Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الشورى 42:11 – محمد 47:35

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الشورى 42:11
  2. الشورى 42:13
  3. الشورى 42:14
  4. الشورى 42:15
  5. الشورى 42:23
  6. الشورى 42:24
  7. الشورى 42:27
  8. الشورى 42:30
  9. الشورى 42:39
  10. الشورى 42:48
  11. الشورى 42:49
  12. الشورى 42:50
  13. الشورى 42:52
  14. الزخرف 43:3
  15. الزخرف 43:4
  16. الزخرف 43:12
  17. الزخرف 43:13
  18. الزخرف 43:14
  19. الزخرف 43:17
  20. الزخرف 43:18
  21. الزخرف 43:26
  22. الزخرف 43:27
  23. الزخرف 43:28
  24. الزخرف 43:31
  25. الزخرف 43:32
  26. الزخرف 43:33
  27. الزخرف 43:34
  28. الزخرف 43:35
  29. الزخرف 43:36
  30. الزخرف 43:37
  31. الزخرف 43:38
  32. الزخرف 43:39
  33. الزخرف 43:45
  34. الزخرف 43:70
  35. الزخرف 43:71
  36. الزخرف 43:72
  37. الزخرف 43:73
  38. الزخرف 43:86
  39. الدخان 44:32
  40. الدخان 44:49
  41. الدخان 44:51
  42. الدخان 44:52
  43. الدخان 44:53
  44. الدخان 44:54
  45. الدخان 44:56
  46. الجاثية 45:14
  47. الجاثية 45:21
  48. الجاثية 45:23
  49. الجاثية 45:24
  50. الجاثية 45:29
  51. الجاثية 45:32
  52. الجاثية 45:35
  53. الأحقاف 46:9
  54. الأحقاف 46:12
  55. الأحقاف 46:15
  56. الأحقاف 46:20
  57. الأحقاف 46:26
  58. الأحقاف 46:29
  59. الأحقاف 46:30
  60. الأحقاف 46:35
  61. محمد 47:2
  62. محمد 47:5
  63. محمد 47:6
  64. محمد 47:15
  65. محمد 47:16
  66. محمد 47:17
  67. محمد 47:19
  68. محمد 47:21
  69. محمد 47:24
  70. محمد 47:35

الشورى 42:11

قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ معناها: أن الله سبحانه يعيشكم فيما خلق لكم من الأنعام المذكورة. قالَ الكَلْبِيُّ: يُكَثِّرُكم في هَذا التَّزْوِيجِ، ولَوْلا هَذا التَّزْوِيجُ لَمْ يَكْثُرِ النَّسْلُ، والمَعْنى: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِهِ لَكم أزْواجًا، فَإنَّ سَبَبَ خَلْقِنا وخَلْقِ الحَيَوانِ: بِالأزْواجِ. والضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: " فِيهِ " يَرْجِعُ إلى الجَعْلِ، ومَعْنى الذَّرْءِ: الخَلْقُ، وهو هُنا الخَلْقُ الكَثِيرُ، فَهو خَلْقٌ وتَكْثِيرٌ، فَقِيلَ " في " بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ: يُكَثِّرُكم بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ. والصَّحِيحُ: أنَّها عَلى بابِها، والفِعْلُ تَضَمَّنَ مَعْنى يُنْشِئُكم وهو يَتَعَدّى بِفِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]. (فائدة) قالَ الإمامِ حُجَّةِ الإسْلامِ أبِي أحْمَدَ بْنِ الحُسَيْنِ الشّافِعِيِّ المَعْرُوفِ بِابْنِ الحَدّادِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: والعِبارَةُ الجامِعَةُ في بابِ التَّوْحِيدِ أنْ يُقالَ: إثْباتٌ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ ونَفْيٌ مِن غَيْرِ تَعْطِيلٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والعِبارَةُ الجامِعَةُ في المُتَشابِهِ مِن آياتِ الصِّفاتِ أنْ يُقالَ: آمَنتُ بِما قالَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما أرادَهُ وآمَنتُ بِما قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ما أرادَهُ، فَهَذا اعْتِقادُنا الَّذِي نَتَمَسَّكُ بِهِ ونَنْتَهِي إلَيْهِ ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُحْيِيَنا عَلَيْهِ ويُمِيتَنا عَلَيْهِ، ويَجْعَلَهُ وسِيلَتَنا يَوْمَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. (فصل) (قالَ الخَلّالُ): وأخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنَّ حَنْبَلًا حَدَّثَهم قالَ: سَألْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الأحادِيثِ الَّتِي تُرْوى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا، وأنَّ اللَّهَ يُرى، وأنَّ اللَّهَ يَضَعُ قَدَمَهُ وما أشْبَهَ هَذِهِ الأحادِيثَ، فَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: نُؤْمِنُ بِها، ونُصَدِّقُ بِها. . .، ولا نَرُدُّ مِنها شَيْئًا، ونَعْلَمُ أنَّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ إذا كانَتْ بِأسانِيدَ صِحاحٍ ولا نَرُدُّ عَلى اللَّهِ قَوْلَهُ ولا يُوصَفُ بِأكْثَرَ مِمّا وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بِلا حَدٍّ ولا غايَةٍ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (وَقالَ حَنْبَلٌ) في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ أحْمَدَ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ كَما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، قَدْ أجْمَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى الصِّفَةَ لِنَفْسِهِ فَحَدَّ لِنَفْسِهِ صِفَةً لَيْسَ يُشَبِهُهُ شَيْءٌ، وصِفاتُهُ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ ولا مَعْلُومَةٍ إلّا بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ. قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فَهُوَ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ بِلا حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ، ولا يَبْلُغُ الواصِفُونَ صِفَتَهُ، ولا نَتَعَدّى القُرْآنَ والحَدِيثَ فَنَقُولُ كَما قالَ، ونَصِفُهُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ولا نَتَعَدّى ذَلِكَ ولا يَبْلُغُ صِفَتَهُ الواصِفُونَ. نُؤْمِنُ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ ولا نُزِيلُ عَنْهُ صِفَةً مِن صِفاتِهِ لِشَناعَةٍ شُنِّعَتْ، وما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِن كَلامٍ ونُزُولٍ وخَلْوَةٍ بِعَبْدِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ووَضْعِهِ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرى في الآخِرَةِ، والتَّحْدِيدُ في هَذا كُلِّهِ بِدَعَةٌ والتَّسْلِيمُ فِيهِ لِلَّهِ بِغَيْرِ صِفَةٍ ولا حَدٍّ إلّا ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا عالِمًا غَفُورًا عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ عَلّامَ الغُيُوبِ فَهَذِهِ صِفاتٌ وصَفَ بِها نَفْسَهُ لا تُدْفَعُ ولا تُرَدُّ وهو عَلى العَرْشِ بِلا حَدٍّ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كَيْفَ شاءَ، المَشِيئَةُ إلَيْهِ والِاسْتِطاعَةُ إلَيْهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو كَما وصَفَ نَفْسَهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِلا حَدٍّ ولا تَقْدِيرٍ لا نَتَعَدّى القُرْآنَ والحَدِيثَ. . . تَعالى عَمّا يَقُولُ الجَهْمِيَّةُ، والمُشَبِّهَةُ، قُلْتُ لَهُ: والمُشَبِّهُ ما تَقُولُ؟ قالَ: مَن قالَ: بَصَرٌ كَبَصَرِي ويَدٌ كَيَدِي وقَدَمٌ كَقَدَمِي فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِخَلْقِهِ. (فصل) قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِير﴾ إنما قصد به نفي أن يكون معه شريك، أو معبود يستحق العبادة والتعظيم، كما يفعله المشبهون والمشركون. ولم يقصد به نفي صفات كماله، وعلوه على خلقه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لرسله، ورؤية المؤمنين له جهرة بأبصارهم، كما ترى الشمس والقمر في الصحو. فإنه سبحانه إنما ذكر هذا في سياق رده على المشركين، الذين اتخذوا من دونه أولياء. يوالونهم من دونه فقال تعالى: ﴿والّذِينَ اتّخَذُوا مِن دونه أوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهم أُمَّة واحِدَة ولكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمِتهِ والظّالُمِونَ مالَهم مِن ولِى ولا نَصِيرٍ أم اتّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللهُ هو الوَلِى وهو يُحْيِى الَمْوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِير وما اخْتَلْفْتُمْ فِيهِ مِن شَيءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنيبُ فاطِرُ السَّمواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤكم فِيهِ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ٦-١١]. فتأمل كيف ذكر هذا النفي تقريرا للتوحيد، وإبطالا لما عليه أهل الشرك: من تشبيه آلهتهم، وأوليائهم به، حتى عبدوهم معه. فحرفها المحرفون وجعلوها تُرْسا لهم في نفى صفات كماله، وحقائق أسمائه وأفعاله. وهذا التشبيه الذي أبطله الله سبحانه نفيا ونهيا: هو أصل شرك العالم، وعبادة الأصنام: ولهذا نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسجد أحد لمخلوق مثله أو يحلف بمخلوق مثله، أو يصلى إلى قبر، أو يتخذ عليه مسجدا، أو يعلق عليه قنديلا أو يقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان. ونحو ذلك، حذرا من هذا التشبيه الذي هو أصل الشرك. وأما إثبات صفات الكمال فهو أصل التوحيد. فتبين أن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم والخضوع، والحلف به، والنذر له، والسجود له، والعكوف عند بيته، وحلق الرأس له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله، في قولهم: ليس لي إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك. وهذا من الله ومنك. وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت. وهذا لله ولك. وأمثال ذلك. فهؤلاء هم المشبهة حقا، لا أهل التوحيد، المثبتون لله ما أثبته لنفسه، والنافون عنه ما نفاه عن نفسه، الذين لا يجعلون له ندا من خلقه، ولا عدلا، ولا كفؤا، ولا سميا، وليس لهم من دونه ولي ولا شفيع. فمن تدبر هذا الفصل حق التدبر تبين له كيف وقعت الفتنة في الأرض بعبادة الأصنام، وتبين له سر القرآن في الإنكار على هؤلاء المشبهة الممثلة، ولا سيما إذا جمعوا إلى هذا التشبيه تعطيل الصفات والأفعال. كما هو الغالب عليهم. فيجمعون بين تعطيل الرب سبحانه عن صفات كماله، وبين تشبيه خلقه به. (فصل) قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فإنه سبحانه ذكر ذلك بعد ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ (٣) لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ إلى قوله ﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فهذا الموصوف بهذه الصفات والنعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السماوات والأرض وهو السميع البصير فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء فالمثبت للصفات والعلو والكلام والأفعال وحقائق الأسماء هو الذي يصفه سبحانه بأنه ليس كمثله شيء. وأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه فإن وصفه له بأنه ليس كمثله شيء مجاز لا حقيقة كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه. ولهذا قال من قال من السلف إن النفاة جمعوا بين التشبيه والتعطيل فسموا تعطيلهم تنزيها وسموا ما وصف به نفسه تشبيها وجعلوا ما يدل على ثبوت صفات الكمال وكثرتها دليلا على نفيها وتعطيلها وراج ذلك على من لم يجعل الله له نورا واغتر به من شاء الله وهدى الله من اعتصم بالوحي والعقل والفطرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (فصل) وَمن أعز أنْواع المعرفَة معرفَة الرب سُبْحانَهُ بالجمال وهِي معرفَة خَواص الخلق وكلهمْ عرفه بِصفة من صِفاته وأتمهم معرفَة من عرفه بِكَمالِهِ وجلاله وجماله سُبْحانَهُ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فِي سائِر صِفاته ولَو فرضت الخلق كلهم على أجملهم صُورَة وكلهمْ على تِلْكَ الصُّورَة ونسبت جمالهمْ الظّاهِر والباطِن إلى جمال الرب سُبْحانَهُ لَكانَ أقل من نِسْبَة سراج ضَعِيف إلى قرص الشَّمْس ويَكْفِي في جماله أنه لَو كشف الحجاب عَن وجهه لأحرقت سبحاتهُ ما انْتهى إلَيْهِ بَصَره من خلقه ويَكْفِي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدُّنْيا والآخِرَة فَمن آثار صَنعته فَما الظَّن بِمن صدر عَنهُ هَذا الجمال ويَكْفِي في جماله أنه لَهُ العِزَّة جَمِيعًا والقُوَّة جَمِيعًا والجود كُله والإحْسان كُله والعلم كُله والفضل كُله ولنور وجهه أشرقت الظُّلُمات كَما قالَ النَّبِي في دُعاء الطّائِف: "أعوذ بِنور وجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمات، وصلح عَلَيْهِ أمر الدُّنْيا والآخِرَة" وَقالَ عبد الله بن مَسْعُود "لَيْسَ عند ربكُم ليل ولا نَهار نور السَّماوات والأرْض من نور وجهه فَهو سُبْحانَهُ نور السَّماوات والأرْض ويَوْم القِيامَة إذا جاءَ لفصل القَضاء وتشرق الأرْض بنوره ومن أسْمائِهِ الحسنى الجَمِيل وفي الصَّحِيح عَنهُ "إن الله جميل يحب الجمال" وجماله سُبْحانَهُ على أربع مَراتِب جمال الذّات وجمال الصِّفات وجمال الأفْعال وجمال الأسْماء فأسماؤه كلها حسنى وصِفاته كلها صِفات كَمال وأفعاله كلها حِكْمَة ومصلحة وعدل ورَحْمَة وأما جمال الذّات وما هو عَلَيْهِ فَأمر لا يُدْرِكهُ سواهُ ولا يُعلمهُ غَيره ولَيْسَ عند المخلوقين مِنهُ إلّا تعريفات تعرّف بها إلى من أكْرمه من عباده فَإن ذَلِك الجمال مصون عَن الأغيار مَحْجُوب بستر الرِّداء والإزار كَما قالَ رَسُوله فِيما يحْكى عَنهُ الكِبْرِياء رِدائي والعَظَمَة إزارِي ولما كانَت الكِبْرِياء أعظم وأوسع كانَت أحَق باسم الرِّداء فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الكَبِير المتعال فَهو سُبْحانَهُ العلي العَظِيم قالَ ابْن عَبّاس حجب الذّات بِالصِّفاتِ وحجب الصِّفات بالأفعال فَما ظَنك بِجَمال حجب بأوصاف الكَمال وستر بنعوت العظمة والجلال. وَمن هَذا المَعْنى يفهم بعض مَعاني جمال ذاته فَإن العَبْد يترقّى من معرفَة الأفْعال إلى معرفَة الصِّفات ومن معرفَة الصِّفات إلى معرفَة الذّات فَإذا شاهد شَيْئا من جمال الأفْعال اسْتدلَّ بِهِ على جمال الصِّفات ثمَّ استبدل بِجَمال الصِّفات على جمال الذّات ومن هاهُنا يتَبَيَّن أنه سُبْحانَهُ لَهُ الحَمد كُله وأن أحدا من خلقه لا يحصي ثَناء عَلَيْهِ بل هو كَما أثنى على نَفسه وأنه يسْتَحق أن يعبد لذاته ويُحب لذاته ويشكر لذاته وأنه سُبْحانَهُ يحب نَفسه ويثني على نَفسه ويحمد نَفسه وأن محبته لنَفسِهِ وحمده لنَفسِهِ وثناءه وعَلى نَفسه وتوحيده لنَفسِهِ هو في الحَقِيقَة الحَمد والثناء والحب والتوحيد فَهو سُبْحانَهُ كَما أثنى على نَفسه وفَوق ما يثني بِهِ عَلَيْهِ خلقه وهو سُبْحانَهُ كَما يحب كَما يحب ذاته يحب صِفاته وأفعاله فَكل أفعاله حسن مَحْبُوب وإن كانَ في مفعولاته ما يبغضه ويكرهه فَلَيْسَ في أفعاله ما هو مَكْرُوه مسخوط. وَلَيْسَ في الوُجُود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلّا هو سُبْحانَهُ وكل ما يحب سواهُ فَإن كانَت محبته نابعة لمحبته سُبْحانَهُ بِحَيْثُ يحب لأجله فمحبته صَحِيحَة وإلّا فَهي محبَّة باطِلَة وهَذا هو حَقِيقَة الإلهية فَإن الإلَه الحق هو الَّذِي يحب لذاته ويحمد لذاته فَكيف إذا انضاف إلى ذَلِك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبرّه ورَحمته فعلى العَبْد أن يعلم أنه لا إلَه إلّا الله فَيُحِبهُ ويَحْمَدهُ لذاته وكماله وأن يعلم أنه لا محسن على الحَقِيقَة بأصناف النعم الظّاهِرَة والباطنة إلّا هو فَيُحِبهُ لإحسانه وإنعامه ويَحْمَدهُ على ذَلِك فَيُحِبهُ من الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وكما أنه لَيْسَ كمثله شَيْء فَلَيْسَ كمحبته محبَّة والمحبة مَعَ الخضوع هي العُبُودِيَّة الَّتِي خلق الخلق لأجلها فَإنَّها غايَة الحبّ بغاية الذل ولا يصلح ذَلِك إلّا لَهُ سُبْحانَهُ والإشراك بِهِ في هَذا هو الشّرك الَّذِي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملا. وحمده يتَضَمَّن أصلين الإخْبار بمحامده وصفات كَماله والمحبة لَهُ عَلَيْها فَمن أخبر بمحاسن غَيره من غير محبَّة لَهُ لم يكن حامدا ومن أحبّه من غير إخْبار بمحاسنه لم يكن حامدا حَتّى يجمع الأمريْنِ وهو سُبْحانَهُ يحمد نَفسه بِنَفسِهِ ويحمد نَفسه بِما يجريه على ألْسِنَة الحامدين لَهُ من مَلائكَته وأنبيائه ورُسُله وعباده المُؤمنِينَ فَهو الحامد لنَفسِهِ بِهَذا وهَذا فَإن حمدهم لَهُ بمشيئته وإذنه وتكوينه فَإنَّهُ هو الَّذِي جعل الحامد حامدا والمُسلم مُسلما والمُصَلي مُصَليا والتائب تائِبًا فَمِنهُ ابتدأت النعم واليه انْتَهَت فابتدأت بِحَمْدِهِ وانتهت إلى حَمده وهو الَّذِي ألهم عَبده التَّوْبَة وفَرح بها أعظم فَرح وهِي من فَضله وجوده وألهم عَبده الطّاعَة وأعانه عَلَيْها ثمَّ أثابه عَلَيْها وهِي من فَضله وجوده وهو سُبْحانَهُ غَنِي عَن كل ما سواهُ بِكُل وجه وما سواهُ فَقير إلَيْهِ بِكُل وجه والعَبْد مفتقر إلَيْهِ لذاته في الأسْباب والغايات فَإن ما لا يكون بِهِ لا يكون وما لا يكون لَهُ لا ينفع. [فَصْلُ البَسْطِ] قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: (بابُ البَسْطِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]. قُلْتُ: وجْهُ تَعَلُّقِهِ بِإشارَةِ الآيَةِ: هو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُعَيِّشُكم فِيما خَلَقَ لَكم مِنَ الأنْعامِ المَذْكُورَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: يُكَثِّرُكم في هَذا التَّزْوِيجِ، ولَوْلا هَذا التَّزْوِيجُ لَمْ يَكْثُرِ النَّسْلُ، والمَعْنى: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِهِ لَكم أزْواجًا، فَإنَّ سَبَبَ خَلْقِنا وخَلْقِ الحَيَوانِ: بِالأزْواجِ، والضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: " فِيهِ " يَرْجِعُ إلى الجَعْلِ، ومَعْنى الذَّرْءِ: الخَلْقُ، وهو هُنا الخَلْقُ الكَثِيرُ، فَهو خَلْقٌ وتَكْثِيرٌ، فَقِيلَ " في " بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ: يُكَثِّرُكم بِذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ. والصَّحِيحُ: أنَّها عَلى بابِها، والفِعْلُ تَضَمَّنَ مَعْنى يُنْشِئُكم وهو يَتَعَدّى بِفِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] فَهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ. وَلَمّا كانَتِ الحَياةُ حَياتَيْنِ: حَياةَ الأبْدانِ، وحَياةَ الأرْواحِ، وهو سُبْحانَهُ الَّذِي يُحْيِي قُلُوبَ أوْلِيائِهِ وأرْواحِهِمْ بِإكْرامِهِ ولُطْفِهِ وبَسْطِهِ كانَ ذَلِكَ تَنْمِيَةً لَها وتَكْثِيرًا وذَرْءًا، واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: البَسْطُ: أنْ يُرْسِلَ شَواهِدَ العَبْدِ في مَدارِجِ العِلْمِ، ويُسْبِلَ عَلى باطِنِهِ رِداءَ الِاخْتِصاصِ، وهم أهْلُ التَّلْبِيسِ، وإنَّما بُسِطُوا في مَيْدانِ البَسْطِ، بَعْدَ ثَلاثِ مَعانٍ، لِكُلِّ مَعْنًى طائِفَةٌ. يُرِيدُ: أنَّ البَسْطَ إرْسالُ ظَواهِرِ العَبْدِ وأعْمالِهِ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ، ويَكُونُ باطِنُهُ مَغْمُورًا بِالمُراقَبَةِ والمَحَبَّةِ والأُنْسِ بِاللَّهِ، فَيَكُونُ جَمالُهُ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، فَظاهِرُهُ قَدِ اكْتَسى الجَمالَ بِمُوجِبِ العِلْمِ، وباطِنُهُ قَدِ اكْتَسى الجَمالَ بِالمَحَبَّةِ والرَّجاءِ والخَوْفِ والمُراقَبَةِ والأُنْسِ، فالأعْمالُ الظّاهِرَةُ لَهُ دِثارٌ، والأحْوالُ الباطِنَةُ لَهُ شِعارٌ، فَلا حالُهُ يُنْقِصُ عَلَيْهِ ظاهِرَ حُكْمِهِ، ولا عِلْمُهُ يَقْطَعُ وارِدَ حالِهِ، وقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الجَمالَيْنِ أعْنِي جَمالَ الظّاهِرِ وجَمالَ الباطِنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ. مِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى في نِساءِ الجَنَّةِ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] فَهُنَّ حِسانُ الوُجُوهِ، خَيِّراتُ الأخْلاقِ. وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] فالنَّضْرَةُ جَمالُ الوُجُوهِ، والسُّرُورُ جَمالُ القُلُوبِ. وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] فالنَّضْرَةُ تُزَيِّنُ ظَواهِرَهُمْ، والنَّظَرُ يُجَمِّلُ بَواطِنَهم. وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] فالأساوِرُ جَمَّلَتْ ظَواهِرَهُمْ، والشَّرابُ الطَّهُورُ طَهَّرَ بَواطِنَهم. وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٦] فَجَمَّلَ ظاهِرَها بِالكَواكِبِ، وباطِنَها بِالحِراسَةِ مِنَ الشَّياطِينِ. رَجَعْنا إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قَوْلُهُ: " وهم أهْلُ التَّلْبِيسِ " يَعْنِي: أنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في بابِ القَبْضِ وهُمُ الفِرْقَةُ الثّانِيَةُ الَّذِينَ سُتِرُوا بِلِباسِ التَّلْبِيسِ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ. فَلا تَرى حَقائِقَهم. قَوْلُهُ: " وإنَّما بُسِطُوا في مَيْدانِ البَسْطِ " أيْ: بَسَطَهُمُ الحَقُّ سُبْحانَهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، لا ما يَظُنُّهُ المُلْحِدُ أنَّهُ السَّماعُ الشَّهِيُّ، ومُلاحَظَةُ المَنظَرِ البَهِيِّ، ورُؤْيَةُ الصُّوَرِ المُسْتَحْسَناتِ، وسَماعُ الآلاتِ المُطْرِباتِ. نَعَمْ هَذا مَيْدانٌ بَسَطَهُ الشَّيْطانُ يَقْتَطِعُ بِهِ النُّفُوسَ عَنِ المَيْدانِ الَّذِي نَصَبَهُ الرَّحْمَنُ، فَمَيْدانُ الرَّحْمَنِ الَّذِي بَسَطَهُ هو الَّذِي نَصَبَهُ لِأنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وهو ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ وأهْلِهِ، ومَعَ الغَرِيبِ والقَرِيبِ، وهي سِعَةُ الصَّدْرِ، ودَوامُ البِشْرِ، وحُسْنُ الخُلُقِ، والسَّلامُ عَلى مَن لَقِيَهُ، والوُقُوفُ مَعَ مَنِ اسْتَوْقَفَهُ، والمِزاحُ بِالحَقِّ مَعَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ أحْيانًا، وإجابَةُ الدَّعْوَةِ، ولِينُ الجانِبِ حَتّى يَظُنَّ كُلُّ واحِدٍ مِن أصْحابِهِ أنَّهُ أحَبُّهم إلَيْهِ، وهَذا المَيْدانُ لا تَجِدُ فِيهِ إلّا واجِبًا، أوْ مُسْتَحَبًّا، أوْ مُباحًا يُعِينُ عَلَيْهِما. قَوْلُهُ: فَطائِفَةٌ بُسِطَتْ رَحْمَةً لِلْخَلْقِ، يُباسِطُونَهم ويُلابِسُونَهُمْ، فَيَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِمْ، والحَقائِقُ مَجْمُوعَةٌ، والسَّرائِرُ مَصُونَةٌ. جَعَلَ اللَّهُ انْبِساطَهم مَعَ الخَلْقِ رَحْمَةً لَهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فالرَّبُّ سُبْحانَهُ بَسَطَ هَؤُلاءِ مَعَ خَلْقِهِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِمُ السّالِكُ، ويَهْتَدِيَ بِهِمُ الحَيْرانُ، ويُشْفى بِهِمُ العَلِيلُ، ويُسْتَضاءَ بِنُورِ هِدايَتِهِمْ ونُصْحِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ في ظُلُماتِ دَياجِي الطَّبْعِ والهَوى، فالسّالِكُونَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ إذا سَكَتُوا، ويَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِهِمْ إذا نَطَقُوا، فَإنَّ حَرَكاتِهم وسُكُونَهم لَمّا كانَتْ بِاللَّهِ ولِلَّهِ وعَلى أمْرِ اللَّهِ جَذَبَتْ قُلُوبَ الصّادِقِينَ إلَيْهِمْ، وهَذا النُّورُ الَّذِي أضاءَ عَلى النّاسِ مِنهم هو نُورُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ. والعُلَماءُ ثَلاثَةٌ: عالِمٌ اسْتَنارَ بِنُورِهِ واسْتَنارَ بِهِ النّاسُ، فَهَذا مِن خُلَفاءِ الرُّسُلِ ووَرَثَةِ الأنْبِياءِ، وعالِمٌ اسْتَنارَ بِنُورِهِ، ولَمْ يَسْتَنِرْ بِهِ غَيْرُهُ، فَهَذا إنْ لَمْ يُفَرِّطْ كانَ نَفْعُهُ قاصِرًا عَلى نَفْسِهِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ الأوَّلِ ما بَيْنَهُما، وعالِمٌ لَمْ يَسْتَنِرْ بِنُورِهِ ولا اسْتَنارَ بِهِ غَيْرُهُ، فَهَذا عِلْمُهُ وبالٌ عَلَيْهِ، وبَسْطَتُهُ لِلنّاسِ فِتْنَةٌ لَهُمْ، وبَسْطَةُ الأوَّلِ رَحْمَةٌ لَهم. قَوْلُهُ: " والحَقائِقُ مَجْمُوعَةٌ، والسَّرائِرُ مَصُونَةٌ " أيِ: انْبَسَطُوا والحَقائِقُ الَّتِي في سَرائِرِهِمْ مَجْمُوعَةٌ في بَواطِنِهِمْ، فالِانْبِساطُ لَمْ يُشَتِّتْ قُلُوبَهُمْ، ولَمْ يُفَرِّقْ هِمَمَهُمْ، ولَمْ يُحِلَّ عَقْدَ عَزائِمِهِمْ. قَوْلُهُ: " وسَرائِرُهم مَصُونَةٌ " مَسْتُورَةٌ لَمْ يَكْشِفُوها لِمَنِ انْبَسَطُوا إلَيْهِ، وإنْ كانَ البَسْطُ يَقْتَضِي الإلْفَ، واطِّلاعَ كُلٍّ مِنَ المُتَباسِطَيْنِ عَلى سِرِّ صاحِبِهِ، فَإيّاكَ ثُمَّ إيّاكَ أنْ تُطْلِعَ مَن باسَطْتَهُ عَلى سِرِّكَ مَعَ اللَّهِ، ولَكِنِ اجْذِبْهُ وشَوِّقْهُ، واحْفَظْ ودِيعَةَ اللَّهِ عِنْدَكَ، لا تُعَرِّضْها لِلِاسْتِرْجاعِ.

الشورى 42:13

(فائدة) قول النبي ﷺ: "الأنبياء أولاد علات " وفي لفظ: "إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ". قال الجوهري: "بنو العلات هم أولاد الرجل من نسوة شتى سميت بذلك لأن الذي تزوجها على أولى كانت قبلها ثم عل من الثانية العلل الشرب الثاني يقال له علل بعد نهل وعله يعله إذا سقاه السقية الثانية". وقال غيره: "سموا بذلك لأنهم أولاد ضرائر والعلات الضرائر. وهذا الثاني أظهر. وأما وجه التسمية فقال جماعة منهم القاضي عياض وغيره: معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم وبعضهم بعيد الوقت من بعض فهم أولاد علات إذ لم بجمعهم زمان واحد كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد وعيسى لما كان قريب الزمان من النبي ﷺ ولم يكن بينهما نبي كانا كأنهما في زمان واحد فقال: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم عليه السلام قالوا: كيف يا رسول الله؟ فقال: الأنبياء إخوة من علات " الحديث. وفيه وجه آخر أحسن من هذا وهو أن النبي ﷺ شبه دين الأنبياء الذين اتفقوا عليه من التوحيد وهو عبادة الله وحده لا شريك له والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله ولقائه بالأب الواحد لاشتراك جميعهم فيه وهو الدين الذي شرعه الله لأنبيائه كلهم فقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ وقال البخاري في صحيحه: "باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد" وذكر هذا الحديث وهذا هو دين الإسلام الذي أخبر الله أنه دين أنبيائه ورسله من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد فهو بمنزلة الأب الواحد وأما شرائع الأعمال والمأمورات فقد تختلف فهي بمنزلة الأمهات الشتى التي كان لقاح تلك الأمهات من أب واحد كما أن مادة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد متفق عليه. فهذا أولى المعنيين بالحديث وليس في تباعد أزمنتهم ما يوجب أن يشبه زمانهم بأمهاتهم ويجعلون مختلفي الأمهات لذلك وكون الأم بمنزلة الشريعة والأب بمنزله الدين وأصالة هذا وتذكيره وفرعية الأم وتأنيثها واتحاد الأب وتعدد الأم ما يدل على أنه معنى الحديث والله أعلم.

الشورى 42:14

وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ كيف حذف الفاعل هنا وبنى الفعل للمفعول لما كان في معرض الذم لهم ونفي العلم عنهم. ولما كان في سياق ذكر نعمه وآلائه ومنته عليهم قال: ﴿وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣]

الشورى 42:15

والله سبحانه وتعالى أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ فأمره سبحانه أن يدعو إلى دينه وكتابه وأن يستقيم في نفسه كما أمره، وأن لا يتبع هوى أحد من الفرق، وأن يؤمن بالحق جميعه، ولا يؤمن ببعضه دون بعض، وأن يعدل بين أرباب المقالات والديانات. وأنت إذا تأملت هذه الآية وجدت أهل الكلام الباطل وأهل الأهواء والبدع من جميع الطوائف أبخس الناس منها حظا، وأقلهم نصيبا، ووجدت حزب الله ورسوله وأنصار سنته هم أحق بها وأهلها. وهم في هذه المسألة وغيرها من المسائل أسعد بالحق من جميع الطوائف فإنهم يثبتون قدرة الله على جميع الموجودات من الأعيان والأفعال، ومشيئته العامة، وينزهونه أن يكون في ملكه ما لا يقدر عليه، ولا هو واقع تحت مشيئته، ويثبتون القدر السابق، وأن العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه، وأنه لا يشاءون إلا أن يشاء الله، ولا يفعلون إلا من بعد مشيئته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا تخصيص عندهم في هاتين القضيتين بوجه من الوجوه. والقدر عندهم قدرة الله تعالى وعلمه ومشيئته وخلقه، فلا يتحرك ذرة فما فوقها إلا بمشيئته وعلمه وقدرته، فهم المؤمنون بلا حول ولا قوة إلا بالله على الحقيقة، إذا قالها غيرهم على المجاز، إذ العالم علويه وسفليه وكل حي يفعل فعلا، فإن فعله بقوة فيه على الفعل وهو في حول من ترك إلى فعل ومن فعل إلى ترك، ومن فعل إلى فعل وذلك كله بالله تعالى لا بالعبد، ويؤمنون بأن من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلما، والكافر كافرا، والمصلي مصليا، والمتحرك متحركا، وهو الذي يسير عبده في البر والبحر، وهو المسير والعبد السائر، وهو المحرك، والعبد المتحرك وهو المقيم، والعبد القائم، وهو الهادي، والعبد المهتدي، وأنه المطعم، والعبد الطاعم، وهو المحي المميت، والعبد الذي يحيى ويموت. ويثبتون مع ذلك قدرة العبد وإرادته واختياره وفعله حقيقة لا مجازا وهم متفقون على أن الفعل غير المفعول كما حكاه عنهم البغوي وغيره. فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه مخلوقة له حقيقة. والذي قام بالرب عز وجل علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم. فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سبحانه هو المقدر لهم على ذلك القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم ومشيئته وفعله بعد مشيئته فما يشاءون إلا أن يشاء الله، وما يفعلون إلا أن يشاء الله. وإذا وازنت بين هذا المذهب، وبين ما عداه من المذاهب وجدته هو المذهب الوسط والصراط المستقيم. ووجدت سائر المذاهب خطوطا عن يمينه وعن شماله، فقريب منه وبعيد وبين ذلك. وإذا أعطيت الفاتحة حقها وجدتها من أولها إلى آخرها منادية على ذلك دالة عليه صريحة فيه، وإن كان حمده لا يقتضي غير ذلك، وكذلك كمال ربوبيته للعالمين لا يقتضي غير ذلك، فكيف يكون الحمد كله لمن لا يقدر على مقدور أهل سماواته وأرضه من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش بل يفعلون ما لا يقدر عليه ولا يشاءه ويشاء ما لا يفعله كثير منهم فيشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء وهل يقتضي ذلك كمال حمده وهل يقتضيه كمال ربوبيته.

الشورى 42:23

(فائدة) استدل شيعي على الوصية لأهل البيت بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلاّ المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ فأجيب بأن قيل هذه وصية بهم لا وصية إليهم، فهي حجة على خلاف قول الشيعة، لأن الأمر لو كان إليهم لأوصاهم ولم يوص بهم. ونظير هذا الاحتجاج على أن الأمر في قريش لا في الأنصار بقول النبي ﷺ: "أوصيكم بالأنصار" فدل على أن الأمر في غيرهم. قلت: وهذا كله خروج عن معنى الآية، وما أريد بها، ولا دلالة فيها لواحد من الطائفتين. فإن معنى الآية: لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، فإنه لم يكن بطن من قريش إلا وللنبي ﷺ قرابة فقال: لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا ولكن صلوا ما بيني وبينكم من القرابة، وليست هذه الصلة أجرا. فالاستثناء منقطع، فإن الصلة من موجبات الرحم، فهي واجبة على كل أحد. وهذا هو تفسير ابن عباس الذي ذكره البخاري عنه في صحيحه.

الشورى 42:24

وفي معنى الآية للناس قولان: أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك. والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي. وهذا القول دون الأول لوجوه: أحدها أن هذا خرج جوابًا لهم وتكذيبًا لقولهم إن محمدًا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن، فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء، فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه، بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه، فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى عليَّ لم أمكنْه ولم أقره. ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه، فإن فيه من علوم الأولين والآخرين، وعلم المبدأ والمعاد، والدنيا والآخرة، والعلم الذي لا يعلمه إلا الله، والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والإخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه، فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه. فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون؟ وكيف يلتئم مع حكاية قولهم؟ وكيف يتضمن الرد عليهم؟ الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل، فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقولهم، فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر. الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه، ولا يعرف هذا في عرف المخاطب، ولا لغة العرب، ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ ونظائره.

الشورى 42:27

(فائدة) مصدر ما في العَبْد من الخَيْر والشَّر والصِّفات الممدوحة والمذمومة من صفة المُعْطِي المانِع، فَهو سُبْحانَهُ يصرّف عباده بَين مُقْتَضى هذَيْن الاسمين، فحظ العَبْد الصّادِق من عبوديته بهما الشُّكْر عند العَطاء، والافتقار عند المَنع. فَهُوَ سُبْحانَهُ يُعْطِيهِ ليشكره، ويمنعه ليفتقر إلَيْهِ فَلا يزال شكُورًا فَقِيرا.

الشورى 42:30

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا في القَلْبِ، وضِياءً في الوَجْهِ، وقُوَّةً في البَدَنِ، وزِيادَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوادًا في الوَجْهِ، وظُلْمَةً في القَلْبِ ووَهَنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وهَذا يَعْرِفُهُ صاحِبُ البَصِيرَةِ، ويَشْهَدُهُ مِن نَفْسِهِ ومِن غَيْرِهِ. فَما حَصَلَ لِلْعَبْدِ حالٌ مَكْرُوهَةٌ قَطُّ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وَقالَ لِخِيارِ خَلْقِهِ وأصْحابِ نَبِيِّهِ ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وفي هذا تبشير وتحذير إذ أعلمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا، وهو أرحم أن يثني العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا كما قال ﷺ: "من بلي بشيء من هذه القاذورات فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ومن عوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده" وفي الحديث: "الحدود كفارات لأهلها" وفي الصحيحين من حديث عبادة: "ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له" وفي الصحيح عنه ﷺ: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" وقال: "لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة" وفي حديث آخر: "إن المؤمن إذا مرض خرج مثل البردة في صفائها ولونها" وفي الحديث الآخر: "إن الحمى تنفي الذنوب كما ينفي الكير الخبيث الحديد" وفي حديث آخر: "لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم" وقال في (طريق الهجرتين) قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أصابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيَكُمْ﴾ فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فيشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة. قال على بن أبي طالب: ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفع بلاءٌ إلا بتوبة.

الشورى 42:39

فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك حتى إذا قدروا على من بغي عليهم، وتمكنوا من استيفاء ما لهم عليه ندبهم إلى الخلق الشريف من العفو والصفح فقال ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾. فذكر المقامات الثلاثة العدل وأباحه والفضل وندب إليه، والظلم وحرمه. فإن قيل، فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متنافيان. قيل: لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام، وإنما مدحهم على الانتصار وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فلما قدروا ندبهم إلى العفو. قال بعض السلف في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا، فمدحهم على عفو بعد قدرة لا على عفو ذل وعجز ومهانة، وهذا هو الكمال الذي مدح سبحانه به نفسه في قوله: وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا، واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وفي أثر معروف: حملة العرش أربعة اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. ولهذا قال المسيح صلوات اللّه وسلامه عليه: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أي إن غفرت لهم غفرت عن عزة وهي كمال القدرة وحكمة وهي كمال العلم فغفرت بعد أن علمت ما عملوا وأحاطت بهم قدرتك إذ المخلوق قد يغفر بعجزه عن الانتقام وجهله بحقيقة ما صدر من المسي ء والعفو عن المخلوق ظاهره ضيم وذل وباطنه عز ومهانة. وانتقام ظاهره عز، وباطنه ذل، فما زاد اللّه بعفو الأعز ولا انتقم أحد لنفسه إلا ذلك ولو لم يكن إلا بفوات عز العفو. ولهذا ما انتقم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لنفسه قط. وتأمل قوله سبحانه: ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ كيف يفهم منه أن فيهم من القوة ما يكونون هم بها المنتصرين لأنفسهم، لا أن غيرهم هو الذي ينصرهم. ولما كان الانتصار لا تقف النفوس فيه على حد العدل غالبا بل لا بدّ من المجاوزة شرع فيه سبحانه المماثلة والمساواة وحرم الزيادة وندب إلى العفو. والمقصود أن العفو من أخلاق النفس المطمئنة والذل من أخلاق الأمارة ونكتة المسألة أن الانتقام شيء، والانتصار شيء، فالانتصار أن ينتصر لحق اللّه ومن أجله. ولا يقوى على ذلك إلا من تخلص من ذل حظه ورق هواها، فإنه حينئذ ينال خطأ من العز الذي قسم اللّه المؤمنين فإذا بغى عليه انتصر من الباغي من أجل عز اللّه الذي أعزه به غيره على ذلك العز أن يستضام ويقهر، وحمية للعبد المنسوب إلى العزيز الحميد أن يستذل، فهو يقول للباغي عليه أنا مملوك من لا يذل مملوكه، ولا يجب أن يذله أحد. وإذا كانت نفسه الأمّارة قائمة على أصولها لم تحب بعد طلبه إلا الانتقام والانتصار لحظها وظفرها بالباغي تشفيا فيه وإذلالا له. وأما النفس التي خرجت من ذل حظها ورق هواها إلى عز توحيدها وإنابتها إلى ربها فإذا نالها البغي قامت بالانتصار حمية ونصرة للعز الذي أعزها اللّه به ونالته منه وهو في الحقيقة حمية لربها ومولاها. وقد ضرب لذلك مثلا بعبدين من عبيد الغلة حراثين ضرب. أحدهما: صاحبه فعفا المضروب عن الضارب نصحا منه لسيده وشفقة على الضارب أن يعاقبه السيد فلم يجشم سيده خلعه عقوبته وإفساده بالضرب، فشكر العافي على عفوه ووقع منه بموقع. وعبد آخر قد أقامه بين يديه وجمله وألبسه ثيابا يقف بها بين يديه فعمد بعض سواس الدواب وأضرابهم ولطخ تلك الثياب بالعذرة أو مزقها فلو عفا عمن فعل به ذلك لم يوافق عفوه رأي سيد ولا محبته، وكان الانتصار أحب إليه وأوفق كأنه يقول: إنما فعل هذا بك جرأة علي واستخفافا بسلطاني، فإذا مكنه من عقوبته فأذله وقهره ولم يبق إلى أن يبطش به فذل وانكسر قلبه فإن سيده يحب منه أن لا يعاقبه لحظة، وأن يأخذ منه حق السيد، فيكون انتصاره حينئذ لمحض حق سيده لا لنفسه. كما روي عن علي رضي اللّه عنه أنه مر برجل فاستغاث به وقال: هذا منعني حقي ولم يعطني إياه، فقال: أعطه حقه، فلما جاوزهما لج الظالم ولطم صاحب الحق، فاستغاث بعلي فرجع وقال: أتلك الغوث، فقال له استقد منه فقال: قد عفوت يا أمير المؤمنين فضربه على تسع درر وقال قد عفا عنك من لطمته. وهذا حق السلطان فعاقبة علي لما اجترأ على سلطان اللّه، ولم يدعه. ويشبه هذا قصة الرجل الذي جاء إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فقال احملني فواللّه لأنا افرس منك ومن ابنك المغيرة بن شعبة فحسر عن ذراعه وصك بها أنف الرجل فسال الدم، فجاء قومه إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فقالوا: أقدنا من المغيرة، فقال: أنا أقيدكم من وزعة اللّه؟ لا أقيدكم منه. فرأى أبو بكر أن ذلك انتصارا من المغيرة وحمية للّه، وللعز الذي أعز به خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليتمكن بذلك العز من حسن خلافته وإقامة دينه، فترك قوده لاجترائه على عز اللّه وسلطانه الذي أعز به رسوله ودينه وخليفته، فهذا لون والضرب حمية للنفس الأمّارة لون.

الشورى 42:48

تدبر قوله تعالى: ﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنسان مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنسان كَفُورٌ﴾ كيف أتى في تعليق الرحمة المحققة إصابتها من الله تعالى بـ (إذا) وأتى في إصابة السيئة بـ (إن) فإن ما يعفو الله تعالى عنه أكثر. وأتى في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الوقوع، وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق، ولا بد وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة الدال على مباشرة الرحمة لهم، وأنها مذوقة لهم، والذوق هو أخص أنواع الملابسة وأشدها. وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه فقال: ﴿مِنّا رَحْمَةً﴾ وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم. وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف (إنْ) دون الجملة الثانية. وأسرار القرآن الكريم أكثر وأعظم من أن يحيط بها عقول البشر.

الشورى 42:49

(فصل: في كَراهَة تسخط البَنات) قالَ الله تَعالى ﴿لله ملك السَّماوات والأرْض يخلق ما يَشاء يهب لمن يَشاء إناثًا ويهب لمن يَشاء الذُّكُور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجْعَل من يَشاء عقيما إنَّه عليم قدير﴾ فقسم سُبْحانَهُ حال الزَّوْجَيْنِ إلى أرْبَعَة أقسام اشْتَمَل عَلَيْها الوُجُود، وأخْبر أن ما قدره بَينهما من الوَلَد فقد وهبهما إيّاه. وَكفى بِالعَبدِ تعرضا لمقته أن يتسخط ما وهبه. وَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذكر الإناث فَقيل جبرا لَهُنَّ لأجل استثقال الوالِدين لمكانهن. وَقيل - وهو أحسن - إنَّما قدمهن لِأن سِياق الكَلام أنه فاعل ما يَشاء لا ما يَشاء الأبوان، فإن الأبَوَيْنِ لا يُريدان إلّا الذُّكُور غالِبا، وهو سُبْحانَهُ قد أخبر أنه يخلق ما يَشاء، فَبَدَأ بِذكر الصِّنْف الَّذِي يَشاء، ولا يُريدهُ الأبوان. وَعِنْدِي وجه آخر وهو أنه سُبْحانَهُ قدم ما كانَت تؤخره الجاهِلِيَّة من أمر البَنات حَتّى كانُوا يئدوهن أي هَذا النَّوْع المُؤخر عنْدكم مقدم عِنْدِي في الذّكر وتَأمل كَيفَ نكر سُبْحانَهُ الإناث وعرف الذُّكُور فجبر نقص الأُنُوثَة بالتقديم وجبر نقص التَّأْخِير بالتعريف فَإن التَّعْرِيف تنويه كَأنَّهُ قالَ ويهب لمن يَشاء الفرسان الأعْلام المَذْكُورين الَّذين لا يخفون عَلَيْكُم ثمَّ لما ذكر الصِّنْفَيْنِ مَعًا قدم الذُّكُور إعْطاء لكل من الجنسين حَقه من التَّقْدِيم والتَّأْخِير والله أعلم بِما أرادَ من ذَلِك. والمَقْصُود أن التسخط بالإناث من أخْلاق الجاهِلِيَّة الَّذين ذمهم الله تَعالى في قَوْله ﴿وَإذا بشر أحدهم بِالأُنْثى ظلّ وجهه مسودا وهو كظيم يتَوارى من القَوْم من سوء ما بشر بِهِ أيمسكه على هون أم يدسه في التُّراب ألا ساءَ ما يحكمون﴾ [النحل: ٥٨-٥٩] وَقالَ ﴿وَإذا بشر أحدهم بِما ضرب للرحمن مثلا ظلّ وجهه مسودا وهو كظيم﴾ [الزخرف: ١٧] وَمن هاهُنا عبر بعض المعبرين لرجل قالَ لَهُ رَأيْت كَأن وجْهي أسود فَقالَ ألَك امْرَأة حامِل؟ قالَ نعم. قالَ تَلد لَك أُنْثى. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنس بن مالك قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "من عال جاريتين حَتّى تبلغا جاءَ يَوْم القِيامَة أنا وهو هَكَذا وضم إصبعيه" وروى عبد الرَّزّاق أخبرنا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عائِشَة قالَت: جاءَت امْرَأة ومَعَها ابنتان لَها تَسْألنِي فَلم تَجِد عِنْدِي شَيْئا غير تَمْرَة واحِدَة فأعطيتها إيّاها فأخذتها فشقتها بَين ابنتيها ولم تَأْكُل مِنها شَيْئا، ثمَّ قامَت فَخرجت هي وابنتاها فَدخل رَسُول الله ﷺ على تفيئة ذَلِك فَحَدَّثته حَدِيثها فَقالَ رَسُول الله ﷺ "من ابْتُلِيَ من هَذِه البَنات بِشَيْء فَأحْسن إلَيْهِنَّ كن لَهُ سترا من النّار" رَواهُ ابْن المُبارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عَن عُرْوَة. وَهُوَ في الصَّحِيح والحَدِيث في مُسْند أحْمد. وَفِيه أيْضا من حَدِيث أيُّوب بن بشير الأنْصارِيّ عَن أبي سعيد الخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "لا يكون لأحد ثَلاث بَنات أو ثَلاث أخَوات أو بنتان أو أختان فيتقي الله فِيهِنَّ ويحسن إلَيْهِنَّ إلّا دخل الجنَّة" وَرَواهُ الحميدِي عَن سُفْيان عَن سُهَيْل بن أبي صالح عَن أيُّوب بن بشير عَن سعيد الأعْشى عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ "من كانَ لَهُ ثَلاث بَنات أو أخَوات أو بنتان أو أختان فَأحْسن صحبتهن وصبر عَلَيْهِنَّ واتَّقى الله فِيهِنَّ دخل الجنَّة" وَقالَ مُحَمَّد بن عبد الله الأنْصارِيّ عَن ابْن جريج حَدثنِي أبُو الزبير عَن عمر بن نَبهان عَن أبي هُرَيْرَة أن رَسُول الله ﷺ قالَ: "من كانَ لَهُ ثَلاث بَنات فَصَبر على لأوائهن وعَلى ضرائهن دخل الجنَّة" وَفِي رِوايَة "فَقالَ رجل يا رَسُول الله واثنتين؟ قالَ واثنتين. قالَ يا رَسُول الله؟ وواحِدَة قالَ وواحِدَة" وقالَ البَيْهَقِيّ حَدثنا أحْمد بن الحسن حَدثنا الأصَم حَدثنا الحسن بن مكرم حَدثنا عُثْمان بن عمر أنبأ النهاس عَن شَدّاد أبي عمار عَن عَوْف بن مالك أن رَسُول الله ﷺ قالَ: "من كانَ لَهُ ثَلاث بَنات ينْفق عَلَيْهِنَّ حَتّى بَين أو يمتن كن لَهُ حِجابا من النّار" وَقالَ عَليّ بن المَدِينِيّ حَدثنا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنا النهاس بن قهم حَدثنا شَدّاد أبُو عمار عَن عَوْف بن مالك الأشْجَعِيّ قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "ما من عبد يكون لَهُ ثَلاث بَنات فينفق عَلَيْهِنَّ حَتّى يبن أو يمتن إلّا كن لَهُ حِجابا من النّار. فَقالَت امْرَأة يا رَسُول الله وابنتان؟ قالَ وابنتان". قالَ وقالَ أبُو عمار عَن عَوْف بن مالك قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "أنا وامْرَأة سفعاء الخَدين كهاتين في الجنَّة" وروى فطر بن خَليفَة عَن شُرَحْبِيل بن سعد عَن ابْن عَبّاس قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "ما من مُسلم يكون لَهُ ابنتان فَيحسن إلَيْهِما ما صحبهما وصحبتاه إلّا أدخلتاه الجنَّة" وَقالَ عبد الرَّزّاق أنبأنا معمر عَن ابْن المُنْكَدر أن النَّبِي ﷺ قالَ "من كانَ لَهُ ثَلاث بَنات أو أخَوات فكفهن وآواهن وزوجهن دخل الجنَّة قالُوا وابنتان قالَ وابنتان حَتّى ظننا أنهم لَو قالُوا أو واحِدَة قالَ أو واحِدَة" هَذا مُرْسل. وَقالَ عبد الله بن المُبارك عَن حَرْمَلَة بن عمران قالَ سَمِعت أبا عشانة قالَ سَمِعت عقبَة بن عامر الجُهَنِيّ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "من كانَت لَهُ ثَلاث بَنات فَصَبر عَلَيْهِنَّ فأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن لَهُ حِجابا من النّار" رَواهُ الإمام أحْمد في مُسْنده وَقد قالَ تَعالى في حق النِّساء ﴿فَإن كرهتموهن فَعَسى أن تكْرهُوا شَيْئا ويجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ [النساء: ١٩] وَهَكَذا البَنات أيْضا قد يكون للْعَبد فِيهِنَّ خير في الدُّنْيا والآخِرَة. وَيَكْفِي في قبح كراهتهن أن يكره ما رضيه الله وأعْطاهُ عَبده وقالَ صالح بن أحْمد كانَ أبي إذا ولد لَهُ ابْنة يَقُول الأنْبِياء كانُوا آباء بَنات ويَقُول قد جاءَ في البَنات ما قد علمت. وَقالَ يَعْقُوب بن بختان ولد لي سبع بَنات فَكنت كلما ولد لي ابْنة دخلت على أحْمد بن حَنْبَل فَيَقُول لي يا أبا يُوسُف الأنْبِياء آباء بَنات فَكانَ يذهب قَوْله همي.

الشورى 42:50

(فصل: في كَراهَة تسخط البَنات) قالَ الله تَعالى ﴿لله ملك السَّماوات والأرْض يخلق ما يَشاء يهب لمن يَشاء إناثًا ويهب لمن يَشاء الذُّكُور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجْعَل من يَشاء عقيما إنَّه عليم قدير﴾ فقسم سُبْحانَهُ حال الزَّوْجَيْنِ إلى أرْبَعَة أقسام اشْتَمَل عَلَيْها الوُجُود، وأخْبر أن ما قدره بَينهما من الوَلَد فقد وهبهما إيّاه. وَكفى بِالعَبدِ تعرضا لمقته أن يتسخط ما وهبه. وَبَدَأ سُبْحانَهُ بِذكر الإناث فَقيل جبرا لَهُنَّ لأجل استثقال الوالِدين لمكانهن. وَقيل - وهو أحسن - إنَّما قدمهن لِأن سِياق الكَلام أنه فاعل ما يَشاء لا ما يَشاء الأبوان، فإن الأبَوَيْنِ لا يُريدان إلّا الذُّكُور غالِبا، وهو سُبْحانَهُ قد أخبر أنه يخلق ما يَشاء، فَبَدَأ بِذكر الصِّنْف الَّذِي يَشاء، ولا يُريدهُ الأبوان. وَعِنْدِي وجه آخر وهو أنه سُبْحانَهُ قدم ما كانَت تؤخره الجاهِلِيَّة من أمر البَنات حَتّى كانُوا يئدوهن أي هَذا النَّوْع المُؤخر عنْدكم مقدم عِنْدِي في الذّكر وتَأمل كَيفَ نكر سُبْحانَهُ الإناث وعرف الذُّكُور فجبر نقص الأُنُوثَة بالتقديم وجبر نقص التَّأْخِير بالتعريف فَإن التَّعْرِيف تنويه كَأنَّهُ قالَ ويهب لمن يَشاء الفرسان الأعْلام المَذْكُورين الَّذين لا يخفون عَلَيْكُم ثمَّ لما ذكر الصِّنْفَيْنِ مَعًا قدم الذُّكُور إعْطاء لكل من الجنسين حَقه من التَّقْدِيم والتَّأْخِير والله أعلم بِما أرادَ من ذَلِك. والمَقْصُود أن التسخط بالإناث من أخْلاق الجاهِلِيَّة الَّذين ذمهم الله تَعالى في قَوْله ﴿وَإذا بشر أحدهم بِالأُنْثى ظلّ وجهه مسودا وهو كظيم يتَوارى من القَوْم من سوء ما بشر بِهِ أيمسكه على هون أم يدسه في التُّراب ألا ساءَ ما يحكمون﴾ [النحل: ٥٨-٥٩] وَقالَ ﴿وَإذا بشر أحدهم بِما ضرب للرحمن مثلا ظلّ وجهه مسودا وهو كظيم﴾ [الزخرف: ١٧] وَمن هاهُنا عبر بعض المعبرين لرجل قالَ لَهُ رَأيْت كَأن وجْهي أسود فَقالَ ألَك امْرَأة حامِل؟ قالَ نعم. قالَ تَلد لَك أُنْثى. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنس بن مالك قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "من عال جاريتين حَتّى تبلغا جاءَ يَوْم القِيامَة أنا وهو هَكَذا وضم إصبعيه" وروى عبد الرَّزّاق أخبرنا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عائِشَة قالَت: جاءَت امْرَأة ومَعَها ابنتان لَها تَسْألنِي فَلم تَجِد عِنْدِي شَيْئا غير تَمْرَة واحِدَة فأعطيتها إيّاها فأخذتها فشقتها بَين ابنتيها ولم تَأْكُل مِنها شَيْئا، ثمَّ قامَت فَخرجت هي وابنتاها فَدخل رَسُول الله ﷺ على تفيئة ذَلِك فَحَدَّثته حَدِيثها فَقالَ رَسُول الله ﷺ "من ابْتُلِيَ من هَذِه البَنات بِشَيْء فَأحْسن إلَيْهِنَّ كن لَهُ سترا من النّار" رَواهُ ابْن المُبارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عَن عُرْوَة. وَهُوَ في الصَّحِيح والحَدِيث في مُسْند أحْمد. وَفِيه أيْضا من حَدِيث أيُّوب بن بشير الأنْصارِيّ عَن أبي سعيد الخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "لا يكون لأحد ثَلاث بَنات أو ثَلاث أخَوات أو بنتان أو أختان فيتقي الله فِيهِنَّ ويحسن إلَيْهِنَّ إلّا دخل الجنَّة" وَرَواهُ الحميدِي عَن سُفْيان عَن سُهَيْل بن أبي صالح عَن أيُّوب بن بشير عَن سعيد الأعْشى عَن أبي سعيد عَن النَّبِي ﷺ "من كانَ لَهُ ثَلاث بَنات أو أخَوات أو بنتان أو أختان فَأحْسن صحبتهن وصبر عَلَيْهِنَّ واتَّقى الله فِيهِنَّ دخل الجنَّة" وَقالَ مُحَمَّد بن عبد الله الأنْصارِيّ عَن ابْن جريج حَدثنِي أبُو الزبير عَن عمر بن نَبهان عَن أبي هُرَيْرَة أن رَسُول الله ﷺ قالَ: "من كانَ لَهُ ثَلاث بَنات فَصَبر على لأوائهن وعَلى ضرائهن دخل الجنَّة" وَفِي رِوايَة "فَقالَ رجل يا رَسُول الله واثنتين؟ قالَ واثنتين. قالَ يا رَسُول الله؟ وواحِدَة قالَ وواحِدَة" وقالَ البَيْهَقِيّ حَدثنا أحْمد بن الحسن حَدثنا الأصَم حَدثنا الحسن بن مكرم حَدثنا عُثْمان بن عمر أنبأ النهاس عَن شَدّاد أبي عمار عَن عَوْف بن مالك أن رَسُول الله ﷺ قالَ: "من كانَ لَهُ ثَلاث بَنات ينْفق عَلَيْهِنَّ حَتّى بَين أو يمتن كن لَهُ حِجابا من النّار" وَقالَ عَليّ بن المَدِينِيّ حَدثنا يزِيد بن زُرَيْع حَدثنا النهاس بن قهم حَدثنا شَدّاد أبُو عمار عَن عَوْف بن مالك الأشْجَعِيّ قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "ما من عبد يكون لَهُ ثَلاث بَنات فينفق عَلَيْهِنَّ حَتّى يبن أو يمتن إلّا كن لَهُ حِجابا من النّار. فَقالَت امْرَأة يا رَسُول الله وابنتان؟ قالَ وابنتان". قالَ وقالَ أبُو عمار عَن عَوْف بن مالك قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "أنا وامْرَأة سفعاء الخَدين كهاتين في الجنَّة" وروى فطر بن خَليفَة عَن شُرَحْبِيل بن سعد عَن ابْن عَبّاس قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "ما من مُسلم يكون لَهُ ابنتان فَيحسن إلَيْهِما ما صحبهما وصحبتاه إلّا أدخلتاه الجنَّة" وَقالَ عبد الرَّزّاق أنبأنا معمر عَن ابْن المُنْكَدر أن النَّبِي ﷺ قالَ "من كانَ لَهُ ثَلاث بَنات أو أخَوات فكفهن وآواهن وزوجهن دخل الجنَّة قالُوا وابنتان قالَ وابنتان حَتّى ظننا أنهم لَو قالُوا أو واحِدَة قالَ أو واحِدَة" هَذا مُرْسل. وَقالَ عبد الله بن المُبارك عَن حَرْمَلَة بن عمران قالَ سَمِعت أبا عشانة قالَ سَمِعت عقبَة بن عامر الجُهَنِيّ يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "من كانَت لَهُ ثَلاث بَنات فَصَبر عَلَيْهِنَّ فأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن لَهُ حِجابا من النّار" رَواهُ الإمام أحْمد في مُسْنده وَقد قالَ تَعالى في حق النِّساء ﴿فَإن كرهتموهن فَعَسى أن تكْرهُوا شَيْئا ويجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ [النساء: ١٩] وَهَكَذا البَنات أيْضا قد يكون للْعَبد فِيهِنَّ خير في الدُّنْيا والآخِرَة. وَيَكْفِي في قبح كراهتهن أن يكره ما رضيه الله وأعْطاهُ عَبده وقالَ صالح بن أحْمد كانَ أبي إذا ولد لَهُ ابْنة يَقُول الأنْبِياء كانُوا آباء بَنات ويَقُول قد جاءَ في البَنات ما قد علمت. وَقالَ يَعْقُوب بن بختان ولد لي سبع بَنات فَكنت كلما ولد لي ابْنة دخلت على أحْمد بن حَنْبَل فَيَقُول لي يا أبا يُوسُف الأنْبِياء آباء بَنات فَكانَ يذهب قَوْله همي.

الشورى 42:52

فَسَمّى وحْيَهُ وأمْرَهُ رُوحًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ والأرْواحِ. وَسَمّاهُ نُورًا؛ لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الهُدى واسْتِنارَةِ القُلُوبِ والفُرْقانِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة، والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضيء وتشرق به. وقال في (مدارج السالكين) وجَعَلَهُ رُوحًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ والأرْواحِ. وَنُورًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الهُدى والرَّشادِ. وقال في (إغاثة اللهفان) والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان. ووضع من وضع بعدمهما. (فصل) وَقَدِ اخْتُلِفَ في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ فَقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ. وَقِيلَ: عَلى الإيمانِ. والصَّحِيحُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الرُّوحِ، في قَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ أمَرَهُ رُوحًا ونُورًا وهُدًى، ولِهَذا تَرى صاحِبَ اتِّباعِ الأمْرِ والسُّنَّةِ قَدْ كُسِيَ مِنَ الرُّوحِ والنُّورِ وما يَتْبَعُهُما مِنَ الحَلاوَةِ والمَهابَةِ والجَلالَةِ والقَبُولِ ما قَدْ حُرِمَهُ غَيْرُهُ، كَما قالَ الحَسَنُ: (إنَّ المُؤْمِنَ مَن رُزِقَ حَلاوَةً ومَهابَةً) وقال في (الوابل الصيب) والصواب: أنه عائد إلى «الروح» أي جعلنا الذي أوحيناه إليك نورا، فسماه روحا لما يحصل به من الحياة الطيبة، والعلم والقوة. وجعله نورا لما يحصل به من الإشراق والإضاءة، وهما متلازمان. فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الإضاءة والاستنارة، وحيث وجدت الاستنارة والإضاءة وجدت الحياة. فمن لم يقبل قلبه هذا الروح فهو ميت مظلم، كما أن من فارق بدنه روح الحياة فهو هالك مضمحل. فلهذا يضرب سبحانه وتعالى المثلين المائي والناري لما يحصل بالماء من الحياة، وبالنار من الإشراق والنور، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة. وقال في (اجتماع الجيوش الإسلامية) وَقَدِ اخْتُلِفَ في مُفَسَّرِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ فَقِيلَ: هو الإيمانُ " لِكَوْنِهِ أقْرَبَ المَذْكُورِينَ. وَقِيلَ: هو الكِتابُ " فَإنَّهُ النُّورُ الَّذِي هَدى بِهِ عِبادَهُ. قالَ شَيْخُنا: والصَّوابُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الرُّوحِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ [الشورى: ٥٢] الآيَةَ، أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الرُّوحَ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا، فَسَمّى وحْيَهُ رُوحًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ والأرْواحِ الَّتِي هي الحَياةُ في الحَقِيقَةِ ومَن عَدِمَها فَهو مَيْتٌ لا حَيٌّ والحَياةُ الأبَدِيَّةُ السَّرْمَدِيَّةُ في دارِ النَّعِيمِ هي ثَمَرَةُ حَياةِ القَلْبِ بِهَذا الرُّوحِ الَّذِي أوْحى إلى رَسُولِهِ ﷺ فَمَن لَمْ يَحْيا بِهِ في الدُّنْيا فَهو مِمَّنْ لَهُ جَهَنَّمُ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا وأعْظَمُ النّاسِ حَياةً في الدُّورِ الثَّلاثِ، دارِ الدُّنْيا، ودارِ البَرْزَخِ، ودارِ الجَزاءِ، أعْظَمُهم نَصِيبًا مِن هَذِهِ الحَياةِ بِهَذِهِ الرُّوحِ. وَسَمّاهُ رُوحًا في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] وَقالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. وَسَمّاهُ نُورًا لِما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ اسْتِنارَةِ القُلُوبِ وإضاءَتِها وكَمالِ الرُّوحِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: بِالحَياةِ والنُّورِ. ولا سَبِيلَ إلَيْهِما إلّا عَلى أيْدِي الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ والِاهْتِداءِ بِما بُعِثُوا بِهِ وتَلَقِّي العِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِن مِشْكاتِهِمْ وإلّا فالرُّوحُ مَيْتَةٌ مُظْلِمَةٌ، فَإنْ كانَ العَبْدُ مُشارًا إلَيْهِ بِالزُّهْدِ والفِقْهِ والفَضِيلَةِ والكَلامِ والبُحُوثِ فَإنَّ الحَياةَ والِاسْتِنارَةَ بِالرُّوحِ الَّذِي أوْحاهُ اللَّهُ تَعالى إلى رَسُولِهِ ﷺ وجَعَلَهُ نُورًا يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَيْسَ العِلْمُ كَثْرَةَ النَّقْلِ والبَحْثِ والكَلامِ، ولَكِنْ نُورٌ يَمِيزُ بِهِ صَحِيحَ الأقْوالِ مِن سَقِيمِها، وحَقِّها مِن باطِلِها، وما هو مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ مِمّا هو مِن آراءِ الرِّجالِ ويَمِيزُ النَّقْدَ الَّذِي عَلَيْهِ سِكَّةُ المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ثَمَنًا لِجَنَّتِهِ سِواهُ مِنَ النَّقْدِ الَّذِي عَلَيْهِ " سِكَّةُ " جَنْكِيزْخانْ ونُوّابِهِ مِنَ الفَلاسِفَةِ والجَهْمِيَّةِ، والمُعْتَزِلَةِ وكُلِّ مَنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ سِكَّةً وضَرْبًا ونَقْدًا يُرَوِّجُهُ بَيْنَ العالَمِ فَهَذِهِ الأثْمانُ كُلُّها زُيُوفٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ثَمَنِ جَنَّتِهِ شَيْئًا مِنها بَلْ تُرَدُّ عَلى عامِلِها أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْها وتَكُونُ مِنَ الأعْمالُ الَّتِي قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها فَجَعَلَها هَباءً مَنثُورًا ولِصاحِبِها نَصِيبٌ وافِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣] وَهَذا حالُ أرْبابِ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ عَلى غَيْرِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحالُ أرْبابِ العُلُومِ والأنْظارِ الَّتِي لَمْ يَتَلَقَّوْها عَنْ مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنْ تَلَقَّوْها عَنْ زُبالَةِ أذْهانِ الرِّجالِ وكُناسَةِ أفْكارِهِمْ فَأتْبَعُوا قُواهم وأفْكارَهم وأذْهانَهم في تَقْرِيرِ آراءِ الرِّجالِ أوِ الِانْتِصارِ لَهُمْ، وفَهْمِ ما قالُوهُ وبَثِّهِ في المَجالِسِ والمَحاضِرِ، وأعْرَضُوا عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَفْحًا، ومَن بِهِ رَمَقٌ مِنهم يُعِيرُهُ أدْنى التِفاتٍ طَلَبًا لِلْفَضِيلَةِ. (فصل) وَكَمَّلَ اللَّهُ لَهُ ﷺ مِن مَراتِبَ الوَحْيِ مَراتِبَ عَدِيدَةً: إحْداها: الرُّؤْيا الصّادِقَةُ، وكانَتْ مَبْدَأ وحْيِهِ ﷺ، وكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. الثّانِيَةُ: ما كانَ يُلْقِيهِ المَلَكُ في رَوْعِهِ وقَلْبِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رَوْعِي أنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ عَلى أنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ لا يُنالُ إلّا بِطاعَتِهِ». الثّالِثَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ رَجُلًا فَيُخاطِبَهُ حَتّى يَعِيَ عَنْهُ ما يَقُولُ لَهُ، وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ كانَ يَراهُ الصَّحابَةُ أحْيانًا. الرّابِعَةُ: أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِ في مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وكانَ أشَدَّهُ عَلَيْهِ، فَيَتَلَبَّسُ بِهِ المَلَكُ حَتّى إنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، وحَتّى إنَّ راحِلَتَهُ لِتَبْرُكُ بِهِ إلى الأرْضِ إذا كانَ راكِبَها. ولَقَدْ جاءَ الوَحْيُ مَرَّةً كَذَلِكَ وفَخِذُهُ عَلى فَخِذِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ حَتّى كادَتْ تَرُضُّها. الخامِسَةُ: أنَّهُ يَرى المَلَكَ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها، فَيُوحِي إلَيْهِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُوحِيَهُ، وهَذا وقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ كَما ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ في [النجم: ٧،: ١٣]. السّادِسَةُ: ما أوْحاهُ اللَّهُ وهو فَوْقَ السَّماواتِ لَيْلَةَ المِعْراجِ مِن فَرْضِ الصَّلاةِ وغَيْرِها. السّابِعَةُ: كَلامُ اللَّهِ لَهُ مِنهُ إلَيْهِ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بْنَ عِمْرانَ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي ثابِتَةٌ لِمُوسى قَطْعًا بِنَصِّ القُرْآنِ، وثُبُوتُها لِنَبِيِّنا ﷺ هو في حَدِيثِ الإسْراءِ. وَقَدْ زادَ بَعْضُهم مَرْتَبَةً ثامِنَةً، وهي تَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ كِفاحًا مِن غَيْرِ حِجابٍ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ ﷺ رَأى رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وإنْ كانَ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ بَلْ كُلُّهم مَعَ عائشة كَما حَكاهُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ إجْماعًا لِلصَّحابَةِ.

الزخرف 43:3

قال ابن عباس: "في اللوح المحفوظ المقري عندنا" قال مقاتل: "إن نسخته في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وأم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله" والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب. وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله، فكتب في اللوح أفعاله وكلامه. فـ ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب. وقوله ﴿لدينا﴾ يجوز فيه أن تكون من صلة ﴿أم الكتاب﴾ أي أنه في الكتاب الذي عندنا. وهذا اختيار ابن عباس. ويجوز أن يكون من صلة الخبر أنه ﴿عليّ حكيم﴾ عندنا ليس هو كما عند المكذبين به. أي وإن كذبتم به وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف والإحكام.

الزخرف 43:4

قال ابن عباس: "في اللوح المحفوظ المقري عندنا" قال مقاتل: "إن نسخته في أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وأم الكتاب أصل الكتاب وأم كل شيء أصله" والقرآن كتبه الله في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب. وقد دل القرآن على أن الرب تعالى كتب في أم الكتاب ما يفعله وما يقوله، فكتب في اللوح أفعاله وكلامه. فـ ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ في اللوح المحفوظ قبل وجود أبي لهب. وقوله ﴿لدينا﴾ يجوز فيه أن تكون من صلة ﴿أم الكتاب﴾ أي أنه في الكتاب الذي عندنا. وهذا اختيار ابن عباس. ويجوز أن يكون من صلة الخبر أنه ﴿عليّ حكيم﴾ عندنا ليس هو كما عند المكذبين به. أي وإن كذبتم به وكفرتم فهو عندنا في غاية الارتفاع والشرف والإحكام.

الزخرف 43:12

(فصل) ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في إعطائه سُبْحانَهُ بَهِيمَة الأنعام الأسماع والأبصار ليتم تناولها لمصالحها ويكمل انْتِفاع الإنسان بها، إذْ لَو كانَت عمياء أوْ صماء لم يتَمَكَّن من الِانْتِفاع بها. ثمَّ سلبها العُقُول على كبر خلقها الَّتِي للإنسان ليتم تسخيره إياها، فيقودها ويصرفها حَيْثُ شاءَ. وَلَو أُعطيت العُقُول على كبر خلقها لامتنعت من طاعَته، واستعصت عَلَيْهِ، ولم تكن مسخرة لَهُ، فَأعْطيت من التَّمْيِيز والإدراك ما تتمّ بِهِ مصلحتها، ومصلحة من ذَلِك لَهُ، وسلبت من الذِّهْن والعقل ما ميز بِهِ عَلَيْها الإنسان، وليظهر أيضا فَضِيلَة التَّمْيِيز والاختصاص. ثمَّ تَأمل كَيفَ قادها وذللها على كبر أجسامها، ولم يكن يطيقها لَوْلا تسخيره قالَ الله تَعالى ﴿وَجعل لكم من الفلك والأنعام ما تَرْكَبُونَ لتستووا على ظُهُوره ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقولُوا سُبْحانَ الَّذِي سخر لنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقرنين﴾ أي مطيقين ضابطين وقالَ تَعالى ﴿أولم يرَوا أنا خلقنا لَهُم مِمّا عملت أيْدِينا أنعاما فهم لَها مالكون وذللناها لَهُم فَمِنها ركوبهم ومِنها يَأْكُلُون﴾ فترى البَعِير على عظم خلقته يَقُودهُ الصَّبِي الصَّغِير ذليلا منقادا، ولَو أرسل عَلَيْهِ لسواه بالأرض ولفصله عضوا عضوا، فسل المُعَطل من الَّذِي ذلله وسخره وقاده على قوته لبشر ضَعِيف من أضعف المَخْلُوقات وفرغ بذلك التسخير النَّوْع الإنساني لمصالح معاشه ومعاده، فَإنَّهُ لَو كانَ يزاول من الأعمال والأحمال ما يزاول الحَيَوان لشغل بذلك عَن كثير من الأعمال، لأنه كانَ يحْتاج مَكان الجمل الواحِد إلى عدَّة أناسي يحملون أثقاله وحمله ويعجزون عَن ذَلِك، وكانَ ذَلِك يستفرغ أوقاتهم ويصدهم عَن مصالحهم فأعينوا بِهَذِهِ الحَيَوانات مَعَ ما لهم فِيها من المَنافِع الَّتِي لا يحصيها إلا الله من الغذاء والشراب والدواء واللباس والامتعة والآلات والأواني والرُّكُوب والحرث والمَنافِع الكَثِيرَة والجمال. ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في أن جعل ظُهُور الدَّوابّ مبسوطة كَأنَّها سقف على عمد القوائم ليتهيأ ركُوبها وتستقر الحمولة عَلَيْها. ثمَّ خُولِفَ هَذا في الإبل فَجعل ظُهُورها مسنمة معقودة كالقبو، لما خصت بِهِ من فضل القُوَّة وعظم ما تحمله والأقباء تحمل أكثر مِمّا تحمل السقوف حَتّى قيل إن عقد الأقباء إنَّما أخذ من ظُهُور الإبل. وَتَأمل كَيفَ لما طول قَوائِم البَعِير طول عُنُقه ليتناول المرعى من قيام، فَلَو قصرت عُنُقه لم يُمكنهُ ذَلِك مَعَ طول قوائمه، وليكون أيضا طول عُنُقه موازنا للْحَمْل على ظَهره إذا اسْتَقل بِهِ، كَما ترى طول قَصَبَة القبان حَتّى قيل إن القبان إنَّما عمل من خلقه الجمل من طول عُنُقه وثقل ما يحملهُ، ولِهَذا تراهُ يمد عُنُقه إذا اسْتَقل بِالحملِ كَأنَّهُ يوازنه موازنه.

الزخرف 43:13

(فصل) ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في إعطائه سُبْحانَهُ بَهِيمَة الأنعام الأسماع والأبصار ليتم تناولها لمصالحها ويكمل انْتِفاع الإنسان بها، إذْ لَو كانَت عمياء أوْ صماء لم يتَمَكَّن من الِانْتِفاع بها. ثمَّ سلبها العُقُول على كبر خلقها الَّتِي للإنسان ليتم تسخيره إياها، فيقودها ويصرفها حَيْثُ شاءَ. وَلَو أُعطيت العُقُول على كبر خلقها لامتنعت من طاعَته، واستعصت عَلَيْهِ، ولم تكن مسخرة لَهُ، فَأعْطيت من التَّمْيِيز والإدراك ما تتمّ بِهِ مصلحتها، ومصلحة من ذَلِك لَهُ، وسلبت من الذِّهْن والعقل ما ميز بِهِ عَلَيْها الإنسان، وليظهر أيضا فَضِيلَة التَّمْيِيز والاختصاص. ثمَّ تَأمل كَيفَ قادها وذللها على كبر أجسامها، ولم يكن يطيقها لَوْلا تسخيره قالَ الله تَعالى ﴿وَجعل لكم من الفلك والأنعام ما تَرْكَبُونَ لتستووا على ظُهُوره ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقولُوا سُبْحانَ الَّذِي سخر لنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقرنين﴾ أي مطيقين ضابطين وقالَ تَعالى ﴿أولم يرَوا أنا خلقنا لَهُم مِمّا عملت أيْدِينا أنعاما فهم لَها مالكون وذللناها لَهُم فَمِنها ركوبهم ومِنها يَأْكُلُون﴾ فترى البَعِير على عظم خلقته يَقُودهُ الصَّبِي الصَّغِير ذليلا منقادا، ولَو أرسل عَلَيْهِ لسواه بالأرض ولفصله عضوا عضوا، فسل المُعَطل من الَّذِي ذلله وسخره وقاده على قوته لبشر ضَعِيف من أضعف المَخْلُوقات وفرغ بذلك التسخير النَّوْع الإنساني لمصالح معاشه ومعاده، فَإنَّهُ لَو كانَ يزاول من الأعمال والأحمال ما يزاول الحَيَوان لشغل بذلك عَن كثير من الأعمال، لأنه كانَ يحْتاج مَكان الجمل الواحِد إلى عدَّة أناسي يحملون أثقاله وحمله ويعجزون عَن ذَلِك، وكانَ ذَلِك يستفرغ أوقاتهم ويصدهم عَن مصالحهم فأعينوا بِهَذِهِ الحَيَوانات مَعَ ما لهم فِيها من المَنافِع الَّتِي لا يحصيها إلا الله من الغذاء والشراب والدواء واللباس والامتعة والآلات والأواني والرُّكُوب والحرث والمَنافِع الكَثِيرَة والجمال. ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في أن جعل ظُهُور الدَّوابّ مبسوطة كَأنَّها سقف على عمد القوائم ليتهيأ ركُوبها وتستقر الحمولة عَلَيْها. ثمَّ خُولِفَ هَذا في الإبل فَجعل ظُهُورها مسنمة معقودة كالقبو، لما خصت بِهِ من فضل القُوَّة وعظم ما تحمله والأقباء تحمل أكثر مِمّا تحمل السقوف حَتّى قيل إن عقد الأقباء إنَّما أخذ من ظُهُور الإبل. وَتَأمل كَيفَ لما طول قَوائِم البَعِير طول عُنُقه ليتناول المرعى من قيام، فَلَو قصرت عُنُقه لم يُمكنهُ ذَلِك مَعَ طول قوائمه، وليكون أيضا طول عُنُقه موازنا للْحَمْل على ظَهره إذا اسْتَقل بِهِ، كَما ترى طول قَصَبَة القبان حَتّى قيل إن القبان إنَّما عمل من خلقه الجمل من طول عُنُقه وثقل ما يحملهُ، ولِهَذا تراهُ يمد عُنُقه إذا اسْتَقل بِالحملِ كَأنَّهُ يوازنه موازنه.

الزخرف 43:14

(فصل) ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في إعطائه سُبْحانَهُ بَهِيمَة الأنعام الأسماع والأبصار ليتم تناولها لمصالحها ويكمل انْتِفاع الإنسان بها، إذْ لَو كانَت عمياء أوْ صماء لم يتَمَكَّن من الِانْتِفاع بها. ثمَّ سلبها العُقُول على كبر خلقها الَّتِي للإنسان ليتم تسخيره إياها، فيقودها ويصرفها حَيْثُ شاءَ. وَلَو أُعطيت العُقُول على كبر خلقها لامتنعت من طاعَته، واستعصت عَلَيْهِ، ولم تكن مسخرة لَهُ، فَأعْطيت من التَّمْيِيز والإدراك ما تتمّ بِهِ مصلحتها، ومصلحة من ذَلِك لَهُ، وسلبت من الذِّهْن والعقل ما ميز بِهِ عَلَيْها الإنسان، وليظهر أيضا فَضِيلَة التَّمْيِيز والاختصاص. ثمَّ تَأمل كَيفَ قادها وذللها على كبر أجسامها، ولم يكن يطيقها لَوْلا تسخيره قالَ الله تَعالى ﴿وَجعل لكم من الفلك والأنعام ما تَرْكَبُونَ لتستووا على ظُهُوره ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقولُوا سُبْحانَ الَّذِي سخر لنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقرنين﴾ أي مطيقين ضابطين وقالَ تَعالى ﴿أولم يرَوا أنا خلقنا لَهُم مِمّا عملت أيْدِينا أنعاما فهم لَها مالكون وذللناها لَهُم فَمِنها ركوبهم ومِنها يَأْكُلُون﴾ فترى البَعِير على عظم خلقته يَقُودهُ الصَّبِي الصَّغِير ذليلا منقادا، ولَو أرسل عَلَيْهِ لسواه بالأرض ولفصله عضوا عضوا، فسل المُعَطل من الَّذِي ذلله وسخره وقاده على قوته لبشر ضَعِيف من أضعف المَخْلُوقات وفرغ بذلك التسخير النَّوْع الإنساني لمصالح معاشه ومعاده، فَإنَّهُ لَو كانَ يزاول من الأعمال والأحمال ما يزاول الحَيَوان لشغل بذلك عَن كثير من الأعمال، لأنه كانَ يحْتاج مَكان الجمل الواحِد إلى عدَّة أناسي يحملون أثقاله وحمله ويعجزون عَن ذَلِك، وكانَ ذَلِك يستفرغ أوقاتهم ويصدهم عَن مصالحهم فأعينوا بِهَذِهِ الحَيَوانات مَعَ ما لهم فِيها من المَنافِع الَّتِي لا يحصيها إلا الله من الغذاء والشراب والدواء واللباس والامتعة والآلات والأواني والرُّكُوب والحرث والمَنافِع الكَثِيرَة والجمال. ثمَّ تَأمل الحِكْمَة البالِغَة في أن جعل ظُهُور الدَّوابّ مبسوطة كَأنَّها سقف على عمد القوائم ليتهيأ ركُوبها وتستقر الحمولة عَلَيْها. ثمَّ خُولِفَ هَذا في الإبل فَجعل ظُهُورها مسنمة معقودة كالقبو، لما خصت بِهِ من فضل القُوَّة وعظم ما تحمله والأقباء تحمل أكثر مِمّا تحمل السقوف حَتّى قيل إن عقد الأقباء إنَّما أخذ من ظُهُور الإبل. وَتَأمل كَيفَ لما طول قَوائِم البَعِير طول عُنُقه ليتناول المرعى من قيام، فَلَو قصرت عُنُقه لم يُمكنهُ ذَلِك مَعَ طول قوائمه، وليكون أيضا طول عُنُقه موازنا للْحَمْل على ظَهره إذا اسْتَقل بِهِ، كَما ترى طول قَصَبَة القبان حَتّى قيل إن القبان إنَّما عمل من خلقه الجمل من طول عُنُقه وثقل ما يحملهُ، ولِهَذا تراهُ يمد عُنُقه إذا اسْتَقل بِالحملِ كَأنَّهُ يوازنه موازنه.

الزخرف 43:17

احتج سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن أحدهم لا يرضى بالبنات، وإذا بشر بالأنثى حصل له من الحزن والكآبة ما ظهر منه السواد على وجهه، فإذا كان أحدكم لا يرضى بالإناث بناتا، فكيف تجعلونها لي؟! كما قال تعالى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] ثم ذكر سبحانه ضعف هذا الجنس الذي جعلوه له وأنه أنقص الجنسين ولهذا يحتاج في كماله إلى الحلية وأضعفهما بيانا فقال تعالى ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] فأشار بنشأتهن في الحلية إلى أنهن ناقصات فيحتجن إلى حلية يكملن بها، وأنهن عييات فلا يبن عن حجتهن وقت الخصومة. مع أن في قوله ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ تعريضا بما وضعت له الحلية من التزين لمن يفترشهن ويطأهن وتعريضا بأنهم لا ينشأن في الحرب والطعان والشجاعة فذكر الحلية التي هي علامة الضعف والعجز والوهن.

الزخرف 43:18

احتج سبحانه على هؤلاء الذين جعلوا له البنات بأن أحدهم لا يرضى بالبنات، وإذا بشر بالأنثى حصل له من الحزن والكآبة ما ظهر منه السواد على وجهه، فإذا كان أحدكم لا يرضى بالإناث بناتا، فكيف تجعلونها لي؟! كما قال تعالى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] ثم ذكر سبحانه ضعف هذا الجنس الذي جعلوه له وأنه أنقص الجنسين ولهذا يحتاج في كماله إلى الحلية وأضعفهما بيانا فقال تعالى ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] فأشار بنشأتهن في الحلية إلى أنهن ناقصات فيحتجن إلى حلية يكملن بها، وأنهن عييات فلا يبن عن حجتهن وقت الخصومة. مع أن في قوله ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ تعريضا بما وضعت له الحلية من التزين لمن يفترشهن ويطأهن وتعريضا بأنهم لا ينشأن في الحرب والطعان والشجاعة فذكر الحلية التي هي علامة الضعف والعجز والوهن.

الزخرف 43:26

وَقالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ أيْ جَعَلَ هَذِهِ المُوالاةَ لِلَّهِ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَتَوارَثُها الأنْبِياءُ وأتْباعُهم بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ وهي كَلِمَةُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهي الَّتِي ورَّثَها إمامُ الحُنَفاءِ لِأتْباعِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الزخرف 43:27

وَقالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ أيْ جَعَلَ هَذِهِ المُوالاةَ لِلَّهِ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَتَوارَثُها الأنْبِياءُ وأتْباعُهم بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ وهي كَلِمَةُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهي الَّتِي ورَّثَها إمامُ الحُنَفاءِ لِأتْباعِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الزخرف 43:28

وَقالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ أيْ جَعَلَ هَذِهِ المُوالاةَ لِلَّهِ، والبَراءَةَ مِن كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَتَوارَثُها الأنْبِياءُ وأتْباعُهم بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ وهي كَلِمَةُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهي الَّتِي ورَّثَها إمامُ الحُنَفاءِ لِأتْباعِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الزخرف 43:31

فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ، بَلْ إلى الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومُدَدِ آجالِهِمْ، وكَذَلِكَ هو الَّذِي يَقْسِمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ، وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، وقَسَمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ، فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ، وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ دُونَ غَيْرِهِ.

الزخرف 43:32

فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ تَخَيُّرَهم عَلَيْهِ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمْ، بَلْ إلى الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهم مَعايِشَهُمُ المُتَضَمِّنَةَ لِأرْزاقِهِمْ ومُدَدِ آجالِهِمْ، وكَذَلِكَ هو الَّذِي يَقْسِمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أهْلِ الفَضْلِ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَواقِعِ الِاخْتِيارِ، ومَن يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لا يَصْلُحُ، وهو الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، وقَسَمَ بَيْنَهم مَعايِشَهم ودَرَجاتِ التَّفْضِيلِ، فَهو القاسِمُ ذَلِكَ وحْدَهُ لا غَيْرُهُ، وهَكَذا هَذِهِ الآيَةُ بَيَّنَ فِيها انْفِرادَهُ بِالخَلْقِ والِاخْتِيارِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِمَواقِعِ اخْتِيارِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفائِهِ وكَرامَتِهِ وتَخْصِيصِهِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ دُونَ غَيْرِهِ.

الزخرف 43:33

(فصل) الزّهْد أقسام: زهد في الحَرام وهو فرض عين. وزهد في الشُّبُهات وهو بِحَسب مَراتِب الشُّبْهَة فَإن قويت التحقت بِالواجِبِ، وإن ضعفت كانَ مُسْتَحبا. وزهد في الفضول. وزهد فِيما لا يَعْنِي من الكَلام والنَّظَر والسُّؤال واللقاء وغَيره. وزهد في النّاس، وزهد في النَّفس بِحَيْثُ تهون عَلَيْهِ نَفسه في الله. وزهد جامع لذَلِك كُله وهو الزّهْد فِيما سوى الله، وفي كل ما شغلك عَنهُ. وَأفضل الزّهْد إخفاء الزّهْد، وأصعبه الزّهْد في الحظوظ، والفرق بَينه وبَين الوَرع أن الزّهْد ترك ما لا ينفع في الآخِرَة. والورع ترك ما يخْشى ضَرَره في الآخِرَة والقلب المُعَلق بالشهوات لا يَصح لَهُ زهد ولا ورع. قالَ يحيى بن معاذ عجبت من ثَلاث: رجل يرائي بِعَمَلِهِ مخلوقا مثله ويتْرك أن يعمله الله، ورجل يبخل بِمالِه وربه يستقرضه مِنهُ فَلا يقْرضهُ مِنهُ شَيْئا، ورجل يرغب في صُحْبَة المخلوقين ومودتهم والله يَدعُوهُ إلى صحبته ومودته. (فائدة) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُتابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وأنْتَ مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فاحْذَرْهُ؛ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ مِنهُ يَسْتَدْرِجُكَ بِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ - ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ - وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣-٣٥].

الزخرف 43:34

(فصل) الزّهْد أقسام: زهد في الحَرام وهو فرض عين. وزهد في الشُّبُهات وهو بِحَسب مَراتِب الشُّبْهَة فَإن قويت التحقت بِالواجِبِ، وإن ضعفت كانَ مُسْتَحبا. وزهد في الفضول. وزهد فِيما لا يَعْنِي من الكَلام والنَّظَر والسُّؤال واللقاء وغَيره. وزهد في النّاس، وزهد في النَّفس بِحَيْثُ تهون عَلَيْهِ نَفسه في الله. وزهد جامع لذَلِك كُله وهو الزّهْد فِيما سوى الله، وفي كل ما شغلك عَنهُ. وَأفضل الزّهْد إخفاء الزّهْد، وأصعبه الزّهْد في الحظوظ، والفرق بَينه وبَين الوَرع أن الزّهْد ترك ما لا ينفع في الآخِرَة. والورع ترك ما يخْشى ضَرَره في الآخِرَة والقلب المُعَلق بالشهوات لا يَصح لَهُ زهد ولا ورع. قالَ يحيى بن معاذ عجبت من ثَلاث: رجل يرائي بِعَمَلِهِ مخلوقا مثله ويتْرك أن يعمله الله، ورجل يبخل بِمالِه وربه يستقرضه مِنهُ فَلا يقْرضهُ مِنهُ شَيْئا، ورجل يرغب في صُحْبَة المخلوقين ومودتهم والله يَدعُوهُ إلى صحبته ومودته. (فائدة) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُتابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وأنْتَ مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فاحْذَرْهُ؛ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ مِنهُ يَسْتَدْرِجُكَ بِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ - ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ - وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣-٣٥].

الزخرف 43:35

(فصل) الزّهْد أقسام: زهد في الحَرام وهو فرض عين. وزهد في الشُّبُهات وهو بِحَسب مَراتِب الشُّبْهَة فَإن قويت التحقت بِالواجِبِ، وإن ضعفت كانَ مُسْتَحبا. وزهد في الفضول. وزهد فِيما لا يَعْنِي من الكَلام والنَّظَر والسُّؤال واللقاء وغَيره. وزهد في النّاس، وزهد في النَّفس بِحَيْثُ تهون عَلَيْهِ نَفسه في الله. وزهد جامع لذَلِك كُله وهو الزّهْد فِيما سوى الله، وفي كل ما شغلك عَنهُ. وَأفضل الزّهْد إخفاء الزّهْد، وأصعبه الزّهْد في الحظوظ، والفرق بَينه وبَين الوَرع أن الزّهْد ترك ما لا ينفع في الآخِرَة. والورع ترك ما يخْشى ضَرَره في الآخِرَة والقلب المُعَلق بالشهوات لا يَصح لَهُ زهد ولا ورع. قالَ يحيى بن معاذ عجبت من ثَلاث: رجل يرائي بِعَمَلِهِ مخلوقا مثله ويتْرك أن يعمله الله، ورجل يبخل بِمالِه وربه يستقرضه مِنهُ فَلا يقْرضهُ مِنهُ شَيْئا، ورجل يرغب في صُحْبَة المخلوقين ومودتهم والله يَدعُوهُ إلى صحبته ومودته. (فائدة) قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُتابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وأنْتَ مُقِيمٌ عَلى مَعاصِيهِ فاحْذَرْهُ؛ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ مِنهُ يَسْتَدْرِجُكَ بِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ - ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ - وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣-٣٥].

الزخرف 43:36

فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن عَشِيَ عَنْ ذِكْرِهِ، وهو كِتابُهُ الَّذِي أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، وعَمِيَ عَنْهُ، وعَشَتْ بَصِيرَتُهُ عَنْ فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ ومَعْرِفَةِ مُرادِ اللَّهِ مِنهُ - قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ شَيْطانًا عُقُوبَةً لَهُ بِإعْراضِهِ عَنْ كِتابِهِ، فَهو قَرِينُهُ الَّذِي لا يُفارِقُهُ في الإقامَةِ ولا في المَسِيرِ، ومَوْلاهُ وعَشِيرُهُ الَّذِي هو بِئْسَ المَوْلى وبِئْسَ العَشِيرُ. ؎رَضِيعا لِبانِ ثَدْيِ أُمٍّ تَقاسَما ∗∗∗ بِأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الشَّيْطانَ يَصُدُّ قَرِينَهُ ووَلِيَّهُ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ وإلى جَنَّتِهِ، ويَحْسَبُ هَذا الضّالُّ المَصْدُودُ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ هُدًى، حَتّى إذا جاءَ القَرِينانِ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ كُنْتَ لِي في الدُّنْيا، أضْلَلْتَنِي. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فقطع الله سبحانه انتفاعهم بتأسي بعضهم ببعض في العذاب، فإن مصائب الدنيا إذا عمت صارت مسلاة، وتأسى بعض المصابين ببعض كما قالت الخنساء: ؎وَلَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وَما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فهذا الروح الحاصل من التأسي معدوم بين المشتركين في العذاب يوم القيامة. (فائِدَة جليلة) إذا أصبح العَبْد وأمسى ولَيْسَ همه إلّا الله وحده تحمل الله سُبْحانَهُ حَوائِجه كلها وحمل عَنهُ كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسى والدُّنْيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نَفسه فشغل قلبه عَن محبته بمحبة الخلق ولسانه عَن ذكره بذكرهم وجوارحه عَن طاعَته بخدمتهم وأشغالهم فَهو يكدح كدح الوَحْش في خدمَة غَيره كالكير ينْفخ بَطْنه ويعصر أضلاعه في نفع غَيره لكل من أعرض عَن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قالَ تَعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ قالَ سُفْيان بن عُيَيْنَة لا تأتون بِمثل مَشْهُور للْعَرَب إلّا جِئتُكم بِهِ من القُرْآن. فَقالَ لَهُ قائِل فَأيْنَ في القُرْآن أعْط أخاك تَمْرَة فَإن لم يقبل فأعطه جَمْرَة فَقالَ في قَوْله ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ الآيَة. عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَنِي، وصَدَدْتَنِي عَنِ الحَقِّ وأغْوَيْتَنِي حَتّى هَلَكْتُ، وبِئْسَ القَرِينُ أنْتَ لِي اليَوْمَ. وَلَمّا كانَ المُصابُ إذا شارَكَهُ غَيْرُهُ في مُصِيبَةٍ، حَصَلَ لَهُ بِالتَّأسِّي نَوْعُ تَخْفِيفٍ وتَسْلِيَةٍ، أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ وغَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ المُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، وأنَّ القَرِينَ لا يَجِدُ راحَةً ولا أدْنى فَرَحٍ بِعَذابِ قَرِينِهِ مَعَهُ، وإنْ كانَتِ المَصائِبُ في الدُّنْيا إذا عَمَّتْ صارَتْ مَسْلاةً. فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا القَدْرَ مِنَ الرّاحَةِ عَلى أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]

الزخرف 43:37

فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن عَشِيَ عَنْ ذِكْرِهِ، وهو كِتابُهُ الَّذِي أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، وعَمِيَ عَنْهُ، وعَشَتْ بَصِيرَتُهُ عَنْ فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ ومَعْرِفَةِ مُرادِ اللَّهِ مِنهُ - قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ شَيْطانًا عُقُوبَةً لَهُ بِإعْراضِهِ عَنْ كِتابِهِ، فَهو قَرِينُهُ الَّذِي لا يُفارِقُهُ في الإقامَةِ ولا في المَسِيرِ، ومَوْلاهُ وعَشِيرُهُ الَّذِي هو بِئْسَ المَوْلى وبِئْسَ العَشِيرُ. ؎رَضِيعا لِبانِ ثَدْيِ أُمٍّ تَقاسَما ∗∗∗ بِأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الشَّيْطانَ يَصُدُّ قَرِينَهُ ووَلِيَّهُ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ وإلى جَنَّتِهِ، ويَحْسَبُ هَذا الضّالُّ المَصْدُودُ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ هُدًى، حَتّى إذا جاءَ القَرِينانِ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ كُنْتَ لِي في الدُّنْيا، أضْلَلْتَنِي. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فقطع الله سبحانه انتفاعهم بتأسي بعضهم ببعض في العذاب، فإن مصائب الدنيا إذا عمت صارت مسلاة، وتأسى بعض المصابين ببعض كما قالت الخنساء: ؎وَلَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وَما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فهذا الروح الحاصل من التأسي معدوم بين المشتركين في العذاب يوم القيامة. (فائِدَة جليلة) إذا أصبح العَبْد وأمسى ولَيْسَ همه إلّا الله وحده تحمل الله سُبْحانَهُ حَوائِجه كلها وحمل عَنهُ كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسى والدُّنْيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نَفسه فشغل قلبه عَن محبته بمحبة الخلق ولسانه عَن ذكره بذكرهم وجوارحه عَن طاعَته بخدمتهم وأشغالهم فَهو يكدح كدح الوَحْش في خدمَة غَيره كالكير ينْفخ بَطْنه ويعصر أضلاعه في نفع غَيره لكل من أعرض عَن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قالَ تَعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ قالَ سُفْيان بن عُيَيْنَة لا تأتون بِمثل مَشْهُور للْعَرَب إلّا جِئتُكم بِهِ من القُرْآن. فَقالَ لَهُ قائِل فَأيْنَ في القُرْآن أعْط أخاك تَمْرَة فَإن لم يقبل فأعطه جَمْرَة فَقالَ في قَوْله ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ الآيَة. عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَنِي، وصَدَدْتَنِي عَنِ الحَقِّ وأغْوَيْتَنِي حَتّى هَلَكْتُ، وبِئْسَ القَرِينُ أنْتَ لِي اليَوْمَ. وَلَمّا كانَ المُصابُ إذا شارَكَهُ غَيْرُهُ في مُصِيبَةٍ، حَصَلَ لَهُ بِالتَّأسِّي نَوْعُ تَخْفِيفٍ وتَسْلِيَةٍ، أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ وغَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ المُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، وأنَّ القَرِينَ لا يَجِدُ راحَةً ولا أدْنى فَرَحٍ بِعَذابِ قَرِينِهِ مَعَهُ، وإنْ كانَتِ المَصائِبُ في الدُّنْيا إذا عَمَّتْ صارَتْ مَسْلاةً. فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا القَدْرَ مِنَ الرّاحَةِ عَلى أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]

الزخرف 43:38

فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن عَشِيَ عَنْ ذِكْرِهِ، وهو كِتابُهُ الَّذِي أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، وعَمِيَ عَنْهُ، وعَشَتْ بَصِيرَتُهُ عَنْ فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ ومَعْرِفَةِ مُرادِ اللَّهِ مِنهُ - قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ شَيْطانًا عُقُوبَةً لَهُ بِإعْراضِهِ عَنْ كِتابِهِ، فَهو قَرِينُهُ الَّذِي لا يُفارِقُهُ في الإقامَةِ ولا في المَسِيرِ، ومَوْلاهُ وعَشِيرُهُ الَّذِي هو بِئْسَ المَوْلى وبِئْسَ العَشِيرُ. ؎رَضِيعا لِبانِ ثَدْيِ أُمٍّ تَقاسَما ∗∗∗ بِأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الشَّيْطانَ يَصُدُّ قَرِينَهُ ووَلِيَّهُ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ وإلى جَنَّتِهِ، ويَحْسَبُ هَذا الضّالُّ المَصْدُودُ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ هُدًى، حَتّى إذا جاءَ القَرِينانِ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ كُنْتَ لِي في الدُّنْيا، أضْلَلْتَنِي. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فقطع الله سبحانه انتفاعهم بتأسي بعضهم ببعض في العذاب، فإن مصائب الدنيا إذا عمت صارت مسلاة، وتأسى بعض المصابين ببعض كما قالت الخنساء: ؎وَلَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وَما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فهذا الروح الحاصل من التأسي معدوم بين المشتركين في العذاب يوم القيامة. (فائِدَة جليلة) إذا أصبح العَبْد وأمسى ولَيْسَ همه إلّا الله وحده تحمل الله سُبْحانَهُ حَوائِجه كلها وحمل عَنهُ كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسى والدُّنْيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نَفسه فشغل قلبه عَن محبته بمحبة الخلق ولسانه عَن ذكره بذكرهم وجوارحه عَن طاعَته بخدمتهم وأشغالهم فَهو يكدح كدح الوَحْش في خدمَة غَيره كالكير ينْفخ بَطْنه ويعصر أضلاعه في نفع غَيره لكل من أعرض عَن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قالَ تَعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ قالَ سُفْيان بن عُيَيْنَة لا تأتون بِمثل مَشْهُور للْعَرَب إلّا جِئتُكم بِهِ من القُرْآن. فَقالَ لَهُ قائِل فَأيْنَ في القُرْآن أعْط أخاك تَمْرَة فَإن لم يقبل فأعطه جَمْرَة فَقالَ في قَوْله ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ الآيَة. عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَنِي، وصَدَدْتَنِي عَنِ الحَقِّ وأغْوَيْتَنِي حَتّى هَلَكْتُ، وبِئْسَ القَرِينُ أنْتَ لِي اليَوْمَ. وَلَمّا كانَ المُصابُ إذا شارَكَهُ غَيْرُهُ في مُصِيبَةٍ، حَصَلَ لَهُ بِالتَّأسِّي نَوْعُ تَخْفِيفٍ وتَسْلِيَةٍ، أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ وغَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ المُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، وأنَّ القَرِينَ لا يَجِدُ راحَةً ولا أدْنى فَرَحٍ بِعَذابِ قَرِينِهِ مَعَهُ، وإنْ كانَتِ المَصائِبُ في الدُّنْيا إذا عَمَّتْ صارَتْ مَسْلاةً. فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا القَدْرَ مِنَ الرّاحَةِ عَلى أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]

الزخرف 43:39

فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن عَشِيَ عَنْ ذِكْرِهِ، وهو كِتابُهُ الَّذِي أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، وعَمِيَ عَنْهُ، وعَشَتْ بَصِيرَتُهُ عَنْ فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ ومَعْرِفَةِ مُرادِ اللَّهِ مِنهُ - قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ شَيْطانًا عُقُوبَةً لَهُ بِإعْراضِهِ عَنْ كِتابِهِ، فَهو قَرِينُهُ الَّذِي لا يُفارِقُهُ في الإقامَةِ ولا في المَسِيرِ، ومَوْلاهُ وعَشِيرُهُ الَّذِي هو بِئْسَ المَوْلى وبِئْسَ العَشِيرُ. ؎رَضِيعا لِبانِ ثَدْيِ أُمٍّ تَقاسَما ∗∗∗ بِأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الشَّيْطانَ يَصُدُّ قَرِينَهُ ووَلِيَّهُ عَنْ سَبِيلِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ وإلى جَنَّتِهِ، ويَحْسَبُ هَذا الضّالُّ المَصْدُودُ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ هُدًى، حَتّى إذا جاءَ القَرِينانِ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ كُنْتَ لِي في الدُّنْيا، أضْلَلْتَنِي. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فقطع الله سبحانه انتفاعهم بتأسي بعضهم ببعض في العذاب، فإن مصائب الدنيا إذا عمت صارت مسلاة، وتأسى بعض المصابين ببعض كما قالت الخنساء: ؎وَلَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ؎وَما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي فهذا الروح الحاصل من التأسي معدوم بين المشتركين في العذاب يوم القيامة. (فائِدَة جليلة) إذا أصبح العَبْد وأمسى ولَيْسَ همه إلّا الله وحده تحمل الله سُبْحانَهُ حَوائِجه كلها وحمل عَنهُ كل ما أهمه وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وجوارحه لطاعته وإن أصبح وأمسى والدُّنْيا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إلى نَفسه فشغل قلبه عَن محبته بمحبة الخلق ولسانه عَن ذكره بذكرهم وجوارحه عَن طاعَته بخدمتهم وأشغالهم فَهو يكدح كدح الوَحْش في خدمَة غَيره كالكير ينْفخ بَطْنه ويعصر أضلاعه في نفع غَيره لكل من أعرض عَن عبودية الله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته قالَ تَعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ قالَ سُفْيان بن عُيَيْنَة لا تأتون بِمثل مَشْهُور للْعَرَب إلّا جِئتُكم بِهِ من القُرْآن. فَقالَ لَهُ قائِل فَأيْنَ في القُرْآن أعْط أخاك تَمْرَة فَإن لم يقبل فأعطه جَمْرَة فَقالَ في قَوْله ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ الآيَة. عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَنِي، وصَدَدْتَنِي عَنِ الحَقِّ وأغْوَيْتَنِي حَتّى هَلَكْتُ، وبِئْسَ القَرِينُ أنْتَ لِي اليَوْمَ. وَلَمّا كانَ المُصابُ إذا شارَكَهُ غَيْرُهُ في مُصِيبَةٍ، حَصَلَ لَهُ بِالتَّأسِّي نَوْعُ تَخْفِيفٍ وتَسْلِيَةٍ، أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ وغَيْرُ حاصِلٍ في حَقِّ المُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، وأنَّ القَرِينَ لا يَجِدُ راحَةً ولا أدْنى فَرَحٍ بِعَذابِ قَرِينِهِ مَعَهُ، وإنْ كانَتِ المَصائِبُ في الدُّنْيا إذا عَمَّتْ صارَتْ مَسْلاةً. فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا القَدْرَ مِنَ الرّاحَةِ عَلى أهْلِ النّارِ فَقالَ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]

الزخرف 43:45

والمُرادُ بِسُؤالِهِمْ سُؤالُ أُمَمِهِمْ عَمّا جاءُوهم بِهِ هَلْ فِيهِ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهم أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِهِ إلَهٌ غَيْرُهُ؟ قالَ الفَرّاءُ: المُرادُ سُؤالُ أهْلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَيُخْبِرُونَهُ عَنْ كُتُبِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ. وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: التَّقْدِيرُ واسْألْ مَن أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وهم أهْلُ الكِتابِ. وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ وسَلْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ. وَعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فالمُرادُ التَّقْرِيرُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أنْكَرَ النُّبُوّاتِ والتَّوْحِيدَ، وأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رَسُولًا أوْ أنْزَلَ كِتابًا أوْ حَرَّمَ عِبادَةَ الأوْثانِ. فَشَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ بِهَذا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وهي مِن أعْلامِ صِحَّةِ رِسالَتِهِ ﷺ إذْ كانَ قَدْ جاءَ عَلى ما جاءَ بِهِ إخْوانُهُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ مِن رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ولا جاءَ بِضِدِّ ما جاءُوا بِهِ، بَلْ أخْبَرَ بِمِثْلِ ما أخْبَرُوا بِهِ مِن غَيْرِ شاهِدٍ ولا اقْتِرانٍ في الزَّمانِ وهَذِهِ مِن أعْظَمِ آياتِ صِدْقِهِ.

الزخرف 43:70

(فصل: في أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، وكذلك هم في النار) ثبت في الصحيحين من حديث أيوب بن محمد بن سيرين قال: إمّا تفاخروا وأما تذاكروا الرجال أكثر في الجنة الرجال أم النساء؟ فقال أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم ﷺ: "أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم" وما في الجنة عزب فإن كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال وإن كن من الحور العين لم يلزم أن يكن في الدنيا أكثر. والظاهر أنهن من الحور العين لما رواه الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " للرجال من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب" فإن قيل فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين حديث جابر المتفق عليه: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فصلى قبل أن يخطب بغير أذان ولا إقامة ثم خطب بعد ما صلى فوعظ الناس وذكرهم ثم أتى النساء فوعظهن ومعه بلال فذكرهن وأمرهن بالصدقة قال فجعلت المرأة تلقي خاتمها وخرصها والشيء كذلك فأمر النبي ﷺ بلالا فجمع ما هناك قال إن منكن في الجنة ليسير فقالت امرأة: يا رسول الله ﷺ لم؟ قال إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير" وفي الحديث الآخر: "إن أقل ساكني الجنة النساء" قيل: هذا يدل على أنهن إنما كن في الجنة أكثر بالحور العين التي خلقن في الجنة، وأقل ساكنيها نساء الدنيا فنساء الدنيا أقل أهل الجنة وأكثر أهل النار أما كونهن أكثر أهل النار فلما روى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين قال بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء". وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" وفي المسند أيضا من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء" وفي الصحيح من حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فأني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن خدلة: وما لنا يا رسول الله ﷺ أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن" قالت: يا رسول الله ﷺ وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل بشهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الأيام لا تصلي وتفطر فهذا نقصان الدين". وأما كونهن أقل أهل الجنة فهي إفراد مسلم عن مطرف بن عبد الله أنه كانت له امرأتان فجاء من عند إحداهما فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة فقال: جئت من عند عمران بن حصين فحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: "إن أقل ساكني الجنة النساء". فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو يعلي الموصلي حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد حدثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه فذكر حديثا طويلا وفيه: " فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله تعالى وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا" وذكر الحديث. قيل: هذا قطعة من حديث الصور الطويل ولا يعرف إلا من حديث إسماعيل بن رافع وقد ضعفه أحمد ويحيى وجماعة وقال الدارقطني وغيره متروك الحديث وقال ابن عدي أحاديثه كلها مما فيه نظر. وأما البخاري فقال فيه ما حكاه الترمذي عنه قال: سمعت محمدا يقول فيه: هو ثقة مقارب الحديث قلت: ولكن إذا روى مثل هذا ما يخالف الأحاديث الصحيحة لم يلتفت إلى روايته وأيضا فالرجل الذي روى عنه القرظي لا يدري من هو؟ وقد روى عنه أحمد في مسنده من حديث عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: كنا مع عمرو بن العاص في حج أو عمرة حتى إذا كنا بمر الظهران فإذا امرأة في هودجها قال: فمال فدخل الشعب فدخلنا معه فقال كنا مع رسول الله ﷺ في هذا المكان فإذا نحن بغربان كثيرة فيها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين فقال رسول الله "لا يدخل الجنة من النساء إلا مثل هذا الغراب في هذه الغربان" والأعصم من الغربان الذي في جناحه ريشة بيضاء. قال الجوهري: ويقال هذا كقولهم: الأبلق العقوق، وبيض الأنوق لكل شيء يعز وجوده وفي النهاية الغراب الأعصم هو الأبيض الجناحين وقيل الأبيض الرجل أراد قلة من يدخل الجنة من النساء لأن هذا الوصف في الغربان قليل عزيز وفي حديث آخر: "المرأة الصالحة مثل الغراب الأعصم" قيل: يا رسول الله وما الغراب الأعصم؟ يا رسول الله قال: "الذي إحدى رجليه بيضاء" وفي حديث آخر: "عائشة في النساء كالغراب الأعصم في الغربان"

الزخرف 43:71

قيل: يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة منها فيها لون ليس في الأخرى. والصحاف جمع صحفة. قال الكلبي بقصاع من ذهب وقال الليث الصحفة قصعة مسلنطحة عريضة الجمع صحاف قال الأعشى: ؎والمكاكيك والصحاف من الفضة ∗∗∗ والضامرات تحت الرجال وأما الأكواب فجمع كوب قال الفراء الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له وأنشد العدي: ؎متكئا تصفق أبوابه ∗∗∗ يسعى عليه العبد بالكوب وقال أبو عبيد: الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها. قال أبو إسحاق: واحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له. وقال ابن عباس هي الأباريق التي ليست لها آذان. وقال مقاتل هي أوان مستديرة الرأس ليس لها عرى. وقال البخاري في صحيحه الأكواب والأباريق التي لها خراطيم وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾. (فائدة) قال الإمام أحمد محمد بن إسحاق صاحب حديث يشتهى حديثه، وقد قال تعالى في الجنة ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ وهذا يعم كل ما تشتهيه الأنفس من مأكول ومشروب ومسموع ومرئي وغيره. (فصل: في زرع الجنة) قال تعالى: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يحدث يوما وعنده رجل من أهل البادية: "أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه عز وجل في الزرع. فقال له أولست فيما اشتهيت؟ فقال: بلى ولكني أحب أن أزرع، فأسرع وبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال، فيقول الله عز وجل: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء. فقال الأعرابي: يا رسول الله ﷺ: لا نجد هذا إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله" رواه البخاري في كتاب التوحيد في باب كلام الرب تعالى مع أهل الجنة، وخرجه في غيره أيضا. وهذا يدل على أن في الجنة زرعا، وذلك البذر منه. وهذا أحسن أن تكون الأرض معمورة بالشجر والزرع. فإن قيل: فكيف استأذن هذا الرجل ربه في الزرع فأخبره أنه في غنية عنه؟ قيل: لعله استأذنه في زرع يباشره ويزرعه بيده، وقد كان في غنية عنه، وقد كفي مؤونته. ولا أعلم ذكر الزرع في الجنة إلا في هذا الحديث. والله أعلم. وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينما رجل في الجنة فقال في نفسه "لو أن الله يأذن لي لزرعت، فلا يعلم إلا والملائكة على أبوابه فيقولون: سلام عليكم يقول لك ربك تمنيت في نفسك شيئا فقد علمته، وقد بعث الله معنا البذر، فيقول ابذروا فيخرج أمثال الجبال، فيقول له الرب من فوق عرشه "كل يا ابن آدم، فإن ابن آدم لا يشبع" والله أعلم.

الزخرف 43:72

اعلم أن الله سُبْحانَهُ جعل الجنَّة دار جَزاء وثواب، وقسم منازلها بَين أهلها على قدر أعمالهم، وعَلى هَذا خلقها سُبْحانَهُ لما لَهُ في ذَلِك من الحِكْمَة الَّتِي اقتضتها اسماؤه وصِفاته فإن الجنَّة دَرَجات بَعْضها فَوق بعض وبَين الدرجتين كَما بَين السَّماء والأرض كَما في الصَّحِيح عَن النَّبِي أنه قالَ أن الجنَّة مائَة دَرَجَة بَين كل دَرَجَتَيْنِ كَما بَين السَّماء والأرض وحِكْمَة الرب سُبْحانَهُ مقتضية لعمارة هَذِه الدَّرَجات كلها وإنَّما تعمر ويَقَع التَّفاوُت فِيها بِحَسب الأعمال كَما قالَ غير واحِد من السّلف ينجون من النّار بِعَفْو الله ومغفرته ويدخلون الجنَّة بفضله ونعمته ومغفرته ويتقاسمون المنازل بأعمالهم وعَلى هَذا حمل غير واحِد ما جاءَ من إثْبات دُخُول الجنَّة بالأعمال كَقوله تَعالى: ﴿وَتلك الجنَّة الَّتِي أورثتموها بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقوله تَعالى: ﴿ادخُلُوا الجنَّة بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ قالُوا وأما نفي دخولها بالأعمال كَما في قَوْله "لن يدْخل الجنَّة أحد بِعَمَلِهِ قالُوا ولا أنت يا رَسُول الله قالَ ولا أنا" فالمُراد بِهِ نفي أصل الدُّخُول وأحسن من هَذا أن يُقال الباء المُقْتَضِيَة للدخول غير الباء الَّتِي نفى مَعها الدُّخُول فالمقتضية هي باء السَّبَبِيَّة الدّالَّة على أن الأعمال سَبَب للدخول مقتضية لَهُ كاقتضاء سائِر الأسباب لمسبباتها والباء الَّتِي نفى بها الدُّخُول هي باء المُعاوضَة والمقابلة الَّتِي في نَحْو قَوْلهم اشْتريت هَذا بِهَذا فَأخْبر النَّبِي أن دُخُول الجنَّة لَيْسَ في مُقابلَة عمل أحد وأنه لَوْلا تغمد الله سُبْحانَهُ لعَبْدِهِ برحمته لما أدخلهُ الجنَّة فَلَيْسَ عمل العَبْد وإن تناهى مُوجبا بِمُجَرَّدِهِ لدُخُول الجنَّة ولا عوضا لَها، فَإن أعماله وإن وقعت مِنهُ على الوَجْه الَّذِي يُحِبهُ الله ويرضاه فَهي لا تقاوم نعْمَة الله الَّتِي أنْعم بها عَلَيْهِ في دار الدُّنْيا ولا تعادلها، بل لَو حاسبه لوقعت أعماله كلها في مُقابلَة اليَسِير من نعمه، وتبقى بَقِيَّة النعم مقتضية لشكرها، فَلَو عذبه في هَذِه الحالة لعذبه وهو غير ظالِم لَهُ، ولَو رَحمَه لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُ من عمله. كَما في السّنَن من حَدِيث زيد بن ثابت وحُذَيْفَة وغَيرهما مَرْفُوعا إلى النَّبِي أنه قالَ: "إن الله لَو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالِم لَهُم، ولَو رَحِمهم لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أعمالهم" والمَقْصُود أن حكمته سُبْحانَهُ اقْتَضَت خلق الجنَّة دَرَجات بَعْضها فَوق بعض، وعمارتها بِآدَم وذريته وإنْزالهمْ فِيها بِحَسب أعمالهم، ولازم هَذا إنزالهم إلى دار العَمَل والمجاهدة.

الزخرف 43:73

اعلم أن الله سُبْحانَهُ جعل الجنَّة دار جَزاء وثواب، وقسم منازلها بَين أهلها على قدر أعمالهم، وعَلى هَذا خلقها سُبْحانَهُ لما لَهُ في ذَلِك من الحِكْمَة الَّتِي اقتضتها اسماؤه وصِفاته فإن الجنَّة دَرَجات بَعْضها فَوق بعض وبَين الدرجتين كَما بَين السَّماء والأرض كَما في الصَّحِيح عَن النَّبِي أنه قالَ أن الجنَّة مائَة دَرَجَة بَين كل دَرَجَتَيْنِ كَما بَين السَّماء والأرض وحِكْمَة الرب سُبْحانَهُ مقتضية لعمارة هَذِه الدَّرَجات كلها وإنَّما تعمر ويَقَع التَّفاوُت فِيها بِحَسب الأعمال كَما قالَ غير واحِد من السّلف ينجون من النّار بِعَفْو الله ومغفرته ويدخلون الجنَّة بفضله ونعمته ومغفرته ويتقاسمون المنازل بأعمالهم وعَلى هَذا حمل غير واحِد ما جاءَ من إثْبات دُخُول الجنَّة بالأعمال كَقوله تَعالى: ﴿وَتلك الجنَّة الَّتِي أورثتموها بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ وَقوله تَعالى: ﴿ادخُلُوا الجنَّة بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ قالُوا وأما نفي دخولها بالأعمال كَما في قَوْله "لن يدْخل الجنَّة أحد بِعَمَلِهِ قالُوا ولا أنت يا رَسُول الله قالَ ولا أنا" فالمُراد بِهِ نفي أصل الدُّخُول وأحسن من هَذا أن يُقال الباء المُقْتَضِيَة للدخول غير الباء الَّتِي نفى مَعها الدُّخُول فالمقتضية هي باء السَّبَبِيَّة الدّالَّة على أن الأعمال سَبَب للدخول مقتضية لَهُ كاقتضاء سائِر الأسباب لمسبباتها والباء الَّتِي نفى بها الدُّخُول هي باء المُعاوضَة والمقابلة الَّتِي في نَحْو قَوْلهم اشْتريت هَذا بِهَذا فَأخْبر النَّبِي أن دُخُول الجنَّة لَيْسَ في مُقابلَة عمل أحد وأنه لَوْلا تغمد الله سُبْحانَهُ لعَبْدِهِ برحمته لما أدخلهُ الجنَّة فَلَيْسَ عمل العَبْد وإن تناهى مُوجبا بِمُجَرَّدِهِ لدُخُول الجنَّة ولا عوضا لَها، فَإن أعماله وإن وقعت مِنهُ على الوَجْه الَّذِي يُحِبهُ الله ويرضاه فَهي لا تقاوم نعْمَة الله الَّتِي أنْعم بها عَلَيْهِ في دار الدُّنْيا ولا تعادلها، بل لَو حاسبه لوقعت أعماله كلها في مُقابلَة اليَسِير من نعمه، وتبقى بَقِيَّة النعم مقتضية لشكرها، فَلَو عذبه في هَذِه الحالة لعذبه وهو غير ظالِم لَهُ، ولَو رَحمَه لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُ من عمله. كَما في السّنَن من حَدِيث زيد بن ثابت وحُذَيْفَة وغَيرهما مَرْفُوعا إلى النَّبِي أنه قالَ: "إن الله لَو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالِم لَهُم، ولَو رَحِمهم لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أعمالهم" والمَقْصُود أن حكمته سُبْحانَهُ اقْتَضَت خلق الجنَّة دَرَجات بَعْضها فَوق بعض، وعمارتها بِآدَم وذريته وإنْزالهمْ فِيها بِحَسب أعمالهم، ولازم هَذا إنزالهم إلى دار العَمَل والمجاهدة.

الزخرف 43:86

والشّاهِدُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يَشْهَدُ بِعِلْمٍ وصِدْقٍ فَيُخْبِرُ بِالحَقِّ مُسْتَنِدًا إلى عِلْمِهِ بِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ فَقَدْ يُخْبِرُ الإنْسانُ بِالحَقِّ اتِّفاقًا مِن غَيْرِ عِلْمِهِ بِهِ، وقَدْ يَعْلَمُهُ ولا يُخْبِرُ بِهِ؛ فالشّاهِدُ المَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ عَنْ عِلْمٍ. وقال في (الطرق الحكمية) وَقالَ تَعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ أيْ أخْبَرَ بِهِ، وتَكَلَّمَ بِهِ عَنْ عِلْمٍ، والمُرادُ بِهِ التَّوْحِيدُ.

الدخان 44:32

لا خلاف بين الناس أن المعنى على علم منا بأنهم أهل الاختيار فالجملة في موضع نصب على الحال. أي اخترناهم عالمين بهم وبأحوالهم وما يقتضي اختيارهم من قبل خلقهم. ذكر سبحانه اختيارهم وحكمته في اختياره إياهم، وذكر علمه الدال على مواضع حكمته واختياره.

الدخان 44:49

(فائدة) السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة. وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته. فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنت العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير.

الدخان 44:51

المقام: موضع الإقامة. و «الأمين» الآمن من كل سوء وآفة ومكروه. وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها. فهو آمن من الزوال والخراب، وأنواع النقص. وأهله آمنون فيه من الخروج والنقص والنكد، والبلد الأمين الذي قد أمن أهله فيه مما يخاف منه سواهم. وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ فجمع لهم بين أمن المكان. وأمن الطعام. فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها وأمن الخروج منها. فلا يخافون ذلك، وأمن الموت، فلا يخافون فيها موتا. (فائدة) قوله تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ. يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ. كَذلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ. يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ. لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾. جمع لهم بين حسن المنزل وحصول الأمن فيه من كل مكروه، واشتماله على الثمار والأنهار، وحسن اللباس، وكمال العشرة بمقابلة بعضهم بعضا، وتمام اللذة بالحور العين، ودعائهم لجميع أنواع الفاكهة، مع أمنهم من انقطاعها ومضرتها وغائلتها، وختام ذلك: أعلمهم بأنهم لا يذوقون فيها هناك موتا. (فصل: في ذكر لباس أهل الجنة وحليهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم ونمارقهم وزرابيهم) قال تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ قال جماعة من المفسرين: السندس ما رق من الديباج والإستبرق ما غلظ منه. وقالت طائفة: ليس المراد به الغليظ ولكن المراد به الصفيق. وقال الزجاج: هما نوعان من الحرير وأحسن الألوان الأخضر، وألين اللباس الحرير، فجمع لهم بين حسن منظر اللباس والتذاذ العين به وبين نعومته والتذاذ الجسم به وقال تعالى: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن رزق حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني عتبة بن سعد قاضي الري عن جعفر بن أبي المغيرة عن شمر بن عطية عن كعب قال: "إن لله عز وجل ملكا منذ يوم خلق يصوغ حلي أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة لو أن قلبا من حلي أهل الجنة أخرج لذهب بضوء شعاع الشمس فلا تسألوا بعد هذا عن حلي أهل الجنة" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، حدثنا أبي، عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء". حدثنا أحمد بن منيع حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدأ سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم" وقال: ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة قال إن أبا أمامة حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم وذكر حلي أهل الجنة فقال: "مسورون بالذهب والفضة مكللون بالدر عليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة وعليهم تاج كتاج الملوك شباب مرد مكحلون" وقد أخرجا في الصحيحين والسياق لمسلم عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال يا بني نبي فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء سمعت خليلي يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء وقد احتج بهذا من يرى استحباب غسل العضد وإطالته. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ولا تبلي ثيابه ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وقوله (لا تبلى ثيابه) الظاهر أن المراد به الثياب المعينة لا يلحقها البلى. ويحتمل أن يراد به الجنس بل لا يزال عليه الثياب الجدد كما أنها لا ينقطع أكلها في جنسه بل كل مأكول يخلفه أخر والله أعلم قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا محمد بن أبي الوضاح حدثنا العلاء ابن عبد الله بن رافع حدثنا حنان بن خارجة عن عبد الله بن عمر قال جاء أعرابي حرمي فقال يا رسول الله ﷺ أخبرنا عن الهجرة إليك أينما كنت أم لقوم خاصة أم إلى أرض معلومة إذا مت انقطعت فسأل ثلاث مرات ثم جلس فسكت رسول الله يسيرا ثم قال أين السائل فقال ها هو ذا يا رسول الله ﷺ قال الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر وأن مت بالحضر فقام آخر فقال يا رسول الله ﷺ أخبرني عن ثياب أهل الجنة أتخلق خلقا أم تنسج نسجا قال فضحك بعض القوم فقال رسول الله تضحكون من جاهل يسأل عالما فأسكت النبي ﷺ ساعة ثم قال أين السائل عن ثياب أهل الجنة فقال ها هو ذا يا رسول الله ﷺ قال: "لا بل يشقق عنها ثمر الجنة" ثلاث مرات. وقال الطبراني في معجمه حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي الفسوي قالا حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضيل ابن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله عن النبي ﷺ قال "أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقها من وراء لحومها وحللها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء" وهذا الإسناد على شرط الصحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرجي عن عثمان السعدي حدثنا أبو أيوب مولى لعثمان بن عفان عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "لقيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها" قال قلت: يا رسول الله ﷺ: وما النصيف قال: "الخمار" وقال ابن وهب أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة وأن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام ويسألها من أنت فتقول أنا المزيد وأنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك وأن عليها التيجان وأن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " وروى الترمذي ذكر التيجان وأن أدنى لؤلؤة عن سويد ابن نصر عن رشدين بن سعد عن عمرو به وقال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي حدثنا أبو عتبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلام الأسود رقال سمعت أبا أمامة يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء أبيض، وإن شاء أحمر، وإن شاء أخضر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود، ومثل شقائق النعمان وأرق وأحسن" قال ابن أبي الدنيا وحدثنا سويد عن سعيد حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفي عن خالد الزميل أنه سمع أباه قال قلت لابن عباس: "ما حلل الجنة؟ قال فيها شجرة فيها ثمر كأنه الرمان فإذا أراد ولي الله كسوة انحدرت إليه من غصنها فانفلقت عن سبعين حلة ألوانا بعد ألوان ثم تنطبق ترجع كما كانت". قال وحدثنا عبد الله بن أبي خيثمة حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثني دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد عن رسول الله أن رجلا قال له يا رسول الله ﷺ: "طوبى لمن آراك وآمن بك. فقال طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني. فقال له رجل وما طوبى؟ قال شجرة في جنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" قال: وحدثني يعقوب ابن عبيد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم قال قال أبو هريرة: "دار المؤمن في الجنة لؤلؤة فيها شجرة تنبت الحلل فيأخذ الرجل بإصبعيه وأشار بالسبابة والإبهام سبعين حلة منطقة باللؤلؤ والمرجان" قال وحدثنا حمزة ابن العباس حدثنا عبد الله بن عثمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا صفوان بن حمزة عن شريح بن عبيد قال قال كعب: "لو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة لبس اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم" وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن بشر بن كعب أو غيره قال: ذكر لنا أن الزوجة من أزواج الجنة لها سبعون حلة هي أرق من شقيقكم هذا. ويرى مخ ساقها من وراء اللحم". وفي الصحيحين أيضا من حديث البراء قال: أهدي لرسول الله ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول الله "تعجبون من هذا لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا". ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ بخصوصه هاهنا فإنه كان في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين واهتز لموته العرش وكان لا يأخذه في الله لومة لائم، وختم الله له بالشهادة، وآثر رضا الله ورسوله على رضا قومه وعشيرته وحلفائه، ووافق حكمه الذي حكم به حكم الله فوق سبع سماوات، ونعاه جبريل إلى النبي ﷺ يوم موته فحق له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنة أحسن من حلل الملوك. (فصل) ومن ملابسهم التيجان على رؤوسهم ذكر البيهقي من حديث يعقوب بن حميدا بن كاسب أنبأنا هشام بن سليمان عن عكرمة عن إسماعيل بن رافع عن سعد المقبري وزيد بن أسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "من قرأ القرآن فقام به آناء الليل والنهار ويحل حلاله ويحرم حرامه خلطه الله بلحمه ودمه وجعله رفيق السفرة الكرام البررة وإذا كان يوم القيامة كان القرآن له حجيجا فقال يا رب كل عامل يعمل في الدنيا يأخذ بعمله من الدنيا إلا فلانا كان يقوم في آناء الليل وأطراف النهار فيحل حلالي ويحرم حرامي يقول يا رب فأعطه فيتوجه الملوك ويكسوه من حلة الكرامة ثم يقول هل رضيت فيقول يا رب أرغب له في أفضل من هذا فيعطيه الله الملك بيمينه والخلد بشماله ثم يقول له هل رضيت فيقول نعم يا رب" وذكر الإمام أحمد في المسند من حديث أبي بريدة عن أبيه يرفعه: "تعلموا سورة البقرة فإن أخذاها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة" ثم سكت ساعة ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان وإنهما يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف والقرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له هل تعرفني؟ فيقول له: ما أعرفك فيقول له القرآن: أنا الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة فيعطي الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حليتين لا تقوم لهما الدنيا فيقولان بم كسينا هذا فيقال بأخذ ولدكما القرآن ثم يقال له اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هددا كان أو ترتيلا البطلة السحرة والغيابة ما أظل الإنسان فوقه. وقال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ تلا قوله عز وجل: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ فقال إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب"

الدخان 44:52

المقام: موضع الإقامة. و «الأمين» الآمن من كل سوء وآفة ومكروه. وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها. فهو آمن من الزوال والخراب، وأنواع النقص. وأهله آمنون فيه من الخروج والنقص والنكد، والبلد الأمين الذي قد أمن أهله فيه مما يخاف منه سواهم. وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ فجمع لهم بين أمن المكان. وأمن الطعام. فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها وأمن الخروج منها. فلا يخافون ذلك، وأمن الموت، فلا يخافون فيها موتا. (فائدة) قوله تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ. يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ. كَذلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ. يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ. لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾. جمع لهم بين حسن المنزل وحصول الأمن فيه من كل مكروه، واشتماله على الثمار والأنهار، وحسن اللباس، وكمال العشرة بمقابلة بعضهم بعضا، وتمام اللذة بالحور العين، ودعائهم لجميع أنواع الفاكهة، مع أمنهم من انقطاعها ومضرتها وغائلتها، وختام ذلك: أعلمهم بأنهم لا يذوقون فيها هناك موتا. (فصل: في ذكر لباس أهل الجنة وحليهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم ونمارقهم وزرابيهم) قال تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ قال جماعة من المفسرين: السندس ما رق من الديباج والإستبرق ما غلظ منه. وقالت طائفة: ليس المراد به الغليظ ولكن المراد به الصفيق. وقال الزجاج: هما نوعان من الحرير وأحسن الألوان الأخضر، وألين اللباس الحرير، فجمع لهم بين حسن منظر اللباس والتذاذ العين به وبين نعومته والتذاذ الجسم به وقال تعالى: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن رزق حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني عتبة بن سعد قاضي الري عن جعفر بن أبي المغيرة عن شمر بن عطية عن كعب قال: "إن لله عز وجل ملكا منذ يوم خلق يصوغ حلي أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة لو أن قلبا من حلي أهل الجنة أخرج لذهب بضوء شعاع الشمس فلا تسألوا بعد هذا عن حلي أهل الجنة" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، حدثنا أبي، عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء". حدثنا أحمد بن منيع حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدأ سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم" وقال: ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة قال إن أبا أمامة حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم وذكر حلي أهل الجنة فقال: "مسورون بالذهب والفضة مكللون بالدر عليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة وعليهم تاج كتاج الملوك شباب مرد مكحلون" وقد أخرجا في الصحيحين والسياق لمسلم عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال يا بني نبي فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء سمعت خليلي يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء وقد احتج بهذا من يرى استحباب غسل العضد وإطالته. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ولا تبلي ثيابه ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وقوله (لا تبلى ثيابه) الظاهر أن المراد به الثياب المعينة لا يلحقها البلى. ويحتمل أن يراد به الجنس بل لا يزال عليه الثياب الجدد كما أنها لا ينقطع أكلها في جنسه بل كل مأكول يخلفه أخر والله أعلم قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا محمد بن أبي الوضاح حدثنا العلاء ابن عبد الله بن رافع حدثنا حنان بن خارجة عن عبد الله بن عمر قال جاء أعرابي حرمي فقال يا رسول الله ﷺ أخبرنا عن الهجرة إليك أينما كنت أم لقوم خاصة أم إلى أرض معلومة إذا مت انقطعت فسأل ثلاث مرات ثم جلس فسكت رسول الله يسيرا ثم قال أين السائل فقال ها هو ذا يا رسول الله ﷺ قال الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر وأن مت بالحضر فقام آخر فقال يا رسول الله ﷺ أخبرني عن ثياب أهل الجنة أتخلق خلقا أم تنسج نسجا قال فضحك بعض القوم فقال رسول الله تضحكون من جاهل يسأل عالما فأسكت النبي ﷺ ساعة ثم قال أين السائل عن ثياب أهل الجنة فقال ها هو ذا يا رسول الله ﷺ قال: "لا بل يشقق عنها ثمر الجنة" ثلاث مرات. وقال الطبراني في معجمه حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي الفسوي قالا حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضيل ابن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله عن النبي ﷺ قال "أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقها من وراء لحومها وحللها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء" وهذا الإسناد على شرط الصحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرجي عن عثمان السعدي حدثنا أبو أيوب مولى لعثمان بن عفان عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "لقيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها" قال قلت: يا رسول الله ﷺ: وما النصيف قال: "الخمار" وقال ابن وهب أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة وأن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام ويسألها من أنت فتقول أنا المزيد وأنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك وأن عليها التيجان وأن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " وروى الترمذي ذكر التيجان وأن أدنى لؤلؤة عن سويد ابن نصر عن رشدين بن سعد عن عمرو به وقال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي حدثنا أبو عتبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلام الأسود رقال سمعت أبا أمامة يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء أبيض، وإن شاء أحمر، وإن شاء أخضر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود، ومثل شقائق النعمان وأرق وأحسن" قال ابن أبي الدنيا وحدثنا سويد عن سعيد حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفي عن خالد الزميل أنه سمع أباه قال قلت لابن عباس: "ما حلل الجنة؟ قال فيها شجرة فيها ثمر كأنه الرمان فإذا أراد ولي الله كسوة انحدرت إليه من غصنها فانفلقت عن سبعين حلة ألوانا بعد ألوان ثم تنطبق ترجع كما كانت". قال وحدثنا عبد الله بن أبي خيثمة حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثني دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد عن رسول الله أن رجلا قال له يا رسول الله ﷺ: "طوبى لمن آراك وآمن بك. فقال طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني. فقال له رجل وما طوبى؟ قال شجرة في جنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" قال: وحدثني يعقوب ابن عبيد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم قال قال أبو هريرة: "دار المؤمن في الجنة لؤلؤة فيها شجرة تنبت الحلل فيأخذ الرجل بإصبعيه وأشار بالسبابة والإبهام سبعين حلة منطقة باللؤلؤ والمرجان" قال وحدثنا حمزة ابن العباس حدثنا عبد الله بن عثمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا صفوان بن حمزة عن شريح بن عبيد قال قال كعب: "لو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة لبس اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم" وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن بشر بن كعب أو غيره قال: ذكر لنا أن الزوجة من أزواج الجنة لها سبعون حلة هي أرق من شقيقكم هذا. ويرى مخ ساقها من وراء اللحم". وفي الصحيحين أيضا من حديث البراء قال: أهدي لرسول الله ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول الله "تعجبون من هذا لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا". ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ بخصوصه هاهنا فإنه كان في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين واهتز لموته العرش وكان لا يأخذه في الله لومة لائم، وختم الله له بالشهادة، وآثر رضا الله ورسوله على رضا قومه وعشيرته وحلفائه، ووافق حكمه الذي حكم به حكم الله فوق سبع سماوات، ونعاه جبريل إلى النبي ﷺ يوم موته فحق له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنة أحسن من حلل الملوك. (فصل) ومن ملابسهم التيجان على رؤوسهم ذكر البيهقي من حديث يعقوب بن حميدا بن كاسب أنبأنا هشام بن سليمان عن عكرمة عن إسماعيل بن رافع عن سعد المقبري وزيد بن أسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "من قرأ القرآن فقام به آناء الليل والنهار ويحل حلاله ويحرم حرامه خلطه الله بلحمه ودمه وجعله رفيق السفرة الكرام البررة وإذا كان يوم القيامة كان القرآن له حجيجا فقال يا رب كل عامل يعمل في الدنيا يأخذ بعمله من الدنيا إلا فلانا كان يقوم في آناء الليل وأطراف النهار فيحل حلالي ويحرم حرامي يقول يا رب فأعطه فيتوجه الملوك ويكسوه من حلة الكرامة ثم يقول هل رضيت فيقول يا رب أرغب له في أفضل من هذا فيعطيه الله الملك بيمينه والخلد بشماله ثم يقول له هل رضيت فيقول نعم يا رب" وذكر الإمام أحمد في المسند من حديث أبي بريدة عن أبيه يرفعه: "تعلموا سورة البقرة فإن أخذاها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة" ثم سكت ساعة ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان وإنهما يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف والقرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له هل تعرفني؟ فيقول له: ما أعرفك فيقول له القرآن: أنا الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة فيعطي الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حليتين لا تقوم لهما الدنيا فيقولان بم كسينا هذا فيقال بأخذ ولدكما القرآن ثم يقال له اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هددا كان أو ترتيلا البطلة السحرة والغيابة ما أظل الإنسان فوقه. وقال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ تلا قوله عز وجل: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ فقال إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب"

الدخان 44:53

المقام: موضع الإقامة. و «الأمين» الآمن من كل سوء وآفة ومكروه. وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها. فهو آمن من الزوال والخراب، وأنواع النقص. وأهله آمنون فيه من الخروج والنقص والنكد، والبلد الأمين الذي قد أمن أهله فيه مما يخاف منه سواهم. وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ فجمع لهم بين أمن المكان. وأمن الطعام. فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها وأمن الخروج منها. فلا يخافون ذلك، وأمن الموت، فلا يخافون فيها موتا. (فائدة) قوله تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ. يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ. كَذلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ. يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ. لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾. جمع لهم بين حسن المنزل وحصول الأمن فيه من كل مكروه، واشتماله على الثمار والأنهار، وحسن اللباس، وكمال العشرة بمقابلة بعضهم بعضا، وتمام اللذة بالحور العين، ودعائهم لجميع أنواع الفاكهة، مع أمنهم من انقطاعها ومضرتها وغائلتها، وختام ذلك: أعلمهم بأنهم لا يذوقون فيها هناك موتا. (فصل: في ذكر لباس أهل الجنة وحليهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم ونمارقهم وزرابيهم) قال تعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ قال جماعة من المفسرين: السندس ما رق من الديباج والإستبرق ما غلظ منه. وقالت طائفة: ليس المراد به الغليظ ولكن المراد به الصفيق. وقال الزجاج: هما نوعان من الحرير وأحسن الألوان الأخضر، وألين اللباس الحرير، فجمع لهم بين حسن منظر اللباس والتذاذ العين به وبين نعومته والتذاذ الجسم به وقال تعالى: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن رزق حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني عتبة بن سعد قاضي الري عن جعفر بن أبي المغيرة عن شمر بن عطية عن كعب قال: "إن لله عز وجل ملكا منذ يوم خلق يصوغ حلي أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة لو أن قلبا من حلي أهل الجنة أخرج لذهب بضوء شعاع الشمس فلا تسألوا بعد هذا عن حلي أهل الجنة" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء" حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، حدثنا أبي، عن أشعث عن الحسن قال: "الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء". حدثنا أحمد بن منيع حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدأ سواره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم" وقال: ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة قال إن أبا أمامة حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم وذكر حلي أهل الجنة فقال: "مسورون بالذهب والفضة مكللون بالدر عليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة وعليهم تاج كتاج الملوك شباب مرد مكحلون" وقد أخرجا في الصحيحين والسياق لمسلم عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال يا بني نبي فروخ أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء سمعت خليلي يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء وقد احتج بهذا من يرى استحباب غسل العضد وإطالته. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ولا تبلي ثيابه ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" وقوله (لا تبلى ثيابه) الظاهر أن المراد به الثياب المعينة لا يلحقها البلى. ويحتمل أن يراد به الجنس بل لا يزال عليه الثياب الجدد كما أنها لا ينقطع أكلها في جنسه بل كل مأكول يخلفه أخر والله أعلم قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا محمد بن أبي الوضاح حدثنا العلاء ابن عبد الله بن رافع حدثنا حنان بن خارجة عن عبد الله بن عمر قال جاء أعرابي حرمي فقال يا رسول الله ﷺ أخبرنا عن الهجرة إليك أينما كنت أم لقوم خاصة أم إلى أرض معلومة إذا مت انقطعت فسأل ثلاث مرات ثم جلس فسكت رسول الله يسيرا ثم قال أين السائل فقال ها هو ذا يا رسول الله ﷺ قال الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر وأن مت بالحضر فقام آخر فقال يا رسول الله ﷺ أخبرني عن ثياب أهل الجنة أتخلق خلقا أم تنسج نسجا قال فضحك بعض القوم فقال رسول الله تضحكون من جاهل يسأل عالما فأسكت النبي ﷺ ساعة ثم قال أين السائل عن ثياب أهل الجنة فقال ها هو ذا يا رسول الله ﷺ قال: "لا بل يشقق عنها ثمر الجنة" ثلاث مرات. وقال الطبراني في معجمه حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي الفسوي قالا حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضيل ابن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله عن النبي ﷺ قال "أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم ضوء القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقها من وراء لحومها وحللها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء" وهذا الإسناد على شرط الصحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرجي عن عثمان السعدي حدثنا أبو أيوب مولى لعثمان بن عفان عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "لقيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها" قال قلت: يا رسول الله ﷺ: وما النصيف قال: "الخمار" وقال ابن وهب أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة وأن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد السلام ويسألها من أنت فتقول أنا المزيد وأنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك وأن عليها التيجان وأن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " وروى الترمذي ذكر التيجان وأن أدنى لؤلؤة عن سويد ابن نصر عن رشدين بن سعد عن عمرو به وقال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي حدثنا أبو عتبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلام الأسود رقال سمعت أبا أمامة يحدث عن رسول الله ﷺ قال: "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء أبيض، وإن شاء أحمر، وإن شاء أخضر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود، ومثل شقائق النعمان وأرق وأحسن" قال ابن أبي الدنيا وحدثنا سويد عن سعيد حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفي عن خالد الزميل أنه سمع أباه قال قلت لابن عباس: "ما حلل الجنة؟ قال فيها شجرة فيها ثمر كأنه الرمان فإذا أراد ولي الله كسوة انحدرت إليه من غصنها فانفلقت عن سبعين حلة ألوانا بعد ألوان ثم تنطبق ترجع كما كانت". قال وحدثنا عبد الله بن أبي خيثمة حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثني دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد عن رسول الله أن رجلا قال له يا رسول الله ﷺ: "طوبى لمن آراك وآمن بك. فقال طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني. فقال له رجل وما طوبى؟ قال شجرة في جنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" قال: وحدثني يعقوب ابن عبيد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن أبي المهزم قال قال أبو هريرة: "دار المؤمن في الجنة لؤلؤة فيها شجرة تنبت الحلل فيأخذ الرجل بإصبعيه وأشار بالسبابة والإبهام سبعين حلة منطقة باللؤلؤ والمرجان" قال وحدثنا حمزة ابن العباس حدثنا عبد الله بن عثمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا صفوان بن حمزة عن شريح بن عبيد قال قال كعب: "لو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة لبس اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم" وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن بشر بن كعب أو غيره قال: ذكر لنا أن الزوجة من أزواج الجنة لها سبعون حلة هي أرق من شقيقكم هذا. ويرى مخ ساقها من وراء اللحم". وفي الصحيحين أيضا من حديث البراء قال: أهدي لرسول الله ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول الله "تعجبون من هذا لمناديل سعد ابن معاذ في الجنة أحسن من هذا". ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ بخصوصه هاهنا فإنه كان في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين واهتز لموته العرش وكان لا يأخذه في الله لومة لائم، وختم الله له بالشهادة، وآثر رضا الله ورسوله على رضا قومه وعشيرته وحلفائه، ووافق حكمه الذي حكم به حكم الله فوق سبع سماوات، ونعاه جبريل إلى النبي ﷺ يوم موته فحق له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنة أحسن من حلل الملوك. (فصل) ومن ملابسهم التيجان على رؤوسهم ذكر البيهقي من حديث يعقوب بن حميدا بن كاسب أنبأنا هشام بن سليمان عن عكرمة عن إسماعيل بن رافع عن سعد المقبري وزيد بن أسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال "من قرأ القرآن فقام به آناء الليل والنهار ويحل حلاله ويحرم حرامه خلطه الله بلحمه ودمه وجعله رفيق السفرة الكرام البررة وإذا كان يوم القيامة كان القرآن له حجيجا فقال يا رب كل عامل يعمل في الدنيا يأخذ بعمله من الدنيا إلا فلانا كان يقوم في آناء الليل وأطراف النهار فيحل حلالي ويحرم حرامي يقول يا رب فأعطه فيتوجه الملوك ويكسوه من حلة الكرامة ثم يقول هل رضيت فيقول يا رب أرغب له في أفضل من هذا فيعطيه الله الملك بيمينه والخلد بشماله ثم يقول له هل رضيت فيقول نعم يا رب" وذكر الإمام أحمد في المسند من حديث أبي بريدة عن أبيه يرفعه: "تعلموا سورة البقرة فإن أخذاها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة" ثم سكت ساعة ثم قال: "تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان وإنهما يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف والقرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له هل تعرفني؟ فيقول له: ما أعرفك فيقول له القرآن: أنا الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة فيعطي الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حليتين لا تقوم لهما الدنيا فيقولان بم كسينا هذا فيقال بأخذ ولدكما القرآن ثم يقال له اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هددا كان أو ترتيلا البطلة السحرة والغيابة ما أظل الإنسان فوقه. وقال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ تلا قوله عز وجل: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ فقال إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب"

الدخان 44:54

«والحور» جمع حوراء. وهي المرأة الشابة الحسناء، الجميلة، البيضاء شديدة سواد العين. وقال زيد بن أسلم: الحوراء التي يحار فيها الطرف. و «عين» حسان الأعين. وقال مجاهد: الحوراء التي يحار فيها الطرف، من رقة الجلد، وصفاء اللون. وقال الحسن: الحوراء شديدة بياض العين، شديدة سواد العين. واختلف في اشتقاق هذه اللفظة. فقال ابن عباس: الحور في كلام العرب: البيض. وكذلك قال قتادة: والحور البيض. وقال مقاتل: الحور البيض الوجوه وقال مجاهد: الحور العين: التي يحار فيهن الطرف، باديا مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن، كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون، وهذا من الاتفاق. وليست اللفظة مشتقة من الحيرة. وأصل الحور: البياض، والتحوير التبييض. والصحيح: أن الحور مأخوذ من الحور في العين، وهو شدة بياضها مع قوة سوادها. فهو يتضمن الأمرين. وفي الصحاح للجوهري «الحور» شدة بياض العين في شدة سوادها، وامرأة حوراء بينة الحور. وقال أبو عمرو: الحور: أن تسود العين كلها، مثل أعين الظباء والبقر. وليس في بني آدم حور وإنما قيل للنساء: حور العين. لأنهن شبهن بالظباء والبقر. وقال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين؟ قلت: خالف أبو عمرو أهل اللغة في اشتقاق اللفظة، ورد الحور إلى السواد، والناس غيره إنما ردوه إلى البياض، وإلى بياض في سواد. والحور في العين معنى يلتئم من حسن البياض والسواد وتناسبهما، واكتساب كل واحد منهما الحسن من الآخر. ويقال عين حوراء، إذا اشتد بياض أبيضها وسواد أسودها. ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينها بياض لون الجسد. «والعين» جمع عيناء. وهي العظيمة العين من النساء، ورجل أعين: إذا كان ضخم العين. وامرأة عيناء. والجمع عين. والصحيح: أن العين هن اللاتي جمعت أعينهن صفات الحسن والملاحة. قال مقاتل: العين حسان الأعين. ومن محاسن المرأة: اتساع عينها في طول. وضيق العين في المرأة من العيوب. ﴿وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجا، كما يزوج النعل بالنعل. جعلناهم اثنين اثنين. وقال يونس: قرناهم بهن، وليس من عقد التزويج. قال: والعرب لا تقول: تزوجت بها، وإنما تقول: تزوجتها. قال ابن نصر: هذا والتنزيل يدل على ما قاله يونس. وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ ولو كان على تزوجت بها لقال: زوجناك بها. وقال ابن سلام: تميم تقول: تزوجت امرأة. وتزوجت بها. وحكاه الكسائي أيضا. قال الأزهري: تقول العرب: زوجته امرأة، وتزوجت امرأة وليس من كلامهم: تزوجت بامرأة. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي قرناهم. وقال الفراء: هي لغة في أزد شنوءة. قال الواحدي: وقول أبي عبيدة في هذا أحسن، لأنه جعله من التزويج الذي هو بمعنى جعل الشيء زوجا. لا بمعنى عقد النكاح. ومن هذا يجوز أن يقال: كان فردا فزوجته بآخر، كما يقال: شققته بآخر. وإنما تمنع الباء عند من يمنعها إذا كان بمعنى عقد التزويج. قلت: ولا يمتنع أن يراد الأمران معا. فلفظ التزويج يدل على النكاح. كما قال مجاهد: أنكحناهم الحور. ولفظ الباء تدل على الاقتران والضم. وهذا أبلغ من حذفها والله أعلم.

الدخان 44:56

قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلاّ المَوْتَةَ الأُولى﴾ هذا من الاستثناء السابق زمانه زمان المستثنى منه، ولما كانت الموتة الأولى من جنس الموت المنفي زعم بعضهم أنه متصل. وقال بعضهم: (إلا) بمعنى (بعد) والمعنى لا يذوقون بعد الموتة الأولى موتا في الجنة. وهذا معنى حسن جدا يفتقر إلى مساعدة اللفظ عليه، ويوضحه أنه ليس المراد إخراج الموتة الأولى من الموت المنفي، ولا ثم شيء متوهم يحتاج لأجله إلى الاستثناء، وإنما المراد الإخبار بأنهم بعد موتتهم الأولى التي كتبها الله عليهم لا يذوقون غيرها. وعلى هذا فيقال لما كان ما بعد إلا حكمه مخالف لحكم ما قبلها، والحياة الدائمة في الجنة إنما تكون بعد الموتة الأولى كانت أداة (إلا) مفهمة هذه البعدية، وقد أمن اللبس لعدم دخولها في الموت المنفي في الجنة، فتجردت لهذا المعنى. فهذا من أحسن ما يقال في الآية فتأمله. وقال في (المدارج) وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ فَهَذا الِاسْتِثْناءُ هو لِتَحْقِيقِ دَوامِ الحَياةِ وعَدَمِ ذَوْقِ المَوْتِ، وهو يَجْعَلُ النَّفْيَ الأوَّلَ العامَّ بِمَنزِلَةِ النَّصِّ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ اسْتِثْناءٌ ألْبَتَّةَ، إذْ لَوْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ اسْتِثْناءُ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ لَكانَ أوْلى بِذِكْرِهِ مِنَ العُدُولِ عَنْهُ إلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، فَجَرى هَذا الِاسْتِثْناءُ مَجْرى التَّأْكِيدِ، والتَّنْصِيصِ عَلى حِفْظِ العُمُومِ، وهَذا جارٍ في كُلِّ مُنْقَطِعٍ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ مِن أسْرارِ العَرَبِيَّةِ.

الجاثية 45:14

قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ قالُوا في تَفْسِيرِها: لا يَخافُونَ وقائِعَ اللَّهِ بِهِمْ، كَوَقائِعِهِ بِمَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ.

الجاثية 45:21

فَأنْكَرَ سُبْحانَهُ هَذا الحُسْبانَ إنْكارَ مُنَبِّهٍ لِلْعَقْلِ عَلى قُبْحِهِ، وأنَّهُ حُكْمٌ سَيِّئٌ، والحاكِمُ بِهِ مُسِيءٌ ظالِمٌ، ولَوْ كانَ قُبْحُهُ لِكَوْنِهِ خِلافَ ما أخْبَرَ بِهِ لَمْ يَكُنِ الإنْكارُ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ القُبْحِ اللّازِمِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ، المُسْتَقِرِّ قُبْحُهُ في فِطَرِ العالَمِينَ كُلِّهِمْ، ولا كانَ هُنا حُكْمٌ سَيِّئٌ في نَفْسِهِ يُنْكَرُ عَلى مَن حَكَمَ بِهِ. (فائدة) وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي. وهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ. وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا. وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ. وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي في المُنافِقِينَ، فَيَقُولُ: لا، ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أحَدًا. فَسَمِعْتُ شَيْخَنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَيْسَ مُرادُهُ لا أُبْرِئُ غَيْرَكَ مِنَ النِّفاقِ، بَلِ المُرادُ لا أفْتَحُ عَلى نَفْسِي هَذا البابَ، فَكُلُّ مَن سَألَنِي هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُزَكِّيهِ. قُلْتُ: وقَرِيبٌ مِن هَذا «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ: سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ». وَلَمْ يُرِدْ أنَّ عُكاشَةَ وحْدَهُ أحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَداهُ مِنَ الصَّحابَةِ، ولَكِنْ لَوْ دَعا لَقامَ آخَرُ وآخَرُ وانْفَتَحَ البابُ، ورُبَّما قامَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَكانَ الإمْساكُ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.

الجاثية 45:23

الغشاوة: هي الغطاء. وهذا الغطاء سرى إليها من غطاء القلب. فإن ما في القلب من الخير والشر يظهر على العين، فالعين مرآة القلب، تظهر ما فيه. وأنت إذا بغضت رجلا بغضا شديدا أبغضت كلامه ومجالسته، فتجد على عينك غشاوة عند رؤيته ومخالطته. فذلك أثر البغض والإعراض عنه. وغلطت الغشاوة على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن الرسول ﷺ، وعما جاء به من الهدى ومن الحق. وجعل الغشاوة عليها يشعر بالإحاطة على ما تحتها كالغمامة، ولما غشوا عن ذكره الذي أنزله صار ذلك الغشي غشاوة على أعينهم، فلا تبصر مواقع الهدى. (فصل) قوله تعالى: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ قال ابن عباس: علم ما يكون قبل أن يخلقه وقال أيضا على علم قد سبق عنده وقال أيضا: يريد الأمر الذي سبق له في أم الكتاب وقال سعيد بن جبير ومقاتل: على علمه فيه وقال أبو إسحاق: أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين وقال الثعلبي: على علم منه بعاقبة أمره قال وقيل على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه. وكذلك ذكر البغوي وأبو الفرج بن الجوزي قال: على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي. وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره: قولين في الآية هذا أحدهما. قال المهدوي: فأضله الله على علم علمه منه بأنه لا يستحقه قال: وقيل على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر. وعلى الأول يكون على علم حال من الفاعل. المعنى أضله الله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه. وعلى الثاني حال من المفعول. أي أضله الله في حال علم الكافر بأنه ضال. قلت وعلى الوجه الأول فالمعنى أضله الله عالما به وبأقواله وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده، وأنه أهل للضلال، وليس أهلا أن يهدى وأنه لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله، وعند من لا يستحقه. والرب تعالى حكيم إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها. فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلال، وذكر العلم إذ هو الكاشف المبين لحقائق الأمور، ووضع الشيء في مواضعه، وإعطاء الخير من يستحقه، ومنعه من لا يستحقه، فإن هذا لا يحصل بدون العلم فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه، وهو سبحانه كثيرا ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه أضل الكافر كما قال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقد أخبر سبحانه أنه يفعل ذلك عقوبة لأرباب هذه الجرائم وهذا إضلال ثان بعد الإضلال الأول كما قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلاَّ قَلِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. (فصل) وفي قوله تعالى: ﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ قول آخر أنه على علم الضال كما قيل على علم منه أن معبوده لا ينفع ولا يضر فيكون المعنى أضله الله مع علمه الذي تقوم به عليه الحجة لم يضله على جهل وعدم علم. هذا يشبه قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ وقول موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ ونظائره كثيرة. وعلى هذا التقدير فهو ضال عن سلوك طريق رشده وهو يراها عيانا كما في الحديث: "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" فإن الضال عن الطريق قد يكون متبعا لهواه عالما بأن الرشد والهدى في خلاف ما يعمل، ولما كان الهدى هو معرفة الحق والعمل به كان له ضدان الجهل وترك العمل به، فالأول ضلال في العلم، والثاني ضلال في القصد والعمل فقد وقع قوله ﴿على علم﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْم﴾ وفي قوله: ﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ وفي قوله: ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ فالأول يرجع العلم فيه إلى الله قولا واحدا. والثاني والثالث فيهما قولان، والراجح في قوله: ﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ أن يكون كالأول، وهو قول عامة السلف. والثالث فيه قولان محتملان. وقد ذكر توجيههما. والله أعلم والمقصود ذكر مراتب القضاء والقدر علما وكتابة ومشيئة وخلقا. (فصل) وإذا تأملت حال عشاق الصور المتيمين فيها، وجدت هذه الآية منطبقة عليهم، مخبرة عن حالهم. قال بعض العلماء: ليس شيء من المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله، أو محبة بشر مثلك، أما محبة الله فهي التي خلق لها العباد، وبها غاية سعادتهم، وكمال نعيمهم وأما البشر المماثل من ذكر أو أنثى، فإن فيه من المشاكلة والمناسبة بين العاشق وبينه ما ليس مثله وبين جنس آخر من المخلوقات. ولهذا لا يعرف في محبة شيء من المحبوبات المخالفة للمحب في الجنس ما يزيل العقل، ويفسد الإدراك، ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب، وإنما يعرف ذلك في محبته لجنسه، فتستوعب قلبه، وتسلب لبه، ويصير لمعشوقه سامعًا مطيعًا كما قيل: ؎إنّ هَواكَ الَّذِي بِقَلبي ∗∗∗ صَيَّرَنِي سامِعًا مُطِيعا ويقوى هذا السمع والطاعة عند كثير من العشاق، حتى يبذل نفسه، ويسلمها للتلف في طاعة معشوقه، كما يبذل المجاهد نفسه لربه، حتى يقتل في سبيله، وإذا كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد قال في الحديث الذي رواه أحمد وغيره: "شارِبُ الخَمرِ - أو قال مُدْمِنُ الخَمْرِ - كَعابِدِ وثَنٍ". ومر على بن طالب رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ". فما الظن بالعاشق المتيم الفاني في معشوقه؟ ولهذا قرن الله سبحانه بين الخمر والأنصاب وهي الأصنام التي تعبد من دون الله، فقال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَما الخَمَرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلاَمُ رِجْسُ مِن عَمَلِ الشَّيطًانِ فاجْتَنبِوُهُ لَعَلّكم تَفْلِحُونَ * إنما يُرِيدُ الشّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَّداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠-٩١]. ومعلوم أن شارب الخمر لا يدوم سكره، بل لا بد أن يفيق، ولعل أوقات إفاقته أكثر من أوقات سكره. وأما سكرة العشق فقل أن يستفيق صاحبها إلا إذا جاءت الرسل تطلبه للقدوم على الله تعالى.

الجاثية 45:24

(فصل: في ذكر تلاعب الشيطان بالدهرية) وهؤلاء قوم عطلوا المصنوعات عن صانعها، وقالوا ما حكاه الله عنهم. ﴿وَقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. وهؤلاء فرقتان. فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها. وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل. فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء: مركباتها، وبسائطها، من ذاتها لا من شيء آخر. وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، لا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلا يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه. وهؤلاء هم المعطلة حقا، وهم فحول المعطلة، وقد سَرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة، على اختلاف آرائهم وتباينهم في التعطيل، كما سرى داء الشرك تأصيلا وتفصيلا في سائر فرق المشركين على اختلاف مذاهبهم فيه، وكما سرى جحد النبوات تأصيلا وتفصيلا في سائر من جحد النبوة أو صفة من صفاتها، أو أقر بها جملة وجحد مقصودها وزبدتها أو بعضه. فهذه الفرق الثلاثة سرى داؤها وبلاؤها في الناس، ولم ينج منه إلا أتباع الرسول، العارفون بحقيقة ما جاء به، المتمسكون به دون ما سواه، ظاهرا وباطنا. فداء التعطيل، وداء الإشراك، وداء مخالفة الرسول وجحد ما جاء به، أو شيء منه: هو أصل بلاء العالم، ومنبع كل شر، وأساس كل باطل. فليست فرقة من فرق أهل الإلحاد والباطل والبدع إلا وقولها مشتق من هذه الأصول الثلاثة، أو من بعضها. ؎فإنْ تَنْجُ مَنها تَنْجُ مِن ذِي عَظِيَمَةٍ ∗∗∗ وإلاّ فَإنِّي لاَ أظُنُّكَ ناجِيًا

الجاثية 45:29

قال عطاءُ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنسِخُ ما كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة. قال: والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يومًا بيوم فذلك قوله: ﴿إنّ كُنّا نَسْتَنسِخُ ما كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] وفي الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن يعملوه. وقد يقال وهو الأظهر: إن الآية تعم الأمرين، فيأْمر الله ملائكته فتستنسخ من أُم الكتاب أعمال بني آدم ثم يكتبونها عليهم إذا عملوها فلا تزيد على ما نسخوه من أُم الكتاب ذرة ولا تنقصها. (فصل) وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ فتستنسخ الملائكة ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها فيجدون ذلك موافقا لما يعملونه فيثبت الله تعالى منه ما فيه ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو. وذكر ابن مردويه في تفسيره من طرق إلى بقية عن أرطأة بن المنذر عن مجاهد عن ابن عمر يرفعه أن أول خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول من بر أو فجور رطب أو يابس فأحصاه عند الذكر وقال اقرؤا إن شئتم: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه. وقال آدم ثنا ورقاء عن عطاء بن السائب عن مقسم عن ابن عباس ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ قال تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب. وفي تفسير الأشجع عن سفيان عن منصور عن مقسم عن ابن عباس قال: كتب في الذكر عنده كل شيء هو كائن ثم بعث الحفظة على آدم وذريته، وكل ملائكته ينسخون من الذكر ما يعمل العباد ثم قرأ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وفي تفسير الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات، تنزل من السماء كل غداة وعشية، ما يصيب الإنسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي يقتل، والذي يغرق، والذي يقع من فوق بيت، والذي يتردى من جبل والذي يقع، والذي يحرق بالنار، فيحفظوا عليه ذلك كله. وإذا كان الشيء صعدوا به إلى السماء فيجدونه كما في السماء مكتوبا في الذكر الحكيم.

الجاثية 45:32

(فائدة) وَقالَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ: ثنا سَحْنُونٌ والحارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ ابْنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وَقالَ القَعْنَبِيُّ: دَخَلْت عَلى مالِكِ بْنِ أنَسٍ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسْت، فَرَأيْتُهُ يَبْكِي، فَقُلْت لَهُ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، ما الَّذِي يُبْكِيك؟ فَقالَ لِي: يا ابْنَ قَعْنَبٍ، ومالِي لا أبْكِي؟ ومَن أحَقُّ بِالبُكاءِ مِنِّي؟ واللَّهِ لَوَدِدْت أنِّي ضُرِبْت بِكُلِّ مَسْألَةٍ أفْتَيْت فِيها بِالرَّأْيِ سَوْطًا، وقَدْ كانَتْ لِي السَّعَةُ فِيما قَدْ سُبِقْت إلَيْهِ، ولَيْتَنِي لَمْ أُفْتِ بِالرَّأْيِ. وَقالَ ابْنُ أبِي داوُد: ثنا أحْمَدُ بْنُ سِنانٍ قالَ: سَمِعْت الشّافِعِيَّ يَقُولُ: مِثْلُ الَّذِي يَنْظُرُ في الرَّأْيِ ثُمَّ يَتُوبُ مِنهُ مِثْلُ المَجْنُونِ الَّذِي عُولِجَ حَتّى بَرِئَ فَأعْقَلَ ما يَكُونُ قَدْ هاجَ بِهِ. وَقالَ ابْنُ أبِي داوُد: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: سَمِعْت أبِي يَقُولُ: لا تَكادُ تَرى أحَدًا نَظَرَ في الرَّأْيِ إلّا وفي قَلْبِهِ دَغَلٌ. وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ أيْضًا: سَمِعْت أبِي يَقُولُ: الحَدِيثُ الضَّعِيفُ أحَبُّ إلَيَّ مِن الرَّأْيِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَألْت أبِي عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ بِبَلَدٍ لا يَجِدُ فِيهِ إلّا صاحِبَ حَدِيثٍ لا يَعْرِفُ صَحِيحَهُ مِن سَقِيمِهِ وأصْحابَ رَأْيٍ، فَتَنْزِلُ بِهِ النّازِلَةُ، فَقالَ أبِي: يَسْألُ أصْحابَ الحَدِيثِ، ولا يَسْألُ أصْحابَ الرَّأْيِ، ضَعِيفُ الحَدِيثِ أقْوى مِن الرَّأْيِ. والتَّعْرِيفُ في السّاعَةُ لِلْعَهْدِ وهي ساعَةُ البَعْثِ، أيْ زَمانُ البَعْثِ كَما عُبِّرَ عَنْهُ بِاليَوْمِ. وَقَرَأ الجُمْهُورُ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها بِرَفْعِ السّاعَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ. وَقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِنَصْبِ والسّاعَةُ عَطْفًا عَلى إنَّ وعْدَ اللَّهِ مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ. ومَعْنى ما نَدْرِي ما السّاعَةُ ما نَعْلَمُ حَقِيقَةَ السّاعَةِ ونَفْيُ العِلْمِ بِحَقِيقَتِها كِنايَةٌ عَنْ جَحْدِ وُقُوعِ السّاعَةِ، أيْ عَلِمْنا أنَّها لا وُقُوعَ لَها، اسْتِنادًا لِلتَّخَيُّلاتِ الَّتِي ظَنُّوها أدِلَّةً كَقَوْلِهِمْ: أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) [الإسراء: ٤٩]. وَقَوله: إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا ظاهِرٌ في أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ما نَدْرِي ما السّاعَةُ، ومُبَيَّنٌ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ومَوْقِعُهُ ومَعْناهُ مُشْكِلٌ، وفي نَظْمِهِ إشْكالٌ أيْضًا. فَأمّا الإشْكالُ مِن جِهَةِ مَوْقِعِهِ ومَعْناهُ فَلِأنَّ القائِلِينَ مُوقِنُونَ بِانْتِفاءِ وُقُوعِ السّاعَةِ لِما حُكِيَ عَنْهم آنِفًا من قَوْلهم: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا) [الجاثية: ٢٤] إلَخْ فَلا يَحِقُّ عَلَيْهِمْ أنَّهم يَظُنُّونَ وُقُوعَ السّاعَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولَوِ احْتِمالًا.

الجاثية 45:35

(فائدة) قَول ابْن مَسْعُود وقد وقعت زَلْزَلَة بِالكُوفَةِ أن ربكُم يستعتبكم فأعتبوه، وهَذا هو الاستعتاب الَّذين نفاه سُبْحانَهُ في الآخرة في قَوْله ﴿فاليوم لا يخرجُون مِنها ولا هم يستعتبون﴾ أي لا نطلب مِنهُم إزالَة عتبنا عَلَيْهِم فَإن إزالَته إنَّما تكون بِالتَّوْبَةِ وهِي لا تَنْفَع في الآخرة وهَذا غير استعتاب العَبْد ربه كَما في قوله تَعالى: ﴿فَإن يصبروا فالنّار مثوى لَهُم وأن يستعتبوا فماهم من المعتبين﴾ فَهَذا مَعْناهُ إن يطلبوا إزالَة عتبنا عَلَيْهِم والعَفو فما هم من المعتبين. أي ماهم مِمَّن يزال العتب عَلَيْهِم، وهَذا الاستعتاب ينفع في الدُّنْيا دون الآخرة.

الأحقاف 46:9

فَهَذا رد وإنكار على من أنكر رِسالَة النَّبِي ﷺ مَعَ مَجِيئه بِمثل ما جاءَت بِهِ الرُّسُل قبله من الآيات، بل أعظم مِنها. فَكيف تنكر رسالَته؟ ولَيْسَت من الأُمُور الَّتِي تطرق العالم، بل لم تخل الأرْض من الرُّسُل وآثارهم، فرسولكم جاءَ على منهاج من تقدمه من الرُّسُل في الرسالَة لم يكن بدعا.

الأحقاف 46:12

(فصل) قال السهيلي: إذا كانت الحال صفة لازمة للاسم كان حملها عليه على جهة النعت أولى بها. وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت الإخبار عنه بالفعل مع أن تكون حالا لأنها مشتقة من التحول فلا تكون إلا صفة يتحول عنها ولذلك لا تكون إلا مشتقة من فعل لأن الفعل حركة غير ثابتة وقد تجيء غير مشتقة لكن في معنى المشتق كقوله: "وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا" رواه مسلم. أي يتحول عن حاله ويعود متصورا في صورة الرجل فقوله: رجلا في قوة متصورا بهذه الصورة وأما قولهم: جاءني زيد رجلا صالحا فالصفة وطأت الاسم للحال ولولا صالحا ما كان رجلا حالا وكذلك قوله تعالى: ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ قلت: وعلى هذا فيكون أقسام الحال أربعة مقيدة ومقدرة ومؤكدة وموطئة. فإن قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد في الموطئة وهلا اكتفى بالمشتق فيها قيل في ذكر الاسم موصوفا بالصفة في هذا الموطن دليل على لزوم هذه الحال لصاحبها وأنها مستمرة له وليس كقولك جاءني زيد صالحا لأن صالحا ليس فيه غير لفظ الفعل والفعل غير دائم وفي قولك رجلا صالحا لفظ رجل وهو دائم فلذلك ذكر. فإن قيل كيف يصح في لسانا عربيا أن يكون حالا وليست وصفا منتقلا ولهذا لو قلت: جاءني زيد قرشيا أو عربيا لم يجز؟ قيل: قوله: ﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من الضمير في مصدق لا من كتاب لأنه نكره والعامل في الحال ما في مصدق من معنى الفعل فصار المعنى أنه مصدق لك في هذه الحال والاسم الذي هو صاحب الحال قديم وقد كان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى ومن خلا من الرسل وإنما كان عربيا حين أنزل على محمد ﷺ مصدقا لما بين يديه من الكتاب فقد أوضحت فيه معنى الحال وبرح الإشكال. قلت: كلا بل زدت الإشكال إشكالا وليس معنى الآية ما ذهبت إليه وإنما ﴿لسانا عربيا﴾ حال من ﴿كتاب﴾ وصح انتصاب الحال عنه مع كونه نكرة لكونه قد وصف، والنكرة إذا وصفت انتصب عنها الحال لتخصصها بالصفة كما يصح أن يبتدئ بها. وأما قوله: إن المعنى مصدق لك فلا ريب أنه مصدق له، ولكن المراد من الآية أنه مصدق لما تقدم من كتب الله تعالى كما قال: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ وقال: ﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وقال: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أفلا ترى كيف اطرد في القرآن وصف الكتاب بأنه مصدق لما بين يديه. وقال: وباتفاق الناس أن المراد مصدق لما تقدمه من الكتب، وبهذه الطريق يكون مصدقا للنبي ﷺ، ويكون أبلغ في الدليل على صدقه من أن يقال: هذا كتاب مصدق لك، فإنه إذا كانت الكتب المتقدمة تصدقها وتشهد بصحة ما فيها مما أنزله الله من غير مواطأة ولا اقتباس منها دل على أن الذي جاء به رسول الله ﷺ صادق، كما أن الذي جاء بها كذلك، وأن مخرجهما من مشكاة واحدة. ولهذا قال النجاشي حين قرئ عليه القرآن: "إن هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة" يعني فإذا كان موسى صادقا وكتابه حق، فهذا كذلك، إذ من المحال أن يخرج شيئان من مشكاة واحدة ويكون أحدهما باطلا محضا، والآخر حقا محضا. فإن هذا لا يكون إلا مع غاية التباين والتنافر. فالقرآن صدق الكتب المتقدمة، وهي بشرت به وبمن جاء به، فقام الدليل على صدقه من الوجهين معا من جهة بشارة من تقدمه به، ومن جهة تصديقه ومطابقته له فتأمله. ولهذا كثيرا ما يتكرر هذا المعنى في القرآن إذ في ضمنه الاحتجاج على الكتابيين بصحة ﷺ بهذه الطريق وهي حجة أيضا على غيرهم بطريق اللزوم، لأنه إذا جاء بمثل ما جاءوا به من غير أن يتعلم منهم حرفا واحدا دل على أنه من عند الله تعالى وحتى لو أنكروا رسالة من تقدم لكان في مجيئه بمثل ما جاءوا به إثبات لرسالته ورسالة من تقدمه، ودليل على صحة الكتابين وصدق الرسولين، لأن الثاني قد جاء بأمر لا يمكن أن ينال بالتعليم أصلا، ولا البعض منه. فجاء على يدي أمي لا يقرأ كتابا ولا خطه بيمينه، ولا عاشر أحدا من أهل الكتاب، بل نشأ بينكم وأنتم شاهدون حاله حضرا وسفرا، وظعنا وإقامة، فهذا من أكبر الأدلة على أن ما جاء به ليس من عند البشر ولا في قدرتهم، وهذا برهان بين من برهان الشمس. وقد تضمن ما جاء به تصديق من تقدمه، وتضمن ما تقدمه البشارة به، فتطابقت حجج الله وبيناته على صدق أنبيائه ورسله، وانقطعت المعذرة، وثبتت الحجة فلم يبق لكافر إلا العناد المحض، أو الإعراض والصد.

الأحقاف 46:15

أخْبر تَعالى أن مُدَّة الحمل والفطام ثَلاثُونَ شهرا وأخْبر في آيَة البَقَرَة أن مُدَّة تَمام الرَّضاع حَوْلَيْنِ كامِلين فَعلم أن الباقِي يصلح مُدَّة للْحَمْل وهو سِتَّة أشهر فاتفق الفُقَهاء كلهم على أن المَرْأة لا تَلد لدوّنَ سِتَّة أشهر إلّا أن يكون سقطا وهَذا أمر تَلقاهُ الفُقَهاء عَن الصَّحابَة رَضِي الله عَنْهُم فَذكر البَيْهَقِيّ وغَيره عَن أبي حَرْب بن أبي الأسود الديلِي أن عمر أُتِي بِامْرَأة قد ولدت لسِتَّة أشهر فهم عمر برجمها فَبلغ ذَلِك عليا رَضِي الله عَنهُ فَقالَ لَيْسَ عَلَيْها رجم فَبلغ ذَلِك عمر فَأرْسل إلَيْهِ فَسَألَهُ فَقالَ ﴿والوالدات يرضعن أوْلادهنَّ حَوْلَيْنِ كامِلين لمن أرادَ أن يتم الرضاعَة﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَقالَ ﴿وَحمله وفصاله ثَلاثُونَ شهرا﴾ فستة أشهر حمله وحولان تَمام الرضاعَة لا حد عَلَيْهِما فخلى عَنْها. وَفِي موطأ مالك أنه بلغه أن عُثْمان بن عَفّان رَضِي الله عَنهُ أُتِي بِامْرَأة قد ولدت في سِتَّة أشهر فَأمر بها أن ترْجم فَقالَ عَليّ لَيْسَ ذَلِك عَلَيْها قالَ الله تَعالى ﴿وَحمله وفصاله ثَلاثُونَ شهرا﴾ وَقالَ ﴿وفصاله في عاميْنِ﴾ فَأمر بها عُثْمان أن ترد فَوَجَدَها قد رجمت. وَذكر داوُد بن أبي هِنْد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبّاس أنه كانَ يَقُول إذا ولدت المَرْأة لتسعة أشهر كفاها من الرَّضاع أحد وعِشْرُونَ شهرا وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرَّضاع ثَلاثَة وعِشْرُونَ شهرا وإذا وضعت لسِتَّة أشهر كفاها من الرَّضاع أرْبَعَة وعِشْرُونَ شهرا كَما قالَ تَعالى ﴿وَحمله وفصاله ثَلاثُونَ شهرا﴾ انْتهى كَلامه. (فائدة) وَفَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ المَرْأةَ قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، ولَمْ يَفْهَمْهُ عُثْمانُ فَهَمَّ بِرَجْمِ امْرَأةٍ ولَدَتْ لَها حَتّى ذَكَّرَهُ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ فَأقَرَّ بِهِ. (فصل: سن الأشد) فَإذا تَيَقّن بُلُوغه جرى عَلَيْهِ قلم التَّكْلِيف وثَبت لَهُ جَمِيع أحْكام الرجل ثمَّ يَأْخُذ في بُلُوغ الأشد. قالَ الزّجاج الأشد من نَحْو سبع عشرَة سنة إلى نَحْو الأرْبَعين وَقالَ ابْن عَبّاس في رِوايَة عَطاء عَنهُ الأشد الحلم وهو اخْتِيار يحيى بن يعمر والسُّديّ وروى مُجاهِد عَنهُ سِتا وثَلاثِينَ سنة وروى عَنهُ أيْضا ثَلاثِينَ وَقالَ الضَّحّاك عشْرين سنة وَقالَ مقاتل ثَمان عشرَة وَقد أحكم الزُّهْرِيّ تحكيم اللَّفْظَة فَقالَ بُلُوغ الأشد يكون من وقت بُلُوغ الإنْسان مبلغ الرِّجال إلى أرْبَعِينَ سنة قالَ فبلوغ الأشد مَحْصُور الأول مَحْصُور النِّهايَة، غير مَحْصُور ما بَين ذَلِك. فبلوغ الأشد مرتبَة بَين البلُوغ وبَين الأرْبَعين. وَمعنى اللَّفْظَة من الشدَّة وهِي القُوَّة والجلادة والشديد الرجل القوي فالأشد القوي قالَ الفراء واحِدها شدَّة في القياس ولم أسمع لَها بِواحِد وَقالَ أبُو الهَيْثَم واحِدها شدَّة كنعمة وأنعم وَقالَ بعض أهل اللُّغَة واحِدها شُدَّة بِضَم الشين وَقالَ آخَرُونَ مِنهُم هو اسْم مُفْرد كالآنك ولَيْسَ بِجمع حَكاهُما ابْن الأنْبارِي.

الأحقاف 46:20

وأكمل الناس أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، فكما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة، كما قال النبي ﷺ: "إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها هناك، كما نعى سبحانه وتعالى على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها، ولهذا كان الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك أشد الخوف. وذكر الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم فقال: "ما هذا"؟ قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم. فقال أوَكلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه؟ أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾. وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا جرير بن حازم قال حدثنا الحسن قال: قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى على عمر فكنا ندخل عليه كل يوم وله خبز ثلاثة وربما وافقناها مأدومة بالسمن، وربما وافقناها مأدومة بالزيت، وربما وافقناها مأدومة باللبن، وربما وافقناها القلائد اليابسة قد دقت ثم أغلى بها، وربما وافقناها اللحم العريض وهو قليل. فقال: ذات يوم: إني والله قد أرى تقذيركم وكراهيتكم لطعامي إني والله لو شئت لكنت من أطيبكم طعاما وأرقكم عيشا، ولكني سمعت رسول الله يقول: عير قوما بأمر فعلوه فقال: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون. ومن استوفاها هنا حرمها هناك، أو نقص كمالها، فلا يجعل الله لذة من أوضع في معاصيه ومحارمه كلذة من ترك شهوته لله أبدا. والله أعلم. (فصل) قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] فالمؤمن لا يذهب طيباته في الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة. وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته في الدنيا، ومنها علمه بأن أعماله هي زاده ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته، ومنها علمه بأن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه، ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوى به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث تستقر به، قال الله تعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعملُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّمَآءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أُغلقت عنها. وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه، فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين، ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبًا للصوص وقطاع الطريق. فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة إلى خربة موحشة هي مأْوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟ ومنها أنه بالمعصية قد تعرّض لمحق بركته في كل شيء من أمر دنياه وآخرته فإن الطاعة تجلب للعبد بركات كل شيء والمعصية متحق منه كل بركة. وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علمًا، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علمًا فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته. وفي بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: من ذا الذي أطاعني فشقي بطاعتي؟ ومن ذا الذي عصاني فسعد بمعصيتي؟

الأحقاف 46:26

تَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ كَيْفَ تَجِدُ المَعْنى أنَّ حُكْمَكم كَحُكْمِهِمْ، وأنّا إذا كُنّا قَدْ أهْلَكْناهم بِمَعْصِيَةِ رُسُلِنا ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهم ما مُكِّنُوا فِيهِ مِن أسْبابِ العَيْشِ فَأنْتُمْ كَذَلِكَ تَسْوِيَةً بَيْنَ المُتَماثِلَيْنِ، وأنَّ هَذا مَحْضُ عَدْلِ اللَّهِ بَيْنَ عِبادِهِ.

الأحقاف 46:29

(فائدة) قوله تعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٢] يدل على تكليف الجن من وجوه متعددة: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به ويأتْمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه. الثاني: أنهم ولوا إلى قومهم منذرين والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول. الثالث: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه وأنه يهدى إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدق له وأنه هاد إلى صراط مستقيم. وهذا يدل على تمكينهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه والتكليف إنما يستلزم العقل والقدرة. الرابع: إنهم قالوا لقومهم: ﴿يا قَوْمنا أجِيبُوا داعِى اللهِ وآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١] وهذا صريح في أنهم مكلفون مأْمورون بإجابة الرسول، وهي تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. الخامس: أنهم قالوا: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب وهو مخالفة الأمر. السادس: أنهم قالوا: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ والذنب مخالفة الأمر. السابع: أنهم قالوا: ﴿وَيُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾، وهذا يدل على أن من لم يستجب منهم لداعي الله لم يجره من العذاب الأليم. وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم. الثامن: أنهم قالوا: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِى اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ [الأحقاف: ٣٢] وهذا تهديد لمن تخلف عن إجابة داعي الله منهم. وقد استدل بها على أنهم كانوا متعبدين بشريعة موسى كما هم متعبدون بشريعة محمد، وهذا ممكن والآية لا تستلزمه، ولكن قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد ﷺ، والآيات المتقدمة تدل على ذلك أيضًا. وعلى هذا فيكون اختصاص النبي ﷺ بالبعثة إلى الثقلين إلى جميعهم لا إلى بعضهم ومن قبله كان يبعث إلى طائفة مخصوصة، وأيضًا فقد قال تعالى عن نبيه سليمان: ﴿وَمِنَ الجِنِّ من يعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ، ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]، وهذا محض التكليف. [فَصْلٌ: في مَوْتَ أبِي طالِبٍ ومَوْتَ خَدِيجَةَ والخُرُوجُ إلى الطّائِفِ] فَلَمّا نُقِضَتِ الصَّحِيفَةُ وافَقَ مَوْتَ أبِي طالِبٍ ومَوْتَ خَدِيجَةَ، وبَيْنَهُما يَسِيرٌ، فاشْتَدَّ البَلاءُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن سُفَهاءِ قَوْمِهِ، وتَجَرّءُوا عَلَيْهِ فَكاشَفُوهُ بِالأذى، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الطّائِفِ رَجاءَ أنْ يُؤْوُوهُ ويَنْصُرُوهُ عَلى قَوْمِهِ ويَمْنَعُوهُ مِنهُمْ، ودَعاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ يَرَ مَن يُؤْوِي، ولَمْ يَرَ ناصِرًا، وآذَوْهُ مَعَ ذَلِكَ أشَدَّ الأذى، ونالُوا مِنهُ ما لَمْ يَنَلْهُ قَوْمُهُ، وكانَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ مَوْلاهُ، فَأقامَ بَيْنَهم عَشَرَةَ أيّامٍ لا يَدَعُ أحَدًا مِن أشْرافِهِمْ إلّا جاءَهُ وكَلَّمَهُ، فَقالُوا: اخْرُجْ مِن بَلَدِنا، وأغْرَوْا بِهِ سُفَهاءَهُمْ، فَوَقَفُوا لَهُ سِماطَيْنِ، وجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالحِجارَةِ حَتّى دَمِيَتْ قَدَماهُ وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتّى أصابَهُ شِجاجٌ في رَأْسِهِ، فانْصَرَفَ راجِعًا مِنَ الطّائِفِ إلى مَكَّةَ مَحْزُونًا، وفي مَرْجِعِهِ ذَلِكَ دَعا بِالدُّعاءِ المَشْهُورِ دُعاءِ الطّائِفِ: «اللَّهُمَّ إلَيْكَ أشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وقِلَّةَ حِيلَتِي، وهَوانِي عَلى النّاسِ، يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ، أنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وأنْتَ رَبِّي، إلى مَن تَكِلُنِي؟ إلى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أوْ إلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أمْرِي، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلا أُبالِي، غَيْرَ أنَّ عافِيَتَكَ هي أوْسَعُ لِي، أعُوذُ بِنُورِ وجْهِكَ الَّذِي أشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُماتُ، وصَلُحَ عَلَيْهِ أمْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أنْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ أوْ أنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ، لَكَ العُتْبى حَتّى تَرْضى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِكَ. فَأرْسَلَ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى إلَيْهِ مَلَكَ الجِبالِ يَسْتَأْمِرُهُ أنْ يُطْبِقَ الأخْشَبَيْنِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، وهُما جَبَلاها اللَّذانِ هي بَيْنَهُما، فَقالَ: لا، بَلْ أسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». فَلَمّا نَزَلَ بِنَخْلَةَ مَرْجِعَهُ، قامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَصُرِفَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فاسْتَمَعُوا قِراءَتَهُ، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ - قالُوا ياقَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ - ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُجِرْكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ - ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أولِياءُ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩-٣٢]. «وَأقامَ بِنَخْلَةَ أيّامًا، فَقالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ: كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وقَدْ أخْرَجُوكَ؟ يَعْنِي قُرَيْشًا، فَقالَ يا زيد: إنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لِما تَرى فَرَجًا ومَخْرَجًا، وإنَّ اللَّهَ ناصِرٌ دِينَهُ ومُظْهِرٌ نَبِيَّهُ». ثُمَّ انْتَهى إلى مَكَّةَ فَأرْسَلَ رَجُلًا مِن خُزاعَةَ إلى مطعم بن عدي: أدْخُلُ في جِوارِكَ؟ فَقالَ: نَعَمْ، ودَعا بَنِيهِ وقَوْمَهُ فَقالَ: البِسُوا السِّلاحَ، وكُونُوا عِنْدَ أرْكانِ البَيْتِ فَإنِّي قَدْ أجَرْتُ مُحَمَّدًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ حَتّى انْتَهى إلى المَسْجِدِ الحِرامِ، فَقامَ المطعم بن عدي عَلى راحِلَتِهِ فَنادى: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنِّي قَدْ أجَرْتُ مُحَمَّدًا، فَلا يَهِجْهُ أحَدٌ مِنكُمْ، فانْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الرُّكْنِ فاسْتَلَمَهُ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، وانْصَرَفَ إلى بَيْتِهِ، والمطعم بن عدي ووَلَدُهُ مُحْدِقُونَ بِهِ بِالسِّلاحِ حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ.

الأحقاف 46:30

وأما ذكره له [الصراط] بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة، فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وتعبيرهم عنه هاهنا بالطريق فيه نكتة بديعة وهي أنهم قدموا قبله ذكر موسى وأن الكتاب الذي سمعوه مصدقا لما بين يديه من كتاب موسى وغيره فكان فيه كالنبأ عن رسول الله ﷺ في قوله لقومه: ﴿ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لم أكن أول رسول بعث إلى أهل الأرض بل قد تقدمت رسل من الله إلى الأمم وإنما بعثت مصدقا لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان فقال مؤمنوا الجن: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ وإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله، وإنه ليس بدع كما قال في أول السورة نفسها. فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ (الطريق) لأنه فعيل بمعنى مفعول. أي مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل. فحقيق على من صدق رسل الله وآمن بهم أن يؤمن به ويصدقه، فذكر (الطريق) هاهنا إذًا أولى، لأنه أدخل في باب الدعوة والتنبيه على تعين أتباعه. والله أعلم. ثم رأيت هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيلي فوافق فيه الخاطر الخاطر.

الأحقاف 46:35

(فصل: في بيان تفاوت درجات الصبر) الصبر كما تقدم نوعان: اختياري واضطراري والاختياري أكمل من الاضطراري فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختيارى ولذلك كان صبر يوسف الصديق عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبد ومن الصبر الثاني إنشاء الله سبحانه له ما أنشأه من العز والرفعة والملك والتمكين في الأرض وكذلك صبر الخليل عليه السلام والكليم وصبر نوح وصبر المسيح وصبر خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبرا على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سماهم الله أولي العزم وأمر رسوله أن يصبر صبرهم فقال ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وأولو العزم هم المذكورون في قوله تعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ وفي قوله ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ كذلك قال ابن عباس وغيره من السلف. [فائدة: كِتابٌ لِعُسْرِ الوِلادَةِ] قالَ الخلال: حَدَّثَنِي عبد الله بن أحمد: قالَ رَأيْتُ أبِي يَكْتُبُ لِلْمَرْأةِ إذا عَسُرَ عَلَيْها وِلادَتُها في جامٍ أبْيَضَ، أوْ شَيْءٍ نَظِيفٍ، يَكْتُبُ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦]. قالَ الخلال: أنْبَأنا أبو بكر المروزي، أنَّ أبا عبد الله جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أبا عبد الله! تَكْتُبُ لِامْرَأةٍ قَدْ عَسُرَ عَلَيْها ولَدُها مُنْذُ يَوْمَيْنِ؟ فَقالَ: قُلْ لَهُ: يَجِيءُ بِجامٍ واسِعٍ، وزَعْفَرانٍ، ورَأيْتُهُ يَكْتُبُ لِغَيْرِ واحِدٍ، ويَذْكُرُ عَنْ عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «مَرَّ عِيسى صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى بَقَرَةٍ قَدِ اعْتَرَضَ ولَدُها في بَطْنِها، فَقالَتْ: يا كَلِمَةَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي أنْ يُخَلِّصَنِي مِمّا أنا فِيهِ، فَقالَ: يا خالِقَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، ويا مُخَلِّصَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، ويا مُخْرِجَ النَّفْسِ مِنَ النَّفْسِ، خَلِّصْها. قالَ: فَرَمَتْ بِوَلَدِها، فَإذا هي قائِمَةٌ تَشُمُّهُ». قالَ: فَإذا عَسُرَ عَلى المَرْأةِ ولَدُها، فاكْتُبْهُ لَها. وكُلُّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الرُّقى، فَإنَّ كِتابَتَهُ نافِعَةٌ. وَرَخَّصَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ في كِتابَةِ بَعْضِ القُرْآنِ وشُرْبِهِ، وجَعْلِ ذَلِكَ مِنَ الشِّفاءِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ. كِتابٌ آخَرُ لِذَلِكَ: يُكْتَبُ في إناءٍ نَظِيفٍ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ - وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ - وإذا الأرْضُ مُدَّتْ - وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ١-٤] وَتَشْرَبُ مِنهُ الحامِلُ، ويُرَشُّ عَلى بَطْنِها.

محمد 47:2

[اخْتِيارُ الأسْماءِ الحَسَنَةِ لِأنَّ الأسْماءَ قَوالِبُ لِلْمَعانِي] (فَصْلٌ في فِقْهِ هَذا البابِ) لَمّا كانَتِ الأسْماءُ قَوالِبَ لِلْمَعانِي، ودالَّةً عَلَيْها، اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ يَكُونَ بَيْنَها وبَيْنَها ارْتِباطٌ وتَناسُبٌ، وأنْ لا يَكُونَ المَعْنى مَعَها بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ المَحْضِ الَّذِي لا تَعَلُّقَ لَهُ بِها، فَإنَّ حِكْمَةَ الحَكِيمِ تَأْبى ذَلِكَ، والواقِعُ يَشْهَدُ بِخِلافِهِ، بَلْ لِلْأسْماءِ تَأْثِيرٌ في المُسَمَّياتِ، ولِلْمُسَمَّياتِ تَأثُّرٌ عَنْ أسْمائِها في الحُسْنِ والقُبْحِ، والخِفَّةِ والثِّقَلِ، واللَّطافَةِ والكَثافَةِ كَما قِيلَ: ؎وَقَلَّما أبْصَرَتْ عَيْناكَ ذا لَقَبٍ ∗∗∗ إلّا ومَعْناهُ إنْ فَكَّرْتَ في لَقَبِهْ «وَكانَ ﷺ يَسْتَحِبُّ الِاسْمَ الحَسَنِ، وأمَرَ إذا أبْرَدُوا إلَيْهِ بَرِيدًا أنْ يَكُونَ حَسَنَ الِاسْمِ حَسَنَ الوَجْهِ» وَكانَ يَأْخُذُ المَعانِيَ مِن أسْمائِها في المَنامِ واليَقَظَةِ كَما «رَأى أنَّهُ وأصْحابَهُ في دارِ عقبة بن رافع، فَأُتُوا بِرُطَبٍ مِن رُطَبِ ابْنِ طابَ، فَأوَّلَهُ بِأنَّ لَهُمُ الرِّفْعَةَ في الدُّنْيا، والعاقِبَةَ في الآخِرَةِ، وأنَّ الدِّينَ الَّذِي قَدِ اخْتارَهُ اللَّهُ لَهم قَدْ أرْطَبَ وطابَ، وتَأوَّلَ سُهُولَةَ أمْرِهِمْ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ مِن مَجِيءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إلَيْهِ». «وَنَدَبَ جَماعَةً إلى حَلْبِ شاةٍ، فَقامَ رَجُلٌ يَحْلُبُها، فَقالَ: " ما اسْمُكَ؟ " قالَ: " مرة فَقالَ: اجْلِسْ، فَقامَ آخَرُ، فَقالَ: " ما اسْمُكَ؟ " قالَ: أظُنُّهُ حرب، فَقالَ: اجْلِسْ، فَقامَ آخَرُ، فَقالَ: " ما اسْمُكَ؟ " فَقالَ: يعيش، فَقالَ: " احْلُبْها». وَكانَ يَكْرَهُ الأمْكِنَةَ المُنْكَرَةَ الأسْماءِ ويَكْرَهُ العُبُورَ فِيها، كَما مَرَّ في بَعْضِ غَزَواتِهِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَسَألَ عَنِ اسْمَيْهِما، فَقالُوا: فاضِحٌ ومُخْزٍ، فَعَدَلَ عَنْهُما، ولَمْ يَجُزْ بَيْنَهُما. وَلَمّا كانَ بَيْنَ الأسْماءِ والمُسَمَّياتِ مِنَ الِارْتِباطِ والتَّناسُبِ والقَرابَةِ ما بَيْنَ قَوالِبِ الأشْياءِ وحَقائِقِها، وما بَيْنَ الأرْواحِ والأجْسامِ عَبَرَ العَقْلُ مِن كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ كَما كانَ إياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ وغَيْرُهُ يَرى الشَّخْصَ، فَيَقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اسْمُهُ كَيْتَ وكَيْتَ، فَلا يَكادُ يُخْطِئُ، وضِدُّ هَذا العَبُورُ مِنَ الِاسْمِ إلى مُسَمّاهُ كَما سَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا عَنِ اسْمِهِ، فَقالَ: جمرة، فَقالَ: واسْمُ أبِيكَ؟ قالَ: شهاب، قالَ: مِمَّنْ؟ قالَ: مِنَ الحُرَقَةِ، قالَ: فَمَنزِلُكَ؟ قالَ: بِحَرَّةِ النّارِ، قالَ: فَأيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قالَ: بِذاتِ لَظى، قالَ: اذْهَبْ فَقَدِ احْتَرَقَ مَسْكَنُكَ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ الأمْرَ كَذَلِكَ. فَعَبَرَ عمر مِنَ الألْفاظِ إلى أرْواحِها ومَعانِيها، كَما عَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اسْمِ سُهَيْلٍ إلى سُهُولَةِ أمْرِهِمْ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، فَكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ بِتَحْسِينِ أسْمائِهِمْ، وأخْبَرَ أنَّهم يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِها، وفي هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - تَنْبِيهٌ عَلى تَحْسِينِ الأفْعالِ المُناسِبَةِ لِتَحْسِينِ الأسْماءِ؛ لِتَكُونَ الدَّعْوَةُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِالِاسْمِ الحَسَنِ، والوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ. وَتَأمَّلْ كَيْفَ اشْتُقَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن وصْفِهِ اسْمانِ مُطابِقانِ لِمَعْناهُ، وهُما أحْمَدُ ومُحَمَّدٌ، فَهو لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ مُحَمَّدٌ، ولِشَرَفِها وفَضْلِها عَلى صِفاتِ غَيْرِهِ أحْمَدُ، فارْتَبَطَ الِاسْمُ بِالمُسَمّى ارْتِباطَ الرُّوحِ بِالجَسَدِ، وكَذَلِكَ تَكْنِيَتُهُ ﷺ لأبي الحكم بن هشام بأبي جهل، كُنْيَةٌ مُطابِقَةٌ لِوَصْفِهِ ومَعْناهُ، وهو أحَقُّ الخَلْقِ بِهَذِهِ الكُنْيَةِ، وكَذَلِكَ تَكْنِيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لعبد العزى بأبي لهب؛ لَمّا كانَ مَصِيرُهُ إلى نارٍ ذاتِ لَهَبٍ كانَتْ هَذِهِ الكُنْيَةُ ألْيَقَ بِهِ وأوْفَقَ، وهو بِها أحَقُّ وأخْلَقُ. وَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، واسْمُها يَثْرِبُ لا تُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذا الِاسْمِ غَيَّرَهُ بِطَيْبَةَ؛ لَمّا زالَ عَنْها ما في لَفْظِ يَثْرِبَ مِنَ التَّثْرِيبِ بِما في مَعْنى طَيْبَةَ مِنَ الطِّيبِ، اسْتَحَقَّتْ هَذا الِاسْمَ، وازْدادَتْ بِهِ طِيبًا آخَرَ، فَأثَّرَ طِيبُها في اسْتِحْقاقِ الِاسْمِ، وزادَها طِيبًا إلى طِيبِها. وَلَمّا كانَ الِاسْمُ الحَسَنُ يَقْتَضِي مُسَمّاهُ ويَسْتَدْعِيهِ مِن قُرْبٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ وهو يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ: «يا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ حَسَّنَ اسْمَكم واسْمَ أبِيكُمْ»، فانْظُرْ كَيْفَ دَعاهم إلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ بِحُسْنِ اسْمِ أبِيهِمْ وبِما فِيهِ مِنَ المَعْنى المُقْتَضِي لِلدَّعْوَةِ، وتَأمَّلْ أسْماءَ السِّتَّةِ المُتَبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَيْفَ اقْتَضى القَدَرُ مُطابَقَةَ أسْمائِهِمْ لِأحْوالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَكانَ الكُفّارُ شيبة وعتبة والوليد، ثَلاثَةُ أسْماءٍ مِنَ الضَّعْفِ، فالوليد لَهُ بِدايَةُ الضَّعْفِ، وشيبة لَهُ نِهايَةُ الضَّعْفِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ وعتبة مِنَ العَتَبِ، فَدَلَّتْ أسَماؤُهم عَلى عَتَبٍ يَحِلُّ بِهِمْ، وضَعْفٍ يَنالُهُمْ، وكانَ أقْرانُهم مِنَ المُسْلِمِينَ علي، وعبيدة، والحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثَلاثَةُ أسْماءٍ تُناسِبُ أوْصافَهم وهي العُلُوُّ، والعُبُودِيَّةُ، والسَّعْيُ الَّذِي هو الحَرْثُ، فَعَلَوْا عَلَيْهِمْ بِعُبُودِيَّتِهِمْ وسَعْيِهِمْ في حَرْثِ الآخِرَةِ. وَلَمّا كانَ الِاسْمُ مُقْتَضِيًا لِمُسَمّاهُ ومُؤَثِّرًا فِيهِ كانَ أحَبُّ الأسْماءِ إلى اللَّهِ ما اقْتَضى أحَبَّ الأوْصافِ إلَيْهِ كَعَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وكانَ إضافَةُ العُبُودِيَّةِ إلى اسْمِ اللَّهِ واسْمِ الرَّحْمَنِ أحَبَّ إلَيْهِ مِن إضافَتِها إلى غَيْرِهِما، كالقاهِرِ والقادِرِ، فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن عَبْدِ القادِرِ، وعَبْدُ اللَّهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن عَبْدِ رَبِّهِ؛ وهَذا لِأنَّ التَّعَلُّقَ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ إنَّما هو العُبُودِيَّةُ المَحْضَةُ، والتَّعَلُّقُ الَّذِي بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ بِالرَّحْمَةِ المَحْضَةِ، فَبِرَحْمَتِهِ كانَ وُجُودُهُ وكَمالُ وُجُودِهِ، والغايَةُ الَّتِي أوْجَدَهُ لِأجْلِها أنْ يَتَألَّهَ لَهُ وحْدَهُ مَحَبَّةً وخَوْفًا، ورَجاءً وإجْلالًا وتَعْظِيمًا، فَيَكُونُ عَبْدًا لِلَّهِ، وقَدْ عَبَدَهُ لِما في اسْمِ اللَّهِ مِن مَعْنى الإلَهِيَّةِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِ، ولَمّا غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ وكانَتِ الرَّحْمَةُ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، كانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أحَبَّ إلَيْهِ مِن عَبْدِ القاهِرِ. [فَصْلٌ: في أسْمائِهِ ﷺ] وَكُلُّها نُعُوتٌ لَيْسَتْ أعْلامًا مَحْضَةً لِمُجَرَّدِ التَّعْرِيفِ، بَلْ أسْماءٌ مُشْتَقَّةٌ مِن صِفاتٍ قائِمَةٍ بِهِ تُوجِبُ لَهُ المَدْحَ والكَمالَ. فَمِنها مُحَمَّدٌ، وهو أشْهَرُها، وبِهِ سُمِّيَ في التَّوْراةِ صَرِيحًا كَما بَيَّنّاهُ بِالبُرْهانِ الواضِحِ في كِتابِ " جَلاءِ الأفْهامِ في فَضْلِ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلى خَيْرِ الأنامِ ". والمَقْصُودُ أنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدٌ في التَّوْراةِ صَرِيحًا بِما يُوافِقُ عَلَيْهِ كُلُّ عالِمٍ مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ. وَمِنها أحْمَدُ، وهو الِاسْمُ الَّذِي سَمّاهُ بِهِ المَسِيحُ لِسِرٍّ ذَكَرْناهُ في ذَلِكَ الكِتابِ. وَمِنها: المُتَوَكِّلُ، ومِنها الماحِي، والحاشِرُ، والعاقِبُ، والمُقَفِّي، ونَبِيُّ التَّوْبَةِ، ونَبِيُّ الرَّحْمَةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ، والفاتِحُ، والأمِينُ. وَيَلْحَقُ بِهَذِهِ الأسْماءِ: الشّاهِدُ، والمُبَشِّرُ، والبَشِيرُ، والنَّذِيرُ، والقاسِمُ، والضَّحُوكُ، والقَتّالُ، وعَبْدُ اللَّهِ، والسِّراجُ المُنِيرُ، وسَيِّدُ ولَدِ آدَمَ، وصاحِبُ لِواءِ الحَمْدِ، وصاحِبُ المَقامِ المَحْمُودِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ؛ لِأنَّ أسْماءَهُ إذا كانَتْ أوْصافَ مَدْحٍ فَلَهُ مِن كُلِّ وصْفٍ اسْمٌ، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الوَصْفِ المُخْتَصِّ بِهِ أوِ الغالِبِ عَلَيْهِ ويُشْتَقُّ لَهُ مِنهُ اسْمٌ، وبَيْنَ الوَصْفِ المُشْتَرَكِ فَلا يَكُونُ لَهُ مِنهُ اسْمٌ يَخُصُّهُ. وَقالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: سَمّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ أسْماءً، فَقالَ: «: أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمَيَّ، والعاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ». وَأسْماؤُهُ ﷺ نَوْعانِ: أحَدُهُما: خاصٌّ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ، كَمُحَمَّدٍ، وأحْمَدَ، والعاقِبِ، والحاشِرِ، والمُقَفِّي، ونَبِيِّ المَلْحَمَةِ. والثّانِي: ما يُشارِكُهُ في مَعْناهُ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ ولَكِنْ لَهُ مِنهُ كَمالُهُ، فَهو مُخْتَصٌّ بِكَمالِهِ دُونَ أصْلِهِ، كَرَسُولِ اللَّهِ، ونَبِيِّهِ، وعَبْدِهِ، والشّاهِدِ، والمُبَشِّرِ، والنَّذِيرِ، ونَبِيِّ الرَّحْمَةِ، ونَبِيِّ التَّوْبَةِ. وَأمّا إنْ جُعِلَ لَهُ مِن كُلِّ وصْفٍ مِن أوْصافِهِ اسْمٌ تَجاوَزَتْ أسْماؤُهُ المِائَتَيْنِ، كالصّادِقِ، والمَصْدُوقِ، والرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، إلى أمْثالِ ذَلِكَ. وَفِي هَذا قالَ مَن قالَ مِنَ النّاسِ: إنَّ لِلَّهِ ألْفُ اسْمٍ، ولِلنَّبِيِّ ﷺ ألْفُ اسْمٍ، قالَهُ أبُو الخَطّابِ بْنُ دِحْيَةَ، ومَقْصُودُهُ الأوْصافُ. [فَصْلٌ: في شَرْحِ مَعانِي أسْمائِهِ ﷺ] أمّا مُحَمَّدٌ، فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن حَمِدَ فَهو مُحَمَّدٌ، إذا كانَ كَثِيرَ الخِصالِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْها، ولِذَلِكَ كانَ أبْلَغَ مِن مَحْمُودٍ، فَإنَّ مَحْمُودًا مِنَ الثَّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، ومُحَمَّدٌ مِنَ المُضاعَفِ لِلْمُبالَغَةِ، فَهو الَّذِي يُحْمَدُ أكْثَرَ مِمّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ مِنَ البَشَرِ، ولِهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - سُمِّيَ بِهِ في التَّوْراةِ لِكَثْرَةِ الخِصالِ المَحْمُودَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها هو ودِينُهُ وأُمَّتُهُ في التَّوْراةِ، حَتّى تَمَنّى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، وقَدْ أتَيْنا عَلى هَذا المَعْنى بِشَواهِدِهِ هُناكَ، وبَيَّنّا غَلَطَ أبي القاسم السهيلي حَيْثُ جَعَلَ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وأنَّ اسْمَهُ في التَّوْراةِ أحْمَدُ. وَأمّا أحْمَدُ، فَهو اسْمٌ عَلى زِنَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُشْتَقٌّ أيْضًا مِنَ الحَمْدِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ هَلْ هو بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ حَمْدُهُ لِلَّهِ أكْثَرُ مِن حَمْدِ غَيْرِهِ لَهُ، فَمَعْناهُ: أحْمَدُ الحامِدِينَ لِرَبِّهِ، ورَجَّحُوا هَذا القَوْلَ بِأنَّ قِياسَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ أنْ يُصاغَ مِن فِعْلِ الفاعِلِ لا مِنَ الفِعْلِ الواقِعِ عَلى المَفْعُولِ، قالُوا: ولِهَذا لا يُقالُ ما أضْرَبَ زَيْدًا، ولا زَيْدٌ أضْرَبُ مِن عَمْرٍو، بِاعْتِبارِ الضَّرْبِ الواقِعِ عَلَيْهِ، ولا: ما أشْرَبَهُ لِلْماءِ، وآكَلَهُ لِلْخُبْزِ، ونَحْوِهِ. قالُوا: لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وفِعْلَ التَّعَجُّبِ إنَّما يُصاغانِ مِنَ الفِعْلِ اللّازِمِ، ولِهَذا يُقَدَّرُ نَقْلُهُ مِن " فَعَلَ " و" فَعِلَ " المَفْتُوحِ العَيْنِ ومَكْسُورِها، إلى " فَعُلَ " المَضْمُومِ العَيْنِ، قالُوا: ولِهَذا يُعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى المَفْعُولِ، فَهَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَقَوْلِكَ: ما أظْرَفَ زَيْدًا، وأكْرَمَ عَمْرًا، وأصْلُهُما: مِن ظَرُفَ وكَرُمَ. قالُوا: لِأنَّ المُتَعَجَّبَ مِنهُ فاعِلٌ في الأصْلِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فِعْلُهُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، قالُوا: وأمّا نَحْوُ: ما أضْرَبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو، فَهو مَنقُولٌ مِن " فَعَلَ " المَفْتُوحِ العَيْنِ إلى " فَعُلَ " المَضْمُومِ العَيْنِ، ثُمَّ عُدِّيَ والحالَةُ هَذِهِ بِالهَمْزَةِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ مَجِيئُهم بِاللّامِ، فَيَقُولُونَ: ما أضْرَبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو، ولَوْ كانَ باقِيًا عَلى تَعَدِّيهِ، لَقِيلَ: ما أضْرَبَ زَيْدًا عَمْرًا؛ لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ، وإلى الآخَرِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ، فَلَمّا أنْ عَدَّوْهُ إلى المَفْعُولِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ عَدَّوْهُ إلى الآخَرِ بِاللّامِ، فَهَذا هو الَّذِي أوْجَبَ لَهم أنْ قالُوا: إنَّهُما لا يُصاغانِ إلّا مِن فِعْلِ الفاعِلِ، لا مِنَ الفِعْلِ الواقِعِ عَلى المَفْعُولِ. وَنازَعَهم في ذَلِكَ آخَرُونَ، وقالُوا: يَجُوزُ صَوْغُهُما مِن فِعْلِ الفاعِلِ، ومِنَ الواقِعِ عَلى المَفْعُولِ، وكَثْرَةُ السَّماعِ بِهِ مِن أبْيَنِ الأدِلَّةِ عَلى جَوازِهِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما أشْغَلَهُ بِالشَّيْءِ، وهو مِن شُغِلَ فَهو مَشْغُولٌ، وكَذَلِكَ يَقُولُونَ ما أوْلَعَهُ بِكَذا، وهو مِن أُولِعَ بِالشَّيْءِ فَهو مُولَعٌ بِهِ، مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ لَيْسَ إلّا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ما أعْجَبَهُ بِكَذا، فَهو مِن أُعْجِبَ بِهِ، ويَقُولُونَ ما أحَبَّهُ إلَيَّ فَهو تَعَجُّبٌ مِن فِعْلِ المَفْعُولِ، وكَوْنِهِ مَحْبُوبًا لَكُ، وكَذا: ما أبْغَضَهُ إلَيَّ، وأمْقَتَهُ إلَيَّ. وَهاهُنا مَسْألَةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَها سِيبَوَيْهِ، وهي أنَّكَ تَقُولُ: ما أبْغَضَنِي لَهُ، وما أحَبَّنِي لَهُ، وما أمْقَتَنِي لَهُ: إذا كُنْتَ أنْتَ المُبْغِضَ الكارِهَ، والمُحِبَّ الماقِتَ، فَتَكُونُ مُتَعَجِّبًا مِن فِعْلِ الفاعِلِ، وتَقُولُ: ما أبْغَضنِي إلَيْهِ، وما أمْقَتَنِي إلَيْهِ، وما أحَبَّنِي إلَيْهِ: إذا كُنْتَ أنْتَ البَغِيضُ المَمْقُوتُ، أوِ المَحْبُوبُ، فَتَكُونُ مُتَعَجِّبًا مِنَ الفِعْلِ الواقِعِ عَلى المَفْعُولِ، فَما كانَ بِاللّامِ فَهو لِلْفاعِلِ، وما كانَ بِـ " إلى " فَهو لِلْمَفْعُولِ. وَأكْثَرُ النُّحاةِ لا يُعَلِّلُونَ بِهَذا، والَّذِي يُقالُ في عِلَّتِهِ واللَّهُ أعْلَمُ: إنَّ اللّامَ تَكُونُ لِلْفاعِلِ في المَعْنى، نَحْوُ قَوْلِكَ: لِمَن هَذا؟ فَيُقالُ: لِزَيْدٍ، فَيُؤْتى بِاللّامِ. وأمّا " إلى " فَتَكُونُ لِلْمَفْعُولِ في المَعْنى، فَتَقُولُ: إلى مَن يَصِلُ هَذا الكِتابُ؟ فَتَقُولُ: إلى عَبْدِ اللَّهِ، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ اللّامَ في الأصْلِ لِلْمِلْكِ والِاخْتِصاصِ، والِاسْتِحْقاقُ إنَّما يَكُونُ لِلْفاعِلِ الَّذِي يَمْلِكُ ويَسْتَحِقُّ، و" إلى " لِانْتِهاءِ الغايَةِ، والغايَةُ مُنْتَهى ما يَقْتَضِيهِ الفِعْلُ فَهي بِالمَفْعُولِ ألْيَقُ؛ لِأنَّها تَمامُ مُقْتَضى الفِعْلِ، ومِنَ التَّعَجُّبِ مِن فِعْلِ المَفْعُولِ قَوْلُ كعب بن زهير في النَّبِيِّ ﷺ: ؎فَلَهْوَ أخْوَفُ عِنْدِي إذْ أُكَلِّمُهُ ∗∗∗ وقِيلَ إنَّكَ مَحْبُوسٌ ومَقْتُولُ ؎مِن خادِرٍ مِن لُيُوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ ∗∗∗ بِبَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ فَأخْوَفُ هاهُنا، مِن خِيفَ فَهو مَخُوفٌ لا مِن خافَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ما أجَنَّ زَيْدًا، مِن جُنَّ فَهو مَجْنُونٌ، هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ ومَن وافَقَهم. قالَ البَصْرِيُّونَ: كُلُّ هَذا شاذٌّ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَلا نُشَوِّشُ بِهِ القَواعِدَ، ويَجِبُ الِاقْتِصارُ مِنهُ عَلى المَسْمُوعِ، قالَ الكُوفِيُّونَ: كَثْرَةُ هَذا في كَلامِهِمْ نَثْرًا ونَظْمًا يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلى الشُّذُوذِ؛ لِأنَّ الشّاذَّ ما خالَفَ اسْتِعْمالَهم ومُطَّرِدَ كَلامِهِمْ، وهَذا غَيْرُ مُخالِفٍ لِذَلِكَ، قالُوا: وأمّا تَقْدِيرُكم لُزُومَ الفِعْلِ ونَقْلَهُ إلى فَعُلَ فَتَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وما تَمَسَّكْتُمْ بِهِ مِنَ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ إلى آخِرِهِ فَلَيْسَ الأمْرُ فِيها كَما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ، والهَمْزَةُ في هَذا البِناءِ لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وإنَّما هي لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى التَّعَجُّبِ والتَّفْضِيلِ فَقَطْ، كَألِفِ " فاعِلٍ " ومِيمِ " مَفْعُولٍ " وواوِهُ وتاءِ الِافْتِعالِ والمُطاوَعَةِ ونَحْوِها مِنَ الزَّوائِدِ الَّتِي تَلْحَقُ الفِعْلَ الثَّلاثِيَّ لِبَيانِ ما لَحِقَهُ مِنَ الزَّيادَةِ عَلى مُجَرَّدِهِ، فَهَذا هو السَّبَبُ الجالِبُ لِهَذِهِ الهَمْزَةِ لا تَعْدِيَةُ الفِعْلِ. قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الفِعْلَ الَّذِي يُعَدّى بِالهَمْزَةِ يَجُوزُ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وبِالتَّضْعِيفِ، نَحْوُ: جَلَسْتُ بِهِ وأجْلَسْتُهُ وقُمْتُ بِهِ وأقَمْتُهُ، ونَظائِرِهِ، وهُنا لا يَقُومُ مَقامَ الهَمْزَةِ غَيْرُها، فَعُلِمَ أنَّها لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ المُجَرَّدَةِ أيْضًا، فَإنَّها تُجامِعُ باءَ التَّعْدِيَةِ، نَحْوُ: أكْرِمْ بِهِ وأحْسِنْ بِهِ، ولا يُجْمَعُ عَلى الفِعْلِ بَيْنَ تَعْدِيَتَيْنِ. وَأيْضًا فَإنَّهم يَقُولُونَ: ما أعْطاهُ لِلدَّراهِمِ، وأكْساهُ لِلثِّيابِ، وهَذا مِن أعْطى وكَسا المُتَعَدِّي، ولا يَصِحُّ تَقْدِيرُ نَقْلِهِ إلى " عَطَوَ ": إذا تَناوَلَ ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ لِفَسادِ المَعْنى، فَإنَّ التَّعَجُّبَ إنَّما وقَعَ مِن إعْطائِهِ، لا مِن عَطْوِهِ وهو تَناوُلُهُ، والهَمْزَةُ الَّتِي فِيهِ هَمْزَةُ التَّعَجُّبِ والتَّفْضِيلِ، وحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ الَّتِي في فِعْلِهِ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: هي لِلتَّعْدِيَةِ. قالُوا: وأمّا قَوْلُكُمْ: إنَّهُ عُدِّيَ بِاللّامِ في نَحْوِ: ما أضْرَبَهُ لِزَيْدٍ. . . إلى آخِرِهِ، فالإتْيانُ بِاللّامِ هاهُنا لَيْسَ لِما ذَكَرْتُمْ مِن لُزُومِ الفِعْلِ، وإنَّما أُتِيَ بِها تَقْوِيَةً لَهُ لَمّا ضَعُفَ بِمَنعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ، وأُلْزِمَ طَرِيقَةً واحِدَةً خَرَجَ بِها عَنْ سُنَنِ الأفْعالِ، فَضَعُفَ عَنِ اقْتِضائِهِ وعَمَلِهِ، فَقَوِيَ بِاللّامِ كَما يَقْوى بِها عِنْدَ تَقَدُّمِ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، وعِنْدَ فَرْعِيَّتِهِ، وهَذا المَذْهَبُ هو الرّاجِحُ كَما تَراهُ. فَلْنَرْجِعْ إلى المَقْصُودِ فَنَقُولُ: تَقْدِيرُ أحْمَدَ عَلى قَوْلِ الأوَّلِينَ: أحْمَدُ النّاسِ لِرَبِّهِ، وعَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ: أحَقُّ النّاسِ وأوْلاهم بِأنْ يُحْمَدَ، فَيَكُونُ كَمُحَمَّدٍ في المَعْنى، إلّا أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ " مُحَمَّدًا " هو كَثِيرُ الخِصالِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْها، و" أحْمَدُ " هو الَّذِي يُحْمَدُ أفْضَلَ مِمّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ، فَمُحَمَّدٌ في الكَثْرَةِ والكَمِّيَّةِ، وأحْمَدُ في الصِّفَةِ والكَيْفِيَّةِ، فَيَسْتَحِقُّ مِنَ الحَمْدِ أكْثَرَ مِمّا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ، وأفْضَلَ مِمّا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ، فَيُحْمَدُ أكْثَرَ حَمْدٍ وأفْضَلَ حَمْدٍ حَمِدَهُ البَشَرُ. فالِاسْمانِ واقِعانِ عَلى المَفْعُولِ وهَذا أبْلَغُ في مَدْحِهِ وأكْمَلُ مَعْنًى. ولَوْ أُرِيدَ مَعْنى الفاعِلِ لَسُمِّيَ الحَمّادَ، أيْ كَثِيرَ الحَمْدِ، فَإنَّهُ ﷺ كانَ أكْثَرَ الخَلْقِ حَمْدًا لِرَبِّهِ، فَلَوْ كانَ اسْمُهُ أحْمَدَ بِاعْتِبارِ حَمْدِهِ لِرَبِّهِ لَكانَ الأوْلى بِهِ الحَمّادَ كَما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ أُمَّتُهُ. وَأيْضًا: فَإنَّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ إنَّما اشْتُقّا مِن أخْلاقِهِ وخَصائِصِهِ المَحْمُودَةِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقَّ أنْ يُسَمّى مُحَمَّدًا ﷺ، وأحْمَدُ وهو الَّذِي يَحْمَدُهُ أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ وأهْلُ الدُّنْيا وأهْلُ الآخِرَةُ؛ لِكَثْرَةِ خَصائِلِهِ المَحْمُودَةِ الَّتِي تَفُوقُ عَدَّ العادِّينَ وإحْصاءَ المُحْصِينَ، وقَدْ أشْبَعْنا هَذا المَعْنى في كِتابِ الصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ ﷺ، وإنَّما ذَكَرْنا هاهُنا كَلِماتٍ يَسِيرَةً اقْتَضَتْها حالُ المُسافِرِ وتَشَتُّتُ قَلْبِهِ وتَفَرُّقُ هِمَّتِهِ، وبِاللَّهِ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التَّكْلانُ. وَأمّا اسْمُهُ المُتَوَكِّلُ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُهُ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، بَلْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، ولَنْ أقْبِضَهُ حَتّى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ، بِأنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) وَهُوَ ﷺ أحَقُّ النّاسِ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في إقامَةِ الدِّينِ تَوَكُّلًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَأمّا الماحِي، والحاشِرُ، والمُقَفِّي، والعاقِبُ، فَقَدْ فُسِّرَتْ في حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، فالماحِي: هو الَّذِي مَحا اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ، ولَمْ يَمْحُ الكُفْرَ بِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ ما مُحِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُ بُعِثَ وأهْلُ الأرْضِ كُلُّهم كُفّارٌ إلّا بَقايا مِن أهْلِ الكِتابِ، وهم ما بَيْنَ عُبّادِ أوْثانٍ ويَهُودَ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِمْ ونَصارى ضالِّينَ وصابِئَةٍ دَهْرِيَّةٍ لا يَعْرِفُونَ رَبًّا ولا مَعادًا، وبَيْنَ عُبّادِ الكَواكِبِ، وعُبّادِ النّارِ، وفَلاسِفَةٍ لا يَعْرِفُونَ شَرائِعَ الأنْبِياءِ، ولا يُقِرُّونَ بِها، فَمَحا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِرَسُولِهِ ذَلِكَ حَتّى ظَهَرَ دِينُ اللَّهِ عَلى كُلِّ دِينٍ، وبَلَغَ دِينُهُ ما بَلَغَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وسارَتْ دَعْوَتُهُ مَسِيرَ الشَّمْسِ في الأقْطارِ. وَأمّا الحاشِرُ، فالحَشْرُ هو الضَّمُّ والجَمْعُ، فَهو الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِهِ، فَكَأنَّهُ بُعِثَ لِيُحْشَرَ النّاسُ. والعاقِبُ: الَّذِي جاءَ عَقِبَ الأنْبِياءِ، فَلَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ، فَإنَّ العاقِبَ هو الآخِرُ، فَهو بِمَنزِلَةِ الخاتَمِ، ولِهَذا سُمِّيَ العاقِبَ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: عَقِبَ الأنْبِياءَ جاءَ بِعَقِبِهِمْ. وَأمّا المُقَفِّي فَكَذَلِكَ، وهو الَّذِي قَفّى عَلى آثارِ مَن تَقَدَّمَهُ، فَقَفّى اللَّهُ بِهِ عَلى آثارِ مَن سَبَقَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وهَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ القَفْوِ، يُقالُ: قَفاهُ يَقْفُوهُ: إذا تَأخَّرَ عَنْهُ، ومِنهُ: قافِيَةُ الرَّأْسِ، وقافِيَةُ البَيْتِ، فالمُقَفِّي: الَّذِي قَفّى مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ فَكانَ خاتَمَهم وآخِرَهم. وَأمّا نَبِيُّ التَّوْبَةِ: فَهو الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بِهِ بابَ التَّوْبَةِ عَلى أهْلِ الأرْضِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَوْبَةً لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُها لِأهْلِ الأرْضِ قَبْلَهُ. وكانَ ﷺ أكْثَرَ النّاسِ اسْتِغْفارًا وتَوْبَةً، حَتّى كانُوا يَعُدُّونَ لَهُ في المَجْلِسِ الواحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الغَفُورُ». وَكانَ يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ تُوبُوا إلى اللَّهِ رَبِّكم فَإنِّي أتُوبُ إلى اللَّهِ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»، وكَذَلِكَ تَوْبَةُ أُمَّتِهِ أكْمَلُ مِن تَوْبَةِ سائِرِ الأُمَمِ وأسْرَعُ قَبُولًا وأسْهَلُ تَناوُلًا، وكانَتْ تَوْبَةُ مَن قَبْلَهم مِن أصْعَبِ الأشْياءِ، حَتّى كانَ مِن تَوْبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلِكَرامَتِها عَلى اللَّهِ تَعالى جَعَلَ تَوْبَتَها النَّدَمَ والإقْلاعَ. وَأمّا نَبِيُّ المَلْحَمَةِ، فَهو الَّذِي بُعِثَ بِجِهادِ أعْداءِ اللَّهِ، فَلَمْ يُجاهِدْ نَبِيٌّ وأُمَّتُهُ قَطُّ ما جاهَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتُهُ، والمَلاحِمُ الكِبارُ الَّتِي وقَعَتْ وتَقَعُ بَيْنَ أُمَّتِهِ وبَيْنَ الكُفّارِ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها قَبْلَهُ، فَإنَّ أُمَّتَهُ يَقْتُلُونَ الكُفّارَ في أقْطارِ الأرْضِ عَلى تَعاقُبِ الأعْصارِ، وقَدْ أوْقَعُوا بِهِمْ مِنَ المَلاحِمِ ما لَمْ تَفْعَلْهُ أُمَّةٌ سِواهم. وَأمّا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، فَهو الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فَرُحِمَ بِهِ أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَنالُوا النَّصِيبَ الأوْفَرَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وأمّا الكُفّارُ فَأهْلُ الكِتابِ مِنهم عاشُوا في ظِلِّهِ وتَحْتَ حَبْلِهِ وعَهْدِهِ، وأمّا مَن قَتَلَهُ مِنهم هو وأُمَّتُهُ فَإنَّهم عَجَّلُوا بِهِ إلى النّارِ وأراحُوهُ مِنَ الحَياةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لا يَزْدادُ بِها إلّا شِدَّةَ العَذابِ في الآخِرَةِ. وَأمّا الفاتِحُ، فَهو الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بِهِ بابَ الهُدى بَعْدَ أنْ كانَ مُرْتَجًا، وفَتَحَ بِهِ الأعْيُنَ العُمْيَ والآذانَ الصُّمَّ والقُلُوبَ الغُلْفَ، وفَتَحَ اللَّهُ بِهِ أمْصارَ الكُفّارِ، وفَتَحَ بِهِ أبْوابَ الجَنَّةِ، وفَتَحَ بِهِ طُرُقَ العِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ فَفَتَحَ بِهِ الدُّنْيا والآخِرَةَ والقُلُوبَ والأسْماعَ والأبْصارَ والأمْصارَ. وَأمّا الأمِينُ، فَهو أحَقُّ العالَمِينَ بِهَذا الِاسْمِ، فَهو أمِينُ اللَّهِ عَلى وحْيِهِ ودِينِهِ، وهو أمِينُ مَن في السَّماءِ، وأمِينُ مَن في الأرْضِ، ولِهَذا كانُوا يُسَمُّونَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ الأمِينَ. وَأمّا الضَّحُوكُ القَتّالُ، فاسْمانِ مُزْدَوِجانِ لا يُفْرَدُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فَإنَّهُ ضَحُوكٌ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ عابِسٍ ولا مُقَطِّبٍ ولا غَضُوبٍ ولا فَظٍّ، قَتّالٌ لِأعْداءِ اللَّهِ لا تَأْخُذُهُ فِيهِمْ لَوْمَةُ لائِمٍ. وَأمّا البَشِيرُ، فَهو المُبَشِّرُ لِمَن أطاعَهُ بِالثَّوابِ، والنَّذِيرُ المُنْذِرُ لِمَن عَصاهُ بِالعِقابِ، وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ عَبْدَهُ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ مِنها، قَوْلُهُ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] وَقَوْلُهُ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] وَثَبَتَ عَنْهُ في " الصَّحِيحِ " أنَّهُ قالَ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ» وسَمّاهُ اللَّهُ سِراجًا مُنِيرًا، وسَمّى الشَّمْسَ سِراجًا وهّاجًا. والمُنِيرُ: هو الَّذِي يُنِيرُ مِن غَيْرِ إحْراقٍ، بِخِلافِ الوَهّاجِ فَإنَّ فِيهِ نَوْعُ إحْراقٍ وتَوَهُّجٍ.

محمد 47:5

(من حِكَم وأسرار الابتلاء) اعلم أنه قد يترتب على خلق من يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك فلولا كفر قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان وبقيت يتحدث بها الناس على ممر الزمان ولولا كفر عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه ولولا كفر قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة ولا كفر فرعون لما ظهرت تلك الآيات والعجائب يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة واهتدى من شاء الله فهلك بها من هلك عن بينه وحي بها من حي عن بينة وظهر بها فضل الله وعدله وحكمته وآيات رسله وصدقهم فمعارضة الرسل وكسر حججهم ودحضها والجواب عنها وإهلاك الله لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه ولولا مجيء المشركين بالحد والحديد والعدد والشوكة يوم بدر لما حصلت تلك الآية العظيمة التي يترتب عليها من الإيمان والهدى والخير ما لم يكن حاصلا مع عدمها وقد بينا أن الموقوف على الشيء لا يوجد بدونه ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع فلله كم عمرت قصة بدر من ربع أصبح آهلا بالإيمان وقد فتحت لأولي النهى من باب وصلوا منه إلى الهدى والإيقان وكم حصل بها من محبوب للرحمن وغيظ للشيطان وتلك المفسدة التي حصلت في ضمنها للكفار مغمورة جدا بالنسبة إلى مصالحها وحكمها وهي كمفسدة المطر إذا قطع المسافر وبل الثياب وخرب بعض البيوت بالنسبة إلى مصلحة العامة وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون للأمم من الهدى والإيمان الذي غمر مفسدة من هلك به حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته فكم لله من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه وأكرم فيها أولياءه وكم له فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكر بها أمته فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ فذكرهم بأيامه وإنعامه ونجاتهم من عدوهم وإهلاكهم وهم ينظرون فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك الأبناء وذبحهم واضمحلت فإنهم صاروا إلى النعيم وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون. (فصل) وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى فالأول كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأما قوله: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم. ويحتمل أن يكون منه ويكون قوله ﴿سيهديهم ويصلح بالهم﴾ إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا. وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد له كل وقت نوعا من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئا بعد شيء. فإن قلت فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا؟ قلت الخبر قوله: ﴿فلن يضل أعمالهم﴾ أي أنه لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها. هذا بعد أن قتلوا، ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنهم سيقتلون في سبيله، وأنهم بذلوا أنفسهم له. فلهم جزاآن جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد، وجزاء في الآخرة بدخول الجنة. فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور المعنى وعدم التباسه، وهو في القرآن كثير والله أعلم. (فصل) المرتبة الرابعة من مراتب الهداية الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ فهذه هداية بعد قتلهم. فقيل: المعنى سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم وقال ابن عباس سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا. واستشكل هذا القول لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم سيهديهم. واختاره الزجاج وقال: "يصلح بالهم في المعاش وأحكام الدنيا" قال: "وأراد به يجمع لهم خير الدنيا والآخرة" وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله ﴿قتلوا في سبيل الله﴾ على معنى يصح معه إثبات الهداية وإصلاح البال. (فصل: في ذكر معرفتهم لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلو الجنة وإن لم يروها قبل ذلك) قال تعالى ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهم ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قال مجاهد: "يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلوا عليها أحدا" وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: "هم أعرف بمنازلهم من أهل الجنة إذا انصرفوا إلى منازلهم" وقال محمد بن كعب: "يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة" هذا قول جمهور المفسرين وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة عرفها لهم أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال وقال مقاتل ابن حيان: "بلغنا أن الملك الموكل بحفظ بني آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتيه أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه" وقال سلمة بن كهيل: "طرقها لم ومعنى هذا أنه طرقها لهم حتى يهتدوا إليها" وقال الحسن: "وصف الله الجنة في الدينا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها. وعلى هذا القول فالتعريف وقع في الدنيا، ويكون المعنى يدخلهم الجنة التي عرفها لهم. وعلى القول الأول يكون التعريف واقعا في الآخرة. هذا كله إذا قيل إنه من التعريف. وفيها قول آخر أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة. وهذا اختيار الزجاج أي طيبها ومنه طعام معرف أي مطيب. وقيل: هو من العرف وهو التتابع: أي تابع لهم طيباتها وملاذها. والقول هو الأول وأنه سبحانه أعلمها وبينها بما يعلم به كل أحد منزله وداره فلا يتعداه إلى غيره. وفي صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، والذي نفسي بيده أن أحدهم بمنزلة في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا" وفي مسند آخر من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة وبأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة". ((الجزء السادس عشر))

محمد 47:6

(من حِكَم وأسرار الابتلاء) اعلم أنه قد يترتب على خلق من يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك فلولا كفر قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان وبقيت يتحدث بها الناس على ممر الزمان ولولا كفر عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه ولولا كفر قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة ولا كفر فرعون لما ظهرت تلك الآيات والعجائب يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة واهتدى من شاء الله فهلك بها من هلك عن بينه وحي بها من حي عن بينة وظهر بها فضل الله وعدله وحكمته وآيات رسله وصدقهم فمعارضة الرسل وكسر حججهم ودحضها والجواب عنها وإهلاك الله لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه ولولا مجيء المشركين بالحد والحديد والعدد والشوكة يوم بدر لما حصلت تلك الآية العظيمة التي يترتب عليها من الإيمان والهدى والخير ما لم يكن حاصلا مع عدمها وقد بينا أن الموقوف على الشيء لا يوجد بدونه ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع فلله كم عمرت قصة بدر من ربع أصبح آهلا بالإيمان وقد فتحت لأولي النهى من باب وصلوا منه إلى الهدى والإيقان وكم حصل بها من محبوب للرحمن وغيظ للشيطان وتلك المفسدة التي حصلت في ضمنها للكفار مغمورة جدا بالنسبة إلى مصالحها وحكمها وهي كمفسدة المطر إذا قطع المسافر وبل الثياب وخرب بعض البيوت بالنسبة إلى مصلحة العامة وتأمل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون للأمم من الهدى والإيمان الذي غمر مفسدة من هلك به حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته فكم لله من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه وأكرم فيها أولياءه وكم له فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكر بها أمته فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ فذكرهم بأيامه وإنعامه ونجاتهم من عدوهم وإهلاكهم وهم ينظرون فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك الأبناء وذبحهم واضمحلت فإنهم صاروا إلى النعيم وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون. (فصل) وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى فالأول كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأما قوله: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم. ويحتمل أن يكون منه ويكون قوله ﴿سيهديهم ويصلح بالهم﴾ إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا. وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد له كل وقت نوعا من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئا بعد شيء. فإن قلت فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا؟ قلت الخبر قوله: ﴿فلن يضل أعمالهم﴾ أي أنه لا يبطلها عليهم ولا يترهم إياها. هذا بعد أن قتلوا، ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم أنه سيهديهم ويصلح بالهم لما علم أنهم سيقتلون في سبيله، وأنهم بذلوا أنفسهم له. فلهم جزاآن جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد، وجزاء في الآخرة بدخول الجنة. فيرد السامع كل جملة إلى وقتها لظهور المعنى وعدم التباسه، وهو في القرآن كثير والله أعلم. (فصل) المرتبة الرابعة من مراتب الهداية الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ فهذه هداية بعد قتلهم. فقيل: المعنى سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم وقال ابن عباس سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا. واستشكل هذا القول لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم سيهديهم. واختاره الزجاج وقال: "يصلح بالهم في المعاش وأحكام الدنيا" قال: "وأراد به يجمع لهم خير الدنيا والآخرة" وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله ﴿قتلوا في سبيل الله﴾ على معنى يصح معه إثبات الهداية وإصلاح البال. (فصل: في ذكر معرفتهم لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلو الجنة وإن لم يروها قبل ذلك) قال تعالى ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهم ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ قال مجاهد: "يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلوا عليها أحدا" وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: "هم أعرف بمنازلهم من أهل الجنة إذا انصرفوا إلى منازلهم" وقال محمد بن كعب: "يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة" هذا قول جمهور المفسرين وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة عرفها لهم أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال وقال مقاتل ابن حيان: "بلغنا أن الملك الموكل بحفظ بني آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتيه أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه" وقال سلمة بن كهيل: "طرقها لم ومعنى هذا أنه طرقها لهم حتى يهتدوا إليها" وقال الحسن: "وصف الله الجنة في الدينا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها. وعلى هذا القول فالتعريف وقع في الدنيا، ويكون المعنى يدخلهم الجنة التي عرفها لهم. وعلى القول الأول يكون التعريف واقعا في الآخرة. هذا كله إذا قيل إنه من التعريف. وفيها قول آخر أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة. وهذا اختيار الزجاج أي طيبها ومنه طعام معرف أي مطيب. وقيل: هو من العرف وهو التتابع: أي تابع لهم طيباتها وملاذها. والقول هو الأول وأنه سبحانه أعلمها وبينها بما يعلم به كل أحد منزله وداره فلا يتعداه إلى غيره. وفي صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، والذي نفسي بيده أن أحدهم بمنزلة في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا" وفي مسند آخر من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة وبأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة". ((الجزء السادس عشر))

محمد 47:15

(فصل) قال الطبراني حدثنا معاذ بن المثني حدثنا علي بن المديني حدثنا ريحان بن سعيد عن عبادة بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن إسماعيل عن ثوبان بن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى" وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عقبة بن مكرم العمي حدثنا ربعي بن إبراهيم بن عليه حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى قال قال رسول الله ﷺ: "أهبط الله آدم من الجنة عليه السلام وعلمه صنعة كل شيء وزوده من ثمار الجنة فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أنها تغير وتلك لا تغير" وقد تقدم: أن سدرة المنتهى نبقها مثل القلال. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفا أخذته وفي لفظ فتناولت منها قطفا فقصرت عنه يدي" وقال أبو خيثمة حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبيد الله حدثنا ابن عقيل عن جابر قال بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله فتقدمنا ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب يا رسول الله ﷺ صنعت اليوم في صلاتك شيئا ما كنت تصنعه قال: "إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه". وقال ابن المبارك أنبأنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ثمر الجنة أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيه عجم". وقال سعيد بن منصور حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: "إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما وقعودا ومضطجعين على أي حال شاؤا" (فصل: في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها مجراها الذي تجرى عليه) وقد تكرر في القرآن في عدة مواضع قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنهار﴾ وفي موضع ﴿تَجْرِي تَحْتَها الأنهار﴾ وفي موضع ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ وهذا يدل على أمور: أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية. الثاني: أنهار جارية لا واقفة. الثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا، وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم إذ لا يكون فوق المكان تحته وهؤلاء أوتوا من ضعف الفهم فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهلكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنهار﴾ فهذا على ما هو المعهود والمتعارف، وكذلك ما حكاه من قول فرعون ﴿وَهَذِهِ الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ وقال تعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ قال ابن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يمان عن أشعب عن جعفر عن سعيد قال نضاختان بالماء والفواكه وحدثنا ابن يمان عن أبي إسحاق عن أبان عن أنس قال نضاختان بالمسك والعنبر ينضخان على دور أهل الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا وحدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء قال اللتان تجريان أفضل من النضاختين وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنهار مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنهار مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنهار مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنهار مِن عَسَلٍ مُصَفّىً ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصا وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي في اللذة وشربها وآفة العسل عدم تصفيته. وهذا من آيات الرب تعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول والإنزاف وعدم اللذة فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا تغتال العقل ويكثر اللغو على شربها بل لا يطيب لشرابها ذلك إلا باللغو وتنزف في نفسها وتنزف المال وتصدع الرأس وهي كريهة المذاق وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتدعو إلى الزنا وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم وتذهب الغيرة وتورث الخزي والندامة والفضيحة وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين وتسلبه أحسن الأسماء والسمات وتكسوه أقبح الأسماء والصفات وتسهل قتل النفس وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قياما له ولم يلزمه مؤونته وتهتك الأستار وتظهر الأسرار وتدل على العورات وتهون ارتكاب القبائح والمأثم وتخرج من القلب تعظيم المحارم ومدمنها كعابد وثن وكم أهاجت من حرب وأفقرت من غنى وأذلت من عزيز ووضعت من شريف وسلبت من نعمة وجلبت من نقمة وفسخت من مودة ونسجت من عداوة وكم فرقت بين رجل وزوجته فذهبت بقلبه وراحت بلبه وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة وكم أغلقت في وجه شاربها بابا من الخير وفتحت له بابا من الشر وكم أوقعت في بلية وعجلت من منيته وكم أورثت من خزية وجرت على شاربها من محبة وجرت عليه من سفلة فهي جماع الإثم ومفتاح الشر وسلابة النعم وجالبة النقم ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه أنه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة". لكفى وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا وكلها منتفية عن خمر الجنة فإن قيل فقد وصف سبحانه الأنهار بأنها جارية ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن فما فائدة قوله: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ قيل: الماء الجاري وإن كان لا يآسن فإنه إذا أخذ منه شيء وطال مكثه أسن وماء الجنة لا يعرض له ذلك ولو طال مكثه ما طال وتأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس فهذا لشربهم وطهورهم وهذا لقوتهم وغذائهم وهذا للذتهم وسرورهم وهذا لشفاعتهم ومنفعتهم والله أعلم. (فصل) وأنهار الجنة تتفجر من أعلاها ثم تنحدر نازلة إلى أقصى درجاتها كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أن في الجنة مائة درجة أعدها الله عز وجل للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة وروى الترمذي نحوه من حديث معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت ولفظ حديث عبادة: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام، والفردوس أعلاها درجة ومنها الأنهار الأربعة والعرش فوقها فإن سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى" وفي المعجم للطبراني أني من حديث الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ: «الفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الجَنَّةِ وأعْلاها وأوْسَطُها، ومِنها تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» وفي صحيح البخاري من حديث شعبة عن قتادة قال أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: يا جبريل ما هذا قال أما النهران الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات" وفي صحيحه أيضا من حديث همام عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ والمجوف فقلت ما هذا يا جبريل قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال فضرب الملك بيده فإذا طينة مسك أذفر" وفي صحيح مسلم من حديث المختار بن فلفل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي عز وجل " وقال محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: "دخلت الجنة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت يدي إلى ما يجري فيه من الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت لمن هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك الله عز وجل" وفي جامع الترمذي من حديث الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد" قال هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن سمرة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "من سره أن يسقيه الله عز وجل من الخمر في الآخرة فليتركه في الدنيا، ومن سره أن يكسيه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا، وأنهار الجنة تفجر من تحت تلال أو تحت جبال المسك، ولو كان أدنى أهل الجنة حلية عدلت بحلية أهل الدنيا جميعا لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعا" وذكر الأعمش عن عمرو بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: "إن أنهار الجنة تفجر من جبل مسك" وهذا موقوف صحيح. وذكر ابن مردويه في مسنده حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحرث بن عبيد حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ: "هذه الأنهار تشخب من جنة عدن في جوبه ثم تصدع بعد أنهارا" وقال ابن أبي الدنيا حدثنا يعقوب بن عبيدة حدثنا يزيد بن هارون حدثنا الحريري عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال: أظنكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض إحدى حافتيها اللؤلؤ، والأخرى الياقوت، وطينها المسك الأذفر قال: قلت: ما الأذفر قال: الذي لا خلط له.

محمد 47:16

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهم والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدىً وآتاهم تقواهم﴾ فجمع لَهُم بَين اتّباع الهوى والضلال الَّذِي هو ثَمَرَته وموجبه، كَما جمع للمهتدين بَين التَّقْوى والهدى. (فائدة) هِدايَتُهُ تَعالى لِعَبْدِهِ قَبْلَ الِاهْتِداءِ، فَيَهْتَدِي بِهِدايَتِهِ، فَتُوجِبُ لَهُ تِلْكَ الهِدايَةُ هِدايَةً أُخْرى يُثِيبُهُ اللَّهُ بِها هِدايَةً عَلى هِدايَتِهِ، فَإنَّ مِن ثَوابِ الهُدى الهُدى بَعْدَهُ، كَما أنَّ مِن عُقُوبَةِ الضَّلالَةِ الضَّلالَةُ بَعْدَها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] فَهَداهم أوْلًا فاهْتَدَوْا، فَزادَهم هُدًى ثانِيًا، وعَكْسُهُ في أهْلِ الزَّيْغِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فَهَذِهِ الإزاغَةُ الثّانِيَةُ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى زَيْغِهِمْ. [فصل: العِبْرَةُ بِإرادَةِ التَّكَلُّمِ لا بِلَفْظِهِ] وَهَذا أمْرٌ يَعُمُّ أهْلَ الحَقِّ والباطِلِ، لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فاللَّفْظُ الخاصُّ قَدْ يَنْتَقِلُ إلى مَعْنى العُمُومِ بِالإرادَةِ والعامُّ قَدْ يَنْتَقِلُ إلى الخُصُوصِ بِالإرادَةِ، فَإذا دُعِيَ إلى غَداءٍ فَقالَ: واللَّهِ لا أتَغَدّى، أوْ قِيلَ لَهُ: " نَمْ " فَقالَ: واللَّهِ لا أنامُ، أوْ: " اشْرَبْ هَذا الماءَ " فَقالَ: واللَّهِ لا أشْرَبُ، فَهَذِهِ كُلُّها ألْفاظٌ عامَّةٌ نُقِلَتْ إلى مَعْنى الخُصُوصِ بِإرادَةِ المُتَكَلِّمِ الَّتِي يَقْطَعُ السّامِعُ عِنْدَ سَماعِها بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّفْيَ العامَّ إلى آخِرِ العُمْرِ، والألْفاظُ لَيْسَتْ تَعَبُّدِيَّةً، والعارِفُ يَقُولُ: ماذا أرادَ؟ واللَّفْظِيُّ يَقُولُ: ماذا قالَ؟ كَما كانَ الَّذِينَ لا يَفْقَهُونَ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ وعَلى أمْثالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، فَذَمَّ مَن لَمْ يَفْقَهْ كَلامَهُ، والفِقْهُ أخَصُّ مِن الفَهْمِ، وهو فَهْمُ مُرادِ المُتَكَلِّمِ مِن كَلامِهِ، وهَذا قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ فَهْمِ وضْعِ اللَّفْظِ في اللُّغَةِ، وبِحَسَبِ تَفاوُتِ مَراتِبِ النّاسِ في هَذا تَتَفاوَتُ مَراتِبُهم في الفِقْهِ والعِلْمِ. فَصْلٌ [الصَّحابَةُ سادَةُ أهْلِ الفَتْوى] وَكَما أنَّ الصَّحابَةَ سادَةُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها وقادَتُها فَهم ساداتُ المُفْتِينَ والعُلَماءِ. قالَ اللَّيْثُ عَنْ مُجاهِدٍ: العُلَماءُ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْله تَعالى: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقالَ يَزِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَمّا حَضَرَ مُعاذَ بْنُ جَبَلٍ المَوْتُ قِيلَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أوْصِنا، قالَ أجْلِسُونِي، إنّ العِلْمَ والإيمانَ مَكانُهُما مَن ابْتَغاهُما وجَدَهُما، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، التَمِسْ العِلْمَ عِنْدَ أرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرِ بْنِ أبِي الدَّرْداءِ، وعِنْدَ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وَقالَ مالِكُ بْنُ يَخامُرَ: لَمّا حَضَرَتْ مُعاذًا الوَفاةُ بَكَيْتُ، فَقالَ ما يُبْكِيكَ؟ قُلْت: واللَّهِ ما أبْكِي عَلى دُنْيا كُنْتُ أُصِيبُها مِنك، ولَكِنْ أبْكِي عَلى العِلْمِ والإيمانِ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أتَعَلَّمُهُما مِنك، فَقالَ: إنّ العِلْمَ والإيمانَ مَكانُهُما، مَن ابْتَغاهُما وجَدَهُما، اطْلُبْ العِلْمَ عِنْدَ أرْبَعَةٍ، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ عَجَزَ عَنْهُ هَؤُلاءِ فَسائِرُ أهْلِ الأرْضِ عَنْهُ أعْجَزُ، فَعَلَيْك بِمُعَلِّمِ إبْراهِيمَ، قالَ: فَما نَزَلَتْ بِي مَسْألَةٌ عَجَزْت عَنْها إلّا قُلْت: يا مُعَلِّمَ إبْراهِيمَ. وَقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ أبِي إسْحاقَ، قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: عُلَماءُ الأرْضِ ثَلاثَةٌ، فَرَجُلٌ بِالشّامِ، وآخَرُ بِالكُوفَةِ، وآخَرُ بِالمَدِينَةِ، فَأمّا هَذانِ فَيَسْألانِ الَّذِي بِالمَدِينَةِ، واَلَّذِي بِالمَدِينَةِ لا يَسْألُهُما عَنْ شَيْءٍ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: ثَلاثَةٌ يَسْتَفْتِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ: فَكانَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ يَسْتَفْتِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وكانَ عَلِيٌّ وأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ يَسْتَفْتِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، قالَ الشَّيْبانِيُّ: فَقُلْت لِلشَّعْبِيِّ: وكانَ أبُو مُوسى بِذاكَ؟ فَقالَ: ما كانَ أعْلَمَهُ، قُلْت: فَأيْنَ مُعاذٌ؟ فَقالَ: هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقالَ أبُو البَخْتَرِيِّ: قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: حَدِّثْنا عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: عَنْ أيِّهِمْ؟ قالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: قَرَأ القُرْآنَ، وعَلِمَ السُّنَّةَ، ثُمَّ انْتَهى، وكَفاهُ بِذَلِكَ؛ قالَ: فَحَدِّثْنا عَنْ حُذَيْفَةَ: قالَ: أعْلَمُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ بِالمُنافِقِينَ. قالُوا: فَأبُو ذَرٍّ، قالَ: كُنَيْفٌ مَلِيءٌ عِلْمًا عَجَزَ فِيهِ. قالُوا: فَعَمّارٌ، قالَ: مُؤْمِنٌ نَسِيَ إذا ذَكَّرْتَهُ ذَكَرَ، خَلَطَ اللَّهُ الإيمانَ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، لَيْسَ لِلنّارِ فِيهِ نَصِيبٌ، قالُوا: فَأبُو مُوسى، قالَ: صَبَغَ في العِلْمِ صِبْغَةً. قالُوا: فَسَلْمانُ، قالَ: عَلِمَ العِلْمَ الأوَّلَ والآخِرَ، بَحْرٌ لا يَنْزَحُ، مِنّا أهْلَ البَيْتِ. قالُوا: فَحَدِّثْنا عَنْ نَفْسِك يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: إيّاها أرَدْتُمْ، كُنْت إذا سُئِلْتُ أعْطَيْتُ، وإذا سَكَتُّ ابْتُدِيتُ وَقالَ مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ: شامَمْتُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَوَجَدْتُ عِلْمَهم يَنْتَهِي إلى سِتَّةٍ: إلى عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وعُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ شامَمْتُ السِّتَّةَ فَوَجَدْت عِلْمَهم انْتَهى إلى عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ. وَقالَ مَسْرُوقٌ أيْضًا: جالَسْتُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكانُوا كالإخاذِ: الإخاذَةُ تَرْوِي الرّاكِبَ، والإخاذَةُ تَرْوِي الرّاكِبَيْنِ والإخاذَةُ تَرْوِي العَشَرَةَ، والإخاذَةُ لَوْ نَزَلَ بِها أهْلُ الأرْضِ لَأصْدَرْتُهُمْ، وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِن تِلْكَ الإخاذِ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: إذا اخْتَلَفَ النّاسُ في شَيْءٍ فَخُذُوا بِما قالَ عُمَرُ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنِّي لَأحْسَبُ عُمَرَ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أعْشارِ العِلْمِ وَقالَ أيْضًا: لَوْ أنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ في كِفَّةِ المِيزانِ ووُضِعَ عِلْمُ أهْلِ الأرْضِ في كِفَّةٍ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ. وَقالَ حُذَيْفَةُ: كَأنَّ عِلْمَ النّاسِ مَعَ عِلْمِ عُمَرَ دُسَّ في حَجَرٍ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: قُضاةُ هَذِهِ الأُمَّةِ: عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وزَيْدٌ، وأبُو مُوسى. وَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِن مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَها أبُو حَسَنٍ «وَشَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِأنَّهُ عَلِيمٌ مُعَلِّمٌ»، وبَدَأ بِهِ في قَوْلِهِ: «خُذُوا القُرْآنَ مِن أرْبَعَةٍ: مِن ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، ومِن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومِن سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، ومِن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ» وَلَمّا ورَدَ أهْلُ الكُوفَةِ عَلى عُمَرَ أجازَهُمْ، وفَضَّلَ أهْلَ الشّامِ عَلَيْهِمْ في الجائِزَةِ، فَقالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ تُفَضِّلُ أهْلَ الشّامِ عَلَيْنا؟ فَقالَ: يا أهْلَ الكُوفَةِ أجَزَعْتُمْ أنْ فَضَّلْتُ أهْلَ الشّامِ عَلَيْكم لِبُعْدِ شُقَّتِهِمْ وقَدْ آثَرْتُكم بِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ؟ وَقالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو: ما أرى أحَدًا أعْلَمَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ أبُو مُوسى: إنْ تَقُلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ كانَ يَسْمَعُ حِينَ لا نَسْمَعُ، ويَدْخُلُ حِينَ لا نَدْخُلُ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ إلّا وأنا أعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، ولَوْ أنِّي أعْلَمُ أنْ رَجُلًا أعْلَمُ بِكِتابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإبِلُ لَأتَيْتُهُ وَقالَ زَيْدُ بْنُ وهْبٍ: كُنْت جالِسًا عِنْدَ عُمَرَ فَأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَنا مِنهُ، فَأكَبَّ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقالَ عُمَرُ: كُنَيْفٌ مَلِيءٌ عِلْمًا. وَقالَ الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ: إنّهُ كانَ لا يَعْدِلُ بِقَوْلِ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ إذا اجْتَمَعا، فَإذا اخْتَلَفا كانَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ أعْجَبَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ كانَ ألْطَفَ وقالَ أبُو مُوسى: لِمَجْلِسٍ كُنْت أُجالِسُهُ عَبْدُ اللَّهِ أوْثَقُ في نَفْسِي مِن عَمَلِ سَنَةٍ وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ في قَوْله تَعالى: ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقِيلَ لِمَسْرُوقٍ: كانَتْ عائِشَةُ تُحْسِنُ الفَرائِضَ؟ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ رَأيْت الأحْبارَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْألُونَها عَنْ الفَرائِضِ. وَقالَ أبُو مُوسى: ما أشْكَلَ عَلَيْنا أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَألْناهُ عائِشَةَ إلّا وجَدْنا عِنْدَها مِنهُ عِلْمًا وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ أعْلَمَهم بِالمَناسِكِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، ثُمَّ ابْنُ عُمَرَ بَعْدَهُ. وَقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا تَحَدَّثُوا وفِيهِمْ مُعاذٌ نَظَرُوا إلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ وَقالَ: عَلِيٌّ: أبُو ذَرٍّ أوْعى عِلْمًا ثُمَّ أوْكى عَلَيْهِ فَلَمْ يُخْرِجْ مِنهُ شَيْئًا حَتّى قُبِضَ. وَقالَ مَسْرُوقٌ: قَدِمْت المَدِينَةَ فَوَجَدْت زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ مِن الرّاسِخِينَ في العِلْمِ وقالَ الجَرِيرِيُّ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ: قَدِمْنا الشّامَ فَإذا النّاسُ مُجْتَمِعُونَ يُطِيفُونَ بِرَجُلٍ، قالَ: قُلْت: مَن هَذا؟ قالُوا: هَذا أفْقَهُ مَن بَقِيَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، هَذا عَمْرٌو البِكالِيُّ. وَقالَ سَعِيدٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وهو قائِمٌ عَلى قَبْرِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: هَكَذا يَذْهَبُ العِلْمُ وكانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ إذا ذُكِرَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُ يَقُولُ: ابْنُ عُمَرَ أوْرَعُهُما، وابْنُ عَبّاسٍ أعْلَمُهُما وقالَ أيْضًا: ما رَأيْت أفْقَهَ مِن ابْنِ عُمَرَ، ولا أعْلَمَ مِن ابْنِ عَبّاسٍ. وَكانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ أبْقِنِي ما أبْقَيْت ابْنَ عُمَرَ أقْتَدِي بِهِ ". «وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَمَّنِي رَسُولُ الله ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ وقالَ أيْضًا: دَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ عَلى ناصِيَتِي، وقالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ وتَأْوِيلَ الكِتابِ» ولَمّا ماتَ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: ماتَ رَبّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ. وَقالَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: ما رَأيْت أحَدًا أعْلَمَ بِالسُّنَّةِ، ولا أُجْلَدَ رَأْيًا، ولا أثَقْبَ نَظَرًا حِينَ يَنْظُرُ مِثْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنْ كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَيَقُولُ لَهُ: قَدْ طَرَأتْ عَلَيْنا عُضَلُ أقْضِيَةٍ أنْتَ لَها ولِأمْثالِها. وَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: ما رَأيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أكْرَمَ مِن مَجْلِسِ ابْنِ عَبّاسٍ أكْثَرَ فِقْهًا وأعْظَمَ، إنّ أصْحابَ الفِقْهِ عِنْدَهُ أصْحابُ القُرْآنِ وأصْحابُ الشِّعْرِ عِنْدَهُ يُصْدِرُهم كُلَّهم في وادٍ واسِعٍ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَسْألُنِي مَعَ الأكابِرِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أدْرَكَ أسْنانَنا ما عَسَرَهُ مِنّا رَجُلٌ. وَقالَ مَكْحُولٌ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: أنّى أصَبْت هَذا العِلْمَ؟ قالَ: بِلِسانٍ سَئُولٍ وقَلْبٍ عَقُولٍ. وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُسَمّى البَحْرُ مِن كَثْرَةِ عِلْمِهِ وقالَ طاوُسٌ: أدْرَكْت نَحْوًا مِن خَمْسِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ شَيْئًا فَخالَفُوهُ لَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتّى يُقَرِّرَهم. وَقِيلَ لِطاوُسٍ: أدْرَكْت أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ انْقَطَعْتُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَقالَ: أدْرَكْت سَبْعِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا تَدارَءُوا في شَيْءٍ انْتَهَوْا إلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: كانَ أصْحابُ ابْنِ عَبّاسٍ يَقُولُونَ: ابْنُ عَبّاسٍ أعْلَمُ مِن عُمَرَ ومِن عَلِيٍّ ومِن عَبْدِ اللَّهِ، ويُعِدُّونَ ناسًا، فَيَثِبُ عَلَيْهِمْ النّاسُ، فَيَقُولُونَ: لا تَعْجَلُوا عَلَيْنا، إنّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ إلّا وعِنْدَهُ مِن العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَ صاحِبِهِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ جَمَعَهُ كُلَّهُ. وَقالَ الأعْمَشُ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا رَأيْتَهُ قُلْت: أجْمَلُ النّاسِ فَإذا تَكَلَّمَ قُلْت: أفْصَحُ النّاسِ، فَإذا حَدَّثَ قُلْت: أعْلَمُ النّاسِ. وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا فَسَّرَ الشَّيْءَ رَأيْتَ عَلَيْهِ النُّورَ. [فَصْلٌ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ] قالَ الشَّعْبِيُّ: مَن سَرَّهُ أنْ يَأْخُذَ بِالوَثِيقَةِ في القَضاءِ فَيَأْخُذْ بِقَوْلِ عُمَرَ. وَقالَ مُجاهِدٌ: إذا اخْتَلَفَ النّاسُ في شَيْءٍ فانْظُرُوا ما صَنَعَ عُمَرُ فَخُذُوا بِهِ. وَقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: ما أعْلَمُ أحَدًا بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ أعْلَمَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وقالَ أيْضًا: كانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: لَوْ سَلَكَ النّاسُ وادِيًا وشِعْبًا وسَلَكَ عُمَرُ وادِيًا وشِعْبًا لَسَلَكْت وادِي عُمَرَ وشِعْبَهُ. وَقالَ بَعْضُ التّابِعِينَ: دَفَعْت إلى عُمَرَ فَإذا الفُقَهاءُ عِنْدَهُ مِثْلُ الصِّبْيانِ، قَدْ اسْتَعْلى عَلَيْهِمْ في فِقْهِهِ وعِلْمِهِ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ لَهُ أصْحابٌ مَعْرُوفُونَ حَرَّرُوا فُتْياهُ ومَذاهِبَهُ في الفِقْهِ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وكانَ يَتْرُكُ مَذْهَبَهُ وقَوْلَهُ لِقَوْلِ عُمَرَ، وكانَ لا يَكادُ يُخالِفُهُ في شَيْءٍ مِن مَذاهِبِهِ، ويَرْجِعُ مِن قَوْلِهِ إلى قَوْلِهِ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ لا يَقْنُتُ، وقالَ: ولَوْ قَنَتَ عُمَرُ لَقَنَتَ عَبْدُ اللَّهِ. [فَصْلٌ: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ] وَكانَ مِن المُفْتِينَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْحابٌ يُعْرَفُونَ، والمُبَلِّغُونَ عَنْ عُمَرَ فُتْياهُ ومَذاهِبَهُ وأحْكامَهُ في الدِّينِ بَعْدَهُ كانُوا أكْثَرَ مِن المُبَلَّغِينَ عَنْ عُثْمانَ والمُؤَدِّينَ عَنْهُ. [عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ] وَأمّا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فانْتَشَرَتْ أحْكامُهُ وفَتاوِيهِ، ولَكِنْ قاتَلَ اللَّهُ الشِّيعَةَ فَإنَّهم أفْسَدُوا كَثِيرًا مِن عِلْمِهِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، ولِهَذا تَجِدُ أصْحابَ الحَدِيثِ مِن أهْلِ الصَّحِيحِ لا يَعْتَمِدُونَ مِن حَدِيثِهِ وفَتْواهُ إلّا ما كانَ مِن طَرِيقِ أهْلِ بَيْتِهِ وأصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ وشُرَيْحٍ وأبِي وائِلٍ ونَحْوِهِمْ، وكانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكَرَّمَ وجْهَهُ يَشْكُو عَدَمَ حَمْلَةِ العِلْمَ الَّذِي أوْدَعَهُ كَما قالَ: إنّ هاهُنا عِلْمًا لَوْ أصَبْت لَهُ حَمَلَةً.

محمد 47:17

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهم والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدىً وآتاهم تقواهم﴾ فجمع لَهُم بَين اتّباع الهوى والضلال الَّذِي هو ثَمَرَته وموجبه، كَما جمع للمهتدين بَين التَّقْوى والهدى. (فائدة) هِدايَتُهُ تَعالى لِعَبْدِهِ قَبْلَ الِاهْتِداءِ، فَيَهْتَدِي بِهِدايَتِهِ، فَتُوجِبُ لَهُ تِلْكَ الهِدايَةُ هِدايَةً أُخْرى يُثِيبُهُ اللَّهُ بِها هِدايَةً عَلى هِدايَتِهِ، فَإنَّ مِن ثَوابِ الهُدى الهُدى بَعْدَهُ، كَما أنَّ مِن عُقُوبَةِ الضَّلالَةِ الضَّلالَةُ بَعْدَها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] فَهَداهم أوْلًا فاهْتَدَوْا، فَزادَهم هُدًى ثانِيًا، وعَكْسُهُ في أهْلِ الزَّيْغِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فَهَذِهِ الإزاغَةُ الثّانِيَةُ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى زَيْغِهِمْ. [فصل: العِبْرَةُ بِإرادَةِ التَّكَلُّمِ لا بِلَفْظِهِ] وَهَذا أمْرٌ يَعُمُّ أهْلَ الحَقِّ والباطِلِ، لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ فاللَّفْظُ الخاصُّ قَدْ يَنْتَقِلُ إلى مَعْنى العُمُومِ بِالإرادَةِ والعامُّ قَدْ يَنْتَقِلُ إلى الخُصُوصِ بِالإرادَةِ، فَإذا دُعِيَ إلى غَداءٍ فَقالَ: واللَّهِ لا أتَغَدّى، أوْ قِيلَ لَهُ: " نَمْ " فَقالَ: واللَّهِ لا أنامُ، أوْ: " اشْرَبْ هَذا الماءَ " فَقالَ: واللَّهِ لا أشْرَبُ، فَهَذِهِ كُلُّها ألْفاظٌ عامَّةٌ نُقِلَتْ إلى مَعْنى الخُصُوصِ بِإرادَةِ المُتَكَلِّمِ الَّتِي يَقْطَعُ السّامِعُ عِنْدَ سَماعِها بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ النَّفْيَ العامَّ إلى آخِرِ العُمْرِ، والألْفاظُ لَيْسَتْ تَعَبُّدِيَّةً، والعارِفُ يَقُولُ: ماذا أرادَ؟ واللَّفْظِيُّ يَقُولُ: ماذا قالَ؟ كَما كانَ الَّذِينَ لا يَفْقَهُونَ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ وعَلى أمْثالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، فَذَمَّ مَن لَمْ يَفْقَهْ كَلامَهُ، والفِقْهُ أخَصُّ مِن الفَهْمِ، وهو فَهْمُ مُرادِ المُتَكَلِّمِ مِن كَلامِهِ، وهَذا قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ فَهْمِ وضْعِ اللَّفْظِ في اللُّغَةِ، وبِحَسَبِ تَفاوُتِ مَراتِبِ النّاسِ في هَذا تَتَفاوَتُ مَراتِبُهم في الفِقْهِ والعِلْمِ. فَصْلٌ [الصَّحابَةُ سادَةُ أهْلِ الفَتْوى] وَكَما أنَّ الصَّحابَةَ سادَةُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها وقادَتُها فَهم ساداتُ المُفْتِينَ والعُلَماءِ. قالَ اللَّيْثُ عَنْ مُجاهِدٍ: العُلَماءُ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ في قَوْله تَعالى: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقالَ يَزِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَمّا حَضَرَ مُعاذَ بْنُ جَبَلٍ المَوْتُ قِيلَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أوْصِنا، قالَ أجْلِسُونِي، إنّ العِلْمَ والإيمانَ مَكانُهُما مَن ابْتَغاهُما وجَدَهُما، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، التَمِسْ العِلْمَ عِنْدَ أرْبَعَةِ رَهْطٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرِ بْنِ أبِي الدَّرْداءِ، وعِنْدَ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وَقالَ مالِكُ بْنُ يَخامُرَ: لَمّا حَضَرَتْ مُعاذًا الوَفاةُ بَكَيْتُ، فَقالَ ما يُبْكِيكَ؟ قُلْت: واللَّهِ ما أبْكِي عَلى دُنْيا كُنْتُ أُصِيبُها مِنك، ولَكِنْ أبْكِي عَلى العِلْمِ والإيمانِ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أتَعَلَّمُهُما مِنك، فَقالَ: إنّ العِلْمَ والإيمانَ مَكانُهُما، مَن ابْتَغاهُما وجَدَهُما، اطْلُبْ العِلْمَ عِنْدَ أرْبَعَةٍ، فَذَكَرَ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ عَجَزَ عَنْهُ هَؤُلاءِ فَسائِرُ أهْلِ الأرْضِ عَنْهُ أعْجَزُ، فَعَلَيْك بِمُعَلِّمِ إبْراهِيمَ، قالَ: فَما نَزَلَتْ بِي مَسْألَةٌ عَجَزْت عَنْها إلّا قُلْت: يا مُعَلِّمَ إبْراهِيمَ. وَقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ الأعْمَشِ عَنْ أبِي إسْحاقَ، قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: عُلَماءُ الأرْضِ ثَلاثَةٌ، فَرَجُلٌ بِالشّامِ، وآخَرُ بِالكُوفَةِ، وآخَرُ بِالمَدِينَةِ، فَأمّا هَذانِ فَيَسْألانِ الَّذِي بِالمَدِينَةِ، واَلَّذِي بِالمَدِينَةِ لا يَسْألُهُما عَنْ شَيْءٍ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: ثَلاثَةٌ يَسْتَفْتِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ: فَكانَ عُمَرُ وعَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ يَسْتَفْتِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وكانَ عَلِيٌّ وأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ يَسْتَفْتِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، قالَ الشَّيْبانِيُّ: فَقُلْت لِلشَّعْبِيِّ: وكانَ أبُو مُوسى بِذاكَ؟ فَقالَ: ما كانَ أعْلَمَهُ، قُلْت: فَأيْنَ مُعاذٌ؟ فَقالَ: هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقالَ أبُو البَخْتَرِيِّ: قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: حَدِّثْنا عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: عَنْ أيِّهِمْ؟ قالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: قَرَأ القُرْآنَ، وعَلِمَ السُّنَّةَ، ثُمَّ انْتَهى، وكَفاهُ بِذَلِكَ؛ قالَ: فَحَدِّثْنا عَنْ حُذَيْفَةَ: قالَ: أعْلَمُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ بِالمُنافِقِينَ. قالُوا: فَأبُو ذَرٍّ، قالَ: كُنَيْفٌ مَلِيءٌ عِلْمًا عَجَزَ فِيهِ. قالُوا: فَعَمّارٌ، قالَ: مُؤْمِنٌ نَسِيَ إذا ذَكَّرْتَهُ ذَكَرَ، خَلَطَ اللَّهُ الإيمانَ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ، لَيْسَ لِلنّارِ فِيهِ نَصِيبٌ، قالُوا: فَأبُو مُوسى، قالَ: صَبَغَ في العِلْمِ صِبْغَةً. قالُوا: فَسَلْمانُ، قالَ: عَلِمَ العِلْمَ الأوَّلَ والآخِرَ، بَحْرٌ لا يَنْزَحُ، مِنّا أهْلَ البَيْتِ. قالُوا: فَحَدِّثْنا عَنْ نَفْسِك يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: إيّاها أرَدْتُمْ، كُنْت إذا سُئِلْتُ أعْطَيْتُ، وإذا سَكَتُّ ابْتُدِيتُ وَقالَ مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ: شامَمْتُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَوَجَدْتُ عِلْمَهم يَنْتَهِي إلى سِتَّةٍ: إلى عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، وعُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ شامَمْتُ السِّتَّةَ فَوَجَدْت عِلْمَهم انْتَهى إلى عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ. وَقالَ مَسْرُوقٌ أيْضًا: جالَسْتُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكانُوا كالإخاذِ: الإخاذَةُ تَرْوِي الرّاكِبَ، والإخاذَةُ تَرْوِي الرّاكِبَيْنِ والإخاذَةُ تَرْوِي العَشَرَةَ، والإخاذَةُ لَوْ نَزَلَ بِها أهْلُ الأرْضِ لَأصْدَرْتُهُمْ، وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِن تِلْكَ الإخاذِ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: إذا اخْتَلَفَ النّاسُ في شَيْءٍ فَخُذُوا بِما قالَ عُمَرُ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنِّي لَأحْسَبُ عُمَرَ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أعْشارِ العِلْمِ وَقالَ أيْضًا: لَوْ أنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ في كِفَّةِ المِيزانِ ووُضِعَ عِلْمُ أهْلِ الأرْضِ في كِفَّةٍ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ. وَقالَ حُذَيْفَةُ: كَأنَّ عِلْمَ النّاسِ مَعَ عِلْمِ عُمَرَ دُسَّ في حَجَرٍ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: قُضاةُ هَذِهِ الأُمَّةِ: عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وزَيْدٌ، وأبُو مُوسى. وَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: كانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِن مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَها أبُو حَسَنٍ «وَشَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِأنَّهُ عَلِيمٌ مُعَلِّمٌ»، وبَدَأ بِهِ في قَوْلِهِ: «خُذُوا القُرْآنَ مِن أرْبَعَةٍ: مِن ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، ومِن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومِن سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، ومِن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ» وَلَمّا ورَدَ أهْلُ الكُوفَةِ عَلى عُمَرَ أجازَهُمْ، وفَضَّلَ أهْلَ الشّامِ عَلَيْهِمْ في الجائِزَةِ، فَقالُوا: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ تُفَضِّلُ أهْلَ الشّامِ عَلَيْنا؟ فَقالَ: يا أهْلَ الكُوفَةِ أجَزَعْتُمْ أنْ فَضَّلْتُ أهْلَ الشّامِ عَلَيْكم لِبُعْدِ شُقَّتِهِمْ وقَدْ آثَرْتُكم بِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ؟ وَقالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو: ما أرى أحَدًا أعْلَمَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ أبُو مُوسى: إنْ تَقُلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ كانَ يَسْمَعُ حِينَ لا نَسْمَعُ، ويَدْخُلُ حِينَ لا نَدْخُلُ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ إلّا وأنا أعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، ولَوْ أنِّي أعْلَمُ أنْ رَجُلًا أعْلَمُ بِكِتابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإبِلُ لَأتَيْتُهُ وَقالَ زَيْدُ بْنُ وهْبٍ: كُنْت جالِسًا عِنْدَ عُمَرَ فَأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَنا مِنهُ، فَأكَبَّ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقالَ عُمَرُ: كُنَيْفٌ مَلِيءٌ عِلْمًا. وَقالَ الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ: إنّهُ كانَ لا يَعْدِلُ بِقَوْلِ عُمَرَ وعَبْدِ اللَّهِ إذا اجْتَمَعا، فَإذا اخْتَلَفا كانَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ أعْجَبَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ كانَ ألْطَفَ وقالَ أبُو مُوسى: لِمَجْلِسٍ كُنْت أُجالِسُهُ عَبْدُ اللَّهِ أوْثَقُ في نَفْسِي مِن عَمَلِ سَنَةٍ وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ في قَوْله تَعالى: ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقِيلَ لِمَسْرُوقٍ: كانَتْ عائِشَةُ تُحْسِنُ الفَرائِضَ؟ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ رَأيْت الأحْبارَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْألُونَها عَنْ الفَرائِضِ. وَقالَ أبُو مُوسى: ما أشْكَلَ عَلَيْنا أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَألْناهُ عائِشَةَ إلّا وجَدْنا عِنْدَها مِنهُ عِلْمًا وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ أعْلَمَهم بِالمَناسِكِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، ثُمَّ ابْنُ عُمَرَ بَعْدَهُ. وَقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا تَحَدَّثُوا وفِيهِمْ مُعاذٌ نَظَرُوا إلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ وَقالَ: عَلِيٌّ: أبُو ذَرٍّ أوْعى عِلْمًا ثُمَّ أوْكى عَلَيْهِ فَلَمْ يُخْرِجْ مِنهُ شَيْئًا حَتّى قُبِضَ. وَقالَ مَسْرُوقٌ: قَدِمْت المَدِينَةَ فَوَجَدْت زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ مِن الرّاسِخِينَ في العِلْمِ وقالَ الجَرِيرِيُّ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ: قَدِمْنا الشّامَ فَإذا النّاسُ مُجْتَمِعُونَ يُطِيفُونَ بِرَجُلٍ، قالَ: قُلْت: مَن هَذا؟ قالُوا: هَذا أفْقَهُ مَن بَقِيَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، هَذا عَمْرٌو البِكالِيُّ. وَقالَ سَعِيدٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وهو قائِمٌ عَلى قَبْرِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: هَكَذا يَذْهَبُ العِلْمُ وكانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ إذا ذُكِرَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُ يَقُولُ: ابْنُ عُمَرَ أوْرَعُهُما، وابْنُ عَبّاسٍ أعْلَمُهُما وقالَ أيْضًا: ما رَأيْت أفْقَهَ مِن ابْنِ عُمَرَ، ولا أعْلَمَ مِن ابْنِ عَبّاسٍ. وَكانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ أبْقِنِي ما أبْقَيْت ابْنَ عُمَرَ أقْتَدِي بِهِ ". «وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَمَّنِي رَسُولُ الله ﷺ وقالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ وقالَ أيْضًا: دَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ عَلى ناصِيَتِي، وقالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ وتَأْوِيلَ الكِتابِ» ولَمّا ماتَ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: ماتَ رَبّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ. وَقالَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: ما رَأيْت أحَدًا أعْلَمَ بِالسُّنَّةِ، ولا أُجْلَدَ رَأْيًا، ولا أثَقْبَ نَظَرًا حِينَ يَنْظُرُ مِثْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، وإنْ كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَيَقُولُ لَهُ: قَدْ طَرَأتْ عَلَيْنا عُضَلُ أقْضِيَةٍ أنْتَ لَها ولِأمْثالِها. وَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: ما رَأيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أكْرَمَ مِن مَجْلِسِ ابْنِ عَبّاسٍ أكْثَرَ فِقْهًا وأعْظَمَ، إنّ أصْحابَ الفِقْهِ عِنْدَهُ أصْحابُ القُرْآنِ وأصْحابُ الشِّعْرِ عِنْدَهُ يُصْدِرُهم كُلَّهم في وادٍ واسِعٍ. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَسْألُنِي مَعَ الأكابِرِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ أدْرَكَ أسْنانَنا ما عَسَرَهُ مِنّا رَجُلٌ. وَقالَ مَكْحُولٌ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: أنّى أصَبْت هَذا العِلْمَ؟ قالَ: بِلِسانٍ سَئُولٍ وقَلْبٍ عَقُولٍ. وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُسَمّى البَحْرُ مِن كَثْرَةِ عِلْمِهِ وقالَ طاوُسٌ: أدْرَكْت نَحْوًا مِن خَمْسِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ شَيْئًا فَخالَفُوهُ لَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتّى يُقَرِّرَهم. وَقِيلَ لِطاوُسٍ: أدْرَكْت أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ انْقَطَعْتُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَقالَ: أدْرَكْت سَبْعِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا تَدارَءُوا في شَيْءٍ انْتَهَوْا إلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: كانَ أصْحابُ ابْنِ عَبّاسٍ يَقُولُونَ: ابْنُ عَبّاسٍ أعْلَمُ مِن عُمَرَ ومِن عَلِيٍّ ومِن عَبْدِ اللَّهِ، ويُعِدُّونَ ناسًا، فَيَثِبُ عَلَيْهِمْ النّاسُ، فَيَقُولُونَ: لا تَعْجَلُوا عَلَيْنا، إنّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ إلّا وعِنْدَهُ مِن العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَ صاحِبِهِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ جَمَعَهُ كُلَّهُ. وَقالَ الأعْمَشُ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا رَأيْتَهُ قُلْت: أجْمَلُ النّاسِ فَإذا تَكَلَّمَ قُلْت: أفْصَحُ النّاسِ، فَإذا حَدَّثَ قُلْت: أعْلَمُ النّاسِ. وَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذا فَسَّرَ الشَّيْءَ رَأيْتَ عَلَيْهِ النُّورَ. [فَصْلٌ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ] قالَ الشَّعْبِيُّ: مَن سَرَّهُ أنْ يَأْخُذَ بِالوَثِيقَةِ في القَضاءِ فَيَأْخُذْ بِقَوْلِ عُمَرَ. وَقالَ مُجاهِدٌ: إذا اخْتَلَفَ النّاسُ في شَيْءٍ فانْظُرُوا ما صَنَعَ عُمَرُ فَخُذُوا بِهِ. وَقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: ما أعْلَمُ أحَدًا بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ أعْلَمَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وقالَ أيْضًا: كانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: لَوْ سَلَكَ النّاسُ وادِيًا وشِعْبًا وسَلَكَ عُمَرُ وادِيًا وشِعْبًا لَسَلَكْت وادِي عُمَرَ وشِعْبَهُ. وَقالَ بَعْضُ التّابِعِينَ: دَفَعْت إلى عُمَرَ فَإذا الفُقَهاءُ عِنْدَهُ مِثْلُ الصِّبْيانِ، قَدْ اسْتَعْلى عَلَيْهِمْ في فِقْهِهِ وعِلْمِهِ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ لَهُ أصْحابٌ مَعْرُوفُونَ حَرَّرُوا فُتْياهُ ومَذاهِبَهُ في الفِقْهِ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وكانَ يَتْرُكُ مَذْهَبَهُ وقَوْلَهُ لِقَوْلِ عُمَرَ، وكانَ لا يَكادُ يُخالِفُهُ في شَيْءٍ مِن مَذاهِبِهِ، ويَرْجِعُ مِن قَوْلِهِ إلى قَوْلِهِ. وَقالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ لا يَقْنُتُ، وقالَ: ولَوْ قَنَتَ عُمَرُ لَقَنَتَ عَبْدُ اللَّهِ. [فَصْلٌ: عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ] وَكانَ مِن المُفْتِينَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْحابٌ يُعْرَفُونَ، والمُبَلِّغُونَ عَنْ عُمَرَ فُتْياهُ ومَذاهِبَهُ وأحْكامَهُ في الدِّينِ بَعْدَهُ كانُوا أكْثَرَ مِن المُبَلَّغِينَ عَنْ عُثْمانَ والمُؤَدِّينَ عَنْهُ. [عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ] وَأمّا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فانْتَشَرَتْ أحْكامُهُ وفَتاوِيهِ، ولَكِنْ قاتَلَ اللَّهُ الشِّيعَةَ فَإنَّهم أفْسَدُوا كَثِيرًا مِن عِلْمِهِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، ولِهَذا تَجِدُ أصْحابَ الحَدِيثِ مِن أهْلِ الصَّحِيحِ لا يَعْتَمِدُونَ مِن حَدِيثِهِ وفَتْواهُ إلّا ما كانَ مِن طَرِيقِ أهْلِ بَيْتِهِ وأصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ وشُرَيْحٍ وأبِي وائِلٍ ونَحْوِهِمْ، وكانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكَرَّمَ وجْهَهُ يَشْكُو عَدَمَ حَمْلَةِ العِلْمَ الَّذِي أوْدَعَهُ كَما قالَ: إنّ هاهُنا عِلْمًا لَوْ أصَبْت لَهُ حَمَلَةً.

محمد 47:19

(فصل: كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ) وَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي قامَتْ بِها الأرْضُ والسَّماواتُ، وفَطَرَ اللَّهُ عَلَيْها جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وعَلَيْها أُسِّسَتِ المِلَّةُ ونُصِبَتِ القِبْلَةُ، وجُرِّدَتْ سُيُوفُ الجِهادِ، وهي مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ عَلى جَمِيعِ العِبادِ، وهي الكَلِمَةُ العاصِمَةُ لِلدَّمِ والمالِ والذُّرِّيَّةِ في هَذِهِ الدّارِ، والمُنْجِيَةُ مِن عَذابِ القَبْرِ وعَذابِ النّارِ، وهي المَنشُورُ الَّذِي لا يُدْخَلُ الجَنَّةُ إلّا بِهِ، والحَبْلُ الَّذِي لا يَصِلُ إلى اللَّهِ مَن لَمْ يَتَعَلَّقْ بِسَبَبِهِ، وهي كَلِمَةُ الإسْلامِ، ومِفْتاحُ دارِ السَّلامِ، وبِها انْقَسَمَ النّاسُ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، ومَقْبُولٍ وطَرِيدٍ، وبِها انْفَصَلَتْ دارُ الكُفْرِ مِن دارِ الإيمانِ، وتَمَيَّزَتْ دارُ النَّعِيمِ مِن دارِ الشَّقاءِ والهَوانِ، وهي العَمُودُ الحامِلُ لِلْفَرْضِ والسُّنَّةِ. و«مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ». وَرُوحُ هَذِهِ الكَلِمَةِ وسِرُّها: إفْرادُ الرَّبِّ - جَلَّ ثَناؤُهُ، وتَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ، وتَبارَكَ اسْمُهُ، وتَعالى جَدُّهُ، ولا إلَهَ غَيْرُهُ - بِالمَحَبَّةِ والإجْلالِ والتَّعْظِيمِ والخَوْفِ والرَّجاءِ وتَوابِعِ ذَلِكَ: مِنَ التَّوَكُّلِ والإنابَةِ والرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، فَلا يُحَبُّ سِواهُ، وكُلُّ ما كانَ يُحَبُّ غَيْرَهُ فَإنَّما يُحَبُّ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ، وكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى زِيادَةِ مَحَبَّتِهِ، ولا يُخافُ سِواهُ، ولا يُرْجى سِواهُ، ولا يُتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ، ولا يُرْغَبُ إلّا إلَيْهِ، ولا يُرْهَبُ إلّا مِنهُ، ولا يُحْلَفُ إلّا بِاسْمِهِ، ولا يُنْظَرُ إلّا لَهُ، ولا يُتابُ إلّا إلَيْهِ، ولا يُطاعُ إلّا أمْرُهُ، ولا يُتَحَسَّبُ إلّا بِهِ، ولا يُسْتَغاثُ في الشَّدائِدِ إلّا بِهِ، ولا يُلْتَجَأُ إلّا إلَيْهِ، ولا يُسْجَدُ إلّا لَهُ، ولا يُذْبَحُ إلّا لَهُ وبِاسْمِهِ، ويَجْتَمِعُ ذَلِكَ في حَرْفٍ واحِدٍ، وهُوَ: أنْ لا يُعْبَدَ إلّا إيّاهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِبادَةِ، فَهَذا هو تَحْقِيقُ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولِهَذا حَرَّمَ اللَّهُ عَلى النّارِ مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَقِيقَةَ الشَّهادَةِ، ومُحالٌ أنْ يَدْخُلَ النّارَ مَن تَحَقَّقَ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الشَّهادَةِ وقامَ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣]. فَيَكُونُ قائِمًا بِشَهادَتِهِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، في قَلْبِهِ وقالَبِهِ، فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن تَكُونُ شَهادَتُهُ مَيِّتَةً، ومِنهم مَن تَكُونُ نائِمَةً، إذا نُبِّهَتِ انْتَبَهَتْ، ومِنهم مَن تَكُونُ مُضْطَجِعَةً، ومِنهم مَن تَكُونُ إلى القِيامِ أقْرَبَ، وهي في القَلْبِ بِمَنزِلَةِ الرُّوحِ في البَدَنِ، فَرُوحٌ مَيِّتَةٌ، ورُوحٌ مَرِيضَةٌ إلى المَوْتِ أقْرَبُ، ورُوحٌ إلى الحَياةِ أقْرَبُ، ورُوحٌ صَحِيحَةٌ قائِمَةٌ بِمَصالِحِ البَدَنِ. وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ: «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها عَبْدٌ عِنْدَ المَوْتِ إلّا وجَدَتْ رُوحُهُ لَها رَوْحًا» فَحَياةُ هَذِهِ الرُّوحِ بِحَياةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيها، فَكَما أنَّ حَياةَ البَدَنِ بِوُجُودِ الرُّوحِ فِيهِ، وكَما أنَّ مَن ماتَ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَهو في الجَنَّةِ يَتَقَلَّبُ فِيها، فَمَن عاشَ عَلى تَحْقِيقِها والقِيامِ بِها فَرُوحُهُ تَتَقَلَّبُ في جَنَّةِ المَأْوى وعَيْشُهُ وأطْيَبُ عَيْشٍ قالَ: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى - فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]. فالجَنَّةُ مَأْواهُ يَوْمَ اللِّقاءِ. (فائِدَة) من النّاس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحْسان، ومِنهُم من يعرفهُ بِالعَفو والحلم والتجاوز، ومِنهُم من يعرفهُ بالبطش والانتقام، ومِنهُم من يعرفهُ بِالعلمِ والحكمَة ومِنه من يعرفهُ بِالعِزَّةِ والكبرياء، ومِنهُم من يعرفهُ بِالرَّحْمَةِ والبر واللطف، ومِنهُم من يعرفهُ بالقهر والملك، ومِنهُم من يعرفهُ بإجابة دَعوته وإغاثة لهفته وقَضاء حاجته. وأعم هَؤُلاءِ معرفَة من عرفه من كَلامه فَإنَّهُ يعرف رَبًّا قد اجْتمعت لَهُ صِفات الكَمال ونعوت الجلال منزّه عَن المِثال برِيء من النقائص والعيوب، لَهُ كل اسْم حسن، وكل وصف كَمال، فعّال لما يُرِيد، فَوق كل شَيْء، ومَعَ كل شَيْء، وقادر على كل شَيْء ومقيم لكل شَيْء، آمرٌ ناهٍ مُتَكَلم بكلماته الدِّينِيَّة والكونية أكبر من كل شَيْء وأجمل من كل شَيْء أرْحم الرّاحِمِينَ وأقدر القادرين وأحكم الحاكِمين فالقرآن أنزل لتعريف عباده بِهِ وبصراطه الموصل إلَيْهِ وبحال السالكين بعد الوُصُول إلَيْهِ.

محمد 47:21

(فصل) لَيْسَ للْعَبد شَيْء أنْفَع من صدقه ربه في جَمِيع أُمُوره مَعَ صدق العَزِيمَة فيصدقه في عزمه وفي فعله قالَ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فسعادته في صدق العَزِيمَة وصدق الفِعْل فَصدق العَزِيمَة جمعها وجزمها، وعدم التَّرَدُّد فِيها بل تكون عَزِيمَة لا يشوبها تردد ولا تلوّم، فَإذا صدقت عزيمته بَقِي عَلَيْهِ صدق الفِعْل، وهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد فِيهِ، وأن لا يتخلّف عَنهُ بِشَيْء من ظاهره وباطنه. فعزيمة القَصْد تَمنعهُ من ضعف الإرادَة والهمّة، وصدق الفِعْل يمنعهُ من الكسل والفتور. وَمن صدق الله في جَمِيع أُمُوره صنع الله لَهُ فَوق ما يصنع لغيره. وَهَذا الصدْق معنى يلتئم من صحّة الإخْلاص وصدق التوكّل، فَأصدق النّاس من صحّ إخلاصه وتوكّله.

محمد 47:24

قال ابن عباس: يريد على قلوب هؤلاء أقفال. وقال مقاتل: يعني الطبع على القلب. وكأن القلب بمنزلة الباب المرتج، الذي قد ضرب عليه قفل. فإنه إن ما لم يفتح القفل لا يمكن فتح الباب والوصول إلى ما وراءه. وكذلك ما لم يرفع الختم والقفل عن القلب لم يدخل الإيمان ولا القرآن. وتأمل تنكير القلوب وتعريف الأقفال بالإضافة إلى ضمير القلوب. فإن تنكير القلوب يتضمن إرادة قلوب هؤلاء من هم بهذه الصفة. ولو قال: أم على القلوب أقفالها. لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة. وفي قوله «أقفالها» بالتعريف نوع تأكيد. فإنه لو قال: أقفال. لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا الاسم. فلما أضافها إلى ضمير القلوب علم أن المراد بها ما هو للقلب بمنزلة العقل للباب، فكأنه أراد أقفالها المختصة بها، التي لا تكون لغيرها والله أعلم. (فائدة) قال بعض السلف ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما من اللذة والنعيم ما لا خطر له مما وعد به من لا أصدق منه حديثا وإذا أراد به غير ذلك تركه على ما هو عليه ثم قرأ ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ ولو لم يكن للقلب المشتغل بمحبة غير الله المعرض عن ذكره العقوبة إلا صدؤه وقسوته وتعطيله عما خلق له لكفى بذلك عقوبة. وقد روى عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ " إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل يا رسول الله ﷺ فما جلاؤها قال تلاوة القرآن" وقال بعض العارفين إن الحديد إذا لم يستعمل غشيه الصدأ حتى يفسده كذلك القلب إذا عطل من حب الله والشوق إليه وذكره غلبه الجهل حتى يميته ويهلكه. وقال رجل للحسن يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي. قال أذبه بالذكر. وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ولا يذهب قساوته إلا حب مقلق أو خوف مزعج. (فصل) ومما ينبغي أن يعلم أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإيمان بأن يفك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفل ذلك الختم والطابع والقفل ويهديه بعد ضلاله، ويعلمه بعد جهله، ويرشده بعد غيه، ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر لم يمتنع أن يمحوها ويكتب عليه السعادة والإيمان. وقرأ قارئ عند عمر بن الخطاب: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ وعنده شاب فقال: "اللهم عليها أقفالها ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك" فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا. وكان عمر يقول في دعائه: "اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت" فالرب تعالى فعال لما يريد لا حجر عليه، وقد ضل هاهنا فريقان القدرية حيث زعمت أن ذلك ليس مقدورا للرب، ولا يدخل تحت فعله، إذ لو كان مقدورا له ومنعه العبد لناقض جوده ولطفه. والجبرية حيث زعمت أنه سبحانه إذا قدر قدرا أو علم شيئا فإنه لا يغيره بعد هذا ولا يتصرف فيه بخلاف ما قدره وعلمه والطائفتان حجرت على من لا يدخل تحت حجر أحد أصلا وجميع خلقه تحت حجره شرعا وقدرا. (فصل) اعلمْ أنّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَطَرَ القُلُوبَ عَلى قَبُولِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ، والطُّمَأْنِينَةِ بِهِ، والسُّكُونِ إلَيْهِ ومَحَبَّتِهِ، وفَطَرَها عَلى بُغْضِ الكَذِبِ والباطِلِ، والنُّفُورِ عَنْهُ، والرِّيبَةِ بِهِ، وعَدَمِ السُّكُونِ إلَيْهِ، ولَوْ بَقِيَتِ الفِطَرُ عَلى حالِها لَما آثَرَتْ عَلى الحَقِّ سِواهُ، ولَما سَكَنَتْ إلّا إلَيْهِ، ولا اطْمَأنَّتْ إلّا بِهِ، ولا أحَبَّتْ غَيْرَهُ، ولِهَذا نَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِبادَهُ إلى تَدَبُّرِ القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ مَن تَدَبَّرَهُ أوْجَبَ لَهُ تَدَبُّرُهُ عِلْمًا ضَرُورِيًا ويَقِينًا جازِمًا: أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، بَلْ أحَقُّ كُلَّ الحَقِّ، وأصْدَقُ كُلَّ صِدْقٍ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ أصْدَقُ خَلْقِ اللَّهِ، وأبَرُّهُمْ، وأكْمَلُهم عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] فَلَوْ رُفِعَتِ الأقْفالُ عَنِ القُلُوبِ لَباشَرَتْها حَقائِقُ القُرْآنِ، واسْتَنارَتْ فِيها مَصابِيحُ الإيمانِ، وعَلِمْتَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَكُونُ عِنْدَها كَسائِرِ الأُمُورِ الوِجْدانِيَّةِ - مِنَ الفَرَحِ، والألَمِ، والحُبِّ، والخَوْفِ - أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، تَكَلَّمَ بِهِ حَقًّا، وبَلَّغَهُ رَسُولُهُ جِبْرِيلُ عَنْهُ إلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، فَهَذا الشّاهِدُ في القَلْبِ مِن أعْظَمِ الشَّواهِدِ، وبِهِ احْتَجَّ هِرَقْلُ عَلى أبِي سُفْيانَ حَيْثُ قالَ لَهُ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنهم سَخْطَةً لِدِينِهِ، بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ لَهُ: وكَذَلِكَ الإيمانُ إذا خالَطَتْ حَلاوَتُهُ بِشاشَةَ القُلُوبِ لا يَسْخَطُهُ أحَدٌ. (فصل) أقسام اللذات ثلاثة لذة جثمانية، ولذة خيالية وهمية، ولذة عقلية روحانية فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب والجماع وهذه اللذة يشترك فيها مع الإنسان الحيوان البهيم فليس كمال الإنسان بهذه اللذة لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها ولأنها لو كانت كمالا لكان أفضل الإنسان وأشرفهم وأكملهم أكثرهم أكلا وشربا وجماعا وأيضا لو كانت كمالا لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كاملا وإنما تكون كما لا إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى كما تقدم. وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرئاسة والتعاظم على الخلق والفخر والاستطالة عليهم. وهذه اللذة وإن كان طلابها أشرف نفوسا من طلاب اللذة الأولى فإن آلامها وما توجبه من المفاسد والمضار أعظم من التذاذ النفس بها فإن صاحبها منتصب لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه، ولهذا شروط وحقوق تفوت على صاحبها كثيرا من لذاته الحسية ولا يتم إلا بتحمل مشاق وآلام أعظم منها فليست هذه في الحقيقة بلذة وإن فرحت بها النفس وسرت بحصولها وقد قيل إنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع ولذلك يدفع ألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرئاسة والجاه والتحقيق أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد. وأما اللذة العقلية الروحانية فهي كلذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر والحلم والمروءة وغيرها، فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذات وهو لذة النفس الفاضلة العلوية الشريفة، فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته وحده لا شريك له والرضا به عوضا عن كل شيء ولا يتعوض بغيره عنه فصاحب هذه اللذة في جنة عاجلة نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة الجنة إلى لذة الدنيا، فإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده، وقرة العين به والأنس بقربه والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع دخولها. قال بعض العارفين من قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ويكفي في فضل هذه اللذة وشرفها أنها تخرج من القلب ألم الحسرة على ما يفوت من هذه الدنيا حتى إنه ليتألم بأعظم ما يلتذ به أهلها ويفر منه فرارهم من المؤلم. وهذا موضع الحاكم فيه الذوق لا مجرد لسان العلم. وكان بعض العارفين يقول مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا طيب نعيمها. فيقال له وما هو؟ فيقول: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه ومعرفة أسمائه وصفاته. وقال آخر أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته وألذ ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة وقال آخر والله إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وأنت ترى محبة من في محبته عذاب القلب والروح كيف توجب لصاحبها لذة يتمنى أنه لا يفارقه حبه كما قال شاعر الحماسة ؎تشكى المحبون الصبابة ليتني ∗∗∗ تحملت ما يلقون من بينهم وحدي ؎فكانت لقلبي لذة الحب كلها ∗∗∗ فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي قالت رابعة شغلوا قلوبهم بحب الدنيا عن الله، ولو تركوها لجالت في الملكوت ثم رجعت إليهم بطرائف الفوائد وقال سلم الخواص تركتموه وأقبل بعضكم على بعض ولو أقبلتم عليه لرأيتم العجائب. وقالت امرأة من العابدات لو طالعت قلوب المؤمنين بفكرها ما ذخر لها في حجب الغيوب من خير الآخرة لم يصف لها في الدنيا عيش ولم تقر لها في الدنيا عين وقال بعض المحبين إن حبه عز وجل شغل قلوب محبيه عن التلذذ بمحبة غيره فليس لهم في الدنيا مع حبه عز وجل لذة تداني محبته ولا يؤملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه محبوبهم. وقال بعض السلف ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما من اللذة والنعيم ما لا خطر له مما وعد به من لا أصدق منه حديثا وإذا أراد به غير ذلك تركه على ما هو عليه ثم قرأ ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ ولو لم يكن للقلب المشتغل بمحبة غير الله المعرض عن ذكره العقوبة إلا صدؤه وقسوته وتعطيله عما خلق له لكفى بذلك عقوبة. وقد روى عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل يا رسول الله ﷺ فما جلاؤها قال تلاوة القرآن" وقال بعض العارفين إن الحديد إذا لم يستعمل غشيه الصدأ حتى يفسده كذلك القلب إذا عطل من حب الله والشوق إليه وذكره غلبه الجهل حتى يميته ويهلكه. وقال رجل للحسن يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي. قال أذبه بالذكر. وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ولا يذهب قساوته إلا حب مقلق أو خوف مزعج. فإن قيل ما السبب الذي لأجله يلتذ المحب بحبه وإن لم يظفر بحبيبه؟ قيل الحب يوجب حركة النفس وشدة طلبها، والنفس خلقت متحركة بالطبع كحركة النار، فالحب حركتها الطبيعية، فكل من أحب شيئا من الأشياء وجد في حبه لذة وروحا، فإذا خلا عن الحب مطلقا تعطلت النفس عن حركتها وثقلت وكسلت وفارقها خفة النشاط، ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس هما وغما وحزنا ليس لهم فرح ولا سرور، بخلاف أرباب النشاط والجد في العمل أي عمل كان فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبه ونشاطهم فيه أقوى. وبالله التوفيق.

محمد 47:35

فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره.