Lafzullah

Tafsir Ibn Al-Qayyim — الفتح 48:1 – الحجرات 49:17

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Al-Qayyim

المحتويات
  1. الفتح 48:1
  2. الفتح 48:2
  3. الفتح 48:3
  4. الفتح 48:6
  5. الفتح 48:18
  6. الفتح 48:19
  7. الفتح 48:20
  8. الفتح 48:22
  9. الفتح 48:23
  10. الفتح 48:24
  11. الفتح 48:25
  12. الفتح 48:26
  13. الفتح 48:27
  14. الفتح 48:28
  15. الفتح 48:29
  16. الحجرات 49:1
  17. الحجرات 49:2
  18. الحجرات 49:4
  19. الحجرات 49:5
  20. الحجرات 49:6
  21. الحجرات 49:7
  22. الحجرات 49:8
  23. الحجرات 49:9
  24. الحجرات 49:10
  25. الحجرات 49:11
  26. الحجرات 49:12
  27. الحجرات 49:13
  28. الحجرات 49:14
  29. الحجرات 49:17

الفتح 48:1

(فائدة) قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ثُمَّ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ أنْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ قَبْلَ الوَحْيِ وما تَأخَّرَ قَبْلَ أنْ يَعْصِمَهُ فَلا يُذْنِبُ، فَعَلِمَ ما يُفْعَلُ بِهِ مِن رِضاهُ عَنْهُ، وأنَّهُ أوَّلُ شافِعٍ ومُشَفَّعٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وسَيِّدُ الخَلائِقِ. (لطيفة) وكم بين إخراج رسول الله ﷺ من مكة على تلك الحال، ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح به بشر حبورا لله، وقد اكتنفه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به، والملائكة من فوقهم، والوحي من الله ينزل عليه، وقد أدخله حرمه ذلك الدخول، فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان كأن لم يكن؟! (فائدة) قوله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وهو الفتح الذي فتح الله له أثابه الله عليه بأربعة أشياء: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وإتمام نعمته عليه. وهدايته صراطا مستقيما. ونصر الله له نصرا عزيزا. وبهذا يقع جواب السؤال الذي أورده بعضهم هاهنا فقال كيف يكون حكم الله له بذلك علة لهذه الأمور الأربعة إذ يقول الله تعالى ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾؟ وجوابه ما ذكرنا أن تسليمه لهذا الحكم والرضا به، والانقياد له، والدخول تحته أوجب له أن آتاه الله ذلك. (مسألة) فإن قيل: لم جاء [الصراط] منكرا في قوله لنبيه ﷺ: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب، وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم، وهداية رسوله إليه، ولم يكن للمخاطبين عهد به ولم يكن معروفا لهم فلم يجئ معرفا بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده، ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه. وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكر لفظي، وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع فالتنكير هو الأصل. وهذا بخلاف قوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ فإنه لما تقرر عند المخاطبين أن لله صراطا مستقيما هدي إليه أنبياءه ورسله وكان المخاطب سبحانه المسئول من هدايته عالما به دخلت اللام عليه فقال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وقال السهيلي: إن قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله ﷺ أعلم فأنزل الله على رسوله ﷺ هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما في الدين وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم. ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظا من الاستقامة إذ الألف واللام تنبئ أن ما دخلت عليه من الأسماء [الموصوفة] أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر، أو ما قرب به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا أن يكون في الآخر طرف منه. وغير خاف ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن. أما قوله أن المراد بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ في الحرب والمكيدة فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسول ﷺ وأخبر النبي ﷺ أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطا مستقيما؟ وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك، بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم فسره بقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونصب (دينا) هنا على البدل من الجار والمجرور أي هداني دينا قيما. أفتراه يمكنه هاهنا أن يقول إن الحرب والمكيدة فهذا جواب فاسد جدا. وتأمل: ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها: الفتح المبين والثاني: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر والثالث: هدايته الصراط المستقيم والرابع: إتمام نعمته عليه والخامس: إعطاء النصر العزيز، وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح فإن الهدى هو العلم بالله تعالى ودينه والعمل بمرضاته وطاعته فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر القلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد وهو سبحانه كثيرا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فهذا الهدى. ثم قال: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر وقال تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل. وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر، وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم. ومن هذا قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين﴾ فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية ولم يصب من قال: إن الواو زائدة وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في "الأمالي المكية" فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر وأنه لا يصح فيها غير ذلك ألبتة وأما جوابه الثاني عن قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بأنه لو عرف لجعل للكفر والضلال حظا من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم. أفترى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة، وما ثم غيره إلا طرق الضلال وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله تعالى إليه أنبياءه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال إنه يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة فإن فإن التعريف في قوة الحصر فكأنه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة. فتأمله هنا وفي نظائره. (فصل) قال العلامة ابن القيم - بعد أن ذكر اختلاف الناس في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟ فإن قيل: فأيهما أفضل: من يختار الغني المتصدق والإنفاق في وجوه البر، أم من يختار الفقر والتقلل ليبعد عن الفتنة، ويسلم من الآفة ويرفه قلبه على الاستعداد للآخرة، فلا يشغله بالدنيا، أم من لا يختار لا هذا ولا ذاك، بل يختار ما اختاره الله له فلا يعين باختباره واحدا من الأمرين؟ قيل هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح فمنهم من اختار المال للجهاد به والإنفاق وصرفه في وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابه. وكان قيس بن سعد يقول: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى. ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبي ذر وجماعة من الصحابه معه. وهؤلاء نظروا إلى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها. وأولئك نظروا إلى مصالح الإنفاق وثمراته العاجلة والآجلة. والفرقة الثالثة لم تختر شيئا بل كان اختيارها ما اختاره الله لها. وكذلك اختيار طول البقاء في الدنيا لإقامة دين الله وعبادته فطائفة اختارته وتمنته وطائفة أحبت الموت ولقاء الله والراحة من الدنيا. وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا ذاك، بل اختارت ما يختاره الله لها، وكان اختيارهم معلقا بما يريده الله دون مراد معين منهم وهي حال الصديق رضي الله عنه فإنهم قالوا له في مرض موته: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال قد رآني. فقالوا فما قال لك؟ قال قال لي إني فعال لما أريد. والأولى حال موسى عليه السلام فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ عينه ولم يكن ذلك حبا منه للدنيا والعيش فيها، ولكن لينفذ أوامر ربه ويقيم دينه ويجاهد أعداءه فكأنه قال لملك الموت أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وأنا في تنفيذ أوامر ربى وإقامة دينه فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت بعدها اختار ما اختاره الله له وأما نبينا صلوات الله وسلامه عليه فإن ربه أرسل إليه يخبره وكان أعلم الخلق بالله فعلم أن ربه تبارك وتعالى يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء الله ولو علم أن ربه يحب له البقاء في الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه لما اختار غير ذلك فكان اختياره تابعا لاختيار ربه عز وجل فكما أنه لما خيره ربه عز وجل بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدا نبيا اختار ما اختاره الله له فكان اختياره في جميع أموره تابعا لاختيار الله له ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الحال في ذاك الوقت، ووفى هذا المقام حقه ولم يثبت عليه من كل وجه إلا الصديق فلم يكن له اختيار في سوى ما اختاره الله له ولأصحابه من تلك الحال التي تقرر الأمر عليها، فكان راضيا بها مختارا لها مشاهدا اختيار ربه لها وهذا غاية العبودية فشكر الله له ذلك وجعل شكرانه ما بشره به في أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به وقالوا هنيئا لك يا رسول الله وحق له أن يهنأ بأعظم ما هنأ به بشر صلوات الله وسلامه عليه. (فصل) ومما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسوله في أعلاها وخصه بذروة سنامها فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة التي تعرفت تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على غيرها أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضا فإذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف احتج به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك وإذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية لإقامة دين الله وتنفيذ أمره وإذا احتج به الفقير الصابر احتج به الغني الشاكر وإذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها احتج به العارفون على فضل المعرفة وإذا احتج به أرباب التواضع والحلم احتج به أرباب العز والقهر المبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة احتج به أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب احتج به أصحاب المدارة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه في وجهه وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها. وإذا احتج به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه فإنه بعث لصلاح الدنيا والدين وإذا احتج به من لم يعلق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها احتج به من قام بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع وإذا احتج به من أخذ بالعفو والصفح والاحتمال احتج به من انتقم في مواضع الانتقام وإذا احتج به من أعطى لله ووالى لله احتج به من منع لله وعادى لله وإذا احتج به من لم يدخر شيئا لغد احتج به من يدخر لأهله قوت سنه وإذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والادم كخبز الشعير والخل احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشوى والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه وإذا احتج به من سرد الصوم احتج به من سرد الفطر فكان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم وإذا احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا وهو النساء والطيب وإذا احتج به من الان جانبه وخفض جناحه لنسائه احتج به من أدبهن وآلمهن وطلق وهجر وخيرهن وإذا احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه احتج به من باشرها بنفسه فأجرو استأجر وباع واشترى واستسلف وادان ورهن. وإذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به من يباشر امرأته وهي حائض بغير الوطء ومن يقبل امرأته وهو صائم. وإذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب وإذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة فإنه حبس في تهمة وعاقب في تهمة. وأخبر عن نبي الله سليمان أنه عليه السلام حكم بالولد للمرأة بالقرينة الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلائه بالقرينة وترجم أبو عبد الرحمن على الحديث ترجمتين إحداهما قال التوسعه للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعله ليستبين به الحق ثم قال الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن في حياته وبعده فقال على رضي الله عنه للمرأة التي حملت كتاب حاطب لتخرجن الكتاب أولا لأجردنك وحد عمر رضي الله عنه في الزنا بالحبل وفي الخمر بالرائحه وحكى الله سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر غير منكر أنه حكم بقرينة شق القميص من دبر على براءته وقال لابن أبي الحقيق وقد زعم أن النفقة أذهبت كنز حيي بن أخطب: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" فاعتبر قرينتين دالتين على بقاء المال وعاقبه حتى أقر به. وجوز لأولياء القتيل أن يحلفوا على رجل إنه قتله ويقتلونه به بناء على القرائن المرجحة صدقهم وشرع الله سبحانه رجم المرأة إذا شهد عليها زوجها في اللعان وأبت أن تلاعن للقرينة الظاهرة على صدقه. وشريعته طافحة بذلك لمن تأملها، فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل كما أنه حجة على قضاة السوء وولاة الجور والله المستعان. والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأتبعهم لها وبالله التوفيق.

الفتح 48:2

(فائدة) قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ثُمَّ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ أنْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ قَبْلَ الوَحْيِ وما تَأخَّرَ قَبْلَ أنْ يَعْصِمَهُ فَلا يُذْنِبُ، فَعَلِمَ ما يُفْعَلُ بِهِ مِن رِضاهُ عَنْهُ، وأنَّهُ أوَّلُ شافِعٍ ومُشَفَّعٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وسَيِّدُ الخَلائِقِ. (لطيفة) وكم بين إخراج رسول الله ﷺ من مكة على تلك الحال، ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح به بشر حبورا لله، وقد اكتنفه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به، والملائكة من فوقهم، والوحي من الله ينزل عليه، وقد أدخله حرمه ذلك الدخول، فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان كأن لم يكن؟! (فائدة) قوله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وهو الفتح الذي فتح الله له أثابه الله عليه بأربعة أشياء: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وإتمام نعمته عليه. وهدايته صراطا مستقيما. ونصر الله له نصرا عزيزا. وبهذا يقع جواب السؤال الذي أورده بعضهم هاهنا فقال كيف يكون حكم الله له بذلك علة لهذه الأمور الأربعة إذ يقول الله تعالى ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾؟ وجوابه ما ذكرنا أن تسليمه لهذا الحكم والرضا به، والانقياد له، والدخول تحته أوجب له أن آتاه الله ذلك. (مسألة) فإن قيل: لم جاء [الصراط] منكرا في قوله لنبيه ﷺ: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب، وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم، وهداية رسوله إليه، ولم يكن للمخاطبين عهد به ولم يكن معروفا لهم فلم يجئ معرفا بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده، ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه. وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكر لفظي، وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع فالتنكير هو الأصل. وهذا بخلاف قوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ فإنه لما تقرر عند المخاطبين أن لله صراطا مستقيما هدي إليه أنبياءه ورسله وكان المخاطب سبحانه المسئول من هدايته عالما به دخلت اللام عليه فقال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وقال السهيلي: إن قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله ﷺ أعلم فأنزل الله على رسوله ﷺ هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما في الدين وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم. ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظا من الاستقامة إذ الألف واللام تنبئ أن ما دخلت عليه من الأسماء [الموصوفة] أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر، أو ما قرب به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا أن يكون في الآخر طرف منه. وغير خاف ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن. أما قوله أن المراد بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ في الحرب والمكيدة فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسول ﷺ وأخبر النبي ﷺ أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطا مستقيما؟ وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك، بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم فسره بقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونصب (دينا) هنا على البدل من الجار والمجرور أي هداني دينا قيما. أفتراه يمكنه هاهنا أن يقول إن الحرب والمكيدة فهذا جواب فاسد جدا. وتأمل: ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها: الفتح المبين والثاني: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر والثالث: هدايته الصراط المستقيم والرابع: إتمام نعمته عليه والخامس: إعطاء النصر العزيز، وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح فإن الهدى هو العلم بالله تعالى ودينه والعمل بمرضاته وطاعته فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر القلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد وهو سبحانه كثيرا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فهذا الهدى. ثم قال: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر وقال تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل. وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر، وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم. ومن هذا قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين﴾ فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية ولم يصب من قال: إن الواو زائدة وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في "الأمالي المكية" فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر وأنه لا يصح فيها غير ذلك ألبتة وأما جوابه الثاني عن قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بأنه لو عرف لجعل للكفر والضلال حظا من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم. أفترى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة، وما ثم غيره إلا طرق الضلال وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله تعالى إليه أنبياءه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال إنه يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة فإن فإن التعريف في قوة الحصر فكأنه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة. فتأمله هنا وفي نظائره. (فصل) قال العلامة ابن القيم - بعد أن ذكر اختلاف الناس في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟ فإن قيل: فأيهما أفضل: من يختار الغني المتصدق والإنفاق في وجوه البر، أم من يختار الفقر والتقلل ليبعد عن الفتنة، ويسلم من الآفة ويرفه قلبه على الاستعداد للآخرة، فلا يشغله بالدنيا، أم من لا يختار لا هذا ولا ذاك، بل يختار ما اختاره الله له فلا يعين باختباره واحدا من الأمرين؟ قيل هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح فمنهم من اختار المال للجهاد به والإنفاق وصرفه في وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابه. وكان قيس بن سعد يقول: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى. ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبي ذر وجماعة من الصحابه معه. وهؤلاء نظروا إلى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها. وأولئك نظروا إلى مصالح الإنفاق وثمراته العاجلة والآجلة. والفرقة الثالثة لم تختر شيئا بل كان اختيارها ما اختاره الله لها. وكذلك اختيار طول البقاء في الدنيا لإقامة دين الله وعبادته فطائفة اختارته وتمنته وطائفة أحبت الموت ولقاء الله والراحة من الدنيا. وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا ذاك، بل اختارت ما يختاره الله لها، وكان اختيارهم معلقا بما يريده الله دون مراد معين منهم وهي حال الصديق رضي الله عنه فإنهم قالوا له في مرض موته: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال قد رآني. فقالوا فما قال لك؟ قال قال لي إني فعال لما أريد. والأولى حال موسى عليه السلام فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ عينه ولم يكن ذلك حبا منه للدنيا والعيش فيها، ولكن لينفذ أوامر ربه ويقيم دينه ويجاهد أعداءه فكأنه قال لملك الموت أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وأنا في تنفيذ أوامر ربى وإقامة دينه فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت بعدها اختار ما اختاره الله له وأما نبينا صلوات الله وسلامه عليه فإن ربه أرسل إليه يخبره وكان أعلم الخلق بالله فعلم أن ربه تبارك وتعالى يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء الله ولو علم أن ربه يحب له البقاء في الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه لما اختار غير ذلك فكان اختياره تابعا لاختيار ربه عز وجل فكما أنه لما خيره ربه عز وجل بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدا نبيا اختار ما اختاره الله له فكان اختياره في جميع أموره تابعا لاختيار الله له ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الحال في ذاك الوقت، ووفى هذا المقام حقه ولم يثبت عليه من كل وجه إلا الصديق فلم يكن له اختيار في سوى ما اختاره الله له ولأصحابه من تلك الحال التي تقرر الأمر عليها، فكان راضيا بها مختارا لها مشاهدا اختيار ربه لها وهذا غاية العبودية فشكر الله له ذلك وجعل شكرانه ما بشره به في أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به وقالوا هنيئا لك يا رسول الله وحق له أن يهنأ بأعظم ما هنأ به بشر صلوات الله وسلامه عليه. (فصل) ومما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسوله في أعلاها وخصه بذروة سنامها فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة التي تعرفت تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على غيرها أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضا فإذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف احتج به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك وإذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية لإقامة دين الله وتنفيذ أمره وإذا احتج به الفقير الصابر احتج به الغني الشاكر وإذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها احتج به العارفون على فضل المعرفة وإذا احتج به أرباب التواضع والحلم احتج به أرباب العز والقهر المبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة احتج به أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب احتج به أصحاب المدارة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه في وجهه وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها. وإذا احتج به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه فإنه بعث لصلاح الدنيا والدين وإذا احتج به من لم يعلق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها احتج به من قام بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع وإذا احتج به من أخذ بالعفو والصفح والاحتمال احتج به من انتقم في مواضع الانتقام وإذا احتج به من أعطى لله ووالى لله احتج به من منع لله وعادى لله وإذا احتج به من لم يدخر شيئا لغد احتج به من يدخر لأهله قوت سنه وإذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والادم كخبز الشعير والخل احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشوى والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه وإذا احتج به من سرد الصوم احتج به من سرد الفطر فكان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم وإذا احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا وهو النساء والطيب وإذا احتج به من الان جانبه وخفض جناحه لنسائه احتج به من أدبهن وآلمهن وطلق وهجر وخيرهن وإذا احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه احتج به من باشرها بنفسه فأجرو استأجر وباع واشترى واستسلف وادان ورهن. وإذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به من يباشر امرأته وهي حائض بغير الوطء ومن يقبل امرأته وهو صائم. وإذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب وإذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة فإنه حبس في تهمة وعاقب في تهمة. وأخبر عن نبي الله سليمان أنه عليه السلام حكم بالولد للمرأة بالقرينة الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلائه بالقرينة وترجم أبو عبد الرحمن على الحديث ترجمتين إحداهما قال التوسعه للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعله ليستبين به الحق ثم قال الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن في حياته وبعده فقال على رضي الله عنه للمرأة التي حملت كتاب حاطب لتخرجن الكتاب أولا لأجردنك وحد عمر رضي الله عنه في الزنا بالحبل وفي الخمر بالرائحه وحكى الله سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر غير منكر أنه حكم بقرينة شق القميص من دبر على براءته وقال لابن أبي الحقيق وقد زعم أن النفقة أذهبت كنز حيي بن أخطب: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" فاعتبر قرينتين دالتين على بقاء المال وعاقبه حتى أقر به. وجوز لأولياء القتيل أن يحلفوا على رجل إنه قتله ويقتلونه به بناء على القرائن المرجحة صدقهم وشرع الله سبحانه رجم المرأة إذا شهد عليها زوجها في اللعان وأبت أن تلاعن للقرينة الظاهرة على صدقه. وشريعته طافحة بذلك لمن تأملها، فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل كما أنه حجة على قضاة السوء وولاة الجور والله المستعان. والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأتبعهم لها وبالله التوفيق.

الفتح 48:3

(فائدة) قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ثُمَّ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ أنْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ قَبْلَ الوَحْيِ وما تَأخَّرَ قَبْلَ أنْ يَعْصِمَهُ فَلا يُذْنِبُ، فَعَلِمَ ما يُفْعَلُ بِهِ مِن رِضاهُ عَنْهُ، وأنَّهُ أوَّلُ شافِعٍ ومُشَفَّعٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وسَيِّدُ الخَلائِقِ. (لطيفة) وكم بين إخراج رسول الله ﷺ من مكة على تلك الحال، ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح به بشر حبورا لله، وقد اكتنفه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به، والملائكة من فوقهم، والوحي من الله ينزل عليه، وقد أدخله حرمه ذلك الدخول، فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان كأن لم يكن؟! (فائدة) قوله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وهو الفتح الذي فتح الله له أثابه الله عليه بأربعة أشياء: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وإتمام نعمته عليه. وهدايته صراطا مستقيما. ونصر الله له نصرا عزيزا. وبهذا يقع جواب السؤال الذي أورده بعضهم هاهنا فقال كيف يكون حكم الله له بذلك علة لهذه الأمور الأربعة إذ يقول الله تعالى ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾؟ وجوابه ما ذكرنا أن تسليمه لهذا الحكم والرضا به، والانقياد له، والدخول تحته أوجب له أن آتاه الله ذلك. (مسألة) فإن قيل: لم جاء [الصراط] منكرا في قوله لنبيه ﷺ: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؟ فالجواب عن هذه المواضع بجواب واحد وهو أنها ليست في مقام الدعاء والطلب، وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم، وهداية رسوله إليه، ولم يكن للمخاطبين عهد به ولم يكن معروفا لهم فلم يجئ معرفا بلام العهد المشيرة إلى معروف في ذهن المخاطب قائم في خلده، ولا تقدمه في اللفظ معهود تكون اللام معروفة إليه. وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهود ذهني أو ذكر لفظي، وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع فالتنكير هو الأصل. وهذا بخلاف قوله ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ فإنه لما تقرر عند المخاطبين أن لله صراطا مستقيما هدي إليه أنبياءه ورسله وكان المخاطب سبحانه المسئول من هدايته عالما به دخلت اللام عليه فقال: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وقال السهيلي: إن قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله ﷺ أعلم فأنزل الله على رسوله ﷺ هذه الآية فلم يرد صراطا مستقيما في الدين وإنما أراد صراطا في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم. ولو قال في هذا الموطن إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظا من الاستقامة إذ الألف واللام تنبئ أن ما دخلت عليه من الأسماء [الموصوفة] أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر، أو ما قرب به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا أن يكون في الآخر طرف منه. وغير خاف ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن. أما قوله أن المراد بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ في الحرب والمكيدة فهضم لهذا الفضل العظيم والحظ الجزيل الذي امتن الله به على رسول ﷺ وأخبر النبي ﷺ أن هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطا مستقيما؟ وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك، بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله تعالى هداه إليه في قوله: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم فسره بقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونصب (دينا) هنا على البدل من الجار والمجرور أي هداني دينا قيما. أفتراه يمكنه هاهنا أن يقول إن الحرب والمكيدة فهذا جواب فاسد جدا. وتأمل: ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها: الفتح المبين والثاني: مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر والثالث: هدايته الصراط المستقيم والرابع: إتمام نعمته عليه والخامس: إعطاء النصر العزيز، وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح فإن الهدى هو العلم بالله تعالى ودينه والعمل بمرضاته وطاعته فهو العلم النافع والعمل الصالح والنصر والقدرة التامة على تنفيذ دينه فالحجة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر القلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد وهو سبحانه كثيرا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ في موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فهذا الهدى. ثم قال: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فهذا النصر فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر وقال تعالى: ﴿الم اللَّهُ لا إلَهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل. وسر اقتران النصر بالهدى أن كلا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، ولهذا سمى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر، وهو اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم. ومن هذا قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين﴾ فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية ولم يصب من قال: إن الواو زائدة وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في "الأمالي المكية" فبين أن آية الفتح تضمنت الأصلين الهدى والنصر وأنه لا يصح فيها غير ذلك ألبتة وأما جوابه الثاني عن قوله: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بأنه لو عرف لجعل للكفر والضلال حظا من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم. أفترى قوله تعالى: ﴿وَآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة، وما ثم غيره إلا طرق الضلال وإنما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله تعالى إليه أنبياءه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال إنه يفهم منه أن لغيره حظا من الاستقامة بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة فإن فإن التعريف في قوة الحصر فكأنه قيل الذي لا صراط مستقيم سواه وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة. فتأمله هنا وفي نظائره. (فصل) قال العلامة ابن القيم - بعد أن ذكر اختلاف الناس في الغني الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟ فإن قيل: فأيهما أفضل: من يختار الغني المتصدق والإنفاق في وجوه البر، أم من يختار الفقر والتقلل ليبعد عن الفتنة، ويسلم من الآفة ويرفه قلبه على الاستعداد للآخرة، فلا يشغله بالدنيا، أم من لا يختار لا هذا ولا ذاك، بل يختار ما اختاره الله له فلا يعين باختباره واحدا من الأمرين؟ قيل هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح فمنهم من اختار المال للجهاد به والإنفاق وصرفه في وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابه. وكان قيس بن سعد يقول: اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى. ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبي ذر وجماعة من الصحابه معه. وهؤلاء نظروا إلى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها. وأولئك نظروا إلى مصالح الإنفاق وثمراته العاجلة والآجلة. والفرقة الثالثة لم تختر شيئا بل كان اختيارها ما اختاره الله لها. وكذلك اختيار طول البقاء في الدنيا لإقامة دين الله وعبادته فطائفة اختارته وتمنته وطائفة أحبت الموت ولقاء الله والراحة من الدنيا. وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا ذاك، بل اختارت ما يختاره الله لها، وكان اختيارهم معلقا بما يريده الله دون مراد معين منهم وهي حال الصديق رضي الله عنه فإنهم قالوا له في مرض موته: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال قد رآني. فقالوا فما قال لك؟ قال قال لي إني فعال لما أريد. والأولى حال موسى عليه السلام فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ عينه ولم يكن ذلك حبا منه للدنيا والعيش فيها، ولكن لينفذ أوامر ربه ويقيم دينه ويجاهد أعداءه فكأنه قال لملك الموت أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وأنا في تنفيذ أوامر ربى وإقامة دينه فلما عرضت عليه الحياة الطويلة وعلم أن الموت بعدها اختار ما اختاره الله له وأما نبينا صلوات الله وسلامه عليه فإن ربه أرسل إليه يخبره وكان أعلم الخلق بالله فعلم أن ربه تبارك وتعالى يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء الله ولو علم أن ربه يحب له البقاء في الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه لما اختار غير ذلك فكان اختياره تابعا لاختيار ربه عز وجل فكما أنه لما خيره ربه عز وجل بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدا نبيا اختار ما اختاره الله له فكان اختياره في جميع أموره تابعا لاختيار الله له ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الحال في ذاك الوقت، ووفى هذا المقام حقه ولم يثبت عليه من كل وجه إلا الصديق فلم يكن له اختيار في سوى ما اختاره الله له ولأصحابه من تلك الحال التي تقرر الأمر عليها، فكان راضيا بها مختارا لها مشاهدا اختيار ربه لها وهذا غاية العبودية فشكر الله له ذلك وجعل شكرانه ما بشره به في أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به وقالوا هنيئا لك يا رسول الله وحق له أن يهنأ بأعظم ما هنأ به بشر صلوات الله وسلامه عليه. (فصل) ومما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسوله في أعلاها وخصه بذروة سنامها فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة التي تعرفت تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على غيرها أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضا فإذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف احتج به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك وإذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية لإقامة دين الله وتنفيذ أمره وإذا احتج به الفقير الصابر احتج به الغني الشاكر وإذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها احتج به العارفون على فضل المعرفة وإذا احتج به أرباب التواضع والحلم احتج به أرباب العز والقهر المبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة احتج به أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب احتج به أصحاب المدارة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه في وجهه وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها. وإذا احتج به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه فإنه بعث لصلاح الدنيا والدين وإذا احتج به من لم يعلق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها احتج به من قام بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع وإذا احتج به من أخذ بالعفو والصفح والاحتمال احتج به من انتقم في مواضع الانتقام وإذا احتج به من أعطى لله ووالى لله احتج به من منع لله وعادى لله وإذا احتج به من لم يدخر شيئا لغد احتج به من يدخر لأهله قوت سنه وإذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والادم كخبز الشعير والخل احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشوى والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه وإذا احتج به من سرد الصوم احتج به من سرد الفطر فكان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم وإذا احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا وهو النساء والطيب وإذا احتج به من الان جانبه وخفض جناحه لنسائه احتج به من أدبهن وآلمهن وطلق وهجر وخيرهن وإذا احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه احتج به من باشرها بنفسه فأجرو استأجر وباع واشترى واستسلف وادان ورهن. وإذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به من يباشر امرأته وهي حائض بغير الوطء ومن يقبل امرأته وهو صائم. وإذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب وإذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة فإنه حبس في تهمة وعاقب في تهمة. وأخبر عن نبي الله سليمان أنه عليه السلام حكم بالولد للمرأة بالقرينة الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلائه بالقرينة وترجم أبو عبد الرحمن على الحديث ترجمتين إحداهما قال التوسعه للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعله ليستبين به الحق ثم قال الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن في حياته وبعده فقال على رضي الله عنه للمرأة التي حملت كتاب حاطب لتخرجن الكتاب أولا لأجردنك وحد عمر رضي الله عنه في الزنا بالحبل وفي الخمر بالرائحه وحكى الله سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر غير منكر أنه حكم بقرينة شق القميص من دبر على براءته وقال لابن أبي الحقيق وقد زعم أن النفقة أذهبت كنز حيي بن أخطب: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" فاعتبر قرينتين دالتين على بقاء المال وعاقبه حتى أقر به. وجوز لأولياء القتيل أن يحلفوا على رجل إنه قتله ويقتلونه به بناء على القرائن المرجحة صدقهم وشرع الله سبحانه رجم المرأة إذا شهد عليها زوجها في اللعان وأبت أن تلاعن للقرينة الظاهرة على صدقه. وشريعته طافحة بذلك لمن تأملها، فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل كما أنه حجة على قضاة السوء وولاة الجور والله المستعان. والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأتبعهم لها وبالله التوفيق.

الفتح 48:6

وَلَمْ يَجِئْ مِثْلُ هَذا الوَعِيدِ في غَيْرِ مَن ظَنَّ السَّوْءَ بِهِ سُبْحانَهُ، وجَحْدُ صِفاتِهِ وإنْكارُ حَقائِقِ أسْمائِهِ مِن أعْظَمِ ظَنِّ السَّوْءِ بِهِ. قال ابن القيم - بعد كلام -: والمقصود: أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه. ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا، وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾. فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا به ظن السوء، حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحّدوه حق توحيده.

الفتح 48:18

أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ رِضاهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ البَيْعَةِ لِرَسُولِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ حِينَئِذٍ مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ وكَمالِ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، وإيثارِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلى ما سِواهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ والطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى في قُلُوبِهِمْ، وأثابَهم عَلى الرِّضى بِحُكْمِهِ والصَّبْرِ لِأمْرِهِ فَتْحًا قَرِيبًا ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وكانَ أوَّلُ الفَتْحِ والمَغانِمِ فَتْحَ خَيْبَرَ ومَغانِمَها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الفُتُوحُ والمَغانِمُ إلى انْقِضاءِ الدَّهْرِ. [مَنشَأُ أيْمانِ البَيْعَةِ] وَمِن هَذِهِ الِالتِزاماتِ الَّتِي لَمْ يُلْزِمْ بِها اللَّهُ ولا رَسُولُهُ لِمَن حَلَفَ بِها الأيْمانَ الَّتِي رَتَّبَها الفاجِرُ الظّالِمُ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وهي أيْمانُ البَيْعَةِ «وَكانَتْ البَيْعَةُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمُصافَحَةِ، وبَيْعَةُ النِّساءِ بِالكَلامِ، وما مَسَّتْ يَدُهُ الكَرِيمَةُ ﷺ يَدَ امْرَأةٍ لا يَمْلِكُها، فَيَقُولُ لِمَن يُبايِعُهُ: بايَعْتُك، أوْ أُبايِعُك، عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ»، كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كُنّا نُبايِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فَيَقُولُ: فِيما اسْتَطَعْت» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ «كُنّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، فَبايَعْناهُ وعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، بايَعْناهُ عَلى أنْ لا نَفِرَّ، ولَمْ نُبايِعْهُ عَلى المَوْتِ». [كَيْفَ كانَتْ بَيْعَةُ النَّبِيِّ لِلنّاسِ؟] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ «بايَعْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، وعَلى أثَرَةٍ عَلَيْنا، وعَلى أنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وعَلى أنْ نَقُولَ بِالحَقِّ أيْنَما كُنّا، لا تَأْخُذُنا في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنْ «جُنادَةَ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ قالَ: دَخَلْنا عَلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وهو مَرِيضٌ، فَقُلْنا: حَدِّثْنا أصْلَحَك اللَّهُ بِحَدِيثٍ نَنْتَفِعُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: دَعانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبايَعْناهُ، وكانَ فِيما أخَذَ عَلَيْنا أنْ بايَعْناهُ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في مَنشَطِنا ومَكْرَهِنا وعُسْرِنا ويُسْرِنا وأثَرَةٍ عَلَيْنا، وأنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، قالَ إلّا أنْ تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عِنْدَكم مِن اللَّهِ فِيهِ بُرْهانٌ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ المُؤْمِناتُ إذا هاجَرْنَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] إلى آخِرِ الآيَةِ. قالَتْ عائِشَةُ: فَمَن أقَرَّتْ بِهَذا مِن المُؤْمِناتِ فَقَدْ أقَرَّتْ بِالمِحْنَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِنَّ قالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْطَلِقْنَ فَقَدْ بايَعْتُكُنَّ ولا واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ، غَيْرَ أنَّهُ يُبايِعُهُنَّ بِالكَلامِ». «قالَتْ عائِشَةُ: واللَّهِ ما أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى النِّساءِ قَطُّ إلّا بِما أمَرَهُ اللَّهُ، وما مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَّ امْرَأةٍ قَطُّ، وكانَ يَقُولُ لَهُنَّ إذا أخَذَ عَلَيْهِنَّ قَدْ بايَعْتُكُنَّ كَلامًا». فَهَذِهِ هي البَيْعَةُ النَّبَوِيَّةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] وقالَ فِيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. [أيْمانُ البَيْعَةِ الَّتِي أحْدَثَها الحَجّاجُ الثَّقَفِيُّ] فَأحْدَثَ الحَجّاجُ في الإسْلامِ بَيْعَةً غَيْرَ هَذِهِ تَتَضَمَّنُ اليَمِينَ بِاللَّهِ تَعالى والطَّلاقَ والعَتاقَ وصَدَقَةَ المالِ والحَجَّ؛ فاخْتَلَفَ عُلَماءُ الإسْلامِ في ذَلِكَ عَلى عِدَّةِ أقْوالٍ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَحْرِيرَ هَذِهِ المَسْألَةِ وكَشْفَها؛ فَإنْ كانَ مُرادُ الحالِفِ بِقَوْلِهِ " أيْمانُ البَيْعَةِ تَلْزَمُنِي " البَيْعَةَ النَّبَوِيَّةَ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبايِعُ عَلَيْها أصْحابَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلاقُ والإعْتاقُ ولا شَيْءٌ مِمّا رَتَّبَهُ الحَجّاجُ، وإنْ لَمْ يَنْوِ تِلْكَ البَيْعَةَ ونَوى البَيْعَةَ الحَجّاجِيَّةَ فَلا يَخْلُو: إمّا أنْ يَذْكُرَ في لَفْظِهِ طَلاقًا أوْ عَتاقًا أوْ حَجًّا أوْ صَدَقَةً أوْ يَمِينًا بِاللَّهِ أوْ لا يَذْكُرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ فَإنْ لَمْ يَذْكُرْ في لَفْظِهِ شَيْئًا فَلا يَخْلُو: إمّا أنْ يَكُونَ عارِفًا بِمَضْمُونِها أوْ لا؛ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَإمّا أنْ يَنْوِيَ مَضْمُونَها كُلَّهُ أوْ بَعْضَ ما فِيها أوْ لا يَنْوِيَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ تَقاسِيمُ هَذِهِ المَسْألَةِ. [فصل: العِلْمُ والحِلْمُ والوَقارُ والسَّكِينَةُ] وَأمّا قَوْلُهُ: " أنْ يَكُونَ لَهُ حِلْمٌ ووَقارٌ وسَكِينَةٌ " فَلَيْسَ صاحِبُ العِلْمِ والفُتْيا إلى شَيْءٍ أحْوَجَ مِنهُ إلى الحِلْمِ والسَّكِينَةِ والوَقارِ؛ فَإنَّها كِسْوَةُ عِلْمِهِ وجَمالِهِ، وإذا فَقَدَها كانَ عِلْمُهُ كالبَدَنِ العارِي مِن اللِّباسِ. وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ما قُرِنَ شَيْءٌ إلى شَيْءٍ أحْسَنُ مِن عِلْمٍ إلى حِلْمٍ. والنّاسُ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْسامٍ، فَخِيارُهم مِن أُوتِيَ الحِلْمَ والعِلْمَ، وشِرارُهم مِن عَدَمِهِما، الثّالِثُ: مِن أُوتِيَ عِلْمًا بِلا حِلْمٍ، الرّابِعُ: عَكْسُهُ فالحِلْمُ زِينَةُ العِلْمِ وبَهاؤُهُ وجَمالُهُ. وَضِدُّ الطَّيْشِ والعَجَلَةِ والحِدَةِ والتَّسَرُّعِ وعَدَمِ الثَّباتِ؛ فالحَلِيمُ لا يَسْتَفِزُّهُ البَدَواتُ، ولا يَسْتَخِفُّهُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، ولا يُقْلِقُهُ أهْلُ الطَّيْشِ والخِفَّةِ والجَهْلِ. بَلْ هو وقُورٌ ثابِتٌ ذُو أناةٍ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ وُرُودِ أوائِلِ الأُمُورِ عَلَيْهِ ولا تَمْلِكُهُ أوائِلُها، ومُلاحَظَتُهُ لِلْعَواقِبِ تَمْنَعُهُ مِن أنْ تَسْتَخِفَّهُ دَواعِي الغَضَبِ والشَّهْوَةِ؛ فَبِالعِلْمِ تَنْكَشِفُ لَهُ مَواقِعُ الخَيْرِ والشَّرِّ والصَّلاحِ والفَسادِ، وبِالحِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِن تَثْبِيتِ نَفْسِهِ عِنْدَ الخَيْرِ فَيُؤْثِرُهُ ويَصِيرُ عَلَيْهِ وعِنْدَ الشَّرِّ فَيَصْبِرُ عَنْهُ؛ فالعِلْمُ يُعَرِّفُهُ رُشْدَهُ والحِلْمُ يُثَبِّتُهُ عَلَيْهِ، وإذا شِئْتَ أنْ تَرى بَصِيرًا بِالخَيْرِ والشَّرِّ لا صَبْرَ لَهُ عَلى هَذا ولا عَنْ هَذا رَأيْته، وإذا شِئْتَ أنْ تَرى صابِرًا عَلى المَشاقِّ لا بَصِيرَةَ لَهُ رَأيْتَهُ، وإذا شِئْتَ أنْ تَرى مِن لا صَبْرَ لَهُ ولا بَصِيرَةَ رَأيْتَهُ، وإذا شِئْتَ أنْ تَرى بَصِيرًا صابِرًا لَمْ تَكَدْ، فَإذا رَأيْتَهُ فَقَدْ رَأيْتَ إمامَ هُدًى حَقًّا فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ. والوَقارُ والسَّكِينَةُ ثَمَرَةُ الحِلْمِ ونَتِيجَتُهُ. وَلِشِدَّةِ الحاجَةِ إلى السَّكِينَةِ وحَقِيقَتِها وتَفاصِيلِها وأقْسامِها نُشِيرُ إلى ذَلِكَ بِحَسَبِ عُلُومِنا القاصِرَةِ، وأذْهانِنا الجامِدَةِ، وعِباراتِنا النّاقِصَةِ، ولَكِنْ نَحْنُ أبْناءُ الزَّمانِ، والنّاسُ بِزَمانِهِمْ أشْبَهُ مِنهم بِآبائِهِمْ، ولِكُلِّ زَمانٍ دَوْلَةٌ ورِجالٌ. [حَقِيقَةُ السَّكِينَةِ] فالسَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِن السُّكُونِ، وهو طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ واسْتِقْرارُهُ، وأصْلُها في القَلْبِ، ويَظْهَرُ أثَرُها عَلى الجَوارِحِ، وهي عامَّةُ وخاصَّةٌ. فَسَكِينَةُ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - أخَصُّ مَراتِبِها وأعْلى أقْسامِها كالسَّكِينَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ وقَدْ أُلْقِيَ في المَنجَنِيقِ مُسافِرًا إلى ما أضْرَمَ لَهُ أعْداءُ اللَّهِ مِن النّارِ، فَلِلَّهِ تِلْكَ السَّكِينَةُ الَّتِي كانَتْ في قَلْبِهِ حِينَ ذَلِكَ السَّفَرِ، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِمُوسى وقَدْ غَشِيَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ مِن ورائِهِمْ والبَحْرُ أمامَهم وقَدْ اسْتَغاثَ بَنُو إسْرائِيلَ: يا مُوسى إلى أيْنَ تَذْهَبُ بِنا؟ هَذا البَحْرُ أمامَنا وهَذا فِرْعَوْنُ خَلْفَنا، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ وقْتَ تَكْلِيمِ اللَّهِ لَهُ نِداءً ونِجاءً كَلامًا حَقِيقَةً سَمِعَهُ حَقِيقَةً بِأُذُنِهِ، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ وقَدْ رَأى العَصا ثُعْبانًا مُبِينًا، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ وقَدْ رَأى حِبالَ القَوْمِ وعِصِيَّهم كَأنَّها تَسْعى فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِنَبِيِّنا ﷺ وقَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِ وعَلى صاحِبِهِ عَدُوُّهُما وهُما في الغارِ فَلَوْ نَظَرَ أحَدُهم إلى تَحْتِ قَدَمَيْهِ لَرَآهُما، وكَذَلِكَ السَّكِينَةُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ في مَواقِفِهِ العَظِيمَةِ وأعْداءُ اللَّهِ قَدْ أحاطُوا بِهِ كَيَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ حُنَيْنٍ ويَوْمِ الخَنْدَقِ وغَيْرِهِ؛ فَهَذِهِ السَّكِينَةُ أمْرٌ فَوْقَ عُقُولِ البَشَرِ، وهي مِن أعْظَمِ مُعْجِزاتِهِ عِنْدَ أرْبابِ البَصائِرِ، فَإنَّ الكَذّابَ - ولا سِيَّما عَلى اللَّهِ - أقْلَقُ ما يَكُونُ وأخْوَفُ ما يَكُونُ وأشَدُّهُ اضْطِرابًا في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّسُلِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - مِن الآياتِ إلّا هَذِهِ وحْدَها لَكَفَتْهم. [السَّكِينَةُ الخاصَّةُ] وَأمّا الخاصَّةُ فَتَكُون لِأتْباعِ الرُّسُلِ بِحَسَبِ مُتابَعَتِهِمْ، وهي سَكِينَةُ الإيمانِ، وهي سَكِينَةٌ تُسَكِّنُ القُلُوبَ عَنْ الرَّيْبِ والشَّكِّ، ولِهَذا أنْزَلَها اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ في أصْعَبِ المَواطِنِ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤] فَذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِالجُنُودِ الخارِجَةِ عَنْهم والجُنُودِ الدّاخِلَةِ فِيهِمْ، وهي السَّكِينَةُ عِنْدَ القَلِقِ والِاضْطِرابِ الَّذِي لَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وذَلِكَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِها أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] لَمّا عَلِمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ما في قُلُوبِهِمْ مِن القَلِقِ والِاضْطِرابِ لَمّا مَنَعَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ مِن دُخُولِ بَيْتِ اللَّهِ، وحَبَسُوا الهَدْيَ عَنْ مَحِلِّهِ، واشْتَرَطُوا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الشُّرُوطَ الجائِرَةَ الظّالِمَةَ، فاضْطَرَبَتْ قُلُوبُهُمْ، وقَلِقَتْ ولَمْ تُطِقْ الصَّبْرَ، فَعَلِمَ - تَعالى - ما فِيها، فَثَبَّتَها بِالسَّكِينَةِ رَحْمَةً مِنهُ ورَأْفَةً ولُطْفًا، وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ. وَتَحْتَمِلُ الآيَةَ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِن الإيمانِ والخَيْرِ ومَحَبَّتِهِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ فَثَبَّتَها بِالسَّكِينَةِ وقْتَ قَلَقِها واضْطِرابِها، والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الأمْرَيْنِ، وهو أنَّهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِمّا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى إنْزالِ السَّكِينَةِ وما في قُلُوبِهِمْ مِن الخَيْرِ الَّذِي هو سَبَبُ إنْزالِها، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦] لَمّا كانَتْ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ تُوجِبُ مِن الأقْوالِ والأعْمالِ ما يُناسِبُها جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ سَكِينَةً تُقابِلُ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ، وفي ألْسِنَتِهِمْ كَلِمَةَ التَّقْوى مُقابِلَةً لِما تُوجِبُهُ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ مِن كَلِمَةِ الفُجُورِ، فَكانَ حَظُّ، المُؤْمِنِينَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ، وكَلِمَةَ التَّقْوى عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وحَظُّ أعْدائِهِمْ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ في قُلُوبِهِمْ، وكَلِمَةُ الفُجُورِ والعَدُوّانِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ؛ فَكانَتْ هَذِهِ السَّكِينَةُ وهَذِهِ الكَلِمَةُ جُنْدًا مِن جُنْدِ اللَّهِ أيَّدَ بِها اللَّهُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ في مُقابَلَةِ جُنْدِ الشَّيْطانِ الَّذِي في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ وألْسِنَتِهِمْ. وَثَمَرَةُ هَذِهِ السَّكِينَةِ الطُّمَأْنِينَةُ لِلْخَيْرِ تَصْدِيقًا وإيقانًا ولِلْأمْرِ تَسْلِيمًا وإذْعانًا، فَلا تَدَعْ شُبْهَةً تُعارِضُ الخَيْرَ ولا إرادَةً تُعارِضُ الأمْرَ، فَلا تَمُرُّ مُعارَضاتُ السُّوءِ بِالقَلْبِ إلّا وهي مُجْتازَةٌ مِن مُرُورِ الوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي يُبْتَلى بِها العَبْدُ لِيَقْوى إيمانُهُ، ويَعْلُوَ عِنْدَ اللَّهِ مِيزانُهُ، بِمُدافَعَتِها ورَدِّها وعَدَمِ السُّكُونِ إلَيْها، فَلا يَظُنُّ المُؤْمِنُ أنَّها لِنَقْصِ دَرَجَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ. [فَصْلٌ: السَّكِينَةُ عِنْدَ القِيامِ بِوَظائِفِ العُبُودِيَّةِ] وَمِنها السَّكِينَةُ عِنْدَ القِيامِ بِوَظائِف العُبُودِيَّةِ، وهي الَّتِي تُوَرِّثُ الخُضُوعَ والخُشُوعَ وغَضَّ الطَّرَفِ وجَمْعِيَّةَ القَلْبِ عَلى اللَّهِ - تَعالى - بِحَيْثُ يُؤَدِّي عُبُودِيَّتَهُ بِقَلْبِهِ وبَدَنِهِ، والخُشُوعُ نَتِيجَةُ هَذِهِ السَّكِينَةِ وثَمَرَتُها، وخُشُوعُ الجَوارِحِ نَتِيجَةُ خُشُوعِ القَلْبِ، وقَدْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ في الصَّلاةِ، فَقالَ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ». فَإنْ قُلْتَ: قَدْ ذَكَرْتَ أقْسامَها ونَتِيجَتَها وثَمَرَتَها وعَلامَتَها، فَما أسْبابُها الجالِبَةُ لَها؟ [أسْبابُ السَّكِينَةِ] قُلْتُ: سَبَبُها اسْتِيلاءُ مُراقَبَةِ العَبْدِ لِرَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ حَتّى كَأنَّهُ يَراهُ، وكَلَّما اشْتَدَّتْ هَذِهِ المُراقَبَةُ أوْجَبَتْ لَهُ مِن الحَياءِ والسَّكِينَةِ والمَحَبَّةِ والخُضُوعِ والخُشُوعِ والخَوْفِ والرَّجاءِ ما لا يَحْصُلُ بِدُونِها، فالمُراقَبَةُ أساسُ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ كُلِّها وعَمُودُها الَّذِي قِيامُها بِهِ، ولَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ أُصُولَ أعْمالِ القَلْبِ، وفُرُوعَها كُلَّها في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وهي قَوْلُهُ في الإحْسانِ «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» فَتَأمَّلْ كُلَّ مَقامٍ مِن مَقاماتِ الدِّينِ، وكُلَّ عَمَلٍ مِن أعْمالِ القُلُوبِ، كَيْف تَجِدُ هَذا أصْلُهُ ومَنبَعُهُ؟ والمَقْصُودُ أنَّ العَبْدَ مُحْتاجٌ إلى السَّكِينَةِ عِنْدَ الوَساوِسِ المُعْتَرِضَةِ في أصْلِ الإيمانِ لِيَثْبُتَ قَلْبُهُ ولا يَزِيغَ، وعِنْدَ الوَساوِسِ والخَطِراتِ القادِحَةِ في أعْمالِ الإيمانِ لِئَلّا تَقْوى وتَصِيرَ هُمُومًا وغُمُومًا وإراداتٌ يَنْقُصُ بِها إيمانُهُ، وعِنْدَ أسْبابِ المَخاوِفِ عَلى اخْتِلافِها لِيَثْبُتَ قَلْبُهُ ويَسْكُنُ جَأْشُهُ، وعِنْدَ أسْبابِ الفَرَحِ لِئَلّا يَطْمَحَ بِهِ مَرْكَبُهُ فَيُجاوِزَ الحَدَّ الَّذِي لا يُعْبَرُ فَيَنْقَلِبُ تَرَحًا وحُزْنًا، وكَمْ مِمَّنْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِما يُفْرِحُهُ فَجَمَحَ بِهِ مَرْكَبُ الفَرَحِ وتَجاوَزَ الحَدَّ فانْقَلَبَ تَرَحًا عاجِلًا، ولَوْ أُعِينَ بِسَكِينَةٍ تَعْدِلُ فَرَحَهُ لِأُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وعِنْدَ هُجُومِ الأسْبابِ المُؤْلِمَةِ عَلى اخْتِلافِها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَما أحْوَجَهُ إلى السَّكِينَةِ حِينَئِذٍ، وما أنْفَعَها لَهُ، وأجْداها عَلَيْهِ، وأحْسَنَ عاقِبَتَها،. والسَّكِينَةُ في هَذِهِ المَواطِنِ عَلامَةٌ عَلى الظَّفَرِ، وحُصُولِ المَحْبُوبِ، وانْدِفاعِ المَكْرُوهِ، وفَقْدُها عَلامَةٌ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، لا يُخْطِئُ هَذا ولا هَذا، واللَّهُ المُسْتَعانُ. [فَصْلٌ: في قِصّةِ الحُدَيْبِيَةِ] قالَ نافع: كانَتْ سَنَةَ سِتٍّ في ذِي القَعْدَةِ، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وقتادة ومُوسى بْنِ عُقْبَةَ ومحمد بن إسحاق وغَيْرِهِمْ. وَقالَ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الحُدَيْبِيَةِ في رَمَضانَ، وكانَتْ في شَوّالٍ، وهَذا وهْمٌ، وإنَّما كانَتْ غَزاةُ الفَتْحِ في رَمَضانَ، وقَدْ قالَ أبو الأسود عَنْ عروة: إنَّها كانَتْ في ذِي القَعْدَةِ، عَلى الصَّوابِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنس أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «اعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ في ذِي القَعْدَةِ». فَذَكَرَ مِنها عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ. وَكانَ مَعَهُ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، هَكَذا في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ جابر وعَنْهُ فِيهِما: (كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَة)، وفِيهِما: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: " كُنّا ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ ". قالَ قتادة: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كَمْ كانَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ؟ قالَ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ. قالَ: قُلْتُ: فَإنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانُوا أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ. قالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، أوْهَمَ، هو حَدَّثَنِي أنَّهم كانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ. قُلْتُ: وقَدْ صَحَّ عَنْ جابر القَوْلانِ، وصَحَّ عَنْهُ أنَّهم نَحَرُوا عامَ الحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قالَ: ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ بِخَيْلِنا ورَجْلِنا. يَعْنِي فارِسَهم وراجِلَهُمْ، والقَلْبُ إلى هَذا أمْيَلُ، وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ومَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ. وَقَوْلُ المسيب بن حزن: قالَ شعبة: عَنْ قتادة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أبِيهِ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ». وَغَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا مَن قالَ: كانُوا سَبْعَمِائَةٍ، وعُذْرُهُ أنَّهم نَحَرُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً، والبَدَنَةُ قَدْ جاءَ إجْزاؤُها عَنْ سَبْعَةٍ وعَنْ عَشَرَةٍ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى ما قالَهُ هَذا القائِلُ؛ فَإنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ البَدَنَةَ كانَتْ في هَذِهِ العُمْرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ، فَلَوْ كانَتِ السَّبْعُونَ عَنْ جَمِيعِهِمْ لَكانُوا أرْبَعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ رَجُلًا، وقَدْ قالَ في تَمامِ الحَدِيثِ بِعَيْنِهِ: إنَّهم (كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ) [فَصْلٌ: في تَقْلِيدُهُ ﷺ الهَدْيَ بِذِي الحُلَيْفَةِ وبَعْثُهُ عَيْنًا لَهُ ابْنَ خُزاعَةَ إلى قُرَيْشٍ] «فَلَمّا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الهَدْيَ وأشْعَرَهُ، وأحْرَمَ بِالعُمْرَةِ، وبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِن خُزاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ، حَتّى إذا كانَ قَرِيبًا مِن عُسْفانَ أتاهُ عَيْنُهُ فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ كعب بن لؤي قَدْ جَمَعُوا لَكَ الأحابِيشَ، وجَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ ومانِعُوكَ، واسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ وقالَ: أتَرَوْنَ أنْ نَمِيلَ إلى ذَرارِيِّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أعانُوهم فَنُصِيبَهُمْ، فَإنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ، وإنْ يَجِيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَها اللَّهُ، أمْ تَرَوْنَ أنْ نَؤُمَّ البَيْتَ، فَمَن صَدَّنا عَنْهُ قاتَلْناهُ؟ فَقالَ أبو بكر: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، إنَّما جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، ولَمَ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ، ولَكِنْ مَن حالَ بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ قاتَلْناهُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (فَرُوحُوا إذًا) فَراحُوا حَتّى إذا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالغَمِيمِ في خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذاتَ اليَمِينِ " فَواللَّهِ ما شَعَرَ بِهِمْ خالد حَتّى إذا هم بِقَتَرَةِ الجَيْشِ فانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وسارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى إذا كانَ بِالثَّنِيِّةِ الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنها بَرَكَتْ بِهِ راحِلَتُهُ، فَقالَ النّاسُ: حَلْ حَلْ. فَألَحَّتْ، فَقالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ خَلَأتِ القَصْواءُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ما خَلَأتِ القَصْواءُ وما ذاكَ لَها بِخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ). ثُمَّ قالَ (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَسْألُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيها حُرُماتِ الله إلّا أعْطَيْتُهم إيّاها)، ثُمَّ زَجَرَها فَوَثَبَتْ بِهِ، فَعَدَلَ حَتّى نَزَلَ بِأقْصى الحُدَيْبِيَةِ عَلى ثَمَدٍ قَلِيلِ الماءُ إنَّما يَتَبَرَّضُهُ النّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلْبِثْهُ النّاسُ أنْ نَزَحُوهُ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَطَشَ، فانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ. قالَ: فَواللَّهِ ما زالَ يَجِيشُ لَهم بِالرِّيِّ حَتّى صَدَرُوا عَنْهُ. وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ، فَأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ، فَدَعا عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لِيَبْعَثَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي بِمَكَّةَ أحَدٌ مِن بَنِي كَعْبٍ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيتُ، فَأرْسِلْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَإنَّ عَشِيرَتَهُ بِها، وإنَّهُ مُبَلِّغٌ ما أرَدْتَ. فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَأرْسَلَهُ إلى قُرَيْشٍ وقالَ: أخْبِرْهم أنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْنا عُمّارًا، وادْعُهم إلى الإسْلامِ، وأمَرَهُ أنْ يَأْتِيَ رِجالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمْ، ويُبَشِّرَهم بِالفَتْحِ، ويُخْبِرَهم أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُظْهِرٌ دِينَهُ بِمَكَّةَ، حَتّى لا يُسْتَخْفى فِيها بِالإيمانِ، فانْطَلَقَ عثمان فَمَرَّ عَلى قُرَيْشٍ بِبَلْدَحَ فَقالُوا: أيْنَ تُرِيدُ؟ فَقالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أدْعُوكم إلى اللَّهِ وإلى الإسْلامِ، وأُخْبِرُكم أنّا لِمَ نَأْتِ لِقِتالٍ، وإنَّما جِئْنا عُمّارًا. فَقالُوا: قَدْ سَمِعْنا ما تَقُولُ، فانْفُذْ لِحاجَتِكَ، وقامَ إلَيْهِ أبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِ فَرَحَّبَ بِهِ وأسْرَجَ فَرَسَهُ، فَحَمَلَ عثمان عَلى الفَرَسِ، وأجارَهُ، وأرْدَفَهُ أبانٌ حَتّى جاءَ مَكَّةَ، وقالَ المُسْلِمُونَ قَبْلَ أنْ يَرْجِعَ عثمان: خَلَصَ عثمان قَبْلَنا إلى البَيْتِ وطافَ بِهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ما أظُنُّهُ طافَ بِالبَيْتِ ونَحْنُ مَحْصُورُونَ ". فَقالُوا: وما يَمْنَعُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ وقَدْ خَلَصَ؟ قالَ " ذاكَ ظَنِّي بِهِ ألّا يَطُوفَ بِالكَعْبَةِ حَتى نَطُوفَ مَعَهُ)» «واخْتَلَطَ المُسْلِمُونَ بِالمُشْرِكِينَ في أمْرِ الصُّلْحِ، فَرَمى رَجُلٌ مِن أحَدِ الفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنَ الفَرِيقِ الآخَرِ، وكانَتْ مَعْرَكَةً، وتَرامَوْا بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ، وصاحَ الفَرِيقانِ كِلاهُما، وارْتَهَنَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِمَن فِيهِمْ، وبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّ عثمان قَدْ قُتِلَ، فَدَعا إلى البَيْعَةِ، فَثارَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَبايَعُوهُ عَلى ألّا يَفِرُّوا، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ نَفْسِهِ وقالَ: (هَذِهِ عَنْ عثمان) ولَمّا تَمَّتِ البَيْعَةُ رَجَعَ عثمان فَقالَ لَهُ المُسْلِمُونَ: اشْتَفَيْتَ يا أبا عبد الله مِنَ الطَّوافِ بِالبَيْتِ؟ فَقالَ: (بِئْسَ ما ظَنَنْتُمْ بِي، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ مَكَثْتُ بِها سَنَةً، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِيمٌ بِالحُدَيْبِيَةِ ما طُفْتُ بِها حَتّى يَطُوفَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إلى الطَّوافِ بِالبَيْتِ فَأبَيْتُ). فَقالَ المُسْلِمُونَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ أعْلَمَنا بِاللَّهِ وأحْسَنَنا ظَنًّا، (وَكانَ عمر آخِذًا بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْبَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَبايَعَهُ المُسْلِمُونَ كُلُّهم إلّا الجد بن قيس). (وَكانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ آخِذًا بِغُصْنِها يَرْفَعُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ أوَّلَ مَن بايَعَهُ أبو سنان الأسدي) وَبايَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في أوَّلِ النّاسِ وأوْسَطِهِمْ وآخِرِهِمْ. فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ جاءَ بديل بن ورقاء الخزاعي في نَفَرٍ مِن خُزاعَةَ، وكانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ تِهامَةَ، فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نَزَلُوا أعْدادَ مِياهِ الحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمُ العُوذُ المَطافِيلُ:، وهم مُقاتِلُوكَ وصادُّوكَ عَنِ البَيْتِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنّا لَمْ نَجِئْ لِقِتالِ أحَدٍ ولَكِنْ جِئْنا مُعْتَمِرِينَ، وإنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الحَرْبُ وأضَرَّتْ بِهِمْ، فَإنْ شاءُوا مادَدْتُهم ويُخَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ النّاسِ، وإنْ شاءُوا أنْ يَدْخُلُوا فِيما دَخَلَ فِيهِ النّاسُ فَعَلُوا وإلّا فَقَدْ جَمُّوا، وإنْ هم أبَوْا إلّا القِتالَ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقاتِلَنَّهم عَلى أمْرِي هَذا حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي أوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أمْرَه) قالَ بديل: سَأُبْلِغُهم ما تَقُولُ. فانْطَلَقَ حَتّى أتى قُرَيْشًا فَقالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكم مِن عِنْدِ هَذا الرَّجُلِ، وقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإنْ شِئْتُمْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكم. فَقالَ سُفَهاؤُهُمْ: لا حاجَةَ لَنا أنْ تُحَدِّثَنا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وقالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنهُمْ: هاتِ ما سَمِعْتَهُ. قالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذا وكَذا. فَحَدَّثَهم بِما قالَ النَّبِيُّ ﷺ. فَقالَ عروة بن مسعود الثقفي: إنَّ هَذا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها ودَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَأتاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِن قَوْلِهِ لبديل، فَقالَ لَهُ عروة عِنْدَ ذَلِكَ: أيْ مُحَمَّدٌ، أرَأيْتَ لَوِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتاحَ أهْلَهُ قَبْلَكَ؟ وإنْ تَكُنِ الأُخْرى فَواللَّهِ إنِّي لَأرى وُجُوهًا وأرى أوْشابًا مِنَ النّاسِ خَلِيقًا أنْ يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ. فَقالَ لَهُ أبو بكر: امْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ، أنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ ونَدَعُهُ؟! قالَ: مَن ذا؟ قالُوا: أبو بكر. قالَ: أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا يَدٌ كانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها لَأجَبْتُكَ. وجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وكُلَّما كَلَّمَهُ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ، والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عِنْدَ رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ السَّيْفُ وعَلَيْهِ المِغْفَرُ، فَكُلَّما أهْوى عروة إلى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وقالَ: أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَرَفَعَ عروة رَأْسَهُ وقالَ: مَن ذا؟ قالُوا: المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقالَ: أيْ غُدَرُ، أوَلَسْتُ أسْعى في غَدْرَتِكَ؟ وكانَ المغيرة صَحِبَ قَوْمًا في الجاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهم وأخَذَ أمْوالَهم ثُمَّ جاءَ فَأسْلَمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أمّا الإسْلامُ فَأقْبَلُ، وأمّا المالُ فَلَسْتُ مِنهُ في شَيْء) ثُمَّ إنَّ عروة جَعَلَ يَرْمُقُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنَيْهِ، فَواللَّهِ ما تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخامَةً إلّا وقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَدَلَكَ بِها جِلْدَهُ ووَجْهَهُ، وإذا أمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وإذا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلى وضُوئِهِ، وإذا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهم عِنْدَهُ، وما يُحِدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عروة إلى أصْحابِهِ فَقالَ: أيْ قَوْمُ، واللَّهِ لَقَدْ وفَدْتُ عَلى المُلُوكِ عَلى كِسْرى وقيصر والنَّجاشِيِّ، واللَّهِ ما رَأيْتُ مَلِكًا يُعَظِّمُهُ أصْحابُهُ ما يُعَظِّمُ أصْحابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، واللَّهِ إنْ تَنَخَّمَ نُخامَةً إلّا وقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَدَلَكَ بِها وجْهَهُ وجِلْدَهُ، وإذا أمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أمْرَهُ، وإذا تَوَضَّأ كادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلى وُضُوئِهِ، وإذا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهم عِنْدَهُ، وما يُحِدُّونَ إلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وقَدْ عَرَضَ عَلَيْكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها، فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَلَمّا أشْرَفَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَذا فُلانٌ، وهو مِن قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ، فابْعَثُوها لَهُ. فَبَعَثُوها لَهُ، واسْتَقْبَلَهُ القَوْمُ يُلَبُّونَ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، ما يَنْبَغِي لِهَؤُلاءِ أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ) فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: رَأيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ وما أرى أنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. فَقامَ مكرز بن حفص فَقالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقالُوا: ائْتِهِ. فَلَمّا أشْرَفَ عَلَيْهِمْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَذا مكرز بن حفص، وهو رَجُلٌ فاجِرٌ). فَجَعَلَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنا هو يُكَلِّمُهُ إذْ جاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قَدْ سُهِّلَ لَكم مِن أمْرِكُمْ) فَقالَ: هاتِ اكْتُبْ بَيْنَنا وبَيْنَكم كِتابًا. فَدَعا الكاتِبَ فَقالَ: " اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". فَقالَ سهيل: أمّا الرَّحْمَنُ فَواللَّهِ ما نَدْرِي ما هُوَ، ولَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَما كُنْتَ تَكْتُبُ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: واللَّهِ لا نَكْتُبُها إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ". ثُمَّ قالَ: اكْتُبْ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ). فَقالَ سهيل: فَواللَّهِ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ ولا قاتَلْناكَ، ولَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وإنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه). فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلى أنْ تُخَلُّوا بَيْنَنا وبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ. فَقالَ سهيل واللَّهِ لا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنّا أُخِذْنا ضَغْطَةً، ولَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العامِ المُقْبِلِ. فَكَتَبَ، فَقالَ سهيل: عَلى أنْ لا يَأْتِيَكَ مِنّا رَجُلٌ وإنْ كانَ عَلى دِينِكَ إلّا رَدَدْتَهُ إلَيْنا. فَقالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقَدْ جاءَ مُسْلِمًا؟! بَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ جاءَ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ في قُيُودِهِ، قَدْ خَرَجَ مِن أسْفَلِ مَكَّةَ حَتّى رَمى بِنَفْسِهِ بَيْنَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ سهيل: هَذا يا مُحَمَّدُ أوَّلُ ما أُقاضِيكَ عَلَيْهِ أنْ تَرُدَّهُ إلَيَّ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنّا لَمْ نَقْضِ الكِتابَ بَعْدُ. فَقالَ: فَواللَّهِ إذًا لا أُصالِحُكَ عَلى شَيْءٍ أبَدًا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأجِزْهُ لِي. قالَ: ما أنا بِمُجِيزِهِ لَكَ. قالَ: بَلى فافْعَلْ. قالَ: ما أنا بِفاعِلٍ. قالَ مكرز: بَلى قَدْ أجَزْناهُ، فَقالَ أبُو جَنْدَلٍ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ وقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، ألا تَرَوْنَ ما لَقِيتُ؟! وَكانَ قَدْ عُذِّبَ في اللَّهِ عَذابًا شَدِيدًا. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: واللَّهِ ما شَكَكْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قالَ: بَلى. قُلْتُ: ألَسْنا عَلى الحَقِّ وعَدُوُّنا عَلى الباطِلِ؟ قالَ: بَلى. فَقُلْتُ: عَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذًا ونَرْجِعُ ولَمّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَ أعْدائِنا؟ فَقالَ: (إنِّي رَسُولُ اللَّهِ وهو ناصِرِي ولَسْتُ أعْصِيهِ). قُلْتُ: أوَلَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنا أنّا سَنَأْتِي البَيْتَ ونَطُوفُ بِهِ؟ قالَ: بَلى، أفَأخْبَرْتُكَ أنَّكَ تَأْتِيهِ العامَ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فَإنَّكَ آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ بِهِ. قالَ فَأتَيْتُ أبا بكر فَقُلْتُ لَهُ كَما قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَدَّ عَلَيَّ أبو بكر كَما رَدَّ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَواءً، وزادَ: فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ حَتّى تَمُوتَ فَواللَّهِ إنَّهُ لَعَلى الحَقِّ. قالَ عمر: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أعْمالًا. فَلَمّا فُرِغَ مِن قَضِيِّةِ الكِتابِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (قُومُوا فانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا). فَواللَّهِ ما قامَ مِنهم رَجُلٌ واحِدٌ حَتّى قالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا لَمْ يَقُمْ مِنهم أحَدٌ قامَ فَدَخَلَ عَلى أم سلمة، فَذَكَرَ لَها ما لَقِيَ مِنَ النّاسِ، فَقالَتْ أم سلمة: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا مِنهم كَلِمَةً حَتّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وتَدْعُوَ حالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَقامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا مِنهم حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ ودَعا حالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمّا رَأى النّاسُ ذَلِكَ قامُوا فَنَحَرُوا، وجَعَلَ بَعْضُهم يَحْلِقُ بَعْضًا حَتّى كادَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِناتٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، حَتّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عمر يَوْمَئِذٍ امْرَأتَيْنِ كانَتا لَهُ في الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إحْداهُما معاوية والأُخْرى صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، وفي مَرْجِعِهِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا - ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ فَقالَ عمر: أوَفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما لَنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾» «وَلَمّا رَجَعَ إلى المَدِينَةِ جاءَهُ أبو بصير - رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ - مُسْلِمًا، فَأرْسَلُوا في طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، وقالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا. فَدَفَعَهُ إلى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجا بِهِ حَتّى بَلَغا ذا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِن تَمْرٍ لَهُمْ، فَقالَ أبو بصير لِأحَدِ الرَّجُلَيْنِ: واللَّهِ إنِّي لَأرى سَيْفَكَ هَذا جَيِّدًا. فاسْتَلَّهُ الآخَرُ، فَقالَ: أجَلْ واللَّهِ إنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقالَ أبو بصير: أرِنِي أنْظُرْ إلَيْهِ. فَأمْكَنَهُ مِنهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتّى بَرَدَ، وفَرَّ الآخَرُ يَعْدُو حَتّى بَلَغَ المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: " لَقَدْ رَأى هَذا ذُعْرًا ". فَلَمّا انْتَهى إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: قُتِلَ واللَّهِ صاحِبِي، وإنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجاءَ أبو بصير فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ واللَّهِ أوْفى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ فَأنْجانِي اللَّهُ مِنهم. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كانَ لَهُ أحَدٌ ". فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ سَيَرُدُّهُ إلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتّى أتى سِيفَ البَحْرِ، ويَنْفَلِتُ مِنهم أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بأبي بصير، فَلا يَخْرُجُ مِن قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أسْلَمَ إلّا لَحِقَ بأبي بصير، حَتّى اجْتَمَعَتْ مِنهم عِصابَةٌ، فَواللَّهِ لا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ خَرَجَتْ إلى الشّامِ إلّا اعْتَرَضُوا لَها فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهُمْ، فَأرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ تُناشِدُهُ اللَّهَ والرَّحِمَ لَما أرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَمَن أتاهُ مِنهم فَهو آمِنٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، حَتّى بَلَغَ ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤]، وكانَتْ حَمِيَّتُهم أنَّهم لَمْ يُقِرُّوا أنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، ولَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ البَيْتِ». قُلْتُ: في " الصَّحِيحِ ": أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأ ومَجَّ في بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ مِن فَمِهِ، فَجاشَتْ بِالماء» كَذَلِكَ قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ في " الصَّحِيحَيْنِ ". وَقالَ عروة: عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنَّهُ «غَرَزَ فِيها سَهْمًا مِن كِنانَتِه»، وهو في " الصَّحِيحَيْنِ " أيْضًا. وَفِي مَغازِي أبي الأسود عَنْ عروة: تَوَضَّأ في الدَّلْوِ، ومَضْمَضَ فاهُ، ثُمَّ مَجَّ فِيهِ، وأمَرَ أنْ يُصَبَّ في البِئْرِ، ونَزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ وألْقاهُ في البِئْرِ، ودَعا اللَّهَ تَعالى فَفارَتْ بِالماءِ، حَتّى جَعَلُوا يَغْتَرِفُونَ بِأيْدِيهِمْ مِنها وهم جُلُوسٌ عَلى شِقِّها، فَجَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهَذا أشْبَهُ. واللهُ أعْلَمُ. وَفِي " صَحِيحِ البُخارِيِّ ": عَنْ جابر قالَ: «عَطِشَ النّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ يَتَوَضَّأُ مِنها، إذْ جَهَشَ النّاسُ نَحْوَهُ، فَقالَ: ما لَكُمْ؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما عِنْدَنا ماءٌ نَشْرَبُ، ولا ما نَتَوَضَّأُ إلّا ما بَيْنَ يَدَيْكَ، فَوَضَعَ يَدَهُ في الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الماءُ يَفُورُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ أمْثالَ العُيُونِ، فَشَرِبُوا وتَوَضَّئُوا، وكانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ» وَهَذِهِ غَيْرُ قِصَّةِ البِئْرِ. وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ أصابَهم لَيْلَةً مَطَرٌ، فَلَمّا صَلّى النّبِيّ ﷺ الصُّبْحَ قالَ: «أتَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ " قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: " أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَب». [فصل في ما جرى عليه صلح الحديبية] وَجَرى الصُّلْحُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ مَكَّةَ عَلى وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، وأنْ يَأْمَنَ النّاسُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وأنْ يَرْجِعَ عَنْهم عامَهُ ذَلِكَ، حَتّى إذا كانَ العامُ المُقْبِلُ قَدِمَها وخَلَّوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ فَأقامَ بِها ثَلاثًا، وأنْ لا يَدْخُلَها إلّا بِسِلاحِ الرّاكِبِ والسُّيُوفُ في القِرَبِ، وأنَّ مَن أتانا مِن أصْحابِكَ لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْكَ، ومَن أتاكَ مِن أصْحابِنا رَدَدْتَهُ عَلَيْنا، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وأنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغْلالَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُعْطِيهِمْ هَذا؟ فَقالَ: «مَن أتاهم مِنّا فَأبْعَدَهُ اللَّهُ، ومَن أتانا مِنهم فَرَدَدْناهُ إلَيْهِمْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا». وَفِي قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ أنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِدْيَةَ الأذى لِمَن حَلَقَ رَأْسَهُ بِالصِّيامِ أوِ الصَّدَقَةِ أوِ النُّسُكِ في شَأْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. وَفِيها دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ بِالمَغْفِرَةِ ثَلاثًا، ولِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. وَفِيها نَحَرُوا البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. وَفِيها أهْدى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في جُمْلَةِ هَدْيِهِ جَمَلًا كانَ لأبي جهل كانَ في أنْفِهِ بُرَةٌ مِن فِضَّةٍ؛ لِيَغِيظَ بِهِ المُشْرِكِينَ. وَفِيها أُنْزِلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ، ودَخَلَتْ خُزاعَةُ في عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَهْدِهِ، ودَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وعَهْدِهِمْ، وكانَ في الشَّرْطِ أنَّ مَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِهِ ﷺ دَخَلَ، ومَن شاءَ أنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ. وَلَمّا رَجَعَ إلى المَدِينَةِ جاءَهُ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ، مِنهُنَّ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فَجاءَ أهْلُها يَسْألُونَها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالشَّرْطِ الَّذِي كانَ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُرْجِعْها إلَيْهِمْ، ونَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ. فَقِيلَ: هَذا نَسْخٌ لِلشَّرْطِ في النِّساءِ. وَقِيلَ: تَخْصِيصٌ لِلسُّنَّةِ بِالقُرْآنِ، وهو عَزِيزٌ جِدًّا. وَقِيلَ: لَمْ يَقَعِ الشَّرْطُ إلّا عَلى الرِّجالِ خاصَّةً، وأرادَ المُشْرِكُونَ أنْ يُعَمِّمُوهُ في الصِّنْفَيْنِ فَأبى اللَّهُ ذَلِكَ. [فَصْلٌ: في بَعْضِ ما في قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الفَوائِدِ الفِقْهِيَّةِ] فَمِنها: اعْتِمارُ النَّبِيِّ ﷺ في أشْهُرِ الحَجِّ، فَإنَّهُ خَرَجَ إلَيْها في ذِي القَعْدَةِ. وَمِنها: أنَّ الإحْرامَ بِالعُمْرَةِ مِنَ المِيقاتِ أفْضَلُ، كَما أنَّ الإحْرامَ بِالحَجِّ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ أحْرَمَ بِهِما مِن ذِي الحُلَيْفَةِ، وبَيْنَها وبَيْنَ المَدِينَةِ مِيلٌ أوْ نَحْوُهُ، وأمّا حَدِيثُ «مَن أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ» وَفِي لَفْظٍ: «كانَتْ كَفّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ» فَحَدِيثٌ لا يَثْبُتُ، وقَدِ اضْطُرِبَ فِيهِ إسْنادًا ومَتْنًا اضْطِرابًا شَدِيدًا. وَمِنها: أنَّ سَوْقَ الهَدْيِ مَسْنُونٌ في العُمْرَةِ المُفْرَدَةِ كَما هو مَسْنُونٌ في القِرانِ. وَمِنها: أنَّ إشْعارَ الهَدْيِ سُنَّةٌ لا مُثْلَةٌ مَنهِيٌّ عَنْها. وَمِنها: اسْتِحْبابُ مُغايَظَةِ أعْداءِ اللَّهِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أهْدى في جُمْلَةِ هَدْيِهِ جَمَلًا لأبي جهل في أنْفِهِ بُرَةٌ مِن فِضَّةٍ يَغِيظُ بِهِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ قالَ تَعالى في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] وَقالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. وَمِنها: أنَّ أمِيرَ الجَيْشِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَبْعَثَ العُيُونَ أمامَهُ نَحْوَ العَدُوِّ. وَمِنها: أنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالمُشْرِكِ المَأْمُونِ في الجِهادِ جائِزَةٌ عِنْدَ الحاجَةِ؛ لِأنَّ عينه الخزاعي كانَ كافِرًا إذْ ذاكَ، وفِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ أنَّهُ أقْرَبُ إلى اخْتِلاطِهِ بِالعَدُوِّ وأخْذِهِ أخْبارَهم. وَمِنها: اسْتِحْبابُ مَشُورَةِ الإمامِ رَعِيَّتَهُ وجَيْشَهُ اسْتِخْراجًا لِوَجْهِ الرَّأْيِ واسْتِطابَةً لِنَفُوسِهِمْ، وأمْنًا لِعَتَبِهِمْ وتَعَرُّفًا لِمَصْلَحَةٍ يَخْتَصُّ بِعِلْمِها بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ، وامْتِثالًا لِأمْرِ الرَّبِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَقَدْ مَدَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى عِبادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. وَمِنها: جَوازُ سَبْيِ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ إذا انْفَرَدُوا عَنْ رِجالِهِمْ قَبْلَ مُقاتَلَةِ الرِّجالِ. وَمِنها: رَدُّ الكَلامِ الباطِلِ، ولَوْ نُسِبَ إلى غَيْرِ مُكَلَّفٍ، فَإنَّهم لَمّا قالُوا: خَلَأتِ القَصْواءُ. يَعْنِي حَرَنَتْ وألَحَّتْ فَلَمْ تَسِرْ، والخِلاءُ في الإبِلِ بِكَسْرِ الخاءِ والمَدِّ، نَظِيرُ الحِرانِ في الخَيْلِ، فَلَمّا نَسَبُوا إلى النّاقَةِ ما لَيْسَ مِن خُلُقِها وطَبْعِها رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وقالَ: «ما خَلَأتْ وما ذاكَ لَها بِخُلُقٍ» ثُمَّ أخْبَرَ ﷺ عَنْ سَبَبِ بُرُوكِها، وأنَّ الَّذِي حَبَسَ الفِيلَ عَنْ مَكَّةَ حَبَسَها لِلْحِكْمَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِسَبَبِ حَبْسِها وما جَرى بَعْدَهُ. وَمِنها: أنَّ تَسْمِيَةَ ما يُلابِسُهُ الرَّجُلُ مِن مَراكِبِهِ ونَحْوِها سُنَّةٌ. وَمِنها: جَوازُ الحَلِفِ، بَلِ اسْتِحْبابُهُ عَلى الخَبَرِ الدِّينِيِّ الَّذِي يُرِيدُ تَأْكِيدَهُ، وقَدْ حُفِظَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الحَلِفُ في أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ مَوْضِعًا، وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالحَلِفِ عَلى تَصْدِيقِ ما أخْبَرَ بِهِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ: في (سُورَةِ يُونُسَ) و (سَبَأ) و (التَّغابُنِ). وَمِنها: أنَّ المُشْرِكِينَ وأهْلَ البِدَعِ والفُجُورِ والبُغاةِ والظَّلَمَةِ إذا طَلَبُوا أمْرًا يُعَظِّمُونَ فِيهِ حُرْمَةً مِن حُرُماتِ اللَّهِ تَعالى، أُجِيبُوا إلَيْهِ وأُعْطُوهُ وأُعِينُوا عَلَيْهِ، وإنْ مَنَعُوا غَيْرَهُ فَيُعاوَنُونَ عَلى ما فِيهِ تَعْظِيمُ حُرُماتِ اللَّهِ تَعالى، لا عَلى كُفْرِهِمْ وبَغْيِهِمْ، ويُمْنَعُونَ مِمّا سِوى ذَلِكَ، فَكُلُّ مَنِ التَمَسَ المُعاوَنَةَ عَلى مَحْبُوبٍ لِلَّهِ تَعالى مُرْضٍ لَهُ، أُجِيبَ إلى ذَلِكَ كائِنًا مَن كانَ، ما لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى إعانَتِهِ عَلى ذَلِكَ المَحْبُوبِ مَبْغُوضٌ لِلَّهِ أعْظَمُ مِنهُ، وهَذا مِن أدَقِّ المَواضِعِ وأصْعَبِها وأشَقِّها عَلى النُّفُوسِ، ولِذَلِكَ ضاقَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ مَن ضاقَ، وقالَ عمر ما قالَ، حَتّى عَمِلَ لَهُ أعْمالًا بَعْدَهُ، والصِّدِّيقُ تَلَقّاهُ بِالرِّضى والتَّسْلِيمِ، حَتّى كانَ قَلْبُهُ فِيهِ عَلى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأجابَ عمر عَمّا سَألَ عَنْهُ مِن ذَلِكَ بِعَيْنِ جَوابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ الله عَنْهُ أفْضَلُ الصَّحابَةِ وأكْمَلُهم وأعْرَفُهم بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، وأعْلَمُهم بِدِينِهِ وأقْوَمُهم بِمَحابِّهِ وأشَدُّهم مُوافَقَةً لَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألْ عمر عَمّا عَرَضَ لَهُ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وصِدِّيقَهُ خاصَّةً دُونَ سائِرِ أصْحابِهِ. وَمِنها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَدَلَ ذاتَ اليَمِينِ إلى الحُدَيْبِيَةِ. قالَ الشّافِعِيُّ: بَعْضُها مِنَ الحِلِّ وبَعْضُها مِنَ الحَرَمِ. وَرَوى الإمامُ أحْمَدُ في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ يُصَلِّي في الحَرَمِ، وهو مُضْطَرِبٌ في الحِلِّ»، وفي هَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُضاعَفَةَ الصَّلاةِ بِمَكَّةَ تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الحَرَمِ، لا يُخَصُّ بِها المَسْجِدُ الَّذِي هو مَكانُ الطَّوافِ، وأنَّ قَوْلَهُ: «صَلاةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ أفْضَلُ مِن مِائَةِ صَلاةٍ في مَسْجِدِي»، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وكانَ الإسْراءُ مِن بَيْتِ أم هانئ. وَمِنها: أنَّ مَن نَزَلَ قَرِيبًا مِن مَكَّةَ فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْزِلَ في الحِلِّ، ويُصَلِّيَ في الحَرَمِ، وكَذَلِكَ كانَ ابْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ. وَمِنها: جَوازُ ابْتِداءِ الإمامِ بِطَلَبِ صُلْحِ العَدُوِّ، إذا رَأى المَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الطَّلَبِ مِنهم. وَفِي قِيامِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ - ولَمْ يَكُنْ عادَتَهُ أنْ يُقامَ عَلى رَأْسِهِ وهو قاعِدٌ - سُنَّةٌ يُقْتَدى بِها عِنْدَ قُدُومِ رُسُلِ العَدُوِّ مِن إظْهارِ العِزِّ والفَخْرِ وتَعْظِيمِ الإمامِ وطاعَتِهِ ووِقايَتِهِ بِالنُّفُوسِ، وهَذِهِ هي العادَةُ الجارِيَةُ عِنْدَ قُدُومِ رُسُلِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وقُدُومِ رُسُلِ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ هَذا مِن هَذا النَّوْعِ الَّذِي ذَمَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجالُ قِيامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» كَما أنَّ الفَخْرَ والخُيَلاءَ في الحَرْبِ لَيْسا مِن هَذا النَّوْعِ المَذْمُومِ في غَيْرِهِ، وفي بَعْثِ البُدْنِ في وجْهِ الرَّسُولِ الآخَرِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ إظْهارِ شَعائِرِ الإسْلامِ لِرُسُلِ الكُفّارِ. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ للمغيرة: «أمّا الإسْلامُ فَأقْبَلُ، وأمّا المالُ فَلَسْتُ مِنهُ في شَيْءٍ» دَلِيلٌ عَلى أنَّ مالَ المُشْرِكِ المُعاهَدِ مَعْصُومٌ، وأنَّهُ لا يُمْلَكُ بَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ المغيرة كانَ قَدْ صَحِبَهم عَلى الأمانِ ثُمَّ غَدَرَ بِهِمْ وأخَذَ أمْوالَهُمْ، فَلَمْ يَتَعَرَّضِ النَّبِيُّ ﷺ لِأمْوالِهِمْ ولا ذَبَّ عَنْها، ولا ضَمِنَها لَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ إسْلامِ المغيرة. وَفِي قَوْلِ الصِّدِّيقِ لعروة: امْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ. دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ العَوْرَةِ إذا كانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَقْتَضِيها تِلْكَ الحالُ، كَما أذِنَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُصَرِّحَ لِمَنِ ادَّعى دَعْوى الجاهِلِيَّةِ بِهَنِ أبِيهِ، ويُقالُ لَهُ: اعْضُضْ أيْرَ أبِيكَ، ولا يُكَنِّى لَهُ، فَلِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ. وَمِنها: احْتِمالُ قِلَّةِ أدَبِ رَسُولِ الكُفّارِ وجَهْلِهِ وجَفْوَتِهِ، ولا يُقابَلُ عَلى ذَلِكَ؛ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ العامَّةِ، ولَمْ يُقابِلِ النَّبِيُّ ﷺ عروة عَلى أخْذِهِ بِلِحْيَتِهِ وقْتَ خِطابِهِ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ عادَةَ العَرَبِ، لَكِنَّ الوَقارَ والتَّعْظِيمَ خِلافُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَمْ يُقابِلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولَيْ مسيلمة حِينَ قالا: نَشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: «لَوْلا أنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُما» وَمِنها: طَهارَةُ النُّخامَةِ سَواءٌ كانَتْ مِن رَأْسٍ أوْ صَدْرٍ. وَمِنها: طَهارَةُ الماءِ المُسْتَعْمَلِ. وَمِنها: اسْتِحْبابُ التَّفاؤُلِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطِّيَرَةِ المَكْرُوهَةِ؛ لِقَوْلِهِ لَمّا جاءَ سهيل " «سَهُلَ أمْرُكُمْ» ". وَمِنها: أنَّ المَشْهُودَ عَلَيْهِ إذا عُرِفَ بِاسْمِهِ واسْمِ أبِيهِ أغْنى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الجَدِّ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِدْ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وقَنِعَ مِن سهيل بِذِكْرِ اسْمِهِ واسْمِ أبِيهِ خاصَّةً، واشْتِراطُ ذِكْرِ الجَدِّ لا أصْلَ لَهُ، ولَمّا اشْتَرى العداء بن خالد مِنهُ ﷺ الغُلامَ، فَكَتَبَ لَهُ: «هَذا ما اشْتَرى العداء بن خالد بن هوذة»، فَذَكَرَ جَدَّهُ، فَهو زِيادَةُ بَيانٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جائِزٌ لا بَأْسَ بِهِ، ولا تَدُلُّ عَلى اشْتِراطِهِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ في الشُّهْرَةِ بِحَيْثُ يُكْتَفى بِاسْمِهِ واسْمِ أبِيهِ ذَكَرَ جَدَّهُ، فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الجَدِّ عِنْدَ الِاشْتِراكِ في الِاسْمِ واسْمِ الأبِ، وعِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِراكِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الِاسْمِ واسْمِ الأبِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وَمِنها: أنَّ مُصالَحَةَ المُشْرِكِينَ بِبَعْضِ ما فِيهِ ضَيْمٌ عَلى المُسْلِمِينَ جائِزَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ، ودَفْعِ ما هو شَرٌّ مِنهُ، فَفِيهِ دَفْعُ أعْلى المَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمالِ أدْناهُما. وَمِنها: أنَّ مَن حَلَفَ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ أوْ نَذَرَهُ أوْ وعَدَ غَيْرَهُ بِهِ، ولَمْ يُعَيِّنْ وقْتًا، لا بِلَفْظِهِ ولا بِنِيَّتِهِ، لَمْ يَكُنْ عَلى الفَوْرِ، بَلْ عَلى التَّراخِي. وَمِنها: أنَّ الحِلاقَ نُسُكٌ، وأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وأنَّهُ نُسُكٌ في العُمْرَةِ كَما هو نُسُكٌ في الحَجِّ، وأنَّهُ نُسُكٌ في عُمْرَةِ المَحْصُورِ كَما هو نُسُكٌ في عُمْرَةِ غَيْرِهِ. وَمِنها: أنَّ المُحْصَرَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ مِنَ الحِلِّ أوِ الحَرَمِ، وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُواعِدَ مَن يَنْحَرُهُ في الحَرَمِ إذا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، وأنَّهُ لا يَتَحَلَّلُ حَتّى يَصِلَ إلى مَحَلِّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. وَمِنها: أنَّ المَوْضِعَ الَّذِي نَحَرَ فِيهِ الهَدْيَ كانَ مِنَ الحِلِّ، لا مِنَ الحَرَمِ؛ لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَحِلُّ الهَدْيِ. وَمِنها: أنَّ المُحْصَرَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ القَضاءُ؛ لِأنَّهُ ﷺ أمَرَهم بِالحَلْقِ والنَّحْرِ، ولَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِنهم بِالقَضاءِ، والعُمْرَةُ مِنَ العامِ القابِلِ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً، ولا قَضاءً عَنْ عُمْرَةِ الإحْصارِ، فَإنَّهم كانُوا في عُمْرَةِ الإحْصارِ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، وكانُوا في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ دُونَ ذَلِكَ، وإنَّما سُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ والقَضاءِ لِأنَّها العُمْرَةُ الَّتِي قاضاهم عَلَيْها، فَأُضِيفَتِ العُمْرَةُ إلى مَصْدَرِ فِعْلِهِ. وَمِنها: أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ عَلى الفَوْرِ وإلّا لَمْ يَغْضَبْ لِتَأْخِيرِهِمُ الِامْتِثالَ عَنْ وقْتِ الأمْرِ، وقَدِ اعْتُذِرَ عَنْ تَأْخِيرِهِمُ الِامْتِثالَ بِأنَّهم كانُوا يَرْجُونَ النَّسْخَ، فَأخَّرُوا مُتَأوِّلِينَ لِذَلِكَ، وهَذا الِاعْتِذارُ أوْلى أنْ يُعْتَذَرَ عَنْهُ، وهو باطِلٌ؛ فَإنَّهُ ﷺ لَوْ فَهِمَ مِنهم ذَلِكَ لَمْ يَشْتَدَّ غَضَبُهُ لِتَأْخِيرِ أمْرِهِ، ويَقُولُ: «ما لِي لا أغْضَبُ وأنا آمُرُ بِالأمْرِ فَلا أُتَّبَعُ» وَإنَّما كانَ تَأْخِيرُهم مِنَ السَّعْيِ المَغْفُورِ لا المَشْكُورِ، وقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وغَفَرَ لَهم وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ. وَمِنها: أنَّ الأصْلَ مُشارَكَةُ أُمَّتِهِ لَهُ في الأحْكامِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ولِذَلِكَ قالَتْ أم سلمة: «اخْرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحَدًا حَتّى تَحْلِقَ رَأْسَكَ وتَنْحَرَ هَدْيَكَ»، وعَلِمَتْ أنَّ النّاسَ سَيُتابِعُونَهُ. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ فَعَلُوا ذَلِكَ اقْتِداءً بِفِعْلِهِ ولَمْ يَمْتَثِلُوهُ حِينَ أمَرَهم بِهِ؟ قِيلَ: هَذا هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ ظَنَّ مَن ظَنَّ أنَّهم أخَّرُوا الِامْتِثالَ طَمَعًا في النَّسْخِ، فَلَمّا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَلِمُوا حِينَئِذٍ أنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَقِرٌّ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ فَسادُ هَذا الظَّنِّ، ولَكِنْ لَمّا تَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ ولَمْ يُكَلِّمْهم وأراهم أنَّهُ بادَرَ إلى امْتِثالِ ما أُمِرَ بِهِ، وأنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ كَتَأْخِيرِهِمْ، وأنَّ اتِّباعَهم لَهُ وطاعَتَهم تُوجِبُ اقْتِداءَهم بِهِ، بادَرُوا حِينَئِذٍ إلى الِاقْتِداءِ بِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ. وَمِنها: جَوازُ صُلْحِ الكُفّارِ عَلى رَدِّ مَن جاءَ مِنهم إلى المُسْلِمِينَ، وألّا يُرَدَّ مَن ذَهَبَ مِنَ المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ، هَذا في غَيْرِ النِّساءِ، وأمّا النِّساءُ فَلا يَجُوزُ اشْتِراطُ رَدِّهِنَّ إلى الكُفّارِ، وهَذا مَوْضِعُ النَّسْخِ خاصَّةً في هَذا العَقْدِ بِنَصِّ القُرْآنِ، ولا سَبِيلَ إلى دَعْوى النَّسْخِ في غَيْرِهِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ. وَمِنها: أنَّ خُرُوجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ، ولِذَلِكَ أوْجَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَدَّ المَهْرِ عَلى مَن هاجَرَتِ امْرَأتُهُ وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وعَلى مَنِ ارْتَدَّتِ امْرَأتُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إذا اسْتَحَقَّ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ رَدَّ مُهُورِ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ مِن أزْواجِهِمْ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ بَيْنَهم ثُمَّ لَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ، وفي إيجابِهِ رَدَّ ما أعْطى الأزْواجُ مِن ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَقَوُّمِهِ بِالمُسَمّى، لا بِمَهْرِ المِثْلِ. وَمِنها: أنَّ رَدَّ مَن جاءَ مِنَ الكُفّارِ إلى الإمامِ لا يَتَناوَلُ مَن خَرَجَ مِنهم مُسْلِمًا إلى غَيْرِ بَلَدِ الإمامِ، وأنَّهُ إذا جاءَ إلى بَلَدِ الإمامِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِدُونِ الطَّلَبِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرُدَّ أبا بصير حِينَ جاءَهُ، ولا أكْرَهَهُ عَلى الرُّجُوعِ، ولَكِنْ لَمّا جاءُوا في طَلَبِهِ مَكَّنَهم مِن أخْذِهِ ولَمْ يُكْرِهْهُ عَلى الرُّجُوعِ. وَمِنها أنَّ المُعاهَدِينَ إذا تَسَلَّمُوهُ وتَمَكَّنُوا مِنهُ فَقَتَلَ أحَدًا مِنهم لَمْ يَضْمَنهُ بِدِيَةٍ ولا قَوَدٍ، ولَمْ يَضْمَنهُ الإمامُ، بَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ في ذَلِكَ حُكْمَ قَتْلِهِ لَهم في دِيارِهِمْ، حَيْثُ لا حُكْمَ لِلْإمامِ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ أبا بصير قَتَلَ أحَدَ الرَّجُلَيْنِ المُعاهَدَيْنِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وهي مِن حُكْمِ المَدِينَةِ، ولَكِنْ كانَ قَدْ تَسَلَّمُوهُ وفُصِلَ عَنْ يَدِ الإمامِ وحُكْمِهِ. وَمِنها: أنَّ المُعاهَدِينَ إذا عاهَدُوا الإمامَ فَخَرَجَتْ مِنهم طائِفَةٌ، فَحارَبَتْهم وغَنِمَتْ أمْوالَهُمْ، ولَمْ يَتَحَيَّزُوا إلى الإمامِ، لَمْ يَجِبْ عَلى الإمامِ دَفْعُهم عَنْهم ومَنعُهم مِنهُمْ، وسَواءٌ دَخَلُوا في عَقْدِ الإمامِ وعَهْدِهِ ودِينِهِ أوْ لَمْ يَدْخُلُوا، والعَهْدُ الَّذِي كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ عَهْدًا بَيْنَ أبي بصير وأصْحابِهِ وبَيْنَهُمْ، وعَلى هَذا فَإذا كانَ بَيْنَ بَعْضِ مُلُوكِ المُسْلِمِينَ وبَعْضِ أهْلِ الذِّمَّةِ مِنَ النَّصارى وغَيْرِهِمْ عَهْدٌ جازَ لِمَلِكٍ آخَرَ مِن مُلُوكِ المُسْلِمِينَ أنْ يَغْزُوَهم ويَغْنَمَ أمْوالَهم إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَهْدٌ، كَما أفْتى بِهِ شَيْخُ الإسْلامِ في نَصارى مَلَطْيَةَ وسَبْيِهِمْ، مُسْتَدِلًّا بِقِصَّةِ أبي بصير مَعَ المُشْرِكِينَ. [فَصْلٌ: في الإشارَةِ إلى بَعْضِ الحِكَمِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الهُدْنَةُ] وَهِيَ أكْبَرُ وأجَلُّ مِن أنْ يُحِيطَ بِها إلّا اللَّهُ الَّذِي أحْكَمَ أسْبابَها، فَوَقَعَتِ الغايَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ. فَمِنها: أنَّها كانَتْ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيِ الفَتْحِ الأعْظَمِ الَّذِي أعَزَّ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وجُنْدَهُ، ودَخَلَ النّاسُ بِهِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، فَكانَتْ هَذِهِ الهُدْنَةُ بابًا لَهُ ومِفْتاحًا ومُؤْذِنًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وهَذِهِ عادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الأُمُورِ العِظامِ الَّتِي يَقْضِيها قَدَرًا وشَرْعًا أنْ يُوَطِّئَ لَها بَيْنَ يَدَيْها مُقَدِّماتٍ وتَوْطِئاتٍ تُؤْذِنُ بِها وتَدُلُّ عَلَيْها. وَمِنها: أنَّ هَذِهِ الهُدْنَةَ كانَتْ مِن أعْظَمِ الفُتُوحِ؛ فَإنَّ النّاسَ أمِنَ بَعْضُهم بَعْضًا، واخْتَلَطَ المُسْلِمُونَ بِالكُفّارِ، وبادَءُوهم بِالدَّعْوَةِ وأسْمَعُوهُمُ القُرْآنَ، وناظَرُوهم عَلى الإسْلامِ جَهْرَةً آمِنِينَ، وظَهَرَ مَن كانَ مُخْتَفِيًا بِالإسْلامِ، ودَخَلَ فِيهِ في مُدَّةَ الهُدْنَةِ مَن شاءَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلَ، ولِهَذا سَمّاهُ اللَّهُ فَتْحًا مُبِينًا. قالَ ابن قتيبة: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً عَظِيمًا. وقالَ مجاهد: هو ما قَضى اللَّهُ لَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ. وَحَقِيقَةُ الأمْرِ أنَّ الفَتْحَ - في اللُّغَةِ - فَتْحُ المُغْلَقِ، والصُّلْحُ الَّذِي حَصَلَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ كانَ مَسْدُودًا مُغْلَقًا حَتّى فَتَحَهُ اللَّهُ، وكانَ مِن أسْبابِ فَتْحِهِ صَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ عَنِ البَيْتِ، وكانَ في الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ ضَيْمًا وهَضْمًا لِلْمُسْلِمِينَ، وفي الباطِنِ عِزًّا وفَتْحًا ونَصْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلى ما وراءَهُ مِنَ الفَتْحِ العَظِيمِ والعِزِّ والنَّصْرِ مِن وراءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ، وكانَ يُعْطِي المُشْرِكِينَ كُلَّ ما سَألُوهُ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ يَحْتَمِلْها أكْثَرُ أصْحابِهِ ورُءُوسُهُمْ، وهو ﷺ يَعْلَمُ ما في ضِمْنِ هَذا المَكْرُوهِ مِن مَحْبُوبٍ ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ؎وَرُبَّما كانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إلى ∗∗∗ مَحْبُوبِها سَبَبًا ما مِثْلُهُ سَبَبُ فَكانَ يَدْخُلُ عَلى تِلْكَ الشُّرُوطِ دُخُولَ واثِقٍ بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّ العاقِبَةَ لَهُ، وأنَّ تِلْكَ الشُّرُوطَ واحْتِمالَها هو عَيْنُ النُّصْرَةِ، وهو مِن أكْبَرِ الجُنْدِ الَّذِي أقامَهُ المُشْتَرِطُونَ ونَصَبُوهُ لِحَرْبِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، فَذَلُّوا مِن حَيْثُ طَلَبُوا العِزَّ، وقُهِرُوا مِن حَيْثُ أظْهَرُوا القُدْرَةَ والفَخْرَ والغَلَبَةَ، وعَزَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَساكِرُ الإسْلامِ مِن حَيْثُ انْكَسَرُوا لِلَّهِ واحْتَمَلُوا الضَّيْمَ لَهُ وفِيهِ، فَدارَ الدَّوْرُ وانْعَكَسَ الأمْرُ وانْقَلَبَ العِزُّ بِالباطِلِ ذُلًّا بِحَقٍّ، وانْقَلَبَتِ الكَسْرَةُ لِلَّهِ عِزًّا بِاللَّهِ، وظَهَرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ وآياتُهُ وتَصْدِيقُ وعْدِهِ ونُصْرَةُ رَسُولِهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأكْمَلِها الَّتِي لا اقْتِراحَ لِلْعُقُولِ وراءَها. وَمِنها: ما سَبَّبَهُ سُبْحانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن زِيادَةِ الإيمانِ والإذْعانِ والِانْقِيادِ عَلى ما أحَبُّوا وكَرِهُوا، وما حَصَلَ لَهم في ذَلِكَ مِنَ الرِّضى بِقَضاءِ اللَّهِ وتَصْدِيقِ مَوْعُودِهِ، وانْتِظارِ ما وُعِدُوا بِهِ، وشُهُودِ مِنَّةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ الَّتِي أنْزَلَها في قُلُوبِهِمْ أحْوَجَ ما كانُوا إلَيْها في تِلْكَ الحالِ الَّتِي تُزَعْزَعُ لَها الجِبالُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن سَكِينَتِهِ ما اطْمَأنَّتْ بِهِ قُلُوبُهم وقَوِيَتْ بِهِ نُفُوسُهم وازْدادُوا بِهِ إيمانًا. وَمِنها: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذا الحُكْمَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ لِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ سَبَبًا لِما ذَكَرَهُ مِنَ المَغْفِرَةِ لِرَسُولِهِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، ولِإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، ولِهِدايَتِهِ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ونَصْرِهِ النَّصْرَ العَزِيزَ، ورِضاهُ بِهِ، ودُخُولِهِ تَحْتَهُ، وانْشِراحِ صَدْرِهِ بِهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الضَّيْمِ وإعْطاءِ ما سَألُوهُ، كانَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي نالَ بِها الرَّسُولُ وأصْحابُهُ ذَلِكَ، ولِهَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَزاءً وغايَةً، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ عَلى فِعْلٍ قامَ بِالرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ عِنْدَ حُكْمِهِ تَعالى وفَتْحِهِ. وَتَأمَّلْ كَيْفَ وصَفَ - سُبْحانَهُ - النَّصْرَ بِأنَّهُ عَزِيزٌ في هَذا المَوْطِنِ ثُمَّ ذَكَرَ إنْزالَ السَّكِينَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ في هَذا المَوْطِنِ الَّذِي اضْطَرَبَتْ فِيهِ القُلُوبُ وقَلِقَتْ أشَدَّ القَلَقِ، فَهي أحْوَجُ ما كانَتْ إلى السَّكِينَةِ، فازْدادُوا بِها إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَيْعَتَهم لِرَسُولِهِ وأكَّدَها بِكَوْنِها بَيْعَةً لَهُ سُبْحانَهُ، وأنَّ يَدَهُ تَعالى كانَتْ فَوْقَ أيْدِيهِمْ إذْ كانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ، وهو رَسُولُهُ ونَبِيُّهُ، فالعَقْدُ مَعَهُ عَقْدٌ مَعَ مُرْسِلِهِ، وبَيْعَتُهُ بَيْعَتُهُ، فَمَن بايَعَهُ فَكَأنَّما بايَعَ اللَّهَ، ويَدُ اللَّهِ فَوْقَ يَدِهِ، وإذا كانَ «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينَ اللَّهِ في الأرْضِ، فَمَن صافَحَهُ وقَبَّلَهُ فَكَأنَّما صافَحَ اللَّهَ وقَبَّلَ يَمِينَهُ» فَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْلى بِهَذا مِنَ الحَجَرِ الأسْوَدِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ناكِثَ هَذِهِ البَيْعَةِ إنَّما يَعُودُ نَكْثُهُ عَلى نَفْسِهِ، وأنَّ لِلْمُوَفِّي بِها أجْرًا عَظِيمًا، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ قَدْ بايَعَ اللَّهَ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ بَيْعَةً عَلى الإسْلامِ وحُقُوقِهِ، فَناكِثٌ ومُوفٍ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنَ الأعْرابِ، وظَنَّهم أسْوَأ الظَّنِّ بِاللَّهِ أنَّهُ يَخْذُلُ رَسُولَهُ وأوْلِياءَهُ وجُنْدَهُ ويُظْفِرُ بِهِمْ عَدُوَّهم فَلَنْ يَنْقَلِبُوا إلى أهْلِيهِمْ، وذَلِكَ مِن جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وما يَلِيقُ بِهِ، وجَهْلِهِمْ بِرَسُولِهِ وما هو أهْلٌ أنْ يُعامِلَهُ بِهِ رَبُّهُ ومَوْلاهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ رِضاهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ البَيْعَةِ لِرَسُولِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ حِينَئِذٍ مِنَ الصِّدْقِ والوَفاءِ وكَمالِ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ، وإيثارِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلى ما سِواهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ والطُّمَأْنِينَةَ والرِّضى في قُلُوبِهِمْ، وأثابَهم عَلى الرِّضى بِحُكْمِهِ والصَّبْرِ لِأمْرِهِ فَتْحًا قَرِيبًا ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وكانَ أوَّلُ الفَتْحِ والمَغانِمِ فَتْحَ خَيْبَرَ ومَغانِمَها، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الفُتُوحُ والمَغانِمُ إلى انْقِضاءِ الدَّهْرِ.

الفتح 48:19

وَعَدَهم سُبْحانَهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وأخْبَرَهم أنّهُ عَجَّلَ لَهم هَذِهِ الغَنِيمَةَ وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، والثّانِي: أنَّها فَتْحُ خَيْبَرَ وغَنائِمُها. ثُمَّ قالَ ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فَقِيلَ: أيْدِيَ أهْلِ مَكَّةَ أنْ يُقاتِلُوهم. وَقِيلَ: أيْدِيَ اليَهُودِ حِينَ هَمُّوا بِأنْ يَغْتالُوا مَن بِالمَدِينَةِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَن مَعَهُ مِنَ الصَّحابَةِ مِنها. وقِيلَ: هم أهْلُ خَيْبَرَ وحُلَفاؤُهُمُ الَّذِينَ أرادُوا نَصْرَهم مِن أسَدٍ وغَطَفانَ. والصَّحِيحُ تَناوُلُ الآيَةِ لِلْجَمِيعِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم وهي كَفُّ أيْدِي أعْدائِكم عَنْكم مَعَ كَثْرَتِهِمْ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ كانَ أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها وأهْلُ خَيْبَرَ ومَن حَوْلَها وأسَدٌ وغَطَفانُ، وجُمْهُورُ قَبائِلِ العَرَبِ أعْداءً لَهُمْ، وهم بَيْنَهم كالشّامَةِ، فَلَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ، فَمِن آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَفُّ أيْدِي أعْدائِهِمْ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ، وتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ وحِفْظِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ، وقِيلَ: هي فَتْحُ خَيْبَرَ، جَعَلَها آيَةً لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ وعَلامَةً عَلى ما بَعْدَها مِنَ الفُتُوحِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَدَهم مَغانِمَ كَثِيرَةً وفُتُوحًا عَظِيمَةً، فَعَجَّلَ لَهم فَتْحَ خَيْبَرَ وجَعَلَها آيَةً لِما بَعْدَها وجَزاءً لِصَبْرِهِمْ ورِضاهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وشُكْرانًا، ولِهَذا خَصَّ بِها وبِغَنائِمِها مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فَجَمَعَ لَهم إلى النَّصْرِ والظَّفَرِ والغَنائِمِ الهِدايَةَ، فَجَعَلَهم مَهْدِيِّينَ مَنصُورِينَ غانِمِينَ، ثُمَّ وعَدَهم مَغانِمَ كَثِيرَةً وفُتُوحًا أُخْرى لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الوَقْتَ قادِرِينَ عَلَيْها، فَقِيلَ: هي مَكَّةُ، وقِيلَ: هي فارِسُ والرُّومُ. وَقِيلَ: الفُتُوحُ الَّتِي بَعْدَ خَيْبَرَ مِن مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبها. [فَصْلٌ: في غَزْوَةِ خَيْبَرَ] قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: ولَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مَكَثَ بِها عِشْرِينَ لَيْلَةً أوْ قَرِيبًا مِنها، ثُمَّ خَرَجَ غازِيًا إلى خَيْبَرَ، وكانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَهُ إيّاها وهو بِالحُدَيْبِيَةِ. وَقالَ مالك: كانَ فَتْحُ خَيْبَرَ في السَّنَةِ السّادِسَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها في السّابِعَةِ. وَقَطَعَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ بِأنَّها كانَتْ في السّادِسَةِ بِلا شَكٍّ، ولَعَلَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى أوَّلِ التّارِيخِ، هَلْ هو شَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ شَهْرُ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ أوْ مِنَ المُحَرَّمِ في أوَّلِ السَّنَةِ؟ ولِلنّاسِ في هَذا طَرِيقانِ: فالجُمْهُورُ عَلى أنَّ التّارِيخَ وقَعَ مِنَ المُحَرَّمِ، وأبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ يَرى أنَّهُ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ حِينَ قَدِمَ، (وَكانَ أوَّلُ مَن أرَّخَ بِالهِجْرَةِ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ بِاليَمَنِ) كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. وَقِيلَ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عروة، عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنَّهُما حَدَّثاهُ جَمِيعًا، قالا: انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الفَتْحِ فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها خَيْبَرَ ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] خَيْبَرَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ في ذِي الحِجَّةِ، فَأقامَ بِها حَتّى سارَ إلى خَيْبَرَ في المُحَرَّمِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّجِيعِ - وادٍ بَيْنَ خَيْبَرَ وغَطَفانَ - فَتَخَوَّفَ أنْ تَمُدَّهم غَطَفانُ، فَباتَ بِهِ حَتّى أصْبَحَ فَغَدا إلَيْهِمْ. انْتَهى. واسْتَخْلَفَ عَلى المَدِينَةِ سباع بن عرفطة، وقَدِمَ أبُو هُرَيْرَةَ حِينَئِذٍ المَدِينَةَ فَوافى سباع بن عرفطة في صَلاةِ الصُّبْحِ، فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى: كهيعص، وفي الثّانِيَةِ: ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. فَقالَ في نَفْسِهِ: ويْلٌ لِأبِي فُلانٍ، لَهُ مِكْيالانِ، إذا اكْتالَ اكْتالَ بِالوافِي، وإذا كالَ كالَ بِالنّاقِصِ. فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ أتى سِباعًا فَزَوَّدَهُ حَتّى قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَلَّمَ المُسْلِمِينَ، فَأشْرَكُوهُ وأصْحابَهُ في سُهْمانِهِمْ. وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ: " خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى خَيْبَرَ، فَسِرْنا لَيْلًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لعامر بن الأكوع: ألا تُسْمِعُنا مِن هُنَيْهاتِكَ؟ وَكانَ عامر رَجُلًا شاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالقَوْمِ يَقُولُ: ؎اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا ∗∗∗ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا ؎فاغْفِرْ فِداءً لَكَ ما اقْتَفَيْنا ∗∗∗ وثَبِّتِ الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا ؎وَأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ∗∗∗ إنّا إذا صِيحَ بِنا أتَيْنا ؎وبالصِّياحِ عَوَّلُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنْ أرادُوا فِتْنَةً أبَيْنا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن هَذا السّائِقُ؟ قالُوا: عامر. فَقالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ» فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: وجَبَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْلا أمْتَعْتَنا بِهِ؟ قالَ: فَأتَيْنا خَيْبَرَ فَحاصَرْناهم حَتّى أصابَتْنا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَحَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أمْسَوْا أوْقَدُوا نِيرانًا كَثِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما هَذِهِ النِّيرانُ؟ عَلى أيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قالُوا: عَلى لَحْمٍ. قالَ: عَلى أيِّ لَحْمٍ؟ قالُوا: عَلى لَحْمِ حُمُرٍ إنْسِيِّةٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أهْرِيقُوها واكْسِرُوها. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أوَنُهْرِيقُها ونَغْسِلُها؟ فَقالَ: أوْ ذاكَ؟» فَلَمّا تَصافَّ القَوْمُ، خَرَجَ مَرْحَبٌ يَخْطُرُ بِسَيْفِهِ وهو يَقُولُ: ؎قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنِّي مَرْحَبُ ∗∗∗ شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ إذا الحُرُوبُ أقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَنَزَلَ إلَيْهِ عامر وهو يَقُولُ: ؎قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنِّي عامِرُ ∗∗∗ شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغامِرُ فاخْتَلَفا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ في تُرْسِ عامر، فَذَهَبَ عامر يَسْفُلُ لَهُ، وكانَ سَيْفُ عامر فِيهِ قِصَرٌ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ ذُبابُ سَيْفِهِ فَأصابَ عَيْنَ رُكْبَتِهِ، فَماتَ مِنهُ، فَقالَ سلمة لِلنَّبِيِّ ﷺ: زَعَمُوا أنَّ عامرا حَبِطَ عَمَلُهُ. فَقالَ: «كَذَبَ مَن قالَهُ، إنَّ لَهُ أجْرَيْنِ - وجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ - إنَّهُ لَجاهِدٌ مُجاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشى بِها مِثْلَهُ». [فَصْلٌ: في القُدُومُ إلى خَيْبَرَ] وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ صَلّى بِها الصُّبْحَ، ورَكِبَ المُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ أهْلُ خَيْبَرَ بِمَساحِيهِمْ ومَكاتِلِهِمْ، ولا يَشْعُرُونَ، بَلْ خَرَجُوا لِأرْضِهِمْ، فَلَمّا رَأوُا الجَيْشَ قالُوا: مُحَمَّدٌ واللَّهِ، مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، ثُمَّ رَجَعُوا هارِبِينَ إلى حُصُونِهِمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ» وَلَمّا دَنا النَّبِيُّ ﷺ وأشْرَفَ عَلَيْها قالَ: " قِفُوا " فَوَقَفَ الجَيْشُ، فَقالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ، ورَبَّ الأرَضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ، ورَبَّ الشَّياطِينِ وما أضْلَلْنَ، فَإنّا نَسْألُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وخَيْرَ أهْلِها، وخَيْرَ ما فِيها، ونَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ هَذِهِ القَرْيَةِ وشَرِّ أهْلِها وشَرِّ ما فِيها، أقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ» وَلَمّا كانَتْ لَيْلَةُ الدُّخُولِ قالَ: «لَأُعْطِيَنَّ هِذه الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ. فَباتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها، فَلَمّا أصْبَحَ النّاسُ غَدَوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهم يَرْجُو أنْ يُعْطاها، فَقالَ: أيْنَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هو يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قالَ: فَأرْسِلُوا إلَيْهِ. فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في عَيْنَيْهِ، ودَعا لَهُ، فَبَرَأ حَتّى كَأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وجَعٌ، فَأعْطاهُ الرّايَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُقاتِلُهم حَتّى يَكُونُوا مِثْلَنا؟ قالَ: انْفُذْ عَلى رِسْلِكَ حَتّى تَنْزِلَ بِساحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهم إلى الإسْلامِ، وأخْبِرْهم بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَواللَّهِ لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ حُمُرُ النَّعَمِ». فَخَرَجَ مرحب وهو يَقُولُ: ؎أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي مَرْحَبُ ∗∗∗ شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ إذا الحُرُوبُ أقْبَلَتْ تَلَهِّبُ فَبَرَزَ إلَيْهِ علي وهو يَقُولُ: ؎أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ∗∗∗ كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهِ المَنظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ فَضَرَبَ مَرْحَبًا فَفَلَقَ هامَتَهُ، وكانَ الفَتْحُ. وَلَمّا دَنا علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن حُصُونِهِمُ اطَّلَعَ يَهُودِيٌّ مِن رَأْسِ الحِصْنِ فَقالَ: مَن أنْتَ؟ فَقالَ أنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. فَقالَ اليَهُودِيُّ: عَلَوْتُمْ وما أُنْزِلَ عَلى مُوسى. هَكَذا في " صَحِيحِ مسلم " أنَّ «عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو الَّذِي قَتَلَ مرحبا» وقالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ وأبي الأسود عَنْ عروة. ويُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ أحَدِ بَنِي حارِثَة عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ محمد بن مسلمة هو الَّذِي قَتَلَهُ، قالَ جابر في حَدِيثِهِ: «خَرَجَ مرحب اليَهُودِيُّ مِن حِصْنِ خَيْبَرَ قَدْ جَمَعَ سِلاحَهُ وهو يَرْتَجِزُ ويَقُولُ: مَن يُبارِزُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن لِهَذا؟ فَقالَ محمد بن مسلمة: أنا لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أنا واللَّهِ المَوْتُورُ الثّائِرُ، قَتَلُوا أخِي بِالأمْسِ. يَعْنِي محمود بن مسلمة، وكانَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ، فَقالَ: قُمْ إلَيْهِ، اللَّهُمَّ أعِنْهُ عَلَيْهِ. فَلَمّا دَنا أحَدُهُما مِن صاحِبِهِ دَخَلَتْ بَيْنَهُما شَجَرَةٌ، فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَلُوذُ بِها مِن صاحِبِهِ، كُلَّما لاذَ بِها مِنهُ اقْتَطَعَ صاحِبُهُ بِسَيْفِهِ ما دُونَهُ مِنها، حَتّى بَرَزَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ، وصارَتْ بَيْنَهُما كالرَّجُلِ القائِمِ ما فِيها فَنَنٌ، ثُمَّ حَمَلَ عَلى مُحَمَّدٍ فَضَرَبَهُ، فاتَّقاهُ بِالدَّرَقَةِ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيها فَعَضَّتْ بِهِ فَأمْسَكَتْهُ، وضَرَبَهُ محمد بن مسلمة فَقَتَلَهُ». وكَذَلِكَ قالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلّامَةَ ومجمع بن حارثة: إنَّ محمد بن مسلمة قَتَلَ مرحبا. قالَ الواقِدِيُّ: وقِيلَ: «إنَّ محمد بن مسلمة ضَرَبَ ساقَيْ مرحب فَقَطَعَهُما، فَقالَ مرحب: أجْهِزْ عَلَيَّ يا مُحَمَّدُ. فَقالَ مُحَمَّدٌ: ذُقِ المَوْتَ كَما ذاقَهُ أخِي محمود. وجاوَزَهُ، ومَرَّ بِهِ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وأخَذَ سَلَبَهُ، فاخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَلَبِهِ، فَقالَ محمد بن مسلمة: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما قَطَعْتُ رِجْلَيْهِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ إلّا لِيَذُوقَ المَوْتَ، وكُنْتُ قادِرًا أنْ أُجْهِزَ عَلَيْهِ. فَقالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَدَقَ، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ بَعْدَ أنْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ. فَأعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ محمد بن مسلمة سَيْفَهُ ورُمْحَهُ ومِغْفَرَهُ وبَيْضَتَهُ». وكانَ عِنْدَ آلِ محمد بن مسلمة سَيْفُهُ فِيهِ كِتابٌ لا يُدْرى ما فِيهِ حَتّى قَرَأهُ يَهُودِيٌّ فَإذا فِيهِ: ؎هَذا سَيْفُ مَرْحَبْ ∗∗∗ مَن يَذُقْهُ يَعْطَبْ ثُمَّ خَرَجَ [بَعْدَ مَرْحَبٍ أخُوهُ] ياسر فَبَرَزَ إلَيْهِ الزبير، فَقالَتْ صفية أُمُّهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَقْتُلُ ابْنِي؟ قالَ: " بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ ". فَقَتَلَهُ الزبير. قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: ثُمَّ دَخَلَ اليَهُودُ حِصْنًا لَهم مَنِيعًا يُقالُ لَهُ: القَمُوصُ، فَحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرِيبًا مِن عِشْرِينَ لَيْلَةً، وكانَتْ أرْضًا وخْمَةً شَدِيدَةَ الحَرِّ، فَجَهِدَ المُسْلِمُونَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَذَبَحُوا الحُمُرَ، فَنَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِها، وجاءَ عَبْدٌ أسْوَدُ حَبَشِيٌّ مِن أهْلِ خَيْبَرَ كانَ في غَنَمٍ لِسَيِّدِهِ، فَلَمّا رَأى أهْلَ خَيْبَرَ قَدْ أخَذُوا السِّلاحَ سَألَهُمْ: ما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: نُقاتِلُ هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَوَقَعَ في نَفْسِهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ «فَأقْبَلَ بِغَنَمِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ماذا تَقُولُ وما تَدْعُو إلَيْهِ؟ قالَ: أدْعُو إلى الإسْلامِ، وأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وأنْ لا تَعْبُدَ إلّا اللَّهَ. قالَ العَبْدُ: فَما لِي إنْ شَهِدْتُ وآمَنتُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟ قالَ: لَكَ الجَنَّةُ إنْ مِتَّ عَلى ذَلِكَ. فَأسْلَمَ، ثُمَّ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ هَذِهِ الغَنَمَ عِنْدِي أمانَةٌ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أخْرِجْها مِن عِنْدِكَ وارْمِها بِالحَصْباءِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أمانَتَكَ. فَفَعَلَ، فَرَجَعَتِ الغَنَمُ إلى سَيِّدِها، فَعَلِمَ اليَهُودِيُّ أنَّ غُلامَهُ قَدْ أسْلَم، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ فَوَعَظَهم وحَضَّهم عَلى الجِهادِ، فَلَمّا التَقى المُسْلِمُونَ واليَهُودُ قُتِلَ فِيمَن قُتِلَ العَبْدُ الأسْوَدُ، فاحْتَمَلَهُ المُسْلِمُونَ إلى مُعَسْكَرِهِمْ، فَأُدْخِلَ في الفُسْطاطِ، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اطَّلَعَ في الفُسْطاطِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ وقالَ: لَقَدْ أكْرَمَ اللَّهُ هَذا العَبْدَ وساقَهُ إلى خَيْرٍ، ولَقَدْ رَأيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الحُورِ العِينِ، ولَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ سَجْدَةً قَطُّ». قالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: عَنْ ثابت، عَنْ أنس: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَجُلٌ أسْوَدُ اللَّوْنِ، قَبِيحُ الوَجْهِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، لا مالَ لِي، فَإنْ قاتَلْتُ هَؤُلاءِ حَتّى أُقْتَلَ أأدْخُلُ الجَنَّةَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَأتى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وهو مَقْتُولٌ فَقالَ: لَقَدْ أحْسَنَ اللَّهُ وجْهَكَ، وطَيَّبَ رِيحَكَ، وكَثَّرَ مالَكَ. ثُمَّ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُ زَوْجَتَيْهِ مِنَ الحُورِ العِينِ يَنْزِعانِ جُبَّتَهُ عَنْهُ يَدْخُلانِ فِيما بَيْنَ جِلْدِهِ وجُبَّتِهِ». وَقالَ شداد بن الهاد: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الأعْرابِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ، فَقالَ: أُهاجِرُ مَعَكَ. فَأوْصى بِهِ بَعْضَ أصْحابِهِ، فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَقَسَمَهُ، وقَسَمَ لِلْأعْرابِيِّ، فَأعْطى أصْحابَهُ ما قَسَمَهُ لَهُ، وكانَ يَرْعى ظَهْرَهُمْ، فَلَمّا جاءَ دَفَعُوهُ إلَيْهِ فَقالَ: ما هَذا؟ قالُوا: قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَأخَذَهُ فَجاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ما هَذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قَسْمٌ قَسَمْتُهُ لَكَ. قالَ: ما عَلى هَذا اتَّبَعْتُكَ، ولَكِنِ اتَّبَعْتُكَ عَلى أنْ أُرْمى هاهُنا - وأشارَ إلى حَلْقِهِ - بِسَهْمٍ، فَأمُوتَ فَأدْخُلَ الجَنَّةَ. فَقالَ: إنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ. ثُمَّ نَهَضَ إلى قِتالِ العَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مَقْتُولٌ، فَقالَ: أهْوَ هُوَ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ. فَكَفَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ في جُبَّتِهِ ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلّى عَلَيْهِ، وكانَ مِن دُعائِهِ لَهُ: اللَّهُمَّ هَذا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهاجِرًا في سَبِيلِكَ قُتِلَ شَهِيدًا وأنا عَلَيْهِ شَهِيدٌ». قالَ الواقِدِيُّ «وَتَحَوَّلَتِ اليَهُودُ إلى قَلْعَةِ الزبير - حِصْنٍ مَنِيعٍ في رَأْسِ قُلَّةٍ - فَأقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ: عَزالٌ فَقالَ: يا أبا القاسِمِ، إنَّكَ لَوْ أقَمْتَ شَهْرًا ما بالَوْا، إنَّ لَهم شَرابًا وعُيُونًا تَحْتَ الأرْضِ يَخْرُجُونَ بِاللَّيْلِ فَيَشْرَبُونَ مِنها ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَلْعَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنكَ، فَإنْ قَطَعْتَ مَشْرَبَهم عَلَيْهِمْ أصْحَرُوا لَكَ. فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مائِهِمْ فَقَطَعَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا قُطِعَ عَلَيْهِمْ خَرَجُوا فَقاتَلُوا أشَدَّ القِتالِ، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَفَرٌ، وأُصِيبَ نَحْوُ العَشَرَةِ مِنَ اليَهُودِ، وافْتَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِ الكُتَيْبَةِ والوَطِيحِ والسُّلالِمِ حِصْنِ ابن أبي الحقيق، فَتَحَصَّنَ أهْلُهُ أشَدَّ التَّحَصُّنِ، وجاءَهم كُلُّ فَلٍّ كانَ انْهَزَمَ مِنَ النَّطاةِ والشِّقِّ، فَإنَّ خَيْبَرَ كانَتْ جانِبَيْنِ الأوَّلُ: الشِّقُّ والنَّطاةُ، وهو الَّذِي افْتَتَحَهُ أوَّلًا، والجانِبُ الثّانِي: الكُتَيْبَةُ والوَطِيحُ والسُّلالِمُ، فَجَعَلُوا لا يَخْرُجُونَ مِن حُصُونِهِمْ حَتّى هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْصِبَ عَلَيْهِمُ المَنجَنِيقَ، فَلَمّا أيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ وقَدْ حَصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصُّلْحَ، وأرْسَلَ ابن أبي الحقيق إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنْزِلُ فَأُكَلِّمُكَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " نَعَمْ "، فَنَزَلَ ابن أبي الحقيق فَصالَحَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى حَقْنِ دِماءِ مَن في حُصُونِهِمْ مِنَ المُقاتِلَةِ وتَرْكِ الذُّرِّيَّةِ لَهُمْ، ويَخْرُجُونَ مِن خَيْبَرَ وأرْضِها بِذَرارِيِّهِمْ، ويُخَلُّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ ما كانَ لَهم مِن مالٍ وأرْضٍ وعَلى الصَّفْراءِ والبَيْضاءِ والكُراعِ والحَلْقَةِ، إلّا ثَوْبًا عَلى ظَهْرِ إنْسانٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وبَرِئَتْ مِنكم ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رسوله إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا ". فَصالَحُوهُ عَلى ذَلِكَ». قالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: أنْبَأنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قاتَلَ أهْلَ خَيْبَرَ حَتّى ألْجَأهم إلى قَصْرِهِمْ، فَغَلَبَ عَلى الزَّرْعِ والنَّخْلِ والأرْضِ، فَصالَحُوهُ عَلى أنْ يُجْلَوْا مِنها ولَهم ما حَمَلَتْ رِكابُهُمْ، ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّفْراءُ والبَيْضاءُ، واشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَكْتُمُوا ولا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإنْ فَعَلُوا فَلا ذِمَّةَ لَهم ولا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مالٌ وحُلِيٌّ لحيي بن أخطب، كانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إلى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّ حيي بن أخطب: ما فَعَلَ مَسْكُ حيي الَّذِي جاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ قالَ: أذْهَبَتْهُ النَّفَقاتُ والحُرُوبُ. فَقالَ: العَهْدُ قَرِيبٌ والمالُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ. فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الزبير فَمَسَّهُ بِعَذابٍ، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ خَرِبَةً فَقالَ: قَدْ رَأيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ في خَرِبَةٍ ها هُنا. فَذَهَبُوا فَطافُوا فَوَجَدُوا المَسْكَ في الخَرِبَةِ، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَيْ أبِي الحُقَيْقِ، وأحَدُهُما زَوْجُ صفية بنت حيي بن أخطب، وسَبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهم وذَرارِيَّهم وقَسَمَ أمْوالَهم بِالنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وأرادَ أنْ يُجْلِيَهم مِنها فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، دَعْنا نَكُونُ في هَذِهِ الأرْضِ نُصْلِحُها ونَقُومُ عَلَيْها، فَنَحْنُ أعْلَمُ بِها مِنكم. وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا لِأصْحابِهِ غِلْمانٌ يَقُومُونَ عَلَيْها، وكانُوا لا يَفْرُغُونَ يَقُومُونَ عَلَيْها، فَأعْطاهم خَيْبَرَ عَلى أنَّ لَهُمُ الشَّطْرَ مِن كُلِّ زَرْعٍ وكُلِّ ثَمَرٍ ما بَدا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقِرَّهم. وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ كَما تَقَدَّمَ. ولَمْ يَقْتُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الصُّلْحِ إلّا ابْنَيْ أبِي الحُقَيْقِ لِلنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا؛ فَإنَّهم شَرَطُوا إنْ غَيَّبُوا أوْ كَتَمُوا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهم ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَغَيَّبُوا، فَقالَ لَهُمْ: أيْنَ المالُ الَّذِي خَرَجْتُمْ بِهِ مِنَ المَدِينَةِ حِينَ أجْلَيْناكُمْ؟ قالُوا: ذَهَبَ. فَحَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، فاعْتَرَفَ ابْنُ عَمِّ كِنانَةَ عَلَيْهِما بِالمالِ حِينَ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الزبير يُعَذِّبُهُ. فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِنانَةَ إلى محمد بن مسلمة فَقَتَلَهُ»، ويُقالُ: إنَّ كِنانَةَ هو كانَ قَتَلَ أخاهُ محمود بن مسلمة. «وَسَبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب وابْنَةَ عَمَّتِها، وكانَتْ صفية تَحْتَ كنانة بن أبي الحقيق، وكانَتْ عَرُوسًا حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِالدُّخُولِ، فَأمَرَ بلالا أنْ يَذْهَبَ بِها إلى رَحْلِهِ، فَمَرَّ بِها بلال وسْطَ القَتْلى، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: أذَهَبَتِ الرَّحْمَةُ مِنكَ يا بلال؟!) وَعَرَضَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإسْلامَ فَأسْلَمَتْ، فاصْطَفاها لِنَفْسِهِ، وأعْتَقَها وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها، وبَنى بِها في الطَّرِيقِ، وأوْلَمَ عَلَيْها، ورَأى بِوَجْهِها خُضْرَةً فَقالَ: ما هَذا؟ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُرِيتُ قَبْلَ قُدُومِكَ عَلَيْنا كَأنَّ القَمَرَ زالَ مِن مَكانِهِ فَسَقَطَ في حِجْرِي، ولا واللَّهِ ما أذْكُرُ مِن شَأْنِكَ شَيْئًا، فَقَصَصْتُها عَلى زَوْجِي فَلَطَمَ وجْهِي وقالَ: تَمَنِّينَ هَذا المَلِكَ الَّذِي بِالمَدِينَةِ) وشَكَّ الصَّحابَةُ هَلِ اتَّخَذَها سُرِّيَّةً أوْ زَوْجَةً؟ فَقالُوا: انْظُرُوا إنْ حَجَبَها فَهي إحْدى نِسائِهِ، وإلّا فَهي مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمّا رَكِبَ (جَعَلَ ثَوْبَهُ الَّذِي ارْتَدى بِهِ عَلى ظَهْرِها ووَجْهِها، ثُمَّ شَدَّ طَرَفَهُ تَحْتَهُ، فَتَأخَّرُوا عَنْهُ في المَسِيرِ، وعَلِمُوا أنَّها إحْدى نِسائِهِ، ولَمّا قَدِمَ لِيَحْمِلَها عَلى الرَّحْلِ أجَلَّتْهُ أنْ تَضَعَ قَدَمَها عَلى فَخِذِهِ فَوَضَعَتْ رُكْبَتَها عَلى فَخِذِهِ ثُمَّ رَكِبَتْ. وَلَمّا بَنى بِها باتَ أبو أيوب لَيْلَتَهُ قائِمًا قَرِيبًا مِن قُبَّتِهِ، آخِذًا بِقائِمِ السَّيْفِ حَتّى أصْبَحَ، فَلَمّا رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أبو أيوب حِينَ رَآهُ قَدْ خَرَجَ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما لَكَ يا أبا أيوب؟ فَقالَ لَهُ: أرِقْتُ لَيْلَتِي هَذِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا دَخَلْتَ بِهَذِهِ المَرْأةِ، ذَكَرْتُ أنَّكَ قَتَلْتَ أباها وأخاها وزَوْجَها وعامَّةَ عَشِيرَتِها، فَخِفْتُ أنْ تَغْتالَكَ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ لَهُ مَعْرُوفًا». [قِصَّةُ سَمِّ يَهُودِيَّةٍ النَّبِيَّ ﷺ] وَفِي هَذِهِ الغَزاةِ «سُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أهْدَتْ لَهُ زينب بنت الحارث اليَهُودِيَّةُ امْرَأةُ سلام بن مشكم شاةً مَشْوِيَّةً قَدْ سَمَّتْها، وسَألَتْ: أيُّ اللَّحْمِ أحَبُّ إلَيْهِ؟ فَقالُوا: الذِّراعُ. فَأكْثَرَتْ مِنَ السُّمِّ في الذِّراعِ، فَلَمّا انْتَهَشَ مِن ذِراعِها أخْبَرَهُ الذِّراعُ بِأنَّهُ مَسْمُومٌ، فَلَفَظَ الأُكْلَةَ ثُمَّ قالَ: " اجْمَعُوا لِي مَن ها هُنا مِنَ اليَهُودِ. فَجُمِعُوا لَهُ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي سائِلُكم عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ فِيهِ؟ قالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أبُوكُمْ؟ قالُوا: أبُونا فُلانٌ. قالَ: كَذَبْتُمْ، أبُوكم فُلانٌ. قالُوا: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ. قالَ: هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ؟ ". قالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ وإنْ كَذَبْناكَ عَرَفْتَ كَذِبَنا كَما عَرَفْتَهُ في أبِينا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أهْلُ النّارِ؟ فَقالُوا: نَكُونُ فِيها يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اخْسَئُوا فِيها، فَواللَّهِ لا نَخْلُفُكم فِيها أبَدًا. ثُمَّ قالَ: هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: أجَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشّاةِ سُمًّا؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ؟ قالُوا: أرَدْنا إنْ كُنْتَ كاذِبًا نَسْتَرِيحُ مِنكَ، وإنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ». «وَجِيءَ بِالمَرْأةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: أرَدْتُ قَتْلَكَ. فَقالَ: ما كانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ. قالُوا: ألا نَقْتُلُها؟ قالَ: لا. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَها ولَمْ يُعاقِبْها»، واحْتَجَمَ عَلى الكاهِلِ، وأمَرَ مَن أكَلَ مِنها فاحْتَجَمَ، فَماتَ بَعْضُهُمْ، واخْتُلِفَ في قَتْلِ المَرْأةِ، فَقالَ الزُّهْرِيُّ: أسْلَمَتْ فَتَرَكَها، ذَكَرَهُ عبد الرزاق عَنْ معمر عَنْهُ، ثُمَّ قالَ معمر: والنّاسُ تَقُولُ: قَتَلَها النَّبِيُّ ﷺ. قالَ أبو داود: حَدَّثَنا وهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، قالَ: حَدَّثَنا خالد، عَنْ محمد بن عمرو، عَنْ أبي سلمة، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شاةً مَصْلِيَّةً. وذَكَرَ القِصَّةَ وقالَ: فَماتَ بِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَأرْسَلَ إلى اليَهُودِيَّةِ: ما حَمَلَكِ عَلى الَّذِي صَنَعْتِ؟ قالَ جابر: فَأمَرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُتِلَتْ» قُلْتُ: كِلاهُما مُرْسَلٌ، ورَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ محمد بن عمرو عَنْ أبي سلمة عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا، أنَّهُ قَتَلَها لَمّا ماتَ بِشْرُ بْنُ البَراءِ. وَقَدْ وُفِّقَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ بِأنَّهُ لَمْ يَقْتُلْها أوَّلًا، فَلَمّا ماتَ بشر قَتَلَها. وَقَدِ اخْتُلِفَ: هَلْ أكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنها أوْ لَمْ يَأْكُلْ؟ وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّهُ أكَلَ مِنها وبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَ سِنِينَ حَتّى قالَ في وجَعِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: «ما زِلْتُ أجِدُ مِنَ الأُكْلَةِ الَّتِي أكَلْتُ مِنَ الشّاةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ الأبْهَرِ مِنِّي». قالَ الزُّهْرِيُّ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا. قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ وغَيْرُهُ: وكانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حِينَ سَمِعُوا بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى خَيْبَرَ تَراهُنٌ عَظِيمٌ، وتَبايُعٌ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: يَظْهَرُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، ومِنهم يَقُولُ: يَظْهَرُ الحَلِيفانِ ويَهُودُ خَيْبَرَ، وكانَ الحجاج بن علاط السلمي قَدْ أسْلَمَ وشَهِدَ فَتْحَ خَيْبَرَ، وكانَتْ تَحْتَهُ أم شيبة أخت بني عبد الدار بن قصي، وكانَ الحجاج مُكْثِرًا مِنَ المالِ، كانَتْ لَهُ مَعادِنُ بِأرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى خَيْبَرَ قالَ الحجاج بن علاط: إنَّ لِي ذَهَبًا عِنْدَ امْرَأتِي، وإنْ تَعْلَمْ هي وأهْلُها بِإسْلامِي فَلا مالَ لِي، فَأْذَنْ لِي فَلَأُسْرِعِ السَّيْرَ وأسْبِقِ الخَبَرَ، ولَأُخْبِرَنَّ أخْبارًا إذا قَدِمْتُ أدْرَأُ بِها عَنْ مالِي ونَفْسِي. فَأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا قَدِمَ مَكَّةَ قالَ لِامْرَأتِهِ: أخْفِي عَلَيَّ واجْمَعِي ما كانَ لِي عِنْدَكِ مِن مالٍ؛ فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أشْتَرِيَ مِن غَنائِمِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ؛ فَإنَّهم قَدِ اسْتُبِيحُوا وأُصِيبَتْ أمْوالُهُمْ، وإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أُسِرَ وتَفَرَّقَ عَنْهُ أصْحابُهُ، وإنَّ اليَهُودَ قَدْ أقْسَمُوا لَتَبْعَثَنَّ بِهِ إلى مَكَّةَ ثُمَّ لَتَقْتُلَنَّهُ بِقَتْلاهم بِالمَدِينَةِ، وفَشا ذَلِكَ بِمَكَّةَ، واشْتَدَّ عَلى المُسْلِمِينَ وبَلَغَ مِنهُمْ، وأظْهَرَ المُشْرِكُونَ الفَرَحَ والسُّرُورَ، فَبَلَغَ العباس عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَجَلَةُ النّاسِ، وجَلَبَتُهُمْ، وإظْهارُهُمُ السُّرُورَ، فَأرادَ أنْ يَقُومَ ويَخْرُجَ فانْخَزَلَ ظَهْرُهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى القِيامِ، فَدَعا ابْنًا لَهُ يُقالُ لَهُ: قُثَمُ، وكانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ العباس يَرْتَجِزُ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِ أعْداءُ اللَّهِ: ؎حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثَم ∗∗∗ شَبِيهُ ذِي الأنْفِ الأشَمْ ؎نَبِيُّ رَبِّي ذِي النِّعَمْ ∗∗∗ بِرَغْمِ أنْفِ مَن رَغَمْ وَحُشِرَ إلى بابِ دارِهِ رِجالٌ كَثِيرُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، مِنهُمُ المُظْهِرُ لِلْفَرَحِ والسُّرُورِ، ومِنهُمُ الشّامِتُ المُغْرِي، ومِنهم مَن بِهِ مِثْلُ المَوْتِ مِنَ الحُزْنِ والبَلاءِ، فَلَمّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ رَجَزَ العباس وتَجَلُّدَهُ، طابَتْ نَفُوسُهُمْ، وظَنَّ المُشْرِكُونَ أنَّهُ قَدْ أتاهُ ما لَمْ يَأْتِهِمْ، ثُمَّ أرْسَلَ العباس غُلامًا لَهُ إلى الحجاج وقالَ لَهُ: اخْلُ بِهِ وقُلْ لَهُ: ويْلَكَ ما جِئْتَ بِهِ وما تَقُولُ؟ فالَّذِي وعَدَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا جِئْتَ بِهِ. فَلَمّا كَلَّمَهُ الغُلامُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ عَلى أبي الفضل السلام، وقُلْ لَهُ: فَلْيَخْلُ بِي في بَعْضِ بُيُوتِهِ حَتّى آتِيَهُ؛ فَإنَّ الخَبَرَ عَلى ما يَسُرُّهُ. فَلَمّا بَلَغَ العَبْدُ بابَ الدّارِ قالَ: أبْشِرْ يا أبا الفضل. فَوَثَبَ العباس فَرَحًا كَأنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ بَلاءٌ قَطُّ حَتّى جاءَهُ وقَبَّلَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأخْبَرَهُ بِقَوْلِ الحجاج فَأعْتَقَهُ، ثُمَّ قالَ: أخْبِرْنِي. قالَ: يَقُولُ لَكَ الحجاج: اخْلُ بِهِ في بَعْضِ بُيُوتِكَ حَتّى يَأْتِيَكَ ظُهْرًا. فَلَمّا جاءَهُ الحجاج وخَلا بِهِ أخَذَ عَلَيْهِ لَتَكْتُمَنَّ خَبَرِي، فَوافَقَهُ عباس عَلى ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ الحجاج: جِئْتُ وقَدِ افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ وغَنِمَ أمْوالَهُمْ، وجَرَتْ فِيها سِهامُ اللَّهِ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ اصْطَفى صفية بنت حيي لِنَفْسِهِ وأعْرَسَ بِها، ولَكِنْ جِئْتُ لِمالِي أرَدْتُ أنْ أجْمَعَهُ وأذْهَبَ بِهِ، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ أقُولَ، فَأذِنَ لِي أنْ أقُولَ ما شِئْتُ، فَأخْفِ عَلَيَّ ثَلاثًا ثُمَّ اذْكُرْ ما شِئْتَ. قالَ: فَجَمَعَتْ لَهُ امْرَأتُهُ مَتاعَهُ، ثُمَّ انْشَمَرَ راجِعًا، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ثَلاثٍ أتى العباس امْرَأةَ الحجاج فَقالَ: ما فَعَلَ زَوْجُكِ؟ قالَتْ: ذَهَبَ، وقالَتْ: لا يَحْزُنْكَ اللَّهُ يا أبا الفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنا الَّذِي بَلَغَكَ. فَقالَ: أجَلْ، لا يَحْزُنُنِي اللَّهُ، ولَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللَّهِ إلّا ما أُحِبُّ، فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ خَيْبَرَ وجَرَتْ فِيها سِهامُ اللَّهِ، واصْطَفى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفية لِنَفْسِهِ، فَإنْ كانَ لَكِ في زَوْجِكِ حاجَةٌ فالحَقِي بِهِ. قالَتْ: أظُنُّكَ واللَّهِ صادِقًا. قالَ: فَإنِّي واللَّهِ صادِقٌ والأمْرُ عَلى ما أقُولُ لَكِ. قالَتْ: فَمَن أخْبَرَكَ بِهَذا؟ قالَ: الَّذِي أخْبَرَكِ بِما أخْبَرَكِ. ثُمَّ ذَهَبَ حَتى أتى مَجالِسَ قُرَيْشٍ، فَلَمّا رَأوْهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ التَّجَلُّدُ يا أبا الفضل، ولا يُصِيبُكَ إلّا خَيْرٌ. قالَ: أجَلْ، لَمْ يُصِبْنِي إلّا خَيْرٌ، والحَمْدُ لِلَّهِ أخْبَرَنِي الحجاج بِكَذا وكَذا، وقَدْ سَألَنِي أنْ أكْتُمَ عَلَيْهِ ثَلاثًا لِحاجَةٍ، فَرَدَّ اللَّهُ ما كانَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن كَآبَةٍ وجَزَعٍ عَلى المُشْرِكِينَ، وخَرَجَ المُسْلِمُونَ مِن مَواضِعِهِمْ حَتّى دَخَلُوا عَلى العباس، فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَأشْرَقَتْ وُجُوهُ المُسْلِمِينَ.

الفتح 48:20

وَعَدَهم سُبْحانَهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وأخْبَرَهم أنّهُ عَجَّلَ لَهم هَذِهِ الغَنِيمَةَ وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصُّلْحُ الَّذِي جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، والثّانِي: أنَّها فَتْحُ خَيْبَرَ وغَنائِمُها. ثُمَّ قالَ ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فَقِيلَ: أيْدِيَ أهْلِ مَكَّةَ أنْ يُقاتِلُوهم. وَقِيلَ: أيْدِيَ اليَهُودِ حِينَ هَمُّوا بِأنْ يَغْتالُوا مَن بِالمَدِينَةِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَن مَعَهُ مِنَ الصَّحابَةِ مِنها. وقِيلَ: هم أهْلُ خَيْبَرَ وحُلَفاؤُهُمُ الَّذِينَ أرادُوا نَصْرَهم مِن أسَدٍ وغَطَفانَ. والصَّحِيحُ تَناوُلُ الآيَةِ لِلْجَمِيعِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هَذِهِ الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلَها بِكم وهي كَفُّ أيْدِي أعْدائِكم عَنْكم مَعَ كَثْرَتِهِمْ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ كانَ أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها وأهْلُ خَيْبَرَ ومَن حَوْلَها وأسَدٌ وغَطَفانُ، وجُمْهُورُ قَبائِلِ العَرَبِ أعْداءً لَهُمْ، وهم بَيْنَهم كالشّامَةِ، فَلَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ، فَمِن آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَفُّ أيْدِي أعْدائِهِمْ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ، وتَوَلِّي حِراسَتِهِمْ وحِفْظِهِمْ في مَشْهَدِهِمْ ومَغِيبِهِمْ، وقِيلَ: هي فَتْحُ خَيْبَرَ، جَعَلَها آيَةً لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ وعَلامَةً عَلى ما بَعْدَها مِنَ الفُتُوحِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَدَهم مَغانِمَ كَثِيرَةً وفُتُوحًا عَظِيمَةً، فَعَجَّلَ لَهم فَتْحَ خَيْبَرَ وجَعَلَها آيَةً لِما بَعْدَها وجَزاءً لِصَبْرِهِمْ ورِضاهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وشُكْرانًا، ولِهَذا خَصَّ بِها وبِغَنائِمِها مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَيَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فَجَمَعَ لَهم إلى النَّصْرِ والظَّفَرِ والغَنائِمِ الهِدايَةَ، فَجَعَلَهم مَهْدِيِّينَ مَنصُورِينَ غانِمِينَ، ثُمَّ وعَدَهم مَغانِمَ كَثِيرَةً وفُتُوحًا أُخْرى لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الوَقْتَ قادِرِينَ عَلَيْها، فَقِيلَ: هي مَكَّةُ، وقِيلَ: هي فارِسُ والرُّومُ. وَقِيلَ: الفُتُوحُ الَّتِي بَعْدَ خَيْبَرَ مِن مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبها. [فَصْلٌ: في غَزْوَةِ خَيْبَرَ] قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: ولَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ مَكَثَ بِها عِشْرِينَ لَيْلَةً أوْ قَرِيبًا مِنها، ثُمَّ خَرَجَ غازِيًا إلى خَيْبَرَ، وكانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَهُ إيّاها وهو بِالحُدَيْبِيَةِ. وَقالَ مالك: كانَ فَتْحُ خَيْبَرَ في السَّنَةِ السّادِسَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها في السّابِعَةِ. وَقَطَعَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ بِأنَّها كانَتْ في السّادِسَةِ بِلا شَكٍّ، ولَعَلَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى أوَّلِ التّارِيخِ، هَلْ هو شَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ شَهْرُ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ أوْ مِنَ المُحَرَّمِ في أوَّلِ السَّنَةِ؟ ولِلنّاسِ في هَذا طَرِيقانِ: فالجُمْهُورُ عَلى أنَّ التّارِيخَ وقَعَ مِنَ المُحَرَّمِ، وأبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ يَرى أنَّهُ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ حِينَ قَدِمَ، (وَكانَ أوَّلُ مَن أرَّخَ بِالهِجْرَةِ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ بِاليَمَنِ) كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ. وَقِيلَ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عروة، عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أنَّهُما حَدَّثاهُ جَمِيعًا، قالا: انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الفَتْحِ فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَأعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها خَيْبَرَ ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] خَيْبَرَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ في ذِي الحِجَّةِ، فَأقامَ بِها حَتّى سارَ إلى خَيْبَرَ في المُحَرَّمِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّجِيعِ - وادٍ بَيْنَ خَيْبَرَ وغَطَفانَ - فَتَخَوَّفَ أنْ تَمُدَّهم غَطَفانُ، فَباتَ بِهِ حَتّى أصْبَحَ فَغَدا إلَيْهِمْ. انْتَهى. واسْتَخْلَفَ عَلى المَدِينَةِ سباع بن عرفطة، وقَدِمَ أبُو هُرَيْرَةَ حِينَئِذٍ المَدِينَةَ فَوافى سباع بن عرفطة في صَلاةِ الصُّبْحِ، فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولى: كهيعص، وفي الثّانِيَةِ: ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. فَقالَ في نَفْسِهِ: ويْلٌ لِأبِي فُلانٍ، لَهُ مِكْيالانِ، إذا اكْتالَ اكْتالَ بِالوافِي، وإذا كالَ كالَ بِالنّاقِصِ. فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ أتى سِباعًا فَزَوَّدَهُ حَتّى قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَلَّمَ المُسْلِمِينَ، فَأشْرَكُوهُ وأصْحابَهُ في سُهْمانِهِمْ. وَقالَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ: " خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى خَيْبَرَ، فَسِرْنا لَيْلًا، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لعامر بن الأكوع: ألا تُسْمِعُنا مِن هُنَيْهاتِكَ؟ وَكانَ عامر رَجُلًا شاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالقَوْمِ يَقُولُ: ؎اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا ∗∗∗ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا ؎فاغْفِرْ فِداءً لَكَ ما اقْتَفَيْنا ∗∗∗ وثَبِّتِ الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا ؎وَأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ∗∗∗ إنّا إذا صِيحَ بِنا أتَيْنا ؎وبالصِّياحِ عَوَّلُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنْ أرادُوا فِتْنَةً أبَيْنا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن هَذا السّائِقُ؟ قالُوا: عامر. فَقالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ» فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: وجَبَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْلا أمْتَعْتَنا بِهِ؟ قالَ: فَأتَيْنا خَيْبَرَ فَحاصَرْناهم حَتّى أصابَتْنا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَحَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أمْسَوْا أوْقَدُوا نِيرانًا كَثِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما هَذِهِ النِّيرانُ؟ عَلى أيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قالُوا: عَلى لَحْمٍ. قالَ: عَلى أيِّ لَحْمٍ؟ قالُوا: عَلى لَحْمِ حُمُرٍ إنْسِيِّةٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أهْرِيقُوها واكْسِرُوها. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أوَنُهْرِيقُها ونَغْسِلُها؟ فَقالَ: أوْ ذاكَ؟» فَلَمّا تَصافَّ القَوْمُ، خَرَجَ مَرْحَبٌ يَخْطُرُ بِسَيْفِهِ وهو يَقُولُ: ؎قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنِّي مَرْحَبُ ∗∗∗ شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ إذا الحُرُوبُ أقْبَلَتْ تَلَهَّبُ فَنَزَلَ إلَيْهِ عامر وهو يَقُولُ: ؎قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنِّي عامِرُ ∗∗∗ شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغامِرُ فاخْتَلَفا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ في تُرْسِ عامر، فَذَهَبَ عامر يَسْفُلُ لَهُ، وكانَ سَيْفُ عامر فِيهِ قِصَرٌ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ ذُبابُ سَيْفِهِ فَأصابَ عَيْنَ رُكْبَتِهِ، فَماتَ مِنهُ، فَقالَ سلمة لِلنَّبِيِّ ﷺ: زَعَمُوا أنَّ عامرا حَبِطَ عَمَلُهُ. فَقالَ: «كَذَبَ مَن قالَهُ، إنَّ لَهُ أجْرَيْنِ - وجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ - إنَّهُ لَجاهِدٌ مُجاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشى بِها مِثْلَهُ». [فَصْلٌ: في القُدُومُ إلى خَيْبَرَ] وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ صَلّى بِها الصُّبْحَ، ورَكِبَ المُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ أهْلُ خَيْبَرَ بِمَساحِيهِمْ ومَكاتِلِهِمْ، ولا يَشْعُرُونَ، بَلْ خَرَجُوا لِأرْضِهِمْ، فَلَمّا رَأوُا الجَيْشَ قالُوا: مُحَمَّدٌ واللَّهِ، مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، ثُمَّ رَجَعُوا هارِبِينَ إلى حُصُونِهِمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ» وَلَمّا دَنا النَّبِيُّ ﷺ وأشْرَفَ عَلَيْها قالَ: " قِفُوا " فَوَقَفَ الجَيْشُ، فَقالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ، ورَبَّ الأرَضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ، ورَبَّ الشَّياطِينِ وما أضْلَلْنَ، فَإنّا نَسْألُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وخَيْرَ أهْلِها، وخَيْرَ ما فِيها، ونَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ هَذِهِ القَرْيَةِ وشَرِّ أهْلِها وشَرِّ ما فِيها، أقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ» وَلَمّا كانَتْ لَيْلَةُ الدُّخُولِ قالَ: «لَأُعْطِيَنَّ هِذه الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ. فَباتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعْطاها، فَلَمّا أصْبَحَ النّاسُ غَدَوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهم يَرْجُو أنْ يُعْطاها، فَقالَ: أيْنَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هو يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قالَ: فَأرْسِلُوا إلَيْهِ. فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في عَيْنَيْهِ، ودَعا لَهُ، فَبَرَأ حَتّى كَأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وجَعٌ، فَأعْطاهُ الرّايَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُقاتِلُهم حَتّى يَكُونُوا مِثْلَنا؟ قالَ: انْفُذْ عَلى رِسْلِكَ حَتّى تَنْزِلَ بِساحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهم إلى الإسْلامِ، وأخْبِرْهم بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَواللَّهِ لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ مِن أنْ يَكُونَ لَكَ حُمُرُ النَّعَمِ». فَخَرَجَ مرحب وهو يَقُولُ: ؎أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي مَرْحَبُ ∗∗∗ شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ إذا الحُرُوبُ أقْبَلَتْ تَلَهِّبُ فَبَرَزَ إلَيْهِ علي وهو يَقُولُ: ؎أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ∗∗∗ كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهِ المَنظَرَهْ أُوفِيهِمُ بِالصّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ فَضَرَبَ مَرْحَبًا فَفَلَقَ هامَتَهُ، وكانَ الفَتْحُ. وَلَمّا دَنا علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن حُصُونِهِمُ اطَّلَعَ يَهُودِيٌّ مِن رَأْسِ الحِصْنِ فَقالَ: مَن أنْتَ؟ فَقالَ أنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. فَقالَ اليَهُودِيُّ: عَلَوْتُمْ وما أُنْزِلَ عَلى مُوسى. هَكَذا في " صَحِيحِ مسلم " أنَّ «عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هو الَّذِي قَتَلَ مرحبا» وقالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ وأبي الأسود عَنْ عروة. ويُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ أحَدِ بَنِي حارِثَة عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ محمد بن مسلمة هو الَّذِي قَتَلَهُ، قالَ جابر في حَدِيثِهِ: «خَرَجَ مرحب اليَهُودِيُّ مِن حِصْنِ خَيْبَرَ قَدْ جَمَعَ سِلاحَهُ وهو يَرْتَجِزُ ويَقُولُ: مَن يُبارِزُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن لِهَذا؟ فَقالَ محمد بن مسلمة: أنا لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أنا واللَّهِ المَوْتُورُ الثّائِرُ، قَتَلُوا أخِي بِالأمْسِ. يَعْنِي محمود بن مسلمة، وكانَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ، فَقالَ: قُمْ إلَيْهِ، اللَّهُمَّ أعِنْهُ عَلَيْهِ. فَلَمّا دَنا أحَدُهُما مِن صاحِبِهِ دَخَلَتْ بَيْنَهُما شَجَرَةٌ، فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَلُوذُ بِها مِن صاحِبِهِ، كُلَّما لاذَ بِها مِنهُ اقْتَطَعَ صاحِبُهُ بِسَيْفِهِ ما دُونَهُ مِنها، حَتّى بَرَزَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ، وصارَتْ بَيْنَهُما كالرَّجُلِ القائِمِ ما فِيها فَنَنٌ، ثُمَّ حَمَلَ عَلى مُحَمَّدٍ فَضَرَبَهُ، فاتَّقاهُ بِالدَّرَقَةِ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيها فَعَضَّتْ بِهِ فَأمْسَكَتْهُ، وضَرَبَهُ محمد بن مسلمة فَقَتَلَهُ». وكَذَلِكَ قالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلّامَةَ ومجمع بن حارثة: إنَّ محمد بن مسلمة قَتَلَ مرحبا. قالَ الواقِدِيُّ: وقِيلَ: «إنَّ محمد بن مسلمة ضَرَبَ ساقَيْ مرحب فَقَطَعَهُما، فَقالَ مرحب: أجْهِزْ عَلَيَّ يا مُحَمَّدُ. فَقالَ مُحَمَّدٌ: ذُقِ المَوْتَ كَما ذاقَهُ أخِي محمود. وجاوَزَهُ، ومَرَّ بِهِ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وأخَذَ سَلَبَهُ، فاخْتَصَما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَلَبِهِ، فَقالَ محمد بن مسلمة: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما قَطَعْتُ رِجْلَيْهِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ إلّا لِيَذُوقَ المَوْتَ، وكُنْتُ قادِرًا أنْ أُجْهِزَ عَلَيْهِ. فَقالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَدَقَ، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ بَعْدَ أنْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ. فَأعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ محمد بن مسلمة سَيْفَهُ ورُمْحَهُ ومِغْفَرَهُ وبَيْضَتَهُ». وكانَ عِنْدَ آلِ محمد بن مسلمة سَيْفُهُ فِيهِ كِتابٌ لا يُدْرى ما فِيهِ حَتّى قَرَأهُ يَهُودِيٌّ فَإذا فِيهِ: ؎هَذا سَيْفُ مَرْحَبْ ∗∗∗ مَن يَذُقْهُ يَعْطَبْ ثُمَّ خَرَجَ [بَعْدَ مَرْحَبٍ أخُوهُ] ياسر فَبَرَزَ إلَيْهِ الزبير، فَقالَتْ صفية أُمُّهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَقْتُلُ ابْنِي؟ قالَ: " بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ ". فَقَتَلَهُ الزبير. قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: ثُمَّ دَخَلَ اليَهُودُ حِصْنًا لَهم مَنِيعًا يُقالُ لَهُ: القَمُوصُ، فَحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَرِيبًا مِن عِشْرِينَ لَيْلَةً، وكانَتْ أرْضًا وخْمَةً شَدِيدَةَ الحَرِّ، فَجَهِدَ المُسْلِمُونَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَذَبَحُوا الحُمُرَ، فَنَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِها، وجاءَ عَبْدٌ أسْوَدُ حَبَشِيٌّ مِن أهْلِ خَيْبَرَ كانَ في غَنَمٍ لِسَيِّدِهِ، فَلَمّا رَأى أهْلَ خَيْبَرَ قَدْ أخَذُوا السِّلاحَ سَألَهُمْ: ما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: نُقاتِلُ هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَوَقَعَ في نَفْسِهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ «فَأقْبَلَ بِغَنَمِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ماذا تَقُولُ وما تَدْعُو إلَيْهِ؟ قالَ: أدْعُو إلى الإسْلامِ، وأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وأنْ لا تَعْبُدَ إلّا اللَّهَ. قالَ العَبْدُ: فَما لِي إنْ شَهِدْتُ وآمَنتُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟ قالَ: لَكَ الجَنَّةُ إنْ مِتَّ عَلى ذَلِكَ. فَأسْلَمَ، ثُمَّ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ هَذِهِ الغَنَمَ عِنْدِي أمانَةٌ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أخْرِجْها مِن عِنْدِكَ وارْمِها بِالحَصْباءِ؛ فَإنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أمانَتَكَ. فَفَعَلَ، فَرَجَعَتِ الغَنَمُ إلى سَيِّدِها، فَعَلِمَ اليَهُودِيُّ أنَّ غُلامَهُ قَدْ أسْلَم، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ فَوَعَظَهم وحَضَّهم عَلى الجِهادِ، فَلَمّا التَقى المُسْلِمُونَ واليَهُودُ قُتِلَ فِيمَن قُتِلَ العَبْدُ الأسْوَدُ، فاحْتَمَلَهُ المُسْلِمُونَ إلى مُعَسْكَرِهِمْ، فَأُدْخِلَ في الفُسْطاطِ، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اطَّلَعَ في الفُسْطاطِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ وقالَ: لَقَدْ أكْرَمَ اللَّهُ هَذا العَبْدَ وساقَهُ إلى خَيْرٍ، ولَقَدْ رَأيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الحُورِ العِينِ، ولَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ سَجْدَةً قَطُّ». قالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: عَنْ ثابت، عَنْ أنس: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَجُلٌ أسْوَدُ اللَّوْنِ، قَبِيحُ الوَجْهِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، لا مالَ لِي، فَإنْ قاتَلْتُ هَؤُلاءِ حَتّى أُقْتَلَ أأدْخُلُ الجَنَّةَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَأتى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وهو مَقْتُولٌ فَقالَ: لَقَدْ أحْسَنَ اللَّهُ وجْهَكَ، وطَيَّبَ رِيحَكَ، وكَثَّرَ مالَكَ. ثُمَّ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُ زَوْجَتَيْهِ مِنَ الحُورِ العِينِ يَنْزِعانِ جُبَّتَهُ عَنْهُ يَدْخُلانِ فِيما بَيْنَ جِلْدِهِ وجُبَّتِهِ». وَقالَ شداد بن الهاد: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ الأعْرابِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ، فَقالَ: أُهاجِرُ مَعَكَ. فَأوْصى بِهِ بَعْضَ أصْحابِهِ، فَلَمّا كانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَقَسَمَهُ، وقَسَمَ لِلْأعْرابِيِّ، فَأعْطى أصْحابَهُ ما قَسَمَهُ لَهُ، وكانَ يَرْعى ظَهْرَهُمْ، فَلَمّا جاءَ دَفَعُوهُ إلَيْهِ فَقالَ: ما هَذا؟ قالُوا: قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَأخَذَهُ فَجاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ما هَذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قَسْمٌ قَسَمْتُهُ لَكَ. قالَ: ما عَلى هَذا اتَّبَعْتُكَ، ولَكِنِ اتَّبَعْتُكَ عَلى أنْ أُرْمى هاهُنا - وأشارَ إلى حَلْقِهِ - بِسَهْمٍ، فَأمُوتَ فَأدْخُلَ الجَنَّةَ. فَقالَ: إنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ. ثُمَّ نَهَضَ إلى قِتالِ العَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مَقْتُولٌ، فَقالَ: أهْوَ هُوَ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ. فَكَفَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ في جُبَّتِهِ ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلّى عَلَيْهِ، وكانَ مِن دُعائِهِ لَهُ: اللَّهُمَّ هَذا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهاجِرًا في سَبِيلِكَ قُتِلَ شَهِيدًا وأنا عَلَيْهِ شَهِيدٌ». قالَ الواقِدِيُّ «وَتَحَوَّلَتِ اليَهُودُ إلى قَلْعَةِ الزبير - حِصْنٍ مَنِيعٍ في رَأْسِ قُلَّةٍ - فَأقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ: عَزالٌ فَقالَ: يا أبا القاسِمِ، إنَّكَ لَوْ أقَمْتَ شَهْرًا ما بالَوْا، إنَّ لَهم شَرابًا وعُيُونًا تَحْتَ الأرْضِ يَخْرُجُونَ بِاللَّيْلِ فَيَشْرَبُونَ مِنها ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَلْعَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنكَ، فَإنْ قَطَعْتَ مَشْرَبَهم عَلَيْهِمْ أصْحَرُوا لَكَ. فَسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مائِهِمْ فَقَطَعَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا قُطِعَ عَلَيْهِمْ خَرَجُوا فَقاتَلُوا أشَدَّ القِتالِ، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَفَرٌ، وأُصِيبَ نَحْوُ العَشَرَةِ مِنَ اليَهُودِ، وافْتَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِ الكُتَيْبَةِ والوَطِيحِ والسُّلالِمِ حِصْنِ ابن أبي الحقيق، فَتَحَصَّنَ أهْلُهُ أشَدَّ التَّحَصُّنِ، وجاءَهم كُلُّ فَلٍّ كانَ انْهَزَمَ مِنَ النَّطاةِ والشِّقِّ، فَإنَّ خَيْبَرَ كانَتْ جانِبَيْنِ الأوَّلُ: الشِّقُّ والنَّطاةُ، وهو الَّذِي افْتَتَحَهُ أوَّلًا، والجانِبُ الثّانِي: الكُتَيْبَةُ والوَطِيحُ والسُّلالِمُ، فَجَعَلُوا لا يَخْرُجُونَ مِن حُصُونِهِمْ حَتّى هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْصِبَ عَلَيْهِمُ المَنجَنِيقَ، فَلَمّا أيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ وقَدْ حَصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصُّلْحَ، وأرْسَلَ ابن أبي الحقيق إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنْزِلُ فَأُكَلِّمُكَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " نَعَمْ "، فَنَزَلَ ابن أبي الحقيق فَصالَحَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى حَقْنِ دِماءِ مَن في حُصُونِهِمْ مِنَ المُقاتِلَةِ وتَرْكِ الذُّرِّيَّةِ لَهُمْ، ويَخْرُجُونَ مِن خَيْبَرَ وأرْضِها بِذَرارِيِّهِمْ، ويُخَلُّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ ما كانَ لَهم مِن مالٍ وأرْضٍ وعَلى الصَّفْراءِ والبَيْضاءِ والكُراعِ والحَلْقَةِ، إلّا ثَوْبًا عَلى ظَهْرِ إنْسانٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وبَرِئَتْ مِنكم ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رسوله إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا ". فَصالَحُوهُ عَلى ذَلِكَ». قالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ: أنْبَأنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قاتَلَ أهْلَ خَيْبَرَ حَتّى ألْجَأهم إلى قَصْرِهِمْ، فَغَلَبَ عَلى الزَّرْعِ والنَّخْلِ والأرْضِ، فَصالَحُوهُ عَلى أنْ يُجْلَوْا مِنها ولَهم ما حَمَلَتْ رِكابُهُمْ، ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّفْراءُ والبَيْضاءُ، واشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَكْتُمُوا ولا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإنْ فَعَلُوا فَلا ذِمَّةَ لَهم ولا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مالٌ وحُلِيٌّ لحيي بن أخطب، كانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إلى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمِّ حيي بن أخطب: ما فَعَلَ مَسْكُ حيي الَّذِي جاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ قالَ: أذْهَبَتْهُ النَّفَقاتُ والحُرُوبُ. فَقالَ: العَهْدُ قَرِيبٌ والمالُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ. فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى الزبير فَمَسَّهُ بِعَذابٍ، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ خَرِبَةً فَقالَ: قَدْ رَأيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ في خَرِبَةٍ ها هُنا. فَذَهَبُوا فَطافُوا فَوَجَدُوا المَسْكَ في الخَرِبَةِ، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَيْ أبِي الحُقَيْقِ، وأحَدُهُما زَوْجُ صفية بنت حيي بن أخطب، وسَبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهم وذَرارِيَّهم وقَسَمَ أمْوالَهم بِالنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وأرادَ أنْ يُجْلِيَهم مِنها فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، دَعْنا نَكُونُ في هَذِهِ الأرْضِ نُصْلِحُها ونَقُومُ عَلَيْها، فَنَحْنُ أعْلَمُ بِها مِنكم. وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا لِأصْحابِهِ غِلْمانٌ يَقُومُونَ عَلَيْها، وكانُوا لا يَفْرُغُونَ يَقُومُونَ عَلَيْها، فَأعْطاهم خَيْبَرَ عَلى أنَّ لَهُمُ الشَّطْرَ مِن كُلِّ زَرْعٍ وكُلِّ ثَمَرٍ ما بَدا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقِرَّهم. وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ كَما تَقَدَّمَ. ولَمْ يَقْتُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الصُّلْحِ إلّا ابْنَيْ أبِي الحُقَيْقِ لِلنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا؛ فَإنَّهم شَرَطُوا إنْ غَيَّبُوا أوْ كَتَمُوا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهم ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَغَيَّبُوا، فَقالَ لَهُمْ: أيْنَ المالُ الَّذِي خَرَجْتُمْ بِهِ مِنَ المَدِينَةِ حِينَ أجْلَيْناكُمْ؟ قالُوا: ذَهَبَ. فَحَلَفُوا عَلى ذَلِكَ، فاعْتَرَفَ ابْنُ عَمِّ كِنانَةَ عَلَيْهِما بِالمالِ حِينَ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الزبير يُعَذِّبُهُ. فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِنانَةَ إلى محمد بن مسلمة فَقَتَلَهُ»، ويُقالُ: إنَّ كِنانَةَ هو كانَ قَتَلَ أخاهُ محمود بن مسلمة. «وَسَبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب وابْنَةَ عَمَّتِها، وكانَتْ صفية تَحْتَ كنانة بن أبي الحقيق، وكانَتْ عَرُوسًا حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِالدُّخُولِ، فَأمَرَ بلالا أنْ يَذْهَبَ بِها إلى رَحْلِهِ، فَمَرَّ بِها بلال وسْطَ القَتْلى، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: أذَهَبَتِ الرَّحْمَةُ مِنكَ يا بلال؟!) وَعَرَضَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الإسْلامَ فَأسْلَمَتْ، فاصْطَفاها لِنَفْسِهِ، وأعْتَقَها وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها، وبَنى بِها في الطَّرِيقِ، وأوْلَمَ عَلَيْها، ورَأى بِوَجْهِها خُضْرَةً فَقالَ: ما هَذا؟ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُرِيتُ قَبْلَ قُدُومِكَ عَلَيْنا كَأنَّ القَمَرَ زالَ مِن مَكانِهِ فَسَقَطَ في حِجْرِي، ولا واللَّهِ ما أذْكُرُ مِن شَأْنِكَ شَيْئًا، فَقَصَصْتُها عَلى زَوْجِي فَلَطَمَ وجْهِي وقالَ: تَمَنِّينَ هَذا المَلِكَ الَّذِي بِالمَدِينَةِ) وشَكَّ الصَّحابَةُ هَلِ اتَّخَذَها سُرِّيَّةً أوْ زَوْجَةً؟ فَقالُوا: انْظُرُوا إنْ حَجَبَها فَهي إحْدى نِسائِهِ، وإلّا فَهي مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمّا رَكِبَ (جَعَلَ ثَوْبَهُ الَّذِي ارْتَدى بِهِ عَلى ظَهْرِها ووَجْهِها، ثُمَّ شَدَّ طَرَفَهُ تَحْتَهُ، فَتَأخَّرُوا عَنْهُ في المَسِيرِ، وعَلِمُوا أنَّها إحْدى نِسائِهِ، ولَمّا قَدِمَ لِيَحْمِلَها عَلى الرَّحْلِ أجَلَّتْهُ أنْ تَضَعَ قَدَمَها عَلى فَخِذِهِ فَوَضَعَتْ رُكْبَتَها عَلى فَخِذِهِ ثُمَّ رَكِبَتْ. وَلَمّا بَنى بِها باتَ أبو أيوب لَيْلَتَهُ قائِمًا قَرِيبًا مِن قُبَّتِهِ، آخِذًا بِقائِمِ السَّيْفِ حَتّى أصْبَحَ، فَلَمّا رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ أبو أيوب حِينَ رَآهُ قَدْ خَرَجَ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما لَكَ يا أبا أيوب؟ فَقالَ لَهُ: أرِقْتُ لَيْلَتِي هَذِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا دَخَلْتَ بِهَذِهِ المَرْأةِ، ذَكَرْتُ أنَّكَ قَتَلْتَ أباها وأخاها وزَوْجَها وعامَّةَ عَشِيرَتِها، فَخِفْتُ أنْ تَغْتالَكَ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ لَهُ مَعْرُوفًا». [قِصَّةُ سَمِّ يَهُودِيَّةٍ النَّبِيَّ ﷺ] وَفِي هَذِهِ الغَزاةِ «سُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أهْدَتْ لَهُ زينب بنت الحارث اليَهُودِيَّةُ امْرَأةُ سلام بن مشكم شاةً مَشْوِيَّةً قَدْ سَمَّتْها، وسَألَتْ: أيُّ اللَّحْمِ أحَبُّ إلَيْهِ؟ فَقالُوا: الذِّراعُ. فَأكْثَرَتْ مِنَ السُّمِّ في الذِّراعِ، فَلَمّا انْتَهَشَ مِن ذِراعِها أخْبَرَهُ الذِّراعُ بِأنَّهُ مَسْمُومٌ، فَلَفَظَ الأُكْلَةَ ثُمَّ قالَ: " اجْمَعُوا لِي مَن ها هُنا مِنَ اليَهُودِ. فَجُمِعُوا لَهُ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي سائِلُكم عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ فِيهِ؟ قالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أبُوكُمْ؟ قالُوا: أبُونا فُلانٌ. قالَ: كَذَبْتُمْ، أبُوكم فُلانٌ. قالُوا: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ. قالَ: هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ؟ ". قالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ وإنْ كَذَبْناكَ عَرَفْتَ كَذِبَنا كَما عَرَفْتَهُ في أبِينا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أهْلُ النّارِ؟ فَقالُوا: نَكُونُ فِيها يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اخْسَئُوا فِيها، فَواللَّهِ لا نَخْلُفُكم فِيها أبَدًا. ثُمَّ قالَ: هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: أجَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشّاةِ سُمًّا؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ؟ قالُوا: أرَدْنا إنْ كُنْتَ كاذِبًا نَسْتَرِيحُ مِنكَ، وإنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ». «وَجِيءَ بِالمَرْأةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: أرَدْتُ قَتْلَكَ. فَقالَ: ما كانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَيَّ. قالُوا: ألا نَقْتُلُها؟ قالَ: لا. ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَها ولَمْ يُعاقِبْها»، واحْتَجَمَ عَلى الكاهِلِ، وأمَرَ مَن أكَلَ مِنها فاحْتَجَمَ، فَماتَ بَعْضُهُمْ، واخْتُلِفَ في قَتْلِ المَرْأةِ، فَقالَ الزُّهْرِيُّ: أسْلَمَتْ فَتَرَكَها، ذَكَرَهُ عبد الرزاق عَنْ معمر عَنْهُ، ثُمَّ قالَ معمر: والنّاسُ تَقُولُ: قَتَلَها النَّبِيُّ ﷺ. قالَ أبو داود: حَدَّثَنا وهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، قالَ: حَدَّثَنا خالد، عَنْ محمد بن عمرو، عَنْ أبي سلمة، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شاةً مَصْلِيَّةً. وذَكَرَ القِصَّةَ وقالَ: فَماتَ بِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَأرْسَلَ إلى اليَهُودِيَّةِ: ما حَمَلَكِ عَلى الَّذِي صَنَعْتِ؟ قالَ جابر: فَأمَرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُتِلَتْ» قُلْتُ: كِلاهُما مُرْسَلٌ، ورَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ محمد بن عمرو عَنْ أبي سلمة عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا، أنَّهُ قَتَلَها لَمّا ماتَ بِشْرُ بْنُ البَراءِ. وَقَدْ وُفِّقَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ بِأنَّهُ لَمْ يَقْتُلْها أوَّلًا، فَلَمّا ماتَ بشر قَتَلَها. وَقَدِ اخْتُلِفَ: هَلْ أكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنها أوْ لَمْ يَأْكُلْ؟ وأكْثَرُ الرِّواياتِ أنَّهُ أكَلَ مِنها وبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَ سِنِينَ حَتّى قالَ في وجَعِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: «ما زِلْتُ أجِدُ مِنَ الأُكْلَةِ الَّتِي أكَلْتُ مِنَ الشّاةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ الأبْهَرِ مِنِّي». قالَ الزُّهْرِيُّ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا. قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ وغَيْرُهُ: وكانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حِينَ سَمِعُوا بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى خَيْبَرَ تَراهُنٌ عَظِيمٌ، وتَبايُعٌ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: يَظْهَرُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، ومِنهم يَقُولُ: يَظْهَرُ الحَلِيفانِ ويَهُودُ خَيْبَرَ، وكانَ الحجاج بن علاط السلمي قَدْ أسْلَمَ وشَهِدَ فَتْحَ خَيْبَرَ، وكانَتْ تَحْتَهُ أم شيبة أخت بني عبد الدار بن قصي، وكانَ الحجاج مُكْثِرًا مِنَ المالِ، كانَتْ لَهُ مَعادِنُ بِأرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى خَيْبَرَ قالَ الحجاج بن علاط: إنَّ لِي ذَهَبًا عِنْدَ امْرَأتِي، وإنْ تَعْلَمْ هي وأهْلُها بِإسْلامِي فَلا مالَ لِي، فَأْذَنْ لِي فَلَأُسْرِعِ السَّيْرَ وأسْبِقِ الخَبَرَ، ولَأُخْبِرَنَّ أخْبارًا إذا قَدِمْتُ أدْرَأُ بِها عَنْ مالِي ونَفْسِي. فَأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا قَدِمَ مَكَّةَ قالَ لِامْرَأتِهِ: أخْفِي عَلَيَّ واجْمَعِي ما كانَ لِي عِنْدَكِ مِن مالٍ؛ فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أشْتَرِيَ مِن غَنائِمِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ؛ فَإنَّهم قَدِ اسْتُبِيحُوا وأُصِيبَتْ أمْوالُهُمْ، وإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أُسِرَ وتَفَرَّقَ عَنْهُ أصْحابُهُ، وإنَّ اليَهُودَ قَدْ أقْسَمُوا لَتَبْعَثَنَّ بِهِ إلى مَكَّةَ ثُمَّ لَتَقْتُلَنَّهُ بِقَتْلاهم بِالمَدِينَةِ، وفَشا ذَلِكَ بِمَكَّةَ، واشْتَدَّ عَلى المُسْلِمِينَ وبَلَغَ مِنهُمْ، وأظْهَرَ المُشْرِكُونَ الفَرَحَ والسُّرُورَ، فَبَلَغَ العباس عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَجَلَةُ النّاسِ، وجَلَبَتُهُمْ، وإظْهارُهُمُ السُّرُورَ، فَأرادَ أنْ يَقُومَ ويَخْرُجَ فانْخَزَلَ ظَهْرُهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى القِيامِ، فَدَعا ابْنًا لَهُ يُقالُ لَهُ: قُثَمُ، وكانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ العباس يَرْتَجِزُ ويَرْفَعُ صَوْتَهُ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِ أعْداءُ اللَّهِ: ؎حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثَم ∗∗∗ شَبِيهُ ذِي الأنْفِ الأشَمْ ؎نَبِيُّ رَبِّي ذِي النِّعَمْ ∗∗∗ بِرَغْمِ أنْفِ مَن رَغَمْ وَحُشِرَ إلى بابِ دارِهِ رِجالٌ كَثِيرُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، مِنهُمُ المُظْهِرُ لِلْفَرَحِ والسُّرُورِ، ومِنهُمُ الشّامِتُ المُغْرِي، ومِنهم مَن بِهِ مِثْلُ المَوْتِ مِنَ الحُزْنِ والبَلاءِ، فَلَمّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ رَجَزَ العباس وتَجَلُّدَهُ، طابَتْ نَفُوسُهُمْ، وظَنَّ المُشْرِكُونَ أنَّهُ قَدْ أتاهُ ما لَمْ يَأْتِهِمْ، ثُمَّ أرْسَلَ العباس غُلامًا لَهُ إلى الحجاج وقالَ لَهُ: اخْلُ بِهِ وقُلْ لَهُ: ويْلَكَ ما جِئْتَ بِهِ وما تَقُولُ؟ فالَّذِي وعَدَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا جِئْتَ بِهِ. فَلَمّا كَلَّمَهُ الغُلامُ قالَ لَهُ: اقْرَأْ عَلى أبي الفضل السلام، وقُلْ لَهُ: فَلْيَخْلُ بِي في بَعْضِ بُيُوتِهِ حَتّى آتِيَهُ؛ فَإنَّ الخَبَرَ عَلى ما يَسُرُّهُ. فَلَمّا بَلَغَ العَبْدُ بابَ الدّارِ قالَ: أبْشِرْ يا أبا الفضل. فَوَثَبَ العباس فَرَحًا كَأنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ بَلاءٌ قَطُّ حَتّى جاءَهُ وقَبَّلَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأخْبَرَهُ بِقَوْلِ الحجاج فَأعْتَقَهُ، ثُمَّ قالَ: أخْبِرْنِي. قالَ: يَقُولُ لَكَ الحجاج: اخْلُ بِهِ في بَعْضِ بُيُوتِكَ حَتّى يَأْتِيَكَ ظُهْرًا. فَلَمّا جاءَهُ الحجاج وخَلا بِهِ أخَذَ عَلَيْهِ لَتَكْتُمَنَّ خَبَرِي، فَوافَقَهُ عباس عَلى ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ الحجاج: جِئْتُ وقَدِ افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ وغَنِمَ أمْوالَهُمْ، وجَرَتْ فِيها سِهامُ اللَّهِ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ اصْطَفى صفية بنت حيي لِنَفْسِهِ وأعْرَسَ بِها، ولَكِنْ جِئْتُ لِمالِي أرَدْتُ أنْ أجْمَعَهُ وأذْهَبَ بِهِ، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ أقُولَ، فَأذِنَ لِي أنْ أقُولَ ما شِئْتُ، فَأخْفِ عَلَيَّ ثَلاثًا ثُمَّ اذْكُرْ ما شِئْتَ. قالَ: فَجَمَعَتْ لَهُ امْرَأتُهُ مَتاعَهُ، ثُمَّ انْشَمَرَ راجِعًا، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ثَلاثٍ أتى العباس امْرَأةَ الحجاج فَقالَ: ما فَعَلَ زَوْجُكِ؟ قالَتْ: ذَهَبَ، وقالَتْ: لا يَحْزُنْكَ اللَّهُ يا أبا الفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنا الَّذِي بَلَغَكَ. فَقالَ: أجَلْ، لا يَحْزُنُنِي اللَّهُ، ولَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللَّهِ إلّا ما أُحِبُّ، فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ خَيْبَرَ وجَرَتْ فِيها سِهامُ اللَّهِ، واصْطَفى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفية لِنَفْسِهِ، فَإنْ كانَ لَكِ في زَوْجِكِ حاجَةٌ فالحَقِي بِهِ. قالَتْ: أظُنُّكَ واللَّهِ صادِقًا. قالَ: فَإنِّي واللَّهِ صادِقٌ والأمْرُ عَلى ما أقُولُ لَكِ. قالَتْ: فَمَن أخْبَرَكَ بِهَذا؟ قالَ: الَّذِي أخْبَرَكِ بِما أخْبَرَكِ. ثُمَّ ذَهَبَ حَتى أتى مَجالِسَ قُرَيْشٍ، فَلَمّا رَأوْهُ قالُوا: هَذا واللَّهِ التَّجَلُّدُ يا أبا الفضل، ولا يُصِيبُكَ إلّا خَيْرٌ. قالَ: أجَلْ، لَمْ يُصِبْنِي إلّا خَيْرٌ، والحَمْدُ لِلَّهِ أخْبَرَنِي الحجاج بِكَذا وكَذا، وقَدْ سَألَنِي أنْ أكْتُمَ عَلَيْهِ ثَلاثًا لِحاجَةٍ، فَرَدَّ اللَّهُ ما كانَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن كَآبَةٍ وجَزَعٍ عَلى المُشْرِكِينَ، وخَرَجَ المُسْلِمُونَ مِن مَواضِعِهِمْ حَتّى دَخَلُوا عَلى العباس، فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَأشْرَقَتْ وُجُوهُ المُسْلِمِينَ.

الفتح 48:22

أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ لَوْ قاتَلُوا أوْلِياءَهُ، لَوَلّى الكُفّارُ الأدْبارَ غَيْرَ مَنصُورِينَ، وأنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في عِبادِهِ قَبْلَهُمْ، ولا تَبْدِيلَ لِسُنَّتِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قاتَلُوهم يَوْمَ أُحُدٍ وانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ ولَمْ يُوَلُّوا الأدْبارَ؟ قِيلَ: هَذا وعْدٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ مَذْكُورٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وهو الصَّبْرُ والتَّقْوى، وفاتَ هَذا الشَّرْطُ يَوْمَ أُحُدٍ بِفَشَلِهِمُ المُنافِي لِلصَّبْرِ، وتَنازُعِهِمْ وعِصْيانِهِمُ المُنافِي لِلتَّقْوى، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ، ولَمْ يَحْصُلِ الوَعْدُ لِانْتِفاءِ شَرْطِهِ.

الفتح 48:23

أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ لَوْ قاتَلُوا أوْلِياءَهُ، لَوَلّى الكُفّارُ الأدْبارَ غَيْرَ مَنصُورِينَ، وأنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في عِبادِهِ قَبْلَهُمْ، ولا تَبْدِيلَ لِسُنَّتِهِ. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قاتَلُوهم يَوْمَ أُحُدٍ وانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ ولَمْ يُوَلُّوا الأدْبارَ؟ قِيلَ: هَذا وعْدٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ مَذْكُورٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وهو الصَّبْرُ والتَّقْوى، وفاتَ هَذا الشَّرْطُ يَوْمَ أُحُدٍ بِفَشَلِهِمُ المُنافِي لِلصَّبْرِ، وتَنازُعِهِمْ وعِصْيانِهِمُ المُنافِي لِلتَّقْوى، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ، ولَمْ يَحْصُلِ الوَعْدُ لِانْتِفاءِ شَرْطِهِ.

الفتح 48:24

ثُمّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ هو الَّذِي كَفَّ أيْدِيَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ؛ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي مِنها: أنَّهُ كانَ فِيهِمْ رِجالٌ ونِساءٌ قَدْ آمَنُوا وهم يَكْتُمُونَ إيمانَهُمْ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِمُ المُسْلِمُونَ، فَلَوْ سَلَّطَكم عَلَيْهِمْ لَأصَبْتُمْ أُولَئِكَ بِمَعَرَّةِ الجَيْشِ، وكانَ يُصِيبُكم مِنهم مَعَرَّةُ العُدْوانِ والإيقاعِ بِمَن لا يَسْتَحِقُّ الإيقاعَ بِهِ. وذَكَرَ سُبْحانَهُ حُصُولَ المَعَرَّةِ بِهِمْ مِن هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ المُسْتَخْفِينَ بِهِمْ؛ لِأنَّها مُوجَبُ المَعَرَّةِ الواقِعَةِ مِنهم بِهِمْ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ زايَلُوهم وتَمَيَّزُوا مِنهم لَعَذَّبَ أعْداءَهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا؛ إمّا بِالقَتْلِ والأسْرِ وإمّا بِغَيْرِهِ، ولَكِنْ دَفَعَ عَنْهم هَذا العَذابَ لِوُجُودِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ كَما كانَ يَدْفَعُ عَنْهم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ ورَسُولُهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ.

الفتح 48:25

ثُمّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ هو الَّذِي كَفَّ أيْدِيَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ؛ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي مِنها: أنَّهُ كانَ فِيهِمْ رِجالٌ ونِساءٌ قَدْ آمَنُوا وهم يَكْتُمُونَ إيمانَهُمْ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِمُ المُسْلِمُونَ، فَلَوْ سَلَّطَكم عَلَيْهِمْ لَأصَبْتُمْ أُولَئِكَ بِمَعَرَّةِ الجَيْشِ، وكانَ يُصِيبُكم مِنهم مَعَرَّةُ العُدْوانِ والإيقاعِ بِمَن لا يَسْتَحِقُّ الإيقاعَ بِهِ. وذَكَرَ سُبْحانَهُ حُصُولَ المَعَرَّةِ بِهِمْ مِن هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ المُسْتَخْفِينَ بِهِمْ؛ لِأنَّها مُوجَبُ المَعَرَّةِ الواقِعَةِ مِنهم بِهِمْ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ زايَلُوهم وتَمَيَّزُوا مِنهم لَعَذَّبَ أعْداءَهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا؛ إمّا بِالقَتْلِ والأسْرِ وإمّا بِغَيْرِهِ، ولَكِنْ دَفَعَ عَنْهم هَذا العَذابَ لِوُجُودِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ كَما كانَ يَدْفَعُ عَنْهم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ ورَسُولُهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ.

الفتح 48:26

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمّا جَعَلَهُ الكُفّارُ في قُلُوبِهِمْ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي مَصْدَرُها الجَهْلُ والظُّلْمُ الَّتِي لِأجْلِها صَدُّوا رَسُولَهُ وعِبادَهُ عَنْ بَيْتِهِ، ولَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولَمْ يُقِرُّوا لِمُحَمَّدٍ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ صِدْقَهُ وتَيَقُّنِهِمْ صِحَّةَ رِسالَتِهِ بِالبَراهِينِ الَّتِي شاهَدُوها وسَمِعُوا بِها في مُدَّةِ عِشْرِينَ سَنَةً، وأضافَ هَذا الجَعْلَ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ كَما يُضافُ إلَيْهِمْ سائِرُ أفْعالِهِمُ الَّتِي هي بِقُدْرَتِهِمْ وإرادَتِهِمْ. ثُمَّ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ أنْزَلَ في قَلْبِ رَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ مِنَ السَّكِينَةِ ما هو مُقابِلٌ لِما في قُلُوبِ أعْدائِهِ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، فَكانَتِ السَّكِينَةُ حَظَّ رَسُولِهِ وحِزْبِهِ، وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ حَظَّ المُشْرِكِينَ وجُنْدِهِمْ، ثُمَّ ألْزَمَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ كَلِمَةَ التَّقْوى، وهي جِنْسٌ يَعُمُّ كُلَّ كَلِمَةٍ يُتَّقى اللَّهُ بِها، وأعْلى نَوْعِها كَلِمَةُ الإخْلاصِ، وقَدْ فُسِّرَتْ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهي الكَلِمَةُ الَّتِي أبَتْ قُرَيْشٌ أنْ تَلْتَزِمَها، فَألْزَمَها اللَّهُ أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ، وإنَّما حَرَمَها أعْداءَهُ صِيانَةً لَها عَنْ غَيْرِ كُفْئِها، وألْزَمَها مَن هو أحَقُّ بِها وأهْلُها، فَوَضَعَها في مَوْضِعَها ولَمْ يُضَيِّعْها بِوَضْعِها في غَيْرِ أهْلِها، وهو العَلِيمُ بِمَحالِّ تَخْصِيصِهِ ومَواضِعِهِ. [فصل: الفرق بين الحمية والجفاء] وكذا الفرق بين الحمية والجفاء فالحمية فطام النفس عن رضاع اللوم من ثدي هو مصب الخبائث والرذائل والدنايا ولو غزر لبنه وتهالك الناس عليه فإن لهم فطاما تنقطع معه الأكباد حسرات فلا بد من الفطام فإن شئت عجل وأنت محمود مشكور. وإن شئت أخر وأنت غير مأجور. بخلاف الجفاء فإن غلظة في النفس وقساوة في القلب وكثافة في الطبع يتولد عنها خلق يسمى الجفاء. (فصل) وكلمة التقوى هي الكلمة التي يتقى الله بها وأعلى أنواع هذه الكلمة هي قول (لا إله إلا الله) ثم كل كلمة يتقى الله بها بعدها فهي من كلمة التقوى. وقد أخبر سبحانه أنه ألزمها عبادة المؤمنين فجعلها لازمة لهم لا ينفكون عنها، فبإلزامه التزموها، ولولا إلزامه لهم إياها لما التزموها، والتزامها فعل اختياري تابع لإرادتهم واختيارهم فهو الملزم وهم الملتزمون. قوله تعالى: ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها﴾ (قاعِدَة) لشهادة أن لا إلَه إلّا الله عند المَوْت تَأْثِير عَظِيم في تَكْفِير السَّيِّئات وإحباطها لِأنَّها شَهادَة من عبد موقن بها عارِف بمضمونها قد ماتَت مِنهُ الشَّهَوات ولانت نَفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها واستعصائها، وأقْبَلت بعد إعراضها وذلت بعد عزها وخرج مِنها حرصا على الدُّنْيا وفضولها واستخذت بَين يَدي رَبها وفاطرها ومولاها الحق أذلّ ما كانَت لَهُ وأرجى ما كانَت لعفوه ومغفرته ورَحمته وتجرد مِنها التَّوْحِيد بِانْقِطاع أسباب الشّرك وتحقّق بُطْلانه فَزالَتْ مِنها تِلْكَ المنازعات الَّتِي كانَت مَشْغُولَة بها واجْتمعَ همها على من أيقنت بالقدوم عَلَيْهِ والمصير إلَيْهِ فَوجه العَبْد وجهه بكليته إلَيْهِ وأقْبل بِقَلْبِه وروحه وهمه عَلَيْهِ فاستسلم وحده ظاهرا وباطنا واستوى سره وعلانيته فَقالَ لا إلَه إلّا الله مخلصا من قلبه وقد تخلص قلبه من التَّعَلُّق بِغَيْرِهِ والالتفات إلى ما سواهُ قد خرجت الدُّنْيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه وخمدت نيران شَهْوَته وامتلأ قلبه من الآخِرَة فَصارَت نصب عَيْنَيْهِ وصارَت الدُّنْيا وراء ظَهره فَكانَت تِلْكَ الشَّهادَة الخالِصَة خاتِمَة عمله فطهّرته من ذنُوبه وأدخلته على ربه لِأنَّهُ لَقِي ربه بِشَهادَة صادِقَة خالِصَة وافق ظاهرها باطِنها وسرها علانيتها فَلَو حصلت لَهُ الشَّهادَة على هَذا الوَجْه في أيّام الصِّحَّة لاستوحش من الدُّنْيا وأهْلها وفر إلى الله من النّاس وأنس بِهِ دون ما سواهُ لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحَياة وأسبابها ونَفس مَمْلُوءَة بِطَلَب الحظوظ والالتفات إلى غير الله فَلَو تجردت كتجردها عند المَوْت لَكانَ لَها نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي والله المُسْتَعان.

الفتح 48:27

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ صَدَقَ رَسُولَهُ رُؤْياهُ في دُخُولِهِمُ المَسْجِدَ آمِنِينَ، وأنَّهُ سَيَكُونُ ولا بُدَّ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ آنَ وقْتُ ذَلِكَ في هَذا العامِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِن مَصْلَحَةِ تَأْخِيرِهِ إلى وقْتِهِ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ، فَأنْتُمْ أحْبَبْتُمُ اسْتِعْجالَ ذَلِكَ، والرَّبُّ تَعالى يَعْلَمُ مِن مَصْلَحَةِ التَّأْخِيرِ وحِكْمَتِهِ ما لَمْ تَعْلَمُوهُ، فَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا تَوْطِئَةً لَهُ وتَمْهِيدًا. (فصل) ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن حَدِيثِ محمد بن عبد الله بن زيد، أنَّ أباهُ حَدَّثَهُ أنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ المَنحَرِ، ورَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ، وهو يَقْسِمُ أضاحِيَ فَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، ولا صاحِبَهُ فَحَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ في ثَوْبِهِ، فَأعْطاهُ فَقَسَمَ مِنهُ عَلى رِجالٍ، وقَلَّمَ أظْفارَهُ فَأعْطاهُ صاحِبَهُ، قالَ: فَإنَّهُ عِنْدَنا مَخْضُوبٌ بِالحِنّاءِ والكَتَمِ يَعْنِي شَعْرَهُ. وَدَعا لِلْمُحَلِّقِينَ بِالمَغْفِرَةِ ثَلاثًا، ولِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً، وحَلَقَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ، بَلْ أكْثَرُهم وقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، وهَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَمَعَ قَوْلِ عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإحْرامِهِ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ ولِإحْلالِهِ قَبْلَ أنْ يَحِلَّ»، دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَلْقَ نُسُكٌ ولَيْسَ بِإطْلاقٍ مِن مَحْظُورٍ. (فائدة) وكان أبو بكر الصديق أفهم الأمة لكلام الله ورسوله، ولهذا لما أشكل على عمر مع قوة فهمه قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. وقول النبي ﷺ للصحابة: "إنكم تأتونه وتطوفون به" فأورده عليه عام الحديبية فقال له الصديق: أقال لك إنك تأتيه العام؟ قال لا. قال فإنك آتيه ومطوف به. فأجابه بجواب النبي ﷺ. وأشكل عليه قتال الصديق لمانعي الزكاة وقد قال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فقال ألم يقل "إلا بحقها"؟ فإيتاء الزكاة من حقها. ولما أخبرهم النبي ﷺ: "إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله" بكى أبو بكر وقال نفديك بأبنائنا وأمهاتنا فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر أعلم الأمة به. (فصل) قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ بين سبحانه حكمة ما كرهوه عام الحديبية من صد المشركين لهم حتى رجعوا ولم يعتمروا وبين لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا فحصل في العام القابل وقال سبحانه: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو صلح الحديبية وهو أول الفتح المذكور في قوله: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فإن بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا والنصر وظهور الإسلام وبطلان الكفر ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك ودخل الناس بعضهم في بعض وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة لا يخافون ودخل في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه إلى ذلك الوقت وظهر لكل أحد بغي المشركين وعداوتهم وعنادهم وعلم الخاص والعام أن محمدا وأصحابه أولى الحق والهدى وأن أعداءهم ليس بأيديهم إلا العدوان والعناد فإن البيت الحرام لم يصد عنه حاج ولا معتمر من زمن إبراهيم فتحققت العرب عناد قريش وعداوتهم وكان ذلك داعية لبشر كثير إلى الإسلام وزاد عناد القوم وطغيانهم وذلك من أكبر العون على نفوسهم وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم لحكم الله وطاعة رسوله وذلك من أعظم أسباب نصرهم إلى غير ذلك من الأمور التي علمها الله ولم يعلمها الصحابة ولهذا سماه فتحا وسئل النبي ﷺ أفتح هو؟ قال: "نعم". (فائدة) الفعل الواقع بعد حرف الشرط تارة يكون القصد إليه والاعتماد عليه، فيكون هو مطلوب المعلق، وجعل الجزاء باعثا ووسيلة إلى تحصيله. وفي هذا الموضع يتأكد أو يتعين الإتيان فيه بلفظ المضارع الدال على أن المقصود منه أن يأتي به فيوقعه، وظهور القصد المعنوي إليه أوجب تأثير العمل اللفظي فيه ليطابق المعنى اللفظ، فيجتمع التأثيران اللفظي والمعنوي. والذي يدل على هذا أنهم قلبوا لفظ الفعل الماضي إلى المستقبل في الشرط لهذا المعنى حتى يظهر تأثير الشرط فيه واقتضاؤه له. وإذا كان الكلام معتمدا على الجزاء والقصد إليه والشرط جعل تابعا ووسيلة إليه كان الإتيان فيه بلفظ: الماضي حسنا أو أحسن من المستقبل فزن بهذه القاعدة ما يرد عليك من هذا الباب. فمنه قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ انظر كيف جعل فعل الشرط ماضيا والجزاء مستقبلا، لأن القصد كان إلى دخولهم المسجد الحرام وعنايتهم كلها مصروفة وهممهم معلقة به، دون وقوع الأفعال بمشيئة الله تعالى، فإنهم لم يكونوا يشكون في ذلك ولا يرتابون. وأكد هذا المعنى تقديم الجزاء على الشرط، وهو إما نفس الجزاء على أصح القولين دليلا كما تقدم تقريره. وإما دال على الجزاء وهو محذوف مقدر تأخيره وعلى القولين فتقدم الجزاء أو تقديم ما يدل عليه اعتناء بأمره، وتجريدا للقصد إليه. ويدل عليه أيضا تأكيده باللام المؤذنة بالقسم المضمر كأنه قيل: والله لتدخلن المسجد الحرام. فهذا كله يدلك على أنه هو المقصود المعنى به.

الفتح 48:28

ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّهُ هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، فَقَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ لِهَذا الأمْرِ بِالتَّمامِ والإظْهارِ عَلى جَمِيعِ أدْيانِ أهْلِ الأرْضِ، فَفي هَذا تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وبِشارَةٌ لَهم وتَثْبِيتٌ، وأنْ يَكُونُوا عَلى ثِقَةٍ مِن هَذا الوَعْدِ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يُنْجِزَهُ، فَلا تَظُنُّوا أنَّ ما وقَعَ مِنَ الإغْماضِ والقَهْرِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ نُصْرَةً لِعَدُوِّهِ، ولا تَخَلِّيًا عَنْ رَسُولِهِ ودِينِهِ، كَيْفَ وقَدْ أرْسَلَهُ بِدِينِهِ الحَقِّ ووَعَدَهُ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى كُلِّ دِينٍ سِواهُ. (فائدة) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ فَيُظْهِرُهُ ظُهُورَيْنِ: ظُهُورًا بِالحُجَّةِ، والبَيانِ، والدَّلالَةِ، وظُهُورًا بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ والغَلَبَةِ، والتَّأْيِيدِ، حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى مُخالِفِيهِ، ويَكُونَ مْنُصُورًا.

الفتح 48:29

ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ وحِزْبَهُ الَّذِينَ اخْتارَهم لَهُ، ومَدَحَهم بِأحْسَنِ المَدْحِ، وذَكَرَ صِفاتِهِمْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَكانَ في هَذا أعْظَمُ البَراهِينِ عَلى صِدْقِ مَن جاءَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ، وأنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المَذْكُورُونَ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ المَشْهُورَةِ فِيهِمْ، لا كَما يَقُولُ الكُفّارُ عَنْهُمْ: إنَّهم مُتَغَلِّبُونَ طالِبُو مُلْكٍ ودُنْيا، ولِهَذا لَمّا رَآهم نَصارى الشّامِ وشاهَدُوا هَدْيَهم وسِيرَتَهم وعَدْلَهم وعِلْمَهم ورَحْمَتَهم وزُهْدَهم في الدُّنْيا ورَغْبَتَهم في الآخِرَةِ، قالُوا: ما الَّذِينَ صَحِبُوا المَسِيحَ بِأفْضَلَ مِن هَؤُلاءِ. وكانَ هَؤُلاءِ النَّصارى أعْرَفَ بِالصَّحابَةِ وفَضْلِهِمْ مِنَ الرّافِضَةِ أعْدائِهِمْ، والرّافِضَةُ تَصِفُهم بِضِدِّ ما وصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، و: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. (لطيفة) تَأمَّلْ كَيْفَ اشْتُقَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن وصْفِهِ اسْمانِ مُطابِقانِ لِمَعْناهُ، وهُما أحْمَدُ ومُحَمَّدٌ، فَهو لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ مُحَمَّدٌ، ولِشَرَفِها وفَضْلِها عَلى صِفاتِ غَيْرِهِ أحْمَدُ، فارْتَبَطَ الِاسْمُ بِالمُسَمّى ارْتِباطَ الرُّوحِ بِالجَسَدِ. (فائدة) قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ فَمُغايَظَةُ الكُفّارِ غايَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلرَّبِّ مَطْلُوبَةٌ لَهُ، فَمُوافَقَتُهُ فِيها مِن كَمالِ العُبُودِيَّةِ. (فصل: في معنى اسْم النَّبِي [محمد] ﷺ واشتقاقه) هَذا الاسم هو أشهر أسْمائِهِ ﷺ وهو اسْم مَنقُول من الحَمد، وهو في الأصْل اسْم مفعول من الحَمد وهو يتَضَمَّن الثَّناء على المَحْمُود ومحبته وإجلاله وتعظيمه هَذا هو حَقِيقَة الحَمد وبني على زنة مفعل مثل مُعظم ومحبب ومسود ومبجل ونظائرها لِأن هَذا البناء مَوْضُوع للتكثير فَإن اشتق مِنهُ اسْم فاعل فَمَعْناه من كثر صُدُور الفِعْل مِنهُ مرّة بعد مرّة كمعلم ومفهم ومبين ومخلص ومفرج ونَحْوها وإن اشتق مِنهُ اسْم مفعول فَمَعْناه من كثر تكَرر وُقُوع الفِعْل عَلَيْهِ مرّة بعد أُخْرى إمّا استحقاقًا أو وقوعًا فمحمد هو كثر حمد الحامدين لَهُ مرّة بعد أُخْرى أو الَّذِي يسْتَحق أن يحمد مرّة بعد أُخْرى وَيُقال حمد فَهو مُحَمَّد كَما يُقال علم فَهو معلم وهَذا علم وصفَة اجْتمع فِيهِ الأمْرانِ في حَقه ﷺ وإن كانَ علما مَحْضا في حق كثير مِمَّن تسمى بِهِ غَيره وَهَذا شَأْن أسماء الرب تَعالى وأسْماء كِتابه وأسْماء نبيه هي أعْلام دالَّة على معان هي بها أوْصاف فَلا تضاد فِيها العلمية الوَصْف بِخِلاف غَيرها من أسماء المخلوقين فَهو الله الخالِق البارئ المصور القهار فَهَذِهِ أسماء دالَّة على معان هي صِفاته وكَذَلِكَ القُرْآن والفرْقان والكتاب المُبين وغير ذَلِك من أسْمائِهِ وَكَذَلِكَ أسماء النَّبِي ﷺ مُحَمَّد وأحمد والماحي وفي حَدِيث جُبَير بن مطعم عَن النَّبِي ﷺ أنه قالَ إن لي أسماء أنا مُحَمَّد وأنا أحْمد وأنا الماحي الَّذِي يمحو الله بِي الكفْر. فَذكر رَسُول الله ﷺ هَذِه الأسْماء مُبينًا ما خصّه الله بِهِ من الفضل وأشارَ إلى مَعانِيها وإلّا فَلَو كانَت أعلامًا مَحْضَة لا معنى لَها لم تدل على مدح ولِهَذا قالَ حسان رَضِي الله عَنهُ ؎(وشق لَهُ من اسْمه ليجله ∗∗∗ فذو العَرْش مَحْمُود وهَذا مُحَمَّد) وَكَذَلِكَ أسماء الرب تَعالى كلها أسماء مدح ولَو كانَت ألفاظًا مُجَرّدَة لا مَعاني لَها لم تدل على المَدْح وقد وصفها الله سُبْحانَهُ بِأنَّها حسنى كلها فَقالَ ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يعْملُونَ﴾ [الأعراف: ١٨] فَهِيَ لم تكن حسنى لمُجَرّد اللَّفْظ بل لدلالتها على أوْصاف الكَمال ولِهَذا لما سمع بعض العَرَب قارِئًا يقْرَأ ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ الله﴾ والله غَفُور رَحِيم. قالَ لَيْسَ هَذا كَلام الله تَعالى فَقالَ القارئ أتكذب بِكَلام الله تَعالى فَقالَ لا ولَكِن لَيْسَ هَذا بِكَلام الله فَعاد إلى حفظه وقَرَأ ﴿والله عَزِيز حَكِيم﴾ فَقالَ الأعرابِي صدقت عز فَحكم فَقطع ولَو غفر ورحم لما قطع وَلِهَذا إذا ختمت آيَة الرَّحْمَة باسم عَذاب أو بِالعَكْسِ ظهر تنافر الكَلام وعدم انتظامه وفي السّنَن من حَدِيث أبي بن كَعْب قِراءَة القُرْآن على سَبْعَة أحرف ثمَّ قالَ لَيْسَ مِنهُنَّ إلّا شاف كاف إن قلت سميعًا عليمًا عَزِيزًا حكيمًا ما لم تختم آيَة عَذاب برحمة أو آيَة رَحْمَة بِعَذاب [[إسْناده صَحِيح]] وَلَو كانَت هَذِه الأسْماء أعلامًا مَحْضَة لا معنى لَها لم يكن فرق بَين ختم الآيَة بِهَذا أو بِهَذا وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُعلل أحْكامه وأفعاله بأسمائه ولَو لم يكن لَها معنى لما كانَ التَّعْلِيل صَحِيحا كَقَوْلِه تَعالى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] وَقَوله تَعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشهر فَإن فاؤوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وإنْ عَزَمُوا الطَّلاق فَإن الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦-٢٢٧] فختم حكم الفَيْء الَّذِي هو الرُّجُوع والعود إلى رضى الزَّوْجَة والإحْسان إلَيْها بِأنَّهُ غَفُور رَحِيم يعود على عَبده بمغفرته ورَحمته إذا رَجَعَ إلَيْهِ والجَزاء من جنس العَمَل فَكَما رَجَعَ إلى الَّتِي هي أحسن رَجَعَ الله إلَيْهِ بالمغفرة والرَّحْمَة ﴿وَإن عزموا الطَّلاق فَإن الله سميع عليم﴾ فَإن الطَّلاق لما كانَ لفظا يسمع ومعنى يقْصد عقبه باسم السَّمِيع للنطق بِهِ العَلِيم بمضمونه وَكَقَوْلِه تَعالى ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكم عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إلّا أنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ واعْلَمُوا أن الله يعلم ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ واعْلَمُوا أن الله غَفُور حَلِيمٌ﴾ فَلَمّا ذكر سُبْحانَهُ وتَعالى التَّعْرِيض بِخطْبَة المَرْأة الدّال على أن المعرض في قلبه رَغْبَة فِيها ومحبة لَها وأن ذَلِك يحملهُ على الكَلام الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إلى نِكاحها ورفع الجناح عَن التَّعْرِيض وانطواء القلب على ما فِيهِ من الميل والمحبة ونفي مواعدتهن سرا فَقيل هو النِّكاح والمعْنى لا تصرحوا لَهُنَّ بِالتَّزْوِيجِ إلّا أن تعرضوا تعريضًا وهو القَوْل المَعْرُوف وقيل هو أن يَتَزَوَّجها في عدتها سرا فَإذا انْقَضتْ العدة أظهر العقد ويدل على هَذا قَوْله ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكتاب أجله﴾ وهو انْقِضاء العدة ومن رجح القَوْل الأول قالَ دلّت الآيَة على إباحَة التَّعْرِيض بِنَفْي الجناح وتَحْرِيم التَّصْرِيح بِنَفْي المواعدة سرا وتَحْرِيم عقد النِّكاح قبل انْقِضاء العدة فَلَو كانَ معنى مواعدة السِّرّ هو إسرار العقد كانَ تَكْرارا ثمَّ عقب ذَلِك بقوله ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ أن تتعدوا ما حد لكم فَإنَّهُ مطلع على ما تسرون وما تعلنون ثمَّ قالَ ﴿واعْلَمُوا أن الله غَفُور حَلِيم﴾ لَوْلا مغفرته وحلمه لعنتم غايَة العَنَت فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مطلع عَلَيْكُم يعلم ما في قُلُوبكم ويعلم ما تَعْمَلُونَ فَإن وقَعْتُمْ في شَيْء مِمّا نهاكم عَنهُ فبادروا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفار فَإنَّهُ الغفور الحَلِيم وَهَذِه طَريقَة القُرْآن يقرن بَين أسماء الرَّجاء وأسْماء المخافة كَقَوْلِه تَعالى ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقالَ أهل الجنَّة ﴿الحَمد لله الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إن رَبنا لغَفُور شكور﴾ [سبأ: ٣٤] لما صارُوا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم قالُوا ﴿إن رَبنا لغَفُور شكور﴾ وَفِي هَذا معنى التَّعْلِيل أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته فَإنَّهُ غفر لنا السَّيِّئات وشكر لنا الحَسَنات وقالَ تَعالى ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧] فَهَذا جَزاء لشكرهم أي إن شكرتم ربكُم شكركم وهو عليم بشكركم لا يخفى عَلَيْهِ من شكره مِمَّن كفره والقُرْآن مَمْلُوء من هَذا والمَقْصُود التَّنْبِيه عَلَيْهِ وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يسْتَدلّ بأسمائه على توحيده ونفي الشّرك عَنهُ ولَو كانَت أسماء لا معنى لَها لم تدل على ذَلِك كَقَوْل هارُون لعبدة العجل ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] وَقَوله سُبْحانَهُ في القِصَّة ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] وَقَوله تَعالى ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وَقَوله سُبْحانَهُ في آخر سُورَة الحَشْر ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو عالم الغَيْب والشَّهادَة هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَه إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٢-٢٣] فسبح نزه نَفسه عَن شرك المُشْركين بِهِ عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المُقْتَضِيَة لتوحيده واستحالة إثْبات شريك لَهُ ومن تدبر هَذا المَعْنى في القُرْآن هَبَط بِهِ على رياض من العلم حماها الله عَن كل أفاك معرض عَن كتاب الله واقتباس الهدى مِنهُ ولَو لم يكن في كتابنا هَذا إلّا هَذا الفَصْل وحده لكفى من لَهُ ذوق ومَعْرِفَة والله المُوفق للصَّواب وَأيْضًا فَإن الله تَعالى يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمَجْرُور وغَيرهما ولَو كانَت أعلامًا مَحْضَة لم يَصح فِيها ذَلِك كَقَوْلِه ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ و ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم﴾ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عليما﴾ ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكَهْف ٤٥ (إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِير) ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِير﴾ ونظائره كَثِيرَة. وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَل أسماءه دَلِيلا على ما يُنكره الجاحدون من صِفات كَماله كَقَوْلِه تَعالى ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] وَقد اخْتلف النظار في هَذِه الأسْماء هَل هي متباينة نظرا إلى تباين مَعانِيها وأن كل اسْم يدل على غير ما يدل عَلَيْهِ الآخر أم هي مترادفة لِأنَّها تدل على ذات واحِدَة فمدلولها لا تعدد فِيهِ وهَذا شَأْن المترادفات والنزاع لَفْظِي في ذَلِك. والتَّحْقِيق أن يُقال هي مترادفة بِالنّظرِ إلى الذّات متباينة بِالنّظرِ إلى الصِّفات وكل اسْم مِنها يدل على الذّات الموصوفة بِتِلْكَ الصّفة بالمطابقة وعَلى أحدهما وحده بالتضمن وعَلى الصّفة الأُخْرى بالالتزام. (فصل) إذا ثَبت هَذا فتسميته ﷺ بِهَذا الِاسْم لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من مُسَمّاهُ وهو الحَمد فَإنَّهُ ﷺ مَحْمُود عند الله ومحمود عند مَلائكَته ومحمود عند إخوانه من المُرْسلين ومحمود عند أهل الأرْض كلهم وإن كفر بِهِ بَعضهم فَإن ما فِيهِ من صِفات الكَمال محمودة عند كل عاقل وإن كابر عقله جحُودًا أو عنادًا أو جهلا باتصافه بها ولَو علم اتصافه بها لحمده فَإنَّهُ يحمد من اتّصف بِصِفات الكَمال ويجهل وجودها فِيهِ فَهو في الحَقِيقَة حامِد لَهُ وهو ﷺ اخْتصَّ من مُسَمّى الحَمد بِما لم يجْتَمع لغيره فَإن اسْمه (مُحَمَّد) و(أحمد) وأمته الحَمّادُونَ يحْمَدُونَ الله على السَّرّاء والضَّرّاء، وصَلاة أمته مفتتحة بِالحَمْد وخطبته مفتتحة بِالحَمْد وكتابه مفتتح بِالحَمْد هَكَذا عند الله في اللَّوْح المَحْفُوظ أن خلفاءه وأصْحابه يَكْتُبُونَ المُصحف مفتتحًا بِالحَمْد وبِيَدِهِ ﷺ لِواء الحَمد يَوْم القِيامَة ولما يسْجد بَين يَدي ربه عز وجل للشفاعة ويُؤذن لَهُ فِيها يحمد ربه بِمَحامِد يفتحها عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وهو صاحب المقام المَحْمُود الَّذِي يغبطه بِهِ الأولونَ والآخرُونَ قالَ تَعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] على معنى المقام المَحْمُود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصَّحابَة والتّابِعِينَ فِيهِ في تَفْسِير هَذِه السُّورَة كتفسير ابْن أبي حاتِم وابْن جرير وعبد بن حميد وغَيرها من تفاسير السّلف. وَإذا قامَ في المقام حَمده حِينَئِذٍ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أوَّلهمْ وآخرهمْ، وهو مَحْمُود ﷺ بِما مَلأ الأرْض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعَمَل الصّالح وفتح بِهِ القُلُوب وكشف بِهِ الظلمَة عَن أهل الأرْض واستنقذهم من أسر الشَّيْطان ومن الشّرك بِالله والكفْر بِهِ والجهل بِهِ حَتّى نالَ بِهِ أتْباعه شرف الدُّنْيا والآخِرَة فَإن رسالَته وافت أهل الأرْض أحْوج ما كانُوا إلَيْها فَإنَّهُم كانُوا بَين عباد أوثان وعباد صلبان وعباد نيران وعباد الكَواكِب ومغضوب عَلَيْهِم قد باؤوا بغضب من الله وحيران لا يعرف رَبًّا يعبده ولا بِماذا يعبده والنّاس يَأْكُل بَعضهم بَعْضًا من اسْتحْسنَ شَيْئا دَعا إلَيْهِ وقاتل من خالفه ولَيْسَ في الأرْض مَوضِع قدم مشرق بِنور الرسالَة وقد نظر الله سُبْحانَهُ حِينَئِذٍ إلى أهل الأرْض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا على آثار من دين صَحِيح فأغاث الله بِهِ البِلاد والعباد وكشف بِهِ تِلْكَ الظُّلم وأحْيا بِهِ الخليقة بعد المَوْت فهدى بِهِ من الضَّلالَة وعلم بِهِ من الجَهالَة وكثر بعد القلَّة وأعز بِهِ بعد الذلة وأغنى بِهِ بعد العيلَة وفتح بِهِ أعينًا عميا وآذانًا صمًّا وقُلُوبًا غلفًا فَعرف النّاس رَبهم ومعبودهم غايَة ما يُمكن أن تناله قواهم من المعرفَة وأبدًا وأعاد واخْتصرَ وأطْنَبَ في ذكر أسْمائِهِ وصِفاته وأفعاله حَتّى تجلت مَعْرفَته سُبْحانَهُ في قُلُوب عباده المُؤمنِينَ وانجابت سحائب الشَّك والريب عَنْها كَما ينجاب السَّحاب عَن القَمَر لَيْلَة إبداره ولم يدع لأمته حاجَة في هَذا التَّعْرِيف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عَن كل من تكلم في هَذا الباب ﴿أولم يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] روى أبُو داوُد في مراسيله عَن النَّبِي ﷺ أنه رأى بيد بعض أصْحابه قِطْعَة من التَّوْراة فَقالَ كفى بِقوم ضَلالَة أن يتبعوا كتابا غير كِتابهمْ الَّذِي أنزل على نَبِيّهم فَأنْزل الله عز وجل تَصْدِيق ذَلِك ﴿أولم يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَهَذا حال من أخذ دينه عَن كتاب منزل على غير النَّبِي ﷺ فَكيف بِمن أخذه عَن عقل فلان وفُلان وقدمه على كَلام الله ورَسُوله. وعرفهم الطَّرِيق الموصل لَهُم إلى رَبهم ورضوانه ودار كرامته ولم يدع حسنا إلّا أمرهم بِهِ ولا قبيحًا إلّا نهى عَنهُ كَما قالَ ﷺ ما تركت من شَيْء يقربكم إلى الجنَّة إلّا وقد أمرتكُم بِهِ ولا من شَيْء يقربكم من النّار إلّا وقد نَهَيْتُكم عَنهُ قالَ أبُو ذَر رَضِي الله عَنهُ لقد توفّي رَسُول الله ﷺ وما طائِر يقلب جناحيه في السَّماء إلّا ذكرنا مِنهُ علما وعرفهم حالهم بعد القدوم على رَبهم أتم تَعْرِيف فكشف الأمر وأوضحه ولم يدع بابا من العلم النافع للعباد المقرب لَهُم إلى رَبهم إلّا فَتحه ولا مُشكلا إلّا بَينه وشَرحه حَتّى هدى الله بِهِ القُلُوب من ضلالها وشفاها بِهِ من أسقامها وأغاثها بِهِ من جهلها فَأي بشر أحَق بِأن يحمد مِنهُ ﷺ وجزاه عَن أمته أفضل الجَزاء وَأصَح القَوْلَيْنِ في قَوْله تَعالى ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أنه على عُمُومه وفِيه على هَذا التَّقْدِير وجْهان أحدهما أن عُمُوم العالمين حصل لَهُم النَّفْع برسالته أما أتْباعه فنالوا بِهِ كَرامَة الدُّنْيا والآخِرَة وأما أعداؤه فالمحاربون لَهُ عجل قَتلهمْ وموتهم خير لَهُم من حياتهم لِأن حياتهم زِيادَة لَهُم في تَغْلِيظ العَذاب عَلَيْهِم في الدّار الآخِرَة وهم قد كتب عَلَيْهِم الشَّقاء فتعجيل مَوْتهمْ خير لَهُم من طول أعمارهم في الكفْر وأما المعاهدون لَهُ فعاشوا في الدُّنْيا تَحت ظله وعَهده وذمته وهم أقل شرا بذلك العَهْد من المُحاربين لَهُ وَأما المُنافِقُونَ فَحصل لَهُم بِإظْهار الإيمان بِهِ حقن دِمائِهِمْ وأمْوالهمْ وأهلهم واحترامها وجريان أحْكام المُسلمين عَلَيْهِم في التَّوارُث وغَيره وأما الأُمَم النائية عَنهُ فَإن الله سُبْحانَهُ رفع برسالته العَذاب العام عَن أهل الأرْض فَأصاب كل العالمين النَّفْع برسالته الوَجْه الثّانِي أنه رَحْمَة لكل أحد لَكِن المُؤْمِنُونَ قبلوا هَذِه الرَّحْمَة فانتفعوا بها دنيا وأُخْرى والكفّار ردوها فَلم يخرج بذلك عَن أن يكون رَحْمَة لَهُم لَكِن لم يقبلوها كَما يُقال هَذا دَواء لهَذا المَرَض فَإذا لم يَسْتَعْمِلهُ المَرِيض لم يخرج عَن أن يكون دَواء لذَلِك المَرَض وَمِمّا يحمد عَلَيْهِ ﷺ ما جبله الله عَلَيْهِ من مَكارِم الأخْلاق [أول سورة القلم] وكرائم الشيم فَإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنَّها خير أخْلاق الخلق وأكْرم شمائل الخلق فَإنَّهُ ﷺ كانَ أعلم الخلق وأعظمهم أمانَة وأصدقهم حَدِيثا وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احْتِمالا وأعظمهم عفوا ومغفرة وكانَ لا يزِيدهُ شدَّة الجَهْل عَلَيْهِ إلّا حلمًا كَما روى البُخارِيّ في صَحِيحه عَن عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنْهُما أنه قالَ في صفة رَسُول الله ﷺ في التَّوْراة مُحَمَّد عَبدِي ورسولي سميته المتَوَكل لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة ولَكِن يعْفُو ويصفح ولنْ أقبضهُ حَتّى أقيم بِهِ الملَّة العوجاء بِأن يَقُولُوا لا إلَه إلّا الله وأفتح بِهِ أعينًا عميا وآذانًا صمًّا وقُلُوبًا غلفًا وأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لَهُم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وأحْسَنهمْ تعبيرًا عَن المعانِي الكَثِيرَة بالألفاظ الوجيزة الدّالَّة على المُراد وأصبرهم في مَواطِن الصَّبْر وأصدقهم في مَواطِن اللِّقاء وأوفاهم بالعهد والذمة وأعظمهم مُكافَأة على الجَمِيل بأضعافه وأشدهم تواضعًا وأعظمهم إيثارًا على نَفسه وأشد الخلق ذبًا عَن أصْحابه وحماية لَهُم ودفاعًا عَنْهُم وأقوم الخلق بِما يَأْمر بِهِ وأتركهم لما يُنْهِي عَنهُ وأوصل الخلق لرحمه فَهو أحَق بقول القائِل ؎(برد على الأدْنى ومرحمة ∗∗∗ وعَلى الأعادي مارن جلد) قالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ كانَ رَسُول الله ﷺ أجود النّاس صَدرا وأصدقهم لهجة وألينهم عَرِيكَة وأكْرمهمْ عشرَة من رَآهُ بديهة هابه ومن خالطه معرفَة أحبه يَقُول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ فَقَوله كانَ أجود النّاس صَدرا أرادَ بِهِ بر الصَّدْر وكَثْرَة خَيره وأن الخَيْر يتفجر مِنهُ تفجيرًا وأنه منطو على كل خلق جميل وكل خير كَما قالَ بعض أهل العلم لَيْسَ في الدُّنْيا كلها مَحل كانَ أكثر خيرا من صدر رَسُول الله ﷺ قد جمع الخَيْر بحذافيره وأودع في صَدره ﷺ وَقَوله أصدق النّاس لهجة هَذا مِمّا أقرّ لَهُ بِهِ أعداؤه المحاربون لَهُ ولم يجرب عَلَيْهِ أحد من أعدائه كذبة واحِدَة قطّ دع شَهادَة أوليائه كلهم لَهُ بِهِ فقد حاربه أهل الأرْض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب مِنهُم ولَيْسَ أحد مِنهُم يَوْمًا من الدَّهْر طعن فِيهِ بكذبة واحِدَة صَغِيرَة ولا كَبِيرَة قالَ المسور بن مخرمَة قلت لأبي جهل وكانَ خالِي يا خال هَل كُنْتُم تتهمون مُحَمَّدًا بِالكَذِبِ قبل أن يَقُول مقالَته فَقالَ والله يا ابْن أُخْتِي لقد كانَ مُحَمَّد وهو شاب يدعى فِينا الأمين فَلَمّا وخطه الشيب لم يكن ليكذب قلت يا خال فَلم لا تتبعونه فَقالَ يا ابْن أُخْتِي تنازعنا نَحن وبَنُو هاشم الشّرف فأطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا فَلَمّا تجاثينا على الركب وكُنّا كفرسي رهان قالُوا منا نَبِي فَمَتى نأتيهم بِهَذِهِ أو كَما قالَ وَقالَ تَعالى يسليه ويهون عَلَيْهِ قَول أعدائه ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٣-٣٤] وَقَوله ألينهم عَرِيكَة يَعْنِي سهل لين قريب من النّاس مُجيب لدَعْوَة من دَعاهُ قاض لحاجَة من استقضاه جابر لقلب من قَصده لا يحرمه ولا يردهُ خائبًا إذا أرادَ أصْحابه مِنهُ أمرا وافقهم عَلَيْهِ وتابعهم فِيهِ وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم وكانَ يقبل من محسنهم ويَعْفُو عَن مسيئهم وَقَوله أكْرمهم عشرَة يَعْنِي أنه لم يكن يعاشر جَلِيسا لَهُ إلّا أتم عشرَة وأحسنها وأكْرمها فَكانَ لا يعبس في وجهه ولا يغلظ لَهُ في مقاله ولا يطوي عَنهُ بشره ولا يمسك عَلَيْهِ فلتات لِسانه ولا يؤاخذه بِما يصدر مِنهُ من جفوة ونَحْوها بل يحسن إلى عشيره غايَة الإحْسان ويحْتَمل غايَة الِاحْتِمال فَكانَت عشرته لَهُم احْتِمال أذاهم وجفوتهم جملَة لا يُعاقب أحدا مِنهُم ولا يلومه ولا يباديه بِما يكره من خالطه يَقُول أنا أحب النّاس إلَيْهِ لما يرى من لطفه بِهِ وقربه مِنهُ وإقباله عَلَيْهِ واهتمامه بأمْره وتضحيته لَهُ وبذل إحسانه إلَيْهِ واحْتِمال جفوته فَأي عشرَة كانَت أو تكون أكْرم من هَذِه العشْرَة قالَ الحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ سَألت أبي عَن سيرة النَّبِي ﷺ في جُلَسائِهِ فَقالَ كانَ النَّبِي ﷺ دائِم البشر سهل الخلق لين الجانِب لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عَمّا لا يَشْتَهِي ولا يؤيس مِنهُ راجيه ولا يخيب فِيهِ قد ترك نَفسه من ثَلاث المراء والإكثار وترك ما لا يعنيه كانَ لا يذم أحدا ولا يعِيبهُ ولا يطْلب عَوْرَته ولا يتَكَلَّم إلّا فِيما رجا ثَوابه وإذا تكلم أطرق جُلَساؤُهُ كَأنَّما على رؤوسهم الطير فَإذا سكت تكلمُوا لا يتنازعون عِنْده الحَدِيث ومن تكلم عِنْده أنْصتُوا لَهُ حَتّى يفرغ حَدِيثهمْ عند حَدِيث أوَّلهمْ يضْحك مِمّا يَضْحَكُونَ مِنهُ ويتعجب مِمّا يتعجبون مِنهُ ويصبر للغريب على الجفوة في مَنطِقه ومسألته حَتّى إن كانَ أصْحابه ليستجلبونهم ويَقُول إذا رَأيْتُمْ طالب حاجَة يطْلبها فأرفدوه ولا يقبل الثَّناء إلّا من مكافئ ولا يقطع على أحد حَدِيثه حَتّى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام. وَقَوله من رَآهُ بديهة هابه ومن خالطه معرفَة أحبه وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدْق والإخْلاص وهما الإجلال والمحبة وكانَ قد ألْقى عَلَيْهِ هَيْبَة مِنهُ ومحبة فَكانَ كل من يراهُ يهابه ويجله ويملأ قلبه تَعْظِيمًا وإجلالًا وإن كانَ عدوا لَهُ فَإذا خالطه وعاشره كانَ أحب إلَيْهِ من كل مَخْلُوق فَهو المجل المُعظم المحبوب المكرم وهَذا كَمال المحبَّة أن تقرن بالتعظيم والهيبة فالمحبة بِلا هَيْبَة ولا تَعْظِيم ناقِصَة والهيبة والتعظيم من غير محبَّة كَما تكون للغادر الظّالِم نقص أيْضا والكمال أن تَجْتَمِع المحبَّة والود والتعظيم والإجلال وهَذا لا يُوجد إلّا إذا كانَ في المحبوب صِفات الكَمال الَّتِي يسْتَحق أن يعظم لأجلها ويُحب لأجلها وَلما كانَ الله سُبْحانَهُ وتَعالى أحَق بِهَذا من كل أحد كانَ المُسْتَحق لِأن يعظم ويكبر ويهاب ويُحب ويَوَد بِكُل جُزْء من أجزاء القلب ولا يَجْعَل لَهُ شريك في ذَلِك وهَذا هو الشّرك الَّذِي لا يغفره الله سُبْحانَهُ أن يُسَوِّي بَينه وبَين غَيره في هَذا الحبّ قالَ تَعالى ﴿وَمن النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] فَأخْبر أن من أحب شَيْئا غير الله مثل حبه لله كانَ قد اتَّخذهُ ندا وقالَ أهل النّار في النّار لمعبودهم ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧-٩٨] وَلم تكن تسويتهم بِالله في كَونهم خلقُوا السَّماوات والأرْض أو خلقوهم أو خلقُوا آباءَهُم وإنَّما سووهم بِرَبّ العالمين في الحبّ لَهُم كَما يحب الله فَإن حَقِيقَة العِبادَة هي الحبّ والذل وهَذا هو الإجلال والإكْرام الَّذِي وصف بِهِ نَفسه في قَوْله سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجلال والإكْرام﴾ [الرحمن: ٧٨] وَأصَح القَوْلَيْنِ في ذَلِك أن الجلال هو التَّعْظِيم والإكْرام هو الحبّ وهو سر قَول العَبْد لا إلَه إلّا الله والله أكبر ولِهَذا جاءَ في مُسْند الإمام أحْمد من حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أنه قالَ ألظُّوا بيا ذا الجلال والإكْرام [[حَدِيث صَحِيح]] أي الزموها والهجوا بها. وَفِي مُسْند أبي يعلى الموصِلِي عَن بعض الصَّحابَة أنه طلب أن يعرف اسْم الله الأعْظَم فَرَأى في مَنامه مَكْتُوبًا في السَّماء بالنجوم يا بديع السَّماوات والأرْض يا ذا الجلال والإكْرام وكل محبَّة وتعظيم للبشر فَإنَّما تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رَسُوله وتعظيمه فَإنَّها من تَمام محبَّة مرسله وتعظيمه فَإن أمته يحبونه لحب الله لَهُ ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله لَهُ فَهي محبَّة لله من مُوجبات محبَّة الله وكَذَلِكَ محبَّة أهل العلم والإيمان ومحبة الصَّحابَة رَضِي الله عَنْهُم وإجلالهم تابع لمحبة الله ورَسُوله لَهُم والمَقْصُود أن النَّبِي ﷺ ألْقى الله سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ مِنهُ المهابة والمحبة ولكُل مُؤمن مخلص حَظّ من ذَلِك قالَ الحسن البَصْرِيّ رَحمَه الله إن المُؤمن رزق حلاوة ومهابة يَعْنِي يحب ويهاب ويجل بِما ألبسهُ الله سُبْحانَهُ من ثوب الإيمان المُقْتَضِي لذَلِك ولِهَذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صَدره من رَسُول الله ﷺ في صدر الصَّحابَة رَضِي الله عَنْهُم قالَ عَمْرو بن العاصِ قبل إسْلامه أنه لم يكن شخص أبْغض إلَيّ مِنهُ فَلَمّا أسلم لم يكن شخص أحب إلَيْهِ مِنهُ ولا أجل في عينه مِنهُ قالَ ولَو سُئِلت أن أصفه لكم لما أطقت لِأنِّي لم أكن أملأ عَيْني مِنهُ إجلالًا لَهُ وَقالَ عُرْوَة بن مَسْعُود لقريش يا قوم والله لقد وفدت على كسْرى وقَيْصَر والملوك فَما رَأيْت ملكا يعظمه أصْحابه ما يعظم أصْحاب مُحَمَّد مُحَمَّدًا ﷺ والله ما يحدون النّظر إلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وما تنخم نخامة إلّا وقعت في كف رجل مِنهُم فيدلك بها وجهه وصدره وإذا تَوَضَّأ كادُوا يقتتلون على وضوئِهِ فَلَمّا كانَ رَسُول الله ﷺ مُشْتَمِلًا على ما يَقْتَضِي أن يحمد عَلَيْهِ مرّة بعد مرّة سمي مُحَمَّدًا وهو اسْم مُوافق لمسماه ولَفظ مُطابق لمعناه والفرق بَين لفظ أحْمد ومُحَمّد من وجْهَيْن: أحدهما أن مُحَمَّدًا هو المَحْمُود حمدًا بعد حمد فَهو دال على كَثْرَة حمد الحامدين لَهُ وذَلِكَ يسْتَلْزم كَثْرَة مُوجبات الحَمد فِيهِ وأحمد أفعل تَفْضِيل من الحَمد يدل على أن الحَمد الَّذِي يسْتَحقّهُ أفضل مِمّا يسْتَحقّهُ غَيره فمحمد زِيادَة حمد في الكمية وأحمد زِيادَة في الكَيْفِيَّة فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حَمده البشر والوَجْه الثّانِي أن مُحَمَّدًا هو المَحْمُود حمدًا متكررًا كَما تقدم وأحمد هو الَّذِي حَمده لرَبه أفضل من حمد الحامدين غَيره فَدلَّ أحد الاسمين وهو مُحَمَّد على كَونه مَحْمُودًا ودلّ الِاسْم الثّانِي وهو (أحْمد) على كَونه أحْمد الحامدين لرَبه وهَذا هو القياس فَإن أفعل التَّفْضِيل والتعجب عند جماعَة البَصرِيين لا يبنيان إلّا من فعل الفاعِل لا يبنيان من فعل المَفْعُول بِناء مِنهُم على أن أفعل التَّعَجُّب والتفضيل إنَّما يصاغان من الفِعْل اللّازِم لا من المُتَعَدِّي ولِهَذا يقدرُونَ نَقله من فعل وفعل إلى بِناء فعل بِضَم العين قالُوا والدَّلِيل على هَذا أنه يعدى بِالهَمْزَةِ إلى المَفْعُول فالهمزة الَّتِي فِيهِ للتعدية نَحْو ما أظرف زيدا وأكْرم عمرا وأصلهما ظرف وكرم قالُوا لِأن المتعجب مِنهُ فاعل في الأصْل فَوَجَبَ أن يكون فعله غير مُتَعَدٍّ قالُوا وأما قَوْلهم ما أضْرب زيدا لعَمْرو وفعله مُتَعَدٍّ في الأصْل قالُوا فَهو مَنقُول من ضرب إلى وزن فعل اللّازِم ثمَّ عدي من فعل بِهَمْزَة التَّعْدِيَة قالُوا والدَّلِيل على ذَلِك مجيئهم بِاللّامِ فَيَقُولُونَ ما أضْرب زيدا لعَمْرو ولَو كانَ باقِيا على تعديه لقيل ما أضْرب زيدا عمرا لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِد بِنَفسِهِ وإلى الآخر بِهَمْزَة التَّعْدِيَة فَلَمّا عدي إلى المَفْعُول بِهَمْزَة التَّعْدِيَة عدي إلى الآخر بِاللّامِ فَعلم أنه لازم فَهَذا هو الَّذِي أوجب لَهُم أن قالُوا لا يصاغ ذَلِك إلّا من فعل الفاعِل لا من الفِعْل الواقِع على المَفْعُول ونازعهم في ذَلِك آخَرُونَ وقالُوا يجوز بِناء فعل التَّعَجُّب والتفضيل من فعل الفاعِل ومن الواقِع على المَفْعُول تَقول العَرَب: ما أشغله بالشَّيْء وهَذا من شغل بِهِ على وزن سُئِلَ فالتعجب من المشغول بالشَّيْء لا من الشاغل وكَذا قَوْلهم ما أولعه بِكَذا من أولع بِهِ مَبْنِيّ للْمَفْعُول لِأن العَرَب التزمت بِناء هَذا الفِعْل للْمَفْعُول ولم تبنه للْفاعِل وكَذَلِكَ قَوْلهم ما أعجبه بِكَذا هو من أعجب بالشَّيْء وكَذا قَوْلهم ما أحبه إلَيّ هو تعجب من فعل المَفْعُول وكَذا قَوْلهم ما أبغضه إلَيّ وأمقته إلَيّ وَهنا مَسْألَة مَشْهُورَة ذكرها سِيبَوَيْهٍ وهِي أنَّك تَقول ما أبغضني لَهُ وما أحبَّنِي لَهُ وما أمقتني لَهُ إذا كنت أنْت المُبْغض الكاره والمحب الماقت فَيكون تَعَجبا من فعل الفاعِل وتقول ما أبغضني إلَيْهِ وما أمقتني إلَيْهِ وما أحبَّنِي إلَيْهِ إذا كنت أنْت المُبْغض الممقوت أو المحبوب فَيكون تَعَجبا من الفِعْل الواقِع على المَفْعُول فَما كانَ بِاللّامِ فَهو للْفاعِل وما كانَ بإلى فَهو للْمَفْعُول وكَذَلِكَ تَقول ما أحبه إلَيّ إذا كانَ هو المحبوب وما أبغضه إلَيّ إذا كانَ هو المُبْغض وأكْثر النُّحاة لا يعللون هَذا والَّذِي يُقال في علته والله أعلم أن اللّام تكون للْفاعِل في المَعْنى نَحْو قَوْلك لمن هَذا الفِعْل فَتَقول لزيد فتأتي بِاللّامِ وأما إلى فَتكون للْمَفْعُول في المَعْنى لِأنَّهُ يَقُول إلى من يصل هَذا الفِعْل فَتَقول إلى زيد وسر ذَلِك أن اللّام في الأصْل للْملك أو الِاخْتِصاص والاستحقاق والملك والاستحقاق إنَّما يسْتَحقّهُ الفاعِل الَّذِي يملك ويسْتَحق وإلى لانْتِهاء الغايَة والغاية مُنْتَهى ما يَقْتَضِيهِ الفِعْل فَهي بالمفعول أليق لِأنَّهُ تَمام مُقْتَضى الفِعْل ومن التَّعَجُّب من فعل المَفْعُول قَول كَعْب بن زُهَيْر في النَّبِي ﷺ ؎(فَلَهو أخوف عِنْدِي إذْ ُأكَلِّمهُ ∗∗∗ وقيل إنَّك مَحْبُوس ومقتول) ؎(من ضيغم من ضراء الأسد مخدره ∗∗∗ بِبَطن عثر غيل دونه غيل) فأخوف هُنا من خيف لا من خافَ وهو نَظِير أحْمد من مُحَمَّد كسئل لا من حمد كعلم وتقول ما أجنه من جن فَهو مَجْنُون قالَ البصريون هَذا كُله شاذ لا يعول عَلَيْهِ قالَ الآخرُونَ هَذا قد كثر في كَلامهم جدا وحمله على الشذوذ غير جائِز لِأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطرد كَلامهم وهَذا غير مُخالف لذَلِك قالُوا وأما تقديركم لُزُوم الفِعْل ونَقله إلى بِناء فعل المضموم فمما لا يساعد عَلَيْهِ دَلِيل وَأما ما تمسكتم بِهِ من التَّعْدِيَة بِالهَمْزَةِ فَلَيْسَ كَما ذكرْتُمْ والهمزة هُنا لَيست للتعدية وإنَّما هي للدلالة على معنى التَّعَجُّب والتفضيل كألف فاعل ومِيم مفعول وتاء الافتعال والمطاوعة ونَحْوها من الحُرُوف الَّتِي تلْحق الفِعْل الثلاثي لبَيان ما لحقه من الزِّيادَة على مُجَرّد مَدْلُوله فَهَذا هو السَّبَب الجالب لهَذِهِ الألف لا مُجَرّد تَعديَة الفِعْل قالُوا والَّذِي يدل على هَذا أن الفِعْل الَّذِي يعدى بِالهَمْزَةِ يجوز أن يعدى بِحرف الجَرّ وبالتضعيف تَقول أجلست زيدا وجلسته وجَلَست بِهِ وأقمته وقومته وقمت بِهِ وأنمته ونومته ونمت بِهِ ونظائر ذَلِك وهنا لا يقوم مقام الهمزَة غَيرها فَبَطل أن تكون للتعدية الثّانِي أنَّها تجامع باء التَّعْدِيَة فَتَقول أكْرم بِهِ وأحسن بِهِ والمعْنى ما أكْرمه وما أحْسنه والفِعْل لا تجمع عَلَيْهِ بَين معديين مَعًا الثّالِث أنهم يَقُولُونَ ما أعْطى زيدا للدراهم وما أكساه للثياب وهَذا من أعْطى وكسا المُتَعَدِّي ولا يَصح تَقْدِير نَقله إلى عطو إذا تناول ثمَّ أدخلت عَلَيْهِ همزَة التَّعْدِيَة كَما تَأوَّلَه بَعضهم لفساد المَعْنى فَإن التَّعَجُّب إنَّما وقع من إعْطائِهِ لا من عطوه وهو تناوله والهمزة فِيهِ همزَة التَّعَجُّب والتفضيل وحذفت همزته الَّتِي في فعله فَلا يَصح أن يُقال هي للتعدية قالُوا وأما قَوْلكُم إنَّه عدي بِاللّامِ في قَوْلهم ما أضربه لزيد ولَوْلا أنه لازم لما عدي بِاللّامِ فَهَذا لَيْسَ كَما ذكرْتُمْ من لُزُوم الفِعْل وإنَّما هو تَقْوِيَة لَهُ لما ضعف بِمَنعه من الصّرْف وألزم طَريقَة واحِدَة خرج عَن سنَن الأفْعال وضعف عَن مُقْتَضاهُ فقوي بِاللّامِ وهَذا كَما يقوى بِاللّامِ إذا تقدم معموله عَلَيْهِ وحصل لَهُ بتأخره نوع وهن جبروه بِاللّامِ كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تعبرون﴾ [يوسف: ٤٣] وكما يقوى بِاللّامِ إذا كانَ اسْم فاعل كَما تَقول أنا محب لَك ومكرم لزيد ونَحْوه فَلَمّا ضعف هَذا الفِعْل بِمَنعه من الصّرْف قوي بِاللّامِ هَذا المَذْهَب هو الرّاجِح كَما تراهُ. والله أعلم. فلنرجع إلى المَقْصُود وهو أنه ﷺ سمي (مُحَمَّدًا) و(أحمد) لِأنَّهُ يحمد أكثر مِمّا يحمد غَيره وأفضل مِمّا يحمد غَيره فالاسمان واقعان على المَفْعُول وهَذا هو المُخْتار وذَلِكَ أبلغ في مدحه وأتم معنى ولَو أُرِيد بِهِ معنى الفاعِل لسمي الحماد وهو كثير الحَمد كَما سمي مُحَمَّدًا وهو المَحْمُود كثيرا فَإنَّهُ ﷺ كانَ أكثر الخلق حمدًا لرَبه فَلَو كانَ اسْمه بِاعْتِبار الفاعِل لَكانَ الأولى أن يُسمى حمادًا كَما أن اسْم أمته الحَمّادُونَ وَأيْضًا فَإن الاسمين إنَّما اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة الَّتِي لأجلها اسْتحق أن يُسمى مُحَمَّدًا وأحمد فَهو الَّذِي يحمده أهل الدُّنْيا وأهل الآخِرَة ويَحْمَدهُ أهل السَّماء والأرْض فلكثرة خصائله المحمودة الَّتِي تفوت عد العادين سمي باسمين من أسماء الحَمد يقتضيان التَّفْضِيل والزِّيادَة في القدر والصّفة. والله أعلم.

الحجرات 49:1

أيْ لا تَقُولُوا حَتّى يَقُولَ، ولا تَأْمُرُوا حَتّى يَأْمُرَ، ولا تُفْتُوا حَتّى يُفْتِيَ، ولا تَقْطَعُوا أمْرًا حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَحْكُمُ فِيهِ ويَمْضِيهِ، رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: لا تَقُولُوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنْهُ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ. والقَوْلُ الجامِعُ في مَعْنى الآيَةِ لا تَعْجَلُوا بِقَوْلٍ ولا فِعْلٍ قَبْلَ أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ يَفْعَلَ. وَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] فَإذا كانَ رَفْعُ أصْواتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ سَبَبًا لِحُبُوطِ أعْمالِهِمْ فَكَيْف تَقْدِيمُ آرائِهِمْ وعُقُولِهِمْ وأذْواقِهِمْ وسِياساتِهِمْ ومَعارِفِهِمْ عَلى ما جاءَ بِهِ ورَفْعُها عَلَيْهِ؟ ألَيْسَ هَذا أوْلى أنْ يَكُونَ مُحْبِطًا لِأعْمالِهِمْ. (فصل) وَمِنَ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ: أنْ لا يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأمْرٍ ولا نَهْيٍ، ولا إذَنٍ ولا تَصَرُّفٍ. حَتّى يَأْمُرَ هُوَ، ويَنْهى ويَأْذَنَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وَهَذا باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُنْسَخْ. فالتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْ سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، كالتَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ في حَيّاتِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما عِنْدَ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ. قالَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا تَفْتاتُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: لا تُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبَيْنَ يَدَيِ الأبِ. أيْ لا تُعَجِّلُوا بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ. وَقالَ غَيْرُهُ: لا تَأْمُرُوا حَتّى يَأْمُرَ. ولا تَنْهُوا حَتّى يَنْهى. وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا تُرْفَعَ الأصْواتُ فَوْقَ صَوْتِهِ. فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحُبُوطِ الأعْمالِ فَما الظَّنُّ بِرَفْعِ الآراءِ، ونَتائِجِ الأفْكارِ عَلى سُنَّتِهِ وما جاءَ بِهِ؟ أتُرى ذَلِكَ مُوجِبًا لِقَبُولِ الأعْمالِ، ورَفْعُ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ مُوجِبٌ لِحُبُوطِها؟ (فصل) القلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله لله، فإن أحب أحَبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهي العقائد، وأقوال اللسان؛ وهي الخبر عما في القلب. وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح. فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدىِ اللهِ ورَسُولهِ﴾ [الحجرات: ١]. أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟ فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟ أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟ ومحل هذا السؤال: أنه، هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟ والثاني: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد، أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولى، أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما. فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص. وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع. فهذه حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة.

الحجرات 49:2

(فصل) قال أبو عمر: روى هشام بن عمار عن صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عطاء الخراساني قال: حدثتني ابنة ثابت ابن قيس بن شماس قالت، لما نزلت: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه، ففقده رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأرسل إليه يسأله ما خبره؟ قال: أنا رجل شديد الصوت أخاف أن يكون قد حبط عملي. قال: لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير. قال: ثم أنزل اللّه ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ فأغلق عليه بابه وطفق يبكي، ففقده رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأرسل إليه فأخبره، فقال: يا رسول اللّه: إني أحب الجمال، وأحب أن أسود قومي. فقال: «لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة».

الحجرات 49:4

[فَصْلٌ: في سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ إلى بَنِي تَمِيمٍ] ذِكْرُ سَرِيَّةِ عيينة بن حصن الفزاري إلى بَنِي تَمِيمٍ، وذَلِكَ في المُحَرَّمِ مِن هَذِهِ السَّنَةِ، بَعَثَهُ إلَيْهِمْ في سَرِيَّةٍ لِيَغْزُوَهم في خَمْسِينَ فارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ مُهاجِرِيٌّ ولا أنْصارِيٌّ، فَكانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ ويَكْمُنُ النَّهارَ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ في صَحْراءَ، وقَدْ سَرَّحُوا مَواشِيَهُمْ، فَلَمّا رَأوُا الجَمْعَ ولَّوْا، فَأخَذَ مِنهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وإحْدى وعِشْرِينَ امْرَأةً وثَلاثِينَ صَبِيًّا فَساقَهم إلى المَدِينَةِ فَأُنْزِلُوا في دارِ رملة بنت الحارث فَقَدِمَ فِيهِمْ عِدَّةٌ مِن رُؤَسائِهِمْ؛ عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورباح بن الحارث، فَلَمّا رَأوْا نِساءَهم وذَرارِيَّهم بَكَوْا إلَيْهِمْ فَعَجَّلُوا، فَجاءُوا إلى بابِ النَّبِيِّ ﷺ فَنادَوْا: يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأقامَ بلال الصَّلاةَ وتَعَلَّقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ، فَوَقَفَ مَعَهم ثُمَّ مَضى فَصَلّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ في صَحْنِ المَسْجِدِ فَقَدَّمُوا عطارد بن حاجب فَتَكَلَّمَ وخَطَبَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ فَأجابَهم وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ - ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤٥] فَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأسْرى والسَّبْيَ فَقامَ الزبرقان شاعِرُ بَنِي تَمِيمٍ فَأنْشَدَ مُفاخِرًا: ؎نَحْنُ الكِرامُ فَلا حَيٌّ يُعادِلُنا ∗∗∗ مِنّا المُلُوكُ وفِينا تُنْصَبُ البِيَعُ ؎وَكَمْ قَسَرْنا مِنَ الأحْياءِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ عِنْدَ النِّهابِ وفَضْلُ العِزِّ يُتَّبَعُ ؎وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ القَحْطِ مُطْعِمُنا ∗∗∗ مِنَ الشِّواءِ إذا لَمْ يُؤْنَسِ القَزَعُ ؎بِما تَرى النّاسَ تَأْتِينا سُراتُهُمُ ∗∗∗ مِن كُلِّ أرْضٍ هُوَيّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ ؎فَنَنْحَرُ الكَوْمَ عُبْطًا في أرُومَتِنا ∗∗∗ لِلنّازِلِينَ إذا ما أُنْزِلُوا شَبِعُوا ؎فَلا تَرانا إلى حَيٍّ نُفاخِرُهم ∗∗∗ إلّا اسْتَفادُوا فَكانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ ؎فَمَن يُفاخِرُنا في ذاكَ نَعْرِفُهُ ∗∗∗ فَيَرْجِعُ القَوْمُ والأخْبارُ تُسْتَمَعُ ... ؎إنّا أبَيْنا ولا يَأْبى لَنا أحَدٌ ∗∗∗ إنّا كَذَلِكَ عِنْدَ الفَخْرِ نَرْتَفِعُ فَقامَ شاعِرُ الإسْلامِ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ فَأجابَهُ عَلى البَدِيهَةِ ؎إنَّ الذَّوائِبَ مَن فِهْرٍ وإخْوَتِهِمْ ∗∗∗ قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنّاسِ تُتَّبَعُ ؎يَرْضى بِها كُلُّ مَن كانَتْ سَرِيرَتُهُ ∗∗∗ تَقْوى الإلَهَ وكُلُّ الخَيْرِ مُصْطَنَعُ ؎قَوْمٌ إذا حارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ∗∗∗ أوْ حاوَلُوا النَّفْعَ في أشْياعِهِمْ نَفَعُوا ؎سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ∗∗∗ إنَّ الخَلائِقَ فاعْلَمْ شَرُّها البِدَعُ ؎إنْ كانَ في النّاسِ سَبّاقُونَ بَعْدَهُمُ ∗∗∗ فَكُلُّ سَبْقٍ لِأدْنى سَبْقِهِمْ تَبَعُ ؎لا يَرْقَعُ النّاسُ ما أوْهَتْ أكُفُّهُمُ ∗∗∗ عِنْدَ الدِّفاعِ ولا يُوهُونَ ما رَقَعُوا ؎إنْ سابَقُوا النّاسَ يَوْمًا فازَ سَبْقُهُمُ ∗∗∗ أوْ وازَنُوا أهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدى مَتَعُوا ؎أعِفَّةٌ ذُكِرَتْ في الوَحْيِ عِفَّتُهم ∗∗∗ لا يَطْبَعُونَ ولا يُرْدِيهِمُ الطَّمَعُ ؎لا يَبْخَلُونَ عَلى جارٍ بِفَضْلِهِمُ ∗∗∗ ولا يَمَسُّهُمُ مِن مَطْمَعٍ طَبَعُ ؎إذا نَصَبْنا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهم ∗∗∗ كَما يَدِبُّ إلى الوَحْشِيَّةِ الذُّرُعُ ؎نَسْمُوا إذا الحَرْبُ نالَتْنا مَخالِبُها ∗∗∗ إذا الزَّعانِفُ مِن أظْفارِها خَشَعُوا ؎لا يَفْخَرُونَ إذا نالُوا عَدُوَّهُمُ ∗∗∗ وإنْ أُصِيبُوا فَلا جَوْرٌ ولا هَلَعُ ؎كَأنَّهم في الوَغى والمَوْتُ مُكْتَنِعٌ ∗∗∗ أُسْدٌ بِحِلْيَةَ في أرْساغِها فَدَعُ ؎خُذْ مِنهُمُ ما أتَوْا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ∗∗∗ ولا يَكُنْ هَمُّكَ الأمْرَ الَّذِي مَنَعُوا ؎فَإنَّ في حَرْبِهِمْ فاتْرُكْ عَداوَتَهم ∗∗∗ شَرًّا يُخاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ والسَّلَعُ ؎أكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهم ∗∗∗ إذا تَفاوَتَتِ الأهْواءُ والشِّيَعُ ؎أهْدى لَهم مِدْحَتِي قَلْبٌ يُوازِرُهُ ∗∗∗ فِيما أحَبَّ لِسانٌ حائِكٌ صَنَعُ ؎فَإنَّهم أفْضَلُ الأحْياءِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ إنْ جَدَّ بِالنّاسِ جِدُّ القَوْلِ أوْ شَمَعُوا فِلْمًا فَرَغَ حسان قالَ الأقرع بن حابس: إنَّ هَذا الرَّجُلَ لَمُؤَتّى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أخْطَبُ مِن خَطِيبِنا، ولَشاعِرُهُ أشْعَرُ مِن شاعِرِنا، ولَأصْواتُهم أعْلى مِن أصْواتِنا، ثُمَّ أسْلَمُوا فَأجازَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأحْسَنَ جَوائِزَهم.

الحجرات 49:5

[فَصْلٌ: في سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ إلى بَنِي تَمِيمٍ] ذِكْرُ سَرِيَّةِ عيينة بن حصن الفزاري إلى بَنِي تَمِيمٍ، وذَلِكَ في المُحَرَّمِ مِن هَذِهِ السَّنَةِ، بَعَثَهُ إلَيْهِمْ في سَرِيَّةٍ لِيَغْزُوَهم في خَمْسِينَ فارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ مُهاجِرِيٌّ ولا أنْصارِيٌّ، فَكانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ ويَكْمُنُ النَّهارَ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ في صَحْراءَ، وقَدْ سَرَّحُوا مَواشِيَهُمْ، فَلَمّا رَأوُا الجَمْعَ ولَّوْا، فَأخَذَ مِنهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وإحْدى وعِشْرِينَ امْرَأةً وثَلاثِينَ صَبِيًّا فَساقَهم إلى المَدِينَةِ فَأُنْزِلُوا في دارِ رملة بنت الحارث فَقَدِمَ فِيهِمْ عِدَّةٌ مِن رُؤَسائِهِمْ؛ عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورباح بن الحارث، فَلَمّا رَأوْا نِساءَهم وذَرارِيَّهم بَكَوْا إلَيْهِمْ فَعَجَّلُوا، فَجاءُوا إلى بابِ النَّبِيِّ ﷺ فَنادَوْا: يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأقامَ بلال الصَّلاةَ وتَعَلَّقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ، فَوَقَفَ مَعَهم ثُمَّ مَضى فَصَلّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ في صَحْنِ المَسْجِدِ فَقَدَّمُوا عطارد بن حاجب فَتَكَلَّمَ وخَطَبَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ فَأجابَهم وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ - ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤٥] فَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأسْرى والسَّبْيَ فَقامَ الزبرقان شاعِرُ بَنِي تَمِيمٍ فَأنْشَدَ مُفاخِرًا: ؎نَحْنُ الكِرامُ فَلا حَيٌّ يُعادِلُنا ∗∗∗ مِنّا المُلُوكُ وفِينا تُنْصَبُ البِيَعُ ؎وَكَمْ قَسَرْنا مِنَ الأحْياءِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ عِنْدَ النِّهابِ وفَضْلُ العِزِّ يُتَّبَعُ ؎وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ القَحْطِ مُطْعِمُنا ∗∗∗ مِنَ الشِّواءِ إذا لَمْ يُؤْنَسِ القَزَعُ ؎بِما تَرى النّاسَ تَأْتِينا سُراتُهُمُ ∗∗∗ مِن كُلِّ أرْضٍ هُوَيّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ ؎فَنَنْحَرُ الكَوْمَ عُبْطًا في أرُومَتِنا ∗∗∗ لِلنّازِلِينَ إذا ما أُنْزِلُوا شَبِعُوا ؎فَلا تَرانا إلى حَيٍّ نُفاخِرُهم ∗∗∗ إلّا اسْتَفادُوا فَكانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ ؎فَمَن يُفاخِرُنا في ذاكَ نَعْرِفُهُ ∗∗∗ فَيَرْجِعُ القَوْمُ والأخْبارُ تُسْتَمَعُ ... ؎إنّا أبَيْنا ولا يَأْبى لَنا أحَدٌ ∗∗∗ إنّا كَذَلِكَ عِنْدَ الفَخْرِ نَرْتَفِعُ فَقامَ شاعِرُ الإسْلامِ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ فَأجابَهُ عَلى البَدِيهَةِ ؎إنَّ الذَّوائِبَ مَن فِهْرٍ وإخْوَتِهِمْ ∗∗∗ قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنّاسِ تُتَّبَعُ ؎يَرْضى بِها كُلُّ مَن كانَتْ سَرِيرَتُهُ ∗∗∗ تَقْوى الإلَهَ وكُلُّ الخَيْرِ مُصْطَنَعُ ؎قَوْمٌ إذا حارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ∗∗∗ أوْ حاوَلُوا النَّفْعَ في أشْياعِهِمْ نَفَعُوا ؎سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ∗∗∗ إنَّ الخَلائِقَ فاعْلَمْ شَرُّها البِدَعُ ؎إنْ كانَ في النّاسِ سَبّاقُونَ بَعْدَهُمُ ∗∗∗ فَكُلُّ سَبْقٍ لِأدْنى سَبْقِهِمْ تَبَعُ ؎لا يَرْقَعُ النّاسُ ما أوْهَتْ أكُفُّهُمُ ∗∗∗ عِنْدَ الدِّفاعِ ولا يُوهُونَ ما رَقَعُوا ؎إنْ سابَقُوا النّاسَ يَوْمًا فازَ سَبْقُهُمُ ∗∗∗ أوْ وازَنُوا أهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدى مَتَعُوا ؎أعِفَّةٌ ذُكِرَتْ في الوَحْيِ عِفَّتُهم ∗∗∗ لا يَطْبَعُونَ ولا يُرْدِيهِمُ الطَّمَعُ ؎لا يَبْخَلُونَ عَلى جارٍ بِفَضْلِهِمُ ∗∗∗ ولا يَمَسُّهُمُ مِن مَطْمَعٍ طَبَعُ ؎إذا نَصَبْنا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهم ∗∗∗ كَما يَدِبُّ إلى الوَحْشِيَّةِ الذُّرُعُ ؎نَسْمُوا إذا الحَرْبُ نالَتْنا مَخالِبُها ∗∗∗ إذا الزَّعانِفُ مِن أظْفارِها خَشَعُوا ؎لا يَفْخَرُونَ إذا نالُوا عَدُوَّهُمُ ∗∗∗ وإنْ أُصِيبُوا فَلا جَوْرٌ ولا هَلَعُ ؎كَأنَّهم في الوَغى والمَوْتُ مُكْتَنِعٌ ∗∗∗ أُسْدٌ بِحِلْيَةَ في أرْساغِها فَدَعُ ؎خُذْ مِنهُمُ ما أتَوْا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ∗∗∗ ولا يَكُنْ هَمُّكَ الأمْرَ الَّذِي مَنَعُوا ؎فَإنَّ في حَرْبِهِمْ فاتْرُكْ عَداوَتَهم ∗∗∗ شَرًّا يُخاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ والسَّلَعُ ؎أكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهم ∗∗∗ إذا تَفاوَتَتِ الأهْواءُ والشِّيَعُ ؎أهْدى لَهم مِدْحَتِي قَلْبٌ يُوازِرُهُ ∗∗∗ فِيما أحَبَّ لِسانٌ حائِكٌ صَنَعُ ؎فَإنَّهم أفْضَلُ الأحْياءِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ إنْ جَدَّ بِالنّاسِ جِدُّ القَوْلِ أوْ شَمَعُوا فِلْمًا فَرَغَ حسان قالَ الأقرع بن حابس: إنَّ هَذا الرَّجُلَ لَمُؤَتّى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أخْطَبُ مِن خَطِيبِنا، ولَشاعِرُهُ أشْعَرُ مِن شاعِرِنا، ولَأصْواتُهم أعْلى مِن أصْواتِنا، ثُمَّ أسْلَمُوا فَأجازَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأحْسَنَ جَوائِزَهم.

الحجرات 49:6

«نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ لَمّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَنِي المُصْطَلَقِ بَعْدَ الوَقْعَةِ مُصَدِّقًا، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَداوَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا سَمِعَ القَوْمُ بِمَقْدِمِهِ تَلَقَّوْهُ، تَعْظِيمًا لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَدَّثَهُ الشَّيْطانُ أنَّهم يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَهابَهم فَرَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: إنَّ بَنِي المُصْطَلَقِ مَنَعُوا صَدَقاتِهِمْ، وأرادُوا قَتْلِي، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَمَّ أنْ يَغْزُوَهُمْ، فَبَلَغَ القَوْمَ رُجُوعُهُ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْنا بِرَسُولِكَ، فَخَرَجْنا نَتَلَقّاهُ ونُكْرِمُهُ، ونُؤَدِّي إلَيْهِ ما قَبِلَنا مِن حَقِّ اللَّهِ، فَبَدا لَهُ في الرُّجُوعِ، فَخَشِينا أنَّهُ إنَّما رَدَّهُ مِنَ الطَّرِيقِ كِتابٌ جاءَ مِنكَ لِغَضَبٍ غَضَبْتَهُ عَلَيْنا، وإنّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ وغَضِبِ رَسُولِهِ، فاتَّهَمَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وبَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ خُفْيَةً في عَسْكَرٍ، وأمَرَهُ أنْ يُخْفِيَ عَلَيْهِمْ قُدُومَهُ، وقالَ لَهُ: انْظُرْ، فَإنْ رَأيْتَ مِنهم ما يَدُلُّ عَلى إيمانِهِمْ فَخُذْ مِنهم زَكاةَ أمْوالِهِمْ، وإنْ لَمْ تَرَ ذَلِكَ فاسْتَعْمِلْ فِيهِمْ ما تَسْتَعْمِلُ في الكُفّارِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ خالِدٌ، ووافاهُمْ، فَسَمِعَ مِنهم أذانَ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ، فَأخَذَ مِنهم صَدَقاتِهِمْ، ولَمْ يُرَ مِنهم إلّا الطّاعَةَ والخَيْرَ، فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَنَزَلَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآيَةَ». والنَّبَأُ هو الخَبَرُ الغائِبُ عَنِ المُخْبَرِ إذا كانَ لَهُ شَأْنٌ، والتَّبَيُّنُ طَلَبُ بَيانِ حَقِيقَتِهِ والإحاطَةِ بِها عِلْمًا. وَهاهُنا فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّ خَبَرِ الفاسِقِ وتَكْذِيبِهِ ورَدِّ شَهادَتِهِ جُمْلَةً، وإنَّما أمَرَ بِالتَّبَيُّنِ، فَإنْ قامَتْ قَرائِنُ وأدِلَّةٌ مِن خارِجٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ عُمِلَ بِدَلِيلِ الصِّدْقِ، ولَوْ أخْبَرَ بِهِ مَن أخْبَرَ، فَهَكَذا يَنْبَغِي الِاعْتِمادُ في رِوايَةِ الفاسِقِ وشَهادَتِهِ، وكَثِيرٌ مِنَ الفاسِقِينَ يَصْدُقُونَ في أخْبارِهِمْ ورِواياتِهِمْ وشَهاداتِهِمْ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم يَتَحَرّى الصِّدْقَ غايَةَ التَّحَرِّي، وفِسْقُهُ مِن جِهاتٍ أُخَرَ، فَمِثْلُ هَذا لا يُرَدُّ خَبَرُهُ ولا شَهادَتُهُ، ولَوْ رُدَّتْ شَهادَةُ مِثْلِ هَذا ورِوايَتُهُ لَتَعَطَّلَتْ أكْثَرُ الحُقُوقِ، وبَطَلَ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، ولاسِيَّما مَن فِسْقُهُ مِن جِهَةِ الِاعْتِقادِ والرَّأْيِ، وهو مُتَحَرٍّ لِلصِّدْقِ، فَهَذا لا يُرَدُّ خَبَرُهُ ولا شَهادَتُهُ. وَأمّا مَن فِسْقُهُ مِن جِهَةِ الكَذِبِ فَإنْ كَثُرَ مِنهُ وتَكَرَّرَ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ كَذِبُهُ عَلى صِدْقِهِ، فَهَذا لا يُقْبَلُ خَبَرُهُ ولا شَهادَتُهُ، وإنْ نَدُرَ مِنهُ مَرَّةً ومَرَّتَيْنِ، فَفي رَدِّ شَهادَتِهِ وخَبَرِهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ، وهُما رِوايَتانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ. (فائدة) قالَ أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ: إذا شَهِدَ الفاسِقُ عِنْدَ الحاكِمِ وجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ في القَضِيَّةِ، وقَدْ يَحْتَجُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَحَرْفُ المَسْألَةِ: أنَّ مَدارَ قَبُولِ الشَّهادَةِ، ورَدِّها، عَلى غَلَبَةِ ظَنِّ الصِّدْقِ وعَدَمِهِ. والصَّوابُ المَقْطُوعُ بِهِ أنَّ العَدالَةَ تَتَبَعَّضُ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ عَدْلًا في شَيْءٍ، فاسِقًا في شَيْءٍ، فَإذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّهُ عَدْلٌ فِيما شَهِدَ بِهِ: قَبِلَ شَهادَتَهُ ولَمْ يَضُرَّهُ فِسْقُهُ في غَيْرِهِ. وَمَن عَرَفَ شُرُوطَ العَدالَةِ، وعَرَفَ ما عَلَيْهِ النّاسُ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوابُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الحجرات 49:7

يَقُولُ سُبْحانَهُ لَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُكم لِلْإيمانِ وإرادَتُكم لَهُ، وتَزْيِينُهُ في قُلُوبِكم مِنكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ هو الَّذِي جَعَلَهُ في قُلُوبِكم كَذَلِكَ، فَآثَرْتُمُوهُ ورَضِيتُمُوهُ، فَلِذَلِكَ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِي، ولا تَقُولُوا حَتّى يَقُولَ، ولا تَفْعَلُوا حَتّى يَأْمُرَ، فالَّذِي حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ مِنكُمْ، وأنْتُمْ فَلَوْلا تَوْفِيقُهُ لَكم لَما أذْعَنَتْ نُفُوسُكم لِلْإيمانِ، فَلَمْ يَكُنِ الإيمانُ بِمَشُورَتِكم وتَوْفِيقِ أنْفُسِكُمْ، ولا تَقَدَّمْتُمْ بِهِ إلَيْها، فَنُفُوسُكم تَقْصُرُ وتَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ ولا تَبْلُغُهُ، فَلَوْ أطاعَكم رَسُولِي في كَثِيرٍ مِمّا تُرِيدُونَ لَشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ ولَهَلَكْتُمْ وفَسَدَتْ مَصالِحُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، ولا تَظُنُّوا أنَّ نُفُوسَكم تُرِيدُ لَكُمُ الرُّشْدَ والصَّلاحَ كَما أرَدْتُمُ الإيمانَ، فَلَوْلا أنِّي حَبَّبْتُهُ إلَيْكم وزَيَّنْتُهُ في قُلُوبِكُمْ، وكَرَّهْتُ إلَيْكم ضِدَّهُ لَما وقَعَ مِنكُمْ، ولا سَمَحَتْ بِهِ أنْفُسُكم. فَهَذا الحُبُّ وهَذِهِ الكَراهَةُ لَمْ يَكُونا في النَّفْسِ ولا بِها، ولَكِنْ هو اللَّهُ الَّذِي مَنَّ بِهِما، فَجَعَلَ العَبْدَ بِسَبَبِهِما مِنَ الرّاشِدِينَ. ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (عَلِيمٌ) بِمَن يَصْلُحُ لِهَذا الفَضْلِ ويَزْكُو عَلَيْهِ وبِهِ، ويُثْمِرُ عِنْدَهُ. (حَكِيمٌ) فَلا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أهْلِهِ فَيُضَيِّعُهُ بِوَضْعِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وقال في (شفاء العليل) قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم وهذا لا يقدر عليه سواه وأما تحبيب العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى محبته فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين حبه وحسنه الداعي إلى حبه وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان وإن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح حكيم بجعله في مواضعه. [فَصْلٌ الفُسُوقُ] وَأمّا الفُسُوقُ: فَهو في كِتاب اللَّهِ نَوْعانِ: مُفْرَدٌ مُطْلَقٌ، ومَقْرُونٌ بِالعِصْيانِ. والمُفْرَدُ نَوْعانِ أيْضًا: فُسُوقُ كُفْرٍ، يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ، وفُسُوقٌ لا يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ، فالمَقْرُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. والمُفْرَدُ الَّذِي هو فُسُوقُ كُفْرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦] الآيَةَ. وَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] الآيَةَ. فَهَذا كُلُّهُ فَسُوقُ كُفْرٍ. وَأمّا الفُسُوقُ الَّذِي لا يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ فَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآيَةَ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ الفُسُوقِ الَّذِي لا يَخْرُجُ إلى الكُفْرِ. والفُسُوقُ الَّذِي تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ أعَمُّ مِنَ الفُسُوقِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ الرِّوايَةُ والشَّهادَةُ. وَكَلامُنا الآنَ فِيما تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ، وهو قِسْمانِ: فِسْقٌ مِن جِهَةِ العَمَلِ، وفِسْقٌ مِن جِهَةِ الِاعْتِقادِ. فَفِسْقُ العَمَلِ نَوْعانِ: مَقْرُونٌ بِالعِصْيانِ ومُفْرَدٌ. فالمَقْرُونَ بِالعِصْيانِ: هو ارْتِكابُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، والعِصْيانُ: هو عِصْيانُ أمْرِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] وَقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٢] وقالَ الشّاعِرُ: ؎أمَرْتُكَ أمْرًا جازِمًا فَعَصَيْتَنِي ∗∗∗ فَأصْبَحْتَ مَسْلُوبَ الإمارَةِ نادِمًا فالفِسْقُ أخَصُّ بِارْتِكابِ النَّهْيِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والمَعْصِيَةُ أخَصُّ بِمُخالَفَةِ الأمْرِ كَما تَقَدَّمَ، ويُطْلَقُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] فَسَمّى مُخالَفَتَهُ لِلْأمْرِ فِسْقًا، وقالَ ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] فَسَمّى ارْتِكابَهُ لِلنَّهْيِ مَعْصِيَةً، فَهَذا عِنْدَ الإفْرادِ، فَإذا اقْتَرَنا كانَ أحَدُهُما لِمُخالَفَةِ الأمْرِ، والآخَرُ لِمُخالَفَةِ النَّهْيِ. والتَّقْوى اتِّقاءُ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وبِتَحْقِيقِها تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنَ الفُسُوقِ والعِصْيانِ، بِأنْ يَعْمَلَ العَبْدُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ، ويَتْرُكُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَخافُ عِقابَ اللَّهِ. وَفِسْقُ الِاعْتِقادِ كَفِسْقِ أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُوجِبُونَ ما أوْجَبَ اللَّهُ، ولَكِنْ يَنْفُونَ كَثِيرًا مِمّا أثْبَتَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، جَهْلًا وتَأْوِيلًا، وتَقْلِيدًا لِلشُّيُوخِ، ويُثْبِتُونَ ما لَمْ يُثْبِتْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ. وَهَؤُلاءِ كالخَوارِجِ المارِقَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ الرَّوافِضِ، والقَدَرِيَّةِ، والمُعْتَزِلَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ الجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا غُلاةً في التَّجَهُّمِ. وَأمّا غالِيَّةُ الجَهْمِيَّةِ فَكَغُلاةِ الرّافِضَةِ، لَيْسَ لِلطّائِفَتَيْنِ في الإسْلامِ نَصِيبٌ.

الحجرات 49:8

يَقُولُ سُبْحانَهُ لَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُكم لِلْإيمانِ وإرادَتُكم لَهُ، وتَزْيِينُهُ في قُلُوبِكم مِنكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ هو الَّذِي جَعَلَهُ في قُلُوبِكم كَذَلِكَ، فَآثَرْتُمُوهُ ورَضِيتُمُوهُ، فَلِذَلِكَ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِي، ولا تَقُولُوا حَتّى يَقُولَ، ولا تَفْعَلُوا حَتّى يَأْمُرَ، فالَّذِي حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ مِنكُمْ، وأنْتُمْ فَلَوْلا تَوْفِيقُهُ لَكم لَما أذْعَنَتْ نُفُوسُكم لِلْإيمانِ، فَلَمْ يَكُنِ الإيمانُ بِمَشُورَتِكم وتَوْفِيقِ أنْفُسِكُمْ، ولا تَقَدَّمْتُمْ بِهِ إلَيْها، فَنُفُوسُكم تَقْصُرُ وتَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ ولا تَبْلُغُهُ، فَلَوْ أطاعَكم رَسُولِي في كَثِيرٍ مِمّا تُرِيدُونَ لَشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ ولَهَلَكْتُمْ وفَسَدَتْ مَصالِحُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، ولا تَظُنُّوا أنَّ نُفُوسَكم تُرِيدُ لَكُمُ الرُّشْدَ والصَّلاحَ كَما أرَدْتُمُ الإيمانَ، فَلَوْلا أنِّي حَبَّبْتُهُ إلَيْكم وزَيَّنْتُهُ في قُلُوبِكُمْ، وكَرَّهْتُ إلَيْكم ضِدَّهُ لَما وقَعَ مِنكُمْ، ولا سَمَحَتْ بِهِ أنْفُسُكم. فَهَذا الحُبُّ وهَذِهِ الكَراهَةُ لَمْ يَكُونا في النَّفْسِ ولا بِها، ولَكِنْ هو اللَّهُ الَّذِي مَنَّ بِهِما، فَجَعَلَ العَبْدَ بِسَبَبِهِما مِنَ الرّاشِدِينَ. ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (عَلِيمٌ) بِمَن يَصْلُحُ لِهَذا الفَضْلِ ويَزْكُو عَلَيْهِ وبِهِ، ويُثْمِرُ عِنْدَهُ. (حَكِيمٌ) فَلا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أهْلِهِ فَيُضَيِّعُهُ بِوَضْعِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وقال في (شفاء العليل) قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم وهذا لا يقدر عليه سواه وأما تحبيب العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى محبته فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين حبه وحسنه الداعي إلى حبه وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان وإن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح حكيم بجعله في مواضعه. [فَصْلٌ الفُسُوقُ] وَأمّا الفُسُوقُ: فَهو في كِتاب اللَّهِ نَوْعانِ: مُفْرَدٌ مُطْلَقٌ، ومَقْرُونٌ بِالعِصْيانِ. والمُفْرَدُ نَوْعانِ أيْضًا: فُسُوقُ كُفْرٍ، يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ، وفُسُوقٌ لا يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ، فالمَقْرُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. والمُفْرَدُ الَّذِي هو فُسُوقُ كُفْرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦] الآيَةَ. وَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] الآيَةَ. فَهَذا كُلُّهُ فَسُوقُ كُفْرٍ. وَأمّا الفُسُوقُ الَّذِي لا يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ فَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآيَةَ. والمَقْصُودُ ذِكْرُ الفُسُوقِ الَّذِي لا يَخْرُجُ إلى الكُفْرِ. والفُسُوقُ الَّذِي تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ أعَمُّ مِنَ الفُسُوقِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ الرِّوايَةُ والشَّهادَةُ. وَكَلامُنا الآنَ فِيما تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ، وهو قِسْمانِ: فِسْقٌ مِن جِهَةِ العَمَلِ، وفِسْقٌ مِن جِهَةِ الِاعْتِقادِ. فَفِسْقُ العَمَلِ نَوْعانِ: مَقْرُونٌ بِالعِصْيانِ ومُفْرَدٌ. فالمَقْرُونَ بِالعِصْيانِ: هو ارْتِكابُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، والعِصْيانُ: هو عِصْيانُ أمْرِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] وَقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٢] وقالَ الشّاعِرُ: ؎أمَرْتُكَ أمْرًا جازِمًا فَعَصَيْتَنِي ∗∗∗ فَأصْبَحْتَ مَسْلُوبَ الإمارَةِ نادِمًا فالفِسْقُ أخَصُّ بِارْتِكابِ النَّهْيِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والمَعْصِيَةُ أخَصُّ بِمُخالَفَةِ الأمْرِ كَما تَقَدَّمَ، ويُطْلَقُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] فَسَمّى مُخالَفَتَهُ لِلْأمْرِ فِسْقًا، وقالَ ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] فَسَمّى ارْتِكابَهُ لِلنَّهْيِ مَعْصِيَةً، فَهَذا عِنْدَ الإفْرادِ، فَإذا اقْتَرَنا كانَ أحَدُهُما لِمُخالَفَةِ الأمْرِ، والآخَرُ لِمُخالَفَةِ النَّهْيِ. والتَّقْوى اتِّقاءُ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وبِتَحْقِيقِها تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنَ الفُسُوقِ والعِصْيانِ، بِأنْ يَعْمَلَ العَبْدُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ، ويَتْرُكُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَخافُ عِقابَ اللَّهِ. وَفِسْقُ الِاعْتِقادِ كَفِسْقِ أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُوجِبُونَ ما أوْجَبَ اللَّهُ، ولَكِنْ يَنْفُونَ كَثِيرًا مِمّا أثْبَتَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، جَهْلًا وتَأْوِيلًا، وتَقْلِيدًا لِلشُّيُوخِ، ويُثْبِتُونَ ما لَمْ يُثْبِتْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ. وَهَؤُلاءِ كالخَوارِجِ المارِقَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ الرَّوافِضِ، والقَدَرِيَّةِ، والمُعْتَزِلَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ الجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا غُلاةً في التَّجَهُّمِ. وَأمّا غالِيَّةُ الجَهْمِيَّةِ فَكَغُلاةِ الرّافِضَةِ، لَيْسَ لِلطّائِفَتَيْنِ في الإسْلامِ نَصِيبٌ.

الحجرات 49:9

[الصُّلْحُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ] وَقَوْلُهُ: " والصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا صُلْحًا أحَلَّ حَرامًا أوْ حَرَّمَ حَلالًا " هَذا مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا، والمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ، إلّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا» قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وقَدْ نَدَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى الصُّلْحِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ في الدِّماءِ فَقالَ: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات: ٩] وَنَدَبَ الزَّوْجَيْنِ إلى الصُّلْحِ عِنْدَ التَّنازُعِ في حُقُوقِهِما، فَقالَ: ﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وَقالَ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وَأصْلَحَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لَمّا وقَعَ بَيْنَهُمْ، ولَمّا تَنازَعَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ أبِي حَدْرَدٍ في دَيْنٍ عَلى ابْنِ أبِي حَدْرَدٍ، أصْلَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ اسْتَوْضَعَ مِن دَيْنِ كَعْبٍ الشَّطْرَ وأمَرَ غَرِيمَهُ بِقَضاءِ الشَّطْرِ، وقالَ لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَما عِنْدَهُ: «اذْهَبا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِما ثُمَّ لْيُحْلِلْ كُلٌّ مِنكُما صاحِبَهُ» وَقالَ: «مَن كانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأخِيهِ مِن عِرْضٍ أوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنهُ اليَوْمَ قَبْلَ أنْ لا يَكُونَ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، وإنْ كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ مِنهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» وَجَوَّزَ في دَمِ العَمْدِ أنْ يَأْخُذَ أوْلِياءُ القَتِيلِ ما صُولِحُوا عَلَيْهِ، ولَمّا «اسْتُشْهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، والِدُ جابِرٍ، وكانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، سَألَ النَّبِيُّ ﷺ غُرَماءَهُ أنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حائِطَهِ ويُحْلِلُوا أباهُ». وَقالَ عَطاءٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: إنّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا بِالمُخارَجَةِ، يَعْنِي الصُّلْحَ في المِيراثِ؛ وسُمِّيَتْ المُخارَجَةُ لِأنَّ الوارِثَ يُعْطى ما يُصالِحُ عَلَيْهِ ويُخْرِجُ نَفْسَهُ مِن المِيراثِ، وصُولِحَتْ امْرَأةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِن نَصِيبِها مِن رُبُعِ الثُّمُنِ عَلى ثَمانِينَ ألْفًا، وقَدْ رَوى مِسْعَرٌ عَنْ أزْهَرَ عَنْ مُحارِبٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: " رُدُّوا الخُصُومَ حَتّى يَصْطَلِحُوا فَإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُحْدِثُ بَيْنَ القَوْمِ الضَّغائِنَ ". وَقالَ عُمَرُ أيْضًا " رُدُّوا الخُصُومَ لَعَلَّهم أنْ يَصْطَلِحُوا، فَإنَّهُ آثَرُ لِلصِّدْقِ، وأقَلُّ لِلْخِيانَةِ ". وَقالَ عُمَرُ أيْضًا: " رُدُّوا الخُصُومَ إذا كانَتْ بَيْنَهم قَرابَةٌ، فَإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُورِثُ بَيْنَهم الشَّنَآنَ " [فَصْلٌ: الحُقُوقُ ضَرْبانِ حَقُّ اللَّهِ تَعالى وحَقُّ عِبادِهِ]. والحُقُوقُ نَوْعانِ: حَقُّ اللَّهِ، وحَقُّ الآدَمِيِّ؛ فَحَقُّ اللَّهِ لا مَدْخَلَ لِلصُّلْحِ فِيهِ كالحُدُودِ والزَّكَواتِ والكَفّاراتِ ونَحْوِها، وإنَّما الصُّلْحُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ في إقامَتِها، لا في إهْمالِها، ولِهَذا لا يُقْبَلُ بِالحُدُودِ، وإذا بَلَغَتْ السُّلْطانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشّافِعَ والمُشَفِّعَ. وَأمّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ فَهي الَّتِي تَقْبَلُ الصُّلْحَ والإسْقاطَ والمُعاوَضَةَ عَلَيْها، والصُّلْحُ العادِلُ هو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ﷺ كَما قالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩] والصُّلْحُ الجائِرُ هو الظُّلْمُ بِعَيْنِهِ، وكَثِيرٌ مِن النّاسِ لا يَعْتَمِدُ العَدْلَ في الصُّلْحِ، بَلْ يُصْلِحُ صُلْحًا ظالِمًا جائِرًا، فَيُصالِحُ بَيْنَ الغَرِيمَيْنِ عَلى دُونِ الطَّفِيفِ مِن حَقِّ أحَدِهِما، والنَّبِيُّ ﷺ صالَحَ بَيْنَ كَعْبٍ وغَرِيمِهِ وصالَحَ أعْدَلَ الصُّلْحِ فَأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ الشَّطْرَ ويَدَعَ الشَّطْرَ؛ وكَذَلِكَ لَمّا عَزَمَ عَلى طَلاقِ سَوْدَةَ رَضِيَتْ بِأنْ تَهَبَ لَهُ لَيْلَتَها وتَبْقى عَلى حَقِّها مِن النَّفَقَةِ والكِسْوَةِ، فَهَذا أعْدَلُ الصُّلْحِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ ويَسْتَبْدِلَ بِها غَيْرَها، فَإذا رَضِيَتْ بِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّها وأخْذِ بَعْضِهِ وأنْ يُمْسِكَها كانَ هَذا مِن الصُّلْحِ العادِلِ، وكَذَلِكَ أرْشَدَ الخَصْمَيْنِ اللَّذَيْنِ كانَتْ بَيْنَهُما المَوارِيثُ بِأنْ يَتَوَخَّيا الحَقَّ بِحَسَبِ الإمْكانِ ثُمَّ يُحْلِلْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ؛ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالإصْلاحِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ المُقْتَتِلَتَيْنِ أوَّلًا فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَحِينَئِذٍ أمَرَ بِقِتالِ الباغِيَةِ لا بِالصُّلْحِ فَإنَّها ظالِمَةٌ، فَفي الإصْلاحِ مَعَ ظُلْمِها هَضْمٌ لِحَقِّ الطّائِفَةِ المَظْلُومَةِ، وكَثِيرٌ مِن الظَّلَمَةِ المُصْلِحِينَ يُصْلِحُ بَيْنَ القادِرِ الظّالِمِ والخَصْمِ الضَّعِيفِ المَظْلُومِ بِما يُرْضِي بِهِ القادِرَ صاحِبَ الجاهِ، ويَكُونُ لَهُ فِيهِ الحَظُّ، ويَكُونُ الإغْماضُ والحَيْفُ فِيهِ عَلى الضَّعِيفِ، ويَظُنُّ أنَّهُ قَدْ أصْلَحَ، ولا يُمَكِّنُ المَظْلُومَ مِن أخْذِ حَقِّهِ، وهَذا ظُلْمٌ، بَلْ يُمَكِّنُ المَظْلُومَ مِن اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، ثُمَّ يَطْلُبُ إلَيْهِ بِرِضاهُ أنْ يَتْرُكَ بَعْضَ حَقِّهِ بِغَيْرِ مُحاباةٍ لِصاحِبِ الجاهِ، ولا يَشْتَبِهُ بِالإكْراهِ لِلْآخَرِ بِالمُحاباةِ ونَحْوِها. [فَصْلٌ: الصُّلْحُ إمّا مَرْدُودٌ وإمّا جائِزٌ نافِذٌ] والصُّلْحُ الَّذِي يُحِلُّ الحَرامَ ويُحَرِّمُ الحَلالَ كالصُّلْحِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ بُضْعٍ حَلالٍ، أوْ إحْلالَ بِضْع حَرامٍ، أوْ إرْقاقَ حُرٍّ، أوْ نَقْلَ نَسَبٍ أوْ ولاءً عَنْ مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، أوْ أكْلَ رَبًّا، أوْ إسْقاطَ واجِبٍ، أوْ تَعْطِيلَ حَدٍّ، أوْ ظُلْمَ ثالِثٍ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ هَذا صُلْحٌ جائِزٌ مَرْدُودٌ. فالصُّلْحُ الجائِزُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ هو الَّذِي يُعْتَمَدُ فِيهِ رِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ ورِضا الخَصْمَيْنِ؛ فَهَذا أعْدَلُ الصُّلْحِ وأحَقُّهُ، وهو يَعْتَمِدُ العِلْمَ والعَدْلَ؛ فَيَكُونُ المُصْلِحُ عالِمًا بِالوَقائِعِ، عارِفًا بِالواجِبِ، قاصِدًا لِلْعَدْلِ، فَدَرَجَةُ هَذا أفْضَلُ مِن دَرَجَةِ الصّائِمِ القائِمِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصّائِمِ القائِمِ، قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ؛ فَإنَّ فَسادَ ذاتِ البَيْنِ الحالِقَةُ، أما إنِّي لا أقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» وَقَدْ جاءَ في أثَرٍ: أصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّ اللَّهُ يُصْلِحُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].

الحجرات 49:10

(فصل: المُواساة لِلْمُؤمنِ أنْواع) مواساة بِالمالِ، ومواساة الجاه، ومواساة بِالبدنِ والخدمة، ومواساة بِالنَّصِيحَةِ والإرشاد، ومواساة بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفار لَهُم، ومواساة بالتوجع لَهُم. على قدر الإيمان تكون هَذِه المُواساة، فَكلما ضعف الإيمان ضعفت المُواساة، وكلما قوي قويت. وَكانَ رَسُول الله ﷺ أعظم النّاس مواساة لأصْحابه بذلك كُله، فلأتباعه من المُواساة بِحَسب اتّباعهم لَهُ. ودخلوا على بشر الحافي في يَوْم شَدِيد البرد وقد تجرد وهو ينتفض فَقالُوا ما هَذا يا أبا نصر؟ فَقالَ ذكرت الفُقَراء وبردهم ولَيْسَ لي ما أواسيهم بِهِ فَأحْبَبْت أن أواسيهم في بردهمْ.

الحجرات 49:11

قَولُهُ تَعالى ﴿وَمَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قَسَّمَ العِبادَ إلى تائِبٍ وظالِمٍ، وما ثَمَّ قَسْمٌ ثالِثٌ ألْبَتَّةَ، وأوْقَعَ اسْمَ الظّالِمِ عَلى مَن لَمْ يَتُبْ، ولا أظْلَمَ مِنهُ، لِجَهْلِهِ بِرَبِّهِ وبِحَقِّهِ، وبِعَيْبِ نَفْسِهِ وآفاتِ أعْمالِهِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يا أيُّها النّاسُ، تُوبُوا إلى اللَّهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأتُوبُ إلَيْهِ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً». (فائدة) قالَ الله تَعالى ﴿وَلا تنابزوا بِالألْقابِ﴾ ولا خلاف في تَحْرِيم تلقيب الإنْسان بِما يكرههُ سَواء كانَ فِيهِ أو لم يكن وأما إذا عرف بذلك واشتهر بِهِ كالأعمش والأشْتَر والأصم والأعرج فقد اضطرد اسْتِعْماله على ألْسِنَة أهل العلم قَدِيما وحديثا، وسَهل فِيهِ الإمام أحْمد. قالَ أبُو داوُد في مسائِله سَمِعت أحْمد بن حَنْبَل سُئِلَ عَن الرجل يكون لَهُ اللقب لا يعرف إلّا بِهِ ولا يكرههُ. قالَ ألَيْسَ يُقال سُلَيْمان الأعْمَش وحميد الطَّوِيل؟ كَأنَّهُ لا يرى بِهِ بَأْسا. قالَ أبُو داوُد سَألت أحْمد عَنهُ مرّة أُخْرى فَرخص فِيهِ. قلت كانَ أحْمد يكره أن يَقُول الأعْمَش قالَ الفضيل يَزْعمُونَ كانَ يَقُول سُلَيْمان وإمّا أن لا يفهم مدحا ولا ذما فَإن صدر بأب وأم فَهو الكنية كَأبي فلان وأم فلان وإن لم يصدر بذلك فَهو الِاسْم كزيد وعَمْرو. وَهَذا هو الَّذِي كانَت تعرفه العَرَب وعَلِيهِ مدار مخاطباتهم. وَأما فلان الدّين وعز الدّين وعز الدولة وبهاء الدولة، فَإنَّهُم لم يَكُونُوا يعْرفُونَ ذَلِك، وإنَّما أتى هَذا من قبل العَجم. (فصل) اعلم أن الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر لشدة الداعي إليهما وسهولتهما، فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان كالنميمة والغيبة والكذب والمراء، والثناء على النفس تعريضا وتصريحا، وحكاية كلام الناس والطعن على من يبغضه، ومدح من يحبه ونحو ذلك. فتتفق قوة الداعي، وتيسر حركة اللسان، فيضعف الصبر، ولهذا قال ﷺ لمعاذ: "امسك عليك لسانك" فقال "وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به" فقال ﷺ "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" ولا سيما إذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد فإنه يعز عليه الصبر عنها ولهذا تجد الرجل يقوم الليل ويصوم النهار ويتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة، ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والمفكه في أعراض الخلق وربما رخص أهل الصلاح والعلم بالله والدين والقول على الله ما لا يعلم، وكثير ممن تجده يتورع عن الدقائق من الحرام والقطرة من الخمر ومثل رأس الإبرة من النجاسة، ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام، كما يحكى: أن رجلا خلا بامرأة أجنبية، فلما أراد مواقعتها قال يا هذه غطِّ وجهك فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام. وقد سأل رجل عبد الله بن عمر عن دم البعوض فقال انظروا إلى هؤلاء يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله؟! واتفق لي قريب من هذه الحكاية كنت في حال الإحرام فأتاني قوم من الأعراب المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألوني عن قتل المحرم القمل؟ فقلت يا عجبا لقوم لا يتورعون عن قتل النفس التي حرم الله قتلها ويسألون عن قتل القملة في الإحرام. والمقصود أن اختلاف شدة الصبر في أنواع المعاصي وآحادها يكون باختلاف داعيه إلى تلك المعصية في قوتها وضعفها. ويذكر عن على رضي الله عنه أنه قال: "الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية. فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة. ومن صبر على الطاعة حتى يؤديها كما أمر الله كتب الله له ستمائة درجة. ومن صبر عن المعصية خوفا من الله ورجاء ما عنده كتب الله له تسعمائة درجة". وقال ميمون بن مهران: "الصبر صبران فالصبر على المصيبة حسن، وأفضل منه الصبر عن المعصية". [فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ مَجْلَبَةٌ لِلذَّمِّ] وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تَسْلُبُ صاحِبَها أسْماءَ المَدْحِ والشَّرَفِ، وتَكْسُوهُ أسْماءَ الذَّمِّ والصَّغارِ، فَتَسْلُبُهُ اسْمَ المُؤْمِنِ، والبَرِّ، والمُحْسِنِ، والمُتَّقِي، والمُطِيعِ، والمُنِيبِ، والوَلِيِّ، والوَرِعِ، والصّالِحِ، والعابِدِ، والخائِفِ، والأوّابِ، والطَّيِّبِ، والمَرَضِيِّ ونَحْوِها. وَتَكْسُوهُ اسْمَ الفاجِرِ، والعاصِي، والمُخالِفِ، والمُسِيءِ، والمُفْسِدِ، والخَبِيثِ، والمَسْخُوطِ، والزّانِي، والسّارِقِ، والقاتِلِ، والكاذِبِ، والخائِنِ، واللُّوطِيِّ، وقاطِعِ الرَّحِمِ، والغادِرِ وأمْثالِها. فَهَذِهِ أسْماءُ الفُسُوقِ و﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ الَّذِي يُوجِبُ غَضَبَ الدَّيّانِ، ودُخُولَ النِّيرانِ، وعَيْشَ الخِزْيِ والهَوانِ. وَتِلْكَ أسْماءٌ تُوجِبُ رِضاءَ الرَّحْمَنِ، ودُخُولَ الجِنانِ، وتُوجِبُ شَرَفَ المُسَمّى بِها عَلى سائِرِ أنْواعِ الإنْسانِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في عُقُوبَةِ المَعْصِيَةِ إلّا اسْتِحْقاقُ تِلْكَ الأسْماءِ ومُوجِباتِها لَكانَ في العَقْلِ ناهٍ عَنْها، ولَوْ لَمْ يَكُنْ في ثَوابِ الطّاعَةِ إلّا الفَوْزُ بِتِلْكَ الأسْماءِ ومُوجِباتِها لَكانَ في العَقْلِ آمِرٌ بِها، ولَكِنْ لا مانِعَ لِما أعْطى اللَّهُ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ، ولا مُقَرِّبَ لِما باعَدَ، ولا مُبْعِدَ لِمَن قَرَّبَ، ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [الحج: ١٨].

الحجرات 49:12

وَهَذا مِن أحْسَنِ القِياسِ التَّمْثِيلِيِّ فَإنَّهُ شَبَّهَ تَمْزِيقَ عِرْضِ الأخِ بِتَمْزِيقِ لَحْمِهِ، ولَمّا كانَ المُغْتابُ يُمَزِّقُ عِرْضَ أخِيهِ في غِيبَتِهِ كانَ بِمَنزِلَةِ مَن يَقْطَعُ لَحْمَهُ في حالِ غِيبَةِ رُوحِهِ عَنْهُ بِالمَوْتِ، ولَمّا كانَ المُغْتابُ عاجِزًا عَنْ دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ غائِبًا عَنْ ذَمِّهِ كانَ بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ الَّذِي يُقَطَّعُ لَحْمُهُ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، ولَمّا كانَ مُقْتَضى الأُخُوَّةِ التَّراحُمَ والتَّواصُلَ والتَّناصُرَ فَعَلَّقَ عَلَيْها المُغْتابُ ضِدَّ مُقْتَضاها مِن الذَّمِّ والعَيْبِ والطَّعْنِ كانَ ذَلِكَ نَظِيرَ تَقْطِيعِ لَحْمِ أخِيهِ، والأُخُوَّةُ تَقْتَضِي حِفْظَهُ وصِيانَتَهُ والذَّبَّ عَنْهُ، ولَمّا كانَ المُغْتابُ مُتَمَتِّعًا بِعَرْضِ أخِيهِ مُتَفَكِّهًا بِغِيبَتِهِ وذَمِّهِ مُتَحَلِّيًا بِذَلِكَ شُبِّهَ بِآكِلِ لَحْمِ أخِيهِ بَعْدَ تَقْطِيعِهِ، ولَمّا كانَ المُغْتابُ مُحِبًّا لِذَلِكَ مُعْجَبًا بِهِ شُبِّهَ بِمَن يُحِبُّ أكْلَ لَحْمِ أخِيهِ مَيْتًا، ومَحَبَّتُهُ لِذَلِكَ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ أكْلِهِ، كَما أنَّ أكْلَهُ قَدْرٌ زائِدٌ عَلى تَمْزِيقِهِ. فَتَأمَّلْ هَذا التَّشْبِيهَ والتَّمْثِيلَ وحُسْنَ مَوْقِعِهِ ومُطابِقَةَ المَعْقُولِ فِيهِ المَحْسُوسَ، وتَأمَّلْ إخْبارَهُ عَنْهم بِكَراهَةِ أكْلِ لَحْمِ الأخِ مَيْتًا، ووَصْفَهم بِذَلِكَ في آخَرِ الآيَةِ، والإنْكارَ عَلَيْهِمْ في أوَّلِها أنْ يُحِبَّ أحَدُهم ذَلِكَ، فَكَما أنَّ هَذا مَكْرُوهٌ في طِباعِهِمْ فَكَيْفَ يُحِبُّونَ ما هو مِثْلُهُ ونَظِيرُهُ: فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما كَرِهُوهُ عَلى ما أحَبُّوهُ، وشَبَّهَ لَهم ما يُحِبُّونَهُ بِما هو أكْرَهُ شَيْءٍ إلَيْهِمْ، وهم أشَدُّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَنْهُ؛ فَلِهَذا يُوجِبُ العَقْلُ والفِطْرَةُ والحِكْمَةُ أنْ يَكُونُوا أشَدَّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَمّا هو نَظِيرُهُ ومُشْبِهُهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الحجرات 49:13

(فائدة) وَأمّا كَلامُهم في مَسْألَةِ الفَقِيرِ الصّابِرِ، والغَنِيِّ الشّاكِرِ وتَرْجِيحِ أحَدِهِما عَلى صاحِبِهِ. فَعِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ والمَعْرِفَةِ: أنَّ التَّفْضِيلَ لا يَرْجِعُ إلى ذاتِ الفَقْرِ والغِنى. وإنَّما يَرْجِعُ إلى الأعْمالِ والأحْوالِ والحَقائِقِ. فالمَسْألَةُ أيْضًا فاسِدَةٌ في نَفْسِها. فَإنَّ التَّفْضِيلَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّقْوى، وحَقائِقِ الإيمانِ. لا بِفَقْرٍ ولا غِنًى، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ أفْقَرُكم ولا أغْناكم. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - والفَقْرُ والغِنى ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ. كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ (١٥) وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ (١٦) كَلّا﴾ أيْ لَيْسَ كُلُّ مَن وسَّعْتُ عَلَيْهِ وأعْطَيْتُهُ: أكُونُ قَدْ أكْرَمْتُهُ، ولا كُلُّ مَن ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ وقَتَّرْتُ: أكُونُ قَدْ أهَنْتُهُ، فالإكْرامُ: أنْ يُكْرِمَ اللَّهُ العَبْدَ بِطاعَتِهِ، والإيمانِ بِهِ، ومَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ. والإهانَةُ: أنْ يَسْلُبَهُ ذَلِكَ. قالَ - يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ - ولا يَقَعُ التَّفاضُلُ بِالغِنى والفَقْرِ. بَلْ بِالتَّقْوى، فَإنِ اسْتَوَيا في التَّقْوى اسْتَوَيا في الدَّرَجَةِ. سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ. وَتَذاكَرُوا هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ. فَقالَ: لا يُوزَنُ غَدًا الفَقْرُ ولا الغِنى، وإنَّما يُوزَنُ الصَّبْرُ والشُّكْرُ. (فصل) قِيلَ: لا رَيْبَ أنَّ الوَلَدَ مُنْعَقِدٌ مِن ماءِ الأبِ كَما هو مُنْعَقِدٌ مِن ماءِ الأُمِّ، ولَكِنْ إنّما تَكَوَّنَ وصارَ مالًا مُتَقَوِّمًا في بَطْنِ الأُمِّ؛ فالأجْزاءُ الَّتِي صارَ بِها كَذَلِكَ مِن الأُمِّ أضْعافُ أضْعافُ الجُزْءِ الَّذِي مِن الأبِ، مَعَ مُساواتِها لَهُ في ذَلِكَ الجُزْءِ؛ فَهو إنّما تَكَوَّنَ في أحْشائِها مِن لَحْمِها ودَمِها، ولَمّا وضَعَهُ الأبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ أصْلًا، بَلْ كانَ كَما سَمّاهُ اللَّهُ ماءً مَهِينًا لا قِيمَةَ لَهُ، ولِهَذا لَوْ نَزا فَحْلُ رَجُلٍ عَلى رَمَكَةِ آخَرَ كانَ الوَلَدُ لِمالِكِ الأُمِّ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، وهَذا بِخِلافِ البَذْرِ فَإنَّهُ مالٌ مُتَقَوِّمٌ لَهُ قِيمَةٌ قَبْلَ وضْعِهِ في الأرْضِ يُعاوَضُ عَلَيْهِ بِالأثْمانِ، وعَسْبُ الفَحْلِ لا يُعاوَضُ عَلَيْهِ، فَقِياسُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ مِن أبْطَلْ القِياسِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا طَرَدْتُمْ ذَلِكَ في النَّسَبِ، وجَعَلْتُمُوهُ لِلْأُمِّ كَما جَعَلْتُمُوهُ لِلْأبِ. قِيلَ: قَدْ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ النَّسَبَ لِلْأبِ، كَما اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَتْبَعُ الأُمَّ في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ شَرْعًا وقَدَرًا؛ فَإنَّ الأبَ هو المَوْلُودُ لَهُ، والأُمُّ وِعاءٌ وإنْ تَكَوَّنَ فِيها، واللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الوَلَدَ خَلِيفَةَ أبِيهِ وشَجْنَتِهِ والقائِمَ مَقامَهُ، ووَضَعَ الأنْسابَ بَيْنَ عِبادِهِ؛ فَيُقالُ: فُلانٌ بْنُ فُلانٍ، ولا تَتِمُّ مَصالِحُهم وتَعارُفُهم ومُعامَلاتُهم إلّا بِذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] فَلَوْلا ثُبُوتُ الأنْسابِ مِن قِبَلِ الآباءِ لَما حَصَلَ التَّعارُفُ، ولَفَسَدَ نِظامُ العِبادِ؛ فَإنَّ النِّساءَ مُحْتَجِباتٍ مَسْتُوراتٍ عَنْ العُيُونِ؛ فَلا يُمْكِنُ في الغالِبِ أنْ تُعْرَفَ عَيْنُ الأُمِّ فَيَشْهَدُ عَلى نَسَبِ الوَلَدِ مِنها، فَلَوْ جُعِلَتْ الأنْسابُ لِلْأُمَّهاتِ لَضاعَتْ وفَسَدَتْ، وكانَ ذَلِكَ مُناقِضًا لِلْحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ولِهَذا إنّما يُدْعى النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ بِآبائِهِمْ لا بِأُمَّهاتِهِمْ. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ يُدْعى النّاسُ بِآبائِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ: «لِكُلِّ غادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، يُقالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ بْنِ فُلانٍ». فَكانَ مِن تَمامِ الحِكْمَةِ أنْ جَعَلَ الحُرِّيَّةَ والرِّقَّ تَبَعًا لِلْأُمِّ، والنَّسَبَ تَبَعًا لِلْأبِ، والقِياسُ الفاسِدُ إنّما يَجْمَعُ بَيْنَ ما فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ أوْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ما جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا طَرَدْتُمْ ذَلِكَ في الوَلاءِ، بَلْ جَعَلْتُمُوهُ لِمَوالِي الأُمِّ، والوَلاءُ لَحْمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ. قِيلَ: لَمّا كانَ الوَلاءُ مِن آثارِ الرِّقِّ ومُوجَباتُهُ كانَ تابِعًا لَهُ في حُكْمِهِ، فَكانَ لِمَوالِي الأُمِّ، ولَمّا كانَ فِيهِ شائِبَةُ النَّسَبِ وهو لَحْمَةٌ كَلَحْمَتِهِ رَجَعَ إلى مَوالِي الأبِ عِنْدَ انْقِطاعِهِ عَنْ مَوالِي الأُمِّ، فَرُوعِيَ فِيهِ الأمْرانِ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ الأثَرانِ. فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا جَعَلْتُمْ الوَلَدَ في الدِّيْنِ تابِعًا لِمَن لَهُ النَّسَبُ، بَلْ ألْحَقْتُمُوهُ بِأبِيهِ تارَةً وبِأُمِّهِ تارَةً. قِيلَ: الطِّفْلُ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، بَلْ لا يَكُونُ إلّا تابِعًا لِغَيْرِهِ؛ فَجَعَلَهُ الشّارِعُ تابِعًا لِخَيْرِ أبَوَيْهِ في الدِّينِ تَغْلِيبًا لِخَيْرِ الدِّينَيْنِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِن التَّبَعِيَّةِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَتْبَعَ مَن هو عَلى دِينِ الشَّيْطانِ، وتَنْقَطِعُ تَبَعِيَّتُهُ عَمَّنْ هو عَلى دِينِ الرَّحْمَنِ؛ فَهَذا مُحالٌ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وشَرْعِهِ. وقال في (التبيان في أقسام القرآن) قالوا: الحس شاهد أن الأجزاء التي في المولود من أمه أضعاف أضعاف الأجزاء التي فيه من أبيه. فثبت أن تكوينه من مني الأم ودم الطمث، ومني الأب عاقد له كالأنفحة. ونازعهم الجمهور، وقالوا: إنه يتكون من مني الرجل والأنثى، ثم لهم قولان. أحدهما: أن يكون من مني الذكر أعضاؤه، وأجزاؤه، ومن مني الأنثى صورته. والثاني: أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين، وأنهما امتزجا واختلطا وصارا ماء واحدا. وهذا هو الصواب، لأننا نجد الصورة والتشكيل تارة إلى الأب، وتارة إلى الأم. والله أعلم. وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ والأصل: هو الذكر. فمنه البذر، ومنه السقي. والأنثى وعاء ومستودع لولده. تربيه في بطنها، كما تربيه في حجرها. ولهذا كان الولد للأب حكما ونسبا. وأما تبعيته للأم في الحرية والرق فلأنه إنما تكوّن وصار ولدا في بطنها، وغذته بلبانها مع الجزء الذي فيه منها. وكان الأب أحق بنسبه وتعصيبه لأنه أصله ومادته ونسخته. وكان أشرفهما دينا أولى به، تغليبا لدين الله وشرعه. [فَصْلٌ: في حُكْمِهِ ﷺ في الكَفاءَةِ في النِّكاحِ] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وَقالَ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وَقالَ ﷺ: «لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ، ولا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ، ولا لِأبْيَضَ عَلى أسْوَدَ. ولا لِأسْوَدَ عَلى أبْيَضَ إلّا بِالتَّقْوى، النّاسُ مِن آدَمَ، وآدَمُ مِن تُرابٍ». وَقالَ ﷺ: «إنَّ آلَ بَنِي فُلانٍ لَيْسُوا لِي بِأوْلِياءَ، إنَّ أوْلِيائِيَ المُتَّقُونَ حَيْثُ كانُوا وأيْنَ كانُوا». وَفِي الترمذي: عَنْهُ ﷺ «إذا جاءَكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَأنْكِحُوهُ، إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وإنْ كانَ فِيهِ؟ فَقالَ إذا جاءَكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَأنْكِحُوهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ». «وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي بَياضَةَ (أنْكِحُوا أبا هند وأنْكِحُوا إلَيْهِ» وكانَ حَجّامًا. «وَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زينب بنت جحش القرشية مِن زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ مَوْلاهُ» «وَزَوَّجَ فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية مِن أسامة ابْنِهِ» وَتَزَوَّجَ بِلالُ بْنُ رَباحٍ بِأُخْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦] وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] فالَّذِي يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ ﷺ اعْتِبارُ الدِّينِ في الكَفاءَةِ أصْلًا وكَمالًا، فَلا تُزَوَّجُ مُسْلِمَةٌ بِكافِرٍ، ولا عَفِيفَةٌ بِفاجِرٍ، ولَمْ يَعْتَبِرِ القُرْآنُ والسُّنَّةُ في الكَفاءَةِ أمْرًا وراءَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ حَرَّمَ عَلى المُسْلِمَةِ نِكاحَ الزّانِي الخَبِيثِ، ولَمْ يَعْتَبِرْ نَسَبًا ولا صِناعَةً ولا غِنًى ولا حُرِّيَّةً، فَجَوَّزَ لِلْعَبْدِ القِنِّ نِكاحَ الحُرَّةِ النَّسِيبَةِ الغَنِيَّةِ، إذا كانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا، وجَوَّزَ لِغَيْرِ القُرَشِيِّينَ نِكاحَ القُرَشِيّاتِ، ولِغَيْرِ الهاشِمِيِّينَ نِكاحَ الهاشِمِيّاتِ، ولِلْفُقَراءِ نِكاحَ المُوسِراتِ. وَقَدْ تَنازَعَ الفُقَهاءُ في أوْصافِ الكَفاءَةِ فَقالَ مالك في ظاهِرِ مَذْهَبِهِ إنِّها الدِّينُ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ إنِّها ثَلاثَةٌ الدِّينُ والحُرِّيَّةُ والسَّلامَةُ مِنَ العُيُوبِ. وَقالَ أبو حنيفة: هي النَّسَبُ والدِّينُ. وَقالَ أحمد في رِوايَةٍ عَنْهُ هي الدِّينُ والنَّسَبُ خاصَّةً. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: هي خَمْسَةٌ الدِّينُ والنَّسَبُ والحُرِّيَّةُ والصِّناعَةُ والمالُ. وإذا اعْتُبِرَ فِيها النَّسَبُ فَعَنْهُ فِيهِ رِوايَتانِ: إحْداهُما: أنَّ العَرَبَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أكْفاءٌ. الثّانِيَةُ: أنَّ قُرَيْشًا لا يُكافِئُهم إلّا قُرَشِيٌّ، وبَنُو هاشِمٍ لا يُكافِئُهم إلّا هاشِمِيٌّ. وَقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يُعْتَبَرُ فِيها الدِّينُ والنَّسَبُ والحُرِّيَّةُ والصِّناعَةُ والسَّلامَةُ مِنَ العُيُوبِ المُنَفِّرَةِ. وَلَهم في اليَسارِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: اعْتِبارُهُ فِيها، وإلْغاؤُهُ، واعْتِبارُهُ في أهْلِ المُدُنِ دُونَ أهْلِ البَوادِي؛ فالعَجَمِيُّ لَيْسَ عِنْدَهم كُفْئًا لِلْعَرَبِيِّ، ولا غَيْرُ القُرَشِيِّ لِلْقُرَشِيَّةِ، ولا غَيْرُ الهاشِمِيِّ لِلْهاشِمِيَّةِ، ولا غَيْرُ المُنْتَسِبَةِ إلى العُلَماءِ والصُّلَحاءِ المَشْهُورِينَ كُفْئًا لِمَن لَيْسَ مُنْتَسِبًا إلَيْهِما، ولا العَبْدُ كُفْئًا لِلْحُرَّةِ، ولا العَتِيقُ كُفْئًا لِحُرَّةِ الأصْلِ، ولا مَن مَسَّ الرِّقُّ أحَدَ آبائِهِ كُفْئًا لِمَن لَمْ يَمَسَّها رِقٌّ، ولا أحَدًا مِن آبائِها، وفي تَأْثِيرِ رِقِّ الأُمَّهاتِ وجْهانِ، ولا مَن بِهِ عَيْبٌ مُثْبِتٌ لِلْفَسْخِ كُفْئًا لِلسَّلِيمَةِ مِنهُ، فَإنْ لَمْ يَثْبُتِ الفَسْخُ وكانَ مُنَفِّرًا كالعَمى والقَطْعِ، وتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ، فَوَجْهانِ: واخْتارَ الرُّويانِيُّ أنَّ صاحِبَهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ، ولا الحَجّامُ والحائِكُ والحارِسُ كُفْئًا لِبِنْتِ التّاجِرِ والخَيّاطِ ونَحْوِهِما، ولا المُحْتَرِفُ لِبِنْتِ العالِمِ، ولا الفاسِقُ كُفْئًا لِلْعَفِيفَةِ، ولا المُبْتَدِعُ لِلسُّنِّيَّةِ، ولَكِنِ الكَفاءَةُ عِنْدَ الجُمْهُورِ هي حَقٌّ لِلْمَرْأةِ والأوْلِياءِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: هي لِمَن لَهُ وِلايَةٌ في الحالِ. وَقالَ أحمد في رِوايَةٍ: حَقٌّ لِجَمِيعِ الأوْلِياءِ، قَرِيبُهم وبَعِيدُهُمْ، فَمَن لَمْ يَرْضَ مِنهم فَلَهُ الفَسْخُ. وقالَ أحمد في رِوايَةٍ ثالِثَةٍ: إنِّها حَقُّ اللَّهِ، فَلا يَصِحُّ رِضاهم بِإسْقاطِهِ، ولَكِنْ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لا تُعْتَبَرُ الحُرِّيَّةُ ولا اليَسارُ، ولا الصِّناعَةُ ولا النَّسَبُ، إنَّما يُعْتَبَرُ الدِّينُ فَقَطْ فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحمد، ولا أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ إنَّ نِكاحَ الفَقِيرِ لِلْمُوسِرَةِ باطِلٌ، وإنْ رَضِيَتْ، ولا يَقُولُ هو ولا أحَدٌ: إنَّ نِكاحَ الهاشِمِيَّةِ لِغَيْرِ الهاشِمِيِّ والقُرَشِيَّةِ لِغَيْرِ القُرَشِيِّ باطِلٌ، وإنَّما نَبَّهْنا عَلى هَذا لِأنَّ كَثِيرًا مِن أصْحابِنا يَحْكُونَ الخِلافَ في الكِفاءَةِ، هَلْ هي حَقٌّ لِلَّهِ أوْ لِلْآدَمِيِّ؟ ويُطْلِقُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الكَفاءَةَ هي الخِصالُ المَذْكُورَةُ، وفي هَذا مِنَ التَّساهُلِ وعَدَمِ التَّحْقِيقِ ما فِيهِ.

الحجرات 49:14

(فائدة) قال تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم﴾ ثم ذكر وصف أهل الإيمان فقال: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ فالتصديق والطاعة لا يكون إيمانا حتى يكون مطلقا، فإذا تقيد فأعلى أحواله إن سلم من الشك أن يكون إسلاما، ويكون صاحبه من عوام المسلمين، لا من خواص المؤمنين. (لطيفة) وَكانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ يُكْثِرُ التَّلْبِيَةَ في إحْرامِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَبَّيْكَ، لَوْ كانَ رِياءً لاضْمَحَلَّ وقَدْ نَفى اللَّهُ تَعالى الإيمانَ عَمَّنِ ادَّعاهُ. ولَيْسَ لَهُ فِيهِ ذَوْقٌ. فَقالَ تَعالى ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. فَهَؤُلاءِ مُسْلِمُونَ، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ. لِأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ باشَرَ الإيمانُ قَلْبَهُ، فَذاقَ حَلاوَتَهُ وطَعْمَهُ. وهَذا حالُ أكْثَرِ المُنْتَسِبِينَ إلى الإسْلامِ. ولَيْسَ هَؤُلاءِ كُفّارًا. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ لَهُمُ الإسْلامَ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ وَلَمْ يُرِدْ: قُولُوا بِألْسِنَتِكُمْ، مِن غَيْرِ مُواطَأةِ القَلْبِ. فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ آمَنّا وقَوْلِهِمْ أسْلَمْنا، ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَذُوقُوا طَعْمَ الإيمانِ، قالَ: لَمْ تُؤْمِنُوا. ووَعَدَهم سُبْحانَهُ وتَعالى - مَعَ ذَلِكَ - عَلى طاعَتِهِمْ أنْ لا يُنْقِصَهم مِن أُجُورِ أعْمالِهِمْ شَيْئًا. ثُمَّ ذَكَرَ أهْلَ الإيمانِ الَّذِينَ ذاقُوا طَعْمَهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وبِرَسُولِهِ. ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا في إيمانِهِمْ. وإنَّما انْتَفى عَنْهُمُ الرَّيْبُ: لِأنَّ الإيمانَ قَدْ باشَرَ قُلُوبَهم. وخالَطَتْها بَشاشَتُهُ. فَلَمْ يَبْقَ لِلرَّيْبِ فِيهِ مَوْضِعٌ. وَصَدَّقَ ذَلِكَ الذَّوْقَ: بَذْلُهم أحَبَّ شَيْءٍ إلَيْهِمْ في رِضا رَبِّهِمْ تَعالى. وهو أمْوالُهم وأنْفُسُهم. وَمِنَ المُمْتَنِعِ: حُصُولُ هَذا البَذْلِ مِن غَيْرِ ذَوْقِ طَعْمِ الإيمانِ، ووُجُودِ حَلاوَتِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِصِدْقِ الذَّوْقِ والوَجْدِ. كَما قالَ الحَسَنُ لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي، ولا بِالتَّحَلِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ، وصَدَّقَهُ العَمَلُ. فالذَّوْقُ والوَجْدُ: أمْرٌ باطِنٌ، والعَمَلُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ومُصَدِّقٌ لَهُ. كَما أنَّ الرَّيْبَ والشَّكَّ والنِّفاقَ: أمْرٌ باطِنٌ. والعَمَلُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ومُصَدِّقٌ لَهُ. فالأعْمالُ ثَمَراتُ العُلُومِ والعَقائِدِ. فاليَقِينُ: يُثْمِرُ الجِهادَ، ومَقاماتِ الإحْسانِ. فَعَلى حَسَبِ قُوَّتِهِ تَكُونُ ثَمَرَتُهُ ونَتِيجَتُهُ. والرَّيْبُ والشَّكُّ: يُثْمِرُ الأعْمالَ المُناسِبَةَ لَهُ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فصل: قاعدة الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان) فالإيمان المطلق لا يطلق إلا على الكامل الكمال المأمور به ومطلق الإيمان يطلق على الناقص والكامل. ولهذا نفى النبي ﷺ الإيمان المطلق عن الزاني وشارب الخمر والسارق، ولم ينف عنه مطلق الإيمان لئلا يدخل في قوله: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ ولا في قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ ولا في قوله: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى آخر الآيات. ويدخل في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ وفي قوله: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ وفي قوله: "لا يقتل مؤمن بكافر " وأمثال ذلك. فلهذا كان قوله تعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ نفيا للإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان لوجوه: منها أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك. ومنها أنه قال: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ ولم يقل قال المنافقون. ومنها أن هؤلاء الجفاة الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظة منهم وجفاء لا نفاقا وكفرا. ومنها أنه قال ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ ولم ينف دخول الإسلام في قلوبهم ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان. ومنها أن الله تعالى قال: ﴿وَإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ أي لا ينقصكم والمنافق لا طاعة له. ومنها أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ فأثبت لهم إسلامهم ونهاهم أن يمنوا على رسول الله ﷺ ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال لم تسلموا بل أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ لما لم تطابق شهادتهم اعتقادهم. ومنها أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ ولو كانوا منافقين لما من عليهم. ومنها أنه قال: ﴿أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فإنه نفى الإيمان المطلق ومن عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان. ومنها أن النبي ﷺ لما قسم القسم قال له سعد: أعطيت فلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال: "أو مسلم ثلاث مرات" وأثبت له الإسلام دون الإيمان. وفي الآية أسرار بديعة ليس هذا موضعها والمقصود الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ فالإيمان المطلق يمنع دخول النار ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها. العاشر: إنك إذا قلت الأمر المطلق فقد أدخلت اللام على الأمر وهي تفيد العموم والشمول، ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة وغيرهما، فهو عام في كل فرد من الأفراد التي هذا شأنها. وأما مطلق الأمر فالإضافة فيه ليست للعموم بل للتمييز، فهو قدر مشترك مطلق لا عام فيصدق بفرد من أفراده. وعلى هذا فمطلق البيع جائز، والبيع المطلق ينقسم إلى جائز وغيره. والأمر المطلق للوجوب، ومطلق الأمر ينقسم إلى الواجب والمندوب. والماء المطلق طهور، ومطلق الماء ينقسم إلى طهور وغيره. والملك المطلق هو الذي يثبت للحر، ومطلق الملك يثبت للعبد. فإذا قيل العبد هل يملك أم لا يملك؟ كان الصواب إثبات مطلق الملك له دون الملك المطلق. وإذا قيل هل الفاسق مؤمن أم غير مؤمن؟ فهو على هذا التفصيل والله تعالى أعلم. فبهذا التحقيق يزول الإشكال في مسألة المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ وفي مسألة الفاسق هل هو مؤمن أم لا؟ (قاعِدَة) الإيمان لَهُ ظاهر وباطن وظاهره قَول اللِّسان وعمل الجَوارِح، وباطنه تَصْدِيق القلب وانقياده ومحبته. فَلا ينفع ظاهر لا باطِن لَهُ، وإن حقن بِهِ الدِّماء، وعصم بِهِ المال والذريّة. وَلا يجزئ باطِن لا ظاهر لَهُ إلّا إذا تعذّر بعجز أو إكْراه وخَوف هَلاك، فَتخلف العَمَل ظاهرا مَعَ عدم المانِع دَلِيل على فَساد الباطِن وخلوّه من الإيمان، ونقصه دَلِيل نَقصه، وقوته دَلِيل قوته. فالإيمان قلب الإسْلام ولبه، واليَقِين قلب الإيمان ولبه، وكل علم وعمل لا يزِيد الإيمان واليَقِين قُوَّة فمدخول، وكل إيمان لا يبْعَث على العَمَل فمدخول. [فَصْلٌ: الأحْكامَ تَجْرِي عَلى الظَّواهِرِ] فَإنْ قِيلَ: قَدْ أطَلْتُمْ الكَلامَ في مَسْألَةِ القُصُودِ في العُقُودِ، ونَحْنُ نُحاكِمُكم إلى القُرْآنِ والسُّنَّةِ وأقْوالِ الأئِمَّةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ: ﴿وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١] فَرَتَّبَ الحُكْيمَ عَلى ظاهِرِ إيمانِهِمْ، ورَدَّ عِلْمَ ما في أنْفُسِهِمْ إلى العالِمِ بِالسَّرائِرِ تَعالى المُنْفَرِدِ بِعِلْمِ ذاتِ الصُّدُورِ وعِلْمِ ما في النُّفُوسِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وقَدْ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] وَقَدْ قالَ ﷺ: «إنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ، ولا أشُقَّ بُطُونَهُمْ» وقَدْ قالَ: «أُمِرْت أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّ الإسْلامِ وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» فاكْتَفى مِنهم بِالظّاهِرِ، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ بِاَلَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ واعْتَذَرُوا إلَيْهِ، قَبِلَ مِنهم عَلانِيَتَهُمْ، ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَذَلِكَ كانَتْ سِيرَتُهُ في المُنافِقِينَ: قَبُولُ ظاهِرِ إسْلامِهِمْ، ويَكِلُ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَلَمْ يَجْعَلْ لَنا عِلْمًا بِالنِّيّاتِ والمَقاصِدِ تَتَعَلَّقُ الأحْكامُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِها، فَقَوْلُنا لا عِلْمَ لَنا بِهِ. قالَ الشّافِعِيُّ: فَرَضَ اللَّهُ تَعالى عَلى خَلْقِهِ طاعَةَ نَبِيِّهِ، ولَمْ يَجْعَلْ لَهم مِن الأمْرِ شَيْئًا، فَأوْلى ألّا يَتَعاطَوْا حُكْمًا عَلى غَيْبِ أحَدٍ بِدَلالَةٍ ولا ظَنٍّ؛ لِقُصُورِ عِلْمِهِمْ مِن عُلُومِ أنْبِيائِهِ الَّذِينَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ الوُقُوفَ عَمّا ورَدَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَأْتِيَهم أمْرُهُ؛ فَإنَّهُ تَعالى ظاهَرَ عَلَيْهِمْ الحُجَجَ، فَما جَعَلَ إلَيْهِمْ الحُكْمَ في الدُّنْيا إلّا بِما ظَهَرَ مِن المَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَفَرَضَ عَلى نَبِيِّهِ أنْ يُقاتِلَ أهْلَ الأوْثانِ حَتّى يُسْلِمُوا فَتُحْقَنَ دِماؤُهم إذا أظْهَرُوا الإسْلامَ، وأُعْلِمَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ صِدْقَهم بِالإسْلامِ إلّا اللَّهُ؛ ثُمَّ أطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى قَوْمٍ يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُسِرُّونَ غَيْرَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِخِلافِ حُكْمِ الإسْلامِ، ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ أنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا بِخِلافِ ما أظْهَرُوا؛ فَقالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] يَعْنِي أسْلَمْنا بِالقَوْلِ مَخافَةَ القَتْلِ والسَّبْيِ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ يَجْزِيهِمْ إنْ أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، يَعْنِي إنْ أحْدَثُوا طاعَةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وقالَ في المُنافِقِينَ وهم صِنْفٌ ثانٍ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] يَعْنِي جُنَّةً مِن القَتْلِ، وقالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٥] فَأمَرَ بِقَبُولِ ما أظْهَرُوا، ولَمْ يَجْعَلْ لِنَبِيِّهِ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِخِلافِ حُكْمِ الإيمانِ، وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّهم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِن النّارِ؛ فَجَعَلَ حُكْمَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عَلى سَرائِرِهِمْ، وحُكْمَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا عَلى عَلانِيَتِهِمْ بِإظْهارِ التَّوْبَةِ وما قامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ مِن المُسْلِمِينَ وبِما أقَرُّوا بِقَوْلِهِ وما جَحَدُوا مِن قَوْلِ الكُفْرِ ما لَمْ يُقِرُّوا بِهِ ولَمْ يَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبَهم في قَوْلِهِمْ في كُلِّ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ اللَّهِ، أخْبَرَنا مالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ: أنَّ «رَجُلًا سارَّ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمْ يَدْرِ ما سارَّهُ حَتّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو يُشاوِرُهُ في قَتْلِ رَجُلٍ مِن المُنافِقِينَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ألَيْسَ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ قالَ: بَلى، ولا شَهادَةَ لَهُ، فَقالَ: ألَيْسَ يُصَلِّي؟ قالَ: بَلى، ولا صَلاةَ لَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ» ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ: «أُمِرْت أنْ أُقاتِلَ النّاسَ» ثُمَّ قالَ: فَحِسابُهم عَلى اللَّهِ بِصِدْقِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وسَرائِرُهم إلى اللَّهِ العالِمِ بِسَرائِرِهِمْ المُتَوَلِّي الحُكْمَ عَلَيْهِمْ دُونَ أنْبِيائِهِ وحُكّامِ خَلْقِهِ. وَبِذَلِكَ مَضَتْ أحْكامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما بَيْنَ العِبادِ مِن الحُدُودِ وجَمِيعِ الحُقُوقِ، أعْلَمَهم أنَّ جَمِيعَ أحْكامِهِ عَلى ما يُظْهِرُونَ، واللَّهُ يُدِينُ بِالسَّرائِرِ. [فصل: وُضِعَتْ الألْفاظُ لِتَعْرِيفِ ما في النَّفْسِ] إنّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ الألْفاظَ بَيْنَ عِبادِهِ تَعْرِيفًا ودَلالَةً عَلى ما في نُفُوسِهِمْ، فَإذا أرادَ أحَدُهم مِن الآخَرِ شَيْئًا عَرَّفَهُ بِمُرادِهِ وما في نَفْسِهِ بِلَفْظِهِ، ورَتَّبَ عَلى تِلْكَ الإراداتِ والمَقاصِدِ أحْكامَها بِواسِطَةِ الألْفاظِ، ولَمْ يُرَتِّبْ تِلْكَ الأحْكامَ عَلى مُجَرَّدِ ما في النُّفُوسِ مِن غَيْرِ دَلالَةِ فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، ولا عَلى مُجَرَّدِ ألْفاظٍ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ بِها لَمْ يُرِدْ مَعانِيَها ولَمْ يُحِطْ بِها عِلْمًا، بَلْ تَجاوَزَ لِلْأُمَّةِ عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تُكَلِّمْ بِهِ، وتَجاوَزَ لَها عَمّا تَكَلَّمَتْ بِهِ مُخْطِئَةً أوْ ناسِيَةً أوْ مُكْرَهَةً أوْ غَيْرَ عالِمَةٍ بِهِ إذا لَمْ تَكُنْ مُرِيدَةً لِمَعْنى ما تَكَلَّمَتْ بِهِ أوْ قاصِدَةً إلَيْهِ، فَإذا اجْتَمَعَ القَصْدُ والدَّلالَةُ القَوْلِيَّةُ أوْ الفِعْلِيَّةُ تَرَتَّبَ الحُكْمُ. هَذِهِ قاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ، وهي مِن مُقْتَضَياتِ عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، فَإنَّ خَواطِرَ القُلُوبِ وإرادَةَ النُّفُوسِ لا تَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيارِ، فَلَوْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْها الأحْكامُ لَكانَ في ذَلِكَ أعْظَمُ حَرَجٍ ومَشَقَّةٍ عَلى الأُمَّةِ، ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ تَأْبى ذَلِكَ، والغَلَطُ والنِّسْيانُ والسَّهْوُ وسَبْقُ اللِّسانِ بِما لا يُرِيدُهُ العَبْدُ بَلْ يُرِيدُ خِلافَهُ والتَّكَلُّمُ بِهِ مُكْرَهًا وغَيْرَ عارِفٍ لِمُقْتَضاهُ مِن لَوازِمِ البَشَرِيَّةِ لا يَكادُ يَنْفَكُّ الإنْسانُ مِن شَيْءٍ مِنهُ؛ فَلَوْ رَتَّبَ عَلَيْهِ الحُكْمَ لَحَرَجَتْ الأُمَّةُ وأصابَها غايَةُ التَّعَبِ والمَشَقَّةِ؛ فَرَفَعَ عَنْها المُؤاخَذَةَ بِذَلِكَ كُلِّهِ حَتّى الخَطَأِ في اللَّفْظِ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ والغَضَبِ والسُّكْرِ كَما تَقَدَّمَتْ شَواهِدُهُ. وَكَذَلِكَ الخَطَأُ والنِّسْيانُ والإكْراهُ والجَهْلُ بِالمَعْنى وسَبْقُ اللِّسانِ بِما لَمْ يُرِدْهُ والتَّكَلُّمُ في الإغْلاقِ ولَغْوُ اليَمِينِ؛ فَهَذِهِ عَشْرَةُ أشْياءَ لا يُؤاخِذُ اللَّهُ بِها عَبْدَهُ بِالتَّكَلُّمِ في حالٍ مِنها؛ لِعَدَمِ قَصْدِهِ وعَقْدِ قَلْبِهِ الَّذِي يُؤاخِذُهُ بِهِ. (فصل: إلحاق علامة التأنيث للفعل) قالوا إن الاسم المؤنث لو كان تأنيثه حقيقيا فلا بد من لحوق تاء التأنيث في الفعل، وإن كان مجازيا لكنت بالخيار وزعموا أن التاء في: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ ونحوه لتأنيث الجماعة وهو غير حقيقي وقد كان على لحوق التاء في: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ أولى لأن تأنيثهن حقيقي واتفقوا أن الفعل إذا تأخر عن فاعله المؤنث فلا بد من إثبات التاء وإن لم يكن التأنيث حقيقيا ولم يذكروا فرقا بين تقدم الفعل وتأخره. ومما يقال لهم إذا لحقت التاء لتأنيث الجماعة فلم لا يجوز في جمع السلامة المذكر كما جازت في جمع التكسير ومما يقال لهم أيضا إذا كان لفظ الجماعة مؤنثا فلفظ الجمع مذكر فلم روعي لفظ التأنيث دون لفظ التذكير. فإن قلت أنت مخير فإن راعيت لفظ التأنيث أنثت، وإن راعيت لفظ التذكير ذكرت. قيل لهم هذا باطل فإن أحدا من العرب لم يقل الهندان ذهب ولا الأعراب انطلق. مراعاة للفظ الجمع، فبطلت العلة فهذه عللهم قد انتقضت كما ترى فاسمع الآن سر المسألة وكشف قناعها. الأصل في هذا الباب أن الفعل متى اتصل بفاعله ولم يحجز بينهما حاجز لحقت العلامة ولا نبالي أكان التأنيث حقيقيا أم مجازيا فتقول طابت الثمرة، وجاءت هند إلا أن يكون الاسم المؤنث في معنى اسم آخر مذكر كالحوادث والحدثان والأرض،: فلذلك جاء فإن الحوادث أودى بها. فإن الحوادث في معنى الحدثان وجاء ولا أرض أبقل إبقالها فإنه في معنى ولا مكان أبقل إبقالها وإذا فصلت الفعل عن فاعله فكلما بعد عنه قوي حذف العلامة وكلما قرب قوي إثباتها وإن توسط توسط ف حضر القاضي اليوم امرأة أحسن من حضرت وفي القرآن: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ومن هنا كان إذا تأخر الفعل عن الفاعل وجب ثبوت التاء طال الكلام أم قصر لأن الفعل إذا تأخر كان فاعله مضمرا متصلا به اتصال الجزء بالكل فلم يكن بد من ثبوت التاء لفرط الاتصال وإذا تقدم الفعل متصلا بفاعله الظاهر فليس مؤخر الاتصال كهو مع المضمر لأن الفاعل الظاهر كلمة والفعل كلمة أخرى كان حذف التاء في تأنيث هند وطابت الثمرة أقرب إلى الجواز منه في قولك الثمرة طابت فإن حجز بين الفعل وفاعله حاجز كان حذف التاء حسنا وكلما كثرت الحواجز كان حذفها أحسن فإن كان الفاعل جمعا مكسرا دخلت التاء للتأنيث وحذفت لتذكير اللفظ لأنه بمنزلة الواحد في أن إعرابه كإعرابه، ومجراه في كثير من الكلام مجرى اسم الجنس فإن كان الجمع مسلما فلا بد من التذكير لسلامة لفظ الواحدة فلا تقول قالت الكافرون كما لا تقول قالت الكافر لأن اللفظ بحاله لم يتغير بطرو الجمع عليه. فإن قيل: فلم لا تقول الأعراب قال: كما تقوله مقدما؟ قيل ثبوت التاء إنما كان مراعاة لمعنى الجماعة فإذا أردت ذلك المعنى أثبت التاء وإن تأخر الفعل لم يجز حذفه لاتصال الضمير وإن لم ترد معنى الجماعة حذفت التاء إذا تقدم الفعل ولم يحتج إليها إذا تأخر لأن ضمير الفاعلين لجماعة في المعنى وليسوا جمعا لأن الجمع مصدر جمعت أجمع فمن قال: إن التذكير في ذهب الرجال وقام الهندات مراعاة لمعنى الجمع فقد أخطأ وأما حذف التاء من وقال نسوة فلأنه اسم جمع كرهط وقوم ولولا أن فيه تاء التأنيث لفتحت التاء في فعله ولكنه قد يجوز أن تقول قالت نسوة كما تقول: سألت قبيلة ونسوة. فإن قلت: إذا كانت النسوة باللام كان دخول التاء في الفعل أحسن كما كان ذلك في ﴿قالت الأعراب﴾ لأن اللام للعهد وكان الاسم قد تقدم ذكره فأشبهت حال الفعل حاله إذا كان فيه ضمير يعود إلى مذكور من أجل الألف واللام فإنها ترد إلى معهود معنى الصيحة في القرآن الكريم فإذا قلت: فإذا استوى ذكر التاء وتركها في الفعل المتقدم وفاعله مؤنث غير حقيقي فما الحكمة في اختصاصها في قصة شعيب بالفعل وحذفها في قصة صالح {وأخذ الذين ظلموا الصيحة)؟ قلت الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي إذ كانت منتظمة بقوله سبحانه: ﴿وَمِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية فقوي التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك. هذا جواب السهيلي. وعندي فيه جواب أحسن من هذا إن شاء الله وهو: أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ أحدها: الرجفة في قوله في الأعراف: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الثاني: الظلة بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ الثالث: الصيحة: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم فصهرتهم الشمس بحرها ورفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم.

الحجرات 49:17

[فَصْلٌ: في قُدُومِ وفْدِ بَنِي أسَدٍ] وَقَدِمَ عَلَيْهِ ﷺ وفْدُ بَنِي أسَدٍ عَشَرَةُ رَهْطٍ، فِيهِمْ وابصة بن معبد، وطلحة بن خويلد، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ مَعَ أصْحابِهِ في المَسْجِدِ، فَتَكَلَّمُوا فَقالَ مُتَكَلِّمُهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا شَهِدْنا أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّكَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وجِئْناكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَمْ تَبْعَثْ إلَيْنا بَعْثًا، ونَحْنُ لِمَن وراءَنا. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] وَكانَ مِمّا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ: العِيافَةُ والكَهانَةُ وضَرْبُ الحَصى، فَنَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ هَذِهِ أُمُورٌ كُنّا نَفْعَلُها في الجاهِلِيَّةِ أرَأيْتَ خَصْلَةً بَقِيَتْ؟ قالَ: " وما هِيَ؟ " قالُوا: الخَطُّ. قالَ: " عُلِّمَهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ فَمَن صادَفَ مِثْلَ عِلْمِهِ عَلِمَ» ". (فصل) العَبْدُ بَيْنَ مِنَّةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وحُجَّةٍ مِنهُ عَلَيْهِ، ولا يَنْفَكُّ عَنْهُما، فالحُكْمُ الدِّينِيُّ مُتَضَمِّنٌ لِمِنَّتِهِ وحُجَّتِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وَقالَ ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وَقالَ ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. والحُكْمُ الكَوْنِيُّ أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِمِنَّتِهِ وحُجَّتِهِ، فَإذا حَكَمَ لَهُ كَوْنًا حُكْمًا مَصْحُوبًا بِاتِّصالِ الحُكْمِ الدِّينِيِّ بِهِ فَهو مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَصْحَبْهُ الدِّينِيُّ فَهو حُجَّةٌ مِنهُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ الدِّينِيُّ إذا اتَّصَلَ بِهِ حُكْمُهُ الكَوْنِيُّ، فَتَوْفِيقُهُ لِلْقِيامِ بِهِ مِنَّةٌ مِنهُ عَلَيْهِ، وإنْ تَجَرَّدَ عَنْ حُكْمِهِ الكَوْنِيِّ صارَ حُجَّةً مِنهُ عَلَيْهِ، فالمِنَّةُ بِاقْتِرانِ أحَدِ الحُكْمَيْنِ بِصاحِبِهِ، والحُجَّةُ في تَجَرُّدِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، فَكُلُّ عِلْمٍ صَحِبَهُ عَمَلٌ يُرْضِي اللَّهَ سُبْحانَهُ فَهو مِنَّةٌ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ قُوَّةٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ صَحِبَها تَنْفِيذٌ لِمَرْضاتِهِ وأوامِرِهِ فَهي مِنَّةٌ، وإلّا فَهي حُجَّةٌ. وَكُلُّ حالٍ صَحِبَهُ تَأْثِيرٌ في نُصْرَةِ دِينِهِ، والدَّعْوَةِ إلَيْهِ فَهو مِنَّةٌ مِنهُ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ مالٍ اقْتَرَنَ بِهِ إنْفاقٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، لا لِطَلَبِ الجَزاءِ ولا الشَّكُورِ، فَهو مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ فَراغٍ اقْتَرَنَ بِهِ اشْتِغالٌ بِما يُرِيدُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ فَهو مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ قَبُولٍ في النّاسِ، وتَعْظِيمٍ ومَحَبَّةٍ لَهُ، اتَّصَلَ بِهِ خُضُوعٌ لِلرَّبِّ، وذُلٌّ وانْكِسارٌ، ومَعْرِفَةٌ بِعَيْبِ النَّفْسِ والعَمَلِ، وبَذْلِ النَّصِيحَةِ لِلْخَلْقِ فَهو مِنَّةٌ، وإلّا فَهو حُجَّةٌ. وَكُلُّ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٍ، وتَذْكِيرٍ وتَعْرِيفٍ مِن تَعْرِيفاتِ الحَقِّ سُبْحانَهُ إلى العَبْدِ، اتَّصَلَ بِهِ عِبْرَةٌ ومَزِيدٌ في العَقْلِ، ومَعْرِفَةٌ في الإيمانِ فَهي مِنَّةٌ، وإلّا فَهي حُجَّةٌ. وَكُلُّ حالٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مَقامٍ اتَّصَلَ بِهِ السَّيْرُ إلى اللَّهِ، وإيثارُ مُرادِهِ عَلى مُرادِ العَبْدِ، فَهو مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وإنْ صَحِبَهُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ والرِّضى بِهِ، وإيثارُ مُقْتَضاهُ، مِن لَذَّةِ النَّفْسِ بِهِ وطُمَأْنِينَتِها إلَيْها، ورُكُونِها إلَيْهِ، فَهو حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَلْيَتَأمَّلِ العَبْدُ هَذا المَوْضِعَ العَظِيمَ الخَطَرِ، ويُمَيِّزْ بَيْنَ مَواقِعِ المِنَنِ والمِحَنِ، والحُجَجِ والنِّعَمِ، فَما أكْثَرَ ما يَلْتَبِسُ ذَلِكَ عَلى خَواصِّ النّاسِ وأرْبابِ السُّلُوكِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.