب بَينه وبَين الجَنِين ولِهَذا يَقُول تَعالى ﴿يخلقكم في بطُون أُمَّهاتكُم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثَلاث﴾
فَإن كل حجاب من هَذِه الحجب لَهُ ظلمَة تخصه فَذكر سُبْحانَهُ أطوار خلقه ونَقله فِيها من حال إلى حال وذكر ظلمات الحجب الَّتِي على الجَنِين فَقالَ أكثر المُفَسّرين هي ظلمَة البَطن وظلمة الرَّحِم وظلمة المشيمة فَإن كل واحِد من هَذِه حجاب على الجَنِين وقالَ آخَرُونَ هي ظلمَة أصلاب الآباء وظلمة بطُون الأُمَّهات وظلمة المشيمة وأضعف من هَذا القَوْل قَول من قالَ ظلمَة اللَّيْل وظلمة البَطن وظلمة الرَّحِم فَإن اللَّيْل والنَّهار بِالنِّسْبَةِ إلى الجَنِين سَواء وقالَ بقراط إن المَرْأة إذا حبلت لم تألم من اجْتِماع الدَّم الَّذِي ينزل ويجتمع حول رَحمها ولا تحس بِضعْف كَما تحس إذا انحدر الطمث لِأنَّها لا يثور دَمها في كل شهر لكنه ينزل إلى الرَّحِم في كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا نزولا ساكِنا من غير وجع فَإذا أتى إلى الرَّحِم اغتذى مِنهُ الجَنِين ونما ثمَّ قالَ وعَلى غير بعيد من ذَلِك إذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الحجب وإذا كبر كَبرت الحجب أيْضا وصارَ لَها تجويف خارج من الجَنِين فَإذا نزل الدَّم من الأُم جذبه الجَنِين واغتذى بِهِ فيزيد في لَحْمه والرديء من الدَّم الَّذِي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب وكَذَلِكَ تسمى الحجب الَّتِي إذا صار لَها تجويف يقبل الدَّم المشيمة.
وَقالَ إذا تمّ الجَنِين وكملت صورته واجتذب الدَّم لغذائه بالمقدار اتسعت الحجب وظَهَرت المشيمة الَّتِي تكون من الآلات الَّتِي ذكرنا فَإن اتَّسع داخلها اتَّسع خارِجها لِأنَّهُ أولى بذلك لِأن لَهُ موضعا يَمْتَد إلَيْهِ قلت ومن ها هُنا لم تَحض الحامِل بل ما تراهُ من الدَّم يكون دم فَساد لَيْسَ دم الحيض المُعْتاد هَذِه إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَن عائِشَة رَضِي الله عَنْها وهو المَشْهُور من مَذْهَب أحْمد الَّذِي لا يعرف أصْحابه سواهُ وهو مَذْهَب أبي حنيفَة وذهب الشّافِعِي في رِوايَة عَن عائِشَة والإمام أحْمد في رِوايَة عَنهُ اخْتارَها شَيخنا إلى أن ما تراهُ من الدَّم في وقت عادَتها يكون حيضا.
وَحجَّة هَذا القَوْل ظاهِرَة وهِي عُمُوم الأدِلَّة الدّالَّة على ترك المَرْأة الصَّوْم والصَّلاة إذا رَأتْ الدَّم المُعْتاد في وقت الحيض ولم يسْتَثْن الله ورَسُوله حالَة دون حالَة وأما كَون الدَّم ينْصَرف إلى غذاء الوَلَد فَمن المَعْلُوم أن ذَلِك لا يمْنَع أن يبْقى مِنهُ بَقِيَّة يخرج في وقت الحيض تفضل عَن غذاء الوَلَد فَلا تنافِي بَين غذاء الوَلَد وبَين حيض الأُم.
وَأصْحاب القَوْل الآخر يحتجون بقوله ﷺ لا تُوطأ حامِل حَتّى تضع ولا حائِل حَتّى تستبرأ بِحَيْضَة فَجعل الحَيْضَة دَلِيلا على عدم الحمل فَلَو حاضَت الحامِل لم تكن الحَيْضَة علما على بَراءَة حملها والآخرُونَ يحبيبون عَن هَذا بِأن الحَيْضَة علم ظاهر فَإذا ظهر بها الحمل تَبينا أنه لم يكن دَلِيلا ولِهَذا يحكم بِانْقِضاء العدة بِالحيضِ ظاهرا ثمَّ تبين المَرْأة حامِلا والنَّبِيّ ﷺ قسم النِّساء إلى قسمَيْنِ امْرَأة مَعْلُومَة الحمل وامْرَأة مظنون أنَّها حامِل فَجعل اسْتِبْراء الأولى بِوَضْع الحمل والثّانيِة بالحيضة.
وَهَذا هو الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لم يدل على أن ما تراهُ الحامِل من الدَّم في وقت عادَتها تَصُوم مَعَه وتصلي.
(فصل)
قالَ بقراط إن العِظام تصلب من الحَرارَة لِأن الحَرارَة تصلب العِظام وتربط بَعْضها بِبَعْض مثل الشَّجَرَة الَّتِي ترتبط بَعْضها بِبَعْض وقالَ إن العصب جعل داخِلا وخارجا وجعل الرَّأْس بَين العاتقين والعضدان والساعدان في الجانِبَيْنِ وفرج ما بَين الرجلَيْن أيْضا وجعل في كل مفصل من المفاصل عصب بوثقه ويشده قلت وهو الأسر الَّذِي شدّ بِهِ الإنْسان قالَ وجعل الفَم ينفتح من تِلْقاء نَفسه وركب الأنف والأذنان من اللَّحْم وثقبت الأذنان ثمَّ العينان بعد ذَلِك وملئتا رُطُوبَة صافِيَة
وَكانَ النَّبِي ﷺ يَقُول في سُجُوده سجد وجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره والواو وإن لم تقتض ترتيبا فتقديم السّمع في اللَّفْظ يُناسب تقدمه في الوُجُود ثمَّ تتسع الأمعاء بعد ذَلِك ويصير لَها تجويف وترتبط المفاصل ويرتفع النَّفس إلى الفَم والأنف ويدخل الِاسْتِنْشاق في الفَم والأنف وينفتح البَطن والأمعاء ويخرج النَّفس إلى الفَم بدل السُّرَّة فَإذا تمّ ما ذكرنا حضر وقت خُرُوج الجَنِين ونزلت فضول من معدته وأمعائه إلى المثانة ويكون لَها طَرِيق من المعدة والأمعاء إلى المثانة
وَمِنها إلى مجْرى البَوْل وإنَّما تنفتح هَذِه كلها ويتسع تجويفها بالاستنشاق وبِه ينْفَصل بَعْضها عَن بعض على قدر أشكالها وقالَ إذا اتَّسع البَطن وتبين تجويف الأمعاء صار فِيها طَرِيق إلى المثانة والإحليل اضطرارا
قالَ والمني إذا تركب يجْتَمع كل شَيْء مِنهُ إلى صاحبه العِظام إلى العِظام والعصب إلى العصب وكَذَلِكَ جَمِيع الأعْضاء ثمَّ يركب الجَنِين ثمَّ قالَ إنّا قد رَأينا كثيرا من النِّساء قد فَسدتْ الأجنة فِيهِنَّ ثمَّ خرجت بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا ثمَّ قالَ ألا ترى أنه إذا سقط الجَنِين بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا رَأيْت مفاصله مركبة وقالَ يدْرك هَذا بِالنّظرِ إلى السقط لِأنَّهُ إذا سقط لَيْسَ يسْقط من حيلنا بل من قبل نَفسه ثمَّ قالَ إذا تركب الجَنِين وأتلفت مفاصله وكَبرت أعضاؤه وصلبت عِظامه وتحركت جذبت من البدن دَمًا دسما ويحتبس ذَلِك ويتحرك في رُؤُوس العِظام مثل تحرّك رُؤُوس الشّجر قالَ وكَذَلِكَ الجَنِين ويتقلب.
(فصل)
وَقالَ في المقالة الثّانِيَة من كِتابه هَذا ثمَّ يتركب الجَنِين ويتم الذّكر إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا والأنثى إلى اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا ورُبما زاد على هَذِه الأيّام قَلِيلا ورُبما نقص قَلِيلا وقالَ إن الجَنِين يتم ويتَصَوَّر إن كانَ ذكرا في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وإن كانَ أُنْثى فَفي اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وقالَ إنّا نرى ذَلِك من نقاء المَرْأة لِأنَّها إن ولدت أُنْثى فَإنَّها تنفى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وهو أكثر ما تحتبس المَرْأة إلى أن تنقى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا عند ولادَة الأُنْثى ورُبما كانَ في الفَرد وتنقى في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فَإذا ولدت ذكرا فَإنَّها تنقى في اثْنَيْنِ ووثلاثين يَوْمًا إذا احْتبست كثيرا ورُبما بقيت في الفَرد في خَمْسَة وعشْرين يَوْمًا
وَقالَ إن دم الطمث يخرج من حَيْثُ يخرج الجَنِين وكما أن الذّكر يتَصَوَّر في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا كَذَلِك يكون نقاء أمه من بعد ولاده في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وتنقى المَرْأة إذا ولدت أُنْثى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا بِعَدَد الأيّام الَّتِي تركيبها فِيها ثمَّ قالَ انما يجْرِي الدَّم من النُّفَساء بعد ولادها أيّامًا كَثِيرَة لِأنَّها إذا حملت لم يحْتَج الجَنِين أول ما يخلق إلى غذاء كثير حَتّى يتم فَإذا تمّ لَهُ اثْنان وأرْبَعُونَ يَوْمًا اغتذى كَما يَنْبَغِي وما اجْتمع في الأيّام الأرْبَعين من الدَّم الَّذِي ينزل إلى الجَنِين بَقِي إلى ولاد المَرْأة فَإذا ولدت نزل أرْبَعِينَ يَوْمًا.
قلت في هَذا الفَصْل حديثان صَحِيحانِ عَن رَسُول الله ﷺ نذكرهما ونَذْكُر تَصْدِيق أحدهما للْآخر، ثمَّ نتعقب كَلام بقراط ونبين ما فِيهِ بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود قالَ حَدثنا رَسُول الله ﷺ وهو الصّادِق المصدوق
"إن أحدكُم يجمع خلقه في بطن أمه أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون في ذَلِك علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون في ذَلِك مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الله الملك فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات بكتب رزقه وأجله وعَمله وشقي أو سعيد فو الَّذِي لا إلَه غَيره إن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الجنَّة حَتّى ما يكون بَينه وبَينها إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النّار فيدخلها، وإن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النّار حَتّى ما يكون بَينها وبَينه إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الجنَّة فيدخلها".
وَفِي طَرِيق أُخْرى "إن خلق ابْن آدم يجمع في بطن أمه أرْبَعِينَ"
وَفِي أُخْرى "أرْبَعِينَ لَيْلَة"
وَقالَ البُخارِيّ "أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعين لَيْلَة"
وَفِي بعض طرقه "ثمَّ يبْعَث الله ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" ... الحَدِيث
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قالَ
"يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ أو خمس وأرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أو سعيد فيكتبان فَيَقُول إي رب أذكر أم أُنْثى فيكتبان ويكْتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثمَّ تطوى الصُّحُف فَلا يزْداد فِيها ولا ينقص"
وَقالَ الإمام أحْمد حَدثنِي سُفْيان عَن عَمْرو عَن أبي الطُّفَيْل عَن حُذَيْفَة ابْن أسيد الغِفارِيّ قالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أم سعيد فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيَقُولانِ أذكر أم أُنْثى فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيكْتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثمَّ تطوى الصَّحِيفَة فَلا يزْداد على ما فِيها ولا ينقص.
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عامر بن واثِلَة أنه سمع عبد الله بن مَسْعُود يَقُول
"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ"
فَأتى رجلا من أصْحاب رَسُول الله يُقال لَهُ حُذَيْفَة بن أسيد الغِفارِيّ فحدثه بذلك
من قَول ابْن مَسْعُود فَقالَ: وكَيف يشقى رجل بِغَيْر عمل فَقالَ لَهُ الرجل أتعجب من ذَلِك فَإنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول:
"إذا مر بالنطفة ثِنْتانِ وأرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إلَيْها ملكا فصورها وخلق سَمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثمَّ قالَ يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب أجله فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ فَيكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب رزقه فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يخرج الملك بالصحيفة في يَده فَلا يزِيد على ما أمر ولا ينقص".
وَفِي لفظ آخر سَمِعت رَسُول الله ﷺ بأذني هاتين يَقُول:
"إن النُّطْفَة تقع في الرَّحِم أرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْها الملك"
قالَ زُهَيْر حسبته قالَ "الَّذِي يخلقها فَيَقُول يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَجْعَلهُ الله ذكرا أو أُنْثى فَيَقُول يا رب أسوي أم غير سوي فَيَجْعَلهُ الله سويا أو غير سوي ثمَّ يَقُول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثمَّ يَجعله الله شقيا أو سعيدا"
وَفِي لفظ آخر
"إن ملكا موكلا بالرحم إذا أرادَ الله عز وجل أن يخلق شَيْئا بِإذن الله لبضع وأرْبَعين لَيْلَة"
ثمَّ ذكر الحَدِيث ..
فاتفق حَدِيث ابْن مَسْعُود وحَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد على حُدُوث شَأْن وحال النُّطْفَة بعد الأرْبَعين وحَدِيث حُذَيْفَة مُفَسّر صَرِيح بِأن ذَلِك يكْتب بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح كَما تقدم في رِوايَة البُخارِيّ.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فأحد ألْفاظه مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة وإن كانَ ذَلِك التَّقْدِير والكِتابَة بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح فِيهِ كَما تقدم من رِوايَة البُخارِيّ ولَفظه
"ثمَّ يبْعَث الله إلَيْهِ ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح"
فَهَذا صَرِيح أن الكِتابَة وسؤال الملك قبل نفخ الرّوح فِيهِ وهو مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة في ذَلِك
وَأما لَفظه الآخر
"فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فَلَيْسَ بِصَرِيح إذْ الكَلِمات المَأْمُور بها بعد نفخ الرّوح فَإن هَذِه الجُمْلَة معطوفة بِالواو.
وَيجوز أن تكون معطوفة على الجُمْلَة الَّتِي تَلِيها.
وَيجوز أن تكون معطوفة على جملَة الكَلام المُتَقَدّم أي يجمع خلقه في هَذِه الأطوار ويُؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعَمله ووسط بَين الجمل قَوْله "ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" بَيانا لتأخر نفخ الرّوح عَن طور النُّطْفَة والعلقة والمضغة.
وَتَأمل كَيفَ أتى بـ (ثمَّ) في فصل نفخ الرّوح وبالواو في قَوْله "وَيُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فاتفقت سائِر الأحادِيث بِحَمْد الله
وَبَقِي أن يُقال فَحَدِيث حُذَيْفَة يدل على أن ابْتِداء التخليق عقيب الأرْبَعين الأولى وحَدِيث ابْن مَسْعُود يدل على أنه عقيب الأرْبَعين الثّالِثَة فكيف يجمع بَينهما؟
قيل أما حَدِيث حُذَيْفَة فصريح في كَون ذَلِك بعد الأرْبَعين.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَلَيْسَ فِيهِ تعرض لوقت التَّصْوِير والتخليق، وإنَّما فِيهِ بَيان أطوار النُّطْفَة وتنقلها بعد كل أرْبَعِينَ وأنه بعد الأرْبَعين الثّالِثَة ينْفخ فِيهِ الرّوح.
وَهَذا لم يتَعَرَّض لَهُ حَدِيث حُذَيْفَة بل اخْتصَّ بِهِ حَدثنا بن مَسْعُود، فاشترك الحديثان في حُدُوث أمر بعد الأرْبَعين الأولى
واختص حَدِيث حُذَيْفَة بِأن ابْتِداء تصويرها وخلقها بعد الأرْبَعين الأولى واختص حَدِيث ابْن مَسْعُود بِأن نفخ الرّوح فِيهِ بعد الأرْبَعين الثّالِثَة واشترك الحديثان في اسْتِئْذان الملك ربه سُبْحانَهُ في تَقْدِير شَأْن المَوْلُود في خلال ذَلِك فتصادقت كَلِمات رَسُول الله ﷺ وصدق بَعْضها بَعْضًا.
وَحَدِيث ابْن مَسْعُود فِيهِ أمْرانِ أمر النُّطْفَة وتنقلها وأمر كِتابَة الملك ما يقدر الله فِيها والنَّبِيّ ﷺ أخبر بالأمرين في الحَدِيث قالَ الإمام أحْمد حَدثنا هشيم أنبأنا عَليّ بن زيد قالَ سَمِعت أبا عتبَة بن عبد الله يحدث قالَ قالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قالَ رَسُول الله ﷺ
"إنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ في الرَّحِمِ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَلى حالِها لا تَتَغَيَّر فَإذا مَضَت لَهُ أرْبَعُونَ صارَت علقَة ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك، ثمَّ عظاما كَذَلِك، فَإذا أرادَ أن يُسَوِّي خلقه بعث الله إليه الملك فَيَقُولُ المَلَكُ الَّذِي يَلِيهِ: أيْ رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ أقَصِيرٌ أمْ طَوِيلٌ؟ أناقِصٌ أمْ زائِدٌ؟ قُوتُهُ وأجَلُهُ؟ أصَحِيحٌ أمْ سَقِيمٌ؟ قالَ: فَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ "
فَهَذا الحَدِيث فِيهِ الشِّفاء وإن الحادِث بعد الأرْبَعين الثّالِثَة تَسْوِيَة الخلق عند نفخ الرّوح فِيهِ.
وَلا ريب أنه عند نفخ الرّوح فِيهِ وتعلقها بِهِ يحدث لَهُ في خلقه أُمُور زائِدَة على التخليق الَّذِي كانَ بعد الأرْبَعين الأولى فالأول كانَ مبدأ التخليق وهَذا تسويته وكَمال ما قدر لَهُ كَما أنه سُبْحانَهُ خلق الأرْض قبل السَّماء ثمَّ خلق السَّماء ثمَّ سوى الأرْض بعد ذَلِك ومهدها وبسطها وأكمل خلقها فَذَلِك فعله في السكن وهَذا فعله في السّاكِن على أن التخليق والتصوير ينشأ في النُّطْفَة بعد الأرْبَعين على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا كَما ينشأ النَّبات فَهَذا مشاهد في الحَيَوان والنبات كَما إذا تَأمَّلت حال الفروج في البَيْضَة فَإنَّما يَقع الإشْكال من عدم فهم كَلام الله تَعالى ورَسُوله ﷺ فالإشكال في أفهامنا لا في بَيان المَعْصُوم.
والله المُسْتَعان، وقد أغْناك هَذا بِحَمْد الله عَن تكلّف الشّارِحين فَتَأمّله ووازن بَينه وبَين هَذا الجمع وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
(فصل)
وَقد قالَ بقراط في كتاب الغذاء تَصْوِير الجَنِين يكون في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا وحركته في سبعين صباحا وكماله في مائَة وعشرَة أيّام ويتَصَوَّر أجنة أخر في خمسين صباحا ويتحركون التحرك الأول في مائَة صباح ويكملون في ثَلاثمِائَة ويتَصَوَّر أجنة أخر في أرْبَعِينَ صباحا ويتحركون في ثَمانِينَ صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وأرْبَعين صباحا ويتَصَوَّر أجنة أخر في خَمْسَة وأرْبَعين صباحا ويتحركون في تسعين صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وسبعين صباحا قالَ فَأما الولادَة فَتكون في الشَّهْر السّابِع والثّامِن والتّاسِع والعاشر.
قلت الحَرَكَة حركتان حَرَكَة طبيعية غير إرادية فَهَذِهِ تكون قبل تعلق الرّوح بِهِ وأما الحَرَكَة الإرادية فَلا تكون إلّا بعد نفخ الرّوح ولِهَذا فرق بقراط بَين التحرك الأول والثّانِي.
قلت الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الوَحْي الصّادِق عَن خلاق البشر أن الخلق ينْتَقل في كل أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى طور آخر فَيكون أولا نُطْفَة أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ علقَة كَذَلِك ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح بعد مائَة وعشْرين يَوْمًا.
فَهَذا كَأنَّك تشاهده عيانًا وما خالفه فَلَيْسَ مَعَ المخبر بِهِ عيان، وغايَة ما مَعَه قِياس فاسد وتشريح لا يُحِيط علما بمبدإ ما شاهده مِنهُ أو تَقْلِيد لواحِد غير مَعْصُوم وكل ما جاءَ بِهِ مَشى خَلفه فِيهِ فيعتقد فِيهِ المعتقد أن هَذا أمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الطبائعيين وأصله كُله واحِد أخطَأ فِيهِ ثمَّ قَلّدهُ من بعده والقَوْم لم يشاهدوا ما أخبروا بِهِ من ذَلِك.
وَغايَة ما مَعَهم أنهم شرحوا الحاكين أحياء وأمواتا فوجدوا الجَنِين في الرَّحِم على الصّفة الَّتِي أخبروا بها ولَكِن لاعلم لَهُم بِما وراء ذَلِك من مبدإ الحمل وتغَير أحْوال النُّطْفَة فَإن ضيق مقلدهم الفَرْض
وَقالَ نفرض أنهم اعتبروا بكرا من حَيْثُ وطِئت ثمَّ جعلُوا يعدون أيّامها إلى أن بلغت ما ذَكرُوهُ ثمَّ شرحوها فوجدوا الأمر على الصّفة الَّتِي أخبروا بها فَهَذا غايَة الكَذِب والبهت فَإن القَوْم لم يدعوا ذَلِك وكَيف يُمكنهُم دَعواهُم وهم يخبرون أن بعد ذَلِك بِكَذا وكَذا يَوْمًا يصير شَأْن الحمل كَذا وكَذا وإنَّما مَعَ القَوْم كليات وأقيسة ويَنْبَغِي أن يكون كَذا وكَذا والنظام الطبيعي يَقْتَضِي كَذا وكَذا.
وَكثير مِنهُم يَأْخُذ ذَلِك من حركات القَمَر وزيادته ونقصانه ومن حركات الشَّمْس ومن التَّثْلِيث والتربيع والتسديس والمقابلة ورد عَلَيْهِم آخَرُونَ مِنهُم وأبطلوا ذَلِك عَلَيْهِم من وُجُوه وأحال بِهِ على الأخلق والأولى والأنسب وأحال بِهِ آخَرُونَ على أيّام البحارين وتغَير الطبيعة فِيها ورد بعض هَؤُلاءِ على بعض وأبطل قَوْله بِما تَرَكْناهُ مَخافَة التَّطْوِيل
وَأصَح ما بِأيْدِيهِم التشريح والاستقراء التّام الَّذِي لا يخرم ونحن لا ننكر ذَلِك ولَكِن لَيْسَ فِيهِ ما يُخالف الوَحْي عَن خلاف الأجنة أبدا ومِمّا يدل على أن القَوْم لم يخبروا في ذَلِك عَن مُشاهدَة قَوْلهم إن الجَنِين الَّذِي يُولد في الشَّهْر السّابِع يصير ديديا في تِسْعَة أيّام ودمويا في ثَمانِيَة أيّام أخر ولحميا في تِسْعَة أيّام أخر ويقبل الصُّورَة في اثني عشر يَوْمًا أخر فَإذا اجْتمعت هَذِه الأيّام صارَت خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فجعلوه مُضْغَة في الأرْبَعين الأولى.
وَهَذا كذب ظاهر قطعا، وإنَّما يصير لحميا بعد الثَّمانِينَ ومثل هَذا لا يدْرك إلّا بِوَحْي أو مُشاهدَة وكِلاهُما مَفْقُود عِنْدهم، وإنَّما بِأيْدِيهِم قِياس اعتبروا بِهِ أحْوال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جَنِين ولد في شهر من شهور الولادَة على أنه يَنْبَغِي أن يكون ديديا أي نُطْفَة كَذا وكَذا ودمويا أي علقَة كَذا وكَذا يَوْمًا ولحميا أي مُضْغَة كَذا وكَذا يَوْمًا ثمَّ أضعفوا ذَلِك العدَد وجعلوه وقت تحرّك الجَنِين.
وكذبوا في ذَلِك على الخلاق العَلِيم في خلقه كَما كذبُوا عَلَيْهِ في صِفاته وأسمائه فَإن القَوْم لم يكن لَهُم نصيب من العلم الَّذِي جاءَت بِهِ الرُّسُل بل كانُوا كَما قالَ الله تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَتْهُم رسلهم بِالبَيِّناتِ فرحوا بِما عِنْدهم من العلم﴾ وما غايَة مل يَنالهُ المُنكر المعرض عَمّا جاءَت بِهِ الرُّسُل وغايَة ما نالوا بِهِ علما بِأُمُور طبيعية فِيها الحق والباطِل وأُمُور رياضية كَثِيرَة التَّعَب قَليلَة الجدوى وأُمُور الهَيْئَة باطلها أضْعاف أضْعاف حَقّها فَأيْنَ العلم المتلقى من الوَحْي النّازِل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن الرَّأْي الزائل وأيْنَ العلم المَأْخُوذ عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل عَن الله عز وجل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن رَأْي رجل لم يستنر قلبه بِنور الوَحْي طرفَة عين وإنَّما مَعَه حدسه وتخمينه ونسبه ما يُدْرِكهُ العُقَلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءَت بِهِ الرُّسُل كنسبة سراج ضَعِيف إلى ضوء الشَّمْس ولا تجدو ولَو عمرت عمر نوح مَسْألَة واحِدَة أصلا اتّفق فِيها العُقَلاء كلهم على خلاف ما جاءَت بِهِ الرُّسُل في أمر من الأُمُور البَتَّةَ فالأنبياء لم تأت بِما يُخالف صَرِيح العقل البَتَّةَ وإنَّما جاءَت بِما لا يُدْرِكهُ العقل فَما جاءَت بِهِ الرُّسُل مَعَ العقل ثَلاثَة أقسام لا رابِع لَها البَتَّةَ قسم شهد بِهِ العقل والفطرة وقسم يشْهد بجملته ولا يهتدى لتفصيله وقسم لَيْسَ في العقل قُوَّة إدْراكه وأما القسم الرّابِع وهو ما يحيله العقل الصَّرِيح ويشْهد بِبُطْلانِهِ فالرسل بريئون مِنهُ وإن ظن كثير من الجُهّال المدعين للْعلم والمعرفة أن بعض ما جاءَت بِهِ الرُّسُل يكون من هَذا القسم فَهَذا إمّا لجهله بِما جاءَت بِهِ وإمّا لجهله بِحكم العقل أو لَهما.
(فصل)
فِي ذكر أحْوال الجَنِين بعد تحريكه وانقلابه عند تَمام نصف السّنة يعرض للجنين في هَذا الوَقْت أن يهتك غشاؤه والحجب الَّتِي عَلَيْهِ وأن ينْتَقل عَن مَكانَهُ نَحْو فَم الرَّحِم فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا وكانَت أغشيته الَّتِي تغشيه وسرته أضْعَف تمّ الولاد وإن كانَ الجَنِين ضَعِيفا وأغشيته وسرته أقوى فإمّا أن يهتكها بعض الهتك ولا يُولد فَيبقى مَرِيضا أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى تَمام آخر الشَّهْر الثّامِن
فَإن ولد في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا ماتَ ولم يُمكن تَرْبِيَته ولا بَقاؤُهُ وإن هو هتك أغشيته كل الهتك حَتّى يُمكن تلافي ذَلِك ولم يُولد ماتَ فَإن لم يسْقط والا قتل الحامِل بِهِ وإن تهتك أغشيته هتكا يُمكن تلافيه بَقِي ولم يمت ومكث في مَوْضِعه الَّذِي تحرّك نَحوه وانقلب إلَيْهِ عند فَم الفرج وإنَّما يعرض لَهُم المَرَض في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إذا لم يولدوا بعد تحركهم لأنهم يَنْقَلِبُون عَن مكانهم الَّذِي نشؤوا فِيهِ وتتغير مواضعهم وانخلاع السُّرَّة بانتقاله ولِأن أمهاتهم يعرض لَهُنَّ أن يمرضن عند ذَلِك لتمدد الأغشية وانخلاع السُّرَّة المُتَّصِلَة بالرحم مِنهُنَّ ولِأن الجَنِين إذا انحل رباطه ثقل على أمه.
(فصل)
وَإذا تكون الجَنِين وصوره الخالِق البارئ المصور خلق ورَأسه إلى فَوق ورجلاهُ إلى أسْفَل فعندما يَأْذَن الله بِخُرُوجِهِ يَنْقَلِب ويصير رَأسه إلى أسْفَل فيتقدم رَأسه سائِر بدنه هَذا بِاتِّفاق من الأطِبّاء والمشرحين وهَذا من تَمام العِنايَة الإلهية بالجنين وأمه لِأن رَأسه إذا خرج أولا كانَ خُرُوج سائِر بدنه أسهل من غير أن يحْتاج شَيْء مِنها إلى أن ينثني فَإن الجَنِين لَو خرجت رِجْلاهُ أولا لم يُؤمن أن ينشب في الرَّحِم عند يَدَيْهِ وإن خرجت رجله الواحِدَة لم يُؤمن أن يعلق وينشب في الرَّحِم عند إدْراكه وإن خرجت اليدان لم يُؤمن أن ينشب عند رَأسه إمّا أنه يلتوي إلى خلف، وإمّا لِأن السُّرَّة تلتوي إلى عُنُقه أو كتفه لِأن الجَنِين إذا انحدر فَصارَ إلى مَوضِع فِيهِ السُّرَّة ممتدة التوت هُناكَ على عُنُقه وكتفه فَيعرض من ذَلِك إمّا أن يجاذب السُّرَّة فتألم الأُم غايَة الألَم ثمَّ إن الجَنِين إمّا أن يَمُوت وإمّا أن يصعب خُرُوجه ويخرج وهو عليل متورم فاقتضت حِكْمَة أحكم الحاكِمين أن يَنْقَلِب في البَطن فَيخرج رَأسه أولا ثمَّ يتبع الرَّأْس باقِي البدن.
(فصل)
فِي السَّبَب الَّذِي لأجله لا يعِيش الوَلَد إذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إذا ولد لسبعة أشهر وتِسْعَة وعشرَة
إذا أتم الجَنِين سَبْعَة أشهر عرض لَهُ حَرَكَة قَوِيَّة يتحركها بالطبع للانقلاب والخُرُوج فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا من الأطْفال الَّذين لَهُم بالطبع قُوَّة شَدِيدَة في تركيبهم وجبلتهم حَتّى يقدر بحركته على أن يهتك ما يُحِيط بِهِ من الأغشية المحيطة بِهِ المُتَّصِلَة بالرحم حَتّى ينفذ ويخرج مِنها خرج في الشَّهْر السّابِع وهو قوي صَحِيح سليم لم تؤلمه الحَرَكَة ولم يمرضه الانقلاب وإن كانَ ضعيقا عَن ذَلِك فَهو إمّا أن يعطب بسب ما يَنالهُ من الضَّرَر والألم بالحركة للانقلاب فَيخرج مَيتا وإمّا أن يبْقى في البَطن فيمرض ويلبث في مَرضه نَحوا من أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى يبرأ وينتعش ويقوى فَإذا ولد في حُدُود الشَّهْر الثّامِن ولد وهو مَرِيض لم يتَخَلَّص من ألمه فيعطب ولا يسلم ولا يتربى، وإن لبث في الرَّحِم حَتّى يجوز هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إلى الشَّهْر التّاسِع وقَوي وصَحَّ وانتعش وبعد عَهده بِالمرضِ كانَ حريا أن يسلم وأولاهم بِأن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا في الرَّحِم وهم المولودون في الشَّهْر العاشِر وأما من ولد بَين العاشِر والتّاسِع فحالهم في ذَلِك بِحَسب القرب والبعد.
وَقالَ غَيره العلَّة في أنه لا يُمكن أن يعِيش المَوْلُود لثمانية أشهر أنه يتوالى عَلَيْهِ ضَرْبان من الضَّرَر أحدهما انقلابه في الشَّهْر السّابِع في جَوف الرَّحِم للولادة والثّانِي تغير الحال عَلَيْهِ بَين مَكانَهُ في الرَّحِم وبَين مَكانَهُ في الهَواء وإن كانَ قد يعرض ذَلِك التَّغْيِير لجَمِيع الأجنة لَكِن المَوْلُود لسبعة أشهر ينجو من الرَّحِم قبل أن يَنالهُ الضَّرَر الَّذِي من داخل بعقب الانقلاب والأمراض الَّتِي تعرض في جَوف الرَّحِم فالمولود لسبعة أشهر وعشرَة أشهر يلبث في الرَّحِم حَتّى يبرأ وينجو من تِلْكَ الأمْراض فَلَيْسَ يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا وكَذَلِكَ لا يُمكن أن يعِيش وجَمِيع الأجنة في الشَّهْر الثّامِن يعرض لَهُم المَرَض.
ويدلك على ذَلِك أنَّك تَجِد جَمِيع الحَوامِل والحبالى في الشَّهْر الثّامِن أسْوَأ حالا وأثقل مِنهُنَّ في مُدَّة الشُّهُور الَّتِي قبل هَذا الشَّهْر وبعده وأحوال الأُمَّهات مُتَّصِلَة بأحوال الأجنة.
(فصل)
وبكاء الطِّفْل ساعَة وِلادَته يدل على صِحَّته وقوته وشدته وإذا وضع الطِّفْل يَده أو إبهامه أو إصبعه على عُضْو من أعْضائِهِ فَهو دَلِيل على ألم ذَلِك العُضْو وكل الحَيَوان بالطبع يُشِير إلى ما يؤلمه من بدنه إمّا بِيَدِهِ أو بفمه أو بِرَأْسِهِ أو بِذَنبِهِ فَلَمّا كانَ الطِّفْل عادما للنطق أشارَ بِأُصْبُعِهِ أو يَده إلى مَوضِع ألمه كالحيوان البهيم.
(فصل)
فِي أن الأطْفال وهم حمل في الرَّحِم أقوى مِنهُم بعد ولادهم وأصبر وأشد احْتِمالا لما يعرض لَهُم وكَذَلِكَ تكون العِنايَة بهم بعد ولادهم آكِد والحذر عَلَيْهِم أشد فَإن أغْصان الشَّجَرَة وفروعها ما دامَت لاصقة بِالشَّجَرَةِ ومتصلة بها لا تكاد الرِّياح العواصف تزعزعها ولا تقتلعها فَإذا فصلت عَنْها وغرست في مَواضِع أخر نالتها الآفة ووصلت إلَيْها بِأدْنى ريح تهب حَتّى تقتلعها
وَكَذَلِكَ الجَنِين ما دامَ في الرَّحِم فَهو يقوى ويصبر على ما يعرض لَهُ ويناله من سوء التَّدْبِير والأذى على ما لا يصبر على اليَسِير مِنهُ بعد وِلادَته وانفصاله عَن الرَّحِم وكَذَلِكَ الثَّمَرَة على الشَّجَرَة أقوى مِنها وأثبت بعد قطعها مِنها
وَلما كانَ مُفارقَة كل مُعْتاد ومألوف بالانتقال عَنهُ شَدِيدا على من رامه ولا سِيما إذا كانَ الِانْتِقال دفْعَة واحِدَة فالجنين عند مُفارقَته للرحم ينْتَقل عَمّا قد ألفه واعتاده في جَمِيع أحْواله دفْعَة واحِدَة وشدَّة ذَلِك الِانْتِقال عَلَيْهِ أكثر من شدَّة الِانْتِقال بالتدريج
وَلذَلِك قالَ بقراط قد يعلم بِأهْوَن سعي وأيسره أن التَّدْبِير الرَّدِيء من المطعم والمشْرَب إذا كانَ يجْرِي مَعَ رداءته على أمر واحِد يشبه بعضه بَعْضًا دائِما فَهو أوثق وأحرز وأبْعد عَن الخطر في التماس الصِّحَّة للأبدان من أن ينْقل الرجل تَدْبيره دفْعَة واحِدَة إلى غذاء أفضل مِنهُ فالجنين ينْتَقل عَمّا ألفه واعتاده في غذائه وتنفسه ومداخله وما يكتنفه وهلة واحِدَة
وَهَذِه أول شدَّة يلقاها في الدُّنْيا ثمَّ تتوافر عَلَيْها الشدائد حَتّى يكون آخرها الشدَّة العُظْمى الَّتِي لا شدَّة فَوْقها أو الرّاحَة العُظْمى الَّتِي لا تَعب دونها ولذَلِك لا يبكي عند وُرُود هَذِه الشدَّة عَلَيْهِ مَعَ ما يلقاه من وكز الشَّيْطان وطعنه في خاصرته.
(فصل)
والجنين في الرَّحِم كانَ يغتذي بِما يلائمه وكانَ يجتذب بالطبع المِقْدار الَّذِي يلائمه من دم أمه وبعد خُرُوجه يجتذب من اللَّبن ما يلائمه أيْضا لكنه يجتذب بشهوته وإرادته فيزيد على مِقْدار ما يحْتاج إلَيْهِ مَعَ كَون اللَّبن
يكون رديئا ومعلولا كَما يكون صَحِيحا وكَذَلِكَ يعرض لَهُ القَيْء والغثيان ويجتذب أخلاط بدنه وتعرض لَهُ الآلام والأوجاع والآفات الَّتِي لم تعرض لَهُ في البَطن وقد كانَ عَلَيْهِ من الأغشية والحجب ما يمْنَع وُصُول الأذى اليه فَلَمّا ولد هيئ لَهُ أغشية وحجب أخر لم يكن يألفها ويعتادها ورُبما صحى للْحرّ والبرد والهواء وكانَ يجتذبه من سرته وهو ألطف شَيْء معتدل صَحِيح قد يَصح قلب الأُم وعروقها الضوارب فَهو شَبيه بِما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهَواء اللَّطِيف المعتدل ثمَّ يخرج مِنهُ وهلة واحِدَة عُريانا إلى الهَواء العاصف المؤذي.
وَبِالجُمْلَةِ فقد انْتقل عَن مألوفه وما اعتاده وهلة واحِدَة إلى ما هو أشد عَلَيْهِ مِنهُ وأصعب وهَذا من تَمام حِكْمَة الخلاق العَلِيم ليمرن عَبده على مُفارقَة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل مِنها وأنفع وأوفق لَهُ وقد أشارَ تَعالى إلى هَذا بقوله ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ [الانشقاق ١٩ أي حالا بعد حال فَأول أطباقه كَونه نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ثمَّ مولودا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطميا ثمَّ صَحِيحا أو مَرِيضا غَنِيا أو فَقِيرا معافى أو مبتلى إلى جَمِيع أحْوال الإنْسان المُخْتَلفَة عَلَيْهِ إلى أن يَمُوت ثمَّ يبْعَث ثمَّ يُوقف بَين يَدي الله تَعالى ثمَّ يصير إلى الجنَّة أو النّار فالمَعْنى لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر.
قالَ سعيد بن جُبَير وابْن زيد "لتكونن في الآخِرَة بعد الأولى ولتصيرن أغْنِياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى"
وَقالَ عَطاء: شدَّة بعد شدَّة والطبق والطبقة الحال، ولِهَذا يُقال كانَ فلان على طَبَقات شَتّى
قالَ عَمْرو بن العاصِ لقد كنت على طَبَقات ثَلاث أي أحْوال ثَلاث
قالَ ابْن الأعرابِي الطَّبَق الحال على اختلافها وقد ذكرنا بعض أطباق الجَنِين في البَطن من حِين كَونه نُطْفَة إلى وقت ولاده ثمَّ نذْكر أطباقه بعد وِلادَته إلى آخرها فَنَقُول
الجَنِين في الرَّحِم بِمَنزِلَة الثَّمَرَة على الشَّجَرَة في اتصالها بمحلها اتِّصالًا قَوِيا فَإذا بلغت الغايَة لم يبْق إلّا انفصالها لثقلها وكمالها وانْقِطاع العُرُوق الممسكة لَها فَكَذا الجَنِين تنهك عَنهُ تِلْكَ الأغشية وتنفصل العُرُوق الَّتِي تمسكه بَين المشيمة والرحم وتصير تِلْكَ الرطوبات المزلفة فتعينه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العُرُوق على الخُرُوج فينفتح الرَّحِم انفتاحا عَظِيما جدا ولا بُد من انْفِصال بعض المفاصل العَظِيمَة ثمَّ تلتئم في أسْرع زمان وقد اعْترف بذلك حذاق الأطباق والمشرحين وقالُوا لا يتم ذَلِك إلّا بعناية إلهية وتدبير يعجز عقول النّاس عَن إدْراك كيفيته ﴿فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ﴾
فَإذا انْفَصل الجَنِين بَكى ساعَة انْفِصاله لسَبَب طبيعي وهو مُفارقَة إلفه ومكانه الَّذِي كانَ فِيهِ وسبب مُنْفَصِل عَنهُ وهو طعن الشَّيْطان في خاصرته فَإذا انْفَصل وتمّ انْفِصاله مد يَده إلى فِيهِ فَإذا تمّ لَهُ أرْبَعُونَ يَوْمًا تَجِد لَهُ أمر آخر على نَحْو ما كانَ يَتَجَدَّد لَهُ وهو في الرَّحِم فيضحك عند الأرْبَعين وذَلِكَ أول ما يعقل نَفسه فَإذا تمّ لَهُ شَهْران رأى المنامات ثمَّ ينشأ مَعَه التَّمْيِيز والعقل على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا إلى سنّ التَّمْيِيز ولَيْسَ لَهُ سنّ معِين بل من النّاس ما يُمَيّز لخمس كَما قالَ مَحْمُود بن الرّبيع عقلت من النَّبِي ﷺ مجة مجها في وجْهي من دلو في بئرهم وأنا ابْن خمس سِنِين.
وَلذَلِك جعلت الخمس سِنِين حدا لحدة سَماع الصَّبِي.
وَبَعْضهمْ يُمَيّز لأقل مِنها ويذكر أمورا جرت لَهُ وهو دون الخمس سِنِين.
وَقد ذكرنا عَن إياس بن مُعاوِيَة أنه قالَ اذكر يَوْم ولدتني أُمِّي فَإنِّي خرجت من ظلمَة إلى ضوء ثمَّ صرت إلى ظلمَة فَسُئِلت أمه عَن ذَلِك فَقالَت صدق لما انْفَصل مني لم يكن عِنْدِي ما ألفه بِهِ فَوضعت عَلَيْهِ قَصْعَة.
وَهَذا من أعجب الأشياء وأندرها فَإذا صار لَهُ سبع سِنِين دخل في سنّ التَّمْيِيز وأمر بِالصَّلاةِ
كَما في المسند والسّنَن من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أبِيه عَن جده قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ
"مروا أبناءكم بِالصَّلاةِ لسبع سِنِين وأضربوهم عَلَيْها لعشر سِنِين وفرقُوا بَينهم في المضاجِع"
المؤمنون 23:15
(فائدة)
وقد يستطرد سبحانه من ذكر الشخص إلى ذكر النوع كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾
فالمخلوق من سلالة من طين آدم والمجعول نطفة في قرار مكين ذريته.
(فصل: في أطوار ابْن آدم من وقت كَونه نُطْفَة إلى استقراره في الجنَّة أو النّار)
قالَ الله تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
فاستوعب سُبْحانَهُ ذكر أحْوال ابْن آدم قبل كَونه نُطْفَة بل تُرابا وماء إلى حِين بَعثه يَوْم القِيامَة فَأول مَراتِب خلقه أنه سلالة من طين ثمَّ بعد ذَلِك سلالة من ماء مهين وهِي النُّطْفَة الَّتِي استلت من جَمِيع البدن فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يقلب الله سُبْحانَهُ تِلْكَ النُّطْفَة علقَة وهِي قِطْعَة سَوْداء من دم فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا أُخْرى ثمَّ يصيرها سُبْحانَهُ مُضْغَة وهِي قِطْعَة لحم أرْبَعِينَ يَوْمًا وفي هَذا الطّور تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته.
واخْتلف في أول ما يتشكل ويخلق من أعْضائِهِ.
قالَ قائِلُونَ هو القلب
وَقالَ آخَرُونَ إنَّه الدِّماغ
وَقالَ آخَرُونَ هو الكبد
وَقالَ آخَرُونَ فقار الظّهْر فاحتج أرْباب القَوْل الأول بِأن القلب هو العُضْو والأساس الَّذِي هو مَعْدن الحَرارَة الغريزية الَّذِي هو مركب الحَياة فَوَجَبَ أن يكون هو المُقدم في الخلق قالُوا وقد أخبر المشرحون أنهم وجدوا في النُّطْفَة عند كَمال انْعِقادها نقطة سَوْداء.
واحْتج من قالَ إنَّه الدِّماغ بِأن الدِّماغ من الحَيَوان هو العُضْو الرئيسي من الإنْسان وهو مجمع الحَواس وأن الأمر المُخْتَص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وأصل ذَلِك من الدِّماغ ومِنه ينبعث وإذا كانَ الخاص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وكانا عَن هَذا العُضْو كانَ هو المُقدم في الإيجاد والتكوين.
واحْتج من قالَ إنَّه الكبد بِأنَّهُ العُضْو الَّذِي مِنهُ النمو والاغتذاء الَّذِي بِهِ قوام الحَيَوان قالُوا فالنظام الطبيعي يَقْتَضِي أن يكون أول متكون الكبد ثمَّ القلب ثمَّ الدِّماغ لِأن أول فصل الحَيَوان هو النمو ولَيْسَ بِهِ في هَذا الوَقْت حاجَة إلى حس ولا إلى حَرَكَة إرادية لِأنَّهُ يعد بِمَنزِلَة النَّبات فَلا حاجَة بِهِ حِينَئِذٍ إلى غير النمو.
وَلِهَذا إنَّما تصير لَهُ قُوَّة الحس والإرادة عند تعلق النَّفس بِهِ وذَلِكَ في الطّور الرّابِع من أطوار تخليقه فَكانَ أول الأعْضاء خلقا فِيهِ هو آلَة النمو وذَلِكَ الكبد والَّذِي شاهده أرْباب التشريح حَتّى إنَّهُم متفوقون عَلَيْهِ أنه أول ما يتَبَيَّن في خلق جثة الحَيَوان ثَلاث نقط مُتَقارِبَة بَعْضها من بعض يتَوَهَّم أنَّها رسم الكبد والقلب والدماغ ثمَّ يزْداد بَعْضها من بعض بعدا على امتداد أيّام الحمل، فَهَذا القدر هو الَّذِي عند المشرحين.
فَأما أن هَذِه النقط أقدم وأسبق فَلَيْسَ عِنْدهم عَلَيْهِ دَلِيل إلّا الأخلق والأولى والقِياس والله أعلم.
(فصل)
ثمَّ تقدر مفاصل أعْضائِهِ وعظامه وعروقه وعصبه ويشق لَهُ السّمع والبَصَر والفم ويفتق حلقه بعد أن كانَ رتقا فيركب فِيهِ اللِّسان ويخطط شكله وصورته وتكسى عِظامه لَحْمًا ويربط بَعْضها إلى بعض أحكم ربط وأقواه وهو الأسر الَّذِي قالَ فِيهِ ﴿نَحن خلقناهم وشددنا أسرهم﴾
وَمِنه الإسار الَّذِي يرْبط بِهِ ومِنه الأسير
قالَ الإمام أحْمد حَدثنا روح بن عبادَة حَدثنا أبُو هِلال حَدثنا ثابت عَن صَفْوان بن مُحرز قالَ كانَ نَبِي الله داوُد عَلَيْهِ السَّلام إذا ذكر عَذاب الله تخلعت أوصاله ما يمْسِكها إلّا الأسر فَإذا ذكر رَحْمَة الله رجعت
(فصل)
قالَ بقراط في المقالة الثّالِثَة من كتاب الأجنة أنا أحَدثك رَأيْت المَنِيّ ينشأ كانَت لامْرَأة من الأهْل جارِيَة نفيسة ولم تكن تحب أن تحبل لِئَلّا ينقص ثمنها فَسمِعت الجارِيَة النِّساء يقلن إن المَرْأة إذا أرادَت أن تحمل لم يخرج مِنها مني الرجل بل يبْقى محتبسا ففهمت ذَلِك وجعلت ترصده من نَفسها فأحست في بعض الأوْقات أنه لم يخرج مِنها فبلغني الخَبَر فأمرتها أن تطفر إلى خلفها فطفرت سبع طفرات فَسقط مِنها المَنِيّ بوجبة شَبِيها بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عَنْها القشر الخارِج وبقيت رطوبتها في جَوف الغشاء قالَ وأنا أقُول أيْضا إنَّه يجْرِي من الأُم فضول الرَّحِم ليتغذى بها الجَنِين وقالَ إن الَّذِي تظهر هي الأعصاب الدقاق البيض وهِي الَّتِي رَأيْت في وسط السُّرَّة ولَيْسَت في مَوضِع آخر غير السُّرَّة لِأن الرّوح إنَّما يشق طَرِيقا للنَّفس هُناكَ ثمَّ قالَ وأقُول شَيْئا آخر ظاهرا يعرفهُ كل من يرغب في العلم وأوضحه بقياسات وأقُول إن المَنِيّ هو في الحجاب وإنّهُ يغتذي من الدَّم الَّذِي يجْتَمع من المَرْأة وينزل إلى الرَّحِم وقالَ إن المَنِيّ يجتذب الهَواء فيتنفس فِيهِ في هَذِه الحجب في الأسْباب الَّتِي ذكرنا ويربو من الدَّم الَّذِي ينحدر من المَرْأة وقالَ إن الطمث لا ينحدر ما دامَت المَرْأة حامِلا إن كانَ طفلها صَحِيحا وذَلِكَ مُنْذُ أول شهر من حبلها إلى الشَّهْر التّاسِع ولَكِن جَمِيع ما ينزل من الدَّم من البدن كُله يجْتَمع حول الجَنِين على الحجاب الأعْلى مَعَ اجتذاب النَّفس والسرة طَرِيق وُصُوله إلى الجَنِين فَيدْخل الغذاء إلَيْهِ فيغذيه ويزِيد في تَرْبِيَته.
وَقالَ إذا أقامَ المَنِيّ حينا خلقت لَهُ حجب أخر فتمتد داخِلا من الحجاب الأول وتَكون مُخْتَلفَة الأنْواع كَثِيرَة.
وَأما كَونها فَمثل الحجاب الأول وقالَ إن الحجب مِنها ما يخلق أولا ومِنها ما يخلق من بعد الشَّهْر الثّانِي ومِنها ما يخلق في الشَّهْر الثّالِث وكلها لا تظهر مَنافِعها أول ما يخلق ولَكِن بَعْضها يَمْتَد على المَنِيّ فتظهر مَنافِعها أولا وبَعضها لا يظْهر إلّا أخيرا فَلذَلِك يخلق بَعْضها في الشَّهْر الأول وبَعضها في الشَّهْر الثّانِي وبَعضها في الثّالِث وهِي السُّرَّة كَأنَّها مربوط بَعْضها بِبَعْض في وسط الحجب تكون السُّرَّة الَّتِي يتنفس مِنها ويتربى
وَإذا نزل الدَّم واغتذى الجَنِين مِنهُ حالَتْ الحجب بَينه وبَين الجَنِين ولِهَذا يَقُول تَعالى ﴿يخلقكم في بطُون أُمَّهاتكُم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثَلاث﴾
فَإن كل حجاب من هَذِه الحجب لَهُ ظلمَة تخصه فَذكر سُبْحانَهُ أطوار خلقه ونَقله فِيها من حال إلى حال وذكر ظلمات الحجب الَّتِي على الجَنِين فَقالَ أكثر المُفَسّرين هي ظلمَة البَطن وظلمة الرَّحِم وظلمة المشيمة فَإن كل واحِد من هَذِه حجاب على الجَنِين وقالَ آخَرُونَ هي ظلمَة أصلاب الآباء وظلمة بطُون الأُمَّهات وظلمة المشيمة وأضعف من هَذا القَوْل قَول من قالَ ظلمَة اللَّيْل وظلمة البَطن وظلمة الرَّحِم فَإن اللَّيْل والنَّهار بِالنِّسْبَةِ إلى الجَنِين سَواء وقالَ بقراط إن المَرْأة إذا حبلت لم تألم من اجْتِماع الدَّم الَّذِي ينزل ويجتمع حول رَحمها ولا تحس بِضعْف كَما تحس إذا انحدر الطمث لِأنَّها لا يثور دَمها في كل شهر لكنه ينزل إلى الرَّحِم في كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا نزولا ساكِنا من غير وجع فَإذا أتى إلى الرَّحِم اغتذى مِنهُ الجَنِين ونما ثمَّ قالَ وعَلى غير بعيد من ذَلِك إذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الحجب وإذا كبر كَبرت الحجب أيْضا وصارَ لَها تجويف خارج من الجَنِين فَإذا نزل الدَّم من الأُم جذبه الجَنِين واغتذى بِهِ فيزيد في لَحْمه والرديء من الدَّم الَّذِي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب وكَذَلِكَ تسمى الحجب الَّتِي إذا صار لَها تجويف يقبل الدَّم المشيمة.
وَقالَ إذا تمّ الجَنِين وكملت صورته واجتذب الدَّم لغذائه بالمقدار اتسعت الحجب وظَهَرت المشيمة الَّتِي تكون من الآلات الَّتِي ذكرنا فَإن اتَّسع داخلها اتَّسع خارِجها لِأنَّهُ أولى بذلك لِأن لَهُ موضعا يَمْتَد إلَيْهِ قلت ومن ها هُنا لم تَحض الحامِل بل ما تراهُ من الدَّم يكون دم فَساد لَيْسَ دم الحيض المُعْتاد هَذِه إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَن عائِشَة رَضِي الله عَنْها وهو المَشْهُور من مَذْهَب أحْمد الَّذِي لا يعرف أصْحابه سواهُ وهو مَذْهَب أبي حنيفَة وذهب الشّافِعِي في رِوايَة عَن عائِشَة والإمام أحْمد في رِوايَة عَنهُ اخْتارَها شَيخنا إلى أن ما تراهُ من الدَّم في وقت عادَتها يكون حيضا.
وَحجَّة هَذا القَوْل ظاهِرَة وهِي عُمُوم الأدِلَّة الدّالَّة على ترك المَرْأة الصَّوْم والصَّلاة إذا رَأتْ الدَّم المُعْتاد في وقت الحيض ولم يسْتَثْن الله ورَسُوله حالَة دون حالَة وأما كَون الدَّم ينْصَرف إلى غذاء الوَلَد فَمن المَعْلُوم أن ذَلِك لا يمْنَع أن يبْقى مِنهُ بَقِيَّة يخرج في وقت الحيض تفضل عَن غذاء الوَلَد فَلا تنافِي بَين غذاء الوَلَد وبَين حيض الأُم.
وَأصْحاب القَوْل الآخر يحتجون بقوله ﷺ لا تُوطأ حامِل حَتّى تضع ولا حائِل حَتّى تستبرأ بِحَيْضَة فَجعل الحَيْضَة دَلِيلا على عدم الحمل فَلَو حاضَت الحامِل لم تكن الحَيْضَة علما على بَراءَة حملها والآخرُونَ يحبيبون عَن هَذا بِأن الحَيْضَة علم ظاهر فَإذا ظهر بها الحمل تَبينا أنه لم يكن دَلِيلا ولِهَذا يحكم بِانْقِضاء العدة بِالحيضِ ظاهرا ثمَّ تبين المَرْأة حامِلا والنَّبِيّ ﷺ قسم النِّساء إلى قسمَيْنِ امْرَأة مَعْلُومَة الحمل وامْرَأة مظنون أنَّها حامِل فَجعل اسْتِبْراء الأولى بِوَضْع الحمل والثّانيِة بالحيضة.
وَهَذا هو الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لم يدل على أن ما تراهُ الحامِل من الدَّم في وقت عادَتها تَصُوم مَعَه وتصلي.
(فصل)
قالَ بقراط إن العِظام تصلب من الحَرارَة لِأن الحَرارَة تصلب العِظام وتربط بَعْضها بِبَعْض مثل الشَّجَرَة الَّتِي ترتبط بَعْضها بِبَعْض وقالَ إن العصب جعل داخِلا وخارجا وجعل الرَّأْس بَين العاتقين والعضدان والساعدان في الجانِبَيْنِ وفرج ما بَين الرجلَيْن أيْضا وجعل في كل مفصل من المفاصل عصب بوثقه ويشده قلت وهو الأسر الَّذِي شدّ بِهِ الإنْسان قالَ وجعل الفَم ينفتح من تِلْقاء نَفسه وركب الأنف والأذنان من اللَّحْم وثقبت الأذنان ثمَّ العينان بعد ذَلِك وملئتا رُطُوبَة صافِيَة
وَكانَ النَّبِي ﷺ يَقُول في سُجُوده سجد وجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره والواو وإن لم تقتض ترتيبا فتقديم السّمع في اللَّفْظ يُناسب تقدمه في الوُجُود ثمَّ تتسع الأمعاء بعد ذَلِك ويصير لَها تجويف وترتبط المفاصل ويرتفع النَّفس إلى الفَم والأنف ويدخل الِاسْتِنْشاق في الفَم والأنف وينفتح البَطن والأمعاء ويخرج النَّفس إلى الفَم بدل السُّرَّة فَإذا تمّ ما ذكرنا حضر وقت خُرُوج الجَنِين ونزلت فضول من معدته وأمعائه إلى المثانة ويكون لَها طَرِيق من المعدة والأمعاء إلى المثانة
وَمِنها إلى مجْرى البَوْل وإنَّما تنفتح هَذِه كلها ويتسع تجويفها بالاستنشاق وبِه ينْفَصل بَعْضها عَن بعض على قدر أشكالها وقالَ إذا اتَّسع البَطن وتبين تجويف الأمعاء صار فِيها طَرِيق إلى المثانة والإحليل اضطرارا
قالَ والمني إذا تركب يجْتَمع كل شَيْء مِنهُ إلى صاحبه العِظام إلى العِظام والعصب إلى العصب وكَذَلِكَ جَمِيع الأعْضاء ثمَّ يركب الجَنِين ثمَّ قالَ إنّا قد رَأينا كثيرا من النِّساء قد فَسدتْ الأجنة فِيهِنَّ ثمَّ خرجت بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا ثمَّ قالَ ألا ترى أنه إذا سقط الجَنِين بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا رَأيْت مفاصله مركبة وقالَ يدْرك هَذا بِالنّظرِ إلى السقط لِأنَّهُ إذا سقط لَيْسَ يسْقط من حيلنا بل من قبل نَفسه ثمَّ قالَ إذا تركب الجَنِين وأتلفت مفاصله وكَبرت أعضاؤه وصلبت عِظامه وتحركت جذبت من البدن دَمًا دسما ويحتبس ذَلِك ويتحرك في رُؤُوس العِظام مثل تحرّك رُؤُوس الشّجر قالَ وكَذَلِكَ الجَنِين ويتقلب.
(فصل)
وَقالَ في المقالة الثّانِيَة من كِتابه هَذا ثمَّ يتركب الجَنِين ويتم الذّكر إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا والأنثى إلى اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا ورُبما زاد على هَذِه الأيّام قَلِيلا ورُبما نقص قَلِيلا وقالَ إن الجَنِين يتم ويتَصَوَّر إن كانَ ذكرا في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وإن كانَ أُنْثى فَفي اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وقالَ إنّا نرى ذَلِك من نقاء المَرْأة لِأنَّها إن ولدت أُنْثى فَإنَّها تنفى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وهو أكثر ما تحتبس المَرْأة إلى أن تنقى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا عند ولادَة الأُنْثى ورُبما كانَ في الفَرد وتنقى في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فَإذا ولدت ذكرا فَإنَّها تنقى في اثْنَيْنِ ووثلاثين يَوْمًا إذا احْتبست كثيرا ورُبما بقيت في الفَرد في خَمْسَة وعشْرين يَوْمًا
وَقالَ إن دم الطمث يخرج من حَيْثُ يخرج الجَنِين وكما أن الذّكر يتَصَوَّر في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا كَذَلِك يكون نقاء أمه من بعد ولاده في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وتنقى المَرْأة إذا ولدت أُنْثى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا بِعَدَد الأيّام الَّتِي تركيبها فِيها ثمَّ قالَ انما يجْرِي الدَّم من النُّفَساء بعد ولادها أيّامًا كَثِيرَة لِأنَّها إذا حملت لم يحْتَج الجَنِين أول ما يخلق إلى غذاء كثير حَتّى يتم فَإذا تمّ لَهُ اثْنان وأرْبَعُونَ يَوْمًا اغتذى كَما يَنْبَغِي وما اجْتمع في الأيّام الأرْبَعين من الدَّم الَّذِي ينزل إلى الجَنِين بَقِي إلى ولاد المَرْأة فَإذا ولدت نزل أرْبَعِينَ يَوْمًا.
قلت في هَذا الفَصْل حديثان صَحِيحانِ عَن رَسُول الله ﷺ نذكرهما ونَذْكُر تَصْدِيق أحدهما للْآخر، ثمَّ نتعقب كَلام بقراط ونبين ما فِيهِ بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود قالَ حَدثنا رَسُول الله ﷺ وهو الصّادِق المصدوق
"إن أحدكُم يجمع خلقه في بطن أمه أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون في ذَلِك علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون في ذَلِك مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الله الملك فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات بكتب رزقه وأجله وعَمله وشقي أو سعيد فو الَّذِي لا إلَه غَيره إن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الجنَّة حَتّى ما يكون بَينه وبَينها إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النّار فيدخلها، وإن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النّار حَتّى ما يكون بَينها وبَينه إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الجنَّة فيدخلها".
وَفِي طَرِيق أُخْرى "إن خلق ابْن آدم يجمع في بطن أمه أرْبَعِينَ"
وَفِي أُخْرى "أرْبَعِينَ لَيْلَة"
وَقالَ البُخارِيّ "أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعين لَيْلَة"
وَفِي بعض طرقه "ثمَّ يبْعَث الله ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" ... الحَدِيث
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قالَ
"يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ أو خمس وأرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أو سعيد فيكتبان فَيَقُول إي رب أذكر أم أُنْثى فيكتبان ويكْتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثمَّ تطوى الصُّحُف فَلا يزْداد فِيها ولا ينقص"
وَقالَ الإمام أحْمد حَدثنِي سُفْيان عَن عَمْرو عَن أبي الطُّفَيْل عَن حُذَيْفَة ابْن أسيد الغِفارِيّ قالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أم سعيد فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيَقُولانِ أذكر أم أُنْثى فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيكْتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثمَّ تطوى الصَّحِيفَة فَلا يزْداد على ما فِيها ولا ينقص.
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عامر بن واثِلَة أنه سمع عبد الله بن مَسْعُود يَقُول
"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ"
فَأتى رجلا من أصْحاب رَسُول الله يُقال لَهُ حُذَيْفَة بن أسيد الغِفارِيّ فحدثه بذلك
من قَول ابْن مَسْعُود فَقالَ: وكَيف يشقى رجل بِغَيْر عمل فَقالَ لَهُ الرجل أتعجب من ذَلِك فَإنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول:
"إذا مر بالنطفة ثِنْتانِ وأرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إلَيْها ملكا فصورها وخلق سَمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثمَّ قالَ يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب أجله فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ فَيكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب رزقه فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يخرج الملك بالصحيفة في يَده فَلا يزِيد على ما أمر ولا ينقص".
وَفِي لفظ آخر سَمِعت رَسُول الله ﷺ بأذني هاتين يَقُول:
"إن النُّطْفَة تقع في الرَّحِم أرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْها الملك"
قالَ زُهَيْر حسبته قالَ "الَّذِي يخلقها فَيَقُول يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَجْعَلهُ الله ذكرا أو أُنْثى فَيَقُول يا رب أسوي أم غير سوي فَيَجْعَلهُ الله سويا أو غير سوي ثمَّ يَقُول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثمَّ يَجعله الله شقيا أو سعيدا"
وَفِي لفظ آخر
"إن ملكا موكلا بالرحم إذا أرادَ الله عز وجل أن يخلق شَيْئا بِإذن الله لبضع وأرْبَعين لَيْلَة"
ثمَّ ذكر الحَدِيث ..
فاتفق حَدِيث ابْن مَسْعُود وحَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد على حُدُوث شَأْن وحال النُّطْفَة بعد الأرْبَعين وحَدِيث حُذَيْفَة مُفَسّر صَرِيح بِأن ذَلِك يكْتب بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح كَما تقدم في رِوايَة البُخارِيّ.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فأحد ألْفاظه مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة وإن كانَ ذَلِك التَّقْدِير والكِتابَة بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح فِيهِ كَما تقدم من رِوايَة البُخارِيّ ولَفظه
"ثمَّ يبْعَث الله إلَيْهِ ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح"
فَهَذا صَرِيح أن الكِتابَة وسؤال الملك قبل نفخ الرّوح فِيهِ وهو مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة في ذَلِك
وَأما لَفظه الآخر
"فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فَلَيْسَ بِصَرِيح إذْ الكَلِمات المَأْمُور بها بعد نفخ الرّوح فَإن هَذِه الجُمْلَة معطوفة بِالواو.
وَيجوز أن تكون معطوفة على الجُمْلَة الَّتِي تَلِيها.
وَيجوز أن تكون معطوفة على جملَة الكَلام المُتَقَدّم أي يجمع خلقه في هَذِه الأطوار ويُؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعَمله ووسط بَين الجمل قَوْله "ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" بَيانا لتأخر نفخ الرّوح عَن طور النُّطْفَة والعلقة والمضغة.
وَتَأمل كَيفَ أتى بـ (ثمَّ) في فصل نفخ الرّوح وبالواو في قَوْله "وَيُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فاتفقت سائِر الأحادِيث بِحَمْد الله
وَبَقِي أن يُقال فَحَدِيث حُذَيْفَة يدل على أن ابْتِداء التخليق عقيب الأرْبَعين الأولى وحَدِيث ابْن مَسْعُود يدل على أنه عقيب الأرْبَعين الثّالِثَة فكيف يجمع بَينهما؟
قيل أما حَدِيث حُذَيْفَة فصريح في كَون ذَلِك بعد الأرْبَعين.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَلَيْسَ فِيهِ تعرض لوقت التَّصْوِير والتخليق، وإنَّما فِيهِ بَيان أطوار النُّطْفَة وتنقلها بعد كل أرْبَعِينَ وأنه بعد الأرْبَعين الثّالِثَة ينْفخ فِيهِ الرّوح.
وَهَذا لم يتَعَرَّض لَهُ حَدِيث حُذَيْفَة بل اخْتصَّ بِهِ حَدثنا بن مَسْعُود، فاشترك الحديثان في حُدُوث أمر بعد الأرْبَعين الأولى
واختص حَدِيث حُذَيْفَة بِأن ابْتِداء تصويرها وخلقها بعد الأرْبَعين الأولى واختص حَدِيث ابْن مَسْعُود بِأن نفخ الرّوح فِيهِ بعد الأرْبَعين الثّالِثَة واشترك الحديثان في اسْتِئْذان الملك ربه سُبْحانَهُ في تَقْدِير شَأْن المَوْلُود في خلال ذَلِك فتصادقت كَلِمات رَسُول الله ﷺ وصدق بَعْضها بَعْضًا.
وَحَدِيث ابْن مَسْعُود فِيهِ أمْرانِ أمر النُّطْفَة وتنقلها وأمر كِتابَة الملك ما يقدر الله فِيها والنَّبِيّ ﷺ أخبر بالأمرين في الحَدِيث قالَ الإمام أحْمد حَدثنا هشيم أنبأنا عَليّ بن زيد قالَ سَمِعت أبا عتبَة بن عبد الله يحدث قالَ قالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قالَ رَسُول الله ﷺ
"إنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ في الرَّحِمِ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَلى حالِها لا تَتَغَيَّر فَإذا مَضَت لَهُ أرْبَعُونَ صارَت علقَة ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك، ثمَّ عظاما كَذَلِك، فَإذا أرادَ أن يُسَوِّي خلقه بعث الله إليه الملك فَيَقُولُ المَلَكُ الَّذِي يَلِيهِ: أيْ رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ أقَصِيرٌ أمْ طَوِيلٌ؟ أناقِصٌ أمْ زائِدٌ؟ قُوتُهُ وأجَلُهُ؟ أصَحِيحٌ أمْ سَقِيمٌ؟ قالَ: فَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ "
فَهَذا الحَدِيث فِيهِ الشِّفاء وإن الحادِث بعد الأرْبَعين الثّالِثَة تَسْوِيَة الخلق عند نفخ الرّوح فِيهِ.
وَلا ريب أنه عند نفخ الرّوح فِيهِ وتعلقها بِهِ يحدث لَهُ في خلقه أُمُور زائِدَة على التخليق الَّذِي كانَ بعد الأرْبَعين الأولى فالأول كانَ مبدأ التخليق وهَذا تسويته وكَمال ما قدر لَهُ كَما أنه سُبْحانَهُ خلق الأرْض قبل السَّماء ثمَّ خلق السَّماء ثمَّ سوى الأرْض بعد ذَلِك ومهدها وبسطها وأكمل خلقها فَذَلِك فعله في السكن وهَذا فعله في السّاكِن على أن التخليق والتصوير ينشأ في النُّطْفَة بعد الأرْبَعين على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا كَما ينشأ النَّبات فَهَذا مشاهد في الحَيَوان والنبات كَما إذا تَأمَّلت حال الفروج في البَيْضَة فَإنَّما يَقع الإشْكال من عدم فهم كَلام الله تَعالى ورَسُوله ﷺ فالإشكال في أفهامنا لا في بَيان المَعْصُوم.
والله المُسْتَعان، وقد أغْناك هَذا بِحَمْد الله عَن تكلّف الشّارِحين فَتَأمّله ووازن بَينه وبَين هَذا الجمع وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
(فصل)
وَقد قالَ بقراط في كتاب الغذاء تَصْوِير الجَنِين يكون في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا وحركته في سبعين صباحا وكماله في مائَة وعشرَة أيّام ويتَصَوَّر أجنة أخر في خمسين صباحا ويتحركون التحرك الأول في مائَة صباح ويكملون في ثَلاثمِائَة ويتَصَوَّر أجنة أخر في أرْبَعِينَ صباحا ويتحركون في ثَمانِينَ صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وأرْبَعين صباحا ويتَصَوَّر أجنة أخر في خَمْسَة وأرْبَعين صباحا ويتحركون في تسعين صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وسبعين صباحا قالَ فَأما الولادَة فَتكون في الشَّهْر السّابِع والثّامِن والتّاسِع والعاشر.
قلت الحَرَكَة حركتان حَرَكَة طبيعية غير إرادية فَهَذِهِ تكون قبل تعلق الرّوح بِهِ وأما الحَرَكَة الإرادية فَلا تكون إلّا بعد نفخ الرّوح ولِهَذا فرق بقراط بَين التحرك الأول والثّانِي.
قلت الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الوَحْي الصّادِق عَن خلاق البشر أن الخلق ينْتَقل في كل أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى طور آخر فَيكون أولا نُطْفَة أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ علقَة كَذَلِك ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح بعد مائَة وعشْرين يَوْمًا.
فَهَذا كَأنَّك تشاهده عيانًا وما خالفه فَلَيْسَ مَعَ المخبر بِهِ عيان، وغايَة ما مَعَه قِياس فاسد وتشريح لا يُحِيط علما بمبدإ ما شاهده مِنهُ أو تَقْلِيد لواحِد غير مَعْصُوم وكل ما جاءَ بِهِ مَشى خَلفه فِيهِ فيعتقد فِيهِ المعتقد أن هَذا أمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الطبائعيين وأصله كُله واحِد أخطَأ فِيهِ ثمَّ قَلّدهُ من بعده والقَوْم لم يشاهدوا ما أخبروا بِهِ من ذَلِك.
وَغايَة ما مَعَهم أنهم شرحوا الحاكين أحياء وأمواتا فوجدوا الجَنِين في الرَّحِم على الصّفة الَّتِي أخبروا بها ولَكِن لاعلم لَهُم بِما وراء ذَلِك من مبدإ الحمل وتغَير أحْوال النُّطْفَة فَإن ضيق مقلدهم الفَرْض
وَقالَ نفرض أنهم اعتبروا بكرا من حَيْثُ وطِئت ثمَّ جعلُوا يعدون أيّامها إلى أن بلغت ما ذَكرُوهُ ثمَّ شرحوها فوجدوا الأمر على الصّفة الَّتِي أخبروا بها فَهَذا غايَة الكَذِب والبهت فَإن القَوْم لم يدعوا ذَلِك وكَيف يُمكنهُم دَعواهُم وهم يخبرون أن بعد ذَلِك بِكَذا وكَذا يَوْمًا يصير شَأْن الحمل كَذا وكَذا وإنَّما مَعَ القَوْم كليات وأقيسة ويَنْبَغِي أن يكون كَذا وكَذا والنظام الطبيعي يَقْتَضِي كَذا وكَذا.
وَكثير مِنهُم يَأْخُذ ذَلِك من حركات القَمَر وزيادته ونقصانه ومن حركات الشَّمْس ومن التَّثْلِيث والتربيع والتسديس والمقابلة ورد عَلَيْهِم آخَرُونَ مِنهُم وأبطلوا ذَلِك عَلَيْهِم من وُجُوه وأحال بِهِ على الأخلق والأولى والأنسب وأحال بِهِ آخَرُونَ على أيّام البحارين وتغَير الطبيعة فِيها ورد بعض هَؤُلاءِ على بعض وأبطل قَوْله بِما تَرَكْناهُ مَخافَة التَّطْوِيل
وَأصَح ما بِأيْدِيهِم التشريح والاستقراء التّام الَّذِي لا يخرم ونحن لا ننكر ذَلِك ولَكِن لَيْسَ فِيهِ ما يُخالف الوَحْي عَن خلاف الأجنة أبدا ومِمّا يدل على أن القَوْم لم يخبروا في ذَلِك عَن مُشاهدَة قَوْلهم إن الجَنِين الَّذِي يُولد في الشَّهْر السّابِع يصير ديديا في تِسْعَة أيّام ودمويا في ثَمانِيَة أيّام أخر ولحميا في تِسْعَة أيّام أخر ويقبل الصُّورَة في اثني عشر يَوْمًا أخر فَإذا اجْتمعت هَذِه الأيّام صارَت خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فجعلوه مُضْغَة في الأرْبَعين الأولى.
وَهَذا كذب ظاهر قطعا، وإنَّما يصير لحميا بعد الثَّمانِينَ ومثل هَذا لا يدْرك إلّا بِوَحْي أو مُشاهدَة وكِلاهُما مَفْقُود عِنْدهم، وإنَّما بِأيْدِيهِم قِياس اعتبروا بِهِ أحْوال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جَنِين ولد في شهر من شهور الولادَة على أنه يَنْبَغِي أن يكون ديديا أي نُطْفَة كَذا وكَذا ودمويا أي علقَة كَذا وكَذا يَوْمًا ولحميا أي مُضْغَة كَذا وكَذا يَوْمًا ثمَّ أضعفوا ذَلِك العدَد وجعلوه وقت تحرّك الجَنِين.
وكذبوا في ذَلِك على الخلاق العَلِيم في خلقه كَما كذبُوا عَلَيْهِ في صِفاته وأسمائه فَإن القَوْم لم يكن لَهُم نصيب من العلم الَّذِي جاءَت بِهِ الرُّسُل بل كانُوا كَما قالَ الله تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَتْهُم رسلهم بِالبَيِّناتِ فرحوا بِما عِنْدهم من العلم﴾ وما غايَة مل يَنالهُ المُنكر المعرض عَمّا جاءَت بِهِ الرُّسُل وغايَة ما نالوا بِهِ علما بِأُمُور طبيعية فِيها الحق والباطِل وأُمُور رياضية كَثِيرَة التَّعَب قَليلَة الجدوى وأُمُور الهَيْئَة باطلها أضْعاف أضْعاف حَقّها فَأيْنَ العلم المتلقى من الوَحْي النّازِل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن الرَّأْي الزائل وأيْنَ العلم المَأْخُوذ عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل عَن الله عز وجل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن رَأْي رجل لم يستنر قلبه بِنور الوَحْي طرفَة عين وإنَّما مَعَه حدسه وتخمينه ونسبه ما يُدْرِكهُ العُقَلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءَت بِهِ الرُّسُل كنسبة سراج ضَعِيف إلى ضوء الشَّمْس ولا تجدو ولَو عمرت عمر نوح مَسْألَة واحِدَة أصلا اتّفق فِيها العُقَلاء كلهم على خلاف ما جاءَت بِهِ الرُّسُل في أمر من الأُمُور البَتَّةَ فالأنبياء لم تأت بِما يُخالف صَرِيح العقل البَتَّةَ وإنَّما جاءَت بِما لا يُدْرِكهُ العقل فَما جاءَت بِهِ الرُّسُل مَعَ العقل ثَلاثَة أقسام لا رابِع لَها البَتَّةَ قسم شهد بِهِ العقل والفطرة وقسم يشْهد بجملته ولا يهتدى لتفصيله وقسم لَيْسَ في العقل قُوَّة إدْراكه وأما القسم الرّابِع وهو ما يحيله العقل الصَّرِيح ويشْهد بِبُطْلانِهِ فالرسل بريئون مِنهُ وإن ظن كثير من الجُهّال المدعين للْعلم والمعرفة أن بعض ما جاءَت بِهِ الرُّسُل يكون من هَذا القسم فَهَذا إمّا لجهله بِما جاءَت بِهِ وإمّا لجهله بِحكم العقل أو لَهما.
(فصل)
فِي ذكر أحْوال الجَنِين بعد تحريكه وانقلابه عند تَمام نصف السّنة يعرض للجنين في هَذا الوَقْت أن يهتك غشاؤه والحجب الَّتِي عَلَيْهِ وأن ينْتَقل عَن مَكانَهُ نَحْو فَم الرَّحِم فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا وكانَت أغشيته الَّتِي تغشيه وسرته أضْعَف تمّ الولاد وإن كانَ الجَنِين ضَعِيفا وأغشيته وسرته أقوى فإمّا أن يهتكها بعض الهتك ولا يُولد فَيبقى مَرِيضا أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى تَمام آخر الشَّهْر الثّامِن
فَإن ولد في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا ماتَ ولم يُمكن تَرْبِيَته ولا بَقاؤُهُ وإن هو هتك أغشيته كل الهتك حَتّى يُمكن تلافي ذَلِك ولم يُولد ماتَ فَإن لم يسْقط والا قتل الحامِل بِهِ وإن تهتك أغشيته هتكا يُمكن تلافيه بَقِي ولم يمت ومكث في مَوْضِعه الَّذِي تحرّك نَحوه وانقلب إلَيْهِ عند فَم الفرج وإنَّما يعرض لَهُم المَرَض في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إذا لم يولدوا بعد تحركهم لأنهم يَنْقَلِبُون عَن مكانهم الَّذِي نشؤوا فِيهِ وتتغير مواضعهم وانخلاع السُّرَّة بانتقاله ولِأن أمهاتهم يعرض لَهُنَّ أن يمرضن عند ذَلِك لتمدد الأغشية وانخلاع السُّرَّة المُتَّصِلَة بالرحم مِنهُنَّ ولِأن الجَنِين إذا انحل رباطه ثقل على أمه.
(فصل)
وَإذا تكون الجَنِين وصوره الخالِق البارئ المصور خلق ورَأسه إلى فَوق ورجلاهُ إلى أسْفَل فعندما يَأْذَن الله بِخُرُوجِهِ يَنْقَلِب ويصير رَأسه إلى أسْفَل فيتقدم رَأسه سائِر بدنه هَذا بِاتِّفاق من الأطِبّاء والمشرحين وهَذا من تَمام العِنايَة الإلهية بالجنين وأمه لِأن رَأسه إذا خرج أولا كانَ خُرُوج سائِر بدنه أسهل من غير أن يحْتاج شَيْء مِنها إلى أن ينثني فَإن الجَنِين لَو خرجت رِجْلاهُ أولا لم يُؤمن أن ينشب في الرَّحِم عند يَدَيْهِ وإن خرجت رجله الواحِدَة لم يُؤمن أن يعلق وينشب في الرَّحِم عند إدْراكه وإن خرجت اليدان لم يُؤمن أن ينشب عند رَأسه إمّا أنه يلتوي إلى خلف، وإمّا لِأن السُّرَّة تلتوي إلى عُنُقه أو كتفه لِأن الجَنِين إذا انحدر فَصارَ إلى مَوضِع فِيهِ السُّرَّة ممتدة التوت هُناكَ على عُنُقه وكتفه فَيعرض من ذَلِك إمّا أن يجاذب السُّرَّة فتألم الأُم غايَة الألَم ثمَّ إن الجَنِين إمّا أن يَمُوت وإمّا أن يصعب خُرُوجه ويخرج وهو عليل متورم فاقتضت حِكْمَة أحكم الحاكِمين أن يَنْقَلِب في البَطن فَيخرج رَأسه أولا ثمَّ يتبع الرَّأْس باقِي البدن.
(فصل)
فِي السَّبَب الَّذِي لأجله لا يعِيش الوَلَد إذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إذا ولد لسبعة أشهر وتِسْعَة وعشرَة
إذا أتم الجَنِين سَبْعَة أشهر عرض لَهُ حَرَكَة قَوِيَّة يتحركها بالطبع للانقلاب والخُرُوج فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا من الأطْفال الَّذين لَهُم بالطبع قُوَّة شَدِيدَة في تركيبهم وجبلتهم حَتّى يقدر بحركته على أن يهتك ما يُحِيط بِهِ من الأغشية المحيطة بِهِ المُتَّصِلَة بالرحم حَتّى ينفذ ويخرج مِنها خرج في الشَّهْر السّابِع وهو قوي صَحِيح سليم لم تؤلمه الحَرَكَة ولم يمرضه الانقلاب وإن كانَ ضعيقا عَن ذَلِك فَهو إمّا أن يعطب بسب ما يَنالهُ من الضَّرَر والألم بالحركة للانقلاب فَيخرج مَيتا وإمّا أن يبْقى في البَطن فيمرض ويلبث في مَرضه نَحوا من أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى يبرأ وينتعش ويقوى فَإذا ولد في حُدُود الشَّهْر الثّامِن ولد وهو مَرِيض لم يتَخَلَّص من ألمه فيعطب ولا يسلم ولا يتربى، وإن لبث في الرَّحِم حَتّى يجوز هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إلى الشَّهْر التّاسِع وقَوي وصَحَّ وانتعش وبعد عَهده بِالمرضِ كانَ حريا أن يسلم وأولاهم بِأن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا في الرَّحِم وهم المولودون في الشَّهْر العاشِر وأما من ولد بَين العاشِر والتّاسِع فحالهم في ذَلِك بِحَسب القرب والبعد.
وَقالَ غَيره العلَّة في أنه لا يُمكن أن يعِيش المَوْلُود لثمانية أشهر أنه يتوالى عَلَيْهِ ضَرْبان من الضَّرَر أحدهما انقلابه في الشَّهْر السّابِع في جَوف الرَّحِم للولادة والثّانِي تغير الحال عَلَيْهِ بَين مَكانَهُ في الرَّحِم وبَين مَكانَهُ في الهَواء وإن كانَ قد يعرض ذَلِك التَّغْيِير لجَمِيع الأجنة لَكِن المَوْلُود لسبعة أشهر ينجو من الرَّحِم قبل أن يَنالهُ الضَّرَر الَّذِي من داخل بعقب الانقلاب والأمراض الَّتِي تعرض في جَوف الرَّحِم فالمولود لسبعة أشهر وعشرَة أشهر يلبث في الرَّحِم حَتّى يبرأ وينجو من تِلْكَ الأمْراض فَلَيْسَ يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا وكَذَلِكَ لا يُمكن أن يعِيش وجَمِيع الأجنة في الشَّهْر الثّامِن يعرض لَهُم المَرَض.
ويدلك على ذَلِك أنَّك تَجِد جَمِيع الحَوامِل والحبالى في الشَّهْر الثّامِن أسْوَأ حالا وأثقل مِنهُنَّ في مُدَّة الشُّهُور الَّتِي قبل هَذا الشَّهْر وبعده وأحوال الأُمَّهات مُتَّصِلَة بأحوال الأجنة.
(فصل)
وبكاء الطِّفْل ساعَة وِلادَته يدل على صِحَّته وقوته وشدته وإذا وضع الطِّفْل يَده أو إبهامه أو إصبعه على عُضْو من أعْضائِهِ فَهو دَلِيل على ألم ذَلِك العُضْو وكل الحَيَوان بالطبع يُشِير إلى ما يؤلمه من بدنه إمّا بِيَدِهِ أو بفمه أو بِرَأْسِهِ أو بِذَنبِهِ فَلَمّا كانَ الطِّفْل عادما للنطق أشارَ بِأُصْبُعِهِ أو يَده إلى مَوضِع ألمه كالحيوان البهيم.
(فصل)
فِي أن الأطْفال وهم حمل في الرَّحِم أقوى مِنهُم بعد ولادهم وأصبر وأشد احْتِمالا لما يعرض لَهُم وكَذَلِكَ تكون العِنايَة بهم بعد ولادهم آكِد والحذر عَلَيْهِم أشد فَإن أغْصان الشَّجَرَة وفروعها ما دامَت لاصقة بِالشَّجَرَةِ ومتصلة بها لا تكاد الرِّياح العواصف تزعزعها ولا تقتلعها فَإذا فصلت عَنْها وغرست في مَواضِع أخر نالتها الآفة ووصلت إلَيْها بِأدْنى ريح تهب حَتّى تقتلعها
وَكَذَلِكَ الجَنِين ما دامَ في الرَّحِم فَهو يقوى ويصبر على ما يعرض لَهُ ويناله من سوء التَّدْبِير والأذى على ما لا يصبر على اليَسِير مِنهُ بعد وِلادَته وانفصاله عَن الرَّحِم وكَذَلِكَ الثَّمَرَة على الشَّجَرَة أقوى مِنها وأثبت بعد قطعها مِنها
وَلما كانَ مُفارقَة كل مُعْتاد ومألوف بالانتقال عَنهُ شَدِيدا على من رامه ولا سِيما إذا كانَ الِانْتِقال دفْعَة واحِدَة فالجنين عند مُفارقَته للرحم ينْتَقل عَمّا قد ألفه واعتاده في جَمِيع أحْواله دفْعَة واحِدَة وشدَّة ذَلِك الِانْتِقال عَلَيْهِ أكثر من شدَّة الِانْتِقال بالتدريج
وَلذَلِك قالَ بقراط قد يعلم بِأهْوَن سعي وأيسره أن التَّدْبِير الرَّدِيء من المطعم والمشْرَب إذا كانَ يجْرِي مَعَ رداءته على أمر واحِد يشبه بعضه بَعْضًا دائِما فَهو أوثق وأحرز وأبْعد عَن الخطر في التماس الصِّحَّة للأبدان من أن ينْقل الرجل تَدْبيره دفْعَة واحِدَة إلى غذاء أفضل مِنهُ فالجنين ينْتَقل عَمّا ألفه واعتاده في غذائه وتنفسه ومداخله وما يكتنفه وهلة واحِدَة
وَهَذِه أول شدَّة يلقاها في الدُّنْيا ثمَّ تتوافر عَلَيْها الشدائد حَتّى يكون آخرها الشدَّة العُظْمى الَّتِي لا شدَّة فَوْقها أو الرّاحَة العُظْمى الَّتِي لا تَعب دونها ولذَلِك لا يبكي عند وُرُود هَذِه الشدَّة عَلَيْهِ مَعَ ما يلقاه من وكز الشَّيْطان وطعنه في خاصرته.
(فصل)
والجنين في الرَّحِم كانَ يغتذي بِما يلائمه وكانَ يجتذب بالطبع المِقْدار الَّذِي يلائمه من دم أمه وبعد خُرُوجه يجتذب من اللَّبن ما يلائمه أيْضا لكنه يجتذب بشهوته وإرادته فيزيد على مِقْدار ما يحْتاج إلَيْهِ مَعَ كَون اللَّبن
يكون رديئا ومعلولا كَما يكون صَحِيحا وكَذَلِكَ يعرض لَهُ القَيْء والغثيان ويجتذب أخلاط بدنه وتعرض لَهُ الآلام والأوجاع والآفات الَّتِي لم تعرض لَهُ في البَطن وقد كانَ عَلَيْهِ من الأغشية والحجب ما يمْنَع وُصُول الأذى اليه فَلَمّا ولد هيئ لَهُ أغشية وحجب أخر لم يكن يألفها ويعتادها ورُبما صحى للْحرّ والبرد والهواء وكانَ يجتذبه من سرته وهو ألطف شَيْء معتدل صَحِيح قد يَصح قلب الأُم وعروقها الضوارب فَهو شَبيه بِما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهَواء اللَّطِيف المعتدل ثمَّ يخرج مِنهُ وهلة واحِدَة عُريانا إلى الهَواء العاصف المؤذي.
وَبِالجُمْلَةِ فقد انْتقل عَن مألوفه وما اعتاده وهلة واحِدَة إلى ما هو أشد عَلَيْهِ مِنهُ وأصعب وهَذا من تَمام حِكْمَة الخلاق العَلِيم ليمرن عَبده على مُفارقَة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل مِنها وأنفع وأوفق لَهُ وقد أشارَ تَعالى إلى هَذا بقوله ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ [الانشقاق ١٩ أي حالا بعد حال فَأول أطباقه كَونه نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ثمَّ مولودا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطميا ثمَّ صَحِيحا أو مَرِيضا غَنِيا أو فَقِيرا معافى أو مبتلى إلى جَمِيع أحْوال الإنْسان المُخْتَلفَة عَلَيْهِ إلى أن يَمُوت ثمَّ يبْعَث ثمَّ يُوقف بَين يَدي الله تَعالى ثمَّ يصير إلى الجنَّة أو النّار فالمَعْنى لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر.
قالَ سعيد بن جُبَير وابْن زيد "لتكونن في الآخِرَة بعد الأولى ولتصيرن أغْنِياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى"
وَقالَ عَطاء: شدَّة بعد شدَّة والطبق والطبقة الحال، ولِهَذا يُقال كانَ فلان على طَبَقات شَتّى
قالَ عَمْرو بن العاصِ لقد كنت على طَبَقات ثَلاث أي أحْوال ثَلاث
قالَ ابْن الأعرابِي الطَّبَق الحال على اختلافها وقد ذكرنا بعض أطباق الجَنِين في البَطن من حِين كَونه نُطْفَة إلى وقت ولاده ثمَّ نذْكر أطباقه بعد وِلادَته إلى آخرها فَنَقُول
الجَنِين في الرَّحِم بِمَنزِلَة الثَّمَرَة على الشَّجَرَة في اتصالها بمحلها اتِّصالًا قَوِيا فَإذا بلغت الغايَة لم يبْق إلّا انفصالها لثقلها وكمالها وانْقِطاع العُرُوق الممسكة لَها فَكَذا الجَنِين تنهك عَنهُ تِلْكَ الأغشية وتنفصل العُرُوق الَّتِي تمسكه بَين المشيمة والرحم وتصير تِلْكَ الرطوبات المزلفة فتعينه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العُرُوق على الخُرُوج فينفتح الرَّحِم انفتاحا عَظِيما جدا ولا بُد من انْفِصال بعض المفاصل العَظِيمَة ثمَّ تلتئم في أسْرع زمان وقد اعْترف بذلك حذاق الأطباق والمشرحين وقالُوا لا يتم ذَلِك إلّا بعناية إلهية وتدبير يعجز عقول النّاس عَن إدْراك كيفيته ﴿فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ﴾
فَإذا انْفَصل الجَنِين بَكى ساعَة انْفِصاله لسَبَب طبيعي وهو مُفارقَة إلفه ومكانه الَّذِي كانَ فِيهِ وسبب مُنْفَصِل عَنهُ وهو طعن الشَّيْطان في خاصرته فَإذا انْفَصل وتمّ انْفِصاله مد يَده إلى فِيهِ فَإذا تمّ لَهُ أرْبَعُونَ يَوْمًا تَجِد لَهُ أمر آخر على نَحْو ما كانَ يَتَجَدَّد لَهُ وهو في الرَّحِم فيضحك عند الأرْبَعين وذَلِكَ أول ما يعقل نَفسه فَإذا تمّ لَهُ شَهْران رأى المنامات ثمَّ ينشأ مَعَه التَّمْيِيز والعقل على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا إلى سنّ التَّمْيِيز ولَيْسَ لَهُ سنّ معِين بل من النّاس ما يُمَيّز لخمس كَما قالَ مَحْمُود بن الرّبيع عقلت من النَّبِي ﷺ مجة مجها في وجْهي من دلو في بئرهم وأنا ابْن خمس سِنِين.
وَلذَلِك جعلت الخمس سِنِين حدا لحدة سَماع الصَّبِي.
وَبَعْضهمْ يُمَيّز لأقل مِنها ويذكر أمورا جرت لَهُ وهو دون الخمس سِنِين.
وَقد ذكرنا عَن إياس بن مُعاوِيَة أنه قالَ اذكر يَوْم ولدتني أُمِّي فَإنِّي خرجت من ظلمَة إلى ضوء ثمَّ صرت إلى ظلمَة فَسُئِلت أمه عَن ذَلِك فَقالَت صدق لما انْفَصل مني لم يكن عِنْدِي ما ألفه بِهِ فَوضعت عَلَيْهِ قَصْعَة.
وَهَذا من أعجب الأشياء وأندرها فَإذا صار لَهُ سبع سِنِين دخل في سنّ التَّمْيِيز وأمر بِالصَّلاةِ
كَما في المسند والسّنَن من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أبِيه عَن جده قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ
"مروا أبناءكم بِالصَّلاةِ لسبع سِنِين وأضربوهم عَلَيْها لعشر سِنِين وفرقُوا بَينهم في المضاجِع"
المؤمنون 23:16
(فائدة)
وقد يستطرد سبحانه من ذكر الشخص إلى ذكر النوع كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾
فالمخلوق من سلالة من طين آدم والمجعول نطفة في قرار مكين ذريته.
(فصل: في أطوار ابْن آدم من وقت كَونه نُطْفَة إلى استقراره في الجنَّة أو النّار)
قالَ الله تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
فاستوعب سُبْحانَهُ ذكر أحْوال ابْن آدم قبل كَونه نُطْفَة بل تُرابا وماء إلى حِين بَعثه يَوْم القِيامَة فَأول مَراتِب خلقه أنه سلالة من طين ثمَّ بعد ذَلِك سلالة من ماء مهين وهِي النُّطْفَة الَّتِي استلت من جَمِيع البدن فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يقلب الله سُبْحانَهُ تِلْكَ النُّطْفَة علقَة وهِي قِطْعَة سَوْداء من دم فتمكث كَذَلِك أرْبَعِينَ يَوْمًا أُخْرى ثمَّ يصيرها سُبْحانَهُ مُضْغَة وهِي قِطْعَة لحم أرْبَعِينَ يَوْمًا وفي هَذا الطّور تقدر أعضاؤه وصورته وشكله وهيئته.
واخْتلف في أول ما يتشكل ويخلق من أعْضائِهِ.
قالَ قائِلُونَ هو القلب
وَقالَ آخَرُونَ إنَّه الدِّماغ
وَقالَ آخَرُونَ هو الكبد
وَقالَ آخَرُونَ فقار الظّهْر فاحتج أرْباب القَوْل الأول بِأن القلب هو العُضْو والأساس الَّذِي هو مَعْدن الحَرارَة الغريزية الَّذِي هو مركب الحَياة فَوَجَبَ أن يكون هو المُقدم في الخلق قالُوا وقد أخبر المشرحون أنهم وجدوا في النُّطْفَة عند كَمال انْعِقادها نقطة سَوْداء.
واحْتج من قالَ إنَّه الدِّماغ بِأن الدِّماغ من الحَيَوان هو العُضْو الرئيسي من الإنْسان وهو مجمع الحَواس وأن الأمر المُخْتَص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وأصل ذَلِك من الدِّماغ ومِنه ينبعث وإذا كانَ الخاص بِالحَيَوانِ هو الحس والحَرَكَة الإرادية وكانا عَن هَذا العُضْو كانَ هو المُقدم في الإيجاد والتكوين.
واحْتج من قالَ إنَّه الكبد بِأنَّهُ العُضْو الَّذِي مِنهُ النمو والاغتذاء الَّذِي بِهِ قوام الحَيَوان قالُوا فالنظام الطبيعي يَقْتَضِي أن يكون أول متكون الكبد ثمَّ القلب ثمَّ الدِّماغ لِأن أول فصل الحَيَوان هو النمو ولَيْسَ بِهِ في هَذا الوَقْت حاجَة إلى حس ولا إلى حَرَكَة إرادية لِأنَّهُ يعد بِمَنزِلَة النَّبات فَلا حاجَة بِهِ حِينَئِذٍ إلى غير النمو.
وَلِهَذا إنَّما تصير لَهُ قُوَّة الحس والإرادة عند تعلق النَّفس بِهِ وذَلِكَ في الطّور الرّابِع من أطوار تخليقه فَكانَ أول الأعْضاء خلقا فِيهِ هو آلَة النمو وذَلِكَ الكبد والَّذِي شاهده أرْباب التشريح حَتّى إنَّهُم متفوقون عَلَيْهِ أنه أول ما يتَبَيَّن في خلق جثة الحَيَوان ثَلاث نقط مُتَقارِبَة بَعْضها من بعض يتَوَهَّم أنَّها رسم الكبد والقلب والدماغ ثمَّ يزْداد بَعْضها من بعض بعدا على امتداد أيّام الحمل، فَهَذا القدر هو الَّذِي عند المشرحين.
فَأما أن هَذِه النقط أقدم وأسبق فَلَيْسَ عِنْدهم عَلَيْهِ دَلِيل إلّا الأخلق والأولى والقِياس والله أعلم.
(فصل)
ثمَّ تقدر مفاصل أعْضائِهِ وعظامه وعروقه وعصبه ويشق لَهُ السّمع والبَصَر والفم ويفتق حلقه بعد أن كانَ رتقا فيركب فِيهِ اللِّسان ويخطط شكله وصورته وتكسى عِظامه لَحْمًا ويربط بَعْضها إلى بعض أحكم ربط وأقواه وهو الأسر الَّذِي قالَ فِيهِ ﴿نَحن خلقناهم وشددنا أسرهم﴾
وَمِنه الإسار الَّذِي يرْبط بِهِ ومِنه الأسير
قالَ الإمام أحْمد حَدثنا روح بن عبادَة حَدثنا أبُو هِلال حَدثنا ثابت عَن صَفْوان بن مُحرز قالَ كانَ نَبِي الله داوُد عَلَيْهِ السَّلام إذا ذكر عَذاب الله تخلعت أوصاله ما يمْسِكها إلّا الأسر فَإذا ذكر رَحْمَة الله رجعت
(فصل)
قالَ بقراط في المقالة الثّالِثَة من كتاب الأجنة أنا أحَدثك رَأيْت المَنِيّ ينشأ كانَت لامْرَأة من الأهْل جارِيَة نفيسة ولم تكن تحب أن تحبل لِئَلّا ينقص ثمنها فَسمِعت الجارِيَة النِّساء يقلن إن المَرْأة إذا أرادَت أن تحمل لم يخرج مِنها مني الرجل بل يبْقى محتبسا ففهمت ذَلِك وجعلت ترصده من نَفسها فأحست في بعض الأوْقات أنه لم يخرج مِنها فبلغني الخَبَر فأمرتها أن تطفر إلى خلفها فطفرت سبع طفرات فَسقط مِنها المَنِيّ بوجبة شَبِيها بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عَنْها القشر الخارِج وبقيت رطوبتها في جَوف الغشاء قالَ وأنا أقُول أيْضا إنَّه يجْرِي من الأُم فضول الرَّحِم ليتغذى بها الجَنِين وقالَ إن الَّذِي تظهر هي الأعصاب الدقاق البيض وهِي الَّتِي رَأيْت في وسط السُّرَّة ولَيْسَت في مَوضِع آخر غير السُّرَّة لِأن الرّوح إنَّما يشق طَرِيقا للنَّفس هُناكَ ثمَّ قالَ وأقُول شَيْئا آخر ظاهرا يعرفهُ كل من يرغب في العلم وأوضحه بقياسات وأقُول إن المَنِيّ هو في الحجاب وإنّهُ يغتذي من الدَّم الَّذِي يجْتَمع من المَرْأة وينزل إلى الرَّحِم وقالَ إن المَنِيّ يجتذب الهَواء فيتنفس فِيهِ في هَذِه الحجب في الأسْباب الَّتِي ذكرنا ويربو من الدَّم الَّذِي ينحدر من المَرْأة وقالَ إن الطمث لا ينحدر ما دامَت المَرْأة حامِلا إن كانَ طفلها صَحِيحا وذَلِكَ مُنْذُ أول شهر من حبلها إلى الشَّهْر التّاسِع ولَكِن جَمِيع ما ينزل من الدَّم من البدن كُله يجْتَمع حول الجَنِين على الحجاب الأعْلى مَعَ اجتذاب النَّفس والسرة طَرِيق وُصُوله إلى الجَنِين فَيدْخل الغذاء إلَيْهِ فيغذيه ويزِيد في تَرْبِيَته.
وَقالَ إذا أقامَ المَنِيّ حينا خلقت لَهُ حجب أخر فتمتد داخِلا من الحجاب الأول وتَكون مُخْتَلفَة الأنْواع كَثِيرَة.
وَأما كَونها فَمثل الحجاب الأول وقالَ إن الحجب مِنها ما يخلق أولا ومِنها ما يخلق من بعد الشَّهْر الثّانِي ومِنها ما يخلق في الشَّهْر الثّالِث وكلها لا تظهر مَنافِعها أول ما يخلق ولَكِن بَعْضها يَمْتَد على المَنِيّ فتظهر مَنافِعها أولا وبَعضها لا يظْهر إلّا أخيرا فَلذَلِك يخلق بَعْضها في الشَّهْر الأول وبَعضها في الشَّهْر الثّانِي وبَعضها في الثّالِث وهِي السُّرَّة كَأنَّها مربوط بَعْضها بِبَعْض في وسط الحجب تكون السُّرَّة الَّتِي يتنفس مِنها ويتربى
وَإذا نزل الدَّم واغتذى الجَنِين مِنهُ حالَتْ الحجب بَينه وبَين الجَنِين ولِهَذا يَقُول تَعالى ﴿يخلقكم في بطُون أُمَّهاتكُم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثَلاث﴾
فَإن كل حجاب من هَذِه الحجب لَهُ ظلمَة تخصه فَذكر سُبْحانَهُ أطوار خلقه ونَقله فِيها من حال إلى حال وذكر ظلمات الحجب الَّتِي على الجَنِين فَقالَ أكثر المُفَسّرين هي ظلمَة البَطن وظلمة الرَّحِم وظلمة المشيمة فَإن كل واحِد من هَذِه حجاب على الجَنِين وقالَ آخَرُونَ هي ظلمَة أصلاب الآباء وظلمة بطُون الأُمَّهات وظلمة المشيمة وأضعف من هَذا القَوْل قَول من قالَ ظلمَة اللَّيْل وظلمة البَطن وظلمة الرَّحِم فَإن اللَّيْل والنَّهار بِالنِّسْبَةِ إلى الجَنِين سَواء وقالَ بقراط إن المَرْأة إذا حبلت لم تألم من اجْتِماع الدَّم الَّذِي ينزل ويجتمع حول رَحمها ولا تحس بِضعْف كَما تحس إذا انحدر الطمث لِأنَّها لا يثور دَمها في كل شهر لكنه ينزل إلى الرَّحِم في كل يَوْم قَلِيلا قَلِيلا نزولا ساكِنا من غير وجع فَإذا أتى إلى الرَّحِم اغتذى مِنهُ الجَنِين ونما ثمَّ قالَ وعَلى غير بعيد من ذَلِك إذا خلق للجنين لحم وجسد تكون الحجب وإذا كبر كَبرت الحجب أيْضا وصارَ لَها تجويف خارج من الجَنِين فَإذا نزل الدَّم من الأُم جذبه الجَنِين واغتذى بِهِ فيزيد في لَحْمه والرديء من الدَّم الَّذِي لا يصلح للغذاء ينزل إلى مجاري الحجب وكَذَلِكَ تسمى الحجب الَّتِي إذا صار لَها تجويف يقبل الدَّم المشيمة.
وَقالَ إذا تمّ الجَنِين وكملت صورته واجتذب الدَّم لغذائه بالمقدار اتسعت الحجب وظَهَرت المشيمة الَّتِي تكون من الآلات الَّتِي ذكرنا فَإن اتَّسع داخلها اتَّسع خارِجها لِأنَّهُ أولى بذلك لِأن لَهُ موضعا يَمْتَد إلَيْهِ قلت ومن ها هُنا لم تَحض الحامِل بل ما تراهُ من الدَّم يكون دم فَساد لَيْسَ دم الحيض المُعْتاد هَذِه إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَن عائِشَة رَضِي الله عَنْها وهو المَشْهُور من مَذْهَب أحْمد الَّذِي لا يعرف أصْحابه سواهُ وهو مَذْهَب أبي حنيفَة وذهب الشّافِعِي في رِوايَة عَن عائِشَة والإمام أحْمد في رِوايَة عَنهُ اخْتارَها شَيخنا إلى أن ما تراهُ من الدَّم في وقت عادَتها يكون حيضا.
وَحجَّة هَذا القَوْل ظاهِرَة وهِي عُمُوم الأدِلَّة الدّالَّة على ترك المَرْأة الصَّوْم والصَّلاة إذا رَأتْ الدَّم المُعْتاد في وقت الحيض ولم يسْتَثْن الله ورَسُوله حالَة دون حالَة وأما كَون الدَّم ينْصَرف إلى غذاء الوَلَد فَمن المَعْلُوم أن ذَلِك لا يمْنَع أن يبْقى مِنهُ بَقِيَّة يخرج في وقت الحيض تفضل عَن غذاء الوَلَد فَلا تنافِي بَين غذاء الوَلَد وبَين حيض الأُم.
وَأصْحاب القَوْل الآخر يحتجون بقوله ﷺ لا تُوطأ حامِل حَتّى تضع ولا حائِل حَتّى تستبرأ بِحَيْضَة فَجعل الحَيْضَة دَلِيلا على عدم الحمل فَلَو حاضَت الحامِل لم تكن الحَيْضَة علما على بَراءَة حملها والآخرُونَ يحبيبون عَن هَذا بِأن الحَيْضَة علم ظاهر فَإذا ظهر بها الحمل تَبينا أنه لم يكن دَلِيلا ولِهَذا يحكم بِانْقِضاء العدة بِالحيضِ ظاهرا ثمَّ تبين المَرْأة حامِلا والنَّبِيّ ﷺ قسم النِّساء إلى قسمَيْنِ امْرَأة مَعْلُومَة الحمل وامْرَأة مظنون أنَّها حامِل فَجعل اسْتِبْراء الأولى بِوَضْع الحمل والثّانيِة بالحيضة.
وَهَذا هو الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لم يدل على أن ما تراهُ الحامِل من الدَّم في وقت عادَتها تَصُوم مَعَه وتصلي.
(فصل)
قالَ بقراط إن العِظام تصلب من الحَرارَة لِأن الحَرارَة تصلب العِظام وتربط بَعْضها بِبَعْض مثل الشَّجَرَة الَّتِي ترتبط بَعْضها بِبَعْض وقالَ إن العصب جعل داخِلا وخارجا وجعل الرَّأْس بَين العاتقين والعضدان والساعدان في الجانِبَيْنِ وفرج ما بَين الرجلَيْن أيْضا وجعل في كل مفصل من المفاصل عصب بوثقه ويشده قلت وهو الأسر الَّذِي شدّ بِهِ الإنْسان قالَ وجعل الفَم ينفتح من تِلْقاء نَفسه وركب الأنف والأذنان من اللَّحْم وثقبت الأذنان ثمَّ العينان بعد ذَلِك وملئتا رُطُوبَة صافِيَة
وَكانَ النَّبِي ﷺ يَقُول في سُجُوده سجد وجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره والواو وإن لم تقتض ترتيبا فتقديم السّمع في اللَّفْظ يُناسب تقدمه في الوُجُود ثمَّ تتسع الأمعاء بعد ذَلِك ويصير لَها تجويف وترتبط المفاصل ويرتفع النَّفس إلى الفَم والأنف ويدخل الِاسْتِنْشاق في الفَم والأنف وينفتح البَطن والأمعاء ويخرج النَّفس إلى الفَم بدل السُّرَّة فَإذا تمّ ما ذكرنا حضر وقت خُرُوج الجَنِين ونزلت فضول من معدته وأمعائه إلى المثانة ويكون لَها طَرِيق من المعدة والأمعاء إلى المثانة
وَمِنها إلى مجْرى البَوْل وإنَّما تنفتح هَذِه كلها ويتسع تجويفها بالاستنشاق وبِه ينْفَصل بَعْضها عَن بعض على قدر أشكالها وقالَ إذا اتَّسع البَطن وتبين تجويف الأمعاء صار فِيها طَرِيق إلى المثانة والإحليل اضطرارا
قالَ والمني إذا تركب يجْتَمع كل شَيْء مِنهُ إلى صاحبه العِظام إلى العِظام والعصب إلى العصب وكَذَلِكَ جَمِيع الأعْضاء ثمَّ يركب الجَنِين ثمَّ قالَ إنّا قد رَأينا كثيرا من النِّساء قد فَسدتْ الأجنة فِيهِنَّ ثمَّ خرجت بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا ثمَّ قالَ ألا ترى أنه إذا سقط الجَنِين بعد ثَلاثِينَ يَوْمًا رَأيْت مفاصله مركبة وقالَ يدْرك هَذا بِالنّظرِ إلى السقط لِأنَّهُ إذا سقط لَيْسَ يسْقط من حيلنا بل من قبل نَفسه ثمَّ قالَ إذا تركب الجَنِين وأتلفت مفاصله وكَبرت أعضاؤه وصلبت عِظامه وتحركت جذبت من البدن دَمًا دسما ويحتبس ذَلِك ويتحرك في رُؤُوس العِظام مثل تحرّك رُؤُوس الشّجر قالَ وكَذَلِكَ الجَنِين ويتقلب.
(فصل)
وَقالَ في المقالة الثّانِيَة من كِتابه هَذا ثمَّ يتركب الجَنِين ويتم الذّكر إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا والأنثى إلى اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا ورُبما زاد على هَذِه الأيّام قَلِيلا ورُبما نقص قَلِيلا وقالَ إن الجَنِين يتم ويتَصَوَّر إن كانَ ذكرا في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وإن كانَ أُنْثى فَفي اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وقالَ إنّا نرى ذَلِك من نقاء المَرْأة لِأنَّها إن ولدت أُنْثى فَإنَّها تنفى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا وهو أكثر ما تحتبس المَرْأة إلى أن تنقى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا عند ولادَة الأُنْثى ورُبما كانَ في الفَرد وتنقى في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فَإذا ولدت ذكرا فَإنَّها تنقى في اثْنَيْنِ ووثلاثين يَوْمًا إذا احْتبست كثيرا ورُبما بقيت في الفَرد في خَمْسَة وعشْرين يَوْمًا
وَقالَ إن دم الطمث يخرج من حَيْثُ يخرج الجَنِين وكما أن الذّكر يتَصَوَّر في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا كَذَلِك يكون نقاء أمه من بعد ولاده في اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ يَوْمًا وتنقى المَرْأة إذا ولدت أُنْثى في اثْنَيْنِ وأرْبَعين يَوْمًا بِعَدَد الأيّام الَّتِي تركيبها فِيها ثمَّ قالَ انما يجْرِي الدَّم من النُّفَساء بعد ولادها أيّامًا كَثِيرَة لِأنَّها إذا حملت لم يحْتَج الجَنِين أول ما يخلق إلى غذاء كثير حَتّى يتم فَإذا تمّ لَهُ اثْنان وأرْبَعُونَ يَوْمًا اغتذى كَما يَنْبَغِي وما اجْتمع في الأيّام الأرْبَعين من الدَّم الَّذِي ينزل إلى الجَنِين بَقِي إلى ولاد المَرْأة فَإذا ولدت نزل أرْبَعِينَ يَوْمًا.
قلت في هَذا الفَصْل حديثان صَحِيحانِ عَن رَسُول الله ﷺ نذكرهما ونَذْكُر تَصْدِيق أحدهما للْآخر، ثمَّ نتعقب كَلام بقراط ونبين ما فِيهِ بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود قالَ حَدثنا رَسُول الله ﷺ وهو الصّادِق المصدوق
"إن أحدكُم يجمع خلقه في بطن أمه أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون في ذَلِك علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون في ذَلِك مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الله الملك فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات بكتب رزقه وأجله وعَمله وشقي أو سعيد فو الَّذِي لا إلَه غَيره إن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الجنَّة حَتّى ما يكون بَينه وبَينها إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النّار فيدخلها، وإن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النّار حَتّى ما يكون بَينها وبَينه إلّا ذِراع فَيَسْبق عَلَيْهِ الكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الجنَّة فيدخلها".
وَفِي طَرِيق أُخْرى "إن خلق ابْن آدم يجمع في بطن أمه أرْبَعِينَ"
وَفِي أُخْرى "أرْبَعِينَ لَيْلَة"
وَقالَ البُخارِيّ "أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعين لَيْلَة"
وَفِي بعض طرقه "ثمَّ يبْعَث الله ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" ... الحَدِيث
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد يبلغ بِهِ النَّبِي ﷺ قالَ
"يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ أو خمس وأرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أو سعيد فيكتبان فَيَقُول إي رب أذكر أم أُنْثى فيكتبان ويكْتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثمَّ تطوى الصُّحُف فَلا يزْداد فِيها ولا ينقص"
وَقالَ الإمام أحْمد حَدثنِي سُفْيان عَن عَمْرو عَن أبي الطُّفَيْل عَن حُذَيْفَة ابْن أسيد الغِفارِيّ قالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدْخل الملك على النُّطْفَة بعد ما تَسْتَقِر في الرَّحِم بِأرْبَعِينَ لَيْلَة فَيَقُول يا رب أشقي أم سعيد فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيَقُولانِ أذكر أم أُنْثى فَيَقُول الله عز وجل فيكتبان فَيكْتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثمَّ تطوى الصَّحِيفَة فَلا يزْداد على ما فِيها ولا ينقص.
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عامر بن واثِلَة أنه سمع عبد الله بن مَسْعُود يَقُول
"الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ"
فَأتى رجلا من أصْحاب رَسُول الله يُقال لَهُ حُذَيْفَة بن أسيد الغِفارِيّ فحدثه بذلك
من قَول ابْن مَسْعُود فَقالَ: وكَيف يشقى رجل بِغَيْر عمل فَقالَ لَهُ الرجل أتعجب من ذَلِك فَإنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول:
"إذا مر بالنطفة ثِنْتانِ وأرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إلَيْها ملكا فصورها وخلق سَمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثمَّ قالَ يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب أجله فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ فَيكْتب الملك ثمَّ يَقُول يا رب رزقه فَيَقْضِي رَبك ما شاءَ ويكْتب الملك ثمَّ يخرج الملك بالصحيفة في يَده فَلا يزِيد على ما أمر ولا ينقص".
وَفِي لفظ آخر سَمِعت رَسُول الله ﷺ بأذني هاتين يَقُول:
"إن النُّطْفَة تقع في الرَّحِم أرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْها الملك"
قالَ زُهَيْر حسبته قالَ "الَّذِي يخلقها فَيَقُول يا رب أذكر أم أُنْثى فَيَجْعَلهُ الله ذكرا أو أُنْثى فَيَقُول يا رب أسوي أم غير سوي فَيَجْعَلهُ الله سويا أو غير سوي ثمَّ يَقُول يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ثمَّ يَجعله الله شقيا أو سعيدا"
وَفِي لفظ آخر
"إن ملكا موكلا بالرحم إذا أرادَ الله عز وجل أن يخلق شَيْئا بِإذن الله لبضع وأرْبَعين لَيْلَة"
ثمَّ ذكر الحَدِيث ..
فاتفق حَدِيث ابْن مَسْعُود وحَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد على حُدُوث شَأْن وحال النُّطْفَة بعد الأرْبَعين وحَدِيث حُذَيْفَة مُفَسّر صَرِيح بِأن ذَلِك يكْتب بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح كَما تقدم في رِوايَة البُخارِيّ.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فأحد ألْفاظه مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة وإن كانَ ذَلِك التَّقْدِير والكِتابَة بعد الأرْبَعين قبل نفخ الرّوح فِيهِ كَما تقدم من رِوايَة البُخارِيّ ولَفظه
"ثمَّ يبْعَث الله إلَيْهِ ملكا بِأرْبَع كَلِمات فَيكْتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح"
فَهَذا صَرِيح أن الكِتابَة وسؤال الملك قبل نفخ الرّوح فِيهِ وهو مُوافق لحَدِيث حُذَيْفَة في ذَلِك
وَأما لَفظه الآخر
"فينفخ فِيهِ الرّوح ويُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فَلَيْسَ بِصَرِيح إذْ الكَلِمات المَأْمُور بها بعد نفخ الرّوح فَإن هَذِه الجُمْلَة معطوفة بِالواو.
وَيجوز أن تكون معطوفة على الجُمْلَة الَّتِي تَلِيها.
وَيجوز أن تكون معطوفة على جملَة الكَلام المُتَقَدّم أي يجمع خلقه في هَذِه الأطوار ويُؤمر الملك بكتب رزقه وأجله وعَمله ووسط بَين الجمل قَوْله "ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح" بَيانا لتأخر نفخ الرّوح عَن طور النُّطْفَة والعلقة والمضغة.
وَتَأمل كَيفَ أتى بـ (ثمَّ) في فصل نفخ الرّوح وبالواو في قَوْله "وَيُؤمر بِأرْبَع كَلِمات"
فاتفقت سائِر الأحادِيث بِحَمْد الله
وَبَقِي أن يُقال فَحَدِيث حُذَيْفَة يدل على أن ابْتِداء التخليق عقيب الأرْبَعين الأولى وحَدِيث ابْن مَسْعُود يدل على أنه عقيب الأرْبَعين الثّالِثَة فكيف يجمع بَينهما؟
قيل أما حَدِيث حُذَيْفَة فصريح في كَون ذَلِك بعد الأرْبَعين.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَلَيْسَ فِيهِ تعرض لوقت التَّصْوِير والتخليق، وإنَّما فِيهِ بَيان أطوار النُّطْفَة وتنقلها بعد كل أرْبَعِينَ وأنه بعد الأرْبَعين الثّالِثَة ينْفخ فِيهِ الرّوح.
وَهَذا لم يتَعَرَّض لَهُ حَدِيث حُذَيْفَة بل اخْتصَّ بِهِ حَدثنا بن مَسْعُود، فاشترك الحديثان في حُدُوث أمر بعد الأرْبَعين الأولى
واختص حَدِيث حُذَيْفَة بِأن ابْتِداء تصويرها وخلقها بعد الأرْبَعين الأولى واختص حَدِيث ابْن مَسْعُود بِأن نفخ الرّوح فِيهِ بعد الأرْبَعين الثّالِثَة واشترك الحديثان في اسْتِئْذان الملك ربه سُبْحانَهُ في تَقْدِير شَأْن المَوْلُود في خلال ذَلِك فتصادقت كَلِمات رَسُول الله ﷺ وصدق بَعْضها بَعْضًا.
وَحَدِيث ابْن مَسْعُود فِيهِ أمْرانِ أمر النُّطْفَة وتنقلها وأمر كِتابَة الملك ما يقدر الله فِيها والنَّبِيّ ﷺ أخبر بالأمرين في الحَدِيث قالَ الإمام أحْمد حَدثنا هشيم أنبأنا عَليّ بن زيد قالَ سَمِعت أبا عتبَة بن عبد الله يحدث قالَ قالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قالَ رَسُول الله ﷺ
"إنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ في الرَّحِمِ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَلى حالِها لا تَتَغَيَّر فَإذا مَضَت لَهُ أرْبَعُونَ صارَت علقَة ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك، ثمَّ عظاما كَذَلِك، فَإذا أرادَ أن يُسَوِّي خلقه بعث الله إليه الملك فَيَقُولُ المَلَكُ الَّذِي يَلِيهِ: أيْ رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ أقَصِيرٌ أمْ طَوِيلٌ؟ أناقِصٌ أمْ زائِدٌ؟ قُوتُهُ وأجَلُهُ؟ أصَحِيحٌ أمْ سَقِيمٌ؟ قالَ: فَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ "
فَهَذا الحَدِيث فِيهِ الشِّفاء وإن الحادِث بعد الأرْبَعين الثّالِثَة تَسْوِيَة الخلق عند نفخ الرّوح فِيهِ.
وَلا ريب أنه عند نفخ الرّوح فِيهِ وتعلقها بِهِ يحدث لَهُ في خلقه أُمُور زائِدَة على التخليق الَّذِي كانَ بعد الأرْبَعين الأولى فالأول كانَ مبدأ التخليق وهَذا تسويته وكَمال ما قدر لَهُ كَما أنه سُبْحانَهُ خلق الأرْض قبل السَّماء ثمَّ خلق السَّماء ثمَّ سوى الأرْض بعد ذَلِك ومهدها وبسطها وأكمل خلقها فَذَلِك فعله في السكن وهَذا فعله في السّاكِن على أن التخليق والتصوير ينشأ في النُّطْفَة بعد الأرْبَعين على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا كَما ينشأ النَّبات فَهَذا مشاهد في الحَيَوان والنبات كَما إذا تَأمَّلت حال الفروج في البَيْضَة فَإنَّما يَقع الإشْكال من عدم فهم كَلام الله تَعالى ورَسُوله ﷺ فالإشكال في أفهامنا لا في بَيان المَعْصُوم.
والله المُسْتَعان، وقد أغْناك هَذا بِحَمْد الله عَن تكلّف الشّارِحين فَتَأمّله ووازن بَينه وبَين هَذا الجمع وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
(فصل)
وَقد قالَ بقراط في كتاب الغذاء تَصْوِير الجَنِين يكون في خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا وحركته في سبعين صباحا وكماله في مائَة وعشرَة أيّام ويتَصَوَّر أجنة أخر في خمسين صباحا ويتحركون التحرك الأول في مائَة صباح ويكملون في ثَلاثمِائَة ويتَصَوَّر أجنة أخر في أرْبَعِينَ صباحا ويتحركون في ثَمانِينَ صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وأرْبَعين صباحا ويتَصَوَّر أجنة أخر في خَمْسَة وأرْبَعين صباحا ويتحركون في تسعين صباحا ويولدون في مِائَتَيْنِ وسبعين صباحا قالَ فَأما الولادَة فَتكون في الشَّهْر السّابِع والثّامِن والتّاسِع والعاشر.
قلت الحَرَكَة حركتان حَرَكَة طبيعية غير إرادية فَهَذِهِ تكون قبل تعلق الرّوح بِهِ وأما الحَرَكَة الإرادية فَلا تكون إلّا بعد نفخ الرّوح ولِهَذا فرق بقراط بَين التحرك الأول والثّانِي.
قلت الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الوَحْي الصّادِق عَن خلاق البشر أن الخلق ينْتَقل في كل أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى طور آخر فَيكون أولا نُطْفَة أرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ علقَة كَذَلِك ثمَّ مُضْغَة كَذَلِك ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح بعد مائَة وعشْرين يَوْمًا.
فَهَذا كَأنَّك تشاهده عيانًا وما خالفه فَلَيْسَ مَعَ المخبر بِهِ عيان، وغايَة ما مَعَه قِياس فاسد وتشريح لا يُحِيط علما بمبدإ ما شاهده مِنهُ أو تَقْلِيد لواحِد غير مَعْصُوم وكل ما جاءَ بِهِ مَشى خَلفه فِيهِ فيعتقد فِيهِ المعتقد أن هَذا أمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الطبائعيين وأصله كُله واحِد أخطَأ فِيهِ ثمَّ قَلّدهُ من بعده والقَوْم لم يشاهدوا ما أخبروا بِهِ من ذَلِك.
وَغايَة ما مَعَهم أنهم شرحوا الحاكين أحياء وأمواتا فوجدوا الجَنِين في الرَّحِم على الصّفة الَّتِي أخبروا بها ولَكِن لاعلم لَهُم بِما وراء ذَلِك من مبدإ الحمل وتغَير أحْوال النُّطْفَة فَإن ضيق مقلدهم الفَرْض
وَقالَ نفرض أنهم اعتبروا بكرا من حَيْثُ وطِئت ثمَّ جعلُوا يعدون أيّامها إلى أن بلغت ما ذَكرُوهُ ثمَّ شرحوها فوجدوا الأمر على الصّفة الَّتِي أخبروا بها فَهَذا غايَة الكَذِب والبهت فَإن القَوْم لم يدعوا ذَلِك وكَيف يُمكنهُم دَعواهُم وهم يخبرون أن بعد ذَلِك بِكَذا وكَذا يَوْمًا يصير شَأْن الحمل كَذا وكَذا وإنَّما مَعَ القَوْم كليات وأقيسة ويَنْبَغِي أن يكون كَذا وكَذا والنظام الطبيعي يَقْتَضِي كَذا وكَذا.
وَكثير مِنهُم يَأْخُذ ذَلِك من حركات القَمَر وزيادته ونقصانه ومن حركات الشَّمْس ومن التَّثْلِيث والتربيع والتسديس والمقابلة ورد عَلَيْهِم آخَرُونَ مِنهُم وأبطلوا ذَلِك عَلَيْهِم من وُجُوه وأحال بِهِ على الأخلق والأولى والأنسب وأحال بِهِ آخَرُونَ على أيّام البحارين وتغَير الطبيعة فِيها ورد بعض هَؤُلاءِ على بعض وأبطل قَوْله بِما تَرَكْناهُ مَخافَة التَّطْوِيل
وَأصَح ما بِأيْدِيهِم التشريح والاستقراء التّام الَّذِي لا يخرم ونحن لا ننكر ذَلِك ولَكِن لَيْسَ فِيهِ ما يُخالف الوَحْي عَن خلاف الأجنة أبدا ومِمّا يدل على أن القَوْم لم يخبروا في ذَلِك عَن مُشاهدَة قَوْلهم إن الجَنِين الَّذِي يُولد في الشَّهْر السّابِع يصير ديديا في تِسْعَة أيّام ودمويا في ثَمانِيَة أيّام أخر ولحميا في تِسْعَة أيّام أخر ويقبل الصُّورَة في اثني عشر يَوْمًا أخر فَإذا اجْتمعت هَذِه الأيّام صارَت خَمْسَة وثَلاثِينَ يَوْمًا فجعلوه مُضْغَة في الأرْبَعين الأولى.
وَهَذا كذب ظاهر قطعا، وإنَّما يصير لحميا بعد الثَّمانِينَ ومثل هَذا لا يدْرك إلّا بِوَحْي أو مُشاهدَة وكِلاهُما مَفْقُود عِنْدهم، وإنَّما بِأيْدِيهِم قِياس اعتبروا بِهِ أحْوال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جَنِين ولد في شهر من شهور الولادَة على أنه يَنْبَغِي أن يكون ديديا أي نُطْفَة كَذا وكَذا ودمويا أي علقَة كَذا وكَذا يَوْمًا ولحميا أي مُضْغَة كَذا وكَذا يَوْمًا ثمَّ أضعفوا ذَلِك العدَد وجعلوه وقت تحرّك الجَنِين.
وكذبوا في ذَلِك على الخلاق العَلِيم في خلقه كَما كذبُوا عَلَيْهِ في صِفاته وأسمائه فَإن القَوْم لم يكن لَهُم نصيب من العلم الَّذِي جاءَت بِهِ الرُّسُل بل كانُوا كَما قالَ الله تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَتْهُم رسلهم بِالبَيِّناتِ فرحوا بِما عِنْدهم من العلم﴾ وما غايَة مل يَنالهُ المُنكر المعرض عَمّا جاءَت بِهِ الرُّسُل وغايَة ما نالوا بِهِ علما بِأُمُور طبيعية فِيها الحق والباطِل وأُمُور رياضية كَثِيرَة التَّعَب قَليلَة الجدوى وأُمُور الهَيْئَة باطلها أضْعاف أضْعاف حَقّها فَأيْنَ العلم المتلقى من الوَحْي النّازِل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن الرَّأْي الزائل وأيْنَ العلم المَأْخُوذ عَن رَسُول الله ﷺ عَن جِبْرِيل عَن الله عز وجل إلى الظَّن المَأْخُوذ عَن رَأْي رجل لم يستنر قلبه بِنور الوَحْي طرفَة عين وإنَّما مَعَه حدسه وتخمينه ونسبه ما يُدْرِكهُ العُقَلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءَت بِهِ الرُّسُل كنسبة سراج ضَعِيف إلى ضوء الشَّمْس ولا تجدو ولَو عمرت عمر نوح مَسْألَة واحِدَة أصلا اتّفق فِيها العُقَلاء كلهم على خلاف ما جاءَت بِهِ الرُّسُل في أمر من الأُمُور البَتَّةَ فالأنبياء لم تأت بِما يُخالف صَرِيح العقل البَتَّةَ وإنَّما جاءَت بِما لا يُدْرِكهُ العقل فَما جاءَت بِهِ الرُّسُل مَعَ العقل ثَلاثَة أقسام لا رابِع لَها البَتَّةَ قسم شهد بِهِ العقل والفطرة وقسم يشْهد بجملته ولا يهتدى لتفصيله وقسم لَيْسَ في العقل قُوَّة إدْراكه وأما القسم الرّابِع وهو ما يحيله العقل الصَّرِيح ويشْهد بِبُطْلانِهِ فالرسل بريئون مِنهُ وإن ظن كثير من الجُهّال المدعين للْعلم والمعرفة أن بعض ما جاءَت بِهِ الرُّسُل يكون من هَذا القسم فَهَذا إمّا لجهله بِما جاءَت بِهِ وإمّا لجهله بِحكم العقل أو لَهما.
(فصل)
فِي ذكر أحْوال الجَنِين بعد تحريكه وانقلابه عند تَمام نصف السّنة يعرض للجنين في هَذا الوَقْت أن يهتك غشاؤه والحجب الَّتِي عَلَيْهِ وأن ينْتَقل عَن مَكانَهُ نَحْو فَم الرَّحِم فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا وكانَت أغشيته الَّتِي تغشيه وسرته أضْعَف تمّ الولاد وإن كانَ الجَنِين ضَعِيفا وأغشيته وسرته أقوى فإمّا أن يهتكها بعض الهتك ولا يُولد فَيبقى مَرِيضا أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى تَمام آخر الشَّهْر الثّامِن
فَإن ولد في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا ماتَ ولم يُمكن تَرْبِيَته ولا بَقاؤُهُ وإن هو هتك أغشيته كل الهتك حَتّى يُمكن تلافي ذَلِك ولم يُولد ماتَ فَإن لم يسْقط والا قتل الحامِل بِهِ وإن تهتك أغشيته هتكا يُمكن تلافيه بَقِي ولم يمت ومكث في مَوْضِعه الَّذِي تحرّك نَحوه وانقلب إلَيْهِ عند فَم الفرج وإنَّما يعرض لَهُم المَرَض في هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إذا لم يولدوا بعد تحركهم لأنهم يَنْقَلِبُون عَن مكانهم الَّذِي نشؤوا فِيهِ وتتغير مواضعهم وانخلاع السُّرَّة بانتقاله ولِأن أمهاتهم يعرض لَهُنَّ أن يمرضن عند ذَلِك لتمدد الأغشية وانخلاع السُّرَّة المُتَّصِلَة بالرحم مِنهُنَّ ولِأن الجَنِين إذا انحل رباطه ثقل على أمه.
(فصل)
وَإذا تكون الجَنِين وصوره الخالِق البارئ المصور خلق ورَأسه إلى فَوق ورجلاهُ إلى أسْفَل فعندما يَأْذَن الله بِخُرُوجِهِ يَنْقَلِب ويصير رَأسه إلى أسْفَل فيتقدم رَأسه سائِر بدنه هَذا بِاتِّفاق من الأطِبّاء والمشرحين وهَذا من تَمام العِنايَة الإلهية بالجنين وأمه لِأن رَأسه إذا خرج أولا كانَ خُرُوج سائِر بدنه أسهل من غير أن يحْتاج شَيْء مِنها إلى أن ينثني فَإن الجَنِين لَو خرجت رِجْلاهُ أولا لم يُؤمن أن ينشب في الرَّحِم عند يَدَيْهِ وإن خرجت رجله الواحِدَة لم يُؤمن أن يعلق وينشب في الرَّحِم عند إدْراكه وإن خرجت اليدان لم يُؤمن أن ينشب عند رَأسه إمّا أنه يلتوي إلى خلف، وإمّا لِأن السُّرَّة تلتوي إلى عُنُقه أو كتفه لِأن الجَنِين إذا انحدر فَصارَ إلى مَوضِع فِيهِ السُّرَّة ممتدة التوت هُناكَ على عُنُقه وكتفه فَيعرض من ذَلِك إمّا أن يجاذب السُّرَّة فتألم الأُم غايَة الألَم ثمَّ إن الجَنِين إمّا أن يَمُوت وإمّا أن يصعب خُرُوجه ويخرج وهو عليل متورم فاقتضت حِكْمَة أحكم الحاكِمين أن يَنْقَلِب في البَطن فَيخرج رَأسه أولا ثمَّ يتبع الرَّأْس باقِي البدن.
(فصل)
فِي السَّبَب الَّذِي لأجله لا يعِيش الوَلَد إذا ولد لثمانية أشهر ويعيش إذا ولد لسبعة أشهر وتِسْعَة وعشرَة
إذا أتم الجَنِين سَبْعَة أشهر عرض لَهُ حَرَكَة قَوِيَّة يتحركها بالطبع للانقلاب والخُرُوج فَإن كانَ الجَنِين قَوِيا من الأطْفال الَّذين لَهُم بالطبع قُوَّة شَدِيدَة في تركيبهم وجبلتهم حَتّى يقدر بحركته على أن يهتك ما يُحِيط بِهِ من الأغشية المحيطة بِهِ المُتَّصِلَة بالرحم حَتّى ينفذ ويخرج مِنها خرج في الشَّهْر السّابِع وهو قوي صَحِيح سليم لم تؤلمه الحَرَكَة ولم يمرضه الانقلاب وإن كانَ ضعيقا عَن ذَلِك فَهو إمّا أن يعطب بسب ما يَنالهُ من الضَّرَر والألم بالحركة للانقلاب فَيخرج مَيتا وإمّا أن يبْقى في البَطن فيمرض ويلبث في مَرضه نَحوا من أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى يبرأ وينتعش ويقوى فَإذا ولد في حُدُود الشَّهْر الثّامِن ولد وهو مَرِيض لم يتَخَلَّص من ألمه فيعطب ولا يسلم ولا يتربى، وإن لبث في الرَّحِم حَتّى يجوز هَذِه الأرْبَعين يَوْمًا إلى الشَّهْر التّاسِع وقَوي وصَحَّ وانتعش وبعد عَهده بِالمرضِ كانَ حريا أن يسلم وأولاهم بِأن يسلم أطولهم بعد الانقلاب لبثا في الرَّحِم وهم المولودون في الشَّهْر العاشِر وأما من ولد بَين العاشِر والتّاسِع فحالهم في ذَلِك بِحَسب القرب والبعد.
وَقالَ غَيره العلَّة في أنه لا يُمكن أن يعِيش المَوْلُود لثمانية أشهر أنه يتوالى عَلَيْهِ ضَرْبان من الضَّرَر أحدهما انقلابه في الشَّهْر السّابِع في جَوف الرَّحِم للولادة والثّانِي تغير الحال عَلَيْهِ بَين مَكانَهُ في الرَّحِم وبَين مَكانَهُ في الهَواء وإن كانَ قد يعرض ذَلِك التَّغْيِير لجَمِيع الأجنة لَكِن المَوْلُود لسبعة أشهر ينجو من الرَّحِم قبل أن يَنالهُ الضَّرَر الَّذِي من داخل بعقب الانقلاب والأمراض الَّتِي تعرض في جَوف الرَّحِم فالمولود لسبعة أشهر وعشرَة أشهر يلبث في الرَّحِم حَتّى يبرأ وينجو من تِلْكَ الأمْراض فَلَيْسَ يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا والمولود لثمانية أشهر يتوالى عَلَيْهِ الضرران مَعًا وكَذَلِكَ لا يُمكن أن يعِيش وجَمِيع الأجنة في الشَّهْر الثّامِن يعرض لَهُم المَرَض.
ويدلك على ذَلِك أنَّك تَجِد جَمِيع الحَوامِل والحبالى في الشَّهْر الثّامِن أسْوَأ حالا وأثقل مِنهُنَّ في مُدَّة الشُّهُور الَّتِي قبل هَذا الشَّهْر وبعده وأحوال الأُمَّهات مُتَّصِلَة بأحوال الأجنة.
(فصل)
وبكاء الطِّفْل ساعَة وِلادَته يدل على صِحَّته وقوته وشدته وإذا وضع الطِّفْل يَده أو إبهامه أو إصبعه على عُضْو من أعْضائِهِ فَهو دَلِيل على ألم ذَلِك العُضْو وكل الحَيَوان بالطبع يُشِير إلى ما يؤلمه من بدنه إمّا بِيَدِهِ أو بفمه أو بِرَأْسِهِ أو بِذَنبِهِ فَلَمّا كانَ الطِّفْل عادما للنطق أشارَ بِأُصْبُعِهِ أو يَده إلى مَوضِع ألمه كالحيوان البهيم.
(فصل)
فِي أن الأطْفال وهم حمل في الرَّحِم أقوى مِنهُم بعد ولادهم وأصبر وأشد احْتِمالا لما يعرض لَهُم وكَذَلِكَ تكون العِنايَة بهم بعد ولادهم آكِد والحذر عَلَيْهِم أشد فَإن أغْصان الشَّجَرَة وفروعها ما دامَت لاصقة بِالشَّجَرَةِ ومتصلة بها لا تكاد الرِّياح العواصف تزعزعها ولا تقتلعها فَإذا فصلت عَنْها وغرست في مَواضِع أخر نالتها الآفة ووصلت إلَيْها بِأدْنى ريح تهب حَتّى تقتلعها
وَكَذَلِكَ الجَنِين ما دامَ في الرَّحِم فَهو يقوى ويصبر على ما يعرض لَهُ ويناله من سوء التَّدْبِير والأذى على ما لا يصبر على اليَسِير مِنهُ بعد وِلادَته وانفصاله عَن الرَّحِم وكَذَلِكَ الثَّمَرَة على الشَّجَرَة أقوى مِنها وأثبت بعد قطعها مِنها
وَلما كانَ مُفارقَة كل مُعْتاد ومألوف بالانتقال عَنهُ شَدِيدا على من رامه ولا سِيما إذا كانَ الِانْتِقال دفْعَة واحِدَة فالجنين عند مُفارقَته للرحم ينْتَقل عَمّا قد ألفه واعتاده في جَمِيع أحْواله دفْعَة واحِدَة وشدَّة ذَلِك الِانْتِقال عَلَيْهِ أكثر من شدَّة الِانْتِقال بالتدريج
وَلذَلِك قالَ بقراط قد يعلم بِأهْوَن سعي وأيسره أن التَّدْبِير الرَّدِيء من المطعم والمشْرَب إذا كانَ يجْرِي مَعَ رداءته على أمر واحِد يشبه بعضه بَعْضًا دائِما فَهو أوثق وأحرز وأبْعد عَن الخطر في التماس الصِّحَّة للأبدان من أن ينْقل الرجل تَدْبيره دفْعَة واحِدَة إلى غذاء أفضل مِنهُ فالجنين ينْتَقل عَمّا ألفه واعتاده في غذائه وتنفسه ومداخله وما يكتنفه وهلة واحِدَة
وَهَذِه أول شدَّة يلقاها في الدُّنْيا ثمَّ تتوافر عَلَيْها الشدائد حَتّى يكون آخرها الشدَّة العُظْمى الَّتِي لا شدَّة فَوْقها أو الرّاحَة العُظْمى الَّتِي لا تَعب دونها ولذَلِك لا يبكي عند وُرُود هَذِه الشدَّة عَلَيْهِ مَعَ ما يلقاه من وكز الشَّيْطان وطعنه في خاصرته.
(فصل)
والجنين في الرَّحِم كانَ يغتذي بِما يلائمه وكانَ يجتذب بالطبع المِقْدار الَّذِي يلائمه من دم أمه وبعد خُرُوجه يجتذب من اللَّبن ما يلائمه أيْضا لكنه يجتذب بشهوته وإرادته فيزيد على مِقْدار ما يحْتاج إلَيْهِ مَعَ كَون اللَّبن
يكون رديئا ومعلولا كَما يكون صَحِيحا وكَذَلِكَ يعرض لَهُ القَيْء والغثيان ويجتذب أخلاط بدنه وتعرض لَهُ الآلام والأوجاع والآفات الَّتِي لم تعرض لَهُ في البَطن وقد كانَ عَلَيْهِ من الأغشية والحجب ما يمْنَع وُصُول الأذى اليه فَلَمّا ولد هيئ لَهُ أغشية وحجب أخر لم يكن يألفها ويعتادها ورُبما صحى للْحرّ والبرد والهواء وكانَ يجتذبه من سرته وهو ألطف شَيْء معتدل صَحِيح قد يَصح قلب الأُم وعروقها الضوارب فَهو شَبيه بِما يجتذبه من هو داخل الحمام من الهَواء اللَّطِيف المعتدل ثمَّ يخرج مِنهُ وهلة واحِدَة عُريانا إلى الهَواء العاصف المؤذي.
وَبِالجُمْلَةِ فقد انْتقل عَن مألوفه وما اعتاده وهلة واحِدَة إلى ما هو أشد عَلَيْهِ مِنهُ وأصعب وهَذا من تَمام حِكْمَة الخلاق العَلِيم ليمرن عَبده على مُفارقَة عوائده ومألوفاته إلى ما هو أفضل مِنها وأنفع وأوفق لَهُ وقد أشارَ تَعالى إلى هَذا بقوله ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ [الانشقاق ١٩ أي حالا بعد حال فَأول أطباقه كَونه نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ثمَّ مولودا ثمَّ رضيعا ثمَّ فطميا ثمَّ صَحِيحا أو مَرِيضا غَنِيا أو فَقِيرا معافى أو مبتلى إلى جَمِيع أحْوال الإنْسان المُخْتَلفَة عَلَيْهِ إلى أن يَمُوت ثمَّ يبْعَث ثمَّ يُوقف بَين يَدي الله تَعالى ثمَّ يصير إلى الجنَّة أو النّار فالمَعْنى لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر.
قالَ سعيد بن جُبَير وابْن زيد "لتكونن في الآخِرَة بعد الأولى ولتصيرن أغْنِياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى"
وَقالَ عَطاء: شدَّة بعد شدَّة والطبق والطبقة الحال، ولِهَذا يُقال كانَ فلان على طَبَقات شَتّى
قالَ عَمْرو بن العاصِ لقد كنت على طَبَقات ثَلاث أي أحْوال ثَلاث
قالَ ابْن الأعرابِي الطَّبَق الحال على اختلافها وقد ذكرنا بعض أطباق الجَنِين في البَطن من حِين كَونه نُطْفَة إلى وقت ولاده ثمَّ نذْكر أطباقه بعد وِلادَته إلى آخرها فَنَقُول
الجَنِين في الرَّحِم بِمَنزِلَة الثَّمَرَة على الشَّجَرَة في اتصالها بمحلها اتِّصالًا قَوِيا فَإذا بلغت الغايَة لم يبْق إلّا انفصالها لثقلها وكمالها وانْقِطاع العُرُوق الممسكة لَها فَكَذا الجَنِين تنهك عَنهُ تِلْكَ الأغشية وتنفصل العُرُوق الَّتِي تمسكه بَين المشيمة والرحم وتصير تِلْكَ الرطوبات المزلفة فتعينه بإزلاقها وثقله وانتهاك الحجب وانفصال العُرُوق على الخُرُوج فينفتح الرَّحِم انفتاحا عَظِيما جدا ولا بُد من انْفِصال بعض المفاصل العَظِيمَة ثمَّ تلتئم في أسْرع زمان وقد اعْترف بذلك حذاق الأطباق والمشرحين وقالُوا لا يتم ذَلِك إلّا بعناية إلهية وتدبير يعجز عقول النّاس عَن إدْراك كيفيته ﴿فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ﴾
فَإذا انْفَصل الجَنِين بَكى ساعَة انْفِصاله لسَبَب طبيعي وهو مُفارقَة إلفه ومكانه الَّذِي كانَ فِيهِ وسبب مُنْفَصِل عَنهُ وهو طعن الشَّيْطان في خاصرته فَإذا انْفَصل وتمّ انْفِصاله مد يَده إلى فِيهِ فَإذا تمّ لَهُ أرْبَعُونَ يَوْمًا تَجِد لَهُ أمر آخر على نَحْو ما كانَ يَتَجَدَّد لَهُ وهو في الرَّحِم فيضحك عند الأرْبَعين وذَلِكَ أول ما يعقل نَفسه فَإذا تمّ لَهُ شَهْران رأى المنامات ثمَّ ينشأ مَعَه التَّمْيِيز والعقل على التدريج شَيْئا فَشَيْئًا إلى سنّ التَّمْيِيز ولَيْسَ لَهُ سنّ معِين بل من النّاس ما يُمَيّز لخمس كَما قالَ مَحْمُود بن الرّبيع عقلت من النَّبِي ﷺ مجة مجها في وجْهي من دلو في بئرهم وأنا ابْن خمس سِنِين.
وَلذَلِك جعلت الخمس سِنِين حدا لحدة سَماع الصَّبِي.
وَبَعْضهمْ يُمَيّز لأقل مِنها ويذكر أمورا جرت لَهُ وهو دون الخمس سِنِين.
وَقد ذكرنا عَن إياس بن مُعاوِيَة أنه قالَ اذكر يَوْم ولدتني أُمِّي فَإنِّي خرجت من ظلمَة إلى ضوء ثمَّ صرت إلى ظلمَة فَسُئِلت أمه عَن ذَلِك فَقالَت صدق لما انْفَصل مني لم يكن عِنْدِي ما ألفه بِهِ فَوضعت عَلَيْهِ قَصْعَة.
وَهَذا من أعجب الأشياء وأندرها فَإذا صار لَهُ سبع سِنِين دخل في سنّ التَّمْيِيز وأمر بِالصَّلاةِ
كَما في المسند والسّنَن من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أبِيه عَن جده قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ
"مروا أبناءكم بِالصَّلاةِ لسبع سِنِين وأضربوهم عَلَيْها لعشر سِنِين وفرقُوا بَينهم في المضاجِع"
المؤمنون 23:55
(فصل)
وكل لذة أعقبت ألما أو منعت لذة أكمل منها فليست بلذة في الحقيقة وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها فأي لذة لآكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب، وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم.
وذلك مثل لذة العين اتخذوا من دون الله أولياء يحبونهم كحب الله فنالوا بهم مودة بينهم في الحياة الدنيا، ثم استحالت تلك اللذة أعظم ألم وأمره.
ومن ذلك لذة العقائد الفاسدة والفرح بها، ولذة غلبة أهل الجور والظلم والعدوان والزنا والسرقة وشرب المسكرات، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لم يمكنهم من ذلك لخير يريده بهم إنما هو استدراج منه لينيلهم به أعظم الألم قال الله تعالى ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾
وقال تعالى ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾
وأما اللذة التي لا تعقب ألما في دار القرار ولا توصل إلى لذة هناك فهي لذة باطلة إلا لا منفعة فيها ولا مضرة وزمنها يسير ليس لتمتع النفس بها قدر وهي لا بد أن تشغل عما هو خير وأنفع منها في العاجلة والآجلة وإن لم تشغل
عن أصل اللذة في الآخرة وهذا القسم هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق "
رواه مسلم.
ولهذا كانت لذة اللعب بالدف في العرس جائزة فإنها تعين على النكاح كما تعين لذة الرمي بالقوس وتأديب الفرس على الجهاد وكلاهما محبوب لله فما أعان على حصول محبوبه فهو من الحق ولهذا عد ملاعبة الرجل امرأته من الحق لإعانتها على مقاصد النكاح الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، وما لم يعن على محبوب الرب تعالى فهو باطل لا فائدة فيه ولكن إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لم يحرم ولم ينه عنه، ولكن إذا صد عن ذكر الله وعن الصلاة صار مكروها بغيضا للرب عز وجل مقيتا عنده إما بأصله وإما بالتجاوز فيه وكل ما صد عن اللذة المطلوبة فهو وبال على صاحبه فإنه لو اشتغل حين مباشرته له بما ينفعه ويجلب له اللذة المطلوبة الباقية لكان خيرا له وأنفع ولما كانت النفوس الضعيفة كنفوس النساء والصبيان لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا بإعطائها شيئا من لذة اللهو واللعب بحيث لو فطمت عنه كل الفطام طلبت ما هو شر لها منه رخص لها من ذلك فيما لم يرخص فيه لغيرها.
وهذا كما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي ﷺ وعنده جوار يضربن بالدف فأسكتهن لدخوله وقال " هذا رجل لا يحب الباطل"
فأخبر أن ذلك باطل ولم يمنعهن منه لما يترتب لهن عليه من المصلحة الراجحة ويتركن به مفسدة أرجح من مفسدته.
وأيضا فيحصل لهم من التألم بتركه مفسدة هي أعظم من مفسدته، فتمكينهم من ذلك من باب الرحمة والشفقة والإحسان، كما مكن النبي ﷺ أبا عمير من اللعب بالعصفور بحضرته، ومكن الجاريتين من الغناء بحضرته، ومكن عائشة رضي الله عنها من النظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، ومكن تلك المرأة أن تضرب على رأسه بالدف ونظائر ذلك.
فأين هذا من اتخاذ الشيوخ المشار إليهم المقتدى بهم ذلك دينا وطريقا مع التوسع فيه غاية التوسع بما لا ريب في تحريمه.
ونظير هذا إعطاء النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة لضعف قلوبهم عن قلوب الراسخين في الإيمان من أصحابه، ولهذا أعطى هؤلاء ومنع هؤلاء، وقال: أكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغناء والخير.
ونظير هذا مزاحه مع من كان يمزح معه من الأعراب والصبيان والنساء تطييبا لقلوبهم واستجلابا لإيمانهم وتفريحا لهم.
وفي مراسيل الشعبي أن النبي ﷺ مر على أصحاب الدركلة فقال:
"خذوا يا بني أرفدة حتى تعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة"
ذكره أبو عبيد وقال الدركلة لعبة العجم فالنبي ﷺ يبذل للنفوس من الأموال والمنافع ما يتألفها به على الحق المأمور به، ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه لأن ذلك وسيلة إلى غيره، ولا يفعل ذلك مع من لا يحتاج إليه كالمهاجرين والأنصار، بل يبذل لهم أنواعا أخر من الإحسان إليهم والمنافع في دينهم ودنياهم ولما كان عمر نب الخطاب رضي الله عنه ممن لا يحب هذا الباطل ولا سماعه ولا يحتاج أن يتألف بما يتألف به غيره وليس مأمورا بما أمر به النبي ﷺ من التأليف على الإيمان به وطاعته بكل طريق كان إعراضه عنه كمالا بالنسبة إليه وحال النبي ﷺ رضي الله عنه أكمل.
المؤمنون 23:56
(فصل)
وكل لذة أعقبت ألما أو منعت لذة أكمل منها فليست بلذة في الحقيقة وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها فأي لذة لآكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب، وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم.
وذلك مثل لذة العين اتخذوا من دون الله أولياء يحبونهم كحب الله فنالوا بهم مودة بينهم في الحياة الدنيا، ثم استحالت تلك اللذة أعظم ألم وأمره.
ومن ذلك لذة العقائد الفاسدة والفرح بها، ولذة غلبة أهل الجور والظلم والعدوان والزنا والسرقة وشرب المسكرات، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لم يمكنهم من ذلك لخير يريده بهم إنما هو استدراج منه لينيلهم به أعظم الألم قال الله تعالى ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾
وقال تعالى ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾
وأما اللذة التي لا تعقب ألما في دار القرار ولا توصل إلى لذة هناك فهي لذة باطلة إلا لا منفعة فيها ولا مضرة وزمنها يسير ليس لتمتع النفس بها قدر وهي لا بد أن تشغل عما هو خير وأنفع منها في العاجلة والآجلة وإن لم تشغل
عن أصل اللذة في الآخرة وهذا القسم هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق "
رواه مسلم.
ولهذا كانت لذة اللعب بالدف في العرس جائزة فإنها تعين على النكاح كما تعين لذة الرمي بالقوس وتأديب الفرس على الجهاد وكلاهما محبوب لله فما أعان على حصول محبوبه فهو من الحق ولهذا عد ملاعبة الرجل امرأته من الحق لإعانتها على مقاصد النكاح الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، وما لم يعن على محبوب الرب تعالى فهو باطل لا فائدة فيه ولكن إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لم يحرم ولم ينه عنه، ولكن إذا صد عن ذكر الله وعن الصلاة صار مكروها بغيضا للرب عز وجل مقيتا عنده إما بأصله وإما بالتجاوز فيه وكل ما صد عن اللذة المطلوبة فهو وبال على صاحبه فإنه لو اشتغل حين مباشرته له بما ينفعه ويجلب له اللذة المطلوبة الباقية لكان خيرا له وأنفع ولما كانت النفوس الضعيفة كنفوس النساء والصبيان لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا بإعطائها شيئا من لذة اللهو واللعب بحيث لو فطمت عنه كل الفطام طلبت ما هو شر لها منه رخص لها من ذلك فيما لم يرخص فيه لغيرها.
وهذا كما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي ﷺ وعنده جوار يضربن بالدف فأسكتهن لدخوله وقال " هذا رجل لا يحب الباطل"
فأخبر أن ذلك باطل ولم يمنعهن منه لما يترتب لهن عليه من المصلحة الراجحة ويتركن به مفسدة أرجح من مفسدته.
وأيضا فيحصل لهم من التألم بتركه مفسدة هي أعظم من مفسدته، فتمكينهم من ذلك من باب الرحمة والشفقة والإحسان، كما مكن النبي ﷺ أبا عمير من اللعب بالعصفور بحضرته، ومكن الجاريتين من الغناء بحضرته، ومكن عائشة رضي الله عنها من النظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، ومكن تلك المرأة أن تضرب على رأسه بالدف ونظائر ذلك.
فأين هذا من اتخاذ الشيوخ المشار إليهم المقتدى بهم ذلك دينا وطريقا مع التوسع فيه غاية التوسع بما لا ريب في تحريمه.
ونظير هذا إعطاء النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة لضعف قلوبهم عن قلوب الراسخين في الإيمان من أصحابه، ولهذا أعطى هؤلاء ومنع هؤلاء، وقال: أكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغناء والخير.
ونظير هذا مزاحه مع من كان يمزح معه من الأعراب والصبيان والنساء تطييبا لقلوبهم واستجلابا لإيمانهم وتفريحا لهم.
وفي مراسيل الشعبي أن النبي ﷺ مر على أصحاب الدركلة فقال:
"خذوا يا بني أرفدة حتى تعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة"
ذكره أبو عبيد وقال الدركلة لعبة العجم فالنبي ﷺ يبذل للنفوس من الأموال والمنافع ما يتألفها به على الحق المأمور به، ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه لأن ذلك وسيلة إلى غيره، ولا يفعل ذلك مع من لا يحتاج إليه كالمهاجرين والأنصار، بل يبذل لهم أنواعا أخر من الإحسان إليهم والمنافع في دينهم ودنياهم ولما كان عمر نب الخطاب رضي الله عنه ممن لا يحب هذا الباطل ولا سماعه ولا يحتاج أن يتألف بما يتألف به غيره وليس مأمورا بما أمر به النبي ﷺ من التأليف على الإيمان به وطاعته بكل طريق كان إعراضه عنه كمالا بالنسبة إليه وحال النبي ﷺ رضي الله عنه أكمل.
المؤمنون 23:57
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
فَقالَ: هم الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ ويَخافُونَ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ».
وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
أهْوَ الَّذِي يَزْنِي، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» قالَ الحَسَنُ: عَمِلُوا واللَّهِ بِالطّاعاتِ، واجْتَهَدُوا فِيها، وخافُوا أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إحْسانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا.
[فَصْلٌ الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ]
الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ والِاسْتِعانَةَ وقِصَرَ الأمَلِ. وقُوَّةُ الإيمانِ بِاللِّقاءِ تُثْمِرُ الزُّهْدَ. والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ والخَوْفَ والرَّجاءَ. والقَناعَةُ تُثْمِرُ الرِّضاءَ. والذِّكْرُ يُثْمِرُ حَياةَ القَلْبِ.
والإيمانُ بِالقَدْرِ يُثْمِرُ التَّوَكُّلَ. ودَوامُ تَأمُّلِ الأسْماءِ والصِّفاتِ يُثْمِرُ المَعْرِفَةَ. والوَرَعُ يُثْمِرُ الزُّهْدَ أيْضًا. والتَّوْبَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ أيْضًا، ودَوامُ الذِّكْرِ يُثْمِرُها. والرِّضا يُثْمِرُ الشُّكْرَ. والعَزِيمَةُ والصَّبْرُ يُثْمِرانِ جَمِيعَ الأحْوالِ والمَقاماتِ.
والإخْلاصُ والصِّدْقُ كُلٌّ مِنهُما يُثْمِرُ الآخَرَ ويَقْتَضِيهِ.
والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الخُلُقَ. والفِكْرُ يُثْمِرُ العَزِيمَةَ.
والمُراقَبَةُ تُثْمِرُ عِمارَةَ الوَقْتِ، وحِفْظَ الأيّامِ والحَياءَ، والخَشْيَةَ والإنابَةَ.
وَإماتَةُ النَّفْسِ وإذْلالُها وكَسْرُها يُوجِبُ حَياةَ القَلْبِ وعِزَّهُ وجَبْرَهُ.
وَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ ومَقْتُها يُوجِبُ الحَياءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واسْتِكْثارَ ما مِنهُ، واسْتِقْلالَ ما مِنكَ مِنَ الطّاعاتِ.
وَمَحْوَ أثَرِ الدَّعْوى مِنَ القَلْبِ واللِّسانِ وصِحَّةُ البَصِيرَةِ تُثْمِرُ اليَقِينَ.
وَحَسَنُ التَّأمُّلِ لِما تَرى وتَسْمَعُ مِنَ الآياتِ المَشْهُودَةِ والمَتْلُوَّةِ يُثْمِرُ صِحَّةَ البَصِيرَةِ.
وَمِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَنْقُلَ قَلْبَكَ مِن وطَنِ الدُّنْيا فَتُسْكِنَهُ في وطَنِ الآخِرَةِ، ثُمَّ تُقْبِلَ بِهِ كُلِّهِ عَلى مَعانِي القُرْآنِ واسْتِجْلائِها وتَدَبُّرِها، وفَهْمِ ما يُرادُ مِنهُ وما نَزَلْ لِأجْلِهِ، وأخْذِ نَصِيبِكَ وحَظِّكَ مِن كُلِّ آيَةٍ مِن آياتِهِ، وتُنْزِلَها عَلى داءِ قَلْبِكَ.
فَهَذِهِ طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ قَرِيبَةٌ سَهْلَةٌ. مُوَصِّلَةٌ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. آمِنَةٌ لا يَلْحَقُ سالِكَها خَوْفٌ ولا عَطَبٌ، ولا جَوْعٌ ولا عَطَشٌ، ولا فِيها آفَةٌ مِن آفاتِ سائِرِ الطَّرِيقِ ألْبَتَّةَ. وعَلَيْها مِنَ اللَّهِ حارِسٌ وحافِظٌ يَكْلَأُ السّالِكِينَ فِيها ويَحْمِيهِمْ، ويَدْفَعُ عَنْهم. ولا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ إلّا مِن عَرَفَ طُرُقَ النّاسِ وغَوائِلَها وآفاتِها وقُطّاعَها. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الإخْلاصِ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ، وتَوْفِيرِ الجُهْدِ بِالِاحْتِماءِ مِنَ الشُّهُودِ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ في نُورِ التَّوْفِيقِ مِن عَيْنِ الجُودِ.
هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورِ " خَجَلُهُ " مِن عَمَلِهِ، وهو شِدَّةُ حَيائِهِ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ العَمَلَ صالِحًا لَهُ، مَعَ بَذْلِ مَجْهُودِهِ فِيهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويُصَلِّي، ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ».
وَقالَ بَعْضُهُمْ: إنِّي لَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأقُومُ عَنْهُما بِمَنزِلَةِ السّارِقِ أوِ الزّانِي، الَّذِي يَراهُ النّاسُ، حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فالمُؤْمِنُ: جَمَعَ إحْسانًا في مَخافَةٍ وسُوءَ ظَنٍّ بِنَفْسِهِ. والمَغْرُورُ: حَسَنُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ إساءَتِهِ.
الثّانِي: تَوْفِيرُ الجُهْدِ بِاحْتِمائِهِ مِنَ الشُّهُودِ، أيْ يَأْتِي بِجُهْدِ الطّاقَةِ في تَصْحِيحِ العَمَلِ، مُحْتَمِيًا عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ وبِكَ.
الثّالِثُ: أنْ تَحْتَمِيَ بِنُورِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يُنَوِّرُ اللَّهُ بِهِ بَصِيرَةَ العَبْدِ. فَتَرى في ضَوْءِ ذَلِكَ النُّورِ أنَّ عَمَلَكَ مِن عَيْنِ جُودِهِ لا بِكَ، ولا مِنكَ.
فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ عَلى خَمْسَةِ أشْياءَ: عَمَلٌ، واجْتِهادٌ فِيهِ، وخَجَلٌ، وحَياءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيانَةٌ عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ، ورُؤْيَتُهُ مِن عَيْنِ جُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومِنهُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الخُلُقِ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ. وتَحْسِينُهُ مِنكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنكَ يُوجِبُ عُذْرًا، وأنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنَ الحَقِّ يُوجِبُ شُكْرًا، وأنْ لا تَرى لَهُ مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قاعِدَتَيْنِ.
إحْداهُما: أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ ناقِصٌ. وكُلُّ ما يَأْتِي مِنَ النّاقِصِ ناقِصٌ. فَهو يُوجِبُ اعْتِذارَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ. فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتَعَذَّرَ إلى رَبِّهِ مِن كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. أمّا الشَّرُّ: فَظاهِرٌ. وأمّا الخَيْرُ: فَيَعْتَذِرُ مِن نُقْصانِهِ. ولا يَراهُ صالِحًا لِرَبِّهِ.
فَهُوَ - مَعَ إحْسانِهِ - مُعْتَذِرٌ في إحْسانِهِ. ولِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِالوَجَلِ مِنهُ مَعَ إحْسانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويَتَصَدَّقُ. ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» فَإذا خافَ فَهو بِالِاعْتِذارِ أوْلى.
والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُهُودُ تَقْصِيرِهِ ونُقْصانِهِ.
والثّانِي: صِدْقُ مَحَبَّتِهِ.
فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَتَقَرَّبُ إلى مَحْبُوبِهِ بِغايَةِ إمْكانِهِ.
وَهُوَ مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ، مُسْتَحْيٍ مِنهُ: أنْ يُواجِهَهُ بِما واجَهَهُ بِهِ.
وَهُوَ يَرى أنَّ قَدْرَهُ فَوْقَهُ وأجَلُّ مِنهُ. وهَذا مُشاهَدٌ في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِينَ.
القاعِدَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِعْظامُ كُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ إلَيْكَ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْكَ، وأنَّكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِهِ. ولا يَتَبَيَّنُ هَذا إلّا في المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَسْتَكْثِرُ مِن مَحْبُوبِهِ كُلَّ ما يَنالُهُ.
فَإذا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ وأعْطاهُ إيّاهُ: كانَ سُرُورُهُ بِذِكْرِهِ لَهُ، وتَأْهِيلِهِ لِعَطائِهِ: أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن سُرُورِهِ بِذَلِكَ العَطاءِ بَلْ يَغِيبُ بِسُرُورِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ عَنْ سُرُورِهِ بِالعَطِيَّةِ. وإنْ كانَ المُحِبُّ يَسُرُّهُ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ لَهُ، وإنْ نالَهُ بِمَساءَةٍ.
كَما قالَ القائِلُ:
؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتَنِي بِمُساءَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكا
فَكَيْفَ إذا نالَهُ مَحْبُوبُهُ بِمَسَرَّةٍ - وإنْ دَقَّتْ - فَإنَّهُ لا يَراها إلّا جَلِيلَةً خَطِيرَةً. فَكَيْفَ هَذا مَعَ الرَّبِّ تَعالى الَّذِي لا يَأْتِي أبَدًا إلّا بِالخَيْرِ؟ ويَسْتَحِيلُ خِلافُ ذَلِكَ في حَقِّهِ. كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ كَمالِهِ.
وَقَدْ أفْصَحَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: «والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»
أيْ لا يُضافُ إلَيْكَ. ولا يُنْسَبُ إلَيْكَ. ولا يَصْدُرُ مِنكَ. فَإنَّ أسْماءَهُ كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِهِ كُلَّها كَمالٌ، وأفْعالَهُ كُلَّها فَضْلٌ وعَدْلٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ. فَبِأيِّ وجْهٍ يُنْسَبُ الشَّرُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَكُلُّ ما يَأْتِي مِنهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. ولَهُ فِيهِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ.
قَوْلُهُ: وأنْ لا يَرى مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
يَعْنِي: أنَّ مُعامَلَتَكَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى الِاعْتِذارِ مِن كُلِّ ما مِنكَ، والشُّكْرِ عَلى ما مِنهُ - عَقْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لازِمٌ لَكَ أبَدًا، لا تَرى مِنَ الوَفاءِ بِهِ بُدًّا.
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عارِضٍ، وحالٍ يُحَوَّلُ. بَلْ عَقْدٌ لازِمٌ عَلَيْكَ الوَفاءُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
[فَصْلٌ: الرَّجاءُ والأمانِيُّ]
وَمِمّا يَنْبَغِي أنَّ مَن رَجا شَيْئًا اسْتَلْزَمَ رَجاؤُهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ:
أحَدُها: مَحَبَّةُ ما يَرْجُوهُ.
الثّانِي: خَوْفُهُ مِن فَواتِهِ.
الثّالِثُ: سَعْيُهُ في تَحْصِيلِهِ بِحَسْبِ الإمْكانِ.
وَأمّا رَجاءٌ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو مِن بابِ الأمانِيِّ، والرَّجاءُ شَيْءٌ والأمانِيُّ شَيْءٌ آخَرُ، فَكُلُّ راجٍ خائِفٌ، والسّائِرُ عَلى الطَّرِيقِ إذا خافَ أسْرَعَ السَّيْرَ مَخافَةَ الفَواتِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غالِيَةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ».
وَهُوَ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ الرَّجاءَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ الخَوْفَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ النّافِعَ ما اقْتَرَنَ بِهِ العَمَلُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ - والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١].
وَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: أهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَزْنُونَ، ويَسْرِقُونَ، فَقالَ: «لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ، ويَخافُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهُمْ، أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ». وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ أهْلَ السَّعادَةِ بِالإحْسانِ مَعَ الخَوْفِ، ووَصَفَ الأشْقِياءَ بِالإساءَةِ مَعَ الأمْنِ.
خَوْفُ الصَّحابَةِ مِنَ اللَّهِ.
مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.
وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.
وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.
وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧] فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.
وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.
وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.
وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.
وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.
وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.
وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.
وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.
وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي. وهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.
وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي في المُنافِقِينَ، فَيَقُولُ: لا، ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أحَدًا.
فَسَمِعْتُ شَيْخَنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَيْسَ مُرادُهُ لا أُبْرِئُ غَيْرَكَ مِنَ النِّفاقِ، بَلِ المُرادُ لا أفْتَحُ عَلى نَفْسِي هَذا البابَ، فَكُلُّ مَن سَألَنِي هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُزَكِّيهِ.
قُلْتُ: وقَرِيبٌ مِن هَذا «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ: سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ».
وَلَمْ يُرِدْ أنَّ عُكاشَةَ وحْدَهُ أحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَداهُ مِنَ الصَّحابَةِ، ولَكِنْ لَوْ دَعا لَقامَ آخَرُ وآخَرُ وانْفَتَحَ البابُ، ورُبَّما قامَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَكانَ الإمْساكُ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المؤمنون 23:58
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
فَقالَ: هم الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ ويَخافُونَ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ».
وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
أهْوَ الَّذِي يَزْنِي، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» قالَ الحَسَنُ: عَمِلُوا واللَّهِ بِالطّاعاتِ، واجْتَهَدُوا فِيها، وخافُوا أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إحْسانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا.
[فَصْلٌ الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ]
الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ والِاسْتِعانَةَ وقِصَرَ الأمَلِ. وقُوَّةُ الإيمانِ بِاللِّقاءِ تُثْمِرُ الزُّهْدَ. والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ والخَوْفَ والرَّجاءَ. والقَناعَةُ تُثْمِرُ الرِّضاءَ. والذِّكْرُ يُثْمِرُ حَياةَ القَلْبِ.
والإيمانُ بِالقَدْرِ يُثْمِرُ التَّوَكُّلَ. ودَوامُ تَأمُّلِ الأسْماءِ والصِّفاتِ يُثْمِرُ المَعْرِفَةَ. والوَرَعُ يُثْمِرُ الزُّهْدَ أيْضًا. والتَّوْبَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ أيْضًا، ودَوامُ الذِّكْرِ يُثْمِرُها. والرِّضا يُثْمِرُ الشُّكْرَ. والعَزِيمَةُ والصَّبْرُ يُثْمِرانِ جَمِيعَ الأحْوالِ والمَقاماتِ.
والإخْلاصُ والصِّدْقُ كُلٌّ مِنهُما يُثْمِرُ الآخَرَ ويَقْتَضِيهِ.
والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الخُلُقَ. والفِكْرُ يُثْمِرُ العَزِيمَةَ.
والمُراقَبَةُ تُثْمِرُ عِمارَةَ الوَقْتِ، وحِفْظَ الأيّامِ والحَياءَ، والخَشْيَةَ والإنابَةَ.
وَإماتَةُ النَّفْسِ وإذْلالُها وكَسْرُها يُوجِبُ حَياةَ القَلْبِ وعِزَّهُ وجَبْرَهُ.
وَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ ومَقْتُها يُوجِبُ الحَياءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واسْتِكْثارَ ما مِنهُ، واسْتِقْلالَ ما مِنكَ مِنَ الطّاعاتِ.
وَمَحْوَ أثَرِ الدَّعْوى مِنَ القَلْبِ واللِّسانِ وصِحَّةُ البَصِيرَةِ تُثْمِرُ اليَقِينَ.
وَحَسَنُ التَّأمُّلِ لِما تَرى وتَسْمَعُ مِنَ الآياتِ المَشْهُودَةِ والمَتْلُوَّةِ يُثْمِرُ صِحَّةَ البَصِيرَةِ.
وَمِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَنْقُلَ قَلْبَكَ مِن وطَنِ الدُّنْيا فَتُسْكِنَهُ في وطَنِ الآخِرَةِ، ثُمَّ تُقْبِلَ بِهِ كُلِّهِ عَلى مَعانِي القُرْآنِ واسْتِجْلائِها وتَدَبُّرِها، وفَهْمِ ما يُرادُ مِنهُ وما نَزَلْ لِأجْلِهِ، وأخْذِ نَصِيبِكَ وحَظِّكَ مِن كُلِّ آيَةٍ مِن آياتِهِ، وتُنْزِلَها عَلى داءِ قَلْبِكَ.
فَهَذِهِ طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ قَرِيبَةٌ سَهْلَةٌ. مُوَصِّلَةٌ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. آمِنَةٌ لا يَلْحَقُ سالِكَها خَوْفٌ ولا عَطَبٌ، ولا جَوْعٌ ولا عَطَشٌ، ولا فِيها آفَةٌ مِن آفاتِ سائِرِ الطَّرِيقِ ألْبَتَّةَ. وعَلَيْها مِنَ اللَّهِ حارِسٌ وحافِظٌ يَكْلَأُ السّالِكِينَ فِيها ويَحْمِيهِمْ، ويَدْفَعُ عَنْهم. ولا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ إلّا مِن عَرَفَ طُرُقَ النّاسِ وغَوائِلَها وآفاتِها وقُطّاعَها. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الإخْلاصِ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ، وتَوْفِيرِ الجُهْدِ بِالِاحْتِماءِ مِنَ الشُّهُودِ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ في نُورِ التَّوْفِيقِ مِن عَيْنِ الجُودِ.
هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورِ " خَجَلُهُ " مِن عَمَلِهِ، وهو شِدَّةُ حَيائِهِ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ العَمَلَ صالِحًا لَهُ، مَعَ بَذْلِ مَجْهُودِهِ فِيهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويُصَلِّي، ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ».
وَقالَ بَعْضُهُمْ: إنِّي لَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأقُومُ عَنْهُما بِمَنزِلَةِ السّارِقِ أوِ الزّانِي، الَّذِي يَراهُ النّاسُ، حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فالمُؤْمِنُ: جَمَعَ إحْسانًا في مَخافَةٍ وسُوءَ ظَنٍّ بِنَفْسِهِ. والمَغْرُورُ: حَسَنُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ إساءَتِهِ.
الثّانِي: تَوْفِيرُ الجُهْدِ بِاحْتِمائِهِ مِنَ الشُّهُودِ، أيْ يَأْتِي بِجُهْدِ الطّاقَةِ في تَصْحِيحِ العَمَلِ، مُحْتَمِيًا عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ وبِكَ.
الثّالِثُ: أنْ تَحْتَمِيَ بِنُورِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يُنَوِّرُ اللَّهُ بِهِ بَصِيرَةَ العَبْدِ. فَتَرى في ضَوْءِ ذَلِكَ النُّورِ أنَّ عَمَلَكَ مِن عَيْنِ جُودِهِ لا بِكَ، ولا مِنكَ.
فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ عَلى خَمْسَةِ أشْياءَ: عَمَلٌ، واجْتِهادٌ فِيهِ، وخَجَلٌ، وحَياءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيانَةٌ عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ، ورُؤْيَتُهُ مِن عَيْنِ جُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومِنهُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الخُلُقِ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ. وتَحْسِينُهُ مِنكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنكَ يُوجِبُ عُذْرًا، وأنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنَ الحَقِّ يُوجِبُ شُكْرًا، وأنْ لا تَرى لَهُ مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قاعِدَتَيْنِ.
إحْداهُما: أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ ناقِصٌ. وكُلُّ ما يَأْتِي مِنَ النّاقِصِ ناقِصٌ. فَهو يُوجِبُ اعْتِذارَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ. فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتَعَذَّرَ إلى رَبِّهِ مِن كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. أمّا الشَّرُّ: فَظاهِرٌ. وأمّا الخَيْرُ: فَيَعْتَذِرُ مِن نُقْصانِهِ. ولا يَراهُ صالِحًا لِرَبِّهِ.
فَهُوَ - مَعَ إحْسانِهِ - مُعْتَذِرٌ في إحْسانِهِ. ولِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِالوَجَلِ مِنهُ مَعَ إحْسانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويَتَصَدَّقُ. ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» فَإذا خافَ فَهو بِالِاعْتِذارِ أوْلى.
والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُهُودُ تَقْصِيرِهِ ونُقْصانِهِ.
والثّانِي: صِدْقُ مَحَبَّتِهِ.
فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَتَقَرَّبُ إلى مَحْبُوبِهِ بِغايَةِ إمْكانِهِ.
وَهُوَ مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ، مُسْتَحْيٍ مِنهُ: أنْ يُواجِهَهُ بِما واجَهَهُ بِهِ.
وَهُوَ يَرى أنَّ قَدْرَهُ فَوْقَهُ وأجَلُّ مِنهُ. وهَذا مُشاهَدٌ في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِينَ.
القاعِدَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِعْظامُ كُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ إلَيْكَ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْكَ، وأنَّكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِهِ. ولا يَتَبَيَّنُ هَذا إلّا في المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَسْتَكْثِرُ مِن مَحْبُوبِهِ كُلَّ ما يَنالُهُ.
فَإذا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ وأعْطاهُ إيّاهُ: كانَ سُرُورُهُ بِذِكْرِهِ لَهُ، وتَأْهِيلِهِ لِعَطائِهِ: أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن سُرُورِهِ بِذَلِكَ العَطاءِ بَلْ يَغِيبُ بِسُرُورِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ عَنْ سُرُورِهِ بِالعَطِيَّةِ. وإنْ كانَ المُحِبُّ يَسُرُّهُ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ لَهُ، وإنْ نالَهُ بِمَساءَةٍ.
كَما قالَ القائِلُ:
؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتَنِي بِمُساءَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكا
فَكَيْفَ إذا نالَهُ مَحْبُوبُهُ بِمَسَرَّةٍ - وإنْ دَقَّتْ - فَإنَّهُ لا يَراها إلّا جَلِيلَةً خَطِيرَةً. فَكَيْفَ هَذا مَعَ الرَّبِّ تَعالى الَّذِي لا يَأْتِي أبَدًا إلّا بِالخَيْرِ؟ ويَسْتَحِيلُ خِلافُ ذَلِكَ في حَقِّهِ. كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ كَمالِهِ.
وَقَدْ أفْصَحَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: «والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»
أيْ لا يُضافُ إلَيْكَ. ولا يُنْسَبُ إلَيْكَ. ولا يَصْدُرُ مِنكَ. فَإنَّ أسْماءَهُ كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِهِ كُلَّها كَمالٌ، وأفْعالَهُ كُلَّها فَضْلٌ وعَدْلٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ. فَبِأيِّ وجْهٍ يُنْسَبُ الشَّرُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَكُلُّ ما يَأْتِي مِنهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. ولَهُ فِيهِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ.
قَوْلُهُ: وأنْ لا يَرى مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
يَعْنِي: أنَّ مُعامَلَتَكَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى الِاعْتِذارِ مِن كُلِّ ما مِنكَ، والشُّكْرِ عَلى ما مِنهُ - عَقْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لازِمٌ لَكَ أبَدًا، لا تَرى مِنَ الوَفاءِ بِهِ بُدًّا.
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عارِضٍ، وحالٍ يُحَوَّلُ. بَلْ عَقْدٌ لازِمٌ عَلَيْكَ الوَفاءُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
[فَصْلٌ: الرَّجاءُ والأمانِيُّ]
وَمِمّا يَنْبَغِي أنَّ مَن رَجا شَيْئًا اسْتَلْزَمَ رَجاؤُهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ:
أحَدُها: مَحَبَّةُ ما يَرْجُوهُ.
الثّانِي: خَوْفُهُ مِن فَواتِهِ.
الثّالِثُ: سَعْيُهُ في تَحْصِيلِهِ بِحَسْبِ الإمْكانِ.
وَأمّا رَجاءٌ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو مِن بابِ الأمانِيِّ، والرَّجاءُ شَيْءٌ والأمانِيُّ شَيْءٌ آخَرُ، فَكُلُّ راجٍ خائِفٌ، والسّائِرُ عَلى الطَّرِيقِ إذا خافَ أسْرَعَ السَّيْرَ مَخافَةَ الفَواتِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غالِيَةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ».
وَهُوَ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ الرَّجاءَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ الخَوْفَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ النّافِعَ ما اقْتَرَنَ بِهِ العَمَلُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ - والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١].
وَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: أهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَزْنُونَ، ويَسْرِقُونَ، فَقالَ: «لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ، ويَخافُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهُمْ، أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ». وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ أهْلَ السَّعادَةِ بِالإحْسانِ مَعَ الخَوْفِ، ووَصَفَ الأشْقِياءَ بِالإساءَةِ مَعَ الأمْنِ.
خَوْفُ الصَّحابَةِ مِنَ اللَّهِ.
مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.
وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.
وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.
وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧] فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.
وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.
وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.
وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.
وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.
وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.
وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.
وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.
وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي. وهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.
وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي في المُنافِقِينَ، فَيَقُولُ: لا، ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أحَدًا.
فَسَمِعْتُ شَيْخَنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَيْسَ مُرادُهُ لا أُبْرِئُ غَيْرَكَ مِنَ النِّفاقِ، بَلِ المُرادُ لا أفْتَحُ عَلى نَفْسِي هَذا البابَ، فَكُلُّ مَن سَألَنِي هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُزَكِّيهِ.
قُلْتُ: وقَرِيبٌ مِن هَذا «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ: سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ».
وَلَمْ يُرِدْ أنَّ عُكاشَةَ وحْدَهُ أحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَداهُ مِنَ الصَّحابَةِ، ولَكِنْ لَوْ دَعا لَقامَ آخَرُ وآخَرُ وانْفَتَحَ البابُ، ورُبَّما قامَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَكانَ الإمْساكُ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المؤمنون 23:59
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
فَقالَ: هم الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ ويَخافُونَ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ».
وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
أهْوَ الَّذِي يَزْنِي، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» قالَ الحَسَنُ: عَمِلُوا واللَّهِ بِالطّاعاتِ، واجْتَهَدُوا فِيها، وخافُوا أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إحْسانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا.
[فَصْلٌ الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ]
الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ والِاسْتِعانَةَ وقِصَرَ الأمَلِ. وقُوَّةُ الإيمانِ بِاللِّقاءِ تُثْمِرُ الزُّهْدَ. والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ والخَوْفَ والرَّجاءَ. والقَناعَةُ تُثْمِرُ الرِّضاءَ. والذِّكْرُ يُثْمِرُ حَياةَ القَلْبِ.
والإيمانُ بِالقَدْرِ يُثْمِرُ التَّوَكُّلَ. ودَوامُ تَأمُّلِ الأسْماءِ والصِّفاتِ يُثْمِرُ المَعْرِفَةَ. والوَرَعُ يُثْمِرُ الزُّهْدَ أيْضًا. والتَّوْبَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ أيْضًا، ودَوامُ الذِّكْرِ يُثْمِرُها. والرِّضا يُثْمِرُ الشُّكْرَ. والعَزِيمَةُ والصَّبْرُ يُثْمِرانِ جَمِيعَ الأحْوالِ والمَقاماتِ.
والإخْلاصُ والصِّدْقُ كُلٌّ مِنهُما يُثْمِرُ الآخَرَ ويَقْتَضِيهِ.
والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الخُلُقَ. والفِكْرُ يُثْمِرُ العَزِيمَةَ.
والمُراقَبَةُ تُثْمِرُ عِمارَةَ الوَقْتِ، وحِفْظَ الأيّامِ والحَياءَ، والخَشْيَةَ والإنابَةَ.
وَإماتَةُ النَّفْسِ وإذْلالُها وكَسْرُها يُوجِبُ حَياةَ القَلْبِ وعِزَّهُ وجَبْرَهُ.
وَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ ومَقْتُها يُوجِبُ الحَياءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واسْتِكْثارَ ما مِنهُ، واسْتِقْلالَ ما مِنكَ مِنَ الطّاعاتِ.
وَمَحْوَ أثَرِ الدَّعْوى مِنَ القَلْبِ واللِّسانِ وصِحَّةُ البَصِيرَةِ تُثْمِرُ اليَقِينَ.
وَحَسَنُ التَّأمُّلِ لِما تَرى وتَسْمَعُ مِنَ الآياتِ المَشْهُودَةِ والمَتْلُوَّةِ يُثْمِرُ صِحَّةَ البَصِيرَةِ.
وَمِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَنْقُلَ قَلْبَكَ مِن وطَنِ الدُّنْيا فَتُسْكِنَهُ في وطَنِ الآخِرَةِ، ثُمَّ تُقْبِلَ بِهِ كُلِّهِ عَلى مَعانِي القُرْآنِ واسْتِجْلائِها وتَدَبُّرِها، وفَهْمِ ما يُرادُ مِنهُ وما نَزَلْ لِأجْلِهِ، وأخْذِ نَصِيبِكَ وحَظِّكَ مِن كُلِّ آيَةٍ مِن آياتِهِ، وتُنْزِلَها عَلى داءِ قَلْبِكَ.
فَهَذِهِ طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ قَرِيبَةٌ سَهْلَةٌ. مُوَصِّلَةٌ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. آمِنَةٌ لا يَلْحَقُ سالِكَها خَوْفٌ ولا عَطَبٌ، ولا جَوْعٌ ولا عَطَشٌ، ولا فِيها آفَةٌ مِن آفاتِ سائِرِ الطَّرِيقِ ألْبَتَّةَ. وعَلَيْها مِنَ اللَّهِ حارِسٌ وحافِظٌ يَكْلَأُ السّالِكِينَ فِيها ويَحْمِيهِمْ، ويَدْفَعُ عَنْهم. ولا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ إلّا مِن عَرَفَ طُرُقَ النّاسِ وغَوائِلَها وآفاتِها وقُطّاعَها. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الإخْلاصِ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ، وتَوْفِيرِ الجُهْدِ بِالِاحْتِماءِ مِنَ الشُّهُودِ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ في نُورِ التَّوْفِيقِ مِن عَيْنِ الجُودِ.
هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورِ " خَجَلُهُ " مِن عَمَلِهِ، وهو شِدَّةُ حَيائِهِ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ العَمَلَ صالِحًا لَهُ، مَعَ بَذْلِ مَجْهُودِهِ فِيهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويُصَلِّي، ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ».
وَقالَ بَعْضُهُمْ: إنِّي لَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأقُومُ عَنْهُما بِمَنزِلَةِ السّارِقِ أوِ الزّانِي، الَّذِي يَراهُ النّاسُ، حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فالمُؤْمِنُ: جَمَعَ إحْسانًا في مَخافَةٍ وسُوءَ ظَنٍّ بِنَفْسِهِ. والمَغْرُورُ: حَسَنُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ إساءَتِهِ.
الثّانِي: تَوْفِيرُ الجُهْدِ بِاحْتِمائِهِ مِنَ الشُّهُودِ، أيْ يَأْتِي بِجُهْدِ الطّاقَةِ في تَصْحِيحِ العَمَلِ، مُحْتَمِيًا عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ وبِكَ.
الثّالِثُ: أنْ تَحْتَمِيَ بِنُورِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يُنَوِّرُ اللَّهُ بِهِ بَصِيرَةَ العَبْدِ. فَتَرى في ضَوْءِ ذَلِكَ النُّورِ أنَّ عَمَلَكَ مِن عَيْنِ جُودِهِ لا بِكَ، ولا مِنكَ.
فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ عَلى خَمْسَةِ أشْياءَ: عَمَلٌ، واجْتِهادٌ فِيهِ، وخَجَلٌ، وحَياءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيانَةٌ عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ، ورُؤْيَتُهُ مِن عَيْنِ جُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومِنهُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الخُلُقِ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ. وتَحْسِينُهُ مِنكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنكَ يُوجِبُ عُذْرًا، وأنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنَ الحَقِّ يُوجِبُ شُكْرًا، وأنْ لا تَرى لَهُ مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قاعِدَتَيْنِ.
إحْداهُما: أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ ناقِصٌ. وكُلُّ ما يَأْتِي مِنَ النّاقِصِ ناقِصٌ. فَهو يُوجِبُ اعْتِذارَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ. فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتَعَذَّرَ إلى رَبِّهِ مِن كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. أمّا الشَّرُّ: فَظاهِرٌ. وأمّا الخَيْرُ: فَيَعْتَذِرُ مِن نُقْصانِهِ. ولا يَراهُ صالِحًا لِرَبِّهِ.
فَهُوَ - مَعَ إحْسانِهِ - مُعْتَذِرٌ في إحْسانِهِ. ولِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِالوَجَلِ مِنهُ مَعَ إحْسانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويَتَصَدَّقُ. ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» فَإذا خافَ فَهو بِالِاعْتِذارِ أوْلى.
والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُهُودُ تَقْصِيرِهِ ونُقْصانِهِ.
والثّانِي: صِدْقُ مَحَبَّتِهِ.
فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَتَقَرَّبُ إلى مَحْبُوبِهِ بِغايَةِ إمْكانِهِ.
وَهُوَ مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ، مُسْتَحْيٍ مِنهُ: أنْ يُواجِهَهُ بِما واجَهَهُ بِهِ.
وَهُوَ يَرى أنَّ قَدْرَهُ فَوْقَهُ وأجَلُّ مِنهُ. وهَذا مُشاهَدٌ في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِينَ.
القاعِدَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِعْظامُ كُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ إلَيْكَ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْكَ، وأنَّكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِهِ. ولا يَتَبَيَّنُ هَذا إلّا في المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَسْتَكْثِرُ مِن مَحْبُوبِهِ كُلَّ ما يَنالُهُ.
فَإذا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ وأعْطاهُ إيّاهُ: كانَ سُرُورُهُ بِذِكْرِهِ لَهُ، وتَأْهِيلِهِ لِعَطائِهِ: أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن سُرُورِهِ بِذَلِكَ العَطاءِ بَلْ يَغِيبُ بِسُرُورِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ عَنْ سُرُورِهِ بِالعَطِيَّةِ. وإنْ كانَ المُحِبُّ يَسُرُّهُ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ لَهُ، وإنْ نالَهُ بِمَساءَةٍ.
كَما قالَ القائِلُ:
؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتَنِي بِمُساءَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكا
فَكَيْفَ إذا نالَهُ مَحْبُوبُهُ بِمَسَرَّةٍ - وإنْ دَقَّتْ - فَإنَّهُ لا يَراها إلّا جَلِيلَةً خَطِيرَةً. فَكَيْفَ هَذا مَعَ الرَّبِّ تَعالى الَّذِي لا يَأْتِي أبَدًا إلّا بِالخَيْرِ؟ ويَسْتَحِيلُ خِلافُ ذَلِكَ في حَقِّهِ. كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ كَمالِهِ.
وَقَدْ أفْصَحَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: «والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»
أيْ لا يُضافُ إلَيْكَ. ولا يُنْسَبُ إلَيْكَ. ولا يَصْدُرُ مِنكَ. فَإنَّ أسْماءَهُ كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِهِ كُلَّها كَمالٌ، وأفْعالَهُ كُلَّها فَضْلٌ وعَدْلٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ. فَبِأيِّ وجْهٍ يُنْسَبُ الشَّرُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَكُلُّ ما يَأْتِي مِنهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. ولَهُ فِيهِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ.
قَوْلُهُ: وأنْ لا يَرى مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
يَعْنِي: أنَّ مُعامَلَتَكَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى الِاعْتِذارِ مِن كُلِّ ما مِنكَ، والشُّكْرِ عَلى ما مِنهُ - عَقْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لازِمٌ لَكَ أبَدًا، لا تَرى مِنَ الوَفاءِ بِهِ بُدًّا.
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عارِضٍ، وحالٍ يُحَوَّلُ. بَلْ عَقْدٌ لازِمٌ عَلَيْكَ الوَفاءُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
[فَصْلٌ: الرَّجاءُ والأمانِيُّ]
وَمِمّا يَنْبَغِي أنَّ مَن رَجا شَيْئًا اسْتَلْزَمَ رَجاؤُهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ:
أحَدُها: مَحَبَّةُ ما يَرْجُوهُ.
الثّانِي: خَوْفُهُ مِن فَواتِهِ.
الثّالِثُ: سَعْيُهُ في تَحْصِيلِهِ بِحَسْبِ الإمْكانِ.
وَأمّا رَجاءٌ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو مِن بابِ الأمانِيِّ، والرَّجاءُ شَيْءٌ والأمانِيُّ شَيْءٌ آخَرُ، فَكُلُّ راجٍ خائِفٌ، والسّائِرُ عَلى الطَّرِيقِ إذا خافَ أسْرَعَ السَّيْرَ مَخافَةَ الفَواتِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غالِيَةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ».
وَهُوَ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ الرَّجاءَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ الخَوْفَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ النّافِعَ ما اقْتَرَنَ بِهِ العَمَلُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ - والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١].
وَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: أهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَزْنُونَ، ويَسْرِقُونَ، فَقالَ: «لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ، ويَخافُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهُمْ، أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ». وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ أهْلَ السَّعادَةِ بِالإحْسانِ مَعَ الخَوْفِ، ووَصَفَ الأشْقِياءَ بِالإساءَةِ مَعَ الأمْنِ.
خَوْفُ الصَّحابَةِ مِنَ اللَّهِ.
مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.
وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.
وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.
وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧] فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.
وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.
وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.
وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.
وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.
وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.
وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.
وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.
وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي. وهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.
وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي في المُنافِقِينَ، فَيَقُولُ: لا، ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أحَدًا.
فَسَمِعْتُ شَيْخَنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَيْسَ مُرادُهُ لا أُبْرِئُ غَيْرَكَ مِنَ النِّفاقِ، بَلِ المُرادُ لا أفْتَحُ عَلى نَفْسِي هَذا البابَ، فَكُلُّ مَن سَألَنِي هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُزَكِّيهِ.
قُلْتُ: وقَرِيبٌ مِن هَذا «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ: سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ».
وَلَمْ يُرِدْ أنَّ عُكاشَةَ وحْدَهُ أحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَداهُ مِنَ الصَّحابَةِ، ولَكِنْ لَوْ دَعا لَقامَ آخَرُ وآخَرُ وانْفَتَحَ البابُ، ورُبَّما قامَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَكانَ الإمْساكُ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المؤمنون 23:60
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
فَقالَ: هم الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ ويَخافُونَ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ».
وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
أهْوَ الَّذِي يَزْنِي، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» قالَ الحَسَنُ: عَمِلُوا واللَّهِ بِالطّاعاتِ، واجْتَهَدُوا فِيها، وخافُوا أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إحْسانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا.
[فَصْلٌ الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ]
الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ والِاسْتِعانَةَ وقِصَرَ الأمَلِ. وقُوَّةُ الإيمانِ بِاللِّقاءِ تُثْمِرُ الزُّهْدَ. والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ والخَوْفَ والرَّجاءَ. والقَناعَةُ تُثْمِرُ الرِّضاءَ. والذِّكْرُ يُثْمِرُ حَياةَ القَلْبِ.
والإيمانُ بِالقَدْرِ يُثْمِرُ التَّوَكُّلَ. ودَوامُ تَأمُّلِ الأسْماءِ والصِّفاتِ يُثْمِرُ المَعْرِفَةَ. والوَرَعُ يُثْمِرُ الزُّهْدَ أيْضًا. والتَّوْبَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ أيْضًا، ودَوامُ الذِّكْرِ يُثْمِرُها. والرِّضا يُثْمِرُ الشُّكْرَ. والعَزِيمَةُ والصَّبْرُ يُثْمِرانِ جَمِيعَ الأحْوالِ والمَقاماتِ.
والإخْلاصُ والصِّدْقُ كُلٌّ مِنهُما يُثْمِرُ الآخَرَ ويَقْتَضِيهِ.
والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الخُلُقَ. والفِكْرُ يُثْمِرُ العَزِيمَةَ.
والمُراقَبَةُ تُثْمِرُ عِمارَةَ الوَقْتِ، وحِفْظَ الأيّامِ والحَياءَ، والخَشْيَةَ والإنابَةَ.
وَإماتَةُ النَّفْسِ وإذْلالُها وكَسْرُها يُوجِبُ حَياةَ القَلْبِ وعِزَّهُ وجَبْرَهُ.
وَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ ومَقْتُها يُوجِبُ الحَياءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واسْتِكْثارَ ما مِنهُ، واسْتِقْلالَ ما مِنكَ مِنَ الطّاعاتِ.
وَمَحْوَ أثَرِ الدَّعْوى مِنَ القَلْبِ واللِّسانِ وصِحَّةُ البَصِيرَةِ تُثْمِرُ اليَقِينَ.
وَحَسَنُ التَّأمُّلِ لِما تَرى وتَسْمَعُ مِنَ الآياتِ المَشْهُودَةِ والمَتْلُوَّةِ يُثْمِرُ صِحَّةَ البَصِيرَةِ.
وَمِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَنْقُلَ قَلْبَكَ مِن وطَنِ الدُّنْيا فَتُسْكِنَهُ في وطَنِ الآخِرَةِ، ثُمَّ تُقْبِلَ بِهِ كُلِّهِ عَلى مَعانِي القُرْآنِ واسْتِجْلائِها وتَدَبُّرِها، وفَهْمِ ما يُرادُ مِنهُ وما نَزَلْ لِأجْلِهِ، وأخْذِ نَصِيبِكَ وحَظِّكَ مِن كُلِّ آيَةٍ مِن آياتِهِ، وتُنْزِلَها عَلى داءِ قَلْبِكَ.
فَهَذِهِ طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ قَرِيبَةٌ سَهْلَةٌ. مُوَصِّلَةٌ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. آمِنَةٌ لا يَلْحَقُ سالِكَها خَوْفٌ ولا عَطَبٌ، ولا جَوْعٌ ولا عَطَشٌ، ولا فِيها آفَةٌ مِن آفاتِ سائِرِ الطَّرِيقِ ألْبَتَّةَ. وعَلَيْها مِنَ اللَّهِ حارِسٌ وحافِظٌ يَكْلَأُ السّالِكِينَ فِيها ويَحْمِيهِمْ، ويَدْفَعُ عَنْهم. ولا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ إلّا مِن عَرَفَ طُرُقَ النّاسِ وغَوائِلَها وآفاتِها وقُطّاعَها. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الإخْلاصِ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ، وتَوْفِيرِ الجُهْدِ بِالِاحْتِماءِ مِنَ الشُّهُودِ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ في نُورِ التَّوْفِيقِ مِن عَيْنِ الجُودِ.
هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورِ " خَجَلُهُ " مِن عَمَلِهِ، وهو شِدَّةُ حَيائِهِ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ العَمَلَ صالِحًا لَهُ، مَعَ بَذْلِ مَجْهُودِهِ فِيهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويُصَلِّي، ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ».
وَقالَ بَعْضُهُمْ: إنِّي لَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأقُومُ عَنْهُما بِمَنزِلَةِ السّارِقِ أوِ الزّانِي، الَّذِي يَراهُ النّاسُ، حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فالمُؤْمِنُ: جَمَعَ إحْسانًا في مَخافَةٍ وسُوءَ ظَنٍّ بِنَفْسِهِ. والمَغْرُورُ: حَسَنُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ إساءَتِهِ.
الثّانِي: تَوْفِيرُ الجُهْدِ بِاحْتِمائِهِ مِنَ الشُّهُودِ، أيْ يَأْتِي بِجُهْدِ الطّاقَةِ في تَصْحِيحِ العَمَلِ، مُحْتَمِيًا عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ وبِكَ.
الثّالِثُ: أنْ تَحْتَمِيَ بِنُورِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يُنَوِّرُ اللَّهُ بِهِ بَصِيرَةَ العَبْدِ. فَتَرى في ضَوْءِ ذَلِكَ النُّورِ أنَّ عَمَلَكَ مِن عَيْنِ جُودِهِ لا بِكَ، ولا مِنكَ.
فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ عَلى خَمْسَةِ أشْياءَ: عَمَلٌ، واجْتِهادٌ فِيهِ، وخَجَلٌ، وحَياءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيانَةٌ عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ، ورُؤْيَتُهُ مِن عَيْنِ جُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومِنهُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الخُلُقِ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ. وتَحْسِينُهُ مِنكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنكَ يُوجِبُ عُذْرًا، وأنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنَ الحَقِّ يُوجِبُ شُكْرًا، وأنْ لا تَرى لَهُ مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قاعِدَتَيْنِ.
إحْداهُما: أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ ناقِصٌ. وكُلُّ ما يَأْتِي مِنَ النّاقِصِ ناقِصٌ. فَهو يُوجِبُ اعْتِذارَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ. فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتَعَذَّرَ إلى رَبِّهِ مِن كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. أمّا الشَّرُّ: فَظاهِرٌ. وأمّا الخَيْرُ: فَيَعْتَذِرُ مِن نُقْصانِهِ. ولا يَراهُ صالِحًا لِرَبِّهِ.
فَهُوَ - مَعَ إحْسانِهِ - مُعْتَذِرٌ في إحْسانِهِ. ولِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِالوَجَلِ مِنهُ مَعَ إحْسانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويَتَصَدَّقُ. ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» فَإذا خافَ فَهو بِالِاعْتِذارِ أوْلى.
والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُهُودُ تَقْصِيرِهِ ونُقْصانِهِ.
والثّانِي: صِدْقُ مَحَبَّتِهِ.
فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَتَقَرَّبُ إلى مَحْبُوبِهِ بِغايَةِ إمْكانِهِ.
وَهُوَ مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ، مُسْتَحْيٍ مِنهُ: أنْ يُواجِهَهُ بِما واجَهَهُ بِهِ.
وَهُوَ يَرى أنَّ قَدْرَهُ فَوْقَهُ وأجَلُّ مِنهُ. وهَذا مُشاهَدٌ في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِينَ.
القاعِدَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِعْظامُ كُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ إلَيْكَ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْكَ، وأنَّكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِهِ. ولا يَتَبَيَّنُ هَذا إلّا في المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَسْتَكْثِرُ مِن مَحْبُوبِهِ كُلَّ ما يَنالُهُ.
فَإذا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ وأعْطاهُ إيّاهُ: كانَ سُرُورُهُ بِذِكْرِهِ لَهُ، وتَأْهِيلِهِ لِعَطائِهِ: أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن سُرُورِهِ بِذَلِكَ العَطاءِ بَلْ يَغِيبُ بِسُرُورِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ عَنْ سُرُورِهِ بِالعَطِيَّةِ. وإنْ كانَ المُحِبُّ يَسُرُّهُ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ لَهُ، وإنْ نالَهُ بِمَساءَةٍ.
كَما قالَ القائِلُ:
؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتَنِي بِمُساءَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكا
فَكَيْفَ إذا نالَهُ مَحْبُوبُهُ بِمَسَرَّةٍ - وإنْ دَقَّتْ - فَإنَّهُ لا يَراها إلّا جَلِيلَةً خَطِيرَةً. فَكَيْفَ هَذا مَعَ الرَّبِّ تَعالى الَّذِي لا يَأْتِي أبَدًا إلّا بِالخَيْرِ؟ ويَسْتَحِيلُ خِلافُ ذَلِكَ في حَقِّهِ. كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ كَمالِهِ.
وَقَدْ أفْصَحَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: «والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»
أيْ لا يُضافُ إلَيْكَ. ولا يُنْسَبُ إلَيْكَ. ولا يَصْدُرُ مِنكَ. فَإنَّ أسْماءَهُ كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِهِ كُلَّها كَمالٌ، وأفْعالَهُ كُلَّها فَضْلٌ وعَدْلٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ. فَبِأيِّ وجْهٍ يُنْسَبُ الشَّرُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَكُلُّ ما يَأْتِي مِنهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. ولَهُ فِيهِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ.
قَوْلُهُ: وأنْ لا يَرى مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
يَعْنِي: أنَّ مُعامَلَتَكَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى الِاعْتِذارِ مِن كُلِّ ما مِنكَ، والشُّكْرِ عَلى ما مِنهُ - عَقْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لازِمٌ لَكَ أبَدًا، لا تَرى مِنَ الوَفاءِ بِهِ بُدًّا.
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عارِضٍ، وحالٍ يُحَوَّلُ. بَلْ عَقْدٌ لازِمٌ عَلَيْكَ الوَفاءُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
[فَصْلٌ: الرَّجاءُ والأمانِيُّ]
وَمِمّا يَنْبَغِي أنَّ مَن رَجا شَيْئًا اسْتَلْزَمَ رَجاؤُهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ:
أحَدُها: مَحَبَّةُ ما يَرْجُوهُ.
الثّانِي: خَوْفُهُ مِن فَواتِهِ.
الثّالِثُ: سَعْيُهُ في تَحْصِيلِهِ بِحَسْبِ الإمْكانِ.
وَأمّا رَجاءٌ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو مِن بابِ الأمانِيِّ، والرَّجاءُ شَيْءٌ والأمانِيُّ شَيْءٌ آخَرُ، فَكُلُّ راجٍ خائِفٌ، والسّائِرُ عَلى الطَّرِيقِ إذا خافَ أسْرَعَ السَّيْرَ مَخافَةَ الفَواتِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غالِيَةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ».
وَهُوَ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ الرَّجاءَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ الخَوْفَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ النّافِعَ ما اقْتَرَنَ بِهِ العَمَلُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ - والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١].
وَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: أهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَزْنُونَ، ويَسْرِقُونَ، فَقالَ: «لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ، ويَخافُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهُمْ، أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ». وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ أهْلَ السَّعادَةِ بِالإحْسانِ مَعَ الخَوْفِ، ووَصَفَ الأشْقِياءَ بِالإساءَةِ مَعَ الأمْنِ.
خَوْفُ الصَّحابَةِ مِنَ اللَّهِ.
مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.
وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.
وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.
وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧] فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.
وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.
وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.
وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.
وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.
وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.
وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.
وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.
وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي. وهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.
وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي في المُنافِقِينَ، فَيَقُولُ: لا، ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أحَدًا.
فَسَمِعْتُ شَيْخَنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَيْسَ مُرادُهُ لا أُبْرِئُ غَيْرَكَ مِنَ النِّفاقِ، بَلِ المُرادُ لا أفْتَحُ عَلى نَفْسِي هَذا البابَ، فَكُلُّ مَن سَألَنِي هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُزَكِّيهِ.
قُلْتُ: وقَرِيبٌ مِن هَذا «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ: سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ».
وَلَمْ يُرِدْ أنَّ عُكاشَةَ وحْدَهُ أحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَداهُ مِنَ الصَّحابَةِ، ولَكِنْ لَوْ دَعا لَقامَ آخَرُ وآخَرُ وانْفَتَحَ البابُ، ورُبَّما قامَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَكانَ الإمْساكُ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المؤمنون 23:61
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
فَقالَ: هم الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ ويَخافُونَ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ».
وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
أهْوَ الَّذِي يَزْنِي، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» قالَ الحَسَنُ: عَمِلُوا واللَّهِ بِالطّاعاتِ، واجْتَهَدُوا فِيها، وخافُوا أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إحْسانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا.
[فَصْلٌ الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ]
الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ والِاسْتِعانَةَ وقِصَرَ الأمَلِ. وقُوَّةُ الإيمانِ بِاللِّقاءِ تُثْمِرُ الزُّهْدَ. والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ والخَوْفَ والرَّجاءَ. والقَناعَةُ تُثْمِرُ الرِّضاءَ. والذِّكْرُ يُثْمِرُ حَياةَ القَلْبِ.
والإيمانُ بِالقَدْرِ يُثْمِرُ التَّوَكُّلَ. ودَوامُ تَأمُّلِ الأسْماءِ والصِّفاتِ يُثْمِرُ المَعْرِفَةَ. والوَرَعُ يُثْمِرُ الزُّهْدَ أيْضًا. والتَّوْبَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ أيْضًا، ودَوامُ الذِّكْرِ يُثْمِرُها. والرِّضا يُثْمِرُ الشُّكْرَ. والعَزِيمَةُ والصَّبْرُ يُثْمِرانِ جَمِيعَ الأحْوالِ والمَقاماتِ.
والإخْلاصُ والصِّدْقُ كُلٌّ مِنهُما يُثْمِرُ الآخَرَ ويَقْتَضِيهِ.
والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الخُلُقَ. والفِكْرُ يُثْمِرُ العَزِيمَةَ.
والمُراقَبَةُ تُثْمِرُ عِمارَةَ الوَقْتِ، وحِفْظَ الأيّامِ والحَياءَ، والخَشْيَةَ والإنابَةَ.
وَإماتَةُ النَّفْسِ وإذْلالُها وكَسْرُها يُوجِبُ حَياةَ القَلْبِ وعِزَّهُ وجَبْرَهُ.
وَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ ومَقْتُها يُوجِبُ الحَياءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واسْتِكْثارَ ما مِنهُ، واسْتِقْلالَ ما مِنكَ مِنَ الطّاعاتِ.
وَمَحْوَ أثَرِ الدَّعْوى مِنَ القَلْبِ واللِّسانِ وصِحَّةُ البَصِيرَةِ تُثْمِرُ اليَقِينَ.
وَحَسَنُ التَّأمُّلِ لِما تَرى وتَسْمَعُ مِنَ الآياتِ المَشْهُودَةِ والمَتْلُوَّةِ يُثْمِرُ صِحَّةَ البَصِيرَةِ.
وَمِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَنْقُلَ قَلْبَكَ مِن وطَنِ الدُّنْيا فَتُسْكِنَهُ في وطَنِ الآخِرَةِ، ثُمَّ تُقْبِلَ بِهِ كُلِّهِ عَلى مَعانِي القُرْآنِ واسْتِجْلائِها وتَدَبُّرِها، وفَهْمِ ما يُرادُ مِنهُ وما نَزَلْ لِأجْلِهِ، وأخْذِ نَصِيبِكَ وحَظِّكَ مِن كُلِّ آيَةٍ مِن آياتِهِ، وتُنْزِلَها عَلى داءِ قَلْبِكَ.
فَهَذِهِ طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ قَرِيبَةٌ سَهْلَةٌ. مُوَصِّلَةٌ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. آمِنَةٌ لا يَلْحَقُ سالِكَها خَوْفٌ ولا عَطَبٌ، ولا جَوْعٌ ولا عَطَشٌ، ولا فِيها آفَةٌ مِن آفاتِ سائِرِ الطَّرِيقِ ألْبَتَّةَ. وعَلَيْها مِنَ اللَّهِ حارِسٌ وحافِظٌ يَكْلَأُ السّالِكِينَ فِيها ويَحْمِيهِمْ، ويَدْفَعُ عَنْهم. ولا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ إلّا مِن عَرَفَ طُرُقَ النّاسِ وغَوائِلَها وآفاتِها وقُطّاعَها. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الإخْلاصِ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ، وتَوْفِيرِ الجُهْدِ بِالِاحْتِماءِ مِنَ الشُّهُودِ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ في نُورِ التَّوْفِيقِ مِن عَيْنِ الجُودِ.
هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورِ " خَجَلُهُ " مِن عَمَلِهِ، وهو شِدَّةُ حَيائِهِ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ العَمَلَ صالِحًا لَهُ، مَعَ بَذْلِ مَجْهُودِهِ فِيهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويُصَلِّي، ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ».
وَقالَ بَعْضُهُمْ: إنِّي لَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأقُومُ عَنْهُما بِمَنزِلَةِ السّارِقِ أوِ الزّانِي، الَّذِي يَراهُ النّاسُ، حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فالمُؤْمِنُ: جَمَعَ إحْسانًا في مَخافَةٍ وسُوءَ ظَنٍّ بِنَفْسِهِ. والمَغْرُورُ: حَسَنُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ إساءَتِهِ.
الثّانِي: تَوْفِيرُ الجُهْدِ بِاحْتِمائِهِ مِنَ الشُّهُودِ، أيْ يَأْتِي بِجُهْدِ الطّاقَةِ في تَصْحِيحِ العَمَلِ، مُحْتَمِيًا عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ وبِكَ.
الثّالِثُ: أنْ تَحْتَمِيَ بِنُورِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يُنَوِّرُ اللَّهُ بِهِ بَصِيرَةَ العَبْدِ. فَتَرى في ضَوْءِ ذَلِكَ النُّورِ أنَّ عَمَلَكَ مِن عَيْنِ جُودِهِ لا بِكَ، ولا مِنكَ.
فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ عَلى خَمْسَةِ أشْياءَ: عَمَلٌ، واجْتِهادٌ فِيهِ، وخَجَلٌ، وحَياءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيانَةٌ عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ، ورُؤْيَتُهُ مِن عَيْنِ جُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومِنهُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الخُلُقِ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ. وتَحْسِينُهُ مِنكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنكَ يُوجِبُ عُذْرًا، وأنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنَ الحَقِّ يُوجِبُ شُكْرًا، وأنْ لا تَرى لَهُ مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قاعِدَتَيْنِ.
إحْداهُما: أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ ناقِصٌ. وكُلُّ ما يَأْتِي مِنَ النّاقِصِ ناقِصٌ. فَهو يُوجِبُ اعْتِذارَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ. فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتَعَذَّرَ إلى رَبِّهِ مِن كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. أمّا الشَّرُّ: فَظاهِرٌ. وأمّا الخَيْرُ: فَيَعْتَذِرُ مِن نُقْصانِهِ. ولا يَراهُ صالِحًا لِرَبِّهِ.
فَهُوَ - مَعَ إحْسانِهِ - مُعْتَذِرٌ في إحْسانِهِ. ولِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِالوَجَلِ مِنهُ مَعَ إحْسانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويَتَصَدَّقُ. ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» فَإذا خافَ فَهو بِالِاعْتِذارِ أوْلى.
والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُهُودُ تَقْصِيرِهِ ونُقْصانِهِ.
والثّانِي: صِدْقُ مَحَبَّتِهِ.
فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَتَقَرَّبُ إلى مَحْبُوبِهِ بِغايَةِ إمْكانِهِ.
وَهُوَ مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ، مُسْتَحْيٍ مِنهُ: أنْ يُواجِهَهُ بِما واجَهَهُ بِهِ.
وَهُوَ يَرى أنَّ قَدْرَهُ فَوْقَهُ وأجَلُّ مِنهُ. وهَذا مُشاهَدٌ في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِينَ.
القاعِدَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِعْظامُ كُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ إلَيْكَ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْكَ، وأنَّكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِهِ. ولا يَتَبَيَّنُ هَذا إلّا في المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَسْتَكْثِرُ مِن مَحْبُوبِهِ كُلَّ ما يَنالُهُ.
فَإذا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ وأعْطاهُ إيّاهُ: كانَ سُرُورُهُ بِذِكْرِهِ لَهُ، وتَأْهِيلِهِ لِعَطائِهِ: أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن سُرُورِهِ بِذَلِكَ العَطاءِ بَلْ يَغِيبُ بِسُرُورِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ عَنْ سُرُورِهِ بِالعَطِيَّةِ. وإنْ كانَ المُحِبُّ يَسُرُّهُ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ لَهُ، وإنْ نالَهُ بِمَساءَةٍ.
كَما قالَ القائِلُ:
؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتَنِي بِمُساءَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكا
فَكَيْفَ إذا نالَهُ مَحْبُوبُهُ بِمَسَرَّةٍ - وإنْ دَقَّتْ - فَإنَّهُ لا يَراها إلّا جَلِيلَةً خَطِيرَةً. فَكَيْفَ هَذا مَعَ الرَّبِّ تَعالى الَّذِي لا يَأْتِي أبَدًا إلّا بِالخَيْرِ؟ ويَسْتَحِيلُ خِلافُ ذَلِكَ في حَقِّهِ. كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ كَمالِهِ.
وَقَدْ أفْصَحَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: «والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»
أيْ لا يُضافُ إلَيْكَ. ولا يُنْسَبُ إلَيْكَ. ولا يَصْدُرُ مِنكَ. فَإنَّ أسْماءَهُ كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِهِ كُلَّها كَمالٌ، وأفْعالَهُ كُلَّها فَضْلٌ وعَدْلٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ. فَبِأيِّ وجْهٍ يُنْسَبُ الشَّرُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَكُلُّ ما يَأْتِي مِنهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. ولَهُ فِيهِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ.
قَوْلُهُ: وأنْ لا يَرى مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
يَعْنِي: أنَّ مُعامَلَتَكَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى الِاعْتِذارِ مِن كُلِّ ما مِنكَ، والشُّكْرِ عَلى ما مِنهُ - عَقْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لازِمٌ لَكَ أبَدًا، لا تَرى مِنَ الوَفاءِ بِهِ بُدًّا.
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عارِضٍ، وحالٍ يُحَوَّلُ. بَلْ عَقْدٌ لازِمٌ عَلَيْكَ الوَفاءُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
[فَصْلٌ: الرَّجاءُ والأمانِيُّ]
وَمِمّا يَنْبَغِي أنَّ مَن رَجا شَيْئًا اسْتَلْزَمَ رَجاؤُهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ:
أحَدُها: مَحَبَّةُ ما يَرْجُوهُ.
الثّانِي: خَوْفُهُ مِن فَواتِهِ.
الثّالِثُ: سَعْيُهُ في تَحْصِيلِهِ بِحَسْبِ الإمْكانِ.
وَأمّا رَجاءٌ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو مِن بابِ الأمانِيِّ، والرَّجاءُ شَيْءٌ والأمانِيُّ شَيْءٌ آخَرُ، فَكُلُّ راجٍ خائِفٌ، والسّائِرُ عَلى الطَّرِيقِ إذا خافَ أسْرَعَ السَّيْرَ مَخافَةَ الفَواتِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غالِيَةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ».
وَهُوَ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ الرَّجاءَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ الخَوْفَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ النّافِعَ ما اقْتَرَنَ بِهِ العَمَلُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ - والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١].
وَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: أهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَزْنُونَ، ويَسْرِقُونَ، فَقالَ: «لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ، ويَخافُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهُمْ، أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ». وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ أهْلَ السَّعادَةِ بِالإحْسانِ مَعَ الخَوْفِ، ووَصَفَ الأشْقِياءَ بِالإساءَةِ مَعَ الأمْنِ.
خَوْفُ الصَّحابَةِ مِنَ اللَّهِ.
مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.
وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.
وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.
وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧] فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.
وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.
وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.
وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.
وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.
وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.
وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.
وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.
وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي. وهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.
وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي في المُنافِقِينَ، فَيَقُولُ: لا، ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أحَدًا.
فَسَمِعْتُ شَيْخَنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَيْسَ مُرادُهُ لا أُبْرِئُ غَيْرَكَ مِنَ النِّفاقِ، بَلِ المُرادُ لا أفْتَحُ عَلى نَفْسِي هَذا البابَ، فَكُلُّ مَن سَألَنِي هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُزَكِّيهِ.
قُلْتُ: وقَرِيبٌ مِن هَذا «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ: سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ».
وَلَمْ يُرِدْ أنَّ عُكاشَةَ وحْدَهُ أحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَداهُ مِنَ الصَّحابَةِ، ولَكِنْ لَوْ دَعا لَقامَ آخَرُ وآخَرُ وانْفَتَحَ البابُ، ورُبَّما قامَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَكانَ الإمْساكُ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
المؤمنون 23:76
وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾
والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه وقيل لبعضهم كيف تشتكي إليه ما ليس يخفي عليه فقال ربي يرضي ذل العبد إليه.
والمقصود أنه سبحانه أمر رسوله أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختيارا وهذا أكمل الصبر ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فإن قيل: أي أنواع الصبر الثلاثة أكمل الصبر على المأمور أم الصبر عن المحظور أم الصبر على المقدور؟
قيل: الصبر المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهي أفضل من الصبر على مجرد القدر فإن هذا الصبر يأتي به البر الفاجر والمؤمن والكافر فلا بد لكل أحد من الصبر على القدر اختيارا أو اضطرارا.
وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر أتباع الرسل وأعظمهم اتباعا أصبرهم في ذلك وكل صبر في محله وموضعه أفضل فالصبر عن الحرام في محله أفضل وعلى الطاعة في محلها أفضل.
المؤمنون 23:91
تأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين. فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا، يوصل إلى عابديه النفع، ويدفع عنهم الضر فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضي شركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره والتفرد بالإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه، وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم، إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر، والعلو عليه. فلا بد من أحد أمور ثلاثة: وإما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه. وإما أن يعلو بعضهم على بعض. وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه. فيكون وحده هو الإله الحق، وهم العبيد المبوبون المقهورون.
وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام محكم لا يختلف، ولا يفسد. من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد، لا رب غيره.
فذلك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في الغاية والألوهية.
فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان كذلك يستحيل أن يكون له إلهان معبودان.
المؤمنون 23:97
والهمزات: جمع همزة كتمرات وتمرة.
وأصل الهمز الدفع، قال أبو عبيد عن الكسائي: همزته، ولَمَزْتُهُ، ولهزته، ونهزته- إذا دفعته، والتحقيق: أنه دفع بنَخْز، وغمز يشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب، قال ابن عباس والحسن: "همزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهم" وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، وهذا قول مجاهد، وفسرت بخنقهم وهو المؤتة التي تشبه الجنون.
وظاهر الحديث أن الهمز نوع غير النفخ والنفث، وقد يقال- وهو الأظهر- إن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا، كنظائر ذلك.
ثم قال: ﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾.
قال ابن زيد: في أموري.
وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن.
وقال عكرمة: عند النزع والسياق، فأمره أن يستعيذ من نوعي شر إصابتهم له بالهمز وقربهم ودنوهم منه.
فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: ﴿ادْفَعْ بِالتِي هي أحْسَنُ السَّيَئةَ نَحْنُ أعْلَمُ بما يصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن، وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم.
المؤمنون 23:98
والهمزات: جمع همزة كتمرات وتمرة.
وأصل الهمز الدفع، قال أبو عبيد عن الكسائي: همزته، ولَمَزْتُهُ، ولهزته، ونهزته- إذا دفعته، والتحقيق: أنه دفع بنَخْز، وغمز يشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب، قال ابن عباس والحسن: "همزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهم" وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، وهذا قول مجاهد، وفسرت بخنقهم وهو المؤتة التي تشبه الجنون.
وظاهر الحديث أن الهمز نوع غير النفخ والنفث، وقد يقال- وهو الأظهر- إن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا، كنظائر ذلك.
ثم قال: ﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾.
قال ابن زيد: في أموري.
وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن.
وقال عكرمة: عند النزع والسياق، فأمره أن يستعيذ من نوعي شر إصابتهم له بالهمز وقربهم ودنوهم منه.
فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: ﴿ادْفَعْ بِالتِي هي أحْسَنُ السَّيَئةَ نَحْنُ أعْلَمُ بما يصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن، وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم.
المؤمنون 23:99
تلك كلمة يقولها فلا يعول عليها ورجعة يسألها فلا يجاب إليها.
وتأمل قوله أولا ﴿رَبِّ﴾ استغاث بربه ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى فقال (ارجعون)
ثم ذكر سبب سؤال الرجعة وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه فيقال له (كلا) لا سبيل لك إلى الرجعى وقد عمرت ما يتذكر فيه من تذكر.
ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استغاث وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة هو قائلها لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا لو أجيب، وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه وأنه لو رد لعاد لما نهي عنه، وأنه من الكاذبين، فحكمه أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وحمده يأبى إجابته إلى ما سأل، فإنه لا فائدة في ذلك.
ولو رد لكانت حالته الثانية مثل حالته الأولى كما قال تعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ (٢٨)﴾.
[فصل: أقسام الدور]
الأمر الثالث: أن اللّه سبحانه جعل الدور ثلاثا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية.
والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها، تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيما أو عذابا، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى أرواحها نعيما أو عذابا، فأحط بهذا الموضع علما وأعرفه كما ينبغي يزيل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج.
وقد أرانا اللّه سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ.
وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس، فإذا كانت الروح تتألم وتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم، فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى، وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع، فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب في «١» الأرواح والأجساد ظاهرا باديا أصلا.
ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه، وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتى كما قيل:
؎وكم من عائب قولا صحيحا ∗∗∗ وآفته من الفهم السقيم
وأعجب من ذلك أنك تجد النائم في فراش واحد، وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه، وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه، وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر، فأمر البرزخ أعجب من ذلك.
الأمر الرابع: أن اللّه سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة، وإما من النار، ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر، وقد يسلمون على المحتضر، ويرد عليهم تارة بلفظة، وتارة بإشارته، وتارة بقلبه، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة. وقد سمع بعض المحتضرين يقول: أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه.
وأخبرني شيخنا عن بعض المحتضرين، فلا أدري أشاهده وأخبره عنه أنه سمع وهو يقول: عليك السلام هاهنا فأجلس، وعليك السلام هاهنا فاجلس.
وقصة خبر النساج رحمه اللّه مشهورة حيث قال عند الموت: اصبر عافاك اللّه، فإن ما أمرت به لا يفوت، وما أمرت به يفوت، ثم استدعى بماء فتوضأ وصلى ثم قال: امض لما أمرت به، ومات.
وذكر ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه قال: أجلسوني، فأجلسوه فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاث مرات، ولكن لا إله إلا اللّه، ثم رفع رأسه فأحط النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جن، ثم قبض.
وقال مسلمة بن عبد الملك: لما احتضر عمر بْن عَبْدِ العَزِيزِ، كنا عنده في قبة، فأومأ إلينا: أن اخرجوا، فخرجنا، فقعدنا حول القبة، وبقي عنده وصيف، فسمعناه يقرأ هَذِهِ الآية: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص آية: ٨٣]
ما أنتم بإنس ولا جان، ثُمَّ خرج الوصيف، فأومأ إلينا أن ادخلوا فدخلنا، فَإذا هو قد قبض.
وقال فضالة بن ديار: حضرت محمد بن واسع وقد سجى للموت، فجعل يقول: مرحبا بملائكة ربي ولا حول ولا قوة إلا باللّه، وشممت رائحة طيب لم أشم قط أطيب منها، ثم شخص ببصره، فمات.
والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر.
وأبلغ وأكفى من ذلك كله قول اللّه عز وجل: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ. وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾
أي أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا ولكنكم لا ترون، فهذا أول الأمر وهو غير مرئي لنا ولا مشاهد وهو في هذه الدار.
ثم يمد الملك يده إلى الروح فيقبضها ويخاطبها، والحاضرون لا يرونه ولا يسمعونه، ثم تخرج فيخرج لها نور مثل شعاع الشمس، ورائحة أطيب من رائحة المسك، والحاضرون لا يرون ذلك ولا يشمونه. ثم تصعد بين سماطين من الملائكة والحاضرون لا يرونهم. ثم تأتي الروح فتشاهد غسل البدن وتكفينه وحمله وتقول: قدموني قدموني، أو إلى أين تذهبون بي، ولا يسمع الناس ذلك، فإذا وضع في لحده وسوي عليه التراب لم يحجب التراب الملائكة عن الوصول إليه، بل لو نقر له حجر فأودع فيه وختم عليه بالرصاص لم يمنع وصول الملائكة إليه، فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تمنع خرق الأرواح لها، بل الجن لا يمنعها ذلك، بل قد جعل اللّه سبحانه الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير، واتساع القبر وانفساحه للروح بالذات والبدن تبعا، فيكون البدن في لحد أضيق من ذراع، وقد فسح له مد بصره تبعا لروحه.
وأما عصرة القبر حتى تختلف بعض أجزاء الموتى فلا يرده حس ولا عقل ولا فطرة، ولو قدر أن أحدا نبش عن ميت فوجد أضلاعه كما هي لم تختلف لم يمنع أن تكون قد عادت إلى حالها بعد العصرة، فليس مع الزنادقة والملاحدة إلا مجرد تكذيب الرسول.
ولقد أخبر بعض الصادقين أنه حفر ثلاثة أقبر، فلما فرغ منها، اضطجع ليستريح، فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا، فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه: اكتب فرسخا في فرسخ، ثم وقف على الثاني فقال: اكتب ميلا في ميل، ثم وقف على الثالث، فقال اكتب فترا في فتر، ثم انتبه فجي ء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول، ثم جي ء برجل آخر فدفن في الثاني، ثم جي ء بامرأة مترفة من وجوه البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سمعه يقول: فترا في فتر، والفتر ما بين الإبهام والسبابة.
[فصل: عذاب القبر وعذاب البرزخ]
الأمر التاسع: أنه ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه وهو ما بين الدنيا والآخرة وقال تعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
» وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وسمى عذاب القبر ونعيمه أنه روضة أو حفرة نار باعتبار غالب الخلق، فالمصلوب والحرق والغرق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما، فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حرق جسده بالنار وصار رمادا وذرى بعضه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمر اللّه البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي اللّه، فسأله ما حملك على ما فعلت؟ فقال: خشيتك يا رب وأنت أعلم، فما تلافاه أن رحمه، فلم يفت عذاب البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال حتى لو عاق الميت على رءوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه ونصيبه وحظه، فيجعل اللّه النار على هذا بردا وسلاما، والهواء على ذلك نارا أو سموما، فعناصر العالم وموارده منقادة لربها وفاطرها وخالقها، يصرفها كيف يشاء، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته، ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته.
المؤمنون 23:100
تلك كلمة يقولها فلا يعول عليها ورجعة يسألها فلا يجاب إليها.
وتأمل قوله أولا ﴿رَبِّ﴾ استغاث بربه ثم التفت إلى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه تبارك وتعالى فقال (ارجعون)
ثم ذكر سبب سؤال الرجعة وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه فيقال له (كلا) لا سبيل لك إلى الرجعى وقد عمرت ما يتذكر فيه من تذكر.
ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استغاث وأن يفسح له في المهلة ليتذكر ما فاته أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة هو قائلها لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحا لو أجيب، وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه وأنه لو رد لعاد لما نهي عنه، وأنه من الكاذبين، فحكمه أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وحمده يأبى إجابته إلى ما سأل، فإنه لا فائدة في ذلك.
ولو رد لكانت حالته الثانية مثل حالته الأولى كما قال تعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ (٢٨)﴾.
[فصل: أقسام الدور]
الأمر الثالث: أن اللّه سبحانه جعل الدور ثلاثا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية.
والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها، تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيما أو عذابا، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى أرواحها نعيما أو عذابا، فأحط بهذا الموضع علما وأعرفه كما ينبغي يزيل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج.
وقد أرانا اللّه سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ.
وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس، فإذا كانت الروح تتألم وتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم، فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى، وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع، فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب في «١» الأرواح والأجساد ظاهرا باديا أصلا.
ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه، وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتى كما قيل:
؎وكم من عائب قولا صحيحا ∗∗∗ وآفته من الفهم السقيم
وأعجب من ذلك أنك تجد النائم في فراش واحد، وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه، وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه، وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر، فأمر البرزخ أعجب من ذلك.
الأمر الرابع: أن اللّه سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة، وإما من النار، ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر، وقد يسلمون على المحتضر، ويرد عليهم تارة بلفظة، وتارة بإشارته، وتارة بقلبه، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة. وقد سمع بعض المحتضرين يقول: أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه.
وأخبرني شيخنا عن بعض المحتضرين، فلا أدري أشاهده وأخبره عنه أنه سمع وهو يقول: عليك السلام هاهنا فأجلس، وعليك السلام هاهنا فاجلس.
وقصة خبر النساج رحمه اللّه مشهورة حيث قال عند الموت: اصبر عافاك اللّه، فإن ما أمرت به لا يفوت، وما أمرت به يفوت، ثم استدعى بماء فتوضأ وصلى ثم قال: امض لما أمرت به، ومات.
وذكر ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز لما كان في يومه الذي مات فيه قال: أجلسوني، فأجلسوه فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاث مرات، ولكن لا إله إلا اللّه، ثم رفع رأسه فأحط النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جن، ثم قبض.
وقال مسلمة بن عبد الملك: لما احتضر عمر بْن عَبْدِ العَزِيزِ، كنا عنده في قبة، فأومأ إلينا: أن اخرجوا، فخرجنا، فقعدنا حول القبة، وبقي عنده وصيف، فسمعناه يقرأ هَذِهِ الآية: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص آية: ٨٣]
ما أنتم بإنس ولا جان، ثُمَّ خرج الوصيف، فأومأ إلينا أن ادخلوا فدخلنا، فَإذا هو قد قبض.
وقال فضالة بن ديار: حضرت محمد بن واسع وقد سجى للموت، فجعل يقول: مرحبا بملائكة ربي ولا حول ولا قوة إلا باللّه، وشممت رائحة طيب لم أشم قط أطيب منها، ثم شخص ببصره، فمات.
والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر.
وأبلغ وأكفى من ذلك كله قول اللّه عز وجل: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ. وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾
أي أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا ولكنكم لا ترون، فهذا أول الأمر وهو غير مرئي لنا ولا مشاهد وهو في هذه الدار.
ثم يمد الملك يده إلى الروح فيقبضها ويخاطبها، والحاضرون لا يرونه ولا يسمعونه، ثم تخرج فيخرج لها نور مثل شعاع الشمس، ورائحة أطيب من رائحة المسك، والحاضرون لا يرون ذلك ولا يشمونه. ثم تصعد بين سماطين من الملائكة والحاضرون لا يرونهم. ثم تأتي الروح فتشاهد غسل البدن وتكفينه وحمله وتقول: قدموني قدموني، أو إلى أين تذهبون بي، ولا يسمع الناس ذلك، فإذا وضع في لحده وسوي عليه التراب لم يحجب التراب الملائكة عن الوصول إليه، بل لو نقر له حجر فأودع فيه وختم عليه بالرصاص لم يمنع وصول الملائكة إليه، فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تمنع خرق الأرواح لها، بل الجن لا يمنعها ذلك، بل قد جعل اللّه سبحانه الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير، واتساع القبر وانفساحه للروح بالذات والبدن تبعا، فيكون البدن في لحد أضيق من ذراع، وقد فسح له مد بصره تبعا لروحه.
وأما عصرة القبر حتى تختلف بعض أجزاء الموتى فلا يرده حس ولا عقل ولا فطرة، ولو قدر أن أحدا نبش عن ميت فوجد أضلاعه كما هي لم تختلف لم يمنع أن تكون قد عادت إلى حالها بعد العصرة، فليس مع الزنادقة والملاحدة إلا مجرد تكذيب الرسول.
ولقد أخبر بعض الصادقين أنه حفر ثلاثة أقبر، فلما فرغ منها، اضطجع ليستريح، فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا، فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه: اكتب فرسخا في فرسخ، ثم وقف على الثاني فقال: اكتب ميلا في ميل، ثم وقف على الثالث، فقال اكتب فترا في فتر، ثم انتبه فجي ء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول، ثم جي ء برجل آخر فدفن في الثاني، ثم جي ء بامرأة مترفة من وجوه البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سمعه يقول: فترا في فتر، والفتر ما بين الإبهام والسبابة.
[فصل: عذاب القبر وعذاب البرزخ]
الأمر التاسع: أنه ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه وهو ما بين الدنيا والآخرة وقال تعالى: ﴿ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
» وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وسمى عذاب القبر ونعيمه أنه روضة أو حفرة نار باعتبار غالب الخلق، فالمصلوب والحرق والغرق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله وإن تنوعت أسباب النعيم والعذاب وكيفياتهما، فقد ظن بعض الأوائل أنه إذا حرق جسده بالنار وصار رمادا وذرى بعضه في البحر وبعضه في البر في يوم شديد الريح أنه ينجو من ذلك فأوصى بنيه أن يفعلوا به ذلك، فأمر اللّه البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: قم، فإذا هو قائم بين يدي اللّه، فسأله ما حملك على ما فعلت؟ فقال: خشيتك يا رب وأنت أعلم، فما تلافاه أن رحمه، فلم يفت عذاب البرزخ ونعيمه لهذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال حتى لو عاق الميت على رءوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه ونصيبه وحظه، فيجعل اللّه النار على هذا بردا وسلاما، والهواء على ذلك نارا أو سموما، فعناصر العالم وموارده منقادة لربها وفاطرها وخالقها، يصرفها كيف يشاء، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته، ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته.