Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — المؤمنون 23:115 – النور 24:63

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. المؤمنون 23:115
  2. المؤمنون 23:116
  3. النور 24:2
  4. النور 24:3
  5. النور 24:4
  6. النور 24:5
  7. النور 24:6
  8. النور 24:7
  9. النور 24:8
  10. النور 24:9
  11. النور 24:11
  12. النور 24:23
  13. النور 24:26
  14. النور 24:30
  15. النور 24:31
  16. النور 24:32
  17. النور 24:35
  18. النور 24:39
  19. النور 24:40
  20. النور 24:45
  21. النور 24:54
  22. النور 24:58
  23. النور 24:61
  24. النور 24:63

المؤمنون 23:115

قَولُهُ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ، لا تُؤْمَرُونَ ولا تُنْهَوْنَ، ولا تُثابُونَ ولا تُعاقَبُونَ، والعَبَثُ قَبِيحٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قُبْحَ هَذا مُسْتَقِرٌّ في الفِطَرِ والعُقُولِ، ولِذَلِكَ أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ إنْكارَ مُنَبِّهٍ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ، وأنَّهم لَوْ فَكَّرُوا وأبْصَرُوا لَعَلِمُوا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ، ولا يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَبَثًا، لا لِأمْرٍ ولا لِنَهْيٍ، ولا لِثَوابٍ ولا لِعِقابٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والجَزاءِ مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ والفِطَرِ، وأنَّ مَن جَوَّزَ عَلى اللَّهِ الإخْلالَ بِهِ فَقَدْ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وإلى ما تَأْباهُ أسْماؤُهُ الحُسْنى وصِفاتُهُ العُلْيا. (فصل) اعلم أنه لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثا وسدى والله يتعالى عن ذلك وقد نزه نفسه عنه كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص قال تعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قال الشافعي لا يؤمر ولا ينهى ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملا معطلا مضاد للحكمة فإنه خلق لغاية كماله وكماله أن يكون عارفا بربه محبا له قائما بعبوديته قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهذه المعرفة وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر وهما أعظم كمال الإنسان والله تعالى من عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة ومكنه منها. ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان، وهي ترجع إلى شكر المنعم كلها دقيقها وجليلها منه، وتعظيمه وإجلاله ومعاملته بما يليق أن يعامل به. فتذكر آلاؤه وتشكر فلا يكفر ويطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى هذا مع تضمن التكليف لإيصاف العبد بكل خلق جميل وإثباته بكل فعل جميل وقول سديد واجتنابه لكل خلق سيئ وترك كل فعل قبيح وقول زور فتكليفه متضمن لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وصدق القول والإحسان إلى الخليقة، وتكميل نفسه بأنواع الكمالات، وهجر أضداد ذلك والتنزه عنها مع تعريضه بذلك التكليف للثواب الجزيل الدائم ومجاورة ربه في دار البقاء فأي الأمرين أليق بالحكمة هذا أو إرساله هملا كالخيل والبغال والحمير يأكل ويشرب وينكح كالبهائم أيقتضي كماله المقدس ذلك فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم وكيف يليق بذلك الكمال طي بساط الأمر والنهي والثواب والعقاب وترك إرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع وتقرير الأحكام وهل عرف الله من جوز عليه خلاف ذلك وهل ذلك إلا من سوء الظن به قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فحسن التكليف في العقول كحسن الإحسان والإنعام والتفضل والطول بل هو من أبلغ أنواع الإحسان والإنعام ولهذا سمى سبحانه ذلك نعمة ومنة وفضلا ورحمة وأخبر أن الفرح به خير من الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ فنعمة الله هاهنا نعمته بمحمد ﷺ وما بعثه به من الهدى ودين الحق وقال: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ وقال: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ وقال: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ وقال: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ﴾ وقال: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وقال لرسوله: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ وهل النعمة والفضل في الحقيقة إلا ذلك وتوابعه وثمرته في القلوب والأبدان في الدنيا والآخرة وهل في العقول السليمة والفطرة المستقيمة أحسن من ذلك وأليق بكمال الرب وأسمائه وصفاته. (فصل) قال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلاّ مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فتأمل الآن كيف اشتمل خلق السماوات والأرض وما بينهما على الحق أولا وآخرا ووسطا، وأنها خلقت بالحق وللحق وشاهدة بالحق وقد أنكر تعالى على من زعم خلاف ذلك فقال: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ثم نزه نفسه عن هذا الحسبان المضاد لحكمته وعلمه وحمده فقال ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ وتأمل ما في هذين الاسمين وهما ﴿الملك الحق﴾ من إبطال هذا الحسبان الذي ظنه أعداؤه إذ هو مناف لكمال ملكه ولكونه الحق إذ الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي فيتصرف في خلقه بقوله وأمره وهذا هو الفرق بين الملك والمالك إذ المالك هو المتصرف بفعله والملك هو المتصرف بفعله وأمره والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره. فمن ظن أنه خلق خلقه عبثا لم يأمرهم ولم ينههم فقد طعن في ملكه ولم يقدره حق قدره كما قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدره. وكذلك كونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها فكما أن ذاته الحق فقوله الحق ووعده الحق وأمره الحق وأفعاله كلها حق وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق فمن أنكر شيئا من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار فكونه حقا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثا وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم كما قال تعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى" وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب، وهو الأمر والنهي، والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب. ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خلق له. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. (فصل: في إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة كقوله: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ وقوله: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ وقوله: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلاّ بِالحَقِّ﴾ والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك كله وهو أنواع كثيرة منها أن يعرف الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته ومنها أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع ومنها أن يأمر وينهى ويشرع الشرائع ومنها أن يدبر الأمر ويبرم القضاء ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات ومنها أن يثيب ويعاقب فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فيوجد أثر عدله وفضله موجودا مشهودا فيحمد على ذلك ويشكر ومنها أن يعلم خلقه أنه لا إله غيره ولا رب سواه ومنها أن يصدق الصادق فيكرمه ويكذب الكاذب فيهينه ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني والخارجي فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع ومنها شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها وأنه وحده إلهها ومعبودها ومنها ظهور أثر كماله المقدس فإن الخلق والصنع لازم كماله فإنه حي قدير ومن كان ذلك كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا ومنها أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق به ومحبته على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه فتشهد حكمته الباهرة ومنها أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم ويعفو ويغفر ويسامح ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا ومنها أنه يحب أن يثنى عليه ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم ومنها كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته إلى غير ذلك من الحكم التي تضمنها الخلق فخلق مخلوقاته بسبب الحق ولأجل الحق وخلقها ملتبس بالحق وهو في نفسه حق فمصدره حق وغايته حق وهو يتضمن للحق وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه فقال: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول أنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له ولا أمر لحكمة ولا نهى لحكمة وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا لغاية مقصودة وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات فهما مظهران بحمده وحكمته فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك ينزه عنه الرب ويتعالى عن نسبته إليه فإنهم أثبتوا خلقا وأمرا لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه ألبتة وينهى عما فيه مصلحة والجميع بالنسبة إليه سواء. ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه وينهى عن جميع ما أمر به ولا فرق بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة عين بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره وينعم على من لم يطعه طرفة عين بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول وإلا فهو جائز عليه وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب سبحانه وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور ويزعمون أنه عدل وحق وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه وعلوه فوق سماواته وتكلمه وتكليمه وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات والله ولي التوفيق. (مسألة) إن قيل: أي حكمة في إيلام الحيوانات غير المكلفة؟ قلنا: هذه مسألة تكلم الناس فيها قديما وحديثا وتباينت طرقهم في الجواب عنها، فالجاحدون للفاعل المختار الذي يفعل بمشيئته وقدرته يحيلون ذلك على الطبيعة المجردة، وأن ذلك من لوازمها ومقتضياتها ليس بفعل فاعل ولا قدرة قادر ولا إرادة مريد. ومنكرو الحكمة والتعليل يردون ذلك إلى محض المشيئة، وصرف الإرادة تخصص مثلا على مثل بلا موجب ولا غاية ولا حكمة مطلوبة، ولا سبب أصلا، وظنوا أنهم بذلك يتخلصون من السؤال ويسدون على نفوسهم باب المطالبة، وإنما سدوا على نفوسهم باب معرفة الرب وكماله وكمال أسمائه وأوصافه وأفعاله، فعطلوا حكمته وحقيقة إلهيته وحمده، وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار. وأما من أثبت حكمة وتعليلا لا يعودا إلى الخالق بل إلى المخلوق سلكوا طريقة التعويض على تلك الآلام في حق من يبعث للثواب والعقاب، وقالوا: قد يكون في ذلك إثابة لإثابتهم بصبرهم وتألمهم وإثابة لهم وتعويضا في القيامة بما نالهم من تلك الآلام، فلما أورد عليهم إيلام الحيوانات التي لا تثاب ولا تعاقب. وأما المثبتون لحقائق أسماء الرب وصفاته وحكمته التي هي وصفه ولأجلها تسمى بالحكيم وعنها صدر خلقه وأمره، فهم أعلم الفرق بهذا الشأن ومسلكهم فيه أصح المسالك وأسلم من التناقض والاضطراب فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة والمشيئة العامة والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل وربطوا ذلك بالأسماء والصفات، فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة، وعلموا أن ذلك مقتضى الحكمة البالغة، وأنه من لوازمها وأن لازم الحق حق ولازم العدل عدل، ولوازم الحكمة من الحكمة، فاعلم أن هاهنا أمرين: نفسا متحركة بالإرادة والاختيار، وطبيعة متحركة بغير الاختيار والإرادة، وأن الشر منشأه من هذين المتحركين، وعن هاتين الحركتين، وخلقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه، فهذه تتحرك لكمالها، وهذه تتحرك لكمالها، وينشأ عن الحركتين خير وشر، كما ينشأ عن حركة الأفلاك والشمس والقمر وحركة الرياح والماء والنار خير وشر، فالخيرات الناشئة عن هذه الحركات مقصودة بالقصد الأول إما لذاتها، وإما لكونها وسيلة إلى خيرات أتم منها. والشرور الناشئة عنها غير مقصودة بالذات، وإن قصدت قصد الوسائل واللوازم التي لا بد مها فما جبلت عليه النفس من الحركة هو من لوازم ذاتها، فلا تكون النفس البشرية نفسا إلا بهذا اللازم. فإذا قيل لم خلقت متحركة على الدوام؟ فهو بمنزلة أن يقال لم كانت النفس نفسا؟ ولم كانت النار نارا؟ والريح ريحا؟ فلو لم يخلق هذا ما كانت نفسا، ولو لم تخلق الطبيعة هكذا ما كانت طبيعة، ولو لم يخلق الإنسان على هذه الصفة والخلقة ما كان إنسانا. [فصل: في هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ الصَّرَعِ] أخْرَجا في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «ألا أُرِيكَ امْرَأةً مِن أهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ السَّوْداءُ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: إنِّي أُصْرَعُ، وإنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللَّهَ لِي، فَقالَ: " إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولَكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكِ أنْ يُعافِيَكِ " فَقالَتْ: أصْبِرُ. قالَتْ: فَإنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللَّهَ أنْ لا أتَكَشَّفَ، فَدَعا لَها». قُلْتُ: الصَّرَعُ صَرَعانِ: صَرَعٌ مِنَ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ الأرْضِيَّةِ، وصَرَعٌ مِنَ الأخْلاطِ الرَّدِيئَةِ. والثّانِي: هو الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ الأطِبّاءُ في سَبَبِهِ وعِلاجِهِ. وَأمّا صَرَعُ الأرْواحِ فَيَكُونُ بِأمْرَيْنِ: أمْرٍ مِن جِهَةِ المَصْرُوعِ، وأمْرٍ مِن جِهَةِ المُعالِجِ، فاَلَّذِي مِن جِهَةِ المَصْرُوعِ يَكُونُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ وصِدْقِ تَوَجُّهِهِ إلى فاطِرِ هَذِهِ الأرْواحِ وبارِئِها، والتَّعَوُّذِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَدْ تَواطَأ عَلَيْهِ القَلْبُ واللِّسانُ، فَإنَّ هَذا نَوْعُ مُحارَبَةٍ، والمُحارِبُ لا يَتِمُّ لَهُ الِانْتِصافُ مِن عَدُوِّهِ بِالسِّلاحِ إلّا بِأمْرَيْنِ: أنْ يَكُونَ السِّلاحُ صَحِيحًا في نَفْسِهِ جَيِّدًا، وأنْ يَكُونَ السّاعِدُ قَوِيًّا، فَمَتى تَخَلَّفَ أحَدُهُما لَمْ يُغْنِ السِّلاحُ كَثِيرَ طائِلٍ، فَكَيْفَ إذا عُدِمَ الأمْرانِ جَمِيعًا: يَكُونُ القَلْبُ خَرابًا مِنَ التَّوْحِيدِ، والتَّوَكُّلِ، والتَّقْوى، والتَّوَجُّهِ، ولا سِلاحَ لَهُ. والثّانِي: مِن جِهَةِ المُعالِجِ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ هَذانِ الأمْرانِ أيْضًا حَتّى إنَّ مِنَ المُعالِجِينَ مَن يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: " اخْرُجْ مِنهُ ". أوْ بِقَوْلِ: " بِسْمِ اللَّهِ "، أوْ بِقَوْلِ: " لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ". والنَّبِيُّ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ». وَشاهَدْتُ شَيْخَنا يُرْسِلُ إلى المَصْرُوعِ مَن يُخاطِبُ الرُّوحَ الَّتِي فِيهِ، ويَقُولُ: قالَ لَكِ الشَّيْخُ: اخْرُجِي، فَإنَّ هَذا لا يَحِلُّ لَكِ، فَيُفِيقُ المَصْرُوعُ، ورُبَّما خاطَبَها بِنَفْسِهِ، ورُبَّما كانَتِ الرُّوحُ مارِدَةً فَيُخْرِجُها بِالضَّرْبِ فَيُفِيقُ المَصْرُوعُ ولا يَحُسُّ بِألَمٍ، وقَدْ شاهَدْنا نَحْنُ وغَيْرُنا مِنهُ ذَلِكَ مِرارًا. وَكانَ كَثِيرًا ما يَقْرَأُ في أُذُنِ المَصْرُوعِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وَحَدَّثَنِي أنَّهُ قَرَأها مَرَّةً في أُذُنِ المَصْرُوعِ، فَقالَتِ الرُّوحُ: نَعَمْ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ. قالَ: فَأخَذْتُ لَهُ عَصًا وضَرَبْتُهُ بِها في عُرُوقِ عُنُقِهِ حَتّى كَلَّتْ يَدايَ مِنَ الضَّرْبِ، ولَمْ يَشُكَّ الحاضِرُونَ أنَّهُ يَمُوتُ لِذَلِكَ الضَّرْبِ. فَفي أثْناءِ الضَّرْبِ قالَتْ: أنا أُحِبُّهُ، فَقُلْتُ لَها: هو لا يُحِبُّكِ، قالَتْ: أنا أُرِيدُ أنْ أحُجَّ بِهِ فَقُلْتُ لَها: هو لا يُرِيدُ أنْ يَحُجَّ مَعَكِ، فَقالَتْ: أنا أدَعُهُ كَرامَةً لَكَ، قالَ: قُلْتُ: لا ولَكِنْ طاعَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، قالَتْ: فَأنا أخْرُجُ مِنهُ، قالَ: فَقَعَدَ المَصْرُوعُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، وقالَ: ما جاءَ بِي إلى حَضْرَةِ الشَّيْخِ؟ قالُوا لَهُ: وهَذا الضَّرْبُ كُلُّهُ؟ فَقالَ وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَضْرِبُنِي الشَّيْخُ ولَمْ أُذْنِبْ، ولَمْ يَشْعُرْ بِأنَّهُ وقَعَ بِهِ ضَرْبٌ ألْبَتَّةَ. وَكانَ يُعالِجُ بِآيَةِ الكُرْسِيِّ، وكانَ يَأْمُرُ بِكَثْرَةِ قِراءَتِها المَصْرُوعَ ومَن يُعالِجُهُ بِها وبِقِراءَةِ المُعَوِّذَتَيْنِ. وَبِالجُمْلَةِ فَهَذا النَّوْعُ مِنَ الصَّرَعِ وعِلاجِهِ لا يُنْكِرُهُ إلّا قَلِيلُ الحَظِّ مِنَ العِلْمِ والعَقْلِ والمَعْرِفَةِ، وأكْثَرُ تَسَلُّطِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلى أهْلِهِ تَكُونُ مِن جِهَةِ قِلَّةِ دِينِهِمْ، وخَرابِ قُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ مِن حَقائِقِ الذِّكْرِ، والتَّعاوِيذِ، والتَّحَصُّناتِ النَّبَوِيَّةِ والإيمانِيَّةِ، فَتَلْقى الرُّوحُ الخَبِيثَةُ الرَّجُلَ أعْزَلَ لا سِلاحَ مَعَهُ، ورُبَّما كانَ عُرْيانًا فَيُؤَثِّرُ فِيهِ هَذا. وَلَوْ كُشِفَ الغِطاءُ لَرَأيْتَ أكْثَرَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ صَرْعى هَذِهِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ، وهي في أسْرِها وقَبْضَتِها تَسُوقُها حَيْثُ شاءَتْ، ولا يُمْكِنُها الِامْتِناعُ عَنْها ولا مُخالَفَتُها، وبِها الصَّرَعُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يُفِيقُ صاحِبُهُ إلّا عِنْدَ المُفارَقَةِ والمُعايَنَةِ، فَهُناكَ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ كانَ هو المَصْرُوعَ حَقِيقَةً، وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ. وَعِلاجُ هَذا الصَّرَعِ بِاقْتِرانِ العَقْلِ الصَّحِيحِ إلى الإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وأنْ تَكُونَ الجَنَّةُ والنّارُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وقِبْلَةَ قَلْبِهِ، ويَسْتَحْضِرَ أهْلَ الدُّنْيا وحُلُولَ المَثُلاتِ والآفاتِ بِهِمْ، ووُقُوعَها خِلالَ دِيارِهِمْ كَمَواقِعِ القَطْرِ، وهم صَرْعى لا يُفِيقُونَ، وما أشَدَّ داءَ هَذا الصَّرَعِ ولَكِنْ لَمّا عَمَّتِ البَلِيَّةُ بِهِ بِحَيْثُ لا يُرى إلّا مَصْرُوعًا، لَمْ يَصِرْ مُسْتَغْرَبًا ولا مُسْتَنْكَرًا بَلْ صارَ لِكَثْرَةِ المَصْرُوعِينَ عَيْنَ المُسْتَنْكَرِ المُسْتَغْرَبِ خِلافَهُ. فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أفاقَ مِن هَذِهِ الصَّرْعَةِ، ونَظَرَ إلى أبْناءِ الدُّنْيا مَصْرُوعِينَ حَوْلَهُ يَمِينًا وشِمالًا عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَمِنهم مَن أطْبَقَ بِهِ الجُنُونُ، ومِنهم مَن يُفِيقُ أحْيانًا قَلِيلَةً ويَعُودُ إلى جُنُونِهِ، ومِنهم مَن يُفِيقُ مَرَّةً ويُجَنُّ أُخْرى فَإذا أفاقَ عَمِلَ عَمَلَ أهْلِ الإفاقَةِ والعَقْلِ، ثُمَّ يُعاوِدُهُ الصَّرَعُ فَيَقَعُ في التَّخَبُّطِ. ((الجزء الحادي عشر))

المؤمنون 23:116

قَولُهُ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ، لا تُؤْمَرُونَ ولا تُنْهَوْنَ، ولا تُثابُونَ ولا تُعاقَبُونَ، والعَبَثُ قَبِيحٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قُبْحَ هَذا مُسْتَقِرٌّ في الفِطَرِ والعُقُولِ، ولِذَلِكَ أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ إنْكارَ مُنَبِّهٍ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ، وأنَّهم لَوْ فَكَّرُوا وأبْصَرُوا لَعَلِمُوا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ، ولا يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَبَثًا، لا لِأمْرٍ ولا لِنَهْيٍ، ولا لِثَوابٍ ولا لِعِقابٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والجَزاءِ مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ والفِطَرِ، وأنَّ مَن جَوَّزَ عَلى اللَّهِ الإخْلالَ بِهِ فَقَدْ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وإلى ما تَأْباهُ أسْماؤُهُ الحُسْنى وصِفاتُهُ العُلْيا. (فصل) اعلم أنه لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثا وسدى والله يتعالى عن ذلك وقد نزه نفسه عنه كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص قال تعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قال الشافعي لا يؤمر ولا ينهى ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملا معطلا مضاد للحكمة فإنه خلق لغاية كماله وكماله أن يكون عارفا بربه محبا له قائما بعبوديته قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهذه المعرفة وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر وهما أعظم كمال الإنسان والله تعالى من عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة ومكنه منها. ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان، وهي ترجع إلى شكر المنعم كلها دقيقها وجليلها منه، وتعظيمه وإجلاله ومعاملته بما يليق أن يعامل به. فتذكر آلاؤه وتشكر فلا يكفر ويطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى هذا مع تضمن التكليف لإيصاف العبد بكل خلق جميل وإثباته بكل فعل جميل وقول سديد واجتنابه لكل خلق سيئ وترك كل فعل قبيح وقول زور فتكليفه متضمن لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وصدق القول والإحسان إلى الخليقة، وتكميل نفسه بأنواع الكمالات، وهجر أضداد ذلك والتنزه عنها مع تعريضه بذلك التكليف للثواب الجزيل الدائم ومجاورة ربه في دار البقاء فأي الأمرين أليق بالحكمة هذا أو إرساله هملا كالخيل والبغال والحمير يأكل ويشرب وينكح كالبهائم أيقتضي كماله المقدس ذلك فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم وكيف يليق بذلك الكمال طي بساط الأمر والنهي والثواب والعقاب وترك إرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع وتقرير الأحكام وهل عرف الله من جوز عليه خلاف ذلك وهل ذلك إلا من سوء الظن به قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فحسن التكليف في العقول كحسن الإحسان والإنعام والتفضل والطول بل هو من أبلغ أنواع الإحسان والإنعام ولهذا سمى سبحانه ذلك نعمة ومنة وفضلا ورحمة وأخبر أن الفرح به خير من الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ فنعمة الله هاهنا نعمته بمحمد ﷺ وما بعثه به من الهدى ودين الحق وقال: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ وقال: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ وقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ وقال: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ وقال: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ﴾ وقال: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وقال لرسوله: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ وهل النعمة والفضل في الحقيقة إلا ذلك وتوابعه وثمرته في القلوب والأبدان في الدنيا والآخرة وهل في العقول السليمة والفطرة المستقيمة أحسن من ذلك وأليق بكمال الرب وأسمائه وصفاته. (فصل) قال تعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلاّ مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فتأمل الآن كيف اشتمل خلق السماوات والأرض وما بينهما على الحق أولا وآخرا ووسطا، وأنها خلقت بالحق وللحق وشاهدة بالحق وقد أنكر تعالى على من زعم خلاف ذلك فقال: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ثم نزه نفسه عن هذا الحسبان المضاد لحكمته وعلمه وحمده فقال ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ وتأمل ما في هذين الاسمين وهما ﴿الملك الحق﴾ من إبطال هذا الحسبان الذي ظنه أعداؤه إذ هو مناف لكمال ملكه ولكونه الحق إذ الملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي فيتصرف في خلقه بقوله وأمره وهذا هو الفرق بين الملك والمالك إذ المالك هو المتصرف بفعله والملك هو المتصرف بفعله وأمره والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره. فمن ظن أنه خلق خلقه عبثا لم يأمرهم ولم ينههم فقد طعن في ملكه ولم يقدره حق قدره كما قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فمن جحد شرع الله وأمره ونهيه وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة فقد طعن في ملك الله ولم يقدره حق قدره. وكذلك كونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وصفاته وأسمائه ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها فكما أن ذاته الحق فقوله الحق ووعده الحق وأمره الحق وأفعاله كلها حق وجزاؤه المستلزم لشرعه ودينه ولليوم الآخر حق فمن أنكر شيئا من ذلك فما وصف الله بأنه الحق المطلق من كل وجه وبكل اعتبار فكونه حقا يستلزم شرعه ودينه وثوابه وعقابه فكيف يظن بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثا وأن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم كما قال تعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ قال الشافعي رحمه الله: "مهملا لا يؤمر ولا ينهى" وقال غيره: "لا يجزي بالخير والشر ولا يثاب ولا يعاقب" والقولان متلازمان فالشافعي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب، وهو الأمر والنهي، والآخر ذكر غاية الأمر والنهي ذكر سبب الجزاء والثواب والعقاب. ثم تأمل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ فمن لم يتركه وهو نطفة سدى بل قلب النطفة وصرفها حتى صارت أكمل مما هي وهي العلقة ثم قلب العلقة حتى صارت أكمل مما هي حتى خلقها فسوى خلقها فدبرها بتصريفه وحكمته في أطوار كمالاتها حتى انتهى كمالها بشرا سويا فكيف يتركه سدى لا يسوقه إلى غاية كماله الذي خلق له. فإذا تأمل العاقل البصير أحوال النطفة من مبدئها إلى منتهاها دلته على المعاد والنبوات كما تدله على إثبات الصانع وتوحيده وصفات كماله فكما تدل أحوال النطفة من مبدئها إلى غايتها على كمال قدرة فاطر الإنسان وبارئه فكذلك تدل على كمال حكمته وعلمه وملكه وأنه الملك الحق المتعالى عن أن يخلقها عبثا ويتركها سدى بعد كمال خلقها. (فصل: في إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة كقوله: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ وقوله: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ وقوله: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلاّ بِالحَقِّ﴾ والحق هو الحكم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك كله وهو أنواع كثيرة منها أن يعرف الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وآياته ومنها أن يحب ويعبد ويشكر ويذكر ويطاع ومنها أن يأمر وينهى ويشرع الشرائع ومنها أن يدبر الأمر ويبرم القضاء ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات ومنها أن يثيب ويعاقب فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فيوجد أثر عدله وفضله موجودا مشهودا فيحمد على ذلك ويشكر ومنها أن يعلم خلقه أنه لا إله غيره ولا رب سواه ومنها أن يصدق الصادق فيكرمه ويكذب الكاذب فيهينه ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني والخارجي فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع ومنها شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها وأنه وحده إلهها ومعبودها ومنها ظهور أثر كماله المقدس فإن الخلق والصنع لازم كماله فإنه حي قدير ومن كان ذلك كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا ومنها أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق به ومحبته على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه فتشهد حكمته الباهرة ومنها أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم ويعفو ويغفر ويسامح ولا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا ومنها أنه يحب أن يثنى عليه ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم ومنها كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته إلى غير ذلك من الحكم التي تضمنها الخلق فخلق مخلوقاته بسبب الحق ولأجل الحق وخلقها ملتبس بالحق وهو في نفسه حق فمصدره حق وغايته حق وهو يتضمن للحق وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه فقال: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول أنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له ولا أمر لحكمة ولا نهى لحكمة وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا لغاية مقصودة وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات فهما مظهران بحمده وحكمته فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك ينزه عنه الرب ويتعالى عن نسبته إليه فإنهم أثبتوا خلقا وأمرا لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه ألبتة وينهى عما فيه مصلحة والجميع بالنسبة إليه سواء. ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه وينهى عن جميع ما أمر به ولا فرق بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة عين بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره وينعم على من لم يطعه طرفة عين بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول وإلا فهو جائز عليه وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب سبحانه وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور ويزعمون أنه عدل وحق وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه وعلوه فوق سماواته وتكلمه وتكليمه وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات والله ولي التوفيق. (مسألة) إن قيل: أي حكمة في إيلام الحيوانات غير المكلفة؟ قلنا: هذه مسألة تكلم الناس فيها قديما وحديثا وتباينت طرقهم في الجواب عنها، فالجاحدون للفاعل المختار الذي يفعل بمشيئته وقدرته يحيلون ذلك على الطبيعة المجردة، وأن ذلك من لوازمها ومقتضياتها ليس بفعل فاعل ولا قدرة قادر ولا إرادة مريد. ومنكرو الحكمة والتعليل يردون ذلك إلى محض المشيئة، وصرف الإرادة تخصص مثلا على مثل بلا موجب ولا غاية ولا حكمة مطلوبة، ولا سبب أصلا، وظنوا أنهم بذلك يتخلصون من السؤال ويسدون على نفوسهم باب المطالبة، وإنما سدوا على نفوسهم باب معرفة الرب وكماله وكمال أسمائه وأوصافه وأفعاله، فعطلوا حكمته وحقيقة إلهيته وحمده، وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار. وأما من أثبت حكمة وتعليلا لا يعودا إلى الخالق بل إلى المخلوق سلكوا طريقة التعويض على تلك الآلام في حق من يبعث للثواب والعقاب، وقالوا: قد يكون في ذلك إثابة لإثابتهم بصبرهم وتألمهم وإثابة لهم وتعويضا في القيامة بما نالهم من تلك الآلام، فلما أورد عليهم إيلام الحيوانات التي لا تثاب ولا تعاقب. وأما المثبتون لحقائق أسماء الرب وصفاته وحكمته التي هي وصفه ولأجلها تسمى بالحكيم وعنها صدر خلقه وأمره، فهم أعلم الفرق بهذا الشأن ومسلكهم فيه أصح المسالك وأسلم من التناقض والاضطراب فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة والمشيئة العامة والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل وربطوا ذلك بالأسماء والصفات، فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة، وعلموا أن ذلك مقتضى الحكمة البالغة، وأنه من لوازمها وأن لازم الحق حق ولازم العدل عدل، ولوازم الحكمة من الحكمة، فاعلم أن هاهنا أمرين: نفسا متحركة بالإرادة والاختيار، وطبيعة متحركة بغير الاختيار والإرادة، وأن الشر منشأه من هذين المتحركين، وعن هاتين الحركتين، وخلقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه، فهذه تتحرك لكمالها، وهذه تتحرك لكمالها، وينشأ عن الحركتين خير وشر، كما ينشأ عن حركة الأفلاك والشمس والقمر وحركة الرياح والماء والنار خير وشر، فالخيرات الناشئة عن هذه الحركات مقصودة بالقصد الأول إما لذاتها، وإما لكونها وسيلة إلى خيرات أتم منها. والشرور الناشئة عنها غير مقصودة بالذات، وإن قصدت قصد الوسائل واللوازم التي لا بد مها فما جبلت عليه النفس من الحركة هو من لوازم ذاتها، فلا تكون النفس البشرية نفسا إلا بهذا اللازم. فإذا قيل لم خلقت متحركة على الدوام؟ فهو بمنزلة أن يقال لم كانت النفس نفسا؟ ولم كانت النار نارا؟ والريح ريحا؟ فلو لم يخلق هذا ما كانت نفسا، ولو لم تخلق الطبيعة هكذا ما كانت طبيعة، ولو لم يخلق الإنسان على هذه الصفة والخلقة ما كان إنسانا. [فصل: في هَدْيِهِ ﷺ في عِلاجِ الصَّرَعِ] أخْرَجا في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «ألا أُرِيكَ امْرَأةً مِن أهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ السَّوْداءُ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: إنِّي أُصْرَعُ، وإنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللَّهَ لِي، فَقالَ: " إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولَكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكِ أنْ يُعافِيَكِ " فَقالَتْ: أصْبِرُ. قالَتْ: فَإنِّي أتَكَشَّفُ، فادْعُ اللَّهَ أنْ لا أتَكَشَّفَ، فَدَعا لَها». قُلْتُ: الصَّرَعُ صَرَعانِ: صَرَعٌ مِنَ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ الأرْضِيَّةِ، وصَرَعٌ مِنَ الأخْلاطِ الرَّدِيئَةِ. والثّانِي: هو الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ الأطِبّاءُ في سَبَبِهِ وعِلاجِهِ. وَأمّا صَرَعُ الأرْواحِ فَيَكُونُ بِأمْرَيْنِ: أمْرٍ مِن جِهَةِ المَصْرُوعِ، وأمْرٍ مِن جِهَةِ المُعالِجِ، فاَلَّذِي مِن جِهَةِ المَصْرُوعِ يَكُونُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ وصِدْقِ تَوَجُّهِهِ إلى فاطِرِ هَذِهِ الأرْواحِ وبارِئِها، والتَّعَوُّذِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَدْ تَواطَأ عَلَيْهِ القَلْبُ واللِّسانُ، فَإنَّ هَذا نَوْعُ مُحارَبَةٍ، والمُحارِبُ لا يَتِمُّ لَهُ الِانْتِصافُ مِن عَدُوِّهِ بِالسِّلاحِ إلّا بِأمْرَيْنِ: أنْ يَكُونَ السِّلاحُ صَحِيحًا في نَفْسِهِ جَيِّدًا، وأنْ يَكُونَ السّاعِدُ قَوِيًّا، فَمَتى تَخَلَّفَ أحَدُهُما لَمْ يُغْنِ السِّلاحُ كَثِيرَ طائِلٍ، فَكَيْفَ إذا عُدِمَ الأمْرانِ جَمِيعًا: يَكُونُ القَلْبُ خَرابًا مِنَ التَّوْحِيدِ، والتَّوَكُّلِ، والتَّقْوى، والتَّوَجُّهِ، ولا سِلاحَ لَهُ. والثّانِي: مِن جِهَةِ المُعالِجِ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ هَذانِ الأمْرانِ أيْضًا حَتّى إنَّ مِنَ المُعالِجِينَ مَن يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: " اخْرُجْ مِنهُ ". أوْ بِقَوْلِ: " بِسْمِ اللَّهِ "، أوْ بِقَوْلِ: " لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ". والنَّبِيُّ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ». وَشاهَدْتُ شَيْخَنا يُرْسِلُ إلى المَصْرُوعِ مَن يُخاطِبُ الرُّوحَ الَّتِي فِيهِ، ويَقُولُ: قالَ لَكِ الشَّيْخُ: اخْرُجِي، فَإنَّ هَذا لا يَحِلُّ لَكِ، فَيُفِيقُ المَصْرُوعُ، ورُبَّما خاطَبَها بِنَفْسِهِ، ورُبَّما كانَتِ الرُّوحُ مارِدَةً فَيُخْرِجُها بِالضَّرْبِ فَيُفِيقُ المَصْرُوعُ ولا يَحُسُّ بِألَمٍ، وقَدْ شاهَدْنا نَحْنُ وغَيْرُنا مِنهُ ذَلِكَ مِرارًا. وَكانَ كَثِيرًا ما يَقْرَأُ في أُذُنِ المَصْرُوعِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وَحَدَّثَنِي أنَّهُ قَرَأها مَرَّةً في أُذُنِ المَصْرُوعِ، فَقالَتِ الرُّوحُ: نَعَمْ، ومَدَّ بِها صَوْتَهُ. قالَ: فَأخَذْتُ لَهُ عَصًا وضَرَبْتُهُ بِها في عُرُوقِ عُنُقِهِ حَتّى كَلَّتْ يَدايَ مِنَ الضَّرْبِ، ولَمْ يَشُكَّ الحاضِرُونَ أنَّهُ يَمُوتُ لِذَلِكَ الضَّرْبِ. فَفي أثْناءِ الضَّرْبِ قالَتْ: أنا أُحِبُّهُ، فَقُلْتُ لَها: هو لا يُحِبُّكِ، قالَتْ: أنا أُرِيدُ أنْ أحُجَّ بِهِ فَقُلْتُ لَها: هو لا يُرِيدُ أنْ يَحُجَّ مَعَكِ، فَقالَتْ: أنا أدَعُهُ كَرامَةً لَكَ، قالَ: قُلْتُ: لا ولَكِنْ طاعَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، قالَتْ: فَأنا أخْرُجُ مِنهُ، قالَ: فَقَعَدَ المَصْرُوعُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، وقالَ: ما جاءَ بِي إلى حَضْرَةِ الشَّيْخِ؟ قالُوا لَهُ: وهَذا الضَّرْبُ كُلُّهُ؟ فَقالَ وعَلى أيِّ شَيْءٍ يَضْرِبُنِي الشَّيْخُ ولَمْ أُذْنِبْ، ولَمْ يَشْعُرْ بِأنَّهُ وقَعَ بِهِ ضَرْبٌ ألْبَتَّةَ. وَكانَ يُعالِجُ بِآيَةِ الكُرْسِيِّ، وكانَ يَأْمُرُ بِكَثْرَةِ قِراءَتِها المَصْرُوعَ ومَن يُعالِجُهُ بِها وبِقِراءَةِ المُعَوِّذَتَيْنِ. وَبِالجُمْلَةِ فَهَذا النَّوْعُ مِنَ الصَّرَعِ وعِلاجِهِ لا يُنْكِرُهُ إلّا قَلِيلُ الحَظِّ مِنَ العِلْمِ والعَقْلِ والمَعْرِفَةِ، وأكْثَرُ تَسَلُّطِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ عَلى أهْلِهِ تَكُونُ مِن جِهَةِ قِلَّةِ دِينِهِمْ، وخَرابِ قُلُوبِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ مِن حَقائِقِ الذِّكْرِ، والتَّعاوِيذِ، والتَّحَصُّناتِ النَّبَوِيَّةِ والإيمانِيَّةِ، فَتَلْقى الرُّوحُ الخَبِيثَةُ الرَّجُلَ أعْزَلَ لا سِلاحَ مَعَهُ، ورُبَّما كانَ عُرْيانًا فَيُؤَثِّرُ فِيهِ هَذا. وَلَوْ كُشِفَ الغِطاءُ لَرَأيْتَ أكْثَرَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ صَرْعى هَذِهِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ، وهي في أسْرِها وقَبْضَتِها تَسُوقُها حَيْثُ شاءَتْ، ولا يُمْكِنُها الِامْتِناعُ عَنْها ولا مُخالَفَتُها، وبِها الصَّرَعُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يُفِيقُ صاحِبُهُ إلّا عِنْدَ المُفارَقَةِ والمُعايَنَةِ، فَهُناكَ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ كانَ هو المَصْرُوعَ حَقِيقَةً، وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ. وَعِلاجُ هَذا الصَّرَعِ بِاقْتِرانِ العَقْلِ الصَّحِيحِ إلى الإيمانِ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وأنْ تَكُونَ الجَنَّةُ والنّارُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وقِبْلَةَ قَلْبِهِ، ويَسْتَحْضِرَ أهْلَ الدُّنْيا وحُلُولَ المَثُلاتِ والآفاتِ بِهِمْ، ووُقُوعَها خِلالَ دِيارِهِمْ كَمَواقِعِ القَطْرِ، وهم صَرْعى لا يُفِيقُونَ، وما أشَدَّ داءَ هَذا الصَّرَعِ ولَكِنْ لَمّا عَمَّتِ البَلِيَّةُ بِهِ بِحَيْثُ لا يُرى إلّا مَصْرُوعًا، لَمْ يَصِرْ مُسْتَغْرَبًا ولا مُسْتَنْكَرًا بَلْ صارَ لِكَثْرَةِ المَصْرُوعِينَ عَيْنَ المُسْتَنْكَرِ المُسْتَغْرَبِ خِلافَهُ. فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أفاقَ مِن هَذِهِ الصَّرْعَةِ، ونَظَرَ إلى أبْناءِ الدُّنْيا مَصْرُوعِينَ حَوْلَهُ يَمِينًا وشِمالًا عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَمِنهم مَن أطْبَقَ بِهِ الجُنُونُ، ومِنهم مَن يُفِيقُ أحْيانًا قَلِيلَةً ويَعُودُ إلى جُنُونِهِ، ومِنهم مَن يُفِيقُ مَرَّةً ويُجَنُّ أُخْرى فَإذا أفاقَ عَمِلَ عَمَلَ أهْلِ الإفاقَةِ والعَقْلِ، ثُمَّ يُعاوِدُهُ الصَّرَعُ فَيَقَعُ في التَّخَبُّطِ. ((الجزء الحادي عشر))

النور 24:2

(فَصْلٌ) وَلَمّا كانَتِ العَثْرَةُ عَثْرَتَيْنِ: عَثْرَةَ الرِّجْلِ وعَثْرَةَ اللِّسانِ، جاءَتْ إحْداهُما قَرِينَةَ الأُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. فَوَصَفَهم بِالِاسْتِقامَةِ في لَفْظاتِهِمْ وخُطُواتِهِمْ، كَما جَمَعَ بَيْنَ اللَّحَظاتِ والخَطَراتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. وَهَذا كُلُّهُ ذَكَرْناهُ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيْ تَحْرِيمِ الفَواحِشِ ووُجُوبِ حِفْظِ الفَرْجِ، وقَدْ قالَ ﷺ: «أكْثَرُ ما يُدْخِلُ النّاسَ النّارَ: الفَمُ، والفَرْجُ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزّانِي، والنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، والتّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ»، وهَذا الحَدِيثُ في اقْتِرانِ الزِّنى بِالكُفْرِ وقَتْلِ النَّفْسِ، نَظِيرُ الآيَةِ الَّتِي في الفُرْقانِ، ونَظِيرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَبَدَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالأكْثَرِ وُقُوعًا، والَّذِي يَلِيهِ، فالزِّنى أكْثَرُ وُقُوعًا مِن قَتْلِ النَّفْسِ، وقَتْلُ النَّفْسِ أكْثَرُ وُقُوعًا مِنَ الرِّدَّةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ تَنَقَّلَ مِنَ الأكْبَرِ إلى ما هو أكْبَرُ مِنهُ، ومَفْسَدَةُ الزِّنى مُناقِضَةٌ لِصَلاحِ العالَمِ: فَإنَّ المَرْأةَ إذا زَنَتْ أدْخَلَتِ العارَ عَلى أهْلِها وزَوْجِها وأقارِبِها، ونَكَّسَتْ رُءُوسَهم بَيْنَ النّاسِ، وإنْ حَمَلَتْ مِنَ الزِّنى، فَإنْ قَتَلَتْ ولَدَها جَمَعَتْ بَيْنَ الزِّنى والقَتْلِ، وإنْ حَمَلَتْهُ عَلى الزَّوْجِ أدْخَلَتْ عَلى أهْلِهِ وأهْلِها أجْنَبِيًّا لَيْسَ مِنهُمْ، فَوَرِثَهم ولَيْسَ مِنهُمْ، ورَآهم وخَلا بِهِمْ وانْتَسَبَ إلَيْهِمْ ولَيْسَ مِنهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَفاسِدِ زِناها. وَأمّا زِنى الرَّجُلِ فَإنَّهُ يُوجِبُ اخْتِلاطَ الأنْسابِ أيْضًا، وإفْسادَ المَرْأةِ المَصُونَةِ وتَعْرِيضَها لِلتَّلَفِ والفَسادِ، وفي هَذِهِ الكَبِيرَةِ خَرابُ الدُّنْيا والدِّينِ، وإنْ عَمَرَتِ القُبُورَ في البَرْزَخِ والنّارَ في الآخِرَةِ، فَكَمْ في الزِّنى مِنِ اسْتِحْلالٍ لِحُرُماتٍ وفَواتِ حُقُوقٍ ووُقُوعِ مَظالِمَ؟ وَمِن خاصِّيَّتِهِ: أنَّهُ يُوجِبُ الفَقْرَ، ويُقَصِّرُ العُمُرَ، ويَكْسُو صاحِبَهُ سَوادَ الوَجْهِ، وثَوْبَ المَقْتِ بَيْنَ النّاسِ. وَمِن خاصِّيَّتِهِ أيْضًا: أنَّهُ يُشَتِّتُ القَلْبَ ويُمْرِضُهُ إنْ لَمْ يُمِتْهُ، ويَجْلِبُ الهَمَّ والحَزَنَ والخَوْفَ، ويُباعِدُ صاحِبَهُ مِنَ المَلَكِ ويُقَرِّبُهُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَلَيْسَ بَعْدَ مَفْسَدَةِ القَتْلِ أعْظَمُ مِن مَفْسَدَتِهِ، ولِهَذا شُرِعَ فِيهِ القَتْلُ عَلى أشْنَعِ الوُجُوهِ وأفْحَشِها وأصْعَبِها، ولَوْ بَلَغَ العَبْدَ أنَّ امْرَأتَهُ أوْ حُرْمَتَهُ قُتِلَتْ كانَ أسْهَلَ عَلَيْهِ مِن أنْ يَبْلُغَهُ أنَّها زَنَتْ. «وَقالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ رَأيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: تَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ واللَّهِ لَأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي، ومِن أجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنْهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يَغارُ، وإنَّ المُؤْمِنَ يَغارُ، وغَيْرَةُ اللَّهِ أنْ يَأْتِيَ العَبْدُ ما حَرَّمَ عَلَيْهِ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ: «لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ أثْنى عَلى نَفْسِهِ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ في خُطْبَتِهِ ﷺ في صَلاةِ الكُسُوفِ أنَّهُ قالَ: «يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، واللَّهِ إنَّهُ لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أوْ تَزْنِيَ أمَتُهُ، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟». وَفِي ذِكْرِ هَذِهِ الكَبِيرَةِ بِخُصُوصِها عَقِبَ صَلاةِ الكُسُوفِ سِرٌّ بَدِيعٌ لِمَن تَأمَّلَهُ، وظُهُورُ الزِّنى مِن أماراتِ خَرابِ العالَمِ، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «لَأُحَدِّثَنَّكم حَدِيثًا لا يُحَدِّثُكُمُوهُ أحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ يُرْفَعَ العِلْمُ ويَظْهَرَ الجَهْلُ ويُشْرَبَ الخَمْرُ ويَظْهَرَ الزِّنى ويَقِلَّ الرِّجالُ وتَكْثُرَ النِّساءُ، حَتّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأةً القَيِّمُ الواحِدُ». وَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في خَلْقِهِ أنَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الزِّنى يَغْضَبُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَشْتَدُّ غَضَبُهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُؤَثِّرَ غَضَبُهُ في الأرْضِ عُقُوبَةً. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما ظَهَرَ الرِّبا والزِّنى في قَرْيَةٍ إلّا أذِنَ اللَّهُ بِإهْلاكِها. وَرَأى بَعْضُ أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ ابْنَهُ يَغْمِزُ امْرَأةً، فَقالَ: مَهْلًا يا بُنَيَّ، فَصُرِعَ الأبُ عَنْ سَرِيرِهِ فانْقَطَعَ نُخاعُهُ وأسْقَطَتِ امْرَأتُهُ، وقِيلَ لَهُ: هَكَذا غَضَبُكَ لِي؟ لا يَكُونُ في جِنْسِكَ خَيْرٌ أبَدًا. وَخَصَّ سُبْحانَهُ حَدَّ الزِّنى مِن بَيْنِ الحُدُودِ بِثَلاثِ خَصائِصَ: أحَدُها: القَتْلُ فِيهِ بِأشْنَعِ القَتَلاتِ، وحَيْثُ خَفَّفَهُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ العُقُوبَةِ عَلى البَدَنِ بِالجَلْدِ وعَلى القَلْبِ بِتَغْرِيبِهِ عَنْ وطَنِهِ سَنَةً. الثّانِي: أنَّهُ نَهى عِبادَهُ أنْ تَأْخُذَهم بِالزُّناةِ رَأْفَةٌ في دِينِهِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُهم مِن إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ شَرَعَ هَذِهِ العُقُوبَةَ؛ فَهو أرْحَمُ بِكُمْ، ولَمْ تَمْنَعْهُ رَحْمَتُهُ مِن أمْرِهِ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ، فَلا يَمْنَعْكم أنْتُمْ ما يَقُومُ بِقُلُوبِكم مِنَ الرَّأْفَةِ مِن إقامَةِ أمْرِهِ. وَهَذا - وإنْ كانَ عامًّا في سائِرِ الحُدُودِ - ولَكِنْ ذُكِرَ في حَدِّ الزِّنى خاصَّةً لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلى ذِكْرِهِ، فَإنَّ النّاسَ لا يَجِدُونَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِلْظَةِ والقَسْوَةِ عَلى الزّانِي ما يَجِدُونَهُ عَلى السّارِقِ والقاذِفِ وشارِبِ الخَمْرِ، فَقُلُوبُهم تَرْحَمُ الزّانِيَ أكْثَرَ مِمّا تَرْحَمُ غَيْرَهُ مِن أرْبابِ الجَرائِمِ، والواقِعُ شاهِدٌ بِذَلِكَ، فَنُهُوا أنْ تَأْخُذَهم هَذِهِ الرَّأْفَةُ وتَحْمِلَهم عَلى تَعْطِيلِ حَدِّ اللَّهِ. وَسَبَبُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ: أنَّ هَذا ذَنْبٌ يَقَعُ مِنَ الأشْرافِ والأوْساطِ والأراذِلِ، وفي النُّفُوسِ أقْوى الدَّواعِي إلَيْهِ، والمُشارِكُ فِيهِ كَثِيرٌ، وأكْثَرُ أسْبابِهِ العِشْقُ، والقُلُوبُ مَجْبُولَةٌ إلى رَحْمَةِ العاشِقِ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَعُدُّ مُساعَدَتَهُ طاعَةً وقُرْبَةً، وإنْ كانَتِ الصُّورَةُ المَعْشُوقَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، ولا يَسْتَنْكِرُ هَذا الأمْرَ، فَهو مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ ما شاءَ اللَّهُ مِن أشْباهِ الأنْعامِ، ولَقَدْ حَكى لَنا مِن ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا نُقّاصُ العُقُولِ كالخُدّامِ والنِّساءِ. وَأيْضًا فَإنَّ هَذا ذَنْبٌ غالِبًا ما يَقَعُ مَعَ التَّراضِي مِنَ الجانِبَيْنِ، ولا يَقَعُ فِيهِ مِنَ العُدْوانِ والظُّلْمِ والِاغْتِصابِ ما تَنْفُرُ النُّفُوسُ مِنهُ. وَفِي النُّفُوسِ شَهْوَةٌ غالِبَةٌ لَهُ فَيُصَوِّرُ ذَلِكَ لَها، فَتَقُومُ بِها رَحْمَةٌ تَمْنَعُ إقامَةَ الحَدِّ، وهَذا كُلُّهُ مِن ضَعْفِ الإيمانِ. وكَمالُ الإيمانِ أنْ تَقُومَ بِهِ قُوَّةٌ يُقِيمُ بِها أمْرَ اللَّهِ، ورَحْمَةٌ يَرْحَمُ بِها المَحْدُودَ، فَيَكُونُ مُوافِقًا لِرَبِّهِ تَعالى في أمْرِهِ ورَحْمَتِهِ. الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ أنْ يَكُونَ حَدُّهُما بِمَشْهَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلا يَكُونُ في خَلْوَةٍ بِحَيْثُ لا يَراهُما أحَدٌ، وذَلِكَ أبْلَغُ في مَصْلَحَةِ الحَدِّ، والحِكْمَةُ الزَّجْرُ، وحَدُّ الزّانِي المُحْصَنِ مُشْتَقٌّ مِن عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْمِ لُوطٍ بِالقَذْفِ بِالحِجارَةِ، وذَلِكَ لِاشْتِراكِ الزِّنا واللِّواطِ في الفُحْشِ، وفي كُلٍّ مِنهُما فَسادٌ يُناقِضُ حِكْمَةَ اللَّهِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، فَإنَّ في اللِّواطِ مِنَ المَفاسِدِ ما يَفُوتُ الحَصْرَ والتَّعْدادَ، ولَأنْ يُقْتَلَ المَفْعُولُ بِهِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يُؤْتى، فَإنَّهُ يَفْسَدُ فَسادًا لا يُرْجى لَهُ بَعْدَهُ صَلاحٌ أبَدًا، ويَذْهَبُ خَيْرُهُ كُلُّهُ، وتَمُصُّ الأرْضُ ماءَ الحَياءِ مِن وجْهِهِ، فَلا يَسْتَحِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ولا مِن خَلْقِهِ، وتَعْمَلُ في قَلْبِهِ ورُوحِهِ نُطْفَةُ الفاعِلِ ما يَعْمَلُ السُّمُّ في البَدَنِ. [الحِكْمَةُ في حَدِّ الزِّنا وتَنْوِيعِهِ] وَأمّا الزّانِي فَإنَّهُ يَزْنِي بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، والتَّلَذُّذُ بِقَضاءِ شَهْوَتِهِ يَعُمُّ البَدَنَ، والغالِبُ مِن فِعْلِهِ وُقُوعُهُ بِرِضا المَزْنِيِّ بِها، فَهو غَيْرُ خائِفٍ ما يَخافُهُ السّارِقُ مِن الطَّلَبِ، فَعُوقِبَ بِما يَعُمُّ بَدَنَهُ مِن الجَلْدِ مَرَّةً والقَتْلِ بِالحِجارَةِ مَرَّةً؛ ولَمّا كانَ الزِّنا مِن أُمَّهاتِ الجَرائِمِ وكَبائِرِ المَعاصِي لِما فِيهِ مِن اخْتِلافِ الأنْسابِ الَّذِي يَبْطُلُ مَعَهُ التَّعارُفُ والتَّناصُرُ عَلى إحْياءِ الدِّينِ، وفي هَذا هَلاكُ الحَرْثِ والنَّسْلِ فَشاكَلَ في مَعانِيهِ أوْ في أكْثَرِها القَتْلَ الَّذِي فِيهِ هَلاكُ ذَلِكَ، فَزُجِرَ عَنْهُ بِالقِصاصِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ مَن يَهُمُّ بِهِ، فَيَعُودُ ذَلِكَ بِعِمارَةِ الدُّنْيا وصَلاحِ العالَمِ المُوَصِّلِ إلى إقامَةِ العِباداتِ المُوَصِّلَةِ إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ. ثُمَّ إنّ لِلزّانِي حالَتَيْنِ: إحْداهُما: أنْ يَكُونَ مُحْصَنًا قَدْ تَزَوَّجَ، فَعَلِمَ ما يَقَعُ بِهِ مِن العَفافِ عَنْ الفُرُوجِ المُحَرَّمَةِ، واسْتَغْنى بِهِ عَنْها، وأحْرَزَ نَفْسَهُ عَنْ التَّعَرُّضِ لِحَدِّ الزِّنا، فَزالَ عُذْرُهُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ في تَخَطِّي ذَلِكَ إلى مُواقَعَةِ الحَرامِ. والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ بِكْرًا، لَمْ يَعْلَمْ ما عَلِمَهُ المُحْصَنُ ولا عَمِلَ ما عَمِلَهُ؛ فَحَمَلَ لَهُ مِن العُذْرِ بَعْضَ ما أوْجَبَ لَهُ التَّخْفِيفَ؛ فَحُقِنَ دَمُهُ، وزُجِرَ بِإيلامِ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِأعْلى أنْواعِ الجَلْدِ رَدْعًا عَنْ المُعاوَدَةِ لِلِاسْتِمْتاعِ بِالحَرامِ، وبَعْثًا لَهُ عَلى القَنَعِ بِما رَزَقَهُ اللَّهُ مِن الحَلالِ. وَهَذا في غايَةِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، جامِعٌ لِلتَّخْفِيفِ في مَوْضِعِهِ والتَّغْلِيظُ في مَوْضِعِهِ. وَأيْنَ هَذا مِن قَطْعِ لِسانِ الشّاتِمِ والقاذِفِ وما فِيهِ مِن الإسْرافِ والعُدْوانِ؟ ثُمَّ إنّ قَطْعَ فَرْجِ الزّانِي فِيهِ مِن تَعْطِيلِ النَّسْلِ، وقَطْعُهُ عَكْسُ مَقْصُودِ الرَّبِّ تَعالى مِن تَكْثِيرِ الذُّرِّيَّةِ وذُرِّيَّتِهِمْ فِيما جَعَلَ لَهم مِن أزْواجِهِمْ، وفِيهِ مِن المَفاسِدِ أضْعافُ ما يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ الزَّجْرِ، وفِيهِ إخْلاءُ جَمِيعِ البَدَنِ مِن العُقُوبَةِ، وقَدْ حَصَلَتْ جَرِيمَةُ الزِّنا بِجَمِيعِ أجْزائِهِ؛ فَكانَ مِن العَدْلِ أنْ تَعُمَّهُ العُقُوبَةُ، ثُمَّ إنّهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في حَقِّ المَرْأةِ، وكِلاهُما زانٍ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَوِيا في العُقُوبَةِ، فَكانَ شَرْعُ اللَّهِ سُبْحانَهُ أكْمَلَ مِن اقْتِراحِ المُقْتَرِحِينَ. [فَصْلٌ: المَعاصِي مَجْلَبَةُ الهَلاكَ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَسْتَجْلِبُ مَوادَّ هَلاكِ العَبْدِ مِن دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، فَإنَّ الذُّنُوبَ هي أمْراضٌ، مَتى اسْتَحْكَمَتْ قَتَلَتْ ولابُدَّ، وكَما أنَّ البَدَنَ لا يَكُونُ صَحِيحًا إلّا بِغِذاءٍ يَحْفَظُ قُوَّتَهُ، واسْتِفْراغٍ يَسْتَفْرِغُ المَوادَّ الفاسِدَةَ والأخْلاطَ الرَّدِيَّةَ، الَّتِي مَتى غَلَبَتْ أفْسَدَتْهُ، وحِمْيَةٍ يَمْتَنِعُ بِها مِمّا يُؤْذِيهِ ويَخْشى ضَرَرَهُ، فَكَذَلِكَ القَلْبُ لا تَتِمُّ حَياتُهُ إلّا بِغِذاءٍ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، تَحْفَظُ قُوَّتَهُ، واسْتِفْراغٍ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، تَسْتَفْرِغُ المَوادَّ الفاسِدَةَ والأخْلاطَ الرَّدِيَّةَ مِنهُ، وحِمْيَةٍ تُوجِبُ لَهُ حِفْظَ الصِّحَّةِ وتَجَنُّبَ ما يُضادُّها، وهي عِبارَةٌ عَنِ اسْتِعْمالِ ما يُضادُّ الصِّحَّةَ. والتَّقْوى: اسْمٌ مُتَناوِلٌ لِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَما فاتَ مِنها فاتَ مِنَ التَّقْوى بِقَدَرِهِ. وَإذا تَبَيَّنَ هَذا فالذُّنُوبُ مُضادَّةٌ لِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّها تَسْتَجْلِبُ المَوادَّ المُؤْذِيَةَ وتُوجِبُ التَّخْطِيطَ المُضادَّ لِلْحِمْيَةِ، وتَمْنَعُ الِاسْتِفْراغَ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ. فانْظُرْ إلى بَدَنٍ عَلِيلٍ قَدْ تَراكَمَتْ عَلَيْهِ الأخْلاطُ ومَوادُّ المَرَضِ، وهو لا يَسْتَفْرِغُها، ولا يَحْتَمِي لَها، كَيْفَ تَكُونُ صِحَّتُهُ وبَقاؤُهُ، ولَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ: ؎جِسْمُكَ بِالحِمْيَةِ حَصَّنْتَهُ ∗∗∗ مَخافَةً مِن ألَمٍ طارِي ؎وَكانَ أوْلى بِكَ أنْ تَخْشى ∗∗∗ مِنَ المَعاصِي خَشْيَةَ البارِي فَمَن حَفِظَ القُوَّةَ بِامْتِثالِ الأوامِرِ، واسْتَعْمَلَ الحِمْيَةَ بِاجْتِنابِ النَّواهِي، واسْتَفْرَغَ التَّخْطِيطَ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، لَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا، ولا مِنَ الشَّرِّ مَهْرَبًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ: العُقُوباتُ الشَّرْعِيَّةُ عَلى المَعاصِي] فَإنْ لَمْ تَرْدَعْكَ هَذِهِ العُقُوباتُ، ولَمْ تَجِدْ لَها تَأْثِيرًا في قَلْبِكَ، فَأحْضِرْهُ العُقُوباتِ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلى الجَرائِمِ، كَما قَطَعَ اليَدَ في سَرِقَةِ ثَلاثَةِ دَراهِمَ، وقَطَعَ اليَدَ والرِّجْلَ في قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلى مَعْصُومِ المالِ والنَّفْسِ، وشَقَّ الجِلْدَ بِالسَّوْطِ عَلى كَلِمَةٍ قَذَفَ بِها المُحْصَنُ، أوْ قَطْرَةِ خَمْرٍ يُدْخِلُها جَوْفَهُ، وقَتَلَ بِالحِجارَةِ أشْنَعَ قِتْلَةٍ في إيلاجِ الحَشَفَةِ في فَرْجٍ حَرامٍ، وخَفَّفَ هَذِهِ العُقُوبَةَ عَمَّنْ لَمْ تَتِمَّ عَلَيْهِ نِعْمَةُ الإحْصانِ بِمِائَةِ جَلْدَةٍ، ويُنْفى سَنَةً عَنْ وطَنِهِ وبَلَدِهِ إلى بَلَدِ الغُرْبَةِ، وفَرَّقَ بَيْنَ رَأْسِ العَبْدِ وبَدَنِهِ إذا وقَعَ عَلى ذاتِ رَحِمٍ مِنهُ، أوْ تَرَكَ الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ، أوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ، وأمَرَ بِقَتْلِ مَن وطِئَ ذَكَرًا مِثْلَهُ وقَتْلِ المَفْعُولَ بِهِ، وأمَرَ بِقَتْلِ مَن أتى بَهِيمَةً وقَتْلِ البَهِيمَةَ مَعَهُ، وعَزَمَ عَلى تَحْرِيقِ بُيُوتِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي رَتَّبَها اللَّهُ عَلى الجَرائِمِ، وجَعَلَها بِحِكْمَتِهِ عَلى حَسَبِ الدَّواعِي إلى تِلْكَ الجَرائِمِ، وحَسَبِ الوازِعِ عَنْها. فَما كانَ الوازِعُ عَنْهُ طَبِيعِيًّا وما لَيْسَ في الطِّباعِ داعٍ إلَيْهِ اكْتُفِيَ بِالتَّحْرِيمِ مَعَ التَّعْزِيرِ، ولَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ حَدًّا، كَأكْلِ الرَّجِيعِ، وشُرْبِ الدَّمِ، وأكْلِ المَيْتَةِ. وَما كانَ في الطِّباعِ داعٍ إلَيْهِ رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ العُقُوبَةِ بِقَدْرِ مَفْسَدَتِهِ، وبِقَدْرِ داعِي الطَّبْعِ إلَيْهِ. وَلِهَذا لَمّا كانَ داعِي الطِّباعِ إلى الزِّنا مِن أقْوى الدَّواعِي كانَتْ عُقُوبَتُهُ العُظْمى مِن أشْنَعِ القِتْلاتِ وأعْظَمِها، وعُقُوبَتُهُ السَّهْلَةُ أعْلى أنْواعِ الجَلْدِ مَعَ زِيادَةِ التَّغْرِيبِ. وَلَمّا كانَتْ جَرِيمَةُ اللِّواطِ فِيها الأمْرانِ، كانَ حَدَّهُ القَتْلُ بِكُلِّ حالٍ، ولَمّا كانَ داعِي السَّرِقَةِ قَوِيًّا ومَفْسَدَتُها كَذَلِكَ، قَطَعَ فِيها اليَدَ. وَتَأمَّلْ حِكْمَتَهُ في إفْسادِ العُضْوِ الَّذِي باشَرَ بِهِ الجِنايَةَ، كَما أفْسَدَ عَلى قاطِعِ الطَّرِيقِ يَدَهُ ورِجْلَهُ اللَّتَيْنِ هُما آلَةُ قَطْعِهِ، ولَمْ يُفْسِدْ عَلى القاذِفِ لِسانَهُ الَّذِي جَنى بِهِ، إذْ مَفْسَدَتُهُ تَزِيدُ عَلى مَفْسَدَةِ الجِنايَةِ ولا يَبْلُغُها، فاكْتَفى مِن ذَلِكَ بِإيلامِ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِالجَلْدِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا أفْسَدَ عَلى الزّانِي فَرْجَهُ الَّذِي باشَرَ بِهِ المَعْصِيَةَ. قِيلَ: لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ مَفْسَدَةَ ذَلِكَ تَزِيدُ عَلى مَفْسَدَةِ الجِنايَةِ، إذْ فِيهِ قَطْعُ النَّسْلِ وتَعْرِيضُهُ لِلْهَلاكِ. الثّانِي: أنَّ الفَرْجَ عُضْوٌ مَسْتُورٌ، لا يَحْصُلُ بِقَطْعِهِ مَقْصُودُ الحَدِّ مِنَ الرَّدْعِ والزَّجْرِ لِأمْثالِهِ مِنَ الجُناةِ، بِخِلافِ قَطْعِ اليَدِ. الثّالِثُ: أنَّهُ إذا قَطَعَ يَدَهُ أبْقى لَهُ يَدًا أُخْرى تُعَوِّضُ عَنْها، بِخِلافِ الفَرْجِ. الرّابِعُ: أنَّ لَذَّةَ الزِّنا عَمَّتْ جَمِيعَ البَدَنِ، فَكانَ الأحْسَنُ أنْ تَعُمَّ العُقُوبَةُ جَمِيعَ البَدَنِ، وذَلِكَ أوْلى مِن تَخْصِيصِها بِبُضْعَةٍ مِنهُ. فَعُقُوباتُ الشّارِعِ جاءَتْ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأوْفَقِها لِلْعَقْلِ، وأقْوَمِها بِالمَصْلَحَةِ. والمَقْصُودُ أنَّ الذُّنُوبَ إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلَيْها العُقُوباتُ الشَّرْعِيَّةُ أوِ القَدَرِيَّةُ أوْ يَجْمَعُها اللَّهُ لِلْعَبْدِ، وقَدْ يَرْفَعُها عَمَّنْ تابَ وأحْسَنَ. فإن قيل: هل تقولون إن الله سبحانه هو الذي جعل الزانيين يزنيان، وهو الذي جمع بينهما على الفعل وساق أحدهما إلى صاحبه؟ قيل أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل فيطلقها من يريد حقها فينكرها من يريد باطلها فيرد عليه من يريد حقها وهذا باب إذا تأمله الذكي الفطن رأى منه عجائب وخلصه من ورطات تورط فيها أكثر الطوائف فالجعل المضاف إلى الله سبحانه يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه والجعل الذي قدره وقضاه قال الله: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ فهذا نفي لجعله الشرعي الديني أي ما شرع ذلك ولا أمر به ولا أحبه ورضيه وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ فهذا جعل كوني قدري أي قدرنا ذلك وقضيناه وجعل العبد إماما يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ويسرق ويقتل وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل يراد به أنه جبره وأكرهه عليه واضطره إليه وهذا محال في حق الرب تعالى وكماله المقدس يأبى ذلك وصفات كماله تمنع منه كما تقدم ويراد به أنه مكنه من ذلك وأقدره عليه من غير أن يضطره إليه ولا أكرهه ولا أجبره فهذا حق. فإن قيل هذا كله عدول عن المقصود فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود؟ قيل الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود بأقدار الله له على ذلك وتمكينه منه من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها. فإن قيل فمن الذي خلقها إذًا؟ قيل لكم ومن الذي فعلها؟ فإن قلتم الرب سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان أكذبكم العقل والفطرة وكتب الله المنزلة وإجماع رسله وإثبات حمده وصفات كماله فإن فعله سبحانه كله خير وتعالى أن يفعل شرا بوجه من الوجوه فالشر ليس إليه والخير هو الذي إليه ولا يفعل إلا خيرا ولا يريد إلا خيرا ولو شاء لفعل غير ذلك ولكنه تعالى تنزه عن فعل مالا ينبغي وإرادته ومشيئته كما هو منزه عن الوصف به والتسمية به. وإن قلتم العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة؟ قيل فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار ولو سلك الجبري مع القدري هذا المسلك لاستراح معه وأراحه وكذلك القدري معه ولكن انحرف الفريقان عن سواء السبيل كما قال: ؎سارت مشرقة وسرت مغربا ∗∗∗ شتان بين مشرق ومغرب [فَصْلٌ: عُقُوباتُ الذُّنُوبِ شَرْعِيَّةٌ وقَدَرِيَّةٌ] فَإذا أُقِيمَتِ الشَّرْعِيَّةٌ رُفِعَتِ العُقُوبَةُ القَدَرِيَّةُ وخَفَّفَتْها، ولا يَكادُ الرَّبُّ تَعالى يَجْمَعُ عَلى العَبْدِ بَيْنَ العُقُوبَتَيْنِ إلّا إذا لَمْ يَفِ أحَدُهُما بِرَفْعِ مُوجَبِ الذَّنْبِ، ولَمْ يَكْفِ في زَوالِ دائِهِ، وإذا عُطِّلَتِ العُقُوباتُ الشَّرْعِيَّةُ اسْتَحالَتْ قَدَرِيَّةً، ورُبَّما كانَتْ أشَدَّ مِنَ الشَّرْعِيَّةِ، ورُبَّما كانَتْ دُونَها، ولَكِنَّها تَعُمُّ، والشَّرْعِيَّةُ تَخُصُّ، فَإنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى لا يُعاقِبُ شَرْعًا إلّا مَن باشَرَ الجِنايَةَ أوْ تَسَبَّبَ إلَيْها. وَأمّا العُقُوبَةُ القَدَرِيَّةُ فَإنَّها تَقَعُ عامَّةً وخاصَّةً، فَإنَّ المَعْصِيَةَ إذا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلّا صاحِبَها، وإذا أُعْلِنَتْ ضَرَّتِ الخاصَّةَ والعامَّةَ، وإذا رَأى النّاسُ المُنْكَرَ فَتَرَكُوا إنْكارَهُ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ العُقُوبَةَ الشَّرْعِيَّةَ شَرَعَها اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى قَدْرِ مَفْسَدَةِ الذَّنْبِ وتَقاضِي الطَّبْعِ لَها، وجَعَلَها سُبْحانَهُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ: القَتْلَ والقَطْعَ والجَلْدَ، وجَعَلَ القَتْلَ بِإزاءِ الكُفْرِ وما يَلِيهِ ويَقْرُبُ مِنهُ، وهو الزِّنا واللِّواطُ، فَإنَّ هَذا يُفْسِدُ الأدْيانَ، وهَذا يُفْسِدُ الأنْسابَ ونَوْعَ الإنْسانِ. قالَ الإمامُ أحْمَدُ: لا أعْلَمُ بَعْدَ القَتْلِ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنا، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَها» ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. والنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ أعْلاهُ لِيُطابِقَ جَوابُهُ سُؤالَ السّائِلِ، فَإنَّهُ سَألَهُ عَنْ أعْظَمِ الذَّنْبِ، فَأجابَهُ بِما تَضَمَّنَ ذِكْرَ أعْظَمِ أنْواعِها، وما هو أعْظَمُ كُلِّ نَوْعٍ. فَأعْظَمُ أنْواعِ الشِّرْكِ أنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا. وَأعْظَمُ أنْواعِ القَتْلِ: أنْ يَقْتُلَ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يُشارِكَهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ. وَأعْظَمُ أنْواعِ الزِّنا: أنْ يَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِهِ، فَإنَّ مَفْسَدَةَ الزِّنا تَتَضاعَفُ بِتَضاعُفِ ما انْتَهَكَهُ مِنَ الحَقِّ. فالزِّنا بِالمَرْأةِ الَّتِي لَها زَوْجٌ أعْظَمُ إثْمًا وعُقُوبَةً مِنَ الَّتِي لا زَوْجَ لَها، إذْ فِيهِ انْتِهاكُ حُرْمَةِ الزَّوْجِ، وإفْسادُ فِراشِهِ وتَعْلِيقُ نَسَبٍ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مِنهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ أذاهُ، فَهو أعْظَمُ إثْمًا وجُرْمًا مِنَ الزِّنا بِغَيْرِ ذاتِ البَعْلِ. فالزِّنا بِمِائَةِ امْرَأةٍ لا زَوْجَ لَها أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الزِّنا بِامْرَأةِ الجارِ، فَإنْ كانَ زَوْجُها جارًا لَهُ انْضافَ إلى ذَلِكَ سُوءُ الجِوارِ، وأذى جارِهِ بِأعْلى أنْواعِ الأذى وذَلِكَ مِن أعْظَمِ البَوائِقِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» ولا بائِقَةَ أعْظَمُ مِنَ الزِّنا بِامْرَأةِ الجارِ. فَإنْ كانَ الجارُ أخًا لَهُ أوْ قَرِيبًا مِن أقارِبِهِ انْضَمَّ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ، فَيَتَضاعَفُ الإثْمُ لَهُ، فَإنْ كانَ الجارُ غائِبًا في طاعَةِ اللَّهِ كالصَّلاةِ وطَلَبِ العِلْمِ والجِهادِ تَضاعَفَ لَهُ الإثْمُ، حَتّى إنَّ الزّانِيَ بِامْرَأةِ الغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ يُوقَفُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُقالُ خُذْ مِن حَسَناتِهِ ما شِئْتَ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَما ظَنُّكُمْ؟ أيْ ما ظَنُّكم أنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ حَسَناتٍ، قَدْ حُكِّمَ في أنْ يَأْخُذَ مِنها ما شاءَ؟ عَلى شِدَّةِ الحاجَةِ إلى حَسَنَةٍ واحِدَةٍ، حَيْثُ لا يَتْرُكُ الأبُ لِابْنِهِ ولا الصَّدِيقُ لِصَدِيقِهِ حَقًّا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ رَحِمًا مِنهُ انْضافَ إلى ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمِها، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يَكُونَ الزّانِي مُحْصَنًا كانَ الإثْمُ أعْظَمَ، فَإنْ كانَ شَيْخًا كانَ أعْظَمَ إثْمًا، وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ في شَهْرٍ حَرامٍ أوْ بَلَدٍ حَرامٍ أوْ وقْتٍ مُعَظَّمٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَأوْقاتِ الصَّلاةِ وأوْقاتِ الإجابَةِ، تَضاعَفَ الإثْمُ. وعَلى هَذا فاعْتَبِرْ مَفاسِدَ الذُّنُوبِ وتَضاعُفَ دَرَجاتِها في الإثْمِ والعُقُوبَةِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ: العُقُوباتُ القَدَرِيَّةُ] وَأمّا العُقُوباتُ القَدَرِيَّةُ فَهي نَوْعانِ: نَوْعٌ عَلى القُلُوبِ والنُّفُوسِ، ونَوْعٌ عَلى الأبْدانِ والأمْوالِ. والَّتِي عَلى القُلُوبِ نَوْعانِ: أحَدُهُما: آلامٌ وُجُودِيَّةٌ يُضْرَبُ بِها القَلْبُ. والثّانِي: قَطْعُ المَوادِ الَّتِي بِها حَياتُهُ وصَلاحُهُ عَنْهُ. وَإذا قُطِعَتْ عَنْهُ حَصَلَ لَهُ أضْدادُها، وعُقُوبَةُ القُلُوبِ أشَدُّ العُقُوبَتَيْنِ، وهي أصْلُ عُقُوبَةِ الأبْدانِ. وَهَذِهِ العُقُوبَةُ تَقْوى وتَتَزايَدُ، حَتّى تَسْرِيَ مِنَ القَلْبِ إلى البَدَنِ، كَما يَسْرِي ألَمُ البَدَنِ إلى القَلْبِ، فَإذا فارَقَتِ النَّفْسُ البَدَنَ صارَ الحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِها فَظَهَرَتْ عُقُوبَةُ القَلْبِ حِينَئِذٍ، وصارَتْ عَلانِيَةً ظاهِرَةً، وهي المُسَمّاةُ بِعَذابِ القَبْرِ، ونِسْبَتُهُ إلى البَرْزَخِ كَنِسْبَةِ عَذابِ الأبْدانِ إلى هَذِهِ الدّارِ. [فَصْلٌ: العُقُوباتُ القَدَرِيَّةُ عَلى الأبْدانِ] والَّتِي عَلى الأبْدانِ أيْضًا نَوْعانِ: نَوْعٌ في الدُّنْيا، ونَوْعٌ في الآخِرَةِ. وَشِدَّتُها ودَوامُها بِحَسَبِ مَفاسِدِ ما رُتِّبَتْ عَلَيْهِ في الشِّدَّةِ والخِلْقَةِ، فَلَيْسَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ شَرٌّ أصْلًا إلّا الذُّنُوبَ وعُقُوباتِها، فالشَّرُّ اسْمٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وأصْلُهُ مِن شَرِّ النَّفْسِ وسَيِّئاتِ الأعْمالِ، وهُما الأصْلانِ اللَّذانِ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِيذُ مِنهُما في خُطْبَتِهِ بِقَوْلِهِ: «وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا ومِن سَيِّئاتِ أعْمالِنا». وَسَيِّئاتُ الأعْمالِ مِن شُرُورِ النَّفْسِ، فَعادَ الشَّرُّ كُلُّهُ إلى شَرِّ النَّفْسِ، فَإنَّ سَيِّئاتِ الأعْمالِ مِن فُرُوعِهِ وثَمَراتِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: «وَمِن سَيِّئاتِ أعْمالِنا» هَلْ مَعْناهُ: السَّيِّئُ مِن أعْمالِنا، فَيَكُونُ مِن بابِ إضافَةِ النَّوْعِ إلى جِنْسِهِ، أوْ تَكُونُ " مِن " بَيانِيَّةً؟ وقِيلَ: مَعْناهُ: مِن عُقُوباتِها الَّتِي تَسُوءُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومِن عُقُوباتِ أعْمالِنا الَّتِي تَسُوءُنا، ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ: أنَّ الِاسْتِعاذَةَ تَكُونُ قَدْ تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ الشَّرِّ، فَإنَّ شُرُورَ الأنْفُسِ تَسْتَلْزِمُ الأعْمالَ السَّيِّئَةَ، وهي تَسْتَلْزِمُ العُقُوباتِ السَّيِّئَةَ، فَنَبَّهَ بِشُرُورِ الأنْفُسِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مِن قُبْحِ الأعْمالِ، واكْتَفى بِذِكْرِها مِنهُ، أوْ هي أصْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ غايَةَ الشَّرِّ ومُنْتَهاهُ، فَهو السَّيِّئاتُ الَّتِي تَسُوءُ العَبْدَ مِن عَمَلِهِ، مِنَ العُقُوباتِ والآلامِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةُ أصْلَ الشَّرِّ وفُرُوعَهُ وغايَتَهُ ومُقْتَضاهُ. وَمِن دُعاءِ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ قَوْلُهُمْ: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر: ٩]. فَهَذا يَتَضَمَّنُ طَلَبَ وِقايَتِهِمْ مِن سَيِّئاتِ الأعْمالِ وعُقُوباتِها الَّتِي تَسُوءُ صاحِبَها، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مَتى وقاهم عَمَلَ السَّيِّئِ وقاهم جَزاءَ السَّيِّئِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أظْهَرَ في عُقُوباتِ الأعْمالِ المَطْلُوبِ وِقايَتُها يَوْمَئِذٍ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ سَألُوهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقِيَهم عَذابَ الجَحِيمِ، وهَذا هو وِقايَةُ العُقُوباتِ السَّيِّئَةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي سَألُوا وِقايَتَها، الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، يَكُونُ الَّذِي سَألَهُ المَلائِكَةُ نَظِيرَ ما اسْتَعاذَ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ. وَلا يَرِدُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: " يَوْمَئِذٍ " فَإنَّ المَطْلُوبَ وِقايَةُ شُرُورِ سَيِّئاتِ الأعْمالِ ذَلِكَ اليَوْمَ، وهي سَيِّئاتٌ في أنْفُسِها. قِيلَ: وِقايَةُ السَّيِّئاتِ نَوْعانِ. أحَدُهُما: وِقايَةُ فِعْلِها بِالتَّوْفِيقِ فَلا تَصْدُرُ مِنهُ. والثّانِي: وِقايَةُ جَزائِها بِالمَغْفِرَةِ، فَلا يُعاقَبُ عَلَيْها، فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ سُؤالَ الأمْرَيْنِ، والظَّرْفُ تَقْيِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لا لِلْجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ. وَتَأمَّلْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الخَبَرُ عَنِ المَلائِكَةِ مِن مَدْحِهِمْ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والإحْسانِ إلى المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، وقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اسْتِغْفارِهِمْ تَوَسُّلَهم إلى اللَّهِ تَعالى بِسَعَةِ عِلْمِهِ وسَعَةِ رَحْمَتِهِ، فَسَعَةُ عِلْمِهِ يَتَضَمَّنُ عِلْمَهُ بِذُنُوبِهِمْ وأسْبابِها وضَعْفِهِمْ عَنِ العِصْمَةِ، واسْتِيلاءِ عَدُوِّهِمْ وأنْفُسِهِمْ وهَواهم وطِباعِهِمْ وما زُيِّنَ لَهم مِنَ الدُّنْيا وزِينَتِها، وعِلْمَهُ بِهِمْ إذْ أنْشَأهم مِنَ الأرْضِ، وإذْ هم أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وعِلْمَهُ السّابِقَ بِأنَّهم لا بُدَّ أنْ يَعْصُوهُ، وأنَّهُ يُحِبُّ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن سَعَةِ عِلْمِهِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِهِ أحَدٌ سِواهُ. وَسَعَةُ رَحْمَتِهِ تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لا يَهْلَكُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ أهْلِ تَوْحِيدِهِ ومَحَبَّتِهِ، فَإنَّهُ واسِعُ الرَّحْمَةِ لا يُخْرِجُ عَنْ دائِرَةِ رَحِمَتِهِ إلّا الأشْقِياءَ، ولا أشْقى مِمَّنْ لَمْ تَسَعْهُ رَحْمَتُهُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَغْفِرَ لِلتّائِبِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سَبِيلَهُ، وهو صِراطُهُ المُوَصِّلُ إلَيْهِ الَّذِي هو مَعْرِفَتُهُ ومَحَبَّتُهُ وطاعَتُهُ، فَتابُوا مِمّا يَكْرَهُ، واتَّبَعُوا السَّبِيلَ الَّتِي يُحِبُّها، ثُمَّ سَألُوهُ أنْ يَقِيَهم عَذابَ الجَحِيمِ، وأنْ يُدْخِلَهم والمُؤْمِنِينَ مِن أُصُولِهِمْ وفُرُوعِهِمْ وأزْواجِهِمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَهم بِها، وهو سُبْحانَهُ، وإنْ كانَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، فَإنَّهُ وعَدَهم بِها بِأسْبابٍ، ومِن جُمْلَتِها: دُعاءُ مَلائِكَتِهِ لَهم أنْ يُدْخِلَهم إيّاها بِرَحْمَتِهِ الَّتِي مِنها أنْ وفَّقَهم لِأعْمالِهِمْ وأقامَ مَلائِكَتَهُ يَدْعُونَ لَهم بِها. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ مَلائِكَتِهِ أنَّهم قالُوا عَقِيبَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨]. أيْ مَصْدَرُ ذَلِكَ وسَبَبُهُ وغايَتُهُ صادِرٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِكَ وكَمالِ عِلْمِكَ، فَإنَّ العِزَّةَ كَمالُ القُدْرَةِ، والحِكْمَةَ كَمالُ العِلْمِ، وبِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ يَقْضِي سُبْحانَهُ وتَعالى ما شاءَ، ويَأْمُرُ ويَنْهى ويُثِيبُ ويُعاقِبُ، فَهاتانِ الصِّفَتانِ مَصْدَرُ الخَلْقِ والأمْرِ. والمَقْصُودُ أنَّ عُقُوباتِ السَّيِّئاتِ تَتَنَوَّعُ إلى عُقُوباتٍ شَرْعِيَّةٍ، وعُقُوباتٍ قَدَرِيَّةٍ، وهي إمّا في القَلْبِ، وإمّا في البَدَنِ، وإمّا فِيهِما، وعُقُوباتٍ في دارِ البَرْزَخِ بَعْدَ المَوْتِ، وعُقُوباتٍ يَوْمَ عَوْدِ الأجْسادِ، فالذَّنْبُ لا يَخْلُو مِن عُقُوبَةٍ ألْبَتَّةَ، ولَكِنْ لِجَهْلِ العَبْدِ لا يَشْعُرُ بِما فِيهِ مِنَ العُقُوبَةِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ السَّكْرانِ والمُخَدَّرِ والنّائِمِ الَّذِي لا يَشْعُرُ بِالألَمِ. فَتَرَتُّبُ العُقُوباتِ عَلى الذُّنُوبِ كَتَرَتُّبِ الإحْراقِ عَلى النّارِ، والكَسْرِ عَلى الِانْكِسارِ، والغَرَقِ عَلى الماءِ، وفَسادِ البَدَنِ عَلى السُّمُومِ، والأمْراضِ عَلى الأسْبابِ الجالِبَةِ لَها، وقَدْ تُقارِنُ المَضَرَّةُ الذَّنْبَ وقَدْ تَتَأخَّرُ عَنْهُ، إمّا يَسِيرًا وإمّا مُدَّةً، كَما يَتَأخَّرُ المَرَضُ عَنْ سَبَبِهِ أنْ يُقارِنَهُ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ الغَلَطُ لِلْعَبْدِ في هَذا المَقامِ ويُذْنِبُ الذَّنْبَ فَلا يَرى أثَرَهُ عَقِبَهُ، ولا يَدْرِي أنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ عَلى التَّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا، كَما تَعْمَلُ السُّمُومُ والأشْياءُ الضّارَّةُ حَذْوَ القَذَّةِ بِالقَذَّةِ، فَإنْ تَدارَكَ العَبْدُ نَفْسَهُ بِالأدْوِيَةِ والِاسْتِفْراغِ والحِمْيَةِ، وإلّا فَهو صائِرٌ إلى الهَلاكِ، هَذا إذا كانَ ذَنْبًا واحِدًا لَمْ يَتَدارَكْهُ بِما يُزِيلُ أثَرَهُ، فَكَيْفَ بِالذَّنْبِ عَلى الذَّنْبِ كُلَّ يَوْمٍ وكُلَّ ساعَةٍ؟ واللَّهُ المُسْتَعانُ.

النور 24:3

الصواب: القول بأن هذه الآية محكمة يعمل بها لم ينسخها شيء، وهي مشتملة على خبر وتحريم، ولم يأت من ادعى نسخها بحجة ألبتة، والذي أشكل منها على كثير من الناس واضح بحمد الله تعالى، فإنهم أشكل عليهم قوله: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ هل هو خبر أو نهي، أو إباحة؟ فإن كان خبرا فقد رأينا كثيرا من الزناة ينكح عفيفة، وإن كان نهيا فيكون قد نهي الزاني أن يتزوج إلا بزانية أو مشركة، فيكون نهيًا له عن نكاح المؤمنات العفائف، وإباحة له في نكاح المشركات والزواني، والله سبحانه لم يرد ذلك قطعًا، فلما أشكل عليهم ذلك طلبوا للآية وجها يصح حملها عليه. فقال بعضهم: المراد من النكاح الوطء والزنا، فكأنه قال: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة. وهذا فاسد، فإنه لا فائدة فيه، ويصان كلام الله تعالى عن حمله على مثل ذلك، فإنه من المعلوم أن الزاني لا يزني إلا بزانية، فأي فائدة في الإخبار بذلك؟ ولما رأى الجمهور فساد هذا التأويل أعرضوا عنه. ثم قالت طائفة: هذا عام اللفظ خاص المعنى، والمراد به رجل واحد وامرأة واحدة وهي عناق البَغِي وصاحبها فإنه أسلم، واستأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في نكاحها فنزلت هذه الآية. وهذا أيضًا فاسد، فإن هذه الصورة المعينة وإن كانت سبب النزول فالقرآن لا يقتصر به على محال أسبابه ولو كان كذلك لبطل الاستدلال به على غيرها. وقالت طائفة: بل الآية منسوخة بقوله: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وهذا أفسد من الكل، فإنه لا تعارض بين هاتين الآيتين، ولا تناقض إحداهما الأخرى، بل أمر سبحانه بإنكاح الأيامى، وحرم نكاح الزانية، كما حرم نكاح المعتدة والمحرمة، وذوات المحارم، فأين الناسخ والمنسوخ في هذا؟ فإن قيل: فما وجه الآية؟ قيل: وجهها، والله أعلم، أن المتزوج أمر أن يتزوج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، كما ذكر ذلك سبحانه في سورتى النساء والمائدة والحكم المعلق على الشرط ينتفى عند انتفائه، والإباحة قد علقت على شرط الإحصان، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به، فالمتزوج إما أن يلتزم حكم الله وشرعه الذي شرعه على لسان رسوله، أو لا يلتزمه، فإن لم يلتزمه فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه، لم يصح النكاح، فيكون زانيا، فظهر معنى قوله: ﴿لا يَنْكِحُ إلا زانِيةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] وتبين غاية البيان وكذلك حكم المرأة. وكما أن هذا الحكم هو موجب القرآن وصريحه فهو موجب الفطرة. ومقتضى العقل، فإن الله سبحانه حرم على عبده أن يكون قَرْنانًا دَيُّوثا زوج بغي، فإن الله تعالى فطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه، ولهذا إذا بالغوا في سب الرجل قالوا زوج قحبة، فحرم الله على المسلم أن يكون كذلك. فظهرت حكمة التحريم وبانَ معنى الآية، والله الموفق. ومما يوضح التحريم، وأنه هو الذي يليق بهذه الشريعة الكاملة: أن هذه الجناية من المرأة تعود بفساد فراش الزوج وفساد النسب الذي جعله الله تعالى بين الناس لتمام مصالحهم، وعده من جملة نعمه عليهم، فالزنا يفضي إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب، فمن محاسن الشريعة: تحريم نكاح الزانية، حتى تتوب وتستبرأ. وأيضًا فإن الزانية خبيثة، كما تقدم بيانه، والله سبحانه جعل النكاح سببا للمودة والرحمة والمودة وخالص الحب، فكيف تكون الخبيثة مودودة للطيب، زوجا له، والزوج سمى زوجا من الازدواج وهو الاشتباه فالزوجان الاثنان المتشابهان، والمنافرة ثابتة بين الطيب والخبيث شرعًا وقَدَرًا، فلا يحصل معها الازدواج والتراحم والتواد، فلقد أحسن كل الإحسان من ذهب إلى هذا المذهب، ومنع الرجل أن يكون زوج قحبة. فأين هذا من قول من جوز أن يتزوجها ويطأها الليلة، وقد وطئها الزاني البارحة، وقال: ماء الزاني لا حرمة له، فهب أن الأمر كذلك، فماء الزوج له حرمة، فكيف يجوز اجتماعه مع ماء الزاني في رحم واحد؟ والمقصود: أن الله سبحانه سمى الزواني والزناة خبيثين وخبيثات، وجنس هذا الفعل قد شرعت فيه الطهارة، وإن كان حلالا، وسمى فاعله جنبا، لبعده عن قراءة القرآن، وعن الصلاة، وعن المساجد، فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء. فكذلك إذا كان حراما يبعد القلب عن الله تعالى، وعن الدار الآخرة، بل يحول بينه وبين الإيمان، حتى يحدث طهرا كاملا بالتوبة، وطهرًا لبدنه بالماء. [فَصْلٌ: تَحْرِيمُ نِكاحِ الزّانِيَةِ] وَأمّا نِكاحُ الزّانِيَةِ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِتَحْرِيمِهِ في سُورَةِ النُّورِ، وأخْبَرَ أنَّ مَن نَكَحَها فَهو إمّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَهُ سُبْحانَهُ ويَعْتَقِدَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ أوَ لا، فَإنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ ولَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهو مُشْرِكٌ. وإنِ التَزَمَهُ واعْتَقَدَ وُجُوبَهُ وخالَفَهُ فَهو زانٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِهِ فَقالَ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] وَلا يَخْفى أنَّ دَعْوى نَسْخِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٤] مِن أضْعَفِ ما يُقالُ، وأضْعَفُ مِنهُ حَمْلُ النِّكاحِ عَلى الزِّنى، إذْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الزّانِي لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ أوْ مُشْرِكَةٍ، والزّانِيَةُ لا يَزْنِي بِها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ، وكَلامُ اللَّهِ يَنْبَغِي أنْ يُصانَ عَنْ مِثْلِ هَذا. وَكَذَلِكَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى امْرَأةٍ بَغِيٍّ مُشْرِكَةٍ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ لَفْظِها وسِياقِها، كَيْفَ وهو سُبْحانَهُ إنَّما أباحَ نِكاحَ الحَرائِرِ والإماءِ بِشَرْطِ الإحْصانِ، وهو العِفَّةُ، فَقالَ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ [النساء: ٢٥] فَإنَّما أباحَ نِكاحَها في هَذِهِ الحالَةِ دُونَ غَيْرِها، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ دَلالَةِ المَفْهُومِ، فَإنَّ الأبْضاعَ في الأصْلِ عَلى التَّحْرِيمِ، فَيُقْتَصَرُ في إباحَتِها عَلى ما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وما عَداهُ فَعَلى أصْلِ التَّحْرِيمِ. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] والخَبِيثاتُ: الزَّوانِي. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن تَزَوَّجَ بِهِنَّ فَهو خَبِيثٌ مِثْلُهُنَّ. وَأيْضًا فَمِن أقْبَحِ القَبائِحِ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ زَوْجَ بَغِيٍّ، وقُبْحُ هَذا مُسْتَقِرٌّ في فِطَرِ الخَلْقِ، وهو عِنْدَهم غايَةُ المَسَبَّةِ. وَأيْضًا: فَإنَّ البَغِيَّ لا يُؤْمَنُ أنْ تُفْسِدَ عَلى الرَّجُلِ فِراشَهُ، وتُعَلِّقَ عَلَيْهِ أوْلادًا مِن غَيْرِهِ، والتَّحْرِيمُ يَثْبُتُ بِدُونِ هَذا. وَأيْضًا: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَ المَرْأةِ الَّتِي وجَدَها حُبْلى مِنَ الزِّنى. وَأيْضًا فَإنَّ «مرثد بن أبي مرثد الغنوي اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَتَزَوَّجَ عناق وكانَتْ بَغِيًّا، فَقَرَأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَةَ النُّورِ، وقالَ: لا تَنْكِحْها».

النور 24:4

[فَصْلٌ: حِكْمَةُ حَدِّ القَذْفِ بِالزِّنا دُونَ الكُفْرِ] وَأمّا إيجابُ حَدِّ الفِرْيَةِ عَلى مَن قَذَفَ غَيْرَهُ بِالزِّنا دُونَ الكُفْرِ فَفي غايَةِ المُناسَبَةِ؛ فَإنَّ القاذِفَ غَيْرَهُ بِالزِّنا لا سَبِيلَ لِلنّاسِ إلى العِلْمِ بِكَذِبِهِ، فَجُعِلَ حَدُّ الفِرْيَةِ تَكْذِيبًا لَهُ، وتَبْرِئَةً لِعِرْضِ المَقْذُوفِ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِ هَذِهِ الفاحِشَةِ الَّتِي يُجْلَدُ مَن رَمى بِها مُسْلِمًا؛ وأمّا مَن رَمى غَيْرَهُ بِالكُفْرِ فَإنَّ شاهِدَ حالِ المُسْلِمِ واطِّلاعِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها كافٍ في تَكْذِيبِهِ، ولا يَلْحَقُهُ مِن العارِ بِكَذِبِهِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ما يَلْحَقُهُ بِكَذِبِهِ عَلَيْهِ في الرَّمْيِ بِالفاحِشَةِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ المَقْذُوفُ امْرَأةً؛ فَإنَّ العارَ والمَعَرَّةَ الَّتِي تَلْحَقُها بِقَذْفِهِ بَيْنَ أهْلِها وتَشَعُّبَ ظُنُونِ النّاسِ وكَوْنَهم بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لا يَلْحَقُ مِثْلَهُ بِالرَّمْيِ بِالكُفْرِ. [فَصْلٌ: حِكْمَةُ الِاكْتِفاءِ في القَتْلِ بِشاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنا] وَأمّا اكْتِفاؤُهُ في القَتْلِ بِشاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنا فَفي غايَةِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ فَإنَّ الشّارِعَ احْتاطَ لِلْقِصاصِ والدِّماءِ واحْتاطَ لِحَدِّ الزِّنا، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ في القَتْلِ إلّا أرْبَعَةً لَضاعَتْ الدِّماءُ، وتَواثَبَ العادُونَ، وتَجَرَّءُوا عَلى القَتْلِ؛ وأمّا الزِّنا فَإنَّهُ بالَغَ في سَتْرِهِ كَما قَدَّرَ اللَّهُ سَتْرَهُ، فاجْتَمَعَ عَلى سَتْرِهِ شَرْعُ اللَّهِ وقَدَّرَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ فِيهِ إلّا أرْبَعَةً يَصِفُونَ الفِعْلَ وصْفَ مُشاهَدَةٍ يَنْتَفِي مَعَها الِاحْتِمالُ؛ وكَذَلِكَ في الإقْرارِ، لَمْ يَكْتَفِ بِأقَلَّ مِن أرْبَعِ مَرّاتٍ حِرْصًا عَلى سَتْرِ ما قَدَّرَ اللَّهُ سَتْرَهُ، وكَرِهَ إظْهارَهُ، والتَّكَلُّمَ بِهِ، وتَوَعَّدَ مَن يُحِبُّ إشاعَتَهُ في المُؤْمِنِينَ بِالعَذابِ الألِيمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في جَلْدِ قاذِفِ الحُرِّ دُونَ العَبْدِ] وَأمّا جَلْدُ قاذِفِ الحُرِّ دُونَ العَبْدِ فَتَفْرِيقٌ لِشَرْعِهِ بَيْنَ ما فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُما بِقَدْرِهِ، فَما جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ العَبْدَ كالحُرِّ مِن كُلِّ وجْهٍ لا قَدَرًا ولا شَرْعًا، وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ الأمْثالَ الَّتِي أخْبَرَ فِيها بِالتَّفاوُتِ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ، وأنَّهم لا يَرْضَوْنَ أنْ تُساوِيَهم عَبِيدُهم في أرْزاقِهِمْ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَضَّلَ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلى بَعْضٍ، وفَضَّلَ الأحْرارَ عَلى العَبِيدِ في المِلْكِ وأسْبابِهِ والقُدْرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ، وجَعَلَ العَبْدَ مَمْلُوكًا والحُرَّ مالِكًا، ولا يَسْتَوِي المالِكُ والمَمْلُوكُ. وَأمّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في أحْكامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَذَلِكَ مُوجِبُ العَدْلِ والإحْسانِ؛ فَإنَّهُ يَوْمَ الجَزاءِ لا يَبْقى هُناكَ عَبْدٌ وحُرٌّ ولا مالِكٌ ولا مَمْلُوكٌ. (فائدة) طلب في الزنا أربعة، وفي الإحصان اكتفى باثنين، لأن الزنا سبب وعلة، والإحصان شرط، وإبداء الشروط تقصر عن العلل والأسباب، لأنها مصححة وليست موجبة، ولهذا لا يكتفي بالإقرار مرة عندنا وعند الحنفية. [فَصْلٌ: الجَلْدُ ومُوجِبُهُ] وَأمّا الجَلْدُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ الجِنايَةِ عَلى الأعْراضِ، وعَلى العُقُولِ، وعَلى الأبْضاعِ، ولَمْ تَبْلُغْ هَذِهِ الجِناياتُ مَبْلَغًا يُوجِبُ القَتْلَ ولا إبانَةَ طَرْفٍ، إلّا الجِنايَةُ عَلى الأبْضاعِ فَإنَّ مَفْسَدَتَها قَدْ انْتَهَضَتْ سَبَبًا لِأشْنَعِ القِتْلاتِ، ولَكِنْ عارَضَها في البِكْرِ شِدَّةُ الدّاعِي وعَدَمُ المُعَوِّضِ، فانْتَهَضَ ذَلِكَ المُعارِضُ سَبَبًا لِإسْقاطِ القَتْلِ، ولَمْ يَكُنْ الجَلْدُ وحْدَهُ كافِيًا في الزَّجْرِ فَغَلَّظَ بِالنَّفْيِ والتَّغْرِيبِ؛ لِيَذُوقَ مِن ألَمِ الغُرْبَةِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ ومُجانَبَةِ الأهْلِ والخُلَطاءِ ما يَزْجُرُهُ عَنْ المُعاوَدَةِ؛ وأمّا الجِنايَةُ عَلى العُقُولِ بِالسُّكْرِ فَكانَتْ مَفْسَدَتُها لا تَتَعَدّى السَّكْرانَ غالِبًا ولِهَذا لَمْ يُحَرَّمْ السُّكْرُ في أوَّلِ الإسْلامِ كَما حُرِّمَتْ الفَواحِشُ والظُّلْمُ والعُدْوانُ في كُلِّ مِلَّةٍ وعَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وكانَتْ عُقُوبَةُ هَذِهِ الجِنايَةِ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ مِن الشّارِعِ، بَلْ ضَرَبَ فِيها بِالأيْدِي والنِّعالِ وأطْرافِ الثِّيابِ والجَرِيدِ، وضَرَبَ فِيها أرْبَعِينَ، فَلَمّا اسْتَخَفَّ النّاسُ بِأمْرِها وتَتابَعُوا في ارْتِكابِها غَلَّظَها الخَلِيفَةُ الرّاشِدُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي أُمِرْنا بِاتِّباعِ سُنَّتِهِ، وسُنَّتُهُ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَجَعَلَها ثَمانِينَ بِالسَّوْطِ، ونَفى فِيها، وحَلَقَ الرَّأْسَ، وهَذا كُلُّهُ مِن فِقْهِ السُّنَّةِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الشّارِبِ في المَرَّةِ الرّابِعَةِ، ولَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ، ولَمْ يَجْعَلْهُ حَدًّا لا بُدَّ مِنهُ؛ فَهو عُقُوبَةٌ تَرْجِعُ إلى اجْتِهادِ الإمامِ في المَصْلَحَةِ، فَزِيادَةُ أرْبَعِينَ والنَّفْيُ والحَلْقُ أسْهَلُ مِن القَتْلِ. [فَصْلٌ: التَّعْزِيرُ ومَواضِعُهُ] وَأمّا التَّعْزِيرُ فَفي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لا حَدَّ فِيها ولا كَفّارَةَ؛ فَإنَّ المَعاصِيَ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: نَوْعٌ فِيهِ الحَدُّ ولا كَفّارَةَ فِيهِ، ونَوْعٌ فِيهِ الكَفّارَةُ ولا حَدَّ فِيهِ، ونَوْعٌ لا حَدَّ فِيهِ ولا كَفّارَةَ. فالأوَّلُ - كالسَّرِقَةِ والشُّرْبِ والزِّنا والقَذْفِ. والثّانِي: - كالوَطْءِ في نَهارِ رَمَضانَ والوَطْءِ في الإحْرامِ. والثّالِثُ - كَوَطْءِ الأمَةِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ وقُبْلَةِ الأجْنَبِيَّةِ والخَلْوَةِ بِها ودُخُولِ الحَمّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ وأكْلِ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَأمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فالحَدُّ فِيهِ مُغْنٍ عَنْ التَّعْزِيرِ. وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَهَلْ يَجِبُ مَعَ الكَفّارَةِ فِيهِ تَعْزِيرٌ أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ: وهُما في مَذْهَبِ أحْمَدَ. وَأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَفِيهِ التَّعْزِيرُ قَوْلًا واحِدًا، ولَكِنْ هَلْ هو كالحَدِّ؛ فَلا يَجُوزُ لِلْإمامِ تَرْكُهُ، أوْ هو راجِعٌ إلى اجْتِهادِ الإمامِ في إقامَتِهِ، وتَرْكِهِ كَما يَرْجِعُ إلى اجْتِهادِهِ في قَدْرِهِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَماءِ، الثّانِي قَوْلُ الشّافِعِيِّ، والأوَّلُ قَوْلُ الجُمْهُورِ. وَما كانَ مِن المَعاصِي مُحَرَّمَ الجِنْسِ كالظُّلْمِ والفَواحِشِ فَإنَّ الشّارِعَ لَمْ يَشْرَعْ لَهُ كَفّارَةً، ولِهَذا لا كَفّارَةَ في الزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ وقَذْفِ المُحْصَناتِ والسَّرِقَةِ، وطَرْدُ هَذا أنَّهُ لا كَفّارَةَ في قَتْلِ العَمْدِ ولا في اليَمِينِ الغَمُوسِ كَما يَقُولُهُ أحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُما، ولَيْسَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَنْ مُرْتَكِبِهِما، بَلْ لِأنَّ الكَفّارَةَ لا تَعْمَلُ في هَذا الجِنْسِ مِن المَعاصِي، وإنَّما عَمَلُها فِيها فِيما كانَ مُباحًا في الأصْلِ وحُرِّمَ لِعارِضٍ كالوَطْءِ في الصِّيامِ والإحْرامِ، وطَرْدُ هَذا وهو الصَّحِيحُ وُجُوبُ الكَفّارَةِ في وطْءِ الحائِضِ، وهو مُوجَبُ القِياسِ لَوْ لَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ بِهِ، فَكَيْف وقَدْ جاءَتْ بِهِ مَرْفُوعَةً ومَوْقُوفَةً؟ وَعَكْسُ هَذا الوَطْءُ في الدُّبُرِ ولا كَفّارَةَ فِيهِ، ولا يَصِحُّ قِياسُهُ عَلى الوَطْءِ في الحَيْضِ؛ لِأنَّ هَذا الجِنْسَ لَمْ يُبَحْ قَطُّ، ولا تَعْمَلُ فِيهِ الكَفّارَةُ، ولَوْ وجَبَتْ فِيهِ الكَفّارَةُ لَوَجَبَتْ في الزِّنا واللِّواطِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ فَهَذِهِ قاعِدَةُ الشّارِعِ في الكَفّاراتِ، وهي في غايَةِ المُطابَقَةِ لِلْحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ. [فَصْلٌ: شَهادَةِ المَجْلُودِ في حَدِّ القَذْفِ] وَقَوْلُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كِتابِهِ " أوْ مَجْلُودًا في حَدٍّ " المُرادُ بِهِ القاذِفُ إذا حُدَّ لِلْقَذْفِ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الأُمَّةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والقُرْآنُ نَصٌّ فِيهِ؛ وأمّا إذا تابَ فَفي قَبُولِ شَهادَتِهِ قَوْلانِ مَشْهُورانِ لِلْعُلَماءِ: أحَدُهُما: لا تُقْبَلُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ وأهْلِ العِراقِ. والثّانِي: تُقْبَلُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ومالِكٍ. وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: شَهادَةُ الفاسِقِ لا تَجُوزُ وإنْ تابَ، وقالَ القاضِي إسْماعِيلُ: ثنا أبُو الوَلِيدِ ثنا قَيْسٌ عَنْ سالِمٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: كانَ أبُو بَكْرَةَ إذا أتاهُ رَجُلٌ يُشْهِدُهُ قالَ: أشْهِدْ غَيْرِي، فَإنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ فَسَّقُونِي، وهَذا ثابِتٌ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ ومَسْرُوقٍ والشَّعْبِيِّ، في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُمْ، وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ. واحْتَجَّ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أبَّدَ المَنعَ مِن قَبُولِ شَهادَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤]، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، ثُمَّ اسْتَثْنى التّائِبِينَ مِن الفاسِقِينَ، وبَقِيَ المَنعُ مِن قَبُولِ الشَّهادَةِ عَلى إطْلاقِهِ وتَأْبِيدِهِ. قالُوا: وقَدْ رَوى أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيّ عَنْ آدَمَ بْنِ فائِدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَجُوزُ شَهادَةُ خائِنٍ ولا خائِنَةٍ، ولا مَحْدُودٍ في الإسْلامِ ولا مَحْدُودَةٍ، ولا ذِي غَمْرٍ عَلى أخِيهِ» ولَهُ طُرُقٌ إلى عَمْرٍو. وَرَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِ حَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ عَنْ عَمْرٍو، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ المُثَنّى بْنِ الصَّبّاحِ عَنْ عَمْرٍو قالُوا: ورَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ تَرْفَعُهُ «لا تَجُوزُ شَهادَةُ خائِنٍ ولا خائِنَةٍ، ولا مَجْلُودٍ في حَدٍّ، ولا ذِي غَمْرٍ لِأخِيهِ، ولا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهادَةُ زُورٍ، ولا ظَنِينٍ في ولاءٍ أوْ قَرابَةٍ». وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا. قالُوا: ولِأنَّ المَنعَ مِن قَبُولِ شَهادَتَهُ جُعِلَ مِن تَمامِ عُقُوبَتِهِ، ولِهَذا لا يَتَرَتَّبُ المَنعُ إلّا بَعْدَ الحَدِّ، فَلَوْ قَذَفَ ولَمْ يُحَدَّ لَمْ تُرَدَّ شَهادَتُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الحَدَّ إنّما زادَهُ طُهْرَةً وخَفَّفَ عَنْهُ إثْمَ القَذْفِ أوْ رَفَعَهُ، فَهو بَعْدَ الحَدِّ خَيْرٌ مِنهُ قَبْلَهُ، ومَعَ هَذا فَإنَّما تُرَدُّ شَهادَتُهُ بَعْدَ الحَدِّ، فَرَدُّها مِن تَمامِ عُقُوبَتِهِ وحَدُّهُ وما كانَ مِن الحُدُودِ ولَوازِمِها فَإنَّهُ لا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، ولِهَذا لَوْ تابَ القاذِفُ لَمْ تَمْنَعْ تَوْبَتُهُ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ شَهادَتُهُ. وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِن العَذابِ العَظِيمِ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ؛ وقالَ شُرَيْحٌ: لا تَجُوزُ شَهادَتُهُ أبَدًا، وتَوْبَتُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّ رَدَّ شَهادَتِهِ جُعِلَ عُقُوبَةً لِهَذا الذَّنْبِ؛ فَلا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كالحَدِّ. قالَ الآخَرُونَ، واللَّفْظُ لِلشّافِعِيِّ: والثُّنْيا في سِياقِ الكَلامِ عَلى أوَّلِ الكَلامِ وآخِرِهِ في جَمِيعِ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أهْلُ الفِقْهِ إلّا أنْ يَفْرُقَ بَيْنَ ذَلِكَ خَبَرٌ، وأنْبَأنا ابْنُ عُيَيْنَةَ قالَ: سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: زَعَمَ أهْلُ العِراقِ أنَّ شَهادَةَ المَحْدُودِ لا تَجُوزُ، وأشْهَدُ لَأخْبَرَنِي فُلانٌ أنَّ عُمَرَ قالَ لِأبِي بَكْرَةَ: تُبْ أقْبَلُ شَهادَتَك، قالَ سُفْيانُ: نَسِيتُ اسْمَ الَّذِي حَدَّثَ الزُّهْرِيَّ، فَلَمّا قُمْنا سَألْت مَن حَضَرَ، فَقالَ لِي عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: هو سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، فَقُلْت لِسُفْيانَ: فَهَلْ شَكَكْت فِيما قالَ لَك؟ قالَ: لا هو سَعِيدٌ غَيْرُ شَكٍّ، قالَ الشّافِعِيُّ: وكَثِيرًا ما سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فَيُسَمّى سَعِيدًا، وكَثِيرًا ما سَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَنْ سَعِيدٍ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأخْبَرَنِي بِهِ مِن أثِقُ بِهِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ عَنْ ابْنِ شِهابٍ عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ لَمّا جَلَدَ الثَّلاثَةَ اسْتَتابَهُمْ، فَرَجَعَ اثْنانِ فَقَبِلَ شَهادَتَهُما، وأبى أبُو بَكْرَةَ أنْ يَرْجِعَ فَرَدَّ شَهادَتَهُ، ورَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِأبِي بَكْرَةَ وشِبْلٍ ونافِعٍ: مَن تابَ مِنكم قَبِلْت شَهادَتَهُ. وَقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ: ثنا مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِلَّذِينَ شَهِدُوا عَلى المُغِيرَةِ: تُوبُوا تُقْبَلْ شَهادَتُكُمْ، فَتابَ مِنهم اثْنانِ وأبى أبُو بَكْرَةَ أنْ يَتُوبَ، فَكانَ عُمَرُ لا يَقْبَلُ شَهادَتَهُ. قالُوا: والِاسْتِثْناءُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ سِوى الحَدِّ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّهُ لا يَسْقُطُ عَنْ القاذِفِ بِالتَّوْبَةِ، وقَدْ قالَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ: إنّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ كُلِّهِ؛ قالَ ابْنُ عُبَيْدٍ في كِتابِ القَضاءِ: وجَماعَةُ أهْلِ الحِجازِ ومَكَّةَ عَلى قَبُولِ شَهادَتِهِ، وأمّا أهْلُ العِراقِ فَيَأْخُذُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أنْ لا تُقْبَلَ أبَدًا، وكِلا الفَرِيقَيْنِ إنّما تَأوَّلُوا القُرْآنَ فِيما نَرى، واَلَّذِينَ لا يَقْبَلُونَها يَذْهَبُونَ إلى أنَّ المَعْنى انْقَطَعَ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ فَجَعَلُوا الِاسْتِثْناءَ مِن الفِسْقِ خاصَّةً دُونَ الشَّهادَةِ. وَأمّا الآخَرُونَ فَتَأوَّلُوا أنَّ الكَلامَ تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا عَلى نَسَقٍ واحِدٍ فَقالَ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ فانْتَظَمَ الِاسْتِثْناءُ كُلَّ ما كانَ قَبْلَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا عِنْدِي هو القَوْلُ المَعْمُولُ بِهِ؛ لِأنَّ مَن قالَ بِهِ أكْثَرُ وهو أصَحُّ في النَّظَرِ، ولا يَكُونُ القَوْلُ بِالشَّيْءِ أكْثَرَ مِن الفِعْلِ، ولَيْسَ يَخْتَلِفُ المُسْلِمُونَ في الزّانِي المَجْلُودِ أنَّ شَهادَتَهُ مَقْبُولَةٌ إذا تابَ. قالُوا: وأمّا ما ذَكَرْتُمْ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ: بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُجِيزُ شَهادَةَ القاذِفِ إذا تابَ. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ فَمَن تابَ وأصْلَحَ فَشَهادَتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تُقْبَلُ، وقالَ شَرِيكٌ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ولا يَقْبَلُونَ شَهادَتَهُ؟، وقالَ مُطَرِّفٌ عَنْهُ: إذا فَرَغَ مِن ضَرْبِهِ فَأكْذَبَ نَفْسَهُ ورَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ. قالُوا: وأمّا تِلْكَ الآثارُ الَّتِي رَوَيْتُمُوها فَفِيها ضَعْفٌ؛ فَإنَّ آدَمَ بْنَ فائِدٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، ورُواتَهُ عَنْ عُمَرَ قِسْمانِ: ثِقاتٌ، وضُعَفاءُ، فالثِّقاتُ لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنهم " أوْ مَجْلُودًا في حَدٍّ " وَإنَّما ذَكَرَهُ الضُّعَفاءُ كالمُثَنّى بْنِ الصَّبّاحِ وآدَمَ والحَجّاجِ، وحَدِيثُ عائِشَةَ فِيهِ يَزِيدُ وهو ضَعِيفٌ، ولَوْ صَحَّتْ الأحادِيثُ لَحُمِلَتْ عَلى غَيْرِ التّائِبِ، فَإنَّ التّائِبَ مِن الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، وقَدْ قُبِلَ شَهادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ، ولا يُعْلَمُ لَهُما في الصَّحابَةِ مُخالِفٌ. قالُوا: وأعْظَمُ مَوانِعِ الشَّهادَةِ الكُفْرُ والسَّحَرُ وقَتْلُ النَّفْسِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ والزِّنا، ولَوْ تابَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ اتِّفاقًا؛ فالتّائِبُ مِن القَذْفِ أوْلى بِالقَبُولِ. قالُوا: وأيْنَ جِنايَةُ قَتْلِهِ مِن قَذْفِهِ؟ قالُوا: والحَدُّ يَدْرَأُ عَنْهُ عُقُوبَةَ الآخِرَةِ، وهو طُهْرَةٌ لَهُ؛ فَإنَّ الحُدُودَ طُهْرَةٌ لِأهْلِها، فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ إذا لَمْ يَتَطَهَّرْ بِالحَدِّ ويُرَدُّ أطْهَرَ ما يَكُونُ؟ فَإنَّهُ بِالحَدِّ والتَّوْبَةِ قَدْ يَطْهُرُ طُهْرًا كامِلًا. قالُوا: ورَدُّ الشَّهادَةِ بِالقَذْفِ إنّما هو مُسْتَنِدٌ إلى العِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ عَقِيبَ هَذا الحُكْمِ، وهي الفِسْقُ، وقَدْ ارْتَفَعَ الفِسْقُ بِالتَّوْبَةِ، وهو سَبَبُ الرَّدِّ؛ فَيَجِبُ ارْتِفاعُ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وهو المَنعُ قالُوا: والقاذِفُ فاسِقٌ بِقَذْفِهِ، حُدَّ أوْ لَمْ يُحَدَّ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في حالِ فِسْقِهِ وتُرَدُّ شَهادَتُهُ بَعْدَ زَوالِ فِسْقِهِ؟ قالُوا: ولا عَهْدَ لَنا في الشَّرِيعَةِ بِذَنْبٍ واحِدٍ أصْلًا يُتابُ مِنهُ ويَبْقى أثَرُهُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ مِن رَدِّ الشَّهادَةِ، وهَلْ هَذا إلّا خِلافُ المَعْهُودِ مِنها، وخِلافُ قَوْلِهِ ﷺ: «التّائِبُ مِن الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ»؟ وَعِنْدَ هَذا فَيُقالُ: تَوْبَتُهُ مِن القَذْفِ تُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَقْذِفْ، فَيَجِبُ قَبُولُ شَهادَتِهِ، أوْ كَما قالُوا. قالَ المانِعُونَ: القَذْفُ مُتَضَمِّنٌ لِلْجِنايَةِ عَلى حَقِّ اللَّهِ وحَقِّ الآدَمِيِّ، وهو مِن أوْفى الجَرائِمَ، فَناسَبَ تَغْلِيظَ الزَّجْرِ، ورَدُّ الشَّهادَةِ مِن أقْوى أسْبابِ الزَّجْرِ، لِما فِيهِ مِن إيلامِ القَلْبِ والنِّكايَةِ في النَّفْسِ؛ إذْ هو عَزْلٌ لِوِلايَةِ لِسانِهِ الَّذِي اسْتَطالَ بِهِ عَلى عِرْضِ أخِيهِ، وإبْطالٌ لَها، ثُمَّ هو عُقُوبَةٌ في مَحَلِّ الجِنايَةِ، فَإنَّ الجِنايَةَ حَصَلَتْ بِلِسانِهِ، فَكانَ أوْلى بِالعُقُوبَةِ فِيهِ، وقَدْ رَأيْنا الشّارِعَ قَدْ اعْتَبَرَ هَذا حَيْثُ قَطَعَ يَدَ السّارِقِ، فَإنَّهُ حَدٌّ مَشْرُوعٌ في مَحَلِّ الجِنايَةِ؛ ولا يَنْتَقِضُ هَذا بِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عُقُوبَةَ الزّانِي بِقَطْعِ العُضْوِ الَّذِي جَنى بِهِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عُضْوٌ خَفِيٌّ مَسْتُورٌ لا تَراهُ العُيُونُ، فَلا يَحْصُلُ الِاعْتِبارُ المَقْصُودُ مِن الحَدِّ بِقَطْعِهِ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى إبْطالِ آلاتِ التَّناسُلِ وانْقِطاعِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ. الثّالِثُ: أنَّ لَذَّةَ البَدَنِ جَمِيعَهُ بِالزِّنا كَلَذَّةِ العُضْوِ المَخْصُوصِ، فاَلَّذِي نالَ البَدَنَ مِن اللَّذَّةِ المُحَرَّمَةِ مِثْلُ ما نالَ الفَرْجَ، ولِهَذا كانَ حَدُّ الخَمْرِ عَلى جَمِيعِ البَدَنِ. الرّابِعُ: أنَّ قَطْعَ هَذا العُضْوِ مُفْضٍ إلى الهَلاكِ، وغَيْرُ المُحْصَنِ لا تَسْتَوْجِبُ جَرِيمَتُهُ الهَلاكَ، والمُحْصَنُ إنّما يُناسِبُ جَرِيمَتَهُ أشْنَعُ القِتْلاتِ، ولا يُناسِبُها قَطْعُ بَعْضِ أعْضائِهِ فافْتَرَقا. قالُوا: وأمّا قَبُولُ شَهادَتِهِ قَبْلَ الحَدِّ ورَدِّها بَعْدَهُ فَلِما تَقَدَّمَ أنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ جُعِلَ مِن تَمامِ الحَدِّ وتَكْمِلَتِهِ؛ فَهو كالصِّفَةِ والتَّتِمَّةِ لِلْحَدِّ؛ فَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ يُنْقِصُ عِنْدَ النّاسِ، وتَقِلُّ حُرْمَتُهُ، وهو قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ قائِمٌ الحُرْمَةَ غَيْرُ مُنْتَهِكِها. قالُوا: وأمّا التّائِبُ مِن الزِّنا والكُفْرِ والقَتْلِ فَإنَّما قَبِلْنا شَهادَتَهُ لِأنَّ رَدَّها كانَ نَتِيجَةَ الفِسْقِ، وقَدْ زالَ، بِخِلافِ مَسْألَتِنا فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ رَدَّها مِن تَتِمَّةِ الحَدِّ، فافْتَرَقا. قالَ القابِلُونَ: تَغْلِيظُ الزَّجْرِ لا ضابِطَ لَهُ، وقَدْ حَصَلَتْ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ بِالحَدِّ، وكَذَلِكَ سائِرُ الجَرائِمِ جَعَلَ الشّارِعُ مَصْلَحَةَ الزَّجْرِ عَلَيْها بِالحَدِّ، وإلّا فَلا تَطْلُقُ نِساؤُهُ، ولا يُؤْخَذُ مالُهُ، ولا يُعْزَلُ عَنْ مَنصِبِهِ، ولا تَسْقُطُ رِوايَتُهُ، لِأنَّهُ أغْلَظُ في الزَّجْرِ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى قَبُولِ رِوايَةِ أبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وتَغْلِيظُ الزَّجْرِ مِن الأوْصافِ المُنْتَشِرَةِ الَّتِي لا تَنْضَبِطُ، وقَدْ حَصَلَ إيلامُ القَلْبِ والبَدَنِ والنِّكايَةِ في النَّفْسِ بِالضَّرْبِ الَّذِي أُخِذَ مِن ظَهْرِهِ؛ وأيْضًا فَإنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ لا يَنْزَجِرُ بِهِ أكْثَرُ القاذِفِينَ، وإنَّما يَتَأثَّرُ بِذَلِكَ ويَنْزَجِرُ أعْيانُ النّاسِ، وقَلَّ أنْ يُوجَدَ القَذْفُ مِن أحَدِهِمْ، وإنَّما يُوجَدُ غالِبًا مِن الرَّعاعِ والسَّقَطِ ومَن لا يُبالِي بِرَدِّ شَهادَتِهِ وقَبُولِها؛ وأيْضًا فَكَمْ مِن قاذِفٍ انْقَضى عُمُرُهُ وما أدّى شَهادَةً عِنْدَ حاكِمٍ، ومَصْلَحَةُ الزَّجْرِ إنّما تَكُونُ بِمَنعِ النُّفُوسِ ما هي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ، وهو كَثِيرُ الوُقُوعِ مِنها، ثُمَّ هَذِهِ المُناسَبَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها يُعارِضُها ما هو أقْوى مِنها؛ فَإنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ أبَدًا تَلْزَمُ مِنهُ مَفْسَدَةُ فَواتِ الحُقُوقِ عَلى الغَيْرِ وتَعْطِيلُ الشَّهادَةِ في مَحَلِّ الحاجَةِ إلَيْها، ولا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ في القَبُولِ فَإنَّهُ لا مَفْسَدَةَ فِيهِ في حَقِّ الغَيْرِ مِن عَدْلٍ تائِبٍ قَدْ أصْلَحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، ولا رَيْبَ أنَّ اعْتِبارَ مَصْلَحَةٍ يَلْزَمُ مِنها مَفْسَدَةٌ أوْلى مِن اعْتِبارِ مَصْلَحَةٍ يَلْزَمُ مِنها عِدَّةُ مَفاسِدَ في حَقِّ الشّاهِدِ وحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ وعَلَيْهِ، والشّارِعُ لَهُ تَطَلَّعَ إلى حِفْظِ الحُقُوقِ عَلى مُسْتَحَقِّيها بِكُلِّ طَرِيقٍ وعَدَمِ إضاعَتِها، فَكَيْفَ يُبْطِلُ حَقًّا قَدْ شَهِدَ بِهِ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى دِينِهِ رِوايَةً وفَتْوى؟ وَأمّا قَوْلُكم " إنّ العُقُوبَةَ تَكُونُ في مَحَلِّ الجِنايَةِ " فَهَذا غَيْرُ لازِمٍ، لِما تَقَدَّمَ مِن عُقُوبَةِ الشّارِبِ والزّانِي، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عُقُوبَةَ هَذِهِ الجَرِيمَةِ عَلى جَمِيعِ البَدَنِ دُونَ اللِّسانِ، وإنَّما جَعَلَ عُقُوبَةَ اللِّسانِ بِسَبَبِ الفِسْقِ الَّذِي هو مَحَلُّ التُّهْمَةِ، فَإذا زالَ الفِسْقُ بِالتَّوْبَةِ فَلا وجْهَ لِلْعُقُوبَةِ بَعْدَها. وَأمّا قَوْلُكُمْ: " إنّ رَدَّ الشَّهادَةِ مِن تَمامِ الحَدِّ " فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ الحَدَّ تَمَّ بِاسْتِيفاءِ عَدَدِهِ، وسَبَبُهُ نَفْسُ القَذْفِ؛ وأمّا رَدُّ الشَّهادَةِ فَحُكْمٌ آخَرُ أوْجَبَهُ الفِسْقُ بِالقَذْفِ، لا الحَدُّ، فالقَذْفُ أوْجَبَ حُكْمَيْنِ: ثُبُوتُ الفِسْقِ، وحُصُولُ الحَدِّ، وهُما مُتَغايِرانِ.

النور 24:5

[فَصْلٌ: حِكْمَةُ حَدِّ القَذْفِ بِالزِّنا دُونَ الكُفْرِ] وَأمّا إيجابُ حَدِّ الفِرْيَةِ عَلى مَن قَذَفَ غَيْرَهُ بِالزِّنا دُونَ الكُفْرِ فَفي غايَةِ المُناسَبَةِ؛ فَإنَّ القاذِفَ غَيْرَهُ بِالزِّنا لا سَبِيلَ لِلنّاسِ إلى العِلْمِ بِكَذِبِهِ، فَجُعِلَ حَدُّ الفِرْيَةِ تَكْذِيبًا لَهُ، وتَبْرِئَةً لِعِرْضِ المَقْذُوفِ، وتَعْظِيمًا لِشَأْنِ هَذِهِ الفاحِشَةِ الَّتِي يُجْلَدُ مَن رَمى بِها مُسْلِمًا؛ وأمّا مَن رَمى غَيْرَهُ بِالكُفْرِ فَإنَّ شاهِدَ حالِ المُسْلِمِ واطِّلاعِ المُسْلِمِينَ عَلَيْها كافٍ في تَكْذِيبِهِ، ولا يَلْحَقُهُ مِن العارِ بِكَذِبِهِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ما يَلْحَقُهُ بِكَذِبِهِ عَلَيْهِ في الرَّمْيِ بِالفاحِشَةِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ المَقْذُوفُ امْرَأةً؛ فَإنَّ العارَ والمَعَرَّةَ الَّتِي تَلْحَقُها بِقَذْفِهِ بَيْنَ أهْلِها وتَشَعُّبَ ظُنُونِ النّاسِ وكَوْنَهم بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لا يَلْحَقُ مِثْلَهُ بِالرَّمْيِ بِالكُفْرِ. [فَصْلٌ: حِكْمَةُ الِاكْتِفاءِ في القَتْلِ بِشاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنا] وَأمّا اكْتِفاؤُهُ في القَتْلِ بِشاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنا فَفي غايَةِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ فَإنَّ الشّارِعَ احْتاطَ لِلْقِصاصِ والدِّماءِ واحْتاطَ لِحَدِّ الزِّنا، فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ في القَتْلِ إلّا أرْبَعَةً لَضاعَتْ الدِّماءُ، وتَواثَبَ العادُونَ، وتَجَرَّءُوا عَلى القَتْلِ؛ وأمّا الزِّنا فَإنَّهُ بالَغَ في سَتْرِهِ كَما قَدَّرَ اللَّهُ سَتْرَهُ، فاجْتَمَعَ عَلى سَتْرِهِ شَرْعُ اللَّهِ وقَدَّرَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ فِيهِ إلّا أرْبَعَةً يَصِفُونَ الفِعْلَ وصْفَ مُشاهَدَةٍ يَنْتَفِي مَعَها الِاحْتِمالُ؛ وكَذَلِكَ في الإقْرارِ، لَمْ يَكْتَفِ بِأقَلَّ مِن أرْبَعِ مَرّاتٍ حِرْصًا عَلى سَتْرِ ما قَدَّرَ اللَّهُ سَتْرَهُ، وكَرِهَ إظْهارَهُ، والتَّكَلُّمَ بِهِ، وتَوَعَّدَ مَن يُحِبُّ إشاعَتَهُ في المُؤْمِنِينَ بِالعَذابِ الألِيمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. [فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في جَلْدِ قاذِفِ الحُرِّ دُونَ العَبْدِ] وَأمّا جَلْدُ قاذِفِ الحُرِّ دُونَ العَبْدِ فَتَفْرِيقٌ لِشَرْعِهِ بَيْنَ ما فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُما بِقَدْرِهِ، فَما جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ العَبْدَ كالحُرِّ مِن كُلِّ وجْهٍ لا قَدَرًا ولا شَرْعًا، وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ الأمْثالَ الَّتِي أخْبَرَ فِيها بِالتَّفاوُتِ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ، وأنَّهم لا يَرْضَوْنَ أنْ تُساوِيَهم عَبِيدُهم في أرْزاقِهِمْ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَضَّلَ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلى بَعْضٍ، وفَضَّلَ الأحْرارَ عَلى العَبِيدِ في المِلْكِ وأسْبابِهِ والقُدْرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ، وجَعَلَ العَبْدَ مَمْلُوكًا والحُرَّ مالِكًا، ولا يَسْتَوِي المالِكُ والمَمْلُوكُ. وَأمّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في أحْكامِ الثَّوابِ والعِقابِ فَذَلِكَ مُوجِبُ العَدْلِ والإحْسانِ؛ فَإنَّهُ يَوْمَ الجَزاءِ لا يَبْقى هُناكَ عَبْدٌ وحُرٌّ ولا مالِكٌ ولا مَمْلُوكٌ. (فائدة) طلب في الزنا أربعة، وفي الإحصان اكتفى باثنين، لأن الزنا سبب وعلة، والإحصان شرط، وإبداء الشروط تقصر عن العلل والأسباب، لأنها مصححة وليست موجبة، ولهذا لا يكتفي بالإقرار مرة عندنا وعند الحنفية. [فَصْلٌ: الجَلْدُ ومُوجِبُهُ] وَأمّا الجَلْدُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ الجِنايَةِ عَلى الأعْراضِ، وعَلى العُقُولِ، وعَلى الأبْضاعِ، ولَمْ تَبْلُغْ هَذِهِ الجِناياتُ مَبْلَغًا يُوجِبُ القَتْلَ ولا إبانَةَ طَرْفٍ، إلّا الجِنايَةُ عَلى الأبْضاعِ فَإنَّ مَفْسَدَتَها قَدْ انْتَهَضَتْ سَبَبًا لِأشْنَعِ القِتْلاتِ، ولَكِنْ عارَضَها في البِكْرِ شِدَّةُ الدّاعِي وعَدَمُ المُعَوِّضِ، فانْتَهَضَ ذَلِكَ المُعارِضُ سَبَبًا لِإسْقاطِ القَتْلِ، ولَمْ يَكُنْ الجَلْدُ وحْدَهُ كافِيًا في الزَّجْرِ فَغَلَّظَ بِالنَّفْيِ والتَّغْرِيبِ؛ لِيَذُوقَ مِن ألَمِ الغُرْبَةِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ ومُجانَبَةِ الأهْلِ والخُلَطاءِ ما يَزْجُرُهُ عَنْ المُعاوَدَةِ؛ وأمّا الجِنايَةُ عَلى العُقُولِ بِالسُّكْرِ فَكانَتْ مَفْسَدَتُها لا تَتَعَدّى السَّكْرانَ غالِبًا ولِهَذا لَمْ يُحَرَّمْ السُّكْرُ في أوَّلِ الإسْلامِ كَما حُرِّمَتْ الفَواحِشُ والظُّلْمُ والعُدْوانُ في كُلِّ مِلَّةٍ وعَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وكانَتْ عُقُوبَةُ هَذِهِ الجِنايَةِ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ مِن الشّارِعِ، بَلْ ضَرَبَ فِيها بِالأيْدِي والنِّعالِ وأطْرافِ الثِّيابِ والجَرِيدِ، وضَرَبَ فِيها أرْبَعِينَ، فَلَمّا اسْتَخَفَّ النّاسُ بِأمْرِها وتَتابَعُوا في ارْتِكابِها غَلَّظَها الخَلِيفَةُ الرّاشِدُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي أُمِرْنا بِاتِّباعِ سُنَّتِهِ، وسُنَّتُهُ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَجَعَلَها ثَمانِينَ بِالسَّوْطِ، ونَفى فِيها، وحَلَقَ الرَّأْسَ، وهَذا كُلُّهُ مِن فِقْهِ السُّنَّةِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الشّارِبِ في المَرَّةِ الرّابِعَةِ، ولَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ، ولَمْ يَجْعَلْهُ حَدًّا لا بُدَّ مِنهُ؛ فَهو عُقُوبَةٌ تَرْجِعُ إلى اجْتِهادِ الإمامِ في المَصْلَحَةِ، فَزِيادَةُ أرْبَعِينَ والنَّفْيُ والحَلْقُ أسْهَلُ مِن القَتْلِ. [فَصْلٌ: التَّعْزِيرُ ومَواضِعُهُ] وَأمّا التَّعْزِيرُ فَفي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لا حَدَّ فِيها ولا كَفّارَةَ؛ فَإنَّ المَعاصِيَ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: نَوْعٌ فِيهِ الحَدُّ ولا كَفّارَةَ فِيهِ، ونَوْعٌ فِيهِ الكَفّارَةُ ولا حَدَّ فِيهِ، ونَوْعٌ لا حَدَّ فِيهِ ولا كَفّارَةَ. فالأوَّلُ - كالسَّرِقَةِ والشُّرْبِ والزِّنا والقَذْفِ. والثّانِي: - كالوَطْءِ في نَهارِ رَمَضانَ والوَطْءِ في الإحْرامِ. والثّالِثُ - كَوَطْءِ الأمَةِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ وقُبْلَةِ الأجْنَبِيَّةِ والخَلْوَةِ بِها ودُخُولِ الحَمّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ وأكْلِ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَأمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: فالحَدُّ فِيهِ مُغْنٍ عَنْ التَّعْزِيرِ. وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَهَلْ يَجِبُ مَعَ الكَفّارَةِ فِيهِ تَعْزِيرٌ أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ: وهُما في مَذْهَبِ أحْمَدَ. وَأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ: فَفِيهِ التَّعْزِيرُ قَوْلًا واحِدًا، ولَكِنْ هَلْ هو كالحَدِّ؛ فَلا يَجُوزُ لِلْإمامِ تَرْكُهُ، أوْ هو راجِعٌ إلى اجْتِهادِ الإمامِ في إقامَتِهِ، وتَرْكِهِ كَما يَرْجِعُ إلى اجْتِهادِهِ في قَدْرِهِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَماءِ، الثّانِي قَوْلُ الشّافِعِيِّ، والأوَّلُ قَوْلُ الجُمْهُورِ. وَما كانَ مِن المَعاصِي مُحَرَّمَ الجِنْسِ كالظُّلْمِ والفَواحِشِ فَإنَّ الشّارِعَ لَمْ يَشْرَعْ لَهُ كَفّارَةً، ولِهَذا لا كَفّارَةَ في الزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ وقَذْفِ المُحْصَناتِ والسَّرِقَةِ، وطَرْدُ هَذا أنَّهُ لا كَفّارَةَ في قَتْلِ العَمْدِ ولا في اليَمِينِ الغَمُوسِ كَما يَقُولُهُ أحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُما، ولَيْسَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَنْ مُرْتَكِبِهِما، بَلْ لِأنَّ الكَفّارَةَ لا تَعْمَلُ في هَذا الجِنْسِ مِن المَعاصِي، وإنَّما عَمَلُها فِيها فِيما كانَ مُباحًا في الأصْلِ وحُرِّمَ لِعارِضٍ كالوَطْءِ في الصِّيامِ والإحْرامِ، وطَرْدُ هَذا وهو الصَّحِيحُ وُجُوبُ الكَفّارَةِ في وطْءِ الحائِضِ، وهو مُوجَبُ القِياسِ لَوْ لَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ بِهِ، فَكَيْف وقَدْ جاءَتْ بِهِ مَرْفُوعَةً ومَوْقُوفَةً؟ وَعَكْسُ هَذا الوَطْءُ في الدُّبُرِ ولا كَفّارَةَ فِيهِ، ولا يَصِحُّ قِياسُهُ عَلى الوَطْءِ في الحَيْضِ؛ لِأنَّ هَذا الجِنْسَ لَمْ يُبَحْ قَطُّ، ولا تَعْمَلُ فِيهِ الكَفّارَةُ، ولَوْ وجَبَتْ فِيهِ الكَفّارَةُ لَوَجَبَتْ في الزِّنا واللِّواطِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ فَهَذِهِ قاعِدَةُ الشّارِعِ في الكَفّاراتِ، وهي في غايَةِ المُطابَقَةِ لِلْحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ. [فَصْلٌ: شَهادَةِ المَجْلُودِ في حَدِّ القَذْفِ] وَقَوْلُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كِتابِهِ " أوْ مَجْلُودًا في حَدٍّ " المُرادُ بِهِ القاذِفُ إذا حُدَّ لِلْقَذْفِ لَمْ تُقْبَلْ شَهادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الأُمَّةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، والقُرْآنُ نَصٌّ فِيهِ؛ وأمّا إذا تابَ فَفي قَبُولِ شَهادَتِهِ قَوْلانِ مَشْهُورانِ لِلْعُلَماءِ: أحَدُهُما: لا تُقْبَلُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ وأهْلِ العِراقِ. والثّانِي: تُقْبَلُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ومالِكٍ. وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: شَهادَةُ الفاسِقِ لا تَجُوزُ وإنْ تابَ، وقالَ القاضِي إسْماعِيلُ: ثنا أبُو الوَلِيدِ ثنا قَيْسٌ عَنْ سالِمٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: كانَ أبُو بَكْرَةَ إذا أتاهُ رَجُلٌ يُشْهِدُهُ قالَ: أشْهِدْ غَيْرِي، فَإنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ فَسَّقُونِي، وهَذا ثابِتٌ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ ومَسْرُوقٍ والشَّعْبِيِّ، في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُمْ، وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ. واحْتَجَّ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أبَّدَ المَنعَ مِن قَبُولِ شَهادَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ [النور: ٤]، وحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالفِسْقِ، ثُمَّ اسْتَثْنى التّائِبِينَ مِن الفاسِقِينَ، وبَقِيَ المَنعُ مِن قَبُولِ الشَّهادَةِ عَلى إطْلاقِهِ وتَأْبِيدِهِ. قالُوا: وقَدْ رَوى أبُو جَعْفَرٍ الرّازِيّ عَنْ آدَمَ بْنِ فائِدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَجُوزُ شَهادَةُ خائِنٍ ولا خائِنَةٍ، ولا مَحْدُودٍ في الإسْلامِ ولا مَحْدُودَةٍ، ولا ذِي غَمْرٍ عَلى أخِيهِ» ولَهُ طُرُقٌ إلى عَمْرٍو. وَرَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِ حَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ عَنْ عَمْرٍو، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ المُثَنّى بْنِ الصَّبّاحِ عَنْ عَمْرٍو قالُوا: ورَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ تَرْفَعُهُ «لا تَجُوزُ شَهادَةُ خائِنٍ ولا خائِنَةٍ، ولا مَجْلُودٍ في حَدٍّ، ولا ذِي غَمْرٍ لِأخِيهِ، ولا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهادَةُ زُورٍ، ولا ظَنِينٍ في ولاءٍ أوْ قَرابَةٍ». وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا. قالُوا: ولِأنَّ المَنعَ مِن قَبُولِ شَهادَتَهُ جُعِلَ مِن تَمامِ عُقُوبَتِهِ، ولِهَذا لا يَتَرَتَّبُ المَنعُ إلّا بَعْدَ الحَدِّ، فَلَوْ قَذَفَ ولَمْ يُحَدَّ لَمْ تُرَدَّ شَهادَتُهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الحَدَّ إنّما زادَهُ طُهْرَةً وخَفَّفَ عَنْهُ إثْمَ القَذْفِ أوْ رَفَعَهُ، فَهو بَعْدَ الحَدِّ خَيْرٌ مِنهُ قَبْلَهُ، ومَعَ هَذا فَإنَّما تُرَدُّ شَهادَتُهُ بَعْدَ الحَدِّ، فَرَدُّها مِن تَمامِ عُقُوبَتِهِ وحَدُّهُ وما كانَ مِن الحُدُودِ ولَوازِمِها فَإنَّهُ لا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، ولِهَذا لَوْ تابَ القاذِفُ لَمْ تَمْنَعْ تَوْبَتُهُ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ شَهادَتُهُ. وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِن العَذابِ العَظِيمِ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ؛ وقالَ شُرَيْحٌ: لا تَجُوزُ شَهادَتُهُ أبَدًا، وتَوْبَتُهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّ رَدَّ شَهادَتِهِ جُعِلَ عُقُوبَةً لِهَذا الذَّنْبِ؛ فَلا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كالحَدِّ. قالَ الآخَرُونَ، واللَّفْظُ لِلشّافِعِيِّ: والثُّنْيا في سِياقِ الكَلامِ عَلى أوَّلِ الكَلامِ وآخِرِهِ في جَمِيعِ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أهْلُ الفِقْهِ إلّا أنْ يَفْرُقَ بَيْنَ ذَلِكَ خَبَرٌ، وأنْبَأنا ابْنُ عُيَيْنَةَ قالَ: سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: زَعَمَ أهْلُ العِراقِ أنَّ شَهادَةَ المَحْدُودِ لا تَجُوزُ، وأشْهَدُ لَأخْبَرَنِي فُلانٌ أنَّ عُمَرَ قالَ لِأبِي بَكْرَةَ: تُبْ أقْبَلُ شَهادَتَك، قالَ سُفْيانُ: نَسِيتُ اسْمَ الَّذِي حَدَّثَ الزُّهْرِيَّ، فَلَمّا قُمْنا سَألْت مَن حَضَرَ، فَقالَ لِي عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: هو سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، فَقُلْت لِسُفْيانَ: فَهَلْ شَكَكْت فِيما قالَ لَك؟ قالَ: لا هو سَعِيدٌ غَيْرُ شَكٍّ، قالَ الشّافِعِيُّ: وكَثِيرًا ما سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فَيُسَمّى سَعِيدًا، وكَثِيرًا ما سَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَنْ سَعِيدٍ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأخْبَرَنِي بِهِ مِن أثِقُ بِهِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ عَنْ ابْنِ شِهابٍ عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ لَمّا جَلَدَ الثَّلاثَةَ اسْتَتابَهُمْ، فَرَجَعَ اثْنانِ فَقَبِلَ شَهادَتَهُما، وأبى أبُو بَكْرَةَ أنْ يَرْجِعَ فَرَدَّ شَهادَتَهُ، ورَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِأبِي بَكْرَةَ وشِبْلٍ ونافِعٍ: مَن تابَ مِنكم قَبِلْت شَهادَتَهُ. وَقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ: ثنا مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ عُمَرَ قالَ لِلَّذِينَ شَهِدُوا عَلى المُغِيرَةِ: تُوبُوا تُقْبَلْ شَهادَتُكُمْ، فَتابَ مِنهم اثْنانِ وأبى أبُو بَكْرَةَ أنْ يَتُوبَ، فَكانَ عُمَرُ لا يَقْبَلُ شَهادَتَهُ. قالُوا: والِاسْتِثْناءُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ سِوى الحَدِّ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّهُ لا يَسْقُطُ عَنْ القاذِفِ بِالتَّوْبَةِ، وقَدْ قالَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ: إنّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى ما تَقَدَّمَ كُلِّهِ؛ قالَ ابْنُ عُبَيْدٍ في كِتابِ القَضاءِ: وجَماعَةُ أهْلِ الحِجازِ ومَكَّةَ عَلى قَبُولِ شَهادَتِهِ، وأمّا أهْلُ العِراقِ فَيَأْخُذُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أنْ لا تُقْبَلَ أبَدًا، وكِلا الفَرِيقَيْنِ إنّما تَأوَّلُوا القُرْآنَ فِيما نَرى، واَلَّذِينَ لا يَقْبَلُونَها يَذْهَبُونَ إلى أنَّ المَعْنى انْقَطَعَ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ فَجَعَلُوا الِاسْتِثْناءَ مِن الفِسْقِ خاصَّةً دُونَ الشَّهادَةِ. وَأمّا الآخَرُونَ فَتَأوَّلُوا أنَّ الكَلامَ تَبِعَ بَعْضُهُ بَعْضًا عَلى نَسَقٍ واحِدٍ فَقالَ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ فانْتَظَمَ الِاسْتِثْناءُ كُلَّ ما كانَ قَبْلَهُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَذا عِنْدِي هو القَوْلُ المَعْمُولُ بِهِ؛ لِأنَّ مَن قالَ بِهِ أكْثَرُ وهو أصَحُّ في النَّظَرِ، ولا يَكُونُ القَوْلُ بِالشَّيْءِ أكْثَرَ مِن الفِعْلِ، ولَيْسَ يَخْتَلِفُ المُسْلِمُونَ في الزّانِي المَجْلُودِ أنَّ شَهادَتَهُ مَقْبُولَةٌ إذا تابَ. قالُوا: وأمّا ما ذَكَرْتُمْ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فَقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ: بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُجِيزُ شَهادَةَ القاذِفِ إذا تابَ. وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ فَمَن تابَ وأصْلَحَ فَشَهادَتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تُقْبَلُ، وقالَ شَرِيكٌ عَنْ أبِي حُصَيْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ولا يَقْبَلُونَ شَهادَتَهُ؟، وقالَ مُطَرِّفٌ عَنْهُ: إذا فَرَغَ مِن ضَرْبِهِ فَأكْذَبَ نَفْسَهُ ورَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ. قالُوا: وأمّا تِلْكَ الآثارُ الَّتِي رَوَيْتُمُوها فَفِيها ضَعْفٌ؛ فَإنَّ آدَمَ بْنَ فائِدٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، ورُواتَهُ عَنْ عُمَرَ قِسْمانِ: ثِقاتٌ، وضُعَفاءُ، فالثِّقاتُ لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنهم " أوْ مَجْلُودًا في حَدٍّ " وَإنَّما ذَكَرَهُ الضُّعَفاءُ كالمُثَنّى بْنِ الصَّبّاحِ وآدَمَ والحَجّاجِ، وحَدِيثُ عائِشَةَ فِيهِ يَزِيدُ وهو ضَعِيفٌ، ولَوْ صَحَّتْ الأحادِيثُ لَحُمِلَتْ عَلى غَيْرِ التّائِبِ، فَإنَّ التّائِبَ مِن الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، وقَدْ قُبِلَ شَهادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ، ولا يُعْلَمُ لَهُما في الصَّحابَةِ مُخالِفٌ. قالُوا: وأعْظَمُ مَوانِعِ الشَّهادَةِ الكُفْرُ والسَّحَرُ وقَتْلُ النَّفْسِ وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ والزِّنا، ولَوْ تابَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ اتِّفاقًا؛ فالتّائِبُ مِن القَذْفِ أوْلى بِالقَبُولِ. قالُوا: وأيْنَ جِنايَةُ قَتْلِهِ مِن قَذْفِهِ؟ قالُوا: والحَدُّ يَدْرَأُ عَنْهُ عُقُوبَةَ الآخِرَةِ، وهو طُهْرَةٌ لَهُ؛ فَإنَّ الحُدُودَ طُهْرَةٌ لِأهْلِها، فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ إذا لَمْ يَتَطَهَّرْ بِالحَدِّ ويُرَدُّ أطْهَرَ ما يَكُونُ؟ فَإنَّهُ بِالحَدِّ والتَّوْبَةِ قَدْ يَطْهُرُ طُهْرًا كامِلًا. قالُوا: ورَدُّ الشَّهادَةِ بِالقَذْفِ إنّما هو مُسْتَنِدٌ إلى العِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ عَقِيبَ هَذا الحُكْمِ، وهي الفِسْقُ، وقَدْ ارْتَفَعَ الفِسْقُ بِالتَّوْبَةِ، وهو سَبَبُ الرَّدِّ؛ فَيَجِبُ ارْتِفاعُ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وهو المَنعُ قالُوا: والقاذِفُ فاسِقٌ بِقَذْفِهِ، حُدَّ أوْ لَمْ يُحَدَّ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ في حالِ فِسْقِهِ وتُرَدُّ شَهادَتُهُ بَعْدَ زَوالِ فِسْقِهِ؟ قالُوا: ولا عَهْدَ لَنا في الشَّرِيعَةِ بِذَنْبٍ واحِدٍ أصْلًا يُتابُ مِنهُ ويَبْقى أثَرُهُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ مِن رَدِّ الشَّهادَةِ، وهَلْ هَذا إلّا خِلافُ المَعْهُودِ مِنها، وخِلافُ قَوْلِهِ ﷺ: «التّائِبُ مِن الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ»؟ وَعِنْدَ هَذا فَيُقالُ: تَوْبَتُهُ مِن القَذْفِ تُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَقْذِفْ، فَيَجِبُ قَبُولُ شَهادَتِهِ، أوْ كَما قالُوا. قالَ المانِعُونَ: القَذْفُ مُتَضَمِّنٌ لِلْجِنايَةِ عَلى حَقِّ اللَّهِ وحَقِّ الآدَمِيِّ، وهو مِن أوْفى الجَرائِمَ، فَناسَبَ تَغْلِيظَ الزَّجْرِ، ورَدُّ الشَّهادَةِ مِن أقْوى أسْبابِ الزَّجْرِ، لِما فِيهِ مِن إيلامِ القَلْبِ والنِّكايَةِ في النَّفْسِ؛ إذْ هو عَزْلٌ لِوِلايَةِ لِسانِهِ الَّذِي اسْتَطالَ بِهِ عَلى عِرْضِ أخِيهِ، وإبْطالٌ لَها، ثُمَّ هو عُقُوبَةٌ في مَحَلِّ الجِنايَةِ، فَإنَّ الجِنايَةَ حَصَلَتْ بِلِسانِهِ، فَكانَ أوْلى بِالعُقُوبَةِ فِيهِ، وقَدْ رَأيْنا الشّارِعَ قَدْ اعْتَبَرَ هَذا حَيْثُ قَطَعَ يَدَ السّارِقِ، فَإنَّهُ حَدٌّ مَشْرُوعٌ في مَحَلِّ الجِنايَةِ؛ ولا يَنْتَقِضُ هَذا بِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عُقُوبَةَ الزّانِي بِقَطْعِ العُضْوِ الَّذِي جَنى بِهِ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عُضْوٌ خَفِيٌّ مَسْتُورٌ لا تَراهُ العُيُونُ، فَلا يَحْصُلُ الِاعْتِبارُ المَقْصُودُ مِن الحَدِّ بِقَطْعِهِ. الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى إبْطالِ آلاتِ التَّناسُلِ وانْقِطاعِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ. الثّالِثُ: أنَّ لَذَّةَ البَدَنِ جَمِيعَهُ بِالزِّنا كَلَذَّةِ العُضْوِ المَخْصُوصِ، فاَلَّذِي نالَ البَدَنَ مِن اللَّذَّةِ المُحَرَّمَةِ مِثْلُ ما نالَ الفَرْجَ، ولِهَذا كانَ حَدُّ الخَمْرِ عَلى جَمِيعِ البَدَنِ. الرّابِعُ: أنَّ قَطْعَ هَذا العُضْوِ مُفْضٍ إلى الهَلاكِ، وغَيْرُ المُحْصَنِ لا تَسْتَوْجِبُ جَرِيمَتُهُ الهَلاكَ، والمُحْصَنُ إنّما يُناسِبُ جَرِيمَتَهُ أشْنَعُ القِتْلاتِ، ولا يُناسِبُها قَطْعُ بَعْضِ أعْضائِهِ فافْتَرَقا. قالُوا: وأمّا قَبُولُ شَهادَتِهِ قَبْلَ الحَدِّ ورَدِّها بَعْدَهُ فَلِما تَقَدَّمَ أنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ جُعِلَ مِن تَمامِ الحَدِّ وتَكْمِلَتِهِ؛ فَهو كالصِّفَةِ والتَّتِمَّةِ لِلْحَدِّ؛ فَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ يُنْقِصُ عِنْدَ النّاسِ، وتَقِلُّ حُرْمَتُهُ، وهو قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ قائِمٌ الحُرْمَةَ غَيْرُ مُنْتَهِكِها. قالُوا: وأمّا التّائِبُ مِن الزِّنا والكُفْرِ والقَتْلِ فَإنَّما قَبِلْنا شَهادَتَهُ لِأنَّ رَدَّها كانَ نَتِيجَةَ الفِسْقِ، وقَدْ زالَ، بِخِلافِ مَسْألَتِنا فَإنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ رَدَّها مِن تَتِمَّةِ الحَدِّ، فافْتَرَقا. قالَ القابِلُونَ: تَغْلِيظُ الزَّجْرِ لا ضابِطَ لَهُ، وقَدْ حَصَلَتْ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ بِالحَدِّ، وكَذَلِكَ سائِرُ الجَرائِمِ جَعَلَ الشّارِعُ مَصْلَحَةَ الزَّجْرِ عَلَيْها بِالحَدِّ، وإلّا فَلا تَطْلُقُ نِساؤُهُ، ولا يُؤْخَذُ مالُهُ، ولا يُعْزَلُ عَنْ مَنصِبِهِ، ولا تَسْقُطُ رِوايَتُهُ، لِأنَّهُ أغْلَظُ في الزَّجْرِ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى قَبُولِ رِوايَةِ أبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وتَغْلِيظُ الزَّجْرِ مِن الأوْصافِ المُنْتَشِرَةِ الَّتِي لا تَنْضَبِطُ، وقَدْ حَصَلَ إيلامُ القَلْبِ والبَدَنِ والنِّكايَةِ في النَّفْسِ بِالضَّرْبِ الَّذِي أُخِذَ مِن ظَهْرِهِ؛ وأيْضًا فَإنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ لا يَنْزَجِرُ بِهِ أكْثَرُ القاذِفِينَ، وإنَّما يَتَأثَّرُ بِذَلِكَ ويَنْزَجِرُ أعْيانُ النّاسِ، وقَلَّ أنْ يُوجَدَ القَذْفُ مِن أحَدِهِمْ، وإنَّما يُوجَدُ غالِبًا مِن الرَّعاعِ والسَّقَطِ ومَن لا يُبالِي بِرَدِّ شَهادَتِهِ وقَبُولِها؛ وأيْضًا فَكَمْ مِن قاذِفٍ انْقَضى عُمُرُهُ وما أدّى شَهادَةً عِنْدَ حاكِمٍ، ومَصْلَحَةُ الزَّجْرِ إنّما تَكُونُ بِمَنعِ النُّفُوسِ ما هي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ، وهو كَثِيرُ الوُقُوعِ مِنها، ثُمَّ هَذِهِ المُناسَبَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها يُعارِضُها ما هو أقْوى مِنها؛ فَإنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ أبَدًا تَلْزَمُ مِنهُ مَفْسَدَةُ فَواتِ الحُقُوقِ عَلى الغَيْرِ وتَعْطِيلُ الشَّهادَةِ في مَحَلِّ الحاجَةِ إلَيْها، ولا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ في القَبُولِ فَإنَّهُ لا مَفْسَدَةَ فِيهِ في حَقِّ الغَيْرِ مِن عَدْلٍ تائِبٍ قَدْ أصْلَحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، ولا رَيْبَ أنَّ اعْتِبارَ مَصْلَحَةٍ يَلْزَمُ مِنها مَفْسَدَةٌ أوْلى مِن اعْتِبارِ مَصْلَحَةٍ يَلْزَمُ مِنها عِدَّةُ مَفاسِدَ في حَقِّ الشّاهِدِ وحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ وعَلَيْهِ، والشّارِعُ لَهُ تَطَلَّعَ إلى حِفْظِ الحُقُوقِ عَلى مُسْتَحَقِّيها بِكُلِّ طَرِيقٍ وعَدَمِ إضاعَتِها، فَكَيْفَ يُبْطِلُ حَقًّا قَدْ شَهِدَ بِهِ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى دِينِهِ رِوايَةً وفَتْوى؟ وَأمّا قَوْلُكم " إنّ العُقُوبَةَ تَكُونُ في مَحَلِّ الجِنايَةِ " فَهَذا غَيْرُ لازِمٍ، لِما تَقَدَّمَ مِن عُقُوبَةِ الشّارِبِ والزّانِي، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عُقُوبَةَ هَذِهِ الجَرِيمَةِ عَلى جَمِيعِ البَدَنِ دُونَ اللِّسانِ، وإنَّما جَعَلَ عُقُوبَةَ اللِّسانِ بِسَبَبِ الفِسْقِ الَّذِي هو مَحَلُّ التُّهْمَةِ، فَإذا زالَ الفِسْقُ بِالتَّوْبَةِ فَلا وجْهَ لِلْعُقُوبَةِ بَعْدَها. وَأمّا قَوْلُكُمْ: " إنّ رَدَّ الشَّهادَةِ مِن تَمامِ الحَدِّ " فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ الحَدَّ تَمَّ بِاسْتِيفاءِ عَدَدِهِ، وسَبَبُهُ نَفْسُ القَذْفِ؛ وأمّا رَدُّ الشَّهادَةِ فَحُكْمٌ آخَرُ أوْجَبَهُ الفِسْقُ بِالقَذْفِ، لا الحَدُّ، فالقَذْفُ أوْجَبَ حُكْمَيْنِ: ثُبُوتُ الفِسْقِ، وحُصُولُ الحَدِّ، وهُما مُتَغايِرانِ.

النور 24:6

(فصل) فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعانِ. وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: أبْصِرُوها؛ فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدْلَجَ السّاقَيْنِ فَهو لِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، وإنْ جاءَتْ بِهِ كَذا وكَذا فَهو لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ المَكْرُوهِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ» يُرِيدُ - واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ - بِكِتابِ اللَّهِ قَوْله تَعالى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ وَيُرِيدُ بِالشَّأْنِ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ كانَ يَحُدُّها لِمُشابِهَةِ ولَدِها لِلرَّجُلِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ، ولَكِنَّ كِتابَ اللَّهِ فَصَّلَ الحُكُومَةَ، وأسْقَطَ كُلَّ قَوْلٍ وراءَهُ، ولَمْ يَبْقَ لِلِاجْتِهادِ بَعْدَهُ مَوْقِعٌ. (فائدة) وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أيْمانَ اللِّعانِ مِن جانِبِ الزَّوْجِ أوَّلًا، فَإذا نَكَلَتْ المَرْأةُ عَنْ مُعارَضَةِ أيْمانِهِ بِأيْمانِها وجَبَ عَلَيْها العَذابُ بِالحَدِّ، وهو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ المُدَّعِيَ لَمّا تَرَجَّحَ جانِبُهُ بِالشّاهِدِ الواحِدِ شُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جِهَتِهِ، وكَذَلِكَ أوْلِياءُ الدَّمِ تَرَجَّحَ جانِبُهم بِاللَّوَثِ فَشُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جِهَتِهِمْ وأُكِّدَتْ بِالعَدَدِ تَعْظِيمًا لِخَطَرِ النَّفْسِ، وكَذَلِكَ الزَّوْجُ في اللِّعانِ جانِبُهُ أرْجَحُ مِن جانِبِ المَرْأةِ قَطْعًا، فَإنَّ إقْدامَهُ عَلى إتْلافِ فِراشِهِ، ورَمْيِها بِالفاحِشَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وتَعْرِيضَ نَفْسِهِ لِعُقُوبَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفَضِيحَةَ أهْلِهِ ونَفْسِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، مِمّا يَأْباهُ طِباعُ العُقَلاءِ، وتَنْفِرُ عَنْهُ نُفُوسُهُمْ، لَوْلا أنَّ الزَّوْجَةَ اضْطَرَّتْهُ بِما رَآهُ وتَيَقَّنَهُ مِنها إلى ذَلِكَ؛ فَجانِبُهُ أقْوى مِن جانِبِ المَرْأةِ قَطْعًا، فَشُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جانِبِهِ، ولِهَذا كانَ القَتْلُ في القَسامَةِ واللِّعانِ وهو قَوْلُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ فَأمّا فُقَهاءُ العِراقِ فَلا يَقْتُلُونَ لا بِهَذا ولا بِهَذا، وأحْمَدُ يَقْتُلُ بِالقَسامَةِ دُونَ اللِّعانِ. والشّافِعِيُّ يَقْتُلُ بِاللِّعانِ دُونَ القَسامَةِ. وَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا ما يُعارِضُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «لَوْ يُعْطى النّاسُ بِدَعْواهم لادَّعى قَوْمٌ دِماءَ قَوْمٍ وأمْوالِهِمْ، ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ» فَإنَّ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُدَّعِي إلّا مُجَرَّدُ الدَّعْوى، فَإنَّهُ لا يَقْضِي لَهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوى، فَأمّا إذا تَرَجَّحَ جانِبُهُ بِشاهِدٍ أوْ لَوَثٍ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْواهُ، بَلْ بِالشّاهِدِ المُجْتَمَعِ مِن تَرْجِيحِ جانِبِهِ ومِن اليَمِينِ؛ وقَدْ حَكَمَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُد - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإحْدى المَرْأتَيْنِ بِالوَلَدِ لِتَرَجُّحِ جانِبِها بِالشَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ وإيثارِها لِحَياتِهِ ورَضِيَ الأُخْرى بِقَتْلِهِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى إقْرارِها لِلْأُخْرى بِهِ. وَقَوْلُهُ: " هو ابْنُها " ولِهَذا كانَ مِن تَراجُمِ الأئِمَّةِ عَلى هَذا الحَدِيثِ " التَّوْسِعَةُ لِلْحاكِمِ أنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ أفْعَلُ " لِيَسْتَبِينَ بِهِ الحَقَّ، ثُمَّ تَرْجَمَ تَرْجَمَةً أُخْرى أحْسَنَ مِن هَذِهِ وأفْقَهَ فَقالَ: " الحُكْمُ بِخِلافِ ما يَعْتَرِفُ بِهِ المَحْكُومُ لَهُ إذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّ الحَقَّ غَيْرُ ما اعْتَرَفَ بِهِ " فَهَكَذا يَكُونُ فَهْمُ الأئِمَّةِ مِن النُّصُوصِ واسْتِنْباطِ الأحْكامِ الَّتِي تَشْهَدُ العُقُولُ والفِطَرُ بِها مِنها؛ ولَعَمْرُ اللَّهِ إنّ هَذا العِلْمُ النّافِعُ لا خَرْصَ الآراءِ وتَخْمِينَ الظُّنُونِ. وقال في (الطرق الحكمية) لَمْ يحكم عَلى المَرْأةِ في اللِّعانِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِها دُونَ يَمِينِ الزَّوْجِ، فَإذا حَلَفَ الزَّوْجُ، ونَكَلَتْ عَنْ اليَمِينِ، حَكَمَ عَلَيْها: إمّا بِالحَبْسِ حَتّى تُقِرَّ أوْ تُلاعَنَ كَما يَقُولُ أحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ، وإمّا بِالحَدِّ كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ. وَهُوَ الرّاجِحُ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إنّما دَرَأ عَنْها العَذابَ بِشَهادَتِها أرْبَعُ شَهاداتٍ: والعَذابُ المَدْرُوءُ عَنْها بِالتِعانِها هو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَهُوَ عَذابُ الحَدِّ. ولِهَذا ذَكَرَهُ مُعَرَّفًا فاللّامُ العَهْدِ، فَعُلِمَ أنَّ العَذابَ هو العَذابُ المَعْهُودُ ذِكْرُهُ أوَّلًا. ولِهَذا بُدِئَ أوَّلًا بِأيْمانِ الزَّوْجِ لِقُوَّةِ جانِبِهِ، ومُكِّنَتْ المَرْأةُ مِن أنْ تُعارِضَ إيمانَهُ بِأيْمانِها، فَإذا نَكَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِأيْمانِهِ ما يُعارِضُها، فَعَمِلَتْ عَمَلَها، وقَوّاها نُكُولُ المَرْأةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها بِأيْمانِهِ ونُكُولِها. فَإنْ قِيلَ: فَكانَ مِن المُمْكِنِ أنْ يَبْدَأ بِأيْمانِها، فَإنْ نَكَلَتْ حَلَفَ الزَّوْجُ وحُدَّتْ، كَما إذا ادَّعى عَلَيْهِ حَقًّا، فَنَكَلَ عَنْ اليَمِينِ، فَإنَّها تُرَدُّ عَلى المُدَّعِي، ويَقْضِي لَهُ، فَهَلّا شُرِعَ اللِّعانُ كَذَلِكَ والمَرْأةُ هي المُدَّعى عَلَيْها؟ بَلْ شُرِعَتْ اليَمِينُ في جانِبِ المُدَّعِي أوَّلًا، وهَذا لا نَظِيرَ لَهُ في الدَّعاوى. قِيلَ: لَمّا كانَ الزَّوْجُ قاذِفًا لَها كانَ مُوجِبُ قَذْفِهِ أنْ يَحُدَّ لَها، فَمُكِّنَ أنْ يَدْفَعَ الحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِالتِعانِهِ، ثُمَّ طُولِبَتْ هي بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تُقِرَّ أوْ تُلاعِنَ. فَإنْ أقَرَّتْ حُدَّتْ، وإنْ أنْكَرَتْ والتَعَنَتْ دَرَأتْ عَنْها الحَدَّ بِلِعانِها، كَما لَهُ أنْ يَدْرَأ الحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِلِعانِهِ. وَكانَتْ البُداءَةُ بِهِ أوْلى لِأنَّهُ مُدَّعٍ، وأيْمانُهُ قائِمَةٌ مَقامَ البَيِّنَةِ. وَلَكِنْ لَمّا كانَتْ دُونَ الشُّهُودِ الأرْبَعَةِ في القُوَّةِ مُكِّنَتْ المَرْأةُ مِن دَفْعِها بِأيْمانِها. فَإذا أبَتْ أنْ تَدْفَعَها تَرَجَّحَ جانِبُهُ، فَوَجَبَ عَلَيْها الحَدُّ، فَلَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ التِعانِهِ، ولا بِمُجَرَّدِ نُكُولِها، بَلْ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. وأكَّدَتْ الأيْمانُ بِكَوْنِها أرْبَعًا، كَما أكَّدَتْ أيْمانُ المُدَّعِينَ في القَسامَةِ بِكَوْنِها خَمْسِينَ، ولِتَقُومَ الأيْمانُ مَقامَ الشُّهُودِ. وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهُوَ: أنَّهُ لا يُقْضى بِالنُّكُولِ، ولا بِالرَّدِّ، ولَكِنْ يُحْبَسُ المُدَّعى عَلَيْهِ حَتّى يُجِيبَ بِإقْرارٍ أوْ إنْكارٍ يَحْلِفُ مَعَهُ. وهَذا قَوْلٌ في مَذْهَبِ أحْمَدَ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى، فَإنَّهُ قالَ: لا أدْعُهُ حَتّى يُقِرَّ أوْ يَحْلِفَ. [حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في اللِّعانِ] قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ - والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ - ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ - والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أنَّ عويمرا العجلاني قالَ لعاصم بن عدي: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ وعابَها، حَتّى كَبُرَ عَلى عاصم ما سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّ عويمرا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: " قَدْ نَزَلَ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ فاذْهَبْ فَأْتِ بِها " فَتَلاعَنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا فَرَغا قالَ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». قالَ الزُّهْرِيُّ: فَكانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ المُتَلاعِنَيْنِ. قالَ سهل: وكانَتْ حامِلًا، وكانَ ابْنُها يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أنْ يَرِثَها وتَرِثَ مِنهُ ما فَرَضَ اللَّهُ لَها. وَفِي لَفْظٍ: «فَتَلاعَنا في المَسْجِدِ، فَفارَقَها عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ذاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْنِ» وَقَوْلُ سهل: وكانَتْ حامِلًا إلى آخِرِهِ، هو عِنْدَ البُخارِيِّ مِن قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، ولِلْبُخارِيِّ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْظُرُوا فَإنْ جاءَتْ بِهِ أسْحَمَ أدْعَجَ العَيْنَيْنِ عَظِيمَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَلا أحْسَبُ عويمرا إلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، وإنْ جاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأنَّهُ وحَرَةٌ، فَلا أحْسَبُ عويمرا إلّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْها " فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن تَصْدِيقِ عويمر» وَفِي لَفْظٍ: " وكانَتْ حامِلًا فَأنْكَرَ حَمْلَها وفي " صَحِيحِ مسلم " «مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ لَوْ وجَدَ أحَدُنا امْرَأتَهُ عَلى فاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأمْرِ عَظِيمٍ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ أتاهُ فَقالَ: إنَّ الَّذِي سَألْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَؤُلاءِ الآياتِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ ووَعَظَهُ وذَكَّرَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما كَذَبْتُ عَلَيْها، ثُمَّ دَعاها فَوَعَظَها وذَكَّرَها وأخْبَرَها أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَتْ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنَّهُ لَكاذِبٌ، فَبَدَأ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَرْأةِ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُما». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ " حِسابُكُما عَلى اللَّهِ أحَدُكُما كاذِبٌ، لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها " قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مالِي؟ قالَ لا مالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْها فَهو بِما اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِها، وإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْها فَهو أبْعَدُ لَكَ مِنها». وَفِي لَفْظٍ لَهُما: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ وقالَ: " واللَّهِ إنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ ".» وَفِيهِما عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وألْحَقَ الوَلَدَ بِأُمِّهِ» وفي " صَحِيحِ مسلم ": «مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ المُتَلاعِنَيْنِ، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَهْ " فَأبَتْ فَلَعَنَتْ، فَلَمّا أدْبَرَ قالَ: لَعَلَّها أنْ تَجِيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا " فَجاءَتْ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا». وَفِي " صَحِيحِ مسلم " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأتَهُ بشريك ابن سحماء - وكانَ أخا البَراءِ بْنِ مالِكٍ لِأُمِّهِ - وكانَ أوَّلَ رَجُلٍ لاعَنَ في الإسْلامِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ العَيْنَيْنِ فَهو لهلال بن أمية، وإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السّاقَيْنِ، فَهو لشريك ابن سحماء، قالَ: فَأُنْبِئْتُ أنَّها جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السّاقَيْنِ» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " «مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أهِيَ المَرْأةُ الَّتِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَوْ رَجَمْتُ أحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ "؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا، تِلْكَ امْرَأةٌ كانَتْ تُظْهِرُ في الإسْلامِ السُّوءَ». ولأبي داود في هَذا الحَدِيثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وقَضى أنْ لا يُدْعى ولَدُها لِأبٍ، ولا تُرْمى ولا يُرْمى ولَدُها، ومَن رَماها أوْ رَمى ولَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وقَضى ألّا بَيْتَ لَها عَلَيْهِ ولا قُوتَ، مِن أجْلِ أنَّهُما يَتَفَرَّقانِ مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولا مُتَوَفًّى عَنْها». وَفِي القِصَّةِ، قالَ عكرمة: فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرًا عَلى مِصْرَ وما يُدْعى لِأبٍ. وَذَكَرَ البُخارِيُّ: «أنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بشريك ابن سحماء، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ " فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذا رَأى أحَدُنا عَلى امْرَأتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " البَيِّنَةُ وإلّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ "، فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنِّي لَصادِقٌ، ولَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم. .﴾ [النور: ٦] .. الآياتِ، فانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْها، فَجاءَ هلال فَشَهِدَ، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ " فَشَهِدَتْ، فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الخامِسَةِ وقَّفُوها وقالُوا: إنَّها مُوجِبَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَتَلَكَّأتْ ونَكَصَتْ حَتّى ظَنَنّا أنَّها تَرْجِعُ، ثُمَّ قالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْمِ فَمَضَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ فَهو لشريك ابن سحماء " فَجاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ كانَ لِي ولَها شَأْنٌ)» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا، فَقالَ سعد: بَلى والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اسْمَعُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ». وفي لَفْظٍ آخَرَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ قالَ: " نَعَمْ». وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «لَوْ وجَدْتُ مَعَ أهْلِي رَجُلًا لَمْ أُهِجْهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " نَعَمْ "، قالَ كَلّا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا إنْ كُنْتُ لَأُعاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اسْمَعُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إنَّهُ لَغَيُورٌ، وأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي». وَفِي لَفْظٍ: «لَوْ رَأيْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَواللَّهِ لَأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي، ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ المُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» [فَصْلٌ: حِكْمَةُ شَرْعِ اللِّعانِ في حَقِّ الزَّوْجَةِ دُونَ غَيْرِها] وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ لِلْقاذِفِ إسْقاطَ الحَدِّ بِاللِّعانِ في الزَّوْجَةِ دُونَ الأجْنَبِيَّةِ، وكِلاهُما قَدْ ألْحَقَ بِهِما العارَ " فَهَذا مِن أعْظَمِ مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإنَّ قاذِفَ الأجْنَبِيَّةِ مُسْتَغْنٍ عَنْ قَذْفِها، لا حاجَةَ لَهُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ؛ فَإنَّ زِناها لا يَضُرُّهُ شَيْئًا، ولا يُفْسِدُ عَلَيْهِ فِراشَهُ، ولا يُعَلِّقُ عَلَيْهِ أوْلادًا مِن غَيْرِهِ، وقَذْفُها عُدْوانٌ مَحْضٌ، وأذًى لِمُحْصَنَةٍ غافِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحَدُّ زَجْرًا لَهُ وعُقُوبَةً، وأمّا الزَّوْجُ فَإنَّهُ يَلْحَقُهُ بِزِناها مِن العارِ والمَسَبَّةِ وإفْسادِ الفِراشِ وإلْحاقِ ولَدِ غَيْرِهِ بِهِ، وانْصِرافِ قَلْبِها عَنْهُ إلى غَيْرِهِ؛ فَهو مُحْتاجٌ إلى قَذْفِها، ونَفْيِ النَّسَبِ الفاسِدِ عَنْهُ، وتَخَلُّصِهِ مِن المِسَبَّةِ والعارِ؛ لِكَوْنِهِ زَوْجَ بَغْيٍ فاجِرَةٍ، ولا يُمْكِنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عَلى زِناها في الغالِبِ، وهي لا تُقِرُّ بِهِ، وقَوْلُ الزَّوْجِ عَلَيْها غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ فَلَمْ يَبْقَ سِوى تَحالُفِها بِأغْلَظِ الإيمانِ، وتَأْكِيدِها بِدُعائِهِ عَلى نَفْسِهِ بِاللَّعْنَةِ ودُعائِها عَلى نَفْسِها بِالغَضَبِ إنْ كانا كاذِبَيْنِ. ثُمَّ يَفْسَخُ النِّكاحَ بَيْنَهُما؛ إذْ لا يُمْكِنُ أحَدُهُما أنْ يَصْفُوَ لِلْآخَرِ أبَدًا؛ فَهَذا أحْسَنُ حُكْمٍ يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَهُما في الدُّنْيا، ولَيْسَ بَعْدَهُ أعْدَلُ مِنهُ، ولا أحْكَمُ، ولا أصْلَحُ، ولَوْ جُمِعَتْ عُقُولُ العالَمِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، فَتَبارَكَ مَن أبانَ رُبُوبِيَّتَهُ ووَحْدانِيَّتَهُ وحِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ في شَرْعِهِ وخَلْقِهِ. [فصل البُداءَةُ بِالرَّجُلِ في اللِّعانِ] وَمِنها: البُداءَةُ بِالرَّجُلِ في اللِّعانِ، كَما بَدَأ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولُهُ بِهِ، فَلَوْ بَدَأتْ هي لَمْ يُعْتَدَّ بِلِعانِها عِنْدَ الجُمْهُورِ، واعْتَدَّ بِهِ أبو حنيفة. وقَدْ بَدَأ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الحَدِّ بِذِكْرِ المَرْأةِ فَقالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَفِي اللِّعانِ بِذِكْرِ الزَّوْجِ، وهَذا في غايَةِ المُناسَبَةِ؛ لِأنَّ الزِّنى مِنَ المَرْأةِ أقْبَحُ مِنهُ بِالرَّجُلِ، لِأنَّها تَزِيدُ عَلى هَتْكِ حَقِّ اللَّهِ إفْسادَ فِراشِ بَعْلِها وتَعْلِيقَ نَسَبٍ مِن غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وفَضِيحَةَ أهْلِها وأقارِبِها، والجِنايَةَ عَلى مَحْضِ حَقِّ الزَّوْجِ، وخِيانَتَهُ فِيهِ، وإسْقاطَ حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وتَعْيِيرَهُ بِإمْساكِ البَغِيِّ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن مَفاسِدِ زِناها، فَكانَتِ البُداءَةُ بِها في الحَدِّ أهَمَّ، وأمّا اللِّعانُ فالزَّوْجُ هو الَّذِي قَذَفَها وعَرَّضَها لِلِّعانِ، وهَتَكَ عِرْضَها، ورَماها بِالعَظِيمَةِ، وفَضَحَها عِنْدَ قَوْمِها وأهْلِها، ولِهَذا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إذا لَمْ يُلاعِنْ، فَكانَتِ البُداءَةُ بِهِ في اللِّعانِ أوْلى مِنَ البُداءَةِ بِها. [فصل لا يُقْبَلُ مِنهُما أقَلُّ مِن خَمْسِ مَرّاتٍ] وَمِنها: أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنَ الرَّجُلِ أقَلُّ مِن خَمْسِ مَرّاتٍ، ولا مِنَ المَرْأةِ، ولا يُقْبَلُ مِنهُ إبْدالُ اللَّعْنَةِ بِالغَضَبِ والإبْعادِ والسَّخَطِ، ولا مِنها إبْدالُ الغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ والإبْعادِ والسَّخَطِ، بَلْ يَأْتِي كُلٌّ مِنهُما بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِن ذَلِكَ شَرْعًا وقَدْرًا، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد ومالك وغَيْرِهِما. وَمِنها: أنَّهُ لا يَفْتَقِرُ أنْ يَزِيدَ عَلى الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ شَيْئًا، بَلْ لا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، فَلا يَحْتاجُ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِنَ العَلانِيَةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِيهِ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، وهي تَقُولُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، ولا يَحْتاجُ أنْ يَقُولَ: فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنى، ولا أنْ تَقُولَ هِيَ: إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَقُولَ إذا ادَّعى الرُّؤْيَةَ: رَأيْتُها تَزْنِي كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، ولا أصْلَ لِذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كَفانا بِما شَرَعَهُ لَنا وأمَرَنا بِهِ عَنْ تَكَلُّفِ زِيادَةٍ عَلَيْهِ.

النور 24:7

(فصل) فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعانِ. وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: أبْصِرُوها؛ فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدْلَجَ السّاقَيْنِ فَهو لِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، وإنْ جاءَتْ بِهِ كَذا وكَذا فَهو لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ المَكْرُوهِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ» يُرِيدُ - واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ - بِكِتابِ اللَّهِ قَوْله تَعالى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ وَيُرِيدُ بِالشَّأْنِ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ كانَ يَحُدُّها لِمُشابِهَةِ ولَدِها لِلرَّجُلِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ، ولَكِنَّ كِتابَ اللَّهِ فَصَّلَ الحُكُومَةَ، وأسْقَطَ كُلَّ قَوْلٍ وراءَهُ، ولَمْ يَبْقَ لِلِاجْتِهادِ بَعْدَهُ مَوْقِعٌ. (فائدة) وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أيْمانَ اللِّعانِ مِن جانِبِ الزَّوْجِ أوَّلًا، فَإذا نَكَلَتْ المَرْأةُ عَنْ مُعارَضَةِ أيْمانِهِ بِأيْمانِها وجَبَ عَلَيْها العَذابُ بِالحَدِّ، وهو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ المُدَّعِيَ لَمّا تَرَجَّحَ جانِبُهُ بِالشّاهِدِ الواحِدِ شُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جِهَتِهِ، وكَذَلِكَ أوْلِياءُ الدَّمِ تَرَجَّحَ جانِبُهم بِاللَّوَثِ فَشُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جِهَتِهِمْ وأُكِّدَتْ بِالعَدَدِ تَعْظِيمًا لِخَطَرِ النَّفْسِ، وكَذَلِكَ الزَّوْجُ في اللِّعانِ جانِبُهُ أرْجَحُ مِن جانِبِ المَرْأةِ قَطْعًا، فَإنَّ إقْدامَهُ عَلى إتْلافِ فِراشِهِ، ورَمْيِها بِالفاحِشَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وتَعْرِيضَ نَفْسِهِ لِعُقُوبَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفَضِيحَةَ أهْلِهِ ونَفْسِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، مِمّا يَأْباهُ طِباعُ العُقَلاءِ، وتَنْفِرُ عَنْهُ نُفُوسُهُمْ، لَوْلا أنَّ الزَّوْجَةَ اضْطَرَّتْهُ بِما رَآهُ وتَيَقَّنَهُ مِنها إلى ذَلِكَ؛ فَجانِبُهُ أقْوى مِن جانِبِ المَرْأةِ قَطْعًا، فَشُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جانِبِهِ، ولِهَذا كانَ القَتْلُ في القَسامَةِ واللِّعانِ وهو قَوْلُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ فَأمّا فُقَهاءُ العِراقِ فَلا يَقْتُلُونَ لا بِهَذا ولا بِهَذا، وأحْمَدُ يَقْتُلُ بِالقَسامَةِ دُونَ اللِّعانِ. والشّافِعِيُّ يَقْتُلُ بِاللِّعانِ دُونَ القَسامَةِ. وَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا ما يُعارِضُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «لَوْ يُعْطى النّاسُ بِدَعْواهم لادَّعى قَوْمٌ دِماءَ قَوْمٍ وأمْوالِهِمْ، ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ» فَإنَّ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُدَّعِي إلّا مُجَرَّدُ الدَّعْوى، فَإنَّهُ لا يَقْضِي لَهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوى، فَأمّا إذا تَرَجَّحَ جانِبُهُ بِشاهِدٍ أوْ لَوَثٍ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْواهُ، بَلْ بِالشّاهِدِ المُجْتَمَعِ مِن تَرْجِيحِ جانِبِهِ ومِن اليَمِينِ؛ وقَدْ حَكَمَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُد - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإحْدى المَرْأتَيْنِ بِالوَلَدِ لِتَرَجُّحِ جانِبِها بِالشَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ وإيثارِها لِحَياتِهِ ورَضِيَ الأُخْرى بِقَتْلِهِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى إقْرارِها لِلْأُخْرى بِهِ. وَقَوْلُهُ: " هو ابْنُها " ولِهَذا كانَ مِن تَراجُمِ الأئِمَّةِ عَلى هَذا الحَدِيثِ " التَّوْسِعَةُ لِلْحاكِمِ أنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ أفْعَلُ " لِيَسْتَبِينَ بِهِ الحَقَّ، ثُمَّ تَرْجَمَ تَرْجَمَةً أُخْرى أحْسَنَ مِن هَذِهِ وأفْقَهَ فَقالَ: " الحُكْمُ بِخِلافِ ما يَعْتَرِفُ بِهِ المَحْكُومُ لَهُ إذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّ الحَقَّ غَيْرُ ما اعْتَرَفَ بِهِ " فَهَكَذا يَكُونُ فَهْمُ الأئِمَّةِ مِن النُّصُوصِ واسْتِنْباطِ الأحْكامِ الَّتِي تَشْهَدُ العُقُولُ والفِطَرُ بِها مِنها؛ ولَعَمْرُ اللَّهِ إنّ هَذا العِلْمُ النّافِعُ لا خَرْصَ الآراءِ وتَخْمِينَ الظُّنُونِ. وقال في (الطرق الحكمية) لَمْ يحكم عَلى المَرْأةِ في اللِّعانِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِها دُونَ يَمِينِ الزَّوْجِ، فَإذا حَلَفَ الزَّوْجُ، ونَكَلَتْ عَنْ اليَمِينِ، حَكَمَ عَلَيْها: إمّا بِالحَبْسِ حَتّى تُقِرَّ أوْ تُلاعَنَ كَما يَقُولُ أحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ، وإمّا بِالحَدِّ كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ. وَهُوَ الرّاجِحُ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إنّما دَرَأ عَنْها العَذابَ بِشَهادَتِها أرْبَعُ شَهاداتٍ: والعَذابُ المَدْرُوءُ عَنْها بِالتِعانِها هو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَهُوَ عَذابُ الحَدِّ. ولِهَذا ذَكَرَهُ مُعَرَّفًا فاللّامُ العَهْدِ، فَعُلِمَ أنَّ العَذابَ هو العَذابُ المَعْهُودُ ذِكْرُهُ أوَّلًا. ولِهَذا بُدِئَ أوَّلًا بِأيْمانِ الزَّوْجِ لِقُوَّةِ جانِبِهِ، ومُكِّنَتْ المَرْأةُ مِن أنْ تُعارِضَ إيمانَهُ بِأيْمانِها، فَإذا نَكَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِأيْمانِهِ ما يُعارِضُها، فَعَمِلَتْ عَمَلَها، وقَوّاها نُكُولُ المَرْأةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها بِأيْمانِهِ ونُكُولِها. فَإنْ قِيلَ: فَكانَ مِن المُمْكِنِ أنْ يَبْدَأ بِأيْمانِها، فَإنْ نَكَلَتْ حَلَفَ الزَّوْجُ وحُدَّتْ، كَما إذا ادَّعى عَلَيْهِ حَقًّا، فَنَكَلَ عَنْ اليَمِينِ، فَإنَّها تُرَدُّ عَلى المُدَّعِي، ويَقْضِي لَهُ، فَهَلّا شُرِعَ اللِّعانُ كَذَلِكَ والمَرْأةُ هي المُدَّعى عَلَيْها؟ بَلْ شُرِعَتْ اليَمِينُ في جانِبِ المُدَّعِي أوَّلًا، وهَذا لا نَظِيرَ لَهُ في الدَّعاوى. قِيلَ: لَمّا كانَ الزَّوْجُ قاذِفًا لَها كانَ مُوجِبُ قَذْفِهِ أنْ يَحُدَّ لَها، فَمُكِّنَ أنْ يَدْفَعَ الحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِالتِعانِهِ، ثُمَّ طُولِبَتْ هي بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تُقِرَّ أوْ تُلاعِنَ. فَإنْ أقَرَّتْ حُدَّتْ، وإنْ أنْكَرَتْ والتَعَنَتْ دَرَأتْ عَنْها الحَدَّ بِلِعانِها، كَما لَهُ أنْ يَدْرَأ الحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِلِعانِهِ. وَكانَتْ البُداءَةُ بِهِ أوْلى لِأنَّهُ مُدَّعٍ، وأيْمانُهُ قائِمَةٌ مَقامَ البَيِّنَةِ. وَلَكِنْ لَمّا كانَتْ دُونَ الشُّهُودِ الأرْبَعَةِ في القُوَّةِ مُكِّنَتْ المَرْأةُ مِن دَفْعِها بِأيْمانِها. فَإذا أبَتْ أنْ تَدْفَعَها تَرَجَّحَ جانِبُهُ، فَوَجَبَ عَلَيْها الحَدُّ، فَلَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ التِعانِهِ، ولا بِمُجَرَّدِ نُكُولِها، بَلْ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. وأكَّدَتْ الأيْمانُ بِكَوْنِها أرْبَعًا، كَما أكَّدَتْ أيْمانُ المُدَّعِينَ في القَسامَةِ بِكَوْنِها خَمْسِينَ، ولِتَقُومَ الأيْمانُ مَقامَ الشُّهُودِ. وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهُوَ: أنَّهُ لا يُقْضى بِالنُّكُولِ، ولا بِالرَّدِّ، ولَكِنْ يُحْبَسُ المُدَّعى عَلَيْهِ حَتّى يُجِيبَ بِإقْرارٍ أوْ إنْكارٍ يَحْلِفُ مَعَهُ. وهَذا قَوْلٌ في مَذْهَبِ أحْمَدَ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى، فَإنَّهُ قالَ: لا أدْعُهُ حَتّى يُقِرَّ أوْ يَحْلِفَ. [حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في اللِّعانِ] قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ - والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ - ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ - والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أنَّ عويمرا العجلاني قالَ لعاصم بن عدي: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ وعابَها، حَتّى كَبُرَ عَلى عاصم ما سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّ عويمرا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: " قَدْ نَزَلَ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ فاذْهَبْ فَأْتِ بِها " فَتَلاعَنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا فَرَغا قالَ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». قالَ الزُّهْرِيُّ: فَكانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ المُتَلاعِنَيْنِ. قالَ سهل: وكانَتْ حامِلًا، وكانَ ابْنُها يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أنْ يَرِثَها وتَرِثَ مِنهُ ما فَرَضَ اللَّهُ لَها. وَفِي لَفْظٍ: «فَتَلاعَنا في المَسْجِدِ، فَفارَقَها عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ذاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْنِ» وَقَوْلُ سهل: وكانَتْ حامِلًا إلى آخِرِهِ، هو عِنْدَ البُخارِيِّ مِن قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، ولِلْبُخارِيِّ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْظُرُوا فَإنْ جاءَتْ بِهِ أسْحَمَ أدْعَجَ العَيْنَيْنِ عَظِيمَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَلا أحْسَبُ عويمرا إلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، وإنْ جاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأنَّهُ وحَرَةٌ، فَلا أحْسَبُ عويمرا إلّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْها " فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن تَصْدِيقِ عويمر» وَفِي لَفْظٍ: " وكانَتْ حامِلًا فَأنْكَرَ حَمْلَها وفي " صَحِيحِ مسلم " «مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ لَوْ وجَدَ أحَدُنا امْرَأتَهُ عَلى فاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأمْرِ عَظِيمٍ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ أتاهُ فَقالَ: إنَّ الَّذِي سَألْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَؤُلاءِ الآياتِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ ووَعَظَهُ وذَكَّرَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما كَذَبْتُ عَلَيْها، ثُمَّ دَعاها فَوَعَظَها وذَكَّرَها وأخْبَرَها أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَتْ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنَّهُ لَكاذِبٌ، فَبَدَأ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَرْأةِ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُما». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ " حِسابُكُما عَلى اللَّهِ أحَدُكُما كاذِبٌ، لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها " قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مالِي؟ قالَ لا مالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْها فَهو بِما اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِها، وإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْها فَهو أبْعَدُ لَكَ مِنها». وَفِي لَفْظٍ لَهُما: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ وقالَ: " واللَّهِ إنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ ".» وَفِيهِما عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وألْحَقَ الوَلَدَ بِأُمِّهِ» وفي " صَحِيحِ مسلم ": «مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ المُتَلاعِنَيْنِ، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَهْ " فَأبَتْ فَلَعَنَتْ، فَلَمّا أدْبَرَ قالَ: لَعَلَّها أنْ تَجِيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا " فَجاءَتْ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا». وَفِي " صَحِيحِ مسلم " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأتَهُ بشريك ابن سحماء - وكانَ أخا البَراءِ بْنِ مالِكٍ لِأُمِّهِ - وكانَ أوَّلَ رَجُلٍ لاعَنَ في الإسْلامِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ العَيْنَيْنِ فَهو لهلال بن أمية، وإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السّاقَيْنِ، فَهو لشريك ابن سحماء، قالَ: فَأُنْبِئْتُ أنَّها جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السّاقَيْنِ» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " «مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أهِيَ المَرْأةُ الَّتِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَوْ رَجَمْتُ أحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ "؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا، تِلْكَ امْرَأةٌ كانَتْ تُظْهِرُ في الإسْلامِ السُّوءَ». ولأبي داود في هَذا الحَدِيثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وقَضى أنْ لا يُدْعى ولَدُها لِأبٍ، ولا تُرْمى ولا يُرْمى ولَدُها، ومَن رَماها أوْ رَمى ولَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وقَضى ألّا بَيْتَ لَها عَلَيْهِ ولا قُوتَ، مِن أجْلِ أنَّهُما يَتَفَرَّقانِ مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولا مُتَوَفًّى عَنْها». وَفِي القِصَّةِ، قالَ عكرمة: فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرًا عَلى مِصْرَ وما يُدْعى لِأبٍ. وَذَكَرَ البُخارِيُّ: «أنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بشريك ابن سحماء، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ " فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذا رَأى أحَدُنا عَلى امْرَأتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " البَيِّنَةُ وإلّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ "، فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنِّي لَصادِقٌ، ولَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم. .﴾ [النور: ٦] .. الآياتِ، فانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْها، فَجاءَ هلال فَشَهِدَ، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ " فَشَهِدَتْ، فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الخامِسَةِ وقَّفُوها وقالُوا: إنَّها مُوجِبَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَتَلَكَّأتْ ونَكَصَتْ حَتّى ظَنَنّا أنَّها تَرْجِعُ، ثُمَّ قالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْمِ فَمَضَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ فَهو لشريك ابن سحماء " فَجاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ كانَ لِي ولَها شَأْنٌ)» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا، فَقالَ سعد: بَلى والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اسْمَعُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ». وفي لَفْظٍ آخَرَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ قالَ: " نَعَمْ». وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «لَوْ وجَدْتُ مَعَ أهْلِي رَجُلًا لَمْ أُهِجْهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " نَعَمْ "، قالَ كَلّا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا إنْ كُنْتُ لَأُعاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اسْمَعُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إنَّهُ لَغَيُورٌ، وأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي». وَفِي لَفْظٍ: «لَوْ رَأيْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَواللَّهِ لَأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي، ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ المُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» [فَصْلٌ: حِكْمَةُ شَرْعِ اللِّعانِ في حَقِّ الزَّوْجَةِ دُونَ غَيْرِها] وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ لِلْقاذِفِ إسْقاطَ الحَدِّ بِاللِّعانِ في الزَّوْجَةِ دُونَ الأجْنَبِيَّةِ، وكِلاهُما قَدْ ألْحَقَ بِهِما العارَ " فَهَذا مِن أعْظَمِ مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإنَّ قاذِفَ الأجْنَبِيَّةِ مُسْتَغْنٍ عَنْ قَذْفِها، لا حاجَةَ لَهُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ؛ فَإنَّ زِناها لا يَضُرُّهُ شَيْئًا، ولا يُفْسِدُ عَلَيْهِ فِراشَهُ، ولا يُعَلِّقُ عَلَيْهِ أوْلادًا مِن غَيْرِهِ، وقَذْفُها عُدْوانٌ مَحْضٌ، وأذًى لِمُحْصَنَةٍ غافِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحَدُّ زَجْرًا لَهُ وعُقُوبَةً، وأمّا الزَّوْجُ فَإنَّهُ يَلْحَقُهُ بِزِناها مِن العارِ والمَسَبَّةِ وإفْسادِ الفِراشِ وإلْحاقِ ولَدِ غَيْرِهِ بِهِ، وانْصِرافِ قَلْبِها عَنْهُ إلى غَيْرِهِ؛ فَهو مُحْتاجٌ إلى قَذْفِها، ونَفْيِ النَّسَبِ الفاسِدِ عَنْهُ، وتَخَلُّصِهِ مِن المِسَبَّةِ والعارِ؛ لِكَوْنِهِ زَوْجَ بَغْيٍ فاجِرَةٍ، ولا يُمْكِنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عَلى زِناها في الغالِبِ، وهي لا تُقِرُّ بِهِ، وقَوْلُ الزَّوْجِ عَلَيْها غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ فَلَمْ يَبْقَ سِوى تَحالُفِها بِأغْلَظِ الإيمانِ، وتَأْكِيدِها بِدُعائِهِ عَلى نَفْسِهِ بِاللَّعْنَةِ ودُعائِها عَلى نَفْسِها بِالغَضَبِ إنْ كانا كاذِبَيْنِ. ثُمَّ يَفْسَخُ النِّكاحَ بَيْنَهُما؛ إذْ لا يُمْكِنُ أحَدُهُما أنْ يَصْفُوَ لِلْآخَرِ أبَدًا؛ فَهَذا أحْسَنُ حُكْمٍ يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَهُما في الدُّنْيا، ولَيْسَ بَعْدَهُ أعْدَلُ مِنهُ، ولا أحْكَمُ، ولا أصْلَحُ، ولَوْ جُمِعَتْ عُقُولُ العالَمِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، فَتَبارَكَ مَن أبانَ رُبُوبِيَّتَهُ ووَحْدانِيَّتَهُ وحِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ في شَرْعِهِ وخَلْقِهِ. [فصل البُداءَةُ بِالرَّجُلِ في اللِّعانِ] وَمِنها: البُداءَةُ بِالرَّجُلِ في اللِّعانِ، كَما بَدَأ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولُهُ بِهِ، فَلَوْ بَدَأتْ هي لَمْ يُعْتَدَّ بِلِعانِها عِنْدَ الجُمْهُورِ، واعْتَدَّ بِهِ أبو حنيفة. وقَدْ بَدَأ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الحَدِّ بِذِكْرِ المَرْأةِ فَقالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَفِي اللِّعانِ بِذِكْرِ الزَّوْجِ، وهَذا في غايَةِ المُناسَبَةِ؛ لِأنَّ الزِّنى مِنَ المَرْأةِ أقْبَحُ مِنهُ بِالرَّجُلِ، لِأنَّها تَزِيدُ عَلى هَتْكِ حَقِّ اللَّهِ إفْسادَ فِراشِ بَعْلِها وتَعْلِيقَ نَسَبٍ مِن غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وفَضِيحَةَ أهْلِها وأقارِبِها، والجِنايَةَ عَلى مَحْضِ حَقِّ الزَّوْجِ، وخِيانَتَهُ فِيهِ، وإسْقاطَ حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وتَعْيِيرَهُ بِإمْساكِ البَغِيِّ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن مَفاسِدِ زِناها، فَكانَتِ البُداءَةُ بِها في الحَدِّ أهَمَّ، وأمّا اللِّعانُ فالزَّوْجُ هو الَّذِي قَذَفَها وعَرَّضَها لِلِّعانِ، وهَتَكَ عِرْضَها، ورَماها بِالعَظِيمَةِ، وفَضَحَها عِنْدَ قَوْمِها وأهْلِها، ولِهَذا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إذا لَمْ يُلاعِنْ، فَكانَتِ البُداءَةُ بِهِ في اللِّعانِ أوْلى مِنَ البُداءَةِ بِها. [فصل لا يُقْبَلُ مِنهُما أقَلُّ مِن خَمْسِ مَرّاتٍ] وَمِنها: أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنَ الرَّجُلِ أقَلُّ مِن خَمْسِ مَرّاتٍ، ولا مِنَ المَرْأةِ، ولا يُقْبَلُ مِنهُ إبْدالُ اللَّعْنَةِ بِالغَضَبِ والإبْعادِ والسَّخَطِ، ولا مِنها إبْدالُ الغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ والإبْعادِ والسَّخَطِ، بَلْ يَأْتِي كُلٌّ مِنهُما بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِن ذَلِكَ شَرْعًا وقَدْرًا، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد ومالك وغَيْرِهِما. وَمِنها: أنَّهُ لا يَفْتَقِرُ أنْ يَزِيدَ عَلى الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ شَيْئًا، بَلْ لا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، فَلا يَحْتاجُ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِنَ العَلانِيَةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِيهِ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، وهي تَقُولُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، ولا يَحْتاجُ أنْ يَقُولَ: فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنى، ولا أنْ تَقُولَ هِيَ: إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَقُولَ إذا ادَّعى الرُّؤْيَةَ: رَأيْتُها تَزْنِي كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، ولا أصْلَ لِذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كَفانا بِما شَرَعَهُ لَنا وأمَرَنا بِهِ عَنْ تَكَلُّفِ زِيادَةٍ عَلَيْهِ.

النور 24:8

(فصل) فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعانِ. وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: أبْصِرُوها؛ فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدْلَجَ السّاقَيْنِ فَهو لِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، وإنْ جاءَتْ بِهِ كَذا وكَذا فَهو لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ المَكْرُوهِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ» يُرِيدُ - واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ - بِكِتابِ اللَّهِ قَوْله تَعالى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ وَيُرِيدُ بِالشَّأْنِ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ كانَ يَحُدُّها لِمُشابِهَةِ ولَدِها لِلرَّجُلِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ، ولَكِنَّ كِتابَ اللَّهِ فَصَّلَ الحُكُومَةَ، وأسْقَطَ كُلَّ قَوْلٍ وراءَهُ، ولَمْ يَبْقَ لِلِاجْتِهادِ بَعْدَهُ مَوْقِعٌ. (فائدة) وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أيْمانَ اللِّعانِ مِن جانِبِ الزَّوْجِ أوَّلًا، فَإذا نَكَلَتْ المَرْأةُ عَنْ مُعارَضَةِ أيْمانِهِ بِأيْمانِها وجَبَ عَلَيْها العَذابُ بِالحَدِّ، وهو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ المُدَّعِيَ لَمّا تَرَجَّحَ جانِبُهُ بِالشّاهِدِ الواحِدِ شُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جِهَتِهِ، وكَذَلِكَ أوْلِياءُ الدَّمِ تَرَجَّحَ جانِبُهم بِاللَّوَثِ فَشُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جِهَتِهِمْ وأُكِّدَتْ بِالعَدَدِ تَعْظِيمًا لِخَطَرِ النَّفْسِ، وكَذَلِكَ الزَّوْجُ في اللِّعانِ جانِبُهُ أرْجَحُ مِن جانِبِ المَرْأةِ قَطْعًا، فَإنَّ إقْدامَهُ عَلى إتْلافِ فِراشِهِ، ورَمْيِها بِالفاحِشَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وتَعْرِيضَ نَفْسِهِ لِعُقُوبَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفَضِيحَةَ أهْلِهِ ونَفْسِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، مِمّا يَأْباهُ طِباعُ العُقَلاءِ، وتَنْفِرُ عَنْهُ نُفُوسُهُمْ، لَوْلا أنَّ الزَّوْجَةَ اضْطَرَّتْهُ بِما رَآهُ وتَيَقَّنَهُ مِنها إلى ذَلِكَ؛ فَجانِبُهُ أقْوى مِن جانِبِ المَرْأةِ قَطْعًا، فَشُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جانِبِهِ، ولِهَذا كانَ القَتْلُ في القَسامَةِ واللِّعانِ وهو قَوْلُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ فَأمّا فُقَهاءُ العِراقِ فَلا يَقْتُلُونَ لا بِهَذا ولا بِهَذا، وأحْمَدُ يَقْتُلُ بِالقَسامَةِ دُونَ اللِّعانِ. والشّافِعِيُّ يَقْتُلُ بِاللِّعانِ دُونَ القَسامَةِ. وَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا ما يُعارِضُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «لَوْ يُعْطى النّاسُ بِدَعْواهم لادَّعى قَوْمٌ دِماءَ قَوْمٍ وأمْوالِهِمْ، ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ» فَإنَّ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُدَّعِي إلّا مُجَرَّدُ الدَّعْوى، فَإنَّهُ لا يَقْضِي لَهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوى، فَأمّا إذا تَرَجَّحَ جانِبُهُ بِشاهِدٍ أوْ لَوَثٍ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْواهُ، بَلْ بِالشّاهِدِ المُجْتَمَعِ مِن تَرْجِيحِ جانِبِهِ ومِن اليَمِينِ؛ وقَدْ حَكَمَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُد - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإحْدى المَرْأتَيْنِ بِالوَلَدِ لِتَرَجُّحِ جانِبِها بِالشَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ وإيثارِها لِحَياتِهِ ورَضِيَ الأُخْرى بِقَتْلِهِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى إقْرارِها لِلْأُخْرى بِهِ. وَقَوْلُهُ: " هو ابْنُها " ولِهَذا كانَ مِن تَراجُمِ الأئِمَّةِ عَلى هَذا الحَدِيثِ " التَّوْسِعَةُ لِلْحاكِمِ أنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ أفْعَلُ " لِيَسْتَبِينَ بِهِ الحَقَّ، ثُمَّ تَرْجَمَ تَرْجَمَةً أُخْرى أحْسَنَ مِن هَذِهِ وأفْقَهَ فَقالَ: " الحُكْمُ بِخِلافِ ما يَعْتَرِفُ بِهِ المَحْكُومُ لَهُ إذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّ الحَقَّ غَيْرُ ما اعْتَرَفَ بِهِ " فَهَكَذا يَكُونُ فَهْمُ الأئِمَّةِ مِن النُّصُوصِ واسْتِنْباطِ الأحْكامِ الَّتِي تَشْهَدُ العُقُولُ والفِطَرُ بِها مِنها؛ ولَعَمْرُ اللَّهِ إنّ هَذا العِلْمُ النّافِعُ لا خَرْصَ الآراءِ وتَخْمِينَ الظُّنُونِ. وقال في (الطرق الحكمية) لَمْ يحكم عَلى المَرْأةِ في اللِّعانِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِها دُونَ يَمِينِ الزَّوْجِ، فَإذا حَلَفَ الزَّوْجُ، ونَكَلَتْ عَنْ اليَمِينِ، حَكَمَ عَلَيْها: إمّا بِالحَبْسِ حَتّى تُقِرَّ أوْ تُلاعَنَ كَما يَقُولُ أحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ، وإمّا بِالحَدِّ كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ. وَهُوَ الرّاجِحُ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إنّما دَرَأ عَنْها العَذابَ بِشَهادَتِها أرْبَعُ شَهاداتٍ: والعَذابُ المَدْرُوءُ عَنْها بِالتِعانِها هو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَهُوَ عَذابُ الحَدِّ. ولِهَذا ذَكَرَهُ مُعَرَّفًا فاللّامُ العَهْدِ، فَعُلِمَ أنَّ العَذابَ هو العَذابُ المَعْهُودُ ذِكْرُهُ أوَّلًا. ولِهَذا بُدِئَ أوَّلًا بِأيْمانِ الزَّوْجِ لِقُوَّةِ جانِبِهِ، ومُكِّنَتْ المَرْأةُ مِن أنْ تُعارِضَ إيمانَهُ بِأيْمانِها، فَإذا نَكَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِأيْمانِهِ ما يُعارِضُها، فَعَمِلَتْ عَمَلَها، وقَوّاها نُكُولُ المَرْأةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها بِأيْمانِهِ ونُكُولِها. فَإنْ قِيلَ: فَكانَ مِن المُمْكِنِ أنْ يَبْدَأ بِأيْمانِها، فَإنْ نَكَلَتْ حَلَفَ الزَّوْجُ وحُدَّتْ، كَما إذا ادَّعى عَلَيْهِ حَقًّا، فَنَكَلَ عَنْ اليَمِينِ، فَإنَّها تُرَدُّ عَلى المُدَّعِي، ويَقْضِي لَهُ، فَهَلّا شُرِعَ اللِّعانُ كَذَلِكَ والمَرْأةُ هي المُدَّعى عَلَيْها؟ بَلْ شُرِعَتْ اليَمِينُ في جانِبِ المُدَّعِي أوَّلًا، وهَذا لا نَظِيرَ لَهُ في الدَّعاوى. قِيلَ: لَمّا كانَ الزَّوْجُ قاذِفًا لَها كانَ مُوجِبُ قَذْفِهِ أنْ يَحُدَّ لَها، فَمُكِّنَ أنْ يَدْفَعَ الحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِالتِعانِهِ، ثُمَّ طُولِبَتْ هي بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تُقِرَّ أوْ تُلاعِنَ. فَإنْ أقَرَّتْ حُدَّتْ، وإنْ أنْكَرَتْ والتَعَنَتْ دَرَأتْ عَنْها الحَدَّ بِلِعانِها، كَما لَهُ أنْ يَدْرَأ الحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِلِعانِهِ. وَكانَتْ البُداءَةُ بِهِ أوْلى لِأنَّهُ مُدَّعٍ، وأيْمانُهُ قائِمَةٌ مَقامَ البَيِّنَةِ. وَلَكِنْ لَمّا كانَتْ دُونَ الشُّهُودِ الأرْبَعَةِ في القُوَّةِ مُكِّنَتْ المَرْأةُ مِن دَفْعِها بِأيْمانِها. فَإذا أبَتْ أنْ تَدْفَعَها تَرَجَّحَ جانِبُهُ، فَوَجَبَ عَلَيْها الحَدُّ، فَلَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ التِعانِهِ، ولا بِمُجَرَّدِ نُكُولِها، بَلْ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. وأكَّدَتْ الأيْمانُ بِكَوْنِها أرْبَعًا، كَما أكَّدَتْ أيْمانُ المُدَّعِينَ في القَسامَةِ بِكَوْنِها خَمْسِينَ، ولِتَقُومَ الأيْمانُ مَقامَ الشُّهُودِ. وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهُوَ: أنَّهُ لا يُقْضى بِالنُّكُولِ، ولا بِالرَّدِّ، ولَكِنْ يُحْبَسُ المُدَّعى عَلَيْهِ حَتّى يُجِيبَ بِإقْرارٍ أوْ إنْكارٍ يَحْلِفُ مَعَهُ. وهَذا قَوْلٌ في مَذْهَبِ أحْمَدَ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى، فَإنَّهُ قالَ: لا أدْعُهُ حَتّى يُقِرَّ أوْ يَحْلِفَ. [حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في اللِّعانِ] قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ - والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ - ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ - والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أنَّ عويمرا العجلاني قالَ لعاصم بن عدي: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ وعابَها، حَتّى كَبُرَ عَلى عاصم ما سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّ عويمرا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: " قَدْ نَزَلَ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ فاذْهَبْ فَأْتِ بِها " فَتَلاعَنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا فَرَغا قالَ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». قالَ الزُّهْرِيُّ: فَكانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ المُتَلاعِنَيْنِ. قالَ سهل: وكانَتْ حامِلًا، وكانَ ابْنُها يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أنْ يَرِثَها وتَرِثَ مِنهُ ما فَرَضَ اللَّهُ لَها. وَفِي لَفْظٍ: «فَتَلاعَنا في المَسْجِدِ، فَفارَقَها عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ذاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْنِ» وَقَوْلُ سهل: وكانَتْ حامِلًا إلى آخِرِهِ، هو عِنْدَ البُخارِيِّ مِن قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، ولِلْبُخارِيِّ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْظُرُوا فَإنْ جاءَتْ بِهِ أسْحَمَ أدْعَجَ العَيْنَيْنِ عَظِيمَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَلا أحْسَبُ عويمرا إلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، وإنْ جاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأنَّهُ وحَرَةٌ، فَلا أحْسَبُ عويمرا إلّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْها " فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن تَصْدِيقِ عويمر» وَفِي لَفْظٍ: " وكانَتْ حامِلًا فَأنْكَرَ حَمْلَها وفي " صَحِيحِ مسلم " «مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ لَوْ وجَدَ أحَدُنا امْرَأتَهُ عَلى فاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأمْرِ عَظِيمٍ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ أتاهُ فَقالَ: إنَّ الَّذِي سَألْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَؤُلاءِ الآياتِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ ووَعَظَهُ وذَكَّرَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما كَذَبْتُ عَلَيْها، ثُمَّ دَعاها فَوَعَظَها وذَكَّرَها وأخْبَرَها أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَتْ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنَّهُ لَكاذِبٌ، فَبَدَأ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَرْأةِ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُما». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ " حِسابُكُما عَلى اللَّهِ أحَدُكُما كاذِبٌ، لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها " قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مالِي؟ قالَ لا مالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْها فَهو بِما اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِها، وإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْها فَهو أبْعَدُ لَكَ مِنها». وَفِي لَفْظٍ لَهُما: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ وقالَ: " واللَّهِ إنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ ".» وَفِيهِما عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وألْحَقَ الوَلَدَ بِأُمِّهِ» وفي " صَحِيحِ مسلم ": «مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ المُتَلاعِنَيْنِ، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَهْ " فَأبَتْ فَلَعَنَتْ، فَلَمّا أدْبَرَ قالَ: لَعَلَّها أنْ تَجِيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا " فَجاءَتْ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا». وَفِي " صَحِيحِ مسلم " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأتَهُ بشريك ابن سحماء - وكانَ أخا البَراءِ بْنِ مالِكٍ لِأُمِّهِ - وكانَ أوَّلَ رَجُلٍ لاعَنَ في الإسْلامِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ العَيْنَيْنِ فَهو لهلال بن أمية، وإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السّاقَيْنِ، فَهو لشريك ابن سحماء، قالَ: فَأُنْبِئْتُ أنَّها جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السّاقَيْنِ» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " «مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أهِيَ المَرْأةُ الَّتِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَوْ رَجَمْتُ أحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ "؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا، تِلْكَ امْرَأةٌ كانَتْ تُظْهِرُ في الإسْلامِ السُّوءَ». ولأبي داود في هَذا الحَدِيثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وقَضى أنْ لا يُدْعى ولَدُها لِأبٍ، ولا تُرْمى ولا يُرْمى ولَدُها، ومَن رَماها أوْ رَمى ولَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وقَضى ألّا بَيْتَ لَها عَلَيْهِ ولا قُوتَ، مِن أجْلِ أنَّهُما يَتَفَرَّقانِ مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولا مُتَوَفًّى عَنْها». وَفِي القِصَّةِ، قالَ عكرمة: فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرًا عَلى مِصْرَ وما يُدْعى لِأبٍ. وَذَكَرَ البُخارِيُّ: «أنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بشريك ابن سحماء، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ " فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذا رَأى أحَدُنا عَلى امْرَأتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " البَيِّنَةُ وإلّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ "، فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنِّي لَصادِقٌ، ولَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم. .﴾ [النور: ٦] .. الآياتِ، فانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْها، فَجاءَ هلال فَشَهِدَ، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ " فَشَهِدَتْ، فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الخامِسَةِ وقَّفُوها وقالُوا: إنَّها مُوجِبَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَتَلَكَّأتْ ونَكَصَتْ حَتّى ظَنَنّا أنَّها تَرْجِعُ، ثُمَّ قالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْمِ فَمَضَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ فَهو لشريك ابن سحماء " فَجاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ كانَ لِي ولَها شَأْنٌ)» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا، فَقالَ سعد: بَلى والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اسْمَعُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ». وفي لَفْظٍ آخَرَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ قالَ: " نَعَمْ». وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «لَوْ وجَدْتُ مَعَ أهْلِي رَجُلًا لَمْ أُهِجْهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " نَعَمْ "، قالَ كَلّا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا إنْ كُنْتُ لَأُعاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اسْمَعُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إنَّهُ لَغَيُورٌ، وأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي». وَفِي لَفْظٍ: «لَوْ رَأيْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَواللَّهِ لَأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي، ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ المُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» [فَصْلٌ: حِكْمَةُ شَرْعِ اللِّعانِ في حَقِّ الزَّوْجَةِ دُونَ غَيْرِها] وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ لِلْقاذِفِ إسْقاطَ الحَدِّ بِاللِّعانِ في الزَّوْجَةِ دُونَ الأجْنَبِيَّةِ، وكِلاهُما قَدْ ألْحَقَ بِهِما العارَ " فَهَذا مِن أعْظَمِ مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإنَّ قاذِفَ الأجْنَبِيَّةِ مُسْتَغْنٍ عَنْ قَذْفِها، لا حاجَةَ لَهُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ؛ فَإنَّ زِناها لا يَضُرُّهُ شَيْئًا، ولا يُفْسِدُ عَلَيْهِ فِراشَهُ، ولا يُعَلِّقُ عَلَيْهِ أوْلادًا مِن غَيْرِهِ، وقَذْفُها عُدْوانٌ مَحْضٌ، وأذًى لِمُحْصَنَةٍ غافِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحَدُّ زَجْرًا لَهُ وعُقُوبَةً، وأمّا الزَّوْجُ فَإنَّهُ يَلْحَقُهُ بِزِناها مِن العارِ والمَسَبَّةِ وإفْسادِ الفِراشِ وإلْحاقِ ولَدِ غَيْرِهِ بِهِ، وانْصِرافِ قَلْبِها عَنْهُ إلى غَيْرِهِ؛ فَهو مُحْتاجٌ إلى قَذْفِها، ونَفْيِ النَّسَبِ الفاسِدِ عَنْهُ، وتَخَلُّصِهِ مِن المِسَبَّةِ والعارِ؛ لِكَوْنِهِ زَوْجَ بَغْيٍ فاجِرَةٍ، ولا يُمْكِنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عَلى زِناها في الغالِبِ، وهي لا تُقِرُّ بِهِ، وقَوْلُ الزَّوْجِ عَلَيْها غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ فَلَمْ يَبْقَ سِوى تَحالُفِها بِأغْلَظِ الإيمانِ، وتَأْكِيدِها بِدُعائِهِ عَلى نَفْسِهِ بِاللَّعْنَةِ ودُعائِها عَلى نَفْسِها بِالغَضَبِ إنْ كانا كاذِبَيْنِ. ثُمَّ يَفْسَخُ النِّكاحَ بَيْنَهُما؛ إذْ لا يُمْكِنُ أحَدُهُما أنْ يَصْفُوَ لِلْآخَرِ أبَدًا؛ فَهَذا أحْسَنُ حُكْمٍ يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَهُما في الدُّنْيا، ولَيْسَ بَعْدَهُ أعْدَلُ مِنهُ، ولا أحْكَمُ، ولا أصْلَحُ، ولَوْ جُمِعَتْ عُقُولُ العالَمِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، فَتَبارَكَ مَن أبانَ رُبُوبِيَّتَهُ ووَحْدانِيَّتَهُ وحِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ في شَرْعِهِ وخَلْقِهِ. [فصل البُداءَةُ بِالرَّجُلِ في اللِّعانِ] وَمِنها: البُداءَةُ بِالرَّجُلِ في اللِّعانِ، كَما بَدَأ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولُهُ بِهِ، فَلَوْ بَدَأتْ هي لَمْ يُعْتَدَّ بِلِعانِها عِنْدَ الجُمْهُورِ، واعْتَدَّ بِهِ أبو حنيفة. وقَدْ بَدَأ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الحَدِّ بِذِكْرِ المَرْأةِ فَقالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَفِي اللِّعانِ بِذِكْرِ الزَّوْجِ، وهَذا في غايَةِ المُناسَبَةِ؛ لِأنَّ الزِّنى مِنَ المَرْأةِ أقْبَحُ مِنهُ بِالرَّجُلِ، لِأنَّها تَزِيدُ عَلى هَتْكِ حَقِّ اللَّهِ إفْسادَ فِراشِ بَعْلِها وتَعْلِيقَ نَسَبٍ مِن غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وفَضِيحَةَ أهْلِها وأقارِبِها، والجِنايَةَ عَلى مَحْضِ حَقِّ الزَّوْجِ، وخِيانَتَهُ فِيهِ، وإسْقاطَ حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وتَعْيِيرَهُ بِإمْساكِ البَغِيِّ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن مَفاسِدِ زِناها، فَكانَتِ البُداءَةُ بِها في الحَدِّ أهَمَّ، وأمّا اللِّعانُ فالزَّوْجُ هو الَّذِي قَذَفَها وعَرَّضَها لِلِّعانِ، وهَتَكَ عِرْضَها، ورَماها بِالعَظِيمَةِ، وفَضَحَها عِنْدَ قَوْمِها وأهْلِها، ولِهَذا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إذا لَمْ يُلاعِنْ، فَكانَتِ البُداءَةُ بِهِ في اللِّعانِ أوْلى مِنَ البُداءَةِ بِها. [فصل لا يُقْبَلُ مِنهُما أقَلُّ مِن خَمْسِ مَرّاتٍ] وَمِنها: أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنَ الرَّجُلِ أقَلُّ مِن خَمْسِ مَرّاتٍ، ولا مِنَ المَرْأةِ، ولا يُقْبَلُ مِنهُ إبْدالُ اللَّعْنَةِ بِالغَضَبِ والإبْعادِ والسَّخَطِ، ولا مِنها إبْدالُ الغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ والإبْعادِ والسَّخَطِ، بَلْ يَأْتِي كُلٌّ مِنهُما بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِن ذَلِكَ شَرْعًا وقَدْرًا، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد ومالك وغَيْرِهِما. وَمِنها: أنَّهُ لا يَفْتَقِرُ أنْ يَزِيدَ عَلى الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ شَيْئًا، بَلْ لا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، فَلا يَحْتاجُ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِنَ العَلانِيَةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِيهِ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، وهي تَقُولُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، ولا يَحْتاجُ أنْ يَقُولَ: فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنى، ولا أنْ تَقُولَ هِيَ: إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَقُولَ إذا ادَّعى الرُّؤْيَةَ: رَأيْتُها تَزْنِي كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، ولا أصْلَ لِذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كَفانا بِما شَرَعَهُ لَنا وأمَرَنا بِهِ عَنْ تَكَلُّفِ زِيادَةٍ عَلَيْهِ.

النور 24:9

(فصل) فِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ شَرِيكَ بْنَ سَحْماءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعانِ. وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: أبْصِرُوها؛ فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدْلَجَ السّاقَيْنِ فَهو لِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، وإنْ جاءَتْ بِهِ كَذا وكَذا فَهو لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ المَكْرُوهِ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ» يُرِيدُ - واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ - بِكِتابِ اللَّهِ قَوْله تَعالى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ وَيُرِيدُ بِالشَّأْنِ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ كانَ يَحُدُّها لِمُشابِهَةِ ولَدِها لِلرَّجُلِ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ، ولَكِنَّ كِتابَ اللَّهِ فَصَّلَ الحُكُومَةَ، وأسْقَطَ كُلَّ قَوْلٍ وراءَهُ، ولَمْ يَبْقَ لِلِاجْتِهادِ بَعْدَهُ مَوْقِعٌ. (فائدة) وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أيْمانَ اللِّعانِ مِن جانِبِ الزَّوْجِ أوَّلًا، فَإذا نَكَلَتْ المَرْأةُ عَنْ مُعارَضَةِ أيْمانِهِ بِأيْمانِها وجَبَ عَلَيْها العَذابُ بِالحَدِّ، وهو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ المُدَّعِيَ لَمّا تَرَجَّحَ جانِبُهُ بِالشّاهِدِ الواحِدِ شُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جِهَتِهِ، وكَذَلِكَ أوْلِياءُ الدَّمِ تَرَجَّحَ جانِبُهم بِاللَّوَثِ فَشُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جِهَتِهِمْ وأُكِّدَتْ بِالعَدَدِ تَعْظِيمًا لِخَطَرِ النَّفْسِ، وكَذَلِكَ الزَّوْجُ في اللِّعانِ جانِبُهُ أرْجَحُ مِن جانِبِ المَرْأةِ قَطْعًا، فَإنَّ إقْدامَهُ عَلى إتْلافِ فِراشِهِ، ورَمْيِها بِالفاحِشَةِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وتَعْرِيضَ نَفْسِهِ لِعُقُوبَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفَضِيحَةَ أهْلِهِ ونَفْسِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، مِمّا يَأْباهُ طِباعُ العُقَلاءِ، وتَنْفِرُ عَنْهُ نُفُوسُهُمْ، لَوْلا أنَّ الزَّوْجَةَ اضْطَرَّتْهُ بِما رَآهُ وتَيَقَّنَهُ مِنها إلى ذَلِكَ؛ فَجانِبُهُ أقْوى مِن جانِبِ المَرْأةِ قَطْعًا، فَشُرِعَتْ اليَمِينُ مِن جانِبِهِ، ولِهَذا كانَ القَتْلُ في القَسامَةِ واللِّعانِ وهو قَوْلُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ فَأمّا فُقَهاءُ العِراقِ فَلا يَقْتُلُونَ لا بِهَذا ولا بِهَذا، وأحْمَدُ يَقْتُلُ بِالقَسامَةِ دُونَ اللِّعانِ. والشّافِعِيُّ يَقْتُلُ بِاللِّعانِ دُونَ القَسامَةِ. وَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن هَذا ما يُعارِضُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «لَوْ يُعْطى النّاسُ بِدَعْواهم لادَّعى قَوْمٌ دِماءَ قَوْمٍ وأمْوالِهِمْ، ولَكِنَّ اليَمِينَ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ» فَإنَّ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُدَّعِي إلّا مُجَرَّدُ الدَّعْوى، فَإنَّهُ لا يَقْضِي لَهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوى، فَأمّا إذا تَرَجَّحَ جانِبُهُ بِشاهِدٍ أوْ لَوَثٍ أوْ غَيْرِهِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْواهُ، بَلْ بِالشّاهِدِ المُجْتَمَعِ مِن تَرْجِيحِ جانِبِهِ ومِن اليَمِينِ؛ وقَدْ حَكَمَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُد - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإحْدى المَرْأتَيْنِ بِالوَلَدِ لِتَرَجُّحِ جانِبِها بِالشَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ وإيثارِها لِحَياتِهِ ورَضِيَ الأُخْرى بِقَتْلِهِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى إقْرارِها لِلْأُخْرى بِهِ. وَقَوْلُهُ: " هو ابْنُها " ولِهَذا كانَ مِن تَراجُمِ الأئِمَّةِ عَلى هَذا الحَدِيثِ " التَّوْسِعَةُ لِلْحاكِمِ أنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ أفْعَلُ " لِيَسْتَبِينَ بِهِ الحَقَّ، ثُمَّ تَرْجَمَ تَرْجَمَةً أُخْرى أحْسَنَ مِن هَذِهِ وأفْقَهَ فَقالَ: " الحُكْمُ بِخِلافِ ما يَعْتَرِفُ بِهِ المَحْكُومُ لَهُ إذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّ الحَقَّ غَيْرُ ما اعْتَرَفَ بِهِ " فَهَكَذا يَكُونُ فَهْمُ الأئِمَّةِ مِن النُّصُوصِ واسْتِنْباطِ الأحْكامِ الَّتِي تَشْهَدُ العُقُولُ والفِطَرُ بِها مِنها؛ ولَعَمْرُ اللَّهِ إنّ هَذا العِلْمُ النّافِعُ لا خَرْصَ الآراءِ وتَخْمِينَ الظُّنُونِ. وقال في (الطرق الحكمية) لَمْ يحكم عَلى المَرْأةِ في اللِّعانِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِها دُونَ يَمِينِ الزَّوْجِ، فَإذا حَلَفَ الزَّوْجُ، ونَكَلَتْ عَنْ اليَمِينِ، حَكَمَ عَلَيْها: إمّا بِالحَبْسِ حَتّى تُقِرَّ أوْ تُلاعَنَ كَما يَقُولُ أحْمَدُ وأبُو حَنِيفَةَ، وإمّا بِالحَدِّ كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ. وَهُوَ الرّاجِحُ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إنّما دَرَأ عَنْها العَذابَ بِشَهادَتِها أرْبَعُ شَهاداتٍ: والعَذابُ المَدْرُوءُ عَنْها بِالتِعانِها هو العَذابُ المَذْكُورُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَهُوَ عَذابُ الحَدِّ. ولِهَذا ذَكَرَهُ مُعَرَّفًا فاللّامُ العَهْدِ، فَعُلِمَ أنَّ العَذابَ هو العَذابُ المَعْهُودُ ذِكْرُهُ أوَّلًا. ولِهَذا بُدِئَ أوَّلًا بِأيْمانِ الزَّوْجِ لِقُوَّةِ جانِبِهِ، ومُكِّنَتْ المَرْأةُ مِن أنْ تُعارِضَ إيمانَهُ بِأيْمانِها، فَإذا نَكَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِأيْمانِهِ ما يُعارِضُها، فَعَمِلَتْ عَمَلَها، وقَوّاها نُكُولُ المَرْأةِ، فَحَكَمَ عَلَيْها بِأيْمانِهِ ونُكُولِها. فَإنْ قِيلَ: فَكانَ مِن المُمْكِنِ أنْ يَبْدَأ بِأيْمانِها، فَإنْ نَكَلَتْ حَلَفَ الزَّوْجُ وحُدَّتْ، كَما إذا ادَّعى عَلَيْهِ حَقًّا، فَنَكَلَ عَنْ اليَمِينِ، فَإنَّها تُرَدُّ عَلى المُدَّعِي، ويَقْضِي لَهُ، فَهَلّا شُرِعَ اللِّعانُ كَذَلِكَ والمَرْأةُ هي المُدَّعى عَلَيْها؟ بَلْ شُرِعَتْ اليَمِينُ في جانِبِ المُدَّعِي أوَّلًا، وهَذا لا نَظِيرَ لَهُ في الدَّعاوى. قِيلَ: لَمّا كانَ الزَّوْجُ قاذِفًا لَها كانَ مُوجِبُ قَذْفِهِ أنْ يَحُدَّ لَها، فَمُكِّنَ أنْ يَدْفَعَ الحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِالتِعانِهِ، ثُمَّ طُولِبَتْ هي بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ تُقِرَّ أوْ تُلاعِنَ. فَإنْ أقَرَّتْ حُدَّتْ، وإنْ أنْكَرَتْ والتَعَنَتْ دَرَأتْ عَنْها الحَدَّ بِلِعانِها، كَما لَهُ أنْ يَدْرَأ الحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ بِلِعانِهِ. وَكانَتْ البُداءَةُ بِهِ أوْلى لِأنَّهُ مُدَّعٍ، وأيْمانُهُ قائِمَةٌ مَقامَ البَيِّنَةِ. وَلَكِنْ لَمّا كانَتْ دُونَ الشُّهُودِ الأرْبَعَةِ في القُوَّةِ مُكِّنَتْ المَرْأةُ مِن دَفْعِها بِأيْمانِها. فَإذا أبَتْ أنْ تَدْفَعَها تَرَجَّحَ جانِبُهُ، فَوَجَبَ عَلَيْها الحَدُّ، فَلَمْ تُحَدَّ بِمُجَرَّدِ التِعانِهِ، ولا بِمُجَرَّدِ نُكُولِها، بَلْ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. وأكَّدَتْ الأيْمانُ بِكَوْنِها أرْبَعًا، كَما أكَّدَتْ أيْمانُ المُدَّعِينَ في القَسامَةِ بِكَوْنِها خَمْسِينَ، ولِتَقُومَ الأيْمانُ مَقامَ الشُّهُودِ. وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهُوَ: أنَّهُ لا يُقْضى بِالنُّكُولِ، ولا بِالرَّدِّ، ولَكِنْ يُحْبَسُ المُدَّعى عَلَيْهِ حَتّى يُجِيبَ بِإقْرارٍ أوْ إنْكارٍ يَحْلِفُ مَعَهُ. وهَذا قَوْلٌ في مَذْهَبِ أحْمَدَ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لِأصْحابِ الشّافِعِيِّ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى، فَإنَّهُ قالَ: لا أدْعُهُ حَتّى يُقِرَّ أوْ يَحْلِفَ. [حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في اللِّعانِ] قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ - والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ - ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ - والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾. وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، «أنَّ عويمرا العجلاني قالَ لعاصم بن عدي: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ وعابَها، حَتّى كَبُرَ عَلى عاصم ما سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّ عويمرا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: " قَدْ نَزَلَ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ فاذْهَبْ فَأْتِ بِها " فَتَلاعَنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا فَرَغا قالَ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أمْسَكْتُها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ». قالَ الزُّهْرِيُّ: فَكانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ المُتَلاعِنَيْنِ. قالَ سهل: وكانَتْ حامِلًا، وكانَ ابْنُها يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أنْ يَرِثَها وتَرِثَ مِنهُ ما فَرَضَ اللَّهُ لَها. وَفِي لَفْظٍ: «فَتَلاعَنا في المَسْجِدِ، فَفارَقَها عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ذاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلاعِنَيْنِ» وَقَوْلُ سهل: وكانَتْ حامِلًا إلى آخِرِهِ، هو عِنْدَ البُخارِيِّ مِن قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، ولِلْبُخارِيِّ: ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْظُرُوا فَإنْ جاءَتْ بِهِ أسْحَمَ أدْعَجَ العَيْنَيْنِ عَظِيمَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ، فَلا أحْسَبُ عويمرا إلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، وإنْ جاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأنَّهُ وحَرَةٌ، فَلا أحْسَبُ عويمرا إلّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْها " فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن تَصْدِيقِ عويمر» وَفِي لَفْظٍ: " وكانَتْ حامِلًا فَأنْكَرَ حَمْلَها وفي " صَحِيحِ مسلم " «مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ لَوْ وجَدَ أحَدُنا امْرَأتَهُ عَلى فاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأمْرِ عَظِيمٍ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ أتاهُ فَقالَ: إنَّ الَّذِي سَألْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَؤُلاءِ الآياتِ في سُورَةِ النُّورِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ ووَعَظَهُ وذَكَّرَهُ، وأخْبَرَهُ أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما كَذَبْتُ عَلَيْها، ثُمَّ دَعاها فَوَعَظَها وذَكَّرَها وأخْبَرَها أنَّ عَذابَ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، قالَتْ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنَّهُ لَكاذِبٌ، فَبَدَأ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنّى بِالمَرْأةِ، فَشَهِدَتْ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُما». وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَلاعِنَيْنِ " حِسابُكُما عَلى اللَّهِ أحَدُكُما كاذِبٌ، لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها " قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مالِي؟ قالَ لا مالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْها فَهو بِما اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِها، وإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْها فَهو أبْعَدُ لَكَ مِنها». وَفِي لَفْظٍ لَهُما: «فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ وقالَ: " واللَّهِ إنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ ".» وَفِيهِما عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا لاعَنَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وألْحَقَ الوَلَدَ بِأُمِّهِ» وفي " صَحِيحِ مسلم ": «مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ المُتَلاعِنَيْنِ، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَهْ " فَأبَتْ فَلَعَنَتْ، فَلَمّا أدْبَرَ قالَ: لَعَلَّها أنْ تَجِيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا " فَجاءَتْ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا». وَفِي " صَحِيحِ مسلم " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأتَهُ بشريك ابن سحماء - وكانَ أخا البَراءِ بْنِ مالِكٍ لِأُمِّهِ - وكانَ أوَّلَ رَجُلٍ لاعَنَ في الإسْلامِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ العَيْنَيْنِ فَهو لهلال بن أمية، وإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السّاقَيْنِ، فَهو لشريك ابن سحماء، قالَ: فَأُنْبِئْتُ أنَّها جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ جَعْدًا حَمْشَ السّاقَيْنِ» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " «مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أهِيَ المَرْأةُ الَّتِي قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَوْ رَجَمْتُ أحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ "؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا، تِلْكَ امْرَأةٌ كانَتْ تُظْهِرُ في الإسْلامِ السُّوءَ». ولأبي داود في هَذا الحَدِيثِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وقَضى أنْ لا يُدْعى ولَدُها لِأبٍ، ولا تُرْمى ولا يُرْمى ولَدُها، ومَن رَماها أوْ رَمى ولَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وقَضى ألّا بَيْتَ لَها عَلَيْهِ ولا قُوتَ، مِن أجْلِ أنَّهُما يَتَفَرَّقانِ مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولا مُتَوَفًّى عَنْها». وَفِي القِصَّةِ، قالَ عكرمة: فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ أمِيرًا عَلى مِصْرَ وما يُدْعى لِأبٍ. وَذَكَرَ البُخارِيُّ: «أنَّ هلال بن أمية قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بشريك ابن سحماء، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ " فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذا رَأى أحَدُنا عَلى امْرَأتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " البَيِّنَةُ وإلّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ "، فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنِّي لَصادِقٌ، ولَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم. .﴾ [النور: ٦] .. الآياتِ، فانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْها، فَجاءَ هلال فَشَهِدَ، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ؟ " فَشَهِدَتْ، فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الخامِسَةِ وقَّفُوها وقالُوا: إنَّها مُوجِبَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَتَلَكَّأتْ ونَكَصَتْ حَتّى ظَنَنّا أنَّها تَرْجِعُ، ثُمَّ قالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْمِ فَمَضَتْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أبْصِرُوها فَإنْ جاءَتْ بِهِ أكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ فَهو لشريك ابن سحماء " فَجاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَوْلا ما مَضى مِن كِتابِ اللَّهِ كانَ لِي ولَها شَأْنٌ)» وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا، فَقالَ سعد: بَلى والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اسْمَعُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ». وفي لَفْظٍ آخَرَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ قالَ: " نَعَمْ». وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «لَوْ وجَدْتُ مَعَ أهْلِي رَجُلًا لَمْ أُهِجْهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " نَعَمْ "، قالَ كَلّا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا إنْ كُنْتُ لَأُعاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اسْمَعُوا إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إنَّهُ لَغَيُورٌ، وأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي». وَفِي لَفْظٍ: «لَوْ رَأيْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَواللَّهِ لَأنا أغْيَرُ مِنهُ، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي، ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ المُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» [فَصْلٌ: حِكْمَةُ شَرْعِ اللِّعانِ في حَقِّ الزَّوْجَةِ دُونَ غَيْرِها] وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَعَلَ لِلْقاذِفِ إسْقاطَ الحَدِّ بِاللِّعانِ في الزَّوْجَةِ دُونَ الأجْنَبِيَّةِ، وكِلاهُما قَدْ ألْحَقَ بِهِما العارَ " فَهَذا مِن أعْظَمِ مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإنَّ قاذِفَ الأجْنَبِيَّةِ مُسْتَغْنٍ عَنْ قَذْفِها، لا حاجَةَ لَهُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ؛ فَإنَّ زِناها لا يَضُرُّهُ شَيْئًا، ولا يُفْسِدُ عَلَيْهِ فِراشَهُ، ولا يُعَلِّقُ عَلَيْهِ أوْلادًا مِن غَيْرِهِ، وقَذْفُها عُدْوانٌ مَحْضٌ، وأذًى لِمُحْصَنَةٍ غافِلَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الحَدُّ زَجْرًا لَهُ وعُقُوبَةً، وأمّا الزَّوْجُ فَإنَّهُ يَلْحَقُهُ بِزِناها مِن العارِ والمَسَبَّةِ وإفْسادِ الفِراشِ وإلْحاقِ ولَدِ غَيْرِهِ بِهِ، وانْصِرافِ قَلْبِها عَنْهُ إلى غَيْرِهِ؛ فَهو مُحْتاجٌ إلى قَذْفِها، ونَفْيِ النَّسَبِ الفاسِدِ عَنْهُ، وتَخَلُّصِهِ مِن المِسَبَّةِ والعارِ؛ لِكَوْنِهِ زَوْجَ بَغْيٍ فاجِرَةٍ، ولا يُمْكِنُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عَلى زِناها في الغالِبِ، وهي لا تُقِرُّ بِهِ، وقَوْلُ الزَّوْجِ عَلَيْها غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ فَلَمْ يَبْقَ سِوى تَحالُفِها بِأغْلَظِ الإيمانِ، وتَأْكِيدِها بِدُعائِهِ عَلى نَفْسِهِ بِاللَّعْنَةِ ودُعائِها عَلى نَفْسِها بِالغَضَبِ إنْ كانا كاذِبَيْنِ. ثُمَّ يَفْسَخُ النِّكاحَ بَيْنَهُما؛ إذْ لا يُمْكِنُ أحَدُهُما أنْ يَصْفُوَ لِلْآخَرِ أبَدًا؛ فَهَذا أحْسَنُ حُكْمٍ يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَهُما في الدُّنْيا، ولَيْسَ بَعْدَهُ أعْدَلُ مِنهُ، ولا أحْكَمُ، ولا أصْلَحُ، ولَوْ جُمِعَتْ عُقُولُ العالَمِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ، فَتَبارَكَ مَن أبانَ رُبُوبِيَّتَهُ ووَحْدانِيَّتَهُ وحِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ في شَرْعِهِ وخَلْقِهِ. [فصل البُداءَةُ بِالرَّجُلِ في اللِّعانِ] وَمِنها: البُداءَةُ بِالرَّجُلِ في اللِّعانِ، كَما بَدَأ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ورَسُولُهُ بِهِ، فَلَوْ بَدَأتْ هي لَمْ يُعْتَدَّ بِلِعانِها عِنْدَ الجُمْهُورِ، واعْتَدَّ بِهِ أبو حنيفة. وقَدْ بَدَأ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الحَدِّ بِذِكْرِ المَرْأةِ فَقالَ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وَفِي اللِّعانِ بِذِكْرِ الزَّوْجِ، وهَذا في غايَةِ المُناسَبَةِ؛ لِأنَّ الزِّنى مِنَ المَرْأةِ أقْبَحُ مِنهُ بِالرَّجُلِ، لِأنَّها تَزِيدُ عَلى هَتْكِ حَقِّ اللَّهِ إفْسادَ فِراشِ بَعْلِها وتَعْلِيقَ نَسَبٍ مِن غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وفَضِيحَةَ أهْلِها وأقارِبِها، والجِنايَةَ عَلى مَحْضِ حَقِّ الزَّوْجِ، وخِيانَتَهُ فِيهِ، وإسْقاطَ حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وتَعْيِيرَهُ بِإمْساكِ البَغِيِّ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن مَفاسِدِ زِناها، فَكانَتِ البُداءَةُ بِها في الحَدِّ أهَمَّ، وأمّا اللِّعانُ فالزَّوْجُ هو الَّذِي قَذَفَها وعَرَّضَها لِلِّعانِ، وهَتَكَ عِرْضَها، ورَماها بِالعَظِيمَةِ، وفَضَحَها عِنْدَ قَوْمِها وأهْلِها، ولِهَذا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ إذا لَمْ يُلاعِنْ، فَكانَتِ البُداءَةُ بِهِ في اللِّعانِ أوْلى مِنَ البُداءَةِ بِها. [فصل لا يُقْبَلُ مِنهُما أقَلُّ مِن خَمْسِ مَرّاتٍ] وَمِنها: أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنَ الرَّجُلِ أقَلُّ مِن خَمْسِ مَرّاتٍ، ولا مِنَ المَرْأةِ، ولا يُقْبَلُ مِنهُ إبْدالُ اللَّعْنَةِ بِالغَضَبِ والإبْعادِ والسَّخَطِ، ولا مِنها إبْدالُ الغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ والإبْعادِ والسَّخَطِ، بَلْ يَأْتِي كُلٌّ مِنهُما بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِن ذَلِكَ شَرْعًا وقَدْرًا، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد ومالك وغَيْرِهِما. وَمِنها: أنَّهُ لا يَفْتَقِرُ أنْ يَزِيدَ عَلى الألْفاظِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ شَيْئًا، بَلْ لا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، فَلا يَحْتاجُ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِنَ العَلانِيَةِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِيهِ أنْ يَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ، وهي تَقُولُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ، ولا يَحْتاجُ أنْ يَقُولَ: فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنى، ولا أنْ تَقُولَ هِيَ: إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى، ولا يُشْتَرَطُ أنْ يَقُولَ إذا ادَّعى الرُّؤْيَةَ: رَأيْتُها تَزْنِي كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ، ولا أصْلَ لِذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كَفانا بِما شَرَعَهُ لَنا وأمَرَنا بِهِ عَنْ تَكَلُّفِ زِيادَةٍ عَلَيْهِ.

النور 24:11

[فَصْلٌ] قالَ ابن سعد: وفي هَذِهِ الغَزْوَةِ [غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ] سَقَطَ عِقْدٌ لعائشة فاحْتَبَسُوا عَلى طَلَبِهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. وَذَكَرَ الطَّبَرانِيُّ في " مُعْجَمِهِ " مِن حَدِيثِ محمد بن إسحاق عَنْ يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَنْ أبِيهِ عَنْ عائشة قالَتْ: «وَلَمّا كانَ مِن أمْرِ عِقْدِي ما كانَ، قالَ أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزاةٍ أُخْرى، فَسَقَطَ أيْضًا عِقْدِي حَتّى حَبَسَ التِماسُهُ النّاسَ، ولَقِيتُ مِن أبي بكر ما شاءَ اللَّهُ، وقالَ لِي: يا بُنَيَّةُ في كُلِّ سَفَرٍ تَكُونِينَ عَناءً وبَلاءً، ولَيْسَ مَعَ النّاسِ ماءٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ في التَّيَمُّمِ»، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِصَّةَ العِقْدِ الَّتِي نَزَلَ التَّيَمُّمُ لِأجْلِها بَعْدَ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وهو الظّاهِرُ، ولَكِنْ فِيها كانَتْ قِصَّةُ الإفْكِ بِسَبَبِ فَقْدِ العِقْدِ والتِماسِهِ، فالتَبَسَ عَلى بَعْضِهِمْ إحْدى القِصَّتَيْنِ بِالأُخْرى، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى قِصَّةِ الإفْكِ. وَذَلِكَ أنَّ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ قَدْ خَرَجَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ في هَذِهِ الغَزْوَةِ بِقُرْعَةٍ أصابَتْها، وكانَتْ تِلْكَ عادَتَهُ مَعَ نِسائِهِ، فَلَمّا رَجَعُوا مِنَ الغَزْوَةِ نَزَلُوا في بَعْضِ المَنازِلِ فَخَرَجَتْ عائشة لِحاجَتِها، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَفَقَدَتْ عِقْدًا لِأُخْتِها كانَتْ أعارَتْها إيّاهُ، فَرَجَعَتْ تَلْتَمِسُهُ في المَوْضِعِ الَّذِي فَقَدَتْهُ فِيهِ، فَجاءَ النَّفَرُ الَّذِينَ كانُوا يُرَحِّلُونَ هَوْدَجَها، فَظَنُّوها فِيهِ، فَحَمَلُوا الهَوْدَجَ ولا يُنْكِرُونَ خِفَّتَهُ، لِأنَّها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ فَتِيَّةَ السِّنِّ لَمْ يَغْشَها اللَّحْمُ الَّذِي كانَ يُثْقِلُها، وأيْضًا فَإنَّ النّفَرَ لَمّا تَساعَدُوا عَلى حَمْلِ الهَوْدَجِ لَمْ يُنْكِرُوا خِفَّتَهُ، ولَوْ كانَ الَّذِي حَمَلَهُ واحِدٌ أوِ اثْنانِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِما الحالُ، فَرَجَعَتْ عائشة إلى مَنازِلِهِمْ، وقَدْ أصابَتِ العِقْدَ، فَإذا لَيْسَ بِها داعٍ ولا مُجِيبٌ، فَقَعَدَتْ في المَنزِلِ، وظَنَّتْ أنَّهم سَيَفْقِدُونَها، فَيَرْجِعُونَ في طَلَبِها، واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَوْقَ عَرْشِهِ كَما يَشاءُ، فَغَلَبَتْها عَيْناها، فَنامَتْ، فَلَمْ تَسْتَيْقِظْ إلّا بِقَوْلِ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ: «إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» وَكانَ صفوان قَدْ عَرَّسَ في أُخْرَياتِ الجَيْشِ لِأنَّهُ كانَ كَثِيرَ النَّوْمِ كَما جاءَ عَنْهُ في " صَحِيحِ أبي حاتم ". وَفِي " السُّنَنِ ": فَلَمّا رَآها عَرَفَها، وكانَ يَراها قَبْلَ نُزُولِ الحِجابِ، فاسْتَرْجَعَ، وأناخَ راحِلَتَهُ، فَقَرَّبَها إلَيْها، فَرَكِبَتْها وما كَلَّمَها كَلِمَةً واحِدَةً، ولَمْ تَسْمَعْ مِنهُ إلّا اسْتِرْجاعَهُ، ثُمَّ سارَ بِها يَقُودُها حَتّى قَدِمَ بِها، وقَدْ نَزَلَ الجَيْشُ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ النّاسُ تَكَلَّمَ كُلٌّ مِنهم بِشاكِلَتِهِ، وما يَلِيقُ بِهِ، ووَجَدَ الخَبِيثُ عَدُوُّ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ مُتَنَفَّسًا، فَتَنَفَّسَ مِن كَرْبِ النِّفاقِ والحَسَدِ الَّذِي بَيْنَ ضُلُوعِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَحْكِي الإفْكَ ويَسْتَوْشِيهِ، ويُشِيعُهُ ويُذِيعُهُ، ويَجْمَعُهُ ويُفَرِّقُهُ، وكانَ أصْحابُهُ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْهِ. فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ أفاضَ أهْلُ الإفْكِ في الحَدِيثِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ لا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ اسْتَشارَ أصْحابَهُ في فِراقِها، فَأشارَ عَلَيْهِ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يُفارِقَها ويَأْخُذَ غَيْرَها تَلْوِيحًا لا تَصْرِيحًا، وأشارَ عَلَيْهِ أسامة وغَيْرُهُ بِإمْساكِها وألّا يَلْتَفِتَ إلى كَلامِ الأعْداءِ، فعلي لَمّا رَأى أنَّ ما قِيلَ مَشْكُوكٌ فِيهِ أشارَ بِتَرْكِ الشَّكِّ والرِّيبَةِ إلى اليَقِينِ لِيَتَخَلَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ الَّذِي لَحِقَهُ مِن كَلامِ النّاسِ، فَأشارَ بِحَسْمِ الدّاءِ، وأسامة لَمّا عَلِمَ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَها ولِأبِيها وعَلِمَ مِن عِفَّتِها وبَراءَتِها وحَصانَتِها ودِيانَتِها ما هي فَوْقَ ذَلِكَ وأعْظَمُ مِنهُ، وعَرَفَ مِن كَرامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى رَبِّهِ، ومَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ، ودِفاعِهِ عَنْهُ أنَّهُ لا يَجْعَلُ رَبَّةَ بَيْتِهِ وحَبِيبَتَهُ مِنَ النِّساءِ، وبِنْتَ صِدِّيقِهِ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أنْزَلَها بِهِ أرْبابُ الإفْكِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أكْرَمُ عَلى رَبِّهِ وأعَزُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يَجْعَلَ تَحْتَهُ امْرَأةً بَغِيًّا، وعَلِمَ أنَّ الصِّدِّيقَةَ حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أكْرَمُ عَلى رَبِّها مِن أنْ يَبْتَلِيَها بِالفاحِشَةِ، وهي تَحْتَ رَسُولِهِ، ومَن قَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ لِلَّهِ ومَعْرِفَتُهُ لِرَسُولِهِ، وقَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ في قَلْبِهِ قالَ كَما قالَ أبو أيوب وغَيْرُهُ مِن ساداتِ الصَّحابَةِ لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. وَتَأمَّلْ ما في تَسْبِيحِهِمْ لِلَّهِ وتَنْزِيهِهِمْ لَهُ في هَذا المَقامِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِهِ، وتَنْزِيهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَجْعَلَ لِرَسُولِهِ وخَلِيلِهِ وأكْرَمِ الخَلْقِ عَلَيْهِ امْرَأةً خَبِيثَةً بَغِيًّا، فَمَن ظَنَّ بِهِ سُبْحانَهُ هَذا الظَّنَّ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وعَرَفَ أهْلُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ أنَّ المَرْأةَ الخَبِيثَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِمِثْلِها كَما قالَ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦]، فَقَطَعُوا قَطْعًا لا يَشُكُّونَ فِيهِ أنَّ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، وفِرْيَةٌ ظاهِرَةٌ. فَإنْ قِيلَ: فَما بالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَوَقَّفَ في أمْرِها، وسَألَ عَنْها وبَحَثَ واسْتَشارَ، وهو أعْرَفُ بِاللَّهِ وبِمَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ وبِما يَلِيقُ بِهِ، وهَلّا قالَ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ كَما قالَهُ فُضَلاءُ الصَّحابَةِ؟ فالجَوابُ: أنَّ هَذا مِن تَمامِ الحِكَمِ الباهِرَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ القِصَّةَ سَبَبًا لَها، وامْتِحانًا وابْتِلاءً لِرَسُولِهِ ﷺ ولِجَمِيعِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِيَرْفَعَ بِهَذِهِ القِصَّةِ أقْوامًا ويَضَعَ بِها آخَرِينَ، ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وإيمانًا، ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا، واقْتَضى تَمامُ الِامْتِحانِ والِابْتِلاءِ أنْ حُبِسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيُ شَهْرًا في شَأْنِها لا يُوحى إلَيْهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ لِتَتِمَّ حِكْمَتُهُ الَّتِي قَدَّرَها وقَضاها، وتَظْهَرَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، ويَزْدادَ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ إيمانًا وثَباتًا عَلى العَدْلِ والصِّدْقِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ والصِّدِّيقِينَ مِن عِبادِهِ، ويَزْدادَ المُنافِقُونَ إفْكًا ونِفاقًا، ويُظْهِرَ لِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ سَرائِرَهُمْ، ولِتَتِمَّ العُبُودِيَّةُ المُرادَةُ مِنَ الصِّدِّيقَةِ وأبَوَيْها، وتَتِمَّ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ولِتَشْتَدَّ الفاقَةُ والرَّغْبَةُ مِنها ومِن أبَوَيْها، والِافْتِقارُ إلى اللَّهِ والذُّلُّ لَهُ وحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ والرَّجاءُ لَهُ، ولِيَنْقَطِعَ رَجاؤُها مِنَ المَخْلُوقِينَ، وتَيْأسَ مِن حُصُولِ النُّصْرَةِ والفَرَجِ عَلى يَدِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، ولِهَذا وفَّتْ هَذا المَقامَ حَقَّهُ لَمّا «قالَ لَها أبَواها: قُومِي إلَيْهِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَراءَتَها، فَقالَتْ: (واللَّهِ لا أقُومُ إلَيْهِ ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ هو الَّذِي أنْزَلَ بَراءَتِي». وَأيْضًا فَكانَ مِن حِكْمَةِ حَبْسِ الوَحْي شَهْرًا، أنَّ القَضِيّةَ مُحِّصَتْ وتَمَحَّضَتْ، واسْتَشْرَفَتْ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ أعْظَمَ اسْتِشْرافٍ إلى ما يُوحِيهِ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ فِيها، وتَطَلَّعَتْ إلى ذَلِكَ غايَةَ التَّطَلُّعِ، فَوافى الوَحْيُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأهْلُ بَيْتِهِ، والصِّدِّيقُ وأهْلُهُ وأصْحابُهُ والمُؤْمِنُونَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ وُرُودَ الغَيْثِ عَلى الأرْضِ أحْوَجَ ما كانَتْ إلَيْهِ، فَوَقَعَ مِنهم أعْظَمَ مَوْقِعٍ وألْطَفَهُ، وسُرُّوا بِهِ أتَمَّ السُّرُورِ، وحَصَلَ لَهم بِهِ غايَةُ الهَناءِ، فَلَوْ أطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ وأنْزَلَ الوَحْيَ عَلى الفَوْرِ بِذَلِكَ لَفاتَتْ هَذِهِ الحِكَمُ، وأضْعافُها بَلْ أضْعافُ أضْعافِها. إظْهارُ اللَّهِ مَنزِلَتَهُ ﷺ وأهْلَ بَيْتِهِ عِنْدَهُ، وأيْضًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحَبَّ أنْ يُظْهِرَ مَنزِلَةَ رَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ عِنْدَهُ وكَرامَتَهم عَلَيْهِ، وأنْ يُخْرِجَ رَسُولَهُ عَنْ هَذِهِ القَضِيَّةِ ويَتَوَلّى هو بِنَفْسِهِ الدِّفاعَ والمُنافَحَةَ عَنْهُ والرَّدَّ عَلى أعْدائِهِ وذَمِّهِمْ وعَيْبِهِمْ بِأمْرٍ لا يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ بَلْ يَكُونُ هو وحْدَهُ المُتَوَلِّيَ لِذَلِكَ الثّائِرَ لِرَسُولِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ. وَأيْضًا فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ هو المَقْصُودَ بِالأذى، والَّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَشْهَدَ بِبَراءَتِها مَعَ عِلْمِهِ أوْ ظَنِّهِ الظَّنَّ المُقارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَراءَتِها، ولَمْ يَظُنَّ بِها سُوءًا قَطُّ وحاشاهُ وحاشاها، ولِذَلِكَ لَمّا اسْتَعْذَرَ مِن أهْلِ الإفْكِ قالَ: «مَن يَعْذِرُنِي في رَجُلٍ بَلَغَنِي أذاهُ في أهْلِي، واللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا، وما كانَ يَدْخُلُ عَلى أهْلِي إلّا مَعِي»، فَكانَ عِنْدَهُ مِنَ القَرائِنِ الَّتِي تَشْهَدُ بِبَراءَةِ الصِّدِّيقَةِ أكْثَرَ مِمّا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ لِكَمالِ صَبْرِهِ وثَباتِهِ ورِفْقِهِ وحُسْنِ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ وثِقَتِهِ بِهِ، وفّى مَقامَ الصَّبْرِ والثَّباتِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ حَقَّهُ حَتّى جاءَهُ الوَحْيُ بِما أقَرَّ عَيْنَهُ، وسَرَّ قَلْبَهُ وعَظَّمَ قَدْرَهُ وظَهَرَ لِأُمَّتِهِ احْتِفالُ رَبِّهِ بِهِ واعْتِناؤُهُ بِشَأْنِهِ. وَلَمّا جاءَ الوَحْيُ بِبَراءَتِها أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن صَرَّحَ بِالإفْكِ، فَحُدُّوا ثَمانِينَ ثَمانِينَ، ولَمْ يَحُدِّ الخَبِيثَ عبد الله بن أبي مَعَ أنَّهُ رَأْسُ أهْلِ الإفْكِ، فَقِيلَ لِأنَّ الحُدُودَ تَخْفِيفٌ عَنْ أهْلِها وكَفّارَةٌ، والخَبِيثُ لَيْسَ أهْلًا لِذَلِكَ، وقَدْ وعَدَهُ اللَّهُ بِالعَذابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ عَنِ الحَدِّ، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَسْتَوْشِي الحَدِيثَ ويَجْمَعُهُ ويَحْكِيهِ ويُخْرِجُهُ في قَوالِبِ مَن لا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وقِيلَ: الحَدُّ لا يَثْبُتُ إلّا بِالإقْرارِ أوْ بِبَيِّنَةٍ، وهو لَمْ يُقِرَّ بِالقَذْفِ، ولا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أحَدٌ، فَإنَّهُ إنّما كانَ يَذْكُرُهُ بَيْنَ أصْحابِهِ، ولَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: حَدُّ القَذْفِ حَقُّ الآدَمِيِّ لا يُسْتَوْفى إلّا بِمُطالَبَتِهِ، وإنْ قِيلَ: إنّهُ حَقٌّ لِلَّهِ فَلا بُدَّ مِن مُطالَبَةِ المَقْذُوفِ، وعائشة لَمْ تُطالِبْ بِهِ ابن أبي. وَقِيلَ: بَلْ تَرَكَ حَدَّهُ لِمَصْلَحَةٍ هِي أعْظَمُ مِن إقامَتِهِ كَما تَرَكَ قَتْلَهُ مَعَ ظُهُورِ نِفاقِهِ وتَكَلُّمِهِ بِما يُوجِبُ قَتْلَهُ مِرارًا، وهِي تَأْلِيفُ قَوْمِهِ، وعَدَمُ تَنْفِيرِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، فَإنَّهُ كانَ مُطاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُؤْمَن إثارَةُ الفِتْنَةِ في حَدِّهِ، ولَعَلَّهُ تُرِكَ لِهَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها. فَجُلِدَ مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وحمنة بنت جحش، وهَؤُلاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ تَطْهِيرًا لَهم وتَكْفِيرًا، وتُرِكَ عبد الله بن أبي، إذًا فَلَيْسَ هو مِن أهْلِ ذاكَ. [فَصْلٌ: في قُوَّةُ إيمانِ عائِشَةَ] وَمَن تَأمَّلَ قَوْلَ الصِّدِّيقَةِ، وقَدْ نَزَلَتْ بَراءَتُها، «فَقالَ لَها أبَواها: قُومِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: واللَّهِ لا أقُومُ إلَيْهِ ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ»، عَلِمَ مَعْرِفَتَها وقُوَّةَ إيمانِها وتَوْلِيَتَها النِّعْمَةَ لِرَبِّها وإفْرادَهُ بِالحَمْدِ في ذَلِكَ المَقامِ، وتَجْرِيدَها التَّوْحِيدَ، وقُوَّةَ جَأْشِها وإدْلالَها بِبَراءَةِ ساحَتِها، وأنّها لَمْ تَفْعَلْ ما يُوجِبُ قِيامَها في مَقامِ الرّاغِبِ في الصُّلْحِ الطّالِبِ لَهُ، وثِقَتُها بِمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَها قالَتْ ما قالَتْ، إدْلالًا لِلْحَبِيبِ عَلى حَبِيبِهِ، ولا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي هو أحْسَنُ مَقاماتِ الإدْلالِ، فَوَضَعَتْهُ مَوْضِعَهُ، ولَلَّهِ ما كانَ أحَبَّها إلَيْهِ حِينَ قالَتْ: لا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ، فَإنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ بَراءَتِي، ولَلَّهِ ذَلِكَ الثَّباتُ والرَّزانَةُ مِنها، وهو أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْها، ولا صَبْرَ لَها عَنْهُ، وقَدْ تَنَكَّرَ قَلْبُ حَبِيبِها لَها شَهْرًا، ثُمَّ صادَفَتِ الرِّضى مِنهُ، والإقْبالَ فَلَمْ تُبادِرْ إلى القِيامِ إلَيْهِ، والسُّرُورِ بِرِضاهُ وقُرْبِهِ مَعَ شِدَّةِ مَحَبَّتِها لَهُ، وهَذا غايَةُ الثَّباتِ والقُوَّةِ. [طَلَبَهُ ﷺ فيمن يعذره فيمن تولى الإفك] الِاخْتِلافُ فِيمَن أجابَ طَلَبَهُ ﷺ بِعَذْرِهِ في رَجُلٍ بَلَغَهُ أذاهُ في أهْلِ بَيْتِهِ، وكَذا في مَتى كانَتْ غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ وَفِي هَذِهِ القَضِيّةِ أنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمّا قالَ: «مَن يَعْذِرُنِي في رَجُلٍ بَلَغَنِي أذاهُ في أهْلِي؟ " قامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، فَقالَ: أنا أعْذِرُكَ مِنهُ يا رَسُولَ اللَّهِ»، وقَدْ أشْكَلَ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَإنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ لا يَخْتَلِفُ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ تُوُفِّيَ عُقَيْبَ حُكْمِهِ في بَنِي قُرَيْظَةَ عُقَيْبَ الخَنْدَقِ، وذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ عَلى الصَّحِيحِ، وحَدِيثُ الإفْكِ لا شَكَّ أنَّهُ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ هَذِهِ، وهي غَزْوَةُ المُرَيْسِيعِ، والجُمْهُورُ عِنْدَهم أنَّها كانَتْ بَعْدَ الخَنْدَقِ سَنَةَ سِتٍّ، فاخْتَلَفَتْ طُرُقُ النّاسِ في الجَوابِ عَنْ هَذا الإشْكالِ، فَقالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: غَزْوَةُ المُرَيْسِيعِ كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ قَبْلَ الخَنْدَقِ حَكاهُ عَنْهُ البُخارِي. وَقالَ الواقِدِيُّ: كانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ. قالَ: وكانَتْ قُرَيْظَةُ والخَنْدَقُ بَعْدَها. وقالَ القاضِي إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، والأوْلى أنْ تَكُونَ المُرَيْسِيعُ قَبْلَ الخَنْدَقِ، وعَلى هَذا فَلا إشْكالَ، ولَكِنَّ النّاسَ عَلى خِلافِهِ. وفي حَدِيثِ الإفْكِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّ عائشة قالَتْ: إنّ القَضِيَّةَ كانَتْ بَعْدَما أُنْزِلَ الحِجابُ، وآيَةُ الحِجابِ نَزَلَتْ في شَأْنِ زينب بنت جحش، وزينب إذْ ذاكَ كانَتْ تَحْتَهُ، فَإنَّهُ ﷺ سَألَها عَنْ عائشة، فَقالَتْ: " أحْمِي سَمْعِي وبَصَرِي "، قالَتْ عائشة: وهي الَّتِي كانَتْ تُسامِينِي مِن أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ ذَكَرَ أرْبابُ التَّوارِيخِ أنَّ تَزْوِيجَهُ بزينب كانَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ، وعَلى هَذا فَلا يَصِحُّ قَوْلُ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ. وَقالَ محمد بن إسحاق: إنّ غَزْوَةَ بَنِي المُصْطَلِقِ كانَتْ في سَنَةِ سِتٍّ بَعْدَ الخَنْدَقِ، وذَكَرَ فِيها حَدِيثَ الإفْكِ، إلّا أنَّهُ قالَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عائشة، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. فَقالَ: فَقامَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ، فَقالَ: أنا أعْذِرُكَ مِنهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وهَذا هو الصَّحِيحُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وهْمٌ؛ لِأنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ ماتَ إثْرَ فَتْحِ بَنِي قُرَيْظَةَ بِلا شَكٍّ، وكانَتْ في آخِرِ ذِي القِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الرّابِعَةِ، وغَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ في شَعْبانَ مِنَ السَّنَةِ السّادِسَةِ بَعْدَ سَنَةٍ وثَمانِيَةِ أشْهُرٍ مِن مَوْتِ سعد، وكانَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ بِأزْيَدَ مِن خَمْسِينَ لَيْلَةً. قُلْتُ: الصَّحِيحُ أنَّ الخَنْدَقَ كانَ في سَنَةِ خَمْسٍ كَما سَيَأْتِي. [ما وقع في حديث الإفك من الوهم] وَمِمّا وقَعَ في حَدِيثِ الإفْكِ أنَّ في بَعْضِ طُرُقِ البُخارِيِّ عَنْ أبي وائل عَنْ مسروق، قالَ: سَألْتُ أم رومان عَنْ حَدِيثِ الإفْكِ فَحَدَّثَتْنِي. قالَ غَيْرُ واحِدٍ: وهَذا غَلَطٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ أم رومان ماتَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَبْرِها وَقالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى امْرَأةٍ مِنَ الحُورِ العِينِ فَلْيَنْظُرْ إلى هَذِهِ» قالُوا: ولَوْ كانَ مسروق قَدِمَ المَدِينَةَ في حَياتِها، وسَألَها لَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وسَمِعَ مِنهُ، ومسروق إنّما قَدِمَ المَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قالُوا: وقَدْ رَوى مسروق عَنْ أم رومان حَدِيثًا غَيْرَ هَذا فَأرْسَلَ الرِّوايَةَ عَنْها، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّواةِ أنَّهُ سَمِعَ مِنها، فَحَمَلَ هَذا الحَدِيثَ عَلى السَّماعِ، قالُوا: ولَعَلَّ مسروقا قالَ: سُئِلَتْ أم رومان، فَتَصَحَّفَتْ عَلى بَعْضِهِمْ: سَألَتْ، لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَكْتُبُ الهَمْزَةَ بِالألْفِ عَلى كُلِّ حالٍ. وَقالَ آخَرُونَ: كُلُّ هَذا لا يَرُدُّ الرِّوايَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي أدْخَلَها البُخارِيُّ في " صَحِيحِهِ " وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ وغَيْرُهُ: إنّ مسروقا سَألَها ولَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وماتَ ولَهُ ثَمانٍ وسَبْعُونَ سَنَةً، وأم رومان أقْدَمُ مَن حَدَّثَ عَنْهُ، قالُوا: وأمّا حَدِيثُ مَوْتِها في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونُزُولِهِ في قَبْرِها، فَحَدِيثٌ لا يَصِحُّ، وفِيهِ عِلَّتانِ تَمْنَعانِ صِحَّتَهُ، إحْداهُما: رِوايَةُ عَلِيُّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ لَهُ، وهو ضَعِيفُ الحَدِيثِ لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. والثّانِيَةُ: أنَّهُ رَواهُ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والقاسم لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ هَذا عَلى حَدِيثٍ إسْنادُهُ كالشَّمْسِ يَرْوِيهِ البُخارِيُّ في " صَحِيحِهِ " وَيَقُولُ فِيهِ مسروق: سَألْتُ أم رومان فَحَدَّثَتْنِي، وهَذا يَرُدُّ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ: سُئِلَتْ. وَقَدْ قالَ أبو نعيم في كِتابِ " مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ ": قَدْ قِيلَ: إنّ أم رومان تُوُفِّيَتْ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو وهْمٌ. [فَصْلٌ: هَلِ الجارِيَةُ الشّاهِدَةُ عَلى عائِشَةَ هي بَرِيرَةُ] وَمِمّا وقَعَ في حَدِيثِ الإفْكِ أنَّ في بَعْضِ طُرُقِهِ أنَّ عليا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمّا اسْتَشارَهُ سَلِ الجارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعا بريرة، فَسَألَها، فَقالَتْ: ما عَلِمْتُ عَلَيْها إلّا ما يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلى التِّبْرِ، أوْ كَما قالَتْ، وقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذا، فَإنَّ بريرة إنّما كاتَبَتْ وعَتَقَتْ بَعْدَ هَذا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وكانَ العباس عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ ذاكَ في المَدِينَةِ، والعباس إنّما قَدِمَ المَدِينَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، ولِهَذا قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وقَدْ شَفَعَ إلى بريرة أنْ تُراجِعَ زَوْجَها فَأبَتْ أنْ تُراجِعَهُ: «يا عباس " ألا تَعْجَبُ مِن بُغْضِ بريرة مغيثا وحُبِّهِ لَها!». فَفِي قِصَّةِ الإفْكِ لَمْ تَكُنْ بريرة عِنْدَ عائشة، وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كانَ لازِمًا، فَيَكُونُ الوَهْمُ مِن تَسْمِيَتِهِ الجارِيَةَ بريرة، ولَمْ يَقُلْ لَهُ عَلِيٌّ سَلْ بريرة، وإنَّما قالَ فَسَلِ الجارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّواةِ أنَّها بريرة، فَسَمّاها بِذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَلْزَمْ بِأنْ يَكُونَ طَلَبُ مغيث لَها اسْتَمَرَّ إلى بَعْدِ الفَتْحِ، ولَمْ يَيْأسْ مِنها زالَ الإشْكالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

النور 24:23

خَصَّ الإناثَ بِاللَّفْظِ، إذْ كُنَّ سَبَبَ النُّزُولِ، فَنَصَّ عَلَيْهِمْ بِخُصُوصِهِنَّ، وهَذا أصَحُّ مِن فَهْمِ مَن قالَ مِن جَهْلِ الظّاهِرِ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ الفُرُوجُ المُحْصَناتُ، فَإنَّ هَذا لا يَفْهَمُهُ السّامِعُ مِن هَذا اللَّفْظِ ولا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]. وَلا مِن قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤] وَلا مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ﴾ [النور: ٢٣] بَلْ هَذا مِن عُرْفِ الشّارِعِ، حَيْثُ يُعَبِّرُ بِاللَّفْظِ الخاصِّ عَنْ المَعْنى العامِّ، وهَذا غَيْرُ بابِ القِياسِ.

النور 24:26

وَقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِأنَّ الكَلِماتِ الخَبِيثاتِ لِلْخَبِيثِينَ والكَلِماتِ الطَّيِّباتِ لَلطَّيِّبِينَ، وفُسِّرَتْ بِأنَّ النِّساءَ الطَّيِّباتِ لِلرِّجالِ الطَّيِّبِينَ، والنِّساءَ الخَبِيثاتِ لِلرِّجالِ الخَبِيثِينَ، وهي تَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ، فالكَلِماتُ والأعْمالُ والنِّساءُ الطَّيِّباتُ لِمُناسِبِها مِنَ الطَّيِّبِينَ، والكَلِماتُ والأعْمالُ والنِّساءُ الخَبِيثَةُ لِمُناسِبِها مِنَ الخَبِيثِينَ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الطَّيِّبَ بِحَذافِيرِهِ في الجَنَّةِ، وجَعَلَ الخَبِيثَ بِحَذافِيرِهِ في النّارِ، فَجَعَلَ الدُّورَ ثَلاثَةً: دارًا أُخْلِصَتْ لَلطَّيِّبِينَ، وهي حَرامٌ عَلى غَيْرِ الطَّيِّبِينَ، وقَدْ جَمَعَتْ كُلَّ طَيِّبٍ وهي الجَنَّةُ. وَدارًا أُخْلِصَتْ لِلْخَبِيثِ والخَبائِثِ وَلا يَدْخُلُها إلّا الخَبِيثُونَ وهي النّارُ. وَدارًا امْتَزَجَ فِيها الطَّيِّبُ والخَبِيثُ وخُلِطَ بَيْنَهُما وهي هَذِهِ الدّارُ؛ ولِهَذا وقَعَ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ بِسَبَبِ هَذا الِامْتِزاجِ والِاخْتِلاطِ، وذَلِكَ بِمُوجَبِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، فَإذا كانَ يَوْمُ مَعادِ الخَلِيقَةِ مَيَّزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَجَعَلَ الطَّيِّبَ وأهْلَهُ في دارٍ عَلى حِدَةٍ لا يُخالِطُهم غَيْرُهُمْ، وجَعَلَ الخَبِيثَ وأهْلَهُ في دارٍ عَلى حِدَةٍ لا يُخالِطُهم غَيْرُهُمْ، فَعادَ الأمْرُ إلى دارَيْنِ فَقَطْ: الجَنَّةِ وهي دارُ الطَّيِّبِينَ، والنّارِ وهي دارُ الخَبِيثِينَ، وأنْشَأ اللَّهُ تَعالى مِن أعْمالِ الفَرِيقَيْنِ ثَوابَهم وعِقابَهُمْ، فَجَعَلَ طَيِّباتِ أقْوالِ هَؤُلاءِ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ هي عَيْنَ نَعِيمِهِمْ ولَذّاتِهِمْ، أنْشَأ لَهم مِنها أكْمَلَ أسْبابِ النَّعِيمِ والسُّرُورِ، وجَعَلَ خَبِيثاتِ أقْوالِ الآخَرِينَ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ هي عَيْنَ عَذابِهِمْ وآلامِهِمْ، فَأنْشَأ لَهم مِنها أعْظَمَ أسْبابِ العِقابِ والآلامِ حِكْمَةً بالِغَةً وعِزَّةً باهِرَةً قاهِرَةً لِيُرِيَ عِبادَهُ كَمالَ رُبُوبِيَّتِهِ وكَمالَ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وعَدْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ولِيَعْلَمَ أعْداؤُهُ أنَّهم كانُوا هُمُ المُفْتَرِينَ الكَذّابِينَ لا رُسُلُهُ البَرَرَةُ الصّادِقُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨-٣٩]. والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَعَلَ لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عُنْوانًا يُعْرَفانِ بِهِ، فالسَّعِيدُ الطَّيِّبُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا طَيِّبٌ، ولا يَأْتِي إلّا طَيِّبًا، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا طَيِّبٌ، ولا يُلابِسُ إلّا طَيِّبًا، والشَّقِيُّ الخَبِيثُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الخَبِيثُ، ولا يَأْتِي إلّا خَبِيثًا، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا الخَبِيثُ، فالخَبِيثُ يَتَفَجَّرُ مِن قَلْبِهِ الخُبْثُ عَلى لِسانِهِ وجَوارِحِهِ، والطَّيِّبُ يَتَفَجَّرُ مِن قَلْبِهِ الطِّيبُ عَلى لِسانِهِ وجَوارِحِهِ. وقَدْ يَكُونُ في الشَّخْصِ مادَّتانِ فَأيُّهُما غَلَبَ عَلَيْهِ كانَ مِن أهْلِها، فَإنْ أرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا طَهَّرَهُ مِنَ المادَّةِ الخَبِيثَةِ قَبْلَ المُوافاةِ، فَيُوافِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُطَهَّرًا فَلا يَحْتاجُ إلى تَطْهِيرِهِ بِالنّارِ فَيُطَهِّرُهُ مِنها بِما يُوَفِّقُهُ لَهُ مِنَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والحَسَناتِ الماحِيَةِ، والمَصائِبِ المُكَفِّرَةِ، حَتّى يَلْقى اللَّهَ وما عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، ويُمْسِكُ عَنِ الآخَرِ مَوادَّ التَّطْهِيرِ، فَيَلْقاهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمادَّةٍ خَبِيثَةٍ ومادَّةٍ طَيِّبَةٍ، وحِكْمَتُهُ تَعالى تَأْبى أنْ يُجاوِرَهُ أحَدٌ في دارِهِ بِخَبائِثِهِ فَيُدْخِلَهُ النّارَ طُهْرَةً لَهُ وتَصْفِيَةً وسَبْكًا، فَإذا خَلُصَتْ سَبِيكَةُ إيمانِهِ مِنَ الخَبَثِ صَلُحَ حِينَئِذٍ لِجِوارِهِ ومُساكَنَةِ الطَّيِّبِينَ مِن عِبادِهِ. وَإقامَةُ هَذا النَّوْعِ مِنَ النّاسِ في النّارِ عَلى حَسَبِ سُرْعَةِ زَوالِ تِلْكَ الخَبائِثِ مِنهم وبُطْئِها، فَأسْرَعُهم زَوالًا وتَطْهِيرًا أسْرَعُهم خُرُوجًا، وأبْطَؤُهم أبْطَؤُهم خُرُوجًا، ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وَلَمّا كانَ المُشْرِكُ خَبِيثَ العُنْصُرِ خَبِيثَ الذّاتِ لَمْ تُطَهِّرِ النّارُ خُبْثَهُ، بَلْ لَوْ خَرَجَ مِنها لَعادَ خَبِيثًا كَما كانَ، كالكَلْبِ إذا دَخَلَ البَحْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، فَلِذَلِكَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلى المُشْرِكِ الجَنَّةَ. وَلَمّا كانَ المُؤْمِنُ الطَّيِّبُ المُطَيِّبُ مُبَرَّءًا مِنَ الخَبائِثِ كانَتِ النّارُ حَرامًا عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي تَطْهِيرَهُ بِها، فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ العُقُولَ والألْبابَ، وشَهِدَتْ فِطَرُ عِبادِهِ وعُقُولُهم بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ورَبُّ العالَمِينَ لا إلَهَ إلّا هو.

النور 24:30

[فصل: في مَنافِعُ غَضِّ البَصَرِ] النَّظْرَةَ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ، ومَن أطْلَقَ لَحَظاتِهِ دامَتْ حَسَراتُهُ، وفي غَضِّ البَصَرِ عِدَّةُ مَنافِعَ: أحَدُها: أنَّهُ امْتِثالٌ لِأمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو غايَةُ سَعادَةِ العَبْدِ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ أنْفَعُ مِنَ امْتِثالِ أوامِرِهِ، وما شَقِيَ مَن شَقِيَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا بِتَضْيِيعِ أوامِرِهِ. الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَمْنَعُ مِن وُصُولِ أثَرِ السَّهْمِ المَسْمُومِ - الَّذِي لَعَلَّ فِيهِ هَلاكَهُ - إلى قَلْبِهِ. الثّالِثَةُ: أنَّهُ يُورِثُ القَلْبَ أُنْسًا بِاللَّهِ وجَمْعِيَّةً عَلَيْهِ، فَإنَّ إطْلاقَ البَصَرِ يُفَرِّقُ القَلْبَ ويُشَتِّتُهُ، ويُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، ولَيْسَ عَلى القَلْبِ شَيْءٌ أضَرُّ مِن إطْلاقِ البَصَرِ، فَإنَّهُ يُورِثُ الوَحْشَةَ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ. الرّابِعَةُ: أنَّهُ يُقَوِّي القَلْبَ ويُفْرِحُهُ، كَما أنَّ إطْلاقَ البَصَرِ يُضْعِفُهُ ويُحْزِنُهُ. الخامِسَةُ: أنَّهُ يُكْسِبُ القَلْبَ نُورًا، كَما أنَّ إطْلاقَهُ يُلْبِسُهُ ظُلْمَةً، ولِهَذا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ آيَةَ النُّورِ عُقَيْبَ الأمْرِ بِغَضِّ البَصَرِ، فَقالَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. ثُمَّ قالَ إثْرَ ذَلِكَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النور: ٣٥]. أيْ مَثَلُ نُورِهِ في قَلْبِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ الَّذِي امْتَثَلَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ نَواهِيَهُ، وإذا اسْتَنارَ القَلْبُ أقْبَلَتْ وُفُودُ الخَيْراتِ إلَيْهِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، كَما أنَّهُ إذا أظْلَمَ أقْبَلَتْ سَحائِبُ البَلاءِ والشَّرِّ عَلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ، فَما شِئْتَ مِن بِدَعٍ وضَلالَةٍ، واتِّباعِ هَوًى، واجْتِنابِ هُدًى، وإعْراضٍ عَنْ أسْبابِ السَّعادَةِ، واشْتِغالٍ بِأسْبابِ الشَّقاوَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكْشِفُهُ لَهُ النُّورُ الَّذِي في القَلْبِ، فَإذا نَفَذَ ذَلِكَ النُّورُ بَقِيَ صاحِبُهُ كالأعْمى الَّذِي يَجُوسُ في حَنادِسِ الظَّلامِ. السّادِسَةُ: أنَّهُ يُورِثُ فِراسَةً صادِقَةً يُمَيَّزُ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصّادِقِ والكاذِبِ، وَكانَ شُجاعٌ الكِرْمانِيُّ يَقُولُ: مَن عَمَّرَ ظاهِرَهُ بِاتِّباعِ السُّنَّةِ، وباطِنَهُ بِدَوامِ المُراقَبَةِ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنِ المَحارِمِ، وكَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الشُّبَهاتِ، واغْتَذى بِالحَلالِ، لَمْ تُخْطِئْ لَهُ فِراسَةٌ وكانَ شُجاعًا لا تُخْطِئُ لَهُ فِراسَةٌ. واللَّهُ سُبْحانَهُ يَجْزِي العَبْدَ عَلى عَمَلِهِ بِما هو مِن جِنْسِ عَمَلِهِ، ومَن تَرَكَ لِلَّهِ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ، فَإذا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، عَوَّضَهُ اللَّهُ بِأنْ يُطْلِقَ نُورَ بَصِيرَتِهِ، عِوَضًا عَنْ حَبْسِ بَصَرِهِ لِلَّهِ، ويَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ العِلْمِ والإيمانِ، والمَعْرِفَةِ والفِراسَةِ الصّادِقَةِ المُصِيبَةِ الَّتِي إنَّما تُنالُ بِبَصِيرَةٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٢٧]. فَوَصَفَهم بِالسَّكْرَةِ الَّتِي هي فَسادُ العَقْلِ، والعَمَهِ الَّذِي هو فَسادُ البَصِيرَةِ، فالتَّعَلُّقُ بِالصُّوَرِ يُوجِبُ فَسادَ العَقْلِ، وعَمَهَ البَصِيرَةِ، وسُكْرَ القَلْبِ، كَما قالَ القائِلٌ: ؎سَكْرانُ سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ ∗∗∗ ومَتّى إفاقَةُ مَن بِهِ سُكْرانِ وَقالَ الآخَرُ: ؎قالُوا جُنِنْتَ بِمَن تَهْوى فَقُلْتُ لَهم ∗∗∗ العِشْقُ أعْظَمُ مِمّا بِالمَجانِينِ ؎العِشْقُ لا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صاحِبُهُ ∗∗∗ وإنَّما يُصْرَعُ المَجْنُونُ في الحِينِ السّابِعَةُ: أنَّهُ يُورِثُ القَلْبَ ثَباتًا وشَجاعَةً وقُوَّةً، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ سُلْطانِ النُّصْرَةِ والحُجَّةِ، وسُلْطانُ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، كَما في الأثَرِ: " الَّذِي يُخالِفُ هَواهُ، يَفِرُّ الشَّيْطانُ مِن ظِلِّهِ ". وَضِدُّ هَذا تَجِدُ في المُتَّبِعِ لِهَواهُ - مِن ذُلِّ النَّفْسِ ووَضاعَتِها ومَهانَتِها وخِسَّتِها وحَقارَتِها - ما جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيمَن حَصاهُ. كَما قالَ الحَسَنُ: " إنَّهم وإنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ البِغالُ، وهَمْلَجَتْ بِهِمُ البَراذِينُ، إنَّ ذُلَّ المَعْصِيَةِ في رِقابِهِمْ، أبى اللَّهُ إلّا أنْ يُذِلَّ مَن عَصاهُ ". وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ العِزَّ قَرِينَ طاعَتِهِ، والذُّلَّ قَرِينَ مَعْصِيَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وَقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ، ظاهِرٌ وباطِنٌ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. أيْ مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَطْلُبْها بِطاعَةِ اللَّهِ وذِكْرِهِ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والعَمَلِ الصّالِحِ. وَفِي دُعاءِ القُنُوتِ: " إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ، ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ " ومَن أطاعَ اللَّهَ فَقَدْ والاهُ فِيما أطاعَهُ فِيهِ، ولَهُ مِنَ العِزِّ بِحَسَبِ طاعَتِهِ، ومَن عَصاهُ فَقَدْ عاداهُ فِيما عَصاهُ فِيهِ، ولَهُ مِنَ الذُّلِّ بِحَسَبِ مَعْصِيَتِهِ. الثّامِنُ: أنَّهُ يُسْدَلُ عَلى الشَّيْطانِ مَدْخَلُهُ مِنَ القَلْبِ، فَإنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ النَّظْرَةِ ويَنْفُذُ مَعَها إلى القَلْبِ أسْرَعَ مِن نُفُوذِ الهَواءِ في المَكانِ الخالِي، فَيُمَثِّلُ لَهُ صُورَةَ المَنظُورِ إلَيْهِ ويُزَيِّنُها، ويَجْعَلُها صَنَمًا يَعْكُفُ عَلَيْهِ القَلْبُ ثُمَّ يَعِدُهُ ويُمَنِّيهِ، ويُوقِدُ عَلى القَلْبِ نارَ الشَّهْوَةِ، ويُلْقِي عَلَيْها حَطَبَ المَعاصِي الَّتِي لَمْ يَكُنْ يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِدُونِ تِلْكَ الصُّورَةِ، فَيَصِيرُ القَلْبُ في اللَّهَبِ. فَمِن ذَلِكَ اللَّهَبِ تِلْكَ الأنْفاسُ الَّتِي يَجِدُ فِيها وهَجَ النّارِ، وتِلْكَ الزَّفَراتُ والحَرْقاتُ، فَإنَّ القَلْبَ قَدْ أحاطَتْ بِهِ النِّيرانُ بِكُلِّ جانِبٍ، فَهو في وسَطِها كالشّاةِ في وسَطِ التَّنُّورِ، ولِهَذا كانَتْ عُقُوبَةُ أصْحابِ الشَّهَواتِ لِلصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ: أنْ جُعِلَ لَهم في البَرْزَخِ تَنُّورٌ مِنَ النّارِ، وأُودِعَتْ أرْواحُهم فِيهِ إلى يَوْمِ حَشْرِ أجْسادِهِمْ، كَما أراها اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ في المَنامِ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ. التّاسِعَةُ: أنَّهُ يُفَرِّغُ القَلْبَ لِلْفِكْرَةِ في مَصالِحِهِ والِاشْتِغالِ بِها، وإطْلاقُ البَصَرِ يُنْسِيهِ ذَلِكَ ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَيَنْفَرِطُ عَلَيْهِ أمْرُهُ ويَقَعُ في اتِّباعِ هَواهُ وفي الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وَإطْلاقُ النَّظَرِ يُوجِبُ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ بِحَسَبِهِ. العاشِرَةُ: أنَّ بَيْنَ العَيْنِ والقَلْبِ مَنفَذًا وطَرِيقًا يُوجِبُ انْتِقالَ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، وأنْ يَصْلُحَ بِصَلاحِهِ، ويَفْسُدَ بِفَسادِهِ، فَإذا فَسَدَ القَلْبُ؛ فَسَدَ النَّظَرُ، وإذا فَسَدَ النَّظَرُ؛ فَسَدَ القَلْبُ، وكَذَلِكَ في جانِبِ الصَّلاحِ، فَإذا خَرِبَتِ العَيْنُ وفَسَدَتْ؛ خَرِبَ القَلْبُ وفَسَدَ، وصارَ كالمَزْبَلَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ النَّجاساتِ والقاذُوراتِ والأوْساخِ، فَلا يَصْلُحُ لِسُكْنى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، والأُنْسِ بِهِ والسُّرُورِ بِقُرْبِهِ فِيهِ، وإنَّما يَسْكُنُ فِيهِ أضْدادُ ذَلِكَ. (فصل: في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل واحد منهما صاحبه والحكم بينهما) لما كانت العين رائدا والقلب باعثا وطالبا وهذه لها لذة الرؤية وهذا له لذة الظفر كانا في الهوى شريكي عنان ولما وقعا في العناء واشتركا في البلاء أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه فقال القلب للعين أنت التي سقتني إلى موارد الهلكات وأوقعتني في الحسرات بمتابعتك اللحظات ونزهت طرفك في تلك الرياض وطلبت الشفاء من الحدق المراض وخالفت قول أحكم الحاكمين ﴿قل للمؤمنين﴾ وقول رسوله "النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه من خوف الله عز وجل أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه" رواه الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة عن حذيفة وقال عمر بن شبة حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشي حدثنا أبو الحسن المدني حدثنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "نظر الرجل في محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس مسموم فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره " فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم أو ما علمت أنه ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان فما عطب أكثر من عطب إلا بهما وما هلك أكثر من هلك إلا بسببهما فلله كم من مورد هلكة أورداه ومصدر ردى عنه أصدراه فمن أحب أن يحيا سعيدا أو يعيش حميدا فليغض من عنان طرفه ولسانه ليسلم من الضرر فإنه كامن في فضول الكلام وفضول النظر وقد صرح الصادق المصدوق بأن العينين تزنيان وهما أصل زنى الفرج فإنهما له رائدان وإليه داعيان وقد سئل رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فأمر السائل أن يصرف بصره فأرشده إلى ما ينفعه ويدفع عنه ضرره وقال لابن عمه علي رضي الله عنه محذرا له مما يوقع في الفتنة ويورث الحسرة "لا تتبع النظرة النظرة " أوما سمعت قول العقلاء من سرح ناظره أتعب خاطره ومن كثرت لحظاته دامت حسراته وضاعت عليه أوقاته وفاضت عبراته وقول الناظم ؎نظر العيون إلى العيون هو الذي ∗∗∗ جعل الهلاك إلى الفؤاد سبيلا ؎ما زالت اللحظات تغزو قلبه ∗∗∗ حتى تشحط فيهن قتيلا وقال آخر ؎تمتعتما يا مقلتي بنظرة ∗∗∗ وأوردتما قلبي أمر الموارد ؎أعيني كفا عن فؤادي فإنه ∗∗∗ من الظلم سعى اثنين في قتل واحد (فصل) قالت العين ظلمتني أولا وآخرا وبؤت بإثمي باطنا وظاهرا وما أنا إلا رسولك الداعي إليك ورائدك الدال عليك ؎وإذا بعثت برائد نحو الذي ∗∗∗ تهوى وتعتبه ظلمت الرائدا فأنت الملك المطاع ونحن الجنود والأتباع أركبتني في حاجتك خيل البريد ثم أقبلت علي بالتهديد والوعيد فلو أمرتني أن أغلق علي بابي وأرخي علي حجابي لسمعت وأطعت ولما رعيت في الحمى ورتعت أرسلتني لصيد قد نصيت لك حبائله وأشراكه واستدارت حولك فخاخه وشباكه فغدوت أسيرا بعد أن كنت أميرا وأصبحت مملوكا بعد أن كنت مليكا هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام حيث يقول "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب" وقال أبو هريرة رضي الله عنه القلب ملك والأعضاء جنوده فإن طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده ولو أنعمت النظر لعلمت أن فساد رعيتك بفسادك وصلاحها ورشدها برشادك ولكنك هلكت وأهلكت رعيتك وحملت على العين الضعيفة خطيئتك وأصل بليتك أنه خلا منك حب الله وحب ذكره وكلامه وأسمائه وصفاته وأقبلت على غيره وأعرضت عنه وتعوضت بحب من سواه والرغبة فيه منه هذا وقد سمعت ما قص عليك من إنكاره سبحانه على بني إسرائيل استبدالهم طعاما بطعام أدنى منه فذمهم على ذلك ونعاه عليهم وقال ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ فكيف بمن استبدل بمحبة خالقه وفاطره ووليه ومالك أمره الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور ولا فرحة ولا نجاة إلا بأن يوحده في الحب ويكون أحب إليه مما سواه فانظر بالله بمن استبدلت وبمحبة من تعوضت رضيت لنفسك بالحبس في الحش وقلوب محبيه تجول حول العرش فلو أقبلت عليه وأعرضت عمن سواه لرأيت العجائب ولأمنت من المتالف والمعاطب أوما علمت أنه خص بالفوز والنعيم من أتاه بقلب سليم أي سليم مما سواه ليس فيه غير حبه واتباع رضاه قالت وبين ذنبي وذنبك عند الناس كما بين عماي وعماك في القياس وقد قال من بيده أزمة الأمور ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمىالقلوب التي في الصدور﴾ (فصل) فلما سمعت الكبد تحاورهما الكلام وتناولهما الخصام قالت أنتما على هلاكي تساعدتما وعلى قتلي تعاونتما ولقد أنصف من حكى مناظرتكما وعلى لساني متظلما منكما يقول: ؎طرفي لقلبي هجت لي سقما ∗∗∗ والعين تزعم أن القلب أنكاها ؎والجسم يشهد أن العين كاذبة ∗∗∗ وهي التي هيجت للقلب بلواها ؎لولا العيون وما يجنين من سقم ∗∗∗ ما كنت مطرحا من بعض قتلاها ؎فقالت الكبد المظلومة اتئدا ∗∗∗ قطعتماني وما راقبتما الله وقال آخر ؎يقول قلبي لطرفي إن بكى جزعا ∗∗∗ تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا ؎فقال طرفي له فيما يعاتبه ∗∗∗ بل أنت حملتني الآمال والطمعا ؎حتى إذا ما خلا كل بصاحبه ∗∗∗ كلاهما بطويل السقم قد قنعا ؎نادتهما كبدي لا تبعدا فلقد ∗∗∗ قطعتماني بما لاقيتما قطعا وقال آخر عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا فألزم القلب طرفي ... وقال كنت الرسولا ؎فقال طرفي لقلبي ∗∗∗ بل كنت أنت الدليلا فقلت كفا جميعا ... تركتماني قتيلا ثم قالت أنا أتولى الحكم بينكما أنتما في البلية شريكا عنان كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان فالعين تلتذ والقلب يتمنى ويشتهي ولهذا قال فيكما القائل ؎ولما سلوت الحب بشر ناظري ∗∗∗ لقلبي فقال القلب لي ولك الهنا ؎تخلصت من إحياء ليلك ساهرا ∗∗∗ وخلصتني من لوعة الهجر والضنا ؎كلانا مهنا بالبقاء فإن تعد ∗∗∗ فلا أنت يبقيك الغرام ولا أنا وإن لم تدرككما عناية مقلب القلوب والأبصار وإلا فما لك من قرة ولا للقلب من قرار قال الشاعر ؎فوالله ما أدري أنفسي ألومها ∗∗∗ على الحب أم عيني المشومة أم قلبي ؎فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ∗∗∗ وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب ؎فعيني وقلبي قد تقاسمتما دمي ∗∗∗ فيا رب كن عونا على العين والقلب قالت هذه ولما سقيت القلب ماء المحبة بكؤوسك أوقدت عليه نار الشوق فارتفع إليك البخار فتقاطر منك فشرقت بشربه أولا وشرقت بحر ناره ثانيا قال ؎خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري ∗∗∗ ضنى جسدي لكنني أتستر ؎وليس الذي يجري من العين ماؤها ∗∗∗ ولكنها روح تذوب فتقطر قالت والحاكم بينكما الذي يحكم بين الروح والجسد إذا اختصما بين يديه فإن في الأثر المشهور لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم الروح والجسد فيقول الجسد للروح أنت الذي حركتني وأمرتني وصرفتني وإلا فأنا لم أكن أتحرك ولا أفعل بدونك فتقول الروح له وأنت ألذي أكلت وشربت وباشرت وتنعمت فأنت الذي تستحق العقوبة فيرسل الله سبحانه إليهما ملكا يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانا فقال المقعد للأعمى أنا أرى ما فيه من الثمار ولكن لا أستطيع القيام وقال الأعمى أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئا فقال له المقعد تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول فعلى من تكون العقوبة فيقول عليهما قال فكذلك أنتما. وبالله التوفيق. (فصل) قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يغُضُّوا مِن أبْصارِهْمِ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذلِكَ أزْكى لَهم إنّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يصْنَعُونَ﴾ فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج. ولهذا كان غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر: إحداها: حلاوة الإيمان ولذته، التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله تعالى فإن من ترك شيئا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه، والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة، والعين رائد القلب. فيبعث رائده لنظر ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله، تحرك اشتياقا إليه، وكثيرا ما يتعب ويتعب رسوله ورائده كما قيل: ؎وَكُنْتَ مَتى أرْسَلْتَ طَرْفَكَ رائِدًا ∗∗∗ لِقلبكَ يَوْمًا أتْعَبَتْكَ المناظِرُ ؎رَأيْتَ الَّذِي لا كُلَّهُ أنْتَ قادِرٌ ∗∗∗ عَلَيْه ولا عَنْ بَعْضِهِ أنْتَ صابرُ فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة، فمن أطلق لحظاته دامت حسراته، فإن النظر يولد المحبة. فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه. ثم تقوى فتصير صبابة. ينصب إليه القلب بكليته. ثم تقوى فتصير غراما يلزم القلب، كلزوم الغريم الذي لا يفارق غريمه. ثم يقوى فيصير عشقا. وهو الحب المفرط. ثم يقوى فيصير شغفا. وهو الحب الذي قد وصل إلى شَغاف القلب وداخله. ثم يقوى فيصير تتيمًا. والتتيم التعبد ومنه تيمه الحب إذا عَبَّده. وتيم الله عبد الله. فيصير القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدا له. وهذا كله جناية النظر فحينئذ يقع القلب في الأسر. فيصير أسيرا بعد أن كان ملكا، ومسجونا بعد أن كان مطلقا. يتظلم من الطرْف ويشكوه. والطرْف يقول: أنا رائدك ورسولك، وأنت بعثتنى. وهذا إنما ابتُلى به القلوب الفارغة من حب الله والإخلاص له، فإن القلب لا بد له من التعلق بمحبوب. فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلا بد أن ينعقد قلبه لغيره. قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. فامرأة العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه، مع كونها ذات زوج، ويوسف عليه السلام لما كان مخلصا لله تعالى نجا من ذلك مع كونه شابا عزَبا غريبا مملوكا. الفائدة الثانية في غض البصر: نور القلب وصحة الفراسة. قال أبو شجاع الكرمانى: "من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكف نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة" وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به، ثم قال بعد ذلك: ﴿إنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة، وقال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم: ﴿اللهُ نُورُ السَّمواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. وسر هذا الخبر: أن الجزاء من جنس العمل. فمن غض بصره عما حرم الله عز وجل عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه. فإن القلب كالمرآة، والهوى كالصدأ فيها. فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صورة الحقائق كما هي عليه. وإذا صدئت لم ينطبع فيها صورة المعلومات. فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون. الفائدة الثالثة قوة القلب وثباته وشجاعته، فيعطيه الله تعالى بقوته سلطان النصرة، كما أعطاه بنوره سلطان الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه، كما في الأثر: "إنّ الّذِي يُخالِفُ هَواهُ يَفْرَقُ الشَّيْطانُ مِن ظِلِّهِ". ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] وقال تعالى: ﴿مَن كانَ يُريِدُ العِزَّةَ فَللَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. أي من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة الله: بالكلم الطيب، والعمل الصالح. وقال بعض السلف: "الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله" وقال الحسن: "وإن هَمْلَجَتْ بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفى قلوبهم، أبي الله عز وجل إلا أن يُذِلَّ من عصاه، وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه، ولا يذل من والاه الله، كما في دعاء القنوت: "إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ". والمقصود: أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: ﴿وَلوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكى مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولكِنَّ اللهَ يُزَكِّى مَن يَشاءُ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. وذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن التزكي هو باجتناب ذلك. وكذلك قوله تعالى في الاستئذان على أهل البيوت: ﴿وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]. فإنهم إذا أمروا بالرجوع لئلا يطلعوا على عورة لم يحب صاحب المنزل أن يطَّلع عليها كان ذلك أزكى لهم، كما أن رد البصر وغضه أزكى لصاحبه، وقال تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤-١٥]. وقال تعالى عن موسى عليه السلام في خطابه لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]. (فصل: في أحكام النظر وغائلته وما يجني على صاحبه) قال الله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية. فلما كان غض البصر أصلا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة، ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة. لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه. وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه فلذلك عم الأمر بحفظه. وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته وفي الصحيح أن الفضل بن عباس رضي الله عنهما كان رديف رسول الله ﷺ يوم النحر من مزدلفة إلى منى فمرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فحول رسول الله ﷺ رأسه إلى الشق الآخر. وهذا منع وإنكار بالفعل فلو كان النظر جائزا لأقره عليه. وفي الصحيح عنه أنه قال "إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فالعين تزني وزناها النظر واللسان يزني وزناه النطق والرجل تزني وزناها الخطى واليد تزني وزناها البطش والقلب يهوى ويتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فبدأ بزنى العين لأنه أصل زنى اليد والرجل والقلب ولافرج ونبه بزنى اللسان بالكلام على زنى الفم بالقبل وجعل الفرج مصدقا لذلك إن حقق الفعل أو مكذبا له إن لم يحققه وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر أن ذلك زناها ففيه رد على من أباح النظر مطلقا وثبت عنه أنه قال يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية. ووقعت مسألة ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرة فعلق حبها بقلبه واشتد عليه الأمر فقالت له نفسه هذا كله من أول نظرة فلو أعدت النظر إليها لرأيتها دون ما في نفسك فسلوت عنها فهل يجوز له تعمد النظر ثانيا لهذا المعنى فكان الجواب الحمد لله لا يجوز هذا لعشرة أوجه: أحدها أن الله سبحانه أمر بغض البصر ولم يجعل شفاء القلب فيما حرمه على العبد الثاني أن النبي ﷺ سئل عن نظر الفجأة وقد علم أنه يؤثر في القلب فأمر بمداواته بصرف البصر لا بتكرار النظر. الثالث أنه صرح بأن الأولى له وليست له الثانية ومحال أن يكون داؤه مما له ودواؤه فيما ليس له الرابع أن الظاهر قوة الأمر بالنظرة الثانية لا تناقصه والتجربة شاهدة به والظاهر أن الأمر كما رآه أول مرة فلا تحسن المخاطرة بالإعادة الخامس أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه فزاد عذابه السادس أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه فيزين له ما ليس بحسن لتتم البلية السابع أنه لا يعان على بليته إذا أعرض عن امتثال أوامر الشرع وتداوى بما حرمه عليه بل هو جدير أن تتخلف عنه المعونة الثامن أن النظرة الأولى سهم مسموم من سهام إبليس ومعلوم أن الثانية أشد سما فكيف يتداوى من السم بالسم التاسع أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق عز وجل في ترك محبوب كما زعم وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبين حال المنظور إليه فإن لم يكن مرضيا تركه فإذا يكون تركه لأنه لا يلائم غرضه لا لله تعالى فأين معاملة الله سبحانه بترك المحبوب لأجله. العاشر يتبين بضرب مثل مطابق للحال وهو أنك إذا ركبت فرسا جديدا فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ ولا يمكنها تستدير فيه للخروج، فإذا همت بالدخول فيه فاكبحها لئلا تدخل فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصح بها وردها إلى وراء عاجلا قبل أن يتمكن دخولها فإن رددتها إلى ورائها سهل الأمر وإن توانيت حتى ولجت وسقتها داخلا ثم قمت تجذبها بذنبها عسر عليك أو تعذر خروجها فهل يقول عاقل إن طريق تخليصها سوقها إلى داخل فكذلك النظرة إذا أثرت في القلب فإن عجل الحازم وحسم المادة من أولها سهل علاجه وإن كرر النظر ونقب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة فلا تزال شجرة الحب تنمى حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به فيخرج صاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن ويلقي القلب في التلف والسبب في هذا أن الناظر التذت عينه بأول نظرة فطلبت المعاودة كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة ولو أنه غض أولا لاستراح قلبه وسلم. وتأمل قول النبي ﷺ النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فإن السهم شأنه أن يسري في القلب فيعمل فيه عمل السم الذي يسقاه المسموم فإن بادر استفرغه وإلا قتله ولا بد قال المروذي قلت لأحمد الرجل ينظر إلى المملوكة قال أخاف عليه الفتنة كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل وقال ابن عباس الشيطان من الرجل في ثلاثة: في نظره وقلبه وذكره، وهو من المرأة في ثلاثة في بصرها وقلبها وعجزها. فصل: ولما كان النظر من أقرب الوسائل إلى المحرم اقتضت الشريعة تحريمه وأباحته في موضع الحاجة وهذا شأن كل ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للمصلحة الراجحة كما حرمت الصلاة في أوقات النهي لئلا تكون وسيلة إلى التشبه بالكفار في سجودهم للشمس أبيحت للمصلحة الراجحة كقضاء الفوائت وصلاة الجنازة وفعل ذوات الأسباب على الصحيح وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن النبي ﷺ أنه قال: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة يجدها إلى يوم يلقاه" أو كما قال. وقال جرير بن عبد الله رضي الله عنهما سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري. ونظرة الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر فما لم يعتمده القلب لا يعاقب عليه، فإذا نظر الثانية تعمدا أثم فأمره النبي ﷺ عند نظرة الفجأة أن يصرف بصره ولا يستديم النظر، فإن استدامته كتكريره وأرشد من ابتلي بنظرة الفجأة أن يداويه بإتيان امرأته. وقال: "إن معها مثل الذي معها" فإن في ذلك التسلي عن المطلوب بجنسه. والثاني أن النظر يثير قوة الشهوة فأمره بتنقيصها بإتيان أهله، ففتنة النظر أصل كل فتنة كما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ "اتقوا الدنيا واتقوا النساء" وفي مسند محمد بن إسحاق السراج من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ﷺ "أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمر" وقال ابن عباس رضي الله عنهما "لم يكفر من كفر ممن مضى إلا من قبل النساء، وكفر من بقي من قبل النساء" [فَصْلٌ: حُكْمُ النَّظَرِ إلى الحُرَّةِ وإلى الأمَةِ] وَأمّا تَحْرِيمُ النَّظَرِ إلى العَجُوزِ الحُرَّةِ الشَّوْهاءِ القَبِيحَةِ وإباحَتُهُ إلى الأمَةِ البارِعَةِ الجَمالِ فَكَذِبٌ عَلى الشّارِعِ، فَأيْنَ حَرَّمَ اللَّهُ هَذا وأباحَ هَذا؟ واللَّهُ سُبْحانَهُ إنّما قالَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] لَمْ يُطْلِقْ اللَّهُ ورَسُولُهُ لِلْأعْيُنِ النَّظَرَ إلى الإماءِ البارِعاتِ الجَمالِ، وإذا خَشِيَ الفِتْنَةَ بِالنَّظَرِ إلى الأمَةِ حَرُمَ عَلَيْهِ بِلا رَيْبٍ، وإنَّما نَشَأتْ الشُّبْهَةُ أنَّ الشّارِعَ شَرَعَ لِلْحَرائِرِ أنْ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ عَنْ الأجانِبِ، وأمّا الإماءُ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا في إماءِ الِاسْتِخْدامِ والِابْتِذالِ، وأمّا إماءُ التَّسَرِّي اللّاتِي جَرَتْ العادَةُ بِصَوْنِهِنَّ وحَجْبِهِنَّ فَأيْنَ أباحَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَهُنَّ أنْ يَكْشِفْنَ وُجُوهَهُنَّ في الأسْواقِ والطُّرُقاتِ ومَجامِعِ النّاسِ وأذِنَ لِلرِّجالِ في التَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِنَّ؟ فَهَذا غَلَطٌ مَحْضٌ عَلى الشَّرِيعَةِ، وأكَّدَ هَذا الغَلَطَ أنَّ بَعْضَ الفُقَهاءِ، سَمِعَ قَوْلَهُمْ: إنّ الحُرَّةَ كُلَّها عَوْرَةٌ إلّا وجْهَها وكَفَّيْها، وعَوْرَةُ الأمَةِ ما لا يَظْهَرُ غالِبًا كالبَطْنِ والظَّهْرِ والسّاقِ؛ فَظَنَّ أنَّ ما يَظْهَرُ غالِبًا حُكْمُهُ حُكْمُ وجْهِ الرَّجُلِ، وهَذا إنّما هو في الصَّلاةِ لا في النَّظَرِ، فَإنَّ العَوْرَةَ عَوْرَتانِ: عَوْرَةٌ في النَّظَرِ وعَوْرَةٌ في الصَّلاةِ، فالحُرَّةُ لَها أنْ تُصَلِّيَ مَكْشُوفَةَ الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، ولَيْسَ لَها أنْ تَخْرُجَ في الأسْواقِ ومَجامِعِ النّاسِ كَذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ: مَدْخَلُ المَعاصِي النَّظْرَةُ] وَأكْثَرُ ما تَدْخُلُ المَعاصِي عَلى العَبْدِ مِن هَذِهِ الأبْوابِ الأرْبَعَةِ، فَنَذْكُرُ في كُلِّ بابٍ مِنها فَصْلًا يَلِيقُ بِهِ. النَّظْرَةُ فَأمّا اللَّحَظاتُ: فَهي رائِدُ الشَّهْوَةِ ورَسُولُها، وحِفْظُها أصْلُ حِفْظِ الفَرْجِ، فَمَن أطْلَقَ بَصَرَهُ أوْرَدَ نَفْسَهُ مَوارِدَ المُهْلِكاتِ. وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإنَّما لَكَ الأُولى ولَيْسَتْ لَكَ الأُخْرى». وَفِي المُسْنَدِ عَنْهُ ﷺ: «النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ، فَمَن غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مَحاسِنِ امْرَأةٍ لِلَّهِ، أوْرَثَ اللَّهُ قَلْبَهُ حَلاوَةً إلى يَوْمِ يَلْقاهُ» هَذا مَعْنى الحَدِيثِ. وَقالَ: «غُضُّوا أبْصارَكُمْ، واحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ» وَقالَ: «إيّاكم والجُلُوسَ عَلى الطُّرُقاتِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَجالِسُنا ما لَنا بُدٌّ مِنها، قالَ: فَإنْ كُنْتُمْ لا بُدَّ فاعِلِينَ، فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قالُوا: وما حَقُّهُ؟ قالَ: غَضُّ البَصَرِ وكَفُّ الأذى ورَدُّ السَّلامِ». والنَّظَرُ أصْلُ عامَّةِ الحَوادِثِ الَّتِي تُصِيبُ الإنْسانَ، فالنَّظْرَةُ تُوَلِّدُ خَطْرَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الخَطْرَةُ فِكْرَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الفِكْرَةُ شَهْوَةً، ثُمَّ تُوَلِّدُ الشَّهْوَةُ إرادَةً، ثُمَّ تَقْوى فَتَصِيرُ عَزِيمَةً جازِمَةً، فَيَقَعُ الفِعْلُ ولا بُدَّ، ما لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ مانِعٌ. وَفِي هَذا قِيلَ: الصَّبْرُ عَلى غَضِّ البَصَرِ أيْسَرُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى ألَمِ ما بَعْدَهُ. قالَ الشّاعِرُ: ؎كُلُّ الحَوادِثِ مَبْداها مِنَ النَّظَرِ ∗∗∗ ومُعْظَمُ النّارِ مِن مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ ؎كَمْ نَظْرَةٌ بَلَغَتْ في قَلْبِ صاحِبِها ∗∗∗ كَمَبْلَغِ السَّهْمِ بَيْنَ القَوْسِ والوَتَرِ ؎والعَبْدُ ما دامَ ذا طَرْفٍ يُقَلِّبُهُ ∗∗∗ في أعْيُنِ العِينِ مَوْقُوفٌ عَلى الخَطَرِ ؎يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَتَهُ ∗∗∗ لا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عادَ بِالضَّرَرِ وَمِن آفاتِ النَّظَرِ: أنَّهُ يُورِثُ الحَسَراتِ والزَّفَراتِ والحَرَقاتِ، فَيَرى العَبْدُ ما لَيْسَ قادِرًا عَلَيْهِ ولا صابِرًا عَنْهُ، وهَذا مِن أعْظَمِ العَذابِ، أنْ تَرى ما لا صَبْرَ لَكَ عَنْ بَعْضِهِ، ولا قُدْرَةَ عَلى بَعْضِهِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وَكُنْتُ مَتى أرْسَلْتَ طَرْفَكَ رائِدًا ∗∗∗ لِقَلْبِكَ يَوْمًا أتْعَبَتْكَ المَناظِرُ ؎رَأيْتَ الَّذِي لا كُلُّهُ أنْتَ قادِرٌ ∗∗∗ عَلَيْهِ ولا عَنْ بَعْضِهِ أنْتَ صابِرُ وَهَذا البَيْتُ يَحْتاجُ إلى شَرْحٍ، ومُرادُهُ: أنَّكَ تَرى ما لا تَصْبِرُ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: " لا كُلُّهُ أنْتَ قادِرٌ عَلَيْهِ " نَفْيٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى الكُلِّ الَّذِي لا يَنْتَفِي إلّا بِنَفْيِ القُدْرَةِ عَنْ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ. وَكَمْ مَن أرْسَلَ لَحَظاتِهِ فَما قَلَعَتْ إلّا وهو يَتَشَحَّطُ بَيْنَهُنَّ قَتِيلًا، كَما قِيلَ: ؎يا ناظِرًا ما أقْلَعَتْ لَحَظاتُهُ ∗∗∗ حَتّى تَشَحَّطَ بَيْنَهُنَّ قَتِيلا وَلِي مِن أبْياتٍ: ؎مَلَّ السَّلامَةَ فاغْتَدَتْ لَحَظاتُهُ ∗∗∗ وقْفًا عَلى طَلَلٍ يَظُنُّ جَمِيلًا ؎ما زالَ يُتْبِعُ إثْرَهُ لَحَظاتِهِ ∗∗∗ حَتّى تَشَحَّطَ بَيْنَهُنَّ قَتِيلًا وَمِنَ العَجَبِ: أنَّ لَحْظَةَ النّاظِرِ سَهْمٌ لا يَصِلُ إلى المَنظُورِ إلَيْهِ حَتّى يَتَبَوَّأ مَكانًا مِن قَلْبِ النّاظِرِ، ولِي مِن قَصِيدَةٍ: ؎يا رامِيًا بِسِهامِ اللَّحْظِ مُجْتَهِدًا ∗∗∗ أنْتَ القَتِيلُ بِما تَرْمِي فَلا تُصِبِ ؎يا باعِثَ الطَّرْفِ يَرْتادُ الشِّفاءَ لَهُ ∗∗∗ احْبِسْ رَسُولَكَ لا يَأْتِيكَ بِالعَطَبِ وَأعْجَبُ مِن ذَلِكَ: أنَّ النَّظْرَةَ تَجْرَحُ القَلْبَ جُرْحًا، فَيَتْبَعُها جُرْحٌ عَلى جُرْحٍ، ثُمَّ لا يَمْنَعُهُ ألَمُ الجِراحَةِ مِنِ اسْتِدْعاءِ تَكْرارِها، ولِي أيْضًا في هَذا المَعْنى: ؎ما زِلْتَ تُتْبِعُ نَظْرَةً في نَظْرَةٍ ∗∗∗ في إثْرِ كُلِّ مَلِيحَةٍ ومَلِيحِ ؎وَتَظُنُّ ذاكَ دَواءَ جُرْحِكَ وهو في ال ∗∗∗ تَحْقِيقِ تَجْرِيحٌ عَلى تَجْرِيحِ ؎فَذَبَحْتَ طَرْفَكَ بِاللِّحاظِ وبِالبُكا ∗∗∗ فالقَلْبُ مِنكَ ذَبِيحٌ أيُّ ذَبِيحِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ حَبْسَ اللَّحَظاتِ أيْسَرُ مِن دَوامِ الحَسَراتِ. [فَصْلٌ: الخَطْرَةُ] وَأمّا الخَطَراتُ: فَشَأْنُها أصْعَبُ، فَإنَّها مَبْدَأُ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِنها تَتَوَلَّدُ الإراداتُ والهِمَمُ والعَزائِمُ، فَمَن راعى خَطَراتِهِ مَلَكَ زِمامَ نَفْسِهِ وقَهَرَ هَواهُ، ومَن غَلَبَتْهُ خَطَراتُهُ فَهَواهُ ونَفْسُهُ لَهُ أغْلَبُ، ومَنِ اسْتَهانَ بِالخَطَراتِ قادَتْهُ قَهْرًا إلى الهَلَكاتِ، ولا تَزالُ الخَطَراتُ تَتَرَدَّدُ عَلى القَلْبِ حَتّى تَصِيرَ مُنًى باطِلَةً. ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩]. وَأخَسُّ النّاسِ هِمَّةً وأوْضَعُهم نَفْسًا، مَن رَضِيَ مِنَ الحَقائِقِ بِالأمانِي الكاذِبَةِ، واسْتَجْلَبَها لِنَفْسِهِ وتَجَلّى بِها، وهي لَعَمْرُ اللَّهِ رُءُوسُ أمْوالِ المُفْلِسِينَ، ومَتاجِرُ البَطّالِينَ، وهي قُوتُ النَّفْسِ الفارِغَةِ، الَّتِي قَدْ قَنَعَتْ مِنَ الوَصْلِ بِزَوْرَةِ الخَيالِ، ومِنَ الحَقائِقِ بِكَواذِبِ الآمالِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أمانِيَّ مِن سُعْدى رِواءٌ عَلى الظَّما ∗∗∗ سَقَتْنا بِها سُعْدى عَلى ظَمَأٍ بَرْدا ؎مُنًى إنْ تَكُنْ حَقًّا تَكُنْ أحْسَنَ المُنى ∗∗∗ وإلّا فَقَدْ عِشْنا بِها زَمَنًا رَغْدا وَهِيَ أضَرُّ شَيْءٍ عَلى الإنْسانِ، ويَتَوَلَّدُ مِنها العَجْزُ والكَسَلُ، وتُوَلِّدُ التَّفْرِيطَ والحَسْرَةَ والنَّدَمَ، والمُتَمَنِّي لَمّا فاتَتْهُ مُباشَرَةُ الحَقِيقَةِ بِجِسْمِهِ حَوَّلَ صُورَتَها في قَلْبِهِ، وعانَقَها وضَمَّها إلَيْهِ، فَقَنَعَ بِوِصالِ صُورَةٍ وهْمِيَّةٍ خَيالِيَّةٍ صَوَّرَها فِكْرُهُ. وَذَلِكَ لا يُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا، وإنَّما مَثَلُهُ مَثَلُ الجائِعِ والظَّمْآنِ، يُصَوِّرُ في وهْمِهِ صُورَةَ الطَّعامِ والشَّرابِ، وهو لا يَأْكُلُ ولا ويَشْرَبُ. والسُّكُونُ إلى ذَلِكَ واسْتِجْلابُهُ يَدُلُّ عَلى خَسارَةِ النَّفْسِ ووَضاعَتِها، وإنَّما شَرَفُ النَّفْسِ وزَكاؤُها، وطَهارَتُها وعُلُوُّها بِأنْ يَنْفِيَ عَنْها كُلَّ خَطْرَةٍ لا حَقِيقَةَ لَها، ولا يَرْضى أنْ يُخْطِرَها بِبالِهِ، ويَأْنَفَ لِنَفْسِهِ مِنها. ثُمَّ الخَطَراتُ بَعْدُ أقْسامٌ تَدُورُ عَلى أرْبَعَةِ أُصُولٍ: خَطَراتٌ يَسْتَجْلِبُ بِها العَبْدُ مَنافِعَ دُنْياهُ. وَخَطَراتٌ يَسْتَدْفِعُ بِها مَضارَّ دُنْياهُ. وَخَطَراتٌ يَسْتَجْلِبُ بِها مَصالِحَ آخِرَتِهِ. وَخَطَراتٌ يَسْتَدْفِعُ بِها مَضارَّ آخِرَتِهِ. فَلْيَحْصُرِ العَبْدُ خَطَراتِهِ وأفْكارَهُ وهُمُومَهُ في هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، فَإذا انْحَصَرَتْ لَهُ فِيها أمْكَنَ اجْتِماعُهُ مِنها ولَمْ يَتْرُكْهُ لِغَيْرِهِ، وإذا تَزاحَمَتْ عَلَيْهِ الخَطَراتُ لِتَزاحُمِ مُتَعَلِّقاتِها، قَدَّمَ الأهَمَّ فالأهَمَّ الَّذِي يَخْشى فَوْتَهُ، وأخَّرَ الَّذِي لَيْسَ بِأهَمَّ ولا يَخافُ فَوْتَهُ. (بَقِيَ قِسْمانِ آخَرانِ) أحَدُهُما: مُهِمٌّ لا يَفُوتُ. والثّانِي: غَيْرُ مُهِمٍّ ولَكِنَّهُ يَفُوتُ. فَفِي كُلٍّ مِنهُما ما يَدْعُو إلى تَقْدِيمِهِ، فَهُنا يَقَعُ التَّرَدُّدُ والحَيْرَةُ، فَإنْ قَدَّمَ المُهِمَّ؛ خَشِيَ فَواتَ ما دُونَهُ، وإنْ قَدَّمَ ما دُونَهُ فاتَهُ الِاشْتِغالُ بِهِ عَنِ المُهِمِّ، وكَذَلِكَ يَعْرِضُ لَهُ أمْرانِ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، ولا يَحْصُلُ أحَدُهُما إلّا بِتَفْوِيتِ الآخَرِ. فَهُوَ مَوْضِعُ اسْتِعْمالِ العَقْلِ والفِقْهِ والمَعْرِفَةِ، ومِن هاهُنا ارْتَفَعَ مَنِ ارْتَفَعَ وأنْجَحَ مَن أنْجَحَ، وخابَ مَن خابَ، فَأكْثَرُ مَن تَرى مِمَّنْ يَعْظُمُ عَقْلُهُ ومَعْرِفَتُهُ، يُؤْثِرُ غَيْرَ المُهِمِّ الَّذِي لا يَفُوتُ عَلى المُهِمِّ الَّذِي يَفُوتُ، ولا تَجِدُ أحَدًا يَسْلَمُ مِن ذَلِكَ، ولَكِنْ مُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ. والتَّحْكِيمُ في هَذا البابِ لِلْقاعِدَةِ الكُبْرى الَّتِي عَلَيْها مَدارُ الشَّرْعِ والقَدَرِ، وإلَيْها مَرْجِعُ الخَلْقِ والأمْرِ، وهي إيثارُ أكْبَرِ المَصْلَحَتَيْنِ وأعْلاهُما، وإنْ فاتَتِ المَصْلَحَةُ الَّتِي هي دُونَها، والدُّخُولُ في أدْنى المَفْسَدَتَيْنِ لِدَفْعِ ما هو أكْبَرُ مِنها. فَيُفَوِّتُ مَصْلَحَةً لِتَحْصِيلِ ما هو أكْبَرُ مِنها، ويَرْتَكِبُ مَفْسَدَةً لِدَفْعِ ما هو أعْظَمُ مِنها. فَخَطَراتُ العاقِلِ وفِكْرُهُ لا يُجاوِزُ ذَلِكَ، وبِذَلِكَ جاءَتِ الشَّرائِعُ، ومَصالِحُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لا تَقُومُ إلّا عَلى ذَلِكَ، وأعْلى الفِكَرِ وأجَلُّها وأنْفَعُها: ما كانَ لِلَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ، فَما كانَ لِلَّهِ فَهو أنْواعٌ: أحَدُها: الفِكْرَةُ في آياتِهِ المُنَزَّلَةِ وتَعَقُّلُها، وفَهْمُها وفَهْمُ مُرادِهِ مِنها، ولِذَلِكَ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى، لا لِمُجَرَّدِ تِلاوَتِها، بَلِ التِّلاوَةُ وسِيلَةٌ. قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أُنْزِلَ القُرْآنُ لِيُعْمَلَ بِهِ، فاتَّخَذُوا تِلاوَتَهُ عَمَلًا. الثّانِي: الفِكْرَةُ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ والِاعْتِبارُ بِها، والِاسْتِدْلالُ بِها عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وحِكْمَتِهِ وإحْسانِهِ، وبِرِّهِ وجُودِهِ، وقَدْ حَضَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِبادَهُ عَلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ وتَدَبُّرِها وتَعَقُّلِها، وذَمَّ الغافِلَ عَنْ ذَلِكَ. الثّالِثُ: الفِكْرَةُ في آلائِهِ وإحْسانِهِ، وإنْعامِهِ عَلى خَلْقِهِ بِأصْنافِ النِّعَمِ، وسَعَةِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ وحِلْمِهِ. وَهَذِهِ الأنْواعُ الثَّلاثَةُ تَسْتَخْرِجُ مِنَ القَلْبِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ ومَحَبَّتَهُ وخَوْفَهُ ورَجاءَهُ. ودَوامُ الفِكْرَةِ في ذَلِكَ مَعَ الذِّكْرِ يَصْبُغُ القَلْبَ في المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ صِبْغَةً تامَّةً. الرّابِعُ: الفِكْرَةُ في عُيُوبِ النَّفْسِ وآفاتِها، وفي عُيُوبِ العَمَلِ، وهَذِهِ الفِكْرَةُ عَظِيمَةُ النَّفْعِ، وهَذا بابٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وتَأْثِيرُها في كَسْرِ النَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، ومَتى كُسِرَتْ عاشَتِ النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ وانْبَعَثَتْ وصارَ الحُكْمُ لَها، فَحَيِيَ القَلْبُ، ودارَتْ كَلِمَتُهُ في مَمْلَكَتِهِ، وبَثَّ أُمَراءَهُ وجُنُودَهُ في مَصالِحِهِ. الخامِسُ: الفِكْرَةُ في واجِبِ الوَقْتِ ووَظِيفَتِهِ وجَمْعُ الهَمِّ كُلِّهِ عَلَيْهِ، فالعارِفُ ابْنُ وقْتِهِ، فَإنْ أضاعَهُ ضاعَتْ عَلَيْهِ مَصالِحُهُ كُلُّها، فَجَمِيعُ المَصالِحِ إنَّما تَنْشَأُ مِنَ الوَقْتِ، وإنْ ضَيَّعَهُ لَمْ يَسْتَدْرِكْهُ أبَدًا. قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " صَحِبْتُ الصُّوفِيَّةَ فَلَمْ أسْتَفِدْ مِنهم سِوى حَرْفَيْنِ: أحَدُهُما قَوْلُهُمْ: الوَقْتُ سَيْفٌ، فَإنْ قَطَعْتَهُ وإلّا قَطَعَكَ ". وَذَكَرَ الكَلِمَةَ الأُخْرى: " ونَفْسُكَ إنْ لَمْ تَشْغَلْها بِالحَقِّ وإلّا شَغَلَتْكَ بِالباطِلِ ". فَوَقْتُ الإنْسانِ هو عُمُرُهُ في الحَقِيقَةِ، وهو مادَّةُ حَياتِهِ الأبَدِيَّةِ في النَّعِيمِ المُقِيمِ، ومادَّةُ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ في العَذابِ الألِيمِ، وهو يَمُرُّ أسْرَعَ مِنَ السَّحابِ، فَما كانَ مِن وقْتِهِ لِلَّهِ وبِاللَّهِ فَهو حَياتُهُ وعُمُرُهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ لَيْسَ مَحْسُوبًا مِن حَياتِهِ، وإنْ عاشَ فِيهِ عاشَ عَيْشَ البَهائِمِ، فَإذا قَطَعَ وقْتَهُ في الغَفْلَةِ والسَّهْوِ والأمانِيِّ الباطِلَةِ، وكانَ خَيْرَ ما قَطَعَهُ بِهِ النَّوْمُ والبِطالَةُ، فَمَوْتُ هَذا خَيْرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ. وَإذا كانَ العَبْدُ - وهو في الصَّلاةِ - لَيْسَ لَهُ مِن صَلاتِهِ إلّا ما عَقَلَ مِنها فَلَيْسَ لَهُ مِن عُمُرِهِ إلّا ما كانَ فِيهِ بِاللَّهِ ولِلَّهِ. وَما عَدا هَذِهِ الأقْسامِ مِنَ الخَطَراتِ والفِكَرِ، فَإمّا وساوِسُ شَيْطانِيَّةٌ وإمّا أمانِيُّ باطِلَةٌ، وخِدَعٌ كاذِبَةٌ، بِمَنزِلَةِ خَواطِرِ المُصابِينَ في عُقُولِهِمْ مِنَ السُّكارى والمَحْشُوشِينَ والمُوَسْوِسِينَ، ولِسانُ حالِ هَؤُلاءِ يَقُولُ عِنْدَ انْكِشافِ الحَقائِقِ: ؎إنْ كانَ مَنزِلَتِي في الحَشْرِ عِنْدَكم ∗∗∗ ما قَدْ لَقِيتُ فَقَدْ ضَيَّعْتُ أيّامِي ؎أُمْنِيَّةٌ ظَفِرَتْ نَفْسِي بِها زَمَنًا ∗∗∗ واليَوْمَ أحْسَبُها أضْغاثَ أحْلامِ واعْلَمْ أنَّ وُرُودَ الخاطِرِ لا يَضُرُّ، وإنَّما يَضُرُّ اسْتِدْعاؤُهُ ومُحادَثَتُهُ، فالخاطِرُ كالمارِّ عَلى الطَّرِيقِ، فَإنْ تَرَكْتَهُ مَرَّ وانْصَرَفَ عَنْكَ، وإنِ اسْتَدْعَيْتَهُ سَحَرَكَ بِحَدِيثِهِ وغُرُورِهِ، وهو أخَفُّ شَيْءٍ عَلى النَّفْسِ الفارِغَةِ الباطِلَةِ، وأثْقَلُ شَيْءٍ عَلى القَلْبِ والنَّفْسِ الشَّرِيفَةِ السَّماوِيَّةِ المُطْمَئِنَّةِ. وَقَدْ رَكَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الإنْسانِ نَفْسَيْنِ: نَفْسًا أمّارَةً ونَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، وهُما مُتَعادِيَتانِ، فَكُلُّ ما خَفَّ عَلى هَذِهِ ثَقُلَ عَلى هَذِهِ، وكُلُّ ما التَذَّتْ بِهِ هَذِهِ تَألَّمَتْ بِهِ الأُخْرى، فَلَيْسَ عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ أشَقُّ مِنَ العَمَلِ لِلَّهِ وإيثارِ رِضاهُ عَلى هَواها، ولَيْسَ لَها أنْفَعُ مِنهُ، ولَيْسَ عَلى النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ أشَقُّ مِنَ العَمَلِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وما جاءَ بِهِ داعِي الهَوى. وَلَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ أضَرُّ مِنهُ، والمَلَكُ مَعَ هَذِهِ عَنْ يَمْنَةِ القَلْبِ، والشَّيْطانُ مَعَ تِلْكَ عَنْ يَسْرَةِ القَلْبِ، والحُرُوبُ مُسْتَمِرَّةٌ لا تَضَعُ أوْزارَها إلّا أنْ يُسْتَوْفى أجَلُها مِنَ الدُّنْيا، والباطِلُ كُلُّهُ يَتَحَيَّزُ مَعَ الشَّيْطانِ والأمّارَةِ، والحَقُّ كُلُّهُ يَتَحَيَّزُ مَعَ المَلَكِ والمُطْمَئِنَّةِ، والحَرْبُ دُوَلٌ وسِجالٌ، والنَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ، ومَن صَبَرَ وصابَرَ ورابَطَ واتَّقى اللَّهَ فَلَهُ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى حُكْمًا لا يُبَدَّلُ أبَدًا: أنَّ العاقِبَةَ لِلتَّقْوى، والعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، فالقَلْبُ لَوْحٌ فارِغٌ، والخَواطِرُ نُقُوشٌ تُنْقَشُ فِيهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَكُونَ نُقُوشُ لَوْحِهِ ما بَيْنَ كَذِبٍ وغُرُورٍ وخُدَعٍ، وأمانِيِّ باطِلَةٍ، وسَرابٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ؟ فَأيُّ حِكْمَةٍ وعِلْمٍ وهُدًى يَنْتَقِشُ مَعَ هَذِهِ النُّقُوشِ؟ وإذا أرادَ أنْ يَنْتَقِشَ ذَلِكَ في لَوْحِ قَلْبِهِ كانَ بِمَنزِلَةِ كِتابَةِ العِلْمِ النّافِعِ في مَحِلٍّ مَشْغُولٍ بِكِتابَةِ ما لا مَنفَعَةَ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يُفْرِغِ القَلْبَ مِنَ الخَواطِرِ الرَّدِيَّةِ، لَمْ تَسْتَقِرَّ فِيهِ الخَواطِرُ النّافِعَةُ، فَإنَّها لا تَسْتَقِرُّ إلّا في مَحِلٍّ فارِغٍ، كَما قِيلَ: ؎أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى ∗∗∗ فَصادَفَ قَلْبًا فارِغًا فَتَمَكَّنا وَهَذا كَثِيرٌ مِن أرْبابِ السُّلُوكِ بَنَوْا سُلُوكَهم عَلى حِفْظِ الخَواطِرِ، وأنْ لا يُمَكِّنُوا خاطِرًا يَدْخُلُ قُلُوبَهم حَتّى تَصِيرَ القُلُوبُ فارِغَةً قابِلَةً لِلْكَشْفِ وظُهُورِ حَقائِقِ العُلْوِيّاتِ فِيها، وهَؤُلاءِ حَفِظُوا شَيْئًا وغابَتْ عَنْهم أشْياءُ، فَإنَّهم أخْلَوُا القُلُوبَ مِن أنْ يَطْرُقَها خاطِرٌ فَبَقِيَتْ فارِغَةً لا شَيْءَ فِيها، فَصادَفَها الشَّيْطانُ خالِيَةً، فَبَذَرَ فِيها الباطِلَ في قَوالِبَ أوْهَمَهم أنَّها أعْلى الأشْياءِ وأشْرَفُها، وعَوَّضَهم بِها عَنِ الخَواطِرِ الَّتِي هي مادَّةُ العِلْمِ والهُدى، وإذا خَلا القَلْبُ عَنْ هَذِهِ الخَواطِرِ جاءَ الشَّيْطانُ فَوَجَدَ المَحِلَّ خالِيًا، فَيَشْغَلُهُ بِما يُناسِبُ حالَ صاحِبِهِ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَشْغَلَهُ بِالخَواطِرِ السُّفْلِيَّةِ، فَشَغَلَهُ بِإرادَةِ التَّجْرِيدِ والفَراغِ مِنَ الإرادَةِ الَّتِي لا صَلاحَ لِلْعَبْدِ ولا فَلاحَ إلّا أنْ تَكُونَ هي المُسْتَوْلِيَةَ عَلى قَلْبِهِ، وهي إرادَةُ مُرادِ اللَّهِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ الَّذِي يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وشُغْلُ القَلْبِ واهْتِمامُهُ بِمَعْرِفَتِهِ عَلى التَّفْصِيلِ بِهِ، والقِيامِ بِهِ، وتَنْفِيذِهِ في الخَلْقِ، والتَّطَرُّقِ إلى ذَلِكَ، والتَّوَسُّلِ إلَيْهِ بِالدُّخُولِ في الخَلْقِ لِتَنْفِيذِهِ، فَيُضِلُّهُمُ الشَّيْطانُ عَنْ ذَلِكَ بِأنْ دَعاهم إلى تَرْكِهِ وتَعْطِيلِهِ مِن بابِ الزُّهْدِ في خَواطِرِ الدُّنْيا وأسْبابِها. وَأوْهَمَهم أنَّ كَمالَهم في ذَلِكَ التَّجْرِيدِ والفَراغِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ، إنَّما الكَمالُ في امْتِلاءِ القَلْبِ مِنَ الخَواطِرِ والإراداتِ والفِكْرِ في تَحْصِيلِ مَراضِي الرَّبِّ تَعالى مِنَ العَبْدِ ومِنَ النّاسِ، والفِكْرِ في طُرُقِ ذَلِكَ والتَّوَصُّلِ إلَيْهِ، فَأكْمَلُ النّاسِ أكْثَرُهم خَواطِرَ وفِكْرًا وإراداتٍ لِذَلِكَ، كَما أنَّ أنْقَصَ النّاسِ أكْثَرُهم خَواطِرَ وفِكْرًا وإراداتٍ لِحُظُوظِهِ وهَواهُ أيْنَ كانَتْ، واللَّهُ المُسْتَعانُ. وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَتْ تَتَزاحَمُ عَلَيْهِ الخَواطِرُ في مَراضِي الرَّبِّ تَعالى، فَرُبَّما اسْتَعْمَلَها في صَلاتِهِ، فَكانَ يُجَهِّزُ جَيْشَهُ وهو في الصَّلاةِ، فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الجِهادِ والصَّلاةِ، وهَذا مِن بابِ تَداخُلِ العِباداتِ في العِبادَةِ الواحِدَةِ، وهو مِن بابٍ عَزِيزٍ شَرِيفٍ، لا يَدْخُلُ مِنهُ إلّا صادِقٌ حاذِقُ الطَّلَبِ، مُتَضَلِّعٌ مِنَ العِلْمِ، عالِي الهِمَّةِ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ في عِبادَةٍ يَظْفَرُ فِيها بِعِباداتٍ شَتّى، وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.

النور 24:31

قَوْله تَعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ فَمَنَعَهُنَّ مِن الضَّرْبِ بِالأرْجُلِ وإنْ كانَ جائِزًا في نَفْسِهِ لِئَلّا يَكُونَ سَبَبًا إلى سَمْعِ الرِّجالِ صَوْتَ الخَلْخالِ فَيُثِيرُ ذَلِكَ دَواعِيَ الشَّهْوَةِ مِنهم إلَيْهِنَّ. [فَصْلٌ مَنزِلَةُ التَّوْبَةِ] فَإذا صَحَّ هَذا المَقامُ، ونَزَلَ العَبْدُ في هَذِهِ المَنزِلَةِ، أشْرَفَ مِنها عَلى مَقامِ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّهُ بِالمُحاسَبَةِ قَدْ تَمَيَّزَ عِنْدَهُ ما لَهُ مِمّا عَلَيْهِ، فَلْيَجْمَعْ هِمَّتَهُ وعَزْمَهُ عَلى النُّزُولِ فِيهِ والتَّشْمِيرِ إلَيْهِ إلى المَماتِ. وَمَنزِلُ التَّوْبَةِ أوَّلُ المَنازِلِ، وأوْسَطُها، وآخِرُها، فَلا يُفارِقُهُ العَبْدُ السّالِكُ، ولا يَزالُ فِيهِ إلى المَماتِ، وإنِ ارْتَحَلَ إلى مَنزِلٍ آخَرَ ارْتَحَلَ بِهِ، واسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ ونَزَلَ بِهِ، فالتَّوْبَةُ هي بِدايَةُ العَبْدِ ونِهايَتُهُ، وحاجَتُهُ إلَيْها في النِّهايَةِ ضَرُورِيَّةٌ، كَما أنَّ حاجَتَهُ إلَيْها في البِدايَةِ كَذَلِكَ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] وهَذِهِ الآيَةُ في سُورَةٍ مَدَنِيَّةٍ، خاطَبَ اللَّهُ بِها أهْلَ الإيمانِ وخِيارَ خَلْقِهِ أنْ يَتُوبُوا إلَيْهِ، بَعْدَ إيمانِهِمْ وصَبْرِهِمْ، وهِجْرَتِهِمْ وجِهادِهِمْ، ثُمَّ عَلَّقَ الفَلاحَ بِالتَّوْبَةِ تَعْلِيقَ المُسَبَّبِ بِسَبَبِهِ، وأتى بِأداةِ لَعَلَّ المُشْعِرَةِ بِالتَّرَجِّي، إيذانًا بِأنَّكم إذا تُبْتُمْ كُنْتُمْ عَلى رَجاءِ الفَلاحِ، فَلا يَرْجُو الفَلاحَ إلّا التّائِبُونَ، جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم. قالَ تَعالى ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] قَسَّمَ العِبادَ إلى تائِبٍ وظالِمٍ، وما ثَمَّ قَسْمٌ ثالِثٌ ألْبَتَّةَ، وأوْقَعَ اسْمَ الظّالِمِ عَلى مَن لَمْ يَتُبْ، ولا أظْلَمَ مِنهُ، لِجَهْلِهِ بِرَبِّهِ وبِحَقِّهِ، وبِعَيْبِ نَفْسِهِ وآفاتِ أعْمالِهِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يا أيُّها النّاسُ، تُوبُوا إلى اللَّهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأتُوبُ إلَيْهِ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً» وكانَ أصْحابُهُ يَعُدُّونَ لَهُ في المَجْلِسِ الواحِدِ قَبْلَ أنْ يَقُومَ " «رَبِّ اغْفِرْ لِي وتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الغَفُورُ» " مِائَةَ مَرَّةٍ، وما صَلّى صَلاةً قَطُّ بَعْدَ إذْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ إلى آخِرِها، إلّا قالَ فِيها «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ». فَصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلى أعْلَمِ الخَلْقِ بِاللَّهِ وحُقُوقِهِ وعَظْمَتِهِ، وما يَسْتَحِقُّهُ جَلالُهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وأعْرَفِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ وحُقُوقِها وأقْوَمِهِمْ بِها. [فَصْلٌ: سَرائِرُ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: وسَرائِرُ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ ثَلاثَةُ أشْياءَ: تَمْيِيزُ التَّقِيَّةِ مِنَ العِزَّةِ، ونِسْيانُ الجِنايَةِ، والتَّوْبَةُ مِنَ التَّوْبَةِ، لِأنَّ التّائِبَ داخِلٌ في الجَمِيعِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فَأمَرَ التّائِبَ بِالتَّوْبَةِ. تَمْيِيزُ التَّقِيَّةِ مِنَ العِزَّةِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ التَّوْبَةِ تَقْوى اللَّهِ، وهو خَوْفُهُ وخَشْيَتُهُ، والقِيامُ بِأمْرِهِ، واجْتِنابُ نَهْيِهِ، فَيَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ، ويَتْرُكُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَخافُ عِقابَ اللَّهِ، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ عِزَّ الطّاعَةِ، فَإنَّ لِلطّاعَةِ ولِلتَّوْبَةِ عِزًّا ظاهِرًا وباطِنًا، فَلا يَكُونُ مَقْصُودُهُ العِزَّةَ، وإنْ عَلِمَ أنَّها تَحْصُلُ لَهُ بِالطّاعَةِ والتَّوْبَةِ، فَمَن تابَ لِأجْلِ العِزَّةِ فَتَوْبَتُهُ مَدْخُولَةٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ " أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ: قُلْ لِفُلانٍ الزّاهِدِ: أمّا زُهْدُكَ في الدُّنْيا فَقَدْ تَعَجَّلْتَ بِهِ الرّاحَةَ، وأمّا انْقِطاعُكَ إلَيَّ فَقَدِ اكْتَسَبْتَ بِهِ العِزَّةَ، ولَكِنْ ما عَمِلْتَ فِيما لِي عَلَيْكَ؟ قالَ: يا رَبِّ، وما لَكَ عَلَيَّ بَعْدَ هَذا؟ قالَ: هَلْ والَيْتَ فِيَّ ولِيًّا، أوْ عادَيْتَ فِيَّ عَدُوًّا؟ ". يَعْنِي أنَّ الرّاحَةَ والعِزَّ حَظُّكَ، وقَدْ نُلْتَهُما بِالزُّهْدِ والعِبادَةِ، ولَكِنْ أيْنَ القِيامُ بِحَقِّي، وهو المُوالاةُ فِيَّ والمُعاداةُ فِيَّ؟ فالشَّأْنُ في التَّفْرِيقِ في الأوامِرِ بَيْنَ حَظِّكَ وحَقِّ رَبِّكَ عِلْمًا وحالًا. وَكَثِيرٌ مِنَ الصّادِقِينَ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ حالُ نُفُوسِهِمْ في ذَلِكَ، ولا يَمِيزُهُ إلّا أُولُو البَصائِرِ مِنهُمْ، وهم في الصّادِقِينَ كالصّادِقِينَ في النّاسِ. وَأمّا نِسْيانُ الجِنايَةِ: فَهَذا مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أرْبابُ الطَّرِيقِ. فَمِنهُمْ: مَن رَأى الِاشْتِغالَ عَنْ ذِكْرِ الذَّنْبِ والإعْراضَ عَنْهُ صَفْحًا، فَصَفاءُ الوَقْتِ مَعَ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالتّائِبِ وأنْفَعُ لَهُ، ولِهَذا قِيلَ: ذِكْرُ الجَفا في وقْتِ الصَّفا جَفا. وَمِنهم مَن رَأى أنَّ الأوْلى أنْ لا يَنْسى ذَنْبَهُ، بَلْ لا يَزالُ جاعِلًا لَهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ يُلاحِظُهُ كُلَّ وقْتٍ، فَيُحْدِثُ لَهُ ذَلِكَ انْكِسارًا وذُلًّا وخُضُوعًا، أنْفَعَ لَهُ مِن جَمْعِيَّتِهِ وصَفاءِ وقْتِهِ. قالُوا: ولِهَذا نَقَشَ داوُدُ الخَطِيئَةَ في كَفِّهِ، وكانَ يَنْظُرُ إلَيْها ويَبْكِي. قالُوا: ومَتى تُهْتَ عَنِ الطَّرِيقِ فارْجِعْ إلى ذَنْبِكَ تَجِدِ الطَّرِيقَ. وَمَعْنى ذَلِكَ: أنَّكَ إذا رَجَعْتَ إلى ذَنْبِكَ انْكَسَرْتَ وذَلَلْتَ، وأطْرَقْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، خاشِعًا ذَلِيلًا خائِفًا، وهَذِهِ طَرِيقُ العُبُودِيَّةِ. والصَّوابُ التَّفْصِيلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وهو أنْ يُقالَ: إذا أحَسَّ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ حالَ الصَّفاءِ غَيْمًا مِنَ الدَّعْوى، ورَقِيقَةً مِنَ العَجَبِ ونِسْيانِ المِنَّةِ، وخَطَفَتْهُ نَفْسُهُ عَنْ حَقِيقَةِ فَقْرِهِ ونَقْصِهِ، فَذِكْرُ الذَّنْبِ أنْفَعُ لَهُ، وإنْ كانَ في حالِ مُشاهَدَتِهِ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وكَمالَ افْتِقارِهِ إلَيْهِ، وفَنائِهِ بِهِ، وعَدَمَ اسْتِغْنائِهِ عَنْهُ في ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ، وقَدْ خالَطَ قَلْبَهُ حالُ المَحَبَّةِ، والفَرَحِ بِاللَّهِ، والأُنْسِ بِهِ، والشَّوْقِ إلى لِقائِهِ، وشُهُودِ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وحِلْمِهِ وعَفْوِهِ، وقَدْ أشْرَقَتْ عَلى قَلْبِهِ أنْوارُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، فَنِسْيانُ الجِنايَةِ والإعْراضُ عَنِ الذَّنْبِ أوْلى بِهِ وأنْفَعُ، فَإنَّهُ مَتى رَجَعَ إلى ذِكْرِ الجِنايَةِ تَوارى عَنْهُ ذَلِكَ، ونَزَلَ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، ومِن حالٍ إلى حالٍ، بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهَذا مِن حَسَدِ الشَّيْطانِ لَهُ، أرادَ أنْ يَحُطَّهُ عَنْ مَقامِهِ، وسَيَّرَ قَلْبَهُ في مَيادِينِ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ، والشَّوْقِ إلى وحْشَةِ الإساءَةِ، وحَصْرِ الجِنايَةِ. والأوَّلُ يَكُونُ شُهُودُهُ لِجِنايَتِهِ مِنَّةً مِنَ اللَّهِ، مَنَّ بِها عَلَيْهِ، لِيُؤَمِّنَهُ بِها مِن مَقْتِ الدَّعْوى، وحِجابِ الكِبْرِ الخَفِيِّ الَّذِي لا يَشْعُرُ بِهِ، فَهَذا لَوْنٌ وهَذا لَوْنٌ. وَهَذا المَحَلُّ فِيهِ أمْرٌ وراءَ العِبارَةِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وهو المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ التَّوْبَةُ مِنَ التَّوْبَةِ] وَأمّا التَّوْبَةُ مِنَ التَّوْبَةِ فَهي مِنَ المُجْمَلاتِ الَّتِي يُرادُ بِها حَقٌّ وباطِلٌ، ويَكُونُ مُرادُ المُتَكَلِّمِ بِها حَقًّا، فَيُطْلِقُهُ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ. فَإنَّ التَّوْبَةَ مِن أعْظَمِ الحَسَناتِ، والتَّوْبَةُ مِنَ الحَسَناتِ مِن أعْظَمِ السَّيِّئاتِ، وأقْبَحِ الجِناياتِ، بَلْ هي كُفْرٌ، إنْ أُخِذَتْ عَلى ظاهِرِها، ولا فَرْقَ بَيْنَ التَّوْبَةِ مِنَ التَّوْبَةِ والتَّوْبَةِ مِنَ الإسْلامِ والإيمانِ، فَهَلْ يُسَوَّغُ أنْ يُقالَ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الإيمانِ؟ وَلَكِنَّ مُرادَهم أنْ يَتُوبَ مِن رُؤْيَةِ التَّوْبَةِ، فَإنَّها إنَّما حَصَلَتْ لَهُ بِمِنَّةِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، ولَوْ خُلِّيَ ونَفْسَهُ لَمْ تُسْمَحْ بِها ألْبَتَّةَ، فَإذا رَآها وشَهِدَ صُدُورَها مِنهُ ووُقُوعَها بِهِ، وغَفَلَ عَنْ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ تابَ مِن هَذِهِ الرُّؤْيَةِ والغَفْلَةِ، ولَكِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ والغَفْلَةَ لَيْسَتَ هِيَ التَّوْبَةَ، ولا جُزْءًا مِنها، ولا شَرْطًا لَها، بَلْ هي جِنايَةٌ أُخْرى عَرَضَتْ لَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَيَتُوبُ مِن هَذِهِ الجِنايَةِ، كَما تابَ مِنَ الجِنايَةِ الأُولى، فَما تابَ إلّا مِن ذَنْبٍ، أوَّلًا وآخِرًا، فَكَيْفَ يُقالُ: يَتُوبُ مِنَ التَّوْبَةِ؟ هَذا كَلامٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ، ولا هو صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ في التَّوْبَةِ عِلَّةٌ ونَقْصٌ، وآفَةٌ تَمْنَعُ كَمالَها، وقَدْ يَشْعُرُ صاحِبُها بِذَلِكَ وقَدْ لا يَشْعُرُ بِهِ، فَيَتُوبُ مِن نُقْصانِ التَّوْبَةِ، وعَدَمِ تَوْفِيَتِها حَقَّها. وَهَذا أيْضًا لَيْسَ مِنَ التَّوْبَةِ، وإنَّما هو تَوْبَةٌ مِن عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَإنَّ القَدْرَ المَوْجُودَ مِنها طاعَةٌ لا يُتابُ مِنها، والقَدْرَ المَفْقُودَ هو الَّذِي يُحْتاجُ أنْ يَتُوبَ مِنهُ. فالتَّوْبَةُ مِنَ التَّوْبَةِ إنَّما تُعْقَلُ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. نَعَمْ، هاهُنا وجْهٌ ثالِثٌ لَطِيفٌ جِدًّا، وهو أنَّ مَن حَصَلَ لَهُ مَقامُ أُنْسٍ بِاللَّهِ، وصَفا وقْتُهُ مَعَ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ إقْبالُهُ عَلى اللَّهِ، واشْتِغالُهُ بِذِكْرِ آلائِهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ أنْفَعَ شَيْءٍ لَهُ، حَتّى نَزَلَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ، واشْتَغَلَ بِالتَّوْبَةِ مِن جِنايَةٍ سالِفَةٍ قَدْ تابَ مِنها، وطالَعَ الجِنايَةَ واشْتَغَلَ بِها عَنِ اللَّهِ، فَهَذا نَقْصٌ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ مِنهُ، وهو تَوْبَةٌ مِن هَذِهِ التَّوْبَةِ، لِأنَّهُ نُزُولٌ مِنَ الصَّفاءِ إلى الجَفاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ. [فَصْلٌ لِطائِفُ أسْرارِ التَّوْبَةِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: ولَطائِفُ أسْرارِ التَّوْبَةِ ثَلاثَةُ أشْياءَ، أوَّلُها: أنْ يَنْظُرَ الجِنايَةَ والقَضِيَّةَ، فَيَعْرِفَ مُرادَ اللَّهِ فِيها، إذْ خَلّاكَ وإتْيانَها، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إنَّما خَلّى العَبْدَ والذَّنَبَ لِأجْلِ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَعْرِفَ عِزَّتَهُ في قَضائِهِ، وبِرَّهُ في سَتْرِهِ، وحِلْمَهُ في إمْهالِ راكِبِهِ، وكَرَمَهُ في قَبُولِ العُذْرِ مِنهُ، وفَضْلَهُ في مَغْفِرَتِهِ. الثّانِي: أنْ يُقِيمَ عَلى عَبْدِهِ حُجَّةَ عَدْلِهِ، فَيُعاقِبَهُ عَلى ذَنْبِهِ بِحُجَّتِهِ. اعْلَمْ أنَّ صاحِبَ البَصِيرَةِ إذا صَدَرَتْ مِنهُ الخَطِيئَةُ فَلَهُ نَظَرٌ إلى خَمْسَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: أنْ يَنْظُرَ إلى أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ، فَيُحَدِثَ لَهُ ذَلِكَ الِاعْتِرافَ بِكَوْنِها خَطِيئَةً، والإقْرارَ عَلى نَفْسِهِ بِالذَّنْبِ. الثّانِي: أنْ يَنْظُرَ إلى الوَعْدِ والوَعِيدِ، فَيُحْدِثَ لَهُ ذَلِكَ خَوْفًا وخَشْيَةً، تَحْمِلُهُ عَلى التَّوْبَةِ. الثّالِثُ: أنْ يَنْظُرَ إلى تَمْكِينِ اللَّهِ لَهُ مِنها، وتَخْلِيَتِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وتَقْدِيرِها عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَعَصَمَهُ مِنها، فَيُحَدِثُ لَهُ ذَلِكَ أنْواعًا مِنَ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وحِكْمَتِهِ، ورَحْمَتِهِ، ومَغْفِرَتِهِ وعَفْوِهِ، وحِلْمِهِ وكَرَمِهِ، وتُوجِبُ لَهُ هَذِهِ المَعْرِفَةُ عُبُودِيَّةً بِهَذِهِ الأسْماءِ، لا تَحْصُلُ بِدُونِ لَوازِمِها ألْبَتَّةَ، ويَعْلَمُ ارْتِباطَ الخَلْقِ والأمْرِ، والجَزاءِ والوَعْدِ والوَعِيدِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ مُوجَبُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وأثَرُها في الوُجُودِ، وأنَّ كُلَّ اسْمٍ وصِفَةٍ مُقْتَضٍ لِأثَرِهِ ومُوجَبِهِ، مُتَعَلِّقٌ بِهِ لا بُدَّ مِنهُ. وَهَذا المَشْهَدُ يُطْلِعُهُ عَلى رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ المَعارِفِ والإيمانِ، وأسْرارُ القَدَرِ والحِكْمَةِ يَضِيقُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْها نِطاقُ الكَلِمِ. فَمِن بَعْضِها: ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أنْ يَعْرِفَ العَبْدُ عِزَّتَهُ في قَضائِهِ، وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ العَزِيزُ الَّذِي يَقْضِي بِما يَشاءُ، وأنَّهُ لِكَمالِ عِزَّتِهِ حَكَمَ عَلى العَبْدِ وقَضى عَلَيْهِ، بِأنْ قَلَّبَ قَلْبَهُ وصَرَّفَ إرادَتَهُ عَلى ما يَشاءُ، وحالَ بَيْنَ العَبْدِ وقَلْبِهِ، وجَعَلَهُ مُرِيدًا شائِيًا لِما شاءَ مِنهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، وهَذا مِن كَمالِ العِزَّةِ، إذْ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، وغايَةُ المَخْلُوقِ أنْ يَتَصَرَّفَ في بَدَنِكَ وظاهِرِكَ، وأمّا جَعْلُكَ مُرِيدًا شائِيًا لِما يَشاؤُهُ مِنكَ ويُرِيدُهُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا ذُو العِزَّةِ الباهِرَةِ. فَإذا عَرَفَ العَبْدُ عِزَّ سَيِّدِهِ ولاحَظَهُ بِقَلْبِهِ، وتَمَكَّنَ شُهُودَهُ مِنهُ، كانَ الِاشْتِغالُ بِهِ عَنْ ذُلِّ المَعْصِيَةِ أوْلى بِهِ وأنْفَعَ لَهُ، لِأنَّهُ يَصِيرُ مَعَ اللَّهِ لا مَعَ نَفْسِهِ. وَمِن مَعْرِفَةِ عِزَّتِهِ في قَضائِهِ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ مُدَبَّرٌ مَقْهُورٌ، ناصِيَتُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ، لا عِصْمَةَ لَهُ إلّا بِعِصْمَتِهِ، ولا تَوْفِيقَ لَهُ إلّا بِمَعُونَتِهِ، فَهو ذَلِيلٌ حَقِيرٌ، في قَبْضَةِ عَزِيزٍ حَمِيدٍ. وَمِن شُهُودِ عِزَّتِهِ أيْضًا في قَضائِهِ: أنْ يَشْهَدَ أنَّ الكَمالَ والحَمْدَ، والغَناءَ التّامَّ، والعِزَّةَ كُلَّها لِلَّهِ، وأنَّ العَبْدَ نَفْسَهُ أوْلى بِالتَّقْصِيرِ والذَّمِّ، والعَيْبِ والظُّلْمِ والحاجَةِ، وكُلَّما ازْدادَ شُهُودُهُ لِذُلِّهِ ونَقْصِهِ وعَيْبِهِ وفَقْرِهِ، ازْدادَ شُهُودُهُ لِعِزَّةِ اللَّهِ وكَمالِهِ، وحَمْدِهِ وغِناهُ، وكَذَلِكَ بِالعَكْسِ، فَنَقْصُ الذَّنْبِ وذِلَّتُهُ يُطْلِعُهُ عَلى مَشْهَدِ العِزَّةِ. وَمِنها: أنَّ العَبْدَ لا يُرِيدُ مَعْصِيَةَ مَوْلاهُ مِن حَيْثُ هي مَعْصِيَةٌ، فَإذا شَهِدَ جَرَيانَ الحُكْمِ، وجَعْلَهُ فاعِلًا لِما هو غَيْرُ مُخْتارٍ لَهُ، مُرِيدٌ بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ واخْتِيارِهِ، فَكَأنَّهُ مُخْتارٌ غَيْرُ مُخْتارٍ، مُرِيدٌ غَيْرُ مُرِيدٍ، شاءٍ غَيْرُ شاءٍ، فَهَذا يَشْهَدُ عِزَّةَ اللَّهِ وعَظَمَتَهُ، وكَمالَ قُدْرَتِهِ. وَمِنها: أنْ يَعْرِفَ بِرَّهُ سُبْحانَهُ في سَتْرِهِ عَلَيْهِ حالَ ارْتِكابِ المَعْصِيَةِ، مَعَ كَمالِ رُؤْيَتِهِ لَهُ، ولَوْ شاءَ لَفَضَحَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ فَحَذِرُوهُ، وهَذا مِن كَمالِ بِرِّهِ، ومِن أسْمائِهِ: البَرُّ، وهَذا البِرُّ مِن سَيِّدِهِ كانَ عَنْ بِهِ كَمالُ غِناهُ عَنْهُ، وكَمالُ فَقَرِ العَبْدِ إلَيْهِ، فَيَشْتَغِلُ بِمُطالَعَةِ هَذِهِ المِنَّةِ، ومُشاهَدَةِ هَذا البِرِّ والإحْسانِ والكَرَمِ، فَيَذْهَلُ عَنْ ذِكْرِ الخَطِيئَةِ، فَيَبْقى مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ أنْفَعُ لَهُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِجِنايَتِهِ، وشُهُودِ ذُلِّ مَعْصِيَتِهِ، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِاللَّهِ والغَفْلَةَ عَمّا سِواهُ هو المَطْلَبُ الأعْلى، والمَقْصِدُ الأسْنى. وَلا يُوجِبُ هَذا نِسْيانَ الخَطِيئَةِ مُطْلَقًا، بَلْ في هَذِهِ الحالِ، فَإذا فَقَدَها فَلْيَرْجِعْ إلى مُطالَعَةِ الخَطِيئَةِ، وذِكْرِ الجِنايَةِ، ولِكُلِّ وقْتٍ ومَقامٍ عُبُودِيَّةٌ تَلِيقُ بِهِ. وَمِنها: شُهُودُ حِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في إمْهالِ راكِبِ الخَطِيئَةِ، ولَوْ شاءَ لَعاجَلَهُ بِالعُقُوبَةِ، ولَكِنَّهُ الحَلِيمُ الَّذِي لا يُعَجِّلُ، فَيُحَدِثُ لَهُ ذَلِكَ مَعْرِفَةَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ بِاسْمِهِ الحَلِيمِ، ومُشاهَدَةَ صِفَةِ الحِلْمِ، والتَّعَبُّدَ بِهَذا الِاسْمِ، والحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ الحاصِلَةُ مِن ذَلِكَ بِتَوَسُّطِ الذَّنْبِ أحَبُّ إلى اللَّهِ، وأصْلَحُ لِلْعَبْدِ، وأنْفَعُ مِن فَوْتِها، ووُجُودُ المَلْزُومِ بِدُونِ لازَمِهِ مُمْتَنِعٌ. وَمِنها: مَعْرِفَةُ العَبْدِ كَرَمَ رَبِّهِ في قَبُولِ العُذْرِ مِنهُ إذا اعْتَذَرَ إلَيْهِ بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاعْتِذارِ، لا بِالقَدَرِ، فَإنَّهُ مُخاصَمَةٌ ومُحاجَّةٌ، كَما تَقَدَّمَ، فَيَقْبَلُ عُذْرَهُ بِكَرَمِهِ وجُودِهِ، فَيُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ اشْتِغالًا بِذِكْرِهِ وشُكْرِهِ، ومَحَبَّةً أُخْرى لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنَّ مَحَبَّتَكَ لِمَن شَكَرَكَ عَلى إحْسانِكَ وجازاكَ بِهِ، ثُمَّ غَفَرَ لَكَ إساءَتَكَ ولَمْ يُؤاخِذْكَ بِها أضْعافُ مَحَبَّتِكَ عَلى شُكْرِ الإحْسانِ وحْدَهُ، والواقِعُ شاهِدٌ بِذَلِكَ، فَعُبُودِيَّةُ التَّوْبَةِ بَعْدَ الذَّنْبِ لَوْنٌ، وهَذا لَوْنٌ آخَرُ. وَمِنها: أنْ يَشْهَدَ فَضْلَهُ في مَغْفِرَتِهِ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، وإلّا فَلَوْ أخَذَكَ بِمَحْضِ حَقِّهِ، كانَ عادِلًا مَحْمُودًا، وإنَّما عَفْوُهُ بِفَضْلِهِ لا بِاسْتِحْقاقِكَ، فَيُوجِبُ لَكَ ذَلِكَ أيْضًا شُكْرًا لَهُ ومَحَبَّةً، وإنابَةً إلَيْهِ، وفَرَحًا وابْتِهاجًا بِهِ، ومَعْرِفَةً لَهُ بِاسْمِهِ الغَفّارِ ومُشاهَدَةً لِهَذِهِ الصِّفَةِ، وتَعَبُّدًا بِمُقْتَضاها، وذَلِكَ أكْمَلُ في العُبُودِيَّةِ، والمَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ. وَمِنها: أنْ يُكَمِّلَ لِعَبْدِهِ مَراتِبَ الذُّلِّ والخُضُوعِ والِانْكِسارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، والِافْتِقارِ إلَيْهِ. فَإنَّ النَّفْسَ فِيها مُضاهاةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، ولَوْ قَدَرَتْ لَقالَتْ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ، ولَكِنَّهُ قَدَرَ فَأظْهَرَ، وغَيْرُهُ عَجَزَ فَأضْمَرَ، وإنَّما يُخَلِّصُها مِن هَذِهِ المُضاهاةِ ذُلُّ العُبُودِيَّةِ، وهو أرْبَعُ مَراتِبَ: المَرْتَبَةُ الأُولى: مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الخَلْقِ، وهي ذُلُّ الحاجَةِ والفَقْرِ إلى اللَّهِ، فَأهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ جَمِيعًا مُحْتاجُونَ إلَيْهِ، فُقَراءُ إلَيْهِ، وهو وحْدَهُ الغَنِيُّ عَنْهُمْ، وكُلُّ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ يَسْألُونَهُ، وهو لا يَسْألُ أحَدًا. المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: ذُلُّ الطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ، وهو ذُلُّ الِاخْتِيارِ، وهَذا خاصٌّ بِأهْلِ طاعَتِهِ، وهو سِرُّ العُبُودِيَّةِ. المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: ذُلُّ المَحَبَّةِ، فَإنَّ المُحِبَّ ذَلِيلٌ بِالذّاتِ، وعَلى قَدْرِ مَحَبَّتِهِ لَهُ يَكُونُ ذُلُّهُ، فالمَحَبَّةُ أُسِّسَتْ عَلى الذِّلَّةِ لِلْمَحْبُوبِ، كَما قِيلَ: ؎اخْضَعْ وذُلَّ لِمَن تُحِبُّ فَلَيْسَ في ∗∗∗ حُكْمِ الهَوى أنَفٌ يُشالُ ويُعْقَدُ وَقالَ آخَرُ: ؎مَساكِينُ أهْلِ الحُبِّ حَتّى قُبُورُهم ∗∗∗ عَلَيْها تُرابُ الذُّلِّ بَيْنَ المَقابِرِ المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: ذُلُّ المَعْصِيَةِ والجِنايَةِ. فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ المَراتِبُ الأرْبَعُ كانَ الذُّلُّ لِلَّهِ والخُضُوعُ لَهُ أكْمَلَ وأتَمَّ، إذْ يَذِلُّ لَهُ خَوْفًا وخَشْيَةً، ومَحَبَّةً وإنابَةً، وطاعَةً، وفَقْرًا وفاقَةً. وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ هو الفَقْرُ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ القَوْمُ، وهَذا المَعْنى أجَلُّ مِن أنْ يُسَمّى بِالفَقْرِ، بَلْ هو لُبُّ العُبُودِيَّةِ وسِرُّها، وحُصُولُهُ أنْفَعُ شَيْءٍ لِلْعَبْدِ، وأحَبُّ شَيْءٍ إلى اللَّهِ. فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ لَوازِمِهِ مِن أسْبابِ الضَّعْفِ والحاجَةِ، وأسْبابِ العُبُودِيَّةِ والطّاعَةِ، وأسْبابِ المَحَبَّةِ والإنابَةِ، وأسْبابِ المَعْصِيَةِ والمُخالَفَةِ، إذْ وُجُودُ المَلْزُومِ بِدُونِ لازَمِهِ مُمْتَنِعٌ، والغايَةُ مِن تَقْدِيرِ عَدَمِ هَذا المَلْزُومِ ولازَمِهِ، مَصْلَحَةُ وُجُودِهِ خَيْرٌ مِن مَصْلَحَةِ فَوْتِهِ، ومَفْسَدَةُ فَوْتِهِ أكْبَرُ مِن مَفْسَدَةِ وُجُودهِ، والحِكْمَةُ مَبْناها عَلى دَفْعِ أعْظَمِ المَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمالِ أدْناهُما، وتَحْصِيلِ أعْظَمِ المَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أدْناهُما، وقَدْ فَتَحَ لَكَ البابَ، فَإنْ كُنْتَ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ فادْخُلْ، وإلّا فَرُدَّ البابَ وارْجِعْ بِسَلامٍ. وَمِنها: أنَّ أسْماءَهُ الحُسْنى تَقْتَضِي آثارُها اقْتِضاءَ الأسْبابِ التّامَّةِ لِمُسَبِّباتِها، فاسْمُ السَّمِيعِ، البَصِيرِ يَقْتَضِي مَسْمُوعًا ومُبْصَرًا، واسْمُ الرَّزّاقِ يَقْتَضِي مَرْزُوقًا، واسْمُ الرَّحِيمِ يَقْتَضِي مَرْحُومًا، وكَذَلِكَ أسْماءُ الغَفُورِ، والعَفُوِّ، والتَّوّابِ، والحَلِيمِ يَقْتَضِي مَن يَغْفِرُ لَهُ، ويَتُوبُ عَلَيْهِ، ويَعْفُو عَنْهُ، ويَحْلُمُ، ويَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُ هَذِهِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، إذْ هي أسْماءٌ حُسْنى وصِفاتُ كَمالٍ، ونُعُوتُ جَلالٍ، وأفْعالُ حِكْمَةٍ وإحْسانٍ وجُودٍ، فَلا بُدَّ مِن ظُهُورِ آثارِها في العالَمِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا أعْلَمُ الخَلْقِ بِاللَّهِ، صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، حَيْثُ يَقُولُ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، ولَجاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ». وَأنْتَ إذا فَرَضْتَ الحَيَوانَ بِجُمْلَتِهِ مَعْدُومًا، فَمَن يَرْزُقُ الرَّزّاقُ سُبْحانَهُ؟ وإذا فَرَضْتَ المَعْصِيَةَ والخَطِيئَةَ مُنْتَفِيَةً مِنَ العالَمِ، فَلِمَن يَغْفِرُ؟ وعَمَّنْ يَعْفُو؟ وعَلى مَن يَتُوبُ ويَحْلُمُ؟ وإذا فَرَضْتَ الفاقاتِ كُلَّها قَدْ سُدَّتْ، والعَبِيدُ أغْنِياءُ مُعافَوْنَ، فَأيْنَ السُّؤالُ والتَّضَرُّعُ والِابْتِهالُ؟ والإجابَةُ وشُهُودُ الفَضْلِ والمِنَّةِ، والتَّخْصِيصُ بِالإنْعامِ والإكْرامِ؟ فَسُبْحانَ مَن تَعَرَّفَ إلى خَلْقِهِ بِجَمِيعِ أنْواعِ التَّعَرُّفاتِ، ودَلَّهم عَلَيْهِ بِأنْواعِ الدَّلالاتِ، وفَتَحَ لَهم إلَيْهِ جَمِيعَ الطُّرُقاتِ، ثُمَّ نَصَبَ إلَيْهِ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، وعَرَّفَهم بِهِ ودَلَّهم عَلَيْهِ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وَمِنها: السِّرُّ الأعْظَمُ، الَّذِي لا تَقْتَحِمُهُ العِبارَةُ، ولا تَجْسُرُ عَلَيْهِ الإشارَةُ، ولا يُنادِي عَلَيْهِ مُنادِي الإيمانِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، بَلْ شَهِدَتْهُ قُلُوبُ خَواصِّ العِبادِ، فازْدادَتْ بِهِ مَعْرِفَةً لِرَبِّها ومَحَبَّةً لَهُ، وطُمَأْنِينَةً بِهِ وشَوْقًا إلَيْهِ، ولَهَجًا بِذِكْرِهِ، وشُهُودًا لِبِرِّهِ، ولُطْفِهِ وكَرَمِهِ وإحْسانِهِ، ومُطالَعَةً لِسِرِّ العُبُودِيَّةِ، وإشْرافًا عَلى حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ، وهو ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَلَّهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ - حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ - مِن أحَدِكُمْ، كانَ عَلى راحِلَةٍ بِأرْضِ فَلاةٍ، فانْفَلَتَتْ مِنهُ، وعَلَيْها طَعامُهُ وشَرابُهُ، فَأيِسَ مِنها، فَأتى شَجَرَةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّها، قَدْ أيِسَ مِن راحِلَتِهِ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذا هو بِها قائِمَةً عِنْدَهُ، فَأخَذَ بِخِطامِها، ثُمَّ قالَ - مِن شِدَّةِ الفَرَحِ - اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وأنا رَبُّكَ، أخْطَأ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ» هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي الحَدِيثِ مِن قَواعِدِ العِلْمِ: أنَّ اللَّفْظَ الَّذِي يَجْرِي عَلى لِسانِ العَبْدِ خَطَأً مِن فَرَحٍ شَدِيدٍ، أوْ غَيْظٍ شَدِيدٍ، ونَحْوِهِ، لا يُؤاخَذُ بِهِ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ هَذا كافِرًا بِقَوْلِهِ: أنْتَ عَبْدِي وأنا رَبُّكَ. وَمَعْلُومٌ أنَّ تَأْثِيرَ الغَضَبِ في عَدَمِ القَصْدِ يَصِلُ إلى هَذِهِ الحالِ، أوْ أعْظَمَ مِنها، فَلا يَنْبَغِي مُؤاخَذَةُ الغَضْبانِ بِما صَدَرَ مِنهُ في حالِ شِدَّةِ غَضَبِهِ مِن نَحْوِ هَذا الكَلامِ، ولا يَقَعُ طَلاقُهُ بِذَلِكَ، ولا رِدَّتُهُ، وقَدْ نَصَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى تَفْسِيرِ الإغْلاقِ في قَوْلِهِ ﷺ «لا طَلاقَ في إغْلاقٍ» بِأنَّهُ الغَضَبُ، وفَسَّرَهُ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ، وفَسَّرُوهُ بِالإكْراهِ والجُنُونِ. قالَ شَيْخُنا: وهو يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ، وهو مِنَ الغَلَقِ، لِانْغِلاقِ قَصْدِ المُتَكَلِّمِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَنْفَتِحْ قَلْبُهُ لِمَعْنًى ما قالَهُ. والقَصْدُ: أنَّ هَذا الفَرَحَ لَهُ شَأْنٌ لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ إهْمالُهُ والإعْراضُ عَنْهُ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ خاصَّةٌ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وما يَلِيقُ بِعِزِّ جَلالِهِ. وَقَدْ كانَ الأوْلى بِنا طَيُّ الكَلامِ فِيهِ إلى ما هو اللّائِقُ بِأفْهامِ بَنِي الزَّمانِ وعُلُومِهِمْ، ونِهايَةِ أقْدامِهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ، وضَعْفِ عُقُولِهِمْ عَنِ احْتِمالِهِ. غَيْرَ أنّا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سَيَسُوقُ هَذِهِ البِضاعَةَ إلى تُجّارِها، ومَن هو عارِفٌ بِقَدْرِها، وإنْ وقَعَتْ في الطَّرِيقِ بِيَدِ مَن لَيْسَ عارِفًا بِها، فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، ورُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ مِنهُ. فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى اخْتَصَّ نَوْعَ الإنْسانِ مِن بَيْنِ خَلْقِهِ بِأنْ كَرَّمَهُ وفَضَّلَهُ، وشَرَّفَهُ، وخَلَقَهُ لِنَفْسِهِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ، وخَصَّهُ مِن مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وقُرْبِهِ وإكْرامِهِ بِما لَمْ يُعْطِهِ غَيْرَهُ، وسَخَّرَ لَهُ ما في سَماواتِهِ وأرْضِهِ وما بَيْنَهُما، حَتّى مَلائِكَتَهُ - الَّذِينَ هم أهْلُ قُرْبِهِ - اسْتَخْدَمَهم لَهُ، وجَعَلَهم حَفَظَةً لَهُ في مَنامِهِ ويَقَظَتِهِ، وظَعْنِهِ وإقامَتِهِ، وأنْزَلَ إلَيْهِ وعَلَيْهِ كُتُبَهُ، وأرْسَلَهُ وأرْسَلَ إلَيْهِ، وخاطَبَهُ وكَلَّمَهُ مِنهُ إلَيْهِ، واتَّخَذَ مِنهُمُ الخَلِيلَ والكَلِيمَ، والأوْلِياءَ والخَواصَّ والأحْبارَ، وجَعَلَهم مَعْدِنَ أسْرارِهِ، ومَحَلَّ حِكْمَتِهِ، ومَوْضِعَ حُبِّهِ، وخَلَقَ لَهُمُ الجَنَّةَ والنّارَ، وخَلَقَ الأمْرَ، والثَّوابُ والعِقابُ مَدارُهُ عَلى النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، فَإنَّهُ خُلاصَةُ الخَلْقِ، وهو المَقْصُودُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وعَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ. فَلِلْإنْسانِ شَأْنٌ لَيْسَ لِسائِرِ المَخْلُوقاتِ، وقَدْ خَلَقَ أباهُ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، وأسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ، وعَلَّمَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ، وأظْهَرَ فَضْلَهُ عَلى المَلائِكَةِ فَمَن دُونَهم مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وطَرَدَ إبْلِيسَ عَنْ قُرْبِهِ، وأبْعَدَهُ عَنْ بابِهِ، إذْ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ مَعَ السّاجِدِينَ، واتَّخَذَهُ عَدُوًّا لَهُ. فالمُؤْمِنُ مِن نَوْعِ الإنْسانِ خَيْرُ البَرِيَّةِ عَلى الإطْلاقِ، وخِيَرَةُ اللَّهِ مِنَ العالَمِينَ، فَإنَّهُ خَلَقَهُ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، ولِيَتَواتَرَ إحْسانُهُ إلَيْهِ، ولِيَخُصَّهُ مِن كَرامَتِهِ وفَضْلِهِ بِما لَمْ تَنَلْهُ أُمْنِيَّتُهُ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى بالِهِ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ، لِيَسْألَهُ مِنَ المَواهِبِ والعَطايا الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، الَّتِي لا تُنالُ إلّا بِمَحَبَّتِهِ، ولا تُنالُ مَحَبَّتُهُ إلّا بِطاعَتِهِ، وإيثارِهِ عَلى ما سِواهُ، فاتَّخَذَهُ مَحْبُوبًا لَهُ، وأعَدَّ لَهُ أفْضَلَ ما يُعِدُّهُ مُحِبٌّ غَنِيٌّ قادِرٌ جَوادٌ لِمَحْبُوبِهِ إذا قَدِمَ عَلَيْهِ، وعَهِدَ إلَيْهِ عَهْدًا تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيهِ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وأعْلَمَهُ في عَهْدِهِ ما يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ، ويَزِيدُهُ مَحَبَّةً لَهُ وكَرامَةً عَلَيْهِ، وما يُبْعِدُهُ مِنهُ ويُسْخِطُهُ عَلَيْهِ، ويُسْقِطُهُ مِن عَيْنِهِ. وَلِلْمَحْبُوبِ عَدُوٌّ، هو أبْغَضُ خَلْقِهِ إلَيْهِ، قَدْ جاهَرَهُ بِالعَداوَةِ، وأمَرَ عِبادَهُ أنْ يَكُونَ دِينُهم وطاعَتُهم وعِبادَتُهم لَهُ، دُونَ ولِيِّهِمْ ومَعْبُودِهِمُ الحَقِّ، واسْتَقْطَعَ عِبادَهُ، واتَّخَذَ مِنهم حِزْبًا ظاهَرُوهُ ووالَوْهُ عَلى رَبِّهِمْ، وكانُوا أعْداءً لَهُ مَعَ هَذا العَدُوِّ، يَدْعُونَ إلى سُخْطِهِ، ويَطْعَنُونَ في رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، ويَسُبُّونَهُ ويُكَذِّبُونَهُ، ويَفْتِنُونَ أوْلِياءَهُ، ويُؤْذُونَهم بِأنْواعِ الأذى، ويَجْهَدُونَ عَلى إعْدامِهِمْ مِنَ الوُجُودِ وإقامَةِ الدَّوْلَةِ لَهُمْ، ومَحْوِ كُلِّ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ، وتَبْدِيلِهِ بِكُلِّ ما يَسْخَطُهُ ويَكْرَهُهُ، فَعَرَّفَهُ بِهَذا العَدُوِّ وطَرائِقِهِمْ وأعْمالِهِمْ وما لَهُمْ، وحَذَّرَهُ مُوالاتَهم والدُّخُولَ في زُمْرَتِهِمْ والكَوْنَ مَعَهم. وَأخْبَرَهُ في عَهْدِهِ أنَّهُ أجْوَدُ الأجْوَدِينَ، وأكْرَمُ الأكْرَمِينَ، وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وأنَّهُ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، وحِلْمُهُ عُقُوبَتَهُ، وعَفْوُهُ مُؤاخَذَتَهُ، وأنَّهُ قَدْ أفاضَ عَلى خَلْقِهِ النِّعْمَةَ، وكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وأنَّهُ يُحِبُّ الإحْسانَ والجُودَ والعَطاءَ والبِرَّ، وأنَّ الفَضْلَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، والخَيْرَ كُلَّهُ مِنهُ، والجُودَ كُلَّهُ لَهُ، وأحَبُّ ما إلَيْهِ أنْ يَجُودَ عَلى عِبادِهِ ويُوسِعَهم فَضْلًا، ويَغْمُرَهم إحْسانًا وجُودًا، ويُتِمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ، ويُضاعِفَ لَدَيْهِمْ مِنَّتَهُ، ويَتَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بِأوْصافِهِ وأسْمائِهِ، ويَتَحَبَّبَ إلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ وآلائِهِ. فَهُوَ الجَوادُ لِذاتِهِ، وجُودُ كُلِّ جَوادٍ خَلَقَهُ اللَّهُ، ويَخْلُقُهُ أبَدًا أقَلُّ مِن ذَرَّةٍ بِالقِياسِ إلى جُودِهِ، فَلَيْسَ الجَوادُ عَلى الإطْلاقِ إلّا هُوَ، وجُودُ كُلِّ جَوادٍ فَمِن جُودِهِ، ومَحَبَّتُهُ لِلْجُودِ والإعْطاءِ والإحْسانِ، والبِرِّ والإنْعامِ والإفْضالِ فَوْقَ ما يَخْطُرُ بِبالِ الخَلْقِ، أوْ يَدُورُ في أوْهامِهِمْ، وفَرَحُهُ بِعَطائِهِ وجُودِهِ وإفْضالِهِ أشَدُّ مِن فَرَحِ الآخِذِ بِما يُعْطاهُ ويَأْخُذُهُ، أحْوَجُ ما هو إلَيْهِ أعْظَمُ ما كانَ قَدْرًا، فَإذا اجْتَمَعَ شِدَّةُ الحاجَةِ وعَظُمَ قَدْرُ العَطِيَّةِ والنَّفْعِ بِها، فَما الظَّنُّ بِفَرَحِ المُعْطِي؟ فَفَرَحُ المُعْطِي سُبْحانَهُ بِعَطائِهِ أشَدُّ وأعْظَمُ مِن فَرَحِ هَذا بِما يَأْخُذُهُ، ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، إذْ هَذا شَأْنُ الجَوادِ مِنَ الخَلْقِ، فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ، والِابْتِهاجِ واللَّذَّةِ بِعَطائِهِ وجُودِهِ فَوْقَ ما يَحْصُلُ لِمَن يُعْطِيهِ، ولَكِنَّ الآخِذَ غائِبٌ بِلَذَّةِ أخْذِهِ، عَنْ لَذَّةِ المُعْطِي، وابْتِهاجِهِ وسُرُورِهِ، هَذا مَعَ كَمالِ حاجَتِهِ إلى ما يُعْطِيهِ وفَقْرِهِ إلَيْهِ، وعَدَمِ وُثُوقِهِ بِاسْتِخْلافِ مِثْلِهِ، وخَوْفِ الحاجَةِ إلَيْهِ عِنْدَ ذَهابِهِ، والتَّعَرُّضِ لِذُلِّ الِاسْتِعانَةِ بِنَظِيرِهِ ومَن هو دُونَهُ، ونَفْسُهُ قَدْ طُبِعَتْ عَلى الحِرْصِ والشُّحِّ. فَما الظَّنُّ بِمَن تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ ولَوْ أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، وأوَّلَ خَلْقِهِ وآخِرَهُمْ، وإنْسَهم وجِنَّهُمْ، ورَطْبَهم ويابِسَهُمْ، قامُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَألُوهُ، فَأعْطى كُلَّ واحِدٍ ما سَألَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمّا عِنْدَهُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. وَهُوَ الجَوادُ لِذاتِهِ، كَما أنَّهُ الحَيُّ لِذاتِهِ، العَلِيمُ لِذاتِهِ، السَّمِيعُ البَصِيرُ لِذاتِهِ، فَجُودُهُ العالِي مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، والعَفْوُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِانْتِقامِ، والرَّحْمَةُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ العُقُوبَةِ، والفَضْلُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ العَدْلِ، والعَطاءُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ المَنعِ. فَإذا تَعَرَّضَ عَبْدُهُ ومَحْبُوبُهُ الَّذِي خَلَقَهُ لِنَفْسِهِ، وأعَدَّ لَهُ أنْواعَ كَرامَتِهِ، وفَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ، وجَعَلَهُ مَحَلَّ مَعْرِفَتِهِ، وأنْزَلَ إلَيْهِ كِتابَهُ، وأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ، واعْتَنى بِأمْرِهِ ولَمْ يُهْمِلْهُ، ولَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى، فَتَعَرَّضَ لِغَضَبِهِ، وارْتَكَبَ مَساخِطَهُ وما يَكْرَهُهُ وأبِقَ مِنهُ، ووالى عَدُوَّهُ وظاهَرَهُ عَلَيْهِ، وتَحَيَّزَ إلَيْهِ، وقَطَعَ طَرِيقَ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ الَّتِي هي أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وفَتَحَ طَرِيقَ العُقُوبَةِ والغَضَبِ والِانْتِقامِ فَقَدِ اسْتَدْعى مِنَ الجَوادِ الكَرِيمِ خِلافَ ما هو مَوْصُوفٌ بِهِ مِنَ الجُودِ والإحْسانِ والبِرِّ، وتَعَرَّضَ لِإغْضابِهِ وإسْخاطِهِ وانْتِقامِهِ، وأنْ يَصِيرَ غَضَبُهُ وسُخْطُهُ في مَوْضِعِ رِضاهُ، وانْتِقامُهُ وعُقُوبَتُهُ في مَوْضِعِ كَرَمِهِ وبِرِّهِ وعَطائِهِ، فاسْتَدْعى بِمَعْصِيَتِهِ مِن أفْعالِهِ ما سِواهُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنهُ، وخِلافُ ما هو مِن لَوازِمِ ذاتِهِ مِنَ الجُودِ والإحْسانِ. فَبَيْنَما هو حَبِيبُهُ المُقَرَّبُ المَخْصُوصُ بِالكَرامَةِ، إذِ انْقَلَبَ آبِقًا شارِدًا، رادًّا لِكَرامَتِهِ، مائِلًا عَنْهُ إلى عَدُوِّهِ، مَعَ شِدَّةِ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وعَدَمِ اسْتِغْنائِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَبَيْنَما ذَلِكَ الحَبِيبُ مَعَ العَدُوِّ في طاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ، ناسِيًا لِسَيِّدِهِ، مُنْهَمِكًا في مُوافَقَةِ عَدُوِّهِ، قَدِ اسْتَدْعى مِن سَيِّدِهِ خِلافَ ما هو أهْلُهُ إذْ عَرَضَتْ لَهُ فِكْرَةٌ فَتَذَكَّرَ بِرَّ سَيِّدِهِ وعَطْفَهُ وجُودَهُ وكَرَمَهُ، وعَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنهُ، وأنَّ مَصِيرَهُ إلَيْهِ، وعَرْضَهُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدَمْ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ قُدِمَ بِهِ عَلَيْهِ عَلى أسْوَأِ الأحْوالِ، فَفَرَّ إلى سَيِّدِهِ مِن بَلَدِ عَدُوِّهِ، وجَدَّ في الهَرَبِ إلَيْهِ حَتّى وصَلَ إلى بابِهِ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلى عَتَبَةِ بابِهِ، وتَوَسَّدَ ثَرى أعْتابِهِ، مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا، خاشِعًا باكِيًا آسِفًا، يَتَمَلَّقُ سَيِّدَهُ ويَسْتَرْحِمُهُ، ويَسْتَعْطِفُهُ ويَعْتَذِرُ إلَيْهِ، قَدْ ألْقى بِيَدِهِ إلَيْهِ، واسْتَسْلَمَ لَهُ وأعْطاهُ قِيادَهُ، وألْقى إلَيْهِ زِمامَهُ، فَعَلِمَ سَيِّدُهُ ما في قَلْبِهِ، فَعادَ مَكانَ الغَضَبِ عَلَيْهِ رِضًا عَنْهُ، ومَكانَ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ رَحْمَةً بِهِ، وأبْدَلَهُ بِالعُقُوبَةِ عَفْوًا، وبِالمَنعِ عَطاءً، وبِالمُؤاخَذَةِ حِلْمًا، فاسْتَدْعى بِالتَّوْبَةِ والرُّجُوعِ مِن سَيِّدِهِ ما هو أهْلُهُ، وما هو مُوجَبُ أسْمائِهِ الحُسْنى، وصِفاتِهِ العُلْيا، فَكَيْفَ يَكُونُ فَرَحُ سَيِّدِهِ بِهِ؟ وقَدْ عادَ إلَيْهِ حَبِيبُهُ ووَلِيُّهُ طَوْعًا واخْتِيارًا، وراجَعَ ما يُحِبُّهُ سَيِّدُهُ مِنهُ بِرِضاهُ، وفَتَحَ طَرِيقَ البِرِّ والإحْسانِ والجُودِ، الَّتِي هي أحَبُّ إلى سَيِّدِهِ مِن طَرِيقِ الغَضَبِ والِانْتِقامِ والعُقُوبَةِ؟ وَهَذا مَوْضِعُ الحِكايَةِ المَشْهُورَةِ عَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ حَصَلَ لَهُ شُرُودٌ وإباقٌ مِن سَيِّدِهِ، فَرَأى في بَعْضِ السِّكَكِ بابًا قَدْ فُتِحَ، وخَرَجَ مِنهُ صَبِيٌّ يَسْتَغِيثُ ويَبْكِي، وأُمُّهُ خَلْفَهُ تَطْرُدُهُ، حَتّى خَرَجَ، فَأغْلَقَتِ البابَ في وجْهِهِ ودَخَلَتْ، فَذَهَبَ الصَّبِيُّ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ وقَفَ مُفَكِّرًا، فَلَمْ يَجِدْ لَهُ مَأْوًى غَيْرَ البَيْتِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنهُ، ولا مَن يُئْوِيهِ غَيْرَ والِدَتِهِ، فَرَجَعَ مَكْسُورَ القَلْبِ حَزِينًا، فَوَجَدَ البابَ مُرَتَّجًا، فَتَوَسَّدَهُ ووَضَعَ خَدَّهُ عَلى عَتَبَةِ البابِ ونامَ، فَخَرَجَتْ أُمُّهُ، فَلَمّا رَأتْهُ عَلى تِلْكَ الحالِ لَمْ تَمْلِكْ أنْ رَمَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ، والتَزَمَتْهُ تُقَبِّلُهُ وتَبْكِي، وتَقُولُ: يا ولَدِي، أيْنَ تَذْهَبُ عَنِّي؟ ومَن يُئْوِيكَ سِوايَ؟ ألَمْ أقُلْ لَكَ: لا تُخالِفْنِي، ولا تَحْمِلْنِي بِمَعْصِيَتِكَ لِي عَلى خِلافِ ما جُبِلْتُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ بِكَ، والشَّفَقَةِ عَلَيْكَ، وإرادَتِي الخَيْرَ لَكَ؟ ثُمَّ أخَذَتْهُ ودَخَلَتْ. فَتَأمَّلْ قَوْلَ الأُمِّ: لا تَحْمِلْنِي بِمَعْصِيَتِكَ لِي عَلى خِلافِ ما جُبِلْتُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ. وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ «لَلَّهُ أرْحَمُ بِعِبادِهِ مِنَ الوالِدَةِ بِوَلَدِها» وأيْنَ تَقَعُ رَحْمَةُ الوالِدَةِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؟ فَإذا أغْضَبَهُ العَبْدُ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدِ اسْتَدْعى مِنهُ صَرْفَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ عَنْهُ، فَإذا تابَ إلَيْهِ فَقَدِ اسْتَدْعى مِنهُ ما هو أهْلُهُ وأوْلى بِهِ. فَهَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ تُطْلِعُكَ عَلى سِرِّ فَرَحِ اللَّهِ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ أعْظَمَ مِن فَرَحِ هَذا الواجِدِ لِراحِلَتِهِ في الأرْضِ المُهْلِكَةِ، بَعْدَ اليَأْسِ مِنها. وَوَراءَ هَذا ما تَجْفُو عَنْهُ العِبارَةُ، وتَدِقُّ عَنْ إدْراكِهِ الأذْهانُ. وَإيّاكَ وطَرِيقَةَ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما مَنزِلٌ ذَمِيمٌ، ومَرْتَعٌ عَلى عِلّاتِهِ وخِيمٌ، ولا يَحِلُّ لِأحَدِهِما أنْ يَجِدَ رَوائِحَ هَذا الأمْرِ ونَفْسَهُ، لِأنَّ زُكامَ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ مُفْسِدٌ لِحاسَّةِ الشَّمِّ، كَما هو مُفْسِدٌ لِحاسَّةِ الذَّوْقِ، فَلا يَذُوقُ طَعْمَ الإيمانِ، ولا يَجِدُ رِيحَهُ، والمَحْرُومُ كُلُّ المَحْرُومِ مَن عُرِضَ عَلَيْهِ الغِنى والخَيْرُ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، فَلا مانِعَ لِما أعْطى اللَّهُ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ، والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.

النور 24:32

والمُرادُ " بِالصّالِحِينَ " مَن صَلَحَ لِلنِّكاحِ، هَذا أصَحُّ التَّفْسِيرَيْنِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّهُ " الإيمانُ " والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْمُرْهم بِإنْكاحِ أهْلِ الصَّلاحِ، والدَّيِّنِ خاصَّةً مِن عَبِيدِهِمْ وإمائِهِمْ، كَما لَمْ يَخُصَّهم بِوُجُوبِ الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ إعْفافُ عَبْدِهِ وأمَتِهِ كَما يَجِبُ عَلَيْهِ الإنْفاقُ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَمامِ مَصالِحِهِ، وحُقُوقِهِ عَلى سَيِّدِهِ، فَقَدْ أطْلَقَ الأمْرَ بِتَزْوِيجِ الإماءِ مُسْلِماتٍ كُنَّ أوْ كافِراتٍ، ولَمْ يَمْنَعْ مِن تَزْوِيجِ الأمَةِ الكافِرَةِ بِمُسْلِمٍ. (مسألة) إن قيل فقد قال الله تعالى ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وقال في الآية الآخرى ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمرهم بالاستعفاف إلى وقت الغنى وأمر بتزويج أولئك مع الفقر وأخبر أنه تعالى يغنيهم فما محمل كل من الآيتين؟ فالجواب أن قوله ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ في حق الأحرار أمرهم الله تعالى أن يستعفوا حتى يغنيهم الله من فضله، فإنهم إن تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقا لم يقدروا عليها وليس لهم من يقوم بها عنهم. وأما قوله ﴿وأنكحوا اللأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ فإنه سبحانه أمرهم فيها أن ينكحوا الأيامى وهن النساء اللواتي لا أزواج لهن. هذا هو المشهور من لفظ الأيم عند الإطلاق، وإن استعمل في حق الرجل بالتقييد مع أن العزب عند الإطلاق للرجل وإن استعمل في حق المرأة. ثم أمرهم سبحانه أن يزوجوا عبيدهم وإماءهم إذا صلحوا للنكاح. فالآية الأولى في حكم تزوجهم لأنفسهم، والثانية في حكم تزويجهم لغيرهم. وقوله في هذا القسم ﴿وَإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ﴾ يعم الأنواع الثلاثة التي ذكرت فيه فإن الأيم تستغني بنفقة زوجها وكذلك الأمة. وأما العبد فإنه لما كان لا مال له وكان ماله لسيده فهو فقير ما دام رقيقا، فلا يمكن أن يجعل لنكاحه غاية وهي غناه ما دام عبدا بل غناه إنما يكون إذا عتق واستغنى بهذا العتق، والحاجة تدعوه إلى النكاح في الرق، فأمر سبحانه بإنكاحه، وأخبر أنه يغنيه من فضله إما بكسبه وإما بإنفاق سيده عليه، وعلى امرأته فلم يمكن أن ينتظر بنكاحه الغنى الذي ينتظر بنكاح الحر. والله أعلم.

النور 24:35

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قالَ: ذاكَ نُورُهُ الَّذِي هو نُورُهُ إذا تَجَلّى بِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ. وَهَذا النُّورُ الَّذِي يَظْهَرُ لِلصّادِقِ: هو نُورُ الإيمانِ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النور: ٣٥] قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَثَلُ نُورِهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ فَهَذا نُورٌ يُضافُ إلى الرَّبِّ، ويُقالُ: هو نُورُ اللَّهِ، كَما أضافَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ، والمُرادُ: نُورُ الإيمانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ خَلْقًا وتَكْوِينًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فَهَذا النُّورُ إذا تَمَكَّنَ مِنَ القَلْبِ، وأشْرَقَ فِيهِ فاضَ عَلى الجَوارِحِ، فَيُرى أثَرُهُ في الوَجْهِ والعَيْنِ، ويَظْهَرُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وقَدْ يَقْوى حَتّى يُشاهِدَهُ صاحِبُهُ عِيانًا، وذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ أحْكامِ القَلْبِ عَلَيْهِ، وغَيْبَةِ أحْكامِ النَّفْسِ. والعَيْنُ شَدِيدَةُ الِارْتِباطِ بِالقَلْبِ تُظْهِرُ ما فِيهِ، فَتَقْوى مادَّةُ النُّورِ في القَلْبِ ويَغِيبُ صاحِبُهُ بِما في قَلْبِهِ عَنْ أحْكامِ حِسِّهِ، بَلْ وعَنْ أحْكامِ العِلْمِ، فَيَنْتَقِلُ مِن أحْكامِ العِلْمِ إلى أحْكامِ العِيانِ. وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ أحْكامَ الطَّبِيعَةِ والنَّفْسِ شَيْءٌ، وأحْكامَ القَلْبِ شَيْءٌ، وأحْكامَ الرُّوحِ شَيْءٌ، وأنْوارَ العِباداتِ شَيْءٌ، وأنْوارَ اسْتِيلاءِ مَعانِي الصِّفاتِ والأسْماءِ عَلى القَلْبِ شَيْءٌ، وأنْوارَ الذّاتِ المُقَدَّسَةِ شَيْءٌ وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَهَذا البابُ يَغْلَطُ فِيهِ رَجُلانِ؛ أحَدُهُما: غَلِيظُ الحِجابِ، كَثِيفُ الطَّبْعِ، والآخَرُ: قَلِيلُ العِلْمِ، يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ ما في الذِّهْنِ بِما في الخارِجِ، ونُورُ المُعامَلاتِ بِنُورِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾. (فصل) وقد ضرب سبحانه وتعالى النور في قلب عبده مثلًا لا يعقله إلا العالمون فقال سبحانه وتعالى: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾ قال أبي بن كعب: مثل نوره في قلب المسلم. وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به وجعلهم يمشون به بين الناس، وأصله في قلوبهم ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل ثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق له منكر. فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا، فمنهم من نوره كالشمس وآخر كالقمر وآخر كالنجوم وآخر كالسراج وآخر يعطي نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا فأعطى على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانًا، ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا بل كان نوره ظاهرًا لا باطنًا أعطى نورًا ظاهرًا مآله إلى الظلمة والذهاب. وضرب الله عز وجل لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلًا بالمشكاة وهي الكوة في الحائط فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه وهي مثل القلب، وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافًا هي في قلب المؤمن وهي الصفاء والرقة، فيرى الحق والهدى بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى ويغلظ عليهم ويشتد في الحق ويصلب فيه بصلابته، ولا تبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها، بل تساعدها وتعاضدها، ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ وقال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ وفي أثر القلوب: آنية الله تعالى في أرضه، فأحبها إليه وأرقها وأصلبها وأصفاها وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض: أحدهما: قلب حجري قاس لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر، ولا له صفاء يرى به الحق، بل هو جبار جاهل: لا علم له بالحق، ولا رحمة للخلق. وبإزائه قلب ضعيف مائي لا قوة فيه ولا استمساك، بل يقبل كل صورة، وليس له قوة حفظ تلك الصور ولا قوة التأثير في غيره، وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف، وطيب خبيث. وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته. ولذلك النور مادة، وهو زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح. وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة وأبعدها من الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء، فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن. ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار فاشتدت بها اضاءته وقويت مادة ضوء النار به، كان ذلك نورًا على نور. وهكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نورًا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نور على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثر، ثم يسمع الأثر مطابقًا لما شهدت به فطرته فيكون نورًا على نور، فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملًا ثم يسمع الأثر جاء به مفصلًا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة. فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة، ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة. فذكر سبحانه وتعالى نوره في السماوات والأرض، ونوره في قلوب عباده المؤمنين، النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي، فهما نوران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر، وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره، لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يتكون ألبتة، فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والإيمان ميتة وقلب فقد منه هذا النور ميت ولا بد، لا حياة له ألبتة، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه. والله سبحانه وتعالى يقرن بين الحياة والنور كما في قوله عز وجل ﴿أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ وكذلك قوله عز وجل ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾. [فَصْلٌ: في ذِكْرِ الأنْوارِ وفِيهِ فَوائِدُ جَلِيلَةٌ] واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَمّى نَفْسَهُ نُورًا، وجَعَلَ كِتابَهُ نُورًا، ورَسُولَهُ ﷺ نُورًا، ودِينَهُ نُورًا، واحْتَجَبَ عَنْ خَلْقِهِ بِالنُّورِ، وجَعَلَ دارَ أوْلِيائِهِ نُورًا تَتَلَأْلَأُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] وَقَدْ فُسِّرَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ. .﴾ بِكَوْنِهِ: مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضَ، وهادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَبِنُورِهِ اهْتَدى أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا إنَّما هو فِعْلُهُ، وإلّا فالنُّورُ الَّذِي هو مِن أوْصافِهِ، قائِمٌ بِهِ، ومِنهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمُ النُّورُ الَّذِي هو أحَدُ الأسْماءِ الحُسْنى. والنُّورُ يُضافُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إضافَةُ صِفَةٍ إلى مَوْصُوفِها، وإضافَةُ مَفْعُولٍ إلى فاعِلِهِ. فالأوَّلُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها. .﴾ [الزمر: ٦٩] الآيَةَ فَهَذا إشْراقُها يَوْمَ القِيامَةِ بِنُورِهِ تَعالى إذا جاءَ لِفَصْلِ القَضاءِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في الدُّعاءِ المَشْهُورِ: «أعُوذُ بِنُورِ وجْهِكَ الكَرِيمِ أنْ تُضِلَّنِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ»). وفي الأثَرِ الآخَرِ: («أعُوذُ بِنُورِ وجْهِكَ الَّذِي أشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُماتُ») فَأخْبَرَ ﷺ أنَّ الظُّلُماتِ أشْرَقَتْ لِنُورِ وجْهِهِ، كَما أخْبَرَ تَعالى: أنَّ الأرْضَ تُشْرِقُ يَوْمَ القِيامَةِ بِنُورِهِ. وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ والسُّنَّةِ لَهُ، وكِتابِ عُثْمانَ الدّارِمِيِّ، وغَيْرِها، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَيْسَ عِنْدَ رَبِّكم لَيْلٌ ولا نَهارٌ، نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مِن نُورِ وجْهِهِ»)، وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أقْرَبُ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ مِن قَوْلِ مَن فَسَّرَها بِأنَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، " وأمّا مَن فَسَّرَها بِأنَّهُ مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ " فَلا تَنافِي بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَقُّ أنَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ بِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ كُلِّها وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ " كَلِماتٍ " فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ " عَمَلِ " النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ " عَمَلِ " اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ»). وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: (نُورٌ أنّى أراهُ)» فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: مَعْناهُ كانَ ثَمَّ نُورٌ، أوْ حالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ نُورٌ فَأنّى أراهُ. قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ في بَعْضِ ألْفاظِ الصَّحِيحِ «هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقالَ: رَأيْتُ نُورًا»، وقَدْ أُعْضِلَ أمْرُ هَذا الحَدِيثِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ حَتّى صَحَّفَهُ بَعْضُهم فَقالَ: «نُورانِيٌّ أراهُ»، عَلى أنَّها ياءُ النَّسَبِ، والكَلِمَةُ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وهَذا خَطَّأٌ لَفْظًا ومَعْنى، وإنَّما أوْجَبَ لَهم هَذا الإشْكالَ والخَطَأ أنَّهم لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَبَّهُ وكانَ قَوْلُهُ: «أنّى أراهُ»، كالإنْكارِ لِلرُّؤْيَةِ حارُوا في الحَدِيثِ ورَدَّهُ بَعْضُهم بِاضْطِرابِ لَفْظِهِ وكُلُّ هَذا عُدُولٌ عَنْ مُوجَبِ الدَّلِيلِ. وَقَدْ حَكى عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ، في كِتابِ " الرَّدِّ " لَهُ، إجْماعَ الصَّحابَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ، وبَعْضُهُمُ اسْتَثْنى ابْنَ عَبّاسٍ مِن ذَلِكَ، وشَيْخُنا يَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِخِلافٍ في الحَقِيقَةِ. فَإنَّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَقُلْ: رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: " أنَّهُ رَآهُ عَزَّ وجَلَّ ولَمْ يَقُلْ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ ولَفْظُ أحْمَدَ كَلَفْظِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما قالَهُ شَيْخُنا في " مَعْنى " حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الآخَرِ: حِجابُهُ النُّورُ. فَهَذا النُّورُ هو - واللَّهُ أعْلَمُ - النُّورُ المَذْكُورُ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " «رَأيْتُ نُورًا». [فَصْلٌ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (مَثَلُ نُورِهِ. .). الآيَةَ] فَصْلٌ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ. .﴾ [النور: ٣٥]. الآيَةَ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ. .﴾ [النور: ٣٥] الآيَةَ هَذا مَثَلٌ لِنُورِهِ في قَلْبِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ، كَما قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وغَيْرُهُ، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الضَّمِيرِ في نُورِهِ، فَقِيلَ: هو النَّبِيُّ ﷺ أيْ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: تَفْسِيرُهُ المُؤْمِنُ، أيْ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والمَعْنى: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَلْبِ عَبْدِهِ، وأعْظَمُ عِبادِهِ نَصِيبًا مِن هَذا النُّورِ رَسُولُهُ ﷺ فَهَذا مَعَ ما تَضَمَّنَهُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ، وهو وجْهُ الكَلامِ يَتَضَمَّنُ التَّقادِيرَ الثَّلاثَةَ، وهو أتَمُّ مَعْنًى ولَفْظًا. وَهَذا النُّورُ يُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى إذْ هو مُعْطِيهِ لِعَبْدِهِ وواهِبُهُ إيّاهُ، ويُضافُ إلى العَبْدِ إذْ هو مَحَلُّهُ وقابِلُهُ، فَيُضافُ إلى الفاعِلِ والقابِلِ، ولِهَذا النُّورِ فاعِلٌ وقابِلٌ، ومَحَلٌّ وحامِلٌ، ومادَّةٌ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ذِكْرَ هَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ. فالفاعِلُ: هو اللَّهُ تَعالى مُفِيضُ الأنْوارِ الهادِي لِنُورِهِ مَن يَشاءُ، والقابِلُ: العَبْدُ المُؤْمِنُ، والمَحَلُّ قَلْبُهُ، والحامِلُ: هِمَّتُهُ وعَزِيمَتُهُ وإرادَتُهُ، والمادَّةُ: قَوْلُهُ وعَمَلُهُ، وهَذا التَّشْبِيهُ العَجِيبُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ فِيهِ مِنَ الأسْرارِ والمَعانِي وإظْهارِ تَمامِ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِما أنالَهُ مِن نُورِهِ ما تَقَرَّ بِهِ عُيُونُ أهْلِهِ وتَبْتَهِجُ بِهِ قُلُوبُهم. وَفِي هَذا التَّشْبِيهِ لِأهْلِ المَعانِي طَرِيقَتانِ: أحَدُهُما: طَرِيقَةُ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ وهي أقْرَبُ مَأْخَذًا وأسْلَمُ مِنَ التَّكَلُّفِ، وهي أنْ تُشَبَّهَ الجُمْلَةُ بِرُمَّتِها بِنُورِ المُؤْمِنِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَفْصِيلِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ المُشَبَّهِ ومُقابَلَتِهِ بِجُزْءٍ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ وعَلى هَذا عامَّةُ أمْثالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ. فَتَأمَّلْ صِفَةَ مِشْكاةٍ، وهي كُوَّةٌ لا تَنْفَذُ لِتَكُونَ أجْمَعَ لِلضَّوْءِ قَدْ وُضِعَ فِيها مِصْباحٌ وذَلِكَ المِصْباحُ داخِلَ زُجاجَةٍ تُشْبِهُ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ في صَفائِها وحُسْنِها، ومادَّتُهُ مِن أصْفى الأدْهانُ وأتَمِّها وقُودًا مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ في وسَطِ القَراحِ، لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ، بِحَيْثُ تُصِيبُها الشَّمْسُ في أحَدِ طَرَفَيِ النَّهارِ بَلْ هي في وسَطِ القَراحِ مَحْمِيَّةٌ بِأطْرافِهِ، تُصِيبُها الشَّمْسُ أعْدَلَ إصابَةٍ والآفاتُ إلى الأطْرافِ دُونَها، فَمِن شِدَّةِ إضاءَةِ زَيْتِها وصَفائِهِ وحُسْنِهِ يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ نارٌ، فَهَذا المَجْمُوعُ المُرَكَّبُ هو مَثَلُ نُورِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي وضَعَهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ وخَصَّهُ بِهِ. والطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ: طَرِيقَةُ التَّشْبِيهِ المُفَصَّلِ، فَقِيلَ: المِشْكاةُ صَدْرُ المُؤْمِنِ والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ، وشَبَّهَ قَلْبَهُ بِالزُّجاجَةِ لِرِقَّتِها وصَفائِها وصَلابَتِها، وكَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ قَدْ جَمَعَ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ فَهو يَرْحَمُ ويُحْسِنُ ويَتَحَنَّنُ ويُشْفِقُ عَلى الخَلْقِ بِرِقَّتِهِ. وَبِصَفائِهِ تَتَجَلّى فِيهِ صُوَرُ الحَقائِقِ والعُلُومِ عَلى ما هي عَلَيْهِ ويُباعَدُ الكَدَرُ والدَّرَنُ والوَسَخُ بِحَسَبَ ما فِيهِ مِنَ الصَّفاءِ، وبِصَلابَتِهِ يَشْتَدُّ في أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ويَتَصَلَّبُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى ويَغْلُظُ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ويَقُومُ بِالحَقِّ لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى القُلُوبَ كالآنِيَةِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: القُلُوبُ آنِيَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وأحَبُّها إلَيْهِ أرَقُّها وأصْلَبُها وأصْفاها. والمِصْباحُ هو نُورُ الإيمانِ في قَلْبِهِ والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ هي شَجَرَةُ الوَحْيِ المُتَضَمِّنَةُ لِلْهُدى، ودِينُ الحَقِّ وهي مادَّةُ المِصْباحِ الَّتِي يَتَّقِدُ مِنها، والنُّورُ عَلى النُّورِ: نُورُ الفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ والإدْراكِ الصَّحِيحِ، ونُورُ الوَحْيِ والكِتابِ، فَيَنْضافُ أحَدُ النُّورَيْنِ إلى الآخَرِ فَيَزْدادُ العَبْدُ نُورًا عَلى نُورٍ، ولِهَذا يَكادُ يَنْطِقُ بِالحَقِّ والحِكْمَةِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ " ما " فِيهِ بِالأثَرِ ثُمَّ يَبْلُغُهُ الأثَرُ بِمِثْلِ ما وقَعَ في قَلْبِهِ ونَطَقَ بِهِ فَيَتَّفِقُ عِنْدَهُ شاهِدُ العَقْلِ والشَّرْعِ والفِطْرَةُ والوَحْيُ فَيُرِيَهُ عَقْلُهُ وفِطْرَتُهُ وذَوْقُهُ " أنَّ " الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ هو الحَقُّ لا يَتَعارَضُ عِنْدَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ البَتَّةَ بَلْ يَتَصادَقانِ ويَتَوافَقانِ فَهَذا عَلامَةُ النُّورِ عَلى النُّورِ، عَكْسُ مَن تَلاطَمَتْ في قَلْبِهِ " أمْواجُ " الشُّبَهِ الباطِلَةِ، والخَيالاتِ الفاسِدَةِ مِنَ الظُّنُونِ الجَهْلِيّاتِ الَّتِي يُسَمِّيها أهْلُها القَواطِعَ العَقْلِيّاتِ، فَهي في صَدْرِهِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فانْظُرْ كَيْفَ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ طَرائِفَ بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ أتَمَّ انْتِظامٍ، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أكْمَلَ اشْتِمالٍ. (فصل) من لم يعرف نَفسه كَيفَ يعرف خالقه، فاعْلَم أن الله تَعالى خلق في صدرك بَيْتا وهو القلب ووضع في صَدره عرشا لمعرفته يَسْتَوِي عَلَيْهِ المثل الأعْلى فَهو مستو على عَرْشه بِذاتِهِ بائِن من خلقه والمثل الأعْلى من مَعْرفَته ومحبته وتوحيده مستو على سَرِير القلب وعَلى السرير بِساط من الرِّضا ووضع عَن يَمِينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره وفتح إلَيْهِ بابا من جنَّة رَحمته والأنس بِهِ والشوق إلى لِقائِه وأمطره من وابل كَلامه ما أنبت فِيهِ أصْناف الرياحين والأشْجار المثمرة من أنْواع الطّاعات والتهليل والتَّسْبِيح والتحميد والتَّقْدِيس وجعل في وسط البُسْتان شَجَرَة معرفَة فَهي تُؤْتِي أكلها كل حِين بِإذْنِ رَبِّها من المحبَّة والإنابة والخشية والفرح بِهِ والابتهاج بِقُرْبِهِ وأجرى إلى تِلْكَ الشَّجَرَة ما يسقيها من تَدْبِير كَلامه وفهمه والعَمَل بوصاياه وعلّق في ذَلِك البَيْت قِنْدِيلًا أسرجه بضياء مَعْرفَته والإيمان بِهِ وتوحيده فَهو يستمد من شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تمسسه نار ثمَّ أحاط عَلَيْهِ حائِطا يمنعهُ من دُخُول الآفات والمفسدين ومن يُؤْذِي البُسْتان فَلا يلْحقهُ إذا هم وأقام عَلَيْهِ حرسا من المَلائِكَة يَحْفَظُونَهُ في يقظته ومنامه ثمَّ أعلم صاحب البَيْت والبستان بالساكن فِيهِ فَهو دائِما همه إصْلاح السكن ولم شعثه ليرضاه السّاكِن منزلا، وإذا أحس بِأدْنى شعث في السكن بادر إلى إصْلاحه ولمّه خشيَة انْتِقال السّاكِن مِنهُ، فَنعم السّاكِن ونعم المسكن. فسبحان الله رب العالمين كم بَين هَذا البَيْت وبَيت قد استولى عَلَيْهِ الخراب، وصارَ مأوى للحشرات والهوام، ومحلا لإلقاء الأنتان والقاذورات فِيهِ. فَمن أرادَ التخلي وقَضاء الحاجة وجد خربة لا ساكن فِيها ولا حافظ لَها وهِي معدة لقَضاء الحاجة مظْلمَة الأرجاء مُنْتِنَة الرّائِحَة قد عمّها الخراب وملأتها القاذورات فَلا يأنس بها ولا ينزل فِيها إلّا من يُناسِبه سكناها من الحشرات والديدان والهوام الشَّيْطان جالس على سريرها وعَلى السرير بِساط من الجَهْل وتخفق فِيهِ الأهْواء وعم يَمِينه وشماله مرافق الشَّهَوات وقد فتح إلَيْهِ باب من حقل الخذلان والوحشة والركون إلى الدُّنْيا والطمأنينة بها والزهد في الآخِرَة، وأمطر من وابل الجَهْل والهوى والشرك والبدع، وما أنبت فِيهِ أصْناف الشوك والحنظل والأشْجار المثمرة بأنواع المعاصِي والمخالفات من الزَّوائِد والتنديبات والنوادر والهزليات والمضحكات والأشعار الغزليات والخمريات الَّتِي تهيج على ارْتِكاب المُحرمات، وتزهد في الطّاعات، وجعل في وسط الحقل شَجَرَة الجَهْل بِهِ والإعراض عَنهُ، فَهي تؤتي أكلها كل حِين من الفسوق والمعاصي واللَّهْو واللعب والمجون والذهاب مَعَ كل ريح واتّباع كل شَهْوَة، ومن ثَمَرها العُمُوم والغموم والأحْزان والآلام، ولكنها متوارية بإشغال النَّفس بلهوها ولعبها، فَإذا أفاقت من سكرها أحضرت كل هم وغم وحزن وقلق ومعيشة ضنك، وأجرى إلى تِلْكَ الشَّجَرَة ما يسقيها من اتّباع الهوى وطول الأمل والغرور، ثمَّ ترك ذَلِك البَيْت وظلماته وخراب حيطانه بِحَيْثُ لا يمْنَع مِنهُ مُفسد ولا حَيَوان ولا مؤذ ولا قذر. فسبحان خالق هَذا البَيْت، وذَلِكَ البَيْت. فَمن عرف بَيته وقدر السّاكِن فِيهِ وقدّر ما فِيهِ من الكُنُوز والذخائر والآلات انْتفع بحياته ونَفسه، ومن جهل ذَلِك جهل نَفسه وأضاع سعادته. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.

النور 24:39

[أقْسامُ النّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ] فَإنَّ النّاسَ قِسْمانِ: أهْلُ الهُدى والبَصائِرِ، الَّذِينَ عَرَفُوا أنَّ الحَقَّ فِيما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ اللَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما عارَضَهُ فَشُبُهاتٌ يُشْتَبَهُ عَلى مَن قَلَّ نَصِيبُهُ مِنَ العَقْلِ والسَّمْعِ أمْرُها فَيَظُنُّها شَيْئًا لَهُ حاصِلٌ يَنْتَفِعُ بِهِ وهِيَ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ - أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٣٩-٤٠]. وَهَؤُلاءِ هم أهْلُ الهُدى ودِينِ الحَقِّ أصْحابُ العِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ ﷺ في أخْبارِهِ ولَمْ يُعارِضُوها بِالشُّبُهاتِ، وأطاعُوهُ في أوامِرِهِ ولَمْ يُضَيِّعُوها بِالشَّهَواتِ، فَلا هم في عَمَلِهِمْ مِن أهْلِ الخَوْضِ الخَرّاصِينَ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ، ولا هم في عَمَلِهِمْ مِنَ المُسْتَمْتِعِينَ بِخَلاقِهِمُ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ. أضاءَ لَهم نُورُ الوَحْيِ المُبِينِ فَرَأوْا في نُورِهِ أهْلَ الظُّلُماتِ في ظُلُماتِ آرائِهِمْ يَعْمَهُونَ، وفي ضَلالَتِهِمْ يَتَهَوَّكُونَ، وفي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، مُغْتَرِّينَ بِظاهِرِ السَّرابِ، مُمْحِلِينَ مُجْدِبِينَ مِمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ، إنْ عِنْدَهم إلّا نُخالَةُ الأفْكارِ وزُبالَةُ الأذْهانِ الَّتِي قَدْ رَضُوا بِها واطْمَأنُّوا إلَيْها وقَدَّمُوها عَلى السُّنَّةِ والقُرْآنِ، إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ أوْجَبَهُ لَهُمُ اتِّباعُ الهَوى ونَخْوَةُ الشَّيْطانِ وهم لِأجْلِهِ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ. [فَصْلٌ القِسْمُ الثّانِي أهْلُ الجَهْلِ والظُّلْمِ] القِسْمُ الثّانِي: أهْلُ الجَهْلِ والظُّلْمِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الجَهْلِ بِما جاءَ بِهِ، والظُّلْمِ بِاتِّباعِ أهْوائِهِمُ، الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣]. وَهَؤُلاءِ قِسْمانِ: أحَدُهُما: الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى عِلْمٍ وهُدًى وهم أهْلُ جَهْلٍ وضَلالٍ، فَهَؤُلاءِ أهْلُ الجَهْلِ المُرَكَّبِ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ الحَقَّ ويُعادُونَهُ ويُعادُونَ أهْلَهُ، ويَنْصُرُونَ الباطِلَ ويُوالُونَهُ ويُوالُونَ أهْلَهُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ، فَهم لِاعْتِقادِهِمُ الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ بِمَنزِلَةِ رائِي السَّرابِ الَّذِي يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، فَهَكَذا هَؤُلاءِ أعْمالُهم وعُلُومُهم بِمَنزِلَةِ السَّرابِ الَّذِي يَخُونُ صاحِبَهُ أحْوَجَ ما هو إلَيْهِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى مُجَرَّدِ الخَيْبَةِ والحِرْمانِ كَما هو حالُ مَن أمَّ السَّرابَ فَلَمْ يَجِدْهُ ماءً بَلِ انْضافَ إلى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَ عِنْدَهُ أحْكَمَ الحاكِمِينَ وأعْدَلَ العادِلِينَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَحَسَبَ لَهُ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، ووَفّاهُ إيّاهُ بِمَثاقِيلِ الذَّرِّ، وقَدِمَ إلى ما عَمِلَ مِن عَمَلٍ يَرْجُو نَفْعَهُ فَجَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا: إذْ لَمْ يَكُنْ خالِصًا لِوَجْهِهِ، ولا عَلى سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وصارَتْ تِلْكَ الشُّبُهاتُ الباطِلَةُ الَّتِي كانَ يَظُنُّها عُلُومًا نافِعَةً كَذَلِكَ هَباءً مَنثُورًا، فَصارَتْ أعْمالُهُ وعُلُومُهُ حَسَراتٍ عَلَيْهِ. والسَّرابُ ما يُرى في الفَلَواتِ المُنْبَسِطَةِ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ وقْتَ الظَّهِيرَةِ يُسَرِّبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهُ ماءٌ يَجْرِي. والقِيعَةُ والقاعُ هُوَ: المُنْبَسِطُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا جَبَلَ فِيهِ ولا وادٍ فَشَبَّهَ عُلُومَ مَن لَمْ يَأْخُذْ عُلُومَهُ مِنَ الوَحْيِ وأعْمالَهُ، بِسَرابٍ يَراهُ المُسافِرُ في شِدَّةِ الحَرِّ فَيَؤُمُّهُ فَيَخِيبُ ظَنُّهُ ويَجِدُهُ نارًا تَلَظّى، فَهَكَذا عُلُومُ أهْلِ الباطِلِ وأعْمالُهم إذا حُشِرَ النّاسُ واشْتَدَّ بِهِمُ العَطَشُ بَدَتْ لَهم كالسَّرابِ فَيَحْسَبُونَهُ ماءً فَإذا أتَوْهُ وجَدُوا اللَّهَ عِنْدَهُ فَأخَذَتْهم زَبانِيَةُ العَذابِ فَعَتَلُوهم إلى نارِ الجَحِيمِ فَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ، وذَلِكَ الماءُ الَّذِي سُقُوهُ هو تِلْكَ العُلُومُ الَّتِي لا تَنْفَعُ. والأعْمالُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى صَيَّرَها اللَّهُ تَعالى حَمِيمًا سَقاهم إيّاهُ كَما أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، وهو تِلْكَ العُلُومُ والأعْمالُ الباطِلَةُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣] وهُمُ الَّذِينَ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وهُمُ الَّذِينَ عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]. [أصْحابُ الظُّلُماتِ] والقِسْمُ الثّانِي مِن هَذا الصِّنْفِ: أصْحابُ الظُّلُماتِ وهُمُ المُنْغَمِسُونَ في الجَهْلِ بِحَيْثُ قَدْ أحاطَ بِهِمْ مِن كُلِّ وجْهٍ فَهم بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا، فَهَؤُلاءِ أعْمالُهُمُ - الَّتِي عَمِلُوها عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الآباءِ مِن غَيْرِ نُورٍ " مِنَ " اللَّهِ تَعالى - كَظُلُماتٍ - جَمْعُ ظُلْمَةٍ - وهي ظُلْمَةُ الجَهْلِ، وظُلْمَةُ الكُفْرِ، وظُلْمَةُ الظُّلْمِ واتِّباعِ الهَوى، وظُلْمَةُ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وظُلْمَةُ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رُسُلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، والنُّورُ الَّذِي أنْزَلَهُ مَعَهم لِيُخْرِجَ بِهِ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، فَإنَّ المُعْرِضَ عَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الهُدى ودِينِ الحَقِّ يَتَقَلَّبُ في خَمْسِ ظُلُماتٍ، قَوْلُهُ ظُلْمَةٌ، وعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومُدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومُخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، ومَصِيرُهُ إلى الظُّلْمَةِ، فَقَلْبُهُ مُظْلِمٌ، ووَجْهُهُ مُظْلِمٌ، وكَلامُهُ مُظْلِمٌ، وحالُهُ مُظْلِمَةٌ، وإذا قابَلَتْ بَصِيرَتُهُ الخُفّاشِيَّةُ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِن النُّورِ جَدَّ في الهَرَبِ مِنهُ وكادَ نُورُهُ يَخْطِفُ بَصَرَهُ فَهَرَبَ إلى ظُلُماتِ الآراءِ الَّتِي هي بِهِ أنْسَبُ وأوْلى كَما قِيلَ. خَفافِيشُ أعَشاها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ووافَقَها قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ فَإذا جاءَ إلى زُبالَةِ الأفْكارِ ونُحاتَةِ الأذْهانِ، جالَ وصالَ، وأبْدى وأعادَ، وقَعْقَعَ وفَرْقَعَ. فَإذا طَلَعَ نُورُ الوَحْيِ وشَمْسُ الرِّسالَةِ، انْحَجَرَ في أحْجِرَةِ الحَشَراتِ. [فصل: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ. . .) الآيَةَ] وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠]، اللُّجِّيُّ: العَمِيقُ مَنسُوبٌ إلى لُجَّةِ البَحْرِ وهي مُعْظَمُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ [النور: ٤٠] تَصْوِيرٌ لِحالِ هَذا المُعْرِضِ عَنْ وحْيِهِ فَشَبَّهَ تَلاطُمَ أمْواجِ الشُّبَهِ والباطِلِ في صَدْرِهِ بِتَلاطُمِ أمْواجِ ذَلِكَ البَحْرِ وأنَّها أمْواجٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والضَّمِيرُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (يَغْشاهُ) راجِعٌ إلى البَحْرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي: في قَوْلِهِ: (مِن فَوْقِهِ) عائِدٌ إلى المَوْجِ، ثُمَّ إنْ تِلْكَ الأمْواجَ مُغْشاةٌ بِسَحابٍ، فَهاهُنا ظُلُماتٌ: ظُلْمَةُ البَحْرِ اللُّجِّيِّ، وظُلْمَةُ المَوْجِ الَّذِي فَوْقَهُ، وظُلْمَةُ السَّحابِ: الَّذِي فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ إذا أخْرَجَ - مَن في هَذا البَحْرِ - يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها. [مَطْلَبٌ في بَحْثِ كادَ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ذَلِكَ فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: هو نَفْيٌ لِمُقارَبَةِ رُؤْيَتِها وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُنْفى وُقُوعُ الشَّيْءِ ولا تُنْفى مُقارَبَتُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَمْ يُقارِبْ رُؤْيَتَها بِوَجْهٍ. قالَ هَؤُلاءِ: وكادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ لَها حُكْمُ سائِرِ الأفْعالِ في النَّفْيِ والإثْباتِ، فَإذا قِيلَ: كادَ يَفْعَلُ، فَهو إثْباتٌ لِمُقارَبَةِ الفِعْلِ، فَإذا قِيلَ: لَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ فَهو نَفْيٌ لِمُقارَبَةِ الفِعْلِ. وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى، بَلْ هَذا دالٌّ عَلى أنَّهُ إنَّما يَراها بَعْدَ جُهْدٍ شَدِيدٍ وفي ذَلِكَ إثْباتُ رُؤْيَتِها بَعْدَ أعْظَمِ العُسْرِ؛ لِأجْلِ تِلْكَ الظُّلُماتِ، قالُوا: لِأنَّ كادَ لَها شَأْنٌ لَيْسَ لِغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ فَإنَّها إذا أثْبَتَتْ نَفَتْ وإذا نَفَتْ أثْبَتَتْ. فَإذا قُلْتَ: ما كِدْتُ أصِلُ إلَيْكَ فَمَعْناهُ: وصَلْتُ إلَيْكَ بَعْدَ الجُهْدِ والشِّدَّةِ فَهَذا إثْباتٌ لِلْوُصُولِ، وإذا قُلْتَ: كادَ زَيْدٌ يَقُومُ فَهي نَفْيٌ لِقِيامِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ. .﴾ [القلم: ٥١] الآيَةَ وأنْشَدَ بَعْضُهم في ذَلِكَ مُلْغِزًا: ؎أنَحْوِيَّ هَذا العَصْرِ ما هي لَفْظَةٌ ∗∗∗ جَرَتْ في لِسانَيْ جُرْهُمٍ وثَمُودِ ؎إذا اسْتُعْمِلَتْ في صُورَةِ النَّفْيِ أُثْبِتَتْ ∗∗∗ وإنْ أُثْبِتَتْ قامَتْ مَقامَ جُحُودِ وَقالَتْ فِرْقَةٌ ثالِثَةٌ: مِنهم أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ: إنَّ اسْتِعْمالَها مُثْبَتَةٌ يَقْتَضِي نَفْيَ خَبَرِها كَقَوْلِكَ: كادَ زَيْدٌ يَقُومُ، واسْتِعْمالُها مَنفِيَّةٌ يَقْتَضِي نَفْيَهُ بِطَرِيقِ الأوْلى فَهي عِنْدُهُ تَنْفِي الخَبَرَ سَواءٌ كانَتْ مَنفِيَّةً أوْ مُثْبَتَةً (فَلَمْ يَكَدْ زَيْدٌ يَقُومُ) أبْلَغُ عِنْدَهُ في النَّفْيِ مِن (لَمْ يَقُمْ)، واحْتَجَّ بِأنَّها إذا نُفِيَتْ وهي مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ فَقَدْ نَفَتْ مُقارَبَةَ الفِعْلِ وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ، وإذا اسْتُعْمِلَتْ مُثْبِتَةً فَهي تَقْتَضِي مُقارَبَةَ اسْمِها لِخَبَرِها وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ واعْتَذَرَ عَنْ مَثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ. .﴾ [البقرة: ٧١] الآيَةَ. وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ: وصَلْتُ إلَيْكَ وما كِدْتُ أصِلُ. وسَلِمْتُ وما كِدْتُ أسْلَمُ. بِأنَّ هَذا وارِدٌ عَلى كَلامَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ أيْ: فَعَلْتُ كَذا بَعْدَ أنْ لَمْ أكُنْ مُقارِبًا لَهُ فالأوَّلُ: يَقْتَضِي وُجُودَ الفِعْلِ، والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقارِبًا لَهُ بَلْ كانَ آيِسًا مِنهُ فَهُما كَلامانِ مَقْصُودٌ بِهِما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وذَهَبَتْ فَرِقَّةٌ رابِعَةٌ: إلى الفَرْقِ بَيْنَ ماضِيها ومُسْتَقْبَلِها، فَإذا كانَتْ في الإثْباتِ فَهي لِمُقارَبَةِ الفِعْلِ سَواءٌ كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي أوِ المُسْتَقْبَلِ وإنْ كانَتْ في طَرَفِ النَّفْيِ، فَإنْ كانَتْ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ كانَتْ لِنَفْيِ الفِعْلِ ومُقارَبَتِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾، وإنْ كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي فَهي تَقْتَضِي الإثْباتَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ طُرُقٍ لِلنُّحاةِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، والصَّحِيحُ أنَّها فِعْلٌ يَقْتَضِي المُقارَبَةَ ولَها حُكْمُ سائِرِ الأفْعالِ، ونَفْيُ الخَبَرِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِن لَفْظِها ووَضْعِها فَإنَّها لَمْ تُوضَعْ لِنَفْيِهِ، وإنَّما اسْتُفِيدَ مِن لَوازِمِ مَعْناها، فَإنَّها إذا اقْتَضَتْ مُقارَبَةَ الفِعْلِ لَمْ يَكُنْ واقِعًا فَيَكُونُ مَنفِيًّا بِاللُّزُومِ، وأمّا إذا اسْتُعْمِلَتْ مَنفِيَّةً فَإنْ كانَتْ في كَلامٍ واحِدٍ فَهي لِنَفْيِ المُقارَبَةِ كَما إذا قُلْتَ: لا يَكادُ البَطّالُ يُفْلِحُ ولا يَكادُ البَخِيلُ يَسُودُ ولا يَكادُ الجَبانُ يَفْرَحُ ونَحْوَ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ في كَلامَيْنِ اقْتَضَتْ وُقُوعَ الفِعْلِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مُقارِبًا كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ، فَهَذا التَّحْقِيقُ في أمْرِها والمَقْصُودُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ إمّا أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ لا يُقارِبُ رُؤْيَتَها لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ وهو الأظْهَرُ، فَإذا كانَ لا يُقارِبُ رُؤْيَتَها فَكَيْفَ يَراها. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎إذا غَيَّرَ النّائِي المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ∗∗∗ رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ أيْ: لَمْ يُقارِبِ البَراحَ وهو الزَّوالُ فَكَيْفَ يَزُولُ، فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ أعْمالَهم أوَّلًا في فَواتِ نَفْعِها وحُصُولِ ضَرَرِها عَلَيْهِمْ بِسَرابٍ خَدّاعٍ يَخْدَعُ رائِيِهِ مِن بَعِيدٍ فَإذا جاءَهُ وجَدَ عِنْدَهُ عَكْسَ ما أمَّلَهُ ورَجاهُ، وشَبَّهَها ثانِيًا في ظُلْمَتِها وسَوادِها لِكَوْنِها باطِلَةً خالِيَةً عَنْ نُورِ الإيمانِ بِظُلُماتٍ مُتَراكِمَةٍ في لُجُجِ البَحْرِ المُتَلاطِمِ الأمْواجِ الَّذِي قَدْ غَشِيَهُ السَّحابُ مِن فَوْقِهِ فَيالَهُ تَشْبِيهًا ما أبْدَعَهُ وأشَدَّهُ مُطابَقَةً بِحالِ أهْلِ البِدَعِ والضَّلالِ وحالِ مَن عَبَدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خِلافِ ما بَعَثَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأنْزَلَ بِهِ كِتابَهُ. وَهَذا التَّشْبِيهُ هو تَشْبِيهٌ لِأعْمالِهِمُ الباطِلَةِ بِالمُطابَقَةِ والتَّصْرِيحِ ولِعُلُومِهِمْ وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ بِاللُّزُومِ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ السَّرابِ والظُّلُماتِ مَثَلٌ لِمَجْمُوعِ عُلُومِهِمْ وأعْمالِهِمْ فَهي سَرابٌ لا حاصِلَ لَها وظُلُماتٌ لا نُورَ فِيها. وَهَذا عَكْسُ مُثُلِ أعْمالِ المُؤْمِنِ وعُلُومِهِ الَّتِي تَلَقّاها مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّها مِثْلُ الغَيْثِ الَّذِي بِهِ حَياةُ البِلادِ والعِبادِ ومِثْلُ النُّورِ الَّذِي بِهِ انْتِفاعُ أهْلِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وَلِهَذا يَذْكُرُ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ كَما ذَكَرَهُما في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧]. وقال في أعلام الموقعين: ذَكَرَ سُبْحانَهُ لِلْكافِرِينَ مَثَلَيْنِ: مَثَلًا بِالسَّرابِ، ومَثَلًا بِالظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُعْرِضِينَ عَنْ الهُدى والحَقِّ نَوْعانِ: أحَدُهُما: مَن يَظُنُّ أنَّهُ عَلى شَيْءٍ فَيَتَبَيَّنُ لَهُ عِنْدَ انْكِشافِ الحَقائِقِ خِلافَ ما كانَ يَظُنُّهُ، وهَذِهِ حالُ أهْلِ الجَهْلِ وأهْلِ البِدَعِ والأهْواءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم عَلى هُدًى وعِلْمٍ، فَإذا انْكَشَفَتْ الحَقائِقُ تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ، وأنَّ عَقائِدَهم وأعْمالَهم الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْها كانَتْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يُرى في عَيْنِ النّاظِرِ ماءً ولا حَقِيقَةَ لَهُ، وهَكَذا الأعْمالُ الَّتِي لِغَيْرِ اللَّهِ وعَلى غَيْرِ أمْرِهِ، يَحْسَبُها العامِلُ نافِعَةً لَهُ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، وهَذِهِ هي الأعْمالُ الَّتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وتَأمَّلْ جَعْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ السَّرابَ بِالقِيعَةِ - وهي الأرْضُ القَفْرُ الخالِيَةُ مِن البِناءِ والشَّجَرِ والنَّباتِ والعالَمِ - فَمَحَلُّ السَّرابِ أرْضُ قَفْرٍ لا شَيْءَ بِها، والسَّرابُ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وذَلِكَ مُطابِقٌ لِأعْمالِهِمْ وقُلُوبِهِمْ الَّتِي أقْفَرَتْ مِن الإيمانِ والهُدى. وَتَأمَّلْ ما تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ [النور: ٣٩] والظَّمْآنُ الَّذِي قَدْ اشْتَدَّ عَطَشُهُ فَرَأى السَّرابَ فَظَنَّهُ ماءً فَتَبِعَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، بَلْ خانَهُ أحْوَجُ ما كانَ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ، لَمّا كانَتْ أعْمالُهم عَلى غَيْرِ طاعَةِ الرَّسُولِ، ولِغَيْرِ اللَّهِ جُعِلَتْ كالسَّرابِ، فَرَفَعَتْ لَهم أظْمَأ ما كانُوا وأحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، ووَجَدُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ثَمَّ؛ فَجازاهم بِأعْمالِهِمْ ووَفّاهم حِسابَهم وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ التَّجَلِّي يَوْمَ القِيامَةِ «ثُمَّ يُؤْتى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأنَّها السَّرابُ، فَيُقالُ لِلْيَهُودِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ بْنَ اللَّهِ، فَيُقالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صاحِبَةٌ ولا ولَدٌ، فَما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنا، فَيُقالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَساقَطُونَ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ المَسِيحَ بْنَ اللَّهِ، فَيُقالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صاحِبَةٌ ولا ولَدٌ، فَما تُرِيدُونَ: فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنا، فَيُقالُ لَهُمْ: اشْرَبُوا، فَيَتَساقَطُونَ» وذَكَرَ الحَدِيثَ، وهَذِهِ حالُ كُلِّ صاحِبِ باطِلٍ، فَإنَّهُ يَخُونُهُ باطِلُهُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِ، فَإنَّ الباطِلَ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو كاسْمِهِ باطِلٌ؛ فَإذا كانَ الِاعْتِقادُ غَيْرَ مُطابِقٍ ولا حَقٍّ كانَ مُتَعَلَّقُهُ باطِلًا؛ وكَذَلِكَ إذا كانَتْ غايَةُ العَمَلِ باطِلَةً - كالعَمَلِ لِغَيْرِ اللَّهِ، أوْ عَلى غَيْرِ أمْرِهِ - بَطَلَ العَمَلُ بِبُطْلانِ غايَتِهِ، وتَضَرَّرَ عامِلُهُ بِبُطْلانِهِ، وبِحُصُولِ ضِدِّ ما كانَ يُؤَمِّلُهُ، فَلَمْ يَذْهَبْ عَلَيْهِ عَمَلُهُ واعْتِقادُهُ، لا لَهُ ولا عَلَيْهِ، بَلْ صارَ مُعَذَّبًا بِفَواتِ نَفْعِهِ، وبِحُصُولِ ضِدِّ النَّفْعِ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩] فَهَذا مَثَلُ الضّالِّ الَّذِي يَحْسَبُ أنَّهُ عَلى هُدًى. (فَصْلٌ) والنَّوْعُ الثّانِي: أصْحابٌ مَثَلُ الظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ، وهم الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ والهُدى، وآثَرُوا عَلَيْهِ ظُلُماتِ الباطِلِ والضَّلالِ، فَتَراكَمَتْ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةُ الطَّبْعِ وظُلْمَةُ النُّفُوسِ وظُلْمَةُ الجَهْلِ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ فَصارُوا جاهِلِينَ، وظُلْمَةُ اتِّباعِ الغَيِّ والهَوى، فَحالُهم كَحالِ مَن كانَ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ لا ساحِلَ لَهُ وقَدْ غَشِيَهُ مَوْجٌ ومِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ مَوْجٌ، ومِن فَوْقِهِ سَحابٌ مُظْلِمٌ، فَهو في ظُلْمَةِ البَحْرِ وظُلْمَةِ المَوْجِ وظُلْمَةِ السَّحابِ، وهَذا نَظِيرُ ما هو فِيهِ مِن الظُّلُماتِ الَّتِي لَمْ يُخْرِجْهُ اللَّهُ مِنها إلى نُورِ الإيمانِ، وهَذانِ المَثَلانِ بِالسَّرابِ الَّذِي ظَنَّهُ مادَّةَ الحَياةِ وهو الماءُ والظُّلُماتُ المُضادَّةُ لِلنُّورِ نَظِيرُ المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ضَرَبَهُما اللَّهُ لِلْمُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، وهو المَثَلُ المائِيُّ والمَثَلُ النّارِيُّ، وجَعَلَ حَظَّ المُؤْمِنِينَ مِنهُما الحَياةَ والإشْراقَ وحَظَّ المُنافِقِينَ مِنهُما الظُّلْمَةَ المُضادَّةَ لِلنُّورِ والمَوْتَ المُضادَّ لِلْحَياةِ؛ فَكَذَلِكَ الكُفّارُ في هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ، حَظُّهم مِن الماءِ السَّرابُ الَّذِي يَغُرُّ النّاظِرَ ولا حَقِيقَةَ لَهُ، وحَظُّهم الظُّلُماتُ المُتَراكِمَةُ، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ حالُ كُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، وأنَّهم عَدِمُوا مادَّةَ الحَياةِ والإضاءَةِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ الوَحْيِ؛ فَيَكُونُ المَثَلانِ صِفَتَيْنِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ تَنْوِيعُ أحْوالِ الكُفّارِ، وأنَّ أصْحابَ المَثَلِ الأوَّلِ هم الَّذِينَ عَمِلُوا عَلى غَيْرِ عِلْمٍ ولا بَصِيرَةٍ، بَلْ عَلى جَهْلٍ وحُسْنِ ظَنٍّ بِالأسْلافِ، فَكانُوا يَحْسِبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وأصْحابُ المَثَلِ الثّانِي هم الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وآثَرُوا الباطِلَ عَلى الحَقِّ، وعَمُوا عَنْهُ بَعْدَ أنْ أبْصَرُوهُ، وجَحَدُوهُ بَعْدَ أنْ عَرَفُوهُ، فَهَذا حالُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ حالُ الضّالِّينَ؛ وحالُ الطّائِفَتَيْنِ مُخالِفٌ لِحالِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ المَذْكُورِينَ في قَوْله تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ﴾ [النور: ٣٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] فَتَضَمَّنَتْ الآياتُ أوْصافَ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ: المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ النُّورِ، والضّالِّينَ وهم أصْحابُ السَّرابِ، والمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ الظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فالمَثَلُ الأوَّلُ مِن المَثَلَيْنِ لِأصْحابِ العَمَلِ الباطِلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ، والمَثَلُ الثّانِي لِأصْحابِ العِلْمِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والِاعْتِقاداتِ الباطِلَةِ، وكِلاهُما مُضادٌّ لِلْهُدى ودِينِ الحَقِّ، ولِهَذا مَثَّلَ حالَ الفَرِيقِ الثّانِي في تَلاطُمِ أمْواجِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ والعُلُومِ الفاسِدَةِ في قُلُوبِهِمْ بِتَلاطُمِ أمْواجِ البَحْرِ فِيهِ، وأنَّها أمْواجٌ مُتَراكِمَةٌ مِن فَوْقِها سَحابٌ مُظْلِمٌ، وهَكَذا أمْواجُ الشُّكُوكِ والشُّبَهِ في قُلُوبِهِمْ المُظْلِمَةِ الَّتِي قَدْ تَراكَمَتْ عَلَيْها سُحُبُ الغَيِّ والهَوى والباطِلِ، فَلْيَتَدَبَّرْ اللَّبِيبُ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ، ولْيُطابِقْ بَيْنَهُما وبَيْنَ المَثَلَيْنِ، يَعْرِفْ عَظَمَةَ القُرْآنِ وجَلالَتَهُ، وأنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ. وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهم نُورًا، بَلْ تَرَكَهم عَلى الظُّلْمَةِ الَّتِي خُلِقُوا فِيها فَلَمْ يُخْرِجْهم مِنها إلى النُّورِ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وفي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ في ظُلْمَةٍ، وألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ، فَمَن أصابَهُ مِن ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدى، ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ» فَلِذَلِكَ أقُولُ: جَفَّ القَلَمُ عَلى عِلْمِ اللَّهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ، فَمَن أرادَ هِدايَتَهُ جَعَلَ لَهُ نُورًا وُجُودِيًّا يُحْيِي بِهِ قَلْبَهُ ورُوحَهُ كَما يُحْيِي بَدَنَهُ بِالرُّوحِ الَّتِي يَنْفُخُها فِيهِ، فَهُما حَياتانِ: حَياةُ البَدَنِ بِالرُّوحِ، وحَياةُ الرُّوحِ والقَلْبِ بِالنُّورِ، ولِهَذا سَمّى سُبْحانَهُ الوَحْيَ رُوحًا لِتَوَقُّفِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] فَجَعَلَ وحَيَّهُ رُوحًا ونُورًا، فَمَن لَمْ يُحْيِهِ بِهَذا الرُّوحِ فَهو مَيِّتٌ، ومَن لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا مِنهُ فَهو في الظُّلُماتِ ما لَهُ مِن نُورٍ.

النور 24:40

[أقْسامُ النّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ] فَإنَّ النّاسَ قِسْمانِ: أهْلُ الهُدى والبَصائِرِ، الَّذِينَ عَرَفُوا أنَّ الحَقَّ فِيما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ اللَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما عارَضَهُ فَشُبُهاتٌ يُشْتَبَهُ عَلى مَن قَلَّ نَصِيبُهُ مِنَ العَقْلِ والسَّمْعِ أمْرُها فَيَظُنُّها شَيْئًا لَهُ حاصِلٌ يَنْتَفِعُ بِهِ وهِيَ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ - أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٣٩-٤٠]. وَهَؤُلاءِ هم أهْلُ الهُدى ودِينِ الحَقِّ أصْحابُ العِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ ﷺ في أخْبارِهِ ولَمْ يُعارِضُوها بِالشُّبُهاتِ، وأطاعُوهُ في أوامِرِهِ ولَمْ يُضَيِّعُوها بِالشَّهَواتِ، فَلا هم في عَمَلِهِمْ مِن أهْلِ الخَوْضِ الخَرّاصِينَ الَّذِينَ هم في غَمْرَةٍ ساهُونَ، ولا هم في عَمَلِهِمْ مِنَ المُسْتَمْتِعِينَ بِخَلاقِهِمُ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ. أضاءَ لَهم نُورُ الوَحْيِ المُبِينِ فَرَأوْا في نُورِهِ أهْلَ الظُّلُماتِ في ظُلُماتِ آرائِهِمْ يَعْمَهُونَ، وفي ضَلالَتِهِمْ يَتَهَوَّكُونَ، وفي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، مُغْتَرِّينَ بِظاهِرِ السَّرابِ، مُمْحِلِينَ مُجْدِبِينَ مِمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِنَ الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ، إنْ عِنْدَهم إلّا نُخالَةُ الأفْكارِ وزُبالَةُ الأذْهانِ الَّتِي قَدْ رَضُوا بِها واطْمَأنُّوا إلَيْها وقَدَّمُوها عَلى السُّنَّةِ والقُرْآنِ، إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ أوْجَبَهُ لَهُمُ اتِّباعُ الهَوى ونَخْوَةُ الشَّيْطانِ وهم لِأجْلِهِ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ. [فَصْلٌ القِسْمُ الثّانِي أهْلُ الجَهْلِ والظُّلْمِ] القِسْمُ الثّانِي: أهْلُ الجَهْلِ والظُّلْمِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الجَهْلِ بِما جاءَ بِهِ، والظُّلْمِ بِاتِّباعِ أهْوائِهِمُ، الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ [النجم: ٢٣]. وَهَؤُلاءِ قِسْمانِ: أحَدُهُما: الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى عِلْمٍ وهُدًى وهم أهْلُ جَهْلٍ وضَلالٍ، فَهَؤُلاءِ أهْلُ الجَهْلِ المُرَكَّبِ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ الحَقَّ ويُعادُونَهُ ويُعادُونَ أهْلَهُ، ويَنْصُرُونَ الباطِلَ ويُوالُونَهُ ويُوالُونَ أهْلَهُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ، فَهم لِاعْتِقادِهِمُ الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ بِمَنزِلَةِ رائِي السَّرابِ الَّذِي يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، فَهَكَذا هَؤُلاءِ أعْمالُهم وعُلُومُهم بِمَنزِلَةِ السَّرابِ الَّذِي يَخُونُ صاحِبَهُ أحْوَجَ ما هو إلَيْهِ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى مُجَرَّدِ الخَيْبَةِ والحِرْمانِ كَما هو حالُ مَن أمَّ السَّرابَ فَلَمْ يَجِدْهُ ماءً بَلِ انْضافَ إلى ذَلِكَ أنَّهُ وجَدَ عِنْدَهُ أحْكَمَ الحاكِمِينَ وأعْدَلَ العادِلِينَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَحَسَبَ لَهُ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، ووَفّاهُ إيّاهُ بِمَثاقِيلِ الذَّرِّ، وقَدِمَ إلى ما عَمِلَ مِن عَمَلٍ يَرْجُو نَفْعَهُ فَجَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا: إذْ لَمْ يَكُنْ خالِصًا لِوَجْهِهِ، ولا عَلى سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وصارَتْ تِلْكَ الشُّبُهاتُ الباطِلَةُ الَّتِي كانَ يَظُنُّها عُلُومًا نافِعَةً كَذَلِكَ هَباءً مَنثُورًا، فَصارَتْ أعْمالُهُ وعُلُومُهُ حَسَراتٍ عَلَيْهِ. والسَّرابُ ما يُرى في الفَلَواتِ المُنْبَسِطَةِ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ وقْتَ الظَّهِيرَةِ يُسَرِّبُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهُ ماءٌ يَجْرِي. والقِيعَةُ والقاعُ هُوَ: المُنْبَسِطُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا جَبَلَ فِيهِ ولا وادٍ فَشَبَّهَ عُلُومَ مَن لَمْ يَأْخُذْ عُلُومَهُ مِنَ الوَحْيِ وأعْمالَهُ، بِسَرابٍ يَراهُ المُسافِرُ في شِدَّةِ الحَرِّ فَيَؤُمُّهُ فَيَخِيبُ ظَنُّهُ ويَجِدُهُ نارًا تَلَظّى، فَهَكَذا عُلُومُ أهْلِ الباطِلِ وأعْمالُهم إذا حُشِرَ النّاسُ واشْتَدَّ بِهِمُ العَطَشُ بَدَتْ لَهم كالسَّرابِ فَيَحْسَبُونَهُ ماءً فَإذا أتَوْهُ وجَدُوا اللَّهَ عِنْدَهُ فَأخَذَتْهم زَبانِيَةُ العَذابِ فَعَتَلُوهم إلى نارِ الجَحِيمِ فَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ، وذَلِكَ الماءُ الَّذِي سُقُوهُ هو تِلْكَ العُلُومُ الَّتِي لا تَنْفَعُ. والأعْمالُ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى صَيَّرَها اللَّهُ تَعالى حَمِيمًا سَقاهم إيّاهُ كَما أنَّ طَعامَهم مِن ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، وهو تِلْكَ العُلُومُ والأعْمالُ الباطِلَةُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا، كَذَلِكَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣] وهُمُ الَّذِينَ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وهُمُ الَّذِينَ عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]. [أصْحابُ الظُّلُماتِ] والقِسْمُ الثّانِي مِن هَذا الصِّنْفِ: أصْحابُ الظُّلُماتِ وهُمُ المُنْغَمِسُونَ في الجَهْلِ بِحَيْثُ قَدْ أحاطَ بِهِمْ مِن كُلِّ وجْهٍ فَهم بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا، فَهَؤُلاءِ أعْمالُهُمُ - الَّتِي عَمِلُوها عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الآباءِ مِن غَيْرِ نُورٍ " مِنَ " اللَّهِ تَعالى - كَظُلُماتٍ - جَمْعُ ظُلْمَةٍ - وهي ظُلْمَةُ الجَهْلِ، وظُلْمَةُ الكُفْرِ، وظُلْمَةُ الظُّلْمِ واتِّباعِ الهَوى، وظُلْمَةُ الشَّكِّ والرَّيْبِ، وظُلْمَةُ الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ رُسُلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، والنُّورُ الَّذِي أنْزَلَهُ مَعَهم لِيُخْرِجَ بِهِ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، فَإنَّ المُعْرِضَ عَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الهُدى ودِينِ الحَقِّ يَتَقَلَّبُ في خَمْسِ ظُلُماتٍ، قَوْلُهُ ظُلْمَةٌ، وعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومُدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومُخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، ومَصِيرُهُ إلى الظُّلْمَةِ، فَقَلْبُهُ مُظْلِمٌ، ووَجْهُهُ مُظْلِمٌ، وكَلامُهُ مُظْلِمٌ، وحالُهُ مُظْلِمَةٌ، وإذا قابَلَتْ بَصِيرَتُهُ الخُفّاشِيَّةُ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِن النُّورِ جَدَّ في الهَرَبِ مِنهُ وكادَ نُورُهُ يَخْطِفُ بَصَرَهُ فَهَرَبَ إلى ظُلُماتِ الآراءِ الَّتِي هي بِهِ أنْسَبُ وأوْلى كَما قِيلَ. خَفافِيشُ أعَشاها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ووافَقَها قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ فَإذا جاءَ إلى زُبالَةِ الأفْكارِ ونُحاتَةِ الأذْهانِ، جالَ وصالَ، وأبْدى وأعادَ، وقَعْقَعَ وفَرْقَعَ. فَإذا طَلَعَ نُورُ الوَحْيِ وشَمْسُ الرِّسالَةِ، انْحَجَرَ في أحْجِرَةِ الحَشَراتِ. [فصل: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ. . .) الآيَةَ] وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠]، اللُّجِّيُّ: العَمِيقُ مَنسُوبٌ إلى لُجَّةِ البَحْرِ وهي مُعْظَمُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ﴾ [النور: ٤٠] تَصْوِيرٌ لِحالِ هَذا المُعْرِضِ عَنْ وحْيِهِ فَشَبَّهَ تَلاطُمَ أمْواجِ الشُّبَهِ والباطِلِ في صَدْرِهِ بِتَلاطُمِ أمْواجِ ذَلِكَ البَحْرِ وأنَّها أمْواجٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، والضَّمِيرُ الأوَّلُ في قَوْلِهِ: (يَغْشاهُ) راجِعٌ إلى البَحْرِ، والضَّمِيرُ الثّانِي: في قَوْلِهِ: (مِن فَوْقِهِ) عائِدٌ إلى المَوْجِ، ثُمَّ إنْ تِلْكَ الأمْواجَ مُغْشاةٌ بِسَحابٍ، فَهاهُنا ظُلُماتٌ: ظُلْمَةُ البَحْرِ اللُّجِّيِّ، وظُلْمَةُ المَوْجِ الَّذِي فَوْقَهُ، وظُلْمَةُ السَّحابِ: الَّذِي فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ إذا أخْرَجَ - مَن في هَذا البَحْرِ - يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها. [مَطْلَبٌ في بَحْثِ كادَ] واخْتُلِفَ في مَعْنى ذَلِكَ فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: هو نَفْيٌ لِمُقارَبَةِ رُؤْيَتِها وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ قَدْ يُنْفى وُقُوعُ الشَّيْءِ ولا تُنْفى مُقارَبَتُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَمْ يُقارِبْ رُؤْيَتَها بِوَجْهٍ. قالَ هَؤُلاءِ: وكادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ لَها حُكْمُ سائِرِ الأفْعالِ في النَّفْيِ والإثْباتِ، فَإذا قِيلَ: كادَ يَفْعَلُ، فَهو إثْباتٌ لِمُقارَبَةِ الفِعْلِ، فَإذا قِيلَ: لَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ فَهو نَفْيٌ لِمُقارَبَةِ الفِعْلِ. وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى، بَلْ هَذا دالٌّ عَلى أنَّهُ إنَّما يَراها بَعْدَ جُهْدٍ شَدِيدٍ وفي ذَلِكَ إثْباتُ رُؤْيَتِها بَعْدَ أعْظَمِ العُسْرِ؛ لِأجْلِ تِلْكَ الظُّلُماتِ، قالُوا: لِأنَّ كادَ لَها شَأْنٌ لَيْسَ لِغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ فَإنَّها إذا أثْبَتَتْ نَفَتْ وإذا نَفَتْ أثْبَتَتْ. فَإذا قُلْتَ: ما كِدْتُ أصِلُ إلَيْكَ فَمَعْناهُ: وصَلْتُ إلَيْكَ بَعْدَ الجُهْدِ والشِّدَّةِ فَهَذا إثْباتٌ لِلْوُصُولِ، وإذا قُلْتَ: كادَ زَيْدٌ يَقُومُ فَهي نَفْيٌ لِقِيامِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ. .﴾ [القلم: ٥١] الآيَةَ وأنْشَدَ بَعْضُهم في ذَلِكَ مُلْغِزًا: ؎أنَحْوِيَّ هَذا العَصْرِ ما هي لَفْظَةٌ ∗∗∗ جَرَتْ في لِسانَيْ جُرْهُمٍ وثَمُودِ ؎إذا اسْتُعْمِلَتْ في صُورَةِ النَّفْيِ أُثْبِتَتْ ∗∗∗ وإنْ أُثْبِتَتْ قامَتْ مَقامَ جُحُودِ وَقالَتْ فِرْقَةٌ ثالِثَةٌ: مِنهم أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ: إنَّ اسْتِعْمالَها مُثْبَتَةٌ يَقْتَضِي نَفْيَ خَبَرِها كَقَوْلِكَ: كادَ زَيْدٌ يَقُومُ، واسْتِعْمالُها مَنفِيَّةٌ يَقْتَضِي نَفْيَهُ بِطَرِيقِ الأوْلى فَهي عِنْدُهُ تَنْفِي الخَبَرَ سَواءٌ كانَتْ مَنفِيَّةً أوْ مُثْبَتَةً (فَلَمْ يَكَدْ زَيْدٌ يَقُومُ) أبْلَغُ عِنْدَهُ في النَّفْيِ مِن (لَمْ يَقُمْ)، واحْتَجَّ بِأنَّها إذا نُفِيَتْ وهي مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ فَقَدْ نَفَتْ مُقارَبَةَ الفِعْلِ وهو أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ، وإذا اسْتُعْمِلَتْ مُثْبِتَةً فَهي تَقْتَضِي مُقارَبَةَ اسْمِها لِخَبَرِها وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ واعْتَذَرَ عَنْ مَثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ. .﴾ [البقرة: ٧١] الآيَةَ. وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ: وصَلْتُ إلَيْكَ وما كِدْتُ أصِلُ. وسَلِمْتُ وما كِدْتُ أسْلَمُ. بِأنَّ هَذا وارِدٌ عَلى كَلامَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ أيْ: فَعَلْتُ كَذا بَعْدَ أنْ لَمْ أكُنْ مُقارِبًا لَهُ فالأوَّلُ: يَقْتَضِي وُجُودَ الفِعْلِ، والثّانِي يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقارِبًا لَهُ بَلْ كانَ آيِسًا مِنهُ فَهُما كَلامانِ مَقْصُودٌ بِهِما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وذَهَبَتْ فَرِقَّةٌ رابِعَةٌ: إلى الفَرْقِ بَيْنَ ماضِيها ومُسْتَقْبَلِها، فَإذا كانَتْ في الإثْباتِ فَهي لِمُقارَبَةِ الفِعْلِ سَواءٌ كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي أوِ المُسْتَقْبَلِ وإنْ كانَتْ في طَرَفِ النَّفْيِ، فَإنْ كانَتْ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ كانَتْ لِنَفْيِ الفِعْلِ ومُقارَبَتِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾، وإنْ كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي فَهي تَقْتَضِي الإثْباتَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾. فَهَذِهِ أرْبَعَةُ طُرُقٍ لِلنُّحاةِ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، والصَّحِيحُ أنَّها فِعْلٌ يَقْتَضِي المُقارَبَةَ ولَها حُكْمُ سائِرِ الأفْعالِ، ونَفْيُ الخَبَرِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِن لَفْظِها ووَضْعِها فَإنَّها لَمْ تُوضَعْ لِنَفْيِهِ، وإنَّما اسْتُفِيدَ مِن لَوازِمِ مَعْناها، فَإنَّها إذا اقْتَضَتْ مُقارَبَةَ الفِعْلِ لَمْ يَكُنْ واقِعًا فَيَكُونُ مَنفِيًّا بِاللُّزُومِ، وأمّا إذا اسْتُعْمِلَتْ مَنفِيَّةً فَإنْ كانَتْ في كَلامٍ واحِدٍ فَهي لِنَفْيِ المُقارَبَةِ كَما إذا قُلْتَ: لا يَكادُ البَطّالُ يُفْلِحُ ولا يَكادُ البَخِيلُ يَسُودُ ولا يَكادُ الجَبانُ يَفْرَحُ ونَحْوَ ذَلِكَ، وإنْ كانَتْ في كَلامَيْنِ اقْتَضَتْ وُقُوعَ الفِعْلِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مُقارِبًا كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ، فَهَذا التَّحْقِيقُ في أمْرِها والمَقْصُودُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ إمّا أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ لا يُقارِبُ رُؤْيَتَها لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ وهو الأظْهَرُ، فَإذا كانَ لا يُقارِبُ رُؤْيَتَها فَكَيْفَ يَراها. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎إذا غَيَّرَ النّائِي المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ∗∗∗ رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ أيْ: لَمْ يُقارِبِ البَراحَ وهو الزَّوالُ فَكَيْفَ يَزُولُ، فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ أعْمالَهم أوَّلًا في فَواتِ نَفْعِها وحُصُولِ ضَرَرِها عَلَيْهِمْ بِسَرابٍ خَدّاعٍ يَخْدَعُ رائِيِهِ مِن بَعِيدٍ فَإذا جاءَهُ وجَدَ عِنْدَهُ عَكْسَ ما أمَّلَهُ ورَجاهُ، وشَبَّهَها ثانِيًا في ظُلْمَتِها وسَوادِها لِكَوْنِها باطِلَةً خالِيَةً عَنْ نُورِ الإيمانِ بِظُلُماتٍ مُتَراكِمَةٍ في لُجُجِ البَحْرِ المُتَلاطِمِ الأمْواجِ الَّذِي قَدْ غَشِيَهُ السَّحابُ مِن فَوْقِهِ فَيالَهُ تَشْبِيهًا ما أبْدَعَهُ وأشَدَّهُ مُطابَقَةً بِحالِ أهْلِ البِدَعِ والضَّلالِ وحالِ مَن عَبَدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خِلافِ ما بَعَثَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأنْزَلَ بِهِ كِتابَهُ. وَهَذا التَّشْبِيهُ هو تَشْبِيهٌ لِأعْمالِهِمُ الباطِلَةِ بِالمُطابَقَةِ والتَّصْرِيحِ ولِعُلُومِهِمْ وعَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ بِاللُّزُومِ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ السَّرابِ والظُّلُماتِ مَثَلٌ لِمَجْمُوعِ عُلُومِهِمْ وأعْمالِهِمْ فَهي سَرابٌ لا حاصِلَ لَها وظُلُماتٌ لا نُورَ فِيها. وَهَذا عَكْسُ مُثُلِ أعْمالِ المُؤْمِنِ وعُلُومِهِ الَّتِي تَلَقّاها مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّها مِثْلُ الغَيْثِ الَّذِي بِهِ حَياةُ البِلادِ والعِبادِ ومِثْلُ النُّورِ الَّذِي بِهِ انْتِفاعُ أهْلِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وَلِهَذا يَذْكُرُ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ لِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ كَما ذَكَرَهُما في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧]. وقال في أعلام الموقعين: ذَكَرَ سُبْحانَهُ لِلْكافِرِينَ مَثَلَيْنِ: مَثَلًا بِالسَّرابِ، ومَثَلًا بِالظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُعْرِضِينَ عَنْ الهُدى والحَقِّ نَوْعانِ: أحَدُهُما: مَن يَظُنُّ أنَّهُ عَلى شَيْءٍ فَيَتَبَيَّنُ لَهُ عِنْدَ انْكِشافِ الحَقائِقِ خِلافَ ما كانَ يَظُنُّهُ، وهَذِهِ حالُ أهْلِ الجَهْلِ وأهْلِ البِدَعِ والأهْواءِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم عَلى هُدًى وعِلْمٍ، فَإذا انْكَشَفَتْ الحَقائِقُ تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ، وأنَّ عَقائِدَهم وأعْمالَهم الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْها كانَتْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يُرى في عَيْنِ النّاظِرِ ماءً ولا حَقِيقَةَ لَهُ، وهَكَذا الأعْمالُ الَّتِي لِغَيْرِ اللَّهِ وعَلى غَيْرِ أمْرِهِ، يَحْسَبُها العامِلُ نافِعَةً لَهُ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، وهَذِهِ هي الأعْمالُ الَّتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وتَأمَّلْ جَعْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ السَّرابَ بِالقِيعَةِ - وهي الأرْضُ القَفْرُ الخالِيَةُ مِن البِناءِ والشَّجَرِ والنَّباتِ والعالَمِ - فَمَحَلُّ السَّرابِ أرْضُ قَفْرٍ لا شَيْءَ بِها، والسَّرابُ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وذَلِكَ مُطابِقٌ لِأعْمالِهِمْ وقُلُوبِهِمْ الَّتِي أقْفَرَتْ مِن الإيمانِ والهُدى. وَتَأمَّلْ ما تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ [النور: ٣٩] والظَّمْآنُ الَّذِي قَدْ اشْتَدَّ عَطَشُهُ فَرَأى السَّرابَ فَظَنَّهُ ماءً فَتَبِعَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، بَلْ خانَهُ أحْوَجُ ما كانَ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ، لَمّا كانَتْ أعْمالُهم عَلى غَيْرِ طاعَةِ الرَّسُولِ، ولِغَيْرِ اللَّهِ جُعِلَتْ كالسَّرابِ، فَرَفَعَتْ لَهم أظْمَأ ما كانُوا وأحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، ووَجَدُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ثَمَّ؛ فَجازاهم بِأعْمالِهِمْ ووَفّاهم حِسابَهم وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ التَّجَلِّي يَوْمَ القِيامَةِ «ثُمَّ يُؤْتى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأنَّها السَّرابُ، فَيُقالُ لِلْيَهُودِ: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ بْنَ اللَّهِ، فَيُقالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صاحِبَةٌ ولا ولَدٌ، فَما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنا، فَيُقالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَساقَطُونَ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ المَسِيحَ بْنَ اللَّهِ، فَيُقالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صاحِبَةٌ ولا ولَدٌ، فَما تُرِيدُونَ: فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أنْ تَسْقِيَنا، فَيُقالُ لَهُمْ: اشْرَبُوا، فَيَتَساقَطُونَ» وذَكَرَ الحَدِيثَ، وهَذِهِ حالُ كُلِّ صاحِبِ باطِلٍ، فَإنَّهُ يَخُونُهُ باطِلُهُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِ، فَإنَّ الباطِلَ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو كاسْمِهِ باطِلٌ؛ فَإذا كانَ الِاعْتِقادُ غَيْرَ مُطابِقٍ ولا حَقٍّ كانَ مُتَعَلَّقُهُ باطِلًا؛ وكَذَلِكَ إذا كانَتْ غايَةُ العَمَلِ باطِلَةً - كالعَمَلِ لِغَيْرِ اللَّهِ، أوْ عَلى غَيْرِ أمْرِهِ - بَطَلَ العَمَلُ بِبُطْلانِ غايَتِهِ، وتَضَرَّرَ عامِلُهُ بِبُطْلانِهِ، وبِحُصُولِ ضِدِّ ما كانَ يُؤَمِّلُهُ، فَلَمْ يَذْهَبْ عَلَيْهِ عَمَلُهُ واعْتِقادُهُ، لا لَهُ ولا عَلَيْهِ، بَلْ صارَ مُعَذَّبًا بِفَواتِ نَفْعِهِ، وبِحُصُولِ ضِدِّ النَّفْعِ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [النور: ٣٩] فَهَذا مَثَلُ الضّالِّ الَّذِي يَحْسَبُ أنَّهُ عَلى هُدًى. (فَصْلٌ) والنَّوْعُ الثّانِي: أصْحابٌ مَثَلُ الظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ، وهم الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ والهُدى، وآثَرُوا عَلَيْهِ ظُلُماتِ الباطِلِ والضَّلالِ، فَتَراكَمَتْ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةُ الطَّبْعِ وظُلْمَةُ النُّفُوسِ وظُلْمَةُ الجَهْلِ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ فَصارُوا جاهِلِينَ، وظُلْمَةُ اتِّباعِ الغَيِّ والهَوى، فَحالُهم كَحالِ مَن كانَ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ لا ساحِلَ لَهُ وقَدْ غَشِيَهُ مَوْجٌ ومِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ مَوْجٌ، ومِن فَوْقِهِ سَحابٌ مُظْلِمٌ، فَهو في ظُلْمَةِ البَحْرِ وظُلْمَةِ المَوْجِ وظُلْمَةِ السَّحابِ، وهَذا نَظِيرُ ما هو فِيهِ مِن الظُّلُماتِ الَّتِي لَمْ يُخْرِجْهُ اللَّهُ مِنها إلى نُورِ الإيمانِ، وهَذانِ المَثَلانِ بِالسَّرابِ الَّذِي ظَنَّهُ مادَّةَ الحَياةِ وهو الماءُ والظُّلُماتُ المُضادَّةُ لِلنُّورِ نَظِيرُ المَثَلَيْنِ اللَّذَيْنِ ضَرَبَهُما اللَّهُ لِلْمُنافِقِينَ والمُؤْمِنِينَ، وهو المَثَلُ المائِيُّ والمَثَلُ النّارِيُّ، وجَعَلَ حَظَّ المُؤْمِنِينَ مِنهُما الحَياةَ والإشْراقَ وحَظَّ المُنافِقِينَ مِنهُما الظُّلْمَةَ المُضادَّةَ لِلنُّورِ والمَوْتَ المُضادَّ لِلْحَياةِ؛ فَكَذَلِكَ الكُفّارُ في هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ، حَظُّهم مِن الماءِ السَّرابُ الَّذِي يَغُرُّ النّاظِرَ ولا حَقِيقَةَ لَهُ، وحَظُّهم الظُّلُماتُ المُتَراكِمَةُ، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ حالُ كُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ الكُفّارِ، وأنَّهم عَدِمُوا مادَّةَ الحَياةِ والإضاءَةِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ الوَحْيِ؛ فَيَكُونُ المَثَلانِ صِفَتَيْنِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ تَنْوِيعُ أحْوالِ الكُفّارِ، وأنَّ أصْحابَ المَثَلِ الأوَّلِ هم الَّذِينَ عَمِلُوا عَلى غَيْرِ عِلْمٍ ولا بَصِيرَةٍ، بَلْ عَلى جَهْلٍ وحُسْنِ ظَنٍّ بِالأسْلافِ، فَكانُوا يَحْسِبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا، وأصْحابُ المَثَلِ الثّانِي هم الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وآثَرُوا الباطِلَ عَلى الحَقِّ، وعَمُوا عَنْهُ بَعْدَ أنْ أبْصَرُوهُ، وجَحَدُوهُ بَعْدَ أنْ عَرَفُوهُ، فَهَذا حالُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ حالُ الضّالِّينَ؛ وحالُ الطّائِفَتَيْنِ مُخالِفٌ لِحالِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ المَذْكُورِينَ في قَوْله تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ﴾ [النور: ٣٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور: ٣٨] فَتَضَمَّنَتْ الآياتُ أوْصافَ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ: المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ النُّورِ، والضّالِّينَ وهم أصْحابُ السَّرابِ، والمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم أهْلُ الظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. فالمَثَلُ الأوَّلُ مِن المَثَلَيْنِ لِأصْحابِ العَمَلِ الباطِلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ، والمَثَلُ الثّانِي لِأصْحابِ العِلْمِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والِاعْتِقاداتِ الباطِلَةِ، وكِلاهُما مُضادٌّ لِلْهُدى ودِينِ الحَقِّ، ولِهَذا مَثَّلَ حالَ الفَرِيقِ الثّانِي في تَلاطُمِ أمْواجِ الشُّكُوكِ والشُّبُهاتِ والعُلُومِ الفاسِدَةِ في قُلُوبِهِمْ بِتَلاطُمِ أمْواجِ البَحْرِ فِيهِ، وأنَّها أمْواجٌ مُتَراكِمَةٌ مِن فَوْقِها سَحابٌ مُظْلِمٌ، وهَكَذا أمْواجُ الشُّكُوكِ والشُّبَهِ في قُلُوبِهِمْ المُظْلِمَةِ الَّتِي قَدْ تَراكَمَتْ عَلَيْها سُحُبُ الغَيِّ والهَوى والباطِلِ، فَلْيَتَدَبَّرْ اللَّبِيبُ أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ، ولْيُطابِقْ بَيْنَهُما وبَيْنَ المَثَلَيْنِ، يَعْرِفْ عَظَمَةَ القُرْآنِ وجَلالَتَهُ، وأنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ. وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ المُوجِبَ لِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهم نُورًا، بَلْ تَرَكَهم عَلى الظُّلْمَةِ الَّتِي خُلِقُوا فِيها فَلَمْ يُخْرِجْهم مِنها إلى النُّورِ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِن الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وفي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ في ظُلْمَةٍ، وألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ، فَمَن أصابَهُ مِن ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدى، ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ» فَلِذَلِكَ أقُولُ: جَفَّ القَلَمُ عَلى عِلْمِ اللَّهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ، فَمَن أرادَ هِدايَتَهُ جَعَلَ لَهُ نُورًا وُجُودِيًّا يُحْيِي بِهِ قَلْبَهُ ورُوحَهُ كَما يُحْيِي بَدَنَهُ بِالرُّوحِ الَّتِي يَنْفُخُها فِيهِ، فَهُما حَياتانِ: حَياةُ البَدَنِ بِالرُّوحِ، وحَياةُ الرُّوحِ والقَلْبِ بِالنُّورِ، ولِهَذا سَمّى سُبْحانَهُ الوَحْيَ رُوحًا لِتَوَقُّفِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] فَجَعَلَ وحَيَّهُ رُوحًا ونُورًا، فَمَن لَمْ يُحْيِهِ بِهَذا الرُّوحِ فَهو مَيِّتٌ، ومَن لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا مِنهُ فَهو في الظُّلُماتِ ما لَهُ مِن نُورٍ.

النور 24:45

(فائدة) قال الإمام أحمد: احتج من قال بطهارة الكلب بقوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ وإطلاق الماء يقتضي الطهرة. وقيل لا يمنع أن يقلب الله عينها إلى النجاسة كالعصير يتخمر والماء ينقل بولا. (فائدة) قوله تعالى: ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ وكذا ﴿على أربع﴾ يدل على استعمال (مَن) فيمن لا يعقل. وفيه وجهان: أحدهما: أن صدر الآية قوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ فاجتمع جميع الدواب ومنهم العالمون كالإنس، وغير العالِمِين كالبهائم. والقاعدة: إذا اجتمع مَن يعقل وغيره غلب مَن يعقل، فلما وقع التفصيل وقع تفصيلا للعقلاء فقط. الوجه الثاني: أنه قابل من يمشي في قوله: ﴿وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ فعدل عن الأصل للمقابلة المطلوبة. وقيل (ما) للعالِمِين أيضا كقوله: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وأجيب بأن (ما) هنا مصدرية تقديره: ولا أنتم عابدون عبادتي ولا أنا عابد عبادتكم، فما عبر بها إلا عمن لا يعقل. وكذلك أجابوا عن قوله: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ غير أنه أشكل عليهم الضمير في قوله تعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ و (ما) المصدرية حرف لا تعود عليها الضمائر. والتزم بعضهم عود الضمير عليها. أعني المصدرية. وهو ضعيف. (فصل) هذه الجمادات والحيوانات المختلفة الأشكال والمقادير والصفات والمنافع والقوى والأغذية والنباتات التي هي كذلك فيها من الحكم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفه وتجربته على ممر الدهور ومع ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شيء وأقله بل لو اتفق جميع الأمم لم يحيطوا علما بجميع ما أودع واحد من ذلك النوع من الحكم والمصالح هذا إلى ما في ضمن ذلك من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود الخالق ومشيئته واختياره وعلمه وقدرته وحكمته فإن المادة الواحدة لا تحتمل بنفسها هذه الصورة الغريبة والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات ولو تركبت مع غيرها فليس حدوث هذه الأنواع والصور بنفس التركيب أيضا ولا هو مفيض له فحصول هذا التنوع والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب تعالى ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه فعال لما يريد اختيارا ومشيئة فتنويع مخلوقاته وحدوثها شيئا بعد شئ من أظهر الدلالات وتأمل كيف أرشد القرآن إلى ذلك في غير موضع كقوله تعالى: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فتأمل كيف نبه سبحانه باختلاف الحيوانات في المشي مع اشتراكها في المادة على الاختلاف فيما وراء ذلك من أعضائها وأشكالها وقواها وأفعالها وأغذيتها ومساكنها، فنبه على الاشتراك والاختلاف فيشير إلى يسير منه فالطير كلها تشترك في الريش والجناح وتتفاوت فيما وراء ذلك أعظم تفاوت. واشتراك ذوات الحوافر في الحافر كالفرس والحمار والبغل وتفاوتها في ما وراء ذلك. واشتراك ذوات الأظلاف في الظلف وتفاوتها في غير ذلك. واشتراك ذوات القرون فيها وتفاوتها في الخلق والمنافع والأشكال. واشتراك حيوانات الماء في كونها سابحة تأوي فيها وتتكون فيها وتفاوتها أعظم تفاوت عجز البشر إلى الآن عن حصره. واشتراك الوحوش في البعد عن الناس والتفاوت عنهم وعن مساكنهم وتفاوتها في صفاتها وأشكالها وطبائعها وأفعالها أعظم تفاوت يعجز البشر عن حصره. واشتراك الماشي منها على بطنه في ذلك وتفاوت نوعه. واشتراك الماشي على رجلين في ذلك وتفاوت نوعه أعظم تفاوت وكل من هذه الأنواع له علم وإدراك وتحيل على جلب مصالحه ودفع مضاره يعجز كثير منها نوع الإنسان، فمن أعظم الحكم الدلالة الظاهرة على معرفة الخالق الواحد المستولي بقوته وقدرته وحكمته على ذلك كله بحيث جاءت كلها مطيعة منقادة منساقة إلى ما خلقها له على وفق مشيئته وحكمته وذلك أدل شيء على قوته القاهرة وحكمته البالغة وعلمه الشامل فيعلم إحاطة قدرة واحدة وعلم واحد وحكمة واحدة أعني بالنوع من قادر واحد حكيم واحد بجميع هذه الأنواع وأضعافها مما لا تعلمه العقول البشرية كما قال: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ فيجمع غايات فعله وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة هي منتهى الغايات وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال، فهي غاية الغايات ثم ينزل منها إلى غايات أخر هي وسائل بالنسبة إليها وغايات بالنسبة إلى ما دونها ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض، وليس في الوجود إلا الله ومفعولاته وهي آثار أفعاله، وأفعاله آثار صفاته وصفاته قائمة به من لوازم ذاته. والمقصود أن الغايات المطلوبة العلم بإحاطة علم واحد من عالم واحد وفعل واحد من فاعل واحد وقدرة واحدة من قادر واحد وحكمة واحدة من حكيم واحد بجميع ما فيه على اختلاف ما فيه واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية كما ابتدأت كلها من خالق واحد وقادر واحد ورب واحد، ودل على الأمرين أعني توحيد الربوبية والإلهية النظام الواحد والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع ضدها وتعذرها، ودل افتقار بعضها إلى بعض وتشبك بعضها ببعض ومعاونة بعضها ببعض وارتباطه به على أنها صنع فاعل واحد ورب واحد، فلو كان معه آلهة وأرباب غيره كما لا ترضى ملوك الدنيا أن يحتاج مملوك أحدهم إلى مملوك غيره مثله لما في ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغناء، ودل انتظامها في الوجود ووقوعها في ثباتها واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو إلهها الحق ومعبودها الأعلى الذي لا إله لها غيره ولا معبود لها سواه. فتأمل كيف دل اختلاف الموجودات وثباتها واجتماعها فيما اجتمعت فيه وافتراقها فيما افترقت على إله واحد ورب واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله. (فصل) ثمَّ تَأمل أولا ذَوات الأربع من الحَيَوان كَيفَ تراها تتبع أمهاتها مُسْتَقلَّة بأنفسها فلا تحتاج إلى الحمل والتربية كَما يحْتاج إليه أولاد الإنس، فَمن أجل أنه لَيْسَ عند أمهاتها ما عند أمهات البشر من التربية والملاطفة والرفق والآلات المُتَّصِلَة والمنفصلة أعطاها اللَّطِيف الخَبِير النهوض والاستقلال بأنفسها على قرب العَهْد بِالولادَةِ، ولذَلِك ترى أفراخ كثير من الطير كالدجاج والدراج والفتخ يدرج ويلقط حِين يخرج من البَيْضَة، وما كانَ مِنها ضَعِيف النهوض كفراخ الحمام واليمام أعطى سُبْحانَهُ أمهاتها من فَضله العَطف والشفقة والحنان ما تمج بِهِ الطّعْم في أفْواه الفِراخ من حواصلها فتخبأه في أعز مَكان فِيها ثمَّ تسوقه من فِيها إلى أفواه الفِراخ. وَلا تزال بها كَذَلِك حَتّى يينْهض الفرخ ويستقل بِنَفسِهِ، وذَلِكَ كُله من حظها وقسمها الَّذِي وصل إليها من الرَّحْمَة الواحِدَة من المِائَة فَإذا اسْتَقل بِنَفسِهِ وأمكنه الطيران لم يزل بِهِ الأبوان يعالجانه أتم معالجة وألطفها حَتّى يطير من وكره ويسترزق لنَفسِهِ ويأكل من حَيْثُ يأكلان وكأنهما لم يعرفاه ولا عرفهما قطّ بل يطردانه عَن الوكر، ولا يدعانه وأقواتهما بَينهما، بل يَقُولانِ لَهُ بِلِسان يفهمهُ اتخذ لَك وكرا وقوتا فَلا وكر لَك عندنا ولا قوت. فسل المُعَطل أهذا كُله عَن إهمال؟ ومن الَّذِي ألهمها ذَلِك؟ ومن الَّذِي عطفها على الفِراخ وهِي صغار أحوج ما كانَت إليها ثمَّ سلب ذَلِك عَنْها إذْا استغنت الفِراخ رَحْمَة بالأمهات تسْعى في مصالحها، إذْ لَو دامَ لَها ذَلِك لَأضر بها وشغلها عَن معاشها لا سِيما مَعَ كَثْرَة ما يحْتاج إليه أولادها من الغذاء، فَوضع فِيها الرَّحْمَة والإيثار والحنان رَحْمَة بالفراخ وسلبها إيّاها عند استغنائها رَحمَه بالأمهات أفيجوز أن يكون هَذا كُله بِلا تَدْبِير مُدبر حَكِيم، ولا عناية ولا لطف مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لقد قامَت أدِلَّة ربوبيته وبراهين إلهيته وشواهد حكمته وآيات قدرته، فَلا يَسْتَطِيع العقل لَها جحُودًا إن هي إلا مُكابَرَة بِاللِّسانِ من كل جحود كفور ﴿أفِي الله شكّ فاطر السَّماوات والأرْض﴾ وَإنَّما يكون الشَّك فِيما تخفى أدلته وتشكل براهينه. فأما من لَهُ في كل شَيْء محسوس أوْ مَعْقُول آيَة بل آيات مؤدية عَنهُ شاهدة لَهُ بِأنَّهُ الله الَّذِي لا إله إلّا هو رب العالمين فَكيف يكون فِيهِ شكّ؟ (فصل) ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في قَوائِم الحَيَوان كَيفَ اقْتَضَت أن يكون زوجا لا فَردا إما اثْنَتَيْنِ وإمّا أربعا ليتهيأ لَهُ المَشْي والسَّعْي وتتم بذلك مصْلحَته إذْ لَو كانَت فَردا لم يصلح لذَلِك، لأن الماشِي ينْتَقل بِبَعْض قوائمه ويعتمد على بعض فذو القائمتين ينْقل واحِدَة ويعتمد على الأخرى، وذُو الأربع ينْقل اثْنَتَيْنِ ويعتمد على اثْنَتَيْنِ، وذَلِكَ من خلاف لِأنَّهُ لَو كانَ ينْقل قائمتين من جانب ويعتمد على قائمتين من الجانِب الآخر لم يثبت على الأرض حال نَقله قوائمه، ولكان مَشْيه نقرا كنقر الطّائِر، وذَلِكَ مِمّا يُؤْذِيه ويتبعه لنقل بدنه بِخِلاف الطّائِر، ولِهَذا إذا مَشى الإنسان كَذَلِك قَلِيلا أجهده وشق عَلَيْهِ بِخِلاف مشْيَة الطبيعي الَّذِي هو لَهُ فاقتضت الحِكْمَة تَقْدِيم نقل اليُمْنى من يَدَيْهِ مَعَ اليُسْرى من رجلَيْهِ، وإقرار يسرى اليَدَيْنِ ويمنى الرجلَيْن، ثمَّ نقل الآخريين كَذَلِك وهَذا أسهل ما يكون من المَشْي وأخفه على الحَيَوان. (فصل) ثمَّ تَأمل الحِكْمَة الباهرة في وجه الدّابَّة كَيفَ هو فإنك ترى العَينَيْنِ فِيهِ شاخصتين أمامها لتبصر ما بَين يَديها أتم من بصر غَيرها، لأنها تحرس نَفسها وراكبها فتتقي أن تصدم حائِطا أوْ تتردى في حُفْرَة، فَجعلت عَيناها كعيني المنتصب القامَة لأنها طَلِيعَة، وجعل فوها مشقوقا في أسفل الخطم لتتمكن من العض والقَبْض على العلف، إذْ لَو كانَ فَوْقها في مقدم الخطم كَما أنه من الإنسان في مقدم الذقن لما استطاعت أن تتَناوَل بِهِ شَيْئا من الأرض. ألا ترى الإنسان لا تناول الطَّعام بِفِيهِ لَكِن بِيَدِهِ، فلما لم تكن الدّابَّة تتَناوَل طعامها بِيَدِها جعل خطمها مشقوقا من أسْفَله لتضعه على العلف، ثمَّ تقضمه وأعينت بالجحفلة وهِي لَها كالشفة للإنسان لتلتقم بها ما قرب مِنها وما بعد. وَقد أشكلت مَنفَعَة الذَّنب على بعض النّاس ولم يهتد إليها وفِيه مَنافِع عديدة، فَمِنها أنه بِمَنزِلَة الطَّبَق على الدبر، والغطاء على حياها يواريهما ويسترهما. وَمِنها أن بَين الدبر ومراق البَطن من الدّابَّة لَهُ وضر يجْتَمع عَلَيْهِ الذُّباب والبعوض فيؤذي الدّابَّة فَجعل أذنابها كالمذابِّ لَها والمراوح تطرد بِهِ ذَلِك. وَمِنها أن الدّابَّة تستريح إلى تحريحكه وتصريفه يمنة ويسرة، فَإنَّهُ لما كانَ قِيامها على الأربع بِكُل جسمها وشغلت قدماها بِحمْل البدن عَن التَّصَرُّف والتقلب كانَ لَها في تَحْرِيك الذَّنب راحَة. وَعَسى أن يكون فِيها حكم أُخر تقصر عَنْها أفهام الخلق ويزدريها السامع إذا عرضت عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يعرف موقعها إلا في وقت الحاجة، فَمن ذَلِك أن الدّابَّة تربض في الوحل فَلا يكون شَيْء أعون على رَفعها من الأخذ بذنبها.

النور 24:54

[فَصْلٌ: اضْطِرارُ العِبادِ إلى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ] قال ابن القيم - بعد كلام طويل -: وَمِن هاهُنا تَعْلَمُ اضْطِّرارَ العِبادِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ إلى مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ وما جاءَ بِهِ، وتَصْدِيقِهِ فِيما أخْبَرَ بِهِ، وطاعَتِهِ فِيما أمَرَ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى السَّعادَةِ والفَلاحِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ إلّا عَلى أيْدِي الرُّسُلِ، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ الطَّيِّبِ والخَبِيثِ عَلى التَّفْصِيلِ إلّا مِن جِهَتِهِمْ، ولا يُنالُ رِضا اللَّهِ ألْبَتَّةَ إلّا عَلى أيْدِيهِمْ، فالطَّيِّبُ مِنَ الأعْمالِ والأقْوالِ والأخْلاقِ لَيْسَ إلّا هَدْيَهم وما جاءُوا بِهِ، فَهُمُ المِيزانُ الرّاجِحُ الَّذِي عَلى أقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ تُوزَنُ الأقْوالُ والأخْلاقُ والأعْمالُ، وبِمُتابَعَتِهِمْ يَتَمَيَّزُ أهْلُ الهُدى مِن أهْلِ الضَّلالِ، فالضَّرُورَةُ إلَيْهِمْ أعْظَمُ مِن ضَرُورَةِ البَدَنِ إلى رُوحِهِ والعَيْنِ إلى نُورِها والرُّوحِ إلى حَياتِها. فَأيُّ ضَرُورَةٍ وحاجَةٍ فُرِضَتْ، فَضَرُورَةُ العَبْدِ وحاجَتُهُ إلى الرُّسُلِ فَوْقَها بِكَثِيرٍ. وَما ظَنُّكَ بِمَن إذا غابَ عَنْكَ هَدْيُهُ وما جاءَ بِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَسَدَ قَلْبُكَ، وصارَ كالحُوتِ إذا فارَقَ الماءَ ووُضِعَ في المِقْلاةِ، فَحالُ العَبْدِ عِنْدَ مُفارَقَةِ قَلْبِهِ لِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ كَهَذِهِ الحالِ بَلْ أعْظَمُ، ولَكِنْ لا يُحِسُّ بِهَذا إلّا قَلْبٌ حَيٌّ وَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ وَإذا كانَتْ سَعادَةُ العَبْدِ في الدّارَيْنِ مُعَلَّقَةً بِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَجِبُ عَلى كُلِّ مَن نَصَحَ نَفْسَهُ وأحَبَّ نَجاتَها وسَعادَتَها أنْ يَعْرِفَ مِن هَدْيِهِ وسِيرَتِهِ وشَأْنِهِ ما يَخْرُجُ بِهِ عَنِ الجاهِلِينَ بِهِ، ويَدْخُلُ بِهِ في عِدادِ أتْباعِهِ وشِيعَتِهِ وحِزْبِهِ، والنّاسُ في هَذا بَيْنَ مُسْتَقِلٍّ ومُسْتَكْثِرٍ ومَحْرُومٍ، والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.

النور 24:58

قَوْله تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ الآيَةَ. أمَرَ تَعالى مَمالِيكَ المُؤْمِنِينَ ومَن لَمْ يَبْلُغْ مِنهم الحُلُمَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ لِئَلّا يَكُونَ دُخُولُهم هَجْمًا بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ فِيها ذَرِيعَةٌ إلى اطِّلاعِهِمْ عَلى عَوْراتِهِمْ وقْتَ إلْقاءِ ثِيابِهِمْ عِنْدَ القائِلَةِ والنَّوْمِ واليَقِظَةِ، ولَمْ يَأْمُرْهم بِالِاسْتِئْذانِ في غَيْرِها وإنْ أمْكَنَ في تَرْكِهِ هَذِهِ المَفْسَدَةِ لِنُدُورِها وقِلَّةِ الإفْضاءِ إلَيْها فَجُعِلَتْ كالمُقَدَّمَةِ. [فصل: اسْتِئْذانُ المَمالِيكِ ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ في العَوْراتِ الثَّلاثِ] وَأمّا الِاسْتِئْذانُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ المَمالِيكَ، ومَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ في العَوْراتِ الثَّلاثِ: قَبْلَ الفَجْرِ، ووَقْتَ الظَّهِيرَةِ، وعِنْدَ النَّوْمِ، فَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَأْمُرُ بِهِ، ويَقُولُ: تَرَكَ النّاسُ العَمَلَ بِها، فَقالَتْ طائِفَةٌ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ ولَمْ تَأْتِ بِحُجَّةٍ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: أمْرُ نَدْبٍ وإرْشادٍ، لا حَتْمٍ وإيجابٍ، ولَيْسَ مَعَها ما يَدُلُّ عَلى صَرْفِ الأمْرِ عَنْ ظاهِرِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المَأْمُورُ بِذَلِكَ النِّساءُ خاصَّةً، وأمّا الرِّجالُ، فَيَسْتَأْذِنُونَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وهَذا ظاهِرُ البُطْلانِ، فَإنَّ جَمْعَ " الَّذِينَ " لا يَخْتَصُّ بِهِ المُؤَنَّثُ، وإنْ جازَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِنَّ مَعَ الذُّكُورِ تَغْلِيبًا. وَقالَتْ طائِفَةٌ عَكْسَ هَذا: إنَّ المَأْمُورَ بِذَلِكَ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، نَظَرًا إلى لَفْظِ " الَّذِينَ " في المَوْضِعَيْنِ، ولَكِنْ سِياقُ الآيَةِ يَأْباهُ فَتَأمَّلْهُ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ الأمْرُ بِالِاسْتِئْذانِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِلْحاجَةِ، ثُمَّ زالَتْ، والحُكْمُ إذا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ زالَ بِزَوالِها، فَرَوى أبو داود في " سُنَنِهِ " «أنَّ نَفَرًا مِن أهْلِ العِراقِ قالُوا لِابْنِ عَبّاسٍ: يا ابْنَ عَبّاسٍ! كَيْفَ تَرى هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي أُمِرْنا فِيها بِما أُمِرْنا، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ، يُحِبُّ السِّتْرَ، وكانَ النّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ ولا حِجالٌ، فَرُبَّما دَخَلَ الخادِمُ، أوِ الوَلَدُ أوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ، والرَّجُلُ عَلى أهْلِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ العَوْراتِ، فَجاءَهُمُ اللَّهُ بِالسُّتُورِ والخَيْرِ، فَلَمْ أرَ أحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ» وَقَدْ أنْكَرَ بَعْضُهم ثُبُوتَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وطَعَنَ في عكرمة، ولَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وطَعَنَ في عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو مَوْلى المُطَّلِبِ، وقَدِ احْتَجَّ بِهِ صاحِبا الصَّحِيحِ، فَإنْكارُ هَذا تَعَنُّتٌ واسْتِبْعادٌ لا وجْهَ لَهُ. وَقالَتْ طائِفَةٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ لا مُعارِضَ لَها ولا دافِعَ، والعَمَلُ بِها واجِبٌ، وإنْ تَرَكَهُ أكْثَرُ النّاسِ. والصَّحِيحُ: أنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ ما يَقُومُ مَقامَ الِاسْتِئْذانِ مِن فَتْحِ بابٍ فَتْحُهُ دَلِيلٌ عَلى الدُّخُولِ، أوْ رَفْعِ سِتْرٍ، أوْ تَرَدُّدِ الدّاخِلِ والخارِجِ ونَحْوِهِ، أغْنى ذَلِكَ عَنِ الِاسْتِئْذانِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ما يَقُومُ مَقامَهُ، فَلا بُدَّ مِنهُ، والحُكْمُ مُعَلَّلٌ بِعِلَّةٍ قَدْ أشارَتْ إلَيْها الآيَةُ، فَإذا وُجِدَتْ، وُجِدَ الحُكْمُ، وإذا انْتَفَتِ انْتَفى، واللَّهُ أعْلَمُ.

النور 24:61

(لطيفة) وَلَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ الأبْناءِ لِأنَّها داخِلَةٌ في بُيُوتِهِمْ أنْفُسِهِمْ، فاكْتَفى بِذِكْرِها دُونَها، وإلّا فَبُيُوتُهم أقْرَبُ مِن بُيُوتِ مَن ذَكَرَ في الآيَةِ. [فصل: مَرَضُ الأبْدانِ] وَأمّا مَرَضُ الأبَدانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] وَذَكَرَ مَرَضَ البَدَنِ في الحَجِّ والصَّوْمِ والوُضُوءِ لِسِرٍّ بَدِيعٍ يُبَيِّنُ لَكَ عَظَمَةَ القُرْآنِ، والِاسْتِغْناءَ بِهِ لِمَن فَهِمَهُ وعَقَلَهُ عَنْ سِواهُ، وذَلِكَ أنَّ قَواعِدَ طِبِّ الأبْدانِ ثَلاثَةٌ: حِفْظُ الصِّحَّةِ، والحِمْيَةُ عَنِ المُؤْذِي، واسْتِفْراغُ المَوادِّ الفاسِدَةِ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ في هَذِهِ المَواضِعِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ في آيَةِ الصَّوْمِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأباحَ الفِطْرَ لِلْمَرِيضِ لِعُذْرِ المَرَضِ، ولِلْمُسافِرِ طَلَبًا لِحِفْظِ صِحَّتِهِ وقُوَّتِهِ؛ لِئَلّا يُذْهِبَها الصَّوْمُ في السَّفَرِ لِاجْتِماعِ شِدَّةِ الحَرَكَةِ، وما يُوجِبُهُ مِنَ التَّحْلِيلِ، وعَدَمِ الغِذاءِ الَّذِي يُخْلِفُ ما تَحَلَّلَ، فَتَخُورُ القُوَّةُ، وتَضْعُفُ، فَأباحَ لِلْمُسافِرِ الفِطْرَ حِفْظًا لِصِحَّتِهِ وقُوَّتِهِ عَمّا يُضْعِفُها. وَقالَ في آيَةِ الحَجِّ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَأباحَ لِلْمَرِيضِ، ومَن بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ مِن قَمْلٍ أوْ حِكَّةٍ أوْ غَيْرِهِما أنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ في الإحْرامِ اسْتِفْراغًا لِمادَّةِ الأبْخِرَةِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ الأذى في رَأْسِهِ بِاحْتِقانِها تَحْتَ الشَّعْرِ، فَإذا حَلَقَ رَأْسَهُ، تَفَتَّحَتِ المَسامُّ، فَخَرَجَتْ تِلْكَ الأبْخِرَةُ مِنها، فَهَذا الِاسْتِفْراغُ يُقاسُ عَلَيْهِ كُلُّ اسْتِفْراغٍ يُؤْذِي انْحِباسُهُ. والأشْياءُ الَّتِي يُؤْذِي انْحِباسُها ومُدافَعَتُها عَشَرَةٌ: الدَّمُ إذا هاجَ، والمَنِيُّ إذا تَبَيَّغَ، والبَوْلُ، والغائِطُ، والرِّيحُ، والقَيْءُ، والعُطاسُ، والنَّوْمُ، والجُوعُ، والعَطَشُ. وَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ العَشَرَةِ يُوجِبُ حَبْسُهُ داءً مِنَ الأدْواءِ بِحَسْبِهِ. وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِاسْتِفْراغِ أدْناها، وهو البُخارُ المُحْتَقَنُ في الرَّأْسِ عَلى اسْتِفْراغِ ما هو أصْعَبُ مِنهُ، كَما هي طَرِيقَةُ القُرْآنِ التَّنْبِيهُ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. وَأمّا الحِمْيَةُ: فَقالَ تَعالى في آيَةِ الوُضُوءِ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فَأباحَ لِلْمَرِيضِ العُدُولَ عَنِ الماءِ إلى التُّرابِ حِمْيَةً لَهُ أنْ يُصِيبَ جَسَدَهُ ما يُؤْذِيهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى الحِمْيَةِ عَنْ كُلِّ مُؤْذٍ لَهُ مِن داخِلٍ أوْ خارِجٍ، فَقَدْ أرْشَدَ - سُبْحانَهُ - عِبادَهُ إلى أُصُولِ الطِّبِّ ومَجامِعِ قَواعِدِهِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ هَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، ونُبَيِّنُ أنَّ هَدْيَهُ فِيهِ أكْمَلُ هَدْيٍ. فَأمّا طِبُّ القُلُوبِ، فَمُسَلَّمٌ إلى الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، ولا سَبِيلَ إلى حُصُولِهِ إلّا مِن جِهَتِهِمْ وعَلى أيْدِيهِمْ، فَإنَّ صَلاحَ القُلُوبِ أنْ تَكُونَ عارِفَةً بِرَبِّها، وفاطِرِها، وبِأسْمائِهِ، وصِفاتِهِ، وأفْعالِهِ، وأحْكامِهِ، وأنْ تَكُونَ مُؤْثِرَةً لِمَرْضاتِهِ ومُحابِّهِ، مُتَجَنِّبَةً لِمَناهِيهِ ومَساخِطِهِ، ولا صِحَّةَ لَها ولا حَياةَ ألْبَتَّةَ إلّا بِذَلِكَ، ولا سَبِيلَ إلى تَلَقِّيهِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ، وما يُظَنُّ مِن حُصُولِ صِحَّةِ القَلْبِ بِدُونِ اتِّباعِهِمْ، فَغَلَطٌ مِمَّنْ يَظُنُّ ذَلِكَ، وإنِّما ذَلِكَ حَياةُ نَفْسِهِ البَهِيمِيَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وصِحَّتُها وقُوَّتُها، وحَياةُ قَلْبِهِ وصِحَّتُهُ، وقُوَّتُهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ، ومَن لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ هَذا وهَذا فَلْيَبْكِ عَلى حَياةِ قَلْبِهِ، فَإنَّهُ مِنَ الأمْواتِ، وعَلى نُورِهِ، فَإنَّهُ مُنْغَمِسٌ في بِحارِ الظُّلُماتِ. [فصل: طِبُّ الأبْدانِ] وَأمّا طِبُّ الأبْدانِ: فَإنَّهُ نَوْعانِ: نَوْعٌ قَدْ فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الحَيَوانَ ناطِقَهُ وبَهِيمَهُ، فَهَذا لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مُعالَجَةِ طَبِيبٍ، كَطِبِّ الجُوعِ، والعَطَشِ، والبَرْدِ، والتَّعَبِ، بِأضْدادِها وما يُزِيلُها. والثّانِي: ما يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ وتَأمُّلٍ كَدَفْعِ الأمْراضِ المُتَشابِهَةِ الحادِثَةِ في المِزاجِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بِها عَنِ الِاعْتِدالِ، إمّا إلى حَرارَةٍ، أوْ بُرُودَةٍ، أوْ يُبُوسَةٍ، أوْ رُطُوبَةٍ، أوْ ما يَتَرَكَّبُ مِنَ اثْنَيْنِ مِنها، وهي نَوْعانِ: إمّا مادِّيَّةٌ، وإمّا كَيْفِيَّةٌ، أعْنِي: إمّا أنْ يَكُونَ بِانْصِبابِ مادَّةٍ، أوْ بِحُدُوثِ كَيْفِيَّةٍ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ أمْراضَ الكَيْفِيَّةِ تَكُونُ بَعْدَ زَوالِ المَوادِّ الَّتِي أوْجَبَتْها، فَتَزُولُ مَوادُّها، ويَبْقى أثَرُها كَيْفِيَّةً في المِزاجِ. وَأمْراضُ المادَّةِ أسْبابُها مَعَها تَمُدُّها، وإذا كانَ سَبَبُ المَرَضِ مَعَهُ، فالنَّظَرُ في السَّبَبِ يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ أوَّلًا، ثُمَّ في المَرَضِ ثانِيًا، ثُمَّ في الدَّواءِ ثالِثًا. أوِ الأمْراضُ الآلِيَّةُ وهي الَّتِي تُخْرِجُ العُضْوَ عَنْ هَيْئَتِهِ، إمّا في شَكْلٍ، أوْ تَجْوِيفٍ، أوْ مَجْرًى، أوْ خُشُونَةٍ، أوْ مَلاسَةٍ، أوْ عَدَدٍ، أوْ عَظْمٍ، أوْ وضْعٍ، فَإنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ إذا تَألَّفَتْ وكانَ مِنها البَدَنُ سُمِّيَ تَألُّفُها اتِّصالًا، والخُرُوجُ عَنِ الِاعْتِدالِ فِيهِ يُسَمّى تَفَرَّقَ الِاتِّصالِ، أوِ الأمْراضُ العامَّةُ الَّتِي تَعُمُّ المُتَشابِهَةَ والآلِيَّةَ. والأمْراضُ المُتَشابِهَةُ: هي الَّتِي يَخْرُجُ بِها المِزاجُ عَنِ الِاعْتِدالِ، وهَذا الخُرُوجُ يُسَمّى مَرَضًا بَعْدَ أنْ يَضُرَّ بِالفِعْلِ إضْرارًا مَحْسُوسًا.

النور 24:63

فَأمر سُبْحانَهُ ألا يدعى رَسُوله بِما يَدْعُو النّاس بَعضهم بَعْضًا، بل يُقال يا رَسُول الله. وَلا يُقال يا مُحَمَّد، وإنَّما كانَ يُسَمِّيه باسمه وقت الخطاب الكفّار. وَأما المُسلمُونَ فَكانُوا يخاطبونه يا رَسُول الله، وإذا كانَ هَذا في خطابه فَهَكَذا في مغيبه لا يَنْبَغِي أن يَجْعَل ما يدعى بِهِ لَهُ من جنس ما يَدْعُو بِهِ بَعْضنا لبَعض، بل يدعى لَهُ بأشرف الدُّعاء وهو الصَّلاة عَلَيْهِ، ومَعْلُوم أن الرَّحْمَة يدعى بها لكل مُسلم بل ولغير الآدَمِيّ من الحَيَوانات كَما في دُعاء الاسْتِسْقاء اللَّهُمَّ ارْحَمْ عِبادك وبلادك وبهائمك. وقال في المدارج: وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا يَجْعَلَ دُعاءَهُ كَدُعاءِ غَيْرِهِ. قالَ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ وَفِيهِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ. أحَدُهُما: أنَّكم لا تَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ، كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا، بَلْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، أيْ دُعاءَكُمُ الرَّسُولَ. الثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ لَكم بِمَنزِلَةِ دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا. إنْ شاءَ أجابَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ، بَلْ إذا دَعاكم لَمْ يَكُنْ لَكم بُدٌّ مِن إجابَتِهِ، ولَمْ يَسَعْكُمُ التَّخَلُّفُ عَنْها ألْبَتَّةَ. فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ. أيْ دُعاؤُهُ إيّاكم.