Tafsir Ibn Al-Qayyim — الفرقان 25:17 – الفرقان 25:77
المحتويات
- الفرقان 25:17
- الفرقان 25:18
- الفرقان 25:19
- الفرقان 25:20
- الفرقان 25:30
- الفرقان 25:43
- الفرقان 25:44
- الفرقان 25:45
- الفرقان 25:46
- الفرقان 25:52
- الفرقان 25:55
- الفرقان 25:58
- الفرقان 25:62
- الفرقان 25:63
- الفرقان 25:64
- الفرقان 25:67
- الفرقان 25:68
- الفرقان 25:69
- الفرقان 25:70
- الفرقان 25:72
- الفرقان 25:73
- الفرقان 25:74
- الفرقان 25:75
- الفرقان 25:77
الفرقان 25:17
(فائدة)
سَمّاهم عِبادَهُ مَعَ ضَلالِهِمْ، لَكِنْ تَسْمِيَةً مُقَيَّدَةً بِالإشارَةِ، وأمّا المُطْلَقَةُ فَلَمْ تَجِئْ إلّا لِأهْلِ النَّوْعِ الثّانِي.
وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَعُبُودِيَّةُ الطّاعَةِ والمَحَبَّةِ، واتِّباعِ الأوامِرِ، قالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] وقالَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وقالَ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾
فالخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ، وأهْلُ طاعَتِهِ ووِلايَتِهِ هم عَبِيدُ إلَهِيَّتِهِ.
وَلا يَجِيءُ في القُرْآنِ إضافَةُ العِبادِ إلَيْهِ مُطْلَقًا إلّا لِهَؤُلاءِ.
وَأمّا وصْفُ عَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ بِالعُبُودِيَّةِ فَلا يَأْتِي إلّا عَلى أحَدِ خَمْسَةِ أوْجُهٍ: إمّا مُنْكِرًا، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والثّانِي مُعَرَّفًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨].
الثّالِثُ: مُقَيَّدًا بِالإشارَةِ أوْ نَحْوِها، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
الرّابِعُ: أنْ يُذْكَرُوا في عُمُومِ عِبادِهِ، فَيَنْدَرِجُوا مَعَ أهْلِ طاعَتِهِ في الذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ ﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
الخامِسُ: أنْ يُذْكَرُوا مَوْصُوفِينَ بِفِعْلِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
وَقَدْ يُقالُ: إنَّما سَمّاهم عِبادَهُ إذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنابُوا إلَيْهِ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِن عَبِيدِ الإلَهِيَّةِ والطّاعَةِ.
(فصل)
قوله سبحانه ﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دونِ اللهِ﴾ [الفرقان: ١٧].
عام في كل عابد ومن عبده من دون الله.
وأما قوله ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتمْ عِبادِي هؤُلاءِ، أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧].
فقال مجاهد، فيما رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح - عنه قال: "هذا خطاب لعيسى وعزير، والملائكة" وروى عنه ابن جريج نحوه.
وأما عكرمة والضحاك والكلبى، فقالوا: هو عام في الأوثان وعبدتها.
ثم يأذن سبحانه لها في الكلام، فيقول: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادي هؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
قال مقاتل: يقول سبحانه: "أأنتم أمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل؟ أي أم هم أخطأوا الطريق؟ فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله.
ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون].
﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أن نتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم.
وقال ابن عباس ومقاتل "نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إله".
وفيها قراءتان: أشهرهما - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل وهي قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول. وهي قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع.
وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال.
فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء؟ حتى يقولوا: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وإنما سألهم هل أمرتم عبادى هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم؟ فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، وإنما هم آثروه وارتضوه أو لم نأمرهم بعبادتنا، كما قال في الآية الأخرى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ١٣].
فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: الجواب يصح على ذلك، ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة، فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا، ولا يحسن منا؟
ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر، وهو قوله: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
فإن زيادة (مِن) لا يحسن إلا مع قصد العموم، كما تقول: ما قام من رجل. وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفي واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن زيادة (مِن) فيه، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك. فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم، ولا يليق بهم أن يعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الواجب على هذا: أن تقرأ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ أو مِن دُونِكَ أوْلِياءَ﴾.
فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه:
أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك، ونتخذ غيرك وليا ومعبودا فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا؟ أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن عبادتنا؟ أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن يعبدنا؟ والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة الله تعالى، فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم؟ وهذا جواب الفراء.
وقال الجرجانى: هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر، وهو أن من عبد شيئا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد، يدل على هذا قوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلمَلاَئِكَةِ أهؤُلاءِ إيّاكَمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ * قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهمْ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١].
فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود.
ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء، وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا. وهذا بسط لقول ابن عباس في هذه الآية.
قال: يقولون: ما توليناهم، ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
أن يريدوا معشر العبيد، لا أنفسهم: أي نحن وهم عبيدك، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم. كما يقول الرجل لمن أتى منكرا: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا: أي أنت مثلى عبد محاسب، فإذا لم يحسن من مثلى أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضًا.
قال: ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نُتَخذَ بضم النون. وهذه القراءة أقرب في التأويل.
لكن قال الزّجّاج: هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذت من أحد وليًا، ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي لأن "من" إنما دخلت لأنها تنفي واحدا من معنى جميع، تقول: ما من أحد قائما، وما من رجل محبا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره.
قال: ولا وجه عندنا لهذا ألبتة، ولو جاز هذا لجاز في: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزَينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
ما أحد عنه من حاجزين.
فلو لم تدخل "من" لصحت هذه القراءة.
قال صاحب النظم: الِعلة في سقوط هذه القراءة: أن "مِن" لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه: فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول "من" كقوله:
﴿ما كانَ لله أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥].
فقوله "من ولد" لا مفعول دونه سواه، ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدا من ولد، لم يحسن فيه دخول "من" لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد.
وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى، وأجروها على قواعد العربية.
قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب في فصاحته.
فقرأ بها زيد بن ثابت، وأبو الدرداء وأبو جعفر، ومجاهد، ونصر بن علقمة، ومكحول، وزيد بن على، وأبو رجاء، والحسن، وحفص بن حُميد، ومحمد بن على، على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك أبو الفتح ابن جنى. ثم وجهها بأن يكون "من أولياء" في موضع الحال: أي ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء. ودخلت "من" زائدة لمكان النفي. كقولك اتخذت زيدا وكيلا، فإذا نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما وما أعطيته من درهم. وهذا في المفعول فيه.
قلت: يعني أن زيادتها مع الحال، كزيادتها مع المفعول.
ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغي لي أن أخدمك متثاقلا، فإذا أكدت، قلت: من متثاقل.
فإن قيل: فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى، فأيهما أحسن؟
قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ في المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق بهم، فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء، وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم، ولا يحسن منهم أن يتخذوا وليا من دونه، بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن نشرك بك شيئا، فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟ وهذا المعنى أجل من الأول وأكبر، فتأمله.
والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله من أوليائه.
وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر.
وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك، تكذيبا لهم، وردا عليهم، وبراءة منهم كقوله:
﴿إذْ تَبَرّاَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦].
وفي الآية الأخرى ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعُبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى: بقولهم:
﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءهم حَتّى نَسُوا الذِّكُرَ وكانْوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨].
قال ابن عباس: أطلت لهم العمر، وأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق.
وقال الفراء: ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد، حتى نسوا ذكرك، وكانوا قوما بورا: أي هلكى فاسدين، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. والبوار: الهلاك والفساد، يقال: بارت السلعة، وبارت المرأة، إذا كسدت ولم يحصل لها من يتزوجها.
قال قتادة: والله ما نسي قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا.
والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا.
قال الله تعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بَما تَقُولْونَ﴾ [الفرقان: ١٩].
أي كذبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء، أو بما تقولون إنهم أمروكم بعبادتهم، ودعوكم إليها.
وقيل: الخطاب للمؤمنين في الدنيا: أي فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون بما تقولونه، مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الله من التوحيد والإيمان والأول أظهر، وعليه يدل السياق.
ومن قرأها - آخر الحروف - فالمعنى، فقد كذبوكم بقولهم، ثم قال:
﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
إخبارا عن حالهم يومئذ، وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا نصرها من الله.
قال ابن زيد: ينادي مناد يوم القيامة، حين يجمع الخلائق:
يقول: من عبد من دون الله، لا ينصر اليوم من عبده، والعابد لا ينصر إلهه:
﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦].
فهذا حال عباد الشيطان يوم لقاء الرحمن، فوا سوء حالهم حين امتيازهم عن المؤمنين إذا سمعوا النداء.
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ ألَمْ أعْهَدْ إٍلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لاَ تَعْبُدُوا الشّيْطانَ إنّهُ لَكم عَدُو مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٥٩-٦٢].
الفرقان 25:18
(فائدة)
سَمّاهم عِبادَهُ مَعَ ضَلالِهِمْ، لَكِنْ تَسْمِيَةً مُقَيَّدَةً بِالإشارَةِ، وأمّا المُطْلَقَةُ فَلَمْ تَجِئْ إلّا لِأهْلِ النَّوْعِ الثّانِي.
وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَعُبُودِيَّةُ الطّاعَةِ والمَحَبَّةِ، واتِّباعِ الأوامِرِ، قالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] وقالَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وقالَ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾
فالخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ، وأهْلُ طاعَتِهِ ووِلايَتِهِ هم عَبِيدُ إلَهِيَّتِهِ.
وَلا يَجِيءُ في القُرْآنِ إضافَةُ العِبادِ إلَيْهِ مُطْلَقًا إلّا لِهَؤُلاءِ.
وَأمّا وصْفُ عَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ بِالعُبُودِيَّةِ فَلا يَأْتِي إلّا عَلى أحَدِ خَمْسَةِ أوْجُهٍ: إمّا مُنْكِرًا، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والثّانِي مُعَرَّفًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨].
الثّالِثُ: مُقَيَّدًا بِالإشارَةِ أوْ نَحْوِها، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
الرّابِعُ: أنْ يُذْكَرُوا في عُمُومِ عِبادِهِ، فَيَنْدَرِجُوا مَعَ أهْلِ طاعَتِهِ في الذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ ﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
الخامِسُ: أنْ يُذْكَرُوا مَوْصُوفِينَ بِفِعْلِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
وَقَدْ يُقالُ: إنَّما سَمّاهم عِبادَهُ إذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنابُوا إلَيْهِ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِن عَبِيدِ الإلَهِيَّةِ والطّاعَةِ.
(فصل)
قوله سبحانه ﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دونِ اللهِ﴾ [الفرقان: ١٧].
عام في كل عابد ومن عبده من دون الله.
وأما قوله ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتمْ عِبادِي هؤُلاءِ، أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧].
فقال مجاهد، فيما رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح - عنه قال: "هذا خطاب لعيسى وعزير، والملائكة" وروى عنه ابن جريج نحوه.
وأما عكرمة والضحاك والكلبى، فقالوا: هو عام في الأوثان وعبدتها.
ثم يأذن سبحانه لها في الكلام، فيقول: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادي هؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
قال مقاتل: يقول سبحانه: "أأنتم أمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل؟ أي أم هم أخطأوا الطريق؟ فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله.
ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون].
﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أن نتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم.
وقال ابن عباس ومقاتل "نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إله".
وفيها قراءتان: أشهرهما - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل وهي قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول. وهي قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع.
وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال.
فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء؟ حتى يقولوا: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وإنما سألهم هل أمرتم عبادى هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم؟ فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، وإنما هم آثروه وارتضوه أو لم نأمرهم بعبادتنا، كما قال في الآية الأخرى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ١٣].
فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: الجواب يصح على ذلك، ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة، فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا، ولا يحسن منا؟
ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر، وهو قوله: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
فإن زيادة (مِن) لا يحسن إلا مع قصد العموم، كما تقول: ما قام من رجل. وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفي واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن زيادة (مِن) فيه، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك. فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم، ولا يليق بهم أن يعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الواجب على هذا: أن تقرأ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ أو مِن دُونِكَ أوْلِياءَ﴾.
فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه:
أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك، ونتخذ غيرك وليا ومعبودا فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا؟ أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن عبادتنا؟ أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن يعبدنا؟ والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة الله تعالى، فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم؟ وهذا جواب الفراء.
وقال الجرجانى: هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر، وهو أن من عبد شيئا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد، يدل على هذا قوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلمَلاَئِكَةِ أهؤُلاءِ إيّاكَمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ * قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهمْ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١].
فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود.
ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء، وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا. وهذا بسط لقول ابن عباس في هذه الآية.
قال: يقولون: ما توليناهم، ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
أن يريدوا معشر العبيد، لا أنفسهم: أي نحن وهم عبيدك، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم. كما يقول الرجل لمن أتى منكرا: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا: أي أنت مثلى عبد محاسب، فإذا لم يحسن من مثلى أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضًا.
قال: ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نُتَخذَ بضم النون. وهذه القراءة أقرب في التأويل.
لكن قال الزّجّاج: هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذت من أحد وليًا، ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي لأن "من" إنما دخلت لأنها تنفي واحدا من معنى جميع، تقول: ما من أحد قائما، وما من رجل محبا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره.
قال: ولا وجه عندنا لهذا ألبتة، ولو جاز هذا لجاز في: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزَينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
ما أحد عنه من حاجزين.
فلو لم تدخل "من" لصحت هذه القراءة.
قال صاحب النظم: الِعلة في سقوط هذه القراءة: أن "مِن" لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه: فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول "من" كقوله:
﴿ما كانَ لله أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥].
فقوله "من ولد" لا مفعول دونه سواه، ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدا من ولد، لم يحسن فيه دخول "من" لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد.
وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى، وأجروها على قواعد العربية.
قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب في فصاحته.
فقرأ بها زيد بن ثابت، وأبو الدرداء وأبو جعفر، ومجاهد، ونصر بن علقمة، ومكحول، وزيد بن على، وأبو رجاء، والحسن، وحفص بن حُميد، ومحمد بن على، على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك أبو الفتح ابن جنى. ثم وجهها بأن يكون "من أولياء" في موضع الحال: أي ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء. ودخلت "من" زائدة لمكان النفي. كقولك اتخذت زيدا وكيلا، فإذا نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما وما أعطيته من درهم. وهذا في المفعول فيه.
قلت: يعني أن زيادتها مع الحال، كزيادتها مع المفعول.
ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغي لي أن أخدمك متثاقلا، فإذا أكدت، قلت: من متثاقل.
فإن قيل: فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى، فأيهما أحسن؟
قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ في المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق بهم، فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء، وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم، ولا يحسن منهم أن يتخذوا وليا من دونه، بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن نشرك بك شيئا، فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟ وهذا المعنى أجل من الأول وأكبر، فتأمله.
والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله من أوليائه.
وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر.
وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك، تكذيبا لهم، وردا عليهم، وبراءة منهم كقوله:
﴿إذْ تَبَرّاَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦].
وفي الآية الأخرى ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعُبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى: بقولهم:
﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءهم حَتّى نَسُوا الذِّكُرَ وكانْوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨].
قال ابن عباس: أطلت لهم العمر، وأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق.
وقال الفراء: ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد، حتى نسوا ذكرك، وكانوا قوما بورا: أي هلكى فاسدين، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. والبوار: الهلاك والفساد، يقال: بارت السلعة، وبارت المرأة، إذا كسدت ولم يحصل لها من يتزوجها.
قال قتادة: والله ما نسي قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا.
والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا.
قال الله تعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بَما تَقُولْونَ﴾ [الفرقان: ١٩].
أي كذبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء، أو بما تقولون إنهم أمروكم بعبادتهم، ودعوكم إليها.
وقيل: الخطاب للمؤمنين في الدنيا: أي فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون بما تقولونه، مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الله من التوحيد والإيمان والأول أظهر، وعليه يدل السياق.
ومن قرأها - آخر الحروف - فالمعنى، فقد كذبوكم بقولهم، ثم قال:
﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
إخبارا عن حالهم يومئذ، وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا نصرها من الله.
قال ابن زيد: ينادي مناد يوم القيامة، حين يجمع الخلائق:
يقول: من عبد من دون الله، لا ينصر اليوم من عبده، والعابد لا ينصر إلهه:
﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦].
فهذا حال عباد الشيطان يوم لقاء الرحمن، فوا سوء حالهم حين امتيازهم عن المؤمنين إذا سمعوا النداء.
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ ألَمْ أعْهَدْ إٍلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لاَ تَعْبُدُوا الشّيْطانَ إنّهُ لَكم عَدُو مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٥٩-٦٢].
الفرقان 25:19
(فائدة)
سَمّاهم عِبادَهُ مَعَ ضَلالِهِمْ، لَكِنْ تَسْمِيَةً مُقَيَّدَةً بِالإشارَةِ، وأمّا المُطْلَقَةُ فَلَمْ تَجِئْ إلّا لِأهْلِ النَّوْعِ الثّانِي.
وَأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَعُبُودِيَّةُ الطّاعَةِ والمَحَبَّةِ، واتِّباعِ الأوامِرِ، قالَ تَعالى ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] وقالَ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧] وقالَ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾
فالخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُ رُبُوبِيَّتِهِ، وأهْلُ طاعَتِهِ ووِلايَتِهِ هم عَبِيدُ إلَهِيَّتِهِ.
وَلا يَجِيءُ في القُرْآنِ إضافَةُ العِبادِ إلَيْهِ مُطْلَقًا إلّا لِهَؤُلاءِ.
وَأمّا وصْفُ عَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ بِالعُبُودِيَّةِ فَلا يَأْتِي إلّا عَلى أحَدِ خَمْسَةِ أوْجُهٍ: إمّا مُنْكِرًا، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] والثّانِي مُعَرَّفًا بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٨].
الثّالِثُ: مُقَيَّدًا بِالإشارَةِ أوْ نَحْوِها، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
الرّابِعُ: أنْ يُذْكَرُوا في عُمُومِ عِبادِهِ، فَيَنْدَرِجُوا مَعَ أهْلِ طاعَتِهِ في الذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ ﴿أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
الخامِسُ: أنْ يُذْكَرُوا مَوْصُوفِينَ بِفِعْلِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
وَقَدْ يُقالُ: إنَّما سَمّاهم عِبادَهُ إذْ لَمْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ، وأنابُوا إلَيْهِ، واتَّبَعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، فَيَكُونُوا مِن عَبِيدِ الإلَهِيَّةِ والطّاعَةِ.
(فصل)
قوله سبحانه ﴿وَيوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دونِ اللهِ﴾ [الفرقان: ١٧].
عام في كل عابد ومن عبده من دون الله.
وأما قوله ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتمْ عِبادِي هؤُلاءِ، أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧].
فقال مجاهد، فيما رواه ورقاء عن ابن أبي نجيح - عنه قال: "هذا خطاب لعيسى وعزير، والملائكة" وروى عنه ابن جريج نحوه.
وأما عكرمة والضحاك والكلبى، فقالوا: هو عام في الأوثان وعبدتها.
ثم يأذن سبحانه لها في الكلام، فيقول: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادي هؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧].
قال مقاتل: يقول سبحانه: "أأنتم أمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل؟ أي أم هم أخطأوا الطريق؟ فأجاب المعبودون بما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وهذا الجواب إنما يحسن من الملائكة والمسيح وعزير، ومن عبدهم المشركون من أولياء الله.
ولهذا قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة وعيسى الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله [تنزيها لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون].
﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أن نتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
نواليهم، بل أنت ولينا من دونهم.
وقال ابن عباس ومقاتل "نزهوا الله وعظموه أن يكون معه إله".
وفيها قراءتان: أشهرهما - نتخذ - بفتح النون وكسر الخاء، على البناء للفاعل وهي قراءة السبعة. والثانية - نتخذ - بضم النون وفتح الخاء، على البناء للمفعول. وهي قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع.
وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال.
فأما قراءة الجمهور، فإن الله سبحانه إنما سألهم: هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال؟ فإنه لم يسألهم: هل اتخذتم من دونى من أولياء؟ حتى يقولوا: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
وإنما سألهم هل أمرتم عبادى هؤلاء بالشرك، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم؟ فالجواب المطابق أن يقولوا: لم نأمرهم بالشرك، وإنما هم آثروه وارتضوه أو لم نأمرهم بعبادتنا، كما قال في الآية الأخرى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ١٣].
فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول. وقالوا: الجواب يصح على ذلك، ويطابق. إذ المعنى: ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة، فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا، ولا يحسن منا؟
ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر، وهو قوله: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
فإن زيادة (مِن) لا يحسن إلا مع قصد العموم، كما تقول: ما قام من رجل. وما ضربت من رجل. فأما إذا كان النفي واردا على شيء مخصوص فإنه لا يحسن زيادة (مِن) فيه، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين: أنهم أمروهم بالشرك. فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم، ولا يليق بهم أن يعبدوا، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا؟ فكان الواجب على هذا: أن تقرأ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ أو مِن دُونِكَ أوْلِياءَ﴾.
فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه:
أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك، ونتخذ غيرك وليا ومعبودا فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا؟ أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن عبادتنا؟ أي إذا كنا نحن لا نعبد غيرك، فكيف ندعو أحدا إلى أن يعبدنا؟ والمعنى: أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة الله تعالى، فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم؟ وهذا جواب الفراء.
وقال الجرجانى: هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر، وهو أن من عبد شيئا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد، يدل على هذا قوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلمَلاَئِكَةِ أهؤُلاءِ إيّاكَمْ كانُوا يَعْبُدُونَ؟ * قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهمْ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١].
فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود.
ويصير المعنى كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء، وأن نتخذ من دونك وليا يعبدنا. وهذا بسط لقول ابن عباس في هذه الآية.
قال: يقولون: ما توليناهم، ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ما كانَ يَنْبَغِى لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨].
أن يريدوا معشر العبيد، لا أنفسهم: أي نحن وهم عبيدك، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم. كما يقول الرجل لمن أتى منكرا: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا: أي أنت مثلى عبد محاسب، فإذا لم يحسن من مثلى أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضًا.
قال: ولهذا الإشكال قرأ من قرأ نُتَخذَ بضم النون. وهذه القراءة أقرب في التأويل.
لكن قال الزّجّاج: هذه القراءة خطأ، لأنك تقول: ما اتخذت من أحد وليًا، ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي لأن "من" إنما دخلت لأنها تنفي واحدا من معنى جميع، تقول: ما من أحد قائما، وما من رجل محبا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب لما يضره.
قال: ولا وجه عندنا لهذا ألبتة، ولو جاز هذا لجاز في: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزَينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
ما أحد عنه من حاجزين.
فلو لم تدخل "من" لصحت هذه القراءة.
قال صاحب النظم: الِعلة في سقوط هذه القراءة: أن "مِن" لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه: فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول "من" كقوله:
﴿ما كانَ لله أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥].
فقوله "من ولد" لا مفعول دونه سواه، ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدا من ولد، لم يحسن فيه دخول "من" لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد.
وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى، وأجروها على قواعد العربية.
قالوا وقد قرأ بها من لا يرتاب في فصاحته.
فقرأ بها زيد بن ثابت، وأبو الدرداء وأبو جعفر، ومجاهد، ونصر بن علقمة، ومكحول، وزيد بن على، وأبو رجاء، والحسن، وحفص بن حُميد، ومحمد بن على، على خلاف عن بعض هؤلاء ذكر ذلك أبو الفتح ابن جنى. ثم وجهها بأن يكون "من أولياء" في موضع الحال: أي ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء. ودخلت "من" زائدة لمكان النفي. كقولك اتخذت زيدا وكيلا، فإذا نفيت قلت: ما اتخذت زيدا من وكيل. وكذلك أعطيته درهما وما أعطيته من درهم. وهذا في المفعول فيه.
قلت: يعني أن زيادتها مع الحال، كزيادتها مع المفعول.
ونظير ذلك أن تقول: ما ينبغي لي أن أخدمك متثاقلا، فإذا أكدت، قلت: من متثاقل.
فإن قيل: فقد صحت القراءتان لفظا ومعنى، فأيهما أحسن؟
قلت: قراءة الجمهور أحسن وأبلغ في المعنى المقصود والبراءة مما لا يليق بهم، فإنهم على قراءة الضم: يكونون قد نفوا حسن اتخاذ المشركين لهم أولياء، وعلى قراءة الجمهور: يكونون قد أخبروا أنهم لا يليق بهم، ولا يحسن منهم أن يتخذوا وليا من دونه، بل أنت وحدك ولينا ومعبودنا، فإذا لم يحسن بنا أن نشرك بك شيئا، فكيف يليق بنا أن ندعو عبادك إلى أن يعبدونا من دونك؟ وهذا المعنى أجل من الأول وأكبر، فتأمله.
والمقصود: أنه على القراءتين: فهذا الجواب من الملائكة ومن عبد من دون الله من أوليائه.
وأما كونه من الأصنام فليس بظاهر.
وقد يقال: إن الله سبحانه أنطقها بذلك، تكذيبا لهم، وردا عليهم، وبراءة منهم كقوله:
﴿إذْ تَبَرّاَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦].
وفي الآية الأخرى ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعُبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣].
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين الإيمان بالله تعالى: بقولهم:
﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءهم حَتّى نَسُوا الذِّكُرَ وكانْوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨].
قال ابن عباس: أطلت لهم العمر، وأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق.
وقال الفراء: ولكنك متعتهم بالأموال والأولاد، حتى نسوا ذكرك، وكانوا قوما بورا: أي هلكى فاسدين، قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. والبوار: الهلاك والفساد، يقال: بارت السلعة، وبارت المرأة، إذا كسدت ولم يحصل لها من يتزوجها.
قال قتادة: والله ما نسي قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا.
والمعنى: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا.
قال الله تعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بَما تَقُولْونَ﴾ [الفرقان: ١٩].
أي كذبكم المعبودون بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء، أو بما تقولون إنهم أمروكم بعبادتهم، ودعوكم إليها.
وقيل: الخطاب للمؤمنين في الدنيا: أي فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون بما تقولونه، مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن الله من التوحيد والإيمان والأول أظهر، وعليه يدل السياق.
ومن قرأها - آخر الحروف - فالمعنى، فقد كذبوكم بقولهم، ثم قال:
﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
إخبارا عن حالهم يومئذ، وأنهم لا يستطيعون صرف العذاب عن أنفسهم، ولا نصرها من الله.
قال ابن زيد: ينادي مناد يوم القيامة، حين يجمع الخلائق:
يقول: من عبد من دون الله، لا ينصر اليوم من عبده، والعابد لا ينصر إلهه:
﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦].
فهذا حال عباد الشيطان يوم لقاء الرحمن، فوا سوء حالهم حين امتيازهم عن المؤمنين إذا سمعوا النداء.
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ ألَمْ أعْهَدْ إٍلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لاَ تَعْبُدُوا الشّيْطانَ إنّهُ لَكم عَدُو مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جبِلا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٥٩-٦٢].
الفرقان 25:20
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾
وهذا عام في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم.
وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟ وامتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار ولكفار بالمؤمنين.
وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم، من أتباع الرسل، فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْراَ ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾
هؤلاء.
وقالوا لنوح عليه السلام: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣].
فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء؟
قال الزجاج: كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام، فيمتنع منه لئلا يقال أسلم قبله من هو دونه فيقيم على كفره لئلا يكون للمسلم السابقة عليه في الفضل.
ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة، أن الفقير يقول: لِمَ لَمْ أكن مثل الغني؟
ويقول الضعيف: هلا كنت مثل القوي؟
ويقول المبتلى، هلا كنت مثل المعافى؟
وقال الكفار: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نؤتى مِثْلَ ما أُوتِي رُسلُ اللهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
قال مقاتل: نزلت في افتتان المشركين بفقراء المهاجرين، نحو بلال، وخباب، وصهيب، وأبي ذر، وابن مسعود، وعمار، كان كفار قريش يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا؟
قال الله تعالى: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيق مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ فاتّخَذْتُموهم سِخْرِيا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بَما صَبَرُوا أنّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩-١١١].
فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠].
قال الزجاج: أي أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وجد الصابرون:
قلت: قرن الله سبحانه الفتنة بالصبر هاهنا، وفي قوله: ﴿ثُمَّ إنّ رَبّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا﴾ [النحل: ١١٠].
فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة.
فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتنّا الَّذِينَ مِن قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].
فالفتنة قسمت الناس، إلى صادقٍ وكاذبٍ ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ. فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها.
فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّار يفُتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هذا الّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٣،: ١٤].
فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَة لِلظّالِمينَ﴾ [الصافات: ٦٣].
قال قتادة: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿إنّها شَجَرَة تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤].
فأخبرهم أن غذاءها من النار، أي غذيت بالنار.
قال ابن قتيبة: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار، ومن جوهرٍ لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها، وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما يُعلم لم تبق على النار، وإنما دلَّنا الله تعالى على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة، وما في الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك.
والمقصود: أن هذه الشجرة فتنة لهم في الدنيا، بتكذيبهم بها، وفتنة لهم في الآخرة بأكلهم منها.
وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، كان فتنة للكفار، حيث قال عدو الله أبو جهل: أيخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم أفيعجز كل مائةٍ منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟
فقال أبو الأسد: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشى بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبى الأيمن، وتسعة بمنكبى الأيسر في النار، ونمضى فندخل الجنة.
فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم في الدنيا، وفتنة لهم يوم القيامة.
والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل المؤمنون ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال الحنفاء: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٤-٥].
وقال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنْةً لِلْقَوْمِ الظّالمِينَ﴾ [يونس: ٨٥].
قال مجاهد: المعنى، لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.
وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتنوا بذلك.
وقال الفراء: لا تظهر علينا الكفار، فيروا أنهم على حق وأنا على باطل.
وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم.
وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال:
﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾
فقال الله تعالى ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرين﴾.
والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك بهم، فكل من النوعين فتنة للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصح وإلا فبسبيل من هلك، ولهذا قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله سلم:
"ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ مِنَ النِّساءِ عَلى الرِّجالِ"
أو كما قال.
فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوي المزين، وقرنائه وما يراه، ويشاهده، مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلا في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به:
؎فَوَ اللهِ، لَوْلا اللهُ يُسْعِدُ عَبْدَهُ ∗∗∗ ِتَوْفِيقِه واللهُ بِالعَبْدِ أرْحَمُ
؎لما ثَبَتَ الإيمانُ يَوْماَ بِقَلْبِهِ ∗∗∗ عَلى هذِه العِلاّتِ، والأمْرُ أعْظَمُ
؎وَلا طاوَعَتْهُ النّفْسُ في تَرْكِ شَهْوَةٍ ∗∗∗ مَخافَةَ نارٍ جَمْرها يَتَضَرَّمُ
؎وَلا خافَ يَوْمًا منْ مَقامِ إلهِهِ ∗∗∗ عَلَيْهِ بحُكْمِ القِسْطِ، إذْ لَيْسَ يَظْلِمُ
الفرقان 25:30
(فائِدَة)
هجر القُرْآن أنْواع:
أحدها هجر سَماعه والإيمان بِهِ والإصغاء إلَيْهِ.
والثّانِي هجر العَمَل بِهِ والوُقُوف عند حَلاله وحَرامه وإن قَرَأهُ وآمن بِهِ.
والثّالِث هجر تحكيمه والتحاكم إلَيْهِ في أصُول الدّين وفروعه، واعتقاد أنه لا يُفِيد اليَقِين وأن أدلته لفظية لا تحصّل العلم.
والرّابِع هجر تدبّره وتفهّمه ومَعْرِفَة ما أرادَ المُتَكَلّم بِهِ مِنهُ.
والخامِس هجر الِاسْتِشْفاء والتداوي بِهِ في جَمِيع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شِفاء دائه من غَيره، ويهجر التَّداوِي بِهِ وكل هَذا داخل في قَوْله ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
وَإن كانَ بعض الهجر أهْون من بعض.
وَكَذَلِكَ الحرج الَّذِي في الصُّدُور مِنهُ فَإنَّهُ تارَة يكون حرجا من إنزاله وكَونه حَقًا من عند الله، وتارَة يكون من جِهَة التكلم بِهِ، أو كَونه مخلوقا من بعض مخلوقاته ألهم غَيره أن تكلم بِهِ، وتارَة يكون من جِهَة كِفايَته وعدمها وأنه لا يَكْفِي العباد بل هم محتاجون مَعَه إلى المعقولات والأقيسة أو الآراء أو السياسات، وتارَة يكون من جِهَة دلالَته وما أُرِيد بِهِ حقائقه المفهومة مِنهُ عند الخطاب، أو أُرِيد بِهِ تَأْوِيلها وإخراجها عَن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مُشْتَركَة، وتارَة يكون من جِهَة كَون تِلْكَ الحَقائِق وإن كانَت مُرادة فَهي ثابِتَة في نفس الأمر، أو أوهم أنَّها مُرادة لضرب المصلحَة، فَكل هَؤُلاءِ في صُدُورهمْ حرج من القُرْآن وهم يعلمُونَ ذَلِك من نُفُوسهم ويجدونه في صُدُورهمْ، ولا تَجِد مبتدعا في دينه قطّ إلّا وفي قلب حرج من الآيات الَّتِي تخالف بدعته كَما أنك لا تَجِد ظالِما فاجِرًا إلّا وفي صَدره حرج من الآيات الَّتِي تحول بَينه وبَين إرادَته.
فَتدبر هَذا المعْنى ثمَّ ارْض لنَفسك بِما تشاء.
الفرقان 25:43
(فصل: في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المنى)
الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح فالهوى مستحث لها لما يريده كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه فلا ينبغي ذم الهوى مطلقا ولا مدحه مطلقا كما أن الغضب لا يذم مطلقا ولا يحمد مطلقا وإنما يذم المفرط من النوعين وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة الضرر لأنه يندر من يقصد العدل في ذلك ويقف عنده كما أنه يندر في الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه بل لا بد من غلبة أحد الأخلاط والكيفيات عليه فحرص الناصح على تعديل قوى الشهوة والغضب من كل وجه وهذا أمر يتعذر وجوده إلا في حق أفراد من العالم فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه وكذلك في السنة لم يجئ إلا مذموما إلا ما جاء منه مقيدا كقوله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به وقد قيل الهوى كمين لا يؤمَن.
قال الشعبي وسمي هوى لأنه يهوي بصاحبه ومطلقه يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في العاقبة ويحث على نيل الشهوات عاجلا وإن كانت سببا لأعظم الآلام عاجلا وآجلا فللدنيا عاقبة قبل عاقبة الآخرة
والهوى يعمي صاحبه من ملاحظتها والمروءة والدين والعقل ينهى عن لذة تعقب ألما وشهوة تورث ندما فكل منها يقول للنفس إذا أرادت ذلك لا تفعلي والطاعة لمن غلب ألا ترى أن الطفل يؤثر ما يهوى وإن أداه إلى التلف لضعف ناهي العقل عنده ومن لا دين له يؤثر ما يهواه وإن أداه إلى هلاكه في الآخرة لضعف ناهي الدين ومن لا مروءة له يؤثر ما يهواه وإن ثلم مروءته أو عدمها لضعف ناهي المروءة فأين هذا من قول الشافعي رحمه الله تعالى لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته
ولما امتحن المكلف بالهوى من بين سائر البهائم وكان كل وقت تحدث عليه حوادث جعل فيه حاكمان حاكم العقل وحاكم الدين وأمر أن يرفع حوادث الهوى دائما إلى هذين الحاكمين وأن ينقاد لحكمهما وينبغي أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليتمرن بذلك على ترك ما تؤذي عواقبه وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بد لهم منه ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادرا في الأحيان غير أن العادة مقتضية ذلك فيلقي نفسه في المهالك لنيل ما تطالبه به العادة ولو زال عنه رين الهوى لعلم أنه قد شقي من حيث قدر السعادة واغتم من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد اللذة فهو كالطائر المخدوع بحبة القمح لا هو نال الحبة ولا هو تخلص مما وقع فيه.
فإن قيل فكيف يتخلص من هذا من قد وقع فيه؟
قيل يمكنه التخلص بعون الله وتوفيقه له بأمور:
أحدها عزيمة حر يغار لنفسه وعليها
الثاني جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة
الثالث قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة والشجاعة كلها صبر ساعة وخير عيش أدركه العبد بصبره
الرابع ملاحظته حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة
الخامس ملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه
السادس إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى وفي قلوب عباده وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى
السابع إيثاره لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية
الثامن فرحه بغلبة عدوه وقهره له ورده خاسئا بغيظه وغمه وهمه حيث لم ينل منه أمنيته والله تعالى يحب من عبده أن يراغم عدوه ويغيظه كما قال الله تعالى في كتابه العزيز ولا يطؤن موطئا يغبط الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح وقال ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ أي مكانا يراغم فيه أعداء الله وعلامة المحبة الصادقة مغايظة أعداء المحبوب ومراغمتهم
التاسع التفكر في أنه لم يخلق للهوى وإنما هيئ لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى كما قيل
؎قد هيأوك لأمر لو فطنت له ∗∗∗ فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
العاشر أن لا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيم أحسن حالا منه فإن الحيوان يميز بطبعه بين مواقع ما يضره وما ينفعه فيؤثر النافع على الضار والإنسان أعطي العقل لهذا المعنى فإذا لم يميز به بين ما يضره وما ينفعه أو عرف ذلك وآثر ما يضره كان حال الحيوان البهيم أحسن منه ويدل على ذلك أن البهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمنكح مالا يناله الإنسان مع عيش هنيء خال عن الفكر والهم ولهذا تساق إلى منحرها وهي منهمكة على شهواتها لفقدان العلم بالعواقب والآدمي لا يناله ما يناله الحيوان لقوة الفكر الشاغل وضعف الآلة المستعملة وغير ذلك فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس منه حق الآدمي الذي هو خلاصة العالم ووفر منه حظ البهائم وفي توفير حظ الآدمي من العقل والعلم والمعرفة عوض عن ذلك
الحادي عشر أن يسير بقلبه في عواقب الهوى فيتأمل كما أفاتت معصيته من فضيلة وكم أوقعت في رذيلة وكم أكلة منعت أكلات وكم من لذة فوتت لذات وكم من شهوة كسرت جاها ونكست رأسا وقبحت ذكرا وأورثت ذما وأعقبت ذلا وألزمت عارا لا يغسله الماء غير أن عين صاحب الهوى عمياء.
الثاني عشر أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن يهواه ثم يتصور حاله بعد قضاء الوطر وما فاته وما حصل له
؎فأفضل الناس من لم يرتكب سببا ∗∗∗ حتى يميز لما تجني عواقبه
الثالث عشر أن يتصور ذلك في حق غيره حق التصور ثم ينزل نفسه تلك المنزلة فحكم الشيء حكم نظيره
الرابع عشر أن يتفكر فيما تطالبه به نفسه من ذلك ويسأل عنه عقله ودينه يخبرانه بأنه ليس بشيء قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا أعجب أحدكم امرأة فليذكر مناتنها وهذا أحسن من قول أحمد بن الحسين
؎لو فكر العاشق في منتهى ∗∗∗ حسن الذي يسبيه لم يسبه
لأن ابن مسعود رضي الله عنه ذكر الحال الحاضرة الملازمة والشاعر حال على أمر متأخر
الخامس عشر أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى فإنه ما أطاع أحد هواه قط إلا وجد في نفسه ذلا ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم فهم أذل الناس بواطن قد أجمعوا بين فصيلتي الكبر والذل
السادس عشر أن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه ونيل اللذة المطلوبة فإنه لا يحد بينهما نسبة البتة فليعلم أنه من أسفه الناس ببيعه هذا بهذا.
السابع عشر أن يأنف لنفسه أن يكون تحت قهر عدوه فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعف عزيمة وهمة وميلا إلى هواه طمع فيه وصرعه وألجمه بلجام الهوى وساقه حيث أراد ومتى أحس منه بقوة عزم وشرف نفس وعلو همة لم يطمع فيه إلا اختلاسا وسرقة.
الثامن عشر أن يعلم أن الهوى ما خالط شيئا إلا أفسده فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة والضلالة وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء وإن وقع في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم وصده عن الحق وإن وقع في القسمة خرجت عن قسمة العدل إلى قسمة الجور وإن وقع في الولاية والعزل أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين حيث يولي بهواه ويعزل بهواه وإن وقع في العبادة خرجت عن أن تكون طاعة وقربة فما قارن شيئا إلا أفسده
التاسع عشر أن يعلم أن الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه فإنه يطيف به من أين يدخل عليه حتى يفسد عليه قلبه وأعماله فلا يجد مدخلا إلا من باب الهوى فيسري معه سريان السم في الأعضاء
العشرون أن الله سبحانه وتعالى جعل الهوى مضادا لما أنزله على رسوله وجعل اتباعه مقابلا لمتابعة رسله وقسم الناس إلى قسمين أتباع الوحي وأتباع الهوى وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ ونظائره.
الحادي والعشرون أن الله سبحانه وتعالى شبه أتباع الهوى بأخس الحيوانات صورة ومعنى فشبههم بالكلب تارة كقوله تعالى ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ وبالحمر تارة كقوله تعالى ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ وقلب صورهم إلى صورة القردة والخنازير تارة
الثاني والعشرون أن متبع الهوى ليس أهلا أن يطاع ولا يكون إماما ولا متبوعا فإن الله سبحانه وتعالى عزله عن الإمامة ونهى عن طاعته أما عزله فإن الله سبحانه وتعالى قال لخليله إبراهيم ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أي لا ينال عهدي بالإمامة ظالما وكل من اتبع هواه فهو ظالم كما قال الله تعالى ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وأما النهي عن طاعته فلقوله تعالى ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾
الثالث والعشرون أن الله سبحانه وتعالى جعل متبع الهوى بمنزلة عابد الوثن فقال تعالى ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ في موضعين من كتابه.
قال الحسن هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه وقال أيضا المنافق عبد هواه لا يهوى شيئا إلا فعله.
الرابع والعشرون أن الهوى هو حظار جهنم المحيط بها حولها فمن وقع فيه وقع فيها كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات
وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه "لما خلق الله الجنة أرسل إليها جبريل فقال انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فرجع إليه وقال وعزتك لا يسمع بها أحد من عبادك إلا دخلها فأمر بها فحجبت بالمكاره وقال ارجع إليها فانظر إليها فرجع فإذا هي قد حجبت بالمكاره فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع فانظر إليها فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالشهوات فرجع إليه فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد"
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
الخامس والعشرون أنه يخاف على من اتبع الهوى أن ينسلخ من الإيمان وهو لا يشعر وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:
"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"
وصح عنه أنه قال:
"أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى" السادس والعشرون أن اتباع الهوى من المهلكات قال ثلاث منجيات وثلاث مهلكات.
فأما المنجيات فتقوى الله عز وجل في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط والقصد في الغنى والفقر.
وأما المهلكات فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه
السابع والعشرون أن مخالفة الهوى تورث العبد قوة في بدنه وقلبه ولسانه قال بعض السلف الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده وفي الحديث الصحيح المرفوع
"ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"
وكلما تمرن على مخالفة هواه اكتسب قوة إلى قوته
الثامن والعشرون أن أغزر الناس مروءة أشدهم مخالفة لهواه قال معاوية المروءة ترك الشهوات وعصيان الهوى فاتباع الهوى يزمن المروءة ومخالفته تنعشها.
التاسع والعشرون أنه ما من يوم إلا والهوى والعقل يعتلجان في صاحبه فأيها قوي على صاحبه طرده وتحكم وكان الحكم له قال أبو الدرداء إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان هواه تبعا لعمله فيومه يوم صالح.
الثلاثون أن الله سبحانه وتعالى جعل الخطأ واتباع الهوى قرينين وجعل الصواب ومخالفة الهوى قرينين كما قال بعض السلف إذا أشكل عليك أمران لا تدري أيها أرشد فخالف أقربهما من هواك فإن أقرب ما يكون الخطأ في متابعة الهوى
الحادي والثلاثون أن الهوى داء ودواؤه مخالفته قال بعض العارفين إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك داؤك هواك ودواؤك ترك هواك ومخالفته
وقال بشر الحافي رحمه الله تعالى البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه
الثاني والثلاثون أن جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه قال رجل للحسن البصري رحمه الله تعالى يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل قال جهادك هواك وسمعت شيخنا يقول جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولا حتى يخرج إليهم.
الثالث والثلاثون أن الهوى تخليط ومخالفته حمية ويخاف على من أفرط في التخليط وجانب الحمية أن يصرعه داؤه قال عبد الملك بن قريب مررت بأعرابي به رمد شديد ودموعه تسيل على خديه فقلت ألا تمسح عينيك قال نهاني الطبيب عن ذلك ولا خير فيمن إذا زجر لا ينزجر وإذا أمر لا يأتمر فقلت ألا تشتهي شيئا فقال بلى ولكني أحتمي إن أهل النار غلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا
الرابع والثلاثون أن اتباع الهوى يغلق عن العبد أبواب التوفيق ويفتح عليه أبواب الخذلان فتراه يلهج بأن الله لو وفق لكان كذا وكذا وقد سد على نفسه طرق التوفيق باتباعه هواه قال الفضيل ابن عياض من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق
وقال بعض العلماء الكفر في أربعة أشياء في الغضب والشهوة والرغبة والرهبة ثم قال رأيت منهن اثنتين رجلا غضب فقتل أمه ورجلا عشق فتنصر وكان بعض السلف يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة فمشى إلى جانبها ثم قال
؎أهوى هوى الدين واللذات تعجبني ∗∗∗ فكيف لي بهوى اللذات والدين
فقالت دع أحدهما تنل الآخر.
الخامس والثلاثون أن من نصر هواه فسد عليه عقله ورأيه لأنه قد خان الله في عقله فأفسده عليه وهذا شأنه سبحانه وتعالى في كل من خانه في أمر من الأمور فإنه يفسده عليه
وقال المعتصم يوما لبعض أصحابه يا فلان إذا نصر الهوى ذهب الرأي وسمعت رجلا يقول لشيخنا إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد أو قال نسيه فقال الشيخ هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم
السادس والثلاثون أن من فسح لنفسه في اتباع الهوى ضيق عليها في قبره ويوم معاده، ومن ضيق عليها بمخالفة الهوى وسع عليها في قبره ومعاده، وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله تعالى ﴿وَجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾
فلما كان في الصبر الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق جازاهم على ذلك نعومة الحرير وسعة الجنة
وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى في هذه الآية جزاهم بما صبروا عن الشهوات.
السابع والثلاثون أن اتباع الهوى يصرع العبد عن النهوض يوم القيامة عن السعي مع الناجين كما صرع قلبه في الدنيا عن مرافقتهم قال محمد بن أبي الورد إن لله عز وجل يوما لا ينجو من شره منقاد لهواه وإن أبطأ الصرعى نهضة يوم القيامة صريع شهوته وإن العقول لما جرت في ميادين الطلب كان أوفرها حظا من يطالبها بقدر ما صحبه من الصبر والعقل معدن والفكر معول.
الثامن والثلاثون أن اتباع الهوى يحل العزائم ويوهنها ومخالفته تشدها وتقويها والعزائم هي مركب العبد الذي يسيره إلى الله والدار الآخرة فمتى تعطل المركوب أوشك أن ينقطع المسافر قيل ليحيى بن معاذ من أصح الناس عزما قال الغالب لهواه ودخل خلف بن خليفة على سليمان بن حبيب بن المهلب وعنده جارية يقال لها البدر من أحسن الناس وجها فقال له سليمان كيف ترى هذه الجارية فقال أصلح الله الأمير ما رأت عيناي أحسن منها قط فقال له خذ بيدها فقال ما كنت لأفجع الأمير بها وقد رأيت شدة عجبه بها فقال ويحك خذها على شدة عجبي بها ليعلم هواي أني له غالب وأخذ بيدها وخرج وهو يقول
؎لقد حباني وأعطاني وفضلني ∗∗∗ عن غير مسألة منه سليمان
؎أعطاني البدر خودا في محاسنها ∗∗∗ والبدر لم يعطه إنس ولا جان
؎ولست يوما بناس فضله أبدا ∗∗∗ حتى يغيبني لحد وأكفان
التاسع والثلاثون أن مثل راكب الهوى كمثل راكب فرس حديد صعب جموح لا لجام له فيوشك أن يصرعه فرسه في خلال جريه به أو يسير به إلى مهلك قال بعض العارفين أسرع المطايا إلى الجنة الزهد في الدنيا وأسرع المطايا إلى النار حب الشهوات ومن استوى على متن هواه أسرع به إلى وادي الهلكات وقال آخر أشرف العلماء من هرب بدينه من الدنيا واستصعب قياده على الهوى وقال عطاء من غلب هواه عقله وجزعه صبره افتضح.
الأربعون أن التوحيد واتباع الهوى متضادان فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه بحسب هواه وإنما بعث الله رسله بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له وليس مراد الله سبحانه كسر الأصنام المجسدة وترك الأصنام التي في القلب بل المراد كسرها من القلب أولا قال الحسن بن علي المطوعي صنم كل إنسان هواه فمن كسره بالمخالفة استحق اسم الفتوة.
وتأمل قول الخليل لقومه ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ كيف تجده مطابقا للتمائيل التي يهواها القلب ويعكف عليها ويعبدها من دون الله قال الله تعالى ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾
الحادي والأربعون أن مخالفة الهوى مطردة للداء عن القلب والبدن ومتابعته مجلبة لداء القلب والبدن فأمراض القلب كلها من متابعة الهوى ولو فتشت على أمراض البدن لرأيت غالبها من إيثار الهوى على ما ينبغي تركه
الثاني والأربعون أن أصل العداوة والشر والحسد الواقع بين الناس من اتباع الهوى فمن خالف هواه أراح قلبه وبدنه وجوارحه فاستراح وأراح قال أبو بكر الوراق إذا غلب الهوى أظلم القلب وإذا أظلم ضاق الصدر وإذا ضاق الصدر ساء الخلق وإذا ساء الخلق أبغضه الخلق وأبغضهم فانظر ماذا يتولد من التباغض من الشر والعداوة وترك الحقوق وغيرها
الثالث والأربعون أن الله سبحانه وتعالى جعل في العبد هوى وعقلا فأيهما ظهر توارى الآخر كما قال أبو علي الثقفي من غلبه هواه توارى عنه عقله فانظر عاقبة من استتر عنه عقله وظهر عليه خلافه وقال علي بن سهل رحمه الله العقل والهوى يتنازعان فالتوفيق قرين العقل والخذلان قرين الهوى والنفس واقفة بينهما فأيهما غلب كانت النفس معه.
الرابع والأربعون أن الله سبحانه وتعالى جعل القلب ملك الجوارح ومعدن معرفته ومحبته وعبوديته وامتحنه بسلطانين وجيشين وعونين وعدتين فالحق والزهد والهدى سلطان وأعوانه الملائكة وجيشه الصدق والإخلاص ومجانبة الهوى والباطل سلطان وأعوانه الشياطين وجنده وعدته اتباع الهوى والنفس واقفة بين الجيشين ولا يقدم جيش الباطل على القلب إلا من ثغرتها وناحيتها فهي تخامر على القلب وتصير مع عدوه عليه فتكون الدائرة عليه فهي التي تعطي عدوها عدة من قبلها وتفتح له باب المدينة فيدخل ويتملك ويقع الخذلان على القلب.
الخامس والأربعون أن أعدى عدو للمرء شيطانه وهواه وأصدق صديق له عقله والملك الناصح له فإذا اتبع هواه أعطي بيده لعدوه واستأسر له وأشمته به وساء صديقه ووليه وهذا هو بعينه هو جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء
السادس والأربعون أن لكل عبد بداية ونهاية فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه بل يصير له ذلك في نهايته عذابا يعذب به في قلبه كما قال القائل
؎مآرب كانت في الشباب لأهلها ∗∗∗ عذابا فصارت في المشيب عذابا
فلو تأملت حال كل ذي حال سيئة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره على عقله ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس قال أبو علي الدقاق من ملك شهوته في حال شبيبته أعزه الله تعالى في حال كهولته وقيل للمهلب بن أبي صفرة بم نلت ما نلت قال بطاعة الحزم وعصيان الهوى فهذا في بداية الدنيا ونهايتها وأما الآخرة فقد جعل الله سبحانه الجنة نهاية من خالف هواه والنار نهاية من اتبع هواه
السابع والأربعون أن الهوى رق في القلب وغل في العنق وقيد في الرجل ومتابعه أسير لكل سيء الملكة فمن خالفه عتق من رقه وصار حرا وخلع الغل من عنقه والقيد من رجله وصار بمنزلة رجل سالم لرجل بعد أن كان رجلا فيه شركاء متشاكسون
؎رب مستور سبته شهوة ∗∗∗ فتعرى ستره فانهتكا
؎صاحب الشهوة عبد فإذا ∗∗∗ غلب الشهوة أضحى ملكا
وقال ابن المبارك
؎ومن البلاء وللبلاء علامة ∗∗∗ أن لا يرى لك عن هواك نزوع
؎العبد عبد النفس في شهواتها ∗∗∗ والحر يشبع تارة ويجوع
الثامن والأربعون أن مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبره فيقضي له من الحوائج أضعاف أضعاف ما فاته من هواه فهو كمن رغب عن بعرة فأعطي عوضها درة ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة والعيش الهنيء مالا نسبة لما ظفر به من هواه ألبتة.
فتأمل انبساط يد يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام ولسانه وقدمه ونفسه بعد خروجه من السجن لما قبض نفسه عن الحرام.
وقال عبد الرحمن بن مهدي رأيت سفيان الثوري رحمه الله تعالى في المنام فقلت له ما فعل الله بك قال لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى فحاسبني حسابا يسيرا ثم أمر بي إلى الجنة فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حسا ولا حركة إذ سمعت قائلا يقول سفيان بن سعيد فقلت سفيان بن سعيد فقال تحفظ أنك آثرت الله عز وجل على هواك يوما قلت إي والله فأخذني النثار من كل جانب
وقال عبد الرزاق بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة وقال إن رأتم سفيان فاصلبوه فجاءوا ونصبوا الخشب وطلب ورأسه في حجر الفضيل فقال له أصحابه اتق الله عز وجل ولا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى الأستار ثم أخذها بيده وقال برئت منه إن دخلها أبو جعفر فمات قبل أن يدخل مكة فتأمل عاقبة مخالفة الهوى كيف أقامه في هذا المقام
التاسع والأربعون أن مخالفة الهوى توجب شرف الدنيا وشرف الآخرة وعز الظاهر وعز الباطن ومتابعته تضع العبد في الدنيا والآخرة وتذله في الظاهر وفي الباطن وإذا جمع الله الناس في صعيد واحد نادى مناد ليعلمن أهل الجمع من أهل الكرم اليوم ألا ليقم المتقون فيقومون إلى محل الكرامة وأتباع الهوى ناكسو رؤسهم في الموقف في حر الهوى وعرقه وألمه وأولئك في ظل العرش.
الخمسون أنك إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى فإن الإمام المسلط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه والشاب المؤثر لعبادة الله على داعي شبابه لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك والرجل الذي قلبه معلق بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة الهوى الداعي له إلى أماكن اللذات والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه لم يقدر على ذلك والذي دعته المرأة الجميلة الشريفة فخاف الله عز وجل وخالف هواه والذي ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه من خشيته إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيل عليهم يوم القيامة وأصحاب الهوى قد بلغ منهم الحر والعرق كل مبلغ وهم ينتظرون بعد هذا دخول سجن الهوى فالله سبحانه وتعالى المسؤول أن يعيذنا من أهواء نفوسنا الأمارة بالسوء وأن يجعل هوانا تبعا لما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
الفرقان 25:44
الحَواسُّ الخَمْسُ لَها أشْباحٌ وأرْواحٌ، وأرْواحُها حَظُّ القَلْبِ ونَصِيبُهُ مِنها.
فَمِنَ النّاسِ: مَن لَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنها نَصِيبٌ إلّا كَنَصِيبِ الحَيَواناتِ البَهِيمِيَّةِ مِنها. فَهو بِمَنزِلَتِها. وبَيْنَهُ وبَيْنَها أوَّلُ دَرَجَةِ الإنْسانِيَّةِ. ولِهَذا شَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أُولَئِكَ بِالأنْعامِ. بَلْ جَعَلَهم أضَلَّ. فَقالَ تَعالى ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]
وَلِهَذا نَفى اللَّهُ عَنِ الكُفّارِ السَّمْعَ والبَصَرَ والعُقُولَ.
إمّا لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها. فَنُزِّلَتْ مَنزِلَةَ المَعْدُومِ.
وَإمّا لِأنَّ النَّفْيَ تَوَجَّهَ إلى أسْماعِ قُلُوبِهِمْ وأبْصارِها، وإدْراكِها.
وَلِهَذا يَظْهَرُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ انْكِشافِ حَقائِقِ الأُمُورِ. كَقَوْلِ أصْحابِ السَّعِيرِ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
(لطيفة)
قال أبو جعفر الباقر: والله ما اقتصر على تشبيههم بالأنعام حتى جعلهم أضل سبيلا منها.
(فصل)
شَبَّهَ أكْثَرَ النّاسِ بِالأنْعامِ، والجامِعُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ التَّساوِي في عَدَمِ قَبُولِ الهُدى والِانْقِيادِ لَهُ، وجَعَلَ الأكْثَرِينَ أضَلَّ سَبِيلًا مِن الأنْعامِ؛ لِأنَّ البَهِيمَةَ يَهْدِيها سائِقُها فَتَهْتَدِي وتَتْبَعُ الطَّرِيقَ، فَلا تَحِيدُ عَنْها يَمِينًا ولا شِمالًا، والأكْثَرُونَ يَدْعُوهم الرُّسُلُ ويُهْدُونَهم السَّبِيلَ فَلا يَسْتَجِيبُونَ ولا يَهْتَدُونَ ولا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما يَضُرُّهم وبَيْنَ ما يَنْفَعُهُمْ، والأنْعامُ تُفَرِّقُ بَيْنَ ما يَضُرُّها مِن النَّباتِ والطَّرِيقِ فَتَجْتَنِبُهُ وما يَنْفَعُها فَتُؤْثِرُهُ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ لِلْأنْعامِ قُلُوبًا تَعْقِلُ بِها، ولا ألْسِنَةً تَنْطِقُ بِها، وأعْطى ذَلِكَ لِهَؤُلاءِ ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جَعَلَ لَهم مِن العُقُولِ والقُلُوبِ والألْسِنَةِ والأسْماعِ والأبْصارِ، فَهم أضَلُّ مِن البَهائِمِ، فَإنَّ مَن لا يَهْتَدِي إلى الرُّشْدِ وإلى الطَّرِيقِ مَعَ الدَّلِيلِ إلَيْهِ أضَلُّ وأسْوَأُ حالًا مِمَّنْ لا يَهْتَدِي حَيْثُ لا دَلِيلَ مَعَهُ.
الفرقان 25:45
ومعنى الآية: التنبيه على هذه الدلالة الباهرة على قدرة الرب سبحانه وعجائب مخلوقاته الدالة عليه، والمعنى انظر كيف بسط ربك الظل، والظل ما قبل الزوال، والفيء بعده، فمده سبحانه وبسطه عند طلوع الشمس فإنه يكون مديدًا أطول ما يكون، وجعل الشمس دليلًا عليه فإنها هي التي تظهره وتبينه، ثم كلما ارتفعت الشمس شيئًا انقبض من الظل جزء، فلا يزال ينقص يسيرًا يسيرًا، حتى ينتهي إلى غايته، فإذا أخذت الشمس في الجانب الغربي انبسط بعد انقباضه شيئًا فشيئًا، حتى يصير كهيئته عند طلوعها.
ولهذا كان الزوال يعرف بانتهاءِ الظل في قصره، فإذا أخذ في الزيادة بعد تناهى قصره فقد تحقق الزوال، ولو شاءَ الله لجعله ساكنًا دائمًا على حالة واحدة فلا يتحرك بالزيادة والنقصان، فالظل أحد الأدلة على الخالق سبحانه.
(فصل)
أخبر تعالى أنه بسط الظل ومدّه، وأنه جعله متحركا تبعا لحركة الشمس، ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك، إما بسكون المظهر له والدليل عليه، وإما بسبب آخر.
ثم أخبر أنه قبضه بعد بسطه قبضا يسيرا وهو شيء بعد شيء، لم يقبضه جملة.
فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته وكمال حكمته.
فندب سبحانه إلى رؤية صنعته وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته. ولو شاء ربنا لجعله لاصقا بأصل ما هو ظل له، من جبل وبناء وشجر وغيره، فلم ينتفع به أهله، فإن كمال الانتفاع به تابع لمده وبسطه وتحوله من مكان إلى مكان.
وفي مده وبسطه، ثم قبضه شيئا فشيئا: من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا يحصى.
فلو كان ساكنا دائما، أو قبض دفعة واحدة، لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس، فمدّ الظل وقبضه شيئا فشيئا لازم لحركة الشمس على ما قدرت عليه من مصالح العالم.
وفي دلالة الشمس على الظلال: ما تعرف به أوقات الصلوات، وما مضى من اليوم، وما بقي منه.
وفي تحركه وانتقاله: ما يبرد ما أصابه حر الشمس، وينفع الحيوانات والشجر والنبات، فهو من الآيات الدالة عليه.
وفي الآية وجه آخر: وهو أنه سبحانه مدّ الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة، ودحا الأرض من تحتها، فألقت القبة ظلها عليها.
فلو شاء سبحانه لجعله ساكنا مستقرا في تلك الحال. ثم خلق الشمس ونصبها دليلا على ذلك الظل، فهو يتبعها في حركتها، يزيد بها، وينقص، ويمتد ويقلص. فهو تابع لها تبعية المدلول لدليله.
وفيها وجه آخر: وهو أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام التي تلقي الظلال، فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه.
وقوله: قَبَضْناهُ إلَيْنا كأنه يشعر بذلك.
وقوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يشبه قوله: ﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿قَبَضْناهُ﴾ بصيغة الماضي لا ينافي ذلك، كقوله تعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾
والوجه في الآية: هو الأول.
[فَصْلُ: المُعايَنَةِ]
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: (بابُ المُعايَنَةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥].
قُلْتُ: المُعايَنَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ العِيانِ، وأصْلُها مِنَ الرُّؤْيَةِ بِالعَيْنِ، يُقالُ: عايَنَهُ إذا وقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: شافَهَهُ إذا كَلَّمَهُ شِفاهًا، وواجَهَهُ إذا قابَلَهُ بِوَجْهِهِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ في هَذِهِ الدّارِ أنْ يَظْفَرَ بِهِ بَشَرٌ.
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] فالرُّؤْيَةُ واقِعَةٌ عَلى نَفْسِ مَدِّ الظِّلِّ، لا عَلى الَّذِي مَدَّهُ سُبْحانَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١] فَهاهُنا أوْقَعَ الرُّؤْيَةَ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] أوْقَعَها في اللَّفْظِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ: فِعْلُهُ مِن مَدِّ الظِّلِّ، هَذا كَلامٌ عَرَبِيٌّ بَيِّنٌ مَعْناهُ، غَيْرُ مُحْتَمَلٍ ولا مُجْمَلٍ، كَما قِيلَ في العُزّى:
؎كُفْرانَكَ اليَوْمَ لا سُبْحانَكَ ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكَ
وَهُوَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، يَقُولُونَ: رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ فَعَلَ كَذا وكَذا، والمُرادُ رَأيْتُ فِعْلَهُ، فالعِيانُ والرُّؤْيَةُ: واقِعٌ عَلى المَفْعُولِ لا عَلى ذاتِ الفاعِلِ وصِفَتِهِ ولا فِعْلِهِ القائِمِ بِهِ.
[فَصْلٌ: أنْواعُ المُعايَنَةِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: المُعايَنَةُ ثَلاثٌ. إحْداها: مُعايَنَةُ الأبْصارِ. الثّانِيَةُ: مُعايَنَةُ عَيْنِ القَلْبِ، وهي مَعْرِفَةُ عَيْنِ الشَّيْءِ عَلى نَعْتِهِ، عِلْمًا يَقْطَعُ الرَّيْبَةَ، ولا تَشُوبُهُ حَيْرَةٌ. الثّالِثَةُ: مُعايَنَةُ عَيْنِ الرُّوحِ، وهي الَّتِي تُعايِنُ الحَقَّ عِيانًا مَحْضًا، والأرْواحُ إنَّما طَهُرَتْ وأُكْرِمَتْ بِالبَقاءِ لِتُعايِنَ سَنا الحَضْرَةِ، وتُشاهِدَ بَهاءَ العِزَّةِ، وتَجْذِبَ القُلُوبَ إلى فِناءِ الحَضْرَةِ.
جَعَلَ الشَّيْخُ المُعايَنَةَ لِلْعَيْنِ والقَلْبِ والرُّوحِ، وجَعَلَ لِكُلِّ مُعايَنَةٍ مِنها حُكْمًا.
فَمُعايَنَةُ العَيْنِ: هي رُؤْيَةُ الشَّيْءِ عِيانًا، إمّا بِانْطِباعِ صُورَةِ المَرْئِيِّ في القُوَّةِ الباصِرَةِ، عِنْدَ أصْحابِ الِانْطِباعِ، وإمّا بِاتِّصالِ الشُّعاعِ المُنْبَسِطِ مِنَ العَيْنِ المُتَّصِلِ بِالمَرْئِيِّ، عِنْدَ أصْحابِ الشُّعاعِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ والإضافَةِ الخاصَّةِ بَيْنَ العَيْنِ وبَيْنَ المَرْئِيِّ، عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، والأقْوالُ الثَّلاثَةُ لا تَخْلُو عَنْ خَطَأٍ وصَوابٍ، والحَقُّ شَيْءٌ غَيْرُها، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ في العَيْنِ قُوَّةً باصِرَةً، كَما جَعَلَ في الأُذُنِ قُوَّةً سامِعَةً، وفي الأنْفِ قُوَّةً شامَّةً، وفي اللِّسانِ قُوَّةً ناطِقَةً وقُوَّةً ذائِقَةً، فَهَذِهِ قُوًى أوْدَعَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الأعْضاءِ، وجَعَلَ بَيْنَها وبَيْنَها رابِطَةً، وجَعَلَ لَها أسْبابًا مِن خارِجٍ، ومَوانِعَ تَمْنَعُ حُكْمَها، وكُلُّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ انْطِباعٍ، ومُقابَلَةٍ، وشُعاعٍ، ونِسْبَةٍ، وإضافَةٍ: فَهو سَبَبٌ وشَرْطٌ، والمُقْتَضى هو القُوَّةُ القائِمَةُ بِالمَحَلِّ، ولَيْسَ الغَرَضُ ذِكْرَ هَذِهِ المَسْألَةِ، فالمَقْصُودُ أمْرٌ آخَرُ.
وَأمّا مُعايَنَةُ القَلْبِ: فَهي انْكِشافُ صُورَةِ المَعْلُومِ لَهُ، بِحَيْثُ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلى القَلْبِ كَنِسْبَةِ المَرْئِيِّ إلى العَيْنِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ القَلْبَ يُبْصِرُ ويَعْمى، كَما تُبْصِرُ العَيْنُ وكَما تَعْمى، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فالقَلْبُ يَرى ويَسْمَعُ، ويَعْمى ويَصِمُّ، وعَماهُ وصَمَمُهُ أبْلَغُ مِن عَمى البَصَرِ وصَمَمِهِ.
وَأمّا ما يُثْبِتُهُ مُتَأخِّرُو القَوْمِ مِن هَذا القِسْمِ الثّالِثِ وهو رُؤْيَةُ الرُّوحِ، وسَمْعُها وإرادَتُها، وأحْكامُها، الَّتِي هي أخَصُّ مِن أحْكامِ القَلْبِ فَهَؤُلاءِ اعْتِقادُهم أنَّ الرُّوحَ غَيْرُ النَّفْسِ والقَلْبِ.
وَلا رَيْبَ أنَّ هاهُنا أُمُورًا مَعْلُومَةً، وهِيَ: البَدَنُ، ورُوحُهُ القائِمُ بِهِ، والقَلْبُ المُشاهَدُ فِيهِ، وفي سائِرِ الحَيَوانِ والغَرِيزَةِ، وهي القُوَّةُ العاقِلَةُ الَّتِي مَحَلُّها القَلْبُ، ونِسْبَتُها إلى القَلْبِ كَنِسْبَةِ القُوَّةِ الباصِرَةِ إلى العَيْنِ، والقُوَّةِ السّامِعَةِ إلى الأُذُنِ، ولِهَذا تُسَمّى تِلْكَ القُوَّةُ قَلْبًا، كَما تُسَمّى القُوَّةُ الباصِرَةُ بَصَرًا، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ولَمْ يُرِدْ شَكْلَ القَلْبِ، فَإنَّهُ لِكُلِّ أحَدٍ، وإنَّما أرادَ القُوَّةَ والغَرِيزَةَ المُودَعَةَ فِيهِ.
والرُّوحُ: هي الحامِلَةُ لِلْبَدَنِ، ولِهَذِهِ القُوى كُلِّها، فَلا قِوامَ لِلْبَدَنِ ولا لِقُواهُ إلّا بِها، ولَها بِاعْتِبارِ إضافَتِها إلى كُلِّ مَحَلٍّ حُكْمٌ واسْمٌ يَخُصُّها هُناكَ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى مَحَلِّ البَصَرِ سُمِّيَتْ بَصَرًا، وكانَ لَها حُكْمٌ يَخُصُّها هُناكَ، وإذا أُضِيفَتْ إلى مَحَلِّ السَّمْعِ سُمِّيَتْ سَمْعًا، وكانَ لَها حُكْمٌ يَخُصُّها هُناكَ، وإذا أُضِيفَتْ إلى مَحَلِّ العَقْلِ وهو القَلْبُ سُمِّيَتْ قَلْبًا، ولَها حُكْمٌ يَخُصُّها هُناكَ، هي في ذَلِكَ كُلِّهِ رُوحٌ.
فالقُوَّةُ الباصِرَةُ والعاقِلَةُ والسّامِعَةُ والنّاطِقَةُ رُوحٌ باصِرَةٌ وسامِعَةٌ وعاقِلَةٌ وناطِقَةٌ، فَهي في الحَقِيقَةِ هَذا العاقِلُ، الفاهِمُ المُدْرِكُ، المُحِبُّ العارِفُ، المُحَرِّكُ لِلْبَدَنِ الَّذِي هو مَحِلُّ الخِطابِ والأمْرِ والنَّهْيِ هو شَيْءٌ واحِدٌ لَهُ صِفاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، فَإنَّهُ يُسَمّى نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً ونَفْسًا لَوّامَةً، ونَفْسًا أمّارَةً، ولَيْسَ هو ثَلاثَةُ أنْفُسٍ بِالذّاتِ والحَقِيقَةِ، ولَكِنْ هو نَفْسٌ واحِدَةٌ لَها صِفاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَهم يُشِيرُونَ بِالنَّفْسِ إلى الأخْلاقِ والصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ لَهُ نَفْسٌ، وفُلانٌ لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ فارَقَتْهُ نَفْسُهُ لَماتَ، ولَكِنْ يُرِيدُونَ تَجَرُّدَهُ عَنْ صِفاتِ النَّفْسِ المَذْمُومَةِ.
والمُحَقِّقُونَ مِنهم يَقُولُونَ: إنَّ النَّفْسَ إذا تَلَطَّفَتْ وفارَقَتِ الرَّذائِلَ صارَتْ رُوحًا، ومَعْلُومٌ أنَّها لَمْ تُعْدَمْ، ويُخْلَقُ لَهُ مَكانَها رُوحٌ لَمْ تَكُنْ، ولَكِنْ عُدِمَتْ مِنها الصِّفاتُ المَذْمُومَةُ، وصارَتْ مَكانَها الصِّفاتُ المَحْمُودَةُ، فَسُمِّيَتْ رُوحًا.
وَهَذا اصْطِلاحٌ مُجَرَّدٌ، وإلّا فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَمّاها نَفْسًا في القُرْآنِ في جَمِيعِ أحْوالِها أمّارَةً، ولَوّامَةً، ومُطْمَئِنَّةً قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ أنْفُسِ العِبادِ حَتّى الأنْبِياءِ، وسَمّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُوحًا عَلى الإطْلاقِ مُؤْمِنَةً كانَتْ أوْ كافِرَةً، بَرَّةً أوْ فاجِرَةً كَقَوْلِهِ: «إنَّ الرُّوحَ إذا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ»، وقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْواحَنا حَيْثُ شاءَ، ورَدَّها حَيْثُ شاءَ»، وقَوْلِهِ: ﷺ في حَدِيثِ قَبْضِ الرُّوحِ وصِفَتِهِ إنْ كانَ مُؤْمِنًا كانَ كَذا وكَذا، وإنْ كانَ كافِرًا كانَ كَذا وكَذا فَسَمّى المَقْبُوضَ رُوحًا كَما سَمّاهُ اللَّهُ في كِتابِهِ نَفْسًا وهَذا المَقْبُوضُ والمُتَوَفّى شَيْءٌ واحِدٌ، لا ثَلاثَةٌ ولا اثْنانِ، وإذا قُبِضَ تَبِعَتْهُ القُوى كُلُّها العَقْلُ، وما دُونَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ حامِلَ الجَمِيعِ ومَرْكَبِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا، فالمُعايَنَةُ نَوْعانِ: مُعايَنَةُ بَصَرٍ، ومُعايَنَةُ بَصِيرَةٍ، فَمُعايَنَةُ البَصَرِ: وُقُوعُهُ عَلى نَفْسِ المَرْئِيِّ، أوْ مِثالِهِ الخارِجِيِّ، كَرُؤْيَةِ مِثالِ الصُّورَةِ في المِرْآةِ والماءِ، ومُعايَنَةُ البَصِيرَةِ: وُقُوعُ القُوَّةِ العاقِلَةِ عَلى المِثالِ العِلْمِيِّ المُطابِقِ لِلْخارِجِيِّ، فَيَكُونُ إدْراكُهُ لَهُ بِمَنزِلَةِ إدْراكِ العَيْنِ لِلصُّورَةِ الخارِجِيَّةِ، وقَدْ يَقْوى سُلْطانُ هَذا الإدْراكِ الباطِنِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ الحُكْمُ لَهُ، ويَقْوى اسْتِحْضارُ القُوَّةِ العاقِلَةِ لِمُدْرِكِها، بِحَيْثُ يَسْتَغْرِقُ فِيهِ، فَيَغْلِبُ حُكْمُ القَلْبِ عَلى حُكْمِ الحِسِّ والمُشاهَدَةِ، فَيَسْتَوْلِي عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ، بِحَيْثُ يَراهُ، ويَسْمَعُ خِطابَهُ في الخارِجِ، وهو في النَّفْسِ والذِّهْنِ، لَكِنْ لِغَلَبَةِ الشُّهُودِ، وقُوَّةِ الِاسْتِحْضارِ، وتَمَكُّنِ حُكْمِ القَلْبِ واسْتِيلائِهِ عَلى القُوى، صارَ كَأنَّهُ مَرْئِيٌّ بِالعَيْنِ، مَسْمُوعٌ بِالأُذُنِ، بِحَيْثُ لا يَشُكُّ المُدْرِكُ ولا يَرْتابُ في ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، ولا يَقْبَلُ عَذْلًا.
وَحَقِيقَةُ الأمْرِ: أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ شَواهِدُ وأمْثِلَةٌ عِلْمِيَّةٌ تابِعَةٌ لِلْمُعْتَقِدِ، فَذَلِكَ الَّذِي أدْرَكَ بِعَيْنِ القَلْبِ والرُّوحِ، إنَّما هو شاهِدٌ دالٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، ولَيْسَ هو نَفْسُ الحَقِيقَةِ، فَإنَّ شاهِدَ نُورِ جَلالِ الذّاتِ في قَلْبِ العَبْدِ لَيْسَ هو نَفْسُ نُورِ الذّاتِ الَّذِي لا تَقُومُ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، فَإنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَها لَتَدَكْدَكَتْ، ولَأصابَها ما أصابَ الجَبَلَ، وكَذَلِكَ شاهِدُ نُورِ العَظَمَةِ في القَلْبِ، إنَّما هو نُورُ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، لا نُورُ نَفْسِ المُعَظَّمِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ.
وَلَيْسَ مَعَ القَوْمِ إلّا الشَّواهِدُ، والأمْثِلَةُ العِلْمِيَّةُ، والرَّقائِقُ الَّتِي هي ثَمَرَةُ قُرْبِ القَلْبِ مِنَ الرَّبِّ، وأُنْسِهِ بِهِ، واسْتِغْراقِهِ في مَحَبَّتِهِ وذِكْرِهِ، واسْتِيلاءِ سُلْطانِ مَعْرِفَتِهِ عَلَيْهِ، والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنِ اطِّلاعِ البَشَرِ عَلى ذاتِهِ، أوْ أنْوارِ ذاتِهِ، أوْ صِفاتِهِ، أوْ أنْوارِ صِفاتِهِ، وإنَّما هي الشَّواهِدُ الَّتِي تَقُومُ بِقَلْبِ العَبْدِ، كَما يَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الآخِرَةِ والجَنَّةِ والنّارِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهْلِهِما.
وَهَذا هو الَّذِي وجَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرامٍ الأنْصارِيُّ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ! إنِّي أجِدُ واللَّهِ رِيحَها دُونَ أُحُدٍ. ومِن هَذا قَوْلُهُ ﷺ «إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا قالُوا: وما رِياضُ الجَنَّةِ؟ قالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ»، ومِنهُ قَوْلُهُ: «ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ» فَهو رَوْضَةٌ لِأهْلِ العِلْمِ والإيمانِ، لِما يَقُومُ بِقُلُوبِهِمْ مِن شَواهِدِ الجَنَّةِ، حَتّى كَأنَّها لَهم رَأْيُ عَيْنٍ، وإذا قَعَدَ المُنافِقُ هُناكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ المَكانُ في حَقِّهِ رَوْضَةً مِن رِياضِ الجَنَّةِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ ﷺ «الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ».
فالعَمَلُ: إنَّما هو عَلى الشَّواهِدِ، وعَلى حَسَبِ شاهِدِ العَبْدِ يَكُونُ عَمَلُهُ.
وَنَحْنُ نُشِيرُ بِعَوْنِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ إلى الشَّواهِدِ، إشارَةً يُعْلَمُ بِها حَقِيقَةُ الأمْرِ.
فَأوَّلُ شَواهِدِ السّائِرِ إلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ: أنْ يَقُومَ بِهِ شاهِدٌ مِنَ الدُّنْيا وحَقارَتِها، وقِلَّةِ وفائِها، وكَثْرَةِ جَفائِها، وخِسَّةِ شُرَكائِها، وسُرْعَةِ انْقِضائِها، ويَرى أهْلَها وعُشّاقَها صَرْعى حَوْلَها، قَدْ بَدَعَتْ بِهِمْ، وعَذَّبَتْهم بِأنْواعِ العَذابِ، وأذاقَتْهم أمَرَّ الشَّرابِ، أضْحَكَتْهم قَلِيلًا، وأبْكَتْهم طَوِيلًا، سَقَتْهم كُؤُوسَ سُمِّها، بَعْدَ كُؤُوسِ خَمْرِها، فَسَكِرُوا بِحُبِّها، وماتُوا بِهَجْرِها.
فَإذا قامَ بِالعَبْدِ هَذا الشّاهِدُ مِنها: تَرَحَّلَ قَلْبُهُ عَنْها، وسافَرَ في طَلَبِ الدّارِ الآخِرَةِ وحِينَئِذٍ يَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الآخِرَةِ ودَوامِها، وأنَّها هي الحَيَوانُ حَقًّا، فَأهْلُها لا يَرْتَحِلُونَ مِنها، ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هي دارُ القَرارِ، ومَحَطُّ الرِّجالِ، ومُنْتَهى السَّيْرِ، وأنَّ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟»
وَقالَ بَعْضُ التّابِعِينَ: ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا أقَلُّ مِن ذَرَّةٍ واحِدَةٍ في جِبالِ الدُّنْيا.
ثُمَّ يَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِن النّارِ، وتَوَقُّدِها واضْطِرامِها، وبُعْدِ قَعْرِها، وشِدَّةِ حَرِّها، وعَظِيمِ عَذابِ أهْلِها، فَيُشاهِدُهم وقَدْ سِيقُوا إلَيْها سُودَ الوُجُوهِ، زُرْقَ العُيُونِ، والسَّلاسِلُ والأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْها فُتِحَتْ في وُجُوهِهِمْ أبْوابُها، فَشاهَدُوا ذَلِكَ المَنظَرَ الفَظِيعَ، وقَدْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم حَسْرَةً وأسَفًا ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] فَأراهم شاهِدُ الإيمانِ، وهم إلَيْها يُدْفَعُونَ، وأتى النِّداءُ مِن قِبَلِ رَبِّ العالَمِينَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ - أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ - اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٤-١٦] فَيَراهم شاهِدُ الإيمانِ، وهم في الحَمِيمِ عَلى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ، وفي النّارِ كالحَطَبِ يُسْجَرُونَ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] فَبِئْسَ اللِّحافُ وبِئْسَ الفِراشُ، وإنِ اسْتَغاثُوا مِن شِدَّةِ العَطَشِ ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهم في أجْوافِهِمْ، وصَهَرَ ما في بُطُونِهِمْ، شَرابُهُمُ الحَمِيمُ، وطَعامُهُمُ الزَّقُّومُ ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ - وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦-٣٧].
فَإذا قامَ بِقَلْبِ العَبْدِ هَذا الشّاهِدُ: انْخَلَعَ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، واتِّباعِ الشَّهَواتِ، ولَبِسَ ثِيابَ الخَوْفِ والحَذَرِ، وأخْصَبَ قَلْبَهُ مِن مَطَرِ أجْفانِهِ، وهانَ عَلَيْهِ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُهُ في غَيْرِ دِينِهِ وقَلْبِهِ.
وَعَلى حَسْبِ قُوَّةِ هَذا الشّاهِدِ يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ المَعاصِي والمُخالَفاتِ، فَيُذِيبُ هَذا الشّاهِدُ مِن قَلْبِهِ الفَضَلاتِ، والمَوادَّ المُهْلِكَةَ، ويُنْضِجُها ثُمَّ يُخْرِجُها، فَيَجِدُ القَلْبُ لَذَّةَ العافِيَةِ وسُرُورِها.
فَيَقُومُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: شاهِدٌ مِنَ الجَنَّةِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهْلِها فِيها، مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، فَضْلًا عَمّا وصَفَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ النَّعِيمِ المُفَصَّلِ، الكَفِيلِ بِأعْلى أنْواعِ اللَّذَّةِ، مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، والمَلابِسِ والصُّوَرِ، والبَهْجَةِ والسُّرُورِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدُ دارٍ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ النَّعِيمَ المُقِيمَ الدّائِمَ بِحَذافِيرِهِ فِيها، تُرْبَتُها المِسْكُ، وحَصْباؤُها الدُّرُّ، وبِناؤُها لَبِنُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقَصَبُ اللُّؤْلُؤِ، وشَرابُها أحْلى مِنَ العَسَلِ، وأطْيَبُ رائِحَةً مِنَ المِسْكِ، وأبْرَدُ مِنَ الكافُورِ، وألَذُّ مِنَ الزَّنْجَبِيلِ، ونِساؤُها لَوْ بَرَزَ وجْهُ إحْداهُنَّ في هَذِهِ الدُّنْيا لَغَلَبَ عَلى ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولِباسُهُمُ الحَرِيرُ مِنَ السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ، وخَدَمُهم وِلْدانٌ كاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، وفاكِهَتُهم دائِمَةٌ، لا مَقْطُوعَةٌ ولا مَمْنُوعَةٌ، وفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ، وغِذاؤُهم لَحْمُ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ، وشَرابُهم عَلَيْهِ خَمْرَةٌ لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزِفُونَ، وخُضْرَتُهم فاكِهَةٌ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ، وشاهِدُهم حُورُ عِينٍ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، فَهم عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ، وفي تِلْكَ الرِّياضِ يُحْبَرُونَ، وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ، وهم فِيها خالِدُونَ.
فَإذا انْضَمَّ إلى هَذا الشّاهِدِ: شاهِدُ يَوْمِ المَزِيدِ، والنَّظَرِ إلى وجْهِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وسَماعِ كَلامِهِ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «بَيْنَما أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ، إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَإذا الرَّبُّ تَعالى قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، سَلامٌ عَلَيْكم ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]
ثُمَّ يَتَوارى عَنْهُمْ، وتَبْقى رَحْمَتُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارِهِمْ».
فَإذا انْضَمَّ هَذا الشّاهِدُ إلى الشَّواهِدِ الَّتِي قَبْلَهُ: فَهُناكَ يَسِيرُ القَلْبُ إلى رَبِّهِ أسْرَعَ مِن سَيْرِ الرِّياحِ في مَهابِّها، فَلا يَلْتَفِتُ في طَرِيقِهِ يَمِينًا ولا شِمالًا.
هَذا وفَوْقَ ذَلِكَ: شاهِدٌ آخَرُ تَضْمَحِلُّ فِيهِ هَذِهِ الشَّواهِدُ، ويَغِيبُ بِهِ العَبْدُ عَنْها كُلِّها، وهو شاهِدُ جَلالِ الرَّبِّ تَعالى، وجَمالِهِ وكَمالِهِ، وعِزِّهِ وسُلْطانِهِ، وقَيُّومِيَّتِهِ وعُلُوِّهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، وتَكَلُّمِهِ بِكُتُبِهِ وكَلِماتِ تَكْوِينِهِ، وخِطابِهِ لِمَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ.
فَإذا شاهَدَهُ شاهَدَ بِقَلْبِهِ قَيُّومًا قاهِرًا فَوْقَ عِبادِهِ، مُسْتَوِيًا عَلى عَرْشِهِ، مُنْفَرِدًا بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ، آمِرًا ناهِيًا، مُرْسِلًا رُسُلَهُ، ومُنْزِلًا كُتُبَهُ، يَرْضى ويَغْضَبُ، ويُثِيبُ ويُعاقِبُ، ويُعْطِي ويَمْنَعُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويُحِبُّ ويُبْغِضُ، ويَرْحَمُ إذا اسْتُرْحِمَ، ويَغْفِرُ إذا اسْتُغْفِرَ، ويُعْطِي إذا سُئِلَ، ويُجِيبُ إذا دُعِيَ، ويُقِيلُ إذا اسْتُقِيلَ، أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعَزُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأقْدَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعْلَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأحْكَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلَوْ كانَتْ قُوى الخَلائِقِ كُلِّهِمْ عَلى واحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ كانُوا كُلُّهم عَلى تِلْكَ القُوَّةِ، ثُمَّ نُسِبَتْ تِلْكَ القُوى إلى قُوَّةِ البَعُوضَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُوَّةِ الأسَدِ، ولَوْ قُدِّرَ جَمالُ الخَلْقِ كُلُّهم عَلى واحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ كانُوا كُلُّهم بِذَلِكَ الجَمالِ، ثُمَّ نُسِبَ إلى جَمالِ الرَّبِّ تَعالى لَكانَ دُونَ سِراجٍ ضَعِيفٍ بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْنِ الشَّمْسِ، ولَوْ كانَ عِلْمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ عَلى رَجُلٍ مِنهُمْ، ثُمَّ كانَ كُلُّ الخَلْقِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، ثُمَّ نُسِبَ إلى عِلْمِ الرَّبِّ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ الرَّبِّ كَنَقْرَةِ عُصْفُورٍ في بَحْرٍ، وهَكَذا سائِرُ صِفاتِهِ، كَسَمْعِهِ وبَصَرِهِ، وسائِرُ نُعُوتِ كَمالِهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الأصْواتِ بِاخْتِلافِ اللُّغاتِ، عَلى تَفَنُّنِ الحاجاتِ، فَلا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، ولا تُغْلِطُهُ المَسائِلُ، ولا يَتَبَرَّمُ بِإلْحاحِ المُلِحِّينَ، سَواءٌ عِنْدَهُ مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ، فالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلانِيَةٌ، والغَيْبُ عِنْدَهُ شَهادَةٌ، يَرى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ عَلى الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، ويَرى نِياطَ عُرُوقِها ومَجارِيَ القُوتِ في أعْضائِها، يَضَعُ السَّماواتِ عَلى إصْبَعٍ مِن أصابِعِ يَدِهِ، والأرْضَ عَلى إصْبَعٍ، والجِبالَ عَلى إصْبَعٍ، والشَّجَرَ عَلى إصْبَعٍ، والماءَ عَلى إصْبَعٍ، ويَقْبِضُ سَماواتِهِ بِإحْدى يَدَيْهِ، والأرَضِينَ بِاليَدِ الأُخْرى، فالسَّماواتُ السَّبْعُ في كَفِّهِ كَخَرْدَلَةٍ في كَفِّ العَبْدِ، ولَوْ أنَّ الخَلْقَ كُلَّهم مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ قامُوا صَفًّا واحِدًا ما أحاطُوا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لَوْ كَشَفَ الحِجابَ عَنْ وجْهِهِ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُهُ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ.
فَإذا قامَ بِقَلْبِ العَبْدِ هَذا الشّاهِدُ: اضْمَحَلَّتْ فِيهِ الشَّواهِدُ المُتَقَدِّمَةُ مِن غَيْرِ أنْ تُعْدَمَ، بَلْ تَصِيرُ الغَلَبَةُ والقَهْرُ لِهَذا الشّاهِدِ، وتَنْدَرِجُ فِيهِ الشَّواهِدُ كُلُّها، ومِن هَذا شاهِدُهُ فَلَهُ سُلُوكٌ وسَيْرٌ خاصٌّ، لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هو عَنْ هَذا في غَفْلَةٍ، أوْ مَعْرِفَةٍ مُجْمَلَةٍ.
فَصاحِبُ هَذا الشّاهِدِ سائِرٌ إلى اللَّهِ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ وفِطْرِهِ وصِيامِهِ، لَهُ شَأْنٌ ولِلنّاسِ شَأْنٌ، هو في وادٍ والنّاسُ في وادٍ.
؎خَلِيلَيَّ لا واللَّهِ ما أنا مِنكُما ∗∗∗ إذا عَلِمَ مِن آلِ لَيْلى بَدا لِيا
والمَقْصُودُ: أنَّ العِيانَ والكَشْفَ والمُشاهَدَةَ في هَذِهِ الدّارِ إنَّما تَقَعُ عَلى الشَّواهِدِ والأمْثِلَةِ العِلْمِيَّةِ، وهو المَثَلُ الأعْلى الَّذِي ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ في سُورَةِ النَّحْلِ وسُورَةِ الرُّومِ وسُورَةِ الشُّورى، وهو ما يَقُومُ بِقُلُوبِ عابِدِيهِ ومُحِبِّيهِ، والمُنِيبِينَ إلَيْهِ مِن هَذا الشّاهِدِ، وهو الباعِثُ لَهم عَلى العِبادَةِ والمَحَبَّةِ، والخَشْيَةِ والإنابَةِ، وتَفاوُتُهم فِيهِ لا يَنْحَصِرُ طَرَفاهُ، فَكُلٌّ مِنهم لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَعَدّاهُ، وأعْظَمُ النّاسِ حَظًّا في ذَلِكَ مُعْتَرِفٌ بِأنَّهُ لا يُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ فَوْقَ ما يُثْنِي عَلَيْهِ المُثْنُونَ، وفَوْقَ ما يَحْمَدُهُ الحامِدُونَ، كَما قِيلَ:
؎وَما بَلَغَ المُهْدُونَ نَحْوَكَ مِدْحَةً ∗∗∗ وإنْ أطْنَبُوا إنَّ الَّذِي فِيكَ أعْظَمُ
؎لَكَ الحَمْدُ كُلُّ الحَمْدِ لا مَبْدَأ لَهُ ∗∗∗ ولا مُنْتَهى واللَّهُ بِالحَمْدِ أعْلَمُ
وَطَهارَةُ القَلْبِ، ونَزاهَتُهُ مِنَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ، والإراداتِ السُّفْلِيَّةِ، وخُلُوِّهِ وتَفْرِيغِهِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، هو كُرْسِيُّ هَذا الشّاهِدِ، الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ، ومَقْعَدُهُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ، فَحَرامٌ عَلى قَلْبٍ مُتَلَوِّثٍ بِالخَبائِثِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ والصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِالمُراداتِ السّافِلَةِ أنْ يَقُومَ بِهِ هَذا الشّاهِدُ، وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِهِ.
؎نَزِّهْ فُؤادَكَ عَنْ سِوانا وائْتِنا ∗∗∗ فَجَنابُنا حِلٌّ لِكُلِّ مُنَزِّهِ
؎والصَّبْرُ طِلَّسْمٌ لِكَنْزِ لِقائِنا ∗∗∗ مَن حَلَّ ذا الطِّلَّسْمِ فازَ بِكَنْزِهِ
إذا طَلَعَتْ شَمْسُ التَّوْحِيدِ، وباشَرَتْ جَوانِبُها الأرْواحَ، ونُورُها البَصائِرَ، تَجَلَّتْ بِها ظُلُماتُ النَّفْسِ والطَّبْعِ، وتَحَرَّكَتْ بِها الأرْواحُ في طَلَبِ مَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ، فَسافَرَ القَلْبُ في بَيْداءِ الأمْرِ، ونَزَلَ مَنازِلَ العُبُودِيَّةِ، مَنزِلًا مَنزِلًا، فَهو يَنْتَقِلُ مِن عِبادَةٍ إلى عِبادَةٍ، مُقِيمٌ عَلى مَعْبُودٍ واحِدٍ، فَلا تَزالُ شَواهِدُ الصِّفاتِ قائِمَةً بِقَلْبِهِ، تُوقِظُهُ إذا رَقَدَ، وتُذَكِّرُهُ إذا غَفَلَ، وتَحْدُو بِهِ إذا سارَ، وتُقِيمُهُ إذا قَعَدَ، إنْ قامَ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ والقَيُّومِيَّةِ رَأى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ - ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ - وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ - ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ - قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ - قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٢-٨٩].
إنْ قامَ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ: رَأى في ذَلِكَ الشّاهِدِ الأمْرَ والنَّهْيَ، والنُّبُوّاتِ، والكُتُبَ والشَّرائِعَ، والمَحَبَّةَ والرِّضا، والكَراهَةَ والبُغْضَ، والثَّوابَ والعِقابَ، وشاهَدَ الأمْرَ نازِلًا مِمَّنْ هو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ، وأعْمالُ العِبادِ صاعِدَةٌ إلَيْهِ، ومَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ، يَجْزِي بِالإحْسانِ مِنها في هَذِهِ الدّارِ وفي العُقْبى نَضْرَةً وسُرُورًا، ويَقْدَمُ إلى ما لَمْ يَكُنْ عَنْ أمْرِهِ وشَرْعِهِ مِنها فَيَجْعَلُهُ هَباءً مَنثُورًا.
وَإنْ قامَ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الرَّحْمَةِ: رَأى الوُجُودَ كُلَّهُ قائِمًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَدْ وسِعَ مَن هي صِفَتُهُ كُلُّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا، وانْتَهَتْ رَحْمَتُهُ إلى حَيْثُ انْتَهى عِلْمُهُ، فاسْتَوى عَلى عَرْشِهِ بِرَحْمَتِهِ؛ لِتَسَعَ كُلَّ شَيْءٍ، كَما وسِعَ عَرْشُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَإنْ قامَ بِقَلْبِهِ شاهِدُ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ، والعَظَمَةِ والجَبَرُوتِ: فَلَهُ شَأْنٌ آخَرُ.
وَهَكَذا جَمِيعُ شَواهِدِ الصِّفاتِ، فَما ذَكَرْناهُ إنَّما هو أدْنى تَنْبِيهٍ عَلَيْها، فالكَشْفُ والعِيانُ والمُشاهَدَةُ لا تَتَجاوَزُ الشَّواهِدَ ألْبَتَّةَ، فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ.
فَقَوْلُهُ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ: إنَّها مُعايَنَةُ عَيْنِ القَلْبِ، وهي مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ عَلى نَعْتِهِ، يُرِيدُ بِهِ مَعْرِفَتَهُ عَلى نَعْتِهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ في الخارِجِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَإنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ عَلى مَعْرِفَةِ ما في الآخِرَةِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في الدُّنْيا مِمّا في الآخِرَةِ إلّا الأسْماءُ، فَكَيْفَ بِمَعْرِفَةِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ؟ وإنَّ غايَةَ المَعْرِفَةِ: أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ عَلى نَعْتِهِ عَلى وجْهٍ مُجْمَلٍ أوْ مُفَصَّلٍ تَفْصِيلًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.
قَوْلُهُ: " عِلْمًا يَقْطَعُ الرِّيبَةَ، ولا يَشُوبُهُ حَيْرَةٌ " هَذا حَقٌّ، فَإنَّ المَعْرِفَةَ مَتى شابَها رِيبَةٌ أوْ حَيْرَةٌ: لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً، كَما أنَّ رُؤْيَةَ العَيْنِ لَوْ شابَها ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ رُؤْيَةً تامَّةً، فالمَعْرِفَةُ: ما قَطَعَ الشَّكَّ والرِّيبَةَ والوَسْواسَ.
قَوْلُهُ: والمُعايَنَةُ الثّالِثَةُ: عَيْنُ الرُّوحِ، وهي الَّتِي تُعايِنُ الحَقَّ عِيانًا مَحْضًا.
إنْ أرادَ بِالحَقِّ ضِدَّ الباطِلِ أيْ: تُعايِنُ ما هو حَقٌّ، بِحَيْثُ يَنْكَشِفُ لَها كَما يَنْكَشِفُ المَرْئِيُّ لِلْبَصَرِ فَصَحِيحٌ، وإنْ أرادَ بِالحَقِّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى، فَإنْ لَمْ يَحْمِلْ كَلامَهُ عَلى قُوَّةِ اليَقِينِ، ومَزِيدِ الإيمانِ، ونُزُولِ الرُّوحِ في مَقامِ الإحْسانِ، وإلّا فَهو باطِلٌ، فَإنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى لا يُعايِنُهُ في هَذِهِ الدّارِ بَصَرٌ ولا رُوحٌ، بَلِ المِثالُ العِلْمِيُّ: حَظُّ الرُّوحِ والقَلْبِ كَما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: والأرْواحُ إنَّما طُهِّرَتْ وأُكْرِمَتْ بِالبَقاءِ، لِتُعايِنَ سَنا الحَضْرَةِ، وتُشاهِدَ بَهاءَ العِزَّةِ، وتَجْذِبَ القُلُوبَ إلى فِناءِ الحَضْرَةِ.
يَعْنِي: أنَّ الأرْواحَ خُلِقَتْ لِلْبَقاءِ لا لِلْفَناءِ، هَذا هو الحَقُّ، وما خالَفَ فِيهِ إلّا شِرْذِمَةٌ مِنَ النّاسِ مِن أهْلِ الإلْحادِ القائِلِينَ: إنَّ الأرْواحَ تَفْنى بِفَناءِ الأبْدانِ، لِكَوْنِها قُوَّةً مِن قُواها، وعَرَضًا مِن أعْراضِها.
وَهَؤُلاءِ قِسْمانِ؛ أحَدُهُما: مُنْكِرٌ لِمَعادِ الأبْدانِ، والثّانِي: مَن يُقِرُّ بِمَعادِ الأبْدانِ، ويَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعِيدُ قُوى البَدَنِ وأعْراضَهُ، ومِنها: الرُّوحُ فَتَفْنى بِفَناءِ الأبْدانِ، فَلَيْسَ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ رُوحٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها، تُساكِنُ البَدَنَ وتُفارِقُهُ، وتَتَّصِلُ بِهِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ.
وَأمّا الحَقُّ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وأتْباعُهُمْ: فَهو أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ مُفارَقَةِ أبْدانِها، لا تَفْنى ولا تُعْدَمُ، وأنَّها مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ في البَرْزَخِ، فَإذا كانَ يَوْمُ المَعادِ رُدَّتْ إلى أبْدانِها، فَتُنَعَّمُ مَعَها أوْ تُعَذَّبُ، ولا تُعْدَمُ ولا تَفْنى.
فَقَوْلُهُ: والأرْواحُ إذا طُهِّرَتْ وأُكْرِمَتْ بِالبَقاءِ لِتُعايِنَ سَنا الحَضْرَةِ، يُرِيدُ: الأرْواحَ الطّاهِرَةَ الزَّكِيَّةَ، وفي نُسْخَةٍ: لِتُناغِيَ سَنا الحَضْرَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْصَقُ بِالبابِ الَّذِي تَرْجَمَهُ بِبابِ المُعايَنَةِ، والمُرادُ بِالحَضْرَةِ: الحَضْرَةُ الإلَهِيَّةُ، وبِ " السَّنا " النُّورُ الَّذِي يَلْمَعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ [النور: ٤٣] ومُعايَنَةُ ذَلِكَ: إنَّما هو في الدّارِ الآخِرَةِ، والمُعايِنُ هاهُنا: هو نُورُ المَعْرِفَةِ والمِثالِ العِلْمِيِّ.
قَوْلُهُ: " ويُشاهِدَ بَهاءَ العِزَّةِ " البَهاءُ في اللُّغَةِ: الحُسْنُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، يُقالُ مِنهُ: بَهي الرَّجُلُ بِالكَسْرِ وبَهُوَ أيْضًا. فَهو بَهِيٌّ.
والعِزَّةُ يُرادُ بِها ثَلاثَةُ مَعانٍ: عِزَّةُ القُوَّةِ، وعِزَّةُ الِامْتِناعِ، وعِزَّةُ القَهْرِ، والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ العِزَّةُ التّامَّةُ بِالِاعْتِباراتِ الثَّلاثِ، ويُقالُ مِنَ الأوَّلِ: عَزَّ يَعَزُّ بِفَتْحِ العَيْنِ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنَ الثّانِي: عَزَّ يَعِزُّ بِكَسْرِها ومِنَ الثّالِثِ: عَزَّ يَعُزُّ بِضَمِّها أعْطُوا أقْوى الحَرَكاتِ لِأقْوى المَعانِي، وأخَفَّها لِأخَفِّها، وأوْسَطَها لِأوْسَطِها، وهَذِهِ العِزَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ، إذِ الشَّرِكَةُ تُنْقِصُ العِزَّةَ، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الشَّرِكَةَ تُنافِي كَمالَ العِزَّةِ، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِنَفْيِ أضْدادِها، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِنَفْيِ مُماثَلَةِ غَيْرِهِ لَهُ في شَيْءٍ مِنها.
فالرُّوحُ تُعايِنُ بِقُوَّةِ مَعْرِفَتِها وإيمانِها بَهاءَ العِزَّةِ وجَلالَها وعَظَمَتَها، وهَذِهِ المُعايَنَةُ هي نَتِيجَةُ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ المُطابِقَةِ لِلْحَقِّ في نَفْسِ الأمْرِ، المُتَلَقّاةِ مِن مِشْكاةِ الوَحْيِ، فَلا يَطْمَعُ فِيها واقِفٌ مَعَ أقْيِسَةِ المُتَفَلْسِفِينَ، وجَدَلِ المُتَكَلِّمِينَ، وخَيالاتِ المُتَصَوِّفِينَ.
قَوْلُهُ: وتَجْذِبَ القُلُوبَ إلى فِناءِ الحَضْرَةِ، هو بِكَسْرِ الفاءِ؛ أيْ: جانِبِ الحَضْرَةِ، يَعْنِي: أنَّ الأرْواحَ لِقُوَّةِ طَلَبِها، وشِدَّةِ شَوْقِها تَسُوقُ القُلُوبَ وتَجْذِبُها إلى هُناكَ، فَإنَّ طَلَبَ الرُّوحِ وسَيْرَها أقْوى مِن طَلَبِ القَلْبِ وسَيْرِهِ، كَما كانَتْ مُعايَنَتُها أتَمَّ مِن مُعايَنَتِهِ.
وَبِالجُمْلَةِ: فَأحْكامُ الرُّوحِ عِنْدَهم فَوْقَ أحْكامِ القَلْبِ، وأخَصُّ مِنها.
والمَقْصُودُ: أنَّ الرُّوحَ مَتى عايَنَتِ الحَقَّ جَذَبَتِ القُوى كُلَّها والقَلْبُ إلى حَضْرَتِهِ، فَيَنْقادُ مَعَها انْقِيادًا بِلا اسْتِعْصاءٍ، بِخِلافِ جَذْبِ القَلْبِ، فَإنَّ الجَوارِحَ قَدْ تَسْتَعْصِي عَلَيْهِ بَعْضَ الِاسْتِعْصاءِ، وتَأْبى شَيْئًا مِنَ الإباءِ، وأمّا جَذْبُ الرُّوحِ: فَلا اسْتِعْصاءَ مَعَهُ ولا إباءَ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الفرقان 25:46
ومعنى الآية: التنبيه على هذه الدلالة الباهرة على قدرة الرب سبحانه وعجائب مخلوقاته الدالة عليه، والمعنى انظر كيف بسط ربك الظل، والظل ما قبل الزوال، والفيء بعده، فمده سبحانه وبسطه عند طلوع الشمس فإنه يكون مديدًا أطول ما يكون، وجعل الشمس دليلًا عليه فإنها هي التي تظهره وتبينه، ثم كلما ارتفعت الشمس شيئًا انقبض من الظل جزء، فلا يزال ينقص يسيرًا يسيرًا، حتى ينتهي إلى غايته، فإذا أخذت الشمس في الجانب الغربي انبسط بعد انقباضه شيئًا فشيئًا، حتى يصير كهيئته عند طلوعها.
ولهذا كان الزوال يعرف بانتهاءِ الظل في قصره، فإذا أخذ في الزيادة بعد تناهى قصره فقد تحقق الزوال، ولو شاءَ الله لجعله ساكنًا دائمًا على حالة واحدة فلا يتحرك بالزيادة والنقصان، فالظل أحد الأدلة على الخالق سبحانه.
(فصل)
أخبر تعالى أنه بسط الظل ومدّه، وأنه جعله متحركا تبعا لحركة الشمس، ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك، إما بسكون المظهر له والدليل عليه، وإما بسبب آخر.
ثم أخبر أنه قبضه بعد بسطه قبضا يسيرا وهو شيء بعد شيء، لم يقبضه جملة.
فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته وكمال حكمته.
فندب سبحانه إلى رؤية صنعته وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته. ولو شاء ربنا لجعله لاصقا بأصل ما هو ظل له، من جبل وبناء وشجر وغيره، فلم ينتفع به أهله، فإن كمال الانتفاع به تابع لمده وبسطه وتحوله من مكان إلى مكان.
وفي مده وبسطه، ثم قبضه شيئا فشيئا: من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا يحصى.
فلو كان ساكنا دائما، أو قبض دفعة واحدة، لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس، فمدّ الظل وقبضه شيئا فشيئا لازم لحركة الشمس على ما قدرت عليه من مصالح العالم.
وفي دلالة الشمس على الظلال: ما تعرف به أوقات الصلوات، وما مضى من اليوم، وما بقي منه.
وفي تحركه وانتقاله: ما يبرد ما أصابه حر الشمس، وينفع الحيوانات والشجر والنبات، فهو من الآيات الدالة عليه.
وفي الآية وجه آخر: وهو أنه سبحانه مدّ الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة، ودحا الأرض من تحتها، فألقت القبة ظلها عليها.
فلو شاء سبحانه لجعله ساكنا مستقرا في تلك الحال. ثم خلق الشمس ونصبها دليلا على ذلك الظل، فهو يتبعها في حركتها، يزيد بها، وينقص، ويمتد ويقلص. فهو تابع لها تبعية المدلول لدليله.
وفيها وجه آخر: وهو أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام التي تلقي الظلال، فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه.
وقوله: قَبَضْناهُ إلَيْنا كأنه يشعر بذلك.
وقوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يشبه قوله: ﴿ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿قَبَضْناهُ﴾ بصيغة الماضي لا ينافي ذلك، كقوله تعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾
والوجه في الآية: هو الأول.
[فَصْلُ: المُعايَنَةِ]
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: (بابُ المُعايَنَةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥].
قُلْتُ: المُعايَنَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ العِيانِ، وأصْلُها مِنَ الرُّؤْيَةِ بِالعَيْنِ، يُقالُ: عايَنَهُ إذا وقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: شافَهَهُ إذا كَلَّمَهُ شِفاهًا، وواجَهَهُ إذا قابَلَهُ بِوَجْهِهِ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ في هَذِهِ الدّارِ أنْ يَظْفَرَ بِهِ بَشَرٌ.
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] فالرُّؤْيَةُ واقِعَةٌ عَلى نَفْسِ مَدِّ الظِّلِّ، لا عَلى الَّذِي مَدَّهُ سُبْحانَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١] فَهاهُنا أوْقَعَ الرُّؤْيَةَ عَلى نَفْسِ الفِعْلِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] أوْقَعَها في اللَّفْظِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ: فِعْلُهُ مِن مَدِّ الظِّلِّ، هَذا كَلامٌ عَرَبِيٌّ بَيِّنٌ مَعْناهُ، غَيْرُ مُحْتَمَلٍ ولا مُجْمَلٍ، كَما قِيلَ في العُزّى:
؎كُفْرانَكَ اليَوْمَ لا سُبْحانَكَ ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكَ
وَهُوَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، يَقُولُونَ: رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ فَعَلَ كَذا وكَذا، والمُرادُ رَأيْتُ فِعْلَهُ، فالعِيانُ والرُّؤْيَةُ: واقِعٌ عَلى المَفْعُولِ لا عَلى ذاتِ الفاعِلِ وصِفَتِهِ ولا فِعْلِهِ القائِمِ بِهِ.
[فَصْلٌ: أنْواعُ المُعايَنَةِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: المُعايَنَةُ ثَلاثٌ. إحْداها: مُعايَنَةُ الأبْصارِ. الثّانِيَةُ: مُعايَنَةُ عَيْنِ القَلْبِ، وهي مَعْرِفَةُ عَيْنِ الشَّيْءِ عَلى نَعْتِهِ، عِلْمًا يَقْطَعُ الرَّيْبَةَ، ولا تَشُوبُهُ حَيْرَةٌ. الثّالِثَةُ: مُعايَنَةُ عَيْنِ الرُّوحِ، وهي الَّتِي تُعايِنُ الحَقَّ عِيانًا مَحْضًا، والأرْواحُ إنَّما طَهُرَتْ وأُكْرِمَتْ بِالبَقاءِ لِتُعايِنَ سَنا الحَضْرَةِ، وتُشاهِدَ بَهاءَ العِزَّةِ، وتَجْذِبَ القُلُوبَ إلى فِناءِ الحَضْرَةِ.
جَعَلَ الشَّيْخُ المُعايَنَةَ لِلْعَيْنِ والقَلْبِ والرُّوحِ، وجَعَلَ لِكُلِّ مُعايَنَةٍ مِنها حُكْمًا.
فَمُعايَنَةُ العَيْنِ: هي رُؤْيَةُ الشَّيْءِ عِيانًا، إمّا بِانْطِباعِ صُورَةِ المَرْئِيِّ في القُوَّةِ الباصِرَةِ، عِنْدَ أصْحابِ الِانْطِباعِ، وإمّا بِاتِّصالِ الشُّعاعِ المُنْبَسِطِ مِنَ العَيْنِ المُتَّصِلِ بِالمَرْئِيِّ، عِنْدَ أصْحابِ الشُّعاعِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ والإضافَةِ الخاصَّةِ بَيْنَ العَيْنِ وبَيْنَ المَرْئِيِّ، عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، والأقْوالُ الثَّلاثَةُ لا تَخْلُو عَنْ خَطَأٍ وصَوابٍ، والحَقُّ شَيْءٌ غَيْرُها، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ في العَيْنِ قُوَّةً باصِرَةً، كَما جَعَلَ في الأُذُنِ قُوَّةً سامِعَةً، وفي الأنْفِ قُوَّةً شامَّةً، وفي اللِّسانِ قُوَّةً ناطِقَةً وقُوَّةً ذائِقَةً، فَهَذِهِ قُوًى أوْدَعَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الأعْضاءِ، وجَعَلَ بَيْنَها وبَيْنَها رابِطَةً، وجَعَلَ لَها أسْبابًا مِن خارِجٍ، ومَوانِعَ تَمْنَعُ حُكْمَها، وكُلُّ ما ذَكَرُوهُ مِنَ انْطِباعٍ، ومُقابَلَةٍ، وشُعاعٍ، ونِسْبَةٍ، وإضافَةٍ: فَهو سَبَبٌ وشَرْطٌ، والمُقْتَضى هو القُوَّةُ القائِمَةُ بِالمَحَلِّ، ولَيْسَ الغَرَضُ ذِكْرَ هَذِهِ المَسْألَةِ، فالمَقْصُودُ أمْرٌ آخَرُ.
وَأمّا مُعايَنَةُ القَلْبِ: فَهي انْكِشافُ صُورَةِ المَعْلُومِ لَهُ، بِحَيْثُ تَكُونُ نِسْبَتُهُ إلى القَلْبِ كَنِسْبَةِ المَرْئِيِّ إلى العَيْنِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ القَلْبَ يُبْصِرُ ويَعْمى، كَما تُبْصِرُ العَيْنُ وكَما تَعْمى، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فالقَلْبُ يَرى ويَسْمَعُ، ويَعْمى ويَصِمُّ، وعَماهُ وصَمَمُهُ أبْلَغُ مِن عَمى البَصَرِ وصَمَمِهِ.
وَأمّا ما يُثْبِتُهُ مُتَأخِّرُو القَوْمِ مِن هَذا القِسْمِ الثّالِثِ وهو رُؤْيَةُ الرُّوحِ، وسَمْعُها وإرادَتُها، وأحْكامُها، الَّتِي هي أخَصُّ مِن أحْكامِ القَلْبِ فَهَؤُلاءِ اعْتِقادُهم أنَّ الرُّوحَ غَيْرُ النَّفْسِ والقَلْبِ.
وَلا رَيْبَ أنَّ هاهُنا أُمُورًا مَعْلُومَةً، وهِيَ: البَدَنُ، ورُوحُهُ القائِمُ بِهِ، والقَلْبُ المُشاهَدُ فِيهِ، وفي سائِرِ الحَيَوانِ والغَرِيزَةِ، وهي القُوَّةُ العاقِلَةُ الَّتِي مَحَلُّها القَلْبُ، ونِسْبَتُها إلى القَلْبِ كَنِسْبَةِ القُوَّةِ الباصِرَةِ إلى العَيْنِ، والقُوَّةِ السّامِعَةِ إلى الأُذُنِ، ولِهَذا تُسَمّى تِلْكَ القُوَّةُ قَلْبًا، كَما تُسَمّى القُوَّةُ الباصِرَةُ بَصَرًا، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ولَمْ يُرِدْ شَكْلَ القَلْبِ، فَإنَّهُ لِكُلِّ أحَدٍ، وإنَّما أرادَ القُوَّةَ والغَرِيزَةَ المُودَعَةَ فِيهِ.
والرُّوحُ: هي الحامِلَةُ لِلْبَدَنِ، ولِهَذِهِ القُوى كُلِّها، فَلا قِوامَ لِلْبَدَنِ ولا لِقُواهُ إلّا بِها، ولَها بِاعْتِبارِ إضافَتِها إلى كُلِّ مَحَلٍّ حُكْمٌ واسْمٌ يَخُصُّها هُناكَ، فَإذا أُضِيفَتْ إلى مَحَلِّ البَصَرِ سُمِّيَتْ بَصَرًا، وكانَ لَها حُكْمٌ يَخُصُّها هُناكَ، وإذا أُضِيفَتْ إلى مَحَلِّ السَّمْعِ سُمِّيَتْ سَمْعًا، وكانَ لَها حُكْمٌ يَخُصُّها هُناكَ، وإذا أُضِيفَتْ إلى مَحَلِّ العَقْلِ وهو القَلْبُ سُمِّيَتْ قَلْبًا، ولَها حُكْمٌ يَخُصُّها هُناكَ، هي في ذَلِكَ كُلِّهِ رُوحٌ.
فالقُوَّةُ الباصِرَةُ والعاقِلَةُ والسّامِعَةُ والنّاطِقَةُ رُوحٌ باصِرَةٌ وسامِعَةٌ وعاقِلَةٌ وناطِقَةٌ، فَهي في الحَقِيقَةِ هَذا العاقِلُ، الفاهِمُ المُدْرِكُ، المُحِبُّ العارِفُ، المُحَرِّكُ لِلْبَدَنِ الَّذِي هو مَحِلُّ الخِطابِ والأمْرِ والنَّهْيِ هو شَيْءٌ واحِدٌ لَهُ صِفاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، فَإنَّهُ يُسَمّى نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً ونَفْسًا لَوّامَةً، ونَفْسًا أمّارَةً، ولَيْسَ هو ثَلاثَةُ أنْفُسٍ بِالذّاتِ والحَقِيقَةِ، ولَكِنْ هو نَفْسٌ واحِدَةٌ لَها صِفاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
وَهم يُشِيرُونَ بِالنَّفْسِ إلى الأخْلاقِ والصِّفاتِ المَذْمُومَةِ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ لَهُ نَفْسٌ، وفُلانٌ لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ فارَقَتْهُ نَفْسُهُ لَماتَ، ولَكِنْ يُرِيدُونَ تَجَرُّدَهُ عَنْ صِفاتِ النَّفْسِ المَذْمُومَةِ.
والمُحَقِّقُونَ مِنهم يَقُولُونَ: إنَّ النَّفْسَ إذا تَلَطَّفَتْ وفارَقَتِ الرَّذائِلَ صارَتْ رُوحًا، ومَعْلُومٌ أنَّها لَمْ تُعْدَمْ، ويُخْلَقُ لَهُ مَكانَها رُوحٌ لَمْ تَكُنْ، ولَكِنْ عُدِمَتْ مِنها الصِّفاتُ المَذْمُومَةُ، وصارَتْ مَكانَها الصِّفاتُ المَحْمُودَةُ، فَسُمِّيَتْ رُوحًا.
وَهَذا اصْطِلاحٌ مُجَرَّدٌ، وإلّا فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَمّاها نَفْسًا في القُرْآنِ في جَمِيعِ أحْوالِها أمّارَةً، ولَوّامَةً، ومُطْمَئِنَّةً قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] ويَدْخُلُ في هَذا جَمِيعُ أنْفُسِ العِبادِ حَتّى الأنْبِياءِ، وسَمّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُوحًا عَلى الإطْلاقِ مُؤْمِنَةً كانَتْ أوْ كافِرَةً، بَرَّةً أوْ فاجِرَةً كَقَوْلِهِ: «إنَّ الرُّوحَ إذا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ»، وقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْواحَنا حَيْثُ شاءَ، ورَدَّها حَيْثُ شاءَ»، وقَوْلِهِ: ﷺ في حَدِيثِ قَبْضِ الرُّوحِ وصِفَتِهِ إنْ كانَ مُؤْمِنًا كانَ كَذا وكَذا، وإنْ كانَ كافِرًا كانَ كَذا وكَذا فَسَمّى المَقْبُوضَ رُوحًا كَما سَمّاهُ اللَّهُ في كِتابِهِ نَفْسًا وهَذا المَقْبُوضُ والمُتَوَفّى شَيْءٌ واحِدٌ، لا ثَلاثَةٌ ولا اثْنانِ، وإذا قُبِضَ تَبِعَتْهُ القُوى كُلُّها العَقْلُ، وما دُونَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ حامِلَ الجَمِيعِ ومَرْكَبِهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا، فالمُعايَنَةُ نَوْعانِ: مُعايَنَةُ بَصَرٍ، ومُعايَنَةُ بَصِيرَةٍ، فَمُعايَنَةُ البَصَرِ: وُقُوعُهُ عَلى نَفْسِ المَرْئِيِّ، أوْ مِثالِهِ الخارِجِيِّ، كَرُؤْيَةِ مِثالِ الصُّورَةِ في المِرْآةِ والماءِ، ومُعايَنَةُ البَصِيرَةِ: وُقُوعُ القُوَّةِ العاقِلَةِ عَلى المِثالِ العِلْمِيِّ المُطابِقِ لِلْخارِجِيِّ، فَيَكُونُ إدْراكُهُ لَهُ بِمَنزِلَةِ إدْراكِ العَيْنِ لِلصُّورَةِ الخارِجِيَّةِ، وقَدْ يَقْوى سُلْطانُ هَذا الإدْراكِ الباطِنِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ الحُكْمُ لَهُ، ويَقْوى اسْتِحْضارُ القُوَّةِ العاقِلَةِ لِمُدْرِكِها، بِحَيْثُ يَسْتَغْرِقُ فِيهِ، فَيَغْلِبُ حُكْمُ القَلْبِ عَلى حُكْمِ الحِسِّ والمُشاهَدَةِ، فَيَسْتَوْلِي عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ، بِحَيْثُ يَراهُ، ويَسْمَعُ خِطابَهُ في الخارِجِ، وهو في النَّفْسِ والذِّهْنِ، لَكِنْ لِغَلَبَةِ الشُّهُودِ، وقُوَّةِ الِاسْتِحْضارِ، وتَمَكُّنِ حُكْمِ القَلْبِ واسْتِيلائِهِ عَلى القُوى، صارَ كَأنَّهُ مَرْئِيٌّ بِالعَيْنِ، مَسْمُوعٌ بِالأُذُنِ، بِحَيْثُ لا يَشُكُّ المُدْرِكُ ولا يَرْتابُ في ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، ولا يَقْبَلُ عَذْلًا.
وَحَقِيقَةُ الأمْرِ: أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ شَواهِدُ وأمْثِلَةٌ عِلْمِيَّةٌ تابِعَةٌ لِلْمُعْتَقِدِ، فَذَلِكَ الَّذِي أدْرَكَ بِعَيْنِ القَلْبِ والرُّوحِ، إنَّما هو شاهِدٌ دالٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، ولَيْسَ هو نَفْسُ الحَقِيقَةِ، فَإنَّ شاهِدَ نُورِ جَلالِ الذّاتِ في قَلْبِ العَبْدِ لَيْسَ هو نَفْسُ نُورِ الذّاتِ الَّذِي لا تَقُومُ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، فَإنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَها لَتَدَكْدَكَتْ، ولَأصابَها ما أصابَ الجَبَلَ، وكَذَلِكَ شاهِدُ نُورِ العَظَمَةِ في القَلْبِ، إنَّما هو نُورُ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، لا نُورُ نَفْسِ المُعَظَّمِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ.
وَلَيْسَ مَعَ القَوْمِ إلّا الشَّواهِدُ، والأمْثِلَةُ العِلْمِيَّةُ، والرَّقائِقُ الَّتِي هي ثَمَرَةُ قُرْبِ القَلْبِ مِنَ الرَّبِّ، وأُنْسِهِ بِهِ، واسْتِغْراقِهِ في مَحَبَّتِهِ وذِكْرِهِ، واسْتِيلاءِ سُلْطانِ مَعْرِفَتِهِ عَلَيْهِ، والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنِ اطِّلاعِ البَشَرِ عَلى ذاتِهِ، أوْ أنْوارِ ذاتِهِ، أوْ صِفاتِهِ، أوْ أنْوارِ صِفاتِهِ، وإنَّما هي الشَّواهِدُ الَّتِي تَقُومُ بِقَلْبِ العَبْدِ، كَما يَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الآخِرَةِ والجَنَّةِ والنّارِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهْلِهِما.
وَهَذا هو الَّذِي وجَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرامٍ الأنْصارِيُّ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ! إنِّي أجِدُ واللَّهِ رِيحَها دُونَ أُحُدٍ. ومِن هَذا قَوْلُهُ ﷺ «إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا قالُوا: وما رِياضُ الجَنَّةِ؟ قالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ»، ومِنهُ قَوْلُهُ: «ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ» فَهو رَوْضَةٌ لِأهْلِ العِلْمِ والإيمانِ، لِما يَقُومُ بِقُلُوبِهِمْ مِن شَواهِدِ الجَنَّةِ، حَتّى كَأنَّها لَهم رَأْيُ عَيْنٍ، وإذا قَعَدَ المُنافِقُ هُناكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ المَكانُ في حَقِّهِ رَوْضَةً مِن رِياضِ الجَنَّةِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ ﷺ «الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ».
فالعَمَلُ: إنَّما هو عَلى الشَّواهِدِ، وعَلى حَسَبِ شاهِدِ العَبْدِ يَكُونُ عَمَلُهُ.
وَنَحْنُ نُشِيرُ بِعَوْنِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ إلى الشَّواهِدِ، إشارَةً يُعْلَمُ بِها حَقِيقَةُ الأمْرِ.
فَأوَّلُ شَواهِدِ السّائِرِ إلى اللَّهِ والدّارِ الآخِرَةِ: أنْ يَقُومَ بِهِ شاهِدٌ مِنَ الدُّنْيا وحَقارَتِها، وقِلَّةِ وفائِها، وكَثْرَةِ جَفائِها، وخِسَّةِ شُرَكائِها، وسُرْعَةِ انْقِضائِها، ويَرى أهْلَها وعُشّاقَها صَرْعى حَوْلَها، قَدْ بَدَعَتْ بِهِمْ، وعَذَّبَتْهم بِأنْواعِ العَذابِ، وأذاقَتْهم أمَرَّ الشَّرابِ، أضْحَكَتْهم قَلِيلًا، وأبْكَتْهم طَوِيلًا، سَقَتْهم كُؤُوسَ سُمِّها، بَعْدَ كُؤُوسِ خَمْرِها، فَسَكِرُوا بِحُبِّها، وماتُوا بِهَجْرِها.
فَإذا قامَ بِالعَبْدِ هَذا الشّاهِدُ مِنها: تَرَحَّلَ قَلْبُهُ عَنْها، وسافَرَ في طَلَبِ الدّارِ الآخِرَةِ وحِينَئِذٍ يَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الآخِرَةِ ودَوامِها، وأنَّها هي الحَيَوانُ حَقًّا، فَأهْلُها لا يَرْتَحِلُونَ مِنها، ولا يَظْعَنُونَ عَنْها، بَلْ هي دارُ القَرارِ، ومَحَطُّ الرِّجالِ، ومُنْتَهى السَّيْرِ، وأنَّ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟»
وَقالَ بَعْضُ التّابِعِينَ: ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا أقَلُّ مِن ذَرَّةٍ واحِدَةٍ في جِبالِ الدُّنْيا.
ثُمَّ يَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِن النّارِ، وتَوَقُّدِها واضْطِرامِها، وبُعْدِ قَعْرِها، وشِدَّةِ حَرِّها، وعَظِيمِ عَذابِ أهْلِها، فَيُشاهِدُهم وقَدْ سِيقُوا إلَيْها سُودَ الوُجُوهِ، زُرْقَ العُيُونِ، والسَّلاسِلُ والأغْلالُ في أعْناقِهِمْ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْها فُتِحَتْ في وُجُوهِهِمْ أبْوابُها، فَشاهَدُوا ذَلِكَ المَنظَرَ الفَظِيعَ، وقَدْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم حَسْرَةً وأسَفًا ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] فَأراهم شاهِدُ الإيمانِ، وهم إلَيْها يُدْفَعُونَ، وأتى النِّداءُ مِن قِبَلِ رَبِّ العالَمِينَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ - أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ - اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٤-١٦] فَيَراهم شاهِدُ الإيمانِ، وهم في الحَمِيمِ عَلى وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ، وفي النّارِ كالحَطَبِ يُسْجَرُونَ ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] فَبِئْسَ اللِّحافُ وبِئْسَ الفِراشُ، وإنِ اسْتَغاثُوا مِن شِدَّةِ العَطَشِ ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهم في أجْوافِهِمْ، وصَهَرَ ما في بُطُونِهِمْ، شَرابُهُمُ الحَمِيمُ، وطَعامُهُمُ الزَّقُّومُ ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ - وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦-٣٧].
فَإذا قامَ بِقَلْبِ العَبْدِ هَذا الشّاهِدُ: انْخَلَعَ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، واتِّباعِ الشَّهَواتِ، ولَبِسَ ثِيابَ الخَوْفِ والحَذَرِ، وأخْصَبَ قَلْبَهُ مِن مَطَرِ أجْفانِهِ، وهانَ عَلَيْهِ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُهُ في غَيْرِ دِينِهِ وقَلْبِهِ.
وَعَلى حَسْبِ قُوَّةِ هَذا الشّاهِدِ يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ المَعاصِي والمُخالَفاتِ، فَيُذِيبُ هَذا الشّاهِدُ مِن قَلْبِهِ الفَضَلاتِ، والمَوادَّ المُهْلِكَةَ، ويُنْضِجُها ثُمَّ يُخْرِجُها، فَيَجِدُ القَلْبُ لَذَّةَ العافِيَةِ وسُرُورِها.
فَيَقُومُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: شاهِدٌ مِنَ الجَنَّةِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهْلِها فِيها، مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، فَضْلًا عَمّا وصَفَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ النَّعِيمِ المُفَصَّلِ، الكَفِيلِ بِأعْلى أنْواعِ اللَّذَّةِ، مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، والمَلابِسِ والصُّوَرِ، والبَهْجَةِ والسُّرُورِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدُ دارٍ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ النَّعِيمَ المُقِيمَ الدّائِمَ بِحَذافِيرِهِ فِيها، تُرْبَتُها المِسْكُ، وحَصْباؤُها الدُّرُّ، وبِناؤُها لَبِنُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقَصَبُ اللُّؤْلُؤِ، وشَرابُها أحْلى مِنَ العَسَلِ، وأطْيَبُ رائِحَةً مِنَ المِسْكِ، وأبْرَدُ مِنَ الكافُورِ، وألَذُّ مِنَ الزَّنْجَبِيلِ، ونِساؤُها لَوْ بَرَزَ وجْهُ إحْداهُنَّ في هَذِهِ الدُّنْيا لَغَلَبَ عَلى ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولِباسُهُمُ الحَرِيرُ مِنَ السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ، وخَدَمُهم وِلْدانٌ كاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، وفاكِهَتُهم دائِمَةٌ، لا مَقْطُوعَةٌ ولا مَمْنُوعَةٌ، وفُرُشٌ مَرْفُوعَةٌ، وغِذاؤُهم لَحْمُ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ، وشَرابُهم عَلَيْهِ خَمْرَةٌ لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزِفُونَ، وخُضْرَتُهم فاكِهَةٌ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ، وشاهِدُهم حُورُ عِينٍ كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ، فَهم عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ، وفي تِلْكَ الرِّياضِ يُحْبَرُونَ، وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ، وهم فِيها خالِدُونَ.
فَإذا انْضَمَّ إلى هَذا الشّاهِدِ: شاهِدُ يَوْمِ المَزِيدِ، والنَّظَرِ إلى وجْهِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وسَماعِ كَلامِهِ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «بَيْنَما أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ، إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَإذا الرَّبُّ تَعالى قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، وقالَ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، سَلامٌ عَلَيْكم ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]
ثُمَّ يَتَوارى عَنْهُمْ، وتَبْقى رَحْمَتُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارِهِمْ».
فَإذا انْضَمَّ هَذا الشّاهِدُ إلى الشَّواهِدِ الَّتِي قَبْلَهُ: فَهُناكَ يَسِيرُ القَلْبُ إلى رَبِّهِ أسْرَعَ مِن سَيْرِ الرِّياحِ في مَهابِّها، فَلا يَلْتَفِتُ في طَرِيقِهِ يَمِينًا ولا شِمالًا.
هَذا وفَوْقَ ذَلِكَ: شاهِدٌ آخَرُ تَضْمَحِلُّ فِيهِ هَذِهِ الشَّواهِدُ، ويَغِيبُ بِهِ العَبْدُ عَنْها كُلِّها، وهو شاهِدُ جَلالِ الرَّبِّ تَعالى، وجَمالِهِ وكَمالِهِ، وعِزِّهِ وسُلْطانِهِ، وقَيُّومِيَّتِهِ وعُلُوِّهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، وتَكَلُّمِهِ بِكُتُبِهِ وكَلِماتِ تَكْوِينِهِ، وخِطابِهِ لِمَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ.
فَإذا شاهَدَهُ شاهَدَ بِقَلْبِهِ قَيُّومًا قاهِرًا فَوْقَ عِبادِهِ، مُسْتَوِيًا عَلى عَرْشِهِ، مُنْفَرِدًا بِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ، آمِرًا ناهِيًا، مُرْسِلًا رُسُلَهُ، ومُنْزِلًا كُتُبَهُ، يَرْضى ويَغْضَبُ، ويُثِيبُ ويُعاقِبُ، ويُعْطِي ويَمْنَعُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويُحِبُّ ويُبْغِضُ، ويَرْحَمُ إذا اسْتُرْحِمَ، ويَغْفِرُ إذا اسْتُغْفِرَ، ويُعْطِي إذا سُئِلَ، ويُجِيبُ إذا دُعِيَ، ويُقِيلُ إذا اسْتُقِيلَ، أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعَزُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأقْدَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعْلَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأحْكَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلَوْ كانَتْ قُوى الخَلائِقِ كُلِّهِمْ عَلى واحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ كانُوا كُلُّهم عَلى تِلْكَ القُوَّةِ، ثُمَّ نُسِبَتْ تِلْكَ القُوى إلى قُوَّةِ البَعُوضَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُوَّةِ الأسَدِ، ولَوْ قُدِّرَ جَمالُ الخَلْقِ كُلُّهم عَلى واحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ كانُوا كُلُّهم بِذَلِكَ الجَمالِ، ثُمَّ نُسِبَ إلى جَمالِ الرَّبِّ تَعالى لَكانَ دُونَ سِراجٍ ضَعِيفٍ بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْنِ الشَّمْسِ، ولَوْ كانَ عِلْمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ عَلى رَجُلٍ مِنهُمْ، ثُمَّ كانَ كُلُّ الخَلْقِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، ثُمَّ نُسِبَ إلى عِلْمِ الرَّبِّ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ الرَّبِّ كَنَقْرَةِ عُصْفُورٍ في بَحْرٍ، وهَكَذا سائِرُ صِفاتِهِ، كَسَمْعِهِ وبَصَرِهِ، وسائِرُ نُعُوتِ كَمالِهِ، فَإنَّهُ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الأصْواتِ بِاخْتِلافِ اللُّغاتِ، عَلى تَفَنُّنِ الحاجاتِ، فَلا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، ولا تُغْلِطُهُ المَسائِلُ، ولا يَتَبَرَّمُ بِإلْحاحِ المُلِحِّينَ، سَواءٌ عِنْدَهُ مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ، فالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلانِيَةٌ، والغَيْبُ عِنْدَهُ شَهادَةٌ، يَرى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ عَلى الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، ويَرى نِياطَ عُرُوقِها ومَجارِيَ القُوتِ في أعْضائِها، يَضَعُ السَّماواتِ عَلى إصْبَعٍ مِن أصابِعِ يَدِهِ، والأرْضَ عَلى إصْبَعٍ، والجِبالَ عَلى إصْبَعٍ، والشَّجَرَ عَلى إصْبَعٍ، والماءَ عَلى إصْبَعٍ، ويَقْبِضُ سَماواتِهِ بِإحْدى يَدَيْهِ، والأرَضِينَ بِاليَدِ الأُخْرى، فالسَّماواتُ السَّبْعُ في كَفِّهِ كَخَرْدَلَةٍ في كَفِّ العَبْدِ، ولَوْ أنَّ الخَلْقَ كُلَّهم مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ قامُوا صَفًّا واحِدًا ما أحاطُوا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لَوْ كَشَفَ الحِجابَ عَنْ وجْهِهِ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُهُ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ.
فَإذا قامَ بِقَلْبِ العَبْدِ هَذا الشّاهِدُ: اضْمَحَلَّتْ فِيهِ الشَّواهِدُ المُتَقَدِّمَةُ مِن غَيْرِ أنْ تُعْدَمَ، بَلْ تَصِيرُ الغَلَبَةُ والقَهْرُ لِهَذا الشّاهِدِ، وتَنْدَرِجُ فِيهِ الشَّواهِدُ كُلُّها، ومِن هَذا شاهِدُهُ فَلَهُ سُلُوكٌ وسَيْرٌ خاصٌّ، لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هو عَنْ هَذا في غَفْلَةٍ، أوْ مَعْرِفَةٍ مُجْمَلَةٍ.
فَصاحِبُ هَذا الشّاهِدِ سائِرٌ إلى اللَّهِ في يَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وحَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ وفِطْرِهِ وصِيامِهِ، لَهُ شَأْنٌ ولِلنّاسِ شَأْنٌ، هو في وادٍ والنّاسُ في وادٍ.
؎خَلِيلَيَّ لا واللَّهِ ما أنا مِنكُما ∗∗∗ إذا عَلِمَ مِن آلِ لَيْلى بَدا لِيا
والمَقْصُودُ: أنَّ العِيانَ والكَشْفَ والمُشاهَدَةَ في هَذِهِ الدّارِ إنَّما تَقَعُ عَلى الشَّواهِدِ والأمْثِلَةِ العِلْمِيَّةِ، وهو المَثَلُ الأعْلى الَّذِي ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ في سُورَةِ النَّحْلِ وسُورَةِ الرُّومِ وسُورَةِ الشُّورى، وهو ما يَقُومُ بِقُلُوبِ عابِدِيهِ ومُحِبِّيهِ، والمُنِيبِينَ إلَيْهِ مِن هَذا الشّاهِدِ، وهو الباعِثُ لَهم عَلى العِبادَةِ والمَحَبَّةِ، والخَشْيَةِ والإنابَةِ، وتَفاوُتُهم فِيهِ لا يَنْحَصِرُ طَرَفاهُ، فَكُلٌّ مِنهم لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَعَدّاهُ، وأعْظَمُ النّاسِ حَظًّا في ذَلِكَ مُعْتَرِفٌ بِأنَّهُ لا يُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ فَوْقَ ما يُثْنِي عَلَيْهِ المُثْنُونَ، وفَوْقَ ما يَحْمَدُهُ الحامِدُونَ، كَما قِيلَ:
؎وَما بَلَغَ المُهْدُونَ نَحْوَكَ مِدْحَةً ∗∗∗ وإنْ أطْنَبُوا إنَّ الَّذِي فِيكَ أعْظَمُ
؎لَكَ الحَمْدُ كُلُّ الحَمْدِ لا مَبْدَأ لَهُ ∗∗∗ ولا مُنْتَهى واللَّهُ بِالحَمْدِ أعْلَمُ
وَطَهارَةُ القَلْبِ، ونَزاهَتُهُ مِنَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ، والإراداتِ السُّفْلِيَّةِ، وخُلُوِّهِ وتَفْرِيغِهِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، هو كُرْسِيُّ هَذا الشّاهِدِ، الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ، ومَقْعَدُهُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ، فَحَرامٌ عَلى قَلْبٍ مُتَلَوِّثٍ بِالخَبائِثِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ والصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِالمُراداتِ السّافِلَةِ أنْ يَقُومَ بِهِ هَذا الشّاهِدُ، وأنْ يَكُونَ مِن أهْلِهِ.
؎نَزِّهْ فُؤادَكَ عَنْ سِوانا وائْتِنا ∗∗∗ فَجَنابُنا حِلٌّ لِكُلِّ مُنَزِّهِ
؎والصَّبْرُ طِلَّسْمٌ لِكَنْزِ لِقائِنا ∗∗∗ مَن حَلَّ ذا الطِّلَّسْمِ فازَ بِكَنْزِهِ
إذا طَلَعَتْ شَمْسُ التَّوْحِيدِ، وباشَرَتْ جَوانِبُها الأرْواحَ، ونُورُها البَصائِرَ، تَجَلَّتْ بِها ظُلُماتُ النَّفْسِ والطَّبْعِ، وتَحَرَّكَتْ بِها الأرْواحُ في طَلَبِ مَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ، فَسافَرَ القَلْبُ في بَيْداءِ الأمْرِ، ونَزَلَ مَنازِلَ العُبُودِيَّةِ، مَنزِلًا مَنزِلًا، فَهو يَنْتَقِلُ مِن عِبادَةٍ إلى عِبادَةٍ، مُقِيمٌ عَلى مَعْبُودٍ واحِدٍ، فَلا تَزالُ شَواهِدُ الصِّفاتِ قائِمَةً بِقَلْبِهِ، تُوقِظُهُ إذا رَقَدَ، وتُذَكِّرُهُ إذا غَفَلَ، وتَحْدُو بِهِ إذا سارَ، وتُقِيمُهُ إذا قَعَدَ، إنْ قامَ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ والقَيُّومِيَّةِ رَأى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ - ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ - وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ - ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ - قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ - قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ - قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٢-٨٩].
إنْ قامَ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ: رَأى في ذَلِكَ الشّاهِدِ الأمْرَ والنَّهْيَ، والنُّبُوّاتِ، والكُتُبَ والشَّرائِعَ، والمَحَبَّةَ والرِّضا، والكَراهَةَ والبُغْضَ، والثَّوابَ والعِقابَ، وشاهَدَ الأمْرَ نازِلًا مِمَّنْ هو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ، وأعْمالُ العِبادِ صاعِدَةٌ إلَيْهِ، ومَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ، يَجْزِي بِالإحْسانِ مِنها في هَذِهِ الدّارِ وفي العُقْبى نَضْرَةً وسُرُورًا، ويَقْدَمُ إلى ما لَمْ يَكُنْ عَنْ أمْرِهِ وشَرْعِهِ مِنها فَيَجْعَلُهُ هَباءً مَنثُورًا.
وَإنْ قامَ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِنَ الرَّحْمَةِ: رَأى الوُجُودَ كُلَّهُ قائِمًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَدْ وسِعَ مَن هي صِفَتُهُ كُلُّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا، وانْتَهَتْ رَحْمَتُهُ إلى حَيْثُ انْتَهى عِلْمُهُ، فاسْتَوى عَلى عَرْشِهِ بِرَحْمَتِهِ؛ لِتَسَعَ كُلَّ شَيْءٍ، كَما وسِعَ عَرْشُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وَإنْ قامَ بِقَلْبِهِ شاهِدُ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ، والعَظَمَةِ والجَبَرُوتِ: فَلَهُ شَأْنٌ آخَرُ.
وَهَكَذا جَمِيعُ شَواهِدِ الصِّفاتِ، فَما ذَكَرْناهُ إنَّما هو أدْنى تَنْبِيهٍ عَلَيْها، فالكَشْفُ والعِيانُ والمُشاهَدَةُ لا تَتَجاوَزُ الشَّواهِدَ ألْبَتَّةَ، فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ.
فَقَوْلُهُ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ: إنَّها مُعايَنَةُ عَيْنِ القَلْبِ، وهي مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ عَلى نَعْتِهِ، يُرِيدُ بِهِ مَعْرِفَتَهُ عَلى نَعْتِهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ في الخارِجِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَإنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ عَلى مَعْرِفَةِ ما في الآخِرَةِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في الدُّنْيا مِمّا في الآخِرَةِ إلّا الأسْماءُ، فَكَيْفَ بِمَعْرِفَةِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ؟ وإنَّ غايَةَ المَعْرِفَةِ: أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ عَلى نَعْتِهِ عَلى وجْهٍ مُجْمَلٍ أوْ مُفَصَّلٍ تَفْصِيلًا مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.
قَوْلُهُ: " عِلْمًا يَقْطَعُ الرِّيبَةَ، ولا يَشُوبُهُ حَيْرَةٌ " هَذا حَقٌّ، فَإنَّ المَعْرِفَةَ مَتى شابَها رِيبَةٌ أوْ حَيْرَةٌ: لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً، كَما أنَّ رُؤْيَةَ العَيْنِ لَوْ شابَها ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ رُؤْيَةً تامَّةً، فالمَعْرِفَةُ: ما قَطَعَ الشَّكَّ والرِّيبَةَ والوَسْواسَ.
قَوْلُهُ: والمُعايَنَةُ الثّالِثَةُ: عَيْنُ الرُّوحِ، وهي الَّتِي تُعايِنُ الحَقَّ عِيانًا مَحْضًا.
إنْ أرادَ بِالحَقِّ ضِدَّ الباطِلِ أيْ: تُعايِنُ ما هو حَقٌّ، بِحَيْثُ يَنْكَشِفُ لَها كَما يَنْكَشِفُ المَرْئِيُّ لِلْبَصَرِ فَصَحِيحٌ، وإنْ أرادَ بِالحَقِّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى، فَإنْ لَمْ يَحْمِلْ كَلامَهُ عَلى قُوَّةِ اليَقِينِ، ومَزِيدِ الإيمانِ، ونُزُولِ الرُّوحِ في مَقامِ الإحْسانِ، وإلّا فَهو باطِلٌ، فَإنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى لا يُعايِنُهُ في هَذِهِ الدّارِ بَصَرٌ ولا رُوحٌ، بَلِ المِثالُ العِلْمِيُّ: حَظُّ الرُّوحِ والقَلْبِ كَما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: والأرْواحُ إنَّما طُهِّرَتْ وأُكْرِمَتْ بِالبَقاءِ، لِتُعايِنَ سَنا الحَضْرَةِ، وتُشاهِدَ بَهاءَ العِزَّةِ، وتَجْذِبَ القُلُوبَ إلى فِناءِ الحَضْرَةِ.
يَعْنِي: أنَّ الأرْواحَ خُلِقَتْ لِلْبَقاءِ لا لِلْفَناءِ، هَذا هو الحَقُّ، وما خالَفَ فِيهِ إلّا شِرْذِمَةٌ مِنَ النّاسِ مِن أهْلِ الإلْحادِ القائِلِينَ: إنَّ الأرْواحَ تَفْنى بِفَناءِ الأبْدانِ، لِكَوْنِها قُوَّةً مِن قُواها، وعَرَضًا مِن أعْراضِها.
وَهَؤُلاءِ قِسْمانِ؛ أحَدُهُما: مُنْكِرٌ لِمَعادِ الأبْدانِ، والثّانِي: مَن يُقِرُّ بِمَعادِ الأبْدانِ، ويَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعِيدُ قُوى البَدَنِ وأعْراضَهُ، ومِنها: الرُّوحُ فَتَفْنى بِفَناءِ الأبْدانِ، فَلَيْسَ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ رُوحٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها، تُساكِنُ البَدَنَ وتُفارِقُهُ، وتَتَّصِلُ بِهِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ.
وَأمّا الحَقُّ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وأتْباعُهُمْ: فَهو أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ مُفارَقَةِ أبْدانِها، لا تَفْنى ولا تُعْدَمُ، وأنَّها مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ في البَرْزَخِ، فَإذا كانَ يَوْمُ المَعادِ رُدَّتْ إلى أبْدانِها، فَتُنَعَّمُ مَعَها أوْ تُعَذَّبُ، ولا تُعْدَمُ ولا تَفْنى.
فَقَوْلُهُ: والأرْواحُ إذا طُهِّرَتْ وأُكْرِمَتْ بِالبَقاءِ لِتُعايِنَ سَنا الحَضْرَةِ، يُرِيدُ: الأرْواحَ الطّاهِرَةَ الزَّكِيَّةَ، وفي نُسْخَةٍ: لِتُناغِيَ سَنا الحَضْرَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْصَقُ بِالبابِ الَّذِي تَرْجَمَهُ بِبابِ المُعايَنَةِ، والمُرادُ بِالحَضْرَةِ: الحَضْرَةُ الإلَهِيَّةُ، وبِ " السَّنا " النُّورُ الَّذِي يَلْمَعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ [النور: ٤٣] ومُعايَنَةُ ذَلِكَ: إنَّما هو في الدّارِ الآخِرَةِ، والمُعايِنُ هاهُنا: هو نُورُ المَعْرِفَةِ والمِثالِ العِلْمِيِّ.
قَوْلُهُ: " ويُشاهِدَ بَهاءَ العِزَّةِ " البَهاءُ في اللُّغَةِ: الحُسْنُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، يُقالُ مِنهُ: بَهي الرَّجُلُ بِالكَسْرِ وبَهُوَ أيْضًا. فَهو بَهِيٌّ.
والعِزَّةُ يُرادُ بِها ثَلاثَةُ مَعانٍ: عِزَّةُ القُوَّةِ، وعِزَّةُ الِامْتِناعِ، وعِزَّةُ القَهْرِ، والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ العِزَّةُ التّامَّةُ بِالِاعْتِباراتِ الثَّلاثِ، ويُقالُ مِنَ الأوَّلِ: عَزَّ يَعَزُّ بِفَتْحِ العَيْنِ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنَ الثّانِي: عَزَّ يَعِزُّ بِكَسْرِها ومِنَ الثّالِثِ: عَزَّ يَعُزُّ بِضَمِّها أعْطُوا أقْوى الحَرَكاتِ لِأقْوى المَعانِي، وأخَفَّها لِأخَفِّها، وأوْسَطَها لِأوْسَطِها، وهَذِهِ العِزَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ، إذِ الشَّرِكَةُ تُنْقِصُ العِزَّةَ، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الشَّرِكَةَ تُنافِي كَمالَ العِزَّةِ، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِنَفْيِ أضْدادِها، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِنَفْيِ مُماثَلَةِ غَيْرِهِ لَهُ في شَيْءٍ مِنها.
فالرُّوحُ تُعايِنُ بِقُوَّةِ مَعْرِفَتِها وإيمانِها بَهاءَ العِزَّةِ وجَلالَها وعَظَمَتَها، وهَذِهِ المُعايَنَةُ هي نَتِيجَةُ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ المُطابِقَةِ لِلْحَقِّ في نَفْسِ الأمْرِ، المُتَلَقّاةِ مِن مِشْكاةِ الوَحْيِ، فَلا يَطْمَعُ فِيها واقِفٌ مَعَ أقْيِسَةِ المُتَفَلْسِفِينَ، وجَدَلِ المُتَكَلِّمِينَ، وخَيالاتِ المُتَصَوِّفِينَ.
قَوْلُهُ: وتَجْذِبَ القُلُوبَ إلى فِناءِ الحَضْرَةِ، هو بِكَسْرِ الفاءِ؛ أيْ: جانِبِ الحَضْرَةِ، يَعْنِي: أنَّ الأرْواحَ لِقُوَّةِ طَلَبِها، وشِدَّةِ شَوْقِها تَسُوقُ القُلُوبَ وتَجْذِبُها إلى هُناكَ، فَإنَّ طَلَبَ الرُّوحِ وسَيْرَها أقْوى مِن طَلَبِ القَلْبِ وسَيْرِهِ، كَما كانَتْ مُعايَنَتُها أتَمَّ مِن مُعايَنَتِهِ.
وَبِالجُمْلَةِ: فَأحْكامُ الرُّوحِ عِنْدَهم فَوْقَ أحْكامِ القَلْبِ، وأخَصُّ مِنها.
والمَقْصُودُ: أنَّ الرُّوحَ مَتى عايَنَتِ الحَقَّ جَذَبَتِ القُوى كُلَّها والقَلْبُ إلى حَضْرَتِهِ، فَيَنْقادُ مَعَها انْقِيادًا بِلا اسْتِعْصاءٍ، بِخِلافِ جَذْبِ القَلْبِ، فَإنَّ الجَوارِحَ قَدْ تَسْتَعْصِي عَلَيْهِ بَعْضَ الِاسْتِعْصاءِ، وتَأْبى شَيْئًا مِنَ الإباءِ، وأمّا جَذْبُ الرُّوحِ: فَلا اسْتِعْصاءَ مَعَهُ ولا إباءَ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الفرقان 25:52
الجِهاد نَوْعانِ جِهاد بِاليَدِ والسنان، وهَذا المشارك فِيهِ كثير.
والثّانِي الجِهاد بِالحجَّةِ والبَيان وهَذا جِهاد الخاصَّة من اتِّباع الرُّسُل وهو جِهاد الأئمة وهو أفضل الجهادين لعظم منفعَته وشدَّة مُؤْنَته وكَثْرَة أعدائه قالَ تَعالى في سُورَة الفرْقان وهِي مَكِّيَّة ﴿وَلَو شِئْنا لبعثنا في كل قَرْيَة نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم بِهِ جهادا كَبِيرا﴾
فَهَذا جِهاد لَهُم بِالقُرْآنِ وهو أكبر الجهادين وهو جِهاد المُنافِقين أيضا، فَإن المُنافِقين لم يَكُونُوا يُقاتلُون المُسلمين بل كانوا معهم في الظّاهِر ورُبما كانُوا يُقاتلُون عدوهم مَعَهم ومَعَ هَذا فقد قالَ تَعالى ﴿يا أيها النَّبِي جاهد الكفّار والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِم﴾
وَمَعْلُوم أن جِهاد المُنافِقين بِالحجَّةِ والقُرْآن.
الفرقان 25:55
هَذا من ألطف خطاب القُرْآن وأشرف مَعانِيه وأن المُؤمن دائِما مَعَ الله على نَفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه وهَذا معنى كَونه من حزب الله وجنده وأوليائه فَهو مَعَ الله على عدوه الدّاخِل فِيهِ والخارِج عَنهُ يحاربهم ويعاديهم ويغضبهم لَهُ سُبْحانَهُ كَما يكون خَواص الملك مَعَه على حَرْب أعدائه والبعيدون مِنهُ فارغون من ذَلِك غير مهتمين بِهِ والكافِر مَعَ شَيْطانه ونَفسه وهواه على ربه وعبارات السّلف على هَذِه تَدور.
ذكر بن أبي حاتِم عَن عَطاء بن دِينار عَن سعيد بن جُبَير قالَ "عونا للشَّيْطان على ربه بالعداوة والشرك"
وَقالَ لَيْث عَن مُجاهِد قالَ "يظاهر الشَّيْطان على مَعْصِيّة الله يُعينهُ عَلَيْها".
وَقالَ زيد بن أسلم (ظهيرا) أي مواليا.
والمعْنى أنه يوالي عدوه على مَعْصِيَته والشرك بِهِ فَيكون مَعَ عدوه معينا لَهُ على مساخط ربه.
فالمعية الخاصَّة التي لِلْمُؤمنِ مَعَ ربه وإلهه قد صارَت لهَذا الكافِر والفاجر مَعَ الشَّيْطان ومَعَ نَفسه وهواه وقربانه، ولِهَذا صدّر الآيَة بقوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ما لا يَنْفَعهم ولا يضرهم﴾
وَهَذِه العِبادَة هي المُوالاة والمحبة والرِّضا بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الخاصَّة فظاهروا أعداء الله على معاداته ومخالفته ومساخطه بِخِلاف وليه سُبْحانَهُ فَإنَّهُ مَعَه على نَفسه وشيطانه وهواه وهَذا المَعْنى من كنوز القُرْآن لمن فهمه وعقله وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
الفرقان 25:58
[فصل: الفرق بين التوكل والعجز]
والفرق بين التوكل والعجز: أن التوكل عمل القلب وعبوديته اعتمادا على اللّه وثقة به والتجاء إليه وتفويضا إليه ورضا بما يقضيه له لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها فقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أعظم المتوكلين وكان يلبس لامته ودرعه بل ظاهر يوم أحد بين درعين واختفى في النار ثلاثا فكان متوكلا في السبب لا على السبب.
وأما العجز فهو تعطيل الأمرين أو أحدهما فإما أن يعطل السبب عجزا منه ويزعم أن ذلك توكل ولعمر اللّه أنه لعجز وتفريط وإما أن يقوم بالسبب ناظرا إليه معتمدا عليه غافلا عن المسبب معرضا عنه وإن خطر بباله لم يثبت معه ذلك الخاطر ولم يعلق قلبه به تعلقا تاما بحيث يكون قلبه مع اللّه وبدنه مع السبب فهذا توكله عجز وعجزه توكل.
وهذا الوضع انقسم فيه الناس طرفين ووسطا (فأحد الطرفين) عطل الأسباب محافظة على التوكل.
والثاني: عطل التوكل محافظة على السبب (والوسط) عليم أن حقيقة التوكل لا يتم إلا بالقيام بالسبب فتوكل على اللّه في نفس السبب، وأما من عطل السبب وزعم أنه متوكل فهو مغرور ومخدوع متمن كمن عطل النكاح والتسري وتوكل في حصول الولد، وعطل الحرث والبذور وتوكل في حصول الزرع، وعطل الأكل والشرب وتوكل في حصول الشبع والري، فالمتوكل نظير الرجاء. والعجز نظير المنى فحقيقة التوكل أن يتخذ العبد ربه وكيلا له قد فرض إليه كما يفرض الموكل إلى وكيله العالم بكفايته ونهضته ونصحه وأمانته وخبرته وحسن اختياره والرب سبحانه قد أمر عبده بالاحتيال وتوكل له أن يستخرج له من حليته ما يصلحه فأمره أن يحرث ويبذر ويسعى ويطلب رزقه في ضمان ذلك كما قدره سبحانه ودبره واقتضته حكمته وأمره أن لا يعلق قلبه بغيره بل يجعل رجاءه له وخوفه منه وثقته به وتوكله عليه وأخبره سبحانه الملي بالوكالة الوفي بالكفاية فالعاجز من رمى هذا كله وراء ظهره وقعد كسلان طالبا للراحة مؤثرا للبدعة يقول الرزق ويطلب صاحبه كما يطلبه أجله وسيأتيني ما قدر لي على ضعفي ولن أنال ما لم يقدر لي مع قوتي، ولو أني هربت من رزقي كما أهرب من الموت للحقني فيقال له نعم هذا كله حق وقد علمت أن الرزق مقدر فما يدريك كيف قدر لك، بسعيك أم بسعي غيرك.
وإذا كان بسعيك فبأي سبب ومن أي وجه، وإذا اختفى عليك هذا كله فمن أين علمت أن بقدر لك إتيانه عفوا بلا سعي ولا كد فكم من شيء سعيت فيه فقدر لغيرك وكم من شيء سعى فيه غيرك فقدر لك رزقا! فإذا رأيت هذا عيانا فكيف علمت أن رزقك كله بسعي غيرك؟
وأيضا فهذا الذي أوردته عليك النفس يجب عليك طرده في جميع الأسباب مع مسبباتها حتى في أسباب دخول الجنة والنجاة من النار فهل تعطلها اعتمادا على التوكل أم تقوم بها مع التوكل؟ بل لن تخلو الأرض من متوكل صير نفسه للّه وملأ قلبه من الثقة به ورجاءه وحسن الظن به فضاق قلبه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب فسكن قلبه إلى اللّه واطمأن إليه ووثق به.
وكان هذا من أقوى حصول أسباب رزقه فلم يعطل السبب وإنما رغب عن سبب إلى سبب أقوى منه فكان توكله أوثق الأسباب عنده، فكان اشتغال قلبه باللّه وسكونه إليه وتضرعه إليه أحب إليه من اشتغاله بسببه يمنعه من ذلك أو من كماله فلم يتسع قلبه للأمرين فأعرض عن أحدهما إلى الآخر ولا ريب أن هذا أكمل حالا ممن امتلأ قلبه بالسبب واشتغل به عن ربه وأكمل منهما من جمع الأمرين وهي حال الرسل والصحابة، فقد كان زكريا نجارا.
وقد أمر اللّه نوحا أن يصنع السفينة ولم يكن في الصحابة من يعطل السبب اعتمادا على التوكل بل كانوا أقوم الناس بالأمرين ألا ترى أنهم بذلوا جهدهم في محاربة أعداء الدين وألسنتهم وقالوا في ذلك بحقيقة التوكل وعمروا أموالهم وأصلحوها وأعدوا لأهليهم كفايتهم من القوت اقتداء بسيد المتوكلين صلوات اللّه وسلامه عليه وآله.
الفرقان 25:62
ذكر تَعالى خلق اللَّيْل والنَّهار وأنهما خلفة.
أي يخلف أحدهما الآخر لا يجْتَمع مَعَه، ولَو اجْتمع مَعَه لفاتت المصلحَة بتعاقبهما واختلافهما.
وَهَذا هو المُراد باخْتلاف اللَّيْل والنَّهار كَون كل واحِد مِنهُما يخلف الآخر لا يجامعه ولا يحاذيه، بل يغشى أحدهما صاحبه فيطلبه حثيثا حَتّى يُزِيلهُ عَن سُلْطانه، ثمَّ يَجِيء الآخر عَقِيبه فيطلبه حثيثا حَتّى يهزمه ويزيله عَن سُلْطانه فهما دائِما يتطالبان ولا يدْرك أحدهما صاحبه.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحسن، وقتادة: (عِوَضًا وخَلَفًا يَقُومُ أحَدُهُما مَقامَ صاحِبِهِ، فَمَن فاتَهُ عَمَلٌ في أحَدِهِما، قَضاهُ في الآخَرِ)
قالَ قتادة (فَأدُّوا لِلَّهِ مِن أعْمالِكم خَيْرًا في هَذا اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَإنَّهُما مَطِيَّتانِ يُقْحِمانِ النّاسَ إلى آجالِهِمْ، ويُقَرِّبانِ كُلَّ بَعِيدٍ، ويُبْلِيانِ كُلَّ جَدِيدٍ، ويَجِيئانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ).
وَقالَ شقيق: جاءَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: فاتَتْنِي الصَّلاةُ اللَّيْلَةَ، فَقالَ: (أدْرِكْ ما فاتَكَ مِن لَيْلَتِكَ في نَهارِكَ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا).
الفرقان 25:63
[فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ في مَشْيِهِ وحْدَهُ ومَعَ أصْحابِهِ]
كانَ إذا مَشى تَكَفَّأ تَكَفُّؤًا، وكانَ أسْرَعَ النّاسِ مِشْيَةً وأحْسَنَها وأسْكَنَها، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «ما رَأيْتُ شَيْئًا أحْسَنَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَأنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي في وجْهِهِ، وما رَأيْتُ أحَدًا أسْرَعَ في مِشْيَتِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأنَّما الأرْضُ تُطْوى لَهُ، وإنّا لَنُجْهِدَ أنْفُسَنا وإنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ»
وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا مَشى تَكَفَّأ تَكَفُّؤًا كَأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ»
وَقالَ مَرَّةً «إذا مَشى تَقَلَّعَ»
قُلْتُ: والتَّقَلُّعُ الِارْتِفاعُ مِنَ الأرْضِ بِجُمْلَتِهِ كَحالِ المُنْحَطِّ مِنَ الصَّبَبِ، وهي مِشْيَةُ أُولِي العَزْمِ والهِمَّةِ والشَّجاعَةِ، وهي أعْدَلُ المِشْياتِ وأرْواحُها لِلْأعْضاءِ وأبْعَدُها مِن مِشْيَةِ الهَوَجِ والمَهانَةِ والتَّماوُتِ، فَإنَّ الماشِيَ إمّا أنْ يَتَماوَتَ في مَشْيِهِ ويَمْشِيَ قِطْعَةً واحِدَةً كَأنَّهُ خَشَبَةٌ مَحْمُولَةٌ، وهي مِشْيَةٌ مَذْمُومَةٌ قَبِيحَةٌ، وإمّا أنْ يَمْشِيَ بِانْزِعاجٍ واضْطِرابٍ مَشْيَ الجَمَلِ الأهْوَجِ، وهي مِشْيَةٌ مَذْمُومَةٌ أيْضًا، وهي دالَّةٌ عَلى خِفَّةِ عَقْلِ صاحِبِها، ولا سِيَّما إنْ كانَ يُكْثِرُ الِالتِفاتَ حالَ مَشْيِهِ يَمِينًا وشِمالًا، وإمّا أنْ يَمْشِيَ هَوْنًا، وهي مِشْيَةُ عِبادِ الرَّحْمَنِ كَما وصَفَهم بِها في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾
قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: بِسَكِينَةٍ ووَقارٍ مِن غَيْرِ تَكَبُّرٍ ولا تَماوُتٍ، وهي مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ مَعَ هَذِهِ المِشْيَةِ كانَ كَأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ، وكَأنَّما الأرْضُ تُطْوى لَهُ، حَتّى كانَ الماشِي مَعَهُ يُجْهِدُ نَفْسَهُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: أنَّ مِشْيَتَهُ لَمْ تَكُنْ مِشْيَةً بِتَماوُتٍ ولا بِمَهانَةٍ، بَلْ مِشْيَةٌ أعْدَلُ المِشْياتِ.
والمِشْياتُ عَشَرَةُ أنْواعٍ: هَذِهِ الثَّلاثَةُ مِنها، والرّابِعُ: السَّعْيُ، والخامِسُ: الرَّمَلُ، وهو أسْرَعُ المَشْيِ مَعَ تَقارُبِ الخُطى ويُسَمّى: الخَبَبَ، وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَبَّ في طَوافِهِ ثَلاثًا ومَشى أرْبَعًا».
السّادِسُ: النَّسَلانُ، وهو العَدْوُ الخَفِيفُ الَّذِي لا يُزْعِجُ الماشِيَ ولا يُكْرِثُهُ. وفي بَعْضِ المَسانِيدِ أنَّ المُشاةَ شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَشْيِ في حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَ: «اسْتَعِينُوا بِالنَّسَلانِ».
والسّابِعُ: الخَوْزَلى، وهي مِشْيَةُ التَّمايُلِ، وهي مِشْيَةٌ يُقالُ: إنَّ فِيها تَكَسُّرًا وتَخَنُّثًا.
والثّامِنُ: القَهْقَرى، وهي المِشْيَةُ إلى وراءٍ.
والتّاسِعُ: الجَمَزى، وهي مِشْيَةٌ يَثِبُ فِيها الماشِي وثْبًا.
والعاشِرُ: مِشْيَةُ التَّبَخْتُرِ، وهي مِشْيَةُ أُولِي العُجْبِ والتَّكَبُّرِ، وهي الَّتِي خَسَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِصاحِبِها لَمّا نَظَرَ في عِطْفَيْهِ وأعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَهو يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وَأعْدَلُ هَذِهِ المِشْياتِ مِشْيَةُ الهَوْنِ والتَّكَفُّؤِ.
وَأمّا مَشْيُهُ مَعَ أصْحابِهِ فَكانُوا يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو خَلْفَهم ويَقُولُ: (دَعُوا ظَهْرِي لِلْمَلائِكَةِ)
وَلِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: وكانَ يَسُوقُ أصْحابَهُ.
وَكانَ يَمْشِي حافِيًا ومُنْتَعِلًا، وكانَ يُماشِي أصْحابَهُ فُرادى وجَماعَةً، «وَمَشى في بَعْضِ
غَزَواتِهِ مَرَّةً فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ وسالَ مِنها الدَّمُ فَقالَ:
؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيَتَ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتَ
» وكانَ في السَّفَرِ ساقَةُ أصْحابُهُ يُزْجِي الضَّعِيفَ ويُرْدِفُهُ ويَدْعُو لَهُمْ، ذَكَرَهُ أبو داود.
فإن قيل: ما السر في نصب السلام من قوله تعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾
ورفعه من قوله: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾
وما الفرق بين الموضعين؟
فالجواب عنه أن الله سبحانه مدح عباده الذين ذكرهم في هذه الآيات بأحسن أوصافهم وأعمالهم فقال: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾
فـ (سلاما) هنا صفة لمصدر محذوف هو القول نفسه.
أي قالوا قولا سلاما أي سدادا وصوابا وسليما من الفحش والخنا، ليس مثل قول الجاهلين الذين يخاطبونهم بالجهل، فلو رفع السلام هنا لم يكن فيه المدح المذكور بل كان يتضمن أنهم إذا خاطبهم الجاهلون سلموا عليهم، وليس هذا معنى الآية، ولا مدح فيه.
وإنما المدح في الإخبار عنهم بأنهم لا يقابلون الجهل مثله بل يقابلونه بالقول السلام، فهو من باب دفع السيئة بالتي هي أحسن التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
وتفسير السلف وألفاظهم صريحة بهذا المعنى.
وتأمل كيف جمعت الآية وصفهم في حركتي الأرجل والألسن بأحسنها وألطفها وأحكمها وأوقرها فقال ﴿الذين يمشون على الأرض هونا﴾
أي بسكينة ووقار والهون بفتح الهاء من الشيء، وهو مصدر هان هونا أي سهل.
ومنه قولهم يمشي على هينته. ولا أحسبها إلا مولدة، ومع هذا فهي قياس اللفظة فإنها على بناء الحالة والهيئة فهي (فعلة) من الهون، وأصلها هونة فقلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها فاللفظة صحيحة المادة والتصريف.
وأما الهون بالضم فهو الهوان فأعطوا حركة الضم القوية للمعنى الشديد وهو الهوان وأعطوا حركة الفتح السهلة للمعنى السهل وهو الهون، فوصف مشيهم بأنه مشي حلم ووقار وسكينة لا مشي جهل وعنف وتبختر.
ووصف نطقهم بأنه سلام فهو نطق حلم وسكينة ووقار، لا نطق جهل وفحش وخنا وغلظة.
فلهذا جمع بين المشي والنطق في الآية، فلا يليق بهذا المعنى الشريف العظيم الخطير أن يكون المراد منه سلام عليكم فتأمله.
وأما قوله تعالى ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ (٥٥)﴾
فإنها وصف لطائفة من مؤمني أهل الكتاب قدموا على رسول الله ﷺ مكة المكرمة فآمنوا به فعيرهم المشركون وقالوا: قبحتم من وفد بعثكم قومكم لتعلموا خبر الرجل ففارقتم دينكم وتبعتموه ورغبتم عن دين قومكم
فأخبر عنهم بأنهم خاطبوهم خطاب متاركة وإعراض وهجر جميل فقالوا: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾
وكان رفع السلام متعينا لأنه حكاية ما قد وقع ونصب (السلام) في آية الفرقان متعينا لأنه تعليم وإرشاد لما هو الأكمل والأولى للمؤمن أن يعتمده إذا خاطبه الجاهل.
فتأمل هذه الأسرار التي أدناها يساوي رحلة.
والله تعالى المحمود وحده على ما منَّ به وأنعم.
؎وهي المواهب من رب العباد فما ∗∗∗ يقال لولا ولا هلا ولا فلما
(قاعِدَة)
اللَّذَّة من حَيْثُ هي مَطْلُوبَة للْإنْسان بل ولكُل حَيّ، فَلا تذم من جِهَة كَونها لَذَّة وإنَّما تذم ويكون تَركها خيرا من نيلها وأنفع إذا تَضَمَّنت فَوات لَذَّة أعظم مِنها وأكمل، أو أعقبت ألما حُصُوله أعظم من ألم فَواتها.
فهاهنا يظْهر الفرق بَين العاقِل الفطن والأحمق الجاهِل ضمن عرف العقل بَين، فَمَتى علا فالتَّفاوُت بَين اللذتين والألمين وأنه لا نِسْبَة لأحَدهما إلى الآخر هان عَلَيْهِ ترك أدنى اللذتين لتَحْصِيل أعلاهما، واحْتِمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما.
وَإذا تقررت هَذِه القاعِدَة فلذة الآخِرَة أعظم وأدوم، ولَذَّة الدُّنْيا أصْغَر وأقصر.
وَكَذَلِكَ ألم الآخِرَة وألم الدُّنْيا، والمعوّل في ذَلِك على الإيمان واليَقِين فَإذا قوي اليَقِين وباشر القلب آثر الأعْلى على الأدْنى في جانب اللَّذَّة، واحْتمل الألَم الأسهل على الأصعب. والله المُسْتَعان.
(موعظة)
المتعبدون بالليل يقربون إلى نوق الأبدان خيط الرقاد فإذا تناولت سد الفاقة رفعت رؤوسها فإذا الدليل على الجادة فتأخذ في السير من النجوم الجواري مؤذن ومنها مقيم، فأرباب العزائم يؤذن في محلتهم بليل ويقام لهم أول الوقت ومن دونهم يصلون في أول الوقت وأهل الفتور في آخرة.
إذا هجمت جنود الرقاد على العيون صاح حارس اليقظة بالمتعبدين الصلاة خير من النوم وهتف رقيب المعاتبة كذب من ادعى محبتي حتى إذا جنة الليل نام عني فيصيح المشتاق
؎سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم ∗∗∗ هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان
ثم تمر بالمجتهدين سيارة النجوم فيبعثون مع كل فيج رسالة فتسلم أخباره إلى ركب السحر فتهب لمجيئها رياح الأسحار فيقول المنتظر إني لأجد ريح يوسف. سبحان من أنعم على الموجودات بإيجادها من غير طلب فلما وجدت بسطت أكف السؤال لطلب تكميلها، فالأجنة في بطون الأمهات تطلب تكميل الخلق، والبذر تحت التراب يطلب قوته من الري، ومخ الثمار ينتظر من فضله كمال نضجه، ومراكب البحار تحريكها بالرياح، وأصحاب البضائع ينتظرون وجود الأرباح عليهم، وطلاب العلم يسألون فتح منغلق الفهم، وأهل المجاهدة يرومون المعاونة على الطبع، والمظلوم يترقب طلوع فجر النصر، والمريض يتململ بين يديه طلبا للطفه، والمكروب ينتظر كشف ما به، والخائف يترقب بريد الأمن، والأبدان المتمزقة في اللحود تنتظر جمع الشمل بعد الشتات، وعرائس الجنان يسألن سلامة بعولتهن وتعجيل اللقاء، فإذا قام الخلق من أطباق التراب بإنعاش البعث نكس صاحب الزلل رأس الندم طلبا للعفو، ومد العابد يد التقاضي بالمسلم فيه عند حلول الأجل، وحدق الزاهد إلى جزاء الصبر، وأشرف المحب على أطلال الشوق إلى الحبيب، وصاح العارف بلسان الوجد إذ لم يبق وقت للصمت
؎لي عندكم دين فواعجبا ∗∗∗ الدين لي وفؤادي الرهن
؎من شاء باهلني باهلته بهم ∗∗∗ وبعد عند ورود الحوض نستبق
وقال غيره:
؎عدمت دوائي بالعراق وربما ∗∗∗ وجدت بنجد لي طبيبا مداويا
؎ويا جبل الريان إن تعر منهم ∗∗∗ فإني سأكسوك الدموع الجواريا
؎ومن جذري لا أسأل الركب عنهم ∗∗∗ وأغلاق وجدي باقيات كما هيا
؎ومن يسال الركبان عن كل غائب ∗∗∗ فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا
(موعظة أخرى)
إقبال الليل عند المحبين كقميص يوسف في أجفان يعقوب.
لو أحببت المخدوم حضر قلبك في خدمته.
؎فيا دارها بالحزن إن مزارها ∗∗∗ قريب ولكن دون ذلك أهوال
العروس تلبس عند العرض تحت الثياب شعار الخوف من الرد وفوق الثياب حلة الانكسار وحمرة الخجل تغنيها عن تخمير مستعار لأنها لا تدري على ماذا تقدم فكيف يسكن من لا يعرف العواقب.
مداراة قيس ممكن ولكن لا مع ذكر ليلى.
انقسم العباد ثلاثة: أقسام: فمنهم من لاحظ الحصاد فزاد في البذر، ومنهم من رأى حق المخدوم فقام بأدائه، ومنهم من خدم حبا وشوقا فتلذذ بالخدمة.
وهذه الخدمة لا ثقل لها لأن محركها الحب وغيرها ثقيل على البدن.
نوق أبدان المحبين لا تحس بالنصب وأسماعها مشغولة بصوت الحادي، وقلوبها معلقة بالمنزل.
من عبده خوفا أمنه، ومن عبده رجاء أعطاه أمله، ومن عبده حبا فلا تعلم نفس ما أخفي لها.
؎يراها بعين الشوق قلبي على النوى ∗∗∗ فتحظى ولكن من لعيني برؤياها
؎وهبكم منعتم أن يراها بعينه ∗∗∗ فهل تمنعون القلب أن يتمناها
كم دخل المجلس عاص في باطنه باطية خمر، فما زالت تعمل فيها حدة شمس التذكير حتى انقلبت خلا فحلت.
؎يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ∗∗∗ إليكم تلقى نشركم فيطيب
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ التَّواضِعِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ التَّواضُعِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]
أيْ سَكِينَةً ووَقارًا مُتَواضِعِينَ، غَيْرَ أشِرِينَ، ولا مَرِحِينَ ولا مُتَكَبِّرِينَ. قالَ الحَسَنُ: عُلَماءُ حُلَماءُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: أصْحابُ وقارٍ وعِفَّةٍ لا يَسْفَهُونَ. وإنْ سُفِهَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا.
والهَوْنُ بِالفَتْحِ في اللُّغَةِ: الرِّفْقُ واللِّينُ. والهُونُ بِالضَّمِّ: الهَوانُ.
فالمَفْتُوحُ مِنهُ: صِفَةُ أهْلِ الإيمانِ. والمَضْمُومُ: صِفَةُ أهْلِ الكُفْرانِ. وجَزاؤُهم مِنَ اللَّهِ النِّيرانُ.
وَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
لَمّا كانَ الذُّلُّ مِنهم ذُلَّ رَحْمَةٍ وعَطْفٍ وشَفَقَةٍ وإخْباتٍ عَدّاهُ بِأداةِ عَلى تَضْمِينًا لِمَعانِي هَذِهِ الأفْعالِ. فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذُلَّ الهَوانِ الَّذِي صاحِبُهُ ذَلِيلٌ. وإنَّما هو ذُلُّ اللِّينِ والِانْقِيادِ الَّذِي صاحِبُهُ ذَلُولٌ، فالمُؤْمِنُ ذَلُولٌ. كَما في الحَدِيثِ
«المُؤْمِنِ كالجَمَلِ الذَّلُولِ.
والمُنافِقُ والفاسِقُ ذَلِيلٌ» وأرْبَعَةٌ يَعْشَقُهُمُ الذُّلُّ أشَدَّ العِشْقِ: الكَذّابُ. والنَّمّامُ. والبَخِيلُ. والجَبّارُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] هو مِن عِزَّةِ القُوَّةِ والمَنَعَةِ والغَلَبَةِ. قالَ عَطاءٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ كالوالِدِ لِوَلَدِهِ. وعَلى الكافِرِينَ كالسَّبُعِ عَلى فَرِيسَتِهِ. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]
وَهَذا عَكْسُ حالِ مَن قِيلَ فِيهِمْ:
؎كِبْرًا عَلَيْنا، وجُبْنًا عَنْ عَدُوِّكُمُ ∗∗∗ لَبِئْسَتِ الخِلَّتانِ: الكِبْرُ، والجُبْنُ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيَّ: أنْ تَواضَعُوا، حَتّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ. ولا يَبْغِيَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «ألا أُخْبِرُكم بِأهْلِ النّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ».
وَفِي حَدِيثِ احْتِجاجِ الجَنَّةِ والنّارِ «أنَّ النّارَ قالَتْ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا الجَبّارُونَ، والمُتَكَبِّرُونَ؟ وقالَتِ الجَنَّةُ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا ضُعَفاءُ النّاسِ وسَقْطُهُمْ».
وَهُوَ في الصَّحِيحِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: العِزَّةُ إزارِي. والكِبْرِياءُ رِدائِي. فَمَن نازَعَنِي عَذَّبْتُهُ».
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لا يَزالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتّى يُكْتَبَ في دِيوانِ الجَبّارِينَ. فَيُصِيبُهُ ما أصابَهُمْ».
«وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ عَلى الصِّبْيانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ».
«وَكانَتِ الأمَةُ تَأْخُذُ بِيَدِهِ ﷺ. فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ.»
«وَكانَ ﷺ إذا أكَلَ لَعِقَ أصابِعَهُ الثَّلاثَ».
«وَكانَ ﷺ يَكُونُ في بَيْتِهِ في خِدْمَةِ أهْلِهِ، ولَمْ يَكُنْ يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ قَطُّ».
وَكانَ ﷺ «يَخْصِفُ نَعْلَهُ، ويُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، ويَحْلِبُ الشّاةَ لِأهْلِهِ، ويَعْلِفُ البَعِيرَ ويَأْكُلُ مَعَ الخادِمِ. ويُجالِسُ المَساكِينَ، ويَمْشِي مَعَ الأرْمَلَةِ واليَتِيمِ في حاجَتِهِما، ويَبْدَأُ مَن لَقِيَهُ بِالسَّلامِ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ مَن دَعاهُ. ولَوْ إلى أيْسَرِ شَيْءٍ».
«وَكانَ ﷺ هَيِّنَ المُؤْنَةِ، لَيِّنَ الخُلُقِ. كَرِيمَ الطَّبْعِ. جَمِيلَ المُعاشَرَةِ. طَلْقَ الوَجْهِ بَسّامًا، مُتَواضِعًا مِن غَيْرِ ذِلَّةٍ، جَوادًا مِن غَيْرِ سَرَفٍ، رَقِيقَ القَلْبِ رَحِيمًا بِكُلِّ مُسْلِمٍ خافِضَ الجَناحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيِّنَ الجانِبِ لَهُمْ».
وَقالَ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِمَن يَحْرُمُ عَلى النّارِ - أوْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النّارُ - تَحْرُمُ عَلى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ»
رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقالَ: «لَوْ دُعِيتُ إلى ذِراعٍ - أوْ كُراعٍ - لَأجَبْتُ، ولَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِراعٌ - أوْ كُراعٌ - لَقَبِلْتُ» رَواهُ البُخارِيُّ.
وَكانَ ﷺ «يَعُودُ المَرِيضَ. ويَشْهَدُ الجِنازَةَ. ويَرْكَبُ الحِمارَ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ العَبْدِ».
«وَكانَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ عَلى حِمارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِن لِيفٍ عَلَيْهِ إكافٌ مِن لِيفٍ».
[فَصْلٌ أقْوالُ العُلَماءِ في التَّواضُعِ]
سُئِلَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ عَنِ التَّواضُعِ؟ فَقالَ: يَخْضَعُ لِلْحَقِّ، ويَنْقادُ لَهُ. ويَقْبَلُهُ مِمَّنْ قالَهُ.
وَقِيلَ: التَّواضُعُ أنْ لا تَرى لِنَفْسِكَ قِيمَةً. فَمَن رَأى لِنَفْسِهِ قِيمَةً فَلَيْسَ لَهُ في التَّواضُعِ نَصِيبٌ.
وَهَذا مَذْهَبُ الفُضَيْلِ وغَيْرِهِ.
وَقالَ الجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هو خَفْضُ الجَناحِ، ولِينُ الجانِبِ.
وَقالَ أبُو يَزِيدَ البَسْطامِيُّ: هو أنْ لا يَرى لِنَفْسِهِ مَقامًا ولا حالًا. ولا يَرى في الخَلْقِ شَرًّا مِنهُ.
وَقالَ ابْنُ عَطاءٍ: هو قَبُولُ الحَقِّ مِمَّنْ كانَ. والعِزُّ في التَّواضُعِ. فَمَن طَلَبَهُ في الكِبْرِ فَهو كَتَطَلُّبِ الماءِ مِنَ النّارِ.
وَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ شَيْبانَ: الشَّرَفُ في التَّواضُعِ. والعِزُّ في التَّقْوى. والحُرِّيَّةُ في القَناعَةِ.
وَيُذْكَرُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّهُ قالَ: أعَزُّ الخَلْقِ خَمْسَةُ أنْفُسٍ: عالِمٌ زاهِدٌ وفَقِيهٌ صُوفِيٌّ. وغَنِيٌّ مُتَواضِعٌ. وفَقِيرٌ شاكِرٌ. وشَرِيفٌ سُنِّيٌّ.
وَقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: رَأيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى عاتِقِهِ قِرْبَةُ ماءٍ، فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا يَنْبَغِي لَكَ هَذا.
فَقالَ: لَمّا أتانِيَ الوُفُودُ سامِعِينَ مُطِيعِينَ. دَخَلَتْ نَفْسِي نَخْوَةٌ. فَأرَدْتُ أنْ أكْسِرَها.
وَوَلِيَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إمارَةً مَرَّةً. فَكانَ يَحْمِلُ حِزْمَةَ الحَطَبِ عَلى ظَهْرِهِ. ويَقُولُ: طَرِّقُوا لِلْأمِيرِ.
وَرَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ مَرَّةً. فَدَنا ابْنُ عَبّاسٍ لِيَأْخُذَ بِرِكابِهِ. فَقالَ: مَهْ يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ! فَقالَ: هَكَذا أُمِرْنا أنْ نَفْعَلَ بِكُبَرائِنا. فَقالَ: أرِنِي يَدَكَ. فَأخْرَجَها إلَيْهِ فَقَبَّلَها. فَقالَ: هَكَذا أُمِرْنا نَفْعَلُ بِأهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَسَّمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حُلَلًا، فَبَعَثَ إلى مُعاذٍ حُلَّةً مُثَمَّنَةً. فَباعَها. واشْتَرى بِثَمَنِها سِتَّةَ أعْبُدٍ وأعْتَقَهم. فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ. فَبَعَثَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ حُلَّةً دُونَها. فَعاتَبَهُ مُعاذٌ، فَقالَ عُمَرُ: لِأنَّكَ بِعْتَ الأُولى. فَقالَ مُعاذٌ: وما عَلَيْكَ؟ ادْفَعْ لِي نَصِيبِي. وقَدْ حَلَفْتُ لَأضْرِبَنَّ بِها رَأْسَكَ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَأْسِي بَيْنَ يَدَيْكَ. وقَدْ يَرْفُقُ الشّابُّ بِالشَّيْخِ.
وَمَرَّ الحَسَنُ عَلى صِبْيانٍ مَعَهم كِسَرُ خُبْزٍ. فاسْتَضافُوهُ. فَنَزَلَ فَأكَلَ مَعَهُمْ، ثُمَّ حَمَلَهم إلى مَنزِلِهِ. فَأطْعَمَهم وكَساهُمْ، وقالَ: اليَدُ لَهم. لِأنَّهم لا يَجِدُونَ شَيْئًا غَيْرَ ما أطْعَمُونِي، ونَحْنُ نَجِدُ أكْثَرَ مِنهُ.
وَيُذْكَرُ أنَّ أبا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَيَّرَ بِلالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَوادِهِ، ثُمَّ نَدِمَ. فَألْقى بِنَفْسِهِ. فَحَلَفَ: لا رَفَعْتُ رَأْسِي حَتّى يَطَأ بِلالٌ خَدِّي بِقَدَمِهِ. فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتّى فَعَلَ بِلالٌ.
وَقالَ رَجاءُ بْنُ حَيْوَةَ. قَوَّمْتُ ثِيابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو يَخْطُبُ - بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وكانَتْ قِباءً وعِمامَةً وقُمُصًا وسَراوِيلَ ورِداءً وخُفَّيْنِ وقَلَنْسُوَةً.
وَرَأى مُحَمَّدُ بْنُ واسِعٍ ابْنًا لَهُ يَمْشِي مِشْيَةً مُنْكَرَةً. فَقالَ: تَدْرِي بِكَمْ شَرَيْتُ أُمَّكَ؟ بِثَلاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأبُوكَ - لا كَثَّرَ اللَّهُ في المُسْلِمِينَ مِثْلَهُ - أنا. وأنْتَ تَمْشِي هَذِهِ المِشْيَةَ؟
وَقالَ حَمْدُونُ القَصّارُ: التَّواضُعُ أنْ لا تَرى لِأحَدٍ إلى نَفْسِكَ حاجَةً، لا في الدِّينِ ولا في الدُّنْيا.
وَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: ما سُرِرْتُ في إسْلامِي إلّا ثَلاثَ مَرّاتٍ: كُنْتُ في سَفِينَةٍ، وفِيها رَجُلٌ مِضْحاكٌ. كانَ يَقُولُ: كُنّا في بِلادِ التُّرْكِ فَأخَذَ العِلْجُ هَكَذا - وكانَ يَأْخُذُ بِشَعَرِ رَأْسِي ويَهُزُّنِي - لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ السَّفِينَةِ أحَدٌ أحْقَرُ مِنِّي. والأُخْرى: كُنْتُ عَلِيلًا في مَسْجِدٍ. فَدَخَلَ المُؤَذِّنُ، وقالَ: اخْرُجْ. فَلَمْ أُطِقْ، فَأخَذَ بِرِجْلِي وجَرَّنِي إلى خارِجٍ. والأُخْرى: كُنْتُ بِالشّامِ وعَلَيَّ فَرْوٌ. فَنَظَرْتُ فِيهِ فَلَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَ شَعَرِهِ وبَيْنَ القَمْلِ لِكَثْرَتِهِ. فَسَرَّنِي ذَلِكَ.
وَفِي رِوايَةٍ: كُنْتُ يَوْمًا جالِسًا. فَجاءَ إنْسانٌ فَبالَ عَلَيَّ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: رَأيْتُ في الطَّوافِ رَجُلًا بَيْنَ يَدَيْهِ شاكِرِيَّةٌ يَمْنَعُونَ النّاسَ لِأجْلِهِ عَنِ الطَّوافِ، ثُمَّ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ عَلى جِسْرِ بَغْدادَ يَسْألُ شَيْئًا. فَتَعَجَّبْتُ مِنهُ. فَقالَ لِي: إنِّي تَكَبَّرْتُ في مَوْضِعٍ يَتَواضَعُ النّاسُ فِيهِ، فابْتَلانِي اللَّهُ بِالذُّلِّ في مَوْضِعٍ يَتَرَفَّعُ النّاسُ فِيهِ.
وَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ ابْنًا لَهُ اشْتَرى خاتَمًا بِألْفِ دِرْهَمٍ. فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: بَلَغَنِي أنَّكَ اشْتَرَيْتَ فَصًّا بِألْفِ دِرْهَمٍ. فَإذا أتاكَ كِتابِي فَبِعِ الخاتَمَ. وأشْبِعْ بِهِ ألْفَ بَطْنٍ. واتَّخِذْ خاتَمًا بِدِرْهَمَيْنِ. واجْعَلْ فَصَّهُ حَدِيدًا صِينِيًّا. واكْتُبْ عَلَيْهِ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
[دَرَجاتُ التَّواضُعِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى التَّواضُعُ لِلدِّينِ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: التَّواضُعُ لِلدِّينِ. وهو أنْ لا يُعارِضَ بِمَعْقُولٍ مَنقُولًا. ولا يَتَّهِمَ لِلدِّينِ دَلِيلًا. ولا يَرى إلى الخِلافِ سَبِيلًا.
التَّواضُعُ لِلدِّينِ، هو الِانْقِيادُ لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، والِاسْتِسْلامُ لَهُ، والإذْعانُ. وذَلِكَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ.
الأوَّلُ: أنْ لا يُعارِضَ شَيْئًا مِمّا جاءَ بِهِ بِشَيْءٍ مِنَ المُعارَضاتِ الأرْبَعَةِ السّارِيَةِ في العالَمِ، المُسَمّاةِ: بِالمَعْقُولِ، والقِياسِ، والذَّوْقِ، والسِّياسَةِ.
فالأُولى: لِلْمُنْحَرِفِينَ أهْلِ الكِبْرِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، الَّذِينَ عارَضُوا نُصُوصَ الوَحْيِ بِمَعْقُولاتِهِمُ الفاسِدَةِ. وقالُوا: إذا تَعارَضَ العَقْلُ والنَّقْلُ: قَدَّمْنا العَقْلَ. وعَزَلْنا النَّقْلَ. إمّا عَزْلَ تَفْوِيضٍ، وإمّا عَزْلَ تَأْوِيلٍ.
والثّانِي: لِلْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى الفِقْهِ، قالُوا: إذا تَعارَضَ القِياسُ والرَّأْيُ والنُّصُوصُ: قَدَّمْنا القِياسَ عَلى النَّصِّ. ولَمْ نَلْتَفِتْ إلَيْهِ.
والثّالِثُ: لِلْمُتَكَبِّرِينَ المُنْحَرِفِينَ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى التَّصَوُّفِ والزُّهْدِ. فَإذا تَعارَضَ عِنْدَهُمُ الذَّوْقُ والأمْرُ. قَدَّمُوا الذَّوْقَ والحالَ. ولَمْ يَعْبَأُوا بِالأمْرِ.
والرّابِعُ: لِلْمُتَكَبِّرِينَ المُنْحَرِفِينَ مِنَ الوُلاةِ والأُمَراءِ الجائِرِينَ. إذا تَعارَضَتْ عِنْدَهُمُ الشَّرِيعَةُ والسِّياسَةُ. قَدَّمُوا السِّياسَةَ. ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى حُكْمِ الشَّرِيعَةِ.
فَهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ: هم أهْلُ الكِبْرِ. والتَّواضُعُ: التَّخَلُّصُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ.
الثّانِي: أنْ لا يَتَّهِمَ دَلِيلًا مِن أدِلَّةِ الدِّينِ، بِحَيْثُ يَظُنُّهُ فاسِدَ الدَّلالَةِ، أوْ ناقِصَ الدَّلالَةِ، أوْ قاصِرَها، أوْ أنَّ غَيْرَهُ كانَ أوْلى مِنهُ. ومَتى عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَلْيَتَّهِمْ فَهْمَهُ، ولْيَعْلَمْ أنَّ الآفَةَ مِنهُ، والبَلِيَّةَ فِيهِ، كَما قِيلَ:
؎وَكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ∗∗∗ وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
وَلَكِنْ تَأْخُذُ الأذْهانُ مِنهُ عَلى قَدْرِ القَرائِحِ والفُهُومِ وهَكَذا الواقِعُ في الواقِعِ حَقِيقَةً: أنَّهُ ما اتَّهَمَ أحَدٌ دَلِيلًا لِلدِّينِ إلّا وكانَ المُتَّهَمُ هو الفاسِدَ الذِّهْنِ. المَأْفُونَ في عَقْلِهِ، وذِهْنِهِ. فالآفَةُ مِنَ الذِّهْنِ العَلِيلِ. لا في نَفْسِ الدَّلِيلِ.
وَإذا رَأيْتَ مِن أدِلَّةِ الدِّينِ ما يُشْكَلُ عَلَيْكَ، ويَنْبُو فَهْمُكَ عَنْهُ فاعْلَمْ أنَّهُ لِعَظَمَتِهِ وشَرَفِهِ اسْتَعْصى عَلَيْكَ، وأنَّ تَحْتَهُ كَنْزًا مِن كُنُوزِ العِلْمِ. ولَمْ تُؤْتَ مِفْتاحَهُ بَعْدُ. هَذا في حَقِّ نَفْسِكَ.
وَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِكَ: فاتَّهِمْ آراءَ الرِّجالِ عَلى نُصُوصِ الوَحْيِ، ولْيَكُنْ رَدُّها أيْسَرَ شَيْءٍ عَلَيْكَ لِلنُّصُوصِ، فَما لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَسْتَ عَلى شَيْءٍ. ولَوْ. . ولَوْ. . وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ.
قالَ الشّافِعِيُّ، قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَنِ اسْتَبانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَدَعَها لِقَوْلِ أحَدٍ.
الثّالِثُ: أنْ لا يَجِدَ إلى خِلافِ النَّصِّ سَبِيلًا ألْبَتَّةَ. لا بِباطِنِهِ، ولا بِلِسانِهِ ولا بِفِعْلِهِ. ولا بِحالِهِ. بَلْ إذا أحَسَّ بِشَيْءٍ مِنَ الخِلافِ: فَهو كَخِلافِ المُقْدِمِ عَلى الزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ، وقَتْلِ النَّفْسِ. بَلْ هَذا الخِلافُ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ. وهو داعٍ إلى النِّفاقِ. وهو الَّذِي خافَهُ الكِبارُ. والأئِمَّةُ عَلى نُفُوسِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ المُخالِفَ لِلنَّصِّ - لِقَوْلِ مَتْبُوعِهِ وشَيْخِهِ ومُقَلِّدِهِ، أوْ لِرَأْيِهِ ومَعْقُولِهِ، وذَوْقِهِ، وسِياسَتِهِ. إنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ مَعْذُورًا، ولا واللَّهِ ما هو بِمَعْذُورٍ - فالمُخالِفُ لِقَوْلِهِ، لِنُصُوصِ الوَحْيِ أوْلى بِالعُذْرِ عِنْدَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَلائِكَتِهِ. والمُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ.
فَواعَجَبًا إذا اتَّسَعَ بُطْلانُ المُخالِفِينَ لِلنُّصُوصِ لِعُذْرِ مَن خالَفَها تَقْلِيدًا، أوْ تَأْوِيلًا، أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ. فَكَيْفَ ضاقَ عَنْ عُذْرِ مَن خالَفَ أقْوالَهُمْ، وأقْوالَ شُيُوخِهِمْ. لِأجْلِ مُوافَقَةِ النُّصُوصِ؟ وكَيْفَ نَصَبُوا لَهُ الحَبائِلَ. وبَغَوْهُ الغَوائِلَ. ورَمَوْهُ بِالعَظائِمِ. وجَعَلُوهُ أسْوَأ حالًا مِن أرْبابِ الجَرائِمِ؟ فَرَمَوْهُ بِدائِهِمْ وانْسَلُّوا مِنهُ لِواذًا. وقَذَفُوهُ بِمُصابِهِمْ. وجَعَلُوا تَعْظِيمَ المَتْبُوعِينَ مَلاذًا لَهم ومَعاذًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
قالَ: ولا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يُعْلَمَ: أنَّ النَّجاةَ في البَصِيرَةِ، والِاسْتِقامَةَ بَعْدَ الثِّقَةِ. وأنَّ البَيِّنَةَ وراءَ الحُجَّةِ.
يَقُولُ: إنَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّواضُعِ لِلدِّينِ بِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ:
الأُولى: عِلْمُهُ أنَّ النَّجاةَ مِنَ الشَّقاءِ والضَّلالِ: إنَّما هي في البَصِيرَةِ. فَمَن لا بَصِيرَةَ لَهُ: فَهو مِن أهْلِ الضَّلالِ في الدُّنْيا. والشَّقاءِ في الآخِرَةِ.
والبَصِيرَةُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ في عَيْنِ القَلْبِ، يُفَرِّقُ بِهِ العَبْدُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ونِسْبَتُهُ إلى القَلْبِ: كَنِسْبَةِ ضَوْءِ العَيْنِ إلى العَيْنِ.
وَهَذِهِ البَصِيرَةُ وهْبِيَّةٌ وكَسَبِيَّةُ. فَمَن أدارَ النَّظَرَ في أعْلامِ الحَقِّ وأدِلَّتِهِ، وتَجَرَّدَ لِلَّهِ مِن هَواهُ: اسْتَنارَتْ بَصِيرَتُهُ. ورُزِقَ فُرْقانًا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
الثّانِي: أنْ يَعْلَمَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ إنَّما تَكُونُ بَعْدَ الثِّقَةِ، أيْ لا يَتَصَوَّرُ حُصُولَ الِاسْتِقامَةِ في القَوْلِ والعَمَلِ والحالِ، إلّا بَعْدَ الثِّقَةِ بِصِحَّةِ ما مَعَهُ مِنَ العِلْمِ. وأنَّهُ مُقْتَبِسٌ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ. ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا ثِقَةَ لَهُ ولا اسْتِقامَةَ.
الثّالِثُ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ البَيِّنَةَ وراءَ الحُجَّةِ. والبَيِّنَةُ مُرادُهُ بِها: اسْتِبانَةُ الحَقِّ وظُهُورُهُ. وهَذا إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الحُجَّةِ إذا قامَتِ اسْتَبانَ الحَقُّ وظَهَرَ واتَّضَحَ.
وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ. وهُوَ: أنَّ العَبْدَ إذا قَبِلَ حُجَّةَ اللَّهِ بِمَحْضِ الإيمانِ والتَّسْلِيمِ والِانْقِيادِ: كانَ هَذا القَبُولُ هو سَبَبَ تَبْيُّنِها وظُهُورِها، وانْكِشافِها لِقَلْبِهِ. فَلا يَصْبِرُ عَلى بَيِّنَةِ رَبِّهِ إلّا بَعْدَ قَبُولِ حُجَّتِهِ.
وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أيْضًا: أنَّهُ لا يَتَبَيَّنُ لَهُ عَيْبُ عَمَلِهِ مِن صِحَّتِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ الَّذِي هو حُجَّةُ اللَّهِ عَلى العَبْدِ. فَإذا عَرَفَ الحُجَّةَ اتَّضَحَ لَهُ بِها ما كانَ مُشْكَلًا عَلَيْهِ مِن عُلُومِهِ، وما كانَ مَعِيبًا مِن أعْمالِهِ.
وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أيْضًا: وهو أنْ يَكُونَ " وراءَ " بِمَعْنى أمامَ. والمَعْنى: أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ بَعْدَ تَبَيُّنِها. فَإذا لَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ. يَعْنِي فَلا يَقْنَعُ مِنَ الحُجَّةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِها بِلا تَبَيُّنٍ. فَإنَّ التَّبَيُّنَ أمامَ الحُجَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ أنْ تَرْضى بِما رَضِيَ الحَقُّ بِهِ لِنَفْسِهِ]
فَصْلٌ
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَرْضى بِما رَضِيَ الحَقُّ بِهِ لِنَفْسِهِ عَبْدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أخًا. وأنْ لا تَرُدَّ عَلى عَدُوِّكَ حَقًّا. وأنْ تَقْبَلَ مِنَ المُعْتَذِرِ مَعاذِيرَهُ.
يَقُولُ: إذا كانَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ أخاكَ المُسْلِمَ لِنَفْسِهِ عَبْدًا. أفَلا تَرْضى أنْتَ بِهِ أخًا؟
فَعَدَمُ رِضاكَ بِهِ أخًا - وقَدْ رَضِيَهُ سَيِّدُكَ الَّذِي أنْتَ عَبْدُهُ عَبْدًا لِنَفْسِهِ - عَيْنُ الكِبْرِ. وأيُّ قَبِيحٍ أقْبَحُ مِن تَكَبُّرِ العَبْدِ عَلى عَبْدٍ مِثْلِهِ، لا يَرْضى بِأُخُوَّتِهِ. وسَيِّدُهُ راضٍ بِعُبُودِيَّتِهِ؟
فَيَجِيءُ مِن هَذا: أنَّ المُتَكَبِّرَ غَيْرُ راضٍ بِعُبُودِيَّةِ سَيِّدِهِ. إذْ عُبُودِيَّتُهُ تُوجِبُ رِضاهُ بِأُخُوَّةِ عَبْدِهِ. وهَذا شَأْنُ عَبِيدِ المُلُوكِ. فَإنَّهم يَرَوْنَ بَعْضَهم خُشْداشِيَّةَ بَعْضٍ. ومَن تَرَفَّعَ مِنهم عَنْ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ مِن عَبِيدِ أُسْتاذِهِمْ.
قَوْلُهُ: وأنْ لا تَرُدَّ عَلى عَدُوِّكَ حَقًّا.
أيْ لا تَصِحُّ لَكَ دَرَجَةُ التَّواضُعِ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ مِمَّنْ تُحِبُّ ومِمَّنْ تُبْغِضُ فَتَقْبَلُهُ مِن عَدُوِّكَ كَما تَقْبَلُهُ مِن ولِيِّكَ. وإذا لَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَكَيْفَ تَمْنَعُهُ حَقًّا لَهُ قِبَلَكَ؟ بَلْ حَقِيقَةُ التَّواضُعِ أنَّهُ إذا جاءَكَ قَبِلْتَهُ مِنهُ. وإذا كانَ لَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ أدَّيْتَهُ إلَيْهِ. فَلا تَمْنَعُكَ عَداوَتُهُ مِن قَبُولِ حَقِّهِ، ولا مِن إيتائِهِ إيّاهُ.
وَأمّا قَبُولُكَ مِنَ المُعْتَذِرِ مَعاذِيرَهُ.
فَمَعْناهُ: أنَّ مَن أساءَ إلَيْكَ. ثُمَّ جاءَ يَعْتَذِرُ مِن إساءَتِهِ، فَإنَّ التَّواضُعَ يُوجِبُ عَلَيْكَ قَبُولَ مَعْذِرَتِهِ، حَقًّا كانَتْ أوْ باطِلًا. وتَكِلُ سَرِيرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ في الغَزْوِ. فَلَمّا قَدِمَ جاءُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ. فَقَبِلَ أعْذارَهم. ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ تَعالى.
وَعَلامَةُ الكَرَمِ والتَّواضُعِ: أنَّكَ إذا رَأيْتَ الخَلَلَ في عُذْرِهِ لا تُوقِفُهُ عَلَيْهِ ولا تُحاجُّهُ. وقُلْ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما تَقُولُ. ولَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكانَ، والمَقْدُورُ لا مَدْفَعَ لَهُ. ونَحْوُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ أنْ تَتَّضِعَ لِلْحَقِّ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَتَّضِعَ لِلْحَقِّ. فَتَنْزِلَ عَنْ رَأْيِكَ وعَوائِدِكَ في الخِدْمَةِ
وَرُؤْيَةِ حَقِّكَ في الصُّحْبَةِ. وعَنْ رَسْمِكَ في المُشاهَدَةِ.
بِقَوْلِ التَّواضُعِ بِأنْ تَخْدِمَ الحَقَّ سُبْحانَهُ. وتَعْبُدَهُ بِما أمَرَكَ بِهِ، عَلى مُقْتَضى أمْرِهِ. لا عَلى ما تَراهُ مِن رَأْيِكَ. ولا يَكُونَ الباعِثُ لَكَ داعِيَ العادَةِ. كَما هو باعِثُ مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ، غَيْرَ أنَّهُ اعْتادَ أمْرًا فَجَرى عَلَيْهِ. ولَوِ اعْتادَ ضِدَّهُ لَكانَ كَذَلِكَ.
وَحاصِلُهُ: أنَّهُ لا يَكُونُ باعِثُهُ عَلى العُبُودِيَّةِ مُجَرَّدَ رَأْيٍ، ومُوافَقَةَ هَوًى ومَحَبَّةٍ وعادَةٍ. بَلِ الباعِثُ مُجَرَّدُ الأمْرِ. والرَّأْيُ والمَحَبَّةُ والهَوى والعَوائِدُ: مُنَفِّذَةٌ تابِعَةٌ. لا أنَّها مُطاعَةٌ باعِثَةٌ. وهَذِهِ نُكْتَةٌ لا يَتَنَبَّهُ لَها إلّا أهْلُ البَصائِرِ.
وَأمّا نُزُولُهُ عَنْ رُؤْيَةِ حَقِّهِ في الصُّحْبَةِ.
فَمَعْناهُ: أنْ لا يَرى لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلى اللَّهِ لِأجْلِ عَمَلِهِ. فَإنَّ صُحْبَتَهُ مَعَ اللَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ والفَقْرِ المَحْضِ، والذُّلِّ والِانْكِسارِ. فَمَتى رَأى لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ حَقًّا فَسَدَتِ الصُّحْبَةُ. وصارَتْ مَعْلُولَةً وخِيفَ مِنها المَقْتُ. ولا يُنافِي هَذا ما أحَقَّهُ سُبْحانَهُ عَلى نَفْسِهِ مِن إثابَةِ عابِدِيهِ وإكْرامِهِمْ. فَإنَّ ذَلِكَ حَقٌّ أحَقَّهُ عَلى نَفْسِهِ بِمَحْضِ كَرَمِهِ وبِرِّهِ وجُودِهِ وإحْسانِهِ. لا بِاسْتِحْقاقِ العَبِيدِ، وأنَّهم أوْجَبُوهُ عَلَيْهِ بِأعْمالِهِمْ.
فَعَلَيْكَ بِالفُرْقانِ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِي هو مُفْتَرَقُ الطُّرُقِ. والنّاسُ فِيهِ ثَلاثُ فِرَقٍ.
فِرْقَةٌ رَأتْ أنَّ العَبْدَ أقَلُّ وأعْجَزُ مِن أنْ يُوجِبَ عَلى رَبِّهِ حَقًّا. فَقالَتْ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ. وأنْكَرَتْ وُجُوبَ ما أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ.
وَفِرْقَةٌ رَأتْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ أُمُورًا لِعَبْدِهِ. فَظَنَّتْ أنَّ العَبْدَ أوْجَبَها عَلَيْهِ بِأعْمالِهِ، وأنَّ أعْمالَهُ كانَتْ سَبَبًا لِهَذا الإيجابِ. والفِرْقَتانِ غالِطَتانِ.
والفِرْقَةُ الثّالِثَةُ: أهْلُ الهُدى والصَّوابِ، قالَتْ: لا يَسْتَوْجِبُ العَبْدُ عَلى اللَّهِ بِسَعْيِهِ نَجاةً ولا فَلاحًا. ولا يُدْخِلُ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ أبَدًا، ولا يُنْجِيهِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ تَعالى - بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، ومَحْضِ جُودِهِ وإحْسانِهِ - أكَّدَ إحْسانَهُ وجُودَهُ وبِرَّهُ بِأنْ أوْجَبَ لِعَبْدِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حَقًّا بِمُقْتَضى الوَعْدِ. فَإنَّ وعْدَ الكَرِيمِ إيجابٌ، ولَوْ بِعَسى، ولَعَلَّ.
وَلِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ.
وَوَعْدُ اللَّئِيمِ خُلْفٌ. ولَوِ اقْتَرَنَ بِهِ العَهْدُ والحَلِفُ.
والمَقْصُودُ: أنَّ عَدَمَ رُؤْيَةِ العَبْدِ لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلى اللَّهِ لا يُنافِي ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ. وجَعَلَهُ حَقًّا لِعَبْدِهِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يا مُعاذُ، أتَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. يا مُعاذُ، أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: حَقُّهم عَلَيْهِ: أنْ لا يُعَذِّبَهم بِالنّارِ».
فالرَّبُّ سُبْحانَهُ ما لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولا يَضِيعُ لَدَيْهِ سَعْيٌ. كَما قِيلَ:
؎ما لِلْعِبادِ عَلَيْهِ حَقٌّ واجِبٌ ∗∗∗ كَلّا ولا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضائِعُ
؎إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ، أوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وهو الكَرِيمُ الواسِعُ
وَأمّا قَوْلُهُ: وتَنْزِلُ عَنْ رَسْمِكَ في المُشاهَدَةِ.
أيْ مِن جُمْلَةِ التَّواضُعِ لِلْحَقِّ: فَناؤُكَ عَنْ نَفْسِكَ. فَإنَّ رَسْمَهُ هي نَفْسُهُ. والنُّزُولُ عَنْها: فَناؤُهُ عَنْها حِينَ شُهُودِهِ الحَضْرَةَ. وهَذا النُّزُولُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ كَسْبِيٌّ بِاعْتِبارٍ، وإنْ كانَ عِنْدَ القَوْمِ غَيْرَ كَسْبِيٍّ. لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ التَّجَلِّي. والتَّجَلِّي نُورٌ. والنُّورُ يَقْهَرُ الظُّلْمَةَ ويُبْطِلُها. والرَّسْمُ عِنْدَ القَوْمِ ظُلْمَةٌ. فَهي تَنْفِرُ مِنَ النُّورِ بِالذّاتِ. فَصارَ النُّزُولُ عَنِ الرَّسْمِ حِينَ التَّجَلِّي ذاتِيًّا.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ كَسْبِيًّا: أنَّهُ نَتِيجَةُ المَقاماتِ الكَسْبِيَّةِ. ونَتِيجَةُ الكَسْبِيِّ كَسْبِيٌّ. وثَمَرَتُهُ، وإنْ حَصَلَتْ ضَرُورَةً بِالذّاتِ: لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْها كَوْنُها كَسَبِيَّةً بِاعْتِبارِ السَّبَبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الفرقان 25:64
[فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ في مَشْيِهِ وحْدَهُ ومَعَ أصْحابِهِ]
كانَ إذا مَشى تَكَفَّأ تَكَفُّؤًا، وكانَ أسْرَعَ النّاسِ مِشْيَةً وأحْسَنَها وأسْكَنَها، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «ما رَأيْتُ شَيْئًا أحْسَنَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَأنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي في وجْهِهِ، وما رَأيْتُ أحَدًا أسْرَعَ في مِشْيَتِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأنَّما الأرْضُ تُطْوى لَهُ، وإنّا لَنُجْهِدَ أنْفُسَنا وإنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ»
وَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا مَشى تَكَفَّأ تَكَفُّؤًا كَأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ»
وَقالَ مَرَّةً «إذا مَشى تَقَلَّعَ»
قُلْتُ: والتَّقَلُّعُ الِارْتِفاعُ مِنَ الأرْضِ بِجُمْلَتِهِ كَحالِ المُنْحَطِّ مِنَ الصَّبَبِ، وهي مِشْيَةُ أُولِي العَزْمِ والهِمَّةِ والشَّجاعَةِ، وهي أعْدَلُ المِشْياتِ وأرْواحُها لِلْأعْضاءِ وأبْعَدُها مِن مِشْيَةِ الهَوَجِ والمَهانَةِ والتَّماوُتِ، فَإنَّ الماشِيَ إمّا أنْ يَتَماوَتَ في مَشْيِهِ ويَمْشِيَ قِطْعَةً واحِدَةً كَأنَّهُ خَشَبَةٌ مَحْمُولَةٌ، وهي مِشْيَةٌ مَذْمُومَةٌ قَبِيحَةٌ، وإمّا أنْ يَمْشِيَ بِانْزِعاجٍ واضْطِرابٍ مَشْيَ الجَمَلِ الأهْوَجِ، وهي مِشْيَةٌ مَذْمُومَةٌ أيْضًا، وهي دالَّةٌ عَلى خِفَّةِ عَقْلِ صاحِبِها، ولا سِيَّما إنْ كانَ يُكْثِرُ الِالتِفاتَ حالَ مَشْيِهِ يَمِينًا وشِمالًا، وإمّا أنْ يَمْشِيَ هَوْنًا، وهي مِشْيَةُ عِبادِ الرَّحْمَنِ كَما وصَفَهم بِها في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾
قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: بِسَكِينَةٍ ووَقارٍ مِن غَيْرِ تَكَبُّرٍ ولا تَماوُتٍ، وهي مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ مَعَ هَذِهِ المِشْيَةِ كانَ كَأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ، وكَأنَّما الأرْضُ تُطْوى لَهُ، حَتّى كانَ الماشِي مَعَهُ يُجْهِدُ نَفْسَهُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: أنَّ مِشْيَتَهُ لَمْ تَكُنْ مِشْيَةً بِتَماوُتٍ ولا بِمَهانَةٍ، بَلْ مِشْيَةٌ أعْدَلُ المِشْياتِ.
والمِشْياتُ عَشَرَةُ أنْواعٍ: هَذِهِ الثَّلاثَةُ مِنها، والرّابِعُ: السَّعْيُ، والخامِسُ: الرَّمَلُ، وهو أسْرَعُ المَشْيِ مَعَ تَقارُبِ الخُطى ويُسَمّى: الخَبَبَ، وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَبَّ في طَوافِهِ ثَلاثًا ومَشى أرْبَعًا».
السّادِسُ: النَّسَلانُ، وهو العَدْوُ الخَفِيفُ الَّذِي لا يُزْعِجُ الماشِيَ ولا يُكْرِثُهُ. وفي بَعْضِ المَسانِيدِ أنَّ المُشاةَ شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَشْيِ في حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَ: «اسْتَعِينُوا بِالنَّسَلانِ».
والسّابِعُ: الخَوْزَلى، وهي مِشْيَةُ التَّمايُلِ، وهي مِشْيَةٌ يُقالُ: إنَّ فِيها تَكَسُّرًا وتَخَنُّثًا.
والثّامِنُ: القَهْقَرى، وهي المِشْيَةُ إلى وراءٍ.
والتّاسِعُ: الجَمَزى، وهي مِشْيَةٌ يَثِبُ فِيها الماشِي وثْبًا.
والعاشِرُ: مِشْيَةُ التَّبَخْتُرِ، وهي مِشْيَةُ أُولِي العُجْبِ والتَّكَبُّرِ، وهي الَّتِي خَسَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِصاحِبِها لَمّا نَظَرَ في عِطْفَيْهِ وأعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَهو يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وَأعْدَلُ هَذِهِ المِشْياتِ مِشْيَةُ الهَوْنِ والتَّكَفُّؤِ.
وَأمّا مَشْيُهُ مَعَ أصْحابِهِ فَكانُوا يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو خَلْفَهم ويَقُولُ: (دَعُوا ظَهْرِي لِلْمَلائِكَةِ)
وَلِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: وكانَ يَسُوقُ أصْحابَهُ.
وَكانَ يَمْشِي حافِيًا ومُنْتَعِلًا، وكانَ يُماشِي أصْحابَهُ فُرادى وجَماعَةً، «وَمَشى في بَعْضِ
غَزَواتِهِ مَرَّةً فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ وسالَ مِنها الدَّمُ فَقالَ:
؎هَلْ أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيَتَ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتَ
» وكانَ في السَّفَرِ ساقَةُ أصْحابُهُ يُزْجِي الضَّعِيفَ ويُرْدِفُهُ ويَدْعُو لَهُمْ، ذَكَرَهُ أبو داود.
فإن قيل: ما السر في نصب السلام من قوله تعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾
ورفعه من قوله: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾
وما الفرق بين الموضعين؟
فالجواب عنه أن الله سبحانه مدح عباده الذين ذكرهم في هذه الآيات بأحسن أوصافهم وأعمالهم فقال: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾
فـ (سلاما) هنا صفة لمصدر محذوف هو القول نفسه.
أي قالوا قولا سلاما أي سدادا وصوابا وسليما من الفحش والخنا، ليس مثل قول الجاهلين الذين يخاطبونهم بالجهل، فلو رفع السلام هنا لم يكن فيه المدح المذكور بل كان يتضمن أنهم إذا خاطبهم الجاهلون سلموا عليهم، وليس هذا معنى الآية، ولا مدح فيه.
وإنما المدح في الإخبار عنهم بأنهم لا يقابلون الجهل مثله بل يقابلونه بالقول السلام، فهو من باب دفع السيئة بالتي هي أحسن التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
وتفسير السلف وألفاظهم صريحة بهذا المعنى.
وتأمل كيف جمعت الآية وصفهم في حركتي الأرجل والألسن بأحسنها وألطفها وأحكمها وأوقرها فقال ﴿الذين يمشون على الأرض هونا﴾
أي بسكينة ووقار والهون بفتح الهاء من الشيء، وهو مصدر هان هونا أي سهل.
ومنه قولهم يمشي على هينته. ولا أحسبها إلا مولدة، ومع هذا فهي قياس اللفظة فإنها على بناء الحالة والهيئة فهي (فعلة) من الهون، وأصلها هونة فقلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها فاللفظة صحيحة المادة والتصريف.
وأما الهون بالضم فهو الهوان فأعطوا حركة الضم القوية للمعنى الشديد وهو الهوان وأعطوا حركة الفتح السهلة للمعنى السهل وهو الهون، فوصف مشيهم بأنه مشي حلم ووقار وسكينة لا مشي جهل وعنف وتبختر.
ووصف نطقهم بأنه سلام فهو نطق حلم وسكينة ووقار، لا نطق جهل وفحش وخنا وغلظة.
فلهذا جمع بين المشي والنطق في الآية، فلا يليق بهذا المعنى الشريف العظيم الخطير أن يكون المراد منه سلام عليكم فتأمله.
وأما قوله تعالى ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ (٥٥)﴾
فإنها وصف لطائفة من مؤمني أهل الكتاب قدموا على رسول الله ﷺ مكة المكرمة فآمنوا به فعيرهم المشركون وقالوا: قبحتم من وفد بعثكم قومكم لتعلموا خبر الرجل ففارقتم دينكم وتبعتموه ورغبتم عن دين قومكم
فأخبر عنهم بأنهم خاطبوهم خطاب متاركة وإعراض وهجر جميل فقالوا: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾
وكان رفع السلام متعينا لأنه حكاية ما قد وقع ونصب (السلام) في آية الفرقان متعينا لأنه تعليم وإرشاد لما هو الأكمل والأولى للمؤمن أن يعتمده إذا خاطبه الجاهل.
فتأمل هذه الأسرار التي أدناها يساوي رحلة.
والله تعالى المحمود وحده على ما منَّ به وأنعم.
؎وهي المواهب من رب العباد فما ∗∗∗ يقال لولا ولا هلا ولا فلما
(قاعِدَة)
اللَّذَّة من حَيْثُ هي مَطْلُوبَة للْإنْسان بل ولكُل حَيّ، فَلا تذم من جِهَة كَونها لَذَّة وإنَّما تذم ويكون تَركها خيرا من نيلها وأنفع إذا تَضَمَّنت فَوات لَذَّة أعظم مِنها وأكمل، أو أعقبت ألما حُصُوله أعظم من ألم فَواتها.
فهاهنا يظْهر الفرق بَين العاقِل الفطن والأحمق الجاهِل ضمن عرف العقل بَين، فَمَتى علا فالتَّفاوُت بَين اللذتين والألمين وأنه لا نِسْبَة لأحَدهما إلى الآخر هان عَلَيْهِ ترك أدنى اللذتين لتَحْصِيل أعلاهما، واحْتِمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما.
وَإذا تقررت هَذِه القاعِدَة فلذة الآخِرَة أعظم وأدوم، ولَذَّة الدُّنْيا أصْغَر وأقصر.
وَكَذَلِكَ ألم الآخِرَة وألم الدُّنْيا، والمعوّل في ذَلِك على الإيمان واليَقِين فَإذا قوي اليَقِين وباشر القلب آثر الأعْلى على الأدْنى في جانب اللَّذَّة، واحْتمل الألَم الأسهل على الأصعب. والله المُسْتَعان.
(موعظة)
المتعبدون بالليل يقربون إلى نوق الأبدان خيط الرقاد فإذا تناولت سد الفاقة رفعت رؤوسها فإذا الدليل على الجادة فتأخذ في السير من النجوم الجواري مؤذن ومنها مقيم، فأرباب العزائم يؤذن في محلتهم بليل ويقام لهم أول الوقت ومن دونهم يصلون في أول الوقت وأهل الفتور في آخرة.
إذا هجمت جنود الرقاد على العيون صاح حارس اليقظة بالمتعبدين الصلاة خير من النوم وهتف رقيب المعاتبة كذب من ادعى محبتي حتى إذا جنة الليل نام عني فيصيح المشتاق
؎سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم ∗∗∗ هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان
ثم تمر بالمجتهدين سيارة النجوم فيبعثون مع كل فيج رسالة فتسلم أخباره إلى ركب السحر فتهب لمجيئها رياح الأسحار فيقول المنتظر إني لأجد ريح يوسف. سبحان من أنعم على الموجودات بإيجادها من غير طلب فلما وجدت بسطت أكف السؤال لطلب تكميلها، فالأجنة في بطون الأمهات تطلب تكميل الخلق، والبذر تحت التراب يطلب قوته من الري، ومخ الثمار ينتظر من فضله كمال نضجه، ومراكب البحار تحريكها بالرياح، وأصحاب البضائع ينتظرون وجود الأرباح عليهم، وطلاب العلم يسألون فتح منغلق الفهم، وأهل المجاهدة يرومون المعاونة على الطبع، والمظلوم يترقب طلوع فجر النصر، والمريض يتململ بين يديه طلبا للطفه، والمكروب ينتظر كشف ما به، والخائف يترقب بريد الأمن، والأبدان المتمزقة في اللحود تنتظر جمع الشمل بعد الشتات، وعرائس الجنان يسألن سلامة بعولتهن وتعجيل اللقاء، فإذا قام الخلق من أطباق التراب بإنعاش البعث نكس صاحب الزلل رأس الندم طلبا للعفو، ومد العابد يد التقاضي بالمسلم فيه عند حلول الأجل، وحدق الزاهد إلى جزاء الصبر، وأشرف المحب على أطلال الشوق إلى الحبيب، وصاح العارف بلسان الوجد إذ لم يبق وقت للصمت
؎لي عندكم دين فواعجبا ∗∗∗ الدين لي وفؤادي الرهن
؎من شاء باهلني باهلته بهم ∗∗∗ وبعد عند ورود الحوض نستبق
وقال غيره:
؎عدمت دوائي بالعراق وربما ∗∗∗ وجدت بنجد لي طبيبا مداويا
؎ويا جبل الريان إن تعر منهم ∗∗∗ فإني سأكسوك الدموع الجواريا
؎ومن جذري لا أسأل الركب عنهم ∗∗∗ وأغلاق وجدي باقيات كما هيا
؎ومن يسال الركبان عن كل غائب ∗∗∗ فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا
(موعظة أخرى)
إقبال الليل عند المحبين كقميص يوسف في أجفان يعقوب.
لو أحببت المخدوم حضر قلبك في خدمته.
؎فيا دارها بالحزن إن مزارها ∗∗∗ قريب ولكن دون ذلك أهوال
العروس تلبس عند العرض تحت الثياب شعار الخوف من الرد وفوق الثياب حلة الانكسار وحمرة الخجل تغنيها عن تخمير مستعار لأنها لا تدري على ماذا تقدم فكيف يسكن من لا يعرف العواقب.
مداراة قيس ممكن ولكن لا مع ذكر ليلى.
انقسم العباد ثلاثة: أقسام: فمنهم من لاحظ الحصاد فزاد في البذر، ومنهم من رأى حق المخدوم فقام بأدائه، ومنهم من خدم حبا وشوقا فتلذذ بالخدمة.
وهذه الخدمة لا ثقل لها لأن محركها الحب وغيرها ثقيل على البدن.
نوق أبدان المحبين لا تحس بالنصب وأسماعها مشغولة بصوت الحادي، وقلوبها معلقة بالمنزل.
من عبده خوفا أمنه، ومن عبده رجاء أعطاه أمله، ومن عبده حبا فلا تعلم نفس ما أخفي لها.
؎يراها بعين الشوق قلبي على النوى ∗∗∗ فتحظى ولكن من لعيني برؤياها
؎وهبكم منعتم أن يراها بعينه ∗∗∗ فهل تمنعون القلب أن يتمناها
كم دخل المجلس عاص في باطنه باطية خمر، فما زالت تعمل فيها حدة شمس التذكير حتى انقلبت خلا فحلت.
؎يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ∗∗∗ إليكم تلقى نشركم فيطيب
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ التَّواضِعِ]
وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ التَّواضُعِ
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]
أيْ سَكِينَةً ووَقارًا مُتَواضِعِينَ، غَيْرَ أشِرِينَ، ولا مَرِحِينَ ولا مُتَكَبِّرِينَ. قالَ الحَسَنُ: عُلَماءُ حُلَماءُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: أصْحابُ وقارٍ وعِفَّةٍ لا يَسْفَهُونَ. وإنْ سُفِهَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا.
والهَوْنُ بِالفَتْحِ في اللُّغَةِ: الرِّفْقُ واللِّينُ. والهُونُ بِالضَّمِّ: الهَوانُ.
فالمَفْتُوحُ مِنهُ: صِفَةُ أهْلِ الإيمانِ. والمَضْمُومُ: صِفَةُ أهْلِ الكُفْرانِ. وجَزاؤُهم مِنَ اللَّهِ النِّيرانُ.
وَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
لَمّا كانَ الذُّلُّ مِنهم ذُلَّ رَحْمَةٍ وعَطْفٍ وشَفَقَةٍ وإخْباتٍ عَدّاهُ بِأداةِ عَلى تَضْمِينًا لِمَعانِي هَذِهِ الأفْعالِ. فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذُلَّ الهَوانِ الَّذِي صاحِبُهُ ذَلِيلٌ. وإنَّما هو ذُلُّ اللِّينِ والِانْقِيادِ الَّذِي صاحِبُهُ ذَلُولٌ، فالمُؤْمِنُ ذَلُولٌ. كَما في الحَدِيثِ
«المُؤْمِنِ كالجَمَلِ الذَّلُولِ.
والمُنافِقُ والفاسِقُ ذَلِيلٌ» وأرْبَعَةٌ يَعْشَقُهُمُ الذُّلُّ أشَدَّ العِشْقِ: الكَذّابُ. والنَّمّامُ. والبَخِيلُ. والجَبّارُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] هو مِن عِزَّةِ القُوَّةِ والمَنَعَةِ والغَلَبَةِ. قالَ عَطاءٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ كالوالِدِ لِوَلَدِهِ. وعَلى الكافِرِينَ كالسَّبُعِ عَلى فَرِيسَتِهِ. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]
وَهَذا عَكْسُ حالِ مَن قِيلَ فِيهِمْ:
؎كِبْرًا عَلَيْنا، وجُبْنًا عَنْ عَدُوِّكُمُ ∗∗∗ لَبِئْسَتِ الخِلَّتانِ: الكِبْرُ، والجُبْنُ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيَّ: أنْ تَواضَعُوا، حَتّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ. ولا يَبْغِيَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «ألا أُخْبِرُكم بِأهْلِ النّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ».
وَفِي حَدِيثِ احْتِجاجِ الجَنَّةِ والنّارِ «أنَّ النّارَ قالَتْ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا الجَبّارُونَ، والمُتَكَبِّرُونَ؟ وقالَتِ الجَنَّةُ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا ضُعَفاءُ النّاسِ وسَقْطُهُمْ».
وَهُوَ في الصَّحِيحِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: العِزَّةُ إزارِي. والكِبْرِياءُ رِدائِي. فَمَن نازَعَنِي عَذَّبْتُهُ».
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لا يَزالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتّى يُكْتَبَ في دِيوانِ الجَبّارِينَ. فَيُصِيبُهُ ما أصابَهُمْ».
«وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ عَلى الصِّبْيانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ».
«وَكانَتِ الأمَةُ تَأْخُذُ بِيَدِهِ ﷺ. فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ.»
«وَكانَ ﷺ إذا أكَلَ لَعِقَ أصابِعَهُ الثَّلاثَ».
«وَكانَ ﷺ يَكُونُ في بَيْتِهِ في خِدْمَةِ أهْلِهِ، ولَمْ يَكُنْ يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ قَطُّ».
وَكانَ ﷺ «يَخْصِفُ نَعْلَهُ، ويُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، ويَحْلِبُ الشّاةَ لِأهْلِهِ، ويَعْلِفُ البَعِيرَ ويَأْكُلُ مَعَ الخادِمِ. ويُجالِسُ المَساكِينَ، ويَمْشِي مَعَ الأرْمَلَةِ واليَتِيمِ في حاجَتِهِما، ويَبْدَأُ مَن لَقِيَهُ بِالسَّلامِ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ مَن دَعاهُ. ولَوْ إلى أيْسَرِ شَيْءٍ».
«وَكانَ ﷺ هَيِّنَ المُؤْنَةِ، لَيِّنَ الخُلُقِ. كَرِيمَ الطَّبْعِ. جَمِيلَ المُعاشَرَةِ. طَلْقَ الوَجْهِ بَسّامًا، مُتَواضِعًا مِن غَيْرِ ذِلَّةٍ، جَوادًا مِن غَيْرِ سَرَفٍ، رَقِيقَ القَلْبِ رَحِيمًا بِكُلِّ مُسْلِمٍ خافِضَ الجَناحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيِّنَ الجانِبِ لَهُمْ».
وَقالَ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِمَن يَحْرُمُ عَلى النّارِ - أوْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النّارُ - تَحْرُمُ عَلى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ»
رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقالَ: «لَوْ دُعِيتُ إلى ذِراعٍ - أوْ كُراعٍ - لَأجَبْتُ، ولَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِراعٌ - أوْ كُراعٌ - لَقَبِلْتُ» رَواهُ البُخارِيُّ.
وَكانَ ﷺ «يَعُودُ المَرِيضَ. ويَشْهَدُ الجِنازَةَ. ويَرْكَبُ الحِمارَ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ العَبْدِ».
«وَكانَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ عَلى حِمارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِن لِيفٍ عَلَيْهِ إكافٌ مِن لِيفٍ».
[فَصْلٌ أقْوالُ العُلَماءِ في التَّواضُعِ]
سُئِلَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ عَنِ التَّواضُعِ؟ فَقالَ: يَخْضَعُ لِلْحَقِّ، ويَنْقادُ لَهُ. ويَقْبَلُهُ مِمَّنْ قالَهُ.
وَقِيلَ: التَّواضُعُ أنْ لا تَرى لِنَفْسِكَ قِيمَةً. فَمَن رَأى لِنَفْسِهِ قِيمَةً فَلَيْسَ لَهُ في التَّواضُعِ نَصِيبٌ.
وَهَذا مَذْهَبُ الفُضَيْلِ وغَيْرِهِ.
وَقالَ الجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هو خَفْضُ الجَناحِ، ولِينُ الجانِبِ.
وَقالَ أبُو يَزِيدَ البَسْطامِيُّ: هو أنْ لا يَرى لِنَفْسِهِ مَقامًا ولا حالًا. ولا يَرى في الخَلْقِ شَرًّا مِنهُ.
وَقالَ ابْنُ عَطاءٍ: هو قَبُولُ الحَقِّ مِمَّنْ كانَ. والعِزُّ في التَّواضُعِ. فَمَن طَلَبَهُ في الكِبْرِ فَهو كَتَطَلُّبِ الماءِ مِنَ النّارِ.
وَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ شَيْبانَ: الشَّرَفُ في التَّواضُعِ. والعِزُّ في التَّقْوى. والحُرِّيَّةُ في القَناعَةِ.
وَيُذْكَرُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أنَّهُ قالَ: أعَزُّ الخَلْقِ خَمْسَةُ أنْفُسٍ: عالِمٌ زاهِدٌ وفَقِيهٌ صُوفِيٌّ. وغَنِيٌّ مُتَواضِعٌ. وفَقِيرٌ شاكِرٌ. وشَرِيفٌ سُنِّيٌّ.
وَقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: رَأيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى عاتِقِهِ قِرْبَةُ ماءٍ، فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا يَنْبَغِي لَكَ هَذا.
فَقالَ: لَمّا أتانِيَ الوُفُودُ سامِعِينَ مُطِيعِينَ. دَخَلَتْ نَفْسِي نَخْوَةٌ. فَأرَدْتُ أنْ أكْسِرَها.
وَوَلِيَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إمارَةً مَرَّةً. فَكانَ يَحْمِلُ حِزْمَةَ الحَطَبِ عَلى ظَهْرِهِ. ويَقُولُ: طَرِّقُوا لِلْأمِيرِ.
وَرَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ مَرَّةً. فَدَنا ابْنُ عَبّاسٍ لِيَأْخُذَ بِرِكابِهِ. فَقالَ: مَهْ يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ! فَقالَ: هَكَذا أُمِرْنا أنْ نَفْعَلَ بِكُبَرائِنا. فَقالَ: أرِنِي يَدَكَ. فَأخْرَجَها إلَيْهِ فَقَبَّلَها. فَقالَ: هَكَذا أُمِرْنا نَفْعَلُ بِأهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَسَّمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حُلَلًا، فَبَعَثَ إلى مُعاذٍ حُلَّةً مُثَمَّنَةً. فَباعَها. واشْتَرى بِثَمَنِها سِتَّةَ أعْبُدٍ وأعْتَقَهم. فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ. فَبَعَثَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ حُلَّةً دُونَها. فَعاتَبَهُ مُعاذٌ، فَقالَ عُمَرُ: لِأنَّكَ بِعْتَ الأُولى. فَقالَ مُعاذٌ: وما عَلَيْكَ؟ ادْفَعْ لِي نَصِيبِي. وقَدْ حَلَفْتُ لَأضْرِبَنَّ بِها رَأْسَكَ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَأْسِي بَيْنَ يَدَيْكَ. وقَدْ يَرْفُقُ الشّابُّ بِالشَّيْخِ.
وَمَرَّ الحَسَنُ عَلى صِبْيانٍ مَعَهم كِسَرُ خُبْزٍ. فاسْتَضافُوهُ. فَنَزَلَ فَأكَلَ مَعَهُمْ، ثُمَّ حَمَلَهم إلى مَنزِلِهِ. فَأطْعَمَهم وكَساهُمْ، وقالَ: اليَدُ لَهم. لِأنَّهم لا يَجِدُونَ شَيْئًا غَيْرَ ما أطْعَمُونِي، ونَحْنُ نَجِدُ أكْثَرَ مِنهُ.
وَيُذْكَرُ أنَّ أبا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَيَّرَ بِلالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَوادِهِ، ثُمَّ نَدِمَ. فَألْقى بِنَفْسِهِ. فَحَلَفَ: لا رَفَعْتُ رَأْسِي حَتّى يَطَأ بِلالٌ خَدِّي بِقَدَمِهِ. فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتّى فَعَلَ بِلالٌ.
وَقالَ رَجاءُ بْنُ حَيْوَةَ. قَوَّمْتُ ثِيابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو يَخْطُبُ - بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وكانَتْ قِباءً وعِمامَةً وقُمُصًا وسَراوِيلَ ورِداءً وخُفَّيْنِ وقَلَنْسُوَةً.
وَرَأى مُحَمَّدُ بْنُ واسِعٍ ابْنًا لَهُ يَمْشِي مِشْيَةً مُنْكَرَةً. فَقالَ: تَدْرِي بِكَمْ شَرَيْتُ أُمَّكَ؟ بِثَلاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأبُوكَ - لا كَثَّرَ اللَّهُ في المُسْلِمِينَ مِثْلَهُ - أنا. وأنْتَ تَمْشِي هَذِهِ المِشْيَةَ؟
وَقالَ حَمْدُونُ القَصّارُ: التَّواضُعُ أنْ لا تَرى لِأحَدٍ إلى نَفْسِكَ حاجَةً، لا في الدِّينِ ولا في الدُّنْيا.
وَقالَ إبْراهِيمُ بْنُ أدْهَمَ: ما سُرِرْتُ في إسْلامِي إلّا ثَلاثَ مَرّاتٍ: كُنْتُ في سَفِينَةٍ، وفِيها رَجُلٌ مِضْحاكٌ. كانَ يَقُولُ: كُنّا في بِلادِ التُّرْكِ فَأخَذَ العِلْجُ هَكَذا - وكانَ يَأْخُذُ بِشَعَرِ رَأْسِي ويَهُزُّنِي - لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ السَّفِينَةِ أحَدٌ أحْقَرُ مِنِّي. والأُخْرى: كُنْتُ عَلِيلًا في مَسْجِدٍ. فَدَخَلَ المُؤَذِّنُ، وقالَ: اخْرُجْ. فَلَمْ أُطِقْ، فَأخَذَ بِرِجْلِي وجَرَّنِي إلى خارِجٍ. والأُخْرى: كُنْتُ بِالشّامِ وعَلَيَّ فَرْوٌ. فَنَظَرْتُ فِيهِ فَلَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَ شَعَرِهِ وبَيْنَ القَمْلِ لِكَثْرَتِهِ. فَسَرَّنِي ذَلِكَ.
وَفِي رِوايَةٍ: كُنْتُ يَوْمًا جالِسًا. فَجاءَ إنْسانٌ فَبالَ عَلَيَّ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: رَأيْتُ في الطَّوافِ رَجُلًا بَيْنَ يَدَيْهِ شاكِرِيَّةٌ يَمْنَعُونَ النّاسَ لِأجْلِهِ عَنِ الطَّوافِ، ثُمَّ رَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ عَلى جِسْرِ بَغْدادَ يَسْألُ شَيْئًا. فَتَعَجَّبْتُ مِنهُ. فَقالَ لِي: إنِّي تَكَبَّرْتُ في مَوْضِعٍ يَتَواضَعُ النّاسُ فِيهِ، فابْتَلانِي اللَّهُ بِالذُّلِّ في مَوْضِعٍ يَتَرَفَّعُ النّاسُ فِيهِ.
وَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ ابْنًا لَهُ اشْتَرى خاتَمًا بِألْفِ دِرْهَمٍ. فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: بَلَغَنِي أنَّكَ اشْتَرَيْتَ فَصًّا بِألْفِ دِرْهَمٍ. فَإذا أتاكَ كِتابِي فَبِعِ الخاتَمَ. وأشْبِعْ بِهِ ألْفَ بَطْنٍ. واتَّخِذْ خاتَمًا بِدِرْهَمَيْنِ. واجْعَلْ فَصَّهُ حَدِيدًا صِينِيًّا. واكْتُبْ عَلَيْهِ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
[دَرَجاتُ التَّواضُعِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى التَّواضُعُ لِلدِّينِ]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: التَّواضُعُ لِلدِّينِ. وهو أنْ لا يُعارِضَ بِمَعْقُولٍ مَنقُولًا. ولا يَتَّهِمَ لِلدِّينِ دَلِيلًا. ولا يَرى إلى الخِلافِ سَبِيلًا.
التَّواضُعُ لِلدِّينِ، هو الِانْقِيادُ لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، والِاسْتِسْلامُ لَهُ، والإذْعانُ. وذَلِكَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ.
الأوَّلُ: أنْ لا يُعارِضَ شَيْئًا مِمّا جاءَ بِهِ بِشَيْءٍ مِنَ المُعارَضاتِ الأرْبَعَةِ السّارِيَةِ في العالَمِ، المُسَمّاةِ: بِالمَعْقُولِ، والقِياسِ، والذَّوْقِ، والسِّياسَةِ.
فالأُولى: لِلْمُنْحَرِفِينَ أهْلِ الكِبْرِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، الَّذِينَ عارَضُوا نُصُوصَ الوَحْيِ بِمَعْقُولاتِهِمُ الفاسِدَةِ. وقالُوا: إذا تَعارَضَ العَقْلُ والنَّقْلُ: قَدَّمْنا العَقْلَ. وعَزَلْنا النَّقْلَ. إمّا عَزْلَ تَفْوِيضٍ، وإمّا عَزْلَ تَأْوِيلٍ.
والثّانِي: لِلْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى الفِقْهِ، قالُوا: إذا تَعارَضَ القِياسُ والرَّأْيُ والنُّصُوصُ: قَدَّمْنا القِياسَ عَلى النَّصِّ. ولَمْ نَلْتَفِتْ إلَيْهِ.
والثّالِثُ: لِلْمُتَكَبِّرِينَ المُنْحَرِفِينَ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى التَّصَوُّفِ والزُّهْدِ. فَإذا تَعارَضَ عِنْدَهُمُ الذَّوْقُ والأمْرُ. قَدَّمُوا الذَّوْقَ والحالَ. ولَمْ يَعْبَأُوا بِالأمْرِ.
والرّابِعُ: لِلْمُتَكَبِّرِينَ المُنْحَرِفِينَ مِنَ الوُلاةِ والأُمَراءِ الجائِرِينَ. إذا تَعارَضَتْ عِنْدَهُمُ الشَّرِيعَةُ والسِّياسَةُ. قَدَّمُوا السِّياسَةَ. ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى حُكْمِ الشَّرِيعَةِ.
فَهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ: هم أهْلُ الكِبْرِ. والتَّواضُعُ: التَّخَلُّصُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ.
الثّانِي: أنْ لا يَتَّهِمَ دَلِيلًا مِن أدِلَّةِ الدِّينِ، بِحَيْثُ يَظُنُّهُ فاسِدَ الدَّلالَةِ، أوْ ناقِصَ الدَّلالَةِ، أوْ قاصِرَها، أوْ أنَّ غَيْرَهُ كانَ أوْلى مِنهُ. ومَتى عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَلْيَتَّهِمْ فَهْمَهُ، ولْيَعْلَمْ أنَّ الآفَةَ مِنهُ، والبَلِيَّةَ فِيهِ، كَما قِيلَ:
؎وَكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ∗∗∗ وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
وَلَكِنْ تَأْخُذُ الأذْهانُ مِنهُ عَلى قَدْرِ القَرائِحِ والفُهُومِ وهَكَذا الواقِعُ في الواقِعِ حَقِيقَةً: أنَّهُ ما اتَّهَمَ أحَدٌ دَلِيلًا لِلدِّينِ إلّا وكانَ المُتَّهَمُ هو الفاسِدَ الذِّهْنِ. المَأْفُونَ في عَقْلِهِ، وذِهْنِهِ. فالآفَةُ مِنَ الذِّهْنِ العَلِيلِ. لا في نَفْسِ الدَّلِيلِ.
وَإذا رَأيْتَ مِن أدِلَّةِ الدِّينِ ما يُشْكَلُ عَلَيْكَ، ويَنْبُو فَهْمُكَ عَنْهُ فاعْلَمْ أنَّهُ لِعَظَمَتِهِ وشَرَفِهِ اسْتَعْصى عَلَيْكَ، وأنَّ تَحْتَهُ كَنْزًا مِن كُنُوزِ العِلْمِ. ولَمْ تُؤْتَ مِفْتاحَهُ بَعْدُ. هَذا في حَقِّ نَفْسِكَ.
وَأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِكَ: فاتَّهِمْ آراءَ الرِّجالِ عَلى نُصُوصِ الوَحْيِ، ولْيَكُنْ رَدُّها أيْسَرَ شَيْءٍ عَلَيْكَ لِلنُّصُوصِ، فَما لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَسْتَ عَلى شَيْءٍ. ولَوْ. . ولَوْ. . وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ.
قالَ الشّافِعِيُّ، قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَنِ اسْتَبانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَدَعَها لِقَوْلِ أحَدٍ.
الثّالِثُ: أنْ لا يَجِدَ إلى خِلافِ النَّصِّ سَبِيلًا ألْبَتَّةَ. لا بِباطِنِهِ، ولا بِلِسانِهِ ولا بِفِعْلِهِ. ولا بِحالِهِ. بَلْ إذا أحَسَّ بِشَيْءٍ مِنَ الخِلافِ: فَهو كَخِلافِ المُقْدِمِ عَلى الزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ، وقَتْلِ النَّفْسِ. بَلْ هَذا الخِلافُ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ. وهو داعٍ إلى النِّفاقِ. وهو الَّذِي خافَهُ الكِبارُ. والأئِمَّةُ عَلى نُفُوسِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ المُخالِفَ لِلنَّصِّ - لِقَوْلِ مَتْبُوعِهِ وشَيْخِهِ ومُقَلِّدِهِ، أوْ لِرَأْيِهِ ومَعْقُولِهِ، وذَوْقِهِ، وسِياسَتِهِ. إنْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ مَعْذُورًا، ولا واللَّهِ ما هو بِمَعْذُورٍ - فالمُخالِفُ لِقَوْلِهِ، لِنُصُوصِ الوَحْيِ أوْلى بِالعُذْرِ عِنْدَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَلائِكَتِهِ. والمُؤْمِنِينَ مِن عِبادِهِ.
فَواعَجَبًا إذا اتَّسَعَ بُطْلانُ المُخالِفِينَ لِلنُّصُوصِ لِعُذْرِ مَن خالَفَها تَقْلِيدًا، أوْ تَأْوِيلًا، أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ. فَكَيْفَ ضاقَ عَنْ عُذْرِ مَن خالَفَ أقْوالَهُمْ، وأقْوالَ شُيُوخِهِمْ. لِأجْلِ مُوافَقَةِ النُّصُوصِ؟ وكَيْفَ نَصَبُوا لَهُ الحَبائِلَ. وبَغَوْهُ الغَوائِلَ. ورَمَوْهُ بِالعَظائِمِ. وجَعَلُوهُ أسْوَأ حالًا مِن أرْبابِ الجَرائِمِ؟ فَرَمَوْهُ بِدائِهِمْ وانْسَلُّوا مِنهُ لِواذًا. وقَذَفُوهُ بِمُصابِهِمْ. وجَعَلُوا تَعْظِيمَ المَتْبُوعِينَ مَلاذًا لَهم ومَعاذًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
قالَ: ولا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِأنْ يُعْلَمَ: أنَّ النَّجاةَ في البَصِيرَةِ، والِاسْتِقامَةَ بَعْدَ الثِّقَةِ. وأنَّ البَيِّنَةَ وراءَ الحُجَّةِ.
يَقُولُ: إنَّ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّواضُعِ لِلدِّينِ بِهَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ:
الأُولى: عِلْمُهُ أنَّ النَّجاةَ مِنَ الشَّقاءِ والضَّلالِ: إنَّما هي في البَصِيرَةِ. فَمَن لا بَصِيرَةَ لَهُ: فَهو مِن أهْلِ الضَّلالِ في الدُّنْيا. والشَّقاءِ في الآخِرَةِ.
والبَصِيرَةُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ في عَيْنِ القَلْبِ، يُفَرِّقُ بِهِ العَبْدُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ونِسْبَتُهُ إلى القَلْبِ: كَنِسْبَةِ ضَوْءِ العَيْنِ إلى العَيْنِ.
وَهَذِهِ البَصِيرَةُ وهْبِيَّةٌ وكَسَبِيَّةُ. فَمَن أدارَ النَّظَرَ في أعْلامِ الحَقِّ وأدِلَّتِهِ، وتَجَرَّدَ لِلَّهِ مِن هَواهُ: اسْتَنارَتْ بَصِيرَتُهُ. ورُزِقَ فُرْقانًا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
الثّانِي: أنْ يَعْلَمَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ إنَّما تَكُونُ بَعْدَ الثِّقَةِ، أيْ لا يَتَصَوَّرُ حُصُولَ الِاسْتِقامَةِ في القَوْلِ والعَمَلِ والحالِ، إلّا بَعْدَ الثِّقَةِ بِصِحَّةِ ما مَعَهُ مِنَ العِلْمِ. وأنَّهُ مُقْتَبِسٌ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ. ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا ثِقَةَ لَهُ ولا اسْتِقامَةَ.
الثّالِثُ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ البَيِّنَةَ وراءَ الحُجَّةِ. والبَيِّنَةُ مُرادُهُ بِها: اسْتِبانَةُ الحَقِّ وظُهُورُهُ. وهَذا إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الحُجَّةِ إذا قامَتِ اسْتَبانَ الحَقُّ وظَهَرَ واتَّضَحَ.
وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ. وهُوَ: أنَّ العَبْدَ إذا قَبِلَ حُجَّةَ اللَّهِ بِمَحْضِ الإيمانِ والتَّسْلِيمِ والِانْقِيادِ: كانَ هَذا القَبُولُ هو سَبَبَ تَبْيُّنِها وظُهُورِها، وانْكِشافِها لِقَلْبِهِ. فَلا يَصْبِرُ عَلى بَيِّنَةِ رَبِّهِ إلّا بَعْدَ قَبُولِ حُجَّتِهِ.
وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أيْضًا: أنَّهُ لا يَتَبَيَّنُ لَهُ عَيْبُ عَمَلِهِ مِن صِحَّتِهِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ الَّذِي هو حُجَّةُ اللَّهِ عَلى العَبْدِ. فَإذا عَرَفَ الحُجَّةَ اتَّضَحَ لَهُ بِها ما كانَ مُشْكَلًا عَلَيْهِ مِن عُلُومِهِ، وما كانَ مَعِيبًا مِن أعْمالِهِ.
وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أيْضًا: وهو أنْ يَكُونَ " وراءَ " بِمَعْنى أمامَ. والمَعْنى: أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ بَعْدَ تَبَيُّنِها. فَإذا لَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُجَّةٌ. يَعْنِي فَلا يَقْنَعُ مِنَ الحُجَّةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِها بِلا تَبَيُّنٍ. فَإنَّ التَّبَيُّنَ أمامَ الحُجَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ أنْ تَرْضى بِما رَضِيَ الحَقُّ بِهِ لِنَفْسِهِ]
فَصْلٌ
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَرْضى بِما رَضِيَ الحَقُّ بِهِ لِنَفْسِهِ عَبْدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أخًا. وأنْ لا تَرُدَّ عَلى عَدُوِّكَ حَقًّا. وأنْ تَقْبَلَ مِنَ المُعْتَذِرِ مَعاذِيرَهُ.
يَقُولُ: إذا كانَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ أخاكَ المُسْلِمَ لِنَفْسِهِ عَبْدًا. أفَلا تَرْضى أنْتَ بِهِ أخًا؟
فَعَدَمُ رِضاكَ بِهِ أخًا - وقَدْ رَضِيَهُ سَيِّدُكَ الَّذِي أنْتَ عَبْدُهُ عَبْدًا لِنَفْسِهِ - عَيْنُ الكِبْرِ. وأيُّ قَبِيحٍ أقْبَحُ مِن تَكَبُّرِ العَبْدِ عَلى عَبْدٍ مِثْلِهِ، لا يَرْضى بِأُخُوَّتِهِ. وسَيِّدُهُ راضٍ بِعُبُودِيَّتِهِ؟
فَيَجِيءُ مِن هَذا: أنَّ المُتَكَبِّرَ غَيْرُ راضٍ بِعُبُودِيَّةِ سَيِّدِهِ. إذْ عُبُودِيَّتُهُ تُوجِبُ رِضاهُ بِأُخُوَّةِ عَبْدِهِ. وهَذا شَأْنُ عَبِيدِ المُلُوكِ. فَإنَّهم يَرَوْنَ بَعْضَهم خُشْداشِيَّةَ بَعْضٍ. ومَن تَرَفَّعَ مِنهم عَنْ ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ مِن عَبِيدِ أُسْتاذِهِمْ.
قَوْلُهُ: وأنْ لا تَرُدَّ عَلى عَدُوِّكَ حَقًّا.
أيْ لا تَصِحُّ لَكَ دَرَجَةُ التَّواضُعِ حَتّى تَقْبَلَ الحَقَّ مِمَّنْ تُحِبُّ ومِمَّنْ تُبْغِضُ فَتَقْبَلُهُ مِن عَدُوِّكَ كَما تَقْبَلُهُ مِن ولِيِّكَ. وإذا لَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَكَيْفَ تَمْنَعُهُ حَقًّا لَهُ قِبَلَكَ؟ بَلْ حَقِيقَةُ التَّواضُعِ أنَّهُ إذا جاءَكَ قَبِلْتَهُ مِنهُ. وإذا كانَ لَهُ عَلَيْكَ حَقٌّ أدَّيْتَهُ إلَيْهِ. فَلا تَمْنَعُكَ عَداوَتُهُ مِن قَبُولِ حَقِّهِ، ولا مِن إيتائِهِ إيّاهُ.
وَأمّا قَبُولُكَ مِنَ المُعْتَذِرِ مَعاذِيرَهُ.
فَمَعْناهُ: أنَّ مَن أساءَ إلَيْكَ. ثُمَّ جاءَ يَعْتَذِرُ مِن إساءَتِهِ، فَإنَّ التَّواضُعَ يُوجِبُ عَلَيْكَ قَبُولَ مَعْذِرَتِهِ، حَقًّا كانَتْ أوْ باطِلًا. وتَكِلُ سَرِيرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ في الغَزْوِ. فَلَمّا قَدِمَ جاءُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ. فَقَبِلَ أعْذارَهم. ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ تَعالى.
وَعَلامَةُ الكَرَمِ والتَّواضُعِ: أنَّكَ إذا رَأيْتَ الخَلَلَ في عُذْرِهِ لا تُوقِفُهُ عَلَيْهِ ولا تُحاجُّهُ. وقُلْ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما تَقُولُ. ولَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكانَ، والمَقْدُورُ لا مَدْفَعَ لَهُ. ونَحْوُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ أنْ تَتَّضِعَ لِلْحَقِّ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَتَّضِعَ لِلْحَقِّ. فَتَنْزِلَ عَنْ رَأْيِكَ وعَوائِدِكَ في الخِدْمَةِ
وَرُؤْيَةِ حَقِّكَ في الصُّحْبَةِ. وعَنْ رَسْمِكَ في المُشاهَدَةِ.
بِقَوْلِ التَّواضُعِ بِأنْ تَخْدِمَ الحَقَّ سُبْحانَهُ. وتَعْبُدَهُ بِما أمَرَكَ بِهِ، عَلى مُقْتَضى أمْرِهِ. لا عَلى ما تَراهُ مِن رَأْيِكَ. ولا يَكُونَ الباعِثُ لَكَ داعِيَ العادَةِ. كَما هو باعِثُ مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ، غَيْرَ أنَّهُ اعْتادَ أمْرًا فَجَرى عَلَيْهِ. ولَوِ اعْتادَ ضِدَّهُ لَكانَ كَذَلِكَ.
وَحاصِلُهُ: أنَّهُ لا يَكُونُ باعِثُهُ عَلى العُبُودِيَّةِ مُجَرَّدَ رَأْيٍ، ومُوافَقَةَ هَوًى ومَحَبَّةٍ وعادَةٍ. بَلِ الباعِثُ مُجَرَّدُ الأمْرِ. والرَّأْيُ والمَحَبَّةُ والهَوى والعَوائِدُ: مُنَفِّذَةٌ تابِعَةٌ. لا أنَّها مُطاعَةٌ باعِثَةٌ. وهَذِهِ نُكْتَةٌ لا يَتَنَبَّهُ لَها إلّا أهْلُ البَصائِرِ.
وَأمّا نُزُولُهُ عَنْ رُؤْيَةِ حَقِّهِ في الصُّحْبَةِ.
فَمَعْناهُ: أنْ لا يَرى لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلى اللَّهِ لِأجْلِ عَمَلِهِ. فَإنَّ صُحْبَتَهُ مَعَ اللَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ والفَقْرِ المَحْضِ، والذُّلِّ والِانْكِسارِ. فَمَتى رَأى لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ حَقًّا فَسَدَتِ الصُّحْبَةُ. وصارَتْ مَعْلُولَةً وخِيفَ مِنها المَقْتُ. ولا يُنافِي هَذا ما أحَقَّهُ سُبْحانَهُ عَلى نَفْسِهِ مِن إثابَةِ عابِدِيهِ وإكْرامِهِمْ. فَإنَّ ذَلِكَ حَقٌّ أحَقَّهُ عَلى نَفْسِهِ بِمَحْضِ كَرَمِهِ وبِرِّهِ وجُودِهِ وإحْسانِهِ. لا بِاسْتِحْقاقِ العَبِيدِ، وأنَّهم أوْجَبُوهُ عَلَيْهِ بِأعْمالِهِمْ.
فَعَلَيْكَ بِالفُرْقانِ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِي هو مُفْتَرَقُ الطُّرُقِ. والنّاسُ فِيهِ ثَلاثُ فِرَقٍ.
فِرْقَةٌ رَأتْ أنَّ العَبْدَ أقَلُّ وأعْجَزُ مِن أنْ يُوجِبَ عَلى رَبِّهِ حَقًّا. فَقالَتْ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ. وأنْكَرَتْ وُجُوبَ ما أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ.
وَفِرْقَةٌ رَأتْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ أُمُورًا لِعَبْدِهِ. فَظَنَّتْ أنَّ العَبْدَ أوْجَبَها عَلَيْهِ بِأعْمالِهِ، وأنَّ أعْمالَهُ كانَتْ سَبَبًا لِهَذا الإيجابِ. والفِرْقَتانِ غالِطَتانِ.
والفِرْقَةُ الثّالِثَةُ: أهْلُ الهُدى والصَّوابِ، قالَتْ: لا يَسْتَوْجِبُ العَبْدُ عَلى اللَّهِ بِسَعْيِهِ نَجاةً ولا فَلاحًا. ولا يُدْخِلُ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ أبَدًا، ولا يُنْجِيهِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ تَعالى - بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، ومَحْضِ جُودِهِ وإحْسانِهِ - أكَّدَ إحْسانَهُ وجُودَهُ وبِرَّهُ بِأنْ أوْجَبَ لِعَبْدِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حَقًّا بِمُقْتَضى الوَعْدِ. فَإنَّ وعْدَ الكَرِيمِ إيجابٌ، ولَوْ بِعَسى، ولَعَلَّ.
وَلِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ.
وَوَعْدُ اللَّئِيمِ خُلْفٌ. ولَوِ اقْتَرَنَ بِهِ العَهْدُ والحَلِفُ.
والمَقْصُودُ: أنَّ عَدَمَ رُؤْيَةِ العَبْدِ لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلى اللَّهِ لا يُنافِي ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ. وجَعَلَهُ حَقًّا لِعَبْدِهِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يا مُعاذُ، أتَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. يا مُعاذُ، أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: حَقُّهم عَلَيْهِ: أنْ لا يُعَذِّبَهم بِالنّارِ».
فالرَّبُّ سُبْحانَهُ ما لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولا يَضِيعُ لَدَيْهِ سَعْيٌ. كَما قِيلَ:
؎ما لِلْعِبادِ عَلَيْهِ حَقٌّ واجِبٌ ∗∗∗ كَلّا ولا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضائِعُ
؎إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ، أوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وهو الكَرِيمُ الواسِعُ
وَأمّا قَوْلُهُ: وتَنْزِلُ عَنْ رَسْمِكَ في المُشاهَدَةِ.
أيْ مِن جُمْلَةِ التَّواضُعِ لِلْحَقِّ: فَناؤُكَ عَنْ نَفْسِكَ. فَإنَّ رَسْمَهُ هي نَفْسُهُ. والنُّزُولُ عَنْها: فَناؤُهُ عَنْها حِينَ شُهُودِهِ الحَضْرَةَ. وهَذا النُّزُولُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ كَسْبِيٌّ بِاعْتِبارٍ، وإنْ كانَ عِنْدَ القَوْمِ غَيْرَ كَسْبِيٍّ. لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ التَّجَلِّي. والتَّجَلِّي نُورٌ. والنُّورُ يَقْهَرُ الظُّلْمَةَ ويُبْطِلُها. والرَّسْمُ عِنْدَ القَوْمِ ظُلْمَةٌ. فَهي تَنْفِرُ مِنَ النُّورِ بِالذّاتِ. فَصارَ النُّزُولُ عَنِ الرَّسْمِ حِينَ التَّجَلِّي ذاتِيًّا.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ كَسْبِيًّا: أنَّهُ نَتِيجَةُ المَقاماتِ الكَسْبِيَّةِ. ونَتِيجَةُ الكَسْبِيِّ كَسْبِيٌّ. وثَمَرَتُهُ، وإنْ حَصَلَتْ ضَرُورَةً بِالذّاتِ: لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْها كَوْنُها كَسَبِيَّةً بِاعْتِبارِ السَّبَبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الفرقان 25:67
[فصل: الفرق بين الاقتصاد والتقصير]
والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وله طرفان هما ضدان له تقصير ومجاوزة فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين قال تعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾
وقال تعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾
وقال تعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾
والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل والسنّة قصد بين البدع ودين اللّه بين الغالي فيه والجافي عنه وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر، والغلو مجاوزته وتعديه، وما أمر اللّه بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان فإما إلى غلو ومجاوزة وإما إلى تفريط وتقصير هما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير وخوفوا من بلى بأحدهما بالهلاك وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه والمهدي من هدى اللّه.
الفرقان 25:68
وَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ: «أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها:
﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَلَمّا كانَتْ مَفْسَدَةُ الزِّنى مِن أعْظَمِ المَفاسِدِ وهي مُنافِيَةٌ لِمَصْلَحَةِ نِظامِ العالَمِ في حِفْظِ الأنْسابِ، وحِمايَةِ الفُرُوجِ، وصِيانَةِ الحُرُماتِ، وتَوَقِّي ما يُوقِعُ أعْظَمَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَ النّاسِ، مِن إفْسادِ كُلٍّ مِنهُمُ امْرَأةَ صاحِبِهِ وبِنْتِهِ وأُخْتِهِ وأُمِّهِ، وفي ذَلِكَ خَرابُ العالَمِ، كانَتْ تَلِي مَفْسَدَةَ القَتْلِ في الكِبَرِ، ولِهَذا قَرَنَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِها في كِتابِهِ، ورَسُولُهُ ﷺ في سُنَّتِهِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: ولا أعْلَمُ بَعْدَ قَتْلِ النَّفْسِ شَيْئًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى.
وَقَدْ أكَّدَ سُبْحانَهُ حُرْمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا - يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا - إلّا مَن تابَ﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠].
فَقَرَنَ الزِّنى بِالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ، وجَعَلَ جَزاءَ ذَلِكَ الخُلُودَ في العَذابِ المُضاعَفِ، ما لَمْ يَرْفَعِ العَبْدُ مُوجِبَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
[إتْلافُ النَّفْسِ عُقُوبَةُ أفْظَعِ أنْواعِ الجَرائِمِ]
وَتَأمَّلْ كَيْفَ جاءَ إتْلافُ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ أكْبَرِ الكَبائِرِ وأعْظَمِها ضَرَرًا وأشَدِّها فَسادًا لِلْعالَمِ، وهي الكُفْرُ الأصْلِيُّ والطّارِئُ، والقَتْلُ وزِنا المُحْصَنِ، وإذا تَأمَّلَ العاقِلُ فَسادَ الوُجُودِ رَآهُ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثِ، وهَذِهِ هي الثَّلاثُ الَّتِي «أجابَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِها حَيْثُ قالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَك، قالَ: قُلْت: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَك خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَك، قالَ: قُلْت: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِك» فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ.
(فصل: أصُول المعاصِي كلها كِبارها وصغارها ثَلاثَة)
تعلق القلب بِغَيْر الله، وطاعَة القُوَّة الغضبية، والقُوَّة الشهوانية، وهِي الشّرك والظُّلم والفَواحِش.
فغاية التَّعَلُّق بِغَيْر الله شرك وأن يدعى مَعَه إلَه آخر وغايَة طاعَة القُوَّة الغضبية القَتْل وغايَة القُوَّة الشهوانية الزِّنا ولِهَذا جمع الله سُبْحانَهُ بَين الثَّلاثَة في قَوْله ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إلَهًا آخر ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾
وَهَذِه الثَّلاثَة يَدْعُو بَعْضها إلى بعض فالشرك يَدْعُو إلى الظُّلم والفَواحِش كَما أن الإخْلاص والتوحيد يصرفهما عَن صاحبه قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾
فالسوء العِشْق والفحشاء الزِّنا وكَذَلِكَ الظُّلم يَدْعُو إلى الشّرك والفاحشة، فَإن الشّرك أظلم الظلم كَما أن أعدل العدْل التَّوْحِيد.
فالعدل قرين التَّوْحِيد، والظُّلم قرين الشّرك، ولِهَذا يجمع سُبْحانَهُ بَينهما.
أما الأول فَفي قَوْله ﴿شهد الله أنه لا إلَه إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾
وَأما الثّانِي فكقوله تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
والفاحشة تَدْعُو إلى الشّرك والظُّلم ولا سِيما إذا قويت إرادتها ولم تحصل إلّا بِنَوْع من الظُّلم بالظلم، والاستعانة بِالسحرِ والشيطان.
وَقد جمع سُبْحانَهُ بَين الزِّنا والشرك في قَوْله ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾
فَهَذِهِ الثَّلاثَة يجر بَعْضها إلى بعض ويَأْمُر بَعْضها بِبَعْض ولِهَذا كلما كانَ القلب أضْعَف توحيدا وأعظم شركا كانَ أكثر فاحِشَة وأعظم تعلقا بالصور وعشقا لَها.
[مِن حِكْمَةِ اللَّهِ شَرْعُ الحُدُودِ]
فَكانَ مِن بَعْضِ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ ورَحْمَتِهِ أنْ شَرَعَ العُقُوباتِ في الجِناياتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، في الرُّءُوسِ والأبْدانِ والأعْراضِ والأمْوالِ، كالقَتْلِ والجِراحِ والقَذْفِ والسَّرِقَةِ؛ فَأحْكَمَ سُبْحانَهُ وُجُوهَ الزَّجْرِ الرّادِعَةَ عَنْ هَذِهِ الجِناياتِ غايَةَ الإحْكامِ، وشَرَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّدْعِ والزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ المُجاوَزَةِ لِما يَسْتَحِقُّهُ الجانِي مِن الرَّدْعِ؛ فَلَمْ يَشْرَعْ في الكَذِبِ قَطْعَ اللِّسانِ ولا القَتْلَ، ولا في الزِّنا الخِصاءَ، ولا في السَّرِقَةِ إعْدامَ النَّفْسِ.
وَإنَّما شَرَعَ لَهم في ذَلِكَ ما هو مُوجِبُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ مِن حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ وإحْسانِهِ وعَدْلِهِ لِتَزُولَ النَّوائِبُ، وتَنْقَطِعَ الأطْماعُ عَنْ التَّظالُمِ والعُدْوانِ، ويَقْتَنِعَ كُلُّ إنْسانٍ بِما آتاهُ مالِكُهُ وخالِقُهُ؛ فَلا يَطْمَعُ في اسْتِلابِ غَيْرِهِ حَقَّهُ.
[تَفاوَتَتْ الجِناياتُ فَتَفاوَتَتْ العُقُوباتُ]
وَمَعْلُومٌ أنَّ لِهَذِهِ الجِناياتِ الأرْبَعِ مَراتِبَ مُتَبايِنَةً في القِلَّةِ والكَثْرَةِ، ودَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ في شِدَّةِ الضَّرَرِ وخِفَّتِهِ، كَتَفاوُتِ سائِرِ المَعاصِي في الكِبَرِ والصِّغَرِ وما بَيْنَ ذَلِكَ.
وَمِن المَعْلُومِ أنَّ النَّظْرَةَ المُحَرَّمَةَ لا يَصْلُحُ إلْحاقُها في العُقُوبَةِ بِعُقُوبَةِ مُرْتَكِبِ الفاحِشَةِ، ولا الخَدْشَةِ بِالعُودِ بِالضَّرْبَةِ بِالسَّيْفِ، ولا الشَّتْمِ الخَفِيفِ بِالقَذْفِ بِالزِّنا والقَدَحِ في الأنْسابِ؛ ولا سَرِقَةِ اللُّقْمَةِ والفَلْسِ بِسَرِقَةِ المالِ الخَطِيرِ العَظِيمِ، فَلَمّا تَفاوَتَتْ مَراتِبُ الجِناياتِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَفاوُتِ مَراتِبِ العُقُوباتِ، وكانَ مِن المَعْلُومِ أنَّ النّاسَ لَوْ وُكِّلُوا إلى عُقُولِهِمْ في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وتَرْتِيبِ كُلِّ عُقُوبَةٍ عَلى ما يُناسِبُها مِن الجِنايَةِ جِنْسًا ووَصْفًا وقَدْرًا لَذَهَبَتْ بِهِمْ الآراءُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وتَشَعَّبَتْ بِهِمْ الطُّرُقُ كُلَّ مُشَعَّبٍ، ولَعَظُمَ الِاخْتِلافُ واشْتَدَّ الخَطْبُ، فَكَفاهم أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأحْكُمُ الحاكِمِينَ مُؤْنَةَ ذَلِكَ، وأزالَ عَنْهم كُلْفَتَهُ، وتَوَلّى بِحِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ ورَحْمَتِهِ تَقْدِيرَهُ نَوْعًا وقَدْرًا، ورَتَّبَ عَلى كُلِّ جِنايَةٍ ما يُناسِبُها مِن العُقُوبَةِ ويَلِيقُ بِها مِن النَّكالِ، ثُمَّ بَلَغَ مِن سَعَةِ رَحْمَتِهِ وجُودِهِ أنْ جَعَلَ تِلْكَ العُقُوباتِ كَفّاراتٍ لِأهْلِها، وطُهْرَةً تُزِيلُ عَنْهم المُؤاخَذَةَ بِالجِناياتِ إذا قَدِمُوا عَلَيْهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ مِنهم بَعْدَها التَّوْبَةُ النَّصُوحُ والإنابَةُ؛ فَرَحِمَهم بِهَذِهِ العُقُوباتِ أنْواعًا مِن الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَعَلَ هَذِهِ العُقُوباتِ دائِرَةً عَلى سِتَّةِ أُصُولٍ: قَتْلٍ، وقَطْعٍ، وجَلْدٍ، ونَفْيٍ، وتَغْرِيمِ مالٍ، وتَعْزِيرٍ.
[القَتْلُ ومُوجِبُهُ]
فَأمّا القَتْلُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ أعْظَمِ الجِناياتِ، كالجِنايَةِ عَلى الأنْفُسِ؛ فَكانَتْ عُقُوبَتُهُ مِن جِنْسِهِ، وكالجِنايَةِ عَلى الدِّينِ بِالطَّعْنِ فِيهِ والِارْتِدادِ عَنْهُ، وهَذِهِ الجِنايَةُ أوْلى بِالقَتْلِ وكَفِّ عُدْوانِ الجانِي عَلَيْهِ مِن كُلِّ عُقُوبَةٍ؛ إذْ بَقاؤُهُ بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ مَفْسَدَةٌ لَهُمْ، ولا خَيْرَ يُرْجى في بَقائِهِ ولا مَصْلَحَةَ؛ فَإذا حَبَسَ شَرَّهُ وأمْسَكَ لِسانَهُ وكَفَّ أذاهُ والتَزَمَ الذُّلَّ والصَّغارَ وجَرَيانَ أحْكامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ وأداءَ الجِزْيَةِ لَمْ يَكُنْ في بَقائِهِ بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، والدُّنْيا بَلاغٌ ومَتاعٌ إلى حِينٍ، وجَعَلَهُ أيْضًا عُقُوبَةَ الجِنايَةِ عَلى الفُرُوجِ المُحَرَّمَةِ؛ لِما فِيها مِن المَفاسِدِ العَظِيمَةِ واخْتِلاطِ الأنْسابِ والفَسادِ العامِّ.
(فصل)
اعلمْ أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين وخلق كل شيء لأجلهم، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللهَ سخَّرَ لَكم ما فِى السَّمَواتِ وما فِى الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ [لقمان:٠٢].
وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَم وحملناهم فِى البِرِّ والبَحْرِ ورزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وقال لصالحيهم وصفوتهم: ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآل إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِين﴾ [آل عمران: ٣٣].
وقال تعالى لموسى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]، واتخذ منهم الخليلين، والخلة أعلى درجات المحبة.
وقد جاء في بعض الآثار: يقول تعالى: "ابن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك فبحقى عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له".
وفى أثر آخر يقول تعالى: "ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبنى تجدنى فإن وجدتنى وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
فالله سبحانه خلق عباده له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقد لم يعقده مع خلق غيرهم فيما أخبر به على لسان رسوله ﷺ، ليسلموا إليه النفوس التي خلقها له.
وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة له مصطفاة عنده، مرضية لديه.
وقدر السلعة يعرف بجلالة قدر مشتريها وبمقدار ثمنها، هذا إذا جهل قدرها في نفسها، فإذا عرف قدر السلعة وعرف مشتريها، وعرف الثمن المبذول فيها علم شأْنها ومرتبتها في الوجود. فالسلعة أنت، والله المشترى والثمن جنته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه في دار الأمن والسلام.
والله سبحانه لا يصطفي لنفسه إلا أعز الأشياء وأشْرَفَها وأعظمها قيمة. وإذا كان قد اختار العبد لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له دارًا في جواره وقربه، وجعل ملائكته خدَمه يسعون في مصالحه في يقظته ومنامه وحياته وموته، ثم إنّ العبد أبق عن سيده ومالكه، معرضًا عن رضاه، ثم لم يكفه ذلك حتى خامر عليه وصالح عدوه ووالاه من دونه وصار من جنده مؤثرًا لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه، فقد باع نفسه - التي اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه - من عدوه وأبغض خلقه إليه، واستبدل غضبه برضاه ولعنته برحمته ومحبته.
فأي مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه؟
قال تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْملائِكَةِ اسْجُدُوا لآدم فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِن الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُو، بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
فتأمل ما تحت هذه المعاتبة وما في طي هذا الخطاب من سوءِ هذا العبد وما تعرض له من المقت والخزى والهوان ومن استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه إلى العود إلى وليه ومولاه الحق الذي هو أولى به، فإذا عاد إليه وتاب إليه فهو بمثابة من أسر له العدو محبوبًا له، واستولوا عليه وحالوا بينه وبينه، فهرب منهم ذلك المحبوب وجاءَ إلى محبه اختيارًا وطوعًا حتى توسد عتبة بابه فخرج المحب من بيته فوجد محبوبه متوسدًا عتبة بابه واضعًا خده وذقنه عليها، فكيف يكون فرحه ربه؟ ولله المثل الأعلى.
ويكفي في هذا المثل الذي ضربه رسول الله ﷺ لمن فتح الله عين قلبه فأبصر ما في طيه وما في ضمنه، وعلم أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ولا تخييل، بل كلام معصوم في منطقة وعلمه وقصده وعمله، كل كلمة منه في موضعها ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها.
والذي يزيد هذا المعنى تقريرًا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه، فإن لولا محبة الله له لما جعل محبته في قلبه، فلما أحبه ألهمه حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومن أتاه مشيًا أتاه هرولة.
وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذي يحبه فوق محبة العبد له.
فإذا تعرض هذا المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فر من محبه وآثر غيره عليه، فإذا عاوده وأقبل إليه وتخلى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبه أعظم فرح وأكمله، والشاهد أقوى شاهد تؤيده الفطرة والعقل، فلو لم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت للشريعة المنزلة إلى الفطرة المكملة إلى العقل الصحيح المنور، فذلك الذي لا غاية له بعده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.
(فصل)
ومتى أراد العبد شاهِدَ هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح، والسرور واللذة التي تحصل له، والجزاءُ من جنس العمل.
فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أعقبه فرحًا عظيمًا. وهاهنا دقيقة قل من يتفطن لها إلا فقيه في هذا الشأْن. وهي أن كل تائب لا بد له في أول توبته من عصرة وضغطة في قلبه من هم أو غم أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلا تألمه بفراق محبوبه فينضغط لذلك وينعصر قلبه ويضيق صدره، فأكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا على رؤوسهم لأجل هذه المحنة.
والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة عقيب التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلما كانت أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم، ولذلك أسباب عديدة: منها أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميتًا واستعداده ضعيفًا لم يحصل له ذلك ..
وأيضًا فإن الشيطان لص الإيمان، واللص إنما يقصد المكان المعمور، وأما المكان الخراب الذي لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دل على أن في قلبه من الخير ما يشتد حرص الشيطان على نزعه منه.
وأيْضًا فإن قوة المعارض والمضاد تدل على قوة معارضة وضده، ومثل هذا إما أن يكون رأسًا في الخير أو رأسًا في الشر، فإن النفوس الأبية القوية إن كانت خيرة رأست في الخير، وإن كانت شريرة رأست في الشر.
وأيضًا فإن بحسب موافقته لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادة انشراحه وطمأنينته. وأيضًا فإنه كلما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه، هذه سنة الله في الخلق.
فانظر إلى الجنة وعظمها وإلى الموانع والقواطع التي حالت دونها حتى أوجبت أن ذهب من كل ألف رجل واحد إليها، وانظر إلى محبة الله والانقطاع إليه والإنابة إليه والتبتل إليه وحده والأُنس به واتخاذه وليًا ووكيلًا وكافيًا وحسيبًا هل يكتسب العبد شيئًا أشرف منه؟
وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة دونه، حتى قد تعلق كل قوم بما تعلقوا به دونه، والطالبون له منهم الواقف مع عمله والواقف مع علمه، والواقف مع حاله، والواقف مع ذوقه وجمعيته وحظه من ربه، والمطلوب منهم وراءَ ذلك كله.
والمقصود أن هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجل الأُمور وأعظمها نصبت عليه المعارضات والمحن، ليتميز الصادق من الكاذب وتقع الفتنة ويحصل الابتلاءُ ويتميز من يصلح ممن لا يصلح، قال تعالى: ﴿آلم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣] وقال: ﴿لِيَبْلُوكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلًا أفضت به إلى رياض الأُنس وجنات الانشراح، وإن لم يصبر لها انقلب على وجهه. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
والمقصود أن هذا الفرح من الله بتوبة عبده - مع أنه لم يأْت نظيره في غيرها من الطاعات - دليل على عظم قدر التوبة وفضلها عند الله، وأن التعبد له بها من أشرف التعبدات، وهذا يدل على أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها، فهذا بعض ما احتج به لهذا القول.
وأما الطائفة التي قالت: لا يعود إلى مثل ما كان، بل لا بد أن ينقص حاله، فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبودية بلا ريب.
فليس العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط في حقوقه، وهذا مما لا يمكن جحده ومكابرته، فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته برك مؤاخذته بالذنب والعفو عنه، وأما مقام القرب والمحبة فهيهات أن يعود.
قالوا: ولأن هذا في زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله، فلو كان واقفًا في موضعه لفاته التقدم فكيف وهو في زمن المعصية كان سيره إلى وراءَ وراء؟
فإذا تاب واستقبل سيره، فإنه يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة حتى يصل إلى الوضع الذي تأخر منه.
قالوا: ونحن لا ننكر أنه قد يأْتي بطاعات وأعمال تبلغه إلى منزلته وإنما أنكرنا أن يكون بمجرد التوبة النصوح يعود إلى منزلته وحالته، وهذا مما لا يكون فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى الطريق، فلا يصل إلى مكانه الذي رجع منه إلا بسير مستأْنف يوصله إليه، ونحن لا ننكر أن العبد بعد التوبة يعمل أعمالًا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب توجب له التقدم.
قالوا: وأيضًا، فلو رجع إلى حاله التي كان عليها أو إلى أرفع منها لكان بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالًا منه، فكيف يكون هذا، وأين مسير صاحب الطاعة في زمن اشتغال هذا بالمعصية؟ وكيف يلتقى رجلان أحدهما سائر نحو المشرق والآخر نحو المغرب، فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر والآخر مجدٌ على سيره، فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان؟ هذا مما لا يمكن جحده ودفعه.
قالوا: وأيضًا فمرض القلب بالذنوب على مثل مرض الجسم بالأسقام، والتوبة بمنزلة شرب الدواءِ، والمريض إذا شرب الدواءَ وصح فإنه لا تعود إليه قوته قبل المرض، وإنْ عادت فبعد حين.
قالوا: وأيضًا فهذا في زمن معالجة التوبة ملبوك في نفسه، مشغول بمداوتها ومعالجتها، وفي زمن الذنب مشغول بشهواتها، والسالم من ذلك مشغول بربه قد قرب منه في سيره فكيف يلحقه هذا؟ فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة لقولها.
وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية، فسمعته يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجردة، فإما سألته وإما سئل عن الصواب منها، فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، مما كانت، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان. فإن كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة وأشد حذرًا وأعظم تشميرًا وأعظم ذلًا وخشية وإنابة عاد إلى أرفع مما كان، وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأُمور ولم يعد بعد التوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان عليه، وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته. هذا معنى كلامه رضي الله عنه.
قلت: وهاهنا مسألة هذا الموضع أخص المواضع ببيانها، وهي أن التائب إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا، فهل تمحى تلك السيئات ويذهب لا له ولا عليه، أو إذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة؟ هذا مما اختلف الناس فيه من المفسرين وغيرهم قديمًا وحديثًا، فقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
قال ابن عطية: يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأُولى طاعة، فيكون ذلك سببًا لرحمة الله إياهم، قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن، ورد على من قال هو في يوم القيامة، قال: وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي ذر يقتضي أن الله سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذي والطبري، وهذا تأْويل سعيد بن المسيب في هذه الآية.
قال ابن عطية: وهو معنى كرم العفو، هذا آخر كلامه.
قلت: سيأتى إن شاء الله ذكر الحديث بلفظه والكلام عليه. قال المهدوى: وروى معنى هذا القول عن سلمان الفارسى وسعيد بن جبير وغيرهما.
وقال الثعلبي: قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: ﴿يبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] يبدلهم الله بقبيح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانًا وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا. وقال آخرون: يعني يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسنات يوم القيامة.
وأصل القولين أن هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال: إنه في الدنيا قال: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها، وهي حسنات، وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة لا تنقلب حسنة، بل غايتها أن تمحى وتكفِّر ويذهب أثرها فأما أن تنقلب حسنة فلا، فإنها لم تكن طاعة، وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب فكيف تنقلب محبوبة مرضية.
قالوا: وأيضًا فالذي دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [المائدة: ١٥] وقوله تعالى: ﴿إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، والقرآن مملوءٌ من ذلك.
وفى الصحيح من حديث قتادة عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطي صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على الله عز وجل"، فهذا الحديث المتفق عليه الذي تضمن العناية بهذا العبد إنما فيه ستر ذنوبه عليه في الدنيا ومغفرتها له يوم القيامة، ولم يقل له: وأعطيتك بكل سيئة منها حسنة.
فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها، وقد قال الله في حق الصادقين: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِى عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِى كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]، فهؤلاء خيار الخلق، وقد أخبر أنه يكفر عنهم سيئات أعمالهم، ويجزيهم بأحسن ما يعملون، وأحسن ما عملوا إنما هو الحسنات لا السيئات فدل على أن الجزاء بالحسنى إنما يكون على الحسنات وحدها، وأما السيئات فإن فحسبها أن تلغى ويبطل أثرها، قالوا: وأيضًا فلو انقلبت السيئات أنفسها حسنات في حق التائب لكان أحسن حالًا من الذي لم يرتكب منها شيئًا وأكثر حسنات منه، لأنه إذا أساءَ شاركه في حسناته التي فعلها وامتاز عنه بتلك السيئات ثم انقلبت له حسنات ترجح عليه، وكيف يكون صاحب السيئات أرجح ممن لا سيئته له؟
قالوا: وأيضًا فكما أن العبد إذا فعل حسنات، ثم أتى بما يحبطها فإنها لا تنقلب سيئات يعاقب عليها، بل يبطل أثرها ويكون لا له ولا عليه وتكون عقوبته عدم ترتب ثوابه عليها، فهكذا من فعل سيئات ثم تاب منها، فإنها لا تنقلب حسنات.
فإن قلتم: وهكذا التائب يكون ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته، لم ننازعكم في هذا، وليس هذا معنى الحسنة فإن الحسنة تقتضى ثوابًا وجوديًا.
واحتجت الطائفة الأخرى التي قالت: هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم القيامة بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة.
وهذا إنما يكون في السيئة المحققة وهي التي قد فعلت ووقعت، فإذا بدلت حسنة كان معناه أنها محيت وأُثبت مكانها حسنة قالوا: ولهذا قال تعالى: ﴿سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها واكتسبوها، ونكر الحسنات ولم يضفها إليهم لأنها من غير صنعهم وكسبهم، بل هي مجرد فضل الله وكرمه.
قالوا: وأيضًا فالتبديل في الآية إنما هو فعل الله لا فعلهم، فإنه أخبر أنه هو يبدل سيئاتهم حسنات، ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم فإنهم هم الذين يبدلون سيئاتهم حسنات، والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها وكاسبها كما قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] وأما ما كان من غير الفاعل فإنه يجعله من تبديله هو كما قال الله تعالى: ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]، فلما أخبر سبحانه أنه هو الذي يبدل سيئاتهم حسنات دل على أنه شيء فعله هو سبحانه بسيئاتهم، لا أنهم فعلوه من تلقاءَ أنفسهم، وإن كان سببه منهم، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح.
قالوا: ويدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن المعرور ابن سُويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعلم آخر أهل الجَنَّة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أْن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياءَ لا أراها هاهنا "، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، قال: فتعرض عليه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا؟ وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبار، فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، قال: فيقول: إن لى ذنوبًا ما أراها"، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
قالوا: وأيضًا فروى أبو حفص المستملى عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى القطيعى عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات"، قيل: من هم؟ قال: "الذين بدل سيئاتهم حسنات".
قالوا: وهؤلاء هم الأبدال في الحقيقة، فإنهم إنما سموا أبدالًا لأنهم بدلوا أعمالهم السيئة بالأعمال الحسنة، فبدل الله سيئاتهم التي عملوها حسنات، قالوا: وأيضًا فالجزاءُ من جنس العمل، فكما بدلوهم أعمالهم السيئة بالحسنة بدلها الله من صحف الحفظة حسنات جزاءً وفاقًا.
قالت الطائفة الأُولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبي ذر على صحة قولكم وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في النار حتى كان آخر أهلها خروجًا منها؟ فهذا قد عوقب على سيئاته فزال أثرها بالعقوبة، فبدل مكان كل سيئة منها حسنة، وهذا حكم غير ما نحن فيه، فإن الكلام في التائب من السيئات، لا فيمن مات مصرًا عليها غير تائب، فأين أحدهما من الآخر؟
وأما حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادًا ومتنًا، إلا أنه مختصر.
وأما حديث أبي هريرة فلا يثبت مثله، ومَن أبو العنبس، ومن أبوه حتى يقبل منهما تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل؟ وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله ﷺ مع شدة حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها وذمهم وعيبهم والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها؟ فكيف يصح عنه ﷺ أنه يقول: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا منها"؟، ثم كيف يتمنى المرءُ إكثاره منها، مع سوءِ عاقبتها، وسوءِ مغبتها؟ وإنما يتمنى الإكثار من الطاعات؟ وفي الترمذي مرفوعًا: "ليتمنينَّ أقوام يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاءِ".
فهذا فيه تمنى البلاءِ يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله، وهو تمنى الحسنات، وأما تمنى الحسنات فهذا لا ريب فيه، وأما تمنى السيئات فكيف يتمنى العبد أنه أكثر من السيئات؟ هذا مال لا يكون أبدًا، وإنما يتمنى المسيء أن لو لم يكن أساءَ، وأما تمنيه أنه ازداد من إساءته فكلا.
قالوا: وأما ما ذكرتم من أن التبديل هو إثبات الحسنة مكان السيئة فحق. وكذلك نقول: إن الحسنة المفعولة صارت في مكان السيئة التي لولا الحسنة لحلت محلها. قالوا: وأما احتجاجكم بإضافة السيئات إليهم وذلك يقتضي أن تكون هي السيئات الواقعة.
وتنكير الحسنات وهو يقتضي أن تكون حسنات من فضل الله، فهو حق بلا ريب ولكن من أين يبقى أن يكون فضل الله بها مقارنًا لكسبهم إياها بفضله؟ قالوا: وأما قولكم: إن التبديل مضاف إلى الله لا إليهم وذلك يقتضي أنه هو الذي بدلها سبحانه من الصحف لا أنهم هم الذين بدلوا الأعمال بأضدادها، فهذا لا دليل لكم فيه، فإن الله خالق أفعال العباد، فهو المبدل للسيئات حسنات خلقًا وتكوينًا، وهم المبدلون لها فعلًا وكسبًا.
قالوا: وأما احتجاجكم بأن الجزاءَ من جنس العمل، فكما بدلوا سيئات أعمالهم بحسناتهم بدلها الله كذلك في صحف الأعمال، فهذا حق وبه نقول، وأنه بدلت السيئات التي كانت مهيأة ومعدة أن تحل في الصحف بحسنات حلت موضعها.
فهذا منتهى أقدام الطائفتين، ومحط نظر الفريقين. وإليك أيها المنصف الحكم بينهما، فقد أدلى كل منهما بحجته، فأقام بينته، والحق لا يعدوهما ولا يتجاوزهما، فأرشد الله من أعان على هدى فنال به درجة الداعين إلى الله القائمين ببيان حججه ودينه، أو عذر طالبًا منفردًا في طريق مطلبه قد انقطع رجاؤه من رفيق في الطريق، فغاية أُمنيته أن يخلي بينه وبين سيره وأن لا يقطع عليه طريقه.
فمن رفع له مثل هذا العلم ولم يشمر إليه فقد رضى بالدون، وحصل على صفقة المغبون، ومن شمر إليه ورام أن لا يعارضه معارض، ولا يتصدى له ممانع فقد منى نفسه المحال، وإن صبر على لأْوائها وشدتها فهو والله الفوز المبين والحظ الجزيل .. وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب.
فالصواب إن شاءَ الله في هذه المسألة أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ينقلب حسنة، والحسنة إنما هي أمر وجودي يقتضي ثوابًا، ولهذا كان تارك المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهي، وذلك الكف والحبس أمر وجودي وهو متعلق الثواب.
وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلًا ولم يحدث به نفسه، فهذا كيف يثاب على تركه، ولو أُثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابًا على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله، وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى، فإن التَرك مستصحب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك كله؟ هذا مما لا يتوهم.
وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرًا وجوديًا فالتائب من الذنوب التي عملها قد قارن كلَّ ذنب منها ندمًا عليه، وكف نفسه عنه، وعزم على ترك معاودته. وهذه حسنات بلا ريب، وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم، وهو حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة.
وهذا معنى قول بعض المفسرين: يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها فتوبته منها حسنة حلت مكانها، فهذا معنى التبديل، لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة.
وقال بعض المفسرين في هذه الآية: يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها حسنة، وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة.
وأما حديث أبي ذر - وإن كان التبديل فيه في حق المصرّ الذي عذب على سيئاته - فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته، فإن الذنوب التي عذب عليها المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن، فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة، لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها مع العقوبة لاقتضى زوال أثرها وتبديلها حسنات، فإن الندم لم يكن في وقت ينفعه، فلما عوقب عليها وزال أثرها بدلها الله له حسنات.
فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة حسنات فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى. وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأْثير العقوبة لأن التوبة فعل اختياري أتى به العبد طوعًا ومحبة لله وفرقًا منه.
وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره بل بفعل الله، ولا ريب أن تأْثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو الذنوب أعظم من تأْثير المصائب التي تناله بغير اختياره.
الفرقان 25:69
وَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ: «أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها:
﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَلَمّا كانَتْ مَفْسَدَةُ الزِّنى مِن أعْظَمِ المَفاسِدِ وهي مُنافِيَةٌ لِمَصْلَحَةِ نِظامِ العالَمِ في حِفْظِ الأنْسابِ، وحِمايَةِ الفُرُوجِ، وصِيانَةِ الحُرُماتِ، وتَوَقِّي ما يُوقِعُ أعْظَمَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَ النّاسِ، مِن إفْسادِ كُلٍّ مِنهُمُ امْرَأةَ صاحِبِهِ وبِنْتِهِ وأُخْتِهِ وأُمِّهِ، وفي ذَلِكَ خَرابُ العالَمِ، كانَتْ تَلِي مَفْسَدَةَ القَتْلِ في الكِبَرِ، ولِهَذا قَرَنَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِها في كِتابِهِ، ورَسُولُهُ ﷺ في سُنَّتِهِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: ولا أعْلَمُ بَعْدَ قَتْلِ النَّفْسِ شَيْئًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى.
وَقَدْ أكَّدَ سُبْحانَهُ حُرْمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا - يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا - إلّا مَن تابَ﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠].
فَقَرَنَ الزِّنى بِالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ، وجَعَلَ جَزاءَ ذَلِكَ الخُلُودَ في العَذابِ المُضاعَفِ، ما لَمْ يَرْفَعِ العَبْدُ مُوجِبَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
[إتْلافُ النَّفْسِ عُقُوبَةُ أفْظَعِ أنْواعِ الجَرائِمِ]
وَتَأمَّلْ كَيْفَ جاءَ إتْلافُ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ أكْبَرِ الكَبائِرِ وأعْظَمِها ضَرَرًا وأشَدِّها فَسادًا لِلْعالَمِ، وهي الكُفْرُ الأصْلِيُّ والطّارِئُ، والقَتْلُ وزِنا المُحْصَنِ، وإذا تَأمَّلَ العاقِلُ فَسادَ الوُجُودِ رَآهُ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثِ، وهَذِهِ هي الثَّلاثُ الَّتِي «أجابَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِها حَيْثُ قالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَك، قالَ: قُلْت: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَك خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَك، قالَ: قُلْت: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِك» فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ.
(فصل: أصُول المعاصِي كلها كِبارها وصغارها ثَلاثَة)
تعلق القلب بِغَيْر الله، وطاعَة القُوَّة الغضبية، والقُوَّة الشهوانية، وهِي الشّرك والظُّلم والفَواحِش.
فغاية التَّعَلُّق بِغَيْر الله شرك وأن يدعى مَعَه إلَه آخر وغايَة طاعَة القُوَّة الغضبية القَتْل وغايَة القُوَّة الشهوانية الزِّنا ولِهَذا جمع الله سُبْحانَهُ بَين الثَّلاثَة في قَوْله ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إلَهًا آخر ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾
وَهَذِه الثَّلاثَة يَدْعُو بَعْضها إلى بعض فالشرك يَدْعُو إلى الظُّلم والفَواحِش كَما أن الإخْلاص والتوحيد يصرفهما عَن صاحبه قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾
فالسوء العِشْق والفحشاء الزِّنا وكَذَلِكَ الظُّلم يَدْعُو إلى الشّرك والفاحشة، فَإن الشّرك أظلم الظلم كَما أن أعدل العدْل التَّوْحِيد.
فالعدل قرين التَّوْحِيد، والظُّلم قرين الشّرك، ولِهَذا يجمع سُبْحانَهُ بَينهما.
أما الأول فَفي قَوْله ﴿شهد الله أنه لا إلَه إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾
وَأما الثّانِي فكقوله تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
والفاحشة تَدْعُو إلى الشّرك والظُّلم ولا سِيما إذا قويت إرادتها ولم تحصل إلّا بِنَوْع من الظُّلم بالظلم، والاستعانة بِالسحرِ والشيطان.
وَقد جمع سُبْحانَهُ بَين الزِّنا والشرك في قَوْله ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾
فَهَذِهِ الثَّلاثَة يجر بَعْضها إلى بعض ويَأْمُر بَعْضها بِبَعْض ولِهَذا كلما كانَ القلب أضْعَف توحيدا وأعظم شركا كانَ أكثر فاحِشَة وأعظم تعلقا بالصور وعشقا لَها.
[مِن حِكْمَةِ اللَّهِ شَرْعُ الحُدُودِ]
فَكانَ مِن بَعْضِ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ ورَحْمَتِهِ أنْ شَرَعَ العُقُوباتِ في الجِناياتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، في الرُّءُوسِ والأبْدانِ والأعْراضِ والأمْوالِ، كالقَتْلِ والجِراحِ والقَذْفِ والسَّرِقَةِ؛ فَأحْكَمَ سُبْحانَهُ وُجُوهَ الزَّجْرِ الرّادِعَةَ عَنْ هَذِهِ الجِناياتِ غايَةَ الإحْكامِ، وشَرَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّدْعِ والزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ المُجاوَزَةِ لِما يَسْتَحِقُّهُ الجانِي مِن الرَّدْعِ؛ فَلَمْ يَشْرَعْ في الكَذِبِ قَطْعَ اللِّسانِ ولا القَتْلَ، ولا في الزِّنا الخِصاءَ، ولا في السَّرِقَةِ إعْدامَ النَّفْسِ.
وَإنَّما شَرَعَ لَهم في ذَلِكَ ما هو مُوجِبُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ مِن حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ وإحْسانِهِ وعَدْلِهِ لِتَزُولَ النَّوائِبُ، وتَنْقَطِعَ الأطْماعُ عَنْ التَّظالُمِ والعُدْوانِ، ويَقْتَنِعَ كُلُّ إنْسانٍ بِما آتاهُ مالِكُهُ وخالِقُهُ؛ فَلا يَطْمَعُ في اسْتِلابِ غَيْرِهِ حَقَّهُ.
[تَفاوَتَتْ الجِناياتُ فَتَفاوَتَتْ العُقُوباتُ]
وَمَعْلُومٌ أنَّ لِهَذِهِ الجِناياتِ الأرْبَعِ مَراتِبَ مُتَبايِنَةً في القِلَّةِ والكَثْرَةِ، ودَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ في شِدَّةِ الضَّرَرِ وخِفَّتِهِ، كَتَفاوُتِ سائِرِ المَعاصِي في الكِبَرِ والصِّغَرِ وما بَيْنَ ذَلِكَ.
وَمِن المَعْلُومِ أنَّ النَّظْرَةَ المُحَرَّمَةَ لا يَصْلُحُ إلْحاقُها في العُقُوبَةِ بِعُقُوبَةِ مُرْتَكِبِ الفاحِشَةِ، ولا الخَدْشَةِ بِالعُودِ بِالضَّرْبَةِ بِالسَّيْفِ، ولا الشَّتْمِ الخَفِيفِ بِالقَذْفِ بِالزِّنا والقَدَحِ في الأنْسابِ؛ ولا سَرِقَةِ اللُّقْمَةِ والفَلْسِ بِسَرِقَةِ المالِ الخَطِيرِ العَظِيمِ، فَلَمّا تَفاوَتَتْ مَراتِبُ الجِناياتِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَفاوُتِ مَراتِبِ العُقُوباتِ، وكانَ مِن المَعْلُومِ أنَّ النّاسَ لَوْ وُكِّلُوا إلى عُقُولِهِمْ في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وتَرْتِيبِ كُلِّ عُقُوبَةٍ عَلى ما يُناسِبُها مِن الجِنايَةِ جِنْسًا ووَصْفًا وقَدْرًا لَذَهَبَتْ بِهِمْ الآراءُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وتَشَعَّبَتْ بِهِمْ الطُّرُقُ كُلَّ مُشَعَّبٍ، ولَعَظُمَ الِاخْتِلافُ واشْتَدَّ الخَطْبُ، فَكَفاهم أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأحْكُمُ الحاكِمِينَ مُؤْنَةَ ذَلِكَ، وأزالَ عَنْهم كُلْفَتَهُ، وتَوَلّى بِحِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ ورَحْمَتِهِ تَقْدِيرَهُ نَوْعًا وقَدْرًا، ورَتَّبَ عَلى كُلِّ جِنايَةٍ ما يُناسِبُها مِن العُقُوبَةِ ويَلِيقُ بِها مِن النَّكالِ، ثُمَّ بَلَغَ مِن سَعَةِ رَحْمَتِهِ وجُودِهِ أنْ جَعَلَ تِلْكَ العُقُوباتِ كَفّاراتٍ لِأهْلِها، وطُهْرَةً تُزِيلُ عَنْهم المُؤاخَذَةَ بِالجِناياتِ إذا قَدِمُوا عَلَيْهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ مِنهم بَعْدَها التَّوْبَةُ النَّصُوحُ والإنابَةُ؛ فَرَحِمَهم بِهَذِهِ العُقُوباتِ أنْواعًا مِن الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَعَلَ هَذِهِ العُقُوباتِ دائِرَةً عَلى سِتَّةِ أُصُولٍ: قَتْلٍ، وقَطْعٍ، وجَلْدٍ، ونَفْيٍ، وتَغْرِيمِ مالٍ، وتَعْزِيرٍ.
[القَتْلُ ومُوجِبُهُ]
فَأمّا القَتْلُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ أعْظَمِ الجِناياتِ، كالجِنايَةِ عَلى الأنْفُسِ؛ فَكانَتْ عُقُوبَتُهُ مِن جِنْسِهِ، وكالجِنايَةِ عَلى الدِّينِ بِالطَّعْنِ فِيهِ والِارْتِدادِ عَنْهُ، وهَذِهِ الجِنايَةُ أوْلى بِالقَتْلِ وكَفِّ عُدْوانِ الجانِي عَلَيْهِ مِن كُلِّ عُقُوبَةٍ؛ إذْ بَقاؤُهُ بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ مَفْسَدَةٌ لَهُمْ، ولا خَيْرَ يُرْجى في بَقائِهِ ولا مَصْلَحَةَ؛ فَإذا حَبَسَ شَرَّهُ وأمْسَكَ لِسانَهُ وكَفَّ أذاهُ والتَزَمَ الذُّلَّ والصَّغارَ وجَرَيانَ أحْكامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ وأداءَ الجِزْيَةِ لَمْ يَكُنْ في بَقائِهِ بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، والدُّنْيا بَلاغٌ ومَتاعٌ إلى حِينٍ، وجَعَلَهُ أيْضًا عُقُوبَةَ الجِنايَةِ عَلى الفُرُوجِ المُحَرَّمَةِ؛ لِما فِيها مِن المَفاسِدِ العَظِيمَةِ واخْتِلاطِ الأنْسابِ والفَسادِ العامِّ.
(فصل)
اعلمْ أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين وخلق كل شيء لأجلهم، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللهَ سخَّرَ لَكم ما فِى السَّمَواتِ وما فِى الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ [لقمان:٠٢].
وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَم وحملناهم فِى البِرِّ والبَحْرِ ورزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وقال لصالحيهم وصفوتهم: ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآل إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِين﴾ [آل عمران: ٣٣].
وقال تعالى لموسى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]، واتخذ منهم الخليلين، والخلة أعلى درجات المحبة.
وقد جاء في بعض الآثار: يقول تعالى: "ابن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك فبحقى عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له".
وفى أثر آخر يقول تعالى: "ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبنى تجدنى فإن وجدتنى وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
فالله سبحانه خلق عباده له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقد لم يعقده مع خلق غيرهم فيما أخبر به على لسان رسوله ﷺ، ليسلموا إليه النفوس التي خلقها له.
وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة له مصطفاة عنده، مرضية لديه.
وقدر السلعة يعرف بجلالة قدر مشتريها وبمقدار ثمنها، هذا إذا جهل قدرها في نفسها، فإذا عرف قدر السلعة وعرف مشتريها، وعرف الثمن المبذول فيها علم شأْنها ومرتبتها في الوجود. فالسلعة أنت، والله المشترى والثمن جنته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه في دار الأمن والسلام.
والله سبحانه لا يصطفي لنفسه إلا أعز الأشياء وأشْرَفَها وأعظمها قيمة. وإذا كان قد اختار العبد لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له دارًا في جواره وقربه، وجعل ملائكته خدَمه يسعون في مصالحه في يقظته ومنامه وحياته وموته، ثم إنّ العبد أبق عن سيده ومالكه، معرضًا عن رضاه، ثم لم يكفه ذلك حتى خامر عليه وصالح عدوه ووالاه من دونه وصار من جنده مؤثرًا لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه، فقد باع نفسه - التي اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه - من عدوه وأبغض خلقه إليه، واستبدل غضبه برضاه ولعنته برحمته ومحبته.
فأي مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه؟
قال تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْملائِكَةِ اسْجُدُوا لآدم فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِن الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُو، بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
فتأمل ما تحت هذه المعاتبة وما في طي هذا الخطاب من سوءِ هذا العبد وما تعرض له من المقت والخزى والهوان ومن استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه إلى العود إلى وليه ومولاه الحق الذي هو أولى به، فإذا عاد إليه وتاب إليه فهو بمثابة من أسر له العدو محبوبًا له، واستولوا عليه وحالوا بينه وبينه، فهرب منهم ذلك المحبوب وجاءَ إلى محبه اختيارًا وطوعًا حتى توسد عتبة بابه فخرج المحب من بيته فوجد محبوبه متوسدًا عتبة بابه واضعًا خده وذقنه عليها، فكيف يكون فرحه ربه؟ ولله المثل الأعلى.
ويكفي في هذا المثل الذي ضربه رسول الله ﷺ لمن فتح الله عين قلبه فأبصر ما في طيه وما في ضمنه، وعلم أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ولا تخييل، بل كلام معصوم في منطقة وعلمه وقصده وعمله، كل كلمة منه في موضعها ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها.
والذي يزيد هذا المعنى تقريرًا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه، فإن لولا محبة الله له لما جعل محبته في قلبه، فلما أحبه ألهمه حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومن أتاه مشيًا أتاه هرولة.
وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذي يحبه فوق محبة العبد له.
فإذا تعرض هذا المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فر من محبه وآثر غيره عليه، فإذا عاوده وأقبل إليه وتخلى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبه أعظم فرح وأكمله، والشاهد أقوى شاهد تؤيده الفطرة والعقل، فلو لم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت للشريعة المنزلة إلى الفطرة المكملة إلى العقل الصحيح المنور، فذلك الذي لا غاية له بعده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.
(فصل)
ومتى أراد العبد شاهِدَ هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح، والسرور واللذة التي تحصل له، والجزاءُ من جنس العمل.
فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أعقبه فرحًا عظيمًا. وهاهنا دقيقة قل من يتفطن لها إلا فقيه في هذا الشأْن. وهي أن كل تائب لا بد له في أول توبته من عصرة وضغطة في قلبه من هم أو غم أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلا تألمه بفراق محبوبه فينضغط لذلك وينعصر قلبه ويضيق صدره، فأكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا على رؤوسهم لأجل هذه المحنة.
والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة عقيب التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلما كانت أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم، ولذلك أسباب عديدة: منها أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميتًا واستعداده ضعيفًا لم يحصل له ذلك ..
وأيضًا فإن الشيطان لص الإيمان، واللص إنما يقصد المكان المعمور، وأما المكان الخراب الذي لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دل على أن في قلبه من الخير ما يشتد حرص الشيطان على نزعه منه.
وأيْضًا فإن قوة المعارض والمضاد تدل على قوة معارضة وضده، ومثل هذا إما أن يكون رأسًا في الخير أو رأسًا في الشر، فإن النفوس الأبية القوية إن كانت خيرة رأست في الخير، وإن كانت شريرة رأست في الشر.
وأيضًا فإن بحسب موافقته لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادة انشراحه وطمأنينته. وأيضًا فإنه كلما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه، هذه سنة الله في الخلق.
فانظر إلى الجنة وعظمها وإلى الموانع والقواطع التي حالت دونها حتى أوجبت أن ذهب من كل ألف رجل واحد إليها، وانظر إلى محبة الله والانقطاع إليه والإنابة إليه والتبتل إليه وحده والأُنس به واتخاذه وليًا ووكيلًا وكافيًا وحسيبًا هل يكتسب العبد شيئًا أشرف منه؟
وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة دونه، حتى قد تعلق كل قوم بما تعلقوا به دونه، والطالبون له منهم الواقف مع عمله والواقف مع علمه، والواقف مع حاله، والواقف مع ذوقه وجمعيته وحظه من ربه، والمطلوب منهم وراءَ ذلك كله.
والمقصود أن هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجل الأُمور وأعظمها نصبت عليه المعارضات والمحن، ليتميز الصادق من الكاذب وتقع الفتنة ويحصل الابتلاءُ ويتميز من يصلح ممن لا يصلح، قال تعالى: ﴿آلم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣] وقال: ﴿لِيَبْلُوكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلًا أفضت به إلى رياض الأُنس وجنات الانشراح، وإن لم يصبر لها انقلب على وجهه. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
والمقصود أن هذا الفرح من الله بتوبة عبده - مع أنه لم يأْت نظيره في غيرها من الطاعات - دليل على عظم قدر التوبة وفضلها عند الله، وأن التعبد له بها من أشرف التعبدات، وهذا يدل على أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها، فهذا بعض ما احتج به لهذا القول.
وأما الطائفة التي قالت: لا يعود إلى مثل ما كان، بل لا بد أن ينقص حاله، فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبودية بلا ريب.
فليس العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط في حقوقه، وهذا مما لا يمكن جحده ومكابرته، فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته برك مؤاخذته بالذنب والعفو عنه، وأما مقام القرب والمحبة فهيهات أن يعود.
قالوا: ولأن هذا في زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله، فلو كان واقفًا في موضعه لفاته التقدم فكيف وهو في زمن المعصية كان سيره إلى وراءَ وراء؟
فإذا تاب واستقبل سيره، فإنه يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة حتى يصل إلى الوضع الذي تأخر منه.
قالوا: ونحن لا ننكر أنه قد يأْتي بطاعات وأعمال تبلغه إلى منزلته وإنما أنكرنا أن يكون بمجرد التوبة النصوح يعود إلى منزلته وحالته، وهذا مما لا يكون فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى الطريق، فلا يصل إلى مكانه الذي رجع منه إلا بسير مستأْنف يوصله إليه، ونحن لا ننكر أن العبد بعد التوبة يعمل أعمالًا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب توجب له التقدم.
قالوا: وأيضًا، فلو رجع إلى حاله التي كان عليها أو إلى أرفع منها لكان بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالًا منه، فكيف يكون هذا، وأين مسير صاحب الطاعة في زمن اشتغال هذا بالمعصية؟ وكيف يلتقى رجلان أحدهما سائر نحو المشرق والآخر نحو المغرب، فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر والآخر مجدٌ على سيره، فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان؟ هذا مما لا يمكن جحده ودفعه.
قالوا: وأيضًا فمرض القلب بالذنوب على مثل مرض الجسم بالأسقام، والتوبة بمنزلة شرب الدواءِ، والمريض إذا شرب الدواءَ وصح فإنه لا تعود إليه قوته قبل المرض، وإنْ عادت فبعد حين.
قالوا: وأيضًا فهذا في زمن معالجة التوبة ملبوك في نفسه، مشغول بمداوتها ومعالجتها، وفي زمن الذنب مشغول بشهواتها، والسالم من ذلك مشغول بربه قد قرب منه في سيره فكيف يلحقه هذا؟ فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة لقولها.
وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية، فسمعته يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجردة، فإما سألته وإما سئل عن الصواب منها، فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، مما كانت، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان. فإن كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة وأشد حذرًا وأعظم تشميرًا وأعظم ذلًا وخشية وإنابة عاد إلى أرفع مما كان، وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأُمور ولم يعد بعد التوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان عليه، وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته. هذا معنى كلامه رضي الله عنه.
قلت: وهاهنا مسألة هذا الموضع أخص المواضع ببيانها، وهي أن التائب إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا، فهل تمحى تلك السيئات ويذهب لا له ولا عليه، أو إذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة؟ هذا مما اختلف الناس فيه من المفسرين وغيرهم قديمًا وحديثًا، فقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
قال ابن عطية: يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأُولى طاعة، فيكون ذلك سببًا لرحمة الله إياهم، قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن، ورد على من قال هو في يوم القيامة، قال: وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي ذر يقتضي أن الله سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذي والطبري، وهذا تأْويل سعيد بن المسيب في هذه الآية.
قال ابن عطية: وهو معنى كرم العفو، هذا آخر كلامه.
قلت: سيأتى إن شاء الله ذكر الحديث بلفظه والكلام عليه. قال المهدوى: وروى معنى هذا القول عن سلمان الفارسى وسعيد بن جبير وغيرهما.
وقال الثعلبي: قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: ﴿يبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] يبدلهم الله بقبيح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانًا وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا. وقال آخرون: يعني يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسنات يوم القيامة.
وأصل القولين أن هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال: إنه في الدنيا قال: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها، وهي حسنات، وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة لا تنقلب حسنة، بل غايتها أن تمحى وتكفِّر ويذهب أثرها فأما أن تنقلب حسنة فلا، فإنها لم تكن طاعة، وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب فكيف تنقلب محبوبة مرضية.
قالوا: وأيضًا فالذي دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [المائدة: ١٥] وقوله تعالى: ﴿إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، والقرآن مملوءٌ من ذلك.
وفى الصحيح من حديث قتادة عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطي صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على الله عز وجل"، فهذا الحديث المتفق عليه الذي تضمن العناية بهذا العبد إنما فيه ستر ذنوبه عليه في الدنيا ومغفرتها له يوم القيامة، ولم يقل له: وأعطيتك بكل سيئة منها حسنة.
فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها، وقد قال الله في حق الصادقين: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِى عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِى كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]، فهؤلاء خيار الخلق، وقد أخبر أنه يكفر عنهم سيئات أعمالهم، ويجزيهم بأحسن ما يعملون، وأحسن ما عملوا إنما هو الحسنات لا السيئات فدل على أن الجزاء بالحسنى إنما يكون على الحسنات وحدها، وأما السيئات فإن فحسبها أن تلغى ويبطل أثرها، قالوا: وأيضًا فلو انقلبت السيئات أنفسها حسنات في حق التائب لكان أحسن حالًا من الذي لم يرتكب منها شيئًا وأكثر حسنات منه، لأنه إذا أساءَ شاركه في حسناته التي فعلها وامتاز عنه بتلك السيئات ثم انقلبت له حسنات ترجح عليه، وكيف يكون صاحب السيئات أرجح ممن لا سيئته له؟
قالوا: وأيضًا فكما أن العبد إذا فعل حسنات، ثم أتى بما يحبطها فإنها لا تنقلب سيئات يعاقب عليها، بل يبطل أثرها ويكون لا له ولا عليه وتكون عقوبته عدم ترتب ثوابه عليها، فهكذا من فعل سيئات ثم تاب منها، فإنها لا تنقلب حسنات.
فإن قلتم: وهكذا التائب يكون ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته، لم ننازعكم في هذا، وليس هذا معنى الحسنة فإن الحسنة تقتضى ثوابًا وجوديًا.
واحتجت الطائفة الأخرى التي قالت: هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم القيامة بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة.
وهذا إنما يكون في السيئة المحققة وهي التي قد فعلت ووقعت، فإذا بدلت حسنة كان معناه أنها محيت وأُثبت مكانها حسنة قالوا: ولهذا قال تعالى: ﴿سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها واكتسبوها، ونكر الحسنات ولم يضفها إليهم لأنها من غير صنعهم وكسبهم، بل هي مجرد فضل الله وكرمه.
قالوا: وأيضًا فالتبديل في الآية إنما هو فعل الله لا فعلهم، فإنه أخبر أنه هو يبدل سيئاتهم حسنات، ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم فإنهم هم الذين يبدلون سيئاتهم حسنات، والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها وكاسبها كما قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] وأما ما كان من غير الفاعل فإنه يجعله من تبديله هو كما قال الله تعالى: ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]، فلما أخبر سبحانه أنه هو الذي يبدل سيئاتهم حسنات دل على أنه شيء فعله هو سبحانه بسيئاتهم، لا أنهم فعلوه من تلقاءَ أنفسهم، وإن كان سببه منهم، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح.
قالوا: ويدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن المعرور ابن سُويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعلم آخر أهل الجَنَّة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أْن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياءَ لا أراها هاهنا "، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، قال: فتعرض عليه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا؟ وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبار، فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، قال: فيقول: إن لى ذنوبًا ما أراها"، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
قالوا: وأيضًا فروى أبو حفص المستملى عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى القطيعى عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات"، قيل: من هم؟ قال: "الذين بدل سيئاتهم حسنات".
قالوا: وهؤلاء هم الأبدال في الحقيقة، فإنهم إنما سموا أبدالًا لأنهم بدلوا أعمالهم السيئة بالأعمال الحسنة، فبدل الله سيئاتهم التي عملوها حسنات، قالوا: وأيضًا فالجزاءُ من جنس العمل، فكما بدلوهم أعمالهم السيئة بالحسنة بدلها الله من صحف الحفظة حسنات جزاءً وفاقًا.
قالت الطائفة الأُولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبي ذر على صحة قولكم وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في النار حتى كان آخر أهلها خروجًا منها؟ فهذا قد عوقب على سيئاته فزال أثرها بالعقوبة، فبدل مكان كل سيئة منها حسنة، وهذا حكم غير ما نحن فيه، فإن الكلام في التائب من السيئات، لا فيمن مات مصرًا عليها غير تائب، فأين أحدهما من الآخر؟
وأما حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادًا ومتنًا، إلا أنه مختصر.
وأما حديث أبي هريرة فلا يثبت مثله، ومَن أبو العنبس، ومن أبوه حتى يقبل منهما تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل؟ وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله ﷺ مع شدة حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها وذمهم وعيبهم والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها؟ فكيف يصح عنه ﷺ أنه يقول: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا منها"؟، ثم كيف يتمنى المرءُ إكثاره منها، مع سوءِ عاقبتها، وسوءِ مغبتها؟ وإنما يتمنى الإكثار من الطاعات؟ وفي الترمذي مرفوعًا: "ليتمنينَّ أقوام يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاءِ".
فهذا فيه تمنى البلاءِ يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله، وهو تمنى الحسنات، وأما تمنى الحسنات فهذا لا ريب فيه، وأما تمنى السيئات فكيف يتمنى العبد أنه أكثر من السيئات؟ هذا مال لا يكون أبدًا، وإنما يتمنى المسيء أن لو لم يكن أساءَ، وأما تمنيه أنه ازداد من إساءته فكلا.
قالوا: وأما ما ذكرتم من أن التبديل هو إثبات الحسنة مكان السيئة فحق. وكذلك نقول: إن الحسنة المفعولة صارت في مكان السيئة التي لولا الحسنة لحلت محلها. قالوا: وأما احتجاجكم بإضافة السيئات إليهم وذلك يقتضي أن تكون هي السيئات الواقعة.
وتنكير الحسنات وهو يقتضي أن تكون حسنات من فضل الله، فهو حق بلا ريب ولكن من أين يبقى أن يكون فضل الله بها مقارنًا لكسبهم إياها بفضله؟ قالوا: وأما قولكم: إن التبديل مضاف إلى الله لا إليهم وذلك يقتضي أنه هو الذي بدلها سبحانه من الصحف لا أنهم هم الذين بدلوا الأعمال بأضدادها، فهذا لا دليل لكم فيه، فإن الله خالق أفعال العباد، فهو المبدل للسيئات حسنات خلقًا وتكوينًا، وهم المبدلون لها فعلًا وكسبًا.
قالوا: وأما احتجاجكم بأن الجزاءَ من جنس العمل، فكما بدلوا سيئات أعمالهم بحسناتهم بدلها الله كذلك في صحف الأعمال، فهذا حق وبه نقول، وأنه بدلت السيئات التي كانت مهيأة ومعدة أن تحل في الصحف بحسنات حلت موضعها.
فهذا منتهى أقدام الطائفتين، ومحط نظر الفريقين. وإليك أيها المنصف الحكم بينهما، فقد أدلى كل منهما بحجته، فأقام بينته، والحق لا يعدوهما ولا يتجاوزهما، فأرشد الله من أعان على هدى فنال به درجة الداعين إلى الله القائمين ببيان حججه ودينه، أو عذر طالبًا منفردًا في طريق مطلبه قد انقطع رجاؤه من رفيق في الطريق، فغاية أُمنيته أن يخلي بينه وبين سيره وأن لا يقطع عليه طريقه.
فمن رفع له مثل هذا العلم ولم يشمر إليه فقد رضى بالدون، وحصل على صفقة المغبون، ومن شمر إليه ورام أن لا يعارضه معارض، ولا يتصدى له ممانع فقد منى نفسه المحال، وإن صبر على لأْوائها وشدتها فهو والله الفوز المبين والحظ الجزيل .. وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب.
فالصواب إن شاءَ الله في هذه المسألة أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ينقلب حسنة، والحسنة إنما هي أمر وجودي يقتضي ثوابًا، ولهذا كان تارك المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهي، وذلك الكف والحبس أمر وجودي وهو متعلق الثواب.
وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلًا ولم يحدث به نفسه، فهذا كيف يثاب على تركه، ولو أُثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابًا على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله، وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى، فإن التَرك مستصحب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك كله؟ هذا مما لا يتوهم.
وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرًا وجوديًا فالتائب من الذنوب التي عملها قد قارن كلَّ ذنب منها ندمًا عليه، وكف نفسه عنه، وعزم على ترك معاودته. وهذه حسنات بلا ريب، وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم، وهو حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة.
وهذا معنى قول بعض المفسرين: يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها فتوبته منها حسنة حلت مكانها، فهذا معنى التبديل، لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة.
وقال بعض المفسرين في هذه الآية: يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها حسنة، وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة.
وأما حديث أبي ذر - وإن كان التبديل فيه في حق المصرّ الذي عذب على سيئاته - فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته، فإن الذنوب التي عذب عليها المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن، فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة، لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها مع العقوبة لاقتضى زوال أثرها وتبديلها حسنات، فإن الندم لم يكن في وقت ينفعه، فلما عوقب عليها وزال أثرها بدلها الله له حسنات.
فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة حسنات فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى. وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأْثير العقوبة لأن التوبة فعل اختياري أتى به العبد طوعًا ومحبة لله وفرقًا منه.
وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره بل بفعل الله، ولا ريب أن تأْثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو الذنوب أعظم من تأْثير المصائب التي تناله بغير اختياره.
الفرقان 25:70
وَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ: «أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قِيلَ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها:
﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وَلَمّا كانَتْ مَفْسَدَةُ الزِّنى مِن أعْظَمِ المَفاسِدِ وهي مُنافِيَةٌ لِمَصْلَحَةِ نِظامِ العالَمِ في حِفْظِ الأنْسابِ، وحِمايَةِ الفُرُوجِ، وصِيانَةِ الحُرُماتِ، وتَوَقِّي ما يُوقِعُ أعْظَمَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَ النّاسِ، مِن إفْسادِ كُلٍّ مِنهُمُ امْرَأةَ صاحِبِهِ وبِنْتِهِ وأُخْتِهِ وأُمِّهِ، وفي ذَلِكَ خَرابُ العالَمِ، كانَتْ تَلِي مَفْسَدَةَ القَتْلِ في الكِبَرِ، ولِهَذا قَرَنَها اللَّهُ سُبْحانَهُ بِها في كِتابِهِ، ورَسُولُهُ ﷺ في سُنَّتِهِ كَما تَقَدَّمَ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: ولا أعْلَمُ بَعْدَ قَتْلِ النَّفْسِ شَيْئًا أعْظَمَ مِنَ الزِّنى.
وَقَدْ أكَّدَ سُبْحانَهُ حُرْمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا - يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا - إلّا مَن تابَ﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠].
فَقَرَنَ الزِّنى بِالشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ، وجَعَلَ جَزاءَ ذَلِكَ الخُلُودَ في العَذابِ المُضاعَفِ، ما لَمْ يَرْفَعِ العَبْدُ مُوجِبَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
[إتْلافُ النَّفْسِ عُقُوبَةُ أفْظَعِ أنْواعِ الجَرائِمِ]
وَتَأمَّلْ كَيْفَ جاءَ إتْلافُ النُّفُوسِ في مُقابَلَةِ أكْبَرِ الكَبائِرِ وأعْظَمِها ضَرَرًا وأشَدِّها فَسادًا لِلْعالَمِ، وهي الكُفْرُ الأصْلِيُّ والطّارِئُ، والقَتْلُ وزِنا المُحْصَنِ، وإذا تَأمَّلَ العاقِلُ فَسادَ الوُجُودِ رَآهُ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثِ، وهَذِهِ هي الثَّلاثُ الَّتِي «أجابَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِها حَيْثُ قالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَك، قالَ: قُلْت: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَك خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَك، قالَ: قُلْت: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ بِحَلِيلَةِ جارِك» فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ.
(فصل: أصُول المعاصِي كلها كِبارها وصغارها ثَلاثَة)
تعلق القلب بِغَيْر الله، وطاعَة القُوَّة الغضبية، والقُوَّة الشهوانية، وهِي الشّرك والظُّلم والفَواحِش.
فغاية التَّعَلُّق بِغَيْر الله شرك وأن يدعى مَعَه إلَه آخر وغايَة طاعَة القُوَّة الغضبية القَتْل وغايَة القُوَّة الشهوانية الزِّنا ولِهَذا جمع الله سُبْحانَهُ بَين الثَّلاثَة في قَوْله ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إلَهًا آخر ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾
وَهَذِه الثَّلاثَة يَدْعُو بَعْضها إلى بعض فالشرك يَدْعُو إلى الظُّلم والفَواحِش كَما أن الإخْلاص والتوحيد يصرفهما عَن صاحبه قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾
فالسوء العِشْق والفحشاء الزِّنا وكَذَلِكَ الظُّلم يَدْعُو إلى الشّرك والفاحشة، فَإن الشّرك أظلم الظلم كَما أن أعدل العدْل التَّوْحِيد.
فالعدل قرين التَّوْحِيد، والظُّلم قرين الشّرك، ولِهَذا يجمع سُبْحانَهُ بَينهما.
أما الأول فَفي قَوْله ﴿شهد الله أنه لا إلَه إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾
وَأما الثّانِي فكقوله تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
والفاحشة تَدْعُو إلى الشّرك والظُّلم ولا سِيما إذا قويت إرادتها ولم تحصل إلّا بِنَوْع من الظُّلم بالظلم، والاستعانة بِالسحرِ والشيطان.
وَقد جمع سُبْحانَهُ بَين الزِّنا والشرك في قَوْله ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾
فَهَذِهِ الثَّلاثَة يجر بَعْضها إلى بعض ويَأْمُر بَعْضها بِبَعْض ولِهَذا كلما كانَ القلب أضْعَف توحيدا وأعظم شركا كانَ أكثر فاحِشَة وأعظم تعلقا بالصور وعشقا لَها.
[مِن حِكْمَةِ اللَّهِ شَرْعُ الحُدُودِ]
فَكانَ مِن بَعْضِ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ ورَحْمَتِهِ أنْ شَرَعَ العُقُوباتِ في الجِناياتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، في الرُّءُوسِ والأبْدانِ والأعْراضِ والأمْوالِ، كالقَتْلِ والجِراحِ والقَذْفِ والسَّرِقَةِ؛ فَأحْكَمَ سُبْحانَهُ وُجُوهَ الزَّجْرِ الرّادِعَةَ عَنْ هَذِهِ الجِناياتِ غايَةَ الإحْكامِ، وشَرَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّدْعِ والزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ المُجاوَزَةِ لِما يَسْتَحِقُّهُ الجانِي مِن الرَّدْعِ؛ فَلَمْ يَشْرَعْ في الكَذِبِ قَطْعَ اللِّسانِ ولا القَتْلَ، ولا في الزِّنا الخِصاءَ، ولا في السَّرِقَةِ إعْدامَ النَّفْسِ.
وَإنَّما شَرَعَ لَهم في ذَلِكَ ما هو مُوجِبُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ مِن حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ وإحْسانِهِ وعَدْلِهِ لِتَزُولَ النَّوائِبُ، وتَنْقَطِعَ الأطْماعُ عَنْ التَّظالُمِ والعُدْوانِ، ويَقْتَنِعَ كُلُّ إنْسانٍ بِما آتاهُ مالِكُهُ وخالِقُهُ؛ فَلا يَطْمَعُ في اسْتِلابِ غَيْرِهِ حَقَّهُ.
[تَفاوَتَتْ الجِناياتُ فَتَفاوَتَتْ العُقُوباتُ]
وَمَعْلُومٌ أنَّ لِهَذِهِ الجِناياتِ الأرْبَعِ مَراتِبَ مُتَبايِنَةً في القِلَّةِ والكَثْرَةِ، ودَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ في شِدَّةِ الضَّرَرِ وخِفَّتِهِ، كَتَفاوُتِ سائِرِ المَعاصِي في الكِبَرِ والصِّغَرِ وما بَيْنَ ذَلِكَ.
وَمِن المَعْلُومِ أنَّ النَّظْرَةَ المُحَرَّمَةَ لا يَصْلُحُ إلْحاقُها في العُقُوبَةِ بِعُقُوبَةِ مُرْتَكِبِ الفاحِشَةِ، ولا الخَدْشَةِ بِالعُودِ بِالضَّرْبَةِ بِالسَّيْفِ، ولا الشَّتْمِ الخَفِيفِ بِالقَذْفِ بِالزِّنا والقَدَحِ في الأنْسابِ؛ ولا سَرِقَةِ اللُّقْمَةِ والفَلْسِ بِسَرِقَةِ المالِ الخَطِيرِ العَظِيمِ، فَلَمّا تَفاوَتَتْ مَراتِبُ الجِناياتِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَفاوُتِ مَراتِبِ العُقُوباتِ، وكانَ مِن المَعْلُومِ أنَّ النّاسَ لَوْ وُكِّلُوا إلى عُقُولِهِمْ في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وتَرْتِيبِ كُلِّ عُقُوبَةٍ عَلى ما يُناسِبُها مِن الجِنايَةِ جِنْسًا ووَصْفًا وقَدْرًا لَذَهَبَتْ بِهِمْ الآراءُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وتَشَعَّبَتْ بِهِمْ الطُّرُقُ كُلَّ مُشَعَّبٍ، ولَعَظُمَ الِاخْتِلافُ واشْتَدَّ الخَطْبُ، فَكَفاهم أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وأحْكُمُ الحاكِمِينَ مُؤْنَةَ ذَلِكَ، وأزالَ عَنْهم كُلْفَتَهُ، وتَوَلّى بِحِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ ورَحْمَتِهِ تَقْدِيرَهُ نَوْعًا وقَدْرًا، ورَتَّبَ عَلى كُلِّ جِنايَةٍ ما يُناسِبُها مِن العُقُوبَةِ ويَلِيقُ بِها مِن النَّكالِ، ثُمَّ بَلَغَ مِن سَعَةِ رَحْمَتِهِ وجُودِهِ أنْ جَعَلَ تِلْكَ العُقُوباتِ كَفّاراتٍ لِأهْلِها، وطُهْرَةً تُزِيلُ عَنْهم المُؤاخَذَةَ بِالجِناياتِ إذا قَدِمُوا عَلَيْهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ مِنهم بَعْدَها التَّوْبَةُ النَّصُوحُ والإنابَةُ؛ فَرَحِمَهم بِهَذِهِ العُقُوباتِ أنْواعًا مِن الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَعَلَ هَذِهِ العُقُوباتِ دائِرَةً عَلى سِتَّةِ أُصُولٍ: قَتْلٍ، وقَطْعٍ، وجَلْدٍ، ونَفْيٍ، وتَغْرِيمِ مالٍ، وتَعْزِيرٍ.
[القَتْلُ ومُوجِبُهُ]
فَأمّا القَتْلُ فَجَعَلَهُ عُقُوبَةَ أعْظَمِ الجِناياتِ، كالجِنايَةِ عَلى الأنْفُسِ؛ فَكانَتْ عُقُوبَتُهُ مِن جِنْسِهِ، وكالجِنايَةِ عَلى الدِّينِ بِالطَّعْنِ فِيهِ والِارْتِدادِ عَنْهُ، وهَذِهِ الجِنايَةُ أوْلى بِالقَتْلِ وكَفِّ عُدْوانِ الجانِي عَلَيْهِ مِن كُلِّ عُقُوبَةٍ؛ إذْ بَقاؤُهُ بَيْنَ أظْهُرِ عِبادِهِ مَفْسَدَةٌ لَهُمْ، ولا خَيْرَ يُرْجى في بَقائِهِ ولا مَصْلَحَةَ؛ فَإذا حَبَسَ شَرَّهُ وأمْسَكَ لِسانَهُ وكَفَّ أذاهُ والتَزَمَ الذُّلَّ والصَّغارَ وجَرَيانَ أحْكامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ وأداءَ الجِزْيَةِ لَمْ يَكُنْ في بَقائِهِ بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، والدُّنْيا بَلاغٌ ومَتاعٌ إلى حِينٍ، وجَعَلَهُ أيْضًا عُقُوبَةَ الجِنايَةِ عَلى الفُرُوجِ المُحَرَّمَةِ؛ لِما فِيها مِن المَفاسِدِ العَظِيمَةِ واخْتِلاطِ الأنْسابِ والفَسادِ العامِّ.
(فصل)
اعلمْ أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين وخلق كل شيء لأجلهم، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللهَ سخَّرَ لَكم ما فِى السَّمَواتِ وما فِى الأرْضِ وأسْبَغَ عَلَيْكم نِعمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ [لقمان:٠٢].
وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَم وحملناهم فِى البِرِّ والبَحْرِ ورزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، وقال لصالحيهم وصفوتهم: ﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآل إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِين﴾ [آل عمران: ٣٣].
وقال تعالى لموسى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]، واتخذ منهم الخليلين، والخلة أعلى درجات المحبة.
وقد جاء في بعض الآثار: يقول تعالى: "ابن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك فبحقى عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له".
وفى أثر آخر يقول تعالى: "ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبنى تجدنى فإن وجدتنى وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
فالله سبحانه خلق عباده له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقد لم يعقده مع خلق غيرهم فيما أخبر به على لسان رسوله ﷺ، ليسلموا إليه النفوس التي خلقها له.
وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة له مصطفاة عنده، مرضية لديه.
وقدر السلعة يعرف بجلالة قدر مشتريها وبمقدار ثمنها، هذا إذا جهل قدرها في نفسها، فإذا عرف قدر السلعة وعرف مشتريها، وعرف الثمن المبذول فيها علم شأْنها ومرتبتها في الوجود. فالسلعة أنت، والله المشترى والثمن جنته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه في دار الأمن والسلام.
والله سبحانه لا يصطفي لنفسه إلا أعز الأشياء وأشْرَفَها وأعظمها قيمة. وإذا كان قد اختار العبد لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له دارًا في جواره وقربه، وجعل ملائكته خدَمه يسعون في مصالحه في يقظته ومنامه وحياته وموته، ثم إنّ العبد أبق عن سيده ومالكه، معرضًا عن رضاه، ثم لم يكفه ذلك حتى خامر عليه وصالح عدوه ووالاه من دونه وصار من جنده مؤثرًا لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه، فقد باع نفسه - التي اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه - من عدوه وأبغض خلقه إليه، واستبدل غضبه برضاه ولعنته برحمته ومحبته.
فأي مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه؟
قال تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْملائِكَةِ اسْجُدُوا لآدم فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِن الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُو، بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
فتأمل ما تحت هذه المعاتبة وما في طي هذا الخطاب من سوءِ هذا العبد وما تعرض له من المقت والخزى والهوان ومن استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه إلى العود إلى وليه ومولاه الحق الذي هو أولى به، فإذا عاد إليه وتاب إليه فهو بمثابة من أسر له العدو محبوبًا له، واستولوا عليه وحالوا بينه وبينه، فهرب منهم ذلك المحبوب وجاءَ إلى محبه اختيارًا وطوعًا حتى توسد عتبة بابه فخرج المحب من بيته فوجد محبوبه متوسدًا عتبة بابه واضعًا خده وذقنه عليها، فكيف يكون فرحه ربه؟ ولله المثل الأعلى.
ويكفي في هذا المثل الذي ضربه رسول الله ﷺ لمن فتح الله عين قلبه فأبصر ما في طيه وما في ضمنه، وعلم أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ولا تخييل، بل كلام معصوم في منطقة وعلمه وقصده وعمله، كل كلمة منه في موضعها ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها.
والذي يزيد هذا المعنى تقريرًا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه، فإن لولا محبة الله له لما جعل محبته في قلبه، فلما أحبه ألهمه حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومن أتاه مشيًا أتاه هرولة.
وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذي يحبه فوق محبة العبد له.
فإذا تعرض هذا المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فر من محبه وآثر غيره عليه، فإذا عاوده وأقبل إليه وتخلى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبه أعظم فرح وأكمله، والشاهد أقوى شاهد تؤيده الفطرة والعقل، فلو لم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت للشريعة المنزلة إلى الفطرة المكملة إلى العقل الصحيح المنور، فذلك الذي لا غاية له بعده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.
(فصل)
ومتى أراد العبد شاهِدَ هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح، والسرور واللذة التي تحصل له، والجزاءُ من جنس العمل.
فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أعقبه فرحًا عظيمًا. وهاهنا دقيقة قل من يتفطن لها إلا فقيه في هذا الشأْن. وهي أن كل تائب لا بد له في أول توبته من عصرة وضغطة في قلبه من هم أو غم أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلا تألمه بفراق محبوبه فينضغط لذلك وينعصر قلبه ويضيق صدره، فأكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا على رؤوسهم لأجل هذه المحنة.
والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة عقيب التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلما كانت أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم، ولذلك أسباب عديدة: منها أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميتًا واستعداده ضعيفًا لم يحصل له ذلك ..
وأيضًا فإن الشيطان لص الإيمان، واللص إنما يقصد المكان المعمور، وأما المكان الخراب الذي لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دل على أن في قلبه من الخير ما يشتد حرص الشيطان على نزعه منه.
وأيْضًا فإن قوة المعارض والمضاد تدل على قوة معارضة وضده، ومثل هذا إما أن يكون رأسًا في الخير أو رأسًا في الشر، فإن النفوس الأبية القوية إن كانت خيرة رأست في الخير، وإن كانت شريرة رأست في الشر.
وأيضًا فإن بحسب موافقته لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادة انشراحه وطمأنينته. وأيضًا فإنه كلما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه، هذه سنة الله في الخلق.
فانظر إلى الجنة وعظمها وإلى الموانع والقواطع التي حالت دونها حتى أوجبت أن ذهب من كل ألف رجل واحد إليها، وانظر إلى محبة الله والانقطاع إليه والإنابة إليه والتبتل إليه وحده والأُنس به واتخاذه وليًا ووكيلًا وكافيًا وحسيبًا هل يكتسب العبد شيئًا أشرف منه؟
وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة دونه، حتى قد تعلق كل قوم بما تعلقوا به دونه، والطالبون له منهم الواقف مع عمله والواقف مع علمه، والواقف مع حاله، والواقف مع ذوقه وجمعيته وحظه من ربه، والمطلوب منهم وراءَ ذلك كله.
والمقصود أن هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجل الأُمور وأعظمها نصبت عليه المعارضات والمحن، ليتميز الصادق من الكاذب وتقع الفتنة ويحصل الابتلاءُ ويتميز من يصلح ممن لا يصلح، قال تعالى: ﴿آلم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣] وقال: ﴿لِيَبْلُوكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلًا أفضت به إلى رياض الأُنس وجنات الانشراح، وإن لم يصبر لها انقلب على وجهه. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
والمقصود أن هذا الفرح من الله بتوبة عبده - مع أنه لم يأْت نظيره في غيرها من الطاعات - دليل على عظم قدر التوبة وفضلها عند الله، وأن التعبد له بها من أشرف التعبدات، وهذا يدل على أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها، فهذا بعض ما احتج به لهذا القول.
وأما الطائفة التي قالت: لا يعود إلى مثل ما كان، بل لا بد أن ينقص حاله، فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبودية بلا ريب.
فليس العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط في حقوقه، وهذا مما لا يمكن جحده ومكابرته، فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته برك مؤاخذته بالذنب والعفو عنه، وأما مقام القرب والمحبة فهيهات أن يعود.
قالوا: ولأن هذا في زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله، فلو كان واقفًا في موضعه لفاته التقدم فكيف وهو في زمن المعصية كان سيره إلى وراءَ وراء؟
فإذا تاب واستقبل سيره، فإنه يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة حتى يصل إلى الوضع الذي تأخر منه.
قالوا: ونحن لا ننكر أنه قد يأْتي بطاعات وأعمال تبلغه إلى منزلته وإنما أنكرنا أن يكون بمجرد التوبة النصوح يعود إلى منزلته وحالته، وهذا مما لا يكون فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى الطريق، فلا يصل إلى مكانه الذي رجع منه إلا بسير مستأْنف يوصله إليه، ونحن لا ننكر أن العبد بعد التوبة يعمل أعمالًا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب توجب له التقدم.
قالوا: وأيضًا، فلو رجع إلى حاله التي كان عليها أو إلى أرفع منها لكان بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالًا منه، فكيف يكون هذا، وأين مسير صاحب الطاعة في زمن اشتغال هذا بالمعصية؟ وكيف يلتقى رجلان أحدهما سائر نحو المشرق والآخر نحو المغرب، فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر والآخر مجدٌ على سيره، فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان؟ هذا مما لا يمكن جحده ودفعه.
قالوا: وأيضًا فمرض القلب بالذنوب على مثل مرض الجسم بالأسقام، والتوبة بمنزلة شرب الدواءِ، والمريض إذا شرب الدواءَ وصح فإنه لا تعود إليه قوته قبل المرض، وإنْ عادت فبعد حين.
قالوا: وأيضًا فهذا في زمن معالجة التوبة ملبوك في نفسه، مشغول بمداوتها ومعالجتها، وفي زمن الذنب مشغول بشهواتها، والسالم من ذلك مشغول بربه قد قرب منه في سيره فكيف يلحقه هذا؟ فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة لقولها.
وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية، فسمعته يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجردة، فإما سألته وإما سئل عن الصواب منها، فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، مما كانت، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان. فإن كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة وأشد حذرًا وأعظم تشميرًا وأعظم ذلًا وخشية وإنابة عاد إلى أرفع مما كان، وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأُمور ولم يعد بعد التوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان عليه، وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته. هذا معنى كلامه رضي الله عنه.
قلت: وهاهنا مسألة هذا الموضع أخص المواضع ببيانها، وهي أن التائب إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا، فهل تمحى تلك السيئات ويذهب لا له ولا عليه، أو إذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة؟ هذا مما اختلف الناس فيه من المفسرين وغيرهم قديمًا وحديثًا، فقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
قال ابن عطية: يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأُولى طاعة، فيكون ذلك سببًا لرحمة الله إياهم، قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن، ورد على من قال هو في يوم القيامة، قال: وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي ذر يقتضي أن الله سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذي والطبري، وهذا تأْويل سعيد بن المسيب في هذه الآية.
قال ابن عطية: وهو معنى كرم العفو، هذا آخر كلامه.
قلت: سيأتى إن شاء الله ذكر الحديث بلفظه والكلام عليه. قال المهدوى: وروى معنى هذا القول عن سلمان الفارسى وسعيد بن جبير وغيرهما.
وقال الثعلبي: قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: ﴿يبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] يبدلهم الله بقبيح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانًا وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا. وقال آخرون: يعني يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسنات يوم القيامة.
وأصل القولين أن هذا التبديل هل هو في الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال: إنه في الدنيا قال: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها، وهي حسنات، وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة لا تنقلب حسنة، بل غايتها أن تمحى وتكفِّر ويذهب أثرها فأما أن تنقلب حسنة فلا، فإنها لم تكن طاعة، وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب فكيف تنقلب محبوبة مرضية.
قالوا: وأيضًا فالذي دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [المائدة: ١٥] وقوله تعالى: ﴿إنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، والقرآن مملوءٌ من ذلك.
وفى الصحيح من حديث قتادة عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطي صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على الله عز وجل"، فهذا الحديث المتفق عليه الذي تضمن العناية بهذا العبد إنما فيه ستر ذنوبه عليه في الدنيا ومغفرتها له يوم القيامة، ولم يقل له: وأعطيتك بكل سيئة منها حسنة.
فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها، وقد قال الله في حق الصادقين: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِى عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِى كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]، فهؤلاء خيار الخلق، وقد أخبر أنه يكفر عنهم سيئات أعمالهم، ويجزيهم بأحسن ما يعملون، وأحسن ما عملوا إنما هو الحسنات لا السيئات فدل على أن الجزاء بالحسنى إنما يكون على الحسنات وحدها، وأما السيئات فإن فحسبها أن تلغى ويبطل أثرها، قالوا: وأيضًا فلو انقلبت السيئات أنفسها حسنات في حق التائب لكان أحسن حالًا من الذي لم يرتكب منها شيئًا وأكثر حسنات منه، لأنه إذا أساءَ شاركه في حسناته التي فعلها وامتاز عنه بتلك السيئات ثم انقلبت له حسنات ترجح عليه، وكيف يكون صاحب السيئات أرجح ممن لا سيئته له؟
قالوا: وأيضًا فكما أن العبد إذا فعل حسنات، ثم أتى بما يحبطها فإنها لا تنقلب سيئات يعاقب عليها، بل يبطل أثرها ويكون لا له ولا عليه وتكون عقوبته عدم ترتب ثوابه عليها، فهكذا من فعل سيئات ثم تاب منها، فإنها لا تنقلب حسنات.
فإن قلتم: وهكذا التائب يكون ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته، لم ننازعكم في هذا، وليس هذا معنى الحسنة فإن الحسنة تقتضى ثوابًا وجوديًا.
واحتجت الطائفة الأخرى التي قالت: هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم القيامة بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة.
وهذا إنما يكون في السيئة المحققة وهي التي قد فعلت ووقعت، فإذا بدلت حسنة كان معناه أنها محيت وأُثبت مكانها حسنة قالوا: ولهذا قال تعالى: ﴿سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها واكتسبوها، ونكر الحسنات ولم يضفها إليهم لأنها من غير صنعهم وكسبهم، بل هي مجرد فضل الله وكرمه.
قالوا: وأيضًا فالتبديل في الآية إنما هو فعل الله لا فعلهم، فإنه أخبر أنه هو يبدل سيئاتهم حسنات، ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم فإنهم هم الذين يبدلون سيئاتهم حسنات، والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها وكاسبها كما قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] وأما ما كان من غير الفاعل فإنه يجعله من تبديله هو كما قال الله تعالى: ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]، فلما أخبر سبحانه أنه هو الذي يبدل سيئاتهم حسنات دل على أنه شيء فعله هو سبحانه بسيئاتهم، لا أنهم فعلوه من تلقاءَ أنفسهم، وإن كان سببه منهم، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح.
قالوا: ويدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن المعرور ابن سُويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعلم آخر أهل الجَنَّة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أْن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياءَ لا أراها هاهنا "، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، قال: فتعرض عليه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا؟ وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبار، فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، قال: فيقول: إن لى ذنوبًا ما أراها"، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
قالوا: وأيضًا فروى أبو حفص المستملى عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى القطيعى عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات"، قيل: من هم؟ قال: "الذين بدل سيئاتهم حسنات".
قالوا: وهؤلاء هم الأبدال في الحقيقة، فإنهم إنما سموا أبدالًا لأنهم بدلوا أعمالهم السيئة بالأعمال الحسنة، فبدل الله سيئاتهم التي عملوها حسنات، قالوا: وأيضًا فالجزاءُ من جنس العمل، فكما بدلوهم أعمالهم السيئة بالحسنة بدلها الله من صحف الحفظة حسنات جزاءً وفاقًا.
قالت الطائفة الأُولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبي ذر على صحة قولكم وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في النار حتى كان آخر أهلها خروجًا منها؟ فهذا قد عوقب على سيئاته فزال أثرها بالعقوبة، فبدل مكان كل سيئة منها حسنة، وهذا حكم غير ما نحن فيه، فإن الكلام في التائب من السيئات، لا فيمن مات مصرًا عليها غير تائب، فأين أحدهما من الآخر؟
وأما حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادًا ومتنًا، إلا أنه مختصر.
وأما حديث أبي هريرة فلا يثبت مثله، ومَن أبو العنبس، ومن أبوه حتى يقبل منهما تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل؟ وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله ﷺ مع شدة حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها وذمهم وعيبهم والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها؟ فكيف يصح عنه ﷺ أنه يقول: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا منها"؟، ثم كيف يتمنى المرءُ إكثاره منها، مع سوءِ عاقبتها، وسوءِ مغبتها؟ وإنما يتمنى الإكثار من الطاعات؟ وفي الترمذي مرفوعًا: "ليتمنينَّ أقوام يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاءِ".
فهذا فيه تمنى البلاءِ يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله، وهو تمنى الحسنات، وأما تمنى الحسنات فهذا لا ريب فيه، وأما تمنى السيئات فكيف يتمنى العبد أنه أكثر من السيئات؟ هذا مال لا يكون أبدًا، وإنما يتمنى المسيء أن لو لم يكن أساءَ، وأما تمنيه أنه ازداد من إساءته فكلا.
قالوا: وأما ما ذكرتم من أن التبديل هو إثبات الحسنة مكان السيئة فحق. وكذلك نقول: إن الحسنة المفعولة صارت في مكان السيئة التي لولا الحسنة لحلت محلها. قالوا: وأما احتجاجكم بإضافة السيئات إليهم وذلك يقتضي أن تكون هي السيئات الواقعة.
وتنكير الحسنات وهو يقتضي أن تكون حسنات من فضل الله، فهو حق بلا ريب ولكن من أين يبقى أن يكون فضل الله بها مقارنًا لكسبهم إياها بفضله؟ قالوا: وأما قولكم: إن التبديل مضاف إلى الله لا إليهم وذلك يقتضي أنه هو الذي بدلها سبحانه من الصحف لا أنهم هم الذين بدلوا الأعمال بأضدادها، فهذا لا دليل لكم فيه، فإن الله خالق أفعال العباد، فهو المبدل للسيئات حسنات خلقًا وتكوينًا، وهم المبدلون لها فعلًا وكسبًا.
قالوا: وأما احتجاجكم بأن الجزاءَ من جنس العمل، فكما بدلوا سيئات أعمالهم بحسناتهم بدلها الله كذلك في صحف الأعمال، فهذا حق وبه نقول، وأنه بدلت السيئات التي كانت مهيأة ومعدة أن تحل في الصحف بحسنات حلت موضعها.
فهذا منتهى أقدام الطائفتين، ومحط نظر الفريقين. وإليك أيها المنصف الحكم بينهما، فقد أدلى كل منهما بحجته، فأقام بينته، والحق لا يعدوهما ولا يتجاوزهما، فأرشد الله من أعان على هدى فنال به درجة الداعين إلى الله القائمين ببيان حججه ودينه، أو عذر طالبًا منفردًا في طريق مطلبه قد انقطع رجاؤه من رفيق في الطريق، فغاية أُمنيته أن يخلي بينه وبين سيره وأن لا يقطع عليه طريقه.
فمن رفع له مثل هذا العلم ولم يشمر إليه فقد رضى بالدون، وحصل على صفقة المغبون، ومن شمر إليه ورام أن لا يعارضه معارض، ولا يتصدى له ممانع فقد منى نفسه المحال، وإن صبر على لأْوائها وشدتها فهو والله الفوز المبين والحظ الجزيل .. وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب.
فالصواب إن شاءَ الله في هذه المسألة أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ينقلب حسنة، والحسنة إنما هي أمر وجودي يقتضي ثوابًا، ولهذا كان تارك المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهي، وذلك الكف والحبس أمر وجودي وهو متعلق الثواب.
وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلًا ولم يحدث به نفسه، فهذا كيف يثاب على تركه، ولو أُثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابًا على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله، وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى، فإن التَرك مستصحب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك كله؟ هذا مما لا يتوهم.
وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرًا وجوديًا فالتائب من الذنوب التي عملها قد قارن كلَّ ذنب منها ندمًا عليه، وكف نفسه عنه، وعزم على ترك معاودته. وهذه حسنات بلا ريب، وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم، وهو حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة.
وهذا معنى قول بعض المفسرين: يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها فتوبته منها حسنة حلت مكانها، فهذا معنى التبديل، لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة.
وقال بعض المفسرين في هذه الآية: يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها حسنة، وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة.
وأما حديث أبي ذر - وإن كان التبديل فيه في حق المصرّ الذي عذب على سيئاته - فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته، فإن الذنوب التي عذب عليها المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن، فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة، لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها مع العقوبة لاقتضى زوال أثرها وتبديلها حسنات، فإن الندم لم يكن في وقت ينفعه، فلما عوقب عليها وزال أثرها بدلها الله له حسنات.
فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة حسنات فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى. وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأْثير العقوبة لأن التوبة فعل اختياري أتى به العبد طوعًا ومحبة لله وفرقًا منه.
وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره بل بفعل الله، ولا ريب أن تأْثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو الذنوب أعظم من تأْثير المصائب التي تناله بغير اختياره.
الفرقان 25:72
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾
قالَ: لا يُمالِئُونَ أهْلَ الشِّرْكِ عَلى شِرْكِهِمْ ولا يُخالِطُونَهُمْ، ونَحْوُهُ عَنِ الضَّحّاكِ.
وقال محمد ابن الحنفية: "الزور هاهنا الغناء"، وقاله ليث عن مجاهد.
وقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل.
واللغو في اللغة: كل ما يلغى ويطرح، والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل، وإذا مروا بكل ما يلغى من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا إليه.
ويدخل في هذا: أعياد المشركين، كما فسرها به السلف، والغناء، وأنواع الباطل كلها.
قال الزجاج: "لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالئونهم عليها، ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو، لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله".
وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: مَرَّ بِلَهْوٍ فأعرض عنه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيمًا"
وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه فقال: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللغو أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥].
وهذه الآية، وإن كان سبب نزولها خاصًا، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغوًا فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم".
وتأمل كيف قال سبحانه ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾
ولم يقل: بالزور، لأن يشهدون بمعنى: يحضرون. فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتكلم به، وفعله؟
والغناء من أعظم الزور.
والزور: يقال على الكلام الباطل، وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها كما في حديث معاوية لما أخذ قصة من شعر يوصل به، فقال: "هذا الزور"
فالزور: القول، والفعل، والمحل.
وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزور بالفتح، ومنه: زرت فلانا، إذا ملت إليه، وعدلت إليه، فالزور: ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذي لا حقيقة له قولًا وفعلًا.
(فصل)
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾
قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو الغِناءُ، وقالَ الحَسَنُ أوْ غَيْرُهُ: أكْرَمُوا نُفُوسَهم عَنْ سَماعِهِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ، وهَذا كَلامُ عارِفٍ بِأثَرِ الغِناءِ وثَمَرَتِهِ، فَإنَّهُ ما اعْتادَهُ أحَدٌ إلّا نافَقَ قَلْبُهُ وهو لا يَشْعُرُ، ولَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ النِّفاقِ وغايَتَهُ لَأبْصَرَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّهُ ما اجْتَمَعَ في قَلْبِ عَبْدٍ قَطُّ مَحَبَّةُ الغِناءِ ومَحَبَّةُ القُرْآنِ إلّا طَرَدَتْ إحْداهُما الأُخْرى، وقَدْ شاهَدْنا نَحْنُ وغَيْرُنا ثِقَلَ القُرْآنِ عَلى أهْلِ الغِناءِ وسَماعِهِ، وتَبَرُّمَهم بِهِ، وصِياحَهم بِالقارِئِ إذا طَوَّلَ عَلَيْهِمْ، وعَدَمَ انْتِفاعِ قُلُوبِهِمْ بِما يَقْرَؤُهُ، فَلا تَتَحَرَّكُ ولا تَطْرَبُ، ولا تُهَيِّجُ مِنها بَواعِثَ الطَّلَبِ، فَإذا جاءَ قُرْآنُ الشَّيْطانِ فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَيْفَ تَخْشَعُ مِنهُمُ الأصْواتُ، وتَهْدَأُ الحَرَكاتُ، وتَسْكُنُ القُلُوبُ وتَطْمَئِنُ، ويَقَعُ البُكاءُ والوَجْدُ، والحَرَكَةُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، والسَّماحَةُ بِالأثْمانِ والثِّيابِ، وطِيبُ السَّهَرِ، وتَمَنِّي طُولِ اللَّيْلِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا نِفاقًا فَهو آخِيَّةُ النِّفاقِ وأساسُهُ.
؎تُلِيَ الكِتابُ فَأطْرَقُوا لا خِيفَةً ∗∗∗ لَكِنَّهُ إطْراقُ ساهٍ لاهِي
؎وَأتى الغِناءُ فَكالَذُّبابِ تَراقَصُوا ∗∗∗ واللَّهِ ما رَقَصُوا مِن أجْلِ اللَّهِ
؎دُفٌّ ومِزْمارٌ ونَغْمَةُ شاهِدٍ ∗∗∗ فَمَتى شَهِدْتَ عِبادَةً بِمَلاهِي
؎ثَقُلَ الكِتابُ عَلَيْهِمُ لَمّا رَأوْا ∗∗∗ تَقْيِيدَهُ بِأوامِرٍ ونَواهِي
؎وَعَلَيْهِمُ خَفَّ الغِنا لَمّا رَأوْا ∗∗∗ إطْلاقَهُ في اللَّهْوِ دُونَ مَناهِي
؎يا فِرْقَةً ما ضَرَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ وجَنى عَلَيْهِ ومَلَّهُ إلّا هِي
؎سَمِعُوا لَهُ رَعْدًا وبَرْقًا إذْ حَوى ∗∗∗ زَجْرًا وتَخْوِيفًا بِفِعْلِ مَناهِي
؎وَرَأوْهُ أعْظَمَ قاطِعٍ لِلنَّفْسِ عَنْ ∗∗∗ شَهَواتِها يا ويْحَها المُتَناهِي
؎وَأتى السَّماعُ مُوافِقًا أغْراضَها ∗∗∗ فَلِأجْلِ ذاكَ غَدًا عَظِيمَ الجاهِ
؎أيْنَ المُساعِدُ لِلْهَوى مِن قاطَعٍ ∗∗∗ أسْبابَهُ عِنْدَ الجَهُولِ السّاهِي
؎إنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرَ الجُسُومِ فَإنَّهُ ∗∗∗ خَمْرُ العُقُولِ مُماثِلٌ ومُضاهِي
؎فانْظُرْ إلى النَّشْوانِ عِنْدَ شَرابِهِ ∗∗∗ وانْظُرْ إلى النَّشْوانِ عِنْدَ تَلاهِي
؎وانْظُرْ إلى تَمْزِيقِ ذا أثْوابَهُ ∗∗∗ مِن بَعْدِ تَمْزِيقِ الفُؤادِ اللّاهِي
؎فاحْكم بِأيِّ الخَمْرَتَيْنِ أحَقُّ بِال ∗∗∗ تَّحْرِيمِ والتَّأْثِيمِ عِنْدَ اللَّهِ
وَكَيْفَ يَكُونُ السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُهُ العَبْدُ بِطَبْعِهِ وهَواهُ أنْفَعَ لَهُ مِنَ الَّذِي يَسْمَعُهُ بِاللَّهِ ولِلَّهِ وعَنِ اللَّهِ؟
الفرقان 25:73
قالَ مقاتل إذا وعظوا بِالقُرْآنِ لم يقعوا عَلَيْهِ صمًّا لم يسمعوه وعميانا لم يبصروه ولَكنهم سمعُوا وأبصروا وأيقنوا بِهِ.
وَقالَ ابْن عَبّاس لم يَكُونُوا عَلَيْها صمًّا وعميانا بل كانُوا خائِفين خاشعين.
وَقالَ الكَلْبِيّ: يخرّون عَلَيْها سمعا وبصَرا.
وَقالَ الفراء إذا تلِي عَلَيْهِم القُرْآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كَأنَّهم لم يسمعوه فَذَلِك الخرور وسمعت العَرَب تَقول قعد يَشْتمنِي كَقَوْلِك قامَ يَشْتمنِي وأقْبل يَشْتمنِي
والمعْنى على ما ذكر لم يصيروا عِنْدها صمًّا وعميانا
وَقالَ الزّجاج المَعْنى إذا تليت عَلَيْهِم خروا سجدا وبكيا سامِعين مبصرين كَما أمروا بِهِ.
وَقالَ ابْن قُتَيْبَة أي لم يتغافلوا عَنْها كَأنَّهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها.
قلت هاهُنا أمْرانِ ذكر الخرور وتسليط النَّفْي عَلَيْهِ وهل هو خرور القلب أو خرور البدن للسُّجُود؟
وهل المعنى: لم يكن خرورهم عَن صمم وعَمه، فَلهم عَلَيْها خرورا بِالقَلْبِ خضوعا أو بِالبدنِ سجودا؟
أو لَيْسَ هُناكَ خرور وعبر بِهِ عَن القعُود.
الفرقان 25:74
وَقالَ سعيد بن مَنصُور حَدثنا حزم قالَ سَمِعت الحسن وسَألَهُ كثير ابْن زِياد عَن قَوْله تَعالى ﴿رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين﴾
فَقالَ يا أبا سعيد ما هَذِه القرة الأعْين أفِي الدُّنْيا أم في الآخِرَة؟
قالَ لا بل والله في الدُّنْيا.
قالَ وما هِيَ؟
قالَ والله أن يري الله العَبْد من زَوجته من أخِيه من حميمه طاعَة الله، لا والله ما شَيْء أحب إلى المَرْء المُسلم من أن يرى ولدا أو والدا أو حميما أو أخا مُطيعًا لله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾
وَإمامٌ بِمَعْنى قُدْوَةٍ، وهو يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كالأُمَّةِ والأُسْوَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: هو جَمْعُ آمِمٍ كَصاحِبِ وصِحابٍ وراجِلٍ ورِجالٍ وتاجِرٍ وتُجّارٍ.
وَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَقِتالٍ وضِرابٍ، أيْ ذَوِي إمامٍ.
والصَّوابُ الوَجْهُ الأوَّلُ، فَكُلُّ مَن كانَ مِن المُتَّقِينَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَأْتَمَّ بِهِمْ، والتَّقْوى واجِبَةٌ، والِائْتِمامُ بِهِمْ واجِبٌ، ومُخالَفَتُهم فِيما أفْتَوْا بِهِ مُخالِفٌ لِلِائْتِمامِ بِهِمْ.
(فصل)
وَقد أثنى الله سُبْحانَهُ على عباده المُؤمنِينَ الَّذين يسألونه أن يجعلهم أئِمَّة يهتدى بهم فَقالَ تَعالى في صِفات عباده ﴿والَّذين يَقُولُونَ رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إمامًا﴾
قالَ ابْن عَبّاس يهتدى بِنا في الخَيْر وقالَ أبُو صالح يقْتَدى بهدانا.
وَقالَ مَكْحُول أئِمَّة في التَّقْوى يَقْتَدِي بِنا المتقون.
وَقالَ مُجاهِد اجْعَلْنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم وأشكل هَذا التَّفْسِير على من لم يعرف قدر فهم السّلف وعمق علمهمْ وقالَ يجب أن تكون الآيَة على هَذا القَوْل من باب المقلوب على تَقْدِير واجعَل المُتَّقِينَ لنا أئِمَّة ومعاذ الله أن يكون شَيْء مقلوبا على وجهه وهَذا من تَمام فهم مُجاهِد رَحمَه الله فَإنَّهُ لا يكون الرجل إمامًا لِلْمُتقين حَتّى يأتم بالمتقين فنبه مُجاهِد على هَذا الوَجْه الَّذِي ينالون بِهِ هَذا المَطْلُوب وهو اقتداؤهم بالسلف المُتَّقِينَ من قبلهم فيجعلهم الله أئِمَّة لِلْمُتقين من بعدهمْ وهَذا من أحسن الفَهم في القُرْآن وألطفه لَيْسَ من باب القلب في شَيْء فَمن ائتم بِأهْل السّنة قبله ائتم بِهِ من بعده ومن مَعَه.
ووحد سُبْحانَهُ لفظ ﴿إمامًا﴾ ولم يقل واجعلنا لِلْمُتقين أئِمَّة فَقيل الإمام في الآيَة جمع آم نَحْو صاحب وصحاب وهَذا قَول الأخْفَش وفِيه بعد ولَيْسَ هو من اللُّغَة المَشْهُورَة المستعملة المَعْرُوفَة حَتّى يُفَسر بها كَلام الله.
وَقالَ آخَرُونَ الإمام هُنا مصدر لا اسْم يُقال أم إمامًا نَحْو صامَ صياما وقامَ قياما أي اجْعَلْنا ذَوي إمام وهَذا أضْعَف من الَّذِي قبله وقالَ الفراء إنَّما قالَ ﴿إمامًا﴾ ولم يقل أئِمَّة على نَحْو قَوْله ﴿إنّا رَسُول رب العالمين﴾ ولم يقل رَسُولا وهو من الواحِد المُراد بِهِ الجمع لقَوْل الشّاعِر
؎(يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ∗∗∗ إن العواذل لَيْسَ لي بأمير)
أي لَيْسَ لي بأمراء
وَهَذا أحسن الأقْوال غير أنه يحْتاج إلى مزِيد بَيان وهو أن المُتَّقِينَ كلهم على طَرِيق واحِد ومعبودهم واحِد وأتْباع كتاب واحِد ونَبِي واحِد وعبيد رب واحِد فدينهم واحِد ونبيهم واحِد وكتابهم واحِد ومعبودهم واحِد فكأنهم كلهم إمام واحِد لمن بعدهمْ ليسو كالأئمة المُخْتَلِفين الَّذين قد اخْتلفت طرائقهم ومذاهبهم وعقائدهم فالائتمام إنَّما هو بماهم عَلَيْهِ وهو شَيْء واحِد وهو الإمام في الحَقِيقَة
وَقد أخبر سُبْحانَهُ أن هَذِه الإمامَة إنَّما تنال بِالصبرِ واليَقِين فَقالَ تَعالى ﴿وَجَعَلنا مِنهُم أئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يوقنون﴾
فبالصبر واليَقِين تنال الإمامَة في الدّين
فَقيل بِالصبرِ عَن الدُّنْيا
وَقيل بِالصبرِ على البلاء
وَقيل بِالصبرِ عَن المناهي والصَّواب أنه بِالصبرِ عَن ذَلِك كُله بِالصبرِ على أداء فَرائض الله والصَّبْر عَن مَحارمه والصَّبْر على أقداره.
وَجمع سُبْحانَهُ بَين الصَّبْر واليَقِين إذْ هما سَعادَة العَبْد وفقدهما يفقده سعادته فَإن القلب تطرقه طوارق الشَّهَوات المُخالفَة لأمر الله وطوارق الشُّبُهات المُخالفَة لخبره فبالصبر يدْفع الشَّهَوات وباليقين يدْفع الشُّبُهات فَإن الشَّهْوَة والشبهة مضادتان للدّين من كل وجه فَلا ينجو من عَذاب الله إلّا من دفع شهواته بِالصبرِ وشبهاته بِاليَقِينِ.
[فصل: الفرق بين حب الرئاسة وحب الإمارة]
والفرق بين حب الرئاسة وحب الإمارة للدعوة إلى اللّه هو الفرق بين تعظيم أمر اللّه والنصح له وتعظيم النفس والسعي في حظها فإن الناصح اللّه المعظم له والمحب له يحب أن يطاع ربه فلا يعصى وأن تكون كلمته هي العليا وأن يكون الدين كله للّه وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه فقد ناصح اللّه في عبوديته وناصح خلقه في الدعوة إلى اللّه فهو الإمامة في الدين بل يسأله ربه أن يجعله للمتقين إماما يقتدي به المتقون كما اقتدى هو بالمتقين فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى اللّه أن يكون في أعينهم جليلا وفي قلوبهم مهيبا وإليهم حبيبا وأن يكون فيهم مطاعا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه لأنه داع إلى اللّه يحب أن يطاع ويعبد ويوحد فهو يحب ما يكون عونا على ذلك موصلا إليه ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه وأثنى عليهم في تنزيله وأحسن جزاءهم يوم لقائه فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم ثم قال: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾
فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة فإنما سألوه ما يعانون به المتقين على مرضاته وطاعته وهو دعوتهم إلى اللّه بالإمامة في الدين التي أساء بها الصبر واليقين كما قال تعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾
وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ويوفقهم ويمن عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ظاهرا وباطنا التي لا تتم الإمامة إلا بها.
وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جل جلاله ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض وجوده ومنته.
وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة.
وهذا بخلاف طلب الرئاسة فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم، فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا اللّه من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق اللّه وتعظيم من حقره اللّه، واحتقار من أكرمه اللّه.
ولا تتم الرئاسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد، والرؤساء في عمى عن هذا.
فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه، ولا سيما إذا حشروا في صور الذر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرا وتصغيرا كما صغروا أمر اللّه وحقروا عباده.
الفرقان 25:75
والغرفة: جنس كالجنة، وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة لله الغرفة والتحتية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم فبدلوا بذلك سلام الله وملائكته عليهم.
(فصل)
قال محمد بن على بن الحسين (الغرفة) الجنة (بما صبروا) قال على الفقر في الدنيا.
وروى أنس عن النبي: "قال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة "
فقالت عائشة ولم يا رسول الله؟
قال إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة"
قلت لا حجة له في واحدة من الحجتين.
أما الآية فالصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعته وصبره عن مصيبته، وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه، ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر، فإن القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضا كما قال تعالى ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾
بل قد أخبر أن رضاه في الشكر ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها وإذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزي الشاكرين الغرفة بما شكروا.
وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين:
أحدهما أنه لا يحتج بإسناده فإنه من رواية محمد بن ثابت الكوفي عن الحارث بن النعمان والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح بل قال فيه البخاري منكر الحديث، ولذلك لم يصحح الترمذي حديثه هذا ولا حسنه ولا سكت عنه بل حكم بغرابته.
الجواب الثاني: إن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم فإن المسكنة التي يحبها الله من عبده ليست فقر المال بل مسكنة القلب وهي انكساره وذله وخشوعه وتواضعه لله، وهذه المسكنة لا تنافي الغنى، ولا يشترط لها الفقر فإن انكسار القلب لله ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من مسكنة عدم المال، كما أن صبر الواجد عن معاصي الله طوعا واختيارا وخشية من الله ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز، وقد آتى الله جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والملك ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة لله.
الفرقان 25:77
وَأصَح الأقْوال في الآيَة أن مَعْناها ما يصنع بكم رَبِّي لَوْلا عبادتكم إيّاه فَهو سُبْحانَهُ لم يخلقكم إلّا لعبادته.